جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

مقرر مصر والشرق القديم انتساب


- 2018/03/25
 

مقرر مصر والشرق القديم

.................................................................................................

رمز المقرر:   102231-3

.................................................................................................

أستاذ المادة:  د. إبراهيم محمد بيومي مهران

الرتبة العلمية: أستاذ مشارك

.................................................................................................

رقم المنسوب:   4320171

____________________________

مذكرة المادة موجودة حالياً في مركز المروة - أمام بوابة الجامعة بالعزيزية

----------------------------------------------------------------------------------------------

أولاً: مـصـــر

مصادر التاريخ المصري القديم

تجدر الإشارة إلى أن الدراسات العلمية الحديثة التي تبحث في تاريخ وحضارة مصر القديمة تعتمد على أربعة مصادر أساسية هي:

  • الآثار المصرية.
  • كتابات الرحالة والمؤرخين من الأغارقة والرومان.
  • المصادر المعاصرة في منطقة الشرق الأدنى القديم.
  • ما جاء في التوراة والقرآن الكريم عن مصر وأحوالها.

أولاً: الآثـار المصـرية:

وأهم ما لدينا من الآثار المصرية كمصدر للتاريخ هو قوائم الملوك التي أرخت لبعض الفراعين، ولما سبقهم من عصور، وأهم هذه القوائم:

حجر بالرمو: عبارة عن لوحة من حجر الديوريت الأسود، حُطمت إلى ستة أجزاء، والكتلة الرئيسية منها عُثر عليها في منف، وهي محفوظة حالياً في متحف بالرمو بإيطاليا، طولها حوالي مترين، وارتفاعها حوالي 70سم. وهناك أربع قطع صغيرة من هذه اللوحة في المتحف المصريبالقاهرة، أما القطعة السادسة فهي محفوظة في متحف جامعة لندن. وقد دُون على وجهي اللوحة حوليات الملوك منذ أقدم العصور وحتى عهد الملك نفر إير كا رع ثالث ملوك الأسرة الخامسة.

قائمة الكرنك: نُقشت في عهد الفرعون تحتمس الثالث، على جانب من معبده في الكرنك، وهي محفوظة حالياً في متحف اللو?ر بباريس. وصُور عليها الفرعون وهو يتجه بالدعاء إلى أسماء 61 ملكاً من أسلافه، مع إغفال أسماء الملوك غير الشرعيين مثل حكام عصر الانتقال الأول وملوك الغزاة الهكسوس، وقد تحطم الجزء الأول من القائمة.

قائمة أبيدوس: نُقشت في عهد الفرعون سيتي الأول على جدران معبده في أبيدوس، وهي تمثل سيتي الأول وولده رعمسيس الثاني يقدمان القرابين إلى أسماء 76 ملكاً من أسلافهم، كتبت أسماؤهم داخل الخراطيش الملكية، بداية من ملوك الأسرة الأولى، مع إغفال أسماء عدد من الملوك.

قائمة سقارة: عُثر عليها في سقارة داخل مقبرة أحد كهنة عهد رعمسيس الثاني، وهي محفوظة حالياً في المتحف المصري بالقاهرة، وعليها نقش على وجهيها بأسماء 58 ملكاً بداية من سادس ملوك الأسرة الأولى وحتى رعمسيس الثاني مع إغفال أسماء بعض  الملوك.

بردية تورين: محفوظة في متحف تورين بإيطاليا، وترجع لعهد الفرعون رعمسيس الثاني، كتبت بالخط الهيراطيقي على ورق البردي، وتضم البردية 300 اسماً منهم، بداية من الملوك الآلهة الذين حكموا مصر، والذين تنسب إليهم مدد حكم أسطورية، وحتى ملوك الأسرة السابعة عشرة، مع تحديد مدد حكمهم بالسنين والشهور والأيام.

تاريخ مانيتون: يُعتبر مانيتون هو آخر المؤرخين المصريين القدامى، يرجع أصله إلى مدينة سمنود الحالية بالغربية، وكان يعمل كاهناً في عهد بطلميوس الثاني، الذي عهد إليه سنة 280 ق.م بكتابة التاريخ المصري. وكان مانيتون مُلماً باللغة المصرية القديمة، وعلى معرفة تامة باللغة اليونانية، وقام بكتابة تاريخ بلاده في ثلاثة أجزاء باليونانية، وخلص منه بموجز يحوي قائمة بأسماء الملوك في ثلاثين أسرة، بداية من الملك مينا وحتى دخول الإسكندر الأكبر مصر، وسجل كذلك ملاحظات قصيرة عن بعض العهود، معتمداً في ذلك على الوثائق المكتوبة وعلى القصص المروية.

وقد فقدت النسخة الأصلية من تاريخ مانيتون في حريق مكتبة الإسكندرية عام 48 ق.م، وكل ما وصلنا منه مقتطفات مختصرة، لأن كتاب الإغريق لم يهتموا كثيراً به، نظراً للروح الوطنية التي تميز بها.

على أن الكتاب اليهود اعتمدوا كثيراً على تاريخ مانيتون في الدفاع عن قومهم، ومنهم يوسف بن متى "يوسيفوس" الذي أراد أن يربط بين قومه اليهود وبين الهكسوس، الذين يرى أن هناك صلة بين غزوهم وبين دخول بني إسرائيل لمصر، ولهذا فقد نقل الجزء الخاص بالهكسوس من كتاب "مانيتون"، ليصبح اليوم أحد المصادر الأساسية عن هذا الموضوع، بعدما فقدت النسخة الأصلية التي دونها "مانيتون" في حريق الإسكندرية. وقد نقل عن "مانيتون" كتاب آخرون منهم جوليوس الإفريقي عام 217م، والذي نقل بعضاً من أسماء الملوك.

قائمة الأنساب: وهي مسجلة على لوح من الحجر الجيري لأحد كهنة الأسرة 22، عاش في منف ومحفوظة حالياً في متحف برلين بألمانيا، وتعرف بقائمة الأنساب لأنها تحوي قائمة طويلة بأسماء 60 كاهناً من كهنة منف ينتمون لأسرة واحدة، وذكرت القائمة أسماء الملوك الذين خدموا في عهودهم. 

وفضلاً عن القوائم الملكية المذكورة فهناك مصـادر أخرى متعددة تخدم الغرض التأريخي، ومن ذلك مقابر النبلاء والأفراد التي تحوي بداخلها مناظر متعددة تصور مظاهر الحياة في المجتمع المصري القديم على مستوى العامة والخاصة، والتي أمدتنا بالكثير من نواحي الحياة اليومية والمهن والأعمال والعادات والتقاليد القديمة. 

ثانياً: كتابات المؤرخين اليونان والرومان:

تميزت الفترة فيما بين القرنين السادس قبل الميلاد والثاني بعد الميلاد بزيارة عدد كبير من الرحالة والمؤرخين الإغريق لأرض الكنانة، والذين طافوا بأرضها، وبخاصة مدن الدلتا، وكتبوا وصفاً لكل ما شاهدوه وسمعوه بها، فقدموا لنا بذلك معلومات كثيرة ذات قيمة تاريخية وحضارية. ومن أشهر هؤلاء المؤرخين: هيكاته الميليتي وهيرودوت وهيكاته الأبديري وديودور الصقلي واسترابو وأفلاطون وبلوتارخ.

ثالثاً: المصادر الأجنبية المعاصرة:

كانت مصر على علاقة متصلة ببلدان الشرق الأدنى في فترات مختلفة من تاريخها القديم، وبخاصة في عصر الدولة الحديثة، ومن هنا فقد تبادل حكامها مع الفراعين كثيراً من الرسائل، اختلفت في عصور السلام عنها في عصور الحرب. ففي الأولى نجد الود والاحترام المبالغ فيه، بينما في الثانية نجد ادعاءات مبالغ فيها كذلك، وهكذا فيجب على الباحث أن يقارن بينها ليتبين ولو قدر من الحقائق التاريخية الصادقة. ومن أهم الحضارات التي عاصرت الحضارة المصرية القديمة نجد الحضارات البابلية والفينيقية والآشورية والآرامية والحيثية. هذا إلى أن المصادر الأجنبية المعاصرة تساعد الباحثين كذلك على تعيين عهود الفراعين بالنسبة إلى من عاصرهم من ملوك الشرق الأدنى القديم وأمرائه، وتعطيهم فكرة عن العلاقات الدولية السائدة، والحالة الحضارية للمنطقة وقتذاك.

رابعاً: الكـتب السماوية:

          ورد في التـوراة "العهد القديم"، وكذا في القرآن الكريم، إشارات متعددة في مواضع مختلفة إلى عدد من الأحداث التاريخية، وإلى مواقع قديمة تخص التاريخ القديم. ولذا فكثيراً ما يعتمد الباحثون على ما ورد في الكتب السماوية المقدسة للاسترشاد في تأكيد الحقائق التاريخية. وكانت التـوراة قد سجلت إلى حد ما كثيراً من الأحداث التاريخية التي وقعت في منطقة الشرق الأدنى القديم في الفترة فيما بين القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، وبخاصة تلك التي تتصل بتاريخ اليهود. كما تحدثت التوراة أيضاً عن المصريين وعلاقاتهم المتنوعة ببني إسرائيل، فضلاً عن الحديث عن أنبياء بني إسرائيل ذوي الصلة بمصر، كما يبدو واضحاً في قصص إبراهيم ويعقوب ويوسف عليهم السلام، والعلاقات المصرية اليهودية على أيام داوود وسليمان عليهما السلام، هذا إلى جانب ما جاء في التوراة عن بعض ملوك مصر.

          أما عن القرآن الكريم كمصدر تاريخي، فهو من أصدق المصادر وأصحها على الإطلاق، فهو موثوق السند، كما قال الحق U: "إنَّـا نَحْـنُ نَـزَّلنَـا الذِكـرَ‘ وَإنَّـا لـهُ لحَـافِظُـونَ". إضافة إلى أن القرآن الكريم هو كتاب الله U الذي: "لا يَأتِيـهِ البَـاطلُ مِنْ بَينِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلفِهِ‘ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِـيمٍ حَمِـيدٍ". ومن ثم فليس هناك سبيل على الإطلاق إلى الشك في صحة نص القرآن الكريم. وعلاوة على ذلك فإن القرآن الكريم يقدم لنا عن طريق القصص القرآني معلومات هامة عن عصور ما قبل الإسلام وأخبار دولها، أيدتها الكشوف الأثرية الحديثة.

          كما يقدم لنا القرآن الكريم عن طريق قصة "موسى" عليه السلام كثيراً من المعلومات عن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر القديمة.

          ويمكن كذلك الاعتماد على الصحيح من الأحاديث النبوية الشريفة المنقولة عن رسول الله e كمصدر تاريخي، باعتبار أنها مفسرة لما جاء في القرآن الكريم، ولاسيما أنها تشرح كثيراً من الأحداث التاريخية التي تعرض لها القرآن الكريم عن مصر كقصة يوسف وقصة موسى عليهما السلام، فضلاً عن الحديث عن مصر نفسها، وكذا أيضاً فيمكن الاعتماد على كتب تفسير القرآن الكريم كمصدر تاريخي.

 

عصور ما قبل التاريخ (5500-3030 ق.م)

يُقصد بعصور ما قبل التاريخ تلك العصور التي سبقت معرفة الكتابة، وهي أيضاً عصور ما قبل التأريخ، حيث أن الكتابة هي المادة الرئيسية في تسجيل الأحداث التاريخية.

ويُطلق على هذه العصور أيضاً مسمى عصور ما قبل المدنية، وحضارات عصور ما قبل التاريخ، والدهور الحجرية، وغيرها من المسميات المشابهة.

وقد قسم العلماء عصور ما قبل التاريخ في مصر إلى الفترات التالية:

العصر الحجري القديم  Paleolithic

          وقد عُثر على نماذج مختلفة من أدواته وأسلحته وذلك في أماكن مختلفة في الصحراء، وكذا على حافة وادي النيل في صعيد مصر وأجزاء من النوبة السفلى. وفي هذا العصر الموغل في القدم كان الإنسان يعيش المرحلة التي نسميها الجمع والالتقاط، كما كان في صراع مستمر مع الحيوان، والذي لم يكن وقتها قد استأنسه بعد. وكانت المادة الطبيعية المفضلة وقتذاك هي الصوَّان Flint، كما كانت الأداة السائدة هي قبضة اليد الشيلية والأشولية، وتميز معظم إنتاج العصر بالبساطة الشديدة والتواضع.

ونظراً لطول فترته الزمنية فيقسم العلماء العصر الحجري القديم إلى ثلاثة أقسام هي: الأسفل والأوسط والأعلى. ولعل أهم مراكز العصر الحجري القديم ما يلي:

واحة الخارجة والفيوم ومحاجر الجبل الأحمر، وبعض مناطق الصحراء الشرقية في مصر العليا والوسطى، وكوم امبو ونجع حمادي.

العصر الحجري الوسيط  Mesolithic

          يقع العصر الحجري الوسيط بين عصرين كبيرين، ولذا فقد اشترك معهما في بعض السمات وإن كانت له مميزاته الخاصة التي تفرَّد بها. وأخذ الإنسان في هذا العصر يحسين بعض أدواته، واستخدم الفئوس والسكاكين المصنوعة من الصوَّان Flint، وبدأ في استعمال بعض أدوات الزينة، واستمر في عملية الجمع والالتقاط، وبدأ في عملية استئناس الحيوان إلى حد ما.

          وكانت أهم مراكزه في وادي الشيخ بشرقي "مغاغة" بالمنيا، هذا إلى جانب موقع في حلوان يُعتقد في انتمائه إلى هذا العصر، وأن صناعة أدواته ربما وصلت إلى مصر من "الحضارة الناطوفية" بفلسطين، وإن رجَّح آخرون أن حضارة "حلوان" هي الأقدم، وأن انتشار الصناعة في "الحضارة الناطوفية" منقول من حضارة العصر الحجري الوسيط بمصر.

العصر الحجري الحديث  Neolithic

          تميز هذا العصر بظهور أكثر من حضارة مختلفة، لكل منها سماتها المميزة، وهذه الحضارات هي:

أ- حضارة الفيوم (أ): كشفت الحفائر الأثرية بمنطقة الفيوم عن قريتين تدلان على الاستقرار ومعرفة الزراعة، فقد عُثر هناك على مواقد وأوان تستخدم في الطهي، وبقايا فقرات عظام أسماك وحيوانات، ومراحي لحبوب القمح والشعير، وأدوات للزراعة وللصيد، فضلاً عن أجزاء متنوعة من فخار مصنوع باليد من الطين المختلط بالتبن. كما كشفت الحفائر عن 248 حفرة، استخدمت كمكان لحرق الأخشاب المستخدمة في طهي الطعام، فضلاً عن مخازن خاصة، وأخرى جماعية لخزن القمح والشعير، كما عُثر على نماذج مختلفة لأدوات للزينة، منها أقراط من بيض النعام، وأساور ودلايات من الخرز.

ب- حضارة مرمدة بني سلامة: تقع مرمدة على مبعدة 51 كيلومتراً شمال غربي مدينة القاهرة، وتدل الحفائر الأثرية على أن الموقع كانت تشغله مجموعة من الناس أقامت قرية كبيرة الحجم تشتمل على أكواخ مغطاة بطبقة من القصب أو الجص، وكان السقف غالباً من البوص، وكانت المنازل في صفين، بينهما طريق ضيق، وهو أقدم تخطيط معروف للقرية المصرية حتى الآن. وقد عُثر على بقايا عظام لحيوانات مستأنسة كالبقر والماعز والخنزير البري، وكان السكان يصطادون الأسماك وأفراس النهر، كما عرفوا النسيج، حيث عُثر على بقايا متعددة لقطع من القماش وأدوات بسيطة للغزل. أما أدوات الزينة، فكان منها عقود من العاج والعظم والأصداف، واستعمل النسوة الكحل للتجميل، وربما لوقاية العين من أشعة الشمس، ومن أمراض العيون. وكان الفخار يُصنع على العجلة، ويتميز في معظمه بأنه أسود اللون، وخالٍ من الزخرفة وغير مثقوب. وكان الموتى من السكان يُدفنون في حفر بسيطة بيضاوية الشكل، عُثر على معظمها بين أكواخ الأحياء، وكان المتوفى يأخذ فيها وضع القرفصاء، ووجهه يتجه ناحية الشرق.

جـ- حضارة حلوان العُمْرَى: أثبتت الحفائر الأثرية اتصال مجتمع حلوان بمجتمعات "مرمدة بني سلامة" و"المعادي"، وكانت جدران المنازل الطينية في حلوان مكسوة بالحصير الذي تم لصقه بطبقة من الصلصال. وفخار حلوان يشبه فخار "مرمدة" في لونه الأسود، وخلوه من الزخارف، وفي حرقه بشكل رديء إلى حد ما. وقد عرف السكان في هذه الحقبة من الزمان صناعة المخارز والمثاقب العظمـية، كما عرفوا النسيج، واستخدموا الجلود في الملبس والغطاء، واستعملوا أدوات الزينة، وعرفوا من الحيوانات التمساح وفرس النهر والخنزير البري والظبي والنعام والماعز، فضلاً عن معرفتهم للقمح والشعير والكتان وأشجار الآثل والجميز. وكان الموتى يُوسَدون في وضع الجنين، وإلى جانب الواحد منهم بعض القرابين البسيطة، وأحياناً باقة من الزهور، وفي أحيان أخرى صولجان، مما يشير إلى وجود رئيس وحاكم ومحكومين، وبخاصة مع وجود مقابر أكبر حجماً من غيرها.

د- حضارة دير تاسا: تقع على الضفة الشرقية للنيل، شمالي مدينة البداري بأسيوط، وقد كشف عن هذه الحضارة في قرى "ديرتاسا" و"نزلة المستجدة" و"الخوالد". وتمثل هذه الحضارة أقدم حضارات العصر الحجري الحديث بالصعيد، واستعمل السكان الفخار مختلف الألوان، كما استعملوا أدوات الزينة من العاج والريش، واشتهروا بصناعة السلال، ونسيج القماش من الكتان، وعملوا بالزراعة وبالصيد في البر والنهر، وكانوا يدفنون موتاهم في لفائف مصنوعة من الحصير وأيضاً من جلود الحيوانات.

العصر الحجري النحاسي Calcolithic

          يتميز هذا العصر باستخدام معدن النحاس بشكل ملموس، وبالتقدم في الصناعات الأخرى، الفخارية والحجرية والعظمية.

وأهم حضارات هذا العصر: البداري بمحافظة أسيوط، ونقادة الأولى والثانية والثالثة بمحافظات سوهاج والجيزة وقنا، وسنعرض هنا لنموذج واحد من هذه الحضارات المتميزة، وهو "حضارة البداري".

حضارة البداري: تقع البداري على الضفة الشرقية للنيل، بين "أبو تيج" و"طما" بمحافظة أسيوط، وتشير الحفائر الأثرية التي أجريت بها إلى أن أصحاب هذه الحضارة قد عاشوا في قرى منتظمة، ومارسوا الصيد في البر والنهر، وزرعوا الحبوب، واستأنسوا الحيوان، وتميزت حضارتهم باستخدام الفأس النحاسية بدلاً من الحجرية، واستخدم السكان السهام وعصي الرماية ودبابيس القتال. وانتشرت في هذه الحضارة المقابر الشخصية للرجال والنساء والأطفال، وكانت المقابر تقع خارج نطاق المساكن، واستمرت عادة وضع الأشياء مع المتوفى قائمة، وظهرت عادتان جديدتان في الدفن وهما: وضع المتوفى على لوح بسيط من الخشب، وتبطين القبر بالحصير، وكان رأس المتوفى هنا يتجه نحو الغرب. كما عُثر أيضاً ضمن آثار هذه الحضارة على دفنات متنوعة لبعض الحيوانات المستأنسة كالقطط والكلاب. وتميز الفخار بجودة صنعته، وصلابة مادته، وجمال زخرفته، ورقة جدران أوانيه بدرجة لا يكاد يدانيها في رقتها فخار آخر، حتى اعتبر من أرقى أنواع الفخار في مصر القديمة، رغم أنه مصنوع باليد. وهناك أدلة أثرية تؤكد أن "البداريين" قد عرفوا النسيج، ومن ثم فقد كان السكان يلبسون الملابس الكتانية، وعند اشتداد البرد كانوا يلبسون الصوف والجلود التي عرفوا كيفية دباغتها.

          واستخدم السكان أدوات الزينة والترف، من الفخار والعاج والصدف والخرز، ومنها القلائد والأساور والخواتم والأمشاط والملاعق العاجية التي صنعوها بأشكال لا تختلف عن أشكالها الحالية، ونوعوا في تجاويفها بين هيئة المستطيل والبيضاوي والمربع، وشكلوا مقابضها بأشكال حيوانية وحلزونية بديعة، وبدأ السكان في صنع تماثيل صغيرة من الطين والفخار والعاج.

 

عصر ما قبيل الأسرات  Predynastic

تمثل هذا العصر في الصعيد حضارات: نقادة الأولى جنوب "أبيدوس" بمركز "البلينا" بمحافظة سوهاج، ونقادة الثانية شمال "ميدوم" بمركز "العياط" بمحافظة الجيزة، ونقادة الثالثة في مركز "دشنا" بمحافظة قنا. وتمثل عصر ما قبل الأسرات في الدلتا حضارتان رئيسيتان هما حضارةحلوان الثانية وحضارة المعادي. وتبع هذا العصر مرحلة الانتقال والتطور التدريجي المنظم نحو الوحدة السياسية لمصر، كما سنرى ذلك.

فقد تميزت المراحل السابقة باستقرار المصريين في قرى متواضعة متفرقة، وإن كنا لا نعلم كيفية إدارتهم لشئونها، غير ما دلت عليه ظاهرة تنظيم بعض المساكن في حضارة مرمدة بني سلامة من انفعال أهلها بالوعي الجماعي، واحتمال خضوعهم لسلطة ما في القرية، استحبت التنظيم، وما دلت عليه مساكن حضارة حلوان من اشتراك أهلها في تمهيد المنطقة السكنية فوق ربوة، تحميهم من أخطار السيول، وربما من أخطار جيرانهم. وكذا ما دلت عليه مطامير حضارة الفيوم إلى اطمئنان أهلها إلى تجميع محاصيلهم في منطقة واحدة، يتعاونون على حراستها، ثم ما دلت عليه مخازن الغلال الجماعية في حضارة المعادي، من احتمال وجود سلطة ما في القرية، أشرفت على تموينها، وحماية محاصيلها. ولكن لم تلبث طبيعة الحياة، والمصلحة المشتركة، أن خطت بالمصريين خطوة أكبر، فنقلتهم من حياة القرية إلى حياة المدينة، ثم إلى حياة أوسع أفقاً، هي حياة الإقليم، الذي تمثل في إمارة صغيرة يحكمها أمير يقوم على رعاية شئونها، وتدبير أمورها، وكان لكل إقليم شعار من طير أو نبات أو حيوان أو غير ذلك، يتخذ منه الناس رمزاً يميزهم، يمنع عنهم الشرور، ويجلب الخيرات.

          وقد بدأ ظهور القانون الذي ينظم المعاملات بين الناس، وكذا بين الجماعات، وذلك في صورة تعتبر أولية، وكان الأمر ضرورياً مع اتحاد القرى والمناطق المتقاربة، وبداية ظهور الأقاليم، والتي بدأت تدريجياً في الاتحاد مع بعضها البعض، عن طريق الغزو والفتح، أو عن طريق تبادل المصالح المشتركة. وبذلك فقد وصلت مصر في هذه الحقبة إلى مرحلة سياسية انقسمت فيها داخلياً إلى عدد من الأقاليم المتحدة، كونت ما يشبه الدويلات الصغيرة، أو ما يمكن أن يطلق عليه دول المدن، وهو الأمر الذي لم تعرفه أوروبا قبل العصور الوسطى. وكان العامل المشترك الذي يوثق العلاقات بين الأقاليم المصرية، أو الدويلات الصغيرة هو نهر النيل، الذي ساعد على اتحاد القوى المختلفة، وتضافر جهودها للاستفادة من مياهه وخيراته الوفيرة، وكذا لاتقاء خطر فيضانه الداهم، الذي يهدد سلامة ومصالح الجميع. وهكذا فقد تدرج الأمر إلى قيامحكومة متحدة شملت مصر كلها، واتخذت من مدينة أون "عين شمس" عاصمة دينية، وربما سياسية أيضاً، ومن المعبود رع إلهاً رئيسياً. وعلى أية حال، فإن هذا الاتحاد لم يدم طويلاً، إذ ما لبثت البلاد أن انقسمت فعلياً إلى حكومتين منفصلتين:

1- حكومة في الشمال: عاصمتها بي "تل الفراعين"، غرب دسوق الحالية بمحافظة كفر الشيخ، واتخذت من حور وواجيت (ثعبان الكوبرا) معبودان لها، واحتفظت بشعار النحلة كرمز يميزها، وتوج ملوكها بالتاج الأحمر.

2- حكومة في الجنوب: عاصمتها في كل من نِخِن ومقابلتها عبر النهر نِخِب (بمركز إدفو بمحافظة أسوان)، واتخذت من نِخبت (أنثى العقاب) معبودة رئيسية، واحتفظت بنبات سوت (البوص) كشعار لها، وتوج ملوكها بالتاج الأبيض.

          وعلى أية حال فلعل ما شهدته هذه المرحلة من إنجازات على يد المتاح لنا من أسماء حكام "نخب" الذين حملوا لقب أتباع حور، ليؤكد على تحملهم عبء الكفاح نحو الوحدة قرابة ما يربو على قرن من الزمان، إذ تشير الدلائل الأثرية إلى زحفهم نحو الشمال، بعدما نقلوا مقر السلطة من نِخِب إلى ثِنِي (شمالي أبيدوس بمحافظة سوهاج). وقد اتبعوا حسب آخر الآراء في هذا الصدد في زحفهم عدة مراحل منذ سيطرتهم على جنوب الوادي، والتي اتبعوها بمد نفوذهم في مصر الوسطى حتى "أبو صير الملق"، ومنها شمالاً حتى "طرخان"، وشرقاً باتجاه سيناء وجنوبي فلسطين، ثم أخيراً توحيد مصر بضم الدلتا، وبداية عصر الأسرات على عهد الملك نعرمر "مينا". وهذه المراحل سالفة الذكر، توفر على خوضها عدد من الحكام الذين يشكلون ربما سلالة واحدة أو اثنتين، عُرفت حديثاً بمسمى الأسرة صفر، ومنهم على سبيل المثال:   "ني"و"حور ورا" و"حور وكا" و"سِخن" و"العقرب"، ثم "نعرمر".

          وكان آخرهم الملك نعرمر "مينا" قد اشتهر بلوحته الشهيرة باسم صلاية نعرمر، والمعروضة حالياً بالمتحف المصري بالقاهرة، والتي نقش على وجهيها مناظر مختلفة تسجل انتصاراته التي أتمت وحدة البلاد. فظهر مرة بتاج الصعيد الأبيض، وهو قابض بيده على ناصية عدو راكع، وممسك بيده الأخرى دبوس قتال يرمز لانتصاره على الدلتا، بينما مُثل الملك على ظهر اللوحة بتاج الشمال الأحمر، وهو يحتفل بانتصاره الذي حقق لمصر الوحدة الكاملة. وقد اعتبرت المصادر المصرية القديمة الملك "نعرمر"، والذي دعته "مينا"، على رأس الأسرة المصرية الأولى، والتي بها يبدأ العصر التاريخي لمصر (حوالي عام 3030 ق.م)، حيث بدأت مصر تسجل حوادثها على آثارها المختلفة، بعد أن عرف المصريون الكتابة (حوالي عام 3400 ق.م).

          وهكذا وبعد كفاح طويل، فقد تسنى للشعب المصري صُنع وحدته بنفسه، لتكون مصر بذلك أول دولة تظهر في التاريخ القديم بأسره، تتكامل فيها عناصر الأمة بمعناها الصحيح، ولتكون أول دولة موحدة سياسياً، وهي الدولة التي قامت على أساس سياسي منظم، كان له دوره في قيادتها وسيادتها التاريخية والحضارية، وفي تميزها بين بلدان العالم القديم لعصور تالية.

 

العصـر العتيـق (3030-2686 ق.م)

          يشمل عصر التأسيس الأسرتين الأولى والثانية، وقد أطلق المؤرخون على هذا العصر عدداً من المسميات المختلفة، منها العصر العتيق باعتبار أنه أقدم العصور التاريخية المصرية، والعصر الثيني نسبة إلى قرية "ثني" (شمال شرق أبيدوس بمحافظة سوهاج)، وعصر بداية الأسرات باعتباره يضم الأسرات المصرية الأوائل في التاريخ القديم، وعصر التأسيس لأنه تأسست خلاله الدولة المصرية الموحدة، كما يُطلق عليه البعض مسمى عصر الأسرات المبكر لتقدمه على جميع العصور التاريخية.

الأسرة الأولى (3030-2890 ق.م)

          يُعتبر الملك نعرمر "مينا" هو أول ملوك الأسرة الأولى، وذلك طبقاً لورود اسمه على بعض الآثار المصرية الهامة مثل قائمة أبيدوس وبردية تورين وتاريخ مانيتون وكتابات المؤرخ الإغريقي هيرودوت. وينسب المؤرخون القدامى إلى الملك مينا تأسيس مدينة جديدة هي إنب حج، واتخاذه منها وقتذاك عاصمة لمصر الموحدة، وإن كان هناك من المؤرخين المحدثين من يرى أن عاصمة البلاد وقتها كانت في جنوب وادي النيل. وعلى ما يبدو فإن كلاً من نخن عاصمة الجنوب، وبوتو عاصمة الشمال، لم تعد أي منهما تصلح لأن تكون عاصمة لمصر الموحدة. ومن ثم فقد اختار مينا من "منف" مكاناً للعاصمة الجديدة، وهو ما يُعتبر اختياراً موفقاً، حربياً وسياسياً ودينياً واقتصادياً في آن واحد، فهو قد أقامها قلعة حصينة، كما أنها تقع في قلب الوطن، في نقطة كانت ولا تزال، تعتبر بمثابة المركز التقليدي للعاصمة منذ عصر "مينا" وحتى يومنا هذا. ونسب هيرودوت إلى الملك "مينا" إقامة معبد للمعبود بتاح في "منف"، فضلاً عن إحاطة المدينة كلها والمعبد بسور ضخم، ويعزو ذلك للحماية من الثورات التي ربما يُحتمل قيام أهل الدلتا بها.

          وجاء بعد الملك "مينا" ابنه حور عحا أي "حور المحارب"، وإن كانت هناك آراء تذهب إلى أن "حور عحا" هو نفسه "مينا". وعلى أية حال ففي عهد "حور عحا" بدأ استخدام اللقب "النبتي"، كما أنه سن عادة جديدة في الدفن، استمرت بعده في عصر الأسرتين الأولى والثانية، وهي أن أقام لنفسه مقبرتين: الأولى في سقارة، وهي جبانة العاصمة "منف"، والمقبرة الأخرى في أبيدوس، مقر عبادة "أوزير".

ويُرجَّح أن إحدى المقبرتين كانت ضريحاً رمزياً Cenotaph، بينما كانت المقبرة الأخرى هي المكان الفعلي المخصص لدفن الملك. وما يزال العلماء مختلفون في تحديد أي الجبانتين هي الفعلية، وإن كانت أعمال الحفائر التي قامت بها مؤخراً بعثة ألمانية في "أبيدوس" ترجِّح أنها الجبانة الفعلية لدفن ملوك "العصر العتيق"، وإن صَحَّ ذلك بالفعل فإن جبانة "سقارة" تكون هي الجبانة الرمزية. وعلى أية حال، فإنه يُنسب للملك "حور عحا" القيام بتأديب الثائرين من النوبيين، وإخضاعهم لمصر، حتى منطقة "الجندل الأول" جنوباً، إلى جانب قيامه بتأديب القبائل الليبية أيضاً. ويرى بعض المؤرخين أن علاقات مصر الخارجية في عهد "حور عحا" امتدت لتصل حتى سورية وفلسطين.

أما الملك جـر (3000 ق.م)، فقد تميز عهده بشكل عام بنشاط عسكري ملموس في منطقة "النوبة السفلى"، ووصل بحدوده الجنوبية حتى منطقة "الجندل الثاني"، حيث عُثر له في عام 1949م على نقش صخري في منطقة "جبل الشيخ سليمان"، يمثل انتصاره على أعداءه من النوبيين في معركة وقعت أحداثها في النهر. ويُظهر النقش أسيراً جالساً ومربوطاً في مقدمة سفينة من طراز عصر الأسرات في مصر، تختلف في شكلها عن مراكب ما قبل الأسرات، وأسفل السفينة أجساد أعداء غرقى، ونجد دائرتين بداخل كل واحدة منهما خطان متقاطعان يعلوهما نسر، يرمزان إلى مدن تم الاستيلاء عليها، وشكل أسير واقف ويداه مربوطتان من الخلف، و كذا نجد اسم الملك "جر". ويصعب القول حالياً إن كان هذا التسجيل الأثري يمثل غزواً كاملاً للمنطقة، أو أن الأمر لا يعدو كونه مجرد لوحة فخرية عادية لانتصار مجموعة من المغيرين على أعدائهم. وقد تميز عهد الملك "جر" بالتقدم الملموس في الصناعات والفنون، وقد عُثر له على مقبرة في "سقارة"، وأخرى في "أبيدوس"، وقد أحاط بالمقبرة الأخيرة 334 قبراً، ورأي البعض أنها تخص خدم الملك وحاشيته، وأنهم قد ذبحوا ليقوموا على خدمة الملك المتوفى في العالم الآخر، وهو أمر ليس هناك من أدلة تؤكده صراحة، وإن كان الاحتمال قائم على صحته.

          وجاء بعده الملك جت (2980 ق.م)، والذي وصلت مصر في عهده إلى درجة لا بأس بها من الرقي، وتعتبر لوحته الجنائزية التي تحمل اسمه، والتي عُثر عليها في "أبيدوس" من الأعمال العظيمة في الفن المصري القديم، وهي محفوظة حالياً بمتحف اللو?ر بباريس. وعُثر في مقبرته الشمالية بمنطقة "سقارة" على مجموعة من القطع المميزة، ولاسيما تلك المصنوعة من الخشب المنقوش، وقطع اللعب المصنوعة من العاج، والأثاث الجنائزي.

          وتجدر الإشارة إلى أنه قد عُثر على اسم الملك "جت" محفوراً على صخرة بالصحراء الشرقية، في أحد الأودية التي تربط بين "إدفو" والبحر الأحمر، وهو الدرب نفسه الذي يمر في منطقة "وادي مياه"، والذي ظل مستخدماً طوال العصور للتجارة أو الحصول على المعادن من هناك، وبخاصة الذهب، مما يشير إلى احتمالية قيام الملك "جت" بإرسال بعثات للتنقيب عن المعادن بالمنطقة، أو إلى ساحل البحر الأحمر.

          وبعد الملك "جت"، اعتلى العرش خليفته دِن "وديمو" (2950 ق.م)، والذي كان أول من استخدم لقب "نسوبيتي"، وتميز عهده بالتقدم في فن العمارة، وأصبحت الوثائق التاريخية أكثر وضوحاً. وهناك ما يشير إلى إجراء "تعداد"، ولأول مرة في التاريخ، في عهده، وإن كان الغرض منه ليس واضحاً تماماً، فقد يكون إحصاءً للأراضي الزراعية وموارد المناجم، أو قد يكون إحصاءً للسكان وممتلكاتهم، وقد يكون إحصاءً للماشية، لتقدير نصيب الدولة فيها، كما نصت على ذلك نصوص الدولة القديمة، وقد أصبح إجراء هذا مثل التعداد يتم بشكل دوري كل عامين. وقد سجلت "بطاقة عاجية" قيام الملك "دن" بالاحتفال بعيد اليوبيل الثلاثيني المُسمَّى "حب سد"، والذي كان الملوك غالباً ما يحتفلون به بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على اعتلائهم العرش، وأحياناً ولأسباب مختلفة، كانوا يحتفلون به في غير هذا التوقيت.

          وعندما اعتلى العرش عدج إيب (2925 ق.م)، كرر إجراء التعداد العام، واحتفل بالعيد الثلاثيني، وإن كان لم يجلس على العرش إلا فترة قصيرة، لأنه كان طاعناً في السن عند بداية حكمه للبلاد. ويبدو أنه قد حدث اضطراب سياسي وصراع بين أفراد الأسرة المالكة بسبب أحقية اعتلاء العرش، وبخاصة بعد وفاة الملك "دن" الذي مكث على العرش مدة طويلة.

          أما خليفته سَمر خِت (2900 ق.م)، الذي ارتبط اسمه ببداية الصراع بين أفراد الأسرة المالكة من أجل اعتلاء العرش، فيرى بعض المؤرخين أنه ربما كان مغتصباً للعرش، وأن رجاله قد أزالوا، بأمر منه، أسماء سلفه "عدج إيب"، وهو الأمر نفسه الذي سيحدث أيضاً مع "سمرخت" بعد ذلك من خليفته على العرش الملك قا عا (2890 ق.م) آخر ملوك الأسرة الأولى، الذي بذل جهوداً ملموسة لإصلاح الأمور، وبخاصة النواحي الإدارية للدولة.

الأسرة الثانية (2890-2686 ق.م)

          يختلف المؤرخون حول ترتيب ملوك الأسرة الثانية، وذلك بسبب وجود اختلاف بين "قائمة مانيتون"، والقوائم الملكية الأخرى التي تعطينا أسماء تسعة ملوك أو عشرة، على حين تمدنا الآثار القليلة التي وصلتنا، والتي تركها لنا هؤلاء الملوك وعليها أسماؤهم، بثمانية ملوك فقط. وكان من الواضح أن بعضاً منهم قد فضلوا الدفن في الجبانة الشمالية "سقارة"، حيث لم يُعثر على أي أثر لمقابر بعض من هؤلاء الملوك في الجبانة الملكية في "أبيدوس".

          والآن، وفي ظل الأدلة والآراء الحديثة، فإنه يمكن ترتيب ملوك الأسرة الثانية، طبقاً لتعاقبهم على عرش البلاد، على النحو التالي: حتب سخموي - رع نب - ني نثر - ونج – سند – بر إيب سن – خع سخم – خع سخموي.

          وعلى ما يبدو، فإن مطلع عصر الأسرة الثانية كان يتميز بالهدوء، ولم يكن هناك ما يدل على حدوث تغيير من نوع ما عما كانت عليه الأمور في عصر الأسرة الأولى، وبخاصة من النواحي الإدارية والفنية، وأنشطة استغلال المحاجر، وبخاصة في منطقة "سيناء"، وإن كان هناك ما يدل على حدوث زلزال في منطقة شرق الدلتا على أيام الملك حِتب سِخموي، كان له أثره على معابدها، وبخاصة في "تل بسطة" بالزقازيق، ويبدو أنه قد تم ترميم المعابد والمنشآت التي أصابها تلف من الزلزال. ولكن الأمور ما لبثت أن تغيرت، قرابة منتصف الأسرة، حيث حدث صراع ديني بين أنصار المعبودين "حور" و"ست"، وكان المعبود "حور" هو الأعلى شأناً في عصر الأسرة الأولى، وساعد على ذلك انتساب ملوكها إليه، وقلص من نفوذ المعبود الجنوبي "ست" وكهنته وأنصاره. وكانت الثورة على عبادة "حور" قد بدأت عندما تخلى الملك سخم إيب (2700 ق.م) عن ولائه للمعبود "حور"، وعبد "ست" بدلاً منه، كما غير الملك اسمه من "سخم إيب" إلى بر إيب سن، وكتب الاسم الجديد في إطار (سِرخ)، يعلوه الرمز الحيواني للمعبود "ست"، بدلاً من الصقر "حور"، الذي كان يعلو اسمه الأصلي "سخم إيب". كما ترك الملك العاصمة "منف"، وانتقل إلى الصعيد، وصمم مقبرته في "أبيدوس" بدلاً من جبانة "سقارة"، كما اعتاد أسلافه من ملوك الأسرة الأولى، وربما من ملوك الأسرة الثانية أيضاً، وإن كان ليس لدينا ما يدل على رد فعل أهل الشمال من موقف الملك، وبخاصة وأن هذا العمل كان خروجاً قوياً على ما سارت عليه مصر من تقاليد منذ بداية عصر الأسرة الأولى على الأقل، حيث أن تمثيل الملك بالمعبود "حور" أصبح متأصلاً منذ أجيال، حيث أن حجر الزاوية في الحضارة المصرية القديمة كان قائماً على "ألوهية الملك"، والذي يصبح منذ اعتلائه العرش هو "حور"، وكان يقدس من شعبه على هذا الأساس، وباعتبار أنه معبود يحكم الناس على الأرض، ويقوم بحفظ النظام، وتحقيق العدالة، وضمان النعم الإلهية للبلاد.

          أما في عهد كل من خع سخم وخع سخموي (حوالي عام 2686 ق.م)، فقد عمل كل من الملكين على القضاء على أسباب الفتنة، وتأديب المتآمرين، وعاد المعبود "حور" إلى مكانته السابقة. وكان الملك "خع سخموي" قد اتخذ لنفسه شعاراً ضم كلاً من المعبودين "حور" و"ست" معاً، وجهاً لوجه، داخل خان ملكية تمثل واجهة القصر الملكي، إرضاءً للطرفين المتنازعين، الجنوبيين والشماليين، كما عمل على تحقيق السلام والهدوء في كل البلاد، وتوطيد وحدتها. وشيَّد في مدينة أجداده "نخن" معبداً، بوابته من الجرانيت، تخليداً لذكرى هذا الانتصار، كما شيد لنفسه مقبرة في الجبانة الملكية في "أبيدوس". ويعتبر الملك "خع سخموي" بمثابة حلقة اتصال مباشر بين الأسرتين "الثانية" و"الثالثة"، وذلك عندما قام بالزواج من الأمير الشمالية "ني ماعت حاب"، أم الملك "زوسر"، مؤسس الأسرة الثالثة.

          وهكذا، وبنهاية عهد الملك "خع سخموي"، انتهي عصر الأسرة الثانية، الذي استمر قرابة قرنين ونصف من الزمان، لينهي معه مرحلة رئيسية من مراحل التاريخ المصري القديم، وهي "العصر العتيق".

 

الدولة القديمة (2686-2181 ق.م)

          ويُطلق على هذا العصر الذي يشمل الأسرات الملكية المصرية من "الثالثة" وحتى "السادسة"، مسميات أخرى، منها "عصر بناة الأهرام"، حيث شيدت خلاله أكبر الأهرام المصرية، وأشهرها "أهرام الجيزة الثلاثة"، ويُطلق البعض على هذا العصر مسمى "العصر المنفي"، نسبة إلى مدينة "منف"، التي كانت عاصمة للمملكة المصرية خلاله.

الأسرة الثالثة (2686-2613 ق.م)

زوسر (2667-2648 ق.م):

          يبدأ عصر الدولة القديمة بالأسرة الثالثة، وبأول ملوكها زوسر "جسر"، والذي كان يُعرف في وثائق عهده باسم "إري خت نثر"، وإن كانت الأبحاث والدراسات الحديثة قد أثبتت أنه لم يكن أول ملك في الأسرة الثالثة، وإنما سبقه على العرش الملك سا نخت "نب كا" (2686-2667 ق.م)، والذي لا نعرف عنه الكثير، ويُحتمل أنه ربما كان شقيقاً أكبر للملك "زوسر". وكانت "بردية تورين" قد سجلت اسمه بين أسماء الملوك بالمداد الأحمر، تأكيداً لتمييزه، ولأهمية عهده، كما سجل "مانيتون" في تاريخه أن "زوسر" هو بداية لملوك "منف" جميعهم، ولعل السبب الذي دفعه إلى كتابة ذلك هو أن "زوسر" كان يمثل بداية عهد جديد، وهو عهد "بناة الأهرام"، الذين استطاعوا بجهودهم تدعيم وحدة البلاد على أسس ثابتة، بعد القضاء على ثورات الدلتا التي حدثت قبل ذلك في عصر الأسرة الثانية.

          وقد بدأ "زوسر" عهده بتشييد مقبرة رمزية لنفسه قرب "أبيدوس"، وبإقامة عدد من المعابد في أنحاء متفرقة، مازالت أساسات بعضها موجودة حتى الآن في منطقة "عين شمس" بالقاهرة، وفي شرقي "كفر صقر" بالزقازيق. على أن أعظم منجزاته هي مقبرته التي اتخذت شكل "الهرم المدرج" بمنطقة "سقارة"، حيث يطل الهرم من موقعه المتميز على مدينة "منف".

          وارتبط اسم "زوسر" باسم مهندسه الشهير، الطبيب والحكيم إيمحتب، الذي ذاع صيته طوال عصور الحضارة المصرية، والذي ربط الإغريق بينه وبين إله الطب عندهم "إسكلبيوس". وكان "إيمحتب" قد قام بتصميم المجموعة الهرمية للملك "زوسر"، والتي استخدم فيها بشكل كبير خصائص "العمارة النباتية" منفذة على كتل الأحجار، محدثاً بعمله المتميز ثورة وتغييراً جذرياً في فن العمارة.

          ويمثل الهرم المدرج أقدم أثر كبير الحجم قائم بذاته حتى الآن، ومشيد من كتل الأحجار، وأول مقبرة ملكية بُني جزؤها العلوي فوق سطح الأرض من كتل الأحجار، ويتكون الهرم المدرج من ست طبقات غير متساوية، يبلغ ارتفاعها حوالي 60 متراً، وكان في أصله مصطبة مربعة. كما كان يحيط بالمجموعة الهرمية سور ضخم من كتل الأحجار، تهدم معظمه حالياً، كان طوله 545 متراً، وعرضه 277 متراً، وارتفاعه 10,5متراً، وله 14 بوابة محصنة، منها 13 بوابة رمزية وبوابة واحدة هي الحقيقية، وهي نفسها التي استخدمت قديماً، ومازالت تستخدم حتى اليوم في الدخول والخروج.

          وقد عُثر على نقش صخري بجزيرة "سهيل" بأسوان، يقص علينا نصه أنه قد حدث في عهد "زوسر" انخفاض كبير في مستوى مياه النيل استمر لمدة سبع سنوات، مما أدى إلى حدوث مجاعة، وأن الملك قد رأي في منامه المعبود "خنوم" يذكره بقوته وبسلطانه على منابع النيل، وهكذا فقد قام "زوسر" عقب رؤيته للحلم بوقف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية على معابد "خنوم"، وأمر بالاهتمام بعبادته والمواظبة على تقديم القرابين له.

          وجاء بعد "زوسر" أربعة ملوك في الأسرة، وإن كانت المعلومات التي وصلتنا عنهم حتى الآن قليلة جداً، وهم: سخم خت (2648-2640 ق.م): وهو صاحب الهرم غير الكامل في سقارة. خع با (2640-2637 ق.م): وهو صاحب الهرم غير الكامل في منطقة "زاوية العريان"، التي تقع جنوبي أهرام الجيزة. نب كا أو نفر كا (2637 ق.م !!): وقد ورد ذكره في كل من قائمة أبيدوس وقائمة سقارة و"بردية وستكار"، كما ذكر على باب وهمي في متحف برلين، وله هرم غير مكتمل في زاوية العريان. حوني (2637-2613 ق.م):يُعتقد أنه صاحب الهرم المدرج الموجود في منطقة "ميدوم"، 50كم جنوبي سقارة، ولكن يبدو أنه قد توفي قبل أن ينتهي العمل فيه تماماً، فأتمه له فيما بعد الملك "سنفرو"، أول ملوك الأسرة الرابعة، والذي ارتبط اسم "سنفرو" إلى حد كبير بهذا الهرم.

الأسرة الرابعة (2613-2494 ق.م)

تعتبر الأسرة الرابعة من أشهر الأسرات في تاريخ مصر القديم، فهي أسرة "بناة الأهرام الكبرى"، بيد أنه ليس لدينا إلا الشيء القليل عن تاريخ هذه الأسرة، والملك الذي لدينا معلومات متوفرة عن عهده هو "سنفرو"، مؤسس الأسرة، أما بقية ملوكها فالمعلومات التي وصلتنا عنهم تكاد تكون قاصرة على أعمالهم وأنشطتهم المعمارية فقط.

سنفرو (2613-2589 ق.م):

كانت السلطة قد انتقلت من الأسرة الثالثة إلى الأسرة الرابعة بطريقة طبيعية، حيث يُعتقد أن الملك "سنفرو" أول ملوك الأسرة الرابعة، كان على صلة وثيقة بسلفه "حوني"، وأنه ربما كان زوجاً لابنته، وهناك من يتجه إلى أنه ربما كان ابناً لسلفه، وإن كنا لا نميل إلى الاتجاه الثاني، وإلا لما كان هناك ما يدعو إلى قيام أسرة جديدة، اللهم إلا إذا كان ذلك يعني أن فترة حكم "سنفرو" إنما تمثل بداية عهد جديد من تاريخ مصر، حيث تميز عهده بتركيز الحكم في الشمال، فضلاً عن عدم وجود أهرام في الجنوب. وعلى أية حال فإن "سنفرو" يدين بعرشه بشكل رئيسي للرابطة التي تربطه بسلفه الملك "حوني" وأسرته. وقد اشتهر "سنفرو" بالحاكم المثالي في الخير وحسن التصرف، وشدة الحرص على أن يسود العدل رعيته، حتى أنه اتخذ العدالة شعاراً له، فلقب نفسه "نب ماعت" بمعنى "سيد العدالة"، ومن ثمَّ فقد ظلت ذكراه لعدة قرون بعد وفاته بين المصريين، وكانوا يشيرون إليه بقولهم "الملك المحسن"، و"ملك طيب وخيِّر"، فقد جاء في نص التعاليم الموجهة إلى "كا جمني" أن الملك "سنفرو" كان يُلقب بلقب "الملك الخيّر في كل البلاد"، وتظهره النصوص المصرية القديمة وهو يتصرف في بساطة وتواضع مع الآخرين من حوله، ويناديهم بلفظ "أخي" و"صديقي". كما عُرف عنه ميله للمعرفة، وتكريمه للعلماء، والذين كان ينصت إليهم إذا ما تحدثوا، وأنه كان يكتب بنفسه، ويسأل عما لا يعرف.

وقد حكم "سنفرو" 24 عاماً تقريباً، كما جاء في بردية تورين"، كان أبناؤه فيها يتولون مناصب رفيعة بالدولة، في العاصمة وفي الأقاليم، فلما جاء اليوم الذي ترك فيه مقاليد الحكم إلى ولده وخليفته خوفو ترك عرشاً ثابت الأركان وبلداً غنياً منظم الإدارة، عوضاً عن موظفين أكفاء فنياً وإدارياً.

          وشيد "سنفرو" لنفسه هرمين في صحراء "دهشور" بجنوبي سقارة، دُفن بداخل أحدهما، وهو "الهرم الجنوبي" المعروف باسم الهرم المنحني، والذي يبلغ طول ضلعه حوالي 188 متراً، وارتفاعه الكلي حوالي 101 متراً، ويتميز شكله العام بانكسار زاوية الجدران، نتيجة لتغيير تصميمه في منتصف مرحلة البناء، حيث اكتشف المهندسون أن زاوية الارتفاع التي أعدوها يمكن أن تؤدي إلى تصدع بعض حجراته الداخلية، أو ربما للرغبة في الانتهاء منه في وقت أقصر من المحدد لذلك، كما يتميز الهرم بتفرده في أن له مدخلان في الواجهتين الشمالية والغربية.

          أما الهرم الشمالي، ويُعرف باسم "الهرم الأحمر"، فلا يبعد كثيراً عن "الهرم المنحني"، حيث يقع إلى الشمال منه، ويمكن رؤية الواحد منهما بوضوح من موقع الآخر، وقد سمي "بالأحمر" لأن حجارته تميل في لونها إلى الحمرة، ويبلغ طول ضلعه 220 متراً، وارتفاعه 99 متراً، وفيه استفاد المهندسون من خبراتهم في "الهرم المنحني"، ويتميز الهرم باحتفاظه بكسائه الخارجي، ويُعد أول هرم حقيقي في مصر، والمثل الذي احتذى به بقية ملوك الأسرة الرابعة فيما بعد.

          وتزوج "سنفرو" من أميرة تدعى حِتب حِرس وهي التي أنجب منها خليفته على العرش الملك "خوفو"، وكانت الملكة قد دُفنت في الأصل في مقبرة بجبانة "دهشور" تجاور هرم زوجها، وتمكن اللصوص بعد فترة من دفنها من الوصول إلى داخل المقبرة، وسرقوا جثة الملكة وكثيراً من الحلي والأشياء الثمينة التي بداخل المقبرة، وفيما بعد عندما اكتشف الأمر، نقلت بقية محتويات المقبرة في سرية تامة إلى مكان آخر، حيث تم حفر بئر عميق كدست فيه جميع المحتويات الناجية من السرقة، وذلك إلى جوار "الطريق الصاعد" لمعبدي هرم ابنها الملك "خوفو".

خوفو (2589-2566 ق.م):

          اعتلى العرش بعد وفاة "سنفرو"، وأفاد كثيراً من خبرات أبيه، وتوفر له من السلطات أكثر مما توفر لأبيه من قبل، كما توفر لمصر في عهده من الإمكانات المادية والكفايات الفنية أكثر مما توفر لها من قبل، على أننا ما زلنا نفتقد للأدلة والشواهد الأثرية التي تتحدث عن عهد "خوفو"، اللهم إلا من بعض الإشارات التي تدل على قيامه بأعمال جليلة. وما من شك في أن شهرة وتخليد اسم "خوفو" حتى يومنا هذا، إنما يرجع إلى تشييده للهرم الأكبر فوق هضبة الجيزة، والذي يبلغ طول ضلعه 230 متراً، وكان ارتفاعه الأصلي 146 متراً، وأصبح الآن حوالي 138 متراً فقط، بعد أن سقط كساؤه الخارجي وتهدم جزء من أعلاه منذ عدة قرون.

ويتضمن الهرم ثلاث حجرات كبيرة للدفن، حجرة سفلية نحتت في باطن الصخر، وثانية في باطن الهرم نفسه، وتعرف خطأ باسم "حجرة الملكة"، وغرفة ثالثة بُنيت بكتل الجرانيت في منتصف الهرم، وكان الملك قد دُفن فيها.

          أما مباني المجموعة الهرمية فقد اندثرت إلا قليل منها، "فمعبد الوادي" لم يُكشف عنه بعد، وغالباً فهو ما زال تحت المنطقة السكنية في "نزلة السمان"، أما "المعبد الجنائزي" فكان يقع في الناحية الشرقية، وكان كبيراً في مساحته، وما زالت بقايا أرضيته الفخمة موجودة، وهي من حجر الديوريت الأسود المقطوع من محاجر في شمال بحيرة قارون بالفيوم، وفي الناحية الشرقية من المعبد شيد طريق ضخم يصل إلى معبد الوادي، وكان "هيرودوت" قد رأى هذا المعبد عندما زار مصر، ووصف بنائه بأنه لا يقل عن تشييد الهرم نفسه، كما رآه "لبسيوس" عندما زار مصر في عام 1843م. أما السور الخارجي الذي يحيط بالمجموعة الهرمية للملك "خوفو" فلم يتبقى منه اليوم سوى أجزاء بسيطة مهدمة. وفي عام 1954م عُثر جنوبي الهرم على مركب خوفو، والذي يُعرف خطأ باسم "مركب الشمس"، حيث ربط مكتشفوه بينه وبين مركبي الشمس المخصصين لرحلتي النهار والليل، اللتين يقوم بهما المعبود "رع"، إله الشمس. وكان "مركب خوفو" قد عُثر عليه مفككاً في حفرته، وبعد سنوات من العمل والترميم، أعيد تركيبه كما كان في الأصل، ليصبح طوله 46 متراً، وقد أقيم متحف كبير للمركب في مكان العثور عليه بجنوبي الهرم، وما تزال هناك مراكب أخرى في باطن الأرض، في الجهة الجنوبية أيضاً من الهرم.

          وتجدر الإشارة إلى أننا نقرأ هنا وهناك عن قسوة الملوك، وعن العبيد الذين سُخروا تحت نير السياط لتشييد الأهرام، ولكن من يدرس القليل عن الحضارة المصرية القديمة سوف يوقن تماماً أنهم أكثر إنسانية، وأكثر احتراماً للحياة الإنسانية من أي بلد آخر في الشرق القديم، وفي كل البلاد التي وُجدت فيها قسوة، ينعكس ذلك في رسومها ونقوشها، ولكن في مصر القديمة لا نجد أي أثر لمثل تلك القسوة، وإنما كل شيء مصور بطريقة ملائمة ومناسبة، بل ومحببة، وإن بناء الأهرام يمثل قمة ما وصل إليه الإنسان المصري القديم من فكر صائب، ولا يمكن أن يكون هذا الإنجاز المعماري الفريد والدقة المتناهية في البناء، قد تم بالسخرة، ولكنه عمل جماعي منظم بدقة وتناغم شديدين، ولا مكان فيه للعبودية والاضطهاد، وبخاصة وأن هذا العمل قد تم من منطلق ديني أيضاً، حيث أن الهرم نفسه هو مقبرة للملك، الذي يمثل أمام شعبه إلهاً في صورة بشرية، وأن العمل على تنفيذ مقبرته يعتبر بمثابة خدمة دينية خاصة، للحصول على رضا الملك الإله ومباركته، في الدنيا، وفي العالم الآخر.

جدف رع (2566-2558 ق.م):

          عندما توفي الملك "خوفو" حدث نزاع أسري حول الملك القادم، حيث كان من المفترض أن يعتلي العرش من بعده ابنه الأمير "كا وعب"، والذي يبدو أنه قد توفي في حياة أبيه، وهكذا فقد حدث صراع بين زوجات الملك الراحل "خوفو"، حيث يبدو أن كل واحدة منهن كانت ترغب في تولي ابنها العرش، وانتهي الأمر بارتقاء الأمير جدف رع، وهو أحد أبناء الملك "خوفو"، وهناك من يرى أنه قد تسبب في وفاة أخيه "كاو وعب". وقدر للملك "جدف رع" أن يجلس على العرش لمدة ثماني سنوات، وله هرم معروف قرب منطقة "أبو رواش" (شمالي الجيزة). وهناك ما يشير إلى أن الملك "جدف رع" قد توفي قبل ينتهي العمل تماماً في بناء هرمه، وأن العمل قد استكمل فيه بعد وفاته.

خفرع (2558-2532 ق.م):

          اعتلى العرش بعد شقيقه "جدف رع"، وحكم حوالي 26 عاماً، وبعد أن تمكن من إزالة أسباب الخلاف بين أفراد الأسرة، قام بتشييد مجموعته الهرمية الرائعة إلى جوار هرم أبيه، حيث اختار هضبة مرتفعة تجاوره وشيد عليها هرمه، ولذا فيبدو للعيان وكأنه أكثر ارتفاعاً من الهرم الأكبر، في حين أن ارتفاعه أقل منه بحوالي مترين ونصف المتر، حيث يبلغ 143.5 متراً، وطول ضلع قاعدته المربعة 215.5 متراً، وله مدخلان في الناحية الشمالية، وكان الهرم، كغيره من الأهرام الأخرى، مغطى بكساء من الحجر الجيري، ما زال جزء منه باق حتى الآن على الجزء الأعلى من الهرم. وتشمل المجموعة الهرمية للملك "خفرع" معبدين ملحقين بها، وكان يربط بينهما طريق صاعد، ويمتاز معبد الوادي باستقامة خطوطه وجودة صقل أسطحه الخارجية، ويعتبر المعبد من أحسن وأكمل النماذج المماثلة له في عصر الدولة القديمة، وكان يضم بين أرجائه عدداً من تماثيل الملك، بعضها من حجر الديوريت. وعُثر حول هرم "خفرع" على خمسة أماكن لمراكب، على غرار تلك التي عُثر عليها حول هرم أبيه "خوفو.

          ومن أشهر أعمال "خفرع" المعمارية، تمثال أبو الهول الذي يعتبر علامة بارزة في المنطقة الأثرية، وأحد أشهر آثار العالم، ويقع التمثال إلى جانب "معبد الوادي" لمجموعة "خفرع" الهرمية، وهو منحوت في الصخر الطبيعي للهضبة، والتي كانت تستخدم كمحجر في عهد "خوفو"، ثم توقف العمل في قطع صخورها. وتتجه الآراء الحديثة إلى أن مهندسي "خفرع" رأوا أن وجود الصخرة سيؤدي إلى تشويه المكان، وأنهم بدلاً من القيام بإزالتها، وهو أمر ليس سهلاً، فقد فضلوا القيام بنحتها، وهكذا خرج لنا التمثال الشهير.

منكاورع (2532-2503 ق.م):

          اعتلى العرش خلفاً لأبيه "خفرع"، ويبدو أنه كان ملكاً متسامحاً وعادلاً في حكمه، وربما كانت إمكانات الدولة في عهده أقل من ذي قبل، حيث جاء هرمه على نفس الهضبة، أقل حجماً من هرمي أبيه وجده المجاورين، حيث يبلغ ارتفاعه 66 متراً، وطول ضلع قاعدته المربعة 108 متراً، ويتميز الهرم بكسوة جزء كبير من قاعدته بالجرانيت، تصل إلى ما يقرب من نصفه الأسفل، وربما كان سيغطى كلية بالجرانيت، وحالت الظروف دون ذلك. وتوفي "منكاورع" قبل أن ينتهي العمل في معبدي الهرم، وقام ابنه وخليفته شبسسكاف بإكمالهما، ويبدو أن ضعف الإمكانات المادية وقتذاك كان سبباً في استخدام الابن للطوب اللبن في إتمام مباني معبد الوادي.

          ويتسم عهد "منكاورع" بانكسار حدة الحكم المركزي التي اتسم بها عهدا كل من "خوفو" و"خفرع"، فبدأ المصريون في عهده يتنفسون الصعداء، وتهيأت الفرصة لكبار رجال الدولة والمجتمع في عهده، ليزينوا مقابرهم الخاصة بما شاءوا من نقوش وزخارف، ويمارسوا شعائرهم بحرية لم يعهدوها من قبل في العهدين السابقين. وتميزت فنون "الرسم" و"النقش" و"النحت" في عهد "منكاورع" بالتقدم في أسلوبها، حيث واصلت هذه الفنون ازدهارها بخطى ثابتة، وتجلى ذلك بوضوح من خلال تماثيل الملك المعروضة بالمتحف المصري بالقاهرة، والتي مثلته واقفاً بين المعبودة "حتحور" وبين رموز الأقاليم المصرية، عوضاً عن النقوش المتعددة التي نراها في مقابر الأفراد التي تنتمي لهذا العهد.

شبسسكاف (2503-2498 ق.م):

          اعتلى البلاد بعد وفاة "منكاورع" ابنه "شبسسكاف"، والذي قدر له أن يحكم البلاد لمدة أربع إلى خمس سنوات، وفي عهده القصير ازداد نفوذ "كهنة الشمس"، والذين حاول الملك أن يحد من سطوتهم ونفوذهم، ومن ذلك أنه غيّر تصميم مقبرته لتأخذ شكل "المصطبة" أو "التابوت المستطيل" بدلاً من شكل الهرم الذي يرتبط بعبادة الشمس، وتوجد هذه المقبرة في الناحية الجنوبية من "سقارة"، وتعرف حالياً باسم "مصطبة فرعون".

خنت كاوس (2494 ق.م !!):

          يبدو أن الصراعات بين الأسرة المالكة قد تجددت بعد وفاة "شبسسكاف"، وقد اختلفت الآراء حول من خلفه على العرش من الملوك، ويبدو أنه قد اعتلى العرش من بعده ملك واحد أو أكثر، على أن الثابت تاريخياً أن آخر ملوك الأسرة الرابعة كانت هي الملكة "خنت كاوس"، والتي ثار بشأنها جدل ما بين العلماء، ولكن الراجح أنها كانت ابنة الملك "منكاورع"، وأختاً للملك "شبسسكاف". وكانت "خنت كاوس"، كما تدل الشواهد، هي الوريثة الشرعية للعرش، وقد حملت لقب "ملك مصر العليا والسفلى". وهناك ما يشير إلى أنها قد تزوجت بعد وفاة أخيها "شبسسكاف" من شخص يدعى وسر كاف، وهو من غير أفراد الأسرة المالكة، فأيدت بذلك حقه الشرعي في اعتلاء عرش البلاد، وهو ما سيحدث بعد ذلك بالفعل، حيث سيصبح "وسر كاف" مؤسساً للأسرة التالية، كما ستصبح "خنت كاوس" أماً لولديه ساحورع ونفر إير كارع، الذين سيخلفانه في عصر الأسرة الخامسة على العرش بعد وفاته، واحداً تلو الآخر. وشيدت "خنت كاوس" لنفسها مقبرة في الجيزة، اتخذت هيئة مستطيلة، تمثل مصطبة أو تابوت كبير، وهي مكسوة بحجر جيد، كما شيدت الملكة لنفسها معبداً جنائزياً صغيراً يجاور مقبرتها.

 

الأسرة الخامسة (2494-2345 ق.م)

          بعدما تفشى الصراع العائلي في البيت المالك في أواخر عصر الأسرة الرابعة، مما أدى إلى ضعفها، ثم كانت ثورة "شبسسكاف" على عبادة الشمس بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فوجد كبار كهنة الشمس الفرصة مهيأة أمامهم لكي يسيطروا بجلاء على زمام الأمور في الدولة، وقد تسنى لهم ذلك.

          وكان ملوك الأسرة الخامسة قد أدركوا أن زواج "وسر كاف" من الوريثة الشرعية للعرش "خنت كاوس" غير كاف لتدعيم ملكهم، ولذا فقد اعتمدوا أيضاً على زعمهم بأن حقهم في وراثة العرش يرجع إلى إرادة إلهية وأصل مقدس، وذلك بأن خرجوا على الناس بأسطورة تجعل من ملوك الأسرة أبناءً للمعبود رع من صلبه، وقد نسبت أحداث الأسطورة لعهد الملك "خوفو"، متضمنة أسماء ملوك يقدرهم المصريون ويحترمونهم، من أمثال "زوسر"، و"سنفرو"، و"خوفو"، وهذه الأسطورة هي المعروفة بقصة خوفو والسحرة، والتي وردت أحداثها ضمن قصص "بردية وستكار".

          وتتلخص القصة المذكورة في أن الملك خوفو قد اجتمع بأبنائه وطلب أن يقص عليه كل واحد منهم بعضاً من القصص والمعجزات التي قام بها كبار السحرة، وتنبؤاتهم المتوقعة عن أحداث المستقبل، وأن الملك قد طلب ساحراً يُدعى "جدي" ليَمثل أمامه، ويعرض عليه بعضاً من أسحاره، وبعدما جاء الساحر وقام ببعض من أعماله، أخبر الملك بأن زوجة كاهن ستحمل من المعبود "رع"، وأنها سوف تنجب ثلاثة من الأبناء سيحكمون مصر، وأن أكبرهم سوف يصبح كبيراً للعرافين في مدينة أون، وأن هؤلاء الأبناء سيعتلون العرش فيما بعد، خلفاً لحفيد الملك خوفو.

          وعلى أية حال، فيتميز عصر الأسرة الخامسة بالتقدم الملموس في كافة أنواع الفنون، كما يتميز بأنه عصر تدين وتقوى، و قد أزيلت خلاله الحواجز إلى حد ما، بين الملوك وكبار رجال الدولة. كما يتميز العصر بانتساب ملوكه للمعبود "رع"، الذي كان المصريون ينظرون إليه باعتباره سيد المعبودات، والذي يُلاحظ أن اسمه قد دخل في تركيب أسماء معظم ملوك هذه الأسرة، والذين زعموا أنهم من صلبه.

          وقد اهتم ملوك الأسرة الخامسة منذ مطلع عهدهم بعبادة "الشمس"، وبإقامة المعابد الكبيرة المكشوفة، من أجل عبادة الإله "رع"، على غرار تلك المعابد التي كانت تقام له بجانب مقره في "أون" (عين شمس)، وهي تختلف كثيراً في تصميمها عن سائر المعابد المصرية المعروفة.

وكان قد كشف في منطقة أبو غراب، شمالي "سقارة"، عن معبد كبير للشمس، يُنسب تشييده للملك "ني وسر رع"، ويُفترض أنه صورة من معبد آتوم رع في "أون"، حيث يشبه في منظره الخارجي العام المجموعة الهرمية التقليدية، مع إضافة مسلة مقامة فوق قاعدة مربعة في معبد الشمس.

وسر كاف (2494-2487 ق.م):

          اعتلى وسر كاف عرش مصر كمؤسس للأسرة الخامسة، وكان يبلغ حينذاك حوالي الخمسين عاماً، وقد قدر له أن يحكم البلاد لمدة سبع أو ثماني سنوات تقريباً.

وإن كنا لا نعرف أي شيء عن أحداث عهده، إلا أن هناك ما يشير إلى احتمال قيامه بعلاقات تجارية من نوع ما مع الساحل الشمالي للبحر المتوسط، حيث عُثر على اسمه منقوشاً على آنية من المرمر، وجدت بجزيرة بالقرب من السواحل الجنوبية لدولة "اليونان"، كما عُثر على اسم "وسر كاف" منقوشاً على عمود جرانيتي موجود في "طيبة". وكان الملك "وسر كاف" قد شيد هرمه من كتل صغيرة من الحجر الجيري، وهو المعروف حالياً باسم "الهرم المخربش" في سقارة الجنوبية، وإلى الشمال الشرقي من هرم "زوسر". ونظراً لاهتمامه بعبادة الشمس، فقد كان "وسر كاف" أول من شيد معبداً لها في "أبو صير"، أصبح الآن في حالة كبيرة من التهدم، وكان قد عُثر في هذا المعبد على رأس تمثال للملك من حجر "الشست".

وتنسب حوليات "حجر بالرمو" للملك القيام بتشييد عدد من المعابد الأخرى في أماكن متفرقة من أرض مصر، لتقديس المعبودات المصرية.

ساحورع (2487-2475 ق.م):

          ذكرت "بردية تورين" أن ساحورع خلف "وسر كاف" على العرش، وأنه حكم البلاد زهاء 12 عاماً، وكان قد اتخذ من "أبو صير"، شمالي "سقارة"، مقراً شيد فيه جبانته الملكية، التي ضمت مجوعته الهرمية، وتبعه في ذلك من ملوك الأسرة "نفر إير كارع"، و"شبسسكارع"، و"نفر إف رع"، و"ني وسر رع". ويُلاحظ هنا أن أهرام ملوك الأسرة الخامسة بشكل عام قد جاءت أقل صلابة من أهرام الأسرة الرابعة، وإن كان معبد "ساحورع" الجنائزي قد خرج في صورة مميزة، وشمل عدداً من القاعات التي تزدان بأعمدة جرانيتية. وقدمت لنا نقوش جدران المعبد معلومات متميزة عن عهده، ومنها نجاحه في غارة ضد القبائل الليبية في الصحراء الغربية، غنم فيه أعداداً كبيرة من الماعز والغنم والماشية، وفي منظر آخر يظهر الملك وهو ممسك بأحد زعماء البدو من الآسيويين في الشمال الشرقي. ويُرجح أن المنظر هنا لا يُقصد به حملات عسكرية ضد آسيا، ولكن المقصودين ربما كانوا هم البدو المتسللين من آسيا إلى سيناء، حيث يظهر جماعة من زعماء الآسيويين في منظر آخر وهم يرفعون أيديهم بالتحية، بمناسبة نجاح الأسطول المصري في رحلة تجارية إلى "فينيقيا"، تم فيها إحضار عدد من السلع والمنتجات، ومن أهمها خشب الأرز.

          وتجدر الإشارة أيضاً إلى نقش عُثر عليه بالقرب من أبو سمبل، يشير إلى قيام الملك "ساحورع" بحملة عسكرية لتأديب القبائل الثائرة وقتذاك في "واوات" (النوبة السفلى). ويُسجل "حجر بالرمو" قيام الملك بإرسال بعثة مصرية إلى بلاد "بونت" (الصومال)، لإحضار بعض المنتجات والسلع، وأهمها البخور والأبنوس، وأنواع التوابل المختلفة.

نفر إير كارع (2475-2455 ق.م):

          اعتلى العرش بعد وفاة "ساحورع" شقيقه نفر إير كارع، والذي يبدو أنه لم يكن رجلاً عسكرياً مثل أخيه، وإنما عُرف بنزعته الدينية وحبه للكهنة وللمعابد، ويبدو من مقابر كبار الكهنة من عهده أنه كان يُغدق عليهم ببذخ من الأموال والهبات، إلى درجة جعلت مقابرهم تتميز بشكل عام بالثراء والفخامة.

          وكان "نفر إير كارع" قد شيد  لنفسه مقبرة على شكل هرم، تقع على مقربة من هرم أخيه الملك "ساحورع" في "أبو صير".

ني وسر رع (2445-2421 ق.م):

          خلف "نفر إير كارع" ملكان هما "شبسسكارع" و"نفر إف رع"، والذين لم تصلنا معلومات كافية عن عهديهما، وكذا فليس لدينا معلومات كافية عن أحداث عهد الملك التالي "ني وسر رع"، ولكن مما يُذكر له قيامه بتشييد الهرم الثالث في "أبو صير"، وهو يقع بين هرمي سلفيه "ساحورع" و"نفر إير كارع". وعُثر في معبده الجنائزي على تمثال لأسير مقيد، مما يشير إلى احتمال قيام الملك بنشاط عسكري ما، علاوة على تركه لنقش صخري في منطقة "وادي المغارة" بسيناء، يسجل زيارته لهذه المنطقة، ويظهر في النقش منظر لأحد زعماء البدو، وهو خاضع أمام الملك.

ومن أهم آثار الملك معبده الذي ذكرناه سلفاً، في منطقة أبو غراب، والذي شيده من أجل عبادة الشمس رع، ويُعد من أكمل المعابد التي عُثر عليها من هذا النوع، فالمعبد من طراز خاص يتفق وعبادة الشمس التي تؤدى في وضح النهار، ويهدف تصميمه إلى إبراز الطاقة الكاملة لإله الشمس.

وفي الجهة الجنوبية خارج المعبد، حُفرت في الصخر حفرة كبيرة، بُني فيها من اللبن مركب شمسي، طوله حوالي ثلاثين متراً.

خلفاء ني وسر رع (2421-2345 ق.م):

          اعتلى العرش بعد وفاة "ني وسر رع" الملك من كاو حور (2421-2414 ق.م)، والذي كان قد شيد لنفسه هرماً ومعبداً للشمس، لم يُعثر على مكانيهما بعد. وخلفه جد كاو رع "إسيسي"، (2414-2375 ق.م)، الذي عُثر على مجموعته الهرمية بجنوب "سقارة"، واشتهر هرمه باسم "الهرم الشوَّاف"، وعُثر على اسم الملك منقوشاً في بعض محاجر الديوريت بالصحراء الغربية والنوبة السفلى، وفي محاجر وادي المغارة بسيناء، وكان قد أرسل حملة تجارية إلى بلاد بونت لإحضار منتجاتها الشهيرة، واهتم بتأمين الحدود الجنوبية المصرية عند منطقة النوبة السفلى. ويُذكر للملك القيام بعمل قائمة لأسلافه من الملوك وتاريخهم ومدد حكمهم، وذلك على لوحة كبيرة من الحجر، والمعروفة حالياً باسم حجر بالرمو.

أوناس (2375-2345 ق.م):

          كان آخر ملوك الأسرة الخامسة وأكثرهم شهرة هو الملك "ونيس" أو أوناس، والذي ارتبط اسمه بالنصوص الدينية المعروفة باسم متون الأهرام، والتي نُقشت للمرة الأولى على جدران الحجرات الداخلية لهرمه الذي يقع جنوبي هرم "زوسر" في سقارة، وتمثل النصوص فصولاً طويلة، عبارة عن طقوس وتعاويذ دينية مختلفة، كان الهدف منها هو مساعدة الملك بعد وفاته وصعود روحه إلى السماء، ليتجنب الصعاب التي قد يواجهها في العالم الآخر. وقد عُثر على بقايا معبده الجنائزي شرقي هرمه، كما عُثر على بقايا معبد الوادي، وعلى جزء كبير من الطريق الصاعد الذي يربط بين المعبدين، وكان هذا الطريق في الأصل مغطى بكتل الأحجار، وكان سقفه ملون من الداخل على هيئة السماء الزرقاء، وكان به فتحات يمر منها الضوء الطبيعي. وكانت جدران الطريق الصاعد مزدانة بمجموعة  رائعة من النقوش التي تمثل الملك وهو يؤدي بعض الشعائر، وكذا وهو يقضي على أعدائه، فضلاً عن مناظر الصيد والزراعة والحصاد. وعُثر على آنية تحمل اسم الملك في أطلال مدينة ببلوس الأثرية، بما يشير إلى وجود علاقات سلمية من نوع ما، استمرت بين مصر وفينيقيا في عهده.

الأسرة السادسة (2345-2181 ق.م)

تتي (2345-2323 ق.م):

انتهي عصر الأسرة الخامسة بوفاة الملك أوناس، وتلاه تتي، الذي اعتمد في شرعيته للعرش على زواجه بابنة أوناس، ومن ثم فقد كان يرغب في أن يجمع شمل الأسرة الخامسة تحت ظله، ثم بشر لحكمه الجديد باسمه الحوري "سحتب تاوي"، أي "مرضي الوجهين"، ثم اتخذ لنفسه لقب "مري بتاح"، بمعنى المحبوب من المعبود بتاح "معبود منف"، تقرباً منه لكهنتها، وربما بسبب اعتماده عليهم في توليه العرش، وربما كان أصلاً من أهل الدلتا. وهناك ما يشير إلى أن الملك "تتي" كان وفياً لسلفه "أوناس"، وأنه أتم له بعض المنشآت التي بدأها ولم يتسنى له أن يتمها في حياته.

ويذهب "مانيتون" إلى أن "تتي" لم يمت ميتة طبيعية، وإنما قتله بعض من حرسه الخاص، وربما كان ذلك صحيحاً، لأن مؤسسي الحكم الجديد يكونون عرضة في الغالب للانتقام ممن نحّوهم عن السلطان. على أن هناك من يذهب إلى أن "تتي" ربما سقط صريع نزاع بين قوى الكهنة المتنافسين، والذي كان قد بدأ منذ أخريات عصر الأسرة السابقة. وتولى العرش بعد وفاته الملك وسر كارع (2323-2321 ق.م)، والذي لم يترك لنا شيئاً ذا أهمية، وأسقطت قوائم الملوك اسمه.

ببي الأول (2321-2287 ق.م):

تمتعت مصر في عهد ببي الأول زهاء أكثر من 26 عاماً بعصر زاهر، نعمت خلاله بنوع من الرخاء والاستقرار، وارتقت الفنون، ومن أدلة ذلك تمثال "ببي الأول" المصنوع من النحاس في المتحف المصري بالقاهرة، وتماثيله الأخرى ببعض من متاحف العالم، وبخاصة تلك المجموعة المصنوعة من المرمر، والمعروضة بمتحف "بروكلين" بالولايات المتحدة الأمريكية. كما كشف عن معابد تخصه في سيناء وتل بسطة وأبيدوس ودندرة وقفط وإلفنتين وجزيرة سهيل، وكذا "توماس" بالنوبة السفلى. وعُثر على اسمه منقوشاً على صخور "توماس"، كما صُور على نقش صخري في وادي المغارة بسيناء، وهو يضرب بعض أعدائه من البدو، كما يُعتقد في قيامه ببعض الحملات العسكرية إلى آسيا.

          وقد أرسل بعثات إلى محاجر "حتنوب" لقطع وتجهيز المرمر، كما أصدر المراسيم  لحماية الأوقاف المخصصة لهرمي "سنفرو" في دهشور.

مري إن رع (2287-2278 ق.م):

اعتلى مري إن رع العرش خلفاً لأبيه، وكان عمره وقتذاك سبع سنوات فقط، وتوفي صغيراً وهو في السابعة عشرة من عمره تقريباً. ويُذكر من أعماله المحدودة اهتمامه بأمور النوبة، والتي زارها بنفسه لتقبل الهدايا والولاء من رؤساء القبائل، والذين انتهزوا فرصة حضور الملك لإعلان خضوعهم، ولتقبيل الأرض بين يدي الملك المؤله. وعين شخصاً ناجحاً يُدعى وني في وظيفة "حاكم الجنوب"، قام بحفر خمس قنوات في صخور "الجندل الأول" عند أسوان، لتسهيل اتصال مصر بالجنوب، واهتم بالإشراف على أمور المحاجر، وبخاصة الجرانيت والمرمر. ومن الشخصيات البارزة وقتذاك حرخوف، الذي قاد ثلاث حملات إلى مناطق غير معروفة تحديداً فيما بعد "الجندل الثاني" جنوباً، أحضر منها البخور والعاج والأبنوس وجلد الفهد وريش النعام، وغيرها من السلع والمنتجات، ورأس "حرخوف" حملة أخرى رابعة في عهد الملك "ببي الثاني". وتوفي "مري إن رع" صغيراً، ودُفن في هرمه بجبانة سقارة، وعُثر بداخل الهرم على مومياء الملك في حالة جيدة من الحفظ.

ببي الثاني (2278-2184 ق.م):

بعد وفاة "مري إن رع" اعتلى العرش أخوه غير الشقيق ببي الثاني، والذي كان في السادسة من عمره وقتها، ولذا فقد كانت أمه وصية عليه، وكان لخاله الوزير "زاو" دور كبير في إدارة أمور البلاد. ويتميز عهد "ببي الثاني" بامتداده إلى حوالي أربعة وتسعين عاماً على العرش، حيث توفي الملك وعمره حوالي مائة عام تقريباً. وخلال هذا العهد كانت مصر في حاجة إلى ملك قوي، يستطيع أن يكبح جماح حكام الأقاليم ويضع حداً أمام ازدياد نفوذهم وسطوتهم، إلى الدرجة التي جعلتهم يسعون إلى مزيد من السلطة والمال، دون الاهتمام بأمور رعاياهم، علاوة على ضعف ولائهم تجاه الحكومة المركزية. وعلى ما يبدو فلم يتمكن "ببي الثاني" من الحد من نفوذهم، وبخاصة مع تقدمه في السن، إلى الدرجة التي سُلب فيها كثير من سلطاته كملك حاكم. كما امتنع حكام الأقاليم عن توريد الضرائب إلى خزانة الدولة، وأهملت القوانين، وعمت الفوضى أرجاء البلاد، ونُهبت المقابر، وانتشرت الأمراض بشكل مخيف. وانقطعت العلاقات التجارية التي كانت منتظمة مع بلدان العالم الخارجي، وعلى ذلك فلم تعد السفن المصرية تبحر إلى "فينيقيا" لجلب أخشاب الأرز من "ببلوس"، والتي كانت تستخدم في صناعة الأثاث الجنائزي وغيره، وأصبحت مصر مهددة بشكل كبير بخطر الغزو الخارجي.

نيت إقرت (2184-2181 ق.م):

عاشت البلاد حالة من الفوضى الشديدة عقب وفاة الملك "ببي الثاني"، كما انتهي عصر الأسرة السادسة بنوع من الغموض. وقد ذكر "مانيتون" في هذا الشأن اسمي ملك وملكة خلفا "ببي الثاني" على العرش، وهما الملك مري إن رع الثاني والملكة نيت إقرت "نيتوكريس". وارتبط اسمنيتوكريس بعدد من الأساطير غير المؤكدة، ومنها ما دار حول كيفية انتقام الملكة من قتلة أخيها، بأن دعتهم إلى الاحتفال بوضع حجر أساس لمعبد جديد في منطقة بالقرب من مجرى النيل، وهناك دعتهم إلى دخول "القبو"، ثم أغلقت عليهم أبوابه، وتركت المياه تتسرب إلى داخله حتى أغرقتهم جميعاً، وبعد ذلك خشيت الملكة من انتقام شعبها، فانتحرت بحبس نفسها في حجرة مملوءة بدخان فحم الأخشاب.

وعلى أية حال فقد كانت طبقة العمال والفلاحين والصناع هي الأكثر تضرراً من كل ما يحدث في البلاد في نهاية الأسرة السادسة، حتى فاض بهم الكيل في آخر الأمر، وقاموا بثورة اجتماعية كبيرة ضد الظلم الواقع عليهم.

السياسة الخارجية لمصر في عصر الدولة القديمة

1- في الشمال والشمال الشرقي:

أرسل زوسر مؤسس الأسرة الثالثة حملة لتأديب بعض بدو سيناء، الذين ربما تعرضوا للبعثات التي كان يرسلها الفراعين لإحضار النحاس من وادي المغارة، فضلاً عن تشييده للحصن المعروف باسم "بوابة إيمحتب".

وهناك نقوش في سيناء تصور خليفته سخم خت، مرتين بتاج الصعيد، ومرة واحد بتاج الدلتا، حيث ظهر بصورة فتية، وهو يهوي بمقمعة قتاله على رأس أحد أعدائه، وصُور أمامه أمير يحمل لقب "قائد الجيش"، وهو من أقدم الألقاب الحربية الكبيرة المعروفة حتى الآن من الدولة القديمة. وكانت السياسة الخارجية في عصر الأسرات الرابعة والخامسة والسادسة تنحصر في سلسلة من الحملات والغزوات والبعثات الاقتصادية.

وهكذا ففي الأسرة الرابعة وعلى أيام مؤسسها سنفرو، يزداد الاهتمام بسيناء ذات الأهمية الاقتصادية الكبرى لمصر، ففيها موارد البلاد الرئيسية من الفيروز والنحاس، فنرى "سنفرو" يقوم بحملة أو أكثر إليها، حيث ظهر في نقوش وادي المغارة وهو يقضي على أحد البدو، وبالرغم من أن "سنفرو" لم يكن أول الفراعين الذين استغلوا وادي المغارة، أو أرسلوا حملات لتأديب الخارجين على القانون من البدو، فإن الأجيال التالية قد اعتبرته إلهاً حامياً للمنطقة، إلى جانب المعبودين "حتحور" و"سوبد"، لأن أعماله في تأمين حدود مصر الشرقية وما قام به من تحصينات هناك أصبحت المثل الذي يُحتذى به. وجاء في حجر بالرمو أن "سنفرو" قد أرسل أسطولاً بحرياً مكوناً من أربعين سفينة لإحضار أخشاب الأرز من "جبيل" على الساحل الفينيقي. وفي عهد خوفو تزداد أهمية "جبيل"، التي أصبحت أكبر ميناء بحري للتبادل التجاري بين مصر وغربي آسيا. وشُيد معبد مصري في "جبيل"، يحمل اسم "خوفو"، وأضاف إليه خلفاؤه من ملوك الدولة القديمة بعض الإضافات. وهناك ما يشير إلى ازدهار التجارة بين مصر وفينيقيا في عهد الملك "خوفو"، كما أن هناك ما يدل على إرسال الملك لعدة حملات إلى وادي المغارة بسيناء، للحصول على الفيروز، وربما النحاس كذلك.

ولم يكن ملوك الأسرة الخامسة أقل نشاطاً من أسلافهم ملوك الأسرة الرابعة، فقد عُثر على اسم الملك وسر كاف منقوشاً على آنية من المرمر في جزيرة "سريجو"، على مقربة من الشواطئ الجنوبية لليونان، مما يشير إلى احتمال وجود علاقات تجارية وقتذاك مع الساحل الشمالي للبحر المتوسط. وعلى جدران معبد ساحورع الجنائزي في "أبو صير"، نجد منظراً رائعاً للسفن التجارية العائدة من سورية، وعلى ظهرها آسيويون يرفعون أسلحتهم في ولاء للملك. واختلف العلماء حول هذه الحملة، حيث رأى البعض أن مناظر الأسطول لا تدل بشكل مؤكد على أنها حملة حربية، وذهب فريق آخر إلى أنها كانت حملة ودية، بينما رأى فريق ثالث أن "جبيل" كانت وقتها مستعمرة مصرية، وإن كان يُرجح أن المنظر هنا لا يُقصد به حملات عسكرية ضد آسيا، ولكن المقصودين ربما كانوا هم البدو المتسللين من آسيا إلى سيناء. وعلى جدران مقبرة إنتي، وهو أحد كبار رجال الدولة أيام "ساحورع"، نجد منظراً يمثل الاستيلاء على قلعة آسيوية، لم يُحدد مكانها بدقة.

وتروي نصوص معبد ني وسر رع أنه قام بحروب في سورية، كما نجح أوناس بأسطوله في الحفاظ على "جبيل".

وفي الأسرة السادسة، يشهد عهد ببي الأول نشاطاً ملحوظاً من بعض العناصر المجاورة لمصر من ناحية الشمال. وأرسل الملك حملة إلى آسيا بقيادة أحد كبار رجاله العسكريين ويُدعى "وني"، تمكن فيها من إحراز نصر ساحق، وذبح عشرات الآلاف، وعاد لمصر منتصراً ومعه أسراه من جيوش الأعداء، ثم تبع ذلك بأربع حملات أخرى لتأديب العصاة من سكان الرمال. واستمرت البعثات المصرية إلى مناجم سيناء، كما أن هناك ما يدل على اتصال تجاري قام بين مصر وبلاد "بونت" (الصومال)، وكذا مع سواحل فينيقيا.

2- في الجنوب:

تسجل حوليات سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة قيامه بحملة ضد أرض النوبيين، أحضر منها سبعة آلاف أسير ومائتي ألف رأس من الماشية. وبالرغم من أننا لا نعرف تحديداً إلى أي مدى وصلت هذه الحملة في إخضاع النوبة، إلا أن ولده خوفو قد استعمل محاجر الديوريت التي تقع إلى الشمال الغربي من "توشكى"، وأن جدف رع خليفة "خوفو" قد ترك اسمه هناك، وأن خفرع قد حصل من تلك المنطقة على الديوريت الذي صنع منه تماثيله المشهورة.

وفي الأسرة الخامسة سجل كل من ساحورع وجد كا رع اسميهما عند "توماس"، في منتصف الطريق بين أسوان و"وادي حلفا"، وربما كان لذلك صلة بمحاجر الديوريت هناك. وأخذ اهتمام مصر بالنوبة السفلى يزداد، وبدأ المصريون ينظرون إليها كجزء متمم لحدودهم الجنوبية، ومن ثمَّ فقد بدأوا يعملون على تأمين المواصلات إليها، وعلى الحد من شغب قبائلها القلقة والفقيرة، ومنع اعتداءاتها المتكررة على مراكز الحدود وقوافل التجارة، فضلاً عن تأمين استغلال محاجرها وفتح أسواق التجارة مع مناطقها المسكونة، وكذا لاتخاذها وسيطاً تجارياً بين مصر ومناطق السودان الغنية بمواردها ومنتجاتها الطبيعية ونباتاتها وحيواناتها. وقام الملك مرن رع بنفسه بزيارة منطقة "إليفنتين" (أسوان)، وتقبل ولاء رؤساء القبائل النوبية الذين انتهزوا الفرصة لإعلان خضوعهم وقبلوا الأرض بين يدي الفرعون.

3- في الغرب:

          هناك في "حجر بالرمو" ما يشير إلى أن سنفرو إنما قد قام بحملة ضد "التحنو" الليبيين، وأنه قد حصل على غنائم كثيرة منها، فقد أسر من "التحنو" 1900 أسيراً، واستولى على 13100 رأساً من الماشية والأغنام. وما يعنينا هنا هو الإشارة إلى وجود اضطرابات على الحدود الغربية لمصر في ذلك العهد، مما أدى إلى قيام عمليات عسكرية مصرية كبيرة هناك.

          وفي الأسرة الخامسة يبدو أن الاضطرابات قد تجددت على الحدود الغربية، ويقدم لنا معبد ساحورع الجنائزي مناظر توضح نشاطه العسكري ضد العصاة من القبائل الليبية في الصحراء الغربية، مسجلة أعداد الأغنام والماعز والماشية التي تم الاستيلاء عليها، وهي من الكثرة بحيث تدل على أن واحاتهم ومناطقهم الساحلية كانت وفيرة العشب والمرعى، كما تصور المناظر إخضاع أمراء أجانب وعائلاتهم، حيث تقدم لنا زوجة الأمير الليبي الأسير وولديه وقد كتبت أسماؤهم فوق مناظرهم. وفي الأسرة السادسة يحدثنا القائد "وني" أنه ضم إلى جيشه الذي قاده إلى غربي آسيا ليقضي على الاضطرابات هناك جنود من أرض "التمحو"، كما أن رئيس القوافل "حرخوف" يحدثنا في مقبرته بأسوان بأنه تقدم إلى أرض "التمحو" أثناء رحلته إلى بلاد "يام".

 

عصر الانتقال الأول (2181-2055 ق.م)

          يطلق اسم عصر الانتقال الأول على الفترة الزمنية التي عاصرت الأسرات الملكية المصرية السابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة، وسُمي بهذا الاسم لأنه يمثل مرحلة انتقالية بين عصرين كبيرين في تاريخ مصر القديمة، وهما عصر الدولة القديمة وعصر الدولة الوسطى، ويُعرف العصر أيضاً باسم العصر المتوسط الأول، باعتبار أنه يتوسط العصرين المذكورين، وكذا يُعرف باسم عصر الثورة الاجتماعية الأولى، وهي الحدث الرئيسي الذي ميَّز العصر، وقد بدأ العصر بسقوط الدولة القديمة بانهيار الأسرة السادسة، واتسم بفترة من التفكك السياسي والانهيار الاقتصادي والاجتماعي، والذي امتدت أسبابه ونتائجه إلى كافة مناحي البلاد.

قيام الثورة الاجتماعية الأولى

يختلف المؤرخون إلى حد ما في تحديد الوقت الذي قامت فيه الثورة الاجتماعية الأولى، وإن كنا نرى أن عهد "ببي الثاني" الطويل قد مهد لقيامها، وأعطاها مبرراتها المباشرة، ولكنها قامت بالفعل في عهد آخر ملوك الأسرة، فربما قامت في عهد "مري إن رع الثاني"، وأنه قد دفع حياته ثمناً لها. وربما قامت الثورة في عهد الملكة "نيت إقرت" (نيتوكريس)، بعد أن انتقمت لأخيها ممن قتلوه، ثم انتحرت، وربما أدى الأمر إلى أن ينتهز الشعب فرصة خلو العرش ليكون ذلك سبباً مباشراً لقيام الثورة، بجانب أسبابها الأخرى. وقد قامت الثورة عندما وصلت أحوال البلاد إلى درجة كبيرة جداً من السوء، نتيجة لعدد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية، فضلاً عن العوامل الخارجية، وكان الوعي الشعبي قد وصل وقتذاك إلى درجة دفعت الثائرين إلى القيام بثورتهم ضد الملك وحكام الأقاليم والكهنة، وحتى ضد المعبودات نفسها.

الأسباب الاقتصادية:

1- إفراط الملوك في تشييد المباني والمنشآت إلى درجة أصبحت تهدد الاقتصاد القومي، ومنها تشييد هرم خاص لكل ملك جديد.

2- عبء تخصيص هبات دائمة للصرف منها على العناية بمقابر الملوك والملكات والنبلاء.

3- ضعف الموارد التي كانت تأتي من التجارة الخارجية، ثم انقطاعها تماماً.

4- ظهور المجاعة وانتشارها في مناطق متعددة بمصر.

الأسباب الاجتماعية: تسلط طبقة خاصة على كل الوظائف والمناصب الهامة في البلاد، وسوء استغلال أصحابها لمواقعهم، بما يحقق أغراضاً شخصية خاصة.

الأسباب السياسية: ضعف الملكية، وتخاذلها أمام سطوة ونفوذ حكام الأقاليم، والذي بدأ منذ منتصف عصر الأسرة الخامسة تقريباً، ثم اشتد في عصر الأسرة السادسة، وبخاصة في عهد "ببي الثاني"، حيث فرض حكام الأقاليم ضرائب باهظة، احتفظوا بها لأنفسهم، وامتنعوا عن توريدها لخزانة الدولة.

الأسباب النفسية: شعور طبقة العمال والفلاحين والصناع بالقهر، وعدم الثقة في الملوك الضعاف، وبخاصة وقد طغى الإقطاع على كل شيء في الدولة، حيث كان هناك نوع من الاغتصابات المحلية للسلطة، ولم يكن بمقدور الملك أن يعترض عليها، حتى أدى الأمر إلى أن تولد لدى الطبقة العامة للشعب شعور بالظلم، دفع أصحابها إلى ضرورة التحرك لمحاربته ورفعه عن كاهلهم، وهو ما يؤكد وعيهم الشعبي التام، حيث أن الشعوب الجاهلة لا تثور، وإنما الثورات يقوم بها قوم يستطيعون أن يقدروا ما يحيط بهم، ويدركوا من الأمور خيرها وشرها، وليس هناك من ريب في أن الشعب المصري وقتذاك كان قد بلغ هذه الدرجة من الوعي، فأحس بوجوب تغيّر الأوضاع التي درج عليها قدماً، لأنها لم تعد تتفق بأي حال من الأحوال مع مطالبه الجديدة في الحرية والحياة، ولا مع ما ينشده فيها من عزة وكرامة.

الأسباب الخارجية: تسلل بعض الأجانب من الآسيويين إلى البلاد، وسيطرتهم على جزء من الدلتا فترة من الزمن، وقد اختلف المؤرخون حول هؤلاء الآسيويين، فذهب فريق إلى أنهم غزاة، أتوا إلى مصر عن طريق الغزو المسلح، واحتلوا أجزاء من الدلتا، ورأي فريق آخر أن الأمر لا يعدو أن يكون تسللاً لقبائل آسيوية من تلك القبائل المرتحلة حول الحدود المصرية، فليس هناك من ريب في وجود اضطرابات وتغيرات للحالة في آسيا، ولكن لم يعبر جيش محارب صحراء سيناء، ويغزو مصر ويقضي على الدولة فيها، وإنما الصحيح أن الدولة قد انهارت من الإجهاد الداخلي، فتركت الحدود مفتوحة بدون حماية، فتدفق الآسيويون المهاجرون بصفة مستمرة، واستقروا في الدلتا، ولم تمضي غير قرون، حتى أصبح عددهم كافياً ليستقلوا بها، حتى قام ملوك "إهناسيا" (ملوك الأسرتين التاسعة والعاشرة) بإجراء حربي ضدهم.

أحداث الثورة: ليس لدينا من الوثائق التاريخية التي تتحدث عن الثورة الاجتماعية الأولى وأحداثها بشكل صريح ما يمكن الاعتماد عليه سوى برديتين: الأولى من عصر الثورة نفسه، وهي بردية الحكيم إيبو ور، المحفوظة حالياً بمتحف "ليدن" بهولندا. والبردية الثانية من عصر الأسرة الثانية عشرة، وهي بردية الكاهن نفرتي، المحفوظة بمتحف "ليننجراد" في روسيا. وقد بدأت الثورة على ما يبدو في "منف" ثم امتدت إلى سائر الأقاليم حتى "إلفنتين" جنوباً، ويبدو أنه قد صاحبها في بدايتها كثير من العنف ورغبة شديدة في الانتقام، فنزع الثوار عن الملكية ما بقي لها من قداسة واحترام، واستباحوا لأنفسهم نهب خزائنها، واقتحام دواوينها، وأضاعوا حرمة محاكمها، وألقوا قوانينها ومزقوها في الشوارع، وانتشرت الفتن الداخلية، وفُقد الأمن والأمان. وهكذا بدأت الثورة عنيفة عاتية، وقد افتقدت للقيادة الرشيدة، ومن ثم فقد استغلها الغوغاء وأهل السوء. وانتهت أحداث الثورة بانهيار الحكومة المركزية، التي كان القوم يعترفون فيها أن الملك الإله إنما هو الأعلى، وانهارت مكانة السر الغامض، سر الطبيعة الإلهية للملك، بسبب التنافس على الحكم، وربما كان "إيبو ور" من سلالة الطبقة الأرستقراطية، ولم يكن من الهيِّن عليه أن تزول النعمة عنها إلى غيرها من الطبقات الأقل منزلة، فيقول: "... ليت ذلك يكون نهاية الناس، فلا يحدث حمل ولا ولادة، ليت العالم يتخلص من الغوغاء، وتنقضي المشاحنات ...". ثم يوجه اللوم لنفسه، ويُحملها جزءاً من الوزر الذي ارتكبه حين سكت على الشر، وامتنع عن قول الحق، وتمنى أنه فعل ذلك، فنصح وانتصح، وأنقذ نفسه وأمته من الألم الذي عمَّ الجميع. ولم يقتصر "إيبو ور" على توجيه اللوم لنفسه فقط، وإنما وجَّه اللوم كذلك إلى الجالس على العرش وقتذاك، واتهمه بأنه سبب الفوضى والاضطرابات التي سادت البلاد، ذلك لأنه قد بقي في قصره، محيطاً نفسه بمجموعة من رجال لا ينقلون إليه حقيقة الأمور في البلاد، حتى ساءت الأحوال، وفقد الناس الأمن والطمأنينة، وأخيراً تمنى "إيبو ور" للملك نفسه أن يتذوق هذا البؤس، وذلك البلاء بنفسه.

نتائج الثورة:

1- أصبح الملك بعد الثورة إنساناً أكثر منه إلهاً، بعدما كان المصريون يعتقدون منذ العصر الثيني أنه إلهاً أكثر منه إنساناً.

2- كانت نظرية تولي العرش في مصر تجعل العرش وقفاً على من تكون أمه من نسل ملكي، وكذا يجب أن يكون أبوه، بغرض تأكيد صفاء الإلوهية، أما بعد الثورة فإن "نفرتي" يُصرح بأن مليكه الجديد ليس من سلالة الملوك.

3- تقلصت الفروق بين الملكية والرعية إلى حد كبير.

4- رسم عصر الثورة صفات جديدة للحاكم الذي يجلس على العرش، رجلاً يمتلئ قلبه بحب رعاياه، والرغبة في العمل من أجل مصلحتهم.

 

الأسرتان السابعة والثامنة (2181-2125 ق.م)

قدمت القوائم الملكية وكذا تاريخ مانيتون معلومات مشوشة عن ملوك هذه الفترة، ومن ذلك أن الأسرة السابعة ضمت سبعين ملكاً، وأنهم حكموا مصر لمدة سبعين يوماً فقط، وإن كان الأمر يبدو غير منطقي، إلا أنه قد يكون صحيحاً، إذا كان عدد من كبار حكام الأقاليم وكبار الموظفين قد حكموا البلاد في صورة هيئة، وهو نظام لم يستسغه المصريون وعدلوا عنه. ويرى عدد من العلماء أن ملوك الأسرة السابعة حكموا البلاد لمدة تتراوح ما بين عام واحد إلى سبعة أعوام، وربما كان عدد السبعين ملكاً ما هو في أغلب الظن إلا رواية تدلل على كثرة الحكام في تلك الفترة، وأنه لذلك فقد التبس على الناس إحصاء عددهم الحقيقي. وعلى أية حال، فلم يستمر عصر الأسرة السابعة طويلاً، وتلتها أسرة جديدة هي الأسرة الثامنة، والتي ما زال يشوبها كثير من الغموض كسابقتها، والتي قدم لنا "تاريخ مانيتون" العدد الإجمالي لملوكها وهو ثمانية عشرة ملكاً، دون أن يسمي أحداً منهم. وقد اتجه فريق من العلماء إلى أنه في بداية عصر الأسرة الثامنة كان هناك سبعة من كبار حكام الأقاليم الجنوبية لمصر العليا قد تجمعوا في مملكة مستقلة حول حاكم إقليم قفط (40كم شمالي الأقصر)، وأن حكمهم قد استمر حوالي عشرة أعوام، ويرى البعض أنه امتد إلى حوالي أربعين عاماً.

ومن ناحية أخرى، فيتجه فريق آخر من العلماء إلى أنه لم يكن هناك وجود أصلاً لهذه الأسرة "القفطية"، ويميل هذا الفريق إلى أن ملوك الأسرة الثامنة كانوا يحكمون على الأرجح من منف، بالاعتماد على مساندة بعض الأقاليم القوية لهم، حيث حصل حكام هذه الأقاليم على العديد من الامتيازات الخاصة من الملوك لكسب ولاءهم ولضمان مساندتهم، وأن حكام "قفط" كانوا هم العمود الفقري الذي ساند الأسرة الملكية الثامنة في "منف" في فترة حكمها المحدود للبلاد، حيث كانت "قفط" في ذلك الوقت على درجة ما من القوة.

 وعلى أية حال فقد كان من أهم شخصيات أسرة "قفط" شخصان هما شماي وولده إدي، واللذان توليا منصب "حاكم قفط" وحملا لقب "الوزير". وقد تزوج "شماي" من إحدى بنات رابع ملوك الأسرة الثامنة، وهو الأمر الذي دعّم من موقف الأسرة الملكية. وعلى ما يبدو فإنه في الوقت الذي كانت فيه الأسرة الثامنة قائمة، فقد تمكنت أسرة  أخرى من الوصول إلى العرش، واتخذت من مدينة "إهناسيا المدينة" (بمحافظة بني سويف) عاصمة لها.

 

الأسرتان التاسعة والعاشرة (2160-2025 ق.م)

في ظل الاضطرابات التي سادت العصر، استطاع خيتي الأول حاكم الإقليم العشرين من أقاليم مصر العليا، أن يَدعي الحكم لنفسه، ويؤسس الأسرة التاسعة، والتي اتخذ لها عاصمة جديدة بمصر الوسطى هي إهناسيا المدينة، ولذا فقد عُرف ملوك الأسرتين التاسعة والعاشرة باسم الملوك الإهناسيين. وكان الوضع السياسي وقتذاك مفككاً وتتنازعه عائلات كبيرة من حكام الأقاليم الذين يسيطرون على الأرض، وكانت مصر مقسمة إلى عدة أجزاء: ففي شمال شرقي الدلتا كان هناك بعض من الغزاة الآسيويين المتسللين، وكانوا يتمتعون بقوة فائقة. وفي منف استمر إلى حد ما بعض ما بقي من الملكية القديمة. وفي مصر الوسطى برز الملوك الإهناسيين، واتخذ "خيتي الأول" لقب "ملك مصر العليا والسفلى"، ومد نفوذه حتى "منف" شمالاً. وفي مصر العليا نجح حكام إقليم "طيبة" في جمع الأقاليم من حولهم، ليُكونوا اتحاداً يشبه ذلك الذي كان قائماً في عصر ما قبل الوحدة. وبالرغم من المحاولات التي قام بها خيتي الأول ومن بعده خلفائه أمثال نفر كا رع وخيتي الثاني لإنقاذ البلاد، ومقاومة نفوذ وسطوة كبار حكام الأقاليم، وبخاصة حكام إقليم "طيبة" الأقوياء، إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك. ويبدو أن الحالة في الأسرة التاسعة لم تتغير كثيراً عما كانت عليه في الأسرة الثامنة، ملوك ضعاف ليس لهم أي نفوذ في الأقاليم، مقابل حكام أقاليم أقوياء، من سلالات أسرات قوية، يحكمون شبه مستقلين.

وتخبرنا الوثائق عن بعض ما دار في عصر الأسرة العاشرة من صراع بين حكام الأقاليم الموالين لملوك "إهناسيا" وبين حكام "طيبة" الأقوياء. وكان نفوذ حكام الأقاليم في الجنوب يزداد يوماً بعد يوم، حيث تمكنوا من الاستقلال بأنفسهم وتولوا كافة سلطات الملك في أقاليمهم، كما بدأ بعض منهم يكون لنفسه جيشاً وبيتاً للخزانة، بل وأخذوا يستغلون المناجم والمحاجر لحسابهم، وبدأ البعض منهم يؤرخ الحوادث بسنوات حكمه هو، وليس وفقاً للحوليات الملكية، وتولوا الإشراف على المعابد بأقاليمهم، حتى نتج عن ذلك كله أن تحول كل إقليم إلى ما يشبه دولة قائمة بذاتها.

وهكذا فقد ترتب على هذه اللامركزية أن تمكن حكام "طيبة" الأقوياء الذين يرون أحقيتهم في العرش بدلاً من حكام "إهناسيا" من تأسيس الأسرة الحادية عشرة في الجنوب، واتخذوا من طيبة عاصمة لهم، وإن كانوا قد خضعوا في البداية اسمياً لسلطان الملك في "إهناسيا"، ثم بدأوا يحملون لقب "ملك مصر العليا والسفلى"، وهكذا فقد كانت هناك فترة من الزمان يحكم فيها مصر ملكان مختلفان في آن واحد، أحدهما في "إهناسيا" والآخر في "طيبة". وبرز من ملوك الأسرة العاشرة الملك خيتي الرابع، الذي اشتهر بتعاليمه لولده مري كارع، والذي واجه المتسللين الآسيويين إلى الدلتا، وتمكن من طردهم منها، ثم وجه أنظاره نحو حكام "طيبة"، وتمكن من هزيمتهم في معركة حربية بالقرب من "أبيدوس"، وإن كانوا قد عادوا واسترجعوا ما فقدوه، ومدوا نفوذ إقليمهم على مناطق جديدة شمالاً. وفي عهد الملك "مري كارع" ظل الصراع قائماً بين "إهناسيا" و"طيبة".

وبعد "مري كارع" جاء الملك خيتي الخامس الذي لم يكن يملك قوة ما يواجه بها حكام طيبة الأقوياء، مما سمح لهم بالقضاء على أسرة إهناسيا ونفوذها، لتبدأ مصر مرحلة جديدة من الوحدة، وهي عصر الدولة الوسطى. وكانت الأسرة الحادية عشرة قد حكمت في الجنوب، في نفس الوقت الذي كان يحكم فيه ملوك "إهناسيا" في الشمال، واستمر الوضع على هذا الحال حوالي تسعين عاماً، حتى تمكن الملك منتوحتب الثاني نب حبت رع من إسقاط حكم "إهناسيا"، ليبدأ عصر جديد قوي، وهو عصر "الدولة الوسطى".

 

الدولة الوسطى (2055-1795 ق.م)

يضم عصر الدولة الوسطى أسرتين ملكيتين، هما الأسرة الحادية عشرة (2055-1985 ق.م)، والأسرة الثانية عشرة (1985-1795 ق.م).

وخلال هذا العصر اتحدت السلطة المركزية في مصر من جديد، في أعقاب تلك الفترة الطويلة من الاضطرابات التي انتهت بفضل مجهودات حكام إقليم "طيبة".

الأسرة الحادية عشرة (2055-1985 ق.م)

تدل المصادر الأثرية على أنه قد توالى على عرش الأسرة الحادية عشرة سبعة ملوك، وهم: إنتف الأول وإنتف الثاني وإنتف الثالث ومنتوحتب الأول ومنتوحتب الثاني ومنتوحتب الثالث ومنتوحتب الرابع. وسجلت "بردية تورين" 143 عاماً لفترة حكم ملوك الأسرة الحادية عشرة، وهي فترة تكاد تتفق تقريباً مع ما توصلت إليه الأبحاث التي سجلت أن بداية هذه الأسرة كانت حوالي عام 2125 ق.م، وهو العام نفسه الذي تقلد فيه الملك إنتف الأول (2125-2112 ق.م) زمام الأمور في "طيبة".

وكان إنتف الأول ملكاً وقوراً يقدره الناس، وفي البداية حمل لقب "الحاكم"، ثم وضع اسمه داخل الخرطوش الملكي، في الوقت نفسه الذي كان فيه الحكم الإهناسي ما زال قائماً، حيث كانت الأسرة العاشرة ما تزال مستمرة في "إهناسيا المدينة".

وجاء من بعده على العرش إنتف الثاني (2112-2063 ق.م) والذي كان ملكاً ذا قوة ومهابة، وتمكن بعد فترة ما من مد حدوده شمالاً، وحكم ما يقرب من خمسين عاماً.

ثم تلاه إنتف الثالث (2063-2055 ق.م) الذي لا نعرف الكثير عن أحداث عهده، وخلفه ابنه منتوحتب الأول الذي حكم حوالي ثمانية عشر عاماً، وتوفي أثناء قيامه بحملة عسكرية، في محاولة منه لمد حدوده شمالاً. وخلفه على العرش الملك الشهير منتوحتب الثاني "نب حبت رع"، الذي تمكن بجهوده الطويلة المنظمة من القضاء على نفوذ الأسرة الإهناسية وأعاد للبلاد وحدتها من جديد، ولذا فهو يعتبر المؤسس الحقيقي للأسرة.

منتوحتب الثاني (2055-2004 ق.م):

يعتبر الملك منتوحتب الثاني "نب حبت رع" أهم شخصية في الأسرة الحادية عشرة، وقد دام حكمه لمدة 51 عاماً تقريباً من الكفاح المتصل، وإن كان البعض يرى أنه قد حكم لمدة 46 عاماً فقط. وقد بدأت انتصاراته تزداد، وتمكن من السيطرة على كبار حكام الأقاليم، وساد النظام والاستقرار من جديد، ويُحتمل أنه قد نجح في ذلك وتمكن من السيطرة على البلاد كاملة في العام التاسع من حكمه تقريباً، وعلى ذلك فإنه يُعد فعلياً المؤسس الحقيقي للأسرة الحادية عشرة. واتخذ من مدينته طيبة عاصمة للمملكة الموحدة، وقام بالعمل على الحد من سلطة كبار حكام الأقاليم المصرية وتقليص نفوذهم، حيث قام بتعيين أمراء جدد كحكام للأقاليم، وسحب منهم الحق في توريث مناصبهم بعد وفاتهم. وهكذا فقد اختفي لقب "حاكم الإقليم العظيم" وغيره من الألقاب التي انتحلها حكام الأقاليم لأنفسهم في عصر الثورة الاجتماعية الأولى، وأصبح من النادر أن يتخذ أحدهم لنفسه مقبرة في إقليمه، وإنما أصبحوا ينحتونها حول مقبرة ملوكهم في "طيبة"، تأكيداً لتقربهم منهم وتبعيتهم لهم والتفافهم حولهم. وكذلك اختار الملك حضن جبل من جبال "طيبة" واتخذ لنفسه فيه مقبرة فريدة في تصميمها، لم يبقى منها إلا أطلالها فقط، إلى جوار معبد تخليد ذكرى الملكة "حتشبسوت" في الدير البحري.

نهاية الأسرة الحادية عشرة

كان منتوحتب الرابع "نب تاوي رع" (1992-1985 ق.م) هو آخر ملوك الأسرة الحادية عشرة، ومن أبرز أحداث عهده أنه في العام الثاني من حكمه أرسل وزيره "أمنمحات" في مهمة إلى "وادي الحمامات" لقطع الأحجار اللازمة لصنع تابوت الملك، وصاحب الوزير في مهمته 10 آلاف رجل. ويُعتقد أن الوزير "أمنمحات" هذا هو نفسه الملك "أمنمحات الأول"، مؤسس الأسرة الثانية عشرة، وأنه كان من غير الطبيعي أن يصطحب الوزير في مهمته إلى "وادي الحمامات" هذا العدد الضخم من الرجال، في حين أن المهمة لم تكن تستدعي وجود أكثر من بضع مئات من الرجال فقط، وبخاصة وأن بعض المؤرخين يميلون إلى أن عهد "منتوحتب الرابع" لم يدم لأكثر من عامين فقط. فإذا قارنا ذلك بتاريخ قيام "أمنمحات" بمهمته المذكورة، وهو "العام الثاني" من حُكم الملك فربما بدا الأمر أكثر منطقية وإقناعاً، حيث يبدو أن حشد هذا العدد الكبير من الرجال حول الوزير كان بغرض تحقيق هدف آخر، وهو الاستيلاء على العرش، سواء في حياة الملك أو عقب وفاته مباشرة.

وعلى أية حال، فقد كانت مصر في نهاية عصر الأسرة الحادية عشرة تنعم بالأمن والاستقرار الداخلي إلى حد كبير، وكانت الفنون بأنواعها في هذه الفترة قد خطت خطوات واسعة ملموسة إلى الأمام، وأخذت مدينة "طيبة" تعد نفسها تدريجياً للدور القيادي الكبير الذي قدر لها أن تقوم به فيما بعد في عصر الدولة الحديثة.

 

الأسرة الثانية عشرة (1985-1795 ق.م)

          تعتبر الأسرة الثانية عشرة واحدة من الأسرات القوية التي حكمت في تاريخ مصر القديمة، وتميز عصرها بانتظام واستقرار في أحوال البلاد بشكل كبير، وهو ما انعكس بوضوح على الفنون والآداب، ووصلت اللغة إلى مرحلة النضج التام، واتسعت الحدود المصرية الخارجية أكثر من ذي قبل.

أمنمحات الأول (1985-1955 ق.م):

أسس "أمنمحات الأول" هذه الأسرة، واتخذ عاصمة جديدة لمصر، وهي إيثت تاوي وتعني "القابضة على الأرضين" (على مبعدة 29 كيلومتراً جنوبي "منف")، وشيد هرمه على مقربة منها، وقدر له أن يحكم البلاد زهاء ثلاثين عاماً، حيث توفي وعمره حوالي ثمانين عاماً. ويبدو أن "أمنمحات الأول" قد وُلد من أم نوبية، ولذلك فقد ظل الإحساس يلازمه بأنه يجري في عروقه دم غير ملكي، وهكذا فقد أعد التنبؤات المعروفة باسم "نفرتي"، المحفوظة حالياً بمتحف "ليننجراد" بروسيا، والتي أشرنا إليها سلفاً، والتي ذكرت أنه سيحل بمصر فترة من الفوضى والاضطراب، وأن إنقاذها من ذلك سيأتي على يد شخص جنوبي يدعى "إميني" (اختصار أمنمحات)، من أم نوبية، وأنه سيتمكن من هزيمة الآسيويين والليبيين، وسيبني "حائط الأمير".

ونهج "أمنمحات الأول" سياسة جديدة نحو حكام الأقاليم المصرية، فبالرغم من أنه لم يسلبهم كافة سلطاتهم، إلا أنه أقام حدوداً ثابتة بين كل إقليم وآخر، كما سنّ قانوناً نظم به نصيب كل إقليم من مياه النيل الخاصة بري الأراضي الزراعية، فضلاً عن تحديد ما يقدمه كل إقليم من المواد الغذائية اللازمة للأسطول المصري، وأعد الرجال للجيش المرابط، وذلك من أجل المشروعات الملكية في الأقاليم. ومارس "أمنمحات الأول" سلطاته في الأقاليم عن طريق الضرائب، التي كانت تدفعها الأقاليم للتاج الملكي، مما أدى إلى ضرورة معرفة الحكومة المركزية بالوضع الاقتصادي الحقيقي للبلاد، ومن ثم فقد استحدث وظيفة "رئيس المراقبين لأراضي الخزانة الملكية". وهكذا فقد أراد "أمنمحات الأول" أن يستعيد السلطات الملكية القديمة تدريجياً، وإن ترك لحكام الأقاليم قدراً كبيراً من السلطة والحرية في إدارة شئون أقاليمهم، كما أن تثبيت الحدود الإقليمية، فضلاً عن استرجاع الأراضي الحكومية المسجلة، إنما كان في نفس الوقت إعادة للتدخل الملكي في الإدارة الإقليمية، ثم زاد التدخل الملكي عن طريق سيطرة الحكومة المركزية، إلى جانب الأراضي التي ضُمت للتاج في كثير من الأقاليم. وبذلك أصبحت الخزائن الملكية إحدى الوسائل التي تدعم قوة الملك، علاوة على الأسطول المصري الذي كان يشرف عليه رجال البلاط، الذين كانوا مستقلين تماماً عن حكام الأقاليم المصرية. وفي العام العشرين من حكمه تقريباً أعلن "أمنمحات الأول" ابنه "سنوسرت الأول" ولياً للعهد، وأوكل إليه بعضاً من مهام ومسئوليات الحكم.

ويبدو أن "أمنمحات الأول" قد مات بشكل غير طبيعي، حيث حدثت في أخريات أيامه مؤامرة من نساء القصر لاغتياله أثناء قيام ابنه "سنوسرت الأول" بحملة على الحدود الليبية، وهي المعروفة باسم مؤامرة الحريم. وقد وصلتنا أخبار المؤامرة من مصدرين: الأول هو قصة سنوهي التي كتبها أحد الرجال المقربين من القصر في عهدي "أمنمحات الأول" و"سنوسرت الأول"، والثاني هو تعاليم الملك إلى ابنه "سنوسرت"، والتي ربما جاءت باسمه من العالم الآخر، أو على لسانه قبيل وفاته مباشرة. ولم يتأكد بعد إن كان الملك قد توفي وقتذاك، أم أن وفاته كانت بعد ذلك بفترة نتيجة لتأثره بجراحه. وتمكن "سنوسرت الأول" من العودة إلى مصر، وتسنى له أن يعتلي العرش بشكل شرعي، وقام كذلك بمعاقبة الجناة.

سنوسرت الأول (1965-1920 ق.م):

اشتهر سنوسرت الأول بكثرة أعماله العمرانية، ففي مصر ما يقرب من 35 منطقة وُجدت بها آثار من عهده، موزعة على الوادي من الإسكندرية وحتى أسوان، إضافة إلى "النوبة السفلى"، حيث سجل الملك أخبار انتصاراته بالنوبة على لوح في "بوهن" مؤرخ بالعام الثامن من حكمه، وذكر فيه أسماء عشرة أقاليم تقع إلى الجنوب من مصر، خضعت كلها لسلطانه. وتحدث الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان عن حفر قناة تصل النيل بالبحر الأحمر، تبدأ من الفرع البوباسطي، شمالي الزقازيق، وتنتهي عند البحيرات المرة، وقد نسب "بليني" أقدم مشروع لهذه القناة إلى عهد الملك "سيزوستريس" (سنوسرت)، وذكر أن القناة قد بدأت في عهده، وإن كان الكثير من المؤرخين المحدثين يرجحون أن هذه القناة لم يكن لها أي وجود في الأصل قبل عهد الملك "نخاو الثاني"، من الأسرة السادسة والعشرين. وعُني "سنوسرت الأول" عناية كبيرة باستغلال مناجم الصحراء، فأرسل البعثات التي جلبت الفيروز والنحاس من سيناء، والمرمر من محاجر حتنوب، على مبعدة 27كم في الصحراء شرق العمارنة، والأحجار الصلبة والجرانيت من وادي الحمامات وأسوان، كما جلب رجاله الذهب والنحاس من وادي العلاقي، والديوريت من الصحراء النوبية، والأماتيست من وادي الهودي، فضلاً عن الجرانيت الوردي من محاجر الجندل الأول عند أسوان.

أمنمحات الثاني (1922-1878 ق.م):

توفي "سنوسرت الأول" بعد أن حكم ما يزيد على 44 عاماً تقريباً، وكان قبل وفاته بثلاث سنوات قد أعلن ابنه أمنمحات الثاني ولياً للعهد، وهكذا فقد كان اعتلائه للعرش شرعياً. وعندما اعتلى "أمنمحات" عرش البلاد اتبع سياسة أبيه مع حكام الأقاليم، فأكد لبعضهم حقوقهم الوراثية، مع هيمنة العرش على أقاليمهم، هذا وقد كانت حياة الاستقرار في عهده فرصة للإشراف عليهم، يولي منهم من يشاء ويعزل من يشاء، ويقيم لهم حدود أملاكهم، ومع ذلك فقد نجح حاكما إقليمي "الأشمونين" و"بني حسن" بالمنيا في استعادة كثير من سلطانهما، وبدأ كل منهما في منافسة الملك في التفاخر والثراء.

سنوسرت الثاني (1880-1874 ق.م):

          ابن الملك "أمنمحات الثاني" وخليفته على العرش، وفي مطلع عهده اضطرب الأمن على الحدود الجنوبية، حيث بدأت بعض القبائل الزنجية التي سبق أن أخضعها "سنوسرت الأول" تثور وترفض طاعة مصر، واحتلت المنطقة الواقعة جنوبي الجندل الثاني، وبدأت تهدد الحدود الجنوبية لمصر، وربما تمكن "سنوسرت الثاني" من السيطرة على زمام الأمور، حيث عُثر على نقش صخري في أسوان تركه أحد رجاله ويدعى حابو، ذكر فيه أنه توجه إلى بلاد النوبة في العام الثالث من حكم "سنوسرت الثاني" ليتفقد "حصن واوات". وشيد الملك هرمه في منطقة "اللاهون" عند مدخل الفيوم، كما شيد مدينة صغيرة للمهندسين والعمال الذين عملوا في بناء الهرم، ولكي تكون بيوتها بعد ذلك مساكناً للكهنة الذين سيعهد إليهم بأداء الطقوس في معبديه. وعُثر في "اللاهون" على كمية من الأثاث والأدوات والحلي، تكاد تكون فريدة من نوعها في أرض الكنانة، هذا فضلاً عن مجموعة من البرديات التي كتبت بالخط الهيراطيقي، تناولت موضوعات مختلفة، من بينها ورقة طبية، تناولت موضوعات في أمراض النساء، وأخرى تناولت موضوعات في الطب البيطري، وأخرى تحدثت عن المواريث.

سنوسرت الثالث (1874-1855 ق.م):

كان "سنوسرت الثالث" ابناً للملك "سنوسرت الثاني"، وبالرغم من عدم تأكدنا من اشتراكه مع أبيه في الحكم، إلا أن الشواهد تدل على أنه كان ملكاً قوياً حازماً، وقد اتبع مع حكام الأقاليم المصرية سياسة ناجحة، أزالت كل أثر كانوا يتمتعون به من نفوذ، حيث جردهم من ألقابهم التي كانت إرثاً لهم ولأبنائهم من بعدهم، حتى ولو كانوا أطفالاً، وعَرَّاهم من مزاياهم فأصبحوا موظفين لا أكثر ولا أقل، وبهذا أعاد لمصر هيبة الملك وقدسيته. وعلى ما يبدو فإن نزع ملكية أمراء الأقاليم قد تم بصورة تدريجية وغير شاملة، فقد وُجهت تلك الأوامر إلى الأقاليم التي يديرها حكام أقوياء، وبخاصة إقليمي "الأشمونين" و"بني حسن". ونجح "سنوسرت الثالث" في إعادة المركزية المطلقة، والتي كانت أقرب إلى مركزية "الدولة القديمة"، وهكذا فقد بدأت تظهر هنا طبقة جديدة، أطلق عليها "وليم هيز" مسمى "الطبقة الوسطى"، وتتكون من طبقة الموظفين الوسطى، فضلاً عن الصناع وصغار الملاك للأراضي الزراعية، وكانت هذه الفئة قد استغلت ثرواتها المتاحة في إقامة لوحات بأسماء أصحابها، وكذا عدد من التماثيل الصغيرة بمعبد "أوزير" في "أبيدوس".

وبذل "سنوسرت الثالث" جهوداً حربية كبيرة في "النوبة"، فبعدما قام بتطهير المجرى المائي عند "الجندل الأول"، أتبع ذلك بأربع حملات عسكرية، انتهت بمد حدود مصر الجنوبية حتى منطقتي "سمنة" و"قمة" عند "الجندل الثاني"، حيث شيد قلعتين ووضع لوحات الحدود التي تؤكد ذلك، واهتم كذلك بالقلاع والحصون الأخرى التي تؤمن المنطقة. ووصلت مكانة الملك بالنوبة إلى درجة تقديسه بها بعد وفاته، فعندما أعاد "تحتمس الثالث" (1479-1425 ق.م) في عصر الأسرة الثامنة عشرة بناء معبد سلفه في "سمنة"، بعد مضي ما يقرب من ثلاثمائة وسبعين عاماً، جعل من "سنوسرت الثالث" ثالث آلهة الحدود التي أسسها من كل من "ددون" معبود "سمنة" و"خنوم" معبود "إلفنتين" و"سنوسرت الثالث". وهناك ما يدل على قيام "سنوسرت الثالث" بقيادة حملة عسكرية إلى فلسطين، ليس بهدف الاحتلال، وإنما لتعزيز سلطان مصر في الشمال الشرقي، من خلال إشعاره لحكام آسيا بقوة مصر ومكانتها. وقد توفي الملك بعد أن حكم غالباً حوالي 36 عاماً، وبالرغم من اهتمامه الشديد بمنطقة "الفيوم" إلا أنه قد دُفن في هرمه الذي شيده في صحراء "دهشور"، بعد أن ترك مصر مستقرة داخلياً، وآمنة الحدود، وفي أوج مجدها، وكان قبيل وفاته قد أشرك معه في الحكم ابنه "أمنمحات الثالث".

أمنمحات الثالث (1855-1808 ق.م):

جنى "أمنمحات الثالث" جهود أبيه الحربية الناجحة، وكذا إصلاحاته الداخلية، وتوفرت له إمكانات مادية كبيرة، وهو ما مكنه من القيام بنشاط عمراني واسع. واهتم الملك بإرسال البعثات إلى سيناء لاستخراج الفيروز والنحاس، وإلى وادي الحمامات وطرة لجلب الأحجار، وأرسل بعثات إلى النوبة لاستخراج الذهب من مناجمها. وكان أهم أعمال الملك هو إقامة سد الفيوم، بهدف الاستفادة من مياه النيل الزائدة وتخزينها في منخفض الفيوم، لاستعمالها عند الحاجة وقت "التحاريق"، وري أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الزراعية، وهو ما جعل إقليم الفيوم يتحول إلى بقعة من أخصب بقاع مصر، استغلتها الدولة في إنشاء القرى والمدن الجديدة. وشيد "أمنمحات الثالث" لنفسه هرمين، أحدهما في "هوارة" بجنوبي الفيوم، ويرجح أنه قد دُفن فيه، والآخر في "دهشور". وفي "كوم ماضي" بجنوب غربي الفيوم شيد الملك معبداً صغيراً أكمله ابنه "أمنمحات الرابع"، خُصص للثالوث المقدس المكون من "سوبك" التمساح، و"رننوت" ربة الحصاد، وابنهما "حور شدت" (حورس الفيوم). على أن أشهر معابد الملك كان معبده الجنائزي في "هوارة"، والذي أطلق عليه اليونان والرومان اسم اللابيرنت Labyrinths نسبة إلى قصر اللابيرنت الذي أقامه الملك "مينوس" في "كنوسوس" عاصمة جزيرة كريت، بينما أطلق عليه العرب اسم قصر التيه، أي الذي يضل فيه الزائر الطريق.

نهاية الأسرة الثانية عشرة:

بعد وفاة "أمنمحات الثالث" خلفه ابنه وولي عهده أمنمحات الرابع (1808-1799 ق.م)، والذي لم يحكم أكثر من تسع سنوات، اكتفي فيها بما بذله أسلافه من أنشطة، ولم تذكر الشواهد الأثرية عنه الكثير، ومن ذلك قيامه بإرسال البعثات إلى مناجم "وادي المغارة" و"سرابيط الخادم" بسيناء، وقيامه بقياس ارتفاع مستوى مياه النيل. وارتبط اسم "أمنمحات الرابع" بالمعبد الذي بدأه والده في كوم ماضي بالفيوم، وخصصه من أجل عبادة الآلهة "سوبك" و"رننوت" و"حور"، كما ارتبط اسمه بعدد قليل من الآثار. ودُفن الملك بعد وفاته في هرمه الذي أقامه بمنطقة مزغونةبمركز الواسطى بمحافظة بني سويف. وبدأت الأسرة تدخل في مرحلة من التراجع التدريجي، والذي أدى إلى انهيار الأسرة والدولة الوسطى في عهد أخته وخليفته على العرش الملكة سوبك نفرو (1799-1795 ق.م)، والتي كانت آخر ملوك الأسرة. وإن كنا لا نعرف تحديداً حتى الآن كيفية وصول "سوبك نفرو" للعرش.

السياسة الخارجية لمصر في عصر الدولة الوسطى

  • الأسـرة الحـادية عشـرة:

          بدأ الملك منتوحتب الأول بعد أن كتب له نجحاً بعيد المدى في تحقيق وحدة البلاد، في استعادة نشاط مصر في الصحراء الشرقية، كما أعاد فتح مناجم الفيروز في سيناء، وأرسل إلى ليبيا قوات كان هدفها أن تظهر كما لو كانت تمسك بأعناق أولئك الذين أزعجوا مصر منذ عصر الدولة القديمة، تمكنت هذه القوات من قتل قائد "التحنو" (الليبيين). ووصلت القوات المصرية إلى واحات الصحراء الغربية، إلى جانب اتخاذ كثير من الخطوات للسيطرة على بقية مناطق جنوبي الصحراء الغربية. ووجه الملك نشاطه إلى النوبة السفلى، فأرسل عدة حملات تأديبية، غير أن الأمور في النوبة العليا ربما كانت تختلف عن ذلك، إذ يبدو أنه أثناء الفوضى التي سادت مصر، قد تكون هناك قوة عسكرية في الجنوب، أطلق عليها المصريون اسم "كوش" (النوبة العليا)، أصبحت فيما بعد قوة تهدد مصر نفسها، حتى أن ملوك الأسرة الثانية عشرة إنما قد اضطروا إلى تشييد مواقع حماية كبيرة هناك.

          وفي عهد الملك منتوحتب الثاني أرسلت بعثة إلى "وادي الحمامات"، قوامها ثلاثة آلاف رجل، وعندما وصلت إلى شاطئ البحر الأحمر، صنعت سفناً لإحضار المرمر من بلاد "بونت" (الصومال)، ونظراً لأن شاطئ البحر الأحمر في النهاية الشرقية لطريق وادي الحمامات عبارة عن أراض صحراوية، فقد حملت البعثة معها المراكب التي صُنعت في وادي النيل، لإعادة تركيبها على الشاطئ، ثم الإبحار إلى "بونت"، وهكذا فقد أبحر الأسطول، بينما بقي جزء من أفراد البعثة في وادي الحمامات لقطع الأحجار، من أجل صنع التماثيل.

  • الأسـرة الثـانية عشـرة:

          قامت السياسة الخارجية في عصر الأسرة الثانية عشرة بشكل عام على أساس تغليب العلاقات الودية مع الدول المجاورة في الشام والعراق وجزر بحر إيجة، واتخاذ الصلات التجارية معها سبيلاً إلى التأثير الحضاري فيها، كما قامت على أساس توطيد النفوذ وتوسيع الإشراف والاستثمار على امتداد الحدود في الغرب والجنوب، أي في ليبيا والنوبة، مع إيثار السلام المسلح القائم على التحصين واليقظة، وعدم استخدام القوة إلا حين الضرورة. وهكذا بدأ أمنمحات الأول في تنفيذ سياسة السلام المسلح، فاهتم بحدوده الشرقية، ونعرف من "نبوءة نفرتي" أنه قضى النصف الأول من حكمه في طرد الآسيويين، الذين نزحوا إلى الدلتا خلال أخريات أيام الأسرة الحادية عشرة، ورغبة منه في عدم عودة الآسيويين مرة أخرى إلى الدلتا، فقد شيد سلسلة من الحصون على حدود الدلتا الشرقية، عُرفت باسم "حائط الأمير"، ورغم أننا لا نعرف تحديداً أين كانت تقع هذه الأسوار، غير أن ذكرها مرتين إنما يكفي لجعلنا ندرك مدى الخطر الذي كان متوقعاً من هذه الناحية.

 

عصر الانتقال الثاني (1795-1550 ق.م)

يضم عصر الانتقال الثاني الأسرات من الثالثة عشرة حتى السابعة عشرة على التوالي، وقد تعرضت مصر خلاله لكثير من الضعف والتفكك، واجتازت فترة تاريخية أخرى مظلمة، أشد من تلك التي اجتازتها في أعقاب الدولة القديمة من قبل.

ومن الشائع بوجه عام الآن أن هذه الفترة التاريخية المظلمة لم تستمر لأكثر من مائتي عام تقريباً، وإن كانت هناك بعض الآراء الحديثة التي تنقص من هذا الرقم أيضاً. ويمكننا الآن أن نقسم فترة عصر الانتقال الثاني إلى ثلاث مراحل مختلفة هي: في بداية العصر، كانت تحكم مصر أسرات مصرية، واستمر فيه الحكم من عدة مناطق في نفس الوقت، حيث كانت هناك أسرة حاكمة في طيبة، وأسرة ثانية في منف، وثالثة في سخا بوسط الدلتا، وربما كان هناك أكثر من ذلك. وفي منتصف العصر، تعرضت مصر لأول مرة في تاريخها لغزو أجنبي، عندما دخلهاالهكسوس، واحتلوا أجزاء من أراضيها، ثم تمكنوا من اغتصاب الحكم بعد ذلك. وفي نهاية العصر استعادت مصر قوتها، وبدأت سياسة جديدة تهدف إلى التوسع وإيجاد مواطن للنفوذ المصري في آسيا.

 

الأسرة الثالثة عشرة (1795-1650 ق.م)

قامت الأسرة الثالثة عشرة في أعقاب وفاة الملكة "سوبك نفرو"، وكان ملوك الأسرة من طيبة، وقد عُثر على معظم آثارهم فيها، وكانت قد خصصت لآلهة "طيبة"، فضلاً عن أن كثيراً من أسمائهم ذو أصل طيبي، كما عُثر على بعض آثار لهم في "سقارة" و"دهشور". وبالرغم من غموض الفترة التاريخية للأسرتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة، لكثرة أسماء حكامها، حيث نسب "مانيتون" للأسرة الثالثة عشرة 60 ملكاً، بينما اقترح "هيس" Hayes قائمة محددة بأسماء ملوك الأسرة شملت 31 ملكاً، إلا أنه يبدو أن ملوك هاتين الأسرتين قد استمروا محافظين على نفوذ مصر الخارجي في أغلب الأحايين، وبخاصة في إقليم "النوبة". وعلى ما يبدو فقد كان سقوط "منف" في أيدي الغزاة "الهكسوس" (حوالي عام 1650 ق.م تقريباً) بمثابة النهاية الفعلية للأسرة.

 

الأسرة الرابعة عشرة (1750-1650 ق.م)

ذكر "مانيتون" أن ملوك الأسرة الرابعة عشرة بلغ عددهم 76 ملكاً، وأنهم قد حكموا لمدة تعادل أكثر من 180 عاماً، وأن أصلهم يرجع لبلدة "خويس" بوسط الدلتا، وهي سخا الحالية، جنوب شرقي مدينة كفر الشيخ، في حين ذكرت "بردية تورين" أن عددهم كان 60 ملكاً. وعلى ما يبدو فقد انتهز الأمراء المحليون في منطقة "سخا" فرصة الضعف التي انتابت الأسرة الثالثة عشرة، فضلاً عن بعدهم عن منطقة نفوذ الهكسوس، والذين كانوا وقتذاك في شرق الدلتا، ومن ثم فقد استقلوا بأنفسهم عن الأسرة الثالثة عشرة، واستمروا كذلك لمدة تقارب الثلاثين عاماً بعد سقوطها، منشقين عن بقية أرض الكنانة.

وهكذا فقد كتب على أرض الكنانة أن يتنازع السلطان فيها في تلك الأيام النكدة من تاريخها، أربع قوى هي :ملوك الأسرة الثالثة عشرة في "منف"، وأمراء "طيبة" في الجنوب، وأمراء "سخا" في وسط الدلتا. وأخيراً الآسيويون المتطفلون (الهكسوس) في شرق الدلتا.

          وتشير ظواهر الأمور إلى ازدياد تدهور حالة البلاد، فقد كانت الأسرة الثالثة عشرة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وكان أمراء "سخا" من الضعف بدرجة تجعلهم غير قادرين على منع تسلل العدد المتزايد من القبائل الوافدة من آسيا إلى مصر.

وانتهي عصر الأسرة الرابعة عشرة كما انتهي عصر سابقتها، نهاية غير معروفة تحديداً، وكان ذلك في الوقت نفسه، يتزامن مع استقرار القبائل الآسيوية المتطفلة في شرق الدلتا، وتحركهم نحو مناطق أخرى بالدلتا، ثم إلى مدينة "منف".

الهكسـوس

كان الاتجاه السائد حتى سنوات قريبة أن "الهكسوس" قد دخلوا مصر غزاة فاتحين، غير أن النظريات العلمية الحديثة، إنما تذهب إلى أنه لم يكن هناك غزو بالمعنى المفهوم، وإنما كان تسللاً من عناصر آسيوية متطفلة استقرت في بادئ الأمر في شرق الدلتا، على مقربة من مواطنها الأصلية، ربما بسبب اضطرابات انتشرت في المناطق الواقعة شمال وشمال شرق مصر. وكان المصريون يسمون زعماء قبائل هؤلاء الآسيويين الوافدين باسم حقاو خاسوت بمعنى أمراء الأقاليم الأجنبية، ويبدو أن مانيتون قد أخطأ في قراءته فحرفه إلى هيك سوس الذي ترجم إلى ملوك الرعاة. وكان ملوك الأسرة الحادية عشرة قد قاموا بتشييد عدد من الحصون على طول الحدود الشمالية الشرقية، لتنظم دخول هؤلاء الوافدين إلى الدلتا. وما أن يمضي قرابة قرن من الزمان، حتى يتجه "الهكسوس" نحو الاستيلاء على منف، بعد أن سيطروا على الدلتا فترة قاربت حوالي 46 عاماً، وإن ظلت المناطق الغربية تحت حكم الأسرة الرابعة عشرة.

وبعد أن احتلوا "منف" بمقاومة عنيفة من جانب المصريين، أحرق "الهكسوس" ما استطاعوا من المدن والمعابد، وأخيراً نجحوا في السيطرة على الدلتا تماماً، فضلاً عن مصر الوسطى، وفرضوا الجزية على حكام تلك المناطق، ولم يبقى خارج نفوذهم سوى مصر العليا. وطبقاً لرواية "مانيتون"، فقد كان "الهكسوس" قد اتخذوا من أحد قادتهم، ويدعى ساليتيس ملكاً عليهم، وكان مقره في "منف"، وكان يخلف وراءه حاميات في كل مكان هام، ثم رأي في أواريس بشرقي الدلتا موقعاً استراتيجياً هاماً، فاتخذها عاصمة له، وأعاد بناءها، وحصنها بأسوار ضخمة قوية، وترك بها حامية بلغ عدد رجالها 240 ألفاً بأسلحتهم، ومات "ساليتيس" هذا بعد أن حكم لمدة 19 عاماً.

وكان "مانيتون" قد قسم فترة حكم الهكسوس بمصر إلى ثلاث أسرات هي: الأسرة 15: وتتكون من 6 ملوك من "الهكسوس"، والأسرة 16: وتتكون من 32 ملكاً من "الهكسوس" وحكام موالين لهم، الأسرة 17: وهي أسرة مصرية قامت في "طيبة"، وتشمل 43 ملكاً.

          واحتفظ لنا القدر بالجزء الذي كتبه "مانيتون" عن غزو "الهكسوس" لمصر، وذلك عن طريق المؤرخ اليهودي "يوسف بن متى" يوسيفوس الذي أبدى اهتماماً خاصاً بالغزاة "الهكسوس"، الذين يرى أن هناك صلة بين غزوهم وبين دخول بني إسرائيل لمصر، ولهذا فقد نقل الجزء الخاص بالهكسوس من كتاب "مانيتون"، ليصبح أحد مصادر الموضوع، بعدما فقدت النسخة الأصلية من "تاريخ مانيتون".

وعلى أية حال، فقد بقي "الهكسوس" في مصر قرابة قرن من الزمان، بدأ خلاله أمراء طيبة يُعدون العدة لطردهم من مصر كلها، وكان شرف بداية الكفاح وحمل لوائه من نصيب الملك سقنن رع "تاعو الثاني"، الذي يُعد من أعظم ملوك مصر وأمجدهم، والذي دفع حياته ثمناً لنصره على المعتدين، حيث تحمل مومياؤه آثار طعنات خنجر اخترق أذنه اليسرى وغاص في عنقه، علاوة على ضربات مفاجئة من بلطة هشمت وجهه. وحمل لواء الكفاح من بعده ولداه كامس وأحمس، حيث نجح كامس في طردهم من مصر الوسطى، واستعاد "منف"، ثم ردهم إلى "أواريس"، التي كانوا يتخذون منها عاصمة بمصر، حيث كانت خواتيم حرب "الهكسوس" داخل الأراضي المصرية. وفي فترة ما قبل ذلك، أقيم حلف بين ملوك الهكسوس ورؤساء قبائل "كوش" (النوبة)، واضعين أمراء "طيبة" وأتباعهم بين نارين، ومن ثم فقد اضطروهم إلى أن يقفوا في حالة دفاع لعدة سنين.

وأثناء قيامه بشن حملاته العسكرية على الهكسوس، وقعت في يد "كامس" رسالة موجهة من قائدهم في "أواريس" إلى ملك "كوش"، وتمكن رجاله من ضبط الرسول الذي يحملها أثناء تسلله عبر الطرق الصحراوية غير المرتادة، وهي إشارة واضحة على مدى قوة المخابرات المصرية وقتذاك، وإحكام سيطرتها التامة على الطرق المصرية.

وكان أحمس الأول (1550-1525 ق.م) هو بطل التحرير الثالث، فطارد "الهكسوس" من أرض الكنانة، وهناك ما يشير إلى أن القتال حول "أواريس" كان عنيفاً، حتى تم الاستيلاء عليها وطرد "الهكسوس" منها، ثم تحصنوا في شاروحين، بجنوبي غرب فلسطين، وحاصرهم "أحمس" ثلاث سنوات، حتى استولى عليها، ثم طاردهم حتى زاهي بلبنان، وهذا يعني أن "أحمس الأول" لم يعمل على تطهير مصر من "الهكسوس" فحسب، وإنما طاردهم حتى طهر منهم سورية وفلسطين، حتى يأمن غدرهم، وعدم معاودتهم العدوان.

يوسف الصديق عليه السلام:

هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم السلام أجمعين. وتشير المصادر اليهودية  إلى أن يوسف قد ولد في مدينة حاران، جنوب تركيا، وأن أمه هي "راحيل" الزوجة الثانية ليعقوب عليه السلام.

وهاجر يوسف مع أبويه وأخوته إلى أرض كنعان، واستقروا في (الخليل اليوم)، ثم خرج مع أخوته الذين تخلصوا منه (كما ذكر قصته القرآن الكريم في سورة يوسف).

ودخل يوسف مصر كرقيق، وعاش في بيت عزيز مصر (وزير مصر)، وفيها دخل السجن، ولبث فيها حوالي سبع سنوات، وخرج بعد تبرئته من التهمة التي دخل بها السجن، وأصبح من المقربين من الملك، ووصل إلى منصب رفيع يشبه منصب وزير الخزانة أو المالية.

وتذكر المصادر اليهودية أن يوسف تزوج من مصرية تدعى (اسنات)، وأنجب منها ولديه (منسى) و(إفرايم). وتذكر المصادر العربية أنه تزوج من امرأة عزيز مصر واسمها (راعيل) أو (زليخا).

وتعرضت مصر إلى مجاعة نتيجة انخفاض مياه النيل، واستطاع يوسف بحكمته إنقاذها من المجاعة، حيث حفظ الحبوب في فترة الوفرة واستخدمها في سنوات المجاعة.

وقد جاء يعقوب وجميع أهله إلى مصر حيث عاشوا هناك ليكوّنوا أصل السلالات لبني إسرائيل في مصر.

عصر يوسف عليه السلام:

لم يرد في المصادر اليهودية ولم يذكر القرآن الكريم لنا عصر يوسف عليه السلام الذي عاش فيه في مصر، ولا اسم الملك الذي كان معاصراً ليوسف عليه السلام.

واختلف العلماء حول ذلك وظهرت عدة آراء حول ذلك، ولكن العلماء يؤيدون الرأي الذي حدد ذلك على زمن حكم الهكسوس لمصر، ويعتمد هؤلاء العلماء على الكثير من الأدلة.

أما الملك المعاصر ليوسف عليه السلام فقد ذكرت المصادر الإسلامية أنه كان من الملوك المعروفين بالرعاة (الهكسوس) وأنه كان يدعى (الريان)، في حين أن المصادر المصرية تذكر أن أحد ملوك الهكسوس كان يدعى (سا أوسر إن – رع – خيان) من ملوك الأسرة 15 الهكسوسية، وربما كان الاسم (ريان) تصحيف إلى الاسم (خيان) والله أعلم.

ولا شك أن يوسف عليه السلام كان نبياً ورسولاً، وكانت دعوته في مصر، فكان يدعو الناس على ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، والتي تقوم على التوحيد الخالص لله الواحد القهار.

 

الدولة الحديثة (1550- 1069 ق.م)

يشمل عصر الدولة الحديثة الأسرات من الثامنة عشرة وحتى العشرين، ومع بداية العصر تبدأ صفحة جديدة من المجد، وصلت فيها مصر إلى قمة الازدهار والقوة.

 

الأسرة الثامنة عشرة (1550-1295 ق.م)

السياسة الداخلية للأسرة الثامنة عشرة

وضع المصريون القدامى الملك مينا على رأس الدولة القديمة، على أساس أنه موحد القطرين، كما وضعوا منتوحتب الثاني على رأس الدولة الوسطى، على أساس أنه معيد الوحدة، ووضعوا أحمس الأول على رأس الدولة الحديثة، على أساس أنه محرر البلاد، وطارد الهكسوس ومعيد الوحدة، ومن ثم فقد رأينا تماثيل الملوك مينا ومنتوحتب الثاني وأحمس الأول في عصر الرعامسة، تتصدر تماثيل غيرهم من الفراعين، باعتبارهم قادة الحضارة المصرية القديمة في كل العصور.

أحمس الأول (1550-1525 ق.م):

بدأت مصر في عهده مرحلة جديدة في تاريخها، كما أن الرجل العظيم إنما كان أول من أرسى قواعد الإمبراطورية المصرية، ووضع الأسس الجديدة للحياة المصرية، وبعبارة أخرى كان "أحمس" نهاية جيل قديم، وبداية جيل جديد، وبمعنى آخر، خاتمة للأسرة السابعة عشرة وبداية للأسرة الثامنة عشرة في الوقت نفسه، تلك الأسرة التي تدين لها مصر بوحدتها واستقلالها، وتحررها من "الهكسوس"، فضلاً عن إمبراطوريتها الواسعة، تلك الأيام التي كانت فيها مصر تتربع على عرش القيادة والزعامة والسيادة في هذا الشرق، دونما أي منازع.

وقد عاصرت "أحمس الأول" ثورة اجتماعية تهدف إلى تمجيد الجندية، فقد أدرك المصريون في ذلك الوقت أن الحرب تعود على المنتصر بالغنائم الكثيرة وأن في ميادينها متسعاً لأعمال البطولة، وأن فرعون كان يعترف بها ويكافئ عليها، مهما كانت الطبقة التي ينتمي إليها المحارب، ومن ثم فقد سارع أبناء الطبقة الوسطى إلى الالتحاق بالجيش، وبخاصة وأن الجندية ترفع من مراكزهم الأدبية، بترقياتهم في رتب الجيش.

وهكذا اندفع القوم في التيار العسكري في حماسة تفوق الوصف، وتسلطت على عقولهم عوامل الحرب، بغية الحصول على الأوسمة والألقاب، ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك تسابق أثرياء القوم وأمراء البلاد، ومنهم القائد أحمس بن إبانا الذي يحدثنا في نقوش مقبرته في "الكاب" أنه شارك في حرب التحرير وأبلى فيها بلاء حسناً ونال تقدير مليكه، فأنعم عليه بمنحة "ذهب الشجاعة"، كما أغدق عليه نحواً من سبعين فداناً، وأعطاه تسعة عشر رفيقاً، وهناك كذلك مدير السفن مِس وقد أعطى حقولاً واسعة في "منف".

أمنحتب الأول (1525–1504 ق.م):

جاء أمنحتب الأول بعد أبيه "أحمس الأول"، وهناك ما يشير إلى أنه أقام معبداً صغيراً في مكان "الدير البحري" بطيبة الغربية، هدمه فيما بعد المهندس "سنموت" ليقيم في مكانه معبد الملكة "حتشبسوت" الشهير، هذا فضلاً عن إقامة "أمنحتب" لمعبد آخر صغير، في النهاية الشمالية لجبانة طيبة الغربية، كما أقام بوابة جنوب معبد الكرنك، فضلاً عن محاريب في "الكاب" و"شط الرجال" و"كوم امبو"، إلى جانب عدة آثار صغيرة في بلاد متعددة كما أقام معبداً صغيراً في "أبيدوس"، تكريماً لأبيه "أحمس".

وفي "وادي معوض" شرقي "إدفو" في الصحراء الشرقية ما يشير إلى إرسال بعثة بقيادة المدعو رنني للتفتيش على المناجم وإحضار الذهب.

وكان معبد أمنحتب الأول الجنائزي في طيبة الغربية يقع غير بعيد من مقبرته، ومن ثم فهو يُعد أول من أرسى قواعد فصل المعبد الجنائزي عن المقبرة، حتى يظل القبر محتفظا بسريته وخفائه، آمناً من العبث والفضول، ذلك لأن ملوك الدولة الحديثة قد أدركوا أن الأهرام الضخمة التي شيدها أسلافهم والتي كان من أخص أهدافها وقاية الجثة، وما كان يودع فيها من ذخائر من أن يعبث بها اللصوص، لم تحل دون نهبها، كما أن الحيل المختلفة التي ركن إليها ملوك الدولة الوسطى لم تحقق الغرض منها، لأن بروز المقبرة الملكية على شكل هرم، وقيام المعبد الجنائزي بالقرب منها إنما كانا يدلان على مكان الجثة وذخائرها، ومن ثم فقد عملوا على نبذ الشكل الهرمي، وفصل المعبد الجنائزي تماماً عن المقبرة، والتي كان يتم حفرها في باطن الصخر في مكان خفي بعيد لا يتم الإعلان عنه.

تحتمس الأول (1504-1492 ق.م ):

جاء بعد "أمنحتب الأول" على العرش ولده تحتمس الأول من زوجة ثانوية هي "سني سونب"، ذلك لأن أباه "أمنحتب الأول" لم ينجب ذكوراً من زوجته الرئيسية، وإنما أنجب بنتاً هي "أحمس" التي تزوجها "تحتمس الأول"، وأنجب منها الملكة الشهيرة "حتشبسوت" (1479-1458 ق.م). وهناك ما يشير إلى أن "تحتمس الأول" هو أول من وضع الأساس لأكبر وأشهر معبد في الدولة الحديثة، وهو معبد آمون بالكرنك، ويبدو أن المعبد الصغير الذي شيد هناك في أيام الدولة الوسطى قد تهدم. كما أقام "تحتمس الأول" مسلتين أمام مدخل المعبد من جرانيت أسوان الأحمر، لا تزال إحداهما قائمة في مكانها حتى اليوم، وأما الأخرى فهي ملقاة على الأرض، وكانت قمتها مغطاة بالنحاس اللامع، كما أقام بالمعبد بهواً كبيراً فيه أعمدة مربعة على واجهتها تماثيل للملك على شكل الإله "أوزير"، والتي عُرفت باسم "الأعمدة الأوزيرية". وأقام الفرعونمعبداً خارج أسوار معبد الكرنك، فضلاً عن محراب صغير نحته في صخور منطقة "قصر أبريم" في "النوبة السفلى".

تحتمس الثاني (1492-1479 ق.م):

تجددت مرة أخرى مشكلة الوراثة وتولي العرش بعد وفاة "تحتمس الأول"، مثلما حدث في أعقاب وفاة "أمنحتب الأول"، فلم يترك "تحتمس الأول" إلا نسلاً إناثاً كوريثات للعرش، وفي هذه المرة أيضاً نرى ابناً غير شرعي يعتلي العرش وهو تحتمس الثاني، الذي كان ابناً للملك من زوجة ثانوية. ولكي يعطي الملك الجديد لجلوسه على العرش الصفة الشرعية فقد تزوج من حتشبسوت التي كانت تحمل لقب الأخت (من أبيه)، والتي كانت تبلغ من العمر في ذلك الوقت أحد عشر عاماً تقريباً، وقد أعلنت مراراً أن أباها أراد أن تكون هي الملكة. وكان "تحتمس الثاني" يبلغ من العمر وقتها واحداً وعشرين عاماً تقريباً، وخلال فترة حكمه سيطرت عليه الملكة أحمس الأم إلى حد كبير، وكذا زوجته حتشبسوت التي تميزت بالنشاط والطموح غير المحدود. وأهم منشآت "تحتمس الثاني" المعمارية هي إقامة الصرح الثامن في "الكرنك"، والذي أكمله من بعده "تحتمس الثالث"، فضلاً عن تمثالين له، أقامهما أمام هذا الصرح، هذا إلى جانب عدة مبان في "إسنا" وفي مدينة "هابو" في طيبة الغربية، فضلاً عن نقوش وآثار متناثرة في "هليوبوليس" (عين شمس) و"شط الرجال"، و"واحة الفرافرة"، وفي "سمنة" و"جبل البرقل" بالنوبة.

حتشبسوت (1479-1458 ق.م):

عقب وفاة "تحتمس الثاني" لم يكن حزب "حتشبسوت" بالقوة اللازمة لكي يستطيع أن يُعلن الملكة وريثة للمُلك، ونجد أن الأمير الطفل "تحتمس" يعتلي العرش تحت اسم "من خبر رع" تحتمس الثالث، ولأنه كان صغيراً وغير قادر على إدارة شئون البلاد، فقد فرضت عليه "حتشبسوت" الوصاية. وهكذا فقد جاءت حتشبسوت بعد زوجها وأخيها الراحل "تحتمس الثاني"، وأخذت تدير شئون البلاد باسم الملك الصغير "تحتمس الثالث"، وعندما اطمأنت إلى قوة مركزها وكثرة أتباعها، نحت الغلام جانباً، وكان عمره تسع سنين تقريباً، وأرغمته على الاعتكاف، وانتحلت لنفسها ألقاب "التاج المزدوج"، وحملت ألقاب الملك المصري كاملة وظهرت بمظهر الرجال وارتدت زيّهم، وإن حدث ذلك بشيء من التردد، ذلك لأن هناك نقشاً تظهر فيه "حتشبسوت"، كملك لمصر العليا والسفلى، ولكنها كانت ترتدي زي النساء، وعلى عكس ذلك هناك أماكن كثيرة في الكرنك، تظهر فيها الملكة "حتشبسوت" في زي الرجال، بل وتقدم "تحتمس الثالث"، الذي يظهر حقاً كملك، ولكن بوصفه شريكاً. وكانت المرأة الفرعون تصر على أن تلقب نفسها بلقب ملك وليس ملكة، كما كانت تستخدم ضمير المذكر وليس المؤنث، وإن أشير إليها كذلك في آثارها وآثار نبلائها بضمير المؤنث، كما وُصفت في النصوص بألقاب ذات نهايات مؤنثة.

وزعمت "حتشبسوت" لنفسها مولداً إلهياً من الإله "آمون" نفسه، ثم سجلت القصة المزعومة على جدران "معبد الدير البحري" بطيبة الغربية. وحاولت بكل الوسائل أن تزيل من أذهان المصريين كراهيتهم لحكم الإناث، ولسنا ندرى مدى تصديقهم لهذه الادعاءات، ولكن حسبها ما تدل عليه من اعتقاد الفراعين بأن الواقع في ارتقاء العرش والهيمنة على السلطة لا يكفي، وأنه لابد من تأييده بسند ديني يرضى الكهان والخاصة والعوام.

ولا ريب في أن أجمل منشآت الملكة حتشبسوت هو معبدها الجنائزي في الدير البحري، وهو من أجمل المعابد المصرية، فضلاً عن قيمته الفنية والدينية والتاريخية.

تحتمس الثالث (1479-1427 ق.م):

انفرد تحتمس الثالث بالحكم بعد وفاة "حتشبسوت"، واعتبر أن حكمه إنما يبدأ منذ وفاة أبيه، متجاهلاً فترة انفراد "حتشبسوت" بالحكم، وقد بدأ عهداً جديداً في تاريخ مصر، كسب فيه النصر وحقق لها السيادة على الشرق القديم. وقد مال فن التصوير في عهد "تحتمس الثالث" إلى بلوغ أوج ازدهاره، ويبدو ذلك جلياً من خلال كل ما وصلنا من تماثيل ومناظر ملونة.

ويقع معبده الجنائزي على مقربة من مقبرة أبيه "تحتمس الثاني"، أما مومياؤه فلقد وجدت في "خبيئة الدير البحري".

هذا وقد أقام "تحتمس الثالث" عدداً من المسلات، نقلت واحدة منها إلى اسطنبول على أيام "ثيودوسيوس" (378-395م)، وأخرى إلى روما على أيام "قسطنطين الثاني" (350-361م)، كما نقلت ثالثة إلى انجلترا عام 1877م، حيث أقيمت على شاطئ نهر التايمز في لندن، ونقلت مسلة رابعة إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1880م، أقيمت في "سنترال بارك" في نيويورك، وللأسف فقد عُرفت خطأ باسم مسلة كليوباترا، وهكذا نقلت مسلات الفرعون العظيم إلى أشهر عواصم العالم، بينما حُرمت مصر من أية مسلة منها.

هذا وقد أقام "تحتمس الثالث" معبداً للإله "بتاح" في "منف"، وآخر للإله "مين" في "قفط"، فضلاَ عن عدة آثار في آسيا وفي "سرابيط الخادم" و"وادي المغارة" بسيناء، وفي "كوم الحصن" و"عين شمس" و"منف" و"كوم غراب" و"البرشا" و"أخميم" و"دندرة"، كما أكمل معبد جده "تحتمس الأول" في "مدينة هابو"، ومعبد "حتشبسوت" في "الدير البحري"، فضلاً عن مقصورة صغيرة بمعبد "منتوحتب الأول" للمعبودة "حتحور"، وآخر في "أرمنت" للمعبود "مونتو"، يُعتبر من أكبر مبانيه، وإن ضاعت معالمه الآن.  هذا إلى إقامته لعدة آثار في "أصفون المطاعنة" و"الكاب" و"إدفو" و"كوم امبو"، و"إليفنتين"، وفي مناطق مختلفة من "النوبة"، منها "كلابشة" و"أبريم" و"بوهن" و"جبل البرقل".

أمنحتب الثاني (1427–1400 ق.م):

جاء بعد أبيه "تحتمس الثالث"، وكان في الثامنة عشرة من عمره تقريباً، وربما كان قد اشترك في الحكم مع أبيه لعدة شهور قبل أن ينفرد به. وكان أمنحتب الثاني رياضياً، مارس الرماية والتجديف وركوب الخيل والصيد، وتدرب على استخدام العجلات الحربية. وتابع نشاطه أبيه المعماري، فأقام مقصورة للمعبود آمون بين الصرحين التاسع والعاشر بمعبد الكرنك. وكذا كان له نشاطه المعماري في "منف" و"تل بسطة" و"ميدوم"، و"أرمنت" و"الكاب" و"أسوان" و"إليفنتين" و"أبريم" و"بوهن" و"سمنة" و"قمة"، كما أكمل عمليات البناء الضخمة التي بدأها أسلافهم في "النوبة" فأكمل المعبد الأول في "كلابشة"، وكذا معبد "أحمس الأول" الذي بناه خارج قلعة "بوهن". وعُثر على تمثالين له في "وادي النقعة"، على مبعدة 112 كم شمالي الخرطوم، كما بنى هناك معبداً. وأما معبده الجنائزي فقد أقامه في طيبة الغربية، على مقربة من معبد "الرمسيوم"، وهناك ما يشير إلى ازدياد كميات الذهب التي كانت تستخدم في تزيين المعابد في عهده، نتيجة لبسط النفوذ المصري على مناجمه بالنوبة. وتوفي "أمنحتب الثاني" في العام 27 من حكمه تقريباً، ودُفن بمقبرته في وادي الملوك، والتي عُثر بداخلها على خبيئة تضم مومياوات ملكية أعاد "رعمسيس التاسع" تحنيطها ودفنها من جديد داخل هذه المقبرة.

تحتمس الرابع (1400-1390 ق.م):

تميز عهده بالسلام، وطبقاً لدراسة موميائه بالمتحف المصري بالقاهرة فقد مات شاباً لم يتجاوز الثامنة والعشرين من عمره، بعد حكم لم يتجاوز ثمانية إلى تسعة أعوام، ومع ذلك فقد شيد كثيراً من الآثار في الكرنك.

ومن أشهر الآثار الباقية من عهده لوحة الحلم الجرانيتية التي ترجع إلى العام الأول من حكمه، وهي المقامة حتى الآن بين مخالب تمثال أبو الهول بالجيزة، ويقص علينا "تحتمس الرابع" في النص المنقوش عليها أنه ذهب ذات مرة قبل اعتلائه العرش ليحتمي بظل التمثال بعد رحلة صيد مرهقة قام بها فغلبه النعاس، فرأى فيما يرى النائم، المعبود "حور إم آخت"، المجسد في تمثال أبو الهول، يبشره بتاج مصر عندما يحرر التمثال من الرمال التي تراكمت عليه، ويبدو أن الملك قد حقق للمعبود طلبه بعد أن اعتلى العرش. وهذه القصة تشير إلى أن "تحتمس الرابع" لم يكن الوريث الشرعي لعرش مصر، ولهذا اختلق هذه النبوءة لكي يقنع الناس بأن اختياره ملكاً للبلاد قد تم بناء على رغبة إلهية لا دخل له فيها.

أمنحتب الثالث (1390–1352 ق.م):

خلف أمنحتب الثالث أباه "تحتمس الرابع" على العرش، وكانت أمه موت إم ويا غير مصرية، فهي ابنة الملك الميتاني "أرتاتاما"، ولذا فقد واجه "أمنحتب" مشكلة شرعية الجلوس على عرش البلاد.

وكان قد تزوج من تي وهي فتاة من عامة الشعب، من "أخميم"، والتي قامت بأخطر الأدوار، خاصة في أخريات أيام زوجها وأوائل أيام ولدها "أمنحتب الرابع" (اخناتون)، رغم أن زوجها كان مخالفاً للتقاليد، فقد كان لزاماً على الملك أن يختار الزوجة الملكية الكبرى ووالدة ولي العهد من بنات فرعون لتكون ملكة على البلاد، ولكن يبدو أن قوة فرعون وقدرته، فضلاً عن تأييد الكهنة، إنما قد أباح له المحظور من الشرائع والتقاليد.

وكان "أمنحتب الثالث" يعامل زوجته بطريقة تختلف عما شهدته مصر من معاملة الفراعين لزوجاتهم، فلم تكن الزوجة الملكة تظهر بجانب زوجها الإله في التماثيل والرسوم إلا في مناسبات معينة، وعلى أن تحتضن الملكة وبتواضع ساق زوجها، فتبدو صغيرة الحجم كأنما هي شخص لا أهمية له، وإن حدث أن ظهرت بجانبه، فيجب تمييز صورة أو تمثال الملك بحجم كبير بالنسبة إلى الملكة، غير أن الأمر في عصر "أمنحتب الثالث" قد اختلف كثيراً، فقد رأينا الملكات تقام لهن التماثيل مع أزواجهن، ولعل في تمثال الملكة "تي" الضخم (والمحفوظ بالمتحف المصري بالقاهرة)، والذي يمثلها جالسة بجانب زوجها الفرعون "أمنحتب الثالث" دون أي تمييز عنه في الحجم، أصدق دليل على ذلك، بل أن الفرعون إنما سمح لزوجته الأثيرة بأن تكتب اسمها داخل خانة ملكية بأول النصوص الملكية.

واستن "أمنحتب الثالث" سُنة جديدة لتخليد الأحداث الهامة على "جعارين" ضخمة تحمل نصوصاً هيروغليفية، وصلتنا منها خمسة أشكال، كلها تربطه بزوجته "تي"، ومن ذلك ما فعله الفرعون يوم عقد زواجه منها. وكان "أمنحتب الثالث" واحداً من أعظم فراعين الأسرة الثامنة عشرة، في ميدان البناء والتعمير، فأكثر من تشييد المعابد وغيرها من المباني في مصر والنوبة، لا ريب في أن أهمها قصره الفخم في طيبة الغربية، وربما الأصح مجموعة قصوره الملكية، والتي لا تزال بعض أجزائها باقية.

وشيد "أمنحتب الثالث" معبد الأقصر وسجل فيه قصة مولده الإلهي، والتي تروي أن المعبود "آمون" قد أنجبه بنفسه من "موت إم ويا"، ثم صور هذا الادعاء في لوحات فنية بمعبد الأقصر، في مراحل تشبه مراحل مولد "حتشبسوت" في معبد الدير البحري. وأقام "أمنحتب الثالث" بين معبدي "الأقصر" و"الكرنك" طريقاً عبَّده وزينَّه بتماثيل نحتها على صورة أبو الهول، وجعل لها رؤوس الكباش، وهو ما يسمى الآن طريق الكباش.

وشيَّد "أمنحتب الثالث" معبده الجنائزي في البر الغربي لطيبة، والذي كان من أفخم المعابد الجنائزية في عصر الدولة الحديثة، ولكنه للأسف قد تهدم اليوم تماماً، بعد أن استعمل كمحجر على أيام الأسرة التاسعة عشرة، وكان "مرنبتاح" من الملوك الذين كان لهم دور كبير في ذلك، وإن شاءت الأقدار أن يتبقى من المعبد اليوم تمثالان ضخمان جالسان للملك، كانا قائمين أمام واجهة صرحي المعبد، وهما المعروفين اليوم باسم تمثالي ممنون.

وإذا كان فن التصوير في مصر القديمة قد مال إلى بلوغ أوج ازدهاره من قبل أيام تحتمس الرابع، فبحدوث مزيد من الانفتاح في عهد أمنحتب الثالث نراه يبلغ حداً من الرقة والرشاقة لن يعرفها في أي عهد لاحق، بما في ذلك العهود التي تدفق فيها على الورش الملكية كل ثمين ونفيس أنتجته آسيا والنوبة، وليس هناك أي عصر فني يرقى عليه.

أمنحتب الرابع (اخناتون) (1352–1336 ق.م):

كان "أمنحتب الثالث" على ما يبدو قد أصيب بمرض شديد في أخريات أيامه، ويُرجَّح أنه قد أشرك معه في الحكم ابنه من الملكة "تي" وهو أمنحتب الرابع الذي تزوج من الجميلة نفرتيتي وأنجب منها ست من البنات.

وكان "أمنحتب الرابع" قد غيَّر اسمه إلى اخناتون، واضطر في العام السادس من حكمه إلى هجر العاصمة "طيبة" إلى المدينة الجديدة التي أمر بتشييدها آخت أتون، وذلك بعد أن فشل في نشر دعوة التوحيد في طيبة، ثم تبعه عدد كبير من الأشراف وكبار رجال الدولة والفنانون وبعض العامة، ربما اقتناعاً بدعوته، وربما نفاقاً ورغبة في الإفادة منه.

وتميز عهد "اخناتون" بأمرين رئيسيين: الأول هو الدعوة إلى التوحيد: فقد نادى الملك في دعوته الجديدة بإله واحد، وأنه لا مجال لتعدد الأرباب والربات إلى جانبه، ولا تقوم عبادته خلف أسرار وأستار، وهو إله واحد، يشهد الناس آياته دون حجاب. والأمر الثاني هو ضياع الإمبراطورية المصرية في غرب آسيا.

ومن خلال النصوص المسجلة من عهد "اخناتون" من مقبرة المدعو "آي" في منطقة الحاج قنديل جنوبي العمارنة، نقتطف إحدى الفقرات من نشيده الكبير الذي تحدث فيه عن الإله الذي يدعو لعبادته: "... أنت يا من تجعل سائل الذكر ينمو في المرأة، ومن يصنع الماء في البشر، أنت يا من يأتي بالحياة للوليد وهو في بطن أمه، أنت يا من تسكته بتوقف دموعه، أنت يا من رعيته في الجسد، ثم تعطي الهواء ليتنفس كل من خلقت، إنه ينزل من الجسد فيتنفس في يوم مولده، أنت يا من تفتح فمه، وتخلق له مقومات الحياة، أنت يا من جعل الفرخ يشقشق في قشرته، أنت يا من منحته الحياة ليعيش فيها، وقدرت له ميقاتاً في البيضة، يخرج بعده وهو يصيح بكل ما لديه من قوة، ثم يسير على قدميه إبان خروجه من البيضة، ... أنت يا من صنعت نيلاً في السماء (المطر)، حيث يموج الغيث فوق الجبال كالأخضر العظيم (البحر المتوسط)، ويسقي الحقول بين القرى، ما أجمل تدبيرك، رب الخلود، فيضان في السماء لأهل القفار، وحيوان الفلا، وما يدب على قدم، وفيضان سواه لأرض مصر ...".

ويبدو أن العلاقة الأسرية بين "اخناتون" و"نفرتيتي" كانت قوية، فقد ظهرا معاً في كثير من المناظر المختلفة، التي تمثل إما احتفالات رسمية عامة أو جلسات عائلية خاصة. وهي المرة الأولى في تاريخ الفراعنة التي يسمح فيها الملك للفنان بأن يصوره في مناظر خاصة لم نعهدها من قبل، وهي تعتبر إحدى السمات المميزة للفن الآتوني، والتي لم تستمر بعد ذلك في العهود التالية.

سمنخ كارع (1338-1336 ق.م):

كان "اخناتون" قد جعل من ابنته الكبرى "مريت آتون" سيدة القصر الأولى، وهي الأميرة التي تزوجها فيما بعد الأمير سمنخ كارع، والذي يُحتمل أن "اخناتون" أشركه معه في الحكم لمدة تعادل أكثر من عام. وكان "سمنخ كارع" صغيراً في السن، وتوفي بشكل غامض وهو في العشرين من عمره، واختفى اسم زوجته تماماً، ويبدو أنه مات في "طيبة"، حيث كان قد ذهب إليها في أخريات أيامه لإقرار الأمن بها.

توت عنخ آمون (1336-1327 ق.م):

اعتلى توت عنخ آمون العرش بعد "سمنخ كارع"، وإن كان لا يُعرف تحديداً مدى صلته بالعائلة المالكة، فربما كان أخاً لسلفه "سمنخ كارع"، وربما كان ابناً للملك "اخناتون"، على أنه قد تزوج من الابنة الثالثة لاخناتون، وهي الأميرة عنخ إس إن با آتون.

وكان "توت عنخ آمون" وقت اعتلائه العرش صبياً في الحادية عشرة من عمره، حسن النية ضعيف الإرادة، سرعان ما خضع لكبار كهنة "آمون" الذين كانوا فرحين به بعد القضاء على الديانة الآتونية السابقة والبدء في استعادة مجد "آمون" من جديد، ولذا فقد أغدقوا عليه كثيراً من الهدايا الثمينة التي اكتظت بها أرجاء مقبرته الشهيرة. وهكذا فقد غير "توت عنخ آمون" اسمه واسم زوجته، بأن حذف منهما اسم "آتون" واستبدله باسم "آمون"، ثم قام بترميم المعابد التي هدمها "اخناتون" من قبل، وأرجع للمعبود "آمون" وكهانته ما كان لهم من ضياع، بل وضاعفها، ثم ترك "العمارنة" وانتقل إلى "طيبة"، وإن زعم "توت عنخ آمون"، بصفته ملك مصر، أنه "المحبوب من آتوم حر أختي" في "هليوبوليس"، وكذا من "بتاح" معبود "منف"، ثم استمر طوال عهده القصير نسبياً في إرضاء الكهانة الغاضبة في "طيبة" بكل الوسائل الممكنة. وتوفي "توت عنخ آمون" صغيراً في سن العشرين، بعد أن اعتلى العرش لمدة تسع سنوات فقط. وكان الكشف عن مقبرة توت عنخ آمون في الرابع من نوفمبر عام 1922م سبباً في شهرته الكبيرة عالمياً، والتي استمرت حتى اليوم.

آي (1327-1323 ق.م):

لم يزد حكم "آي" عن ثلاث سنوات فقط، وقد كان في العهد السابق يحمل لقباً كهنوتياً رفيعاً هو "الأب الإلهي"، وكانت له مكانة مرموقة في المجتمع، وإن كنا لا نعرف إن كان قد تزوج من أرملة "توت عنخ آمون" أم من إحدى أميرات البيت المالك ليتخذ الشرعية في اعتلاء عرش البلاد. ومن خلال مناظر حجرة الدفن بمقبرة "توت عنخ آمون" نشاهد على يمين الجدار الشمالي المنظر الشهير الذي يمثل الكاهن آي قبل اعتلائه عرش البلاد، حيث يبدو في لباس من جلد الفهد، بصفته "الأب الإلهي"، وعلى رأسه تاج أزرق، وهو يؤدي طقسة فتح الفم لمومياء الملك المتوفى.

حور إم حب (1323-1295 ق.م):

          كان "حور إم حب" في الأصل رجلاً عسكرياً من غير أفراد البيت المالك، وقد شغل في عهد "اخناتون" منصب الضابط الأعلى للجيش المصري. وبعد وفاة "آي" أعلن حور إم حب ملكاً للبلاد، وكان ذلك وقت الاحتفال السنوي بعيد أوبت الذي كان المصريون يحتفلون به كل عام في معبد الأقصر، حيث ينتقل فيه موكب المعبود آمون من معبده في الكرنك ليزور زوجته موت في معبد الأقصر. وكان "حور إم حب" قد بدأ عهده كملك باغتصاب آثار أسلافه، وبخاصة "توت عنخ آمون" و"آي"، ثم قام بحملة شعواء ضد الآتونية ونبِّيها، حتى أنه أرسل فرقاً من العمال إلى "العمارنة"، خرَّبوا كل شيء فيها، وخربت المقابر الملكية والخاصة ونهبت، كما كشطت النقوش التي تزين الجدران، وأما المعبد الكبير في "العمارنة" فقد اجتث من فوق الأرض وحُطمت جميع تماثيله ونقوشه ورسومه إلى قطع صغيرة.

وبالرغم من مآسي "حور إم حب" هذه، فالتاريخ يذكر له أنه قام بعدة إصلاحات إدارية ناجحة، وبخاصة فيما يتصل بفساد الإدارة وانتشار الرشوة، بل والقضاء أيضاً، والجنود الموكل بهم حفظ الأمن في البلاد.

ويُنسب للملك "حور إم حب" القيام بتشييد وترميم عدد كبير من المباني المعمارية، ولعل أهم منشآته البدء في بناء بهو الأعمدة الذي أكمله الفرعون "رعمسيس الثاني" (1279-1213 ق.م)، فضلاً عن بناء الصرحين التاسع والعاشر بمعابد "الكرنك"، كما شيد معبداً صغيراً في "الكاب"، وآخر في "جبل السلسلة"، وثالث في "أبو عودة" جنوبي معبد "أبو سمبل"، إلى غير ذلك من آثار كبيرة أو صغيرة في أنحاء مختلفة من البلاد. وتوفي الملك بعد أن حكم زهاء 27 عاماً، وكشف له عن مقبرتين، الواحدة في "منف"، والأخرى في "طيبة".

 

السياسة الخارجية للأسرة الثامنة عشرة

أولاً: في الشمال والشمال الشرقي:

يتفق العلماء على أن تحتمس الأول هو المؤسس الحقيقي للإمبراطورية المصرية، ورغم أن الرجل العظيم إنما قد بدأ نشاطه في النوبة، غير أن شخصيته العسكرية وسياسته الهجومية، إنما تتضح أكثر في حملته الحربية التي اخترقت منطقة الفرات إلى بلاد "نهرين"، حيث يحكم ملك "الميتان" في شمال الشام، وقرب نهري "الخابور" و"الفرات".

وهناك ما يشير إلى حملة قام بها تحتمس الثاني إلى فلسطين، صحبه فيها القائد "أحمس ابن إبانا"، ربما بسبب ثورة قامت للتخلص من حكم مصر، وربما انتهزت بعض القبائل البدوية في شرق مصر هذه الفرصة لتقطع الطريق على القوافل.

وجاءت الملكة حتشبسوت واتجهت بسياسة مصر وجهة إفريقية أكثر منها آسيوية، وتحمل نقوش معبد "الدير البحري" مناظر بعثة بلاد بونت "الصومال"، حيث أبحرت خمس سفن كبيرة محملة بمصنوعات مصر، تحت قيادة "نحسي"، وبدأت رحلتها من البحر الأحمر، ثم عادت مليئة بخيرات "بلاد بونت"، من عاج وذهب وماشية وأشجار وبخور وغيره. ونشاهد في المناظر وصول المبعوث الملكي إلى "بونت"، وأمامه هداياه، ويرحب به زعيم "بونت". ورغم أن التاريخ لا يذكر أية ثورة آسيوية على أيام المرأة الفرعون فإن هناك من يذهب إلى أنها إنما قامت بأربع حملات حربية، اثنتان منها إلى النوبة، والأخريان إلى غربي آسيا.

وقد تميزت أيام "حتشبسوت" بالسلم، مما أطمع الولايات المصرية في غربي آسيا في التخلص من السيادة المصرية، خاصة وأن القوم قد مضى عليهم حين من الدهر، ولم يروا فيه جيشاً مصرياً، وسرعان ما امتدت الثورة إلى كل ممتلكات مصر في غربي آسيا، بمجرد وفاة المرأة الفرعون. وفي الواقع فإن الولايات المصرية في غربي آسيا، إنما كانت تجد في تولية فرعون جديد، فرصة للثورة ضد السيادة المصرية، بغية أن تنال استقلالها، فإن نجحت فهذا ما تريد، وإن كانت الأخرى فلن يكون الأمر بالنسبة إليها أسوأ مما هو كائن، غير أن الأمر هنا جد مختلف، فلم تكن الثورة ضد تحتمس الثالث ثورة فردية، وإنما كانت ثورة جماعية من كل الولايات. ولعل أسباب هذه الثورة الجماعية إنما كان بسبب اهتمام "حتشبسوت" بسياستها الأفريقية أكثر من الاهتمام بالسياسة الآسيوية، مما باعد بين مصر وولاياتها في "الشام" بعض الشيء، فضلاً عن أن دولة "الميتان"، إنما بدأت تسعى إلى أن يكون لها ضلع في توجيه سياسة الشرق الأدنى القديم وتجارته، ولاسيما وأن موقعها على "الفرات" وامتدادها إلى شرقه نحو "دجلة"، سمح لها بمركز تجارى متوسط، يمكن أن تتحكم به في مدخل التجارة السورية العراقية، كما يمكن أن تنافس به مصر، ثم اتجاه حكامها بشغل مصر عنهم بإثارة الاضطرابات ضدها، وقد استجاب لتحريضهم بالفعل حكام الشام وشيوخه، خاصة وقد كانت تعيش بينهم بقية من ذرية "الهكسوس" الذين طردهم المصريون من بلادهم شر طردة.

وهكذا كان أمير قادش على رأس الثائرين، وقد جاء إلى مَجدِّو، وجمع حوله 330 أميراً ومع كل منهم جيشه الخاص، بغية إيقاف تقدم الفرعون.

وهكذا خرج الفرعون على رأس جيشه من قلعة ثارو، وبعد تسعة أو عشرة أيام وصل غزة، بعد أن قطع فيما بين 200 إلى 256 كم، على الرغم من صعوبة الطرق التي كانت تمر في صحراء قاحلة، وعلى الرغم من كثرة عدد جيشه، الذي كان فيما بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألفاً، أغلبهم من المشاة، ثم يغادر "غزة"، بعد أن بات بها ليلة واحدة، فيصل إلى مشارف "الكرمل"، على مبعدة 130 كم من "غزة"، حيث نزل في بلدة يحم.

وهنا يعلم الفرعون من طلائعه أن أعداءه قد جمعوا جموعهم المؤلفة من جيوش 330 أميراً من سورية وفلسطين في مجدو، وأن هناك طرقاً ثلاثة للوصول إلى "مجدو"، منها طريقان يدوران حول سفح "جبل الكرمل"، وأما الطريق الثالث وهو طريق عارونا فهو صعب المرتقى ومحصور بين شعاب "جبل الكرمل"، ولا يتسع لأكثر من عربة واحدة، ولكنه ينفذ رأساً إلى"مجدو". ويعقد الفرعون مجلس الحرب، ويعرض أمر الطرق الثلاثة على قواده، ويستقر الأمر، وبعد تصميم الفرعون نفسه، على اختيار الطريق الثالث الوعر، حتى يمكن مفاجأة العدو، وهكذا سار "تحتمس الثالث" على رأس قواته، وهو يتقدم الجيش كله، على طريق "عارونا" الضيق، حاملاً أمامه صورة أبيه "آمون"، ضارباً أروع مثل في الإقدام والبطولة والشجاعة، ولم يكن واحد من رجال العدو يتوقع أن يسلك فرعون ذلك الممر الضيق من شعاب الجبل، ومن ثم فقد ظل العدو هادئاً مطمئناً عند نهاية الممر حتى انتهي فرعون من المرور بقواته، والذي استغرق يوماً كاملاً. وهكذا فقد استطاع الفرعون الشجاع الجريء أن يباغت أعداءه، وأن يأتيهم من حيث لا يحتسبون، وكان ذلك في يوم "عيد القمر الصادق". غير أن جنده ما أن رأوا بشائر النصر، حتى اندفع فريق منهم يجمع الغنائم والأسلاب، مما مكن عدوهم من الفرار، تاركين وراءهم عرباتهم، ومعسكرهم المليء بالنفائس، وقد كلفت هذه الغلطة التي ارتكبها الحمقى من جند فرعون، كلفت الملك والجيش حصار "مجدو" سبعة أشهر، فقد كانت المدينة محصنة، وأمنع من أن تنالها بسهولة الأسلحة المستخدمة في الحصار في ذلك العهد، فقد كان حولها خندق عميق، وكان يحميها سور، فعسكر المصريون خارجها حتى يضطر أهلها إلى التسليم عندما يشتد بهم الجوع. وكان انتصار الفرعون فاتحة لحملات أخرى بلغ عددها 16 حملة، كان من نتائجها الاستيلاء التام على سورية وفلسطين وفينيقيا.

ثم كانت سياسة الفرعون الرشيدة، والتي تمثلت في أخذ بعض من أبناء الأمراء وحكام البلاد الأجنبية بهدف تنشئتهم على الطريقة المصرية، مع أبناء كبار رجال الدولة في مصر، حتى يشبوا على حب مصر وصداقتها وينالوا قسطاً من الثقافة المصرية، ويمارسوا الحياة المصرية في القصور الملكية التي تحبب لهم الإقبال على الحياة في مصر، وتتيح لهم فهم حضارتها الرفيعة المترفة، وتسهل على الفرعون أن يجعل منهم حكاماً في الأقاليم الشرقية والجنوبية، مدركين قيمة الوحدة مع مصر وأقاليم الشرق القديم في غربي آسيا وفي النوبة.

ومن هنا فقد أنشأ الفرعون في "طيبة" مدرسة يتعلم فيها ولي العهد مع أبناء كبار رجال الدولة، فضلاً عن أبناء الأمراء الآسيويين والنوبيين الذين يقاربونهم في السن، ليشبوا جميعاً وقد ارتبطوا مع ولي العهد برباط من المودة والصداقة، آملاً أن يخدموه في مستقبل الأيام خدمة الصديق لصديقه، وهي دون شك، أفضل بكثير من خدمة العبد لسيده.

وعلى هذا الأساس نمت أواصر الصداقة، مع الخضوع، بين الأسرات الحاكمة في سورية وفلسطين، وبين الفرعون والإدارة المصرية، التي نجد صداها بعد خمسين سنة من هذا التاريخ في رسائل العمارنة.

وجاء أمنحتب الثاني بعد أبيه "تحتمس الثالث"، وقامت في عهده ثورة عنيفة في غربي آسيا، وسرعان ما اندفع الفرعون الشاب على رأس جيشه نحو سورية، وهزم كل من لم يقدم له الخضوع والطاعة، وكان انتقامه منهم مروعاً، فقد مال إلى التنكيل بأعدائه بطريقة لم يعهدها المصريون من قبل، وتأباها الحضارة المصرية وأخلاقها، فضلاً عن تعارضها مع سياسة أبيه الراحل الحكيمة، حتى وإن كانت القسوة تعتبر موضع فخر في تلك العصور، كما كان يفعل "الآشوريون" و"العبرانيون"، ومن ثم فما كنا نرجو له أن يلجأ إلى هذا الأسلوب العنيف في معالجة الأمور، حتى وإن كانت من أجل توطيد دعائم الإمبراطورية المصرية.

وجاء تحتمس الرابع، وهو في نظر البعض آخر الفراعين المحاربين، من هذه الأسرة العريقة، التي قامت على أكتاف ملوكها الإمبراطورية المصرية، وهو أيضاً آخر ملوك هذه الأسرة، الذي ذهب خارج مصر، متقدماً جيشه، ليثبت من أقدام هذه الإمبراطورية، وليجعل هيبة مصر، كما كانت من قبل، وكما سوف تظل قوية ومهابة.

وهناك ما يشير إلى ثورة هبت في الولايات المصرية في غربي آسيا، وأن الفرعون خرج على رأس جيشه، حيث قضى على الثورة، ثم عاد إلى مصر محملاً بالغنائم، وبعدد كبير من الأسرى، بنى لهم حيَّا خاصاً في العاصمة المصرية "طيبة".

وجاء أمنحتب الثالث على العرش بعد أبيه "تحتمس الرابع"، في وقت كانت فيه الإمبراطورية المصرية وطيدة الأركان، ومن ثمَّ فلم تكن هناك حاجة إلى الاستعراضات العسكرية أو الحملات التأديبية إلا في القليل النادر، فقد كانت مصر وقتذاك هي مركز العالم المعروف، وسيدة الدنيا دون منازع. وجنى "أمنحتب الثالث" ثمار حروب أسلافه، فتدفقت الجزية إلى مصر، وبلغت ثروة مصر وخيراتها في بداية عهده مبلغاً لم تبلغه من قبل، وكان الملك الشاب ميالاً إلى البذخ والترف وغير محب للحرب، وساعده على ذلك أن الأمور قد استتبت في غربي آسيا على وجه الخصوص. وكانت مصر على أيام "أمنحتب الثالث" قد بلغت ذروة مجدها وثرائها، وكان فرعونها ملك الملوك في الشرق القديم قاطبة.

ومن ثم فلقد أصبح فرعون مركزاً للمراسلات من كل دول الشرق القديم التي تنافست على اكتساب وده، والفوز برضاه لعله يفيض عليهم من ذهبه نظير ما يقدمون له من الجواري الحسان، وهكذا استقرت الأمور لأمنحتب الثالث، وارتبط بعلاقات مصاهرة مع معظم ملوك الشرق القديم.

هذا إلى أن أحفاد أسرى "تحتمس الثالث" من أمراء الشام والنوبة، الذين كانوا قد نشأوا نشأة مصرية خالصة، أصبحوا الآن على رأس ولاياتهم، ومن ثمَّ فقد كانوا موالين لمصر ولفرعون، وحققوا ما كان يصبوا إليه "تحتمس الثالث" قبل أكثر من خمسين عاماً مضت. غير أن الأمور سرعان ما بدأت تتغير في أخريات أيامه، بعد أن استنام إلى حياة الرفاهية وترك تقاليد أجداده في إيثار السلام المسلح، والخروج من حين إلى حين على رأس جيشه إلى أطراف دولته لطمأنة الموالين والضرب على أيدي الخارجين عليه، فافتقدت شعوب الولايات الآسيوية صلاتها بفرعون وبدأت تئن تحت وطأة دسائس المطامع في الداخل والخارج. وقد بدأ "الحيثيون" يعبثون بالحدود السورية والميتانية، ويغرون ضعاف النفوس من الأقاليم بالعمل لصالحهم، وعندما خفت الإدارة المصرية في سورية وفلسطين أغار بعض أمرائها على جيرانهم، وهددت قبائل "الخابيرو" و"العابيرو" البدوية الأمن وسبل التجارة، ونقرأ في "رسائل العمارنة" كثيراً من صرخات الاستغاثة من الأمراء الموالين لمصر.

ومن أسف، فإن "أمنحتب الثالث" لم يهتم كثيراً بهذه الاستغاثة، ومن ثم فقد انتهزت عصابات "الخابيرو" الفرصة فعاثت في الأرض فساداً، كما بدأ "الحيثيون" يهددون نفوذ مصر في غربي آسيا.

وجاء أمنحتب الرابع وانشغل بدعوة التوحيد، الأمر الذي أضعف الإمبراطورية المصرية، وبخاصة في سورية وشمال فلسطين، وإن كان هناك من يرى أن قوات الفرعون كانت نشطة إلى حد ما في غربي آسيا، وإن لم تنجح في الحفاظ على الإمبراطورية المصرية، وأن الأمر قد استمر كذلك حتى نهاية الأسرة الثامنة عشرة، وإن كانت هناك أدلة على وجود تحركات عسكرية مصرية في غربي آسيا على أيام "توت عنخ آمون" و "حور إم حب".

ثانياً: السياسة الخارجية للأسرة الثامنة عشرة في الجنوب:

تمكن أحمس الأول من استعادة النوبة، وأقام معبداً في جزيرة "صاي"، على مبعدة 190 كم جنوبي وادي حلفا، كما بدأ في إصلاح قلعة مدينة "بوهن"، أمام وادي حلفا عبر النهر، وجعل منها المدينة الرئيسية في مناطق النوبة التي استردها المصريون.

وهناك ما يشير إلى أن أمنحتب الأول قد وطد نفوذه تمامّا في النوبة حتى جزيرة "صاي"، ثم عمل هو أو ولده "تحتمس الأول" على أن يجعل للنوبة السفلى شخصية واضحة في صلب الأقاليم المصرية، ليثبت أنها جزء من مصر، يجري علها ما يجري على الأقاليم المصرية نفسها، وأصبح حاكمها يلقب "ابن الملك في كوش"، ثم أضيفت إليه فيما بعد "المشرف على الأراضي الجنوبية"، أو "المشرف على بلاد الذهب الخاص بآمون".

وفي العام الثامن من حكمه قام تحتمس الأول بحملة لمد حدود مصر الجنوبية، وصل بها على مقربة من "الجندل الرابع"، ثم أقام سلسة من الحصون في "تومبوس" وعلى "جزيرة صاي".

وهناك لوحة مؤرخة بالعام الأول من حكم تحتمس الثاني، أقيمت فيما بين أسوان وفيلة، تتحدث عن تمرد في النوبة، قضى عليه الفرعون.

وفي عهد حتشبسوت بقيت النوبة في سلام، وإن أشير إلى حملتين، الواحدة قادتها المرأة الفرعون بنفسها، كما يظهر في معبد الدير البحري، والأخرى قادها أحد رجالها، كما يشير نص من جزيرة سهيل، هذا وقد بنت الملكة معبداً في "بوهن"، وآخر في "فرس" للإلهة "حتحور".

وتميز عهد تحتمس الثالث بالهدوء في "النوبة"، وإن اضطر على الأرجح إلى القيام بحملة في العام الخمسين من حكمه حيث قامت ثورة بالنوبة، قضى عليها نهائياً، وأثناء العودة قام بتطهير القناة التي سدتها الأحجار في "الجندل الأول".

وعلى أية حال، فقد تمتعت النوبة في عهده بالأمان، كما قام الفرعون بالعمل على حماية مناجم الذهب في النوبة والطرق التجارية من غارات البدو.

ووصل أمنحتب الثاني بحدوده حتى "النقعة"، شمال "الجندل السادس"، وعلى مبعدة 112 كم شمالي "الخرطوم" الحالية، حيث بنى معبداً هناك.

وهناك ما يشير إلى حملة قام بها تحتمس الرابع في العام الثامن من حكمه لإخماد ثورة ما قامت في النوبة السفلى عندما مشغولاً بالاحتفال بعيد "آمون" في "طيبة"، وخلال عودته من الحملة كان الفرعون يقف عند كل معبد لتباركه الآلهة، ثم عاد إلى "طيبة" وفي ركابه كثير من الأسلاب، كوَّمَها في ساحة آمون، وأعداد كبيرة من الأسرى، أنزلهم حول معبده الجنائزي، حيث يخدم هناك أمثالهم من أسرى الشرق.

وهناك ما يشير إلى قيام ثورة في العام الخامس من حكم أمنحتب الثالث، وكان عدد الأسرى يزيد عن 1052 أسيراً، فضلاً عن تكليف الحاكم "مري موسى" بتجنيد فرقة نوبية من المناطق فيما بين "كوبان" و"عنيبة".

وشيد الفرعون معبداً في "سدنجة" شمالي الجندل الثالث، لم يتبق منه اليوم سوى أطلال من كتل أحجاره وواحد فقط من أعمدته، وفي هذا المعبد كانت تؤدَى العبادات من أجل "الصورة الحية" لزوجته الملكة "تي"، التي جعل منها زوجها "الإلهة الراعية للنوبة".

وكان أشهر منشآته المعمارية بالنوبة هو المعبد الضخم الذي شيده في "صُولب"، على الضفة الغربية للنيل جنوبي "سدنجة"، والذي يُعتبر أجمل معابد النوبة المشيدة من الأحجار، ولابد أنه عند تشييده كان يضارع معبد الأقصر، ولا عجب فالتصميم لنفس المهندس أمنحتب ابن حابو.

وكان الفرعون قد كرس المعبد لنفسه ولصورته الحية، وحتى يُعبَد هناك مع المعبود الكبير "آمون رع"، وإن كان البعض يذهب إلى أن الفرعون لم يُعبَد هناك تماماً كما كان يأمل وقت تشييد المعبد، وإن كان بعض الموظفين قد تعبدوا لتمثاله على أيام حياته، ربما إرضاءً منهم لذاته الملكية.

وقد شيد أمنحتب الرابع، قبل أن يغّير اسمه إلى اخناتون، في "سيسبى" مجموعة من ثلاثة معابد، ذات أساس واحد كونت نواة مدينة صغيرة مسورة، ومقصورة خصصت للإله الجديد "آتون".

ومن اللافت للنظر، أن كهنة "آمون"، بعد فشل دعوة "اخناتون"، وعندما استعادوا سلطانهم القديم في مصر، فقد قاموا بتحطيم كل معابد "آتون" القائمة في مصر، إلا أنهم لم يحطموا معابد "سيسبي" المذكورة، وإنما ولسبب غير مفهوم، فقد اكتفوا فقط بمجرد تحطيم وتشويه المناظر والنقوش التي تخص "آتون".

وكان "اخناتون" هو صاحب الفضل في تأسيس مدينة جم آتون التي تقع أطلالها عند "الكوة" الحالية، على مبعدة 4 كم جنوبي "دنقلة"، والتي ربما كانت بمثابة المركز الثالث لدعوة التوحيد، بجانب مركز الدعوة الرئيسي في مصر في مدينة "آخت آتون" (تل العمارنة)، ومركز ثان في غربي آسيا، ربما في "بيت المقدس" أو "بيت شمش" بفلسطين.

وعلى ما يبدو فقد ساد الهدوء إقليم النوبة بشكل عام في أيام حكم الفراعنة سمنخ كارع وتوت عنخ آمون وآي.

غير أن مصر وقتذاك لم تعد تقبض على ناصية الأمور هناك بنفس الصورة التي كانت عليها على أيام "أمنحتب الثالث" من قبل.

أما حور إم حب فقد زار إقليم النوبة مرتين، الأولى عندما كان قائداً للجيش، والثانية بعد أن أصبح ملكاً للبلاد، وإن لم تكن حملته الثانية على ما يبدو أكثر من مجرد استعراض عسكري للقوات، وعمل الفرعون على تجنيد النوبيين في الجيش المصري بأعداد كبيرة.

 

السياسة الداخلية للأسرة التاسعة عشرة

أسس هذه الأسرة الفرعون رعمسيس الأول (1295-1294 ق.م)، والذي لم يمكث على العرش كثيراً، لأنه كان طاعناً في السن. 

سيتي الأول (1294–1279 ق.م):

بعد وفاة "رعمسيس الأول" جاء من بعده على العرش ولده سيتي الأول، والذي كان عهده إيذاناً ببعث جديد، شهد الناس فيه الفرعون يقيم معبده العظيم في "أبيدوس"، والذي يعتبر أجمل معرض للفنون المصرية القديمة، فنقوشه جميلة رقيقة، تتميز بالدقة التامة والإتقان الواضح والتصميم الفريد.

وكان الفرعون قد أصدر مرسوم نوري، وهي بلدة تقع على مبعدة حوالي  35 كم شمالي "الجندل الثالث" بالنوبة، وذلك لحماية مخصصات المعبود "أوزير" في أبيدوس.

وهناك على مبعدة 55 كم شرقي "إدفو"، حفر "سيتي الأول" معبده المعروف في "وادي عبادي"، والذي عُرف عند الآثاريين بـ"معبد الرديسية"، وهو اسم أطلقه عليه "كارل ريتشارد لبسيوس" (1810-1884م) لأنه وصل إليه عن طريق مدينة "الرديسية"، كما عُرف كذلك باسم "الكنايس" لأن المعبد كان في نظر السكان أشبه بكنيسة مسيحية.

هذا وقد نحت معبد الرديسية في الصخر، ثم أكمل من الخارج بالبناء وعليه بعض النقوش التي تدل على استغلال الذهب هناك، ومنها ذلك النص الذي يرجع إلى العام التاسع من الحكم، ويروي أن "سيتي الأول" أراد أن يزور مناجم الذهب، غير أن الطريق إليها كان شاقاً ووعراً، ومن ثم فقد أمر بحفر بئر في هذه المنطقة حتى يستقى منها العمال الذين يعملون في المناجم، فضلاً عن أولئك الذين يعملون في بناء المعبد.

وهناك في "متحف تورين" بردية، ترجع إلى أيام "سيتي الأول"، وعليها أقدم خريطة جغرافية في التاريخ، عُنى فيها الرسام بتوضيح الطرق المختلفة وكتب عليها ما يساعد المطلع عليها، لمعرفة الطريق إلى تلك المناجم، وكان العلماء في القرن التاسع عشر يظنون مكان هذه المناجم في "وادي العلاقي" بالنوبة، غير أن الأبحاث الحديثة تؤكد أنها مناجم في "أم الفواخير" في "وادي الحمامات"، وقد حدد مهندس هذه الخريطة موقع هذه المناجم، والطرق المؤدية إليها، فضلاً عن الطرق المؤدية منها إلى البحر الأحمر، وموقع معبدها المحلي، وموقع "جبل بخن" (جبل الشست) منها، وعرَّف بعضها بأسماء مختصرة، ومن أمثلة ذلك اختصار اسم البحر الأحمر إلى "اليم"، وهو الاسم السامي الذي عبَّر به القرآن الكريم عن البحر والنهر.

هذا وقد ترك "سيتي الأول" كثيراً من الآثار في مناطق مختلفة في "سيناء" و"قنتير" و"عين شمس" و"الجيزة" و"منف" و"إسطبل عنتر"، جنوبي مقابر "بنى حسن"، و"قفط" و"المدامود" و"طيبة" و"الكاب" و"جبل السلسلة" و"أسوان"، كما أقام في النوبة آثاراً في "كلابشة" و"الدكة" و"عمدا" و"كوبان" و"سيسبي" و"جبل البرقل"، هذا إلى جانب إصلاحات في معابد "طيبة"، كما في "الكرنك" و"الدير البحري".

وقد كشف عن مقبرته چيوفاني بلزوني في أكتوبر عام 1817م، وهي دونما ريب أروع مقابر "وادي الملوك"، وتشمل العديد من الدهاليز والحجرات والقاعات، ويبلغ عمقها في الصخر حوالي مائة متر، وهي مزينة من مدخلها بنقوش ملونة ذات ألوان طبيعية وضَّاءة.

وأما تابوته المرمري الجميل فهو محفوظ الآن في متحف "سون" في "لندن"، وكانت جثة الفرعون التي انتزعت من التابوت قد وجدت طريقها فيما بعد إلى "خبيئة الدير البحري" التي كشف عنها في عام 1881م.

رعمسيس الثاني (1279-1213ق. م):

جاء بعد أبيه "سيتي الأول"، وحكم حوالي 67 عاماً، وهو علم من أعلام مصر الخالدة، ما في ذلك من ريب، بل ليس هناك ملك أو فرعون من ملوك مصر وفراعينها العظام، بلغ من الشهرة ما بلغه "رعمسيس الثاني"، وما في ذلك من ريب كذلك، وربما كان السبب في ذلك أن الأقدار أعطته ما لم تعطه لغيره من عظماء الدنيا، فهو "ملك شرعي" غير مطعون في شرعيته للعرش المصري، لأنه ملك وابن ملك وحفيد ملك، وهو قد ورث عن أبيه دولة قوية ذات ثراء عريض ومجد تليد، وهو قد اكتسب دراية في شئون الحرب والسياسة، منذ أن شارك أباه في إدارة البلاد، وفي قيادة قواتها المسلحة. وكان قد وُلي الحكم شاباً يمتلئ نشاطاً وحماساً، وتحدوه آمال عراض في أن يسود الدنيا، وهو قد وجد من بين رجال أبيه، فضلاً عن رجاله هو المدنيين منهم والعسكريين، خبرة بشئون البلاد الداخلية والخارجية.

وقد صادم الفرعون في أوائل أيام حكمه أقوى قوة عسكرية آسيوية في عصره، وهم الحيثيون، وكتب له نجحاً بعيد المدى في أن يصون لمصر سمعتها الحربية، وأن يستعيد إمبراطوريتها الآسيوية، وقد أثبت في ساعة العسرة شجاعة لا يصل إليها إلا الأفذاذ من الرجال، فضلاً عن الشجعان من رجالات الحرب على مدى تاريخ البشرية كله، وهو قد أقام المباني في طول البلاد وعرضها، حتى لا نكاد نعرف منطقة أثرية في مصر ليس له أثر فيها، أو على الأقل ذكر لاسمه. وقد قدِّر له أن يجلس على عرش البلاد أطول فترة عرفها التاريخ لملك من الملوك، بعد الملك "ببي الثاني" من الأسرة السادسة، وهو قد عاش ملكاً مؤلهاً حتى رأي البلاد تحتفل بـ"عيده الثلاثيني" الثالث عشر. وهكذا استطاع "رعمسيس الثاني" أن يفرض اسمه وشخصيته على عصره فضلاً عن العصور التالية.

وتبدو عظمة "رعمسيس الثاني" أكثر وضوحاً في إقليم النوبة، حيث نحت في صخره مجموعة فريدة من المعابد والمقاصير الدينية أشهرها معبدا أبي سمبل. وهناك بقايا تماثيل الفرعون في "منف"، ومنها تمثاله الضخم في متحف ميت رهينة، فضلاً عن تمثاله الجرانيتي الشهير الذي نقل مؤخراً من ميدان رمسيس بالقاهرة، بعد أن ظل يتوسطه زهاء 52 عاماً قبل أن يُنقل إلى مقره الجديد أمام مدخل أرض "المتحف المصري الجديد" المزمع إنشاؤه بالقرب من "هضبة الأهرام" و"ميدان الرماية" بمحافظة الجيزة.

وهناك ما يشير إلى بناء معبد له في "منف"، وهناك لوحة في "أبو سمبل" يعترف الفرعون فيها بالنعم التي أسبغها عليه "بتاح" إله "منف"، فضلاً عن معبد للإله "تحوت" في "منف"، وآخر في الكاب للإلهة "نخبت". وفي معبد الأقصر أضاف رعمسيس الثاني للمعبد الأصلي صرحاً كبيراً يمثل واجهة المعبد الحالية، وشيَّد أمامه ستة تماثيل ضخمة تمثله ومسلتين، وخلف الصرح بهو أعمدة كبير يضم 74 أسطوناً.

بقيت الإشارة إلى كثرة زوجات الفرعون وأبنائه وبناته، رغم أننا لا نعرف الكثير عن زوجاته، غير أن ثلاثة منهن قد اشتهرن، وهن الملكة نفرتاري، صاحبة أجمل مقبرة في وادي الملكات بالبر الغربي بالأقصر، إلى جانب معبد أبي سمبل الصغير، و(الثانية) هي إيزة نفرت، وهي أم أبناءه المفضلين عنده، و(الثالثة) هي الأميرة الحيثية من ماعت نفرو رع.

وتشير قوائم "رعمسيس الثاني" إلى ذريته الضخمة، فتذكر قائمة أبيدوس 33 ابناً و22 بنتاً، وتذكر قائمة معبد وادي السبوع 111 ولداً، و51 بنتاً، غير أن الفجوات الكثيرة في النصوص تجعل من المستحيل تقدير الرقم الحقيقي لأبناء وبنات الفرعون.

مرنبتاح (1213-1203 ق.م):

جاء بعد أبيه "رعمسيس الثاني"، وترك لنا عدة آثار في مناطق مختلفة من البلاد، فضلاً عن معبده الجنائزي في طيبة الغربية، وبقايا معبد في "منف". هذا إلى جانب لوح إسرائيل المحفوظ بالمتحف المصري بالقاهرة، والذي عثر عليه "بتري" عام 1896م في أطلال معبده الجنائزي، مما جعل جمهرة من المؤرخين يرون أن "مرنبتاح" هو فرعون الخروج، وأن أباه "رعمسيس الثاني" هو "فرعون التسخير". على أن هناك من يعارض ذلك الرأي، لأن "مرنبتاح" قد عاش بعد ذلك التاريخ المسجل بما لا يقل عن خمسين عاماً، كما أن مومياءه المكتشفة في حالة من السلامة يُستبعد معها أن تكون لملك غرق في مياه البحر.

هذا وقد أعقب موت "مرنبتاح" فترة من الاضطرابات، حدثت فيها مؤامرات شتى حول العرش، فتعاقب عليه عدد من الملوك لم يحكموا سوى فترات قصيرة، وتناول أمر تابعتهم وعلاقاتهم بعضهم البعض جدل طويل بين العلماء حتى نادى البعض بوجود مشكلة وراثة مثل مشكلة حتشبسوت و"التحامسة"، وتقوم مرة أخرى على إثبات الخراطيش الملكية ومحوها، نتيجة ولاء أو عداء لا نستطيع تقدير مداهما، وإن كان نتيجة ذلك كله أن أصبح تعاقب الملوك الذين خلفوا "مرنبتاح" على العرش موضع جدل طويل بين علماء المصريات.

وعلى أية حال، فإن الدراسات الحديثة إنما تميل إلى ترتيب ملوك الأسرة التاسعة عشرة بعد "مرنبتاح" كالتالي: أمنمس "آمون مس" (1203-1200 ق.م)، سيتي الثاني (1200-1194 ق.م)، سابتاح (1194-1188 ق.م)، تا وسرت: وكانت وصية على "سابتاح"، ثم انفردت بالحكم، باي السوري "إرسو": وقد حكم عشر سنوات في آخر الأسرة.

على أن آثار ملوك هذه الفترة قليلة، ومنها مقبرة الملك أمنمس في وادي الملوك، والتي مُحيت معظم نقوشها، وإن بقي منها ما يشير إلى اسم أمه التي ربما كانت إحدى بنات "رعمسيس الثاني"، فضلاً عن جزء من تابوته. وهناك آثار للملك "مرنبتاح" ومعه سيتي الثاني الذي حمل لقب "ولى العهد"، وعُثر له على معبد صغير أقامه للإله "آمون" في "الكرنك"، وعُثر على اسمه في "الكرنك" و"الأقصر" و"مدينة هابو" و"عين شمس" و"منف" و"أبيدوس" و"المدامود" و"أرمنت" و"جبل السلسلة".

وأما مقبرة سيتي الثاني فعلى مقربة من مقبرة "تا وسرت"، وقد مُحيت الخراطيش التي تحمل اسمه فيها، وحلت غيرها في مكانها، وربما كان محو الخراطيش من عمل "أمنمس". وقد كشف عن مقبرة سابتاح على الممر الشمالي المؤدي إلى مقبرتي "تا وسرت" و"سيتي الثاني"، وكانت بها مومياؤه، قبل أن تنقل إلى مقبرة "أمنحتب الثاني"، غير أن خراطيشها قد مُحيت من على الجدران ثم أعيدت فيما بعد، كما حدث في مقبرة "سيتي الثاني".

وقد أمر "سابتاح" أن يُبنى له معبد جنائزي صغير شمال "الرمسيوم"، وهناك يظهر اسم باي مع اسمه على ودائع الأساس، وهي حقيقة تفسر الأوضاع التي ذكرت هنا آنفاً.   وأما مقبرة الملكة تا وسرت فتحمل فيها لقب "زوجة الملك العظمى"، بسبب زواجها من "سيتي الثاني"، غير أن هناك منظراً منعزلاً تبدو فيه واقفة خلف "سابتاح" الذي يقوم بتقديم القرابين لإله الأرض، وقد مُحي اسم "سابتاح"، ووُضع مكانه اسم "سيتي الثاني". وأما معبدها فيقع جنوب "الرمسيوم"، ويقرب حجمه من معبد "مرنبتاح". وكان قد عُثر في "خبيئة الدير البحري" على قطع من الحلي تشير إليها، بوصفها الزوجة الرئيسية للملك "سيتي الثاني"، وهناك آثار أخرى من عهدها في "قنتير"، وكذا في مناجم الفيروز في "سيناء".

 

السياسة الداخلية للأسرة العشرين (1186-1069 ق.م)

بدأت الأسرة العشرون بالملك ست نخت (1186-1184 ق.م)، ثم جاء من بعده ولده رعمسيس الثالث.

رعمسيس الثالث (1184-1153 ق.م):

خلال السنوات الأربع الأولى من حكمه، اتبع رعمسيس الثالث السياسة التي بدأها أبوه "ست نخت"، في إعادة النظم والقوانين، ونجح في تدعيم النظام العسكري، وهو ما كان أمراً ضرورياً بالنسبة لظروف مصر الخارجية وقتها.

وتميز النصف الأول من عهده بنهضة معمارية ملموسة، جدد بها الفرعون عهد المنشآت المعمارية الضخمة التي شهدناها على أيام "رعمسيس الثاني"، وكانت الظروف الاقتصادية في النصف الأول من حكمه تسمح بأن يقيم ما شيده في الصعيد والدلتا.

وقد أقام "رعمسيس الثالث" معبد مدينة هابو في طيبة الغربية، وهو مشيد بكتل من الحجر الرملي، ويُعتبر من أكبر المعابد الجنائزية التي ما تزال تحافظ على هيئتها في حالة جيدة، وتبلغ أبعاده حوالي 320 × 200 متراً. ويعتبر بمثابة آخر المعابد بل المباني الشامخة التي شيدها فراعنة مصر الكبار، من حيث الموقع والقيمة التاريخية، بل أن هناك من يعتبره آخر معبد مصري صميم، كما أنه المعبد الجنائزي الوحيد الذي يُعد خير وأهم ما بقى من نوعه في طيبة الغربية.

وشيد "رعمسيس الثالث" في معبد الكرنك معبداً صغيراً للإله "خونسو"، فضلاً عن مقاصير القوارب المقدسة لثالوث طيبة المقدس "آمون" و"موت" و"خونسو"، ويقع إلى اليمين مباشرة بعد الصرح الأول للمعبد. وأقام الفرعون بالكرنك معبداً إلهياً صغيراً في الفناء المفتوح، يُعتبر لبساطته نموذجاً لفكرة المعبد في الدولة الحديثة.

ويوجد خلف صرح المعبد فناء مستطيل على جانبيه صف من "الأعمدة الأوزيرية" التي تمثل الملك قابضاً على الصولجان والسوط، وينتهي الفناء بحائط نصفي تتخلله خمس فتحات، وخلف هذا الحائط "صُفة" من أربعة أعمدة، يحمل سقفها ثمانية أعمدة في صفين، ثم في نهاية المعبد هياكل الآلهة وقدس الأقداس الرئيسي المكرس للإله "آمون رع"، وعن يمينه هيكل المعبودة "موت"، وعن يساره وشماله هيكل "خونسو". وهناك مقصورة أقامها في "تل اليهودية"، هذا إلى جانب هياكل وآثار أخرى في "منف" و"عين شمس" و"سرابيط الخادم" و"تانيس" و"القنطرة" و"ألماظة" و"أبيدوس" و"قفط" و"قوص" و"المدامود" و"أرمنت" و"الكاب" وغيرها. هذا فضلاً عن الحي الجميل الذي شيده لآمون في بر رعمسيس "قنتير"، وكذا المنشآت الدينية التي أسرف الفرعون في بنائها إلى حد كبير. وقد نشر "جاردنر" نصاً ورد على قاعدة تمثال بالمتحف المصري، استنتج منه أن مدينة جديدة سميت تا آمون رع قد أنشئت في عهد الأسرة العشرين في شمال غرب الدلتا، وإن لم يحدد تاريخاً معيناً لإنشائها.

ومن ناحية أخرى فهناك نقاط ضعف كبيرة ظهرت في عهد "رعمسيس الثالث" ومنها:

الحالة الاقتصادية السيئة للبلاد في النصف الثاني من عهده، وما أدت إليه آخر الأمر من إضراب عمال الجبانة الملكية في طيبة الغربية، ربما بسبب الحروب المتكررة، ومشاريع البناء الكثيرة، فضلاً عن الهبات التي أغدقها الفرعون على معابد الآلهة المختلفة، وخاصة "آمون رع" الذي بلغت إيراداته نحو 10% من مجموع الأراضي المزروعة، ومنها عدد الأجانب المتمصرين في البلاط الملكي والجيش، إلى جانب تزايد عدد الأجانب الأرقاء في القصور والمعابد.

الثورة التي قام بها وزير في الدلتا ضد الفرعون، واتخذت من "أتريب" (بنها) مركزاً لها، وإن فشلت الثورة، وأقصى الوزير عن عمله، وطرد كل أتباعه من الجهاز الحكومي.

مؤامرة الحريم الملكي التي دُبرت لقتل الفرعون نفسه بتحريض من زوجته "تي"، التي استشعرت أن الفرعون كان راغباً في إقصاء ولدها "بنتاؤر" عن العرش، وبعون من بعض الحريم الملكي حدثت محاولة لاغتيال الفرعون، ولكنه على ما يبدو قد تمكن من كشف المؤامرة، ربما بعد إصابته، وأحال المتورطين فيها للقضاء. وهكذا فقد انتهت حياته بكارثة، أو على الأقل أن تلك المؤامرة المدبَّرة للقضاء على حياته قد عجلت بأيام حكمه للبلاد.

خلفاء رعمسيس الرابع (1147- 1069 ق.م):

خلف رعمسيس الرابع (1153-1147 ق.م) أباه رعمسيس الثالث على العرش، ثم جاء من بعده عدة ملوك يحملون جميعهم أيضاً اسم رعمسيس من الخامس حتى الحادي عشر.

ومن أسف أن هؤلاء الملوك الضعاف لم يكن واحد منهم بقادر على أن يحفظ لمصر مكانتها الدولية ومجدها العريق، فقد كانوا جميعا متشابهين في ضعفهم وفي خضوعهم لسلطان الكهان، وفي عجزهم عن التغلب على الأزمة الاقتصادية التي بدأت تطحن البلاد، ومتشابهين كذلك في عدم قدرتهم على إيقاف الفوضى في جميع مرافق البلاد.

وفي هذه الأوقات العصيبة من تاريخ الكنانة، أصبح يحكمها ثمانية من الملوك الذين لا يعتد بهم، من "رعمسيس الرابع" وحتى "رعمسيس الحادي عشر"، والذين كانوا يهتمون في حياتهم أكثر ما يهتمون بإعداد وتجهيز مقابرهم الفخمة في وادي الملوك.

ولم يكن هؤلاء الفراعنة جميعهم من رجال الحرب أو الإصلاح، ومن ثم فقلما نسمع عن واحد منهم سوى إشارات عابرة، كما جاء في عدد من البرديات عن أعمال رعمسيس الرابع، وما قام به من إصلاحات وإنشاءات في المعابد، وتصميم مقبرته، أو العمل في محاجر الصحراء، ولعل أهم ما جاء في هذه البرديات، أنباء الفوضى والانحلال في البلاد، والسرقات والرشاوى في إيرادات الدولة.

 

السياسة الخارجية للأسـرة التاسعـة عشـرة والعشرين

أولاً: في الشمال والشمال الشرقي:

قام سيتي الأول بمحاولة جديدة لاسترداد الإمبراطورية المصرية المفقودة في غربي آسيا، ووضع حد لنزوات البدو الذين كانوا يهددون الحدود الفلسطينية في الشرق، وذلك بعدما علم الفرعون أن بدو فلسطين يقومون بتدبير ثورة، حيث اجتمع زعماؤهم في مكان ما، غير آبهين لقوانين القصر الملكي، وغير ملقين بالاً إلى سلطانه، وغير عاملين حساباً لقوته. وهكذا يتقدم فرعون على رأس جيشه إلى "غزة"، وفي الطريق إليها يضطر إلى القيام بمذبحة بين الثائرين من "الشاسو" الذين اعترضوا طريقه، ثم يستمر الفرعون في طريقه لإخضاع الثائرين في "بيسان" و"حماة" و"ينوعام"، وينجح في حملته هذه في إخضاع كل بلاد فلسطين، فضلاً عن جانب من سورية الجنوبية. ويقوم "سيتي الأول" بعد ذلك بثلاث حملات ويستمر في تقدمه، حتى إذا ما كانت الحملة الأخيرة تحدث المواجهة بينه وبين "الحيثيين"، ومن أسف أننا لا نعرف تاريخ هذه الحملات ولا أين دارت رحاها، وإن كان هناك من يرى أنها كانت في مكان ما شمال "قادش". وطبقاً لنصوص معبد الكرنك، فلقد كتب النصر للفرعون، وأنه قد حصل منها على كثير من الأسرى والغنائم، وأجبر "الحيثيين" على العودة إلى بلادهم، فضلاً عن اعتراف "آمور" بسلطان المصريين في بلادهم.

وجاء رعمسيس الثاني بعد أبيه "سيتي الأول"، وبدأ حكمه بمتابعة انتصارات أبيه في فلسطين، ثم مدها إلى سورية، حيث كان النفوذ "الحيثي" قد تغلغل فيها منذ أيام "العمارنة"، ومن هنا كان من الصعب تجنب الصدام بين القوتين الأعظم حينئذ، مصر و"حاتي".

وهكذا كانت معركة قادش بين الفريقين في العام الخامس من عهد "رعمسيس الثاني"، وقد كتب النصر فيها للفرعون، بعد أن تعرض لكمين كاد أن يقضى عليه وعلى جيوشه، ولكنه استطاع بشجاعته أن يحول الهزيمة إلى نصر، وإن بقيت الحدود بين الدولتين كما كانت عند "نهر الكلب" في فينيقيا. غير أن الفرعون سرعان ما اضطر إلى الخروج إلى فلسطين في عام حكمه الثامن، بسبب ثورة قامت بتحريض من "الحيثيين"، ومن ثمَّ فقد اضطر الفرعون إلى مهاجمة المدن الثائرة وأن يتقدم إلى الشمال، حيث يلتقي بالحيثيين عند "توينب" ويوقع بهم هزيمة منكرة، وأن يستعيد السيادة المصرية على المدن الثائرة.

وعلى جدران معبد "الرمسيوم" أسماء بلاد "حاتي" و"نهرين" و"رتنو" و"قطنة" و"كريت" و"قبرص" و"بابل" و"آشور"، مع ذكر خضوعهم لمصر. ورغم ما في ذلك من مبالغة، فالذي لا ريب فيه أن مصر على أيام "رعمسيس الثاني" إنما نجحت إلى حد كبير في استعادة أمجاد الأيام الإمبراطورية الأولى في عهد الأسرة الثامنة عشرة، وأدرك المصريون والحيثيون آخر الأمر، أنه لا فائدة من إفناء جنودهم في الحروب.

وهكذا أبرمت معاهدة تحالف بين مصر و"حاتي" في العام الحادي والعشرين من حكم "رعمسيس الثاني"، واستطاعت المعاهدة أن تحقق أغراضا في نشر السلام بين الدولتين، وعاد توازن القوى في الشرق القديم إلى حالته القديمة، واستطاعت الدولتان أن توقفا أطماع "آشور" الفتية إلى حين، وزادت العلاقات الودية بين مصر و"حاتي"، ثم اكتسبت قوة في العام الرابع والثلاثين من حكم الفرعون بزواج سياسي كبير، حيث تزوج الفرعون من ابنة الملك الحيثي خاتوسيل الثالث، والتي أعطيت الاسم المصري مِن ماعت نفرو رع وبدهي أن هذا لم يكن أول زواج من نوعه، فالفراعين منذ عصر العمارنة قد اتخذوا زوجات أجنبيات.

ولما جاء مرنبتاح بعد أبيه "رعمسيس الثاني"، هبت ثورة في غربي آسيا اضطرته إلى الخروج لإخمادها في السنة الثالثة من الحكم. وكان الفرعون قد سجل نشاطه الحربي في السنة الخامسة من حكمه في لوح إسرائيل الذي جاء في نصه أنه لم يعد أحد من الأقواس التسعة (أعداء مصر) يرفع رأسه، فقد دُمرت ليبيا، وسلمت مملكة الحيثيين، وخربت كنعان، وقهرت عسقلان، وأخذت جازر، ودُمرت يانوعام، وأقفرت إسرائيل فما بقيت لها بذرة، وصارت سورية أرملة لمصر، وفرض السلام على كافة الأقطار.

 

وفي الأسرة العشرين، كانت مصر في أوائل عصر رعمسيس الثالث ما تزال تحتفظ بإمبراطوريتها الواسعة في الأراضي الآسيوية. وقد عُثر على تمثال للفرعون في "بيسان" وآخر في "مجدو"، كما أنه بنى معبداً للإله "آمون" في فلسطين، وكان لهذا الإله (آمون) تسع مدن يملكها في تلك البلاد، وترد إلى خزائنه ما تقدمه من جزى، وكان خط الحدود المصرية عند زاهي في "لبنان".

وهناك ما يشير إلى أن الفرعون قد اضطر في أوائل حكمه إلى إخماد ثورة في "آمور"، ربما بسبب هجرات الشعوب الهندوأوروبية، وربما أن "آمور" قامت بثورة ضد "رعمسيس الثالث" في أوائل عهده.

وكانت السنة الثامنة من الحكم من أقسى السنوات على مصر، حيث واجهت فيها تهديداً خطيراً، ذلك لأن شعوب البحر قد أتت في موجة كبيرة، تقدم بعضها بحراً وتقدم البعض الآخر "براً"، بغية احتلال مصر وسورية ثم الاستقرار الدائم في تلك البلاد، ومن هنا فقد جاءوا وفي ركابهم زوجاتهم وأطفالهم، وكثير منهم قد ركب عجلات تجرها ثيران.

ودارت المعارك في آسيا قريباً من "زاهي"، وفي مصر في مكان ما إلى الشرق من "بورسعيد" الحالية، ونجح الفرعون في أن يقضي على قوات الغزاة البحرية، وأن يحافظ على إمبراطورية مصر في غربي آسيا. غير أن خلفاء رعمسيس الثالث لم يستطيعوا الحفاظ على ممتلكات الإمبراطورية المصرية في سورية وفلسطين.

ثانياً: السياسة الخارجية في الغرب:

بدأت حدود مصر الغربية تتعرض للتهديد بسبب هجوم الشعوب الهندوأوروبية التي جاءت من نواحي "القوقاز"، ثم انتشرت في حوض البحر المتوسط، ونزل بعضها على شواطئ الشمال الأفريقي.

ثم يزداد الخطر عندما تبدأ تحركات ليبية تتجه نحو مصر، وتقوم مصر بقيادة سيتي الأول بالتصدي لها، وتلقنهم درساً قاسياً بعد هزيمة منكرة.

وتهدأ الأحوال على أيام رعمسيس الثاني، وإن كنا نقرأ على لوحة له من "أسوان" من عام حكمة الثاني يقول فيها أنه "أفنى التحنو"، وربما كان يعنى أن "التحنو" كانوا يخافون قوته، ولم يجرؤوا على غزو البلاد.

وعلى أية حال، فهناك ما يثبت أن الركن الشمالي الغربي للدلتا كانت تحميه سلسلة من القلاع على طول شاطئ البحر المتوسط، بناها رعمسيس الثاني.

غير أن البلاد سرعان ما بدأت تتعرض للخطر الليبي من جديد على أيام مرنبتاح، وبخاصة عندما انضمت إلى الليبيين شعوب أخرى بحرية قادمة من البحر المتوسط، أخذت تتدفق على الدلتا من "سردينيا" في الغرب إلى "آسيا الصغرى" في الشرق، ويشير ذكر هذه الشعوب في النصوص المصرية إلى ظهور "الأوروبيين" لأول مرة على مسرح الصراع.

هذا ويُرجع المؤرخون أسباب هذا الزحف الليبي نحو مصر لأسباب، ربما كان منها زوال شخصية "رعمسيس الثاني" ذات الشهرة الحربية القوية، وربما كان السبب إنما يرجع إلى أسباب اقتصادية، ذلك أن "ليبيا" بلد فقير، ومن ثمَّ فقد كان السكان المجاورون لمصر، خلال كل العصور التاريخية، دائمي الرغبة في ترك حياة الصحراء القاسية والتمتع بالأمن والراحة على حدود وادي النيل، وزاد سوءاً هذه المرة تحركات "شعوب البحر". ثم سرعان ما تحركت هذه الشعوب إلى الشاطئ الأفريقي، تجر في ركابها النساء والأطفال على عربات تجرها الثيران، ثم اختلطوا بالسكان الأصليين وأجبروهم على الخضوع لهم، وأخيراً تحركت هذه الجموع طامعة في أن تعبر البراري إلى الدلتا، وأن تستقر في أرضها الخصبة.

وفي السنة الخامسة من عهد مرنبتاح تقدم الليبيون وشعوب البحر إلى مصر، ومن المرجح أن الفرعون قد اختار للمعركة موقعاً يستطيع أن يكسب النصر منه، اختلف الباحثون بين أن يكون داخل الدلتا أو على حافة وادي النطرون، ودارت معركة حامية الوطيس، انتهت بهزيمة ساحقة للغزاة. ولا ريب في أن النصر المصري، إنما يرجع إلى اختيار "مرنبتاح" الموفق لمكان المعركة، وما تميز به هذا الفرعون المسن من بسالة وشجاعة، فضلاً عن فاعلية حاملي النبال المصريين الذين تمكنوا من صدر المهاجمين.

وكانت المعركة مجزرة بشرية، بلغ فيها القتال غاية الشدة والعنف، مع أن المعركة لم تستمر أكثر من ست ساعات، بحسب ما ورد عنها في النصوص المصرية، فقد بلغ عدد القتلى والأسرى من الليبيين 6200 ومن رجال شعوب البحر 2370 وبلغ عدد الأسرى من الفريقين 9376 بين رجل وامرأة، ومن بينهم نساء الملك الليبي وأولاده وإخوته، ولسنا ندري معركة تنتهي بقتل وأسر ما يقرب من 18 ألف شخص، دون أن تكون قد بدأت بجيش قد قارب في عدده على الأقل ثلاثة أمثال هذا العدد.

وفي الأسرة العشرين تجدد الخطر على الحدود الغربية في السنة الخامسة من عهد الفرعون رعمسيس الثالث، وربما لأن الفرعون نفسه أرد أن يفرض عليهم حاكماً من قبله، الأمر الذي ظلت مصر تمارسه منذ هزيمة الليبيين على أيام سلفه "مرنبتاح"، ويبدو أن القبائل الليبية قد عارضت هذا التعيين، فكانت الحرب التي انتهت بهزيمتهم هزيمة منكرة على حدود الدلتا الغربية، وقتل فيها حوالي 12 ألفاً وأسر حوالي أربعة آلاف. غير أن "رعمسيس الثالث" لم يهنأ بنصره طويلاً، فلم تمضِ سوى سنون قلائل، استغلها الفرعون في عمل استحكامات لازمة لحصونه، فضلاً عن تقوية جيشه وتزويده بالعدة والعتاد، اتقاءً لخطر قد يقع، من الشرق كان ذلك أو من الغرب، وقد صدق حدس الفرعون في عام 1771 ق.م.

فقد أعاد الليبيون تنظيم أنفسهم وهاجموا مصر، في العام الحادي عشر من الحكم، وقام "المِشوش" بالدور الرئيسي في هذه الحرب، فتقدموا داخل البلاد ونهبوا المدن الواقعة على الشاطئ الغربي من "منف"، وحتى "أبو قير"، وواصلوا زحفهم حتى النيل على كلا شاطئيه، من "القاهرة" حتى "الإسكندرية". وتقدم الفرعون لملاقاة الأعداء، حيث دارت بين الفريقين معركة حامية الوطيس، أبلى فيها مشاة الفرعون بلاءً حسناً، فضلاً عما قام به الرجال الذين درَّبهم الفرعون على القتال من بطولات وتضحيات عظيمة، بينما كان الفرعون جداراً صلباً وثابتاً، وشاداً قوسه وتتم المجزرة التي أوقعها جلالته بالأعداء من "المِشوش" الذين غزوا مصر، على امتداد 84 كم. وبلغ انتصار الفرعون حداً جعل المصريين يعتبرونه حدثاً يحتفلون به سنوياً، ويُسمى "عيد قتل المِشوش"، كما خلعوا على الفرعون المنتصر لقب حامى مصر، والمدافع عن الأقطار، وقاتل المشوش، ومتلف أرض التمحو.

ثالثاً: السياسة الخارجية في الجنوب:

كانت النوبة على أيام "الرعامسة" تنقسم إدارياً إلى قسمين: "النوبة السفلى" واوات وعاصمتها "عنيبة" (ميعام)، على مبعدة 234 كم جنوب أسوان، و"النوبة العليا" كوش وعاصمتها "عمارة غرب"، على مبعدة 180 كم جنوبي "وادي حلفا"، هذا فضلاً عن أن مصر قد نجحت في توطيد سلطانها تماماً في النوبة، في عهد الأسرة الثامنة عشرة. 

وهناك إشارة من عهد رعمسيس الأول إلى تأسيس "معبد بوهن"، فضلاً عن أخرى من عهد سيتي الأول أن "أهل الجنوب أتوا خاضعين"، إلى جانب نص من السنة الرابعة أو الثامنة من عهده بأنه أخضع جهات في النوبة، ربما كان ذلك من نوع الحملات التأديبية غير المهمة، حتى أنها لم تسجل في مناظر حروبه على الجدار الشمالي الخارجي لصالة أعمدة معبد الكرنك. وشيد "سيتي الأول" مدينة في "عمارة غرب" أخذت تنمو بالتدريج، حتى أصبحت مركز الحكومة في "كوش"، ومقر حاكم النوبة هناك.

وهناك من عهد رعمسيس الثاني مناظر في معابد "أبو سمبل" و"بيت الوالي" و"الدِر"، تشير إلى القيام بحملات تأديبية في النوبة السفلى، لم تذكر مطلقاً أن النوبة بلد عدو، فلقد أصبحت تعتبر وكأنها جزء من مصر، وقد تمصر أهلها إلى حد كبير، وكان لزعمائهم أسماء مصرية، هذا فضلاً عن أن "النوبة السفلى" إنما كانت تزود مصر بالجنود، فضلاً عن الذهب، ومن ثم فقد أصبحت وظيفة "حاكم النوبة" (نائب الملك في كوش) من أهم وظائف الدولة.

وتميز عهد مرنبتاح بخلوه من المتاعب في النوبة، من ثم فقد كان نشاطه فيها محدوداً، وكل ما وجد له نقش في "معبد عمدا"، على مبعدة 203 كم جنوبي خزان أسوان، يشير إلى حملة قام بها في النوبة، ربما كانت بسبب ثورة هناك، وإن ذهب البعض إلى أنه أصبح من الضروري بعد هذه الحملة، إغراق ثورة شاملة لبلاد "واوات" في بحر من الدماء، وإن كانت ليست هناك أدلة تشير إلى ذلك.

وهناك ما يشير إلى أن الفرعون سا بتاح قام بحملة إلى النوبة لتثبيت حاكمها المدعو "سيتي"، وأن الأمور سارت طبيعية بعد ذلك، واستمرت بلاد النوبة تقدم جزيتها لفرعون.

وفي الأسرة العشرين كانت النوبة في تلك الفترة قد تمصرت تماماً، وكانت ضرائبها تصل إلى مصر باستمرار، وإن كان هناك في مناظر "معبد مدينة هابو" ما يشير إلى حملة اضطر رعمسيس الثالث إلى القيام بها ضد النوبة، ربما كانت بسبب تركيز كل اهتمام الفرعون بالأخطار التي كانت تهدد حدوده الشرقية والغربية. وهناك إشارات من عهد رعمسيس الحادي عشر آخر ملوك الأسرة العشرين، تفيد قيام ثورة بزعامة "نائب الملك في كوش" آنذاك "با نحسي" وجيشه حيث تدخلوا ضد "أمنحتب" كبير كهنة آمون، واحتلوا "طيبة" ومجاوراتها، ثم تقدموا إلى مصر الوسطى، وربما أبعد من ذلك نحو الشمال، مقتفين أثر كبير الكهنة وجيشه، وأن "رعمسيس الحادي عشر" قد وافق – راضياً كان أو مكرهاً – على تدخل "با نحسي". ويرى البعض أن الفرعون قد التجأ إليه بوصفه الوحيد القادر على كبح جماح كبير الكهنة "أمنحتب"، الأمر الذي يؤكد مدى تدهور الأوضاع في مصر وقتذاك، حتى يلجأ الفرعون إلى حاكم النوبة، وهو أحد موظفيه، ليقف بجواره ضد كبير الكهنة، داخل الأراضي المصرية. وهناك من يرى أن "رعمسيس الحادي عشر" ربما استدعى "با نحسي" وقواته في بداية حكمه وأصدر إليه الأوامر بالتدخل العسكري لحفظ النظام، وأنه نتيجة لأوضاع البلاد الاقتصادية السيئة، فقد اهتم "با نحسي" بعد وقت من تدخله العسكري بتموين وإعاشة قواته، فتولى منصب "رئيس مخازن الغلال"، وأنه نتيجة لذلك فقد ظهر الخلاف بينه وبين كبير الكهنة "أمنحتب"، واشتد الخلاف بينهما وتطور إلى صدام عسكري بين قواتهما. وعلى ما يبدو، فمنذ ذلك الحين تقريباً أصبح من يحكم النوبة بذهبها وجنودها، كأنه يحكم المملكة المصرية نفسها.

وعلى أية حال، فقد أعيد النظام لمصر العليا، وأصبح حريحور كبيراً لكهنة آمـون في طيبة بدلاً من "أمنحتب"، وربما كان "با نحسي" هو من قلده هذا المنصب، إذ من المفترض أنه أحد قواده المقربين. واعتبر تنصيب "حريحور" كبيراً لكهنة "آمـون" بداية تاريخ عصر نهضة، ومن هنا أصبحنا نرى منذ العام 19 من عهد "رعمسيس الحادي عشر" أن هناك تاريخين مختلفين للأحداث، أحدهما هو تاريخ الفرعون والآخر هو تاريخ عصر النهضة.

ومن ثمَّ فقد أصبحت السنة 19 من حكم الفرعون في عديد من الوثائق الرسمية، هي السنة الأولى من "عصر النهضة". وعلى أية حال، فسرعان ما عاد "با نحسي" إلى النوبة، وبعد وفاته دُفن في مسقط رأسه في "عنيبة"، في المقبرة التي تحمل حالياً رقم (38).

وبعد وفاة "رعمسيس الحادي عشر" خلفه على العرش حريحور الذي تقلد في البداية منصب "نائب الملك في كوش"، ثم أصبح وزيراً في طيبة، ثم حاكماً لإقليمي مصر العليا والنوبة، ثم أخيراً ملكاً لمصر، في أعقاب سقوط الأسرة العشرين.

موسى عليه السلام:

تذكر المصادر اليهودية أن موسى بن عمران يعود نسبه إلى قاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام أجمعين، وتذكر كذلك أن أمه كانت (يوكابد) بنت لاوي، وهو من سلالة بني إسرائيل أحفاد يوسف وأخوته الذين عاشوا في مصر.

ولد موسى عليه السلام في مصر، ونشأ وترعرع في أرضها، حتى أصبح شاباً قوياً، ولكن بسبب حادثة قتل فيها موسى عليه السلام عدوه، فقد خرج هارباً وخائفاً من بطش فرعون، واستقر في أرض مدين مدة 10 سنوات تقريباً.

وتذكر المصادر اليهودية أنه تزوج من (صفورة) ابنة شعيب في مدين، وعندما كان في طريقه للعودة إلى أرض مصر، وفي طور سيناء، نزل عليه الوحي، وأمر بتبليغ رسالة التوحيد وإخراج بني إسرائيل من مصر وإنقاذهم من فرعون.

أمره الله سبحانه وتعالى بأن يخرج مع بني إسرائيل من مصر، فخرج موسى ومعه بنو إسرائيل فراراً من فرعون، فلحقهم فرعون وجنوده وكادوا يدركونهم، فحدثت المعجزة الإلهية ﴿أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ... ﴾.

واختلف العلماء حول تحديد مكان انفلاق البحر، وأرجح الآراء هي:

1- البحر الأحمر.                             2- بحيرة المنزلة.

3- شمال خليج السويس.                    4- البحيرات المرة.

5- خليج السويس.                            6- أحد فروع دلتا نهر النيل الشرقية.

تاريخ خروج موسى وبني إسرائيل من مصر:

اختلف المؤرخون القدامى والمحدثون حول تاريخ خروج بني إسرائيل من مصر وبالتالي استقرارهم في أرض كنعان، وأهم الآراء تدور حول تاريخ الخروج هي خمسة، ولكن معظمهم يرجح خروج موسى مع بني إسرائيل على أيام رعمسيس الثاني أو على أيام ولده مرنبتاح . 

 

عصر الانتقال الثالث (1069-656 ق.م)

يشمل عصر الانتقال الثالث الأسرات الملكية من الحادية والعشرين (1069-945 ق.م)، وحتى الخامسة والعشرين (747-656 ق.م).

السياسة الداخلية للأسرة الحادية والعشرين

قامت الأسرة الحادية والعشرون في أعقاب وفاة "رعمسيس الحادي عشر"، ومن عجب أن مصر أصبحت الآن تحكم من عاصمتين منفصلتين:

طيبة: وتسيطر عليها حكومة ثيوقراطية، أقامها كهان آمون خلفاء "حريحور"، وقد اعتمدوا في تدعيم سلطانهم على مكانة "طيبة" العريقة وعلى سلطان "آمون" الذي فاق كل سلطان، فضلاً عن الزعامة التقليدية، وعلى السيطرة على ثروات النوبة، وقد مدوا سلطاتهم حتى "الحيبة" جنوبي "الفشن" بمحافظة بني سويف، وعلى الواحات الجنوبية، ومناطق التعدين في "قفط" و"وادي عبادي" و"وادي الكاب"، بمركز إدفو بأسوان.

تانيس: وهي "صان الحجر" الحالية بالشرقية، جنوبي "المنزلة"، وتسيطر على مصر الوسطى والدلتا، وقد حكم فيها سمندس. واعتبر ملوك تانيس أنفسهم أصحاب الحق والورثة الشرعيين لملوك الأسرة العشرين، بحكم قرابتهم أو مصاهرتهم لها، على رأي من يذهب إلى أن "سمندس" تزوج بعد ولايته العرش من "موت نجمت" وهي أميرة ملكية من أسرة الرعامسة.

ثم يساند ملوك الأسرة الحادية والعشرين حكمهم بثراء كانوا يحصلون عليه من تجارة مصر الخارجية مع غربي آسيا وحوض البحر المتوسط.

وتتابع ستة منهم على العرش، وقد زوَّج بعضهم بناتهم لأبناء "حريحور"، الذين تتابع منهم خمسة أو أكثر على حكم طيبة. وطبقاً لمانيتون، فتتكون الأسرة الحادية والعشرون من سبعة ملوك من "تانيس"، وربما الأرجح القول بأن "تانيس" كانت مقراً لحكمهم وليس الموطن الأصلي لهم، هذا وقد جاء ذكر خمسة منهم على الآثار. هذا فضلاً عن أن نشاط هؤلاء الملوك يكاد يكون مقصوراً على الدلتا، وأن يُكوَّن تاريخ مصر في هذه الفترة بمحض الصدفة، وذلك لأسباب، منها قلة ما كشف عنه من آثاره الصعيدية للآن، ومنها تحلل أغلب آثار عاصمته الشمالية، بفعل رطوبة الدلتا، وكثافة طمي النيل بها، وكثرة فروعه القديمة، فضلاً عما تم من تخريب آثاره، بيد الإنسان نفسه وذلك بحيث لا يكاد التاريخ يذكر من نشاط الأسرة في الحقل الداخلي غير استمرار الاهتمام بعمائر الإله "آمون"، وبقية الأرباب، على الرغم من قلة إمكانيات العصر، وتغلب طابع الدين على حياة المجتمع وأفكاره.

 

السياسة الداخلية للأسرة الثانية والعشرين

ترجع الأسرة الثانية والعشرين إلى أصل ليبي، هناك ما يشير إلى أن الانتقال من الأسرة الحادية والعشرين إلى الأسرة الثانية والعشرين قد تم في هدوء، وأن شيشنق الأول لم يقم بثورة لخلع "بسوسنس الثاني" آخر ملوك الأسرة الحادية والعشرين، وإنما انتظر حتى وفاته، ثم تقدم واستولى على العرش في "تانيس". وبالتالي فلم يُظهر "شيشنق الأول" أي عداء للبيت المالك، بل إنه كرّم ذكرى سلفه وأتم ما نقص من أعماله، وإن كانت هناك لوحة من "واحة الخارجة" ترجع إلى العام الخامس من حكم "شيشنق الأول"، تتحدث عن حروب واضطرابات في هذه البقعة النائية.

وأياً ما كان الأمر، فهناك أسرة جديدة تربعت على عرش الفراعين، واتخذت من تل بسطة في مجاورات الزقازيق عاصمة لها، ولعل هذا هو الذي دفع "مانيتون" إلى القول بأن أصل هذه الأسرة من "تل بسطة". ثم أصبحت إهناسيا - مقر أسرة شيشنق القديمة – إقطاعاً لفرع من أسرة "شيشنق"، تولت أمورها المدنية والدينية، واتسعت بحدودها.

وأما الصعيد، فلم يُعترف بشيشنق ملكاً على أرض الكنانة لفترة ما، ثم سلم بالأمر الواقع، وهنا غادر بعض كهنة طيبة مصر كلها، لعدم الرغبة في الخضوع للحكام ذوي الأصل الليبي، واتجهوا إلى أطراف الحدود المصرية الجنوبية على مقربة من "الجندل الرابع"، حيث كانت هناك أسرة جديدة تحكم في "نباتا"، عند سفح "جبل البرقل"، على مبعدة 1035 كم جنوبي "وادي حلفا". وهناك ما يشير إلى ثورة قام بها بعض الضباط الليبيين ضد "شيشنق" في العام الخامس من حكمه ، ربما بسبب الحقد والحسد، ولا ندري إن كانت هي نفسها ثورة العام الخامس في "واحة الداخلة"، أم أنها ثورة منفصلة عنها، وإن كانت حدثت في نفس عام الحكم الخامس. وقد اعترفت العواصم الشمالية القديمة مثل "منف" و"تانيس"، بشيشنق ملكاً على مصر، ربما بسبب علاقته بالأسرة السابقة، فضلاً عن علاقته بكهانة "بتاح" في "منف".

وأما في "طيبة" فقد تأخر الاعتراف به كفرعون حقيقي حتى العام الخامس من الحكم، ذلك أنه حتى العام الثاني لم يعترف به كهان طيبة، ولم يوضع اسمه في خرطوش ملكي، ولم تسبغ عليه الألقاب الملكية الفرعونية، وإن لم تشر نصوصها إليه كأجنبي صراحة، وفي النهاية اعترفت به "طيبة" كملك حقيقي، منذ العام الخامس من الحكم. وعلى أية حال، فمن المعروف أن "طيبة"، فضلاً عن معظم أقاليم مصر العليا، إنما كانت على أيام الأسرة الحادية والعشرين بمثابة دولة داخل الدولة، على رأسها أسرة كهنوتية، تحمل الألقاب العسكرية. ومن ثمَّ فقد عمل "شيشنق الأول" على توطيد وحدة البلاد بتعيين بعض أفراد البيت المالك وأنصارهم على رأس الإدارات الكبرى في كهانة آمون في طيبة، وبالزواج المستمر من بنات الأسرة الكهنوتية الطيبية، حيث أن عوامل المصاهرة تقضي على أسباب النزاع.

ثم سرعان ما عين ولده إيويوت في منصب "كبير كهنة آمون رع" في الكرنك، فكسر بذلك تقليد الوراثة المتعارف عليه من قبل لهذا المنصب الذي كان مشحوناً بالمخاطر، لأن كبار كهنة آمون لم يكونوا مجرد كهنة فحسب، وإنما كانوا كذلك رجالاً حربيين. وهكذا فقد ضمن "شيشنق" الإشراف المباشر على مهام المنصب، وحصوله على نصيب من ثروات آمون الطائلة التي تتدفق من مخصصاته، كما كفل لأسرته السلطتين السياسية والروحية معاً.

وعلى أية حال فقد جاء بعد "شيشنق الأول" عدة ملوك، أقل في قدراتهم منه.

 

السياسة الداخلية للأسرة الثالثة والعشرين (818-715 ق.م)

كان بادي باست مؤسس الأسرة قد بدأ عهده يقاسم "شيشنق الثالث" من الأسرة الثانية والعشرين سلطانه الملكي، وهناك اتجاه إلى أن عاصمته كانت "تل بسطة"، وإن نسبه "مانيتون" هو وأسرته إلى "تانيس" نفسها.

ويبدو أن البيتين الملكيين تقاتلا أول الأمر، ثم رضيا بالأمر الواقع، لتصبح مصر تحكم من أسرتين ملكيتين في وقت واحد، وذلك للمرة الثانية، وقد اعترف رسمياً بكل منهما في جميع أنحاء البلاد، وفي نفس الوقت ظل الأمراء الإقطاعيون شبه مستقلين، ولكل منهم مظاهر المُلك بصورة مصغرة. وترك بعض هؤلاء الملوك عدداً غير كبير من الآثار في مصر العليا، وبخاصة في منطقة "طيبة".

ولعل أهم حدثين في هذه الأسرة إنما كان أولهما فيضان النيل في عهد وسركون الثالث، والذي أغرق معبد الأقصر وحطم الرصيف الأمامي، فأمر الملك بترميم ما تهدم وبناء رصيف آخر، وخلد ذكرى هذا العمل على نقش في الركن الشمالي الغربي لبهو الأعمدة.

وهناك حدث آخر من عهد "وسركون الثالث" أيضاً، ذلك أنه لم يتبع سنة آبائه في تنصيب ولده "كاهنا أكبر لآمون" فحسب، وإنما وضع كذلك ابنته الأميرة "شب إن أوبت" في هذه الدولة الكهنوتية باسم زوجة آمون الإلهية، ولم يمض عهد طويل حتى زاد نفوذ الزوجات الإلهيات لآمون، وغطى على نفوذ كهان آمون الكبار، وكانت "شب إن أوبت" أول سلسة من السيدات استمر نفوذهن لمدة قرنين من الزمان ولعبن دوراً في السياسة، ربما كان أكثر أهمية من دورهن في الحياة الدينية.

 

السياسة الداخلية للأسرة الرابعة والعشرين (727-715 ق.م)

في العام 36 من عهد "شيشنق الخامس" أصبح الأمير تف نخت يحمل لقب "الرئيس العظيم للغرب"، كما زعم أنه "رئيس الليبو العظيم"، إلى جانب مجموعة أخرى من الألقاب الرنانة التي تعكس حكمه في سايس، "صا الحجر" الحالية شمالي "بسيون" بمحافظة الغربية، وحتى "بوتو" شمالاً. وهكذا سيطر "تف نخت" على النصف الغربي من الدلتا وأسس الأسرة الرابعة والعشرين، ثم بدأ يرنو بناظريه نحو الجنوب، متجنباً الصدام بفراعين وحكام شرق الدلتا الذين بدأوا ينحنون لسيطرته أول الأمر، ومن ثمَّ بدأ يعمل على إخضاع الأمراء المحليين في مصر العليا، بغية إعادة وحدة البلاد وإنقاذ مصر من الفوضى التي انتشرت فيها.

ولم يكن الرجل، كغيره من الأمراء المحليين، تهمه السيطرة على جزء من مصر، وإنما كان لا يرضى بأقل من أن تعود مصر إلى ما كانت عليه، "مملكة واحدة"، وقد كتب له نصيب كبير من النجاح في الدلتا ومصر الوسطى، غير أنه واجه قوات بعنخي (747–716 ق.م) التي كانت تزحف نحو الشمال، ولولا أن المصالح الشخصية كانت هي التي تسيطر على الحكام الليبيين، ولم يكن يُسعد الواحد منهم أكثر من أن يزهو "بوضع الريشة على رأسه" أحياناً، ليشير إلى أنه من أسلاف الليبيين، الذين كانت أيامهم أيام سوء، على كنانة الله في أرضه، وشعبها العظيم. وأما ملوك الأسرة الرابعة والعشرين فيما يرى العلماء فهم: تف نخت الأول - باك إن رن إف - تف نخت الثاني - نكاو الأول.

وقد نجح تف نخت الأول في تجميع أغلب الأمراء في الدلتا من حوله أثناء غزو "بعنخي"، وأنه حاول الوقوف أمامه ولكنه فشل. وطبقاً للوحة "متحف أثينا"، فقد كان الرجل ملكاً، وقد أوقف أرضاً على "معبد نيت" في "سايس"، وقد صُوِّر في منظر يعلوه نص يسجل ألقابه الملكية، ويقدم علامة الحقل للمعبودين "نيت" و"آتوم".

أما باك إن رن إف فلم يزد حكمه عن ست سنوات، ولم تعترف به "طيبة" كملك على الإطلاق، وظن "مانيتون" خطأ أنه مؤسس الأسرة. وقد رأى الأغارقة في هذين الملكين رجاحة العقل، ووصف "مانيتون" الملك باك إن رن إف بأنه كان مُشرِّعاً عظيماً، وذهب "ديودور" إلى أنه من بين الستة المُشرِّعين الكبار في تاريخ مصر القديم، وأن له مجموعة من الشرائع والإصلاحات الاجتماعية والقضائية المكتوبة بالديموطيقية.

 

السياسة الداخلية للأسرة الخامسة والعشرين (747-656 ق.م)

قامت هذه الأسرة في نباتا بالسودان، حيث رأي بعض العلماء أنها أسرة مصرية غادر أبناؤها "طيبة" على أيام "شيشنق الأول"، أنفة من الخضوع لحكم الليبيين لمصر.

وهناك في "نباتا" أقاموا حكومة تدين بديانة "آمون" وتتدخل كهانته في سياستها، حتى كان من حقهم عزل الملوك وتوليتهم، وأخيراً نجحوا في إقامة أسرة حاكمة تزعم الحق في حكم كل "نباتا" و"طيبة" معاً. وهناك من يفترض لهذه الأسرة أصولاً ليبية، ومن يفترض لها أصولاً سودانية، ونحن نميل إلى أنها أسرة مصرية تماماً.

هذا وقد ساء الملوك النبتاويين ما وصلت إليه الأحوال في مصر من تدني وفوضى، ومن ثمَّ فقد رأوا أن واجبهم يفرض عليهم ضم مصر إليهم، حفاظاً عليها من المتمردين الليبيين، الأمر الذي تم على يد الملك بعنخي الذي انتصر على تف نخت، وأسس الأسرة الخامسة والعشرين. وقد تميز فيها عهد طهارقا، رغم أن الحروب ضد "الآشوريين" قد زلزلته، بالمنشآت الكثيرة في مصر والنوبة، فشيد في معبد الكرنك ممراً مسقوفاً مكوناً من عشرة أعمدة في صفين، يؤدي لمدخل الصرح الثاني، لم يبق منه اليوم سوى عمود واحد يُعرف باسم "عمود طهارقا"، كما شيد معبداً للإله "بتاح"، وآخر للإله "أوزير"، إلى غير ذلك من العمائر في مدينة هابو، وغيرها من المدن المصرية، فضلاً عما شيده في بلاد النوبة.

وفي عام 664 ق.م، خلفه على العرش تانوت آمون، غير أنه لم يبق في مصر طويلاً وعاد إلى "نباتا"، بعد أن استولى "الآشوريون" على مصر في عام 666 قبل الميلاد.

السياسة الخارجية لعصر الانتقال الثالث

تحدثنا التوراة أن سليمان عليه السلام ملك إسرائيل قد صاهر فرعون مصر، وأنه سرعان ما لجأ إلى صهره الفرعون لكي يعطيه منفذاً على البحر المتوسط الشرقي، الذي كان يتنازع السيادة عليه الفينيقيون الساميون، والفلسطينيون الهندوأوروبيون.

ومن ثمَّ نقرأ في التوراة (ملوك أول 3/1، 9/16، 11/1) أن سليمان قد صاهر فرعون، وأنه أخذ مدينة جازر شمال غربي القدس، وأحرقها بالنار وقتل الكنعانيين الساكنين فيها، وأعطاها مهراً لابنته امرأة سليمان. وقد اختلف المؤرخون في شخصية فرعون الذي صاهر سليمان عليه السلام، فهل هو سيامون أو بسوسنس الثاني، بل أن هناك من يذهب إلى أنه شيشنق الأول. وأياً ما كان اسم هذا الفرعون، فإن شيشنق الأول إنما خرج على رأس الجيش المصري، بعد موت "سليمان" بأعوام خمسة، واخترق كل مملكتي "إسرائيل" و"يهوذا"، فضلاً عن شنه لغارة على الإقليم الجنوبي. وهناك ما يشير إلى أن "شيشنق" وخلفاءه قد أعادوا العلاقات الطيبة مع أمراء "ببلوس"، والتي ترجع إلى أقدم العصور، حيث كانت تستورد من هناك خشب الأرز، وإن توقفت هذه العلاقات على أيام الأسرة الحادية والعشرين. وفي الجنوب هناك ما يشير إلى إرسال حملة للحصول على احتياجات "آمون" في الكرنك، وإن كان هناك من يرجح أن ذلك إنما كان عن طريق العلاقات التجارية وليس الحربية.

وفي الأسرة الخامسة والعشرين بدأ "الآشوريون" يفكرون في غزو مصر نفسها، والتي كانت قد بدأت في عهد شبكو تترك "سياسة اللامبالاة" الخارجية التي كانت على أيام سلفه بعنخي، وربما كان ذلك بسبب قوة "آشور" المتزايدة في غربي آسيا، ومن ثم فقد رأينا فيما بعد أن شبتكويستدعى إخوته من "نباتا"، فأتوا ومعهم قوات أعطيت أمراً بالتجنيد والقدوم إلى الشمال. وأما بالنسبة لآشور، فقد مات سرجون الثاني (722–705 ق.م)، وخلفه ولده سنحريب (705–681 ق.م)، وكانت تلك اللحظة هي الإشارة للثورة، التي انتشرت كالنار في الهشيم بين الولايات الموالية لآشور.

وأما عن مصر، فقد كان في "القدس" (أورشليم) حزب قوي يبغى التحالف معها، ويطلب الحماية منها، وقد انضم إليه "حزقيا" ملك "يهوذا"، ومن ثمَّ فقد طلب من مصر التدخل في شئون فلسطين، لتدعيم الثائرين على النير الآشوري، وهكذا تكون حلف يضم كل من مصر وفينيقيا وفلسطين و"مؤاب" و"أدوم" و"عمون" و"يهوذا"، مع بعض القبائل البدوية.

وهكذا انتهزت مصر فرصة قيام حكومة جديدة في "آشور"، لإثارة المتاعب في طريقها، بغية إعادة نفوذ مصر في فلسطين، ومن ثم فقد تجددت العداوة الكامنة بين القوتين الأعظم مصر و"آشور" في عهد "سنحريب".

وبدأ الجيش الآشوري في غزو فلسطين في عام 701 ق.م، وإخضاع مدنها الواحدة تلو الأخرى، وفي هذا الوقت ظهرت قوة مصرية في جنوب غرب فلسطين، إلا أن قوات الآشوريين سرعان ما انسحبت من فلسطين، وعادت إلى العاصمة "نينوى".

غير أن إسرحدون (681–669 ق.م) خليفة سنحريب سرعان ما هاجم مصر، ولكنه لقي هزيمة منكرة حوالي عام 674 ق.م. غير أنه سرعان ما ظهر فجأة ونجح في احتلال "منف"، وظن أنه أصبح ملكاً على الصعيد والدلتا و"كوش"، ثم وزع الأمراء الذين رأوا في انتصاره فرصتهم كي يستردوا حريتهم على حساب الملك طهارقا، وقام بتعيين الأمير نخاو الأول ملكاً على "سايس" و"منف"، وأمَّن الملوك الصغار في مصر السفلى والوسطى، بل لقد بلغ من ثقته بنصره أنه أمر بتغيير أسماء مدن كثيرة إلى أسماء آشورية، نسبها إلى آلهة بلاده.

هذا وقد أمر بترحيل كثير من أصحاب المهارات المصريين إلى بلده "آشور"، فرحَّل جماعات من الأطباء والبيطريين والسحرة والصناع والموسيقيين، بل ومن صانعي الجعة والخبازين وغيرهم إلى عاصمته.

وهكذا وفي أخريات الربع الأول من القرن السابع قبل الميلاد، وقعت مصر السفلى والوسطى ولأول مرة في تاريخها للغزو الأجنبي - إذا سلمنا بأن وجود "الهكسوس" بمصر من قبل كان تسللاً وليس غزواً - ولقيت كنانة الله من الآشوريين أشد أنواع القسوة والهمجية.

وهنا أخذت كلمة القوم تتحد وأهدافهم تتقابل، وتذكروا أن عنصراً أجنبياً قد غزا بلادهم، واتصل أمراء الدلتا بالملك طهارقا في "طيبة"، طالبين منه أن يزحف إلى الشمال، وسيجد هناك الذخيرة، فضلاً عن الإمكانات المادية والبشرية، ما يشد به ساعده ويقوي به جيشه. وسرعان ما يلبى "طهارقا" النداء وينجح في استرجاع "منف"، وعزل الأمراء الذين خضعوا للملك الآشوري، ويجن جنون إسرحدون، ويخرج في حملة جديدة في عام 669 قبل الميلاد، بعد أن احتجزته مشاكل وراثة العرش عاماً كاملاً عقب عودته من مصر، وأعدم في هذا العام كثيراً من موظفيه، وأخيراً مات في "حران"، وتقع على نهر "بلخ"، على مبعدة 96 كم من اتصاله بالفرات، وإلى الغرب من "تل حلقا"، وعلى مبعدة 448 كم شمال شرق "دمشق"، وهي العاصمة السياسية السادسة والأخيرة للآشوريين.

وجاء آشور بانيبال (668-627 ق.م)، وفي عام 667/666 ق.م، جمع جيشاً من "الآشوريين" و"السوريين"، وخرج به إلى أرض مصر، حيث هاجمها براً وبحراً، وسرعان ما التقى مع جيوش طهارقا في معركة تحقق النصر له فيها، وانسحب "طهارقا" إلى الجنوب، مع قلة قواته. وعندما مات "طهارقا" خلفه تانوت آمون (664-656 ق.م)، فلبى دعوة أهل الصعيد وجمع جيشاً اتجه به نحو الشمال، وعندما وصل إلى "طيبة" قابله سكانها بالتهليل والترحاب على ضفتي النيل، وعلى طول الطريق، ونظر إليه المصريون في الصعيد نظرة المنقذ من الاحتلال الآشوري. وهكذا سار "تانوت آمون" نحو "منف"، فحاصر الحامية الآشورية فيها، وسيطر عليها، وأدب الأمراء الذين استكانوا لحكم "الآشوريين"، غير أن الغازي الآشوري، سرعان ما عاد مرة أخرى، وحاصر "منف" مما اضطر "تانوت آمون" إلى التراجع إلى "طيبة" حيث تبعه "الآشوريون"، فدخلوا المدينة العريقة في عام 664/ 663 ق.م، على الرغم من مقاومة أهلها القوية، وشجاعة أميرها العظيم "منتو إم حاب"، وسرعان ما فر "تانوت آمون" إلى "نباتا" في السودان.

 

الأسرة السادسة والعشرون (664-525 ق.م)

السياسة الداخلية

اعتلى بسماتيك الأول العرش في عام 664 ق.م، وهادن أهل "طيبة" ونجح في السيطرة عليهم، وأصبح ملك مصر الموحدة. ثم سرعان ما تمكن من إعداد جيش قوى، اكتسح به الحاميات الآشورية التي كانت تعسكر في الدلتا وطردهم من مصر نهائياً، ففر هؤلاء إلى فلسطين، وتحصنوا في "أشدود". ورأي "بسماتيك" – كما رأي "أحمس الأول" أثناء حرب الهكسوس – أنه لن يطمئن إلى بلاده إلا إذا اجتث الشر من جذوره، ومن ثمَّ فقد تبعهم إلى هناك، وانتهز الفرصة ليعيد إلى مصر شيئاً من مركزها في غربي آسيا.

ومن عجب أن نرى "بسماتيك" بعد ذلك يهادن الآشوريين ويحالفهم في وقت كانوا هم يناضلون فيه ضد المد المتزايد في الشرق والجنوب الشرقي. وقد ظل "بسماتيك الأول" في الحكم قرابة 54 عاماً، شغلت أغلبها فرحة التحرير من الغزو الآشوري، واستعادة وحدة البلاد، وانعكس ذلك على مناحي الحياة الداخلية كلها، فكثرت الإشادة بعراقة الأصول، وكان من وسائلها إحياء تقاليد الدولة القديمة في اللغة والدين، وأساليب الدولتين القديمة والوسطى في فنون النقش والتصوير والنحت. على أننا وإن كنا نحمد للملك "بسماتيك" جهاده لتحرير البلاد من الآشوريين، وإعادة الوحدة القومية لها، فإننا لا نحمد له تشجيعه للأجانب من مدنيين وعسكريين على الإقامة في البلاد، مما كان له أسوأ الأثر في الفترة اللاحقة من تاريخ البلاد.

وجاء نخاو الثاني الذي كان من أبرز أحداث عهده إرساله لسفن مصرية قامت بدورة ملاحية حول شواطئ أفريقيا، ثم عادت مرة أخرى من بوغاز "جبل طارق"، محملة بجميع خيرات أفريقيا، التي حصلت عليها من الموانئ التي مرت بها. ولعل أهم الأدلة على نجاح الرحلة ما ذكره الملاحون من أنهم كانوا دائماً يسيرون على مقربة من الشاطئ، وكانت الشمس تشرق على يسارهم، ولكنهم عند نقطة معينة وجدوا الشمس تحولت وأخذت تشرق عن يمينهم، وقد رفض "هيرودوت" ذلك، بينما أن هذه النقطة بالذات تدل على صدق أنباء الرحلة، لأن ذلك إنما حدث عندما دارت السفن حول رأس الرجاء الصالح، وكانت المرة الأولى التي تم فيها مثل هذا المشروع، بغية الكشف والمعرفة وإظهار المهارة الفنية، فضلاً عن فتح أسواق للتجارة. وكان مشروع "نخاو الثاني" هو شق قناة تصل النيل بالبحر الأحمر، تبدأ من الفرع البوباسطي، شمالي "الزقازيق" بقليل، ثم تمتد في وادي طميلات حتى تنتهي إلى البحيرات المرة، وقد نسب "بليني" أقدم مشروع لهذه القناة إلى "سيزوستريس"، الذي يرى فيه بعض المؤرخين المحدثين "سنوسرت الأول"، ويُرجح آخرون أن هذه القناة إنما أنشئت على أيام الدولة الحديثة. وهكذا قام "نخاو الثاني" بإعادة تنفيذ المشروع حتى تتمكن السفن التي تبحر في البحر المتوسط من الملاحة في النيل، حتى تأخذ طريقها في الفرع "البوباسطي"، ومنها تخرج إلى هذه القناة، فتصل إلى مياه البحر الأحمر.

وقد ترك ملوك الأسرة عدة آثار متنوعة في مناطق مختلفة من البلاد، فضلاً عن الانغماس في النزاع المستمر بين المرتزقة من جنود اليونان وبين الوطنيين المصريين.

هذا إلى جانب أن الملك الأخير بسماتيك الثالث (526–525 ق.م) إنما قد شهد الغزو الفارسي لمصر في عام 525 ق.م، وقاسى أهواله.

السياسة الخارجية

رأينا من قبل كيف هادن بسماتيك الأول الآشوريين، أعداءه القدامى، غير أن العاصمة الآشورية "نينوى" سرعان ما سقطت تحت أقدام "الميديين" و"البابليين" في عام 612 قبل الميلاد، واضطر ملك "آشور" أن يتخذ من "حرَّان" مركزاً له، ولكن سرعان ما استولى عليها "نبوخذ نصَّر الثاني" (605-563 ق.م) في عام 609 ق.م. وفي هذه الأثناء كان نخاو الثاني قد أصبح ملكاً على مصر، فتابع سياسة أبيه في مساعدة "آشور"، ولكي يجعل لمصر صوتاً مسموعاً في سياسة الشرق القديم، وأن يحتفظ بآشور الضعيفة كحاجز بينه وبين القوى الجديدة الخطيرة في الشرق، وأخيراً ليسترجع الإمبراطورية المصرية المفقودة في سورية وفلسطين. وهكذا فقد أسرع "نخاو الثاني" لمساعدة "آشور"، وأرادت الأقدار أن يكون البلد الذي كان هدف الآشوريين لمدة جيلين مضيا، هو الآن وحده عونهم الوحيد. وفي عام 609 ق.م، ظهر "نخاو الثاني" كخصم قوي ورئيسي لملك بابل نابو لاسر (626-605 ق.م)، وسرعان ما تقدمت القوات المصرية تحت قيادة الفرعون نفسه نحو "حَرَّان" لنجدة ملك "آشور".

وهناك في "مجدو" اعترض يوشيا ملك "يهوذا" الجيش المصري، فأنذره "نخاو" بالحسنى ولكنه لم يرضخ له، وهكذا التقى الجيش المصري بالجيش اليهوذي في معركة كتب النصر فيها للمصريين، ودفع "يوشيا" حياته ثمناً لمغامرته، كما دفعت "يهوذا" ثمن خطئها في تقدير قوة مصر الحقيقية، وأصبحت فلسطين خاضعة لمصر، بل يصح القول استردت مصر فلسطين. وتابع "نخاو" مسيرته في وسط سورية وشمالها ليقوم بمحاولة أخيرة لمساعدة "آشور" ضد "بابل"، ورغم أنه لم يوفق في ذلك إلا أنه نجح في أن يخضع المدن الواقعة على الساحل "الفينيقي"، وقد يسَّر له ذلك امتلاكه لأسطول في البحر المتوسط. وتقاضى الفرعون تعويضاً كبيراً من "يهوذا"، ثم عين إلياقيم في مكان أخيه، ثم هبط "نخاو" بممتلكات "بيت داود" إلى ما كانت عليه قبل أيام "يوشيا"، ومن ثم فقد أصبحت مقصورة على دويلة المدينة "أورشليم"، ومملكة "يهوذا" القديمة، فضلاً عن الاعتراف بسيادة وسلطان الفرعون، وأن تكون له أقاليم مملكة "يهوذا" القديمة، والتي أصبحت تدار كأقاليم مصرية تماماً. ومن عهد بسماتيك الثاني هناك ما يدل على قيام حملة إلى "فينيقيا"، وإن ذهب البعض إلى أنها لم تكن لأغراض حربية، وربما لا تعدو أن تكون زيادة تفتيشية إلى "جبيل". غير أن الأمور في الجنوب وقتذاك كان يشوبها بعض الاضطراب، ربما كان صحيحاً ما ذهب إليه البعض من أن "أسرة كوش الثانية" كانت ذات أطماع في مصر نفسها، وأنها كانت تحاول استعادة نفوذها في مصر، والذي ضاع في أعقاب فرار "تانوت آمون" من "طيبة" في عام 664/663 ق.م، مما اضطر الملك "بسماتيك الثاني" لأن يرسل حملة إلى الجنوب، وصلت على الأقل "دنقلة"، ونجحت إلى أبعد الحدود في سحق الجيوش النوبية في أرضها، وقد سُجلت هذه الحملة على لوحتين، عُثر عليهما في "تانيس" و"الكرنك".

وفي عهد إبريس بدأت سياسة مصر الشمالية تتجه نحو القوة، ربما رغبة في الإفادة من إمكاناتها البحرية النامية في مراقبة مواني الشام، لتعطيل مصالح "البابليين" فيها، فضلاً عن عدم استغلالها ضد مصر نفسها، ثم عودة "البابليين" إلى التوسع الحربي في "فلسطين"، وحصارهم لمدينة "أورشليم" (القدس) عام 588 قبل الميلاد، ومن ثم فقد كان على "إبريس" أن يقوم بمجهودات حربية نشطة لاستعادة "فلسطين". وكان صدقيا "ملك يهوذا" ما يزال على إخلاصه لبابل في فترة من حكمه، كانت مصر فيها شديدة الاهتمام بعلاقة "يهوذا" مع "بابل"، باذلة جهدها لإحداث ثورة، ومن ثم فقد بثت الموالين لها بين الشعب وقواده، مما أدى إلى زيادة التوتر بين الأحزاب المعارضة في "يهوذا"، وحذر أنبياء الحزب الموالي لمصر، وإن ذهبت تحذيراتهم أدراج الرياح، وأرسلت بعثة عسكرية لمصر، ثم سرعان ما عُقد تحالف سري مع "أدوم" و"مؤاب" و"عمون" و"صيدا" و"صور"، بحضور "صدقيا" في "أورشليم". وهكذا اضطر نبوخذ نصر الثاني إلى الذهاب إلى "فلسطين" واحتلال بعض مدن "يهوذا"، وطبقاً لرواية "التوراة"، فإن الجيش المصري سرعان ما خرج إلى "فلسطين" لمساعدة اليهود في فك حصار البابليين، وهكذا اضطر "نبوخذ نصّر" إلى فك الحصار عن "أورشليم"، ومن أسف أن الوثائق المصرية صامتة تماماً في هذا الصدد .وأخيراً سقطت "أورشليم" تحت أقدام البابليين الذين دمروها تدميراً، ثم اتجه "نبوخذ نصّر" بعد ذلك إلى الساحل الفينيقي، وفرض الحصار على "صور" التي صمدت أمامه قرابة ثلاثة عشر عاماً دون أن يتمكن العاهل البابلي من الاستيلاء على هذه الولاية. وعندما انفرد أحمس الثاني "أمازيس" بالعرش، فقد أثبت أنه رجل سلام، حيث عقد حلفاً في الغرب مع "برقة"، وتزوج من سيدة تدعى "لاديكة"، وعمل على تحصين حدوده الغربية، فأنشأ الحاميات على الشاطئ وفي الواحات، وشجع إقامة الناس فيها، وبنى المعابد في "سيوة" و"البحرية" و"الخارجة"، ليجعل من "الواحات" الحصون الأمامية، وحدث هجوم على مصر من "يوناني ليبيا". ولئن كان "أحمس الثاني" قد أخضع بعض المدن في "جزيرة قبرص"، فإن هذه هي غزوته الوحيدة. هذا وقد عمل على عقد سلسلة من المعاهدات، اتقاء للخطر الفارسي المرتقب، وهكذا تحالف مع "كريسيوس" ملك "ليديا"، و "يوليكراتيس" طاغية "ساموس"، وربما امتد الحلف إلى "بابل" و"اسبرطة"، وبدأ "كيروش الثاني"، ملك "فارس" بـ"ليديا". وبقيت مصر، وقبل أن يتجه إليها الغول الفارسي، مات "أحمس الثاني" في نفس العام الذي حدث الغزو الفارسي لمصر في عام 525 ق.م، على أيام خليفته بسماتيك الثالث آخر ملوك "الأسرة السادسة والعشرين".

 

الأسرات من السابعة والعشرين إلى الثلاثين

الغزو الفارسي لمصر: كان كيروش الثاني ملك "فارس"، قد خطط لغزو مصر بنفسه، ثم عهد إلى ولده قمبيز (225–522 ق.م) أمر التنفيذ، ومن ثمَّ فقد رأينا "قمبيز" يتابع تنفيذ المشروع بنفسه، بمجرد قضائه على الاضطرابات والمؤامرات التي اندلعت عند توليه العرش، وربما كان "أحمس الثاني" (570-526 ق.م) قد تنبأ عند سقوط "سارديس" أن أطماع فارس الفتية سوف تمتد يوماً ما إلى أرض الكنانة، ومن ثم فقد عقد حلفاً مع "بوليكراتس" ملك جزيرة "ساموس"، غير أن الأخير لم يكن عند حسن الظن به، إذ سرعان ما نقض عهده بمجرد أن وصل الجيش الفارسي إلى "غزة". وسرعان ما واصل "قمبيز" سيره نحو "بلوزيوم"، وهي "الفرما"، على مبعدة 30 كم شمال شرق "القنطرة"، وهناك حديث عن مجزرة بشرية بدأت من الفجر إلى الغروب وأبلى المصريون فيها بلاء حسناً، لولا خيانة الجند المرتزقة وتوقفهم عن الهجوم، بل المقاومة. وتقدم "قمبيز" إلى الدلتا، وأحكم الحصار حول "عين شمس" حتى استسلمت، وفر "بسماتيك الثالث" (526-525 ق.م) إلى "منف"، فتبعه "قمبيز"، حيث دارت هناك معركة رهيبة انتهت بسقوط "منف" وأسر الفرعون، وربما كان اختفاؤه عن الميدان، سبباً في القضاء على الشعور المتأجج ضد الفرس في الدلتا. وقضى "قمبيز" في أرض الكنانة ثلاث سنوات، صحبها في بدايتها كل ما يمكن أن يُنتظر من طاغية مستبد من تخريب ونهب وتدمير، وحين هدأت العاصفة اتجه إلى "طيبة"، ومن هناك أراد أن يصل إلى "الخارجة" وأن يستولي عليها، وأن يخطط لثلاث حملات، الواحدة: للاستيلاء على "قرطاج"، والثانية: للاستيلاء على "واحة سيوة"، والثالثة: للاستيلاء على "كوش"، ولم يُكتب له التوفيق في واحدة من هذه الحملات. واضطر "قمبيز" بعد هذا الفشل الذريع، وبسبب ثورة في بلاده ضده، إلى العودة إلى بلاده، وفي طريقه إلى إيران مات "قمبيز" متأثراً بجراحه التي أحدثها بنفسه، في إحدى نوبات الصرع التي كثيراً ما كانت تنتابه، وربما منتحراً بعد فشله الذريع في مصر.

وجاء دارا الأول (522-486 ق.م)، وحاول أن يكسب ثقة المصريين، فتابع التشييد في المعابد المصرية وأوقف عمليات القهر، محاولاً أن يمحوا من الأذهان قسوة "قمبيز" وبطشه، رغم أن هذه المحاولات خدَّرت المصريين إلى حين، غير أن الثورات سرعان ما بدأت في شمال مصر.

الثورات ضد الحكم الفارسي: كانت أولى هذه الثورات في عام 486 ق.م، حيث هبت ثورة عاتية في الدلتا بقيادة خبَّاش، وعزم "دارا" على القضاء على الثورة، غير أنه اغتيل قبل أن يفعل شيئاً. وقامت ثورة أخرى في وسط وشمال غرب الدلتا، على رأسها أميران مصريان، هماإيناروس في "مريوط" وتابوس في "سايس" (صا الحجر) بالغربية، واتخذ "إيناروس" من "ماريا" جنوب غربي الإسكندرية مقراً له، وقد انضوى الكثيرون تحت لوائه، واستطاع أن يُلقن "الفرس" درساً، وأن يضطرهم إلى الانسحاب إلى "منف" والتحصن فيها، وهكذا استطاع "إيناروس" أن يضع يده على الدلتا كلها، وإن لم يُعلن نفسه ملكاً. وهناك ما يشير إلى أن الصعيد كان بعيداً عن الثورة، حيث كان "الفرس" في "منف" حائلاً بينه وبين تقديم العون للدلتا، ومن ثم فقد طلب "إيناروس" العون من "الأثينيين" الذين كانوا وقتذاك قد تفوقوا على الفرس في "قبرص"، ورحبت "أثينا" بالعرض المصري على أيام "بركليس" طمعاً في إنشاء محطات تجارية على شواطئ مصر، وأملاً في زيادة وارداتها من الغلال المصرية، ورغبة في إضعاف قوة أعدائها "الفرس" الذين كانوا ينافسونها في "قبرص"، وأخيراً فقد كان العون بثمن دفعته مصر من مالها. وفي عام 454 ق.م استطاع "الفرس" الاستيلاء على "منف"، بعد حصار دام 18 شهراً، وسقط "إيناروس" في أيدي "الفرس" ثم صُلب، فتسلم الراية من بعده آمون حِر، أمير "تايوس"، الذي احتفظ باستقلال الدلتا، وظل على مدى بضع سنين الزعيم الوحيد للحركة الوطنية، وقد استدعى بدوره "الأثينيين" من جديد لمعاونته، وتحركت ستون سفينة من سفنهم فعلاً، غير أن موت القائد "سيمون" في "قبرص"، كان سبباً في عودتها.

وسرعان ما أعلنت الهدنة بين "فارس" و"أثينا"، وبدأت "فارس" تجرب سياسة المسالمة مع المصريين، فاستدعت قائدها، ثم عينت من المصريين ولاة وحكام أقاليم، وعينت ابني زعيمي الثورة في منصب والديهما بالدلتا، فتوقفت الثورة إلى حين، وساد البلاد – فيما عدا غرب الدلتا – سلام من نوع غريب، ماع فيه الموقف بين "فارس" والثوار، الذين اتسعت تجارتهم، فضلاً عن الذين كانوا يبحثون عن المعرفة في أرض المصريين، حيناً من الدهر.

وقد قام هيرودوت بعد عام 450 ق.م بجولة في أرجاء مصر، وأشاد كثيراً بمجدها، مع أن هذا المجد لم يكن وقتها غير ظل باهت لأمجاد مصرية قديمة شادها الفراعين على مدى قرابة ثلاثين قرناً مضت، وصلوا في معظمها إلى قمة المجد الحضاري، وكانوا في معظم أيامهم المنقضية سادة العالم المتحضر وقتذاك.

وبدأت الشرارة الأولى للثورة الكبرى من أسوان، وانتهت بتدمير معبد الجالية اليهودية تماماً، ثم سرعان ما امتدت الثورة إلى مناطق الدلتا. ولم يمضِ حين من الدهر حتى أصبحت نضالاً سافراً عنيفاً بين مصر و"فارس"، وامتد لهيبها إلى كل أنحاء البلاد. ومن أسف أننا لا نعرف عنها الكثير، وإن كنا نعلم أن مصر لم تعتمد فيها على عون من حلفائها القدامى من "الأغارقة". وتولى قيادة الثورة هذه المرة آمون حِر الثاني أمير "تايوس"، الذي حمل من قبل لواء الصراع الذي بدأه "إيناروس". واستمرت الثورة ست سنوات (410-404 ق.م) انتهت بخلوص حكم مصر لبنيها، وتحررها من الاستعمار الفارسي. وعند هذه النقطة ينهي "مانيتون" الأسرة "السابعة والعشرين" من الحكام الفرس، ويجعل الأسرة "الثامنة والعشرين" من ملك واحد هو آمون حر الثاني أمير "تايوس"، ومقر حكمه هو سايس.

عهد الاستقلال (الأسرات 28-30)

أصبح قائد الثورة آمون حِر الثاني (404–399 ق.م) ملكاً ومكوناً للأسرة الثامنة والعشرين، ومتخذاً من سايس "صا الحجر"، على مبعدة 7 كم شمالي "بسيون" بمحافظة الغربية، ولم يُعثر له على آثار بمصر حتى الآن. وبعد وفاة "آمون حِر الثاني" لم يخلفه ابنه على العرش، حيث جاء في بردية ديموطيقية أن الآلهة عاقبت الابن لأنه ساعد "إرتكسركيس الثاني" في حربه ضد أخيه.  وجاءت بعدها مباشرة الأسرة التاسعة والعشرون (399–380 ق.م) من منديس على مبعدة 8 كم شمال غربي "السنبلاوين" بالدقهلية.

وقد انتقل الحكم إليها في هدوء، وربما كان مؤسسها نفريتس (399–393 ق.م) من زملاء "آمون حر الثاني" في كفاحه ضد الفرس، وربما كان واحداً من أبناء العائلات القوية، استطاع أن يغتصب العرش بعد موت "آمون حر الثاني"، ذلك لأن هذه الفترة إنما تتميز بتنازع العائلات القوية في الدلتا على العرش، مما حرم مصر منذ تلك الفترة، وحتى غزو "الإسكندر الأكبر" عام 332 ق.م من أن تفوز بما كانت تصبو إليه من منعة وقوة، وإن كانت سياستها في تلك الفترة، ودونما أي ريب إنما هي سياسة وطنية صرفة، تهدف إلى الحفاظ على استقلال مصر، والدفاع عن حريتها، بل وتحاول الانتقام لنفسها مما أصابها على أيدي "الفرس". ومن هنا كان الصراع الدائم بين مصر و"فارس"، التي ظلت تتشبث بفكرة خاطئة مؤداها أن مصر ليست سوى إقليم ثائر، فضلاً عن الانتقام لشرف "فارس" المسلوب.

وهكذا استغل الملك الفارسي أرتا خشاشا (404–359 ق.م) انتقال العرش من أسرة إلى أخرى حتى يجمع جيشاً قوياً في "فينيقيا" لإخضاع مصر، غير أن المشروع فشل ربما بسبب مغامرة قادها شقيقه ضده، أو بسبب ثورة في آسيا الصغرى، فضلاً عن انضمام "اسبرطة" إلى مواطنيها اليونانيين. وجاء بساموتس بعد "نفريتس"، وحتى عام (393 ق.م)، ثم خلفه أخوريس (393–380 ق.م)، وفي عهده هاجم "الفرس" مصر، واستمرت الحرب ثلاث سنوات (385–383 ق.م) ودُحر الغزاة، وأراد "أخوريس" أن يُثبت سيطرته على "فلسطين" و"جنوب فينيقيا"، فقد ترك نقشاَ له في معبد "أشمون"، شمال "صيدا"، ومذبحاً في "عسقلون" من جرانيت أسوان الرمادي. وفي أثناء ذلك تحرك إيفاجوراس بقواته إلى معسكر العدو، واستولى على "صور" وجزء كبير من "فينيقيا" و"سيليسيا"، ولكنه حوصر في "سلاميس" بعد أن هُزم في معركة بحرية، هذا فضلاً عن أن "قبرص" قد استسلمت لقوات "الفرس" في عام 380 قبل الميلاد. ومات "أخوريس" في نفس عام 380 ق.م، بعد أن حكم 12 عاماً، استطاع خلالها أن يُقرَّ الأمن في البلاد، وأن يترك من بعده آثاراً عديدة في كل أنحاء مصر، وبخاصة في مدينة "هابو"، و"الكرنك" و"الكاب"، وتعلل "بردية الأخبار الديموطيقية" ذلك بأنه كان كريماً بالنسبة للمعابد، ولكنه خُلع لأنه خالف القانون، ولم يكترث بإخوته، ويعتقد أن الفيلسوف اليوناني "أفلاطون" (427–347 ق.م) قد زار مصر في عهده ومكث فترة طويلة في الدلتا.

هذا وقد جاء بعد "أخوريس" الملك نفريتس الثاني لمدة أربعة شهور، انتقل العرش بعدها إلى الأسرة الثلاثين (380–343 ق.م) وعاصمتها "سمنود" الحالية، وتقع على "فرع دمياط"، على مبعدة 27 كم شمال شرقي "طنطا".

 

الأسرة الثلاثون (380–343 ق.م)

أسس هذه الأسرة نختنبو الأول (380– 363 ق.م)، وقد توج ملكاً في "معبد نيت"، ومن هنا كان عطاؤه الجزيل لها، وفي عهده فكر "الفرس" في استعادة مصر، وجمع الوالي الفارسي في "سورية" جيشاً ضخماً، قدره كتاب اليونان بمائتي ألف من جيوش "الفرس"، وعشرين ألفاً من مرتزقة "الإغريق"، وثلاثمائة سفينة من ذوات الثلاثة صفوف من المجاديف.

وفي صيف عام 373 قبل الميلاد، تحركت هذه القوات الضخمة من "عكا" تحت قيادة فارنا بازوس وإيفيكراتس، وعندما وصلوا "بلوزيوم" (الفرما) على مبعدة 30 كم شمال شرقي "القنطرة"، أدركوا أن الهجوم من هذه الناحية لا طائل من ورائه، وأن واحداً من مصبات النيل، الأقل تحصناً، قد يؤدي إلى الهدف المطلوب. واستقر الرأي على ذلك، وأمكن كسر الاستحكامات على الفرع المنديسي، وعمل "إيفيكراتس" على الاندفاع نحو "منف". وهناك نجح "نختنبو الأول" في أن يلم شمل قواته، وأن يحيط بالغزاة المحاصرين من جميع الجهات، والذين كانوا قد فقدوا ثقلهم العسكري، وجـاء "فيضان النيل" حليفاً مساعداً، فتحولت بعض أجزاء الدلتا إلى "مستنقعات"، ووجد القائد الفارسي أنه لا يستطيع مقاومة الفيضانات. ومن ثمَّ فقد اضطر أمام هذا الموقف إلى التفكير في الانسحاب، وبدأ قواد جيشه يتبادلون الاتهامات، وهرب "إيفيكراتس" على متن إحدى السفن الحربية، بعد أن قدم رشوة لقائدها، ووصل إلى "أثينا" في نوفمبر 373 ق.م، ثم سرعان ما عاد الغزاة مدحورين. ونسب "نختنبو الأول" هذا النصر إلى الإله "سوبد"، ولهذا شيَّد له محراباً جميلاً في معبد "سوبد"، وهناك نقش يقص الفرعون فيه قصة انتصاره على "الفرس"، حيث نقرأ أن "نخت نب إف" قد قتل أعداءه، وأن البلاد قد عَمَّها الفرح بنصره، فضلاً عن وصفه بالإله الطيب، الشجاع، الذي دحر الأعداء، الفطن الأريب، الذي حارب من أجل مصر، ووطأ الآسيويين بقدميه.

ونعمت مصر بعد انقشاع الغمة، بفترة سلم، ازدهر فيها الفن بشكل ملموس، وتقدمت التجارة الخارجية، وازدهر النشاط العمراني في المعابد، وقام الفرعون بتشييد أقدم مبانيه على جزيرة "فيلة"، على مبعدة 4 كم جنوبي أسوان، حيث شيَّد هنا للإلهة "إيزة" تلك الصالة العريضة في جنوب الجزيرة، ثم معبداً لعبادة "حتحور" و"إيزة"، ومعبودات جزيرة "بيجه".

وبعد "نختنبو الأول" جاء ولده جـد حِر "تيوس" (362–361 ق.م)، وكان طموحاً بدرجة تفوق غيره ممن سبقوه من فراعين هذا العصر، هذا إلى أن الوقت إنما كان مناسباً لهجوم مباشر على "الفرس"، ومن ثم فقد قام بتكوين جيش ضخم، لم يسبق تكوينه منذ أيام الدولة الحديثة (عصر الإمبراطورية)، كان قوامه ثمانين ألفاً من المصريين و"الليبيين" وعشرة آلاف من "الأثينيين". ووصل الملك "الاسبرطي" العجوز أجيسلاوس إلى مصر بصحبة ألف جندي مدججين بالسلاح، حيث لحق به الأثيني المدعو خبرياس، فضلاً عن ما بين مائتين إلى ثلاثمائة سفينة من ذوات الثلاث صفوف من المجاديف.

وفي عام 361 ق.م، خرج الجيش المصري تحت قيادة "جد حِر" إلى آسيا وأحرز انتصارات ساحقة، فاحتل "فينيقيا"، وهنا بدأت مخاوف "الفرس" تزداد، وعادت لأذهان الشرق القديم ذكريات جيوش عصر الإمبراطورية  المنتصرة، وأصبح أمر استعادة الفرعون للإمبراطورية المصرية في "غربي آسيا"، وشيك التحقيق، لولا أن أتاه الخطر من مأمنه في مصر و"سورية" معاً. ففي مصر كان الخطر من وراء نزوة الحكم وشهوة السلطان، التي أصيب بلعنتها أمراء الدلتا في تلك الفترة الحرجة من تاريخ الكنانة، ودفعت مصر ثمنها غالياً، ذلك أن الفرعون كان قد ترك أخاه نائباً عنه في مصر، وأن هذا الأخ التعس، قد فقد وطنيته في لحظة ضعف، فقد راودته نفسه في لحظة غاب فيها الضمير، أن يستخلص حكم الكنانة لنفسه، أو لولده نخت حِر حب، ومن ثم فقد أرسل إليه، وكان على رأس إحدى فرق الجيش، يستدعيه من "سورية"، وانتهز الملك الأجير أجيسلاوس الفرصة فعاد إلى مصر مع الابن الخائن، ليلقى منه ومن أبيه جزاء تأييده لهما وخيانته لمستأجره السابق.

وأما في "سورية"، فقد تسربت أخبار هذا الانشقاق في الأسرة المالكة إلى الجنود، فضعفت عزائمهم، وفقدوا الأمل في النصر، وزاد الطين بلة أن "أثينا" قد استدعت قائدها خبرياس. ولجأ الملك الذي خانه أهله وقواده جد حِر (تيوس) إلى "صيدا"، ثم إلى عدوه "ملك الفرس"، حيث عاش هناك، ومات في المنفي، وانتهت الحملة إلى لا شيء، ومع ذلك، فلقد قام "جد حر" أثناء حكمه القصير بترميم معبد "خونسو" في "الكرنك"، كما عُثر على اسمه في "طرة" و"الجيزة" و"المطرية" و"أتريب" (بنها)، هذا فضلاً عن ظهور "أول عملة مصرية" في عهده. وجلس نخت حِر حب على العرش المصري، واستقبلته الثورات في كل مكان، وفي نفس الوقت انتهز أعداؤه "الفرس" الفرصة، وأرسلوا حملة على مصر في عام 351/350 ق.م، انتهت بفشل ذريع، فاعتبر "نخت حِر حب" نفسه "حامي مصر وقاهر البلاد الأجنبية"، وساد الهدوء البلاد فترة استغلها الفرعون في إقامة مبان كثيرة في أنحاء مختلفة من البلاد.

وفي عام 343 ق.م، قام الفرس بحملة كبيرة تحت قيادة ملكهم أوخوس (أرتكزركسيس الثالث) (343–338 ق.م) انتهت باستعادة الفرس لمصر، غير أن البلاد سرعان ما خضعت للإسكندر الأكبر (356–323 ق.م) في عام 332 قبل الميلاد.

ومن الجدير بالإشارة أن المؤرخين أضافوا إلى أسرات "مانيتون" الثلاثين، أسرة فارسية اعتبروها الأسرة الحادية والثلاثين، وتتكون من: أوخوس – أرسيس - دارا الثالث.

وكان فتح الإسكندر الأكبر لمصر، ومعاملته الطيبة للمصريين، ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، كان كارثة كبرى في تاريخ مصر، ومأساة فادحة، لم تشهد كنانة الله وأخواتها العربيات في الشرق القديم مثيلاً لها من قبل، ذلك لأن الغزو إنما كان بداية لعصر من الاحتلال اليوناني والروماني، عمَّ المنطقة العربية كلها، إذا استثنيا موطن العروبة في الجزيرة العربية نفسها، وإن لم تسلم منه تماماً، دام قرابة ألف من أعوام عجاف، ضاعت فيها شخصياتها، وامتهنت كرامتها، وفقدت القدرة إلى أن تعمل من أجل مصلحتها، رغم الثورات المتكررة، بل إنها كانت في أحسن الأحوال "مزرعة أوروبا".

وبقيت مصر والشرق العربي القديم حتى ظهر نور الإسلام في مكة المكرمة (610م)، وبدأ ينشر راية التوحيد والعدل والحرية والمساواة، وكل ما هو نبيل وجميل، وجاء عمرو بن العاص يحمل معه هداية الإسلام، ونور الإيمان فآمنت مصر بربها الواحد الأحد، واعتنقت الإسلام ديانتها الخالدة إلى الأبد إن شاء الله، ونطقت العربية، لغة القرآن الكريم.

 

ثانياً: العراق

يشكل العراق القديم المنطقة الممتدة من هضبة أرمينيا في الشمال، حيث ينبع نهرا دجلة والفرات، حتى الخليج العربي في الجنوب، ومن الفرات غرباً حتى ما وراء دجلة شرقاً.

ونظراً لقلة الأمطار بشكل عام وعدم كفايتها للإنتاج الزراعي، فيعتمد السكان في صميم حياتهم على نهري الفرات ودجلة. ويحدث الفيضان السنوي للنهرين خلال شهري مايو ويونيو من كل عام، حيث تختلف طبيعة هذا الفيضان من عام إلى آخر، مما يجعل الاعتماد عليه أمراً صعباً، كما يمثل أحياناً خطراً داهماً، قد يصل إلى حد غمر الكثير من أراضي القسم الجنوبي من البلاد، حيث يقترب مجرى النهرين، وتتسبب الفيضانات في تدمير القرى وتهديد الحياة في هذه المنطقة. وأما من ناحية الطبيعة الجغرافية العامة للمنطقة، فإن العراق القديم ينقسم بشكل عام إلى قسمين رئيسيين:

شمال العراق: وتغلب عليه الطبيعة الجبلية، وبخاصة في قسمه الشمالي الذي تتخلله وديان نهر دجلة وفروعه حيث تكثر المرتفعات، ويفصله عن الجهات التي تقع أبعد من ذلك شمالاً سلسلة جبال طوروس وهضبة أرمينيا. ويُطلق على معظم أجزاء هذا القسم تسمية أرض آشور نسبة إلى مدينة آشور التي كانت من أهم مدنه الشمالية.

جنوب العراق: وهو حديث التكوين من الناحية الجيولوجية، لأنه كان في الأصل جزءاً من الخليج العربي ثم غمرته الرواسب التي جاد بها نهرا دجلة والفرات من المناطق الجبلية في الشمال، وهو يبدأ على وجه التقريب عند بغداد الحالية، ويمتد جنوباً حتى الخليج العربي، ويمكن تقسيم القسم الجنوبي حسب طبيعته الجغرافية إلى عدة أقسام، نبدأها من الجنوب للشمال كالتالي:

منطقة مصب النهر في أقصى الجنوب، وتمتد من منطقة التقاء النهرين حتى الخليج العربي.

منطقة الأحراش التي تشغل المجريان الأدنيان لنهري دجلة والفرات، وتنخفض أرض هذه المنطقة مما يؤدي إلى ارتفاع منسوب المياه فيها، مما جعلها تمتلئ بالأحراش والمستنقعات.

منطقة الدلتا وتشغل معظم القسم الجنوبي، ويخترقها العديد من القنوات المائية، كما تغمرها الفيضانات السنوية للنهرين.

منطقة السهل ويقترب فيها مجرى النهرين إلى أدنى حد، وتتعرض هذه المنطقة لأعنف الفيضانات، والتي تصل غالباً إلى حد التدمير.

ويتضح من ذلك أنه قد واجهت الإنسان في جنوب العراق صعوبات بيئية عديدة، استلزمت منه العمل المستمر في تجفيف المستنقعات وشق القنوات وتطهيرها وإقامة الجسور.

ولعل ذلك يفسر لنا سبب اتجاه الإنسان في العصر الحجري الحديث، في مطلع الألف السادس ق.م، إلى الاستقرار في شمال العراق.

وعرف جنوب العراق القديم من مطلع العصر التاريخي باسم أرض سومر وأكد: حيث تمثل أرض سومر نصفه الجنوبي الممتد حتى الخليج العربي، وتمثل أرض أكد نصفه الشمالي الذي يصل إلى حدود بغداد. وفي بداية الألف الثاني ق.م عُرف جنوب العراق باسم أرض بابل وظلت هذه التسمية علماً على المنطقة بعد ذلك.

 

مصادر دراسة تاريخ العراق القديم

1-  الحوليات الملكية والوثائق البابلية والآشورية المكتوبة على اللوحات الطينية المجففة والحجرية، وكذا النقوش الجدارية والاسطوانات.

2-  كتابات المؤرخ الوطني بيروسوس وهو كاهن عاش على أيام الإسكندر الأكبر، وتعتبر كتابته المصدر الرئيسي للعصر المتأخر من التاريخ البابلي، ولكن لم يصلنا من كتاباته سوى القليل ممن أخذوا عنه، وأشهرهم ألكسندر بوليهستور ويوسبيوس.

3-   كتابات المؤرخين والرحالة من اليونان والرومان، ولعل من أهمهم هيرودوت واسترابو وكتسياس.

4-  ما ورد في التوراة ويتصل بالعراق القديم، مع توخي الحيطة فيما تقدمه من معلومات، نظراً لتأثر كاتبيها بعلاقات ملوك العراق باليهود.

 

عصور ما قبل التاريخ

العصر الحجري القديم

كانت آثار العصر الحجري القديم التي عُثر عليها في العراق من مناطقه الشمالية دون الجنوبية، لأن الجنوب كان في هذا الوقت الذي يُعرف بعصر جمع الطعام مجرد أراض مغطاة بالمياه، ربما حتى عصر "حضارة العُبيد"، أخريات الألف الخامسة ق.م، ولعل أشهر مواقعه "بردة بالكة"، شمال شرقي "جمجمال"، ومعظم إنتاجه من "الصوَّان"، وهناك موقعان آخران هما: كهف هزارمد على مقربة من "السليمانية". وكهف شايندار جنوب غرب "بحيرة أرومية". فضلاً عن بعض كهوف في منطقة "السليمانية"، لعل أهمها "كهف زارزي"، والذي يمثل أخريات مرحلة العصر الحجري القديم.

العصر الحجري الوسيط

يمثل العصر الحجري الوسيط فترة انتقال بين العصر الحجري القديم والعصر الحجري الحديث، وقد تمثل العصر في إنتاج كل من "كهف شايندر" (ط B)، وقرية "زاوي شمي"، على مبعدة 40 كم من "شايندر"، فضلاً عن بعض المواقع الأخرى، وخاصة "شاهر" على مقربة من "كركوك". وقد تميز هذا العصر بالأسلحة القزمية، التي تعبر عن اقتصاد يعتمد على صيد الحيوان والطيور والأسماك.

العصر الحجري الحديث

وفيه بدأ الإنسان معرفة الزراعة والاستقرار في قرى، وأما أهم حضارته فهي:

حضارة جرمو: تقع على حافة واد عميق في سهل جمجمال بلواء "كركوك"، ويؤرخها البعض بحوالي عام 6750ق.م، بينما يؤرخها آخرون فيما بين 7000 و6000ق.م، وتضم ما بين 20 و25 منزلاً. وهناك خلاف في أقدمية موقع "جرمو"، في أنها تمثل أقدم قرية زراعية في العراق القديم، أو أن ذلك موضع شك، هذا فضلاً عن تمثيلها لمرحلة حضارية متميزة، أو أنها لا تعدو أن تكون مجرد قرية متخلفة ترجع إلى أخريات العصور الحجرية أو ما بعدها.

وقد نُسب إلى "جرمو" تماثيل طينية بدائية متواضعة لحيوانات ورجال، فضلاً عن نساء جالسات، ذوات أرداف غلاظ، وربما دلت بقايا الحيوانات التي عُثر عليها، على أن القوم قد استأنسوا الأغنام والماعز والبقر والخنازير. وعُثر بها على ما يشبه "عضو التذكير" مما دفع إلى الظن بقيام لون من عبادة الجنس والخصوبة، ويُرجح البعض أن لوناً من ألوان التفكير الديني قد نشأ بقيام عبادة للشمس، والتي قدست بالفعل على هيئة معبودة.

حضارة حسونة: يقع تل حسونة في غرب نهر "الدجلة" جنوبي "الموصل"، وقد أفاد أهل "تل حسونة" من أهل "جرمو" في البداية. ويمثل "تل حسونة" حضارة قرية مستقرة في العصر الحجري الحديث، وقد تمكنوا من التوصل إلى الزراعة، وبخاصة "القمح"، كما استأنسوا بعض الحيوانات، مثل الأغنام والماعز والخنازير. وقد بنوا مساكنهم من الطين، ومن أحجام مختلفة، وكان المنزل يتكون من بعض الحجرات وفرن وجرار لتخزين الطعام والشراب وصوامع الغلال. هذا ويمثل فخار تل حسونة نماذج فخارية تعتبر من أقدم ما عُثر عليه في العراق القديم. وهناكفخار سامراء نسبة إلى موقع "سامراء"، على الضفة اليسرى لنهر الدجلة، وعلى مبعدة 100 كم شمالي بغداد، وكان يُظن أنه يمثل عصراً حضارياً مستقلاً، ولكنه يعتبر الآن ضمن عصر حضارة حسونة، وإن كانت حضارة سامراء، إنما تدل على علاقات مع أرمينيا وبلاد العرب، فقد عُثر في مواقعها على أدوات فخارية مزينة بنقوش هندسية وحيوانية وكذا أشخاص.

العصر الحجري النحاسي

وتمثله حضارة تل حلف في أعالي "نهر الخابور"، وإن لم يكن موقع "تل حلف" أفضل مواقع هذه الحضارة، حيث كشف فيه عن شوارع مبلطة بالحجارة، وقد أحيطت القرية بأسوار، وقامت فيهما مباني عامة، كانت بمثابة المعابد الدينية، مما يدل على تقدم في الحياة الاجتماعية. كما عُثر على عدد من الأواني الحجرية ورؤوس المقامع والمغازل وعلى تماثيل صغيرة من الطين تمثل إلهات الأمومة. وتشغل حضارة تل حلف الفترة منذ أواخر الألف السادسة، وحتى أواخر الألف الخامسة قبل الميلاد، وقد انتشرت في الشمال خاصة، وفي مساحة واسعة، من الزاب الأعلى وسفوح جبال زاجروس شرقاً، إلى ما وراء "الفرات" غرباً، وإلى الحدود التركية وسفوح جبال طوروس شمالاً، وأما في الجنوب والجنوب الشرقي، فكان المعتقد أنها لم تتجاوز موقع "سامراء". وتميزت حضارة تل حلف بمظاهر حضارية جديدة، خاصة في العمارة والفخار والنحت على الحجر، فضلاً عن استخدام النحاس، ومن ثمَّ فقد اعتبرت ممثلة للعصر الحجري النحاسي في العراق القديم. وجاء الفخار مزيناً و ملوناً بألوان مختلفة، منها البرتقالي والقرمزي والأحمر والبني المصفر، وعلاوة على الرسوم الهندسية فقد كانت الظاهرة المميزة هنا هي كثرة الأشكال البشرية والحيوانية والنباتية في الزينات، فضلاً عن أشكال الطيور، وتميزت الرسوم بوجود حركة كبيرة في المناظر.

حضارة العُبيد: تمثل حضارة العُبيْد أقدم أطوار الحضارة في العراق القديم، وإن انتشرت في جميع أنحاء العراق، شماله وجنوبه، وقد أخذت اسمها من تل، على مبعدة بضع كيلومترات غربي "الناصرة"، قرب مدينة "أريدو". ويمثل حضارة العُبيد في الشمال "تبة كورا" و"نوزى" و"تل حسونة"، و"تل حلف"، ومدينة "نينوى"، على الضفة الشرقية لنهر الدجلة.

وأما في الجنوب، فأشهر مواقعها "أريدو" و"لجش" و"قلعة الحاج محمد" و"الوركاء"، هذا وتشير الدراسات المقارنة بين مواقع حضارة العُبيد الشمالية والجنوبية، إلى وجود خلاف بين إنتاج كل منهما، ولكنها ينتميان أصلاً إلى حضارة واحدة، سرعان ما تأثرت بالبيئة المحيطة بها، فأعطتها شكل المعين. وهناك من يرى أن حضارة العُبيد ليست تطوراً من الحضارات السابقة، وإنما هي حضارة مستوردة من الهضبة الإيرانية، جاء أصحابها من جنوب غرب إيران في أوائل الألف الرابعة قبل الميلاد أو قبلها بقليل. ويرى آخرون أنها من المنطقة الشمالية (بلاد الآشوريين فيما بعد)، على أن هناك وجهاً ثالثاً للنظر يتجه بها إلى جنوب شرق الجزيرة العربية، وأنها ليست دخيلة على المنطقة، وإنما نشأت من جراء تطور طبيعي، سبقته مراحل عديدة خلال العصر الحجري الحديث.

حضارة الوركاء: تقع الوركاء في منطقة صحراوية شرقي الفرات، في منتصف المسافة بين بغداد والبصرة، وعلى مبعدة 60 كم من "السماوة"، 128 كم شمال غربي "أور"، واسمها في الأكادية "أوروك"، وفي التوراة "أرك"، ونُسبت إليها حضارة انتشرت في عدة مواقع أثرية في جنوب العراق، كما انتشرت في مراحلها المبكرة في شمال العراق في "شبة جاورا" و"نينوى" و"سنجار". وتتمثل هذه الحضارة في بضعة مواقع لم يُعثر فيها على مقابر سوى في "أور" و"خفاجة" شرقي بغداد، حيث عُثر على بضعة مقابر صغيرة.

على أن أهم الآثار المادية لحضارة الوركاء هي العمارة الدينية، وبخاصة المعابد المدرجة المبنية من الطوب اللبن، والتي تتميز بأساساتها المشيدة من الحجر الجيري، وتعرف هذه المعابد باسم الزاقورات. ويُعتقد بأن أصل عمارة الزاقورات يرجع إلى العناصر الجبلية المتسلسلة إلى جنوب العراق، والتي تحمل طابع الارتفاع في العمارة الدينية. وكان فخار الوركاء من نوعيات متعددة اللون والشكل، فضلاً عن الذهب والأحجار الكريمة وشبه الكريمة التي استخدمت في أدوات الزينة، كما عُثر على طبقات طينية لأختام في الجنوب، وإن لم تعبر عن أي مدلول كتابي. وفي المرحلة الثانية من حضارة الوركاء بدأ التوصل إلى بداية التعبير الكتابي، الذي انفرد بتقديمه جنوب العراق، مما أدى بالتالي إلى بداية العصر الكتابي أو التاريخي، إلى جانب نشأة البلدان أو المدن الصغيرة، والتي تطورت عن القرى الكبيرة، وامتازت عما يحيط بها من أراض زراعية، وقرى عادية، باتساع عمرانها، وبأهمية معبدها، وقصور حكامها، وباتساع مجالات الإنتاج.

حضارة جمدة نصَّر: تقع على مقربة من كيش بين بابل وبغداد، حيث عُثر على نماذج لحضارة جمدة نصر، في الوركاء والعقير وتل أسمر، وأور، وشورباك، وتل العُبيد، وتوبلياس. وتمثل حضارة "جمدة نصَّر" المرحلة السابقة مباشرة للعصر التاريخي، وتشغل الفترة من أخريات الألف الرابعة وحتى عام 3000ق.م، وتنسب إلى تل صغير على مقربة من "كيش"، على مبعدة 16 كم شرقي "بابل"، وعلى مقربة من "أكد". ويُعد الشطر الثاني من هذه المرحلة الحضارية، أقرب إلى العهد التاريخي منه إلى عهد ما قبل الأسرات، وربما يقابل في مصر المرحلة الأخيرة من عصر حضارة جرزة، شمال ميدوم، بمركز العياط جيزة، وقيام مملكتي الصعيد والدلتا. وأما فخار فهو مصنوع على عجلة الفخراني، ويتميز بجودة الإحراق والصقل، وبأنه من أحجام مختلفة، وأغلب أوانيه ذات شكل كروي ومنتفخة، ولها قواعد مسطحة أو مقوسة، وقد زودت فوهاتها في بعض الأحايين بسدادات من الطين لتغطيتها. واستطاع الإنسان في هذه المرحلة أن يصل إلى مرحلة متقدمة في الفن والكتابة، حيث نجد أمثلة متقدمة في العمارة، وذات فجوات على أبعاد منتظمة، وقد تطورت فيها صناعة الأواني الحجرية والفخارية وزخرفتها، هذا فضلاً عن أن الرموز التي استعملت للتعبير بالكتابة تعددت وبسِّطت، حتى أصبح من الميسور أن يُعبَّر بها عن أغراض أكثر من ذي قبل.

على أن أهم موضوعات الكتابة في هذه المرحلة، إنما كانت تتصل بحسابات مختلفة، منها ما يتعلق بالمعابد، بل إن معظمها وثائق اقتصادية تتضمن إحصائيات بممتلكات المعبد، من الحقول والأغنام وغيرهما من الماشية، ودخله من المحاصيل والألبان والسلع المختلفة التي تقدم للمعبد، فضلاً عما يصرف عن طريق المعبد نفسه إلى الأفراد، وقد عُني في تسجيلها أحياناً، بإيضاح المخصصات اليومية لكل فرد على مدى ارتباط النواحي الاقتصادية بتطوير الكتابة، كما أنه يُعتبر تمهيداً للعصر التاريخي. ويمكن القول بأن التوصل للكتابة قد ساعد على تنظيم النواحي الاقتصادية – فضلاً عن النواحي السياسية والاجتماعية – وأما طريقة الكتابة فإن الوثائق قد كتبت بقلم البوص على "ألواح من الطين"، وحُفرت به العلامات الكتابية على المادة الطينية وهي ما تزال طرية.

وبشكل عام فقد تميز عهد حضارة "جمدة نصَّر" بازدياد ملحوظ في الصلات الخارجية التي اتسع امتدادها حتى مصر و"بلاد السند"، فضلاً عن "عيلام" وإيران والجزيرة العربية وغيرها، من مناطق الشرق الأدنى القديم، أضف إلى ذلك أن مجتمع "جمدة نصَّر" إنما قد جمع بين العناصر السومرية – بصفة أصلية – وبين العناصر السامية، وذلك في المدن التي بدأت تتطور في كافة الشئون المدنية الدينية والسياسية.

 

السـومريـون

يتفق الباحثون على أن السومريين جنس غير سامي، وأن لغتهم لا تشبه اللغات السامية، وأن وجودهم في وادي الرافدين ربما كان في فترة مبكرة من الألف الرابعة قبل الميلاد. وعن مواطنهم الأصلية، فقد ذكرت أساطيرهم أنهم أتوا من الجنوب، ومن ثمَّ فهناك اتجاه إلى أنهم مهاجرون من منطقة تقع فيما بين شمال الهند، وبين أفغانستان وبلوخستان، بعد أن استقروا في غربي إيران فترة ما. على أن هناك وجهاً آخر للنظر، يرى أنهم من الأقوام التي قطنت العراق في عصور ما قبل التاريخ، وأن حضارتهم أصيلة في العراق، بل ويمكن تسمية أهل حضارة العُبيد بالسومريين.

وهناك أبحاثاً جديدة كشفت عن أكثر من ثلاثين موقعاً في شرق الجزيرة العربية تنتمي إلى حضارة العُبيد، ومن ثمَّ فهناك من يفترض بأن هناك مجموعات بشرية كبيرة قد هاجرت من شرق الجزيرة العربية إلى السهل الفيضي القريب منهم، مما أدى إلى وجود تبادل حضاري بين جنوب العراق وشمال الجزيرة العربية إبان عصر حضارة العُبيد.

دويلات المدن السومرية:

لا ريب في أننا عندما نتحدث عن السومريين فإننا لا نتحدث عن شعب متماسك الأطراف يُكون أمه متحدة استطاعت أن تبرز في التاريخ بحضارة متسعة نقدمها في إطار معين – كما هو الحال في مصر الفرعونية – وإنما نتحدث عما يمكن تسميته دويلات المدن والتي كان لكل منها أسرة ملكية حاكمة، كما كانت الحرب تقوم بينها، وكل منها تسعى لتسود جارتها، وتقضى على الأسرة الحاكمة فيها. وهكذا حتى تمكن الساميون آخر الأمر، بقيادة سرجون الأول (2370–2315ق.م) من تقويض هذه الوحدات السومرية وتكوين دولة موحدة، هي الدولة الأكدية (2370–2230ق.م).

وأما أهم المدن السومرية فهي:

كيش: يمثلها الآن مجموعة تلال شرقي "بابل"، وعلى مقربة من "أكد".

الوركاء: وتقع في منطقة صحراوية في منتصف المسافة تقريباً بين "بغداد" و"البصرة".

أور: تقع في مكان "تل المقير"، على مبعدة 16 كم شرقي نهر الفرات.

لارسا: وهي "تل سنكرة" الحالية، شمال غربي "الناصرة"، وقامت فيها "أسرة لارسا".

أريدو: (أبو شهرين)، وتقع على مبعدة 25 كم جنوب "أور"، 240 كم شمال الخليج العربي، هذا وطبقاً للتقاليد السومرية فهي أول المدن الخمسة قبل الطوفان، وأول مقر للملكية.

هذا وكان لكل من دويلات المدن سلالتها الحاكمة، ومحاولتها السيطرة على جيرانها، ونشاطها المختلف في المضمار الحضاري، غير أنها كلها مجتمعة تحت أصل حضاري واحد، وسكانها ينتمون إلى جنس واحد، ويتبعون أسلوباً واحداً في حياتهم ومعتقداتهم عن العالم الآخر، كما أنهم جميعاً اتبعوا نفس الطراز في عمائرهم، وكتبوا بنفس الخط، وتكلموا نفس اللغة. وكان التنظيم السياسي السومري يقوم على أساس نظام حكومات المدن الذي يجعل لكل مدينة استقلالها الذاتي في حكومتها، وأول مظاهر هذا التنظيم هو تواجد جمعية عمومية لجميع المواطنين في تلك المدينة، ربما اشترك فيها النساء، وكانت وظيفة تلك الجمعية هو الاجتماع عند الحاجة للبت فيما يهم المدينة، كاختيار كبار المسئولين في حكومة المدينة، ويعد هذا التنظيم مرحلة هامة في تاريخ الفكر الإنساني، حيث يشير إلى نوع من التفكير الديموقراطي في بداية العصر التاريخي. وكان حكم المدينة يتركز في عدد من المسئولين المدنيين والعسكريين، وكان المسئول المدني يحمل لقب أنسي ويتفرغ لشئون الزراعة ومشروعات الري، وهناك وظيفة لوجال بمعنى الرجل العظيم، وكان مسئولاً عن الشئون المدنية، فضلاً عن الشئون الحربية في الحالات الاستثنائية، ثم سرعان ما تطورت هذه الوظيفة إلى أوسع من حكومة المدينة، إلى عدد من المدن الأخرى.

وكان الجانب الديني يُسند إلى موظف يُدعى آن بمعنى السيد، يختص بالشئون الدينية ويسكن المعبد، غير أن هذه الوظيفة سرعان ما تطورت بداية من عصر الأسرات واقتربت من الجانب الدنيوي، وانتقل صاحبها من المعبد إلى القصر، وأما الانتقال من سيادة مدينة إلى مدينة أخرى، فكان يتم بالصراع الحربي، وغلبة فريق على الفريق الآخر.

هذا ويبدأ عصر فجر الأسرات السومرية بالأسرة الأولى في مدينة كيش، ثم "الأسرة الأولى في الوركاء، ثم في أور، ثم في لجش ثم في أرما.

وهكذا، ولا ريب في أن ما نعرفه عن "دويلات المدن" أقل من أن نستطيع به أن نقدم صورة كاملة للحياة السياسية فيها، بل نشأته، وربما لا يعدو، في أحايين كثيرة، أسماء ملوك تنتظم فيها أسرات سجل جداولها الكهنة السومريون في الألف الثاني قبل الميلاد في تعاقب زمني، يشير إلى مدة حكم الملك ثم الأسرة.

وقد قسمت الجداول إلى قسمين، يفصلها حادث هام هو الطوفان، وما قبل الطوفان هو العصر الأسطوري، وما بعده هو العصر التاريخي، وفي أقدم العصور التي سُجلت أحداثها التاريخية، تظهر مدينة "كيش"، وهي تمارس سلطاناً واضحاً على "سومر" تحت حكم ملكها الذي دانت له بالولاء "لجش" وغيرها من مدن الجنوب الكبرى.

ومن المرجَّح أن أسرة أور الأولى، خلفت أسرة كيش في السيادة السياسية لأنه قد ورد ذكر مؤسسها على ختم عُثر عليه في "أور" باعتباره "ملك كيش"، وأن ولديه من بعده امتلكا نيبور وهي "نفر" الحالية، على مبعدة 160 كم جنوبي "بغداد"، لأنهما قاما بترميم معبدها، فقد كانت أكبر مدينة مقدسة عند القوم، وربما أكبر مركز ديني في "بابل"، كما كان معبودها إنليل رئيس مجمع الإلهة "البابلي". غير أن ازدهار "نيبور" لم يدوم طويلاً، حيث تمكن العيلاميون من الاستيلاء عليها، فضلاً عن أجزاء من "سومر".

وكانت السيادة التالية في مدينة لجش، وقامت فيها أول أسرة حاكمة في الفترة (2520–2371ق.م) لم ترد في قوائم الملوك، وإن كشفت الحفريات عما خلفه ملوكها من تسجيلات كتابية.

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى الصراع الذي قام على أيام الملك إيناتوم ملك "لجش" وبين أوما، تل خوخة على مبعدة 30 كم شمال غربي "لجش"، بسبب النزاع على منطقة الحدود بين المدينتين وعلى قناة المياه التي كانت تغذي هذه المنطقة، وتسمى "فرع جرسو" وهي عند "نينا"، وكانت الحدود في صالح "لجش"، مما دعا "أوما" إلى الإغارة على الحدود والاستيلاء على الأرض المتنازع عليها، وقد أصلح ملك "كيش" بين "لجش" و"أوما"، بمباركة المعبود "إنليل".

غير أن لوحة العقبان تشير إلى أن "إيناتوم" قام بحملة ضد "أوما"، وأوقع بها هزيمة منكرة، فقتل من أعدائه 3600 رجلاً (وفي قراءة 36000 رجلاً)، ثم دك أسوار "أوما".

وهكذا فسرعان ما سقطت المدينة، ثم قامت أسرة لجش الثانية (2230-2113ق.م) التي عاصرت آخر أيام "الجوتيين"، وقد حقق حكامها الوطنيون كياناً مستقلاً لمدينتهم، غير أن استعمالهم لقب إيشاج بدلاً من لقب "ملك" إنما يُوحى بلون من التبعية، وبأن "لجش" لم تمارس استقلالا فعلياً حتى عهد "جوديا"، وربما مارست لوناً من ألوان الاستقلال الذاتي النسبي.

وعلى أية حال، فإن "أسرة لجش الثانية" هذه لم ترد في "قائمة الملوك السومرية"، أسوة بـ"أسرة لجش الأولى"، وإن كان "جوديا"، أشهر ملوك الأسرة، إنما تزين تماثيله بعض المتاحف العالمية – مثل المتحف العراقي والمتحف البريطاني ومتحف اللو?ر – فضلاً على إقامته لمعبد لجش. وما لبثت "أوما" أن استعادت سيادتها، في عهد ملكها لوجال زاجيري (حوالي 2400-2371ق.م – أو 2340–2316ق.م)، ونجحت في الثأر من حكومة "لجش"، التي كان على رأسها وقتذاك أوركاجينا، ثم اتجه "لوجال زاجيري" بعد ذلك إلى استكمال سيادة مدينة "أوما"، وإلى محاولة تحقيق الوحدة السياسية السومرية في جنوب العراق القديم، وقد نجح في ذلك إلى حد كبير، فضلاً عن نقل عاصمته من "أوما" إلى الوركاء.

هذا ويحدثنا "لوجال زاجيري" في أحد نصوصه أن الإله "إنليل" قد فتح الطريق أمامه من "البحر السفلي" إلى "البحر العلوي"، ورغم أن البعض قد فسر هذا النص بأن الرجل قد نشر سيادته من الخليج العربي جنوباً وحتى البحر المتوسط غرباً، فإن هناك من يرفض هذا التفسير، وإن كانت الوحدة السومرية قد تحققت بالفعل في عهده، ولكنها لم تدم طويلاً، فالرجل لم يحكم أكثر من خمس وعشرين عاماً تقريباً، ثم انتقلت السيادة بعدها إلى الساميين في جنوب العراق، وذلك على يد الملك سرجون الأول (2370-2315ق.م) مؤسس الدولة الأكدية.

وتتكون الدولة الأكدية من خمسة ملوك، ترتيبهم كما يلي: سرجون الأول - ريموش - مانيشتوسو - نارام سن - شاركالي شاري.

غير أن النفوذ السومري سرعان ما عاد مرة أخرى في عهد الملك أور نامو مؤسس أسرة أور الثالثة والتي تتكون من الملوك: أور نامو - شولجي - إمار سين - إيبي سين.

وهناك ما يشير إلى أن نهاية "دويلة أور الثالثة" كانت نهاية لحياة السومريين السياسية، حيث اندمجوا مع "الساميين"، ولم يعرف العراق القديم – بعد أور الثالثة – دويلة سومرية خالصة، حيث انتهت بغزو "العيلاميين" لدويلة "أور" وقيام حكومتين في العراق: إيسين كبرى عواصم "الآموريين". ولارسا "تل سنكرة" الحالية، شمال غربي الناصرة.

وفي نفس الوقت كان الآشوريون يُكونون دولة مستقلة في الشمال، كما وجدت بعد فترة مملكة في "بابل" تنتمي إلى أصل آموري، وأخرى في "أشنونا"، "تل أسمر" الحالية، بين نهر دجلة وجبال زاجروس. وهكذا عادت بابل إلى نظام دويلات المدن، ويُطلق المؤرخون على هذا العهد اسم العهد البابلي القديم.

الدولة البابليـة الأولى

بابل مدينة قديمة على الفرات، على مبعدة 90 كم جنوبي بغداد، ورغم أن التنقيبات الأثرية في بابل لم تتقدم إلى أكثر من طبقة العصر البابلي القديم، إلا أنه يُفترض أن المدينة كانت قبل وصول الآموريين إليها مجرد بلدة عادية. وهكذا فقد اختار الآموريون بابل عاصمة لملكهم، لوقوعها جغرافياً في وسط العراق، وأحالها الآموريون إلى حاضرة كبيرة، وأحسنوا استغلال موقعها التجاري والزراعي في أضيق منطقة خصبة يتقارب فيها نهرا دجلة والفرات، وأطلقوا عليها اسم بابل وهو اسم ليس هناك ما يمكن تأكيده عن معناه، وإن كان الشائع هو ترجمته بمعنى باب إيلو أي باب الإله.

وأما معنى اسم بابل في التوراة فيقدمه لنا سفر التكوين في قصة أو أسطورة طريفة تقول أن الله – تعالى عن ذلك علواً كبيراً – قد رأى سلالة الناجين من الطوفان يبنون برجاً للوصول إليه في علياء سمائه، وكانوا يحسبون السماء أشبه بلوح زجاجي يعلو على الأرض بضع مئات من الأمتار، فخشي شرهم واحتاط لنفسه، فهبط إلى الأرض وبلبل ألسنتهم فتفرقوا.

ومن هنا فقد "... كفوا عن بنيان المدينة، لذلك دُعي اسمها بابل، لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض، ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض ...".

أما عن الدولة البابلية الأولى فقد أسسها سمو إبوم في جنوب العراق، ثم خلفه أربعة ملوك، حتى جاء الملك البابلي حمورابي (1728–1686ق.م).

وكانت فترة حكم "حمورابي" بمثابة ازدهار عام ملحوظ في المجالات السياسية والدينية والاقتصادية والتشريعية، كما امتدت سلطة بابل في عهده إلى آشور وجزء من سورية. وإن كانت شهرة "حمورابي" عموماً إنما تعتمد على تشريعاته الإدارية والقانونية، أكثر من فتوحاته وتدينه ومشروعاته الاقتصادية.

ويتألف قانون حمورابي من 282 مادة، تناولت أمور القضاء والأمن وعقود الزواج وشروط القروض والأحوال الشخصية. وتضمنت هذه المواد في ثناياها أحكاماً راقية يتقبلها المنطق في كل عصر، وأحكاماً أخرى يصعب قبولها إلا بمنطق الحياة في عصرها. فضلاً عن أن القانون نفسه لم يُوضع ليُطبق عن كل أفراد الشعب، وإنما تختلف العقوبة طبقاً للطبقة التي ينتمي إليها الفرد الذي وقع منه أو عليه الجرم، حيث نجد أن القانون يقسم الناس إلى طبقات ثلاث: أويليوم: الأحرار أو الأفاضل بين الناس أو السادة، مشكينو: الطبقة الوسطى، وردوم: العَبيد.

وعلى أية حال فقد انتهت "الدولة البابلية الأولى" (1959-1894ق.م) عندما احتلها الكاشيون (1959-1157ق.م) في عام 1595ق.م.

 

الآشــوريـون

يُرجِّح العلماء أن الآشوريين إنما ينتسبون إلى شعبة ساميَّة هاجرت من شبه الجزيرة العربية، الموطن الأصلي للساميين، هذا وتعنى كلمة آشور الإقليم الذي سكنه القوم الذين عُرفوا به، كما تعني المدينة التي تحمله، والمعبود الذي كان القوم هناك يعبدونه، ويقسم المؤرخون تاريخ الآشوريين إلى ثلاثة مراحل: "العهد الآشوري القديم" و"الوسيط" و"الحديث"، على أن هناك من يقسم هذا التاريخ إلى أربعة مراحل :

1- مرحلة التبعية السومرية الأكدية:

وشغلت الألف الثالثة قبل الميلاد.

2- العصر الآشوري القديم (2000-1521ق.م):

وقامت به أسرة حاكمة مستقلة في "آشور"، وفي كثير من مدن العراق الرئيسية، وتميز هذا العصر بمراحل ثلاثة رئيسية:

كانت المرحلة الأولى غامضة، ربما لا تعدو أحياناً أسماء الملوك، وبعض أعمالهم، فضلاً عن بعض النصوص من المستوطنة التجارية الآشورية في منطقة قبادوقيا في آسيا الصغرى. واستطاع بوزو آشور الأول أن يؤسس أسرة حاكمة في آشور، نجـح حفيـده إيلوشوما في أن يوطد دعائمها، وأن يقوم بحملة عسكرية ناجحة على بابل، ربما للسيطرة على الطرق التجارية الموصلة لبلاد "عيلام" ومناطق الخليج العربي. ثم يبدأ الغموض يخيم على تاريخ "آشور"، حيث يُحتمل أنها وقعت تحت نفوذ مملكة أشنونا. وكانت المرحلة الثانية عندما تمكن شمشي أداد الأول من تكوين أسرة حاكمة في "آشور"، حوالي عام 1813 قبل الميلاد، وقد استمرت هذه الأسرة حتى قضى عليها "حمورابي".

وجاءت المرحلة الثالثة إبان خضوع "آشور" لسيطرة "بابل"، على أيام "حمورابي"، وربما استقلت "آشور" عن "بابل" بعد وفاة "حمورابي"، وكانت أمورها مضطربة، وظل الأمر كذلك حتى اعتلاء بوزو آشور الثالث العرش في عام 1521 قبل الميلاد، حيث بدأ العصر الآشوري الوسيط.

3- العصر الآشوري الوسيط (1521-911ق.م):

وقد تميز هذا العصر بأحداث وتغيرات سياسية وعسكرية واجتماعية وحضارية هامة، فمن الضعف إلى القوة، ومن التدهور الاقتصادي إلى الانتعاش والرفاهية، ومن التبعية والاحتلال إلى السيادة، هذا فضلاً عن أن هذه الفترة إنما تعاصر أحداثاً هاماً من تاريخ الشرق الأدنى القديم. ففي مصر تعاصر الدولة الحديثة، وتعاصر كذلك دولة الحيثيين في "آسيا الصغرى"، والكاشيين في "جنوب العراق"، هذا إلى جانب دولة ميتاني التي أصبحت "آشور" تحت نفوذها، حيث استغلت "ميتاني" ضعف "الدولة الحيثية"، وفرضت نفوذها على كثير من المناطق ومنها "بلاد آشور". وسرعان ما انتاب "ميتاني" الضعف، فاستغلت "آشور" ذلك واستقلت عنها، ثم قضت عليها وضمت أراضيها إليها. ثم جاء بعد ذلك مجموعة من الملوك العظام، عمل البعض منهم على توسيع سلطات الآشوريين إلى جهات الشرق الأدنى القديم، فنشأت بذرة الإمبراطورية الآشورية التي نمت ونضجت فيما بعد، منذ القرن 9 ق.م.

4- عصر الإمبراطورية (911–612ق.م):

ويقسمه المؤرخون إلى عصرين:

يبدأ عصر الإمبراطورية الأولى بالملك أداد نراوي الثاني (911– 981ق.م)، الذي قام بحملة إلى الأراضي الواقعة جنوب "نهر الزاب" لتثبيت مركز الدولة الآشورية عليها، وضمان أمن الطرق التجارية القادمة من الجنوب، ثم هاجم بابل مرتين، وانتهي إلى عقد معاهدة حدود، ثم قام بحملة سيطر فيها على القبائل الآرامية، حول نهرى "الفرات" و"الخابور"، كما سيطر على مملكة "خاني جلبات" وأسر أميرها، وضمها إلى الدولة الآشورية.

وجاء توكلتي نينورتا الثاني (890–884ق.م)، ووجه همته لإقامة الحصون على الحدود، ووضع حاميات قوية فيها للسيطرة على المنافذ المختلفة إلى الشمال والغرب، حتى يضمن طرق التجارة عبر "طوروس" إلى "سورية"، ثم قام بحملة على بلاد "نائيري"، جنوب غربي بحيرة "أوان"، وأخرى إلى منطقة ما بين "الزابين"، الأعلى والأسفل، وثالثة إلى "بابل"، ثم قام بهجوم على منطقة "مشكو" في آسيا الصغرى، وهكذا أصبحت "آشور" تسيطر على كل شمال العراق.

وجاء آشور ناصر بال الثاني (883–859ق.م)، واندفع إلى سورية ووصل إلى الساحل، وتلقى الجزية من عدد من المدن الفينيقية، كما أرسل حملات إلى الجبهة الشرقية لإخضاع "القبائل الجبلية"، وإلى منطقة "كيروري" في شمال "آشور"، والتي كانت تابعة لآشور، وتمدها بالخيل والبغال والماشية والضأن وأواني البرونز والخمر. ثم اتجه إلى أرض "كيرهي" واستولى على عاصمتها "نيشتون"، وأعدم 260 من رجالها، وقطع رؤوسهم واستخدم جثثهم كلبنات في بناء الأعمدة، ثم قبض على ملكهم وأخذه أسيراً إلى "أربيلا"، وهناك قام بسلخ جلده وهو حيى ونشره على جدران المدينة، ثم أقام لنفسه هناك تمثالاً سجل عليه انتصاراته.

ثم أرسل حملة إلى "زامو" (وادي السليمانية)، وإقليم "تشخان"، شمال غربي آشور، ثم أخضع "بيت زمهاني" ثم " بيت أديني"، أقوى ولاية آمورية في الشمال، حيث كانت قد قامت بتحريض الدويلات "الآمورية" ضد "آشور".

وجاء شلمنصر الثالث (858–824ق.م)، ونجح في أن يسود آسيا الغربية، من الخليج العربي حتى جبال أرمينيا، ومن الحدود الميدية حتى سواحل البحر المتوسط، وقد وصفته نصوصه باسم "الأفعوان الكبير"، وقد تركزت جهوده على الجبهة الغربية والشمالية الغربية. وفي عام 856 ق.م تمكن من القضاء على حلف تكوَّن من "قرقميش" و"بيت عاديني" و"سمعل"، في الشمال الغربي، ثم استولى على "تل برسيب"، عاصمة "بيت عاديني"، ثم فرض الجزية على الولايات المتحالفة معها. وفي عام 853 ق.م هاجم دمشق، وهنا تكوَّن حلف من "أرواد" و"إسرائيل" و"عمون" و"أرقناتا"، وأمير إمارة موصري في شمال غرب الجزيرة العربية، إلى جانب أمير عربي يدعى "جندب"، وكانت قواتهم تتكون من 62900 من المشاة، 1900 من الخيالة، 3900 عجلة حربية. وهكذا حدثت موقعة قرقر وهي موقع على نهر العاصي شمال "حماة"، بين "شلمنصر الثالث"، وبين حلف يضم 12 ملكاً، ورغم تفاخر "شلمنصر" بالنصر وزعمه أنه ذبح 1400 من أعدائه، فإن نصره لم يؤد أبداً إلى استسلام حماة ودمشق وإسرائيل، مما اضطره أن يقوم بحملة جديدة على "دمشق" عام 842ق.م، ثم مرة ثالثة عام 839ق.م، ثم تغيب "آشور" عن الميدان، فلم يشعر أحد بوجودها في الشام قرابة ثلاثين عاماً، إما بسبب ضعفها، وإما بسبب حروب قامت على حدودها الشرقية والجنوبية.

وفي عهد تجلات بلاسر الثالث (745–727ق.م) تدرك "آشور" أن امتلاكها لسورية وفلسطين هو الشرط الأساسي لنجاح إمبراطوريتها، ليس بسبب ثروتها من أخشاب نادرة في الشرق القديم، وكذا بسبب ثروتها المعدنية، وسواحلها الطويلة على البحر المتوسط، وتجارة العراق الغنية، وإنما كذلك، وفي نفس الوقت، هما المدخل إلى جنوب شرق آسيا الصغرى من ناحية، ومصر من ناحية أخرى. ومن ثمَّ فقد اتخذ "تجلات بلاسر الثالث" الخطوات الجادة لضم الأجزاء الأساسية من سورية وفلسطين إلى الإمبراطورية الآشورية، وتثبيت السيادة الآشورية عليهما، ومن هنا فإنه لم يقبل، كغيره من حكام آشور، الجزية، ممن يُخضعهم من ملوك سورية وفلسطين، وإنما أصبحت سياسة "آشور" في عهده هي الإخضاع التام لسورية وفلسطين. وهكذا بدأ يفكر في الاستيلاء على دمشق ثم إسرائيل التي استولى على عدة مدن فيها، ثم انتهز فرصة الثورة ضد "آشور" في كل الممالك الصغيرة في فلسطين وشرق الأردن، وقتل أمير عسقلان، ثم فر أمير غزة إلى مصر، وأما ممالك "عمون" و"أدوم" و"مؤاب" و"يهوذا"، فقد دفعوا الجزية، وأما دمشق فقد استسلمت في عام 732ق.م، ومن بعدها بابل في عام 729 ق.م.

وفي عهد شلمنصر الخامس (727–722ق.م)، أعلن "هوشع" ملك "السامرة" الثورة ولم يؤد الجزية لآشور، فتقدم "شلمنصر" إلى "السامرة"، وحاصرها قرابة ثلاث سنوات حتى استسلمت في ربيع عام 722ق.م. ونقرأ في حوليات "سرجون الثاني" (722-705ق.م) أنه استولى على "السامرة" في السنة الأولى من حكمه، وهجَّر من مواطنيها 27.290 مواطناً، واستولى على خمسين عربة من السلاح الملكي، ثم ملأها بسكان أكثر مما كان فيها، وعيَّن حكاماً عليها، وفرض عليهم الجزية والضرائب، كما يفعل "الملوك الآشوريين"، وهذا ما يُسمى في التاريخ "السبي الآشوري". وتنتهز مصر الفرصة ضد "الآشوريين"، فتحرض الولايات الفلسطينية ضد "سرجون الثاني"، وتعدها بتقديم قوات لمساعدتها ضد "آشور"، وتقبل الولايات الفلسطينية العرض المصري، وإن رفضته "يهوذا" خوفاً من "آشور". وفي عام 720ق.م، لاح الشبح الآشوري في الأفق، وإن لم يظهر "سرجون" على رأس قواته إلا في عام 716ق.م، ثم سرعان ما اتجه إلى مصر، ولكنه لم يتوغل في الحدود المصرية، ثم انتهت الأمور إلى شبه هدنة بين الدولتين الكبيرتين مصر وآشور.

وجاء سنحريب (705–681ق.م)، واستقبلته الولايات الآشورية، بثورة عنيفة في "بابل" وفي غربي آسيا، وتم التحالف بين "بابل" و"يهوذا"، ورأت مصر في ذلك فرصتها لاستعادة نفوذها في "فلسطين"، وبدأ الجيش الآشوري في غزو "فلسطين" وإخضاع مدنها الواحدة تلو الأخرى، وعندما اتجه إلى "القدس" ظهرت القوات المصرية، مما اضطر "سنحريب" إلى سحب قواته، والعودة إلى عاصمته "نينوى" بسبب اضطرابات هناك، ونجت "القدس" من السقوط في أيدي الآشوريين. غير أن خليفته إسر حدون (681–669ق.م)، صمم على غزو مصر نفسها، وهكذا تمكن من احتلال الدلتا، غير أن مصر سرعان ما ثارت ضده، مما اضطر خليفته آشور بانيبال (668–627ق.م) إلى إعادة فتحها من جديد، والوصول، ولأول مرة في التاريخ، إلى الصعيد، حيث وصل إلى العاصمة المصرية المجيدة " طيبة".

ونجح بسماتيك الأول (644–610ق.م) في طرد الآشوريين، وتأسيس الأسرة السادسة والعشرين (664–525ق.م). وفي عام 327 ق.م، مات "آشور بانيبال"، وفي العام التالي استقلت بابل بقيـادة نابولاسر (626–605ق.م)، بعد أن هزم الجيش الآشوري هزيمة ساحقة، وفي عام 612 قبل الميلاد سقطت العاصمة الآشورية "نينوى" تحت أقدام "الميديين" و"البابليين"، وتم اجتياحها بصورة كاملة، وإن كان هناك من يرى أن "نينوى" قد سقطت في أغسطس 613ق.م، بعد معركة دامية ضد الحلفاء، بدأت في شهر يونيو من نفس العام. واضطرت الحكومة الآشورية أن تجعل من"حران" مركزاً لها، ولكن نبوخذ نصر استولى عليها والقضاء على بقية الجيش الآشوري، واقتسم البابليون والميديون مملكة "آشور"، فأخذ "الميديون" قسمها الشرقي، وأخذ "البابليون" جنوبها، وكان ذلك في عام 609 ق.م.

 

الكلـدانيـون

أسس الدولة الكلدانية الملك نابولاسر (626–605ق.م)، ربما في عام 626ق.م، وما أن قضى على "الدولة الآشورية" في عام 609، حتى زادت صحوة الكلدانيين واستمروا في تقوية جهتهم الداخلية، وسرعان ما بدأوا يطمعون في وراثة الآشوريين في سورية وفلسطين، بعد أن سيطروا على أواسط بلاد النهرين وجنوبها. وهنا بدأت مخاوف المصريين، ومن ثمَّ فقد خرج الفرعون نخاو الثاني بجيشه إلى فلسطين، بغية إنقاذ آشور من الوقوع في أيدي "الميديين" و"البابليين"، فضلاً عن استعادة الإمبراطورية المصرية المفقودة في آسيا. وهناك في مجدو وفي عام 609ق.م، اعترضه يوشيا ملك يهوذا، فأنذره بالحسنى ولكنه لم يستجب، مما اضطره إلى الاستيلاء على "يهوذا"، بل ودفع "يوشيا" حياته ثمناً لمغامرته هذه. ثم واصل الفرعون مسيرته نحو الفرات، واستولى على معقل "كيموخو"، وهزم البابليين في موقعة "قوراماتي"، وفي أثناء العودة أخضع المدن الساحلية مثل "عسقلان" و"أشدود". وتجدد العداء بين مصر وبابل، وحاول نبوخذ نصَّر الوصول إلى الحدود المصرية، وإن باءت محاولاته بالفشل الذريع، ويشير "هيرودوت" إلى عقد معاهدة صلح بين مصر وبابل، وأن الفرعون زوَّج أخته أو ابنته من "نبوخذ نصَّر"، ومن ثمَّ فقد أصبحت ملكة بابل.

وفي عهد الفرعون واح إيب رع "إبريس" زاد التوتر في فلسطين ضد الكلدانيين، وعُقد تحالف سري بين "يهوذا" و"أدوم" و"صيدا" و"صور"، وقام الفرعون بدور رئيسي في اتخاذ القرار بالثورة، وربما أعطى تأكيداً بمساعدة عسكرية، لأن ملك يهوذا أعلن التمرد على بابل. وهكذا وجد "نبوخذ نصَّر" نفسه مضطراً إلى الذهاب إلى فلسطين، وبدأ يحتل مدن "يهوذا" الواحدة تلو الأخرى، ما عدا "أورشليم" و"لاخيش" و"عزيقة". وأخيراً استسلمت "لاخيش"، في حين بقيت "أورشليم" وحدها تقاوم الكلدانيين، ولم ينقذ "نبوخذ نصَّر" سوى ظهور الجيش المصري في فلسطين، ثم احتلاله لمدينة "صيدا"، ثم جزيرة "قبرص"، وأخيراً سقطت أورشليم في عام 587 أو 586ق.م، ودمرها البابليون تماماً وأشعلوا فيها النيران، كما أحرقوا القصر الملكي والمعبد الكبير. وهكذا انتهت دويلة يهوذا وأدمجت في التنظيم الإداري للإمبراطورية الكلدانية البابلية، واتباعاً للعرف الآشوري، فإن "نبوخذ نصَّر" قد أبعد البقية الباقية من الطبقة الحاكمة في "يهوذا"، وأما بقية السكان فقد أخذ الجزء الأكبر منهم (أربعون أو خمسون ألفاً) أسرى إلى "بابل"، وهو ما عُرف في التاريخ باسم السبي البابلي (587–539ق.م). ولم تدم "الإمبراطورية الكلدانية" (البابلية الجديدة) طويلاً، فقد سارت في طريق الانهيار السريع، بعد موت "نبوخذ نصَّر" عام 532ق.م.

وكان نبونيد (55–539ق.م) وهو آخر ملوكها، قد ساعد على انهيار النظام السياسي، ومن سوء الحظ أن الأمور كانت وقتذاك تجري في مجرى آخر في المرتفعات الإيرانية. وفي منتصف القرن 6 ق.م نجح كيروش الثاني في القضاء على "الميديين"، بعد أن نجح في توحيد "فارس"، ثم القضاء على "ليديا"، واتخاذ "بابل" حليفاً جديداً، ولكنه سرعان ما عقد العزم على احتلال "بابل". وقرب بداية أكتوبر عام 539 قبل الميلاد، قاد الملك الفارسي كيروش معركة في "أوبيس" على نهر دجلة فأحرق أهل بابل بالنار، وبهذه الطريقة الهمجية من الرعب البغيض أفقد "كيروش" خصومه شجاعتهم. وفي 13 أكتوبر دخلت قوات الفرس بابل، وفي 26 أكتوبر بدأ الكتاب يؤرخون باسم العاهل الجديد "كيروش ملك العالم"، وفي 29 أكتوبر عام 539ق.م، أعلن كيروش أنه الملك العظيم، الملك القوي، ملك بابل، ملك سومر وأكد، ملك كل أنحاء العالم.

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن سقوط بابل في أكتوبر عام 539 ق.م، ومن قبلها سقوط نينوى العاصمة الآشورية في عام 612 ق.م، لا يُعد نهاية لتاريخ بلاد النهرين (العراق القديم) كدولة مستقلة فحسب، وإنما الخطر الأكبر في هذا الوقت وفي هذه المنطقة من الشرق القديم، هو انتهاء سيادة العناصر السامية وبداية سيادة العناصر الهندوأوروبية، من فرس وإغريق ورومان، والتي استمرت قرابة اثني عشر قرناً، حتى جاء الإسلام الحنيف، وحرر الأرض والناس من دنس الاستعمار وذل الاستعباد، فضلاً عن تحرير العقول من وثنية الماضي، وبدأ القوم يؤمنون بالله الواحد الأحد الذي لا شريك له، له المُلك وله الحَمد وهو على كل شيء قدير.

 

ثالثاً: بلاد الشام

بلاد الشام أو سورية القديمة تعني جغرافياً المنطقة التي تشغلها الآن كل من المملكة الأردنية الهاشمية ودولة فلسطين والجمهورية العربية السورية وجمهورية لبنان. ولم تكن هذه المنطقة في التاريخ القديم تشكل وحدة سياسية واحدة كمصر، وإنما وحدات صغيرة مستقلة كدويلات المدن الفينيقية، أو الدويلات التي تنسب إلى أقوام أكثر مما تنسب إلى وحدات سياسية، كالآراميين في دمشق، والعمونيين والمؤابيين في شرق الدولة. ومن ثمَّ فإن حديثنا عن هذه المنطقة إنما هو حديث عن أقوام أكثر منه حديثاً عن دول، علاوة على أن هذه المنطقة قد ظلت في أغلب عصورها التاريخية تخضع للعراق مرة، ولمصر مرات. وتنقسم هذه الأقوام من حيث الأصل إلى قسمين رئيسيين هما:

         أقوام ساميون: وأهمهم: "الآموريون" و"الكنعانيون الفينيقيون" و"الآراميون"، إلى جانب كوكبة أخرى من القبائل منها "الأدوميون" و"المؤابيون" و"العمونيون" و"المديانيون" و"العمالقة" وغيرهم.

         أقوام غير ساميين: وأهمهم: "الحوريون" و"الحيثيون" و"الفلسطينيون" و"الثيكر".

 

الآموريون

يمثل الآموريون الموجة السامية الأولى التي قدمت إلى الأراضي السورية بلاد الشام من شبه الجزيرة العربية.

ولسنا نعرف عن أهل البلاد الأصليين قبل قدوم الآموريين الكثير، فربما كانوا جماعات من غير جنس البحر المتوسط، قدمت مهاجرة من مواطنها الأصلية في الأراضي المرتفعة في أواسط آسيا، وذلك أثناء العصر الحجري النحاسي، وفرضت نفسها على سكان البلاد الأصليين، واختلطت بهم على مر الأيام، كما أثبتت ذلك الحفائر الأثرية التي أجريت في "جازر" و"قرقميش" وغيرها من المواقع، غير أن الرأي العلمي السائد الآن، هو أنهم كانوا في الأصل من جنس البحر المتوسط. ونحن لا نعرف الاسم الذي أطلقه الآموريون على أنفسهم، ولكننا نعرف أن جيرانهمالسومريين في الشرق كانوا يطلقون عليهم اسم مارتو، كما كان جيرانهم الأكديون يطلقون عليهم اسم آمورو الذي يعني عندهم "الغرب".

أما عن البابليين فقد أطلقوا الاسم نفسه على كل سورية، كما أطلقوا على البحر الأبيض المتوسط اسم "بحر آمورو العظيم". وربما كانت الكلمة آمورو اسماً لقبيلة قوية أو مجموعة من القبائل، ثم عُمم الاسم ليطلق على جماعات البدو القاطنين وقتذاك في بادية الشام.

          وكان أول ذكر لآمور في النصوص المصرية القديمة، إنما يرجع إلى عهد الفرعون سيتي الأول، ثم في نصوص من عهد رعمسيس الثاني ورعمسيس الثالث، وكان آخر ذكر لآمور في مرسوم كانوبيس. أما عاصمة الآموريين فكانت ماري وهي كلمة سومرية من جهة الاشتقاق، شبيهة باسم البلاد "آمورو" و"مارتو"، بمعنى بلاد الغرب، وهي الآن "تل الحريري"، جنوبي مصب نهر الخابور، بالقرب من "دير الزور"، على مبعدة ميل واحد غربي الفرات، قرب بلدة "أبو كمال"، هذا إلى جانب وجود تجمعات من العناصر الآمورية في منطقة لبنان الداخلية. وأياً ما كان الأمر، فإن الآموريين يظهرون في التوراة وكأنهم يحتلون جزءاً من منطقة شرق الأردن.

          وقد أنشأ الآموريون عدة مدن مثل تل الحصَى وتل النجيلة، كما جددوا مدينتي لخيش وجازر، وحصَّنوا جميع المدن وأحاطوها بالأسوار، هذا فضلاً عن إقامتهم لمملكتين في شرق الأردن هما سيحون وعِوَج.

 

الكنعانيون الفينيقيون

          قدم الكنعانيون - الفينيقيون إلى الشام مع "الآموريين" أو في أعقابهم مباشرة، ومن ثمَّ فهم يُعدون الجماعة السامية الأولى التي لعبت دوراً هاماً في تاريخ فلسطين ولبنان القديم.

وتنتمي المجموعتان الكنعانية والآمورية إلى أصل واحد، وتتحدثان بلغتين تتشابهان في الكثير، حتى أدى ذلك التشابه إلى أن يُطلق على لغة الآموريين الكنعانية الشرقية، تمييزاً لها عن لغة الكنعانيين التي عُرفت باسم "الكنعانية الغربية" أو "الفينيقية". وقد اختلف المؤرخون في تاريخ دخول الكنعانيين إلى المنطقة، وفي المواطن التي قدموا منها، وطبقاً لرواية "هيرودوت" فإن تاريخ الدخول كان قبل القرن 28 ق.م، بل ربما أقدم من ذلك، لأن مدن "أريحا" و"بيسان" و"مجدو" أسماء سامية، وأنها كانت موجودة قبل عام 3000 ق.م. وأما عن المواطن التي قدموا منها، فإن "هيرودوت" يروي نقلاً عن الفينيقيين أنهم مهاجرون من إريتريا، سواء قصد بهذه العبارة الجنوب العربي وساحل الحبشة، أم منطقة الخليج في الشمال الشرقي للهضبة العربية، وأنهم قد وصلوا إلى بلاد العرب الصخرية شمال الحجاز، ومنها دخلوا إقليم النقب ليأخذوا طريقهم بمحاذاة الساحل إلى لبنان وسورية.

وهناك حقيقة تاريخية قيمة يقف عليها العلماء من ملاحم رأس الشمرا، إذ يُفهم منها أن "الكنعانيين" عاشوا ردحاً من الدهر في صحراء النقب، جنوبي فلسطين، وأن الفضل يرجع إليهم في تخطيط أهم المدن في تلك المنطقة مثل "بئر سبع" و"أشدود". ويذهب "استرابو" إلى أن مقابر الفينيقيين إنما تتشابه مع مقابر البحرين، وأن سكان جزر البحرين يذكرون أن أسماء جزائرهم فينيقية. وقد أثبتت الحفائر الأثرية التي أجريت في البحرين عام 1989م أن مقابر البحرين من نفس طراز مقابر الفينيقيين قبل هجرتهم إلى سواحل لبنان.

كما عُثر على مثل هذه المقابر في الخبرع والأفلاج بمنطقة نجد السعودية، مما جعل البعض يذهب إلى أن أصل الفينيقيين من هاتين المنطقتين، كما أن هناك أسماء مناطق في شرق الجزيرة العربية تحمل نفس أسماء المدن التي أنشأها الفينيقيون على الساحل الشامي، مثل صور على الساحل العُماني، وجبيل على ساحل الإحساء السعودي، وأرواد وهو الاسم القديم لجزيرة المحرق البحرينية. وهناك من يرى أن الفينيقيين قد انطلقوا من البحرين إلى البصرة، سالكين طريق الهلال الخصيب إلى الساحل السوري، حيث بنوا مدنهم هناك.

وقد اختلف المؤرخون فيما بينهم حول أصل كلمة كنعان: فهناك من يرى أن الكلمة سامية، وأنهم سُموا بالكنعانيين نسبة إلى جدهم الأول كنعان، على عادة العرب في تسمية قبائلهم. وهناك من يرى أن كلمة كنعان مشتقة من أصل سامي هو خنع – قنع – كنع إشارة إلى الصفة، ومنها مجازاً الأرض الخفيضة، على عكس مرتفعات لبنان، فسُمي هؤلاء الساميون بالكنعانيين، أي سكان المنخفض، لانفرادهم بسكنى هذه السهول الساحلية التي تحف بشرق البحر المتوسط. على أن هناك وجهاً ثالثاً للنظر يذهب إلى أن أصل كلمة كنعان إنما هو مشتق من كلمة حورية هيكِناجي وتعني الصباغة القرمزية التي اشتهروا بها عندما اتصل الحوريون بهذه البلاد في القرن 18 أو 17 ق.م، ومنها اشتقت الكلمة الأكدية كِناخي أو كيناخي كما في "رسائل العمارنة"، وبالفينيقية كنع، وبالعبرية كنعان، وكلها مسميات تدل على الحُمرة الأرجوانية. ثم جاء الإغريق، واتصلوا بهذه الشعوب وتاجروا معها، واحتكوا بهذه المجتمعات المدنية المتناثرة على الساحل، فأطلقوا عليها اسم فينيكس، وهي كلمة تعني في بعض الآراء نوعاً من النخيل ينمو على هذه الشواطئ، ويقابلها عند الرومان بالميرا التي أطلقت على مدينة "تدمر" في شرق البقاع، غير أن هناك من يرى أن كلمة "فينيكس" إنما تعني اللون الأحمر. وعلى أية حال فقد اشتقت من "فينيكس" كلمة فينيقيا التي أصبحت ترادف كلمة "كنعان"، وأصبحت الكلمتان تعنيان شيئاً واحداً، وهكذا اتفقت التسميتان السامية القديمة واليونانية في أن تربطان بين هذه الشعوب وبين اللون الأحمر.

هذا ويشير تاريخ الفينيقيين إلى أنهم شعبة من الكنعانيين استقرت على الشاطئ عند منحدرات لبنان، ومن هنا فقد حدثت التفرقة الواضحة في التسمية بينهم وبين الكنعانيين.

ويعتقد العلماء أن الكنعانيين هم الأصل، وأنهم قد تحركوا إلى مناطق غرب الأردن، حيث استقروا بها قبل قدوم الإسرائيليين وظهورهم في التاريخ، ثم تسربوا بعد ذلك إلى شواطئ البحر المتوسط، حيث جذبتهم إليها بعض الحقول المثمرة، واستلفتت أنظارهم أكثر مما كانت تستلفتها النواحي الجبلية التي كانت تغطيها الغابات الكثيفة.

 

الآراميون

يمثل الآراميون الموجة السامية الثالثة من موجات الهجرات السامية من شبه الجزيرة العربية، بعد موجة الآراميين والكنعانيين. وكانوا بادئ ذي بدء يجوبون أنحاء وادي الجزيرة من الشمال، ويتحركون إلى الشرق من ناحية العراق، وإلى الغرب من ناحية سورية، حتى بدأ القوم يستقرون في مناطق العراق الأوسط. وهكذا كان الآراميون قبل أن يستقروا في مواطنهم الجديدة ويكونون إمارات ودويلات صغيرة، منتشرين في البادية انتشاراً واسعاً، حيث كانوا ينتقلون بين مناطق نجد في الجنوب، وحدود الشام في الشمال، ونهر الفرات في الشرق، وخليج العقبة في الغرب.

          وكانت الجزيرة العربية، كما ذكرنا آنفاً، تقذف بالموجات إلى منطقة الهلال الخصيب المتاخمة والجذابة، وكان الآراميون إحدى هذه الموجات التي خرجت من بلاد العرب في فترات من القحط، ثم اندفعت نحو الشمال وهبطت في سورية وفلسطين، واستقرت في البقاع والبلدان الخصبة التي تحيط بشبه الجزيرة العربية من الشمال. ثم سرعان ما بدأت القبائل الآرامية تتوغل في العراق وسورية، وإن كان ذلك بدرجات بطيئة، بحيث استغرق هذا التوغل فترة طويلة، حتى تم للقوم الاستقرار نهائياً في المناطق التي طابت لهم الإقامة فيها.

          وقد بدأ الآراميون يظهرون في المنطقة منذ عهد نارام سن، ولعل هذا أقدم ذكر لهم في التاريخ، ثم جاءت إشارات إليهم بعد ذلك، وإن كان هذا لا يكفي لمعاونتنا في تتبع تاريخ القوم القديم قبل تكوين دولهم في العراق والشام، والتي من أهمها دويلتي بيت أديني وبيت بخياليفي شمال العراق. وأما في الشام أو سورية القديمة فلعل من أهمها دويلات أو ولايات الشمال والوسط والجنوب التالي ذكرها:

في شمال سورية: وأهمها: حرجوم وعاصمتها "مرقاش" (مرعش)، سمال في "كليكيا" وعاصمتها "سنجرلي"، خايتنا وعاصمتها "كوتالوا"، ياخان وعاصمتها "أرباد"، يمخد وعاصمتها "خلبو" (حلب). وقد تعرضت هذه الولايات الآرامية للضغط الآشوري في القرنين التاسع والثامن ق.م حتى استسلمت في آخر الأمر. وكانت آخر هذه الدويلات استسلاماً هي ولاية سمال التي قضى عليها تماماً في عهد "شلمنصر الخامس"، والذي قام بضمها كلياً إلى ممتلكات الإمبراطورية الآشورية.

في وسط وجنوب سورية: وأهمها:

       دويلة آرام النهرين: وكان مركزها مدينة "حران"، التي أصبحت من أعظم المراكز الحضارية الآرامية، وهي أقدم الإمارات الآرامية في سورية وشرق الأردن. وقد عاشت هذه الإمارة لفترة حتى قضى عليها على أيام "نبوخذ نصَّر" في عام 609ق.م.

       دويلة آرام دمشق: تأسست هذه الإمارة الآرامية في أخريات القرن الحادي عشر ق.م، وكانت عاصمتها هي دمشق.

وسرعان ما تطورت الدويلة حتى امتدت حدودها إلى الفرات من جهة، وإلى اليرموك من جهة أخرى، وكانت في نفس الوقت متاخمة لأرض الآشوريين في الشمال، وأرض العبرانيين في الجنوب.

       دويلة آرام صوبة: وكانت عاصمتها هي صوبة في سهل البقاع، جنوبي "زحلة".

       إمارة معكة: وكانت تقع في شرق الأردن، قرب "جبل حرمون".

       إمارة بيت رحوب: وكانت تقع على مقربة من مدخل "حماة".

       إمارة طوب: وتعني بالعبرية طيب، وكانت تقع في شرق الأردن.

 

العبرانيون

          وهم شعب سامي يُنسب إلى إسرائيل أو يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم الخليل عليهم السلام، الذي ظل في كنعان، حتى هاجر منها إلى مصر مع أسرته جميعاً، بدعوة من يوسف الصديق عليه السلام، والذي كان وقتذاك قد وصل إلى منصب الوزير وحمل لقب عزيز مصر، غالباً على أيام وجود المتسللين "الهكسوس" في مصر. وهكذا عاش الإسرائيليون في ظل الصديق، حتى إذا ما تغيرت الظروف وطرد الهكسوس من مصر، وجاء فرعون جديد، لعله رعمسيس الثاني أو ولده مرنبتاح، فبدأ لأسباب ما يزال المؤرخون مختلفون عليها، يذيقهم العذاب المهين حتى طردهم من أرض مصر. وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يُذبِّح أبناءهم ويستحي نساءهم"، وفي قوله تعالى: "وإذ نجَّيناكم من ءَال فرعون يَسومونكم سوءَ العذاب يُذبِّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاءٌ من ربكم عظيم". ومن هذه الفترة ظهر موسى عليه السلام، ونجح في الخروج من مصر ببني إسرائيل ومن آمن به من المصريين، بعد معجزة كبرى، وذلك عندما حوصر بين البحر من ناحية، وبين قوات الفرعون من ناحية أخرى، فأمره ربه: "أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطودِ العظيم، وأزلفنا ثمَّ الآخرين، وأنجينا موسى ومن معه أجمعين، ثم أغرقنا الآخرين". وأما تاريخ المعجزة وخروج بني إسرائيل من مصر، فهو موضع خلاف بين الباحثين، وإن كنا نرجِّح أن ذلك إنما كان في نهاية عهد مرنبتاح. على أن الإسرائيليين نتيجة كفرهم وعصيانهم لنبي الله، إنما كتب عليهم التيه في صحراوات سيناء أربعين عاماً، حتى ينتهي هذا الجيل الجبان الذي رفض دخول الأرض التي كتبها الله لهم، ثم يدخل يوشع بن نون بعد ذلك أرض كنعان، وحيث تبدأ فترة جديدة في تاريخ القوم، يُطلق المؤرخون عليها عصر القضاة تبدأ بموت "يوشع"، وتنتهي بقيام "الملكية الإسرائيلية"، ويبدأ بعهد طالوت الذي يحقق للإسرائيليين بعضاً من المجد، ولكن عهده ينتهي بكارثة على "جبل جلبوع"، حيث كانت معركة حامية الوطيس قد دارت رحاها هناك بين جيشي طالوت والفلسطينيين، حيث كان النصر فيها من نصيب الفلسطينيين، وتحل الهزيمة ببني إسرائيل، ويفقد فيها ولدا "طالوت" حياتهما، وكذا جانب كبير من جيش إسرائيل، وانتحر "طالوت" حتى لا يقع في أيدي الفلسطينيين، والذين قاموا بالتمثيل بجثته وبجثتي ولديه.

          وجاء داوود عليه السلام، والذي كتب له النجاح في توحيد إسرائيل، وتمكن من القيام بعدة غزوات عسكرية ناجحة ضد الفلسطينيين والمؤابيين والعمونيين والأدوميين. وطبقاً لرواية التوراة فقد امتدت دولته من ناحية الشمال من مدينة دان عند سفح "جبل حرمون" حيث منابع الأردن، على مبعدة ثلاثة أميال غربي "بانياس"، ومن الجنوب حتى بئر سبع الحالية.

وعلى أية حال، فإن عهدي داوود وولده سليمان عليهما السلام، يمثلان معاً فترة الرخاء والازدهار الوحيدة التي قدر للعبرانيين أن يعرفوها على مدى تاريخهم القديم.

وفي عام 922 ق.م توفي "سليمان" عليه السلام، وسرعان ما دب الصراع القبلي بين الإسرائيليين، ومن ثمَّ فقد انقسمت دولتهم إلى دويلتين: إسـرائيل في الشمال، وعاصمتها "السامرة"، يهـوذا في الجنوب، وعاصمتها "أورشليم" (القدس).

وهكذا فقد بدأ عصر جديد في تاريخ اليهود القديم، ولكنه لم يدم لهم كثيراً ليهنئوا به، حيث انتهت دويلتهم الشمالية إسرائيل باستيلاء الملك الآشوري سرجون الثاني على السامرة في عام 722 ق.م. وقام "سرجون الثاني" كذلك بترحيل سكان إسرائيل إلى بلاد الإمبراطورية الآشورية، فيما عُرف تاريخياً باسم السبي الآشوري. وانتهت دويلتهم الجنوبية يهوذا تماماً في عام 587 أو 586 ق.م على يد الملك نبوخذ نصَّر، والذي قام رجاله بنهب مدينة أورشليم وأشعلوا فيها النيران، وأحرقوا القصر الملكي والمعبد. وفي نهاية الأمر قام "نبوخذ نصَّر" بترحيل أهل يهوذا إلى بابل، وهو ما عُرف تاريخياً باسم السبي البابلي.

مع أسعد التمنيات بالتوفيق والسداد

د. إبراهيم مهران

جار التحميل