جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

مقرر الثقافة الإسلامية 2


- 2016/10/27

 

مقــرر الثقــافـة الإسلامية

(201)

 

.

 

يختص هذا المقرر بدراسة مصادر التشريع في الإسلام وهي على النحو الآتي:

1 ــ القرآن الكريم كلام الله سبحانه : تعريفه، نزوله،وكيفية الوحي به إلى النبي r ، تدوينه، جمعه، القراءات المتواترة ، أنواع الإعجازفيه ، وتطبيق ذلك بدارسة لسورة الحجرات .

2 ــ السنة النبوية : التعريف بها وأقسامها وتدوينها، والتعريف بأهم كتبها وأهميتها ومكانتها ، ورد شُبه الطاعنين على السنة إلى غير ذلك ، يلي ذلك دراسة متأنية لطائفة من جوامع كلم النبي r لفهمها واستنباط الأحكام منها.

3ـ الإجماع: تعريفه، وممن يكون، وكيف ومتى، وكونه لا يخرج عن الكتاب والسنة.

4ـ القياس: تعريفه، أركانه، شروطه، ومستنده من الكتاب والسنة .

5ـ الاجتهاد: تعريفه، وممن يكون، شروط المجتهد، وكون الاجتهاد مستنبطاً من الكتاب والسنة ومعتمداً عليهما، الفتوى: تعريفها، أهميتها، شروط المفتي، وصفاته .

ومما ينبغي معرفته أن:

أولاً: أن مصادر القياس والاجتهاد والإجماع خاصة بالتشريع دون العقيدة وأصول الدين.

ثانياً: أن هذه المصادر راجعة إلى الأصول الرئيسية من الكتاب والسنة، المصدر الرباني المعصوم وليست خارجة عنهما، وكذلك الإجماع فلا إجماع إلا ما كان مستنداً إلى دليل من الكتاب والسنة .

 

مكانة مصادر التشريع الإسلامي :

إن مصادر الدين الإسلامي تتميز بثلاثة ركائز، على الأولى تنبني الثانية، وعلى الثانية والأولى تنبني الثالثة، وذلك على النحو الآتي:

فالركيزة الأولى: هي أن هذه المصادر ربانية، أساسها وحي الله لنبيه محمد ^، أُنزلت وفق علم الله كما قال سبحانه: ﴿ﭥ  ﭦ  ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ  ﭭ  ﭮ    ﭯ         ﭰ   ﭱﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ﴾ [هود: ١٤]، وقوله: ﴿ﯧ  ﯨ     ﯩ  ﯪ  ﯫ   ﯬ  ﯭ  ﯮﯯ  ﯰ  ﯱ  ﯲ  ﯳ   ﯴ  ﯵ  ﯶ  ﯷ  ﯸﯹ  ﯺ  ﯻ  ﯼ  ﯽ  ﯾ  ﯿ﴾ [القصص: ٥٠]، وهي أيضاً لها ضمانة ربانية في حفظها وبقائها ﴿ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ      ﮛ  ﮜ   ﮝ﴾ [الحجر: ٩]، وهذا أمر لم يتأت لما أُنزل قبلها من شرائع.

الركيزة الثانية المبنية على الأولى: هي لكون أن هذه المصادر ربانية نزلت بعلم الله فهي تامة وكاملة وموفية لكل ضرورة وحاجة للإنسان ما بقي له بعد نزول القرآن وجود كما قال سبحانه: ﴿ﭯ  ﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ   ﭶ  ﭷ  ﭸ﴾ [النحل: ٨٩ ].

الركيزة الثالثة المبنية على سابقتيها: هي أنه لا بد من التسليم والانقياد التام لهذه المصادر دون زيادة عليها ولا نقصان منها، وذلك لكونها ربانية وكاملة، وهذه مكانتها التي لا تقبل غيرها، وقد جاءت النصوص الكثيرة بذلك، نسوق هنا بعضا منها:

قال تعالى: ﴿ﮎ  ﮏ  ﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖﮗ  ﮘ   ﮙﮚ   ﮛ     ﮜ  ﮝ  ﮞ﴾ [الحجرات: ١].

﴿ﯥ  ﯦ         ﯧ  ﯨ  ﯩ    ﯪ  ﯫ    ﯬ  ﯭ  ﯮ     ﯯ   ﯰ  ﯱ    ﯲ  ﯳﯴ  ﯵ  ﯶ  ﯷ﴾ [النور: ٥١].

فمسألة التسليم الكامل لهذا الدين حاسمة لا مواربة فيها، وانظروا إلى هذا الموقف من النبي r ، فعن عبد الله بن ثابت t قال: جاء عمر بن الخطاب t إلى النبي r فقال يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك. قال فتغير وجه رسول الله r قال عبد الله ــ يعنى ابن ثابت ــ فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله r. فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد r رسولا. قال: فسري عن النبي r وقال: «والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين»([1]).

وقد التزم سلف الأمة بهذا التسليم والتعظيم لما جاء به الوحي ، ومن مواقفهم وما أثرعنهم في ذلك ما يلي:

روى ابن أبي عاصم، بإسناده، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله r قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» قال الأوزاعي: قلت للزهري: يا أبا بكر، ما هذا الحديث؟ قال: فقال: من الله العلم، ومن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم([2]).

 

 

 

الوحدة الأولى

القرآن الكريم ــ قطعيته وتوثيقه

تعريف القرآن الكريم:

القرآن لغة: اسم علم غير مشتق خاص بكلام الله تعالى.

تعريف القرآن اصطلاحاً:

(هو كلام الله المعجز، المنزل على نبينا محمد ^ بلفظه ومعناه المكتوب في المصاحف، المنقول عنه بالتواتر، المتعبد بتلاوته)([3]).

وهذا التعريف اشتمل على أهم خصائص القرآن الكريم، وهي أنه كلام الله سبحانه وتعالى، المعجز الذي تحدى به البلغاء من العرب وغيرهم أن يأتوا بمثله أو ببعض سوره وآياته ، فلم يستطيعوا ذلك وسلموا له بالإعجاز، مع استمرار التحدي به.

وأنه منزل على نبينا محمد r ، ليخرج الكلام الذي نزل على من قبله من الأنبياء والمرسلين كالتوراة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والزبور المنزل على داود، والصحف المنزلة على إبراهيم عليهم السلام ؛ وكذلك يخرج أيضاً الكلام الإلهي الذي استأثر الله به في نفسه ، أو ألقاه إلى ملائكته ليعملوا به لا لينزلوه على أحد من البشر .

وأما قيد (المتعبد بتلاوته) أي المتقرب إلى الله تعالى بقراءته المأمور بقراءته في الصلاة وغيرها على وجه العبادة، فأخرج ما لم نؤمر بتلاوته، كالأحاديث القدسية المسندة إلى الله تعالى([4])، وكذلك الحديث النبوي الشريف غير القدسي هو خارج بهذا القيد.

أسماء القرآن الكريم:

 يسمى القرآن بأسماء كثيرة، جمع فيها العلماء مؤلفات خاصة، ومن أشهر أسماء القرآن:

1) (الكتاب) قال الله تعالى في أول سورة البقرة: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ  ﭖﭗ ﭘ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ  ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ    ﯣ ﯤ ﯥﯦ﴾ [الكهف: 1].

2) (الفرقان) قال تعالى: ﴿ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [الفرقان: 1]. والراجح أن هذا المصدر استعمل بمعنى اسم الفاعل، أي أنه كلام فارق بين الحق والباطل.

 

ظاهرة الوحي:

حاجة البشر إلى الوحي:

إن حاجة البشر للوحي الإلهي هي فوق كل حاجة وضرورة أخرى، ولذلك كان من أكبر نعم الله على البشر ومن أجل ما امتن به خالقهم عليهم إنزاله الكتب وبعثه الرسل كما قال سبحانه ﴿ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ   ﯜ  ﯝ  ﯞ  ﯟ  ﯠ  ﯡ      ﯢ  ﯣ  ﯤ  ﯥ  ﯦ  ﯧ﴾ [البقرة: ١٥١] والعبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة؛ وهو من الأموات قال الله تعالى: ﴿ﮗ  ﮘ ﮙ  ﮚ  ﮛ  ﮜ   ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ   ﮡ  ﮢ         ﮣ  ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ  ﮨ﴾ [الأنعام: ١٢٢] ، وسمى الله تعالى رسالته روحاً والروح إذا عدم فقد فقدت الحياة قال الله تعالى: ﴿ﭑ  ﭒ  ﭓ   ﭔ  ﭕ  ﭖﭗ  ﭘ  ﭙ          ﭚ  ﭛ  ﭜ   ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ  ﭣ      ﭤ  ﭥ  ﭦ  ﭧﭨ   ﭩ  ﭪ  ﭫ     ﭬ  ﭭ﴾ [الشورى: ٥٢].

 تعريف الوحي لغة واصطلاحاً:

الوحي لغة: الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره.

الوحي اصطلاحاً وشرعاً: يطلق ويراد به اسم المفعول أي الموحى به، فيكون معناه: كلام الله المنزل على أحد أنبيائه، وما أنزله عليهم من الشرائع والحكم([5]).

ويطلق ويراد به المصدر، بمعنى الإيحاء فيكون تعريفه: إعلام الله أنبياءه بما يريد أن يبلغه إليهم من شرع أو كتاب، بواسطة أو غير واسطة([6])

 

صور الوحي:

1 ــ إلقاء المعنى في القلب: ويمكن أن يكون ذلك في اليقظة كما في r : (إن روح القدس نفث في روعي - أي في قلبي - أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها و تستوعب رزقها فاتقوا الله و أجملوا في الطلب و لا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته )

  ويمكن أن يكون ذلك في المنام وهي الرؤيا الصادقة، لأن رؤيا الأنبياء حق، كما في قصة إبراهيم مع ابنه عليهما السلام: ﴿ﯽ  ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ     ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ﴾ [الصافات: 102].

2ــ الكلام من وراء حجاب : حيث يكلمه الله تعالى بكلام يسمعه ولا يرى المتكلم سبحانه وتعالى، وقد كلم الله سبحانه موسى u من وراء حجاب ــ كما قال تعالى: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ      ﭴ ﭵ ﭶ       ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ  ﮀ﴾ [القصص: 30]. وكذلك حين كلم الله سبحانه وتعالى نبينا محمداً r ليلة الإسراء والمعراج.

3 ــ الوحي إلى النبي r بواسطة جبريل u، قال تعالى: ﴿ﮊ  ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ  ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ﴾ [البقرة: 97].

وكان جبريل يأتي إلى النبي r بعدة صفات وأحوال وهي:

أ ــ ظهور جبريل u، لرسول الله r بصورته الملكية الحقيقية، وقد حدث ذلك مرتين ألأولى عند أول نزول القرآن والثانية في السماء ليلة الإسراء والمعراج .

ب ــ أن يأتي جبريل إلى النبي r فيكلمه ويسمع من حوله صوتاً مثل صلصلة الجرس.

ج ــ أن يتمثل جبريل في صورة رجل فيكلمه فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ t سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ»([7]).

نزول القرآن والحكمة من تنجيمه:

لقد نزل القرآن الكريم من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في بيت العزة، وقد كان نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كما جاءت الآيات في ذلك منها قوله: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ       ﭚﭛ ﭜ ﭝ  ﭞ﴾ [الدخان: 1 ــ 3]. وقوله سبحانه: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ     ﭜ  ﭝ ﭞ        ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ﴾ [القدر: 1 ــ 3].

ثم ابتدأ نزوله مقسماً على رسول الله r في أوقات مختلفة في ثلاثة وعشرين عاماً، حيث يقول سبحانه: ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ   ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﯾ ﯿ﴾ [الفرقان: 32]. وقال عزَّ وجلّ: ﴿ﭜ ﭝ ﭞ   ﭟ ﭠ   ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ﴾ [الإسراء: 106].

وكان أول ما نزل من القرآن الكريم قوله عزَّ وجلّ: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ  ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ     ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ  ﮒ﴾ [العلق: 1 ــ 5].

أما آخر ما نزل من القــرآن الكــريم على رسول الله r هي قوله تعالى: ﴿ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ    ﯽﯾ ﯿ ﰀ ﰁ          ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ  ﰇ﴾ [البقرة: 281]. وقد روي أن النبي r توفي بعد نزول هذه الآية بتسع ليال فقط؛ والله أعلم([8]).

الحكمة من نزول القرآن الكريم منجماً أي مقسماً :

لقد كان لنزول القرآن الكريم منجماً على دفعات، في هذه المدة الطويلة، وفي مرحلتين (مكية ومدنية) كان له فوائد وحكم كثيرة منها :

1ــ تثبيت فؤاد النبي r : وإمداده بالقوة لمجابهة حملات المشركين، ودسائس المنافقين، قال سبحانه: ﴿ﯯ ﯰ ﯱ        ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ   ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﯾ ﯿ﴾ [الفرقان: 32]. ويقول سبحانه: ﴿ﭯ ﭰ   ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ﴾ [هود: 120].

2ــ الرد على مزاعــم المشركين وشبههم واعتراضـــاتهم : والتي يثيرونها بين الحين والآخر، قال الحافظ ابن كثير في قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ﴾، أي بحجة وشبهة ﴿ﭔ    ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ﴾ [الفرقان: 33]، أي: ولا يقولون قولاً يعارضون به الحق إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم.

3ــ فضح المنافقين والمشركين وكشف أساليبهم ونواياهم :

قال الله تعالى: ﴿ﭰ ﭱ  ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ  ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ﴾ [التوبة: 64].

4 ــ لتسهيل حفظ القرآن على رسول الله r وعلى المؤمنين : فقد اختار الله تعالى تنزيله على هذا النحو ليسهل على الناس حفظه، ولو نزل جملة واحدة لصعب حفظه عليهم.

5 ــ تربية الأمة الناشئة وإعدادها لبنة لبنة : فقد جاء القرآن ليربي أمة وينشئ مجتمعاً ويقيم نظاماً. لأن النفس البشرية لا تتحول تحولاً كاملاً شاملاً بين يوم وليلة، وإنما تتحول رويداً رويداً وتعتاد على تحمل تكاليفه .

6 ــ الدلالة على إعجازه وإثبات مصدره من الله تعالى : فرغم تباعد نزول آياته وسوره فإننا نجد القرآن الكريم متسقاً هذا الاتساق المعجز، منسق الآيات والسور، محكم السرد، دقيق السبك، قوي الأسلوب.. إن في ذلك جميعه ما يشير بوضوح إلى مصدر هذا الكتاب الكريم، قال الله تعالى: ﴿ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ   ﮀ     ﮁ   ﮂ ﮃ  ﮄ ﮅ  ﮆ ﮇ ﮈ﴾ [النساء: 82]. ورغم تفرقه في النزول فإنه محكم كما قال تعالى: ﴿ﮔﮕ ﮖ          ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞ﴾ [هود: 1].

جمع القرآن الكريم وتدوينه:

من عناية الله سبحانه وتعالى أن يسر وهيأ للأمة الأسباب التي تكفل للقرآن الكريم الحفظ والبقاء من خلال جمع القرآن حفظاً وكتابة في حياة رسول الله r ، ثم تتابع الخلفاء على ذلك خاصة في عهد أبي بكر الصديق، وعهد عثمان رضي الله عنهما، وذلك تصديقاً لقوله تعالى : ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ     ﮛ ﮜ  ﮝ﴾ [الحجر: 9].

ويمكن أن نقسم مراحل جمع القرآن الكريم وتدوينه إلى مراحل ثلاث ونوجزها فيما يلي:

المرحلة الأولى: حفظ القرآن الكريم وكتابته في حياة رسول الله r.

أ ــ الحفظ والجمع في الصدور:

لقد كان سيد الحفاظ وأولهم رسول الله r فقد كان جبريل يقرأ القرآن على النبي r في كل عام مرة حتى إذا دنا حضور أجل رسول الله r عارضه جبريل بالقرآن مرتين. فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن فاطمة بنت النبي r ــ عليها السلام ــ قَالَتْ: «أَسَرَّ إِلَيَّ النبي r أنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلاَ أُرَاهُ إِلاَّ حَضَرَ أَجَلِي»([9]).

ثم يأتي دور الصحابة رضوان الله عليهم، الذين كانوا يتسابقون في حفظ القرآن الكريم واستظهاره ، وكان النبي r يحثهم على العناية بالتنزيل ، ويبعث إلى من كان منهم بعيداً من يقرئهم ويعلمهم، كما بعث r مصعب بن عمير وابن أم مكتوم رضي الله عنهما إلى أهل المدينة قبل هجرته، يعلمانهم الإسلام ويقرئانهم القرآن  .

ب ــ الكتابة والتدوين:

اتـخذ النبي r كتاباً للوحي، أمرهم بكتابة كل ما ينزل من القرآن، منهم الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس، وغيرهم فكانوا يكتبون ما ينزل من القرآن بأمر من النبي r واستـخدموا الوسائل الممكنة في ذلك العهد، فكتبوا على رقاع الجلد، وجريد النخل، والأكتاف من عظام البعير أو الشاة، والأخشاب وقطع الحجر الأبيض الرقيق المعروف باللخاف.

وزيادة في التوثيق والاهتمام والدقة، نهاهم رسول الله r أن يكتبوا شيئاً غير القرآن، فقال r: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّى وَمَنْ كَتَبَ عَنِّى غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ»([10]). ، وذلك ــ فيما يظهر ــ حتى تتوفر جهودهم وهممهم على حفظ القرآن في المقام الأول، وإن كان كثير من العلماء يرى العلة في هذا النهي خشية اختلاط القرآن بالحديث.

 

المرحلة الثانية: جمع القرآن الكريم على عهد الخليفة الراشد أبي بكر الصديق t :

يحدثنا زيد بن ثابت t كاتب الوحي على عهد رسول الله r فيما رواه البخاري فيقول: «أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، وَعِنْدَهُ عُمَرُ t، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ t، إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، إِلاَّ أَنْ تَجْمَعُوهُ، وَإِنِّي لأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ r؟ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي، وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لاَ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، وَلاَ نَتَّهِمُكَ، كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ r ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ ــ فَوَ اللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ ــ قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلاَنِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ r؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ  ﯓ ﯔ ﯕ﴾ [التوبة: 128]. إِلَى آخِرِهِمَا وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ»([11]).

 يدل هذا النص على أن الباعث على الجمع الذي تم في عهد الصديق t وكان بإشارة من عمر r ، هو الخوف من أن «يذهب كثير من القرآن» بسبب استشهاد الحفاظ .

المرحلة الثالثة: نسخ المصاحف على عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان t :

إن تعدد المصاحف بجوار مصحف أبي بكر، وانتشار القراء في الأمصار، قد تسبب في تعدد القراءات، واختلاف القراء، وهذا ما استدعى لضرورة المرحلة الأخيرة من مراحل جمع القرآن الكريم، وهي التي قام بها الخليفة الراشد عثمان بن عفان t ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ، فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ، مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ، اخْتِلاَفَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ؛ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وعَبْدَ الرَّحْمَانِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاَثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وزَيْد بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا، حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ، أَوْ مُصْحَفٍ، أَنْ يُحْرَقَ»([12]).

ومن خلال هذه الرواية نعلم أن اللجنة التي انتدبت للقيام بهذا العمل كانت مؤلفة من أربعة من خيرة الصحابة وثقاة الحفاظ ثلاثة من قريش، وواحد من الأنصار وهو زيد بن ثابت.

وقد استهدف الخليفة الراشد عثمان t من عمله في جمع القرآن ونشره وتعميمه أمرين أساسيين:

 الأول: منع التماري في القرآن والشجار بين المسلمين بشأن القراءات المختلفة، لأن المصاحف العثمانية أضفت الصفة الشرعية على القراءات المختلفة التي كانت تدخل في إطار النص المدون ولها أصل نبوي مجمع عليه.

الثاني: حماية النص القرآني ذاته من أي تحريف، نتيجة إدخال بعض العبارات المختلفة عليها نوعاً ما، أو أي شروح يكون الأفراد قد أضافوها إلى مصاحفهم بحسن نية.

ولتحقيق هذين الهدفين فقد تميز هذا الجمع الذي سمي بالمصاحف العثمانية بالآتي:

أ ــ كتابة القرآن بلغة قريش لأنه إنما نزل بلسانهم .

ب ــ جردت المصاحف العثمانية من كل ما ليس قرآناً، كالشروح والتفاسير التي كان يكتبها بعض الصحابة في مصاحفهم، فمثلاً قوله تعالى: ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ  ﭷ ﭸ ﭹ ﭺﭻ﴾ [البقرة: 198]، قد كتبها ابن مسعود t وأضاف بعدها «في موسم الحج» بطريق الشرح والتفسير، لأنهم ــ كما تقدم ــ كانوا يكتبون هذه المصاحف لأنفسهم ويدونون عليها بعض التفاسير فهم آمنون من الالتباس.

ج ــ وأخيراً فإن عثمان t كلف اللجنة بنسخ المصاحف بعدد الأمصار الرئيسة في الدولة الإسلامية، فأرسل إلى كل إقليم بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف خاص أن يحرق ، وقد استجاب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ، لهذا الأمر لأنهم استوثقوا بأنه القرآن الكريم الذي حفظوه من رسول الله r، وهذا إجماع آخر منهم بعد إجماعهم على جمعه في زمن أبي بكر.

 

القراءات القرآنية والقراء، والأحرف السبعة:

إن المبدأ الأساس في نقل القرآن الكريم هو والتلقي والمشافهة ابتداء بالأخذ من النبي r وسماع القرآن منه مشافهة، ثم الأخذ المتواتر عمن أخذ عنه الصحابة رضوان الله عليهم، وهكذا خلفاً عن سلف، وثقة عن ثقة حتى ينتهي إلى النبي r.

ومن المعلوم أيضاً أن المصاحف لم تكن منقوطة ولا مشكولة عندما كتبت في زمن عثمان t ، وتقرأ الكلمة القرآنية بما تلقاها الصحابة الكرام رضوان الله عليهم عن رسول الله r، حيث إن تجرد المصاحف العثمانية من التشكيل والنقط، فسح المجال لاستيعاب القراءات المروية عن رسول الل هr.

تعريف القراءات وعددها:

القراءات جمع قراءة، وهي في اللغة مصدر سماعي لقرأ.

والقراءات في الاصطلاح: «علم بكيفيات أداء كلمات القرآن، واختلافها بعزو الناقلة»([13]).

والمقرئ: «العالم بها رواها مشافهة» قاله ابن الجزري([14]).

ولقد بدأت المشافهة والتلقي ــ كما ذكرنا ــ عن الصحابة ، الذين تلقوا القرآن من فمِ رسول الله r ، ثم قرأ كل أهل بلد أو إقليم بما في مصحفهم وتلقوا ما فيه عن الصحابة، ثم قاموا بذلك مقام الصحابة بأتم عناية، حتى صارمنهم في ذلك أئمة يقتدى بهم ويرحل إليهم ويؤخذ عنهم، أجمع أهل بلدهم على تلقي قراءاتهم بالقبول، ولتصديهم للقراءة نسبت إليهم. وانقسمت رواياتهم الصحيحة الثابتة المتواترة المشتملة على وجوه من القراءة إلى عشر روايات سميت بالقراءات العشر المتواترة. وهذه القراءات هي على النحو التالي:

1) قراءة نافع (ت 169هـ).                      

2) قراءة ابن كثير (ت 120هـ).

3) قراءة عاصم (ت 127هـ).

4) قراءة حمزة (ت 158هـ).

5) قراءة أبي عمرو بن العلاء (ت 154هـ).

6) قراءة ابن عامر (ت 118هـ).

7) قراءة الكسائي (ت189هـ).

8) قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت 185هـ).

9) قراءة أبي جعفر المدني (ت 132هـ).

10) قراءة خلف بن هشام (ت229هـ).

شروط القراءة المتواترة:

لقد وضع العلماء ثلاثة ضوابط للقراءة المتواترة:

  1. موافقة القراءة لرسم أحد المصاحف العثمانية ولو تقديراً.
  2. موافقتها العربية ولو بوجه.
  3. صحة إسنادها([15]).

فوائد الاختلاف بين القراءات الصحيحة:

لقد ذكر العلماء فوائد كثيرة منها:

  1. الدلالة على صيانة كتاب الله سبحانه، وحفظه من التبديل والتحريف مع كونه على هذه الأوجه المختلفة.
  2. 2 ــ التـخفيف عن الأمة وتسهيل القراءة عليها.
  3. إعجاز القرآن الكريم في إيجازه، حيث تدل كل قراءة على حكم شرعي دون تكرر اللفظ كقراءة ﴿ﭝ  ﭞ      ﭟ  ﭠ  ﭡﭢ﴾ [المائدة: 6. ] بالنصب والخفض في ﴿ﭟ﴾ ففي قراءة النصب بيان الحكم غسل الرجل، حيث يكون العطف على معمول فعل الغسل ﴿ﭘ   ﭙ  ﭚ  ﭛ  ﭜ﴾، وقراءة الجر بيان لحكم المسح على الخفين عند وجود ما يقتضيه، حيث يكون العطف على معمول فعل المسح ﴿ﭝ  ﭞ      ﭟ﴾ فنستفيد الحكمين من غير تطويل، وهذا من معاني الإعجاز في الإيجاز بالقرآن.

نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف وعلاقتها بالقراءات:

لقد تواترت نصوص السنة النبوية بأحاديث نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ r قَالَ: «أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ»([16]).

قال الطبري: الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، هن سبع لغات في حرف واحد، وكلمة واحدة، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني .

 وتتلخص الحكمة من نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف في أمور:

  1. تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين، لكل قبيل منهم لسان ولا عهد لهم بحفظ الشرائع، فضلاً عن أن يكون ذلك مما ألفوه... وهذه الحكمة نصت عليها الأحاديث في عبارات.
  2. إعجاز القرآن حيث يستطيع كل عربي أن يوقع بأحرفه وكلماته على لحنه الفطري ولهجة قومه، مع بقاء الإعجاز الذي تحدى به رسول الله r العرب ومع اليأس من معارضته، ولا يكون إعجازاً للسان دون لسان آخر، وإنما يكون إعجازاً للفطرة اللغوية نفسها عند العرب.

ﭑﭑﭑ

الوحدة الثانية

تعظيم قدر القرآن الكريم

1) خصائص القرآن الكريم:

1 ــ القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه على الحقيقة بلفظه ومعناه، منزل غير مخلوق، وهو خاتم الكتب الربانية المنزلة على أنبيائه ورسله، وقد نزل به أمين الوحي جبريل u، على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد r .

2 ــ القرآن الكريم جامع لأسس الرسالات السماوية السابقة، ولأصول الدين الذي ارتضاه الله سبحانه للإنسانية،، وفيه إكمال وإتمام لها لأنه خاتمة رسالات السماء إلى الإنسانية، كما قال الله تعالى: ﴿ﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿ   ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅﮆ﴾ [المائدة: 3].

3 ــ القرآن الكريم هو دون سواه الكتاب الرباني المعجز في مبناه البياني، فقد تحدى الله سبحانه كل البلغاء من عهده r إلى أن تقوم الساعة، أن يأتوا بمثله فرادى أو مجتمعين، فعجزوا، واعترفوا له بالإعجاز، قال الله سبحانه: ﴿ﭜ   ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ   ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ     ﭬ  ﭭ  ﭮ﴾ [الإسراء: 88].

4 ــ القرآن الكريم هو الكتاب المعجز في مضمونه ومعناه، إذ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو تنزيل من عزيز حكيم.

5 ــ إعجاز القرآن الكريم الدائم، هو الدليل الخالد المستمر الذي يخاطب الإنسان أنه كلام الله سبحانه حقاً وصدقاً، ومنزل من عند الله سبحانه يقول سبحانه وتعالى: ﴿ﯮ   ﯯ  ﯰ  ﯱ  ﯲ  ﯳ   ﯴ  ﯵ  ﯶ  ﯷ  ﯸﯹ﴾ [فصلت: 53].

6 ــ القرآن الكريم هو الكتاب المحفوظ، المصون من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان، بمقتضى الكفالة الربانية المعلنة على مرّ الدهور، ﴿ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ      ﮛ  ﮜ   ﮝ﴾ [الحجر: 9].

7 ــ كما حفظ الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم، فقد يسر سبل نشره في أقطار الأرض لتقوم حجة الله البالغة على عباده، وتنقطع أعذارهم، وهو مشتمل على الرسالة والبلاغ المستمر، للأمانة التي حملها رسول الله r المبلغ عن الله سبحانه وتعالى.

8 ــ القرآن الكريم هو المصدر الأول للمفاهيم الإسلامية كلها، من عقيدة وتشريع، ويشتمل أيضاً على كل ما يضبط السلوك الإنساني، ويقوم أنماط الحياة.

 

2) سبيلنا نحو تعظيم قدر القرآن الكريم:

أن نقتدي بما كان عليه رسول الله r وصحبه في تعظيم القرآن الكريم من خلال قراءته وتدبره والعمل بأوامره ونواهيه، وقد لخصت لنا ذلك أمنا عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلقه r وسلم فقالت: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ»([17])، وعلى هديه وسنته سار السلف الصالح من آل بيته الأطهار، وصحابته الأبرار، والتابعين لهم بإحسان إلى يومنا هذا، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها وخيرها، فإلى كتاب الله عزَّ وجلّ تعظيماً وتلاوة وعملاً.

الخطوات التي نخطوها، والبداية التي نبدأ بها لتعظيم القرآن:

أولاً: اعتقاد أنه كلام الله وفضل قراءته:

إن أول خطوة نحو تعظيم القرآن الكريم تنشأ من اعتقاد المؤمن الجازم واستشعاره بأن القرآن هو كلام ربنا تبارك وتعالى يخاطبنا معشر بني آدم، وأن عظمته من عظمة المتكلم به من فوق سماواته كما َقَالَ عَبْدُ اللّهِ بن مسعود t: ( إذَا سَمِعْتَ اللّهَ يَقُولُ: ﴿ﯓ  ﯔ  ﯕ﴾ فَأَصْغِ لَهَا سَمْعَك فَإِنّهُ خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ أَوْ شَرّ تُصْرَفُ عَنْه([18]) ) ، وأما عن ثواب قارئه فمما ورد في ذلك قول ربنا سبحانه وتعالى ﴿ﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭ           ﯮ   ﯯ  ﯰ  ﯱ  ﯲ  ﯳ  ﯴ  ﯵ   ﯶ  ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺ  ﯻ  ﯼ   ﯽ  ﯾ  ﯿﰀ  ﰁ     ﰂ  ﰃ﴾ [فاطر: 29 ــ 30] ، ومما جاء في السنة النبوية أيضاً في ثواب تلاوة القرآن، وفضله، قوله r: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف»([19])، وقال r: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»([20]).

ثانياً: التلاوة المجودة:

وذلك بتلاوته كما أنزل وقد رغب الإسلام وحث على التلاوة والتدبر للقرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ﭴ  ﭵ   ﭶ  ﭷ    ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼﭽ  ﭾ  ﭿ        ﮀ   ﮁ  ﮂ  ﮃ﴾ [البقرة: 121] .

ولكي تكون التلاوة نافعة ينبغي الالتزام بآدابها، ومن أهم ما ذكر من آدابها ما يلي:

أ ــ الإخلاص لله سبحانه وتعالى، لقوله سبحانه: ﴿ﮘ  ﮙ  ﮚ  ﮛ  ﮜ  ﮝ   ﮞ  ﮟ  ﮠ﴾ [البينة: 5]، وقوله ^: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»([21]).

ب ــ الطهارة الحسية والمعنوية. قال تعالى: ﴿ﭙ  ﭚ  ﭛ        ﭜ﴾ [الواقعة: 79]. فعَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ r كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فَكَانَ فِيهِ: «لاَ يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ»([22]).

ج ــ الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند الابتداء بالقراءة، لقوله سبحانه: ﴿ﮝ  ﮞ  ﮟ   ﮠ  ﮡ  ﮢ  ﮣ  ﮤ﴾ [النحل: 98].

د ــ الخشوع والتدبر عند قراءة القرآن لقوله سبحانه: ﴿ﭻ  ﭼ  ﭽﭾ  ﭿ    ﮀ      ﮁ    ﮂ  ﮃ   ﮄ  ﮅ   ﮆ  ﮇ  ﮈ﴾ [النساء: 82].

هـ ــ الدعاء عند ختم القرآن، قال الإمام النووي: «يستحب حضور مجلس ختم القرآن استحبابا متأكداً، فقد ثبت أن أنس بن مالك t كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا([23]) وعن مجاهد قال: كانوا يجتمعون عند ختم القرآن يقولون: تنزل الرحمة». ([24]).

ثالثاً: الحرص على تدبر القرآن وفهم معانيه:

فهو أهم ما أنزل له القرآن الكريم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ   ﭷ  ﭸ   ﭹ   ﭺ﴾ [ص: 29]، وتدبر القرآن هو مفتاح العمل والامتثال له، وهو سبب لزيادة الإيمان قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ  ﭭ   ﭮ  ﭯ  ﭰ  ﭱ  ﭲ   ﭳ  ﭴ   ﭵ  ﭶ   ﭷ﴾ [الأنفال: 2].

 وتدبر كتاب الله يكون بمعرفة معانيه ومبانيه، والتفقه فيه بمعرفة أسباب نزوله ومحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه.

 ولعل من أبرز الصوارف عن التدبر هو ارتكاب الذنوب والآثام، التي تغلق القلب فتمنع عنه نعمة التدبر، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ﭶ  ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ   ﭻ  ﭼ  ﭽ   ﭾ  ﭿ  ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄ   ﮅ  ﮆ  ﮇ  ﮈ  ﮉ  ﮊ  ﮋ  ﮌ  ﮍ  ﮎ   ﮏ  ﮐ  ﮑ  ﮒﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖ        ﮗ   ﮘ  ﮙ  ﮚ﴾ [الأعراف: 146].

رابعاً: الحرص على حفظ القرآن الكريم:

فإن من سمات هذه الأمة أن مصاحفهم في صدورهم كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ﮓ  ﮔ      ﮕ  ﮖ  ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ  ﮛﮜ﴾ [العنكبوت: 49]، وقد وردت أحاديث تذكر فضل ومكانة حافظ القرآن قال r: «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها»([25])

خامساً: العمل بأوامر القرآن والانتهاء عن نواهيه: إذ الهدف من تعلم القرآن الكريم هو العمل به وإتباعه قال سبحانه وتعالى: ﴿ﮠ  ﮡ    ﮢ  ﮣ  ﮤ      ﮥ  ﮦ  ﮧ﴾ [الأنعام: 155]، وفي الحديث قوله r: «المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة، طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة، طعمها مر.

سادساً: إكرام حملة القرآن:

فمن تعظيم القرآن تكريم أهله وحملته، الذين هم أهل الله وخاصته، والعناية بحفظته ومقرئيه عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «إِنَّ مِنْ إِجْلاَلِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِى الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِى فِيهِ وَالْجَافِى عَنْهُ.. » الحديث([26]).

سابعاً: الذب عن القرآن: وذلك برد شبهات الطاعنين في ثبوته أو في حفظه وسلامته من الزيادة والنقصان والتحريف وغير ذلك.

ثامناً: صيانة القرآن حساً: فمن تعظيم القرآن تكريمه حساً كما كرم معناً، ومن ذلك رفع المصاحف وصيانتها وعدم وضعها في الأرض وحفظها في المواضع اللائقة بها، وتجنيبها مواضع القذارة والنجاسة.

تاسعاً: الدعوة إلى القرآن الكريم وتعليمه: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ﮖ  ﮗ  ﮘ   ﮙ  ﮚ  ﮛ   ﮜ  ﮝ      ﮞ  ﮟ  ﮠﮡ  ﮢ  ﮣ  ﮤ﴾ [آل عمران: 104]، وقوله ^: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»([27]).

عاشراً: التحذير من هجر القرآن:

القرآن الكريم أنزل ليُعمل به، ووسيلة العمل به العلم به أولاً، ولا يحصل ذلك إلا بقراءته وتدبره، وكلما تقاربت أوقات القراءة وكثر تكرارها كان ذلك أقوى في رسوخ حفظ القرآن الكريم.

من أنواع هجر القرآن:

أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.

الثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.

الثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين.

الرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.

الخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها.

الوحدة الثالثة

الإعجاز في القرآن الكريم، تعريفه ومعناه، وأوجهه

كانت الرسل والأنبياء عليهم السلام قبل مبعث رسول الله r تؤيد بمعجزات حسية تناسب خصوصية الحالة التي أرسلوا إليها ومحدودية الفترة والمكان والقوم، الذين بعثوا إليهم، ثم إذا انقضت الفترة المعنية وانقضى أثر تلك المعجزة وزمن تلك الرسالة، أرسل الله رسولاً جديداً وأيده بمعجزة جديدة، فأيد موسى u بالعصى التي تلقف ما صنع سحرة فرعون، وأيد عيسى u بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى في زمن اشتهر أهله بالطب، حتى إذا جاءت رسالة سيد المرسلين ^، خاتم النبيين وخاتم الرسالات، كانت رسالة عامة عالمية وخاتمة، حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿ﮥ ﮦ ﮧ           ﮨ ﮩ   ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ      ﮯ ﮰ﴾ [سبأ: 28].

ولقد ثبت للنبي r معجزات حسية زادت على الألف، ومع ذلك فقد أعطاه الله سبحانه وتعالى معجزة كبرى دائمة خالدة هي القرآن الكريم، يمكن أن يقف عليها كل إنسان إلى يوم القيامة، فقد جاء ذلك عن رسول الله r في الحديث المتفق عليه: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة»([28]).

معنى الإعجاز لغة واصطلاحاً:

معنى الإعجاز لغة: هو مصدر أعجز، ومادة الكلمة هي العجز، وكلام أهل اللغة في معناها يدور حول الضعف، وعدم القدرة على النهوض بالأمر ([29]).

معنى الإعجاز اصطلاحا: هو إثبات القرآن عجز الخلق عن الإتيان بما تحداهم به، وهو أن يأتوا بمثله أو بشيء من مثله، فهو من إضافة المصدر إلى فاعله، والمفعول محذوف للدلالة على عموم من تحداهم القرآن، وهم الإنس والجن.

أبرز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم:

وجوه الإعجاز في القرآن لا حصر لها، إذ هو معجز من جهة بلاغته، ومن جهة نظمه، ومن جهة الإخبار بالغيب، ومن جهة علومه ومعارفه المتنوعة، وعليه فسنذكر هنا دون أن نحصر بعضاً من أبرز وجوه إعجاز القرآن وهي:

1 ــ الإعجاز البياني:

وسوف نتكلم على ما قيل في هذا الإعجاز البياني من خلال النقاط الآتية:

أولاً: النظم القرآني:

لو استعرضنا آيات وسور القرآن الكريم نجد أن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على تنوع ما يرد فيه من قصص ومواعظ ، وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتـخويف، وأوصاف وتعليم أخلاق كريمة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها.

ثانياً: الكلمة القرآنية:

لما كانت الكلمة هي أساس النظم وأصل الإبداع ، فإن ألفاظ القرآن وكلماته هي الأبلغ والأكمل فصاحة وبلاغة ، فكتاب الله لو نزعت منه لفظة وتم البحث عن لفظة غيرها لم يوجد.

ومن الأمثلة على ذلك اختيار كلمة (الحرث) دون سواها عند الحديث عن صلة الزوج بزوجه حيث يقول سبحانه: ﴿ﯡ  ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ﴾ [البقرة: 223] ففي هذه الكلمة كناية جميلة تلمح فيه إلى ذلك التشابه القائم بين صلة الفلاح بحرثه وصلة الزوج بزوجه، وبين ذلك النبت الذي يخرجه الحرث، وذلك الحمل الذي تـخرجه الزوجة، وما في كليهما من تكثير وعمران وفلاح، فهذه المعاني كلها تؤخذ من كلمة الحرث، ويضاف إليها تحديد مكان الإتيان وغيرها من المعاني والأحكام، ولو استـخدمنا كلمة الأرض أو الحقل أو غير ذلك لم تؤد ذلك المعنى الذي أدته كلمة الحرث؛ لأن الأرض قد تكون جدباء فلا تصلح للحرث، والحقل لا يدل على الملك لأنه قد يكون لغيره، أما الحرث فإنها تؤدي ذلك المعنى البليغ في أبهى صورة.

ثالثاً: الفاصلة القرآنية:

تعريفها: هي الكلمة التي في آخر الآية ، وتسمى فواصل لأنه ينفصل عندها الكلامان؛ وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها([30]).

ولنأخذ مثالاً واحداً على ذلك وهو التناسب البليغ بين مضامين الآيات والأسماء الحسنى في خواتيمها ، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿ﭟ ﭠ ﭡ  ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ        ﭦ ﭧ  ﭨﭩ ﭪ ﭫ   ﭬ  ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ    ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ﴾ [المائدة: 38 ــ 39]. فتحدثت الآية الأولى عن حد السرقة التي هي إحدى الكبائر وكانت عقوبتها صارمة وشديدة وهي قطع يد السارق، فناسب أن يكون ختامها ﴿ﭪ ﭫ ﭬ﴾، فالعزيز هو الغالب الذي لا يقهر والحكيم هو الذي يضع الأمور في نصابها، وهذا مناسب لدلالة الآية، فحكم القطع وضعه من لا يغلب ولا يقهر وأمره نافذ وحكمه قاطع، وإن توهم متوهم أن في الحكم مفسدة أو قسوة زائدة، جاء اسم الحكيم ليرد ذلك ويبين أن في القطع حكمة بالغة ومصلحة عالية، ومنعاً لتكرار أو شيوع السرقة في المجتمع، ومن ثم تحقُّق حفظ المال وهذا من المقاصد الشرعية الكلية الخمسة.

بينما تتحدث الآية الثانية عن التائب المنيب الذي رجع عن ظلم نفسه، وأصلح بعد الفساد فناسب أن تـختم بقوله سبحانه: ﴿ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ﴾، وهكذا لو تتبعنا الأسماء الحسنى في خواتيم الآيات لوجدناها جاءت على أتم وأكمل الوجوه في تطابق ومناسبة معناها مع دلالة الآيات ومضامينها.

رابعاً: الجملة القرآنية:

تمتاز الجملة القرآنية بإيجاز اللفظ وسعة المعنى، ومن الأمثلة الدالة على ذلك ما ذكر أهل البلاغة والفصاحة أن من أبلغ ما قالته العرب قولتهم المشهورة (القتل أنفى للقتل) وهذه الكلمة على بلاغتها عندهم، قد فاتها في البلاغة وتجاوزها جزء من الآية الكريمة: ﴿ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ﴾ [البقرة: 179]. وقد ذكر أهل البيان وعلماء البلاغة أن قوله تعالى: ﴿ﯕ ﯖ ﯗ﴾، تفوق تلك الجملة التي قالتها العرب بأكثر من عشرين وجهاً بلاغياً، منها: أن عدد الحروف في جملة ﴿ﯕ ﯖ ﯗ﴾ أقل من عددها في كلمة (القتل أنفى للقتل) فحروف الآية اثنا عشر حرفاً، وتلك أربعة عشر حرفاً، والبلاغة الإيجاز. ومنها: أن الآية خالية من التكرار الذي وقع في المثل، والخالي من التكرار أبلغ من المشتمل عليه وإن لم يكن مخلاً بالفصاحة، ومنها: أن لفظ القصاص مشعر بالمساواة فهو مبني على العدل بخلاف القتل، ومنها: أن الآية معناها واضح بين جلي، وهو معنى مطرد مستمر، فإقامة القصاص سبب في حفظ الحياة، بينما (القتل أنفى للقتل) ليست مطردة، لأنه ليس كل قتل أنفى للقتل، بل قد يكون القتل ظلماً وعدواناً، إذ قتل غير القاتل مثلاً، لا يكون أنفى للقتل، إذ يبقى القاتل مهدداً بالقتل والثأر من أبناء المقتول حتى يقتلوه. وغير ذلك من وجوه الإعجاز التي ذكرها العلماء([31]).

2ـ الإعجـــــاز الغيبي:

لقد أخبر القرآن الكريم عن أحداث سابقة، لنزوله، وعن أحداث تالية لنزوله، لم يشهدها النبي r، ولا سبيل إلى علمه بها، إخباراً دقيقاً صحيحاً بما يعجز البشر عن الإتيان بمثله، كما قال سبحانه وتعالى ﴿ﮕ   ﮖ  ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚﮛ  ﮜ  ﮝ            ﮞ  ﮟ  ﮠ    ﮡ   ﮢ  ﮣ  ﮤﮥ  ﮦﮧ  ﮨ     ﮩ  ﮪ﴾ [هود: 49] فمن أمثلة غيب الماضي، قصص الأنبياء، والصالحين، ومنها قصة أصحاب الكهف: ﴿ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯖ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ﴾ [الكهف: 13]، ومن أمثلة غيب المستقبل قوله تعالى: ﴿ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ  ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ  ﯢ  ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ  ﯭ ﯮ﴾ [الفتح: 27]، ومن أمثلة ذلك أيضاً ذكر القرآن الكريم انتصار الروم على الفرس في بضع سنين في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ  ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ   ﯛ ﯜﯝ﴾ [الروم: 1 ــ 4].

 3ـ الإعجاز التشريعي:

لقد عرفت البشرية في عصورها المختلفة ألواناً من المذاهب والنظريات والنظم والتشريعات التي تستهدف سعادة الفرد والمجتمع، لكن لم يبلغ واحد منها الكمال الذي عليه القرآن الكريم في إعجازه التشريعي.

إن تعاليم القرآن موجهة للعالم بأسره، نزلت لتعم البشر كلهم، بغض النظر عن جنسهم ولونهم وفقرهم وغناهم، لتكفل لهم ما يحقق الأمن، ويقيم بينهم الإصلاح والحق والعدل، وتدفع عنهم الظلم والتظالم، الأمر الذي يضمن سعادتهم واستقرار مجتمعاتهم، قال تعالى: ﴿ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ  ﭶ ﭷ ﭸ﴾ [النحل: 89]، وقال تعالى ﴿ﮐ  ﮑ  ﮒ         ﮓ  ﮔ﴾ [الأنبياء: 107]

 4ـ الإعجاز العلمي التجريبي:

 عندما نتحدث عن الإعجاز العلمي ينبغي أن نبقى في حدود الآيات الكونية وما وصل إليه العلم من حقائق بشأن الكون ومعارفه التي أصبحت في منزلة المتيقن منها علمياً، مع الابتعاد عن النظريات التي لا تزال في دائرة الفروض العلمية، حتى لا نقع في تناقض لأنه ليس ثمة تعارض بين العلم والدين، فإن الله سبحانه هو مصدر الحق في الاثنين، قال عزَّ وجلّ: ﴿ﯧ  ﯨ  ﯩ  ﯪ   ﯫ  ﯬ  ﯭ  ﯮ  ﯯ  ﯰ  ﯱﯲ  ﯳ  ﯴ   ﯵ  ﯶ  ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺﯻ  ﯼ  ﯽ  ﯾ  ﯿ﴾ [النساء: 170] وإذا لوحظ أن

معنى الإعجاز العلمي في القرآن الكريم:

هو إخبار الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، بحقائق أكدها وأظهرها العلم التجريبي الحديث، ثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن رسول الله r.

ضوابط لدراسات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم:

يعد الإعجاز العلمي التجريبي للقرآن الكريم أسلوباً دعوياً يتلاءم مع طبيعة العصر الحاضر، وحتى لا يندفع الناس في التوسع في هذا الجانب وضع أهل العلم ضوابط تجعل دراسة الإعجاز العلمي في المسار الصحيح الذي يخدم القرآن ويحافظ على مكانته ومن هذه الضوابط:

1 ــ التسليم بأن القرآن الكريم كتاب هداية، يهدي الناس إلى بارئهم في تحقيق العبودية، والاستـخلاف في الأرض، فينبغي أن تكون الدراسات المتعلقة بالحقائق العلمية في حدود تحقيق هذا الهدف الأساس للقرآن الكريم.

2 ــ الالتزام بالحقائق العلمية الثابتة بالقطع، فلا يجوز تفسير الآيات بفرضيات أو نظريات لم ترتق إلى مستوى الحقيقة العلمية الثابتة.

3 ــ اليقين باستحالة التصادم بين الحقائق القرآنية والحقائق العلمية، لأنهما من مشكاة واحدة .

4 ــ موافقة اللغة العربية موافقة تامة، بحيث يتطابق المعنى المفسر مع المعنى اللغوي، قال تعالى: ﴿ﭘ ﭙ  ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ    ﭞ﴾ [فصلت: 3]. أما إذا فتح باب التأويل، فإنه باب لا ينضبط.

5 ــ عدم مخالفته صحيح المأثور عن رسول الله r .

6 ــ موافقة سياق الآيات ، بحيث لا يكون التفسير نافراً عن السياق.

7 ــ التحذير من أن يتعرض التفسير العلمي التجريبي للأخبار وشؤون المعجزات الغيبية.

8 ــ عدم حصر الدلالة العلمية للنظم القرآني فيما توصلنا إليه الآن، وإبقاء الدلالات الأخرى للنظم لما قد يظهر مستقبلاً من حقائق لم نتوصل إليها الآن، لسعة ومرونة الأسلوب القرآني.

9ـ عدم القطع والجزم بأن هذه الحقيقة العلمية المعينة، هي مراد الله تعالى من هذه الآية.

نماذج من الإعجاز العلمي التجريبي للقرآن الكريم:

1 ــ خلق الإنسان: الذي يقول الله سبحانه وتعالى فيه: ﴿ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ  ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ  ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ  ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ  ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ﴾ [المؤمنون: 12 ــ 14]، فهذه الآية تشرح أطوار خلق الإنسان بدقة متناهية ووصف دقيق في وقت لم يكن العلم البشري ــ وقت نزول القرآن الكريم ــ يعرف تلك الأطوار. فهذه آية معجزة ذكرت بدقة ما توصل إليه العلم الحديث من حقائق بعد اختراع وسائل التصوير والكشف التي استطاع الأطباء من خلالها معرفة هذه الأطوار([32]).

2 ــ آثار الرياح في تلقيح الأزهار ونزول المطر: قال الله تعالى: ﴿ﮈ ﮉ   ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ   ﮓ﴾ [الحجر: 22].

ففي هذه الآية يمكن أخذ المعنى الأول وهو دور الرياح في نقل حبوب اللقاح إلى أعضاء التأنيث في الأزهار ليتم الإخصاب وتتكون الثمار.

5 ـ الإعجــــــــاز النفسي:

خاطب القرآن الكريم النفس الإنسانية محيطاً بمشاعرها وملبياً حاجاتها، ومعالجاً عللها، وموجهاً لها نحو الخير يقول سبحانه: ﴿ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ       ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ    ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ  ﭹ ﭺ ﭻﭼ﴾ [الزمر: 23].

وقد وردت آيات كثيرة تتحدث عن النفس منها قوله: ﴿ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ  ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾ [الشمس: 7 ــ 10]، وقال سبحانه: ﴿ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ  ﭦ   ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ  ﭭ  ﭮ ﭯ      ﭰ﴾ [الفجر: 27 ــ 29].

 

القسم الثاني

الوحدة الأولى

تفســــــــــــــــــــــير

ســـــــورة الحجـــــــــــرات

تسميتها:

1) سميت سورة (الحجرات) لأن الله سبحانه وتعالى ذكر فيها تأديب أجلاف العرب الذين ينادون رسول الله r من وراء بيوت نسائه أمهات المؤمنين الطاهرات، وهي حجرات تسع لكل واحدة منهن حجرة، ولذا ذكر فيها لفظ (الحجرات) فسميت بها،

وسميت أيضاً سورة الأخلاق والآداب فقد جاءت أصول الآداب والأخلاق الإسلامية من خلال النداءات الخمس للمجتمع المسلم بقوله تعالى: ﴿ﮎ  ﮏ  ﮐ﴾.

مناسبتها للسورة التي قبلها:

جاءت سورة (الحجرات) بعد سورة (الفتح) وتُظهر مناسبتها في ثلاث جوانب:

  1. جاء في سورة الفتح حكم قتال الكفار وهم العدو الخارجي الذي يهدد الدولة المسلمة، وفي هذه السورة جاء حكم قتال البغاة، وهم العدو الداخلي الذي يقوم بثورة داخلية حتى تفيء إلى أمر الله وتقبل الصلح مع المؤمنين.
  2. جاءت سورة الفتح خاصة في مطلعها تشريف وتكريم لرسول الله r، والتشريف يقتضي من المؤمنين الرضا بما رضي به رسول الله r من صلح الحديبية، وفي سورة الحجرات أمرهم بعدم التقدم بين يدي الله ورسوله r، والتسليم له والانقياد لأمره، وعدم رفع الصوت تشريفاً وتعظيماً له ولما جاء به من أحكام.
  3. ختمت سورة الفتح بقوله سبحانه: ﴿ﮃ  ﮄ  ﮅ   ﮆ  ﮇ  ﮈ  ﮉ  ﮊ  ﮋ  ﮌ﴾ [الفتح: 29]، وافتتحت سورة الحجرات بقوله: ﴿ﮎ  ﮏ  ﮐ﴾ تذكيراً لهم بحرمته عند الله، مما يوجب عليهم المحافظة على هذه الدرجة بطاعة الله عزَّ وجلّ وطاعة رسوله r.

المعنى العام للسورة ومقاصدها وما اشتملت عليه من آداب:

لقد اشتملت هذه السورة على أحكام تتعلق بتنظيم المجتمع الإسلامي وتربيته على الأخلاق والقيم والآداب، حتى إنها سميت بسورة الأخلاق، فهي تأمر بمكارم الأخلاق ورعاية الآداب العامة والخاصة على النحو الآتي.

1) وقد بدأت السورة بالآداب الخاصة، حيث أوجبت طاعة الله عزَّ وجلّ وطاعة رسوله r، وحذرت من المخالفة. في النداء الأول ﴿ﮎ  ﮏ  ﮐ  ﮑ  ﮒ﴾ لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي([33]).

ثم أمرت بمزيد من الأدب مع رسول الله والإجلال والتعظيم له بخفض الصوت عند خطابه بحيث لا يعلو صوت أحدهم على صوت رسول الله r، وجعلت خفض الصوت من علامات التقوى.

ثم لفتت نظر المؤمنين إلى حصر خطاب رسول الله r بصيغة النبوة والرسالة، لا باسمه وكنيته كما اعتادت العرب أن تـخاطب بعضها بعضاً. وذمت من ينادي رسول الله r من وراء حجرات أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن.

2) ثم تحدثت السورة عن الآداب العامة للمجتمع المسلم الفاضل، وهذه الآداب متعلقة بعلاقات الناس بعضهم ببعض، فحذرت من الشائعات التي يروجها الفساق، وأمرت بالتثبت في نقل الأخبار، مع الإشادة بمقتضى الإيمان، والتنفير من الكفر والفسوق والعصيان.

3) ثم أوضحت العلاج الناجع إذا بلغت المنازعات بين المؤمنين القتال داخل المجتمع الإسلامي من خلال الصلح، فإذا رفضت إحدى الفئتين الصلح واعتدت فيرفع عدوانها بالقتال حتى تعود لصف الجماعة المسلمة، فإذا عادت أمر بالصلح والعدل بين جماعات المؤمنين.

4) ثم أعلنت قيام الأخوة الإيمانية بين أفراد المجتمع المسلم، وحذرت من إثارة النزاع والهمز واللمز، والتنابز بالألقاب، سواء الرجال والنساء في ذلك، وكذا سوء الظن بالمسلم وتتبع عوراته، وغيبته والنم له وعليه، مما يؤدي بالمجتمع إلى التفكك والضياع.

5) ثم أعلنت مبدأ الإخاء الإنساني، من حيث الأصل، والمساواة بين الشعوب، من مختلف الأجناس والألوان والعناصر، وحصرت التفاضل بالتقوى والعمل الصالح ومكارم الأخلاق.

6) ثم ختمت السورة بالحديث عن الأعراب الذين ظنوا أن الإيمان كلمة تقال باللسان، فميزت بين الإسلام والإيمان، فذكر شروط المؤمن الكامل وهو الذي جمع الإيمان بالله ورسوله، والجهاد بالمال والنفس في سبيل الله، وعابت المن على رسول الله r بالإسلام، بل المنة لله ولرسوله، ووضعت لهم ضابط احترام القيم الدينية والأخلاقية، وهو رقابة الله جل جلاله لعباده، وعلمه بالغيب، وبصره بجميع أعمال الخلق.

المقطع الأول:

ijk ﴿ﮎ  ﮏ  ﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖﮗ  ﮘ   ﮙﮚ   ﮛ     ﮜ  ﮝ  ﮞ﴾.

قوله ﴿ﮎ  ﮏ  ﮐ﴾ اعلم أن الله سبحانه وتعالى إذا ابتدأ الخطاب بقوله ﴿ﮎ  ﮏ  ﮐ﴾ فإنه كما قال ابن مسعود t: إما خير يؤمر به، وإما شر ينهى عنه، فارعه سمعك([34]).

تبدأ السورة بنداء من الله للذين آمنوا ، وهذه الآية الكريمة فيها التصريح بالنهي عن التقديم بين يدي الله ورسوله، ويدخل في ذلك دخولاً أولياً تشريع ما لم يأذن به الله، وتحريم ما لم يحرمه، وتحليل ما لم يحله، لأنه لا حرام إلا ما حرمه الله، ولا حلال إلا ما أحله الله، ولا دين إلا ما شرعه الله. ثم يختم الآية بطلب امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأن يخافوا الله سبحانه في أقوالهم، أن يقولوا ما لم يأذن الله به ولا رسوله، إن الله سميع لما تقولون، عليم بما تريدون بقولكم إذا قلتم، لا يخفى عليه شيء مما في صدوركم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم. فالسمع يتعلق بالمسموعات، والعلم يتعلق بالمعلومات.

المقطع الثاني:

قوله تعالى: ﴿ﮠ  ﮡ  ﮢ  ﮣ  ﮤ  ﮥ   ﮦ  ﮧ  ﮨ  ﮩ    ﮪ  ﮫ  ﮬ  ﮭ               ﮮ   ﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ    ﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ   ﯚ  ﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞ  ﯟ  ﯠ  ﯡ  ﯢ   ﯣ  ﯤﯥ  ﯦ   ﯧ     ﯨ  ﯩ  ﯪ  ﯫ  ﯬ   ﯭ  ﯮ  ﯯ  ﯰ  ﯱ  ﯲ  ﯳ  ﯴ   ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙﭚ  ﭛ  ﭜ   ﭝ﴾.

هذا هو الأدب الثاني: أدبهم مع نبيهم في الحديث والخطاب، وتوقيرهم له في قلوبهم، توقيراً ينعكس على نبراتهم وأصواتهم، ويميز شخص رسول الله r بينهم، ويميز مجلسه فيهم، والله يدعوهم إليه بذلك النداء الحبيب؛ ويحذرهم من مخالفة بهذا التحذير الرهيب. يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيr ؛ تتجهمونه بالكلام، وتغلظون له في الخطاب، ولا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضاً باسمه: يا محمد، يا محمد وهذا كقوله سبحانه ﴿ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿ ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃﮄ﴾، ولكن قولاً ليناً وخطاباً حسناً، فيه تعظيم له وتوقير وإجلال، يا نبي الله، يا رسول الله، ونحو ذلك، ألا تحبط أعمالكم فتذهب باطلة لا ثواب لكم عليها ولا جزاء؛ برفعكم أصواتكم فوق صوت نبيكم، وجهركم له بالقول كجهر بعضكم لبعض، وأنتم لا تعلمون ولا تدرون، ونهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في الصحيح: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض»([35]).

ولقد عمل هذا النداء الحبيب في قلوب الصحابة الكرام عمله العميق الشديد فهذا ثابت بن قيس بن الشماس t وكان رفيع الصوت ــ لما نزلت هذه الآية قال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله r، أنا من أهل النار، حبط عملي، وجلس في أهله حزيناً.

ففقده رسول الله r، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله r مالك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي r وأجهر له بالقول. حبط عملي، أنا من أهل النار، فأتوا النبي r فأخبروه بما قال. فقال النبي r: «بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»([36]).

وفي رواية «أما ترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة»؟ فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتي على رسول الله r أبداً، فأنزل الله: ﴿ﯘ  ﯙ   ﯚ  ﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞ  ﯟ  ﯠ  ﯡ  ﯢ   ﯣ  ﯤﯥ﴾ ([37]).

﴿ﯫ  ﯬ   ﯭ  ﯮ  ﯯ  ﯰ  ﯱ  ﯲ  ﯳ  ﯴ   ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙﭚ  ﭛ  ﭜ   ﭝ﴾ يقول سبحانه لنبيه محمد r أن الذين ينادونك من وراء حجراتك، غرف أمهات المؤمنين، فذم الله تبارك وتعالى الذين لم يتأدبوا مع رسول الله r وجعلوا ينادونه من وراء الحجرات، لأنهم لا يقدرون الأمور قدرها، وهم جفاة أ جهال لا يعقلون الأصول والآداب، ولا يدركون ما يجب لك من التعظيم والاحترام، وليس لديهم عقل رشد يدفعهم إلى حسن التصرف، ولو أن هؤلاء الذين ينادونك يا محمد من وراء الحجرات صبروا فلم ينادونك حتى تـخرج إليهم في وقتك المعتاد، لكان خيراً لهم عند الله، لأن الله قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك فهم بتركهم نداءك تاركون ما قد نهاهم الله عنه، وحاجتهم ستقضى، لأن رسول الله r لم يأته أحد في حاجة إلا قضاها، إذا كان يدركها ، وفي ختم الآية بقوله سبحانه: ﴿ﭛ  ﭜ ﭝ﴾ إشارة إلى أن الله غفر لهم ورحمهم، وهذا من كرمه عزَّ وجلّ، أنه لم يؤاخذ هؤلاء فيما فرط منهم من إساءة الأدب، وهذا حث على التوبة والإنابة وطلب المغفرة.

4) أهم الفوائد والحكم المستفادة من الآيات:

أ ــ أن حرمة النبي r بعد وفاته كحرمته في حياته.

ب ــ أن عدم احترام النبي r أو الانتقاص منه والاستـخفاف به أو الاستهزاء به، ردة عن الإسلام وكفر به([38]).

ج ــ أنه يجب على كل إنسان أن يميز بين حقوق الله تعالى التي هي من خصائص ربوبيته، التي لا يجوز صرفها لغيره، وبين حقوق خلقه كحق   r، ليضع كل شيء في موضعه، على ضوء ما جاء به النبي r من القرآن العظيم والسنة الصحيحة، وإذا عرفت ذلك فاعلم: أن من الحقوق الخاصة بالله تعالى التي هي من خصائص ربوبيته التجاء عبده إليه إذا دهمته الكروب التي لا يقدر على كشفها إلا الله… قال تعالى: ﴿ﯘ  ﯙ  ﯚ       ﯛ  ﯜ     ﯝ  ﯞ  ﯟ  ﯠ  ﯡﯢ  ﯣ    ﯤ  ﯥﯦ  ﯧ  ﯨ  ﯩ﴾ [النمل: 62]([39]). فلا يصرف للنبي r شيء من العبادة التي لا تكون إلا لله تعالى، كالدعاء والاستغاثة وطلب المدد والغوث وقضاء الحاجات وغير ذلك من أنواع العبادات.

د ــ وجوب طاعة الله تعالى ورسوله r، وتقديم حكم الكتاب والسنة على ما سواهما.

هـ ــ النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله بشتى أنواعه ومن أخطرها التقدم بين يدي الله ورسوله بالابتداع في الدين، لأن النبي r قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وإياكم ومحدثات الأمور» وأخبر أن «كل بدعة ضلالة»([40]).

و ــ ومن التقدم بين يدي الله ورسوله تشريع ما لم يأذن به الله من التشريعات الوضعية، وتقديم أراء الرجال على حكم الله ورسوله، وتقديم الأهواء والأذواق والعقول والأقيسة والاستحسانات والسياسات على حكم الله ورسوله r ، مثل أن يقول الإنسان قولاً يحكم به بين عباد الله أو في عباد الله، وليس من شريعة الله، مثل أن يقول هذا حرام أو هذا حلال، أو هذا واجب بلا دليل، فإن هذا من التقدم بين يدي الله ورسوله.

ز ــ يجب أيضاً على المؤمنين ألا ينادوا النبي r بقولهم: يا محمد، ويا أحمد، ولكن يقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، توقيراً وتعظيماً له r.

ح ــ أن كلامه r المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرأ كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به، وقد نبه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى: ﴿ﯙ  ﯚ  ﯛ   ﯜ  ﯝ  ﯞ﴾ [الأعراف: 204]، وكلام النبي r من الوحي، وله من الحرمة مثل ما للقرآن إلا معاني مستثناه، بيانها في كتب الفقه([41]).

ط ــ أنه ينبغي التأدب مع كل أستاذ وعالم وعدم رفع الصوت عنده أو إيذائه بأي شكل كان .

المقطع الثالث: من سورة الحجرات  الخاص بالآداب العامة والخاصة:

قال الله تعالى: ﴿ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ     ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ   ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ     ﭫ  ﭬ  ﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ   ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵﭶ  ﭷ  ﭸ      ﭹ  ﭺ              ﭻ  ﭼ  ﭽ   ﭾ  ﭿ  ﮀ  ﮁ      ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅ  ﮆ  ﮇ         ﮈ  ﮉ  ﮊﮋ  ﮌ  ﮍ  ﮎ  ﮏ   ﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓﮔ  ﮕ  ﮖ  ﮗ﴾.

1) المفردات ومعانيها:

(الفاسق) هو من انحرف في دينه وعقيدته ومروءته، وخرج عن حدود الدين والشرع، مأخوذ من قولهم: فسق الرطب: إذا خرج من قشره، والفسوق: الخروج من الشيء والانسلاخ منه([42]).

(بنبأ) الخبر. (فتبينوا) أي اطلبوا بيان الحقيقة ومعرفة الصدق من الكذب. وفي قراءة (فتثبتوا) أي من الثبات وعدم التسرع.

(أن تصيبوا قوماً) خشية أو كراهية إصابتكم قوماً بمكروه وهو خطأ، فيصيبكم الغم وتتمنون أنه لم يقع. ﴿ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵﭶ﴾ وهو تحذير بأن لا يقولوا الباطل، لأن الله يخبره بالحال.

(لعنتم): لوقعتم في الجهد والهلاك والإثم.

(الكفر) تغطية نعم الله تعالى بجحودها. (الفسوق) الخروج عن حدود الدين. (العصيان) المخالفة وعدم الطاعة (الراشدون) الثابتون على دينهم، مأخوذ من الرشاد: وهو إصابة الحق وإتباع طريق الاستقامة.

(والله عليم): بأحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل (حكيم) أي ذو الحكمة البالغة، والحكم التام.

2) شرح الآيــــــات:

قوله تعالى: ﴿ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ     ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ﴾.

هذا نداء ثالث ابتدئ به غرض آخر وهو آداب جماعة المؤمنين بعضهم مع بعض، يبين للمؤمنين كيف يتلقون الأنباء، وكيف يتصرفون بها، ويقرر ضرورة التثبت من مصدرها، وخص ذكر الفاسق لأنه مظنة الكذب، وهو الذي ما يحرمه الشرع من الكبائر.

وقد تضافرت الروايات عند المفسرين عن أم سلمة وابن عباس والحارث بن ضرارة الخزاعي أن هذه الآية نزلت بسبب قضية حدثت، ذلك أن النبي r بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتي بصدقاتهم، فلما بلغهم مجيئه، أو لما استبطئوا مجيئه، فإنهم خرجوا لتلقيه، أو خرجوا ليبلغوا صدقاتهم بأنفسهم وعليهم السلاح، وأن الوليد بلغه أنهم خرجوا إليه بتلك الحالة، وهي حالة غير مألوفة في تلقي المصدقين، وحدثته نفسه أنهم يريدون قتله، أو لما رآهم مقبلين كذلك (على اختلاف الروايات) خاف أن يكونوا أرادوا قتله، إذ كانت بينه وبينهم شحناء من زمن الجاهلية فولّى راجعاً إلى المدينة. وأن الوليد جاء إلى النبي r فقال: إن بني المصطلق أرادوا قتلي، وأنهم منعوا الزكاة فغضب رسول الله r وهم أن يبعث إليهم خالد بن الوليد، وفي رواية أنه بعث إليهم خالد بن الوليد، وأمره أن لا يغزوهم حتى يتثبت أمرهم، فوجدهم يقيمون الصلاة، فأخبرهم بما بلغ رسول الله r عنهم، وقبض زكاتهم، وفي رواية أخرى أنهم ظنوا من رجوع الوليد أن يظن بهم منع الصدقات فجاءوا إلى النبي r متبرئين من منع الزكاة ونية الفتك بالوليد بن عقبة)([43]).

قوله تعالى: ﴿ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵﭶ﴾.

ذكرهم بوجود رسول الله r بينهم ليعظموه ويسألوه، فبدأ الآية بـ (اعلموا) للاهتمام، بأن وجود رسول الله r معكم يدعوكم لتعظيمه وتوقيره والانقياد لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم فاتبعوا ما شرع لكم رسول الله r من الأحكام ولو كانت غير موافقة لرغباتكم. فإنه لو أطاعكم في كثير مما تـخبرون به من الأخبار وتشيرون عليه من الآراء غير الصائبة، لأدى ذلك إلى التعب والإثم والهلاك، ولكنه r يتريث حتى تتضح الأمور، وبعد النظر والتأمل([44]).

وفي قوله: ﴿ﭹ  ﭺ ﭻ  ﭼ﴾ مراعاة لجانب المؤمنين حيث لم ينسب جميع آرائهم إلى الخطأ، وفيه أيضاً تعليم حسنٌ، وتأديب جميل في باب التـخاطب، وإشارة إلى تصويب رأي بعضهم، ولهذا استدرك مشيراً إلى رأي بعضهم في ضرورة التريث إلى أن يتبين أمر بني المصطلق، فقال: ﴿ﭾ  ﭿ  ﮀ  ﮁ      ﮂ﴾ ([45])، والمعنى: ولكن الله لا يأمر رسوله إلا بما فيه صلاح العاقبة وإن لم يصادف رغباتكم العاجلة وذلك فيما شرعه الله من الأحكام، فحبب إليكم الإيمان الذي هو الدين الذي جاء به رسول الله ^، ودعاكم إلى حبه والرضى به، فامتثلتم.

وفي قوله: ﴿ﮆ  ﮇ         ﮈ  ﮉ  ﮊﮋ﴾ تعريض بأن الذين لا يطيعون رسول الله r فيهم بقية من الكفر والفسوق والعصيان، وتحذيراً لهم عن الحياد مَهْيَعِ الإيمان، وتجنيباً لهم ما هو من شأن أهل الكفر.

فالخبر في قوله تعالى: ﴿ﮀ  ﮁ      ﮂ﴾ مستعمل في الإلهاب وتحريك الهمم لمراعاة محبة الإيمان وكراهة الكفر والفسوق والعصيان، أي: إن كنتم أحببتم الإيمان وكرهتم الكفر والفسوق والعصيان فلا ترغبوا في حصول  ما ترغبونه إذا كان الدين يصد عنه وكان الفسوق والعصيان يدعو إليه. وفي هذا إشارة إلى أن الاندفاع إلى تحصيل المرغوب من الهوى دون تمييز بين ما يرضي الله وما لا يرضيه أثر من آثار الجاهلية من آثار الكفر والفسوق والعصيان([46]).

وجملة ﴿ﮌ  ﮍ  ﮎ﴾ وهؤلاء الذين أحبوا الإيمان، وتزينت به قلوبهم، وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان هم المستقيمون على طريق الحق، والذين تلبسوا بالفسق إذا أقلعوا عنه التحقوا بالراشدين. وقوله ﴿ﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓﮔ﴾ أي: إن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان تفضلاً منه عليكم وإنعاماً منه عليكم، ﴿ﮕ  ﮖ  ﮗ﴾ والله عليم بكل الأمور الحادثة والمستقبل، حكيم في تدبير شؤون خلقه، وفي أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، ذو الحكمة البالغة والحكم التام.

3) أهم الفوائد والأحكام المستنبطة من هذه الآيات:

أ ــ وجوب التثبت من الأخبار والروايات، منعاً من الإيذاء والندامة.

ب ــ وجوب البحث عن عدالة من كان مجهول الحال في قبول الشهادة أو الرواية عند القاضي وعند الرواة وهذا صريح الآية.

ج ــ في قوله تعالى: ﴿ﭢ ﭣ  ﭤ﴾ دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلاً وانتفت عنه تهمة الكذب في روايته أو شهادته وهو الموسوم بالعدالة.

د ــ ذكر الله الإيمان وقابله بأمور ثلاثة كرهها إليهم وهي الكفر والفسوق والعصيان، والإيمان اسم لثلاثة أشياء: التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح والأعضاء. والكفر هو الإنكار وهو يقابل الإذعان بالجنان، والفسوق يقابل الإقرار باللسان، والعصيان يقابل العمل البدني، فهو ترك العمل بالطاعات والأحكام الشرعية ويشمل جميع المعاصي، وهذا يفيد أن المؤمن المتثبت لا يكذب.

هـ ــ إن من يتأمل في واقع الناس اليوم وينظر إلى الكم الهائل من الأخبار التي نسمعها في كل يوم ويرى الاختلاف والتباين بين مصادر هذه الأخبار يدرك عظمة هذا الدين، وسمو هذا المنهج الذي دعا إليه الإسلام، وأمر به القرآن، وحفظته السنة وحفظت به السنة([47]).

و ــ إن الله تفضل وأنعم على المؤمنين فحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره وقبح إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وقد جاء موضحاً في آيات كثيرة مصرحاً فيها بأنه تعالى يهدي من يشاء، ويضل من يشــــاء، كقوله تعـــالى: ﴿ﭾ  ﭿ  ﮀ  ﮁ  ﮂﮃ  ﮄ   ﮅ  ﮆ  ﮇ  ﮈ  ﮉ  ﮊ﴾ [الكهف: 17]، وقـــوله تعــــالى: ﴿ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ  ﭭ  ﭮ﴾ [الشمس: 7 ــ 8]، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، نرجو الله الرحيم الكريم أن يهدينا وألا يضلنا.

ز ــ كل مَن روَّج الشائعات التي تفضي بحصول الفحشاء، وانتشارها بين أهل الإيمان، أو كان داعية إلى الفجور كدعاة الزنا ودعاة الخمور ونحو ذلك ممن ينشرون ما حرم الله، ويدعون إليه، ويسهلون السبيل لبلوغه والوصول إليه، هؤلاء لهم عذاب أليم في الدنيا، ولهم عذاب أليم في الآخرة، ولذلك تجد دعاة الباطل والهوى وأصحاب الفسوق والردى في عذابٍ وقلق نفسي لا يعلمه إلا الله عزَّ وجلّ، فيعذبهم الله في أنفسهم.

المقطع الرابع:

قال الله تعالى: ﴿ﮙ  ﮚ   ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟﮠ  ﮡ  ﮢ  ﮣ      ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ   ﮨ     ﮩ  ﮪ  ﮫ     ﮬ  ﮭﮮ  ﮯ  ﮰ   ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ   ﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞ       ﯟ  ﯠ  ﯡﯢ  ﯣ  ﯤ   ﯥ  ﯦ﴾.

1) المفردات ومعانيها:

(طائفتان) تثنية طائفة وهي الجماعة من الناس. (بغت) تعدت وجاوزت الحد وجارت، من البغي وهو الظلم. (تفيء) ترجع. (أمر الله) الحق. (المقسطين) العادلين.

(إنما المؤمنون إخوة) في الدين وهي أقوى وأدوم من أخوة النسب والصداقة.

2) شرح الآيــــــات:

بعد أن حذر الله تعالى من خبر الفاسق، أبان هنا ما يترتب على خبره من الفتنة والنزاع، وربما الاقتتال، فطلب سبحانه وتعالى الإصلاح بالوسائل السلمية بين المتنازعين كالنصيحة والوعظ والإرشاد والتحكيم، وفق كتاب الله تعالى والرضا بما فيه لهما وعليهما وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل.

قوله تعالى: ﴿ﮡ  ﮢ  ﮣ      ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ   ﮨ     ﮩ  ﮪ  ﮫ     ﮬ  ﮭﮮ﴾ فإن أبت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله لها وعليها، وتعدت ما جعل الله عدلاً بين خلقه، وأجابت الأخرى منهما، فقاتلوا التي تعتدي وتأبى الإجابة إلى حكم كتاب الله حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه، فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى التي قاتلتها بالعدل والإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلاً بين خلقه. وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: «فإن الله سبحانه أمر النبي ^ والمؤمنين إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا، حكم فيهم بكتاب الله، حتى ينصف المظلوم من الظالم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، فحق على إمام المؤمنين أن يجاهدهم ويقاتلهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، ويقروا بحكم الله»([48])ا هـ.

قوله تعالى: ﴿ﮯ  ﮰ   ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ﴾.

جعل الفيء إلى أمر الله غاية للمقاتلة، أي يستمر قتال الطائفة الباغية إلى غاية رجوعها إلى أمر الله، وهو ما في الشريعة من العدل والكف عن الظلم، ثم أتبعه بيان ما تعامل به الطائفتان بعد أن تفيء الباغية، وهو العدل والصلح بالرضا والإنصاف، وأن لا يضر بإحدى الطائفتين، فإن المتالف التي تلحق كلتا الطائفتين قد تتفاوت تفاوتاً شديداً فتجب مراعاة العدل.

قوله تعالى: ﴿ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ﴾.

إن الله يحب العادلين ويجازيهم أحسن الجزاء، وهذا أمر بالعدل في كل الأمور، أخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ^ قال: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عزَّ وجلّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِى حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا»([49]).

قوله تعالى: ﴿ﯜ  ﯝ  ﯞ       ﯟ  ﯠ  ﯡﯢ  ﯣ  ﯤ   ﯥ  ﯦ﴾.

أمر الله سبحانه بالإصلاح في غير حال القتال ولو في أدنى اختلاف، فإن من لوازم الأخوة أن يصطلحوا، لأن الإيمان يقتضي الأخوة الحقيقية بين المؤمنين، والمحبة القلبية، فلا أقل من الإصلاح الذي هو من لوازم العدالة وأحد خصالها، فوجب على أهل الصفاء بمقتضى الرحمة والرأفة والشفقة اللازمة للأخوة الحقيقية الإصلاح بينهما وإعادتهما إلى الصفاء ، وفي معنى الأخوة أحاديث كثيرة منها قوله r: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» ، وقوله r: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى.

﴿ﯣ  ﯤ   ﯥ  ﯦ﴾ افعلوا ما أمركم به الله سبحانه واتركوا ما نهاكم عنه؛ فإن قمتم بهذا فقد جعلتم بينكم وبين عذاب الله وقاية، ليرحمكم الله، فيصفح عن سالف آثامكم، ويثيبكم رضوانه.

3) أهم الفوائد والأحكام المستنبطة من هذه الآيات:

أ ــ وجوب الإصلاح بين أي فئتين متقاتلتين مسلمتين، بالدعوة إلى التحاكم إلى كتاب الله، وبالنصح والإرشاد والجمع والتوفيق بين وجهات النظر.

ب ــ قتال الفئة الباغية واجب حتى تفيء إلى أمر الله سبحانه، وهي فرقة خالفت الإمام، أو الطائفة الأخرى بتأويل سائغ في الظاهر، إذا لم تفيء إلى حكم الله ورسوله وأصرت على القتال، وأكثر العلماء على أن البغاة ليسوا بفسقه ولا كفرة لقوله تعالى: ﴿ﮙ  ﮚ   ﮛ  ﮜ  ﮝ) .

ج ــ المؤمن بارتكاب الكبيرة كالقتل وعقوق الوالدين وأكل الربا وأكل مال اليتيم لا يخرج عن كونه مؤمناً، ولكنه يعد فاسقاً، ناقص الإيمان.

المقطع الخامس:

قال تعالى: ﴿ﯨ  ﯩ  ﯪ  ﯫ    ﯬ   ﯭ    ﯮ  ﯯ   ﯰ  ﯱ  ﯲ  ﯳ  ﯴ  ﯵ  ﯶ    ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺ  ﯻ   ﯼ     ﯽﯾ  ﯿ  ﰀ  ﰁ  ﰂ  ﰃ  ﰄﰅ  ﰆ  ﰇ   ﰈ  ﰉ  ﰊﰋ  ﰌ  ﰍ  ﰎ  ﰏ  ﰐ  ﰑ﴾.

إن بناء المعاني على بعضها هو من أوضح ما يكون في هذه السورة (فبعد تقرير ــ قاعدة الأخوة ــ ورسم المنهج الشرعي في المحافظة عليها تأتي آيات أخرى متلمسة أسباب حدوث الخلاف والخصومات بين المسلمين، فتبين حكم الله فيها وتحذر المسلمين من الوقوع في حبائلها مغلقة أبواب الشر ووسائل الفتنة وحبائل الشيطان، فجاءت الآيات ناهية عن السخرية والتنابز واللمز، وسوء الظن والتجسس والغيبة والتفاخر لأن هذه الآفات من أعظم ما يثير الضغائن ويفجر الخصومات، وبخاصة أن منشأها أمور قلبية، وما ظهرت على الجوارح إلا بعد إن عاشت واستوطنت القلوب زمنا والقضاء عليها قضاء على آثارها، ومجرد إيقاف الاقتتال لا يكفي لإطفاء نار الفتنة فقد تشتعل بين لحظة وأخرى، إذا كانت النفوس تنطوي على أسباب الفتنة وجذورها)([50]). فجاءت الآيات لمعالجة ذلك في النفوس واقتلاعها من القلوب

ونلحظ الوحدة الموضوعية للسورة الكريمة، وكيف جاء الترتيب الإلهي في سرد الآداب العامة في الموضوعات المذكورة، حيث رتب الله تعالى وقوع النزاع والاقتتال بين الطوائف والأفراد على أنباء وأخبار الفاسقين، ثم نهى عن الأخلاق المرذولة التي ينشأ عنها النزاع، ثم أعلن وحدة الإنسانية في الأصل وجعلها مثالاً يحتذى في التعامل مع الأمم والشعوب الأخرى، لنشر الإسلام وإعلاء كلمة الله في كل مكان.

1) المفردات ومعانيها:

(لا يسخر) لا يهزأ ولا يحتقر ولا يعيب، والسخرية: الازدراء والاحتقار. ويقال: سخر به، وسخر منه، وقد تكون السخرية بمحاكاة القول أو الفعل أو الإشارة.

(قوم) هم الرجال دون النساء، لأنهم قوامون على النساء.

(ولا تلمزوا أنفسكم) اللمز: الطعن والتنبيه إلى المعايب بقول، أو إشارة باليد أو العين أو نحوهما.

(ولا تنابزوا بالألقاب) النبز مختص بلقب السوء عرفاً، ومنه يا فاسق ويا كافر، أي لا تتداعوا بالمكروه من الألقاب.

(بئس الاسم الفسوق) أي ساء الاسم والصيت.

وقد اشتملت هذه الآيات على أخلاق وآداب عالية أدب الله بها عباده المؤمنين، وهي:

أ ــ النهي عن السخرية بالناس واحتقارهم وازدراؤهم والاستهزاء بهم: ﴿ﯨ  ﯩ  ﯪ  ﯫ    ﯬ   ﯭ    ﯮ  ﯯ   ﯰ  ﯱ  ﯲ  ﯳ  ﯴ  ﯵ  ﯶ    ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺ  ﯻ   ﯼ     ﯽﯾ﴾، يخاطبنا الله سبحانه بوصف الإيمان وينهانا أن يسخر بعضنا من بعض؛ لأن المفضِّل هو الله عزَّ وجلّ، ﴿ﯰ  ﯱ  ﯲ  ﯳ  ﯴ﴾ رب ساخر اليوم مسخوراً منه في الغد، وربما مفضول اليوم يكون فاضلاً في الغد، فيجب على الإنسان أن يتأدب بما أدبه الله به، فلا يسخر من غيره عسى أن يكون خيراً منه عند الله عزَّ وجلّ وهو لا يعلم.

ب ــ النهي عن الهمز واللمز، والتعييب بقول أو إشارة خفية: قوله تعالى: ﴿ﯿ  ﰀ  ﰁ﴾ فسّر بمعنيين: الأول: لا يلمز بعضكم بعضاً لأن كل واحد منا بمنزلة نفس الإنسان، فإذا لمز به فكأنما لمز بنفسك.

الثاني: لا تلمز أخاك، لأنك إذا لمزته لمزك، فلمزك إياه سبباً لكونه يلمزك، وعليه قول النبي r: «لعن الله من لعن والديه»([51]) فقالوا يا رسول الله: كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه. » أخرجه البخاري([52]).

ج ــ النهي عن التنابز بالألقاب والتداعي بها والتي يسوء الشخص سماعها: ﴿ﰂ  ﰃ  ﰄﰅ﴾ يعني: لا ينبز بعضكم بعضاً بالألقاب المكروهة التي تسوء وتغيظ، كأن يقول: يا فاجر، يا فاسق، يا كلب، يا حمار، يا خنزير، ويعزَّرُ المرء القائل ذلك بعقوبة تعزيرية، وقد نص العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره، سواء كان صفة له أم لأبيه، أم لأمه، أم لكل من ينتسب إليه، والتنابز يقتضي المشاركة بين الاثنين، وعبر بذلك لأن كل واحد سرعان ما يقابل الآخر بلقب ما، بعكس اللمز يكون غالباً من جانب واحد.

قوله تعالى ﴿ﰌ  ﰍ  ﰎ  ﰏ  ﰐ  ﰑ﴾:

فمن يفعل هذه الأشياء الثلاثة ولم يتب يكون ظالماً، والظلم ظلمات يوم القيامة، والتوبة: أن ينتقل العبد من فعل المعصية، إلى عمل الطاعة، وتوبة الله عليه أن يقبله ويبدل سيئاته حسنات، ولها شروط لابد منها وهي:

الشرط الأول: أن يخلص لله تعالى في التوبة، طالباً رضاه عزَّ وجلّ والوصول إلى كرامته.

الشرط الثاني: الندم على ما فعل والتحسر والتكدر أنه وقع منه هذا الذنب، خجلاً من الله تعالى.

الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب في الحال، ويأتي بالواجب إن أمكن تداركه، وأن يقلع عن المحرم إذا كان الذنب فعلاً محرماً، فإذا كان الذنب في حق الإنسان بأن يكون شخص سرق من إنسان مالاً، والسرقة حرام، وتاب الرجل وندم وعزم على ألا يعود، فلابد أن يوصل هذا المال إلى صاحبه، ولا يمكن أن تتم التوبة إلا بهذا.

هذا إذا كان الحق مالياً، أما إذا كان الحق غير مالي، مثل أن يكون شخص اغتبته، في مجلس أو مجالس، فكيف تكون التوبة من هذا؟ قال كثير من العلماء: لابد أن تذهب إليه، وتستحله، وإلا فسيأخذ من حسناتك يوم القيامة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ، أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ، وَلاَ دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ»([53])، وقال بعض العلماء: لا يجب أن تستحله، وإنما تستغفر له وتثني عليه في المجالس التي كنت تغتابه فيها، والحسنات يذهبن السيئات، وقد جاء في الحديث: «كفارة من اغتبته أن تستغفر له»([54])، وقال آخرون - وهو قول وسط، ولعله الصواب - إن كان صاحبك الذي اغتبته قد علم بذلك فلابد من أن تذهب إليه وتستحله، لأنه لن يزول ما في قلبه حتى تستحله، أما إذا لم يعلم فيكفي أن تستغفر له، وأن تثني عليه في المجالس التي كنت تغتابه فيها، والله غفور رحيم، وينبغي لمن جاء إليه أخوه يعتذر منه أن يسامحه.

الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل بنية جازمة.

الشرط الخامس: أن يهجر رفقاء السوء، وأماكن المعصية، مثل قصة الذي قتل مائة شخص ثم طلب منه بعد توبته أن يهجر مدينته ويذهب إلى مدينة الصالحين.

الشرط السادس: أن تكون التوبة في وقت قبولها، قبل أن يُغلق باب التوبة، والباب الذي يغلق عن التائبين عام وخاص، أما العام: فهو طلوع الشمس من مغربها، وأما الخاص فهو أن يحضر الإنسان أجله.

المقطع السادس: النهي عن الظن السيئ:

قال تعالى: ﴿ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ       ﭖ  ﭗ  ﭘ   ﭙ  ﭚ  ﭛ﴾

1) المفردات ومعانيها:

(اجتنبوا) تباعدوا.

(الظن) الظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء، الذي يقترن به كثير من الأقوال، والأفعال المحرمة، فإن بقاء ظن السوء بالقلب، لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا يزال به، حتى يقول ما لا ينبغي، ويفعل ما لا ينبغي، وفي ذلك أيضًا، إساءة الظن بالمسلم، وبغضه، وعداوته المأمور بخلاف ذلك منه([55]).

2) شرح الآيــــــات:

 هذا هو النداء الخامس للمؤمنين، وهذه الآية تؤسس، وتبني سياجاً آخر في هذا المجتمع القرآني الفاضل حول حرمات الأشخاص المنضوين تحت رايته، تعلمهم كيف ينظفون مشاعرهم وضمائرهم بأسلوب مؤثر عجيب فهي تأديب عظيم يبطل ما كان فاشياً في بعض المجتمعات من الظنون السيئة والتهم الباطلة، وأن الظنون السيئة تنشأ عنها الغيرة المفرطة والمكائد والاغتيالات والطعن في الأنساب، والمبادأة بالقتال حذراً من اعتداء مظنون به ظناً باطلاً، كما قالوا: خذ اللص قبل أن يأخذك. وكما في المثل: احترسوا من الناس بسوء الظن.

ولما جاء الأمر في هذه الآية باجتناب كثير من الظن علمنا أن الظنون الآثمة غير قليلة، فوجب التمحيص والفحص لتمييز الظن الباطل من الظن الصادق. والمراد بالظن هنا: الظن المتعلق بأحوال الناس.

ومعنى الأمر باجتناب كثير من الظن الأمر بتعاطي وسائل اجتنابه، والتثبت فيه وتمحيصه والتشكك في صدقه إلى أن يتبين موجبه، أو يتبين كذبه فتكذب نفسك فيما حدثتك، وهذا التحذير يراد منه مقاومة الظنون السيئة بما هو معيارها من الأمارات الصحيحة)([56]).

 أهم الفوائد المستفادة من الآيات:

تحريم سوء الظن بالله، وبأهل الصلاح، بل بالمسلمين مستوري الحال.

المقطع السابع والثامن: النهي عن التجسس، والغيبة:

قال تعالى: ﴿ﭝ   ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ   ﭢﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ   ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫﭬ  ﭭ  ﭮﭯ  ﭰ   ﭱ  ﭲ   ﭳ﴾.

1) المفردات ومعانيها:

(ولا تجسسوا) التجسس البحث عن العورات والمعايب وكشف ما ستره الناس.

(ولا يغتب) الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره في غيبته وإن كان العيب فيه.

2) شرح الآيــــــات:

قوله تعالى: ﴿ﭝ   ﭞ﴾، التجسس: البحث بوسيلة خفية، ومنه الجاسوس، والتجسس من آثار الظن، وقد يكون هو الحركة التالية للظن، وقد يكون حركة ابتدائية لكشف العورات والإطلاع على السوءات. ووجه النهي عنه أنه من الكيد والتطلع على العورات. وقد يرى المتجسس من المتجسس عليه ما يسوءه فتنشأ عنه العداوة والحقد. ويدخل صدره الحرج والتـخوف بعد أن كانت دخيلته خالصة طيبة وذلك من نكد العيش. وذلك ثلم للأخوة الإسلامية لأنه يبعث على إظهار ما ستره الله، وإذا اكتشف المتجسس عليه من يتجسس عليه يدخل نفسه البغض والكره وتنثلم الأخوة ثلمة أخرى، ثم يترتب على ذلك على انتقام كليهما من الآخر.

ولقد فسر رسول الله r الغيبة بقوله: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ»([57]) وهو أعلم الناس بمراد الله سبحانه وتعالى في كلامه. وهو يتناول كل ما يكره، سواء في دينه أو في دنياه، في خُلقه أو خَلْقه، في ماله أو ولده، أو زوجته أو خادمه، أو عقله، أو في ذكائه، أو في غير ذلك، وعلى هذا فيجب الكف عن ذكر الناس بما يكرهون، سواء كان ذلك فيهم أو ليس فيهم لأن النبي r بين ذلك عندما سأله الصحابة: يا رسول الله، أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ فقال r: قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِى أَخِى مَا أَقُولُ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» أخرجه مسلم([58]).

والاستفهام في قوله: ﴿ﭤ  ﭥ  ﭦ   ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ﴾ تقريري، لتحقق أن كل أحد يقر بأنه لا يحب ذلك، ولذلك أجيب الاستفهام بقوله ﴿ﭫﭬ﴾. مثلت الغيبة بأكل لحم الأخ الميت، والمقصود من التمثيل استفظاع الممثَّل وتشويهه لإفادة الإغلاظ على المغتابين، لأن الغيبة متفشية في الناس، وخاصة في الجاهلية.

قوله تعالى: ﴿ﭭ  ﭮﭯ  ﭰ   ﭱ  ﭲ   ﭳ﴾.

والتقوى تعني الوقاية من عذاب الله، وتكون بأمرين: امتثال أمر الله عزَّ وجلّ دون تردد، واجتناب نهي الله عزَّ وجلّ دون تردد. فيقول المؤمن ﴿ﮮ   ﮯﮰ  ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ﴾ [البقرة: 285] فمن تلبس بشيء من المنهيات فالأمر بالتقوى يدفعه إلى ترك ذلك، وإن لم يكن متلبساً في الحاضر، فالأمر بالتقوى يجنبه التلبس بها في المستقبل، والتقوى تكون بالتوبة بعد التلبس بالإثم فقيل: ﴿ﭰ   ﭱ  ﭲ   ﭳ﴾، وتكون التقوى ابتداء فيرحم الله المتقي، فالرحيم شامل للجميع، فالله عز وجل ذو رحمة واسعة، وهذا أيضاً راحم، وموصل الرحمة إلى من يشاء من عباده. أسأل الله أن يعمنا جميعاً برحمته، إنه على كل شيء قدير.

المقطع التاسع: خلق الإنسان:

قوله تعالى: ﴿ﭵ  ﭶ  ﭷ     ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ   ﭽ  ﭾ  ﭿﮀ  ﮁ    ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅﮆ  ﮇ  ﮈ   ﮉ  ﮊ﴾.

1) المفردات ومعانيها:

(من ذكر وأنثى) أي من آدم وحواء عليهما السلام.

(شعوباً) جمع شعب، وهم الجماعة من الناس التي لها وطن خاص، أو من أصل واحد، كربيعة ومضر وسميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها.

(وقبائل) جمع قبيلة: وهي ما دون الشعب. وطبقات النسل عند العرب سبع: الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، ثم العشيرة، ثم الأسرة أو العترة مثاله: خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.

(لتعارفوا) ليعرف بعضكم بعضاً، لا للتفاخر بالآباء والقبائل، فلا تتفاخروا بعلو النسب، وإنما الفخر بالتقوى.

﴿ﮇ  ﮈ   ﮉ  ﮊ﴾ أي عليم بكم وبكل شيء، خبير ببواطنكم وأسراركم كجهركم.

2) شرح الآيــــــات:

بعد هذه النداءات المتكررة للذين آمنوا، والأخذ بهم إلى المكانة العالية من الآداب النفسية والاجتماعية، مع ذلك الاهتمام الكبير بكرامتهم وحريتهم وحرمانهم وضمان ذلك كله بتلك الرغبة التي يثيرها في قلوبهم وأرواحهم بالتطلع إلى الله تعالى وتقواه... بعد هذه المدارج إلى ذلك الأفق الشامخ النظيف، يهتف بالإنسانية جميعاً على اختلاف أجناسها وألوانها، ليردها إلى أصل واحد، وإلى ميزان عادل، تقدم به تلك الجماعة والأمة المختارة الصاعدة إلى ذلك الفضاء الرحب... يا أيها الناس. يا أيها المختفون أجناساً وألواناً، المتفرقون شعوباً وقبائل إن أصلكم واحد من آدم وحواء، فلا تـختلفوا ولا تتـخاصموا. هذا النداء من الخالق العظيم الذي خلقنا من ذكر وأنثى، يطلعنا على الغاية من جعلنا شعوباً وقبائل إنها ليست للتفاخر والخصام، إنما هي للتعارف والوئام.

قوله تعالى: ﴿ﭼ   ﭽ  ﭾ﴾.

(والشعوب: جمع شعب بفتح الشين، وهو مجمع القبائل التي ترجع إلى جد واحد من أمة مخصوصة.

واقتصر القرآن الكريم على ذكر الشعوب والقبائل لأن ما تحتها داخل فيها، وتجاوز عن ذكر الأمم جرياً على المتد.اول في كلام العرب في تقسيم طبقات الأنساب، إذ لا يدركون إلا أنسابهم  

ولما أمر الله تعالى المؤمنين بأن يكونوا إخوة، وأن يصلحوا بين الطوائف المتقاتلة ونهاهم عما يثلم الأخوة، وما يَغِيْن على نورها في نفوسهم من السخرية واللمز والتنابز والظن السوء والتجسس والغيبة، ذَكّرهم بأصل الأخوة في الأنساب التي أكدتها أخوة الإسلام ووحدة الاعتقاد ليكون ذلك التذكير عوناً على تبصرهم في حالهم، ولما كانت السخرية واللمز والتنابز مما يحمل عليه التنافس بين الأفراد والقبائل جمع الله ذلك كله في هذه الموعظة الحكيمة التي تدل على النداء عليهم بأنهم تحمدوا إلى هذا التشعيب الذي وضعته الحكمة الإلهية فاستعملوه في فاسد لوازمه، وأهملوا صالح ما جعل له بقوله: ﴿ﭿﮀ﴾ ثم أتبعه بقوله ﴿ﮁ    ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅﮆ﴾ أي فإن تنافستم فتنافسوا في التقوى كما قال تعالى: ﴿ﯢ  ﯣ  ﯤ  ﯥ﴾ [المطففين: 26] .

وجملة ﴿ﮇ  ﮈ   ﮉ  ﮊ﴾ تعليل لمضمون: ﴿ﮁ    ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅﮆ﴾ أي إنما كان أكرمكم أتقاكم لأن الله عليم بالكرامة الحق وهي التقوى، خبير بمقدار حظوظ الناس من التقوى، فهي عنـــده حظوظ الكرامة، فلذلك الأكرم هو الأتقى، وهـــذا كقوله: ﴿ﯙ  ﯚ  ﯛﯜ  ﯝ  ﯞ       ﯟ  ﯠ﴾ [النجم: 32] ومعرفة وعلم أن قوله ﴿ﮁ    ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅﮆ﴾ لا ينافي أن تكون للناس مكارم أخرى في المرتبة الثانية بعد التقوى، مما شأنه أن يكون له أثر تزكية في النفوس مثل حسن التربية، ونقاء النسب، والمعرفة في العلم والحضارة، وحسن السمعة في الأمم وفي الفضائل وفي العائلات، وكذلك بحسب ما خلده التاريخ الصادق للأمم والأفراد مما يترك آثاراً لأفرادها، وخلالاً في سلائلها، قال النبي r: «النَّاسُ مَعَادِنٌ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلاَمِ إِذَا فَقهُوا»([59]).

أهم الفوائد والأحكــــــام:

  1. تحريم السخرية واللمز والتنابز بالألقاب بدلالة النهي الوارد في الآية، واستثنى من الألقاب المكروهة من غلب عليه اللقب فلم يعد يعرف إلا بها، كالأعمش والأعرج. أما الألقاب الحسنة فهي جائزة.
  2. تحريم سوء الظن بالله، وبأهل الصلاح، بل بالمسلمين مستوري الحال، وكذا التجسس والغيبة بدلالة النهي في الآية الثانية.
  3. قسم العلماء الظن إلى أنواع أربعة:

أ ــ ظن واجب مأمور به، حسن الظن بالله تعالى وحسن الظن بالمؤمنين، كما جاء في الحديث القدسي الصحيح: «أنا عند ظن عبدي بي» وكما جاء عند مسلم «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله».

ب ــ ظن محظور أو حرام: كسوء الظن بالله، وبأهل الصلاح، أما من يجاهر بالخبائث أو يتعاطى الريب فلا يحرم إساءة الظن به.

ج ــ ظن مندوب إليه، كإحسان الظن بالأخ المسلم، وإساءة الظن إذا كان المظنون به ظاهر الفسق.

د ــ ظن مباح: كالظن في استنباط الأحكام الشرعية الفرعية العملية بالاجتهاد والعمل بغالب الظن في الشك في الصلاة.

هـ ــ المساواة في الأصل والمنشأ الإنساني وفي الواجبات والحقوق التشريعية هي أصل الشريعة الإسلامية العادلة.

و ــ خلق الله الخلق أنساباً وأصهاراً للتعارف والتواصل والتعاون، وليس للتناكر والمعاداة والتفاخر بالأنساب والأعراق، فهي اعتبارات وهمية تتعارض مع وحدة الأصل.

 ز ــ إن ميزان التفاخر الأرفع منزلة عند الله هو ميزان التقوى، فإن حدث تفاخر فليكن بالتزام المأمورات واجتناب المنهيات.

بيان أصول الإيمان الصحيح وقيمته:

قوله تعالى: ﴿ﮍ  ﮎ  ﮏﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓ  ﮔ   ﮕ  ﮖ  ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ  ﮛﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ   ﮠ  ﮡ  ﮢ    ﮣ  ﮤ  ﮥﮦ  ﮧ      ﮨ  ﮩ  ﮪ﴾.

أسباب النزول الواردة في الآيات:

﴿ﮍ  ﮎ﴾ نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة، كان من بين الوفود التي وفدت على رسول الله r في سنة تسع المسماة سنة الوفود، وكان وفد بني أسد ينزلون بالقرب من المدينة، وكان قدومهم المدينة عقب قدوم وفد بني تميم الذي ذكر في أول السورة. وكانت هذه السنة سنة جدب في بلادهم، فأسلموا وكانوا يقولون للنبي r أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والعيال والذراري ولم نقاتلك كما قاتلك محارب هوازن وغطفان يفدون على رسول الله r ويروجون بهذه المقالة، ويمنون عليه ويريدون أن يصرف إليهم الصدقات، فأنزل الله فيهم هذه الآيات إلى آخر السورة([60])، لوقوع القصتين قصة وفد بني تميم وقصة وفد بني أسد في أيام متقاربة، والأغراض المقصودة ببيان الجفاء متناسبة.

1) المفردات اللغوية:

﴿ﮎ﴾ سكان البادية من العرب.

﴿ﮏﮐ﴾ صدقنا بما جئت به من الشرائع، وامتثلنا الأوامر. ﴿ﮖ﴾ انقدنا ظاهراً. ﴿ﮗ  ﮘ  ﮙ﴾ لم يدخل الإيمان في قلوبكم إلى الآن ولكنه يتوقع منكم. ﴿ﮝ  ﮞ  ﮟ   ﮠ﴾ في الإيمان والقيام بالفرائض واجتناب المحارم. ﴿ﮡ  ﮢ﴾ لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً. ﴿ﮧ ﮨ  ﮩ  ﮪ﴾ يغفر للمؤمنين ما وقع منهم من الذنوب، ورحيم بهم ومتفضلاً عليهم.

2) شرح الآيــــــات:

 هذا هو المحور الأخير لهذه السورة الكريمة، كما بدأت بالأدب مع الله سبحانه بأن لا نتقدم على شرعه ولا على نبيه r، جاءت لتؤكد على الإيمان الصحيح ، وقد وجهت هذه الآيات الكريمات أعراب بني أسد، الذين انفردوا بتلك المقولة حيث لم ترد عن غيرهم من العرب، فقالوا آمنا مع العلم أنهم لازالوا في شك لم يتمكن الإيمان منهم، فأراد الله سبحانه أن يعلمهم حقيقة ما هو قائم في نفوسهم وهم يقولون هذا القول، وأنهم دخلوا في الإسلام استسلاماً، ولم تصل قلوبهم إلى مرتبة الإيمان، ونفى عنهم الغدر والنفاق بطريق غير مباشر إذ لو كانوا منافقين لأغلظ عليهم القرآن وفضحهم ، فأنبأهم الله بما في قلوبهم وعلمهم ماذا يقولون: قوله ﴿ﮔ   ﮕ  ﮖ﴾ تعريضاً لهم بأنهم قد كذبوا فهؤلاء الأعراب لما جاءوا مظهرين الإسلام وكانت قلوبهم غير مطمئنة لعقائد الإيمان لأنهم حديثو عهد به، ولفت نظرهم وأعلمهم أنهم لم يخف باطنهم على الله سبحانه، فلا يحسبوا أنهم غالطوا رسول الله ^، وطالبهم بوجوب الصدق في القول ليطابق الواقع، فعليكم أن تقولوا قولاً صادقاً.

قوله: ﴿ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ  ﮛﮜ﴾ يبين معنى نفي الإيمان عنهم بأنه ليس انتفاء وجود تصديق باللسان، ولكن انتفاء رسوخه، وعقدُ القلب عليه، إذ كان فيهم بقية من ارتياب، ورغم الإفادة بأن عدم الإيمان متصل بزمن التكلم، لكن فيه إشارة وبشارة بأن المنفي بها متوقع الوقوع، وقريب، وفيه دلالة على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد.

﴿ﮝ  ﮞ  ﮟ   ﮠ  ﮡ  ﮢ    ﮣ  ﮤ  ﮥﮦ﴾ إرشاد إلى دواء مرض الحال من ضعف الإيمان بأنه: إن يطيعوا الله سبحانه ورسوله ^ إطاعة تامة، حصل إيمانهم، فإن مما أمر الله به على لسان رسوله ^ بيان عقائد الإيمان، بأن يقبلوا على التعلم من رسول الله ^ مدة إقامتهم بالمدينة عوضاً عن الاشتغال بالمن والتعريض بطلب الصدقات. فإن أخلصتم الإيمان كما أمركم الله ورسوله، تقبل الله أعمالكم التي ذكرتم من أنكم جئتم طائعين للإسلام من غير قتال، ولا تنقص أجروكم على أعمالكم الصالحة المتقبلة.

قوله: ﴿ﮧ ﮨ  ﮩ  ﮪ﴾ استئناف تعليم لهم بأن الله تجاوز عن كذبهم إذا تابوا، وترغيب في إخلاص الإيمان لأن الغفور كثير المغفرة شديدها، ومن فرط مغفرته أنه يجازي على الأعمال الصالحة الواقعة في حالة الكفر، غير معتد بها، فإذا آمن عاملها جوزي عليها بمجرد إيمانه وذلك من فــــرط رحمته بعبــــاده، وترتيب ﴿ﮪ﴾ بعد ﴿ﮩ﴾ لأن الرحمة أصل للمغفرة.

3) أهم الفوائد والأحكام في الآيـــــات:

أ ــ أرشدت الآيات إلى توبيخ من في إيمانه ضعف، وأنه لابد من الإيمان والإذعان التام، بعد الإسلام الظاهر والخضوع والانقياد خوفاً من القتل.

ب ــ كل إنسان يجزى على عمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، لكن رحمة الله تعالى واسعة، وأنها سبقت غضبه ﴿ﮇ  ﮈ  ﮉ  ﮊ  ﮋ   ﮌ  ﮍ  ﮎ  ﮏ  ﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓ﴾ [الزلزلة: 7، 8].

ج ــ إن السيئات يمكن أن تمحى، وإن الحسنات لا يمكن أن تنقص.

د ــ في هذه الآية الكريمة فرق بين الإسلام والإيمان، وكذلك في حديث جبريل u فرق بين الإسلام والإيمان، ولا يناقض وروده في أدلة أخرى بكون الإيمان هو الإسلام، لأنه كما قال العلماء، إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، بمعنى إذا ذكرا منفصلين كان كل منهما دال على الدين بكليته ظاهرة وباطنة، أما إذا ذكرا مجتمعين كان الإيمان دالاً على الأمور الباطنة والإسلام على الظاهرة([61]).

قوله تعالى: ﴿ﮬ    ﮭ  ﮮ  ﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ   ﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛﯜ  ﯝ  ﯞ   ﯟ  ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤ   ﯥ   ﯦ  ﯧ  ﯨ  ﯩ  ﯪ  ﯫ  ﯬﯭ  ﯮ  ﯯ  ﯰ  ﯱ   ﯲ﴾

1) المفردات اللغوية:

﴿ﮬ    ﮭ﴾ الذين صدقوا في إيمانهم حقاً. ﴿ﯓ  ﯔ  ﯕ﴾ أي لم يشكوا ويترددوا في إيمانهم بالله رباً وبمحمد رسولاً ونبياً. ﴿ﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛﯜ﴾ في طاعة الله ورسوله ^، ﴿ﯝ  ﯞ   ﯟ﴾ هؤلاء هم الذين يستحقون اسم الإيمان، وليس الذين تلفظوا بألسنتهم ظاهرياً فقط.

﴿ﯢ  ﯣ  ﯤ﴾ أي: قل لهم يا رسولنا لهؤلاء الأعراب أتـخبرون الله بمقولتكم: آمنا. ﴿ﯥ   ﯦ  ﯧ  ﯨ  ﯩ﴾ قد أحاط علمه فلا يخفى عليه شيء، وهو أعلم منكم بما في نفوسكم.

2) شرح الآيــــــات:

بين لهم حقيقة الإيمان، فالإيمان تصديق القلب بالله وبرسوله، دون ارتياب مع قول اللسان والعمل، وإنما أداة حصر تفيد إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، أي: إنما لم يكونوا مؤمنين لأن الإيمان ينافيه الارتياب.

قوله: ﴿ﯓ  ﯔ  ﯕ﴾ أي ثم لم يشكوا ولم يترددوا، بل استقروا وثبتوا على الإيمان مع طول المدة، لأن ﴿ﯓ﴾ تدل على الترتيب والمهلة، فلم يلحقهم شك بالإيمان بالله وبرسوله r .

﴿ﯝ  ﯞ   ﯟ﴾ المتصفون بهذه الصفات المذكورة هم الصادقون في إيمانهم، لا كبعض الأعراب الذين أظهروا الإسلام، ولم تطمئن قلوبهم بالإيمان.

 

3) الفوائد والأحكام في الآيـــــات:

أ ــ الإيمان الحقيقي هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، ثم الثبات والاستقامة عليه بدون شك ولا ريب.

ب ــ الجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس من الإيمان.

ج ــ الجهاد بالمال مقدم على الجهاد بالنفس، لأن المال محبوب للنفس يتعب الإنسان بدنه ولا يحب أن ينفق شيئاً من المال في الغالب، وكذلك قدم المال لأنه يسبق الجهاد بالنفس فبالمال نشتري عدة القتال.

 د ــ كما يكون الجهاد بالسيف والسنان، يكون باللسان والبيان، فإذا لم تستطع القتال لتكون كلمة الله هي العليا، فالعلم الشرعي سبب لأن تكون كلمة الله هي العليا، وهو نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله. قال تعالى: ﴿ﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ﴾ [الفرقان: ٥٢] أي جاهدهم بالقرآن.

قوله تعالى: ﴿ﯳ  ﯴ  ﯵ  ﯶﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺ  ﯻ  ﯼﯽ  ﯾ   ﯿ   ﰀ  ﰁ  ﰂ  ﰃ  ﰄ  ﰅ  ﰆ   ﰇ  ﰈ  ﰉ  ﰊ   ﰋ   ﰌ  ﰍ  ﰎﰏ  ﰐ  ﰑ  ﰒ  ﰓ﴾.

1) المفردات اللغوية:

﴿ﯳ﴾ يمتنون ويعدون متابعتهم لك منة عليك ويطلبون عليها أجراً.

﴿ﯾ   ﯿ   ﰀ  ﰁ﴾ الله هو صاحب الفضل عليكم أن وفقكم للإيمان .

﴿ﰅ  ﰆ ﰇ﴾ في إدعاء الإيمان، فلله المنة أولاً وآخراً.

﴿ﰌ  ﰍ  ﰎﰏ﴾ ما غاب فيهما.

﴿ﰐ  ﰑ  ﰒ  ﰓ﴾ يعلم ما في صدور هؤلاء الأعراب وما يكنونه ويخفونه في ضمائرهم.

2) شرح الآيــــــات:

إن أعظم منّة، أن يمن الله على العبد بالهداية إلى الإيمان، إن الإيمان هو أكبر المنن التي ينعم بها الله على عبد من عباده في الأرض، إنه أكبر من منة الوجود الذي يمنحه الله ابتداء لهذا العبد؛ وسائر ما يتعلق بالوجود من ألاء الرزق والصحة والحياة والمتاع، ولا شك أن هذا أعظم منه يمن الله على العبد بالهداية إلى الإيمان، مع أن الله أضل كثيراً من الأمة عنه، كما أخبر r في الحديث الصحيح عند البخاري يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ( يَا آَدَمُ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِين )([62]).

قوله تعالى: ﴿ﰉ  ﰊ   ﰋ   ﰌ  ﰍ  ﰎﰏ  ﰐ  ﰑ  ﰒ  ﰓ﴾.

أخبر الله سبحانه في هذه الآية أنه يعلم كل ما غاب في السموات والأرض، وهذا تقويم لهم على الحق ليعلموا أن الله لا يُكتم، وأنه لا يُكذب عليه، لأنه سبحانه يعلم كل غائبة في السماء والأرض، فإنهم كانوا في الجاهلية لا تـخطر ببال كثير منهم أصول الصفات الإلهية، فقد أكّدَ لهم الخبر بـ ﴿ﰉ﴾ لأنهم بحال من ينكر أن الله يعلم الغيب، فكذبوا على النبي r مع علمهم أنه مرسل من الله، فكان كذبهم عليه مثل الكذب على الله.

3) أهم الفوائد:

أ ــ إن نفع الإيمان عائد للإنسان نفسه، فلا يصح لأحد أن يمتن بإسلامه على أحد، بل المنة والفضل والنعماء لله عزَّ وجلّ الذي وفق عباده للإيمان وهداهم إليه من بين بني البشر ثم يجازيهم عليه سبحانه وتعالى. والصادقون هم الذين يعترفون ويقرون بهداية الله لهم.

ب ــ ظاهر الآية يدل على أن أولئك الأعراب لم يكونوا مؤمنين إيماناً صحيحاً منجياً، بل كانوا مسلمين إسلاماً ظاهرياً، ولم يكونوا منافقين، فلو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا كما فعل الله تعالى بغيرهم في سورة براءة.

ج ــ إحاطة علم الله سبحانه وتعالى لكل شيء، فلا تـخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ولا في أنفسنا، فهو تعالى يعلم المقاصد والغايات ويعلم ما غاب من السموات والأرض وما غاب فيها.

الوحدة الأولى

مكانة السنة النبوية ومنزلتها

لقد قام الإسلام على تعظيم الكتاب والسنة، والاستسلام والانقياد لهما، وتعظيم أمر الله سبحانه وتعالى ونهيه فيهما، والوقوف عند حدود ما أنزله على نبيه ^، قال الله تعـالى: ﴿ﯖ  ﯗ   ﯘ    ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜ      ﯝ  ﯞ  ﯟﯠ﴾ [الحج30]، وقال تعالى: ﴿ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ   ﭬ  ﭭ  ﭮ  ﭯ   ﭰ﴾ [الحج32]، فكل ما أمر به الشارع الحكيم أو نهى عنه، فحقه التعظيم والإجلال والامتثال، فإذا جاء الأمر من أمر الله وأمر رسوله r فلا مجال إلا التسليم والانقياد، قال الله تعالى: ﴿ﭑ  ﭒ         ﭓ  ﭔ    ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ  ﭚ  ﭛ  ﭜ   ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠﭡ﴾ [الأحزاب: 36]، وقال سبحانه ﴿ﯜ  ﯝ  ﯞ   ﯟ      ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤ    ﯥ  ﯦ  ﯧ      ﯨ  ﯩ  ﯪ  ﯫ   ﯬ  ﯭ  ﯮ﴾ [النساء65].

تعريف السنة في اللغة والاصطلاح:

السنة في اللغة: (هي الطريقة أو السيرة محمودة كانت أو مذمومة)([63]).

تعريف السنة في الاصطلاح: لقد أختلف تعاريف السنة، حسب اختصاصات المعرفين لها:

فتعريفها في اصطلاح المحدثين هي: كل ما أضيف إلى النبي r من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية أو خُلقية أو سيرة، سواء أكان ذلك قبل البعثة أم بعدها([64]).

تعريف السنة في اصطلاح علماء أصول الفقه هي: ما صدر عن النبي r من قول أو فعل أو تقرير مما يصح أن يكون دليلاً لحكم شرعي ([65]).

تعريف السنة في اصطلاح الفقهاء: هي كل ما صدر عن النبي r ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب([66]).

تعريف السنة في اصطلاح علماء العقيدة، هي: ما قابل البدعة، لأن عنايتهم هي لكل ما أمر به الشرع أو نهى عنه، لقوله r: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد»([67]).

شرح تعريف السنة عند المحدثين:

معنى قول: هو كل ما تكلم به النبي r في المناسبات المختلفة وما بينه من أحكام الإسلام، وعقيدته، وآدابه كقوله r: «إنما الأعمال بالنيات»([68]).

ومعنى الفعل: أي أفعاله r التي نقلها إلينا الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ، في شؤون العبادة والمعاملة والتشريع والخلق. كصلاته ووضوئه وحجه، مثل قوله ^: «صلوا كما رأيتموني أصلي»([69]) و«خذوا عني مناسككم»([70]).

ومعنى التقرير: هو كل ما أقره r من أقوال وأفعال الصحابة ، ومثاله: إقراره r في أمر صلاة العصر في غزوة بني قريظة حين قال لهم r: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»([71]). فمنهم من أخذ بظاهر الأمر فأخر صلاة العصر حتى انتهوا إلى بني قريظة، ومنهم من حمل هذا الأمر على الحث على الإسراع في الذهاب إلى بني قريظة، فصلوا العصر في وقتها قبل بلوغ بني قريظة، فبلغه r ما فعله الفريقان ولم ينكر على أيهما.

وأما معنى الصفة الخلْقية: بفتح الخاء المعجمة فيتناول هيئة الرسول r من خاتم النبوة إلى نعته على ما خلقه الله تعالى عليه كطوله، ولونه، وصفة وجهه، وابتسامته   وغير ذلك من الصفات.

وأما الخُلقية: بضم الخاء المعجمة فتتناول جميع شمائله rمن صدق وأمانة وشجاعة ورحمة وعدل وعطف وغيرها من الأخلاق الفاضلة التي كان يتسم بها النبي r .

وأما قبل البعثة: وذلك حينما وصفته خديجة ــ رضي الله عنها ــ بمكارم الأخلاق التي يتصف بها النبي r قبل البعثة واشتهر بها وذلك حينما أخبرها خبر الوحي فقالت: «كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المحروم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر»([72]).

معنى الحديث في اللغة: هوالجديد من الأشياء، كما يطلق على الخبر كثيره وقليلة([73]).

وفي الاصطلاح: هو ما أثر عن النبي r من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية أو خلقية([74]).

معنى الخبر لغة: النبأ، ومعنى الأثر لغة: البقية من الشيء.

معنى الخبر والأثر اصطلاحا ً:

  1. يرى جمهور العلماء أن الخبر والأثر لفظان مرادفان للحديث.
  2. ومن العلماء من فرق بين الحديث والأثر والخبر، فجعل الحديث: ما جاء عن النبي r، والخبر: ما جاء عن غيره، أما الأثر فهو ما جاء عن الصحابة والتابعين([75]).

مكانة السنة في التشريع الإسلامي:

إن القرآن هو المصدر الأول للشريعة الإسلامية كما هو معلوم، فقد أنزله الله على رسوله r هدىً للمتقين ودستورًا للمسلمين، وشفاء لصدور الذين أراد الله لهم الشفاء ونبراسًا لمن أراد الله لهم الفلاح، وقد تلقاه المسلمون عن رسول الله rمشافهة في عصر الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ وللرسول r مهمة أخرى غير تبليغ كتاب الله إلى الناس، وهي تبيين هذا الكتاب، وتفصيل المجمل من أحكامه، وبيان ما أنزله الله في كتابه من قواعد عامة وأحكام مجملة وغير ذلك ، إذ لا يمكن أن يفهم القرآن على حقيقته وأن يعلم مراد الله من كثير من الآيات والأحكام فيه إلا بالرجوع إلى رسول الله rالذي أنزل الله عليه الكتاب، وخاطبه ﴿ﭥ   ﭦ     ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ   ﭭ  ﭮ ﴾ [النحل: ٤٤].

الأدلة على مكانة السنة:

وهذه بعض الأدلة على مكانة السنة من القرآن والسنة وأقوال السلف والإجماع، ومن ذلك:

أ) من القرآن:

1 ــ قال تعالى: ﴿ﯣ  ﯤ  ﯥ  ﯦ  ﯧ  ﯨ  ﯩ  ﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭ      ﯮ  ﯯ  ﯰ  ﯱ  ﯲ  ﯳ      ﯴ  ﯵ  ﯶ          ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺ  ﯻ﴾ [آل عمران: ١٦٤] ، وقال سبحانه: ﴿ﯣ  ﯤ  ﯥ  ﯦ  ﯧ  ﯨ  ﯩ  ﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭ      ﯮ  ﯯ  ﯰ  ﯱ  ﯲ  ﯳ      ﯴ  ﯵ  ﯶ          ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺ  ﯻ﴾ [آل عمران: 164] .

ب) ومن السنة:

عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله r أنه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه»([76]).

ج) ومن أقوال السلف رحمهم الله:

عن ميمون بن مهران ــ رحمه الله ــ في قول الله عزَّ وجلّ: ﴿ﰀ  ﰁ   ﰂ  ﰃ  ﰄ  ﰅ       ﰆ  ﰇ﴾ [النساء: 59] قال ــ رحمه الله ــ والرد إلى الله الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول r إذا كان حياً، فإذا مات فسنته([77]).

د) الإجماع:

أجمعت الأمة الإسلامية منذ عهد الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ على حجية السنة، وكونها مصدراً أصيلاً للإسلام، ولا يخالف ذلك إلا من لاحظ له في الإسلام، عياذاً بالله([78]).

فالسنة لها مكانة عظمية بالنسبة للقرآن ويتضح ذلك من خلال ما يلي:

1 ــ السنة مفصلة لمجمل القرآن:

فهناك أحكام مجملة في القرآن الكريم فصلها رسول الله r، وكان تنفيذ المسلمين لهذه الأحكام المجملة متوقفاً على هذا التفصيل منه r ، ففي القرآن آيات تأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأداء الحج أمراً مجملاً مثل قوله تعالى: ﴿ﮛ  ﮜ  ﮝ   ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﮡ  ﴾ [البقرة 43]. وقوله تعالى: ﴿ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ       ﭧ  ﭨ  ﭩ    ﭪ ﭫ  ﭬ  ﭭ  ﭮ   ﭯ  ﭰ  ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وقوله تعالى: ﴿ﮬ  ﮭ  ﮮ   ﮯ  ﮰ    ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕﯖ﴾ [آل عمران 97]. فتأتي السنة المطهرة فتفصل عدد الصلوات وأوقاتها وعدد ركعاتها وأركانها وشروطها، بهيئات معينة... الخ. قال r: «صلوا كما رأيتموني أصلي»([79]).

وفي شأن الزكاة بين r الأموال التي تجب فيها الزكاة والتي لا زكاة فيها وعلى من تجب الزكاة.. الخ ، وكذلك حدد r وقت الصيام وعلى من يجب الصيام،... الخ، وكذلك الحج حينما قال ــ ^ ــ: «خذوا عني مناسككم»([80]). وغير ذلك من الأحكام التي أتت مجملة وفصلتها السنة النبوية المطهرة.

2 ــ في السنة أحكام استقلت بها، وأجمع عليها المسلمون ولم ترد في القرآن الكريم: كحرمة نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وحد شارب الخمر، وميراث الجدة، ورجم الزاني المحصن، وتحريم الحمر الأهلية، وغير ذلك من الأحكام([81]).

3 ــ تـخصيص العموم: ومن ذلك تـخصيص قوله r: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»([82])، لقول الله تعالى: ﴿ﮭ  ﮮ  ﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ         ﯖ  ﯗ  ﯘﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞ  ﯟ  ﯠ  ﯡ  ﯢﯣ   ﴾ [النساء: 11]. فظاهر الآية يدل على أن كل والد يرث ولده، وكل مولود يرث والده، حتى جاءت السنة وبينت أن لابد من اتفاق الدين بين الوالدين والمولود، وأما إذا اختلف الدين فإن ذلك مانع من موانع الإرث([83]).

4 ــ توضيح المبهم: قال الله تعالى: ﴿ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ    ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ     ﭚ  ﭛ  ﴾ [الأنعام 82]. فعندما نزلت هذه الآية لم يستطع الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ أن يفهموا المعنى الصحيح لكلمة (ظلم) في هذه الآية وما المراد منها؟ ففهموها فهماً غير ما أراد الله، وأن المراد بها التقصير في أي حق من الحقوق، ولذلك أصاب بعضهم اليأس وقالوا: (أينا لم يظلم نفسه)([84]). فبين لهم النبي r أن المراد بالظلم هنا: الشرك، واستدل بقوله تعالى في آية أخرى: ﴿ﭱ  ﭲ    ﭳ  ﭴ  ﴾ [لقمان13].

5 ــ تأكيد ما جاء في القرآن الكريم وموافقته: فمن ذلك قوله r: «بُنِىَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»([85]) وهو موافق لقوله تعالى: ﴿ﮛ  ﮜ  ﮝ   ﮞ﴾ [البقرة 43] وقوله: ﴿ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ       ﭧ  ﭨ﴾ [البقرة 183]وقوله: ﴿ﮬ  ﮭ  ﮮ   ﮯ  ﮰ    ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕﯖ﴾ [آل عمران 97].

 

جهود الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في تلقي السنة النبوية وروايتها:

لقد تلقى الصحابة الكرام حديث رسول الله r وأخذوه عنه وبذلوا جهوداً متنوعة لتلقي السنة وحفظها فمنها:

1 ــ الكتابة والتدوين، فقد جاء عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شي أسمعه من رسول الله r أريد حفظه)([86]).

2 ــ السؤال عن السنة والتثبت من صحة الرواية عند تحملها وعند روايتها، فهذا أبو بكر الصديق يسأل عن الذي عنده علم في ميراث الجدة، فيشهد المغيرة بن شعبة أن النبي r أعطاها السدس، فلم يكتف الصديق بذلك بل طلب شخصاً آخر يؤكد هذه الرواية فشهد محمد بن مسلمة بمثل ما قال المغيرة، فأنفذه أبو بكر الصديق ([87]).

3 ــ التناوب على سماع الحديث، حيث جاء عن عمر بن الخطاب أنه كان يتناوب مع جار له أنصاري في النزول إلى المسجد النبوي لسماع الحديث النبوي([88]).

4 ــ الرحلة في سبيل الحصول على الحديث: لقد رحل الصحابة الكرام في سبيل الحصول على الحديث الواحد، فخرجوا إلى الشام، ومصر، وغيرهما فهذا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يرحل إلى الشام مسيرة شهر ليسمع حديثاً واحداً، وهو حديث (يحشر الناس يوم القيامة عراة... )([89]). ثم يرجع إلى المدينة بعد سماعه.

  •  

 

الوحدة الثانية

عناية المسلمين بالسنة النبوية وعلومها

كتابة الحديث في العهد النبوي بين النهي والإباحة:

كان الصحابة رضوان الله عليهم يتلقون السنة القولية والعملية من رسول الله r بحرص بالغ، وعناية فائقة، إذ هي بيان للقرآن الكريم وتوضيح لمعالم الإسلام.

وكان التعويل في الأعم على الحفظ، إذ لم تكن الكتابة شائعة بين العرب، وكان عدد الكتبة قليل فوجههم رسول الله r في أول الإسلام إلى كتابة القرآن الكريم وعرفوا بكتبة الوحي. وحين أراد بعض الصحابة في أول الأمر كتابة الحديث النبوي نهاهم رسول الله r قائلا: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»([90]) ، وإنما كان هذا النهي عن كتابة الحديث حتى لا يختلط شيء منه بالقرآن، وحتى تنصرف الهمم إلى العناية بكتابة القرآن ليتم ما وعد الله سبحانه من حفظ هذا الكتاب من الضياع أو التحريف وذلك في قوله تعالى: ﴿ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ      ﮛ  ﮜ   ﮝ  ﴾ [الحجر: ٩].

كتابة الحديث في العهد الراشدي:

لم ير الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم اشتغال الناس بتدوين السنة النبوية، صرفاً لعناية الكتبة إلى جمع القرآن الكريم، مع الاعتماد على أن السنة النبوية؛ محفوظة عن طريق الرواية الشفوية من جهة، والتطبيق العملي لها من جهة أخرى، وساعدهم على ذلك محبتهم الشديدة لحديث رسول الله r، وتمسكهم بتطبيقه، مما حملهم على حفظ السنة النبوية في صدورهم، واستيعابهم لها في قلوبهم وسلوكهم، وساعدهم على ذلك أيضاً صفاء أذهانهم، على ما كان عليه حال العرب الذين يعتمدون على ذاكرتهم في حفظ تاريخهم وأنسابهم وغزواتهم وأشعارهم، وتشهد لهم بذلك تلك المعلقات التي رووها، وغيرها.

فلم يكن هناك تدوين رسمي للسنة النبوية على مستوى الأمة في هذا العصر المبارك ، وكان المحذور من كتابة السنة في ذلك العهد المبكر أن تنتشر هذه الصحف في الأفاق، وأن يقع الوهم بأن شيئاً منها من القرآن، مادام قد كتب في العصر الذي كتب في القرآن.

تدوين السنة النبوية في العهد الأموي والعباسي:

بعد أن انقضى عصر الصحابة رضوان الله عليهم، وجاء عصر التابعين ومن بعدهم.. وكان القرآن الكريم قد تواتر ولقي من العناية ما جعله في مأمن بعد ذلك من التحريف، أو الخلط بغيره، لم يعد هناك بأس من كتابة الحديث، وذلك خشية ذهاب الحديث بذهاب حفاظه.. وخوفاً من أن يتطرق إليه، مع اختلاف العصور الوهم أو الخطأ، أو التحريف، أو النسيان، مع ظهور الوضع والكذب على رسول الله r، وصعوبة حفظ الأسانيد الطويلة، كل هذه الأشياء جعلت الولاة يفكرون في تدوين السنة النبوية، فقد ورد في بعض الأخبار أن أول من فكر في تدوين السنة النبوية هو عبدالعزيز بن مروان أمير مصر، ولكن لم تذكر لنا كتب العلم مصير تلك المحاولة. ولذا لما تولى الخليفة عمر بن عبد العزيز بن مروان رحمه الله، الخلافة عام (99هـ) أمر بكتابة الحديث وتدوينه رسمياً. فكتب إلى عامله على المدينة أبي بكر ابن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله r فأكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي r ([91])، وكتب إلى عماله في الأفاق بمثل ما كتب إلى أبي بكر ابن حزم ، وكان أول من استجاب لهذه الرغبة الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمه الله (المتوفى عام 124هـ) حيث بدأ بجمع الأحاديث النبوية، والآثار المروية عن الصحابة الكرام .

تدوين الحديث في العصر العباسي:

 لقد ازدهرت المكتبات وكثرت الكتب والصحف في العصر العباسي، وساهم في ذلك ظهور صناعة الورق وكذا حوانيت الوراقين، متوجاً ذلك بدعم الخلفاء والأمراء وتشجيعهم العلماء على التأليف، فقد طلب ثاني خلفاء العباسيين ووالدهم جميعاً أبو جعفر المنصور الذي ــ ولي الخلافة (136هـ) ــ طلب إلى الإمام مالك أن يجمع ما ثبت لديه ويدونه في كتاب، ويوطئه للناس، فألف كتابه هذا وسماه الموطأ([92])، وجمع فيه ما بلغه من صحيح حديث رسول الله r في الأحكام وأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ويعد من أوائل المصنفات التي وصلت إلينا كاملة.

تصنيف الحديث وظهور الكتب الستة في القرن الثالث الهجري:

  لقد ظهرت المصنفات الكثيرة وتوالى الجمع والتصنيف في هذا القرن حيث يعد بحق العصر الذهبي للسنة النبوية ، إذا فيه اتجهت همم العلماء والرواة إلى جمع الحديث النبوي الشريف مفرداً عن أقوال الصحابة والتابعين، مع مراعاة الدقة البالغة في التمييز بين الصحيح وغيره، وفي هذا العصر ألفت الكتب الستة وهي:

صحيح الإمام البخاري ، صحيح مسلم ، سنن أبي داود ، سنن الترمذي ، سنن النسائي ، سنن ابن ماجة .

وهناك كتب أخرى ألفت أيضاً مثل : موطأ الإمام مالك ، مسند الإمام أحمد ، صحيح ابن خزيمة ، وغيرها كثير .

منهج المحدثين في توثيق السنة:

لقد بذل علماء الحديث جهوداً حثيثة مباركة وفق منهج علمي دقيق إلتزموه في تدوينهم للسنة النبوية وتمييزهم للمقبول من المردود منها. وقد ظهرت هذه العناية بالسنة النبوية المطهرة في قواعد ثابتة ومنهج نقدي واضح، وأبرز معالم هذه المنهج:

أولاً: نقد السند

 والسند في اصطلاح المحدثين: هو سلسلة الرواة الذين ينقلون ما أضيف إلى رسول الله ^، وسمي سنداً لاعتماد الحفاظ عليه في معرفة قبول الحديث ورده([93]).

وقد اجتهد الصحابة رضوان الله عليهم ومن جاء بعدهم في المحافظة على الحديث، وفحص رواته وأحوالهم وجعلوا الاهتمام بالإسناد من الدين، قال الإمام عبدالله بن المبارك: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء([94]).

ولقد أراد أعداء الإسلام الكيد لهذا الدين والنيل منه، بتلفيق الأحاديث المكذوبة، فأفزع هذا الصنيع الخبيث علماء الإسلام، فنهض جمع منهم لمهمة الكشف عن هؤلاء الرواة، بدراسة أحوالهم، والتحري عن ميولهم ومذاهبهم، مع التجرد عن الهوى، والتحلي بالحيادية الحقيقية في البحث، حيث إن محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أغلى من محبتهم لأنفسهم وأهليهم وأوطانهم، فكانوا يبحثون عن القرائن التي تجلي الحكم عن هذا الراوي أو ذاك، دون الاهتمام بأن تكون النتيجة سلبية أم إيجابية، بل غايتهم أن تكون النتيجة صحيحة صادقة، مثل المخبري عندما يحلل مادة، فيذكر النتيجة حتى وإن لم يرض عنها الطبيب.

ثانياً: نقد المتن: والمتن في اصطلاح المحدثين: هو ألفاظ الحديث النبوي الشريف، وهو ما ينتهي إليه السند من الكلام.

ولقد كان الاهتمام بالمتن وتمحيصه معروفاً منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم، حيث جاءت روايات كثيرة تؤكد ذلك، وقد سبق إيراد الكثير منها، مما يدل على عنايتهم بنقد المتن، كما اعتنوا بنقد السند، حتى يتم الحكم على الحديث حكماً شاملاً عادلاً.

وقد قسم العلماء الحديث الشريف إلى أقسام من أهمها :

أ ــ الحديث الصحيح وهو: هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط من أوله إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً([95])..

وشروطه خمسة:

1 ــ اتصال السند.  2 ــ عدالة الراوي.  3 ــ ضبط الراوي.

4 ــ عدم الشذوذ. 5 ــ عدم العلة.

ب ــ الحديث الحسن : وهو خبر ما كان بنقل عدل، خف ضبطه، متصل السند، غير معلل ولا شاذ، وهو الحسن لذاته، فإذا تعددت طرقه صحّ لغيره([96]).

ج ــ الحديث الضعيف: وهو الحديث الذي لم تتحقق فيه صفة الحديث الصحيح أو الحسن المتقدمة([97]).

وأسباب ضعف الحديث خمسة هي:

1 ــ عدم اتصال السند. 2 ــ عدم العدالة. 3 ــ عدم الضبط.

4 ــ الشذوذ. 5 ــ العلة.

وأما حكم العمل به، فقد اختلف العلماء بالعمل بالحديث الضعيف إلى قولين:

القول الأول: عدم العمل به مطلقاً، وفي الأحاديث الصحيحة غنية وكفاية.

القول الثاني: يعمل به في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب بشروط ثلاثة:

1 ــ أن لا يكون الضعف شديداً.

2 ــ أن يكون مندرجاً تحت أصل عام معمول به في الدين.

3 ــ أن لا يعتقد عند العمل بثبوته، بل يعتقد الاحتياط([98]).

د ــ الحديث الموضوع: وهو الحديث المكذوب المنسوب إلى رسول الله r اختلاقا وكذباً مما لم يقله أو يفعله أو يقره.

وحكمه: أجمع العلماء على أنه لا تحل روايته لأحد علم حاله، إلا مع بيان أنه مكذوب ويحذر الناس منه([99]).

 

القسم الرابع

الاجماع والقياس والاجتهاد والفتوى

المصدر الثالث: الإجمـــاع

تعريفه لغة: يطلق على أحد معنيين: الأول العزم على الأمر والتصميم عليه ويؤيد العزم قوله تعالى: ﴿ﭥ   ﭦ﴾ [يونس: ٧١ ]. بمعنى اعزموا، والثاني الإتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا وكذا أي صاروا ذوي جمع ومنه قوله تعالى: ﴿ﰁ  ﰂ  ﰃ﴾ [يوسف: 102] ([100]).

اصطلاحا: هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد r بعد وفاته في عصر من العصور على أمر من الأمور الشرعية([101]).

والأدلة على حجيته:

1) من الكتاب قوله تعالى: ﴿ﭮ   ﭯ  ﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ  ﭷ  ﭸ   ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿﮀ  ﮁ   ﮂ  ﴾ [النساء: 115].  

وجه الاستدلال بهذه الآية أن الله توعد من اتبع غير سبيل المؤمنين فدل على أنه حرام؛ فيكون إتباع سبيل المؤمنين واجبًا، إذ ليس هناك قسم ثالث بين إتباع سبيل المؤمنين وإتباع غير سبيل المؤمنين.

2) ومن السنة: قوله r : «لن تجتمع أمتي على الضلالة أبداً، فعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة»([102]). وفي رواية «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَجْمَعُ أُمَّتِي ــ أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ــ ^ ــ ــ عَلَى ضَلاَلَةٍ وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ»([103]).

شروط الإجماع:

للإجماع شروط منها:

  1. أن لا يعارضه نص من القرآن أو السنة أو إجماع سابق.
  2. أن يستند إلى دليل شرعي وإن لم يصلنا الدليل.
  3. أنه لا بد من وجود عدد من المجتهدين ولا بد من اتفاقهم في المسألة فإذا خالف البعض لم يكن إجماعا إذا كان هذا المخالف ممن تحققت فيه شروط الاجتهاد([104]).
  4. أن يثبت بطريق صحيح، بأن يكون إما مشهوراً بين العلماء أو ناقله ثقة واسع الاطلاع.
  5. أن لا يسبقه خلاف مستقر، فإن سبقه ذلك فلا إجماع، لأن الأقوال لا تبطل بموت قائليها.

حكم الإجماع:

اتفق أهل السنة والجماعة على أن الإجماع حجة قطعية ــ على من بعده، ــ لدى توافر شروطه ولم ينازع في ذلك أحد يعتد برأيه([105]).

المصدر الرابع: القياس

تعريفه لغة واصطلاحاً:

لغة: التقدير والمساواة([106]).

واصطلاحا: إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما .

مثاله: شرب الخمر محرم بالنص وهو قوله تعالى: ﴿ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ       ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ   ﭚ  ﭛ  ﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﴾ [المائدة: ٩٠]. فيقاس عليه تحريم أي مسكر آخر لتساويهما في علة التحريم. فالأصل: الخمر والفرع: أي مسكر آخر، والحكم التحريم، والعلة: الإسكار في كل.

أدلة القياس:

وقد دل على اعتباره دليلاً شرعياً: الكتاب والسنة وأقوال الصحابة.

  1. من القرآن الكريم:

﴿ﯡ  ﯢ  ﯣ﴾ [الحشر: 2] فقد ذكر الله سبحانه ما لقي اليهود بسبب خيانتهم لله ولرسوله، قال (فاعتبروا) أي قيسوا أنفسكم بهم.

2 ــ ومن السنة: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ r فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا مَاتَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ r: «لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ «فَاقْضِ اللَّهَ فَهْوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ»([107]).

3 ــ ومن أقوال الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ ما جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t في كتابه إلى أبي موسى الأشعري t ، في القضاء قال: «ثُمَّ الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا أُدْلِىَ إِلَيْكَ مِمَّا لَيْسَ فِى قُرْآنٍ وَلاَ سُنَّةٍ ثُمَّ قَايِسِ الأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ وَاعْرِفِ الأَمْثَالَ وَالأَشْبَاهَ ثُمَّ اعْمِدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ فِيمَا تَرَى وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقّ»([108]).

وقال ابن القيم ــ رحمه الله ــ: «وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه»([109]).

أمثله على القياس:

1 ــ صيد ما عدا الكلاب من الجوارح قياساً على الكلاب لقوله ﴿ﮞ  ﮟ   ﮠ  ﮡ  ﮢ  ﮣ  ﮤ  ﮥ  ﮦﮧ  ﮨ  ﮩ  ﮪ    ﮫ﴾ [المائدة: 4].

2 ــ وقال عزَّ وجلّ: ﴿ﮌ  ﮍ  ﮎ﴾ [النور: 4] فدخل في ذلك المحصنون قياساً.

3 ــ وقال تعالى: ﴿ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅ  ﮆ  ﮇ  ﮈ      ﮉ  ﮊ  ﮋ  ﮌ  ﮍ  ﮎ  ﮏ  ﮐ  ﮑ  ﮒ﴾ [الأحزاب: 49]دخل في ذلك الكتابيات قياساً فكل من تزوج كتابية وطلقها قبل المسيس لم يكن عليها عدة([110]).

أركان القياس:

للقياس أربعة أركان هي: الأصل، والفرع، والعلة، والحكم([111]).

1 ــ الأصل : وهو المسألة المقيس عليها. هذا في الاصطلاح الأكثر استعمالا، ولكن قد يطلق الأصل على الدليل المثبت للحكم، وقد يطلق على الحكم نفسه.

2 ــ الفرع : وهو الصورة المقيسة، أو المراد إثبات حكمها بالقياس.

3 ــ الحكم : وهو حكم الشرع الذي ثبت في الأصل، سواء أكان تحريما أم وجوبا أم إباحة أم غير ذلك.

4 ــ العلة : وهي الوصف الذي يشترك فيه الأصل والفرع، ويغلب على الظن أنه مناط الحكم ومتعلقه([112]).

ﭑﭑﭑ

الاجتهاد

تعريف الاجتهاد لغة واصطلاحاً:

الاجتهاد لغة: بذل الوسع في طلب الأَمر وهو افتعال من الجهد الطاقة. ولهذا يقال اجتهد في حمل الحجر إذا بذل مجهوده فيه ولا يقال اجتهدت في حمل النواة. ([113]).

والاجتهاد في الإصطلاح: استفراغ الفقيه الوسع ليحصل له ظن بحكم شرعي وبذل المجهود في طلب المقصود من جهة الاستدلال([114]).

وتنقسم الأحكام الشرعية بالنسبة لجواز الإجتهاد وعدمه إلى قسمين:

القسم الأول: مالا يجوز الاجتهاد فيه: وهي الأحكام التي جاءت نصوص الشرع في الكتاب والسنة مبينة لها، مثل حرمة الربا والزنا ووجوب الصلاة والزكاة وغيرها من الأحكام وكذلك الأحكام الشرعية التي مستندها الإجماع سواءاً كان مستنده دليلاً قطعياً، أو ظنياً كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها.

القسم الثاني: ما يجوز الإجتهاد فيه من الأحكام: وهي الأحكام التي لم يرد فيها نصٌ قطعي الدلالة، أو إجماع، وهي على نوعين:

النوع الأول: الأحكام الشرعية التي دل عليها دليلٌ مختلفٌ في صحته، وقد يكون الدليل يحتمل أكثر من معنى مثل القرء في قوله تعالى: ﴿ﭸ  ﭹ     ﭺ  ﭻ  ﭼ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فإن القرء يحتمل الحيض ويحتمل الطهر.

النوع الثاني: المسائل التي لم يرد في حكمها نصٌ من الكتاب أو السنة، وهي المسائل المستحدثة، وهي يتسع المجال للاجتهاد فيها عن طرق القياس، أو الأدلة الأخرى كعمل أهل المدينة، أو عمل الصحابة، أو العرف، بحسب اجتهاد المجتهد.

شروط المجتهد:

ربط العلماء شروط المفتي بشروط المجتهد وأنه لا فرق بين الفقيه والمجتهد والمفتي، وقد تحدث بعض العلماء المتأخرين والمتقدمين على هذه الشروط وغالبهم يدور حول شرطين أساسين ذكرهما الإمام الشاطبي ــ رحمه الله ــ في كتابه الموافقات حيث قال: إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:

أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها.

والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها([115]).

وقد قال الإمام الشافعي ــ رحمه الله ــ كلاماً جميلاً رائعاً حيث قال في شروط الاجتهاد (ولا يقيس إلا من جمع الأدلة، وهي العلم بأحكام كتاب الله، فرضه وأدبه وناسخه ومنسوخه، وعامه، وخاصه، وإرشاده، ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله r ، فإذا لم يجد سنة فبإجماع المسلمين، فإذا لم يكن إجماع فبالقياس، ولا يكون لأحد أن يقيس، حتى يكون عالماً بما مضى قبله من السنن، وأقاويل السلف، وإجماع الناس، واختلافهم، ولسان العرب)([116]).

ﭑﭑﭑ

الفتــــــوى

تعريف الفتوى لغة واصطلاحاً:

تعريفها لغة: مصدراً لفعل (أفتى) وهي مأخوذة من فتى، وفتو وهي (الإبانة) يقال أفتاه في الأمر إذا أبانه وأوضحه له([117]).

وقد وردت في القرآن الكريم بعدة تصاريف ومن ذلك قوله تعالى في سورة النساء ﴿ﮱ  ﯓ  ﯔﯕ  ﯖ  ﯗ  ﯘ   ﯙ﴾ [النساء: ١٢٧].

ومعنى (يفتيكم فيهن): يبين لكم حال ما سألتم عنه وحكمه([118]).

تعريفها اصطلاحًا:

«الإخبار عن حكم الشرع لا على وجه الإلزام»([119])، والمقصود «لا على وجه الإلزام» ليكون ذلك فارقاً بين الفتوى والقضاء فالمفتي يبين الحق للمستفتي ولا يلزمه بذلك وأما القاضي فحكمه ملزم وواجب التنفيذ.

وخطورة الفتوى تظهر في قوله r: «من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه»([120])، وقد عرف الصحابة الكرام خطر الفتيا فهابوها، يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله r يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول»([121])، فمقام المفتي مقام عظيم، وإن أي مجتمع مسلم لابد له من وجود أهل الفتيا، وهم المقصودون في قوله تعالى: ﴿ﮤ  ﮥ   ﮦ      ﮧ  ﮨ ﮩ    ﮪ  ﴾ [الأنبياء: 7].

شروط المفتي:

أ ــ أن يكون بالغاً عاقلاً([122]).

ب ــ أن يكون عالمًا، قد توفرت فيه شروط الاجتهاد السابق ذكرها.

ج ــ أن يكون عدلاً، متصفًا بالصدق والأمانة.

د ــ الوسطية والاعتدال في فتواه، فلا إفراط ولا تفريـط .

آداب المفتي:

للمفتي آداب ينبغي أن يتحلى بها قبل إصداره الفتوى، وأثناء الفتوى، وبعدها، فمن ذلك:

1 ــ ألا يفتي في مسألة يكفيه غيره إياها، فقد كان السلف يتدافعون الفتوى، ويتورعون عن الإفتاء، ويود أحدهم أن يكفيه الجواب غيره، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل جهده في معرفة حكمها مستعينًا بالله تعالى([123]).

2 ــ ألا يتسرع في إصدار الفتوى إن تعينت عليه، بل عليه أن يتأمل وينظر، ولا يبادر إلى الجواب إلا بعد استفراغ الوسع، وبذل الجهد، وحصول الاطمئنان([124]).

3 ــ أن يستشير الثقة (إن كان عنده من يثق بعلمه ودينه فينبغي له أن يشاوره ولا يستقل بالجواب ذهابا بنفسه وارتفاعا بها أن يستعين على الفتاوي بغيره من أهل العلم.

4 ــ إذا تساوى عند المفتي قولان أو لم يعرف الحق منهما فلم يتبين له الراجح من القولين فالأظهر أنه يتوقف ولا يفتي بشيء([125]).

5 ــ للمفتي أن يدل المستفتي على عالم غيره .

آداب المستفتي:

1 ــ التحري فيمن يسأل، وأخذ الحيطة عند حاجته في السؤال عن حكم شرعي، أو نازلة، وعدم الاندفاع وسؤال من ليسوا أهلاً للفتيا.

2 ــ أن يسأل عن دينه ومعاشه، ويبتعد عن الجدال والأغلوطات والغرائب.

3 ــ أن يتأدب مع المفتي ويجله في خطابه وسؤاله.

4 ــ يجب على السائل والمستفتي أن يعرض قضيته بوضوح ولا يخفي من عناصرها ما له أثر في توجيه الفتوى، فالمفتي كالقاضي هنا يحكم بحسب الظاهر .

 

دراسة بعض الأحاديث النبوية

الحديث الأول: الأعمال بالنيات

عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب  قال: سمعت رسول الله r يقول: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»([126]).            

 ترجمة راوي الحديث:

هو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوي أبو حفص المدني ، ثاني الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأول من سمي أمير المؤمنين، شهد بدرا والمشاهد إلا تبوك ، وفتح في أيامه عدة أمصار أسلم بعد أربعين رجلا عن ابن عمر مرفوعاً أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه([127]) ، استشهد في آخر سنة ثلاث وعشرين ودفن في أول سنة أربع وعشرين وهو ابن ثلاث وستين وصلى عليه صهيب ودفن في الحجرة النبوية ومناقبه جمة. [أمير المؤمنين مشهور جم المناقب]([128]).

المعنى الإجمالي للحديث:

هذا الحديث هو أحد الأحاديث التي يدور عليها الدينوهو أصل في الإخلاص، ومن جوامع الكلم التي لا يخرج عنها عمل أصلا ولهذا تواتر النقل عن الأعلام، بعموم نفعه وعظم وقعه، قال أبو عبيد: ليس في الأحاديث أجمع ولا أغنى ولا أنفع ولا أكثر فائدة منه

وقوله r: «إنما الأعمال بالنيات» يقتضي الحصر أي أن الأعمال لا تُعد صحيحة أو معتبرة أومقبولة إلا بالنية الصحيحة .

والنية في اللغة نوع من القصد والإرادة والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين:

 أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلا وتمييز رمضان من صيام غيره أو تمييز العبادات من العادات كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظيف ونحو ذلك وهذه النية هي التي توجد كثيرا في كلام الفقهاء في كتبهم.

والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل وهل هو لله وحده لا شريك له، أم لله وغيره، وهذه هي التي تعني الإخلاص وتوابعه،

ويكون قوله بعد ذلك«وإنما لكل أمريء ما نوى» إخبارا عن حكم الشرع وهو أن حظ العامل من عمله نيته فإن كانت صالحة فعمله صالح فله أجره وإن كانت فاسدة فعمله فاسد فعليه وزره.

وقوله r: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».

يفيد أن الهجرة تـختلف باختلاف المقاصد والنيات بها، فمن هاجر إلى دار الإسلام حبا لله ورسوله ورغبة في تعلم دين الإسلام وإظهار دينه حيث كان يعجز عنه في دار الشرك فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقا وكفاه شرفا وفخرا أن حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله.

 ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام ليطلب دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها في دار الإسلام فهجرته إلى ما هاجر من ذلك فالأول تاجر والثاني خاطب وليس بواحد منهما مهاجر وفي قوله: «إلى ما هاجر إليه» تحقير لما طلبه من أمر الدنيا واستهانة به حيث لم يذكره بلفظه، وسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها([129]).

ولهذه المكانة العظيمة للنية في قبول الأعمال وصحتها، كان السلف الصالح أشد حرصا على تصحيحها، ويسألون الله أن يعينهم على تحقيقها.

ما يستفاد من الحديث:

1 ــ أنه لا عمل إلا بنية.

2 ــ أنَّ الأعمال معتبرة بنيَّاتها.

3 ــ أنَّ ثواب العامل على عمله على حسب نيَّته.

4 ــ ضرب العالم الأمثال للتوضيح والبيان.

5 ــ فضل الهجرة لتمثيل النَّبيِّ ^ بها.

7 ــ أنَّ الأعمال بحسب ما تكون وسيلة له، فقد يكون الشيء المباح في الأصل يكون طاعةً إذا نوى به الإنسان خيراً، كالأكل والشرب إذا نوى به التقوِّي على العبادة.

8ـ إن مدار الأعمال على النيات، صحة، وفَساداً، وكمالا، ونقصا، وطاعة ومعصية فمن قصد بعمله الرياء أثم، ومن قصد بالجهاد مثلا إعلاء كلمة الله فقط كمل ثوابه. ومن قصد ذلك والغنيمة معه نقص من ثوابه.

9ـ أن الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، من أفضل العبادات إذا قصد بها وجه الله تعالى.

ﭑﭑﭑ

الحديث  الثاني : «من دعا إلى هُدى أو ضلالة»

عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا»([130]).

ترجمة الراوي:

  الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله r أبو هريرة الدوسي اليماني، سيد الحفاظ ، أختلف في اسمه على أقوال أرجحها: عبدالرحمن بن صخر، يقال: كان في الجاهلية اسمه: عبد شمس، والمشهور عنه أنه كني بأولاد هرةٍ برية، قال: وجدتها فأخذتها في كمي، فكنيت بذلك ، وكان إسلامه في أول سنة سبع عام خيبر، صحب النبي r أربع سنين ، توفي سنة سبع وخمسين من الهجرة، ودفن بالبقيع([131]).

معاني الكلمات:

الدعوة في الاصطلاح: هي قيام من له أهلية بدعوة الناس جميعاً في كل زمان ومكان، لاقتفاء أثر الرسول r والتأسي به قولاً وعملاً وسلوكاً.

الهدى اصطلاحاً: ما يهتدي به من الأعمال الصالحة.

ضلالة: في اللغة: ضد الهدى والرشاد، وأضلّه أي: أضاعه وأهلكه([132])، واصطلاحاً: هي أي عمل من أعمال الشر المنهي عنه.

الأجـر: الأجر: الجزاء على العمل.

هـ ــ الإثـم: الذنب الذي يستحق العقوبة عليه .

 

 المعنى الإجمالي للحديث:

يبين النبي r في هذا الحديث قيمة الدعوة، وأهميتها، وتأثيرها على الداعي والمدعو سواء سلباً أو إيجاباً وأن الأجر العظيم والثواب الجسيم لمن يدعو إلى الله عزَّ وجلّ، وأن الداعية على ثغرة من ثغور الإسلام وأن له الدور المؤثر إذا أخلص النية، وجعل من الكتاب وما صح من السنة منهجاً ومنطلقاً لدعوته، وقد قسم النبي r في هذا الحديث الدعاة بصفة عامة إلى قسمين:

أ) قسم يدعو إلى الله عزَّ وجلّ ويرشد ويدل على ما يهتدى به إلى الله ويرغب في الأعمال الصالحة من فرائض ونوافل وهو بهذا العمل سلك مسلك الأنبياء وورثتهم فكان له الأجر على الدعوة وأجر الاستجابة إن تحققت من غير أن ينقص من أجور من دعاهم شيئاً، وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى، والدعوة إلى الله هي أحسن الأقوال، وأفضلها يقول تعالى: ﴿ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿ  ﮀ   ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅ    ﮆ     ﮇ  ﮈ﴾ [فصلت: 33].

 ومن هذا المنطلق فإنه يجب على من تعلم علماً شرعياً أن يوصله إلى الناس..

ب) وقسم آخر من الدعاة: من يدعو إلى الضلالة والغواية فيحسنون المعصية، ويدلون عليها، ويتفننون في إيصالها، فهؤلاء هم قطاع الطرق الحقيقييون، يحجبون الرؤية عن طريق الحق، ويوصدون الطريق أمام الناس، وهؤلاء عليهم وزرهم ووزر من اقتفى أثرهم من غير أن ينقص من وزر من دعا إلى الضلالة شيئاً.

فمن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً، أي إذا دعا إلى وزر وإلى ما فيه الإثم، مثل أن يدعو الناس إلى لهو أو باطل أو غناء أو ربا أو غير ذلك من المحارم، فإن كل إنسان تأثر بدعوته فإنه يُكتب له مثل أوزارهم؛ لأنه دعا إلى الوزر، والعياذ بالله.

وأعلم أن الدعوة إلى الهدي والدعوة إلى الوزر تكون بالقول؛ كما لو قال أفعل كذا أفعل كذا، وتكون بالفعل خصوصاً من الذي يُقتدي به من الناس، فإنه إذا كان يُقتدي به ثم فعل شيئاً فكأنه دعا الناس إلى فعله، ولهذا يحتجون بفعله ويقولون فعل فلان كذا وهو جائز، أو ترك كذا وهو جائز.

ما يستفاد من الحديث:

  1. بيان أهمية الدعوة إلى الله عزَّ وجلّ وما تحمله من أجور للداعي إذا أخلص، وللمدعو إذا استجاب.
  2. فضل الله عظيم ورحمة واسعة إذا يهب الحسنات للداعي والمدعو دون النقص من أحدهما وإعطاءه للآخر.
  3. بيان خطر وعظيم إثم من يدعو إلى ضلالة فصاحبها ضال مضل بالإضافة أنه عليه وزره ووزر من ارتكب هذه الضلالة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً.
  4. رحمة النبي r بأمته حيث أنه بيّن لهم طريق الخير وأرشدهم إليه ورغبهم فيه وبين لهم طريق الشروحذرهم منه ونهاهم عنه.
  5. لما كان الأجر حاصلا لغير المباشر للعمل ضمن الله له عدم نقص الأجر عنه
  6. إن العبد يستحق العقوبة على السبب وما تولد منه.

ﭑﭑﭑ

 

الحديث الثالث : رد محدثات الأمور

عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ^: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»([133]) وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»([134])

معاني كلمات الحديث:

من أحدث في أمرنا: هذا الإحداث في أمر النبي هو اختراع شيء في دينه بما ليس فيه مما لا يوجد في الكتاب والسنة([135]).

 (الرد) هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به([136]).

المعنى الإجمالي للحديث:

هذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، كما أن حديث «الأعمال بالنيات»ميزان للأعمال في باطنها، وهذا ميزان للأعمال في ظاهرها، فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء([137]).

ويمثل هذا الحديث: قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه r فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات ، وهو بمنطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود.

فأما العبادات؛ فما كان منها خارجا عن حكم الله ورسوله بالكلية، فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله تعالى: ﴿ﮭ  ﮮ      ﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓ  ﯔ   ﯕ  ﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙﯚ﴾ [الشورى: ٢١ ]فمن تقرب إلى الله، بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله، فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وهذا كمن تقرب إلى الله تعالى بسماع الملاهي، أو بالرقص، أو بكشف الرأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات، التي لم يشرع الله ورسوله التقرب بها بالكلية.

وأما المعاملات؛كالعقود، والفسوخ، ونحوهما، ــ والأحكام كا لحدود وغيره ــ فما كان منها مغير الأوضاع الشرعية، كجعل حد الزنا بعقوبة مالية، وما أشبه ذلك، فإنه مردود من أصله، لا ينتقل به الملك، لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام، ويدل على ذلك أن رجلاً قال للنبي r: إن ابني كان عسيفا على فلان فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم، فقال النبي r: «المائة الشاة والخادم رد عليك، وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام»([138]).

ما يستفاد من الحديث:

  1. تحريم الابتداع في الدين.
  2. أن العمل المبني على بدعة مردود على صاحبه.
  3. أن العمل الصالح إذا أتي به على غير الوجه المشروع، كالتنفل في وقت النهي بغير سبب، وصيام يوم العيد، ونحو ذلك، فإنه باطل لا يعتد به.

ﭑﭑﭑ

الحديث الرابع : فضل من استبرأ لدينه

عن النعمان بن بشير يقول سمعت رسول الله r يقول: «إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب»([139]).

ترجمة الراوي:

هو النعمان بن بشر بن سعد بن ثعلبة ، صاحب رسول الله r وابن صاحبه ، كنيته أبو عبد الله ، الأنصاري الخزرجى ابن أخت عبد الله بن رواحة، ولد سنة اثنين من الهجرة وسمع من النبي r ، ولي إمارة الكوفة في عهد معاوية ثم ولي قضاء دمشق ، ثم ولي إمرة حمص .

معاني الكلمات:

الحلال: ما دل الدليل الشرعي على أنه حلال مثل ﴿ﭧ  ﭨ  ﭩ﴾ [البقرة: 275] وقيل الحلال: ما لا يُعصى الله فيه([140]).

بيّن: بتشديد الياء المكسورة أي: واضح لا يخفى حله.. بأن ورد نص على حله([141]).

 الحرام: ما نص الشارع على تركه مثل ﴿ﭪ  ﭫ﴾ [البقرة: ٢٧٥ ]مع الوعيد على فعله([142]). كالفواحش والميتة والدم.

مشتبهات: وفي رواية البخاري: (مشبهّات) أي: أمور ملتبسة غير مبينة لكونها ذات جهة إلى كل من الحلال والحرام([143])،.. وقال النووي رحمه الله: أي ليست بواضحة الحل ولا الحرمة فلهذا لا يعرفها كثير من الناس ولا يعلمون حكمها([144]). وقال ابن رجب رحمه الله: (وقد فسر الإمام أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام) يعني: الحلال المحض والحرام المحض([145]). فمن اتقى أي حذر منها([146]).

استبرأ لدينه وعرضه: بالهمز بوزن استفعل ؛ من البراءة ، أي: برأ دينه من النقص وعرضه من الطعن فيه، لأن من لم يعرف باجتناب الشبهات لم يسلم لقول من يطعن فيه([147]).

كالراعي يرعى حول الحمى: هو المرعى الذي يحميه السلطان من أن يرتع فيه غير رعاة دوابه([148])، ويتوعد من قّرب منه بأشد العقوبة.

يرتع: الرتع معناه: أكل الماشية في المرعى، وأصله إقامتها فيه، وبسطها في الأكل.

ألا وأن حمى الله محارمه: المراد بالمحارم فعل المنهي المحرم، أو ترك المأمور الواجب([149]).

مضغة: أي قطعة لحم بقدر ما يمضغ، لكنها وإن صغرت حجماً عظمت قدراً([150]).

إذا صلحت: أي انشرحت بالهداية، وصلح الجسد كله، أي: استعملت الجوارح كلها في الطاعات([151]).

المعنى الإجمالي:

أجمع العلماء على عظيم وقع هذا الحديث وكثرة فوائده ، وسبب عظم موقعة: أنه نبه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وأنه ينبغي ترك المشبهات فإنه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم الأمور، وهو مراعاة القلب فقال ^: «ألا وإن في الجسد مضغة » إلى آخره فبين أنه بصلاح القلب يصلح باقي الجسد وبفساده يفسد باقيه([152])، فمن هنا يتضح أن للحديث قيمة عظمى إذ فيه إرشاد وتوجيه من نبي الرحمة المهداة لأمته، فينبغي للمسلم اجتناب ما اشتبه عليه لأنه إن كان في الواقع حراماً فقد برئ من تبعته ووقى قلبه من الحرام فإن له أثر فيه، وإن كان حلالاً فيؤجر على تركه بهذا القصد الجميل، ومن ترخص لنفسه ندم، ومن الفضائل حرم([153]).

والتحرير في الحلال والحرام، والمشتبه بينهما، هو أن يقال:

أن الله أنزل كتابه وبين فيه حلاله وحرامه وبين النبي r لأمته ما خفي من دلالة الكتاب على التحليل والتحريم، فصرح بتحريم أشياء غير مصرح بها في الكتاب وإن كانت عامتها مستنبطة من الكتاب وراجعة إليه فصار الحلال والحرام على قسمين:

أحدهما: ما هو واضح لا خفاء به على عموم الأمة؛ لاستفاضته بينهم وانتشاره فيهم ولا يكاد إلا على من نشأ ببادية بعيدة عن دار الإسلام؛ فهذا هو الحلال البين والحرام البين.

القسم الثاني: ما لم ينتشر تحريمه وتحليله في عموم الأمة؛ لخفاء دلالة النص عليه ووقوع تنازع العلماء فيه ونحو ذلك، فيشتبه على كثير من الناس هل هو من الحلال أو من الحرام؟ وأما خواص أهل العلم الراسخون فيه فلا يشتبه عليهم؛ بل عندهم من العلم الذي اختصوا به عن أكثر الناس ما يستدلون به على حل ذلك أو حرمته، فهؤلاء لا يكون ذلك مشتبها عليهم لوضوح حكمه عندهم.

وأنواع الشبه تـختلف بقوة قربها من الحرام وبعدها عنه، وقد يقع الاشتباه في الشيء من جهة اشتباه وجود أسباب حله وحرمته، كما يشك الإنسان فيه هل هو ملكه أم لا؟ وما يشك في زوال ملكه عنه، وهذا قد يرجع فيه إلى الأصل فيبني عليه، وقد يرجع في كثير منه إلى الظاهر إذا قوي على الأصل ويقع التردد عند تساوي الأمرين، وقد يقع الاشتباه لاختلاط الحلال بالحرام في الأطعمة والأشربة، وغيرها من المكيلات، والموزونات والنقود.

فكل هذه الأنواع من كان عنده فيها علم يدله على حكم الله ورسوله فيها فتبعه فهو المصيب، ومن اشتبهت عليه فإن اتقاها واجتنبها فقد فعل الأولى واستبرأ لدينه وعرضه فسلم من تبعتها في الدنيا والآخرة، ومن اشتبهت عليه فلم يتقها؛ بل وقع فيها فمثله كمثل راع يرعى حول الحمى فإنه يوشك أن يواقعه. وفي رواية: " ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ومعنى هذا: أن من وقع في الشبهات كان جديرا بأن يقع في الحرام بالتدريج([154]).

ما يستفاد من الحديث:

  1. الحث على أخذ الحلال والحرص عليه والبعد عن الحرام.
  2. فيه دليل على من أتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه من النقص وعرضه من الطعن فيه.
  3. فيه إشارة إلى المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة.
  4. أن الوقوع في الشبهات، وأخذ المشتبه الذي لا يتبين حكمه مفسدة للقلب.
  5. إن في صلاح القلب صلاح لكل أحوال الإنسان وفي فساده فساد كل أحواله حساً ومعناً، خص القلب دون سائر أعضاء الجسد؟ لأنه أمير البدن وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد([155]).

ﭑﭑﭑ
الحديث الخامس : فضل من عَلِم وعّلّمَّ

عَنْ أَبِي مُوسَى t، عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: «إن مثل ما بعثني الله به عز وجل من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منه طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به»([156]).

ترجمـة راوي الحديث:

هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار ــ بفتح المهملة وتشديد المعجمة ــ بن حرب، صاحب رسول الله r ، أبو موسى الأشعري التميمي الفقيه المقرئ، أسلم وهاجر إلى الحبشة وقيل بل رجع إلى بلاد قومه ولم يهاجر إلى الحبشة وهذا قول الأكثر، قدم المدينة بعد فتح خيبر، استعمله النبي r على بعض اليمن كزبيد وعدن، وولي إمرة الكوفة لعمر t، وإمرة البصرة، كان حسن الصوت بالقرآن، وفي الصحيح المرفوع: «لو رأيتنى وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود»([157])، كان أبو موسى صواماً قواماً ربانياً زاهداً عابداً، ممن جمع العلم والجهاد، وسلامة الصدر لم تغيره الإمارة، ولا اغتر بالدنيا ، واختلف في سنة وفاته فقيل اثنين وأربعين وقيل ثلاث وأربعين وقيل أربع وأربعين وقد مات بالكوفة وقيل بمكة.

معاني الكلمات:

1 ــ من الهدى: الهدى هو الإرشاد، والدلالة إلى طريق الحق والخير والسعادة، وهو ضد الضلالة، والهدى يذكر ويؤنث.

العلم: هو الفهم المطابق للواقع.

2 ــ كمثل: مثل ومثل: كلمة تسوية، يقال: هذا مثله ومثله، كما يقال: شبهه وشبهه، ودخول الكاف على مثل زائدة للتأكيد ولتزيين اللفظ.

3 ــ طائفة طيبة: الطائفة من الشيء جزء منه أو قطعة منه، يقال طائفة من الأرض، وطائفة من الليل، وطائفة من الناس.

أما طائفة من الناس فتطلق على الرجل الواحد فما فوق، وقيل: أقل الطائفة رجلان.

طيبة: الطيب خلاف الخبيث، ويقال أرضاً طيبة إذا كانت تصلح للنبات، وامرأة طيبة إذا كانت حصناً عفيفة، وبلدة طيبة آمنة كثيرة الخير، وتربة طيبة أي طاهرة، وهكذا وكلها ترجع إلى معاني الجودة والكمال ونفي الخبث.

4 ــ فأنبتت الكلأ: الكلأ عند العرب ما تنبته الأرض من مرعى الدواب.

العشب: هو الرطب من البقول البرية ينبت في الربيع، واحدته عشبة، وجمع العشب أعشاب.

5 ــ وكان منها أجادب: الأجادب من الأرض: قال ابن الأثير: (الأجادب صلاب الأرض التي تمسك الماء فلا تشربه سريعاً، وقيل: هي الأرض التي لا نبات بها، مأخوذة من الجدب وهو القحط)([158]).

6 ــ إنما هي قيعان: القيعان: جمع قاع، والمراد من القيعان في الحديث أنواع من الأرض لا تمسك الماء، ولا تنبت الكلأ، هذه تكون عادة في أرض صلبة قاسية مستوية، أو أرض رملية غير صالحة للنبات، أو صخور قاسية ملساء.

7 ــ ومثل من لم يرفع بذلك رأساً: هذا التعبير كناية عن أنه ظل معرضاً، فلم يستجب لما جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه من هدى وعلم، ولم يصغ إليه سمعاً، لأن من عرض عليه فلم يكترث به لم يرفع رأسه لاستماعه فضلاً عن أن يهتم بالعمل به.

المعنى الإجمالي:

في هذا الحديث بيان من رسول r لأحوال الناس وأقسامهم بالنسبة إلى ما بعث الله به رسوله r من الهدى إلى الصراط المستقيم، والعلم بأصول الدين وأحكام الشريعة التي اصطفاها الله، وختم بها رسالاته للناس، وذلك في صورة تشبيهيه بالغة الروعة، أبرزت أصنافاً ثلاثة من الناس، بإزاء أصناف ثلاثة من الأرض، هذه بالنسبة إلى الغيث الذي ينزله الله من السماء إلى الأرض، وتلك بالنسبة إلى العلم والهدى اللذين أنزلهما الله من السماء وبعث بهما نبيه محمد r ليبلغهما للناس، فلم تكن أصناف الناس سواء في الانتفاع والنفع بهدى الله الذي أنزل، وكذلك أصناف الأرض في الاستفادة من الماء والنفع به ليست سواء وهذه معلومة للناس.

ولذلك فإن ما بعث الله به نبيه محمداً r من الهدى والعلم مشبه، والغيث مشبه به و وجوه الشبه بينهما كالآتي:

  • هما أمران فيهما حياة الناس المعنوية والحسية الحياة المعنوية السعيدة السوية بالعلم والهدى الموحى به، والحياة الحسية الهانئة الرضية بالغيث المنزل من السماء .

ب ــ وهما أمران منزلان من السماء أي من جهة السمو المعنوي، والسمو المادي أيضاً بالنسبة إلى الأرض، والغيث ينزل من السماء، ومن جهة السمو المعنوي أيضاً، لأنه إنما ينزل بمشيئة الله، وعلى وفق مراده، والشأن كذلك بالنسبة للوحي.

ج ــ هما أمران نقيان طاهران من كل باطل أو فساد، ومطهران لما يحلان عليه وينزلان به فالعلم والغيث كلاهما نقي طاهر من كل رجس.

د ــ وهما أمران ينزلان للناس جميعاً على السواء ليتعلموا ويهتدوا، والغيث إذ ينزل في بلد فإنه يشمل رقعة أرضها، فيصيب مختلف أصنافها على السواء دون أن يفرق بين حجر صلد، ورمال غير متماسكة وتربة خصيبة.

والحديث بصورة مجملة هو تمثيل الهدى الذي جاء به r بالغيث، ومعناه أن الأرض ثلاثة أنواع، والناس كذلك أنواع ثلاثة، فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر فيحيى بعد أن كان ميتاً وينبت الكلأ فينتفع به الناس والدواب والزرع وغيره، وكذا النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيا قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع، والنوع الثاني من الأرض مالا تقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة وهي إمساك الماء لغيرها فينتفع به الناس والدواب، وكذا النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة، لكن ليست لهم أفهام ثاقبة ولا رسوخ لهم في العقل يستنبطون به المعاني والأحكام، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به، فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم، أهل للنفع والانتفاع فيأخذه منهم فينتفع به فهؤلاء نفعوا بما بلغهم، والنوع الثالث من الأرض السباخ التي لا تنبت ونحوها، فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع به غيرها، وكذا النوع الثالث من الناس ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لنفع غيرهم([159]).

 ما يستفاد من الحديث:

  1.  ما جاء به الرسول r من الهدى والعلم يتضمن حياة الناس كما أن الغيث فيه حياة الأرض([160]).
  2. الناس أقسام ثلاثة بإزاء ما جاء به الرسول r :
    1. متعلمون عاملون نافعون، مثلهم كمثل الأرض الطيبة.
    2. متعلمون غير عاملين، فيهم نفع لغيرهم دون أنفسهم، مثلهم كالأجادب من الأرض.
    3. لا عاملون ولا يتقبلون العلم والمعرفة، فهم لا خير فيهم لأنفسهم ولا لغيرهم، ومثلهم كمثل القيعان من الأرض.
  3. بلاغة الرسول صلوات الله وسلامه عليه في تقريب الحقائق العلمية بالأمثلة والتشبيهات الحسية، لأن ذلك أدعى إلى تثبيت الحقيقة في نفوس السامعين، وأكثر تأثيراً في توجيهاً للخير.
  4. فضل العلم والتعليم وشدة الحث عليهما وذم الإعراض عن العلم([161])

ﭑﭑﭑ

 

الحديث السادس: احفظ الله يحفظك

عن أبي العباس عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي ^ يوما فقال لي: «يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف»([162]).

معاني الكلمات:

1ـ قوله: «احفظ الله يحفظك»، أي: احفظ حدود الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وتصديق الأخبار، وعبادته وفقاً لِمَا شرع، لا بالأهواء والبدع، يحفظك الله في أمور دينك ودُنياك جزاءً وفاقاً، أي: أنَّ الجزاءَ من جنس العمل، فالعملُ حفظٌ والجزاءُ حفظٌ.

2 ــ قوله: «احفظ الله تجده تجاهك» تُجاهك بمعنى أمامك، كما في الرواية الأخرى: «احفظ الله تجده أمامك»، والمعنى: تجده يحوطُك ويرعاك في أمور دينك ودنياك.

3 ــ قوله: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»، هذا مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿ﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭥ﴾ [الفاتحة: ٥]؛ فإنَّ سؤال الله دعاء، والدعاءُ هو العبادة، والمعنى أنَّ المسلمَ يعبد الله وحده، ويسأله قضاء حاجاته، ويستعين به في جميع أموره الدنيوية والأُخروية، ويأخذ بالأسباب المشروعة، ويسأل الله أن ينفع بالأسباب.

4 ــ قوله: «واعلم أنَّ الأمَّة لو اجتمعت على أن ينفعوك» إلى قوله: «رُفعت الأقلام وجفَّت الصُّحف»، بعد أن ذكر أنَّ السؤال لله وحده والاستعانة بالله وحده، أخبرَ أنَّ كلَّ شيء بيده، وأنَّه لا مانع لِمَا أعطى، ولا مُعطي لِمَا منع، وأنَّ كلَّ شيء لا يخرج عن إرادته ومشيئته، وأنَّ العبادَ لا يُمكنهم أن ينفعوه بشيء لم يُقدِّره الله، ولا أن يضرُّوه بشيء لم يُقدِّره الله، وأنَّ كلَّ شيء يقع أو لا يقع سبق به القضاء والقدر، ولهذا قال: «رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف»، أي: أنَّ كلَّ كائن قد فُرغ منه وكُتب، ولا بدَّ من وقوعه، والمراد برفع الأقلام وجفاف الصُّحُف الانتهاء من كلِّ شيء مقدَّر بكتابته في اللوح المحفوظ، فلا بدَّ أن يقع وفقاً لِمَا قُدِّر.

المعنى الإجمالي للحديث:

ليس هناك من له غنى عن حفظ الله سبحانه وتعالى، وقد أثبت هذا الحديث أن السبيل لنيل حفظ الله أن تحفظ آوامره، ومن أعظم ما يجب حفظه من أوامر الله الصلاة، وقد أمر الله بالمحافظة عليها فقال: ﴿ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ومدح المحافظين عليها بقوله: ﴿ﯲ  ﯳ  ﯴ  ﯵ  ﯶ﴾ [المعارج: 34].

ومما يؤمر بحفظه الإيمان قال الله عز وجل: ﴿ﯻ   ﯼﯽ﴾ [المائدة: ٨٩] فإن الأيمان يقع الناس فيها كثيرا، ويهمل كثير منهم ما يجب بها، فلا يحفظه ولا يلتزمه.

ومن ذلك حفظ الرأس والبطن كما في الحديث المرفوع (الاستحياء من الله حق الحياء، أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى)([163])

وحفظ الرأس وما وعى يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عن الإصرار على ما حرم الله؛ قال الله عز وجل: ﴿ﮒ  ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖ  ﮗ   ﮘ  ﮙﮚ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وقد جمع الله ذلك كله في قوله: ﴿ﯷ  ﯸ  ﯹ   ﯺ  ﯻ    ﯼ  ﯽ ﯾ  ﯿ﴾ [الإسراء: ٣٦ ]، ويتضمن أيضا حفظ البطن من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب.

ومن أعظم ما يجب حفظه من نواهي الله عز وجل؛ اللسان، والفرج، كما قال r «من توكل لي ما بين رجليه وما بين لحييه، توكلت له بالجنة»([164]) وأمر الله عز وجل بحفظ الفرج ومدح الحافظين لها فقال: ﴿ﭾ  ﭿ   ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄﮅ   ﮆ  ﮇ  ﮈﮉ  ﮊ   ﮋ  ﮌ  ﮍ  ﮎ  ﴾ [النور: ٣٠].

وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان: أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه كحفظه في بدنه، وولده، وأهله، وماله؛قال الله عز وجل: ﴿ﮠ  ﮡ  ﮢ  ﮣ  ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ      ﮨ  ﮩ     ﮪﮫ﴾ [الرعد: ١١]. قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر، خلوا عنه. وقال على رضي الله عنه: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، وإن الأجل جنة حصينة.

 وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته؛كما قيل في قوله تعالى: ﴿ﯦ  ﯧ  ﯨ  ﴾ أنهما حفظا بصلاح أبيهما.

وعكس هذا أن من ضيع الله، ضيعه الله، فضاع بين خلقه، حتى يدخل عليه الضرر والأذى ممن كان يرجو نفعه، من أهله، وغيرهم، كما قال بعض السلف إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق خادمي ودابتي.

النوع الثاني من الحفظ، وهو أشرف النوعين، حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفاه على الإيمان. وفي الصحيحين عن النبي ^: «إن قبضت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها، بما تحفظ به عبادك الصالحين».

بل إن من يحفظ الله يجد الله معه في كل أحواله حيث توجه، يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده: ﴿ﯿ  ﰀ  ﰁ  ﰂ  ﰃ  ﰄ  ﰅ  ﰆ﴾ [النحل: ١٢٨]، وهذه المعية الخاصة هي المذكورة في قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿ﯝ  ﯞ   ﯟﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤ ﴾ [طه: ٤٦]، وقول موسى: ﴿ﭚ   ﭛﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وقول الله سبحانه على لسان نبيه^: ﴿ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜﯝ﴾ [التوبة: ٤٠] التوبة فهذه المعية الخاصة التي تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة.

ولابد من أن يصل المسلم في معاملته مع ربه سبحانه أنه إذا سأل لا يسأل إلا الله وإذا استعان لا يستعين إلا بالله كما قوله تعالى: ﴿ﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭥ ﴾ [الفاتحة: ٥] وسؤاله هو دعاؤه والرغبة إليه والدعاء هو العبادة.

واعلم أن سؤال الله عز وجل دون خلقه هو المتعين لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار وفيه الاعتراف بقدرة المسئول على رفع هذا الضر ونيل المطلوب وجلب المنافع ودرء المضار ولا يصلح الذل والافتقار إلا الله وحده لأنه حقيقة العبادة. وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله فهو فقد رفعت الأقلام وجفت الصحف هو كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها، والفراغ منها من أمد بعيد، فإن الكتاب إذا فرغ من كتابه، ورفعت الأقلام عنه، وطال عهده، فقد رفعت عنه الأقلام، وجفت الأقلام التي كتب بها من مدادها، وجفت الصحف التي كتب فيها، بالمداد المكتوب به فيها؛ وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها. وقد دل الكتاب والسنن الصحيحة الكثيرة على هذا المعنى؛ قال الله تعالى: ﴿ﮯ  ﮰ    ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ    ﯜ  ﯝ  ﯞ  ﯟﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤ  ﯥ   ﴾ [الحديد: 22].

وأن ما يصيب العبد في دنياه مما يضره أو ينفعه فكله مقدر عليه ولا يصيب العبد إلا ما كتب له من مقادير ذلك في الكتاب السابق ولو اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعا. وقد دل القرآن على هذا في قوله عز وجل: ﴿ﮆ  ﮇ  ﮈ  ﮉ     ﮊ  ﮋ   ﮌ  ﮍ  ﮎ  ﮏﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓ  ﮔ ﴾ [التوبة: ٥١].

ما يستفاد من الحديث:

1 ــ أنَّ مَن حفظ حدودَ الله حفظه في دينه ودنياه.

2 ــ أنَّ مَن أضاع حدودَ الله لا يحصل له الحفظُ من الله.

3 ــ أنَّ الجزاءَ من جنس العمل، فالعمل حفظ، والجزاء حفظ.

4 ــ أنَّ العبدَ يخصُّ ربَّه بالعبادة والاستعانة.

6 ــ أنَّ العبادَ لا ينفعون ولا يضرُّون إلاَّ إذا كان النفعُ والضَّرر مقدَّرَين من الله.

8 ــ أنَّ الصبر يعقبه النصر.

9 ــ أنَّ الكرب يعقبه الفرَج.

10 ــ أنَّ العُسرَ يعقبه اليُسر.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين

 

 

([1])    أخرجه أحمد في المسند 18830.

([2])    الزهد لابن أبي عاصم: ص43 ــ 44، وفتح الباري: 13/504.

([3])    مناهل العرفان 1/19.

([4])    على أن هناك فروقا بين القرآن والحديث القدسي ستعرفها في موضعها عند

 دراستك للسنة النبوية.

([5])    فتح الباري 1/9، وعمدة القاري 1/ 14.

([6])    المدخل لدراسة القرآن، ص 79، د. محمد أبوشهبة.

([7])    أخرجه البخاري(2).

([8])    أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 2/554، عن سعيد بن جبير.

([9])    أخرجه البخاري (3624).

([10])    أخرجه مسلم (7702).

([11])    أخرجه البخاري (4679).

([12])    أخرجه البخاري (4987).

([13])    الإتقان في علوم القرآن 2/ 487مناهل العرفان (1/412).

([14])    المرجع السابق.

([15])    مناهل العرفان (1/418) وطيبة النشر ص 1.

([16])    أخرجه البخاري (4991) ومسلم (1939).

([17])    أخرجه أحمد (6/91) وصححه الأرنؤوط.

([18])    أخرجه سعيد بن منصور في سننه(1/211).

([19])    رواه الترمذي في فضائل القرآن (رقم 2910) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال الألباني: صحيح.

([20])    أخرجه مسلم (7028)، وأبو داود (رقم 1243)، وقال الألباني صحيح.

([21])    أخرجه البخاري(1)، ومسلم (5036).

([22])    سنن الدارقطني (1/220).

([23])    التبيان في آداب حملة القرآن(159 ــ 160). وشعب الإيمان (3 / 422) قال البيهقي: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ «وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ». وقال الشيخ بكر أبو زيد في كتابه جزء في مرويات ختم القرآن (ص19): ثابتة من فعل الصحابي الجليل أنس .

([24])    مصنف ابن أبي شيبة(10/491)، والتبيان في آداب حملة القرآن (159 ــ 160). قال الشيخ بكر أبو زيد في كتابه جزء في مرويات ختم القرآن (ص 20): وهو أثر مقطوع, من قوله بأسانيد صحيحة. وعليه فليس منها حديث يصح عن النبي r, فهي ما بين موضوع أو ما يتقاعد عن الجابر. ولم يصح سوى قول مجاهد, رحمه الله تعالى.

([25])    رواه الترمذي في فضائل القرآن (رقم 2914) وقال الألباني: حسن صحيح.

([26])    أخرجه أبو داود (4845) وحسنه الألباني.

([27])    البخاري (برقم 5027).

([28])    أخرجه البخاري (4981)ومسلم (152).

([29])    انظرعناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، ص 8 د محمد السيد راضي جبريل.

([30])    انظر البرهان في علوم القرآن للزركشي(1/54).

([31])    ينظر الإتقان للسيوطي(2/149 ــ 152).

([32])    ينظر كتاب خلق الإنسان في القرآن للدكتور محمد علي البار.

([33])    تفسير ابن كثير (7/364).

([34])    تفسير السمعاني (2/5). وتفسير القرآن للعثيمين(7/1). وسنن سعيد بن منصور (1/211). بلفظ فأصغ لها سمعك.

([35])    تفسير ابن كثير (7/368) والحديث في البخاري (6477و6478).

([36])    أخرجه مسلم (329)، وأحمد (3/137).

([37])    تفسير الطبري (21/340 ــ 341).

([38])    لكن هنا المقام مختلف إذ (ليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاستـخفاف والاستهانة، لان ذلك كفر والمخاطبون مؤمنون. انظر تفسير القرطبي 16/ 307.

([39])    أضواء البيان (7/403).

([40])    أخرجه ابن ماجة (42)، وأحمد (4/126) وصححه الألباني والأرنؤوط.

([41])    أحكام القرآن لابن العربي (7/162).

([42])    انظر التفسير المنير للزحيلي (26/225)، وتفسير القرآن للعثيمين(7/14).

([43])    التحرير والتنوير (26/190 ــ 192).

([44])    انظر التفسير المنير للرحيلي (26/228).

([45])    انظر التفسير المنير للرحيلي (26/228).

([46])    انظر التفسير المنير للزحيلي (26/228).

([47])    سورة الحجرات دراسة تحليلية وموضوعية ص 293.

([48])    تفسير الطبري (21/356 ــ 357).

([49])    أخرجه مسلم (4825).

([50])    سورة الحجرات دراسة تحليلية وموضوعية ص 306 ــ 307.

([51])    أخرجه أحمد (1/317) وحسنه الأرنؤوط. وصححه الألباني في الأدب المفرد (ص20).

([52])    أخرجه البخاري برقم 5973

([53])    أخرجه البخاري (2449).

([54])    أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وأدب اللسان(ص171حديث291).

([55])    تفسير السعدي (1/801).

([56])    التحرير والتنوير (26/209 ــ 210).

([57])    أخرجه مسلم (6758).

([58])    أخرجه مسلم (6758).

([59])    أخرجه البزار (16/222).

([60])    أسباب النزول للواحدي (265 ــ 266).

([61])    تفسير ابن عثيمين (7/41 ــ 42).

([62])    أخرجه البخاري (3348)، ومسلم (554).

([63])    انظر لسان العرب 13ص225 مادة سنن

([64])    انظر فتح المغيث للسخاوي، ج1، ص مطبعة المكتبة السلفية.

([65])    انظر عُلوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد، ص8 حمزة المليباري

([66])    التعريفات للجرجاني، ص122، مطبعة دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى عام 1403هـ

([67])    أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2697.

([68])    أخرجه البخاري في صحيحه ج1 ص 21 كتاب بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله r.

([69])    أخرجه البخاري في كتاب الآذان باب الآذان للمسافر حديث رقم 631.

([70])    أخرجه مسلم في صحيحه ج2 ص 943 برقم 310 كتاب الحج.

([71])    أخرجه البخاري ج1 ص 283 رقم الحديث 946.

([72])    أخرجه البخاري ــ كتاب الوحي حديث رقم: 3.

([73])    القاموس المحيط، مادة حدث ج1 ص 164

([74])    الوسيط لمحمد أبو شهبة ص15

([75])    انظر تدريب الراوي للسيوطي، ص/42

([76])    أخرجه أبو داود برقم: 4606 كتاب السنة، باب لزوم الفقه، وصححه الألباني

([77])    الإبانة لابن بطة: 1/217، وجامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر: 2/358.

([78])    أصول الحديث علومه ومصطلحه د/ عجاج الخطيب ص41، مطبعة دار الفكر.

([79])    أخرجه البخاري في كتاب الآذان باب الآذان للمسافر حديث رقم 631.

([80])    أخرجه مسلم، وقد سبق تـخريجه.

([81])    السنة قبل التدوين ص 27. والسنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للسباعي ص 376 فيما بعدها.

([82])    حديث متفق عليه أخرجه البخاري برقم 6764 ومسلم برقم 1614.

([83])    السنة قبل التدوين ص 26.

([84])    أخرجه البخاري برقم: 6937.

([85])    أخرجه البخاري برقم 8.

([86])    أخرجه أبو داود في سننه برقم 3646، وصححه الألباني.

([87])    تذكرة الحفاظ ــ للذهبي ج1 ص2، مطبعة دار الكتب العلمية.

([88])    أخرجه البخاري في صحيحه، باب التناوب في طلب العلم، برقم 89.

([89])    أخرجه الروياني في مسنده: 1/469.

([90])    أخرجه مسلم برقم: 3004.

([91])    أخرجه البخاري في كتاب العلم (برقم 102).

([92])    المكتبة الإسلامية ومصادرها د. أحمد البدر الحسيني (ص/ 145).

([93])    سبق تعريف السند في اصطلاح المحدثين.

([94])    صحيح مسلم ــ مقدمة الصحيح باب بيان أن الإسناد من الدين ج1 ص203.

([95])    التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح للحافظ زين الدين العراقي، ص20،

 مطبعة دار الفكر.

([96])    انظر تدريب الراوي 1/105.

([97])    انظر تدريب الراوي ج 1 ص 179.

([98])    قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، ص 72 جمال الدين القاسمي.

([99])    انظر مقدمة ابن الصلاح، ص 58، وتدريب الراوي ــ ج1 ص274و قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، ص126 وما بعدها.

([100])    انظر لسان العرب ج8 ــ ص58 مادة جمع.

([101])    انظر التعريفات/ للجرجاني ج10.

([102])    أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ج12 ــ ص447. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 5/263 رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات رجال الصحيح خلا مرزوق مولى آل طلحة وهو ثقة.

([103])    أخرجه الترمذي (2167) وصححه الألباني.

([104])    شرح المعتمد للدكتور محمد الحبش: 1/ 50.

([105])    شرح المعتمد: 1/50. والأصول من علم الأصول لابن عثيمين ص67.

([106])    انظر لسان العرب ج6 ص187.

([107])    أخرجه البخاري(6699). ومسلم(2749).

([108])    السنن الكبرى للبيهقي (10/150)، وانظر سنن الدارقطني (5/368)، ط: مؤسسة الرسالة، وإعلام الموقعين لابن القيم: 1/82، و1/126مطبعة دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى عام 1422هـ.

([109])    إعلام الموقعين(1/86).

([110])    جامع بيان العلم وفضله (2/67) بتصرف. وإعلام الموقعين عن رب العالمين(1/205).

([111])    إرشاد الفحول: 2/104، وأصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله للدكتور عياض بن نامي السلمي 1/10.

([112])    أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه: 1/104.

([113])    لسان العرب: 3/133، والفروق اللغوية: 1/439.

([114])    التعريفات للجرجاني: ص 23. والمعجم الوسيط: 1/142.

([115])    الموافقات، للشاطبي، 5/433، مطبعة دار ابن عفان.

([116])    الرسالة، للإمام الشافعي، ص509، ص510، مطبعة المكتبة العلمية.

([117])    انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس مادة فتى، ج4، ص474، مطبعة دار الجيل. ولسان العرب: 14/145.

([118])    البحر المحيط،: 4/81، لأبي حيان، مطبعة المكتبة التجارية.

([119])    الفتوى وأثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية د/ فهد الجهني، ص12، الطبعة الأولى عام 1418هـ، مطبعة ابن الجوزي.

([120])    أخرجه أبو داود: برقم3659.

([121])    الفقيه والمتفقه للخطيب (2/32) والمدخل إلى السنن الكبرى 2/175.

([122])    الفقيه والمتفقه: 2/33.

([123])    إعلام الموقعين: 1/33. وجامع بيان العلم وفضله: 2/315.

([124])    انظر إعلام الموقعين: 1/33، ومعالم أصول الفقه عند أهل السنة: ص 510.

([125])    انظر إعلام الموقعين: 4/238.

([126])    الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري برقم: 1. ومسلم برقم: 5036.

([127])    أخرجه الترمذي: 3682 وصححه الألباني.

([128])    انظر أسد الغابة 2/214 ــ 220. والإصابة: 4/588 ــ 590.

([129])    نفس المصدر ص 14.

([130])    أخرجه مسلم برقم 6980.

([131])    المرجع السابق.

([132])    لسان العرب: 11/390، وتاج العروس: 29/343.

([133])    الحديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري، برقم2697.

([134])    أخرجه مسلم في صحيحه برقم 4590.

([135])    انظر عمدة القاري 20/ 412.

([136])    انظر شرح النووي على مسلم 12/16.

([137])    جامع العلوم والحكم: ص 59.

([138])    أخرجه البخاري: 6633و6634، ومسلم: 4531.

([139])    الحديث متفق عليه واللفظ لمسلم برقم 4178.

([140])    الكليات، ج2، ص253.

([141])    تحفة الأحوذي، ج4، ص394.

([142])    عون المعبود، ج9، ص127.

([143])    شرح صحيح مسلم، للنووي، ج11، ص31، مطبعة دار القلم، الطبعة الأولى عام 1407هـ.

([144])    شرح صحيح مسلم، ج1، ص31.

([145])    جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ج1، ص199.

([146])    فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج1، ص127، مطبعة دار الفكر.

([147])    فتح الباري، ج1، ص127.

([148])    تحفة الأحوذي، ج4، ص394.

([149])    فتح الباري، ج1، ص127.

([150])    الفتح الرباني، ج15، ص5.

([151])    الفتح الرباني، ج15، ص5.

([152])    شرح صحيح مسلم، ج11، ص30و 31.

([153])    انظر: فتح الباري، ج1، ص127و 128.

([154])    انظر: فتح الباري لابن رجب: 1/205 ــ 207.

([155])    المصدر السابق، ج1، ص128.

([156])    أخرجه البخاري/ كتاب العلم، باب فضل من عَلِم وعَلّم، برقم 79. وأخرجه مسلم في صحيحه واللفظ له كتاب الفضائل، باب بَيَانِ مَثَلِ مَا بُعِثَ بِهِ النَّبِىُّ ــ r ــ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ برقم: 6093.

([157])    أخرجه البخاري: 5048. مسلم: 1888واللفظ له.

([158])    انظر: النهاية في غريب الحديث، ج1، ص242 وص 243، ولسان العرب / للفيروزي بادي، ص84

([159])    انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 15/47 ــ 48.

([160])    انظر الثقافة الإسلامية المستوى الثاني ص 309 ــ 310.

([161])    انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 15/48.

([162])    الحديث أخرجه الترمذي في سننه برقم 2706.

([163])    الحديث أخرجه الترمذي في سننه برقم 2646.

([164])    الحديث أخرجه البخاري برقم6807.

جار التحميل