جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

فشو القلم من علامات الساعة


- 2018/03/04

من علامات الساعة: انتشار العلم بالكتابة.

عَنْ طَارِقٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ جُلُوسًا، فَجَاءَ آذِنُهُ فَقَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ، فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَرَأَى النَّاسَ رُكُوعًا فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، فَكَبَّرَ وَرَكَعَ، وَمَشَيْنَا وَفَعَلْنَا مِثْلَ مَا فَعَلَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مُسْرِعٌ فَقَالَ: عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ، وَبَلَّغَ رَسُولُهُ، فَلَمَّا صَلَّيْنَا رَجَعَ، فَوَلَجَ عَلَى أَهْلِهِ، وَجَلَسْنَا فِي مَكَانِنَا نَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَخْرُجَ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَسْأَلُهُ؟ قَالَ طَارِقٌ: أَنَا أَسْأَلُهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلى الله عَلَيهِ وسَلم قَالَ: بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: تَسْلِيمُ الْخَاصَّةِ، وَفُشُوُّ التِّجَارَةِ حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ، وَقَطْعُ الأَرْحَامِ، وَفُشُوُّ الْقَلَمِ، وَظُهُورُ الشَّهَادَةِ بِالزُّورِ، وَكِتْمَانُ شَهَادَةِ الْحَقِّ".

ولفظ أحمد في المسند: "أَنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ تَسْلِيمَ الْخَاصَّةِ، وَفُشُوَّ التِّجَارَةِ، حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ، وَقَطْعَ الْأَرْحَامِ، وَشَهَادَةَ الزُّورِ، وَكِتْمَانَ شَهَادَةِ الْحَقِّ، وَظُهُورَ الْقَلَمِ"([1]).

المعنى الإجمالي :

لما قام ابن مسعود ومن معه من أجل الدخول للمسجد وأداء الصلاة، مر بهم رجل ، بدلاً من أن يلقي السلام على الجميع، خص به ابن مسعود رضي الله عنه، دون من بصحبته، بالسلام، فقال: "عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ"؛ فتذكر ابن مسعود رضي الله عنه حديثاً كان سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم فيه أن من علامات الساعة تسليم الخاصة!

والأصل أن علامات الساعة فيها تغير واختلال فما كان في النظام الاجتماعي، فهي علامات صغرى، وما كان في الكون فهي علامات كبرى.

وعليه فإن ما تضمنه الحديث من علامات الساعة فوق أنه من علامات النبوة، يصف حالة اختلال وتغير في النظام الاجتماعي، والمذكور في هذا الحديث الأمور التالية:

- تَسْلِيمُ الْخَاصَّةِ.

- أَنْ يَفْشُوَ الْمَالُ وَيَكْثُرَ .

- وَفُشُوُّ التِّجَارَةِ حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ.

- وَقَطْعُ الأَرْحَامِ.

- وَفُشُوُّ الْقَلَمِ.

- وَظُهُورُ الشَّهَادَةِ بِالزُّورِ.

- وَكِتْمَانُ شَهَادَةِ الْحَقِّ".

ما معنى فشو القلم ؟

قوله صلى الله عليه وسلم: "وفشو القلم"، وفي الرواية الأخرى: "وظهور القلم"، معناه أن يكثر في الناس معرفة الكتابة. وهذا من علامات الساعة، التي ظهرت من زمن بعيد؛

قَالَ أَبُو عُمَرَ ابن عبدالبر رحمه الله: "أَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: "وَفُشُوَّ الْقَلَمِ" فَإِنَّهُ أراد ظهور الكتاب وكثرةالكتاب رَوَى الْمُبَارَكُ بْنُ فُضَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَفِيضَ الْمَالُ وَيَظْهَرَ الْقَلَمُ وَيَكْثُرَ التُّجَّارُ,

قَالَ الْحَسَنُ : لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ إِنَّمَا يُقَالُ: تَاجِرُ بَنِي فُلَانٍ وَكَاتِبُ بَنِي فُلَانٍ مَا يَكُونُ فِي الْحَيِّ إِلَّا التَّاجِرُ الْوَاحِدُ وَالْكَاتِبُ الْوَاحِدُ,

قَالَ الْحَسَنُ : وَاللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَأْتِي الْحَيَّ الْعَظِيمَ فَمَا يَجِدُ بِهِ كَاتِبًا"اهـ([2]).

وعَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَفْشُوَ الْمَالُ وَيَكْثُرَ وَتَفْشُوَ التِّجَارَةُ وَيَظْهَرَ الْعِلْمُ، [قال عمرو: فإن كان] يَبِيعَ الرَّجُلُ الْبَيْعَ فَيَقُولَ: لَا حَتَّى أَسْتَأْمِرَ تَاجِرَ بَنِي فُلَانٍ وَيُلْتَمَسَ فِي الْحَيِّ الْعَظِيمِ الْكَاتِبُ فَلَا يُوجَدُ"([3]).

فإن قيل: ما وجه الخلل في فشو الكتابة، وانتشار المعرفة بها بين الناس؟

فالجواب :

معرفة الكتابة، تسهِّل للناس الرجوع للكتب والقراءة، وإذا رجع الناس إلى الكتب، لم يعد أحد – إلا من رحم الله – يهتم بالرجوع إلى العلماء، فيهجر العلماء. بل ويعجب صاحب رأي برأيه؛ فيرى أن ما قرأه ووصل إليه بالقراءة من الكتاب، أولى مما قرره العالم، وأولى من كلام غيره ، فيساوي نفسه بأهل العلم، ويحاققهم فيما قالوه بعير وجه حق! بل وقد يصل الأمر إلى اتهام العلماء بإخفاء العلم وكتمانه، على أساس أنه قرأ في الكتب ما لم يذكره العالم!

قَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَجُلٌ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَسْأَلُهُ عَنِ النَّاسِ.

فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ قَرَأَ مِنْهُمُ الْقُرْآنَ كَذَا وَكَذَا.

فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ يَتَسَارَعُوا يَوْمَهُمْ هَذَا فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الْمُسَارَعَةِ.

قَالَ: فَزَبَرَنِي عُمَرُ ثُمَّ قَالَ: مَهْ .

قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَهْلِي مُكْتَئِبًا حَزِينًا، فَقُلْتُ: قَدْ كُنْتُ نَزَلْتُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ مَنْزِلَةً، فَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ سَقَطْتُ مِنْ نَفْسِهِ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي، فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي حَتَّى عَادَنِي نِسْوَةُ أَهْلِي وَمَا بِي وَجَعٌ، وَمَا هُوَ إِلَّا الَّذِي تَقَبَّلَنِي بِهِ عُمَرُ.

قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ: خَرَجْتُ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يَنْتَظِرُنِي، قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي ثُمَّ خَلَا بِي، فَقَالَ: مَا الَّذِي كَرِهْتَ مِمَّا قَالَ الرَّجُلُ آنِفًا؟

قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ كُنْتُ أَسَأْتُ، فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، وَأَنْزِلُ حَيْثُ أَحْبَبْتَ.

قَالَ: لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي كَرِهْتَ مِمَّا قَالَ الرَّجُلُ.

فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَتَى مَا تَسَارَعُوا هَذِهِ الْمُسَارَعَةَ يَحِيفُوا، وَمَتَى مَا يَحِيفُوا  يَخْتَصِمُوا، وَمَتَى مَا يَخْتَصِمُوا يَخْتَلِفُوا، وَمَتَى مَا يَخْتَلِفُوا يَقْتَتِلُوا.

فَقَالَ عُمَرُ: لِلَّهِ أَبُوكَ، لَقَدْ كُنْتُ أُكَاتِمُهَا النَّاسَ حَتَّى جِئْتَ بِهَا"([4]).

أقول: قوله: "مَتَى مَا تَسَارَعُوا هَذِهِ الْمُسَارَعَةَ يَحِيفُوا، وَمَتَى مَا يَحِيفُوا  يَخْتَصِمُوا، وَمَتَى مَا يَخْتَصِمُوا يَخْتَلِفُوا، وَمَتَى مَا يَخْتَلِفُوا يَقْتَتِلُوا". كذا هذه الجملة، ولها وجه، فإن معناها إذا سارعوا بحفظ القرآن، وقعوا في الحيق وهو الظلم، إذ يرى الرجل نفسه لما حفظ من القرآن أعلم من غيره، فإذا حصل هذا اختصم مع غيره، وإذا وقع الخصام حصل الاختلاف والنفرة ؛ فوقع الاقتتال.

وقد جاءت هذه الجملة بضبط آخر: ففي مسائل الإمام أحمد رواية ابنه أبي الفضل صالح([5]): "يا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَتى مَا يتسارعوا هَذِه المسارعة يحتقوا وَمَتى مَا يحتقوا يختصموا وَمَتى مَا يختصموا يَخْتَلِفُوا وَمَتى مَا يَخْتَلِفُوا يقتتلوا".

والمعنى: (يحتقوا) أي يرى نفسه أحق أن يتبع ويؤخذ بقوله، بل وقد يرى أن الحق معه وله، فإذا حصل هذا اختصموا؛ فيحصل الاختلاف، وغذا حصل الاختلاف وقع الاقتتال.

وقد جاء ما يفسر ذلك أيضاً فقد جاء في كتاب التفسير من سنن سعيد بن منصور([6])، قال سَعِيدٌ بن منصور: نا هُشَيم، قَالَ: نا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشب، قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمي، قَالَ: خَلَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ذَاتَ يَومٍ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ، فأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: كَيْفَ تَخْتَلِفُ هَذِهِ الْأُمَّةُ وَنبِيُّهَا وَاحِدٌ، وَكِتَابُهَا وَاحِدٌ، وَقِبْلَتُهَا؟

فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْقُرْآنُ، فَقَرَأْنَاهُ، وَعَلِمْنَا فِيمَ أُنزل، وَإِنَّهُ سيكون بعدنا أقوام يقرأون الْقُرْآنَ، وَلَا يَعْرِفُونَ فِيمَ نُزِّلَ، فَيَكُونُ لِكُلِّ قَوْمٍ فِيهِ رَأْيٌ، فَإِذَا كَانَ لِكُلِّ قَوْمٍ فِيهِ رَأْيٌ اخْتَلَفُوا، فَإِذَا اخْتَلَفُوا اقْتَتَلُوا!

فَزَبَرَهُ عُمَرُ وانتَهَرَهُ ، فَانْصَرَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ.

ثُمَّ دَعَاهُ بَعْدُ، فَعَرَفَ الَّذِي قَالَ، ثُمَّ قَالَ: إيهٍ أعِد عليّ".

وبالله التوفيق !

 

([1]) أخرجه أحمد في المسند (6/ 415، تحت رقم 3870)، والبخاري في الأدب المفرد (ص: 474)، في بَابُ مَنْ كَرِهَ تَسْلِيمَ الْخَاصَّةِ، تحت رقم (1049). والحديث صححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة تحت رقم (2767)، وحسنه محققو المسند.

([2]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (17/ 297- 298).

([3]) أخرجه النسائي في كتاب البيوع، باب التجارة تحت رقم (4380). والحديث صححه الألباني رحمه الله في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها تحت رقم (2767). تنبيه : وقع في رواية الحديث في سنن النسائي سقط، بعد قوله: "ويظهر العلم"، مما جعل في المتن تناقضاً، حيث سقط منه : "قال عمرو: "فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ يَبِيعُ الْبَيْعَ ..."؛ يدل على هذا السقط تناقض المتن؛ فكيف يقول: " وَيَظْهَرَ الْعِلْمُ"، ثم يقول تفريعا عليه: "وَيَبِيعَ الرَّجُلُ الْبَيْعَ فَيَقُولَ لَا حَتَّى أَسْتَأْمِرَ تَاجِرَ بَنِي فُلَانٍ وَيُلْتَمَسَ فِي الْحَيِّ الْعَظِيمِ الْكَاتِبُ فَلَا يُوجَدُ"، وهذا أحوج بعض الشـراح  أن يتأول العلم في قوله: "ويظهر العلم"، بالعلم الدنيوي، حتى لا يتناقض مع ما بعده فإنه بسبب الجهل بالعلم الشـرعي! ومعلوم أن النصوص الشرعية لم يأت فيها اطلاق (العلم) إلا على العلم على الأمور الدنيوية!  وقد جاء المتن بدون سقط في مسند أحمد، والآحاد والمثاني؛ ففي الأحاديث الساقطة من مسند الإمام أحمد بن حنبل (ص: 22، تحت رقم 24296) ، و في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (3/ 284، تحت رقم 1664) عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَفِيضَ الْمَالُ وَتَفْشُو التِّجَارَةُ وَيَظْهَرَ الْعِلْمُ أَوِ الْقَلَمُ" قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ يَبِيعُ الْبَيْعَ فَيَقُولُ: حَتَّى أَسْتَأْمِرَ تَاجِرَ بَنِي فُلَانٍ ويلتمس في [الحواء] العظيم الكاتب فلا يوجد".

([4]) أخرجه عبدالرزاق في المصنف (11/ 217، في جامع معمر الملحق بآخره تحت رقم 20368)، أخرجه الهروي في ذم الكلام وأهله (2/ 38 – 40، تحت رقم 198). ومن طريق ابن المبارك عن معمر أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (1/ 516 - 517)، والخلال في السنة (7/ 28 – 29، تحت رقم 2013). وسنده صحيح.

([5]) (2/ 432).

([6]) (1/ 176، تحت رقم 42)، وسنده صحيح.

جار التحميل