جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

مقرر تاريخ الأنبياء انتساب


- 2016/10/23

مادة تاريخ الأنبياء

 لطلاب  الانتساب 

................................................................................................. 

رمز المقرر:   102116-50 

.................................................................................................

الشعبة:   601 

.................................................................................................

أستاذ المادة:  د. إبراهيم محمد بيومي مهران 

الرتبة العلمية: أسـتاذ مشـارك


 

 

 

 

 

أولا : مقدمات عامة:

1-    معنى النبوة والرسالة ، والنبي والرسول  .

2-    حاجة الناس إلى الأنبياء والمرسلين .

3-    وظائف الرسول ومهماته في قومه .

4-    وحدة أصول الرسالات الربانية وتكاملها وختمها برسالة محمد صلى الله علية وسلم ، والحكمة من تعدد الرسل .

5-    حقيقة دعوة الرسل ومضمونها ( الدعوة إلى توحيد العبادة ) .

6-    الصفات الملازمة  للنبي عليه الصلاة والسلام – عصمة الأنبياء – التنبيه على كذب أهل الكتاب على أنبيائهم  والتحذير من الإسرائيليات المنافية لعصمة الأنبياء .

7-    النبوة اصطفاء رباني ولا تنال بالاجتهاد والكسب  ، وآيات الرسل ودلائل اصطفائهم بالنبوة والرسالة .

ثانيا : موجز تاريخ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام :

ينبغي التركيز على التالي :

من الأنبياء والرسل من قص الله في القرآن بعض أنبائهم ، ومنهم من لم يقصص ـــ فالأنبياء والرسل كثيرون ـــ والذين نعلم منهم بيقين هم الرسل الخمسة والعشرون الذين ورد ذكرهم في القرآن .

يعتمد على ماجاء في القرآن والسنة وما لايتعارض معهما مما ذكره المؤرخون .

يدرس تاريخ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع مراعاة التسلسل الزمني والتركيز على تاريخ أولي العزم من الرسل . مع ذكر الأحاديث الواردة في تعداد الأنبياء .

1-    آدم أبو البشر عليه السلام .

2-    إدريس عليه السلام .

3-    نوح عليه السلام .

4-    هود عليه السلام .

5-    صالح عليه السلام .

6-    إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام .

7-    لوط عليه السلام .

8-    إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام .

9-    إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام . 

10-    يعقوب عليه السلام .

11-    يوسف عليه السلام .

12-    شعيب عليه السلام .

13-    أيوب عليه السلام .

14-    ذو الكفل عليه السلام .

15-    موسى وهارون عليهما السلام .

16-    داود عليه السلام .

17-    سليمان بن داود عليهما السلام .

18-    الياس واليسع عليهما السلام .

19-    يونس عليه السلام .

20-    زكريا وإبنه يحيى عليهما السلام .

21-    المسيح عليه السلام .

22-    خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم .

ثالثا : العظات والدروس المستفادة من دراسة تاريخ الأنبياء عليهم السلام .

المصادر والمراجع

صحيح البخاري ومسلم وكتب السنن

قصص الأنبياء : إبن كثير .

الطوفان في التاريخ القديم : عبدالله العتيبي

دعوة التوحيد : محمد خليل الهراس

منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله : محمد سرور زين العابدين

الرسل والرسالات : عمر الأشقر

النبوة والأنبياء : أبي الحسن الندوي

 التعريف بالنبي والرسول والفرق بينهما .

تعريف النبي :

النبي – في لغة العرب – مشتق من النبأ وهو الخبر ، قال تعالى : ( عمَّ يتساءلون – عن النبإِ العظيم ) [ النبأ : 1-2 ] .

وإنّما سمّي النبيُّ نبيّاً لأنه مُخْبرٌ مُخْبَر ، فهو مُخْبَر ، أي : أنَّ الله أخبره ، وأوحى إليه ( قالت من أنبأك هذا قال نَبَّأَنِيَ العليم الخبير ) [ التحريم : 3 ] ، وهو مُخْبرٌ عن الله تعالى أمره ووحيه ( نَبِّئْ عبادي أنّي أنا الغفور الرَّحيم ) [ الحجر : 49 ] ( وَنَبِّئْهُمْ عن ضيف إبراهيم ) [ الحجر : 51 ] .

وقيل : النبوة مشتقة من النَّبْوَة ، وهي ما ارتفع من الأرض ، وتطلق العرب لفظ النبيّ على علم من أعلام الأرض التي يهتدى بها ، والمناسبة بين لفظ النبي والمعنى اللغوي ، أنَّ النبيَّ ذو رفعة وقدر عظيم في الدنيا والآخرة ، فالأنبياء هم أشرف الخلق ، وهم الأعلام التي يهتدي بها الناس فتصلح دنياهم وأخراهم .

تعريف الرسول : 

الإرسال في اللغة التوجيه ، فإذا بعثت شخصاً في مهمة فهو رسولك ، قال تعالى حاكياً قول ملكة سبأ : ( وإني مرسلة إليهم بهديَّةٍ فناظرة بم يرجع المرسلون ) [ النمل : 35 ] ، وقد يريدون بالرسول ذلك الشخص الذي يتابع أخبار الذي بعثه ، أخذاً من قول العرب : " جاءت الإبلُ رَسَلاً " أي : متتابعة .

وعلى ذلك فالرُّسل إنّما سمّوا بذلك لأنَّهم وُجّهوا من قبل الله تعالى : ( ثُمَّ أرسلنا رسلنا تتراً )      [ المؤمنون : 44 ] ، وهم مبعوثون برسالة معينة مُكلَّفون بحملها وتبليغها ومتابعتها .

 الفرق بين الرسول والنبيّ :

لا يصحُّ قول من ذهب إلى أنه لا فرق بين الرسول والنبيّ ، ويدلُّ على بطلان هذا القول ما ورد في عدة الأنبياء والرسل ، فقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّ عدة الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ، وعدَّة الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر رسولاً ، ويدلّ على الفرق أيضاً ما ورد في كتاب الله من عطف النبيِّ على الرسول ( وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبي إلاَّ إذا تمنَّى ألقى الشَّيطان في أُمنيَّته ) [ الحج : 52 ] ، ووصف بعض رسله بالنبوة والرسالة مما يدُل على أن الرسالة أمر زائد على النبوة، كقوله في حقِّ موسى عليه السلام :   ( واذكر في الكتاب موسى إنَّه كان مخلصاً وكان رسولاً نبيَّاً ) [ مريم : 51 ] .

والشائع عند العلماء أنَّ النبي أعم من الرسول ، فالرسول هو من أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه ، والنبيُّ من أوحي إليه ولم يؤمر بالبلاغ ، وعلى ذلك فكلُّ رسول نبي ، وليس كل نبي رسولاً .

وهذا الذي ذكروه هنا بعيد لأمور :

الأول : أن الله نصَّ على أنه أرسل الأنبياء كما أرسل الرسل في قوله : ( وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبي ... ) [ الحج: 52 ] ، فإذا كان الفارق بينهما هو الأمر بالبلاغ فالإرسال يقتضي من النبيّ البلاغ .

الثاني : أنَّ ترك البلاغ كتمان لوحي الله تعالى ، والله لا ينزل وحيه ليكتم ويدفن في صدر واحد من الناس ، ثمَّ يموت هذا العلم بموته .

الثالث : قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه ابن عباس : " عرضت عليَّ الأمم ، فجعل يمرُّ النبي معه الرجل ، والنبي معه الرجلان ، والنبي معه الرهط ، والنبي ليس معه أحد" .

فدلّ هذا على أنَّ الأنبياء مأمورون بالبلاغ، وأنَّهـم يتفاوتون في مدى الاستجابة لهم.

والتعريف المختار أنَّ " الرسولَ مَنْ أُوحي إليه بشرع جديد ، والنبيَّ هو المبعوث لتقرير شرع من قبله ".

وقد " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ، كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ " .

كما ثبت في الحديث ، وأنبياء بني إسرائيل كلّهم مبعوثون بشريعة موسى : التوراة وكانوا مأمورين بإبلاغ قومهم وحي الله إليهم ( ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لَّهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألاَّ تقاتلوا ... ) [ البقرة : 246 ] فالنبي كما يظهر من الآية يُوحَى إليه شيء يوجب على قومه أمراً ، وهذا لا يكون إلا مع وجوب التبليغ .

واعتبر في هذا بحال داود وسليمان وزكريا ويحي فهؤلاء جميعاً أنبياء ، وقد كانوا يقومون بسياسة بني إسرائيل ، والحكم بينهم وإبلاغهم الحق ، والله أعلم بالصواب .

أهمية الإيمان بالرّسل :

 الإيمان بالرسل أصل من أصول الإيمان ، قال تعالى : ( قل آمنَّا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وَالنَّبِيُّونَ من رَّبهم لا نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون ) [ آل عمران : 84 ] .

ومن لم يؤمن بالرسل ضل ضلالاً بعيداً ، وخسر خسراناً مبيناً ( ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً ) [ النساء : 136 ].

الصلة بين الإيمان بالله والإيمان بالرسل والرسالات:

الذين يزعمون أنَّهم مؤمنون بالله ولكنّهم يكفرون بالرسل والكتب هؤلاء لا يقدرون الله حقَّ قدره ، ( وما قدروا الله حقَّ قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشرٍ من شيءٍ ) [ الأنعام : 91 ] . فالذين يقدرون الله حقَّ قدره ، ويعلمون صفاته التي اتصف بها من العلم والحكمة والرحمة لا بدَّ أن يوقنوا بأنَّه أرسل الرسل وأنزل الكتب ، لأن هذا مقتضى صفاته ، فهو لم يخلق الخلق عبثاً ، ( أيحسب الإنسان أن يترك سُدًى ) [ القيامة : 36 ] .

ومن كفر بالرسل وهو يزعم أنَّه يؤمن بالله فهو عند الله كافر لا ينفعه إيمانه ، قال تعالى : ( إنَّ الَّذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعضٍ ويريدون أن يتَّخذوا بين ذلك سبيلاً – أولئك هم الكافرون حقّاً ) [النساء : 150-151] .

فقد نصَّت الآية على كفر من زعم الإيمان بالله وكفر بالرسل ( ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ) ، يقول القرطبي في هذه الآية : " نصّ سبحانه على أنَّ التفريق بين الله ورسله كفر ، وإنَّما كان كفراً لأنَّ الله فرض على الناس أن يعبدوه بما شرعه على ألسنة الرسل ، فإذا جحدوا الرسل ردّوا عليهم شرائعهم ، ولم يقبلوها منهم ، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أُمروا بالتزامها ، فكان كجحد الصانع سبحانه ، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية ، وكذلك التفريق بين الله ورسله " .

وجوب الإيمان بجميع الرسل :

الكفر برسول واحد كفر بجميع الرسل ، قال تعالى : ( كذَّبت قوم نوحٍ المرسلين ) [ الشعراء : 105 ] ، وقال : ( كذَّبت عاد المرسلين ) [ الشعراء : 123 ] ، وقال : ( كذَّبت ثمود المرسلين ) [ الشعراء : 141 ] ، وقال : ( كذَّبت قوم لوطٍ المرسلين ) [الشعراء : 160] ، ومن المعروف أنَّ كلَّ أمةٍ كذَّبت رسولها ، إلا أن التكذيب برسول واحد يعدّ تكذيباً بالرسل كلِّهم ، ذلك أنَّ الرسل حملة رسالة واحدة ، ودعاة دين واحد، ومرسلهم واحد ، فهم وحدة ، يبشر المتقدم منهم بالمتأخر ، ويصدق المتأخر المتقدم .

ومن هنا كان الإيمان ببعض الرسل والكفر ببعض كفراً بهم جميعاً ، وقد وسم الله من هذا حاله بالكفر ( إنَّ الَّذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعضٍ ويريدون أن يتَّخذوا بين ذلك سبيلاً – أولئك هم الكافرون حقّاً ) [ النساء : 150-151 ] ، وقد أمرنا الله بعدم التفريق بين الرسل والإيمان بهم جميعاً ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي النبيُّون من رَّبهم لا نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون ) [ البقرة : 136 ] ، ومن سار على هذا النهج فقد اهتدى ( فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ) [ البقرة : 137 ] ، والذي يخالفه فقد ضلَّ وغوى ( وَّإن تولَّوا فإنَّما هم في شقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله وهو السَّميع العليم ) [ البقرة : 137 ] .

وقد مدح الله رسول هذه الأمة والمؤمنين الذين تابعوه لإيمانهم بالرسل كلهم ، ولعدم تفريقهم بينهم ، قال تعالى : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من رَّبه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحدٍ من رُّسله ) [ البقرة : 285 ].

ووعد الله الذين لم يفرقوا بين الرسل بالمثوبة والأجر الكريم ( والَّذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحدٍ منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفوراً رَّحيماً ) [ النساء : 152 ] .

وقد ذم الله أهل الكتاب لإيمانهم ببعض الرسل وكفرهم ببعض ( وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وَرَاءهُ وهو الحقُّ مصدقاً لما معهم ) [البقرة : 91] .

فاليهود لا يؤمنون بعيسى ولا بمحمد ، والنصارى لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم .

عدد الأنبياء والطريق إلى معرفتهم 

الأنبياء والرسل جمّ غفير

اقتضت حكمة الله – تعالى – في الأمم قبل هذه الأمّة أن يرسل في كلّ منها نذيراً ، ولم يرسل رسولاً للبشرية كلّها إلاّ محمداً صلى الله عليه وسلم ، واقتضى عدله ألاّ يعذب أحداً من الخلق إلاّ بعد أن تقوم عليه الحجة : ( وما كنَّا معذبين حتَّى نبعث رسولاً ) [الإسراء : 15] . من هنا كثر الأنبياء والرسل في تاريخ البشرية كثرة هائلة ، قال تعالى : ( وإن من أمَّةٍ إلاَّ خلا فيها نذيرٌ ) [ فاطر : 24 ] .

وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدّة الأنبياء والمرسلين ، فعن أبي ذرّ قال: قلت : يا رسول الله ، كم المرسلون ؟ قال : " ثلاثمائة وبضعة عشر جمّاً غفيراً " وقال مرة : " خمسة عشر " ، وفي رواية أبي أمامة ، قال أبو ذر : قلت : يا رسول الله ، كم وفاء عدة الأنبياء ؟ قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ، الرُّسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمّاً غفيراً " .

من الأنبياء والرسل من لم يقصصهم الله علينا :

وهذا العدد الكبير للأنبياء والرسل يدلنا على أنَّ الذين نعرف أسماءهم من الرسل والأنبياء قليل ، وأنَّ هناك أعداداً كثيرة لا نعرفها ، وقد صرّح القرآن بذلك في أكثر من موضع ، قال تعالى : ( ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك ) [ النساء : 164 ] ، وقال : ( ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم مَّن قصصنا عليك ومنهم من لَّم نقصص عليك ) [ غافر : 78 ] .

فالذين أخبرنا الله بأسمائهم في كتابه أو أخبرنا بهم رسوله – صلى الله عليه وسلم – لا يجوز أنّ نكذّبَ بهم ، ومع ذلك فنؤمن أنَّ لله رسلاً وأنبياء لا نعلمهم .

الأنبياء والرسل المذكورون في القرآن :

ذكر الله في كتابه خمسة وعشرين نبياً ورسولاً ، فذكر في مواضع متفرقة آدم وهوداً وصالحاً وشعيباً وإسماعيل وإدريس وذا الكفل ومحمداً عليهم السلام .

قال تعالى : ( إنَّ الله اصطفى آدم ... ) [ آل عمران : 33 ] ، وقال : ( وإلى عادٍ أخاهم هوداً ) [ هود : 50 ] ، ( وإلى ثمود أخاهم صالحاً ) [ هود : 61 ] ، ( وإلى مدين أخاهم شعيباً ) [ هود : 84 ] ، ( وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كلٌّ من الصَّابرين ) [ الأنبياء : 85 ] ( مُّحمَّدٌ رَّسول الله ... ) [ الفتح : 29 ] .

وذكر ثمانية عشر منهم في موضع واحد في سورة الأنعام ( وتلك حجَّتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجاتٍ مَّن نشاء إنَّ ربَّك حكيم عليمٌ – ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاًّ هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذُريَّته داود وسليمان وأيُّوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين – وزكريَّا ويحى وعيسى وإلياس كلٌّ من الصَّالحين – وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاًّ فضَّلنا على العالمين ) [ الأنعام : 83-86 ] .

أربعة من العرب :

من هؤلاء الخمسة والعشرين أربعة من العرب ، فقد جاء في حديث أبي ذر في ذكر الأنبياء والمرسلين : " منهم أربعة من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، ونبيك يا أبا ذر"  .

ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل : العرب العاربة ، وأمّا العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل ، وهود وصالح كانا من العرب العاربة .

أنبياء عرفناهم من السنّة :

هناك أنبياء عرفناهم من السنة ، ولم ينصّ القرآن على أسمائهم ، وهم :

1- شيث :

يقول ابن كثير : " وكان نبيّاً بنصّ الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر مرفوعاً أنّه أنزل عليه خمسون صحيفة "  .

2- يوشع بن نون :

روى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " غزا نبيٌّ من الأنبياء ، فقال لقومه : لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة ، وهو يريد أن يبني بها ، ولمّا يبنِ ، ولا آخر قد بنى بنياناً ولما يرفع سقفها ، ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات وهو منتظر ولادها ، قال : فغزا ، فأدنى للقرية حين صلاةِ العصر ، أو قريباً من ذلك ، فقال للشمس: أنت مأمورة ، وأنا مأمور ، اللهمَّ احبسها عليَّ شيئاً ، فحسبت عليه حتى فتح الله عليه "  .

والدليل على أنَّ هذا النبيّ هو يوشع قوله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ الشمس لم تحبس إلاّ ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس " .

صالحون مشكوكٌ في نبوتهم :

1- ذو القرنين :

ذكر الله خبر ذي القرنين في آخر سورة الكهف ، ومما أخبر الله به عنه أنه خاطبه ( قلنا يا ذا القرنين إمَّا أن تعذب وإمَّا أن تتَّخذ فيهم حسناً ) [ الكهف : 86 ] .

فهل كان هذا الخطاب بواسطة نبيّ كان معه ، أو كان هو نبيّاً ؟ جزم الفخر الرازي بنبوته ، وقال ابن حجر : " وهذا مرويٌّ عن عبد الله بن عمرو ، وعليه ظاهر القرآن " ومن الذين نفوا نبوته عليُّ بن أبي طالب  .

2- تبع :

ورد ذكر تبع في القرآن الكريم ، قال تعالى : ( أهم خير أم قوم تُبَّعٍ والَّذين من قبلهم أهلكناهم إنَّهم كانوا مجرمين ) [ الدخان : 37 ] ، وقال : ( كذَّبت قبلهم قوم نوحٍ وأصحاب الرَّس وثمود – وعادٌ وفرعون وإخوان لوطٍ – وأصحاب الأيكة وقوم تُبَّعٍ كلٌّ كذَّب الرُّسل فحقَّ وعيد ) [ ق : 12-14 ] ، فهل كان نبيّاً مرسلاً إلى قومه فكذبوه فأهلكهم الله ؟ الله أعلم بذلك . 

الأفضل التوقف في أمر ذي القرنين وتُبّع :

والأفضل أن يتوقف في إثبات النبوة لهذين ، لأنه صحّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما أدري أتُبّع نبيّاً أم لا ، وما أدري ذا القرين نبياً أم لا " . فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يدري ، فنحن أحرى بأن لا ندري .

3- الخضر :

الخضر هو العبد الصالح الذي رحل إليه موسى ليطلب منه علماً ، وقد حدثنا الله عن خبرهما في سورة الكهف.

وسياق القصة يدلّ على نبوته من وجوه  :

أحدها : قوله تعالى : ( فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلَّمناه من لَّدُنَّا علماً ) [ الكهف : 65 ] ، والأظهر أنّ هذه الرحمة هي رحمة النبوة ، وهذا العلم هو ما يوحى إليه به من قبل الله .

الثاني : قول موسى له : ( هل أتَّبعك على أن تعلمن ممَّا عُلمت رُشداً – قال إنَّك لن تستطيع معي صبراً – وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً – قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصى لك أمراً – قال فإن اتَّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتَّى أُحدث لك منه ذكراً ) [ الكهف : 66-70 ] فلو كان غير نبيّ لم يكون معصوماً ، ولم يكن لموسى – وهو نبيٌّ عظيم ، ورسول كريم ، واجب العصمة – كبيرُ رغبةٍ ، ولا عظيم طلبة في علم وَليَّ غير واجب العصمة ، ولما عزم على الذهاب إليه ، والتفتيش عنه ، ولو أنَّه يمضي حقباً من الزمان ، قيل : ثمانين سنة ، ثمَّ لما اجتمع به ، تواضع له ، وعظّمه ، واتبعه في صورة مستفيد منه ، دلّ على أنه نبيٌّ مثله ، يوحى إليه كما يوحى إليه ، وقد خصّ من العلوم اللدنيَّة والأسرار النبويَّة بما لم يطلع الله عليه موسى الكليم ، نبيّ بني إسرائيل الكريم .

الثالث : أنّ الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام ، وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلام ، وهذا دليل مستقلٌّ على نبوتَّه ، وبرهان ظاهر على عصمته ، لأنَّ الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرد ما يلقى في خلده ، لأنَّ خاطره ليس بواجب العصمة ، إذ يجوز الخطأ عليه بالاتفاق ، ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلم علماً منه بأنّه إذا بلغ يكفر ، ويحمل أبويه على الكفر لشّدة محبتهما له ، فيتابعانه عليه ، ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته صيانة لأبويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته دلّ ذلك على نبوته وأنّه مؤيد من الله بعصمته.

الرابع : أنّه لمـَّا فسر الخضر تأويل تلك الأفاعيل لموسى ، ووضح له عن حقيقة أمره وجلاَّه ، قال بعد ذلك كلّه : ( رحمةً من رَّبك وما فعلته عن أمري ) [ الكهف : 82 ] ، يعني ما فعلته من تلقاء نفسي ، بل أمرت به ، وأوحي إليّ فيه  .

لا نثبت النبوة لأحد إلاّ بدليل :

يذكر علماء التفسير والسير أسماء كثير من الأنبياء نقلاً عن بني إسرائيل ، أو اعتماداً على أقوال لم تثبت صحتها ، فإن خالفت هذه النقول شيئاً مما ثبت عندنا من كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم رفضناها ، كقول الذين قالوا : " إنَّ الرسل ثلاثة الذين أرسلوا إلى أصحاب القرية المذكورة قصتهم في سورة يس كانوا من أتباع عيسى ، وأن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين بعد عيسى "  .

نردّ هذّا كله ، لأنَّه ثبت في الحديث الصحيح أنّه ليس بين عيسى ابن مريم وبين رسولنا صلوات الله وسلامه عليهما نبيٌّ  . ، فالرسل المذكورون في آية سورة يس إما رسل بعثوا قبل عيسى ، وهذا هو الراجح ، أو هم – كما يقول بعض المفسرين – مبعوثون من قبل عيسى وهذا بعيد ، لأ، الله أخبر أنّه مرسلهم ، والرسول عند الإطلاق ينصرف إلى الاصطلاح المعروف ، وما ورد من أنَّ خالد بن سنان نبي عربي ضيعه قومه فهو حديث لا يصحُّ ، وهو مخالف لحديث صحيح أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فيه أنَّ عدد الأنبياء الذين من العرب أربعة  .

أما ما ورد عن بني إسرائيل من أخبار بتسمية بعض الأنبياء مما لا دليل عليه من الكتاب والسنة ، فلا نكذَّبه ، ولا نصدّق به ، لأنَّ خبرهم يحتمل الصدق والكذب

وظائف الرّسّل ومهمّاتهم 

لقد بين لنا القرآن الكريم والسنة النبوية مهمّة الرسل ووظائفهم ، وسنحاول أن نبين ذلك فيما يأتي .

البلاغ المبين :

الرسل سفراء الله إلى عباده ، وحملة وحيه ، ومهمتهم الأولى هي إبلاغ هذه الأمانة التي تحملوها إلى عباد الله : ( يا أيَّها الرَّسول بلغ ما أنزل إليك من رَّبك وإن لَّم تفعل فما بلَّغت رسالته ) [ المائدة : 67 ] ، والبلاغ يحتاج إلى الشجاعة وعدم خشية الناس ، وهو يبلغهم ما يخالف معتقداتهم ، ويأمرهم بما يستنكرونه ، وينهاهم عمّا ألفوه ، ( الَّذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلاَّ الله ) [ الأحزاب : 39 ] .

والبلاغ يكون بتلاوة النصوص التي أوحاها الله من غير نقصان ولا زيادة ( اتل ما أوحي إليك من الكتاب ) [ العنكبوت : 45 ] ، ( كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلوا عليكم آياتنا ) [ البقرة : 151 ] ، فإذا كان الموحى به ليس نصاً يتلى ، فيكون البلاغ ببيان الأوامر والنواهي والمعاني والعلوم التي أوحاها الله من غير تبديل ولا تغيير .

ومن البلاغ أن يوضح الرسول الوحي الذي أنزله الله لعباده ، لأنّه أقدر من غيره على التعرف على معانيه ومراميه ، وأعرف من غيره بمراد الله من وحيه ، وفي ذلك يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للنَّاس ما نزل إليهم ولعلَّهم يتفكَّرون ) [ النحل : 44 ] .

والبيان من الرسول للوحي الإلهي قد يكون بالقول ، فقد بين الرسول – صلى الله عليه وسلم – أموراً كثيرة استشكلها أصحابه ، كما بين المراد من الظلم في قوله تعالى : ( الَّذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مُّهتدون ) [ الأنعام : 82 ] ، فقد بين الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن المراد به الشرك ، لا ظلم النفس بالذنوب .

وكما بيّن الرسول – صلى الله عليه وسلم – الآيات المجملة في الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك بقوله .

وكما يكون البيان بالقول يكون بالفعل ، فقد كانت أفعال الرسول – صلى الله عليه وسلم – في الصلاة والصدقة والحج وغير ذلك بياناً لكثير من النصوص القرآنية.

وعندما يتولى الناس ، ويعرضون عن دعوة الرسل ، فإن الرسل لا يملكون غير البلاغ ( وَّإن تولَّوا فإنَّما عليك البلاغ ) [ آل عمران : 20 ]

الدّعوة إلى الله : 

لا تقف مهمّة الرسل عند حدّ بيان الحقِّ وإبلاغه ، بل عليهم دعوة الناس إلى الأخذ بدعوتهم ، والاستجابة لها ، وتحقيقها في أنفسهم اعتقاداً وقولاً وعملاً ، وهم في ذلك ينطلقون من منطلق واحد ، فهم يقولون للناس : أنتم عباد الله ، والله ربكم وإلهكم ، والله أرسلنا لنعرفكم كيف تعبدونه ، ولأننا رسل الله مبعوثون من عنده ، فيجب عليكم أن تطيعونا وتتبعونا ، ( ولقد بعثنا في كل أمَّةٍ رَّسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطَّاغوت ) [ النحل : 36 ] . ( وما أرسلنا من قبلك من رَّسولٍ إلاَّ نوحي إليه أنَّه لا إله إلاَّ أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] . وكل رسول قال لقومه : ( فاتَّقوا الله وأطيعون ) [ الشعراء : 108 ، 126 ، 144 ، 150 ، 163 ، 179 ] .

وقد بذل الرسل في سبيل دعوة الناس إلى الله جهوداً عظيمة ، وحسبك في هذا أن تقرأ سورة نوح لترى الجهد الذي بذله على مدار تسعمائة وخمسين عاماً ، فقد دعاهم ليلاً ونهاراً ، سراً وعلانية ، واستعمل أساليب الترغيب والترهيب ، والوعد والوعيد ، وحاول أن يفتح عقولهم ، وأن يوجهها إلى ما في الكون من آيات ، ولكنهم أعرضوا ، ( قال نوحٌ رَّب إنَّهم عصوني واتَّبعوا من لَّم يزده ماله وولده إلاَّ خساراً ) [ نوح : 21 ] .

مثال يوضح دور الرسل :

وقد ضربت الملائكة للرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً يوضح دوره ، ويبين وظيفته، فعن جابر بن عبد الله قال : " جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم : إنه نائم ، وقال بعضهم : إن العين نائمةٌ والقلبَ يقظانُ ، فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلاً ، قال : فاضربوا له مثلاً . فقال بعضهم : إنه نائمٌ ، وقال بعضهم : إن العينَ نائمةٌ والقلب يقظان ، فقالوا : مَثَلُهُ كمثل رجل بنى داراً وجَعَلَ فيها مأدُبة وبعث داعياً ، فمن أجاب الداعيَ دخلَ الدارَ وأكلَ من المأدبة ، ومن لم يجبِ الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة . فقالوا : أولوها له يفقهها ، فقال بعضهم : إنه نائمٌ ، وقال بعضهم : إن العينَ نائمةٌ والقلبَ يقظانُ ، فقالوا : فالدارُ الجنة والداعي محمدٌ صلى الله عليه وسلم ، فمن أطاعَ محمداً صلى الله عليه وسلم فقد أطاعَ الله ، ومن عصى محمداً صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله ، ومحمدٌ فرق بين الناس " .

التبشير والإنذار: 

دعوة الرسل إلى الله تقترن دائماً بالتبشير والإنذار ، ولأنَّ ارتباط الدعوة إلى الله بالتبشير والإنذار وثيق جداً فقد قصر القرآن مهمة  الرسل عليهما في بعض آياته ( وما نرسل المرسلين إلاَّ مبشرين ومنذرين ) [ الكهف : 56 ] ، وقد ضرب الرسول – صلى الله عليه وسلم – لنفسه مثلاً في هذا ، فقال : " إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به ، كمثل رجل أتى قوماً ، فقال : يا قوم ، إني رأيت الجيش بعينيَّ ، وإني أنا النذير العُريان ، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه ، فأدلجوا ، فانطلقوا على مهلهم ، فنجوا ، وكذَّبته طائفة منهم ، فأصبحوا مكانهم ، فصبحهم الجيش ، فأهلكهم واجتاحهم ، فذلك مثل من أطاعني ، فاتبع ما جئت به ، ومثل من عصاني وكذّب بما جئت به من الحق "  .

وتبشير الرسل وإنذارهم دنيوي وأخروي ، فهم في الدنيا يبشرون الطائعين بالحياة الطيبة ، ( من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينَّهُ حياةً طيبةً ) [ النحل : 97 ] . ( فمن اتَّبع هداي فلا يضلُّ ولا يشقى ) [ طه : 123 ] ، ويعدونهم بالعزّ والتمكين والأمن ( وعد الله الَّذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض كما استخلف الَّذين من قبلهم وليمكننَّ لهم دينهم الَّذي ارتضى لهم وليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ) [ النور : 55 ] .

ويخوِّفون العصاة بالشقاء الدنيوي ( ومن أعرض عن ذكري فإنَّ له معيشةً ضنكاً ) [ طه : 124 ] ويحذرونهم العذاب والهلاك الدنيوي ( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقةً مثل صاعقة عادٍ وثمود ) [ فصلت : 13 ] ، وفي الآخرة يبشرون الطائعين بالجنة ونعيمها ( ومن يطع الله ورسوله يدخله جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ) [ النساء : 13 ] .

ويخوفون المجرمين والعصاة عذاب الله في الآخرة ، ( ومن يعص الله ورسوله ويتعدَّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذابٌ مُّهينٌ ) [ النساء : 14 ] .

ومن يطالع دعوات الرسل يجد أنّ دعوتهم قد اصطبغت بالتبشير والإنذار ، ويبدو أنّ التبشير والإنذار على النحو الذي جاءت به الرسل هو مفتاح النفس الإنسانية ، فالنفس الإنسانية مطبوعة على طلب الخير لذاتها ، ودفع الشر عنها ، فإذا بصّر الرسل النفوس بالخير العظيم الذي يحصِّلونه من وراء الإيمان والأعمال الصالحة فإن النفوس تشتاق إلى تحصيل ذلك الخير ، وعندما تُبيَّن لها الأضرار العظيمة التي تصيب الإنسان من وراء الكفر والضلال فإنّ النفوس تهرب من هذه الأعمال ، ونعيم الله المبشر به نعيم يستعذبه القلب ، وتلذُّه النفس ، ويهيم به الخيال ، اسمع إلى قوله تعالى يصف نعيم المؤمنين في جنات النعيم: ( على سررٍ مَّوضونةٍ – مُّتَّكئين عليها متقابلين – يطوف عليهم ولدانٌ مُّخلدون – بأكوابٍ وأباريق وكأسٍ من مَّعينٍ – لا يصدَّعون عنها ولا ينزفون – وفاكهةٍ ممَّا يتخيَّرون – ولحم طيرٍ ممَّا يشتهون – وحور عينٌ – كأمثال اللؤلؤ المكنون – جزاء بما كانوا يعملون – لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً – إلاَّ قيلاً سلاماً سلاماً – وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين – في سدرٍ مَّخضودٍ – وطلحٍ منضودٍ – وظلٍ مَّمدودٍ – وماءٍ مَّسكوبٍ – وفاكهةٍ كثيرةٍ – لا مقطوعةٍ ولا ممنوعةٍ – وفرشٍ مَّرفوعةٍ – إنَّا أنشأناهن إنشاءً – فجعلناهنَّ أبكاراً – عرباً أتراباً – لأصحاب اليمين)   [ الواقعة : 15-38 ] .

وانظر إلى عذاب الكفرة في دار الشقاء ( وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال – في سمومٍ وحميمٍ – وظلٍ من يحمومٍ – لا باردٍ ولا كريمٍ – إنَّهم كانوا قبل ذلك مترفين ) [ الواقعة : 41-45 ] ( ثمَّ إنَّكم أيُّها الضَّالُّون المكذبون – لآكلون من شجرٍ من زقُّومٍ – فمالؤون منها البطون – فشاربون عليه من الحميم – فشاربون شرب الهيم – هذا نزلهم يوم الدين ) [ الواقعة : 51-56 ] .

وحسبك أن تطالع كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري وتقرأ منه على إخوانك ومن تدعوهم  إلى الله ، ثم انظر أثر هذا في نفسك وفي نفوس السامعين .

إن بعض الذين لم يفقهوا دعوة الإسلام يعيبون على دعاة الإسلام أخذهم بالإنذار والتبشير ، ويقولون : فلان واعظ ، ويعيبون عليهم عدم فلسفتهم للأمور التي يدعون إليها، ويطالبون الدعاة بالكف عن طريقة الوعظ وتخويف النّاس وترغيبهم ، وهؤلاء بحاجة إلى أن يراجعوا أنفسهم ، وينظروا في موقفهم هذا ، في ضوء نصوص القرآن وأحاديث الرسول التي تبين أسلوب الدعوة ، وتوضيح مهمة الرسل الكرام .

إصلاح النفوس وتزكيتها 

الله رحيم بعباده ، ومن رحمته أن يحي نفوسهم بوحيه ، وينيرها بنوره ، ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نَّهدي به من نَّشاء من عبادنا ) [ الشورى : 52 ] .

والله يخرج الناس بهذا الوحي الإلهي من الظلمات إلى النور ، ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى نور الإسلام والحق : ( الله وليُّ الَّذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النُّور ) [ البقرة : 257 ] ، وقد أرسل اللهُ رسله بهديه ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النُّور ) [ إبراهيم : 5] ، وبدون هذا النور تعمى القلوب ( فإنَّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب الَّتي في الصُّدور ) [ الحج : 46 ] ، وعماها ضلالها عن الحق ، وتركها لما ينفعها وإقبالها على ما يضرها ( ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرُّهم ) [ الفرقان : 55 ] .

وإخراج الرسل الناس من الظلمات إلى النور لا يتحقق إلاّ بتعليمهم تعاليم ربهم  وتزكية نفوسهم بتعريفهم بربهم وأسمائه وصفاته ، وتعريفهم بملائكته وكتبه ورسله ، وتعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم ، ودلالتهم على السبيل التي توصلهم إلى محبته ، وتعريفهم بعبادته ( هو الَّذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مُّبينٍ ) [ الجمعة : 2 ] ( رَّبنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ) [ البقرة : 129 ] .

الوحي.

النبّوة منحة إلهيّة 

النبوة منحة إلهية ، لا تنال بمجرد التشهي والرغبة ، ولا تنال بالمجاهدة والمعاناة ، وقد كذّب الفلاسفة الذين زعموا أن النبوة تنال بمجرد الكسب بالجدّ والاجتهاد ، وتكلّف أنواع العبادات ، واقتحام أشقّ الطاعات ، والدأب في تهذيب النفوس ، وتنقية الخواطر ، وتطهير الأخلاق ، ورياضة النفس والبدن  .

وقد بيّن الله في أكثر من آية أنّ النبوة نعمة ربانية إلهية ، قال تعالى : ( أولئك الَّذين أنعم الله عليهم من النَّبيين من ذريَّة آدم وممَّن حملنا مع نوحٍ ومن ذريَّة إبراهيم وإسرائيل وممَّن هدينا واجتبينا ) [ مريم : 58 ] ، وحكى الله قول يعقوب لابنه يوسف : ( وكذلك يجتبيك ربُّك ) [ يوسف : 6 ] ، وقال الله لموسى : ( إني اصطفيتك على النَّاس برسالاتي وبكلامي ) [ الأعراف : 144 ] .

وقد طمع أمية بن أبي الصَّلت في أن يكون نبي هذه الأمة ، وقال الكثير من الشعر متوجهاً به إلى الله ، وداعياً إليه ، ولكنه لم يحصل على مراده ، وصدق الله إذ يقول : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [ الأنعام : 124 ] .

وعندما اقترح المشركون أن يختار الله لأمر النبوة والرسالة أحد الرجلين العظيمين في مكة والطائف عروة بن مسعود الثقفي أو الوليد بن المغيرة ، أنكر الله ذلك القول ، وبين أنّ هذا مستنكر ، فهو الإله العظيم الذي قسم بينهم أرزاقهم في الدنيا ، أفيجوز لهم أن يتدخلوا في تحديد المستحقِّ لرحمة النبوة والرسالة ؟ ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيمٍ – أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم مَّعيشتهم في الحياة الدُّنيا .. ) [ الزخرف : 31-32 ] وسنبين في هذا الفصل الطريق الذي يصبح به الذين اختارهم الله أنبياء .

طريق إعلام الله أنبياءه ورسله :

تعريف الوحي :

سمي الله الطريق الذي يعلم الله به أنبياءَه ورسله وحياً ، قال تعالى : ( إنَّ أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ والنَّبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبوراً ) [ النساء : 163 ] .

والوحي في اللغة : الإعلام الخفّي السريع مهما اختلفت أسبابه  ، فقد يكون بالإلهام كوحي الله إلى الحواريين : ( وإذ أوحيت إلى الْحَوَارِيِّينَ أن آمنوا بي وبرسولي ) [ المائدة : 111 ] وكوحي الله لأم موسى : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ) [ القصص : 7 ] ، ويأتي بمعنى الإيماء والإشارة ، فقد سمّى القرآن إشارة زكريا إلى قومه وحياً ( فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرةً وعشيّاً ) [ مريم : 11 ] .

وأكثر ما وردت كلمة (( وحي )) في القرآن الكريم بمعنى إخبار وإعلام الله من اصطفاه من عباده كل ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم ، بطريقة سرّية خفيّة ، غير معتادة للبشر .

مقامات وحي الله إلى رسله :

للوحي الذي يعلم الله به رسله وأنبياءَه مقامات ، قال الله تعالى مبيِّناً هذه المقامات : ( وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلاَّ وحيّاً أومن وراء حجابٍ أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنَّه عليٌّ حكيم ٌ ) [ الشورى : 51 ] .

فالمقامات ثلاثة :

الأولى : الإلقاء في روع النبي الموحى إليه ، بحيث لا يمتري النبي في أنّ هذا الذي ألقي في قلبه من الله تعالى ، كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال : " إنّ روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا الله ، وأجملوا في الطلب " . وذهب ابن الجوزي إلى أن المراد بالوحي في قوله : ( إلاًّ وحياً ) الوحي في المنام  .

 رؤية الأنبياء :

وهذا الذي فسّر به ابن الجوزي المقام الأول داخل في الوحي بلا شّك ، فإنّ رؤيا الأنبياء حقٌ ، ولذلك فإنَّ خليل الرحمن إبراهيم بادر إلى ذبح ولده عندما رأى في المنام أنّه يذبحه ، وعدّ هذه الرؤيا أمراً إلهياً ، قال تعالى في إبراهيم وابنه إسماعيل : ( فلمَّا بلغ معه السَّعي قال يا بنيَّ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصَّابرين – فلمَّا أسلما وتلَّهُ للجبين – وناديناه أن يا إبراهيم – قد صدَّقت الرؤيا إنَّا كذلك نجزي المحسنين ) [ الصافات : 102- 105 ] .

وفي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – قالت : " أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في المنام ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح "  .

المقام الثاني : تكليم الله لرسله من وراء حجاب :

وذلك كما كلَّم الله تعالى موسى عليه السلام ، وذكر الله ذلك في أكثر من موضع في كتابه : ( ولمَّا جاء موسى لميقاتنا وكلَّمه ربُّه ) [ الأعراف : 143 ] ، ( فلمَّا أتاها نودي يا موسى – إنّي أنا ربُّك فاخلع نعليك إنَّك بالواد المقدَّس طوى – وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى – إنَّني أنا الله لا إله إلاَّ أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ) [ طه : 11-14 ] ، وممن كلّمه الله آدم عليه السلام ( قال يا آدم أَنبِئْهُم بأسمائهم فلمَّا أَنبَأَهُمْ بأسمائهم .. ) [ البقرة : 33 ] ، وكلّم الله عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم عندما عرج به إلى السماء .

المقام الثالث : الوحي إلى الرسول بواسطة الملك :

وهذا هو الذي يفقه من قوله تعالى : ( أو يرسل رسولاً فَيُوحِيَ بإذنه ما يشاء ) [ الشورى : 51 ] وهذا الرسول هو جبريل ، وقد يكون غيره وذلك في أحوال قليلة.

صفة مجيء الملك إلى الرسول :

بالتأمل في النصوص في هذا الموضوع نجد أنّ للملك ثلاثة أحوال  :

الأول : أن يراه الرسول صلى الله عليه وسلم على صورته التي خلقه الله عليها ، ولم يحدث هذا لرسولنا صلى الله عليه وسلم إلا مرتين .

الثاني : أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس ، فيذهب عنه وقد وعى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال .

الثالث : أن يتمثل له الملك رجلاً فيكلّمه ويخاطبه ويعي عنه قوله ، وهذه أخف الأحوال على الرسول صلى الله عليه وسلم وقد حدث هذا من جبريل في اللقاء الأول عندما فجأه في غار حراء .

أثر الملك في الرسول :

من المزاعم التي يدعيها المكذبون بالرسل أن ما كان يصيب الرسول صلى الله عليه وسلم إنّما هو نوع من الصرع ، أو اتصال من الشياطين به ، وكذبوا في دعواهم ، فالأمران مختلفان ، فالذي يصيبه الصرع يصفرُّ لونه ، ويخفُّ وزنه ، ويفقد اتزانه ، وكذلك الذي يصيبه الشيطان ، وقد يتكلم الشيطان على لسانه ، ويخاطب الحاضرين ، وعندما يفيق من غيبوبته لا يدري ولا يذكر شيئاً ممّا خاطب به الشيطان الحاضرين على لسانه ، أمّا الرسول صلى الله عليه وسلم فإن اتصال الملك به نماء في جسده ، وإشراق في وجهه ، ثمّ إن الجالسين لا يسمعون كلاماً ، إنما يسمعون دوياً كدويّ النحل عند وجهه ، ويقوم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وقد وعى كلّ ما أخبر به الملك ، فيكون هو الذي يخبر أصحابه بما أوحي إليه.

فقد أخبرتنا عائشة – رضي الله عنها وعن أبيها – أنها رأت الرسول صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ، فيفصم عنه ، وإن جبينه ليتفصد عرقاً .

وفي رواية عنها : " إن كان لينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغداة الباردة ، ثم تفيض جبهته عرقاً " .

وأخبرتنا أنّ ناقته عندما كان يوحى إليه وهو فوقها يضرب حزامها وتكاد تبرك به من ثقله فوقها ويذكر أحد الصحابة أنّ فخذه كانت تحت فخذ النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل إليه ، فكادت فخذ النبي صلى الله عليه وسلم حين الإنزال إليه ترض فخذ الصحابي  .

وهذا يعلى بن أمّية يحدثنا عن مشاهدة تنزُّل الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم وقد كان يتمنى قبل ذلك أن يراه في تلك الحال ، قال : " فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم محمّر الوجه ، وهو يغطُّ ، ثمّ سُرِّي عنه "

صفات الرّسُل

البشرية

          - موجز تاريخ الأنبياء عليهم السلام :

فالمرجع الأساس في قصص الأنبياء وأخبار الأمم السابقة عند المسلمين هو القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم بعد ذلك ما جاء عن أهل الكتاب وما نقله أهل التواريخ والأخبار عن الأمم الأخرى مما دونوه في كتبهم أو تناقلوه بالرواية عمن سبقهم.. بشرط ألَّا يتعارض مع ما في القرآن والسنة، وهذا النوع من الأخبار هو الذي ورد فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : «وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» . رواه البخاري وغيره .

ونصوص الوحي من القرآن والسنة قد بينت لنا ما نحتاج إليه من قصص الأنبياء وأخبار الأمم السابقة، وما يمكن أن نستفيده أو نستخلصه من الدروس والعظات والعبر من هذه القصص والأخبار وتركت ما كان منها حشواً وما ملئت به كتب بعض المؤرخين مما لا فائدة فيه، علماً بأن الأمم السابقة لم يكن عندهم منهج مضبوط للرواية والأخبار.. أمَّا المسلمون فقد اخترعوا بذكائهم منهجاً لضبط الرواية وتوثيق الأخبار وتمحيصها ونقد الرواة والمروي حتى يتبين بذلك صحيحها من فاسدها ، ولذلك رفضوا كثيراً ممَّا جاء من القصص والأخبار ، وخاصة ما جاء عن الأنبياء .

فلقد أرسل تعالى في كل أمة نذيرا منهم ، وأرسل محمداً للناس كافة ، ‏قال تعالى : ?وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلَّا خَلَا فيها نَذِيرٌ?[فاطر:24] ، وقال تعالى : ?ولَقَدْ بَعَثنَا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا?[النحل:26] ، وقال تعالى : ?ومَا أَرسَلنَاكَ إلَّا كَافَّةً للنَّاسِ بَشِيراً ونَذِيرَاً?[سبأ: 28] .  ‏

‏وقد أخبر النبي بعدة الأنبياء والمرسلين ، ففي مسند الإمام أحمد عن ‏أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله ، كم المرسلون؟ قال : «ثلاثمائة وبضعة عشر ‏‏، جماً غفيراً» . ‏

وفي رواية أبي أمامة قال أبو ذر : قلت يارسول الله : كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال : «مائة ‏ألف ، وأربعة وعشرون ألفاً ، والرسل من ذلك : ثلاثمائة وخمسة عشر ، جماً غفيراً‏» . والحديث صحَّحه الشيخ الألباني رحمه الله في مشكاة المصابيح .

قد ورد ذكر خمسة وعشرين نبياً ورسولاً في القرآن الكريم ، ذكر منهم في سورة الأنعام ‏ثمانية عشر ، والباقي في سور متفرقة ، وهم : آدم ، وهود ، وصالح ، وشعيب ، ‏وإدريس ، وذو الكفل ، ومحمد صلى الله عليهم أجمعين . ‏

قال تعالى : ?إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ ونُوحَاً?[ آل عمران : 33] ، وقال تعالى : ?وإِلَى عَادٍ ‏أَخَاهُمْ هُودًا ..?[هود : 50] ، وقال تعالى : ?وإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُم صَالِحَاً?[ هود : 61] . وقال تعالى : ?وإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُم شُعَيبًا?[هود 84] . وقال تعالى : ?وإِسمَاعِيلَ وإِدْرِيسَ ‏وذَا الكِفْلِ?[الأنبياء: 85] . ‏

وأما الثمانية عشر الذين ذكروا في سورة الأنعام ، فقال تعالى : ? وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ *وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ *وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ *وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العَالَمِينَ?[الأنعام : 83/86] .

‏ومن هؤلاء الخمسة والعشرين ، أربعة من العرب ، وهم : هود ، وصالح ، وشعيب ، ومحمد صلى ‏الله عليهم أجمعين . ‏

ففي صحيح ابن حبان عن أبي ذر مرفوعاً ، «منهم أربعة من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، ‏ونبيك يا أبا ذَرٍّ» .  ‏

1 - آدم عليه السلام

وهو أول الرسل عليهم السلام ، ودليل رسالته من القرآن الكريم ما جاء في الآيتين : قوله تعالى في آية البقرة : ?فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم منِّي هُدَىً? ، ففي هذا وعد بالهدى من الله تعالى ، وإشعار بالرسالة .

وقوله تعالى في آية طه : ?ثُمَّ اجتَبَاهُ رَبُّه? . والظاهر أنَّ اجتباء الله له بعد المعصية وتوبة الله عليه ، إنَّما هو اصطفاء الله إياه للرسالة . كما يدلُّ على رسالته عموم قوله تعالى : ?وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ?، وقوله تعالى: ?ولَقَدْ بَعَثنَا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً? .  

وقد كان أولاد آدم أمة تتطلب رسالة ربانية ، وأحرى الناس بأن يكون رسولاً لأوَّلِ أمَّةٍ إنسانيَّةٍ إنَّما هو آدم عليه السلام أبوالبشر، المكلَّم من قِبل الله تعالى .

لذلك نرى اتِّفاق معظم علماء المسلمين على نبوته ورسالته .

وقد تولى الله جلَّ وعلا عرض قصة خلق آدم في تسع سور من القرآن الكريم ، وبيَّن لنا في قصَّته أنَّه هو الإِنسان الأوَّلُ الذي بثَّ الله منه هذه السلالة من البشر على وجه هذه الأرض . كما حدَّد الله لنا في كتابه كيفية خلقه لآدم ، بشكل صريح واضح لا يحتمل التأويل ، فلا مجال لإِيراد تكهُّنات وتخيُّلات وفرضيَّات حول كيفية بدء وجود الإِنسان على هذه الأرض ، ولا مجال لفرضيات «دارون» وغيره بعد أن ورد إلينا يقين لا شبهة فيه عن الذي خَلَق وصوَّر وهو بكل شيء عليم . ونحن نعلم أنَّ كل اعتقاد يخالف ما تضمنه القرآن الكريم بشكل قاطع هو اعتقاد مخالف للحقيقة ، وكل اعتقاد مخالف للحقيقة من الحقائق القطعية التي نصت عليها الشرعية اعتقاد مُكفِّر .

2 - إدريس عليه السلام

قال الله تعالى بشأنه : ?وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا?[مريم: 56-57] .

وقد جاء في صحيحي (البخاري ومسلم) في حديث المعراج : «..ثم صعد بي ، أي : جبريل ، حتَّى أتى السماء الرابعة فاستفتح ، قيل : من هذا؟ قال : جبريل ،  قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد أُرسل إليه؟ قال : نعم ، قيل : مرحباً به فنعم المجيء جاء . ففُتح ، فلما خلصتُ فإذا إدريس ، فقال : هذا إدريس فسلِّم عليه ، فسلَّمتُ عليه ، فردَّ ، ثمَّ قال : مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح» .

نسب إدريس :

ويذكر النَّسَّابونَ أنَّه : إدريس عليه السلام بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن (شيث عليه السلام) بن (آدم عليه السلام) . والله أعلم .

وإدريس عند العبرانيين: (حنوخ) أو (خنوخ)، وعُرِّب : خنوخ .

أقوال المؤرِّخين في ديانته ومن ينتسب إليها :

يقول المؤرخون : إنَّ أمَّة السريان أقدم الأمم ، وملتهم هي ملة الصابئين - نسبة إلى صابي أحد أولاد شيث ، ويذكر الصابئون أنهم أخذوا دينهم عن شيث وإدريس ، وأنَّ لهم كتاباً يعزونه إلى شيث ويسمونه : «صحف شيث» ، ويتضمن هذا الكتاب على ما يذكرون الأمرَ بمحاسن الأخلاق ، والنهي عن الرذائل .

وأصل دينهم التوحيد ، وعبادة الخالق جل وعلا ، وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا ، والحض على الزهد في الدنيا ، والعمل بالعدل ، وبعد ذلك أحدثوا ما أحدثوا في دين الله وحرفوا .

وكانت مدة إقامة إدريس عليه السلام في الأرض(82) سنة ثم رفعه الله إليه .

- نوح عليه السلام :

قال الله تعالى : ?إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ?[نوح: 1] .

وقد أرسله الله إلى قومٍ فسد حالهم ، ونسوا أصول شريعة الله التي أنزلها على أنبيائه ورسله السابقين ، وصاروا يعبدون الأوثان . وقد أثبت القرآن الكريم خمسة أوثان لهم ، كانوا يقدسونها ويعبدونها ، وهي : (وَدّ - سُوَاع - يَغُوث - يَعُوق - نْسْر) ، قال الله تعالى : ?وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا?[نوح : 23] .

- نسب نوح :

يذكر النسَّابون أنَّه : نوح (عليه السلام) بن لامك بن متوشالح بن إدريس (أخنوخ عليه السلام) بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث (عليه السلام) بن آدم (عليه السلام) أبي البشر . والله أعلم .

- حياة نوح مع قومه في فقرات :

وقد ذُكرت قصة نوح مع قومه في ست سور من القرآن الكريم بشكل مفصَّل ، وأبرز ما فيها النقاط التالية :

1 - إثبات نبوته ورسالته .

2 - دعوته لقومه دعوة ملحَّة، وثباته وصبره فيها، واتخاذه فيها مختلف الحجج والوسائل .

3 - إعراض قومه عنه، فكلما زادهم دعاءً وتذكيراً زادوه فراراً وإعراضاً، وإصراراً على الباطل، واحتقاراً لأتباعه من الضعفاء .

4 - عبادة قومه الأوثان الخمسة التي مرَّ ذكرها، وضلالهم الكثير .

5 - تنكّر قومه لدعوته، وتكذيبه فيها بحجة أنه رجل منهم، ثم طلبهم إنزال العذاب الذي يَعِدهم به .

6 - شكوى نوح إلى ربه أن قومه عصَوْه، واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلَّا خساراً .

7 - إعلام أو إخبار الله لنوح بأنه لن يؤمن من قومه إلاَّ من آمن، وذلك بعد زمن طويل لبعثه فيهم وهو يدعوهم ويصبر عليهم، وقد تعاقبت عليه منهم أجيال .

8 - دعوة نوح عليهم بقوله : ?رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا?[نوح: 26-27] .

9 - أمْرُ الله لنوح أن يصنع السفينة - وقد كان ماهراً في النجارة - وذلك تهيئة لإِنقاذه هو ومَن معه من الطوفان الذي سيغسل الأرض من الكفر .

10 - سخرية قوم نوح منه كلما مرَّ عليه ملأَ منهم ورأَوْهِ يصنع السفينة، وذلك إمعاناً منهم بالضلال وهم يَرَون منذرات العذاب .

11 - حلول الأجل الذي قضاه الله وقدَّره للطوفان، وكان من علامة ذلك أن فار الماء من التَّنُّور .

12 - أمر الله لنوح أن يحمل في السفينة :

( أ ) من كلٍّ زوجين اثنين .

(ب)أهله إلاَّ من كفر منهم، ومنهم ولده الذي كان من المُغْرَقين وزوجته .

( ج ) الذين آمنوا معه، وهؤلاء قليل . فركبوا فيها وقالوا: ?بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا?[هود: 41] .

13 - تفجّر عيون الأرض ، وانسكاب سحب السماء ، ووقوع قضاء الله ، ودعوة نوحٍ ولدَه في آخر الساعات قبيل غرقه ، ولكن هذا الولد رفض الإِيمان ، وظن النجاة بالاعتصام بالجبل وجرت السفينة بأمر الله ، وقُضي الأمر ، وكان ولد نوح من المغرقين .

14 - تحسُّر نوحٍ على ولده وهو في السفينة تجري بأمر الله وتمنِّيه أن يكون معه ناجياً ، وقوله لربه : ?إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي? ، وعتاب الله له ، وإخباره بأن هذا الولد ليس من أهله ؛ لأنَّه كافر عمل عملاً غير صالح .

15 - ختم القصة بالإِعلان عن انقضاء الأمر : ?وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ?[هود : 44] .

الجودي : جبل في نواحي ديار بكر من بلاد الجزيرة ، وهو متصل بجبال أرمينية . ويُسمى في التوراة : «أراراط» .

16 - ذِكْرُ المدة التي لبثها نوح في قومه ، وهي : ألف سنة إلاَّ خمسين عاماً ، فهل هي مجموع حياته ، أو هي فترة دعوته لقومه ، أي : منذ رسالته حتى وفاته ، أو هي منذ ولادته أو رسالته إلى زمن الطوفان؟ كل ذلك محتمل والله أعلم بالحقيقة .قال الله تعالى : ?وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ?[العنكبوت: 14] .

ويرجح الرأي الأخير لقوله تعالى : ?فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ? بعد قوله: ?فَلَبثَ فيهم أَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمسِينَ عَامَاً? ، لما تفيده الفاء من الترتيب .

17 - بيان أنَّ الذين بقوا بعد نوح هم ذريته فقط ، وذلك في قوله تعالى : ?وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ البَاقِينَ? . قال المؤرخون : وهم ذرية أولاده الثلاثة ، سام ، وحام ، ويافث . ويقولون أيضاً :

1 - سام : أبوالعرب وفارس الروم .

2 - وحام : أبوالسودان والفرنج والقبط والهند والسند .

3 - ويافث : أبوالترك والصين والصقالبة ويأجوج ومأجوج .

- إبراهيم خليل الرحمن -عليه السلام-

قد أثبت الله نبوته ورسالته في مواطن عديدة من الكتاب العزيز ، وشهد له بأنَّه كان أُمَّةً قانتاً لله حنيفاً . قال تعالى : ?إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ?[النحل : 120-122] .

- نسب إبراهيم :

ذكر المؤرخون نسبه واصلاً إلى سام بن نوح عليه السلام ، ونوح - في سلسلة نسب إبراهيم- هو الأب الثاني عشر . وقد أسقط بعض النسابين من آبائه في سلسلة النسب (قينان) ، بسبب أنَّه كان ساحراً .

فهو على ما يذكرون : إبراهيم «أبرام» (عليه السلام) بن تارح «وهو آزر كما ورد في القرآن الكريم» بن ناحور بن ساروغ «سروج» بن رعو بن فالغ «فالج» بن عابر بن شالح بن قينان -الذي يسقطونه من النسب لأنَّه كان ساحراً- بن أرفكشاذ «أرفخشذ» بن سام بن نوح (عليه السلام) . والله أعلم .

- حياة إبراهيم عليه السلام في فقرات :

1 - موجز حياته عند أهل التاريخ :

ذكر المؤرخون : أنَّه وُلِدَ بالأهواز ، وقيل : ببابل -وهي مدينة في العراق- .

ويذكر أهل التوراة أنَّه كان من أهل «فدّان آرام» بالعراق .

وكان أبوه نجاراً ، يصنع الأصنام ويبيعها لمن يعبدها .

وبعد نضاله في الدعوة إلى التوحيد ونبذ الأصنام ، وما كان من أمره مع نمروذ بن لوش ملك العراق ، وإلقائه في النار ، ونجاته منها بالمعجزة -كما قص الله علينا في كتابه المجيد- ، انتقل إلى أور الكلدانيين -وهي مدينة كانت قرب الشاطئ الغربي للفرات- ومعه في رحلته زوجته سارة وقد آمنت معه ، وابن أخيه لوط بن هاران بن آزر وقد آمن معه وهاجر معه ، كما قال تعالى : ?فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ?[العنكبوت : 29] .

كما هاجر معه في الرحلة ثُلة من قومه الذين آمنوا معه ، وأبوه آزر دون أن يؤمن به ، وأقام في أور الكلدانيين حقبةً من الزمن . ثم رحل إلى حاران أو «حرَّان» .

ثمَّ رحل إلى أرض الكنعانيين -وهي أرض فلسطين- ، وأقام في «شكيم» ، وهي مدينة «نابلس» .

ثمَّ رحل إلى مصر ، وكان ذلك في عهد ملوك الرعاة ، وهم العماليق - ويسميهم الرومان : «هكسوس» ، واسم فرعون مصر حينئذٍ : «سنان بن علوان» ، وقيل : «طوليس» .

وقد وهب فرعون هذا سارة زوجة إبراهيم -بعد أن عصمها الله منه- جاريةٌ من جواريه اسمها : «هاجر» ، فوهبتها لزوجها فاستولدها .

ولما وُلِدَ له من هاجر «إسماعيل» -وكان عمره (86) سنة- سافر بأمر من الله إلى وادي مكة ، وترك عند بيت الله الحرام ولده الصغير إسماعيل مع أمه هاجر ، وعاد إلى أرض الكنعانيين .

ثمَّ وهبه الله ولداً من زوجته سارة سماه «إسحاق» ، وذلك حين صار عمره (100) سنة .

وكان يتعهد ولده إسماعيل في وادي مكة من آن إلى آخر، وبنى مع ولده إسماعيل البيت الحرام بأمر من الله. قال الله تعالى : ?وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ?[البقرة : 127] .

وقد جاء في الإِصحاح الخامس والعشرين من «سفر التكوين» : أنَّ إبراهيم تزوَّج بعد وفاة سارة زوجة اسمها «قطورة» ، فولدت له ستة أولاد ، هم : زمران ، ويقشان ، ومدان ، ويشباق ، وشوحا ، ومديان .

وإلى مديان -هو مدين- بن إبراهيم هذا ينسب «أهل مدين» الذي أرسل إليهم «شعيب عليه السلام» .

ولمَّا بلغ عمر إبراهيم عليه السلام (175) سنة ختم الله حياته في أرض فلسطين، ودفن في مدينة الخليل «حبرون وكان اسمها في الأصل قرية أربع» ، في المغارة المقام عليها الآن مقام الخليل عليه السلام ، وتعرف بمغارة الأنبياء .

واختتن وهو ابن ثمانين سنة ، فعن أبي هريرة قال : قال رسول ? : «اختتن إبراهيم النبي وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم» . رواه البخاري ومسلم .

2 - لمحات من قصة إبراهيم عليه السلام في القرآن :

وقد بسط القرآن الكريم مشاهد بارزة مهمة من حياة سيدنا إبراهيم عليه السلام في عدة سور ، وأبرز ما فيها النقاط التالية :

1 - بدأ حياته عليه السلام باحتقار الأصنام ، وبيان سخف عبادتها ، ثم ثورته عليها وتحطيمها ، غير مكترث بما ينجم عن عمله هذا ، وتنبيه عابديها على خطئهم البالغ في عبادتها وتعظيمها ، ونشأته على ما بقي محفوظاً من ملّة نوح عليه السلام .

2 - تأمّلاته في ملكوت السماوات والأرض ، وبحثه الذي دلّه على جلال الرب وكمال صفاته وتنزه ذاته عن كل صفة من صفات الحدوث وعوارض النقص .

3 - توجُّهه إلى الله فاطر السماوات والأرض ، وتبرؤه مما يشرك المشركون .

4 - بلوغه منزلة النبوة والرسالة باصطفاء الله له ، واضطلاعه بمهامها ، وإنزال الصحف عليه المسماة «بصحف إبراهيم» .

5 - محاجّته لقومه بالبراهين والأدلة المنطقية المقنعة والملزمة ، وثباته في محاجّةِ من آتاه الله الملك في البلاد ، وارتقاؤه إلى أعلى مراتب الإِيمان بأن الله هو الذي يميت ويحيي ، ويطعم ويسقي ، ويمرض ويشفي ، وبيده كل شيء .

6 - تعرضه للعذاب من قبل قومه ، وذلك بإيقاد النار له في بنيان أعدوه لهذا الغاية ، وإلقاؤه فيها ، وصبره وثباته وثقته بالله ، ثم سلامته من حرّها وضُرّها ، إذ قال الله لها : ?يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ?[الأنبياء:69]!!

7 - عزمه على الهجرة من أرض الشرك ، وإيمان لوط به ومهاجرته معه .

8 - إثبات أن الله أنزل عليه صحفاً تسمى «صحف إبراهيم» .

9 - زيارته مكة ، وإسكانه في واديها بعض ذريته وهو «إسماعيل» . ورفع قواعد بيت الله الحرام فيها بعد سنوات من الإسكان مع ولده إسماعيل عليهما السلام . وعهدُ اللهِ له ولولده إسماعيل أن يطهرا البيت للطائفين والعاكفين والركّع السُّجود ، وأمر الله له أن يؤذِّن في الناس بالحج . ومشاهد رائعة من مواقف التجاءاته إلى الله ، ومناجاته له بالعبادة والدعاء .

10 - طلبه من الله أن يريه كيف يحيي الموتى ، وذلك ليطمئن قلبه ، ويزداد يقينه بالحياة بعد الموت ، إذا رأى بالمشاهدة الحسية كيفية حدوث ذلك .

11 - أن الله وهبه -على كبر سنه- إسماعيل وإسحاق ، وخرق العادة له بإكرامه بإسحاق من امرأته العجوز العاقر «سارة» .

12 - مجادلته الملائكة المرسلين لإِهلاك قوم لوط ، لعل الله أن يدرأ عنهم العذاب الماحق ، وذلك طمعاً بأن يهتدوا ويستقيموا ، إلَّا أنَّ جواب الرب ناداه : ?إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ?[هود: 11] .

13 - إكرام الله له بأن جعل في ذريته النبوة والكتاب من بعده ، وقد كان واقع الأمر كما وعده الله ، فجميع الأنبياء والرسل من بعده كانوا من ذريته . أمَّا لوط عليه السلام فإنَّه كان معاصراً له ، على أنَّ إبراهيم كان عمه فيمكن دخوله في عموم الذرية .

قال أبوهريرة : «تلك أمكم يا بني ماء السماء» . 

9 - لوط عليه السلام :

نبذة :

أرسله الله ليهدي قومه ويدعوهم إلى عبادة الله ، وكانوا قوما ظالمين يأتون الفواحش ويعتدون على الغرباء ، وكانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء ، فلمَّا دعاهم لوط لترك المنكرات أرادوا أن يخرجوه هو وقومه ، فلم يؤمن به غير بعض من آل بيته ، أمَّا امرأته فلم تؤمن ولما يئس لوط دعا الله أن ينجيهم ويهلك المفسدين فجاءت له الملائكة وأخرجوا لوط ومن آمن به وأهلكوا الآخرين بحجارة مسومة .

سيرته :

حال قوم لوط :

دعى لوط قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، ونهاهم عن كسب السيئات والفواحش . واصطدمت دعوته بقلوب قاسية وأهواء مريضة ورفض متكبر .  وحكموا على لوط وأهله بالطرد من القرية . فقد كان القوم الذين بعث إليهم لوط يرتكبون عدداً كبيراً من الجرائم البشعة . كانوا يقطعون الطريق ، ويخونون الرفيق ، ويتواصون بالإثم ، ولا يتناهون عن منكر ، وقد زادوا في سجل جرائمهم جريمة لم يسبقهم بها أحد من العالمين . كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء .

لقد اختلت المقاييس عند قوم لوط.. فصار الرجال أهدافاً مرغوبةً بدلاً من النساء ، وصار النقاء والطهر جريمة تستوجب الطرد.. كانوا مرضى يرفضون الشفاء ويقاومونه.. ولقد كانت تصرفات قوم لوط تحزن قلب لوط.. كانوا يرتكبون جريمتهم علانية في ناديهم.. وكانوا إذا دخل المدينة غريب أو مسافر أو ضيف لم ينقذه من أيديهم أحد.. وكانوا يقولون للوط: استضف أنت النساء ودع لنا الرجال.. واستطارت شهرتهم الوبيلة ، وجاهدهم لوط جهادا عظيماً ، وأقام عليهم حجته ، ومرَّت الأيام والشهور والسنوات ، وهو ماض في دعوته بغير أن يؤمن له أحد.. لم يؤمن به غير أهل بيته.. حتى أهل بيته لم يؤمنوا به جميعا. كانت زوجته كافرة .

وزاد الأمر بأن قام الكفرة بالاستهزاء برسالة لوط عليه السلام، فكانوا يقولون: ?ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ? . فيئس لوط منهم، ودعا الله أن ينصره ويهلك المفسدين.

ذهاب الملائكة لقوم لوط :

خرج الملائكة من عند إبراهيم قاصدين قرية لوط.. بلغوا أسوار سدوم.. وابنة لوط واقفة تملأ وعاءها من مياه النهر.. رفعت وجهها فشاهدتهم.. فسألها أحد الملائكة: يا جارية.. هل من منزل؟

قالت : -وهي تذكر قومها- : مكانكم لا تدخلوا حتى أخبر أبي وآتيكم.. أسرعت نحو أبيها فأخبرته. فهرع لوط يجري نحو الغرباء. فلم يكد يراهم حتى ?سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ? سألهم : من أين جاءوا؟ .. وما هي وجهتهم؟.. فصمتوا عن إجابته. وسألوه أن يضيفهم.. استحى منهم وسار أمامهم قليلاً ثمَّ توقَّف والتفت إليهم يقول : لا أعلم على وجه الأرض أخبث من أهل هذا البلد .

قال كلمته ليصرفهم عن المبيت في القرية ، غير أنهم غضوا النظر عن قوله ولم يعلقوا عليه ، وعاد يسير معهم ويلوي عنق الحديث ويقسره قسراً ويمضي به إلى أهل القرية - حدثهم أنهم خبثاء.. أنهم يخزون ضيوفهم.. حدثهم أنهم يفسدون في الأرض . وكان الصراع يجري داخله محاولاً التوفيق بين أمرين.. صرف ضيوفه عن المبيت في القرية دون إحراجهم ، وبغير إخلال بكرم الضيافة.. عبثاً حاول إفهامهم والتلميح لهم أن يستمروا في رحلتهم ، دون نزول بهذه القرية .

سقط الليل على المدينة.. صحب لوط ضيوفه إلى بيته.. لم يرهم من أهل المدينة أحد.. لم تكد زوجته تشهد الضيوف حتى تسللت خارجة بغير أن تشعره. أسرعت إلى قومها وأخبرتهم الخبر.. وانتشر الخبر مثل النار في الهشيم . وجاء قوم لوط له مسرعين.. تساءل لوط بينه وبين نفسه: من الذي أخبرهم؟.. وقف القوم على باب البيت.. خرج إليهم لوط متعلقا بأمل أخير، وبدأ بوعظهم :

?هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ?.. قال لهم : أمامكم النساء -زوجاتكم- هن أطهر.. فهن يلبين الفطرة السوية.. كما أن الخالق -جلّ في علاه- قد هيّئهن لهذا الأمر .

?فَاتَّقُواْ الله?.. يلمس نفوسهم من جانب التقوى بعد أن لمسها من جانب الفطرة.. اتقوا الله وتذكروا أن الله يسمع ويرى.. ويغضب ويعاقب وأجدر بالعقلاء اتقاء غضبه .

?وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي?.. هي محاولة يائسة لِلَمْس نخوتهم وتقاليدهم. وينبغي عليهم إكرام الضيف لا فضحه .

?أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ?.. أليس فيكم رجل عاقل؟.. إن ما تريدونه -لو تحقق- هو عين الجنون .

إلَّا أنَّ كلمات لوط -عليه السلام- لم تلمس الفطرة المنحرفة المريضة ، ولا القلب الجامد الميت ، ولا العقل المريض الأحمق.. ظلت الفورة الشاذة على اندفاعها .

أحس لوط بضعفه وهو غريب بين القوم.. نازح إليهم من بعيد بغير عشيرة تحميه ، ولا أولاد ذكور يدافعون عنه.. دخل لوط غاضبا وأغلق باب بيته.. كان الغرباء الذين استضافهم يجلسون هادئين صامتين.. فدهش لوط من هدوئهم.. وازدادت ضربات القوم على الباب.. وصرخ لوط في لحظة يأس خانق : ?قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ? تمنى أن تكون له قوة تصدهم عن ضيفه.. وتمنى لو كان له ركن شديد يحتمي فيه ويأوي إليه.. غاب عن لوط في شدته وكربته أنه يأوي إلى ركن شديد.. ركن الله الذي لا يتخلى عن أنبيائه وأوليائه.. قال رسول الله ? ، وهو يقرأ هذه الآية : «رحمة الله على لوط.. كان يأوي إلى ركن شديد» .

- هلاك قوم لوط :

عندما بلغ الضيق ذروته.. وقال النبي كلمته.. تحرك ضيوفه ونهضوا فجأة.. أفهموه أنَّه يأوي إلى ركن شديد.. فقالوا له لا تجزع يا لوط ولا تخف.. نحن ملائكة.. ولن يصل إليك هؤلاء القوم.. ثم نهض جبريل عليه السلام ، وأشار بيده إشارة سريعة ، ففقد القوم أبصارهم .

التفتت الملائكة إلى لوط وأصدروا إليه أمرهم أن يصحب أهله أثناء الليل ويخرج.. سيسمعون أصواتاً مروعة تزلزل الجبال.. لا يلتفت منهم أحد.. كي لا يصيبه ما يصيب القوم.. أي عذاب هذا؟.. هو عذاب من نوع غريب ، يكفي لوقوعه بالمرء مجرد النظر إليه.. أفهموه أنَّ امرأته كانت من الغابرين.. امرأته كافرة مثلهم وستلتفت خلفها فيصيبها ما أصابهم .

سأل لوط الملائكة : أينزل الله العذاب بهم الآن.. أنبئوه أنَّ موعدهم مع العذاب هو الصبح.. ?أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ?؟

خرج لوط مع بناته وزوجته.. ساروا في الليل وغذوا السير.. واقترب الصبح.. كان لوط قد ابتعد مع أهله.. ثم جاء أمر الله تعالى.. قال العلماء : اقتلع جبريل عليه السلام ، بطرف جناحه مدنهم السبع من قرارها البعيد.. رفعها جميعاً إلى عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم ، قلب المدن السبع وهوى بها في الأرض.. أثناء السقوط كانت السماء تمطرهم بحجارة من الجحيم.. حجارة صلبة قوية يتبع بعضها بعضاً ، ومعلمة بأسمائهم ، ومقدرة عليهم.. استمر الجحيم يمطرهم.. وانتهى قوم لوط تماماً.. لم يعد هناك أحد.. نكست المدن على رؤوسها ، وغارت في الأرض ، حتى انفجر الماء من الأرض.. هلك قوم لوط ومحيت مدنهم .  

كان لوط يسمع أصوات مروعة.. وكان يحاذر أن يلتفت خلفه.. نظرت زوجته نحو مصدر الصوت فانتهت.. تهرأ جسدها وتفتت مثل عمود ساقط من الملح .

قال العلماء : إن مكان المدن السبع.. بحيرة غريبة.. ماؤها أجاج.. وكثافة الماء أعظم من كثافة مياه البحر الملحة.. وفي هذه البحيرة صخور معدنية ذائبة.. توحي بأن هذه الحجارة التي ضرب بها قوم لوط كانت شهبا مشعلة . يقال إن البحيرة الحالية التي نعرفها باسم : «البحر الميت» في فلسطين.. هي مدن قوم لوط السابقة .

انطوت صفحة قوم لوط.. انمحت مدنهم وأسمائهم من الأرض.. سقطوا من ذاكرة الحياة والأحياء.. وطويت صفحة من صفحات الفساد.. وتوجه لوط إلى إبراهيم.. زار إبراهيم وقص عليه نبأ قومه.. وأدهشه أنَّ إبراهيم كان يعلم.. ومضى لوط في دعوته إلى الله.. مثلما مضى الحليم الأواه المنيب إبراهيم في دعوته إلى الله.. مضى الاثنان ينشران الإسلام في الأرض .

7 - إسماعيل عليه السلام :

فإنَّ إبراهيم أمر بذبح ولده البكر ، وفي رواية الوحيد ، وأياً ما كان فهو إسماعيل بنص الدليل ، ففي نص كتابهم : إن إسماعيل ولد ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة ، وإنَّما ولد إسحاق بعد مضي مائة سنة من عمر الخليل ، فإسماعيل هو البكر لا محالة ، وهو الوحيد صورة ومعنى على كل حالة‏ .

أمَّا في الصورة :  فلأنَّه كان وحده ولده أزيد من ثلاثة عشر سنة ، وأمَّا أنَّه وحيد في المعنى : ‏فإنَّه هو الذي هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر ، وكان صغيراً رضيعاً فيما قيل ، فوضعهما في وهاد جبال فاران ، وهي الجبال التي حول مكة نعم المقيل ، وتركهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلَّا القليل ، وذلك ثقة بالله وتوكلاً عليه ، فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته ، فنعم الحسيب والكافي والوكيل والكفيل‏ . ‏

فهذا هو الولد الوحيد في الصورة والمعنى ، ولكن أين من يتفطن لهذا السر‏؟‏ وأين من يحل بهذا المحل والمعنى‏؟‏ لا يدركه ويحيط بعلمه إلا كل نبيه نبيل .  ‏(1/221‏) .

قد أثنى الله تعالى عليه ووصفه بالحلم والصبر ، وصدق الوعد ، والمحافظة على الصلاة والأمر بها لأهله ليقيهم العذاب ، مع ما كان يدعو إليه من عبادة رب الأرباب .

قال تعالى : ?‏فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ?‏[‏الصافات‏:‏ 101-102‏]‏ ، فطاوع أباه على ما إليه دعاه، ووعده بأن سيصبر، فوفى بذلك بأن سيصبر وصبر على ذلك‏ . ‏

وقال تعالى : ?‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً‏?‏[‏مريم‏:‏ 54-55‏]‏‏ . ‏

وقال تعالى : ?‏وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ‏?‏[‏ص‏:‏ 45-48‏]‏ . ‏

وقال تعالى : ?‏وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ?‏[‏الأنبياء‏:‏ 85-86‏]‏‏ . ‏

وقال تعالى : ?‏إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ‏.‏‏.‏?الآية ‏[‏النساء‏:‏ 163‏] . ‏

وقال تعالى : ?‏قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ?[‏البقرة‏:‏ 136‏]‏ الآية .  ونظيرتها من السورة الأخرى .

وقال تعالى‏ : ?‏أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ آنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه? الآية‏.‏‏[‏البقرة‏:‏ 140‏] .‏

فذكر الله عنه كل صفة جميلة ، وجعله نبيه ورسوله ، وبرأه من كل ما نسب إليه الجاهلون ، وأمر بأن يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون .

وذكر علماء النسب وأيام الناس ، أنَّه أوَّلُ من ركب الخيل ، وكانت قبل ذلك وحوشاً فأنسها وركبها .

وقد قال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه : حدثنا شيخ من قريش ، حدثنا عبدالملك بن عبدالعزيز ، عن عبدالله بن عمر أنَّ رسول الله ? قال‏ : «‏اتخذوا الخيل واعتبقوها فإنها مراث أبيكم إسماعيل» . ‏

وكانت هذه العراب وحشاً ، فدعا لها بدعوته التي كان أعطي فأجابته ، وإنه أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة ، وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة ، من جرهم والعماليق وأهل اليمن من الأمم المتقدمين من العرب قبل الخليل‏ .

قال الأموي : حدثني علي بن المغيرة ، حدثنا أبوعبيدة ، حدثنا مسمع بن مالك ، عن محمد بن علي بن الحسين ، عن آبائه ، عن النبي ? أنه قال‏ : «أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل ، وهو ابن أربع عشرة سنة» .فقال له يونس‏ : صدقت يا أبا سيار هكذا أبو جرى حدثني . ‏

وقد قدمنا أنَّه تزوَّجَ لما شب من العماليق امرأة ، وأنَّ أباه أمره بفراقها ففارقها . قال الأموي :  هي عمارة بنت سعد بن أسامة بن أكيل العماليقي . ‏(1/222‏)‏ ثم نكح غيرها ، فأمره أن يستمر بها فاستمر بها، وهي السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي .

وقيل : هذه ثالثة ، فولدت له اثني عشر ولداً ذكراً ، وقد سماهم محمد بن إسحاق رحمه الله ، وهم : ‏نابت ، وقيذر ، وازبل ، وميشى ، ومسمع ، وماش ، ودوصا ، وارر ، ويطور ، ونبش ، وطيما ، وقذيما ، وهكذا ذكرهم أهل الكتاب في كتابهم ، وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيماً المبشر بهم ، المتقدم ذكرهم ، وكذبوا في تأويلهم ذلك .

وكان إسماعيل عليه السلام رسولاً إلى أهل تلك الناحية وما والاها ، من قبائل جرهم ، والعماليق ، وأهل اليمن ، صلوات الله وسلامه عليه .

ولما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق ، وزوج ابنته نسمة من ابن أخيه العيص بن إسحاق فولدت له الروم ، ويقال لهم‏ : بنو الأصفر لصفرة كانت في العيص . وولدت له اليونان في أحد الأقوال ، ومن ولد العيص الأشبان ، قيل منهما أيضاً ، وتوقف ابن جرير رحمه الله .

ودفن إسماعيل نبي الله بالحجر مع أمه هاجر ، وكان عمره يوم مات مائة وسبعاً وثلاثين سنة ، وروي عن عمر بن عبدالعزيز أنَّه قال : شكى إسماعيل عليه السلام إلى ربه عز وجل حرَّ مكة ، فأوحى الله إليه أني سأفتح لك باباً إلى الجنة إلى الموضع الذي تدفن فيه ، تجري عليك روحها إلى يوم القيامة .

وعرب الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه نابت وقيذار ، وسنتكلم على أحياء العرب ، وبطونها ، وعمائرها ، وقبائلها ، وعشائرها من لدن إسماعيل عليه السلام إلى زمان رسول الله ? . وذلك إذا انتهينا إلى أيامه الشريفة وسيرته المنيفة ، بعد الفراغ من أخبار أنبياء بني إسرائيل إلى زمان عيسى بن مريم خاتم أنبيائهم ، ومحقق أنبائهم .

ثم نذكر ما كان في زمن بني إسرائيل ، ثمَّ ما وقع في أيام الجاهلية ، ثمَّ ينتهي الكلام إلى سيرة نبينا رسول الله إلى العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم من الأمم ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم .

- إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام :

وقد ذكره الله في عداد مجموعة الرسل عليهم السلام، وقال تعالى : ?وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ? ?وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنْ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ?[ص: 45-47] .

ويترجح أنه كان رسولاً في أرض الكنعانيين «بلاد الشام في فلسطين» ، في البيئة التي عاش فيها سيدنا إبراهيم .

- حياة إسحاق عليه السلام في فقرات :

(أ) أبرز ما تعرض له المؤرخون من حياته عليه السلام ما يلي :

1 - لما بلغ إبراهيم عليه السلام من العمر (100) سنة ولدت له زوجته سارة المرأة العجوز العقيم إسحاق عليه السلام .

2 - أوصى إبراهيم أن لا يتزوج إسحاق إلا امرأة من أهل أبيه وقد كانوا مقيمين في أرض بابل «العراق» ، ونُفّذت وصية إبراهيم، فتزوج إسحاق عليه السلام «رفقة» بنت بتوئيل بن ناحور بن آزر، وناحور هذا هو أخو سيدنا إبراهيم عليه السلام ، فتكون «رفقة» بنت ابن عمه .

(ب) وقد قص الله علينا في كتابه العزيز جوانب يسيرة من حياة إسحاق عليه السلام ، تتلخص بالنقاط التالية :

1 - إثبات نبوته ورسالته ، وأن الله أوحى إليه، وأنزل إليه طائفة من الشرائع .

2 - إثبات أنه عليم ونبي من الصالحين ، وأن الله بارك عليه .

3 - إثبات أن الملائكة بشّرت إبراهيم بمولده من زوجته العجوز العقيم -وهي : سارة ، فلما سمعت البشرى قالت : ?يَا وَيلَتَا أَأَلِدُ وأَنَا عَجُوزٌ وهَذَا بعْلِي شَيخَاً إنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ?!!؟

4 - هو أبو إسرائيل الذي يرجع إليه نبل نسل بني إسرائيل .

8 - يعقوب عليه السلام :

دعا نبي الله يعقوب عليه السلام إلى دين الإسلام وإلى عبادة الله وحده وترك عبادة غير الله، وقد ابتلى الله نبيه يعقوب بالبلايا الكثيرة فصبر ونال الدرجات العالية، ومن جملة البلاء الذي ابتلى به عليه السلام أنه فقد بصره حُزنًا على ولده يوسف الذي مكر به أخوته العشرة وهم من سوى بنيامين، ثم رد الله تعالى له بصره بعد أن جاء البشير بقميص يوسف ووضعه على وجهه فعاد بصيرًا بعد طول غياب وشدة حزن وألم على فقد ابنه وحبيبه يوسف عليه الصلاة والسلام قال الله : ?فَلَمَّا أَنْ جَاءَ البَشِيرُ أَلقَاهُ على وَجهِهِ فَارتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلم أَقُلْ لَكُم إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لا تَعلَمُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا استَغفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوفَ أَستَغفِرُ لَكُمْ رَبِّي إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ?[يوسف : ‏96 -98] .

وقد اجتمع يعقوب بابنه يوسف عليهما السلام في مصر بعد طول غياب حيث مكث يوسف بعيدًا عن أبيه يعقوب ما يقارب الأربعين سنة .

كما يتبين مقدار تقواه من هذه الإشارة السريعة إلى وفاته.. نعلم أن الموت كارثة تدهم الإنسان فتنسيه رسمه ، ولا يذكر غير همه ومصيبته.. غير أن يعقوب لا ينسى وهو يموت أن يدعو إلى ربه.. قال تعالى في سورة البقرة : ?أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ?[البقرة : 133] .

إنَّ هذا المشهد بين يعقوب وبنيه في ساعة الموت ولحظات الاحتضار، مشهد عظيم الدلالة.. نحن أمام ميت يحتضر.. ما القضية التي تشغل باله في ساعة الاحتضار..؟ ما الأفكار التي تعبر ذهنه الذي يتهيأ للانزلاق مع سكرات الموت..؟ ما الأمر الخطير الذي يريد أن يطمئن عليه قبل موته..؟ ما التركة التي يريد أن يخلفها لأبنائه وأحفاده..؟ ما الشيء الذي يريد أن يطمئن -قبل موته- على سلامة وصوله للناس.. كل الناس..؟

ستجد الجواب عن هذه الأسئلة كلها في سؤاله : ?مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي? ، هذا ما يشغله ويؤرقه ويحرص عليه في سكرات الموت.. قضية الإيمان بالله. هي القضية الأولى والوحيدة، وهي الميراث الحقيقي الذي لا ينخره السوس ولا يفسده.. وهي الذخر والملاذ .

قال أبناء إسرائيل : نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ، ونحن له مسلمون.. والنص قاطع في أنهم بعثوا على الإسلام.. إن خرجوا عنه ، خرجوا من رحمة الله.. وإن ظلوا فيه ، أدركتهم الرحمة .

توفي يعقوب عليه السلام وله من العمر ما يزيد على المائة ، وكان ذلك بعد سبعة عشر سنة من اجتماعه بيوسف ، وقد أوصى نبي الله يعقوب ابنه يوسف عليه السلام أن يدفنه مع أبيه إسحاق وجده إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ففعل ذلك ، وسار به إلى فلسطين ودفنه في المغارة بحبرون وهي مدينة الخليل في فلسطين . قال رسول الله ? : «الكَرِيمُ ابنُ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بنُ يَعقُوبَ بنُ إِسحَاقَ بنُ إِبرَاهِيم» .

وقد ذكره الله في عداد مجموعة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، وقال الله تعالى : ?وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ?[غافر: 34] .

- قصة يوسف عليه السلام :  

(أ) أبرز ما تعرض له المؤرخون من حياته عليه السلام ما يلي :

1 - هو يوسف بن يعقوب من زوجته راحيل ، ولد في «فدان آرام» بالعراق حينما كان أبوه عند خاله (لابان) ، ولما عاد أبوه إلى الشام -مهجر الأسرة الإِبراهيمية- كان معه حدثاً صغيراً . قالوا : وكان عمر يعقوب لما ولد له يوسف (91) سنة ، وإن مولد يوسف كان لمضي (251) سنة من مولد إبراهيم .

2 - توفيت أمه وهو صغير ، فكفلته عمته وتعلقت نفسها به ، فلما اشتد قليلاً أراد أبوه أن يأخذه منها ، فضنَّت به وألبسته منطقة لإِبراهيم كانت عندها وجعلتها تحت ثيابه ، ثم أظهرت أنها سُرقت منها ، وبحثت عنها حتى أخرجتها من تحت ثياب يوسف ، وطلبت بقاءه عندها يخدمها مدةً جزاءً له بما صنع ، وبهذه الحيلة استبْقَتْه عندها ، وكف أبوه عن مطالبتها به .

3 - كان يوسف أثيراً عند أبيه من بين إخوته ، وقد رأى يوسف -وهو غلام صغير- رؤيا قصها على أبيه ، فقال له أبوه : ?لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ? ، [يوسف: 5] ، وذلك خشية عليه من حسدهم. وخلاصة الرؤيا : أنه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدون له ، فعرف يعقوب أنها تتضمن مجداً ليوسف يجعل إخوته وأبويه يخضعون لسلطانه .

4 - حسده إخوته على ولوع أبيهم به وإيثاره عليهم ، فدبروا له مكيدة إلقائه في الجب ، فمرت قافلة فأرسلت واردها إلى البئر فأدلى دلوه ، فتعلق يوسف به ، فأخذوه عبداً رقيقاً وانتهى أمره إلى مصر فاشتراه رئيس الشرطة فيها ، واحتل عنده مكاناً حسناً اكتسبه بحسن خلقه وصدقه ، وأمانته وعبقريته . قالوا : ودخول يوسف إلى مصر يمكن تحديده قريباً من سنة (1600ق م) في عهد الملك أبابي .

5 - عشقته زوجة سيده وشغفت به ، فراودته عن نفسه فاستعصم ، فدبرت له مكيدة سجنه إذا لم يُلَبّ رغبتها منه ، فقال : ?رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ?[يوسف: 33] .

6 - أعطاه الله علم تعبير الرؤى ، وكشف بعض المغيبات ، فاستخدم ذلك في دعوة السجناء معه إلى توحيد الله ، وإلى دينه الحق .

7 - كان معه في السجن فتيان : رئيسُ سُقاةِ الملك ، ورئيس الخبازين ، فرأى كل منهما في منامه رؤيا وعرضها على يوسف .

أما رئيس سقاة الملك : فقد رأى أنه يعصر خمراً ، فقال يوسف : ستخرج من السجن وتعود إلى عملك فتسقي الملك خمراً .

وأما رئيس الخبازين : فقد رأى أنه يحمل فوق رأسه طبقاً من الخبز ، والطير تأكل من ذلك الخبر ، فأخبره يوسف : أنه سيصلب وتأكل الطير من رأسه .

وأوصى يوسف رئيس السقاة أن يذكره عند الملك . وقد تحقق ما عبر به يوسف لكل من الرجلين ، إلَّا أنَّ ساقي الملك نسي وصية يوسف .

8 - لبث يوسف في السجن بضع سنين ، حتَّى رأى الملك رؤيا البقرات السمان والبقرات العجاف ، والسنابل الخضر والأخر اليابسات ، فعرض رؤياه على السحرة والكهنة فلم يجد عندهم جواباً ، عند ذلك تذكر ساقي الملك ما أوصاه به يوسف في السجن فأخبر الملك بأمره ، فأرسله إلى يوسف يستفتيه في الرؤيا ، فكان جواب يوسف بأن البلاد سيأتيها سبع سنوات مخصبات ثم يأتي بعدها سبع سنوات قحط وجدب . ثم يأتي بعد ذلك عام يغاث فيه الناس وتعم فيه البركة .

9 - أُعجب الملك بما عبر به يوسف ، فدعاه للخروج من السجن ، ولكن يوسف أراد أن يعاد التحقيق في تهمته قبل خروجه ، حتى إذا خرج ببراءة تامة ، فأعاد الملك التحقيق ، فاعترفت المرأة بأنها هي التي راودته عن نفسه . عند ذلك خرج يوسف من السجن ، وقربه الملك واستخلصه لنفسه ، وجعله على خزائن الأرض ، ويشبه هذا المنصب منصب (وزارة التموين والتجارة) ، وسماه الملك اسماً يألفونه في مصر بحسب لغتهم (صفنات فعنيح) ، وجعله بمثابة الملك مسلّطاً على كلّ مصر ، باستثناء الكرسيّ الأول الذي هو للملك .

10 - نظم يوسف أمر البلاد ، وأدار دفة المنصب الذي وُكل إليه إدارة رائعة ، وادَّخر في سنوات الخصب الحب في سنابله ، لمواجهة الشدة في سنوات القحط ، وجاءت سنوات القحط التي عمت مصر وبلاد الشام ، فقام بتوزيع القوت ضمن تنظيم حكيم عادل .

11 - علمت أسرته في أرض الكنعانيين بأمر في مصر ، فوفد إخوته إلَّا شقيقه بنيامين إلى مصر طالبين الميرة ، لأنَّ أباه -سيدنا يعقوب- صار حريصاً عليه بعد أن فقد ولده يوسف ، فلمَّا رآهم يوسف عليه السلام عرفهم ، وأخذ يحقق معهم عن أسرتهم وعن أبيهم ، واستجرَّ منهم الحديث فأخبروه عن بنيامين ، فأعطاهم ميرتهم ورد لهم فضتهم في أوعيتهم ، وكلَّفهم أن يأتوا بأخيهم بنيامين في المرة الأخرى ، وإلَّا فليس لهم عنده ميرة ، فوعدوه بذلك .

12 - ذكروا لأبيهم ما جرى لهم في مصر ، والشرط الذي شرطه عليهم العزيز ، وبعد إلحاح شديد ومواثيق أعطوها من الله على أنفسهم ، أذن لهم يعقوب عليه السلام بأن يأخذوا معهم أخاهم بنيامين .

13 - ولمَّا وفدوا على يوسف عليه السلام دبَّر لهم أمراً يستبقي فيه أخاه بنيامين عنده ، فكلف غلمانه أن يدسوا الإِناء الفضيّ الذي يشرب به في رحل أخيه بنيامين . ولما حملوا ميرتهم عائدين إلى بلادهم أرسل الجنود للبحث عن سقاية الملك ، فوجدوها في رحل بنيامين فأخذوه ، وكان أمراً شديد الوقع على قلوبهم ، وعادوا إلى يوسف يرجونه ويتوسلون إليه أن يخلي سبيل أخيهم ، وعرضوا عليه أن يأخذ واحدا منهم مكانه ، إلَّا أنَّه رفض . فرجعوا إلى أبيهم إلَّا كبيرهم رأوبين ، وأخبروه الخبر فظن بهم سوءاً ، وحزن حزناً أفقده بصره . ثم أمرهم بالعودة إلى مصر والتحسس عن يوسف وأخيه ، فعادوا إلى مصر وألحّوا بالرجاء أن يمنَّ العزيز عليهم بالإِفراج عن أخيهم ، وخلال محادثتهم معه بدرت منها بادرة أسرها يوسف في نفسه ، إذ قالوا : ?إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ? ، يشيرون إلى الحادثة التي اصطنعتها عمته حينما كان صغيراً لتستبقيه عندها .

14 - وبأسلوب بارع عرَّفهم يوسف بنفسه ، فقالوا : ?أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ؟!? قال : ?أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا!?[يوسف: 90] ، قالوا : ?تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا!?[يوسف: 91] ، والتمسوا منه العفو والصفح عما كان منهم ، فقال : ?لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ?[يوسف: 92] . وطلب منهم أن يأتوا بأهلهم أجمعين ، وبذلك انتقل بنو إسرائيل إلى مصر ، وأقاموا .

- قصة شعيب عليه السلام :

أرسل شعيب إلى قوم مدين وكانوا يعبدون الأيكة وكانوا ينقصون المكيال والميزان ولا يعطون الناس حقهم فدعاهم إلى عبادة الله وأن يتعاملوا بالعدل ولكنهم أبوا واستكبروا واستمروا في عنادهم وتوعدوه بالرجم والطرد وطالبوه بأن ينزل عليهم كسفا من السماء فجاءت الصيحة وقضت عليهم جميعا .

- دعوة شعيب عليه السلام :

لقد برز في قصة شعيب أنَّ الدين ليس قضية توحيد وألوهية فقط ، بل إنَّه كذلك أسلوب لحياة الناس.. أرسل الله تعالى شعيباً إلى أهل مدين. فقال شعيب ?يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُه? نفس الدعوة التي يدعوها كل نبي.. لا تختلف من نبي إلى آخر.. لا تتبدل ولا تتردد. هي أساس العقيدة.. وبغير هذه الأساس يستحيل أن ينهض بناء .

بعد تبيين هذا الأساس.. بدأ شعيب في توضيح الأمور الأخرى التي جاءت بها دعوته ?وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ? ، بعد قضية التوحيد مباشرة.. ينتقل النبي إلى قضية المعاملات اليومية.. قضية الأمانة والعدالة.. كان أهل مدين ينقصون المكيال والميزان ، ولا يعطون الناس حقهم.. وهي رذيلة تمس نظافة القلب واليد..كما تمس كمال المروءة والشرف، وكان أهل مدين يعتبرون بخس الناس أشياءهم.. نوعا من أنواع المهارة في البيع والشراء.. ودهاء في الأخذ والعطاء.. ثم جاء نبيهم وأفهمهم أنَّ هذه دناءة وسرقة.. أفهمهم أنَّه يخاف عليهم بسببها من عذاب يوم محيط.. انظر إلى تدخل الإسلام الذي بعث به شعيب في حياة الناس، إلى الحد الذي يرقب فيه عملية البيع والشراء . قال : ?وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ? ، لم يزل شعيب ماضيا في دعوته.. ها هو ذا يكرر نصحه لهم بصورة إيجابية بعد صورة النهي السلبية..إنَّه يوصيهم أن يوفوا المكيال والميزان بالقسط.. بالعدل والحق.. وهو يحذرهم أن يبخسوا الناس أشيائهم .

لنتدبر معا في التعبير القرآني القائل: ?وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ? كلمة الشيء تطلق على الأشياء المادية والمعنوية.. أي أنها ليست مقصورة على البيع والشراء فقط ، بل تدخل فيها الأعمال ، أو التصرفات الشخصية . ويعني النص تحريم الظلم ، سواء كان ظلما في وزن الفاكهة أو الخضراوات ، أو ظلما في تقييم مجهود الناس وأعمالهم.. ذلك أنَّ ظلم الناس يشيع في جو الحياة مشاعر من الألم واليأس واللامبالاة ، وتكون النتيجة أن ينهزم الناس من الداخل ، وتنهار علاقات العمل ، وتلحقها القيم.. ويشيع الاضطراب في الحياة.. ولذلك يستكمل النص تحذيره من الإفساد في الأرض : ?وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ? العثو هو تعمد الإفساد والقصد إليه فلا تفسدوا في الأرض متعمدين قاصدين ?بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ?.. ما عند الله خير لكم.. ?إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ? .

بعدها يخلي بينهم وبين الله الذي دعاهم إليه.. ينحي نفسه ويفهمهم أنه لا يملك لهم شيئا.. ليس موكلا عليهم ولا حفيظا عليهم ولا حارسا لهم.. إنما هو رسول يبلغهم رسالات ربه: ?وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ? بهذا الأسلوب يشعر شعيب قومه بأن الأمر جد، وخطير، وثقيل.. إذ بين لهم عاقبة إفسادهم وتركهم أمام العاقبة وحدهم .

- رد قوم شعيب :

كان هو الذي يتكلم.. وكان قومه يستمعون.. توقف هو عن الكلام وتحدث قومه : ?قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ? ، كان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل ، ويخيفون المارة ، ويعبدون الأيكة.. وهي شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها.. وكانوا من أسوأ الناس معاملة ، يبخسون المكيال والميزان ويطففون فيهما ، ويأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص.. انظر بعد هذا كله إلى حوارهم مع شعيب : ?قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا?…؟

بهذا التهكم الخفيف والسخرية المندهشة.. واستهوال الأمر.. لقد تجرأت صلاة شعيب وجنت وأمرته أن يأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم.. ولقد كان آباؤهم يعبدون الأشجار والنباتات . وصلاة شعيب تأمرهم أن يعبدوا الله وحده.. أي جرأة من شعيب..؟ أو فلنقل أي جرأة من صلاة شعيب..؟ بهذا المنطق الساخر الهازئ وجه قوم شعيب خطابهم إلى نبيهم.. ثم عادوا يتساءلون بدهشة ساخرة : ?أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء? تخيل يا شعيب أن صلاتك تتدخل في إرادتنا ، وطريقة تصرفنا في أموالنا.. ما هي علاقة الإيمان والصلاة بالمعاملات المادية؟

بهذا التساؤل الذي ظنه قوم شعيب قمة في الذكاء.. طرحوا أمامه قضية الإيمان، وأنكروا أن تكون لها علاقة بسلوك الناس وتعاملهم واقتصادهم . هذه المحاولة للتفريق بين الحياة الاقتصادية والإسلام ، وقد بعث به كل الأنبياء ، وإن اختلفت أسماؤه.. هذه المحاولة قديمة من عمر قوم شعيب . لقد أنكروا أن يتدخل الدين في حياتهم اليومية ، وسلوكهم واقتصادهم وطريقة إنفاقهم لأموالهم بحرية.. إنَّ حرية إنفاق المال أو إهلاكه أو التصرف فيه شيء لا علاقة له بالدين.. هذه حرية الإنسان الشخصية.. وهذا ماله الخاص ، ما الذي أقحم الدين على هذا وذاك؟.. هذا هو فهم قوم شعيب للإسلام الذي جاء به شعيب ، وهو لا يختلف كثيراً أو قليلاً عن فهم عديد من الأقوام في زماننا الذي نعيش فيه . ما للإسلام وسلوك الإنسان الشخصي وحياتهم الاقتصادية وأسلوب الإنتاج وطرق التوزيع وتصرف الناس في أموالهم كما يشاءون..؟ ما للإسلام وحياتنا اليومية..؟

ثم يعودون إلى السخرية منه والاستهزاء بدعوته ?إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ? ، أي : لو كنت حليماً رشيداً لما قلت ما تقول .

أدرك شعيب أنَّ قومه يسخرون منه لاستبعادهم تدخل الدين في الحياة اليومية.. ولذلك تلطف معهم تلطف صاحب الدعوة الواثق من الحق الذي معه ، وتجاوز سخريتهم لا يباليها ، ولا يتوقف عندها، ولا يناقشها.. تجاوز السخرية إلى الجد.. أفهمهم أنه على بينة من ربه.. إنَّه نَبِيٌّ يعلم وهو لا يريد أن يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه ، إنَّه لا ينهاهم عن شيء ليحقق لنفسه نفعا منه ، إنَّه لا ينصحهم بالأمانة ليخلوا له السوق فيستفيد من التلاعب.. إنَّه لا يفعل شيئا من ذلك.. إنَّما هو نَبِيٌّ.. وها هو ذا يلخص لهم كل دعوات الأنبياء هذا التلخيص المعجز : ?إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ? ، إنَّ ما يريده هو الإصلاح.. هذه هي دعوات الأنبياء في مضمونها الحقيقي وعمقها البعيد.. إنَّهم مصلحون أساسا، مصلحون للعقول ، والقلوب ، والحياة العامة ، والحياة الخاصة .

بعد أن بيَّن شعيب عليه السلام لقومه أساس دعوته ، وما يجب عليهم الالتزام به ، ورأى منهم الاستكبار ، حاول إيقاظ مشاعرهم بتذكيرهم بمصير من قبلهم من الأمم ، وكيف دمرهم الله بأمر منه . فذكرهم قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط . وأراهم أن سبيل النجاة هو العودة لله تائبين مستغفرين ، فالمولى غفور رحيم .

- تحدي وتهديد القوم لشعيب :

لكن قوم شعيب أعرضوا عنه قائلين : ?قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا? ، إنَّه ضعيف بمقياسهم . ضعيف لأنَّ الفقراء والمساكين هم فقط اتبعوه ، أمَّا علية القوم فاستكبروا وأصروا على طغيانهم . إنَّه مقياس بشري خاطئ ، فالقوة بيد الله ، والله مع أنبياءه . ويستمر الكفرة في تهديهم قائلين : ?وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ? ، لولا أهلك وقومك ومن يتبعك لحفرنا لك حفرة وقتلناك ضربا بالحجارة .

نرى أنَّه عندما أقام شعيب -عليه السلام- الحجة على قومه ، غيروا أسلوبهم ، فتحولوا من السخرية إلى التهديد . وأظهروا حقيقة كرههم له ، لكن شعيب تلطف معهم.. تجاوز عن إساءتهم إليه وسألهم سؤالا كان هدفه إيقاظ عقولهم : ?قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ? ، يالسذاجة هؤلاء ، إنَّهم يسيئون تقدير حقيقة القوى التي تتحكم في الوجود.. إن الله هو وحده العزيز.. والمفروض أن يدركوا ذلك.. المفروض ألا يقيم الإنسان وزنا في الوجود لغير الله.. ولا يخشى في الوجود غير الله.. ولا يعمل حسابا في الوجود لقوة غير الله .. إن الله هو القاهر فوق عباده .

ويبدو أنَّ قوم شعيب ضاقوا ذرعاً بشعيب . فاجتمع رؤساء قومه . ودخلوا مرحلة جديدة من التهديد.. هددوه أولا بالقتل ، وها هم أولاء يهددونه بالطرد من قريتهم.. خيروه بين التشريد ، والعودة إلى ديانتهم وملتهم التي تعبد الأشجار والجمادات.. وأفهمهم شعيب أنَّ مسألة عودته في ملتهم مسألة لا يمكن حتى التفكير بها فكيف بهم يسألونه تنفيذها . لقد نجاه الله من ملتهم ، فكيف يعود إليها؟ إنَّه هو الذي يدعوهم إلى ملة التوحيد.. فكيف يدعونه إلى الشرك والكفر؟ ثمَّ أين تكافؤ الفرص؟ إنه يدعوهم برفق ولين وحب.. وهم يهددونه بالقوة .

واستمرَّ الصراع بين قوم شعيب ونبيهم.. حمل الدعوة ضده الرؤساء والكبراء والحُكَّامُ.. وبدا واضحاً أنْ لا أمل فيهم.. لقد أعرضوا عن الله.. أداروا ظهورهم لله. فنفض شعيب يديه منهم. لقد هجروا الله، وكذبوا نبيه ، واتهموه بأنَّه مسحور وكاذب.. فليعمل كل واحد.. ولينتظروا جميعا أمر الله .

- هلاك قوم شعيب :

وانتقل الصراع إلى تحد من لون جديد. راحوا يطالبونه بأن يسقط عليهم كسفا من السماء إن كان من الصادقين.. راحوا يسألونه عن عذاب الله.. أين هو..؟ وكيف هو..؟ ولماذا تأخر..؟ سخروا منه.. وانتظر شعيب أمر الله .

أوحى الله إليه أن يخرج المؤمنين ويخرج معهم من القرية.. وخرج شعيب.. وجاء أمره تعالى : ?وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِمدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ?[هود : 94] .

هي صيحة واحدة.. صوت جاءهم من غمامة أظلتهم.. ولعلهم فرحوا بما تصوروا أنها تحمله من المطر.. ثم فوجئوا أنهم أمام عذاب عظيم ليوم عظيم.. انتهى الأمر. أدركتهم صيحة جبارة جعلت كل واحد فيهم يجثم على وجهه في مكانه الذي كان فيه في داره.. صعقت الصيحة كل مخلوق حي.. لم يستطع أن يتحرك أو يجري أو يختبئ أو ينقذ نفسه.. جثم في مكانه مصروعاً بصيحة .

11 - أيوب عليه السلام :

من سلالة سيدنا إبراهيم كان من النبيين الموحى إليهم ، كان أيوب ذا مال وأولاد كثيرين ، ولكن الله ابتلاه في هذا كله فزال عنه ، وابتلي في جسده بأنواع البلاء واستمر مرضه (13) أو (18) عاماً ، اعتزله فيها الناس إلا امرأته صبرت وعملت لكي توفر قوت يومهما حتى عافاه الله من مرضه وأخلفه في كل ما ابتلي فيه ، ولذلك يضرب المثل بأيوب في صبره وفي بلائه ، روي أن الله يحتج يوم القيامة بأيوب عليه السلام على أهل البلاء .

- سيرته :

ضربت الأمثال في صبر هذا النبي العظيم . فكلَّما ابتلي إنسانا ابتلاء عظيما أوصوه بأن يصبر كصبر أيوب عليه السلام.. وقد أثنى الله تبارك وتعالى على عبده أيوب في محكم كتابه : ?إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ? ، والأوبة هي العودة إلى الله تعالى.. وقد كان أيوب دائم العودة إلى الله بالذكر والشكر والصبر .

وكان صبره سبب نجاته وسر ثناء الله عليه . والقرآن يسكت عن نوع مرضه فلا يحدده.. وقد نسجت الأساطير عديدا من الحكايات حول مرضه..

- مرض أيوب :

كثرت الروايات والأساطير التي نسجت حول مرض أيوب ، ودخلت الإسرائيليات في كثير من هذه الروايات . ونذكر هنا أشهرها :

أنَّ أيوب عليه السلام كان ذا مال وولد كثير ، ففقد ماله وولده ، وابتلي في جسده ، فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة ، فرفضه القريب والبعيد إلَّا زوجته ورجلين من إخوانه . وكانت زوجته تخدم الناس بالأجر ، لتحضر لأيوب الطعام .

ثمَّ إنَّ الناس توقفوا عن استخدامها ، لعلمهم أنها امرأة أيوب ، خوفاً أن ينالهم من بلائه ، أو تعديهم بمخالطته ، فلما لم تجد أحداً يستخدمها باعت لبعض بنات الأشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير ، فأتت به أيوب ، فقال : من أين لك هذا؟ وأنكره ، فقالت : خدمت به أناساً ، فلما كان الغد لم تجد أحداً ، فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به فأنكره أيضاً ، وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام؟ فكشفت عن رأسها خمارها ، فلما رأى رأسها محلوقاً ، قال في دعائه : ?رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ? . وحلف أن يضربها مئة سوط إذا شفى .

وقيل : أن امرأة أيوب أخبرته أنها لقيت طبيبا في الطريق عرض أن يداوي أيوب إذا رضي أن يقول أنت شفيتي بعد علاجه ، فعرف أيوب أن هذا الطبيب هو إبليس ، فغضب وحلف أن يضربها مئة ضربة .

أمَّا ما كان من أمر صاحبي أيوب ، فقد كانا يغدوان إليه ويروحان ، فقال أحدهما للآخر : لقد أذنب أيوب ذنباً عظيماً وإلا لكشف عنه هذا البلاء ، فذكره الآخر لأيوب ، فحزن ودعا الله . ثم خرج لحاجته وأمسكت امرأته بيده فلما فرغ أبطأت عليه ، فأوحى الله إليه أن اركض برجلك ، فضرب برجله الأرض فنبعت عين فاغتسل منها فرجع صحيحاً ، فجاءت امرأته فلم تعرفه ، فسألته عن أيوب ، فقال : إني أنا هو ، وكان له أندران ، أحدهما : للقمح ، والآخر : للشعير ، فبعث الله له سحابة فأفرغت في أندر القمح الذهب حتى فاض ، وفي أندر الشعير الفضة حتى فاض .

وفي الصحيح أنَّ رسول الله ? قال : «بينما ‏‏أيوب يغتسل عريانا خرَّ عليه رجل جراد من ذهب فجعل يحثي في ثوبه فناداه ربه يا ‏‏ أيوب ‏ ‏ألم أكن أغنيتك عما ترى قال بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك» ، رجل جراد ، ‏أي : جماعة جراد .

فلما عوفي أمره الله أن يأخذ عرجوناً فيه مائة شمراخ (عود دقيق) فيضربها ضربة واحدة لكي لا يحنث في قسمه وبذلك يكون قد برَّ في قسمه . ثم جزى الله عز وجل أيوب -عليه السلام- على صبره بأن آتاه أهله ، (فقيل : أحيى الله أبناءه ، وقيل : آجره فيمن سلف وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم ، وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة) ، وذكر بعض العلماء أنَّ الله ردَّ على امرأته شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ولدا ذكراً .

هذه أشهر رواية عن فتنة أيوب وصبره.. ولم يذكر فيها أي شيء عن تساقط لحمه ، وأنَّه لم يبقى منه إلَّا العظم والعصب. فإنَّنا نستبعد أن يكون مرضه منفراً أو مشوهاً كما تقول أساطير القدماء.. نستبعد ذلك لتنافيه مع منصب النبوة..

ويجدر التنبيه بأنَّ دعاء أيوب ربه ?أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ? . قد يكون القصد منه شكوى أيوب -عليه السلام- لربه جرأة الشيطان عليه وتصوره أنه يستطيع أن يغويه . ولا يعتقد أيوب أن ما به من مرض قد جاء بسبب الشيطان . هذا هو الفهم الذي يليق بعصمة الأنبياء وكمالهم .

وروى الطبري أنَّ مدَّةَ عمره كانت ثلاثاً وتسعينً سنةً ، فعلى هذا فيكون عاش بعد أن عوفي عشر سنين , والله أعلم . وأنَّه أوصى إلى ولده حومل ، وقام بالأمر بعده ولده بشر بن أيوب ، وهو الذي يزعم كثير من الناس أنه ذو الكفل ، فالله أعلم .

- قصة ذي الكفل :

قال أهل التاريخ ذو الكفل هو ابن أيوب عليه السلام ونسبه هو نسب أيوب عليه السلام واسمه في الأصل (بشر) ، وقد بعثه الله بعد أيوب وسماه ذا الكفل ؛ لأنَّه تكفل ببعض الطاعات فوقي بها ، وكان مقامه في الشام وأهل دمشق يتناقلون أنَّ له قبراَ في جبل هناك يشرف على دمشق يسمى قاسيون . يرى بعض العلماء أنَّه ليس بنبي ، و إنَّما هو رجل من الصالحين من بني إسرائيل ، وقد رجَّح ابن كثيرٍ نبوَّته ؛ لأنَّ الله تعالى قرنه مع الأنبياء ، فقال عز وجل في سورة الأنبياء : ?وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ? ، قال ابن كثير : فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقروناً مع هؤلاء السادة الأنبياء أنَّه نبيٌّ عليه من ربه الصلاة والسلام ، وهذا هو المشهور .

والقرآن الكريم لم يزد على ذكر اسمه في عداد الأنبياء ، أمَّا دعوته ورسالته والقوم الذين أرسل إليهم فلم يتعرض لشيء من ذلك لا بالإجمال ولا بالتفصيل ، لذلك نمسك عن الخوض في موضوع دعوته ، حيث أنَّ كثير من المؤرخين لم يوردوا عنه إلَّا النزر اليسير ، ومما ينبغي التنبه له أنَّ (ذا الكفل) الذي ذكره القرآن هو غير (الكفل) الذي ذكر في الحديث الشريف ، ونص الحديث كما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : «كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع عن ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها ، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت ، فقال لها : ما يبكيك؟ أكرهتك؟ قالت : لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط ، وإنما حملتني عليه الحاجة ..قال : فتفعلين هذا ولم تفعليه قط؟ ثم نزل فقال اذهبي بالدنانير لك ، ثم قال : والله لا يعصي الله الكفل أبداً فمات من ليلته ، فأصبح مكتوباً على بابه : قد غفر الله للكفل» . وقال ابن كثير : ورواه الترمذي ، وقال : حديث حسن .

وروي موقوفاً عن ابن عمر ، وفي إسناده نظر ، فإن كان محفوظاً فليس هو ذا الكفل ، وإنَّما لفظ الحديث الكفل من غير إضافة فهو إذاً رجل آخر غير المذكور في القرآن .

ويذكر بعض المؤرخين أنَّ ذا الكفل تكفَّل لبني قومه أن يكفيهم أمرهم ويقضي بينهم بالعدل ، فسمي ذا الكفل ، وذكروا بعض القصص في ذلك ولكنها قصص تحتاج إلى تثبت وإلى تمحيص وتدقيق .

- ملخص قصة ذو الكفل عليه السلام :

‏من الأنبياء الصالحين ، وكان يصلي كل يوم مائة صلاة ، قيل : إنه تكفل لبني قومه أن يقضي بينهم بالعدل ، ويكفيهم أمرهم ، ففعل فسمي بذي الكفل .

 

12- داود عليه السلام :


هو من الرسل الذين أرسلهم الله إلى بني إسرائيل، وقد آتاه الله الملك والنبوة، وهو من سِبط يهوذا بن يعقوب، وقد ذكره الله في عداد مجموعة الرسل عليهم السلام، وقال: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء:55] .


أ) أبرز ما تعرض له المؤرخون من حياة داود عليه السلام ما يلي:                                                                                                                              
أولاً- مقدمة عن حال بني إسرائيل منذ وفاة موسى عليه السلام حتى قيام ملك داود عليه السلام:

1-بعد انقضاء المدّة التي أقامها بنو إسرائيل في التيه - وهي (40) سنة - وبعد وفاة هارون وموسى، تولى أمر بني إسرائيل نبي من أنبيائهم اسمه (يوشع بن نون عليه السلام)، فدخل بهم بلاد فلسطين، وقسم لهم الأرضين. وكان لهم تابوت "صندوق" يسمونه تابوت الميثاق أو "تابوت العهد"، فيه ألواح موسى وعصاه ونحو ذلك، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 248].



2-  لما توفي يوشع بن نون، تولى أمر بني إسرائيل قضاة منهم، ولذلك سمي الحكم في هذه المدّة: حكم القضاة.

 
وفي هذه المدة دبّ إلى بني إسرائيل التهاون الديني، فكثرت فيهم المعاصي، وفشا فيهم الفسق، إلى أن ضيعوا الشريعة، ودخلت في صفوفهم الوثنية، فسلَّط الله عليهم الأمم، فكانت قبائلهم عرضة لغزوات الأمم القريبة منهم، وكانوا إلى الخذلان أقرب منهم إلى النصر في كثير من مواقعهم مع عدوهم، وكثيراً ما كان خصومهم يخرجونهم من ديارهم وأموالهم وأبنائهم.


3-  وفي أواخر هذه المدّة سَلب الفلسطينيون منهم "تابوت العهد"، في حربٍ دارت بين الطرفين، وكان ممّن يدبر أمرهم في أواخر مدّة حكم القضاة نبي من أنبياء بني إسرائيل من سِبط لاوي اسمه: (صمويل = شَمْويل)، يتصل نسبه بهارون عليه السلام.

 
فطلب بنو إسرائيل من (صمويل) أن يجعل عليهم ملكاً يجتمعون عليه، ويقاتلون في سبيل الله بقيادته، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 246].


فسأل شمويل ربه في ذلك، فأوحى الله إليه أن الله قد جعل عليهم ملكاً منهم اسمه (طالوت= شاؤول) من سبط بَنْيامين، وكانت قبيلة بنيامين في ذلك العهد قد أوشكت على الفناء في حرب أهلية وفتن داخلية قامت بين بني إسرائيل، فاستنكروا أن يكون طالوت ملكاً عليهم.

 
قال الله عزّ وجلّ: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247]. 

فسألوا عن دليل رباني يدلهم على أن الله ملَّكه عليهم، فقال لهم صمويل: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ ءالُ مُوسَى وَءالُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 248]. 

وأعطاهم صمويل موعداً لمجيء التابوت تحمله الملائكة، فخرجوا لاستقباله فلما وجدوا التابوت قد جيء به حسب الموعد أذعنوا لملك طالوت، فكان أول ملك من ملوك بني إسرائيل.


4-  جمع طالوت صفوف بني إسرائيل، وهيأهم لمحاربة عدوهم، وخرج بهم، ثم اصطفى منهم خلاصة للقتال، يقارب عددها عدد المسلمين في غزوة بدر. قالوا: وكان عددهم نحواً من (319) مقاتل، وذلك بطريقة قصها القرآن علينا في قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]. 

وهؤلاء القلة هم الذين اصطفاهم طالوت للقتال بعد رحلة برية شاقة سار بهم فيها، وقد اشتد فيها ظمأ القوم، وبهذه القلة التي جاوزت النهر واجه طالوت الأعداء. 

5-  لقي طالوت خصومه الوثنيين الفلسطينيين، وكان رئيسهم جالوت قوياً شجاعاً  فخافه بنو إسرائيل.


وهنا دخل في صفوف بني إسرائيل المقاتلين فتى صغير من سِبط يهوذا كان يرعى الغنم لأبيه "اسمه داود"، ولم يكن في الحسبان أن يدخل مثله في المقاتلين، ولكن أباه أرسله إلى إخوته الثلاثة الذين هم مع جيش طالوت ليأتيه بأخبارهم. 

قالوا: فرأى داود جالوت وهو يطلب المبارزة معتداً بقوته وباسه، والمقاتلون من بني إسرائيل قد رهبوه وخافوا من لقائه.


فسأل داود - وهو الفتى الصغير- عما يصير لقاتل هذا الرجل الجبار شديد البأس، فأُجيب بأن الملك "طالوت" يغنيه ويزوِّجه ابنته، ويجعل بيت أبيه حراً في إسرائيل. 

فذهب داود إلى الملك طالوت وطلب منه الإِذن بمبارزة جالوت، فضنَّ به طالوت وحذره.


فقال له داود: إني قتلت أسداً أخذ شاة من غنم أبي، وكان معه دبّ فقتلته أيضاً، فألبسه طالوت لامَة الحرب وعدة القتال، فلم يستطع داود أن يسير بها لعدم خبرته السابقة بذلك، فخلعها وتقدم بعصاه ومقلاعه وخمسة أحجار صلبة انتخبها من الوادي. 

وأقبل داود على جالوت وجرت بينهما مكالمةٌ عن بعد، وأظهر جالوت احتقار الفتى وازدراءه، والعفة عن مبارزته لصغر سنِّه، لكن داود أخذ مقلاعه -وكان ماهراً به- وزوَّده بحجرٍ من أحجاره، ورمى به فثبت الحجر في جبهة جالوت الجبار فطرحه أرضاً، ثم أقبل إليه وأخذ سيفه وفصل به رأسه، وتمت الهزيمة لجنود جالوت بإذن الله! 

قال الله تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251].


ووفَّى طالوت لداود بالوعد، فزوجه ابنته (ميكال) وأغناه.

6- ومنذ ذلك التاريخ لمع اسم (داود) في جماهير بني إسرائيل، ثم توالت الانتصارات لبني إسرائيل على يد داود، وخاف طالوت على ملكه منه فلاحقه ولاحق أنصاره وعَزَمَ على التخلص منه بالقتل، إلاَّ أن الله سلَّم داود منه، ولم يكن من داود لطالوت إلاَّ الوفاء والطاعة وحسن العهد، وقد تهيأت له الفرصة عدة مرات أن يقتله فلم يفعل ولو شاء لانتزع منه الملك.

7- ولما لم يجد داود سبيلاً لإِصلاح نفس طالوت عليه، اعتزل عنه بعد عدة محاولات وفاء قام بها نحوه، فلم يخفف ذلك من حسده وقلقه وآلامه. 

ومن ثَمّ بدأت الهزائم تلاحق طالوت في حروبه مع أعداء بني إسرائيل، حتى قُتل هو وثلاثة من بنيه، وهُزم رجاله. قالوا: وقد ندم طالوت على ما كان منه وتاب.

8- وكان نبيهم صمويل قد تغير على طالوت وهجره لما بدر منه نحو داود، وقد أُخبر داود أن المُلكَ صائر إليه بعد موت طالوت.

ثانياً- داود في الملك:

*علم داود بمقتل طالوت، فصعد إلى حبرون (مدينة الخليل)، فجاء رؤساء سبط يهوذا وبايعوه بالملك.


أما بقية أسباط بني إسرائيل فقد دانوا بالطاعة لولد من أولاد طالوت اسمه: (إيشبوشت).



ثم قامت حروب بين جنود داود وجنود إيشبوشت، انتهت بمقتل ابن طالوت بعد سنتين أو ثلاث، واستتب لداود الملك العام على بني إسرائيل، وكان عمره (30) سنة. 

*اتسعت مملكة بني إسرائيل على يد داود عليه السلام، وآتاه الله مع الملك النبوة، وجعله رسولاً إلى بني إسرائيل يحكم بالتوراة، كما أنزل عليه (الزبور) - أحد الكتب السماوية الأربعة الكبار - وآتاه الله الحكمة وفصل الخطاب.

*قالوا: وقد دام ملكه (40) سنة ثم توفي عليه السلام، ودفن في "بيت لحم" بعد أن أوصى بالملك لابنه سليمان، فيكون عمره على هذا حين قبض عليه السلام (70) سنة. والله أعلم.


ب) وقد تعرض القرآن الكريم في عدة سور لحياة داود عليه السلام، بشكل تناول أهم النقاط البارزة في حياته، مما يتصل ببدء ظهور اسمه في بني إسرائيل، وملكه ونبوته، وبعض صفاته ونعم الله عليه، وأبرز ما جاء فيه النقاط التالية: 

1- إثبات نبوته ورسالته، وأن الله أوحى إليه وأنزل عليه الزبور، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب، وعلمه مما يشاء، وأمره أن يحكم بين الناس بالحق. 

2- إثبات أنه قتل جالوت في المعركة التي قامت بين بني إسرائيل وعدوهم بقيادة طالوت.


3- إثبات أن الله أنعم عليه بنعم كثيرة منها:

( أ ) أن الله آتاه الملك وشدّه له، وجعله خليفة في الأرض، وأعطاه قوةً في حكمه. 

(ب) أن الله سخر الجبال والطير يسبحن معه في العشي والإِبكار. 

"فقد آتاه الله صوتاً حسناً، وقدرة على الإِنشاد البديع، فهو يصدح بصوته بتسبيح الله وتحميده، ويتغنى فيه بكلام الله في الزبور في العشي والإِبكار، فترجّع الجبال معه التسبيح والتحميد، وتجتمع عليه الطير فترجع معه تسبيحاً وترنماً وغناءً. 

(جـ) أن الله آتاه علم منطق الطير، كما آتى ولده سليمان من بعده مثل ذلك. 

( د ) أن الله ألان له الحديد، "فهو يتصرف بَطيّه وتقطيعه ونسجه، كما يتصرف أحدنا بالأشياء اللينة بطبعها.


(هـ) أن الله علَّمه صناعة دروع الحرب المنسوجة من زرد الحديد. 

قالوا: وكانت هذه الصناعة غير معروفة قبل داود عليه السلام. 

4- عرض قصة استفتاء فقهي وُجِّه إليه، فأفتى فيه بوجه، وكان ابنه سليمان فتىً صغيراً حاضراً مجلس الاستفتاء فأفتى بوجه آخر، وكان ما أفتى به سليمان أضمن للحق وأقرب للصواب.


وذلك ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 78-79]. 

نفشت: أي رعت ليلاً بلا راعٍ.


قال المفسرون: إن زرعاً دخلت فيه ليلاً غنم لغير أهله، فأكلته وأفسدته، فجاء المتحاكمون إلى داود - وعنده سليمان -، فحكم داود بالغنم لصاحب الحرث عوضاً عن حرثه الذي أتلفته الغَنم ليلاً. فقال سليمان - وهو ابن إحدى عشرة سنة -: غير هذا أرفق، فأمر بدفع الغنم إلى أهل الحرث لينتفعوا بألبانها وأولادها وأشعارها، وبدفع الحرث إلى أهل الغنم ليقوموا بإصلاحه حتى يعود إلى ما كان، ثم يترادّان. 

*عرض قصة الخصمين اللذين تسوّرا على داود، ودخلا عليه المحراب في وقت عبادته الخاصة التي يخلو بها ولا يسمح لأحد أن يدخل عليه فيها، ففزع داود منهما، لأنهما لم يستأذنا بالدخول عليه، ولم يدخلا محرابه من بابه، فقالا له: {لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ} [ص: 22] أي: لا تَجُرْ في الحكم - {وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ}.


فأصغى لهما داود، فقال أحد الخصمين: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} - أي: ملكنيها- {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص: 23] أي: غلبني في المخاصمة بنفوذٍ أو بقوة.


وسكت الآخر سكوت إقرار.


فقال داود: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 24]. 

وانصرف المتسوران دون أن يعلِّقا بشيء على ما أفتى به داود. 

فرجع داود إلى نفسه، فعرف أن الله أرسل إليه هؤلاء القوم بهذا الاستفتاء ابتلاء، وذلك لينبهه على أمر ما كان يليق به أن يصدر منه بحسب مقامه، فوبخ نفسه: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} تائباً من ذنبه، خائفاً من ربه. 

وتطبيقاً لمبدأ عصمة الرسل عليهم السلام، فإن ما فُتِنَ به داود ونبِّه عليه عن طريق الخصمين المستفتيين ينبغي أن لا يكون معصية ثابتة، وإنما هو من المباحات العامة التي لا تليق بمقام الرسل المصطفين عليهم السلام. 

هذا إذا كانت الحادثة بعد النبوة، أما إذا كانت قبل النبوة فينبغي أن لا تكون من الكبائر، إذ الكبائر لا تليق بآحاد المؤمنين، فضلاً عن الذين يهيؤون للرسالة. والله أعلم.


وذكر فريق من المفسرين أنّ فتنة داود عليه السلام كانت لأنه حكم بمجرّد سماع الدعوى، دون أن يسأل البيِّنة، أو يسمع كلام المدَّعى عليه، ولذلك قال الله له بعد ذلك كما جاء: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26].

 

13- يونس عليه السلام :


هو من الرسل الذين أرسلهم الله بعد سليمان وقبل عيسى عليه السلام، وقد ذكره الله في عداد مجموعة الرسل. وقال عزّ شأنه: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 139] قالوا: ويونس عليه السلام بني إسرائيل، ويتصل نسبه بـ (بنيامين). والله أعلم.


 حياة يونس عليه السلام بإيجاز :


أ) أبرز ما تعرض له المؤرخون من حياة يونس عليه السلام وأصحه-والله أعلم-ما يلي:


1- أرسله الله إلى أهل "نينوى" وهي: مدينة كبيرة تقع على نهر دجلة أو قريباً منها ، تجاه مدينة الموصل من أرض آشور (في القسم الشمالي من العراق الحديث)، وكان عدد أهل هذه المدينة مائة ألف أو يزيدون.

2- والذي يظهر أن رسالته عليه السلام كانت خلال القرن الثامن قبل ميلاد المسيح عيسى عليه السلام؛ وقد سبق أن إلياس واليسع عليهما السلام قد أرسلا خلال القرن التاسع قبل الميلاد. والله أعلم.


3- أمر الله يونس عليه السلام أن يذهب إلى أهل نينوى، ليردهم إلى عبادة الله وحده، وذلك بعد أن دخلت فيهم عبادة الأوثان.


قال المؤرخون: وكان لأهل نينوى صنم يعبدونه اسمه عشتار.

4- فذهب يونس عليه السلام من موطنه في بلاد الشام إلى نينوى، فدعا أهلها إلى الله بمثل دعوة الرسل كما أمره الله، ونهاهم عن عبادة الأوثان، فلم يستجيبوا له- شأن أكثر أهل القرى- فأوعدهم بالعذاب في يوم معلوم إن لم يتوبوا، وظن أنه قد أدّى الرسالة، وقام بكامل المهمة التي أمره الله بها، وخرج عنهم مغاضباً قبل حلول العذاب فيهم، شأنه في هذا كشأن لوط عليه السلام، إلا أن لوطاً خرج عن قومه بأمر الله، أما يونس فقد خرج باجتهاد من عند نفسه دون أن يؤمر بالخروج، ظاناً أن الله لا يؤاخذه على هذا الخروج ولا يضيق عليه.


5- فلما ترك يونس أهل نينوى، وجاء موعد العذاب، وظهرت نُذرُه، عرفوا صدق يونس، وخرجوا إلى ظاهر المدينة، وأخرجوا دوابهم وأنعامهم خائفين ملتجئين إلى الله، تائبين من ذنوبهم، وأخذوا يبحثون عن يونس عليه السلام، ليعلنوا له الإيمان والتوبة، ويسألونه أن يكف الله عنهم العذاب فلم يجدوه، ولما ظهرت منهم التوبة، وعلم الله صدقهم فيها كف عنهم العذاب، فعادوا إلى مدينتهم مؤمنين بالله، موحدين له، هاجرين عبادة الأصنام.


6- أما يونس عليه السلام فإنه سار حتى وصل إلى شاطىء البحر، فوجد سفينة على سفر فطلب من أهلها أن يركبوه معهم، فتوسموا فيه خيراً فأركبوه. ولما توسطوا البحر هاج بهم واضطرب، فقالوا: إن فينا صاحب ذنب، فاستهموا فيما بينهم على أن من وقع عليه السهم ألقوه في البحر، فوقع السهم على يونس، فسألوه عن شأنه وعجبوا من أمره وهو التقي الصالح، فحدثهم بقصته، فأشار عليهم بأن يلقوه في اليم ليسكن عنهم غضب الله فألقوه، فالتقمه بأمر الله حوت عظيم، وسار به في الظلمات، في حفظ الله وتأديبه، وتمت المعجزة. وقد أوحى الله إلى الحوت أن لا يصيب من يونس لحماً ولا يهشم له عظماً، فحمله الحوت العظيم وسار به عباب البحر حياً يسبح الله ويستغفره، وينادي في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجاب الله له، ونجاه من الغم، ثم أوحى الله إلى الحوت أن يقذف به في العَرَاء على ساحل البحر، فألقى به وهو سقيم.

قالوا: وقد لبث في جوف الحوت ثلاثة أيام بلياليها، والله أعلم.

7- وجد يونس نفسه في العراء سقيماً هزيلاً، فحمد الله على النجاة، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين، فأكل منها واستظل بظلها، وعافاه الله من سقمه وتاب عليه. وعلم يونس أن ما أصابه تأديب رباني محفوف بالمعجزة، حصل له بسبب استعجاله وخروجه عن قومه مغاضباً، بدون إذن صريح من الله له يحدّد له فيه وقت الخروج، وإن كان له فيه اجتهاد مقبول، ولكن مثل هذا الاجتهاد إن قُبِلَ من الصالحين العاديين، فإنه لا يقبل من المرسلين المقربين، فهو بخروجه واستعجاله قد فعل ما يستحق عليه اللوم والتأديب الرباني. قال الله تعالى: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات: 142].


8- ولمّا قدر يونس على المسير عاد إلى قومه، فوجدهم مؤمنين بالله، تائبين إليه، منتظرين عودة رسولهم ليأتمروا بأمره ويتبعوه، فلبث فيهم يعلمهم ويهديهم ويدلُّهم على الله، ويرشدهم إلى الصراط المستقيم.


9- ومتّع الله أهل نينوى في مدينتهم مدة إقامة يونس فيهم وبعده آمنين مطمئنين حتى حين، فلما أفسدوا وضلوا سلّط الله عليهم من دمَّر لهم مدينتهم، فكانت أحاديث يرويها المؤرخون، ويعتبر بها المعتبرون .


ب) وقد تعرض القرآن الكريم لحياة يونس عليه السلام في نحو خمس سور من القرآن الكريم؛ جاء فيها ما يلي:


1- إثبات نبوته ورسالته عليه السلام إلى مئة ألف أو يزيدون.

2- إثبات أنه ذهب مغاضباً ظاناً أن الله لا يقدر عليه (أي: لا يضيق عليه بذهابه عن قومه).


3- إثبات أنه أبق إلى الفلك المشحون، فساهم فكان من المُدحَضين، فالتقمه الحوت وهو مُليم.


"من المدحضين، أي: من أهل الزلل الذين وقع عليهم السهم بأن يقذف في البحر".

4- إثبات أنه كان من المسبِّحين لله في بطن الحوت، وأنه نادى في الظلمات أن لا إِله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وأن الله استجاب له فنجّاه من الغم، ولولا أنه كان من المسبحين لَلَبِثَ في بطن الحوت إلى يوم يبعثون.

5- إثبات خروجه من بطن الحوت ونبذه بالعراء وهو سقيم، وأن الله أنبت عليه شجرة من يقطين.


6- إثبات أن قومه تعرضوا بسبب مخالفتهم له لعذاب الخزي في الحياة الدنيا، إلا أن الله كشف عنهم هذا العذاب لمَّا آمنوا، ومتعهم إلى حين.

7- وقد سماه الله: (ذا النون) في سورة الأنبياء الآية (87)، و(نون): اسم من أسماء الحوت، فيكون المعنى: "صاحب الحوت".


عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ في بَطْنِ الحُوتِ لا إِلهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالمِينَ فإِنَّهُ لم يَدْعُ بهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ في شَيْءٍ قَطُّ إِلا اسْتَجَابَ الله لَهُ". 
ذو النون: هو يونس عليه السلام.

 

14-إلياس واليسع عليهما السلام :


هما رسولان من رسل بني إسرائيل، وقد ذكرهما الله في عداد مجموعة الرسل عليهم السلام قال تعالى:  {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [الصافات: 37[


وقال تعالى في شأن اليسع عليه السلام: {وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 86[ 

 


 15- إلياس عليه السلام :


أ) ليس لدى المؤرخين صورة صحيحة كاملة عن حياة إلياس واليسع عليهما السلام، إلا أننا نستطيع أن نستخلص من مختلف أقوالهم الأمور البارزة التالية:

1-عقب انتهاء ملك سليمان عليه السلام في سنة (933) ق.م انقسمت مملكة بني إسرائيل إلى قسمين:


القسم الأول: كان خاضعاً لملك سلالة سليمان بن داود عليه السلام، وأول ملوكهم رُحُبْعام بن سليمان، ويشمل هذا القسم سبطي يهوذا وبنيامين.


القسم الثاني: كان خاضعاً لملك (جربعام) بن ناباط وأسرته من بعده. قالوا: وقد جاءهم (جربعام) من مصر، وهو من سبط أفرايم بن يوسف عليه السلام، وبايعه سائر أسباط بني إسرائيل العشرة، وقد حكمت هذه الأسرة من 933-887ق.م، وهي مدّة (46) سنة تقريباً.


وسبب شقاق الأسباط العشرة عن (رُحُبْعام) بن سليمان، أنه رفض إعفاءهم من الضرائب التي كانت عليهم.

 

2-ثم قامت بعد أسرة (جربعام) الحاكمة على أسباط بني إسرائيل العشرة أسرة (عُمْري)؛ وملكت من (887-843)ق.م، وهي مدة (44) سنة تقريباً.


وفي هذه الأثناء-أي نحو (875)ق.م-سمح (أخاب)-أحد ملوك هذه الأسرة-لزوجته إيزابيل بنت أثعيل-ملك صور-أن تقوم بنشر عبادة قومها في بني إسرائيل؛ فشاعت العبادة الوثنية فيهم، فصار لهم صنم يعبدونه يسمونه (بعلاً) .

 

3- فأرسل الله إليهم (إلياس عليه السلام)، - ويسمى عند المؤرخين: إليشاه أو إيليَّا-فنهاهم عن عبادة الأوثان، وأمرهم بعبادة الله وحده، والرجوع إلى الشريعة الصافية التي جاء بها موسى ومن بعده من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام؛ ونصح بذلك ملكهم (أخاب) فلم يستجب له، وأصرّ على عناده وانحرافه عن الإسلام الخالص من شوائب الوثنية، فانتقم الله منه، فأزال ملكه وملك أسرة عمري على يد (يهوشافاط) وهو من سبط (مِنسَّا) بن يوسف عليه السلام.

4-وقد آمن بإلياس رجل صالح من بني إسرائيل اسمه: (اليسع = اليشع)، فصاحبه مدة حياته في الأرض ثم أرسله الله من بعده في بني إسرائيل .

5-جاء في تاريخ الطبري عن ابن إسحاق ما ملخّصه: أن إلياس عليه السلام لما دعا بني إسرائيل إلى نبذ عبادة الأصنام، والاستمساك بعبادة الله وحده، رفضوه ولم يستجيبوا له، فدعا ربه فقال : اللَّهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك، والعبادة لغيرك، فغيِّر ما بهم من نعمتك. فأوحى الله إليه : إنا جعلنا أمر أرزاقهم بيدك، فأنت الذي تأمر في ذلك، فقال إلياس: اللَّهم فأمسك عنهم المطر، فحبس عنهم المطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والشجر، وجهد الناس جهداً شديداً. وكان إلياس لما دعا عليهم استخفى عن أعينهم، وكان يأتيه رزقه حيث كان، فكان بنو إسرائيل كلما وجدوا ريح الخبز في دار قالوا : هنا إلياس، فيطلبونه وينال أهلَ ذلك المنزل منهم شرٌّ.


وقد أوى ذات مرة إلى بيت امرأة من بني إسرائيل، لها ابن يقال له، (اليسع بن أخطوب) به ضرٌّ، فأتوه وأخفت أمره، فدعا الله لابنها فعافاه من الضرّ الذي كان به، واتبع إلياسَ وآمن وصدقه ولزمه، فكان يذهب معه حيثما ذهب، وكان إلياس قد أسنّ وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً .


ثم إن إلياس قال لبني إسرائيل: إذا تركتم عبادة الأصنام دعوت الله أن يفرج عنكم، فأخرجوا أصنامهم ومحدثاتهم، فدعا الله لهم ففرج عنهم وأغاثهم، فحييت بلادهم، ولكنهم لم يرجعوا عما كانوا عليه، ولم يستقيموا، فلما رأى ذلك إلياس منهم دعا ربه أن يقبضه إليه فقبضه ورفعه ، والله أعلم.


ثم إن الله أرسل إليهم اليسع بعد إلياس.

ب ) أما القرآن الكريم فإنه اقتصر في الحديث عن هذين الرسولين على ما يلي:

1-   إثبات نبوة ورسالة كل من إلياس واليسع.

2-   إثبات دعوة إلياس قومه إلى عبادة الله وحده، ونهيهم عن عبادة الصنم (بعل ) .

3-    إثبات أن قومه كذبوه إلا عباد الله المخلصين.

4-   إكرام الله له بأن الله ترك في الآخرين سلاماً عليه.

 

16- زكريا وابنه يحيى عليهما السلام :

هما رسولان من رسل بني إسرائيل، وقد ذكرهما الله في عداد مجموعة الرسل عليهم السلام، فقال تعالى:  ( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ] ( الأنعام: 83] وما بعدها.

( وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِين]  ( الأنعام: 85 [

 

   حياة زكريا ويحيى عليهما السلام :

)أ) أبرز ما تعرض له المؤرخون من حياتهما عليهما السلام ما يلي:

1-قبيل ميلاد المسيح عيسى كان زكريا من كبار الربانيين الذين لهم شركة في خدمة الهيكل.

وكان عمران- والد مريم- إمامهم ورئيسهم، والكاهن الأكبر فيهم.

قالوا: ويتصل نسبه بداود عليه السلام، فهو على هذا من سبط يهوذا. والله أعلم.

 

2-حنَّة و (إيشاع = اليصابات عند أهل الكتاب) أختان، أما حنَّة: فكانت زوجة عمران، وكانت من العابدات، وكانت لا تحمل.

وأما إيشاع "اليصابات": فكانت زوجة زكريا عليه السلام، وكانت عاقراً لا تلد.

 

3-استجاب الله لدعاء (عمران وحنَّة)، بعد أن لبثت حنَّة ثلاثين سنة لا يولد لها فحملت، فنذرت أن تهب ولدها لخدمة بيت المقدس، وكانت ترجو أن يكون ذكراً.

 {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا { آل عمران ] 35-36 [

وحملت ابنتها مريم، وقدمتها إلى بيت المقدس، ودفعتها إلى العبَّاد والربانيين فيه، تنفيذاً لنذرها، وكان هذا من أحكام الشريعة اليهودية.

وتنافسوا في كفالتها، لأنها ابنة رئيسهم وكاهنهم الأكبر-ويظهر أن عمران أباها كان قد توفي في هذه الأثناء-وأصرّ زكريا عليه السلام-زوج خالتها-على أن يكفلها هو، وحصل الخصام بينهم أيُّهم يكفل مريم، ثم لجأوا إلى القرعة، فكانت كفالتها من حظ زكريا.

 

4-شبَّت مريم في بيئة عبادة وتقوى داخل بيت المقدس، وأكرمها الله بكرامات عديدة، وكان من كراماتها ما قصَّه الله تعالى:  }فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب]  {آل عمران 47[

وقال عز وجل:  }وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ { ]آل عمران43[  

فكان زكريا يجد عندها رزقاً من رزق الله لم يأتها به، ولا وجود له عند الناس في ذلك الوقت، وهذا من إكرام الله لها، وكانت الملائكة تأتي إلى مريم وتخبرها بأن الله اصطفاها وطهرها، واصطفاها على نساء العالمين.

 

5-هنالك تحرك في قلب زكريا حب الذرية، وتمنى أن يهبه الله ولداً ذكراً يرث الشريعة عنه وعن العلماء الصالحين من آل يعقوب، وخشي أن يتولى أمر الرياسة الدينية في بني إسرائيل موالي من الجهلة والفساق والمتلاعبين بالدين.

هنالك دعا زكريا ربه، وناداه نداءً خفياً، قال:  }قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا { ]مريم: 4-5-6[

}فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين{ .

قال زكريا}:   رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنْ الْكِبَرِ عِتِيًّا  ]{مريم: 8[ قال منادي الملائكة :  }قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُنْ شَيْئًا{ ]مريم 9 [ قال زكريا:  }قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ] {مريم10-11 [

أمّا مريم سلام الله عليها فقد نشأت نشأة طهر وعفاف، محروسة بعناية الله تعالى، حتى إذا بلغت مبلغ النساء، وبينما هي في خلوتها إذا بالملك جبريل تمثل لها بشراً سوياً، فذعرت منه، فقالت: }إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا { ]مريم: 18]. أي: أمّا إنْ كنتَ شقيّاً فاجراً فإني أعوذ بالجبار القهار المنتقم منك.

فقال لها جبريل:  }إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا { ]مريم: 19[

قالت مريم:  }أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيًّا{ [مريم: 20[

قال جبريل:  }كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا{   ]مريم 21 [

وكذلك الله يخلق ما يشاء، إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل.

ونفخ جبريل في جيب مريم فحملت بإذن الله بعيسى عليه السلام، ولما حملته انتبذت به مكاناً قصياً بعيداً عن أهلها في جهة شرقية، وواظبت على عبادتها كعادتها.

1-قالوا: وكان حمل مريم بعيسى في الوقت الذي كانت فيه زوجة زكريا حاملاً بيحيى؛ وولد عيسى بعد ميلاد يحيى بثلاثة أشهر. والله أعلم

2-نشأ يحيى- كما بشَّر الله- نشأة صلاح وتقوى وعلم، وقد آتاه الحكم صبياً، وأقبل على معرفة الشريعة وأصولها وأحكامها حتى صار عالماً متبحراً، ومرجعاً يرجع إليه في الفتاوى الدينية. ثم وافته النبوة والرسالة قبل أن يبلغ من العمر ثلاثين سنة، وقال الله  }:يا يحيى خُذِ الكتابَ بقوة . {قالوا: وقد كان في صباه يأوي إلى القفار، ويقتات جراداً وعسلاً بريَّاً، ويلبس الصوف من وبر الإبل.

3-ويُسمَّى يحيى عند العلماء النصارى: (يوحنَّا)، ويلقبونه (المعمدان) لأنه كان قد تولى التعميد المعروف عند النصارى، وهو: التبريك بالغسل بالماء للتوبة من الخطايا. قالوا: وقد ظهر في ناحية الأردن ينذر الناس بالتوبة، فخرج إليه أهل (أورشليم) والكور القريبة من الأردن، فكان يعمّدهم في النهر وينذرهم باقتراب ملكوت السماوات.

قالوا: وقد عمَّد يحيى عيسى في نهر الأردن وبرَّك عليه وهو ابن ثلاثين سنة، وقد سأله اليهود: هل هو المسيح؟ فقال: لا فسألوه: هل هو النبي؟ فقال: لا، فقالوا له: لماذا تُعمَّد إذا لم تكن المسيح ولا النبي؟ فقال: "أنا صوت صارخ في البرية هيئوا طريق الرب وافعلوا سبله مستقيمة".

4-برز اسم يحيى عليه السلام، وكان حاكم فلسطين في ذلك الوقت (هيرودس) وكان رجلاً شريراً فاسقاً، وكانت له ابنة أخ يقال لها: (هيروديا) بارعة الجمال، فأراد عمها هيرودس أن يتزوج منها، وكانت البنت وأمها تريدان هذا الزواج، فلما علم يحيى عليه السلام بذلك أعلن معارضته لهذا الزواج، وبينَّ تحريم زواج العم بابنة أخيه في الشريعة.

فحقدت أم الفتاة على يحيى، وبيَّتت له مكيدة قتل، فزينت ابنتها (هيروديا) بأحسن زينتها، وأدخلتها على عمها، فرقصت أمامه حتى ملكت مشاعره، فقال لها: تمنَّي عليّ، فقالت له -كما علمتها أمها-: أريد رأس يحيى بن زكريا في هذا الطبق فاستجاب لطلبها، وأمر بيحيى عليه السلام فقُتل، وقدم له رأسه في طبق، والدم ينزف منه.

قالوا: وفي حادثة مقتل يحيى عليه السلام قتل عدد كبير من العلماء الذين أنكروا على الحاكم، ومنهم زكريا عليه السلام، وقيل: قتل زكريا قبل ذلك. والله أعلم.

وجاء تلاميذ يوحنا (يحيى) وأخذوا جثته ودفنوها، ثم جاؤوا إلى المسيح عيسى وأخبروه بمقتل يحيى عليه السلام.

)ب) وقد تعرض القرآن الكريم لحياة كلٍ من زكريا ويحيى عليهما السلام في أربع سور، وقد جاء فيها ما يلي:

1-   إثبات نبوة ورسالة كل من زكريا ويحيى عليهما السلام.

2-   التنويه بأنهما من بني إسرائيل

3- كفالة زكريا عليه السلام لمريم، وبيان أنه كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً، وأنه سألها أنى لك هذا؟ فقالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

4- عرض قصة دعائه لربه أن يهبه ذرية طيبة، واستجابة الله له، وبشارة الملائكة إياه بيحيى مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين، وما رافق ذلك.

جار التحميل