جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

مدخل لعلوم القرآن 102 تأهيلي 1441


- 2019/09/10

الكلام على الوحي، وعلى نزول القرآن، وهذه من أهم الموضوعات، ومن أدق الموضوعات، وهي قضايا تتعلق بعلوم القرآن، وتتعلق بالعقيدة، وإذا درسها طالب العلم زالت عنه إشكالات في باب الاعتقاد، وفي باب التفسير، فضلا عن علوم القرآن؛ ولذلك فإن دراسة الوحي تعد من أهم الموضوعات؛ لأن الإيمان بالرسالة يتوقف عليه.

ثم نتحدث عن نزول القرآن، وما يتعلق بذلك من مكان النزول، وهو ما يسمى بالمكي والمدني، وزمان النزول، وهو ما يسمى بالليلي والنهاري، وهكذا ما يلحق بذلك مما يسمونه بالفراشي والنومي، وهكذا ما يسمونه بالسمائي والأرضي، وما إلى ذلك من موضوعات تتعلق به، كأسباب النزول، وبعض المهمات التي تذكر فيها، وهكذا بعض الأشياء الأخرى، كعلم الناسخ والمنسوخ، وهو من أهم الموضوعات.

ثم بعد ذلك أذكر أشياء تتعلق بهذا، وجملتها عشرة موضوعات، فإذا أسعف الوقت استعرضناها في هذه الأيام الخمسة، ولربما احتجنا إلى زيادة، نزيد يومًا أو يومين، فيكون إلى نهاية الأسبوع بإذن الله -عز وجل-، ولعل من المناسب أن أجعل اليوم الأخير مع الدرس أن يكون هناك شيء من الأسئلة، أو الاختبار الذي يحفز على مراجعة ما يذكر.

علوم القرآن :

 هذا العلم الذي اجتمعنا لدراسته عنوانه المعروف المشهور: علوم القرآن، فهو ليس من الموضوعات ذات العنوان الواحد، فبعض الموضوعات يقال فيها مثلا: القراءات، أو يقال فيها: القياس، أو نحو ذلك، فهذا العنوان كما ترون مركب من كلمتين: "علوم" و"قرآن"، وحتى نتصور هذا العلم، والمراد به؛ لأن الدخول في فن من الفنون يتوقف على تصور هذا العلم، وهذا التصور إنما يحصل بمعرفة معناه.

فالعلوم: هذه اللفظة جمع، كما لا يخفى، والعلوم: جمع علم، والعلم: يقابل الجهل، فهو: ضد الجهل، نقيض الجهل، وهذا العلم يمكن أن يعرَّف بأن يقال: هو: معرفة الشيء على حقيقته، هذا هو العلم؛ لأنك إذا عرفت الشيء على غير حقيقته فإن هذا جهل مركب، فلو قال قائل مثلا: التيمم لا يجوز، أو أن التيمم هو: استعمال الماء في الأعضاء المخصوصة بنية، فمثل هذا لم يتصور حقيقة التيمم، فيكون ذلك من قبيل الجهل المركب، فالعلم هو: معرفة الشيء على حقيقته -على ما هو به- معرفة صحيحة، ويمكن أن يقال: هو الإدراك الجازم المطابق للواقع، فهذه أشياء تقربه، وتصور لك المراد منه.

وأما القرآن، ويقال فيه: القُرَان، من غير همزة، كما هي: قراءة ابن كثير، وهي: قراءة أهل مكة؛ ولذلك كان الإمام الشافعي -رحمه الله- يقرأ: القران، ويكتب في كتابه الرسالة، وفي غيره من كتبه، يقول: القران، ولما حقق أحمد شاكر -رحمه الله- كتاب الرسالة للشافعي، كان يثبتها كما هي: القران، من غير همزة، فالقرآن يقرأ بالهمز، فيقال: قرآن، ويقرأ أيضًا بغير همز، فيقال: قران.

فالقرآن بالهمزة: يمكن أن يقال فيه: هو: مصدر من القراءة، في أحسن ما يفسر به -والله تعالى أعلم، ونحن إذا أردنا أن نُرجع الأشياء في التعريفات، وتفسير الألفاظ، نرجعها إلى أصولها، فالأحسن أن نرجعها إلى المصادر، بمعنى أننا نقول: القرآن من القراءة، ولا نقول: القرآن من قرأ، فلا نعيده إلى الفعل، وإنما نعيده إلى المصدر، فنقول: القرآن من القراءة، كما قال حسان بن ثابت -رضي الله تعالى عنه- يمدح عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه:

ضحَّوْا بأشمطَ عنوانُ السجودِ به *** يقطِّع الليلَ تسبيحًا وقرآنا

يعني: أنه يقطع الليل تسبيحًا وقراءة، فسمى القراءة: قرآنًا.

ولا شك أن الأصل في هذه اللفظة من جهة الفعل هو: الفعل الثلاثي: قرأ، وهذه اللفظة: قرأ تدور بجميع استعمالاتها ومعانيها في كلام العرب، تدور على معنى واحد فقط، وهذا المعنى الواحد الذي تجد أطرافه منثورة في كتب القواميس، ولربما عد العاد منها جمعًا من المعاني، هذه اللفظة في الواقع ترجع إلى معنى واحد، وكل المعاني التي يذكرها أصحاب المعاجم اللغوية هي ترجع إلى هذا المعنى، وهذا من أنفع ما يذكر في تفسير الألفاظ، وبيان الغريب، ومعاني المفردات، أن ننظر إلى المعنى الواحد -أو الاثنين- الذي ترجع إليه جميع المعاني التي يذكرونها، ومن أحسن من يذكر ذلك ويبينه ابن فارس -رحمه الله تعالى- في كتابه: مقاييس اللغة.

فهذه اللفظة: القرآن، ترجع إلى معنى وهو: الضم والجمع، فإذا قلت مثلا: القراءة والقرآن فإن ذلك لاجتماع الحروف؛ لتكوِّن الكلمات، ولاجتماع الكلمات؛ لتكوِّن الجمل؛ ولاجتماع الجمل أو الآيات؛ لتكوِّن السور، وهكذا، ثم ما فيه أيضا من اجتماع المعاني، القصص والأخبار والعقائد والأحكام، وما إلى ذلك من الأمور التي جمعها الله -عز وجل- في كتابه، فهي: مجموعة في هذا القرآن، وهكذا إذا قلنا: القُرء الذي هو الحيض، فإنما قيل له ذلك؛ لأنه يجتمع الدم في داخل الرحم؛ ولهذا قيل له ذلك، فإذن: هذه اللفظة تدور على معنى واحد، وهو: الضم والجمع، والقرآن يمكن أن يكون قيل له ذلك بمراعاة هذا المعنى؛ لأنه يجمع ثمرة الكتب السابقة؛ أو لأنه جمع الله -عز وجل- فيه من ألوان الهدايات والعلوم والمعارف التي يحتاج إليها السالك إلى ربه -تبارك وتعالى، وهذه الأمور لا منافاة بينها، فكلها صحيح.

وأما معنى القرآن الاصطلاحي: فيمكن أن نقول: هو كلام الله -عز وجل- المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- بواسطة جبريل -عليه السلام- المعجز بأقصر سورة منه، ويمكن أن نستغني عن زيادة يذكرونها معه وهي: المتعبد بتلاوته، فيمكن أن نستغني عنها.

فقولنا إذن: القرآن هو كلام الله -عز وجل، فهذا يخرج كلام غير الله -عز وجل، كالملائكة والبشر، ويخرج من ذلك الأحاديث النبوية، كما يخرج من ذلك أيضًا الأحاديث القدسية، على قول من قال: إن الأحاديث القدسية هي من النبي -صلى الله عليه وسلم- لفظًا، ومن الله معنى.

وقولنا: هو كلام الله -عز وجل- المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم، فالمنزل يخرج ما لم ينزله الله -عز وجل، فكلام الله -تبارك وتعالى- لا نحيط به، فمنه ما نزله على الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام، ومنه ما لم ينزله، {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف:109]، {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان:27]، فإذن: المنزل يخرج ما لم ينزل.

وقولنا: على محمد -صلى الله عليه وسلم- يخرج ما نزل على الأنبياء غير النبي -صلى الله عليه وسلم، كالتوراة والإنجيل والزبور، وما إلى ذلك.

وقولنا: المنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- المعجز بأقصر سورة منه، فالمعجز يخرج غير المعجز، وما هو غير المعجز؟ نقول: الأحاديث القدسية على قول من قال: إنها من كلام الله -عز وجل- لفظًا ومعنى، وهو الأقرب؛ لأننا في الأحاديث القدسية نقول: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه، ونقول أيضا: قال الله تعالى، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك، ولو كانت من عند النبي -صلى الله عليه وسلم- لفظًا لما قيل فيها ذلك؛ ولكانت مستوية مع الأحاديث النبوية، ونحن نعرف أن قسمًا كبيرًا وهو الأكثر من أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- النبوية أن الغالب في ذلك أنه وحي من عند الله -تبارك وتعالى- من جهة المعنى، وأقول: الغالب؛ لأن بعض هذه الأحاديث اجتهاد من النبي -صلى الله عليه وسلم، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- قد يجتهد، ويأتي الوحي يصوبه على ذلك، أو يبين له ما وقع فيه من خلل في الاجتهاد، كما اجتهد النبي -صلى الله عليه وسلم- في قصة أسارى بدر، فنزل الوحي بذلك: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال:67].

فالحاصل: أن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- القولية والعملية الغالب فيها، والسواد الأعظم هو من قبيل الوحي ابتداء، وما اجتهد فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- قليل، ثم يأتي الوحي مصوبًا له؛ ولهذا لا يمكن لأحد أن يقول: ما دام أن السنة فيها بعض الاجتهادات، إذن: يمكن أن يكون فيها بعض الأخطاء، نقول: لا يمكن ذلك؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤيد بالوحي، فيُسدَّد ويصوَّب، ويقوَّم اجتهاده من قبل ربه -تبارك وتعالى، فإذن: المعجز بأقصر سورة منه يخرج الأحاديث النبوية، ويخرج الأحاديث القدسية؛ لأنها ليست معجزة؛ ولهذا قد يقول قائل: إذا قيل: إن الأحاديث القدسية هي من كلام الله -عز وجل- لفظًا، فما الفرق إذن بينها وبين القرآن؟ فنقول: الفرق من وجوه:

منها: أن الله تعهد بحفظ القرآن بلفظه ومعناه، والأحاديث القدسية لم يتكفل الله -عز وجل- لها بهذا الحفظ.

ومنها أيضا: القرآن معجز بألفاظه، والأحاديث القدسية ليست معجزة.

وأيضا: القرآن لا يجوز روايته بالمعنى، أو نقله بالمعنى، والأحاديث القدسية يجوز نقلها بالمعنى بالشروط المعروفة التي يذكرها علماء الاصطلاح.

ومنها: أن القرآن نتعبد الله -عز وجل- بتلاوته، وأما الأحاديث القدسية فلم نتعبد بقراءتها، فهذه بعض الفروق.

فهذا تفسير هذا التعريف لكتاب الله -عز وجل- الذي هو القرآن، وهو يغنينا عن كثير مما يقال في تعريفه؛ لأن ذلك هو الأقرب -والله تعالى أعلم- من التعريفات التي يذكرها العلماء، وحسبنا ذلك.

وأما إيراد باقي التعريفات، ومناقشة كل تعريف فهذا أمر ليس بحسن، ولا حاجة إليه في مثل هذا المجلس.

بعد ذلك إذا عرفت معنى: العلم، وعرفت معنى: القرآن، فما معنى: علوم القرآن؟

العلم هو: معرفة الشيء على حقيقته، والقرآن هو: كلام الله -عز وجل، فعلوم القرآن ما هي إذن؟ يمكن أن نقول: هذا الفن هو علم يضم أبحاثًا كلية تتصل بالقرآن الكريم من نواحٍ شتى، يمكن اعتبار كل منها علمًا متميزًا، فهذا التعريف لهذا العلم الذي ندرسه -علوم القرآن- أظنه أقرب هذه التعريفات، وهناك تعريفات كثيرة له، أكتفي بهذا منها.

فحينما نقول: هو علم يضم أبحاثًا كلية، يعني: أنه لا يدرس قضايا جزئية، وإنما يضم أبحاثًا كلية، يندرج تحتها الجزيئات، فالأبحاث الكلية مثل: القراءات، يندرج تحتها جزيئات كثيرة جدًّا، ومفردات، وهكذا حينما نقول: علم الناسخ والمنسوخ، فهو من علوم القرآن، فهذا موضوع كلي، وحينما نقول: الآية الفلانية منسوخة، أو ليست منسوخة فهذا جزئي، وهكذا حينما نقول: المطلق والمقيد، فهذا كلي, وحينما نقول: هذه الآية مطلقة، وهذه الآية مقيدة، والمطلق محمول على المقيد فهذا جزئي، فإذا علوم القرآن: علم يضم أبحاثًا كلية مهمة، مثل: الناسخ والمنسوخ, المطلق والمقيد, الوحي, القراءات, الأحرف السبعة، وما إلى ذلك.

بعد ذلك حينما نقول: تتصل بالقرآن الكريم، هذا يخرج العلوم التي لا تتصل بالقرآن، مثل: أن الفاعل مرفوع، أو المرفوعات والمنصوبات، أو القضايا التي تتعلق بشروط قبول الرواية، أو قضايا تتعلق بالجرح والتعديل، وما إلى ذلك، فهذه ليست من علوم القرآن، إذن: تتصل بالقرآن بمعنى: أنها تتعلق به.

وقولنا: من نواحٍ شتى يعني: منها ما يتعلق بأداء القرآن، مثل: التجويد والقراءات، ومنها ما يتعلق بأماكن النزول، مثل: المكي والمدني، ومنها ما يتعلق بأسبابه، مثل: أسباب النزول، ومنها ما يتعلق بكونه موحى من الله -عز وجل، وهو موضوع الوحي، ومنها ما يتعلق بتنزيلات القرآن، وهو موضوع نزول القرآن، ومنها ما يتعلق بأوقات النزول، كما قلنا في: الليلي والنهاري، والصيفي والشتائي، وما إلى ذلك.

أما الموضوع الذي يتحدث عنه هذا العلم، ويدور عليه فهو القرآن من جوانبه المختلفة.

وأما الفائدة التي نستفيدها من دراسة مثل هذا العلم فأقول: هي في الواقع جملة فوائد، وليست فائدة واحدة، فهذه الفوائد منها: أنه يعين على فهم القرآن، واستنباط الأحكام والآداب.

كما أنه يجعل من تمرس فيه وفهمه وعرفه، يجعله مؤهلا للتفسير.

وأيضا: هو يعرف الدارس له بتاريخ القرآن الكريم، من حيث مبدأ نزوله، ومدة هذا النزول، وطريقه هذا النزول، وأماكن النزول، وأوقات النزول، والأحداث التي نزل فيها القرآن.

كما أنه أيضًا: يوفر لمن درسه من العلوم والمعارف المهمة المتعلقة بالقرآن شيئًا كثيرًا، كما قلنا في: الناسخ والمنسوخ، والقراءات، وما إلى ذلك.

كما أنه أيضا: يسلح من عرفه ودرسه وفهمه بسلاح قوي، يستطيع بإذن الله -عز وجل- معه أن يجلي كثيرًا من الإشكالات والشبهات التي يطرحها قوم من المستشرقين، ومن غيرهم من الزنادقة، من المتقدمين والمتأخرين.

كما أنه أيضا: يجلي لك أشياء لربما تنقدح في ذهنك إذا كان الذهن خاليًا من هذا العلم، فتعرف الجواب عن كثير من الإشكالات التي لربما أورثت شكًّا وحيرة في نفس الإنسان.

وكذلك أيضا: يوجِد عند صاحبه ملكة وقدرة على إدراك مواطن العِبر في هذا القرآن، والحجج، والأحكام.

وأما ما يتعلق بأهميته فهذا العلم هو في الواقع بمنزلة الميزان الذي يضبط الفهم لكتاب الله -عز وجل، كما نقول: إن علم العربية -علم النحو- يضبط اللسان من اللحن، وهكذا يقال: إن علم التجويد يضبط القراءة من اللحن أيضًا في كتاب الله -تبارك وتعالى، وهكذا أيضا حينما نقول: إن علم أصول الفقه يضبط الفهم لنصوص الكتاب والسنة ، وهكذا حينما نقول أيضًا في علم المصطلح: إنه بهذه المنزلة بالنسبة للحديث النبوي، يمكن للإنسان أن يعرف بواسطته صحيح الأخبار من سقيمها، فهذا العلم إذن هو كالميزان الذي يضبط الفهم؛ من أجل ألا يشطح في نظره في كتاب الله -تبارك وتعالى، وبهذا يكون مؤهلا لمعرفة صحيح التفسير من فاسده.

وأما الغاية أو الهدف الذي يصل إليه ويبتغيه الدارسون فأقول: هو معرفة معاني هذا القرآن؛ لأن هذا مرقاة لها وواسطة، وأيضا: العمل بعد ذلك، فبعد فهم هذا القرآن لابد من العمل بأحكامه؛ لأن الله -عز وجل- تعبدنا بذلك.

أنتقل بعد ذلك إلى النقطة السادسة، وهي ما يتعلق بنظرة تاريخية سريعة، تتعلق بنشأة هذا العلم، وتطوره، والمراحل التي مر بها، وهذه الأشياء التي أستعرضها الآن تحتاجون إليها لمعرفة تاريخ هذا العلم، وتحتاجون إليها عند النظر في كثير مما كتب في هذه القضية، فمن نظر في كثير من المؤلفات التي تكلم أصحابها على تاريخ هذا العلم، ونشأته، وتطوره يجد أشياء كثيرة جدًّا تحتاج إلى مناقشة، وقد حاولت أن أستقرئ لكم ذلك على قدر الجهد والطاقة من خلال الكتب التي تكلمت على هذه القضية، وأيضا: من خلال كتب المخطوطات -فهارس المخطوطات، وأيضًا: من خلال الكتب التي تكلمت عن الفنون، كالفهرست لابن النديم، ومثل كتاب: إيضاح المكنون، وأشباه ذلك من الكتب التي ألفها العلماء يسردون فيها المصنفات في مختلف العصور.

فأقول: نبدأ بالقرن الأول الهجري، ويمكن أن نقسم هذا القرن الأول الهجري إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: وهي العهد النبوي، في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم، ماذا تم في زمان النبي -صلى الله عليه وسلم- مما يتعلق بهذا العلم؟، نحن نعرف أن القرآن كان يتنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- في ثلاث وعشرين سنة ، وكان الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- من العرب، وكانوا أهل الفصاحة والبيان والبلاغة، فكانوا يدركون هذه المعاني التي خوطبوا بها، يدركونها غالبًا من لغتهم وسليقتهم، ونحن نعرف أن التفسير -كما جاء عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- على أربعة أنحاء: قسم تعرفه العرب بلغتها([1])، وهذا هو الشاهد، فكانوا يعرفون معاني هذا القرآن، يعرفون كثيرًا منها بفصاحتهم وسليقتهم العربية التي حباهم الله -عز وجل- بها، وإذا أشكل عليهم شيء من معانيه رجعوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فسألوه عن ذلك، فيبينه لهم، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبتدئهم أحيانًا بتفسير بعض الآيات، أو بعض القضايا، كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُقرئهم القرآن على الحروف التي يتيسر لهم القراءة بها، فبعدما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة نزلت الأحرف الستة الزائدة على حرف قريش، وأنتم تعلمون أن القرآن نزل على سبعة أحرف، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُقرئ أصحابه بحسب ما يتيسر لهم، كما أن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- لـمَّا عاصروا التنزيل، وشاهدوا الوقائع التي نزل فيها القرآن، وكانوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في السفر والحضر، في الليل والنهار، فعرفوا أماكن النزول، وهو: ما يسمى بالمكي والمدني، وعرفوا أوقات النزول، وعرفوا أيضًا أسباب النزول، وعرفوا الطرق التي ينزل بها القرآن على النبي -صلى الله عليه وسلم، وعرفوا وجوه القراءة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم، كما أن الواحد منهم ما كان يتجاوز خمس آيات، أو عشر آيات، حتى يتعلم ما فيها من العلم والعمل([2])، فكانوا يتعلمون العلم والعمل جميعًا، إذن: فقد تعلموا أحكام القرآن، وهذا نوع من أنواع العلوم القرآنية، علم أحكام القرآن، فإذن: تعلموا أسباب النزول، وأماكن النزول، ووجوه القراءة، وتعلموا أيضًا أوقات النزول، وتعلموا طرق نزول القرآن، وتعلموا الناسخ والمنسوخ، وما إلى ذلك من العلوم التي يُحتاج إليها، كالعام والخاص، والمطلق والمقيد، وغير ذلك، فهذا تعلمه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- منه، بمعايشتهم له، وبسماعهم منه، وبتلقيهم عنه -صلى الله عليه وسلم.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد اتخذ جماعة من الكتاب، يكتبون بين يديه ما ينزل من القرآن، فيكتبون الآية في العُسُب واللِّخاف وهي شرائح الحجارة -الحجارة الرقيقة، والأكتاف، أي: عظم الكتف؛ لأنه عريض، ويكتبون بما يتيسر لهم من الوسائل المختلفة، فيكتبون الآية بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويرشدهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مكان الآية من السورة، يقول: ضعوا هذه الآية في سورة كذا، في موضع كذا، فكانوا يؤلفون القرآن بين يدي سول الله -صلى الله عليه وسلم-، بمعني: يرتبونه بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم، والمقصود: أنهم كانوا يرتبون الآيات بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم، لأن ترتيب الآيات في داخل السور أمر توقيفي، أما ترتيب السور فسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.

إذن: هذه جملة من العلوم القرآنية عرفها أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في العهد النبوي.

والمرحلة الثانية: وهي عهد الخلفاء الراشدين، بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- جاء زمن الخلفاء الراشدين، فوقعت حروب الردة، فقتل في اليمامة فقط سبعون من القرّاء، والمراد بالقرّاء في اصطلاحهم في ذلك الوقت هم: أهل القرآن، الذين يحفظون الآيات، ويفقهون معانيها، فهم أهل العلم، فقتل منهم سبعون في وقعة اليمامة، وهذا يدل على أن الحفظة لكتاب الله -عز وجل- كانوا كثيرين، لم يكونوا أفرادًا كما يتصور بعض الناس، كانوا كثرة، حتى إنه قتل منهم في وقعة واحدة -وهي اليمامة- سبعون، من حمله القرآن، ومتى هذا؟، بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم.

إذن: حَفظَ القرآنَ كثيرٌ من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما قتلوا فزع عمر -رضي الله عنه، خاف أن يذهب شيء من القرآن، فأشار على أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أن يجمع القرآن، فأبو بكر -رضي الله عنه- تردد في أول الأمر -كما سيأتي، ثم شرح الله -عز وجل- صدره لذلك، فجاءوا بزيد بن ثابت -رضي الله عنه، وكان من حفظة القرآن، وممن شهد العرضة الأخيرة -وانتبهوا لهذه الجملة: كان ممن شهد العرضة الأخيرة التي عرضها النبي -صلى الله عليه وسلم- على جبريل مرتين في العام الذي توفي فيه، فهذا جواب عن سؤال كبير، وهو: لماذا اختير زيد بن ثابت، وتُرك كبار الصحابة كابن مسعود؟! ثم إن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- كان عند أبي بكر في المدينة، فاختاروه لذلك، فهو شهد العرضة الأخيرة، وكان يقرأ بقراءة قريش -بحرف قريش، والقرآن نزل على سبعة أحرف، وحرف قريش هو الحرف الذي كان يقرأ به عامة المهاجرين والأنصار، فهذه الجمل إجابات عن إشكالات كبيرة جدًّا، قد تعرض لك إذا قرأت في شيء من الكتب المدونة في القراءات، أو الأحرف، فحرف قريش هو الذي كان يقرأ به عامة المهاجرين والأنصار، وهو الذي نزل أولا بمكة، واستمر نزوله، ونزل معه ستة أحرف في المدينة، فاختير زيد بن ثابت لهذه المهمة، وتلكأ في أول الأمر، وتخوف، ثم بعد ذلك شرح الله صدره للقيام بهذا العمل، فجُمع القرآن في عهد أبي بكر -رضي الله عنه، جمع في صحف -من غير ميم، وهذه الصحف غير مرتبة السور([3])، وهل جمع على حرف واحد، أو جمع على السبعة الأحرف؟

الأقرب: أنهم جمعوه على حرف قريش -على قراءة قريش، ثم احتفظ به أبو بكر -رضي الله عنه- عنده احتياطًا، ثم لما مات أبو بكر -رضي الله عنه- صارت هذه الصحف إلى الخليفة من بعده، وهو عمر، واحتفظ بها، ثم لما مات عمر -رضي الله عنه- آلت الصحف إلى حفصة بنت عمر؛ لأنها وصية عمر، ثم لما جاء عثمان وأراد أن يجمع الناس على مصحف واحد طلب هذه الصحف من حفصة، فلم تكن عنده؛ لأنها آلت إليها.

فالحاصل: أنه في عهد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- جمع في صحف، ثم استمر الأمر على ذلك، وهو في هذه الصحف إلى خلافة عثمان فجمع المصحف، ومجموع الروايات في جمع المصحف كما سيأتي عند الكلام على القراءات -إن شاء الله- والأحرف السبعة، مجموع الروايات يدل على أمرين:

الأمر الأول: أن الغلمان اختلفوا في المدينة مع من يُقرئونهم في الكتاتيب، اختلفوا عليهم في القراءة، وتزامن ذلك مع الأمر الثاني وهو: أن الأجناد الذين كانوا في أرمينية وأذربيجان اختلفوا في القراءة، فهؤلاء عبارة عن جيوش جاءت من اليمن، ومن الحجاز، ومن الشام، ومن العراق، ومن أماكن مختلفة، اجتمعوا، فهؤلاء أقرأهم بعض الصحابة كأبي موسى الأشعري، وهؤلاء أقرأهم ابن مسعود، وهؤلاء أقرأهم حذيفة -رضي الله عنهم أجمعين، وهؤلاء أقرأهم معاذ بن جبل، فما الذي كان بعد ذلك؟ القرآن نزل على سبعة أحرف، هؤلاء الجنود كثير منهم ليسوا طلبة علم، ولا يعرفون هذه القضية، فصار الواحد منهم يسمع قراءة هذا من الشام، وقراءة هذا من العراق، وقراءة هذا من اليمن، وفيها نوع تغاير، فهذا يقرأ: {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} [المرسلات:33]، وهذا يقرأ: {كَأَنَّهُ جِمَالاَتٌ صُفْرٌ} [المرسلات:33]، فهذا يقول: أنت خطأ، وهذا يقول: أنت المخطئ، وتجادلوا، فغضب حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه، وقال: تقولون: قراءة ابن مسعود، وقراءة أبي موسى الأشعري، والله لأركبن إلى عثمان -من أرمينية، فليجعلنه على قراءة واحدة, فذهب إلى عثمان، وذكر له الخبر([4]).

فتزامنت هذه القضية مع القضية الأخرى التي هي: اختلاف التلاميذ في المدينة على شيوخهم، هذا يقول: تُقرأ هكذا، وهذا يقول: تُقرأ هكذا، والقرآن نزل على سبعة أحرف، كلها صحيحة, لكن لجهل هذا بالوجه الآخر أنكره؛ لعدم علمه به، فجاء عثمان -رضي الله عنه- وجمع الصحابة جميعًا، ومنهم على بن أبي طالب -رضي الله عنه، فجمعهم جميعًا، ثم عرض عليهم هذا الأمر، فقالوا: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نجعلها على قراءة واحدة، والسبب في ذلك -كما سيأتي إن شاء الله في الكلام على القراءات والأحرف: أن الأحرف الستة نزلت بعد ذلك في المدينة تخفيفًا؛ لـمَّا كثر الداخلون في الإسلام من القبائل الأخرى، فكانت تخفيفًا، وكانت رخصة، كما قال ابن جرير الطبري -رحمه الله- كبير المفسرين([5])، فلما استُغني عن هذه الرخصة، وذلت ألسن الناس بالقرآن، وسببت هذه الرخصة فيما بعد إشكالا عند الناس واختلافًا رأى أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يستغنوا عن باقي الأحرف، وهذه الأحرف الباقية هي وجوه أخرى في القراءة، يعني: لم يتركوا آية من القرآن، ولم يتركوا كلمة واحدة، إنما تركوا باقي الأوجه التي يُقرأ فيها القرآن من الأحرف الستة الأخرى، ثم بعد ذلك جعلوه على حرف قريش، وكتب عثمان مجموعة من المصاحف، بعضهم يقول: خمسة، وبعضهم يقول: سبعة، وبعضهم يقول غير ذلك، ولا يصح في العدد رواية، فأرسل بعضها إلى العراق، والكوفة، والبصرة، واليمن، وأرسل إلى الشام، ويقال: أرسل إلى البحرين واحدًا، وأرسل إلى مكة واحدًا، وأبقى عنده في المدينة واحدًا، ولم يرسل إلى مصر في ذلك الوقت شيئًا.

الآن هذه المصاحف كتبت بطريقة خاصة، هذه الطريقة هي التي عرفت فيما بعد بما يسمى: بالرسم العثماني، فهذا العلم الآن صار من العلوم التي تدرس في بعض الجامعات، وفيه مؤلفات، وفيه نظم يحفظه الطلاب، ويدرسون شرحه، وفيه قواعد، فهو علم من العلوم القرآنية، اسمه: علم الرسم العثماني، كيف تكتب هذه الكلمة؟ كيف تكتب الصلاة بالواو مثلا؟ فهنا تكتب بصورة معينة، وهنا تكتبها بصورة معينة، هذا العلم اسمه: علم الرسم العثماني، متى وجد هذا إذن؟، في زمن الخلفاء الراشدين، وبالتحديد في زمن عثمان -رضي الله عنه.

ومما يذكر في هذا الشأن أيضًا إن صح ما نقله السيوطي في كتاب الإتقان عن ابن أشتة في كتابه المصاحف، فابن أشتة له كتاب مسند بالأسانيد اسمه: كتاب المصاحف، وهناك كتاب آخر اسمه: المصاحف أيضًا لابن أبي داود السجستاني، فيه الروايات المتعلقة بكتابة القرآن، وأشياء تتعلق بجمعه، وأشياء تتعلق ببعض وجوه القراءة، وكتاب ابن أشتة هذا مفقود، لم يصل إلينا، وإنما نقل منه السيوطي هذه الرواية من غير إسناد، وهذه الرواية تقول: إن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، هذه الرواية يرويها لنا عن علي -رضي الله عنه- رجل من علماء التابعين، وهو ابن سيرين، يقول ابن سيرين: "فطلبت ذلك الكتاب، وكتبت فيه إلى المدينة، فلم أقدر عليه"([6]).

وقد ساق الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله- في كتابه التمهيد بإسناده إلى ابن سيرين أنه قال: لما بويع أبو بكر أبطأ عليٌّ عن بيعته، فجلس عليٌّ في بيته، فبعث إليه أبو بكر ما بطّأك عني؟ لماذا تأخرت عن البيعة؟ أكرهت إمرتي؟، لماذا بايع الناس ولم تبايع؟ وهذا رد على الرافضة، فقال علي: ما كرهت إمارتك، ولكني آليت -بمعنى حلفت، آليت أن لا أرتدي ردائي إلا إلى صلاة حتى أجمع المصحف, قال ابن سيرين: "وبلغني أنه كتبه على تنزيله، يعني: كتبه مرتبًا على النزول، ولو أُصيبَ ذلك الكتابُ لوُجد فيه علم كثير"([7]).

في هذه الرواية ابن سيرين يروي لنا قضية بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم، هل أدركها ابن سيرين؟ الجواب: لا، فهذا عند علماء الحديث ماذا يسمى؟ يقال له: المرسل.

يقول ابن عبد البر -رحمه الله- بعدما ساق هذه الرواية معلقًا: "أجمع أهل العلم بالحديث أن ابن سيرين أصح التابعين مراسيل، وأنه كان لا يروي ولا يأخذ إلا عن ثقة، وأن مراسيله صحاح كلها، ليس كالحسن وعطاء في ذلك، والله أعلم"([8]).

هذا الكلام من ابن عبد البر ماذا يعني؟ يدل على ماذا؟ يدل على أنه يصحح هذه الرواية المرسلة عن ابن سيرين -رحمه الله.

إذن: هذا الذي حدث في فترة الخلفاء الراشدين.

والمرحلة الثالثة: وهي ما بعد الخلفاء الراشدين إلى نهاية القرن الأول الهجري، فمما يذكر في ذلك: أن زيادًا -وهو الأمير المعروف الذي يقال له: زياد بن أبيه، واستلحقه أبو سفيان فقيل له: زياد بن أبي سفيان- أمر أبا الأسود الدؤلي فوضع قواعد الشكل على المصاحف([9]).

وهذا هو المشهور: أن زيادًا هو الذي أمر أبا الأسود الدؤلي في ذلك، خلافًا لما هو متعارف عليه عند النحاة: أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أمر أبا الأسود الدؤلي بوضع قواعد النحو صيانة للنطق، وضبطًا للقلم([10])، فلو قلنا بهذا -أي أن عليًّا -رضي الله عنه- هو الذي أمر أبا الأسود الدؤلي بوضع قواعد النحو- فيكون هذا ضمن الإنجازات في زمن الخلفاء الراشدين فيما يتعلق بعلوم القرآن؛ لأن هذا يتصل بأي علم من علوم القرآن؟، يتصل بإعراب القرآن، فمن علوم القرآن علم إعراب القرآن، هذا لو صح، لكنه لا يصح وإن اشتهر عند النحاة؛ لأن هذه القصة جاءت بإسناد لا يثبت، يعني: أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- هو الذي أمر أبا الأسود الدؤلي بوضع قواعد النحو، حتى إن النحاة -وهذه فائدة عرضًا أذكرها- حينما يقولون: لماذا سمي علم النحو بالنحو؟ يذكرون لهذا عدة تعليلات، منها: يقولون: إن عليًّا -رضي الله عنه- قال لأبي الأسود الدؤلي: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، ثم ذكر له بعض التفصيلات القليلة، ثم قال له: وانحُ نحو هذا([11])، يعني: انسج على هذا المنوال حتى تأتي على أجزاء هذا العلم وفروعه، فيقولون: لهذا سمي علم النحو بهذا الاسم، لكن هذه القصة لا تصح من جهة الإسناد.

إذن: قضية وضع ضوابط التشكيل على المصحف كانت بعد زمن الخلفاء الراشدين، وهكذا كانت المصاحف التي كتبها عثمان من غير نَقْط، وكانت من غير تشكيل، ما كان فيها لا ضمة، ولا فتحة، ولا كسرة، ولا سكون، وأيضًا من غير نقْط، فمن الذي وضع لها الشكل؟

في بعض الروايات: أن الذي وضعه أبو الأسود الدؤلي بأمر زياد([12])، وفي بعضها: أن الذي وضعه غير أبي الأسود الدؤلي.

وكذلك النَّقْط اختلفوا فيه، من الذي نقطها؟ لكنها نُقطت قطعًا بعد زمن الخلفاء الراشدين، فبعضهم كما يقول الداني في كتابه نَقْط المصاحف، يقول: "الذي نقطها هو أبو الأسود الدؤلي"([13]).

وبعضهم يقول: هو: نصر بن عاصم الليثي، المتوفى سنة 89 هـ([14])، وإن نصر بن عاصم الليثي هو الذي خمّسها وعشّرها([15])، ما معنى خمّسها؟ يعني: مثل الأجزاء الآن، جزء ونصف جزء، حزب وربع حزب، فأسباع القرآن وأخماس القرآن، يعني: تقسيم القرآن إلى خمسة أجزاء، خمّسها، وعشّرها يعني: تقسيمه إلى عشرة أجزاء، بحيث يُقرأ كاملا في كل عشرة أيام.

إذن: في بعض الروايات أن نصر بن عاصم الليثي المتوفى سنة 89 هـ هو الذي نقط المصاحف، هو أول من نقطها، وأنه هو الذي خمّسها وعشّرها.

وجاء في بعض الروايات أن ابن سيرين كان عنده مصحف نقطه يحيى بن يعمر المتوفى سنة 89 هـ، وقيل: 129هـ([16]).

وجاء أيضا: أن يحيى هو أول من نقطها([17]).

وأكثر العلماء على أن المبتدئ بذلك هو أبو الأسود الدؤلي، الذي جعل الحركات والتنوين فقط، ثم جاء بعده الخليل بن أحمد الفراهيدي، فحسن هذه الحركات، وأدخل عليها أشياء، مثل: الهمز، والتشديد، والروم، والإشمام([18]).

وبعض العلماء يقولون: إن الحجاج بن يوسف الثقفي هو أول من أمر بنقط المصاحف، وبتجزئتها([19]).

والحجاج كانت له جهود معروفة؛ لشدة عنايته بالقرآن، فهو من أكثر الأمراء عناية بالقرآن، حتى إنه جاء ببعض أئمة التابعين، كالحسن البصري، وأعطاهم شعيرًا، وأمرهم أن يعدوا حروف القرآن حرفًا حرفًا، فيقف عند النصف، والربع، والثلث، إلى أي حرف ينتهي، ويعدون الكلمات إلى أي حد تنتهي هذه الكلمة([20])، فهذا كان من زمن الحجاج، يعني: في القرن الأول الهجري عرفوا حروف القرآن، وعدد حروف القرآن، ومن نظر في الكتب المدونة كفنون الأفنان لابن الجوزي فسيجد أنهم يذكرون عدد كل حرف كم تكرر من مرة في كتاب الله -عز وجل، الميم كم تكرر، والدال، والسين، وما إلى ذلك، فوصلوا إلى هذا الحد، ويظن بعض الناس اليوم أن هذه العناية بالعدد ما وُجدت إلا هذه الأيام، وجاءوا لنا بما يسمى بالإعجاز العددي، هاهم عدوا من القرن الأول هذه الحروف بهذه الدقة.

فأقول أيها الإخوان: من الجهود المبذولة أيضًا في تلك الفترة -ما بعد عهد الخلفاء الراشدين: أن يحيى بن يعمر المتوفى سنة 89 هـ، كتب أيضا كتابًا في القراءة، جمع فيه اختلافات المصاحف المشهورة، لاحظ: هذا متوفى سنة كم؟ سنة 89 هـ، وإذا نظرت إلى الكتب المؤلفة في تاريخ القرآن فإن عامة هذه الكتب -إن لم يكن جميع هذه الكتب- إذا ذكروا أول جهد مبذول في ذلك ذكروا سفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج، وأمثال هؤلاء ممن تأخروا عن هذا الوقت زمنًا طويلا، فهذا يحيى بن يعمر المتوفى سنة 89 هـ كتب كتابًا في القراءة جمع فيه اختلافات المصاحف المشهورة، يعنى: وجوه القراءة التي فيها.

وذُكر أيضًا: أن سعيد بن جبير -رحمه الله- الذي قتله الحجاج سنة 94 هـ، أنه كتب تفسيرًا للقرآن لعبد الملك بن مروان، وعبد الملك بن مروان توفي سنة 86 هـ، ومعنى هذا: أن هذا التفسير كتب في وقت مبكر، يعني: قبل سنة 86 هـ، فعبد الملك بن مروان طلب من سعيد بن جبير أن يكتب له تفسيرًا، فكتب له تفسيرًا([21])، وبقي محفوظًا عند عبد الملك بن مروان.

وقد جاء في ترجمة عطاء بن دينار: قال أحمد بن صالح: "وتفسيره -يعني: عطاء بن دينار الذي يرويه عن سعيد بن جبير- فيما يروي عن سعيد بن جبير صحيفة"([22])، من أين جاءت هذه الصحيفة؟، هي التي كتبها سعيد لعبد الملك بن مروان.

وقال ابن أبي حاتم: "سئل أبي -يعني: أبا حاتم- عن عطاء بن دينار، فقال: هو: صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير"([23])، يعني: يرويه صحيفة، لا يرويه مشافهة، فهذا هو القرن الأول الهجري.

بعد ذلك جاء القرن الثاني الهجري، ووجدت فيه أشياء وكتابات، وبعض هذه الكتابات في الواقع كانت في القرن الأول الهجري، لكني صنفتها ضمن القرن الثاني بناء على تاريخ الوفاة فقط، تاريخ وفاة المؤلف، فمثلا: مجاهد بن جبر توفي سنة 104 هـ، فإذا نظرنا في الكتب التي تذكر فهارس المصنفات نجد أن مجاهد بن جبر كان له تفسير، وكذلك أيضا الضحاك بن مزاحم المتوفى سنة 105 هـ، كان له تفسير، وكذلك أيضا عكرمة مولى ابن عباس -رضي الله عنهما- المتوفى سنة 107 هـ، لكن متى جمعوا هذه الصحف في التفسير؟ لربما يكون قبل ذلك بمدة، يعني: في القرن الأول الهجري، وكذلك محمد بن كعب القرظي المتوفى سنة 108 هـ، كانت له أيضًا صحيفة في التفسير، وهكذا أيضًا الحسن البصري المتوفى سنة 110 هـ، كان له جزء في عد الآي، عدد آيات القرآن، وله أيضا جزء في نزول القرآن، وهكذا عطاء بن أبي رباح المتوفى سنة 114 هـ، له أيضًا تفسير، وهكذا أيضا قتادة السدوسي المتوفى سنة 117 هـ، وقيل: 118 هـ، كان له عواشر القرآن، والناسخ والمنسوخ، وهكذا عبد الله بن عامر اليحصبي المتوفى سنة 118 هـ، له اختلافات مصاحف الشام والحجاز والعراق، وله أيضًا جزء آخر اسمه: المقطوع والموصول، وغير هؤلاء كثير، كشعبة بن الحجاج بعد ذلك، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وابن جريج، وابن وهب.

وكان الغالب في التأليف في تلك المرحلة: الرواية، سرد الروايات، ولربما دخل مع التفسير أشياء أخرى من الحديث؛ لأنهم كانوا لربما جمعوا صحفًا في الحديث، منها ما يكون من قبيل التفسير للقرآن، ومنها ما يكون في غير ذلك من الموضوعات.

بعد ذلك جاء القرن الثالث الهجري، فكثر التأليف جدًّا، وأذكر على سبيل المثال فقط كتاب الناسخ والمنسوخ لعبد الوهاب الخفاف المتوفى سنة 204 هـ، وكتاب الناسخ والمنسوخ لحجاج الأعور المتوفى سنة 206 هـ، فكما تلاحظون قرب وفاة هؤلاء من القرن الثاني الهجري، فغالبا أن هذه المؤلفات كتبت في القرن الثاني الهجري، وكتاب إعراب القرآن لعبد الملك بن حبيب القرطبي المتوفى سنة 238 هـ، وكتاب إعراب القرآن لأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني المتوفى سنة 248 هـ، وكتاب إعراب القرآن لأبي العباس المبرد المتوفى سنة 286 هـ، وكتاب إعراب القرآن لأبي العباس ثعلب المتوفى سنة 291 هـ، وغير هؤلاء كثير، كعبد الرزاق الصنعاني المتوفى سنة 211 هـ، وتفسيره موجود مطبوع، وأيضا أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة 224 هـ، له كتاب في القراءات، وله كتاب في الناسخ والمنسوخ، وله كتاب في فضائل القرآن مطبوع، وهو من أجل كتب فضائل القرآن، وفيه أكثر من تسعمائة رواية وأثر بالإسناد، وكذلك ابن المديني المتوفى سنة 234 هـ، ألف أسباب النزول، وابن قتيبة المتوفى: سنة 276 هـ، ألف مشكل القرآن، وغيره، فهؤلاء العلماء ألفوا في تلك الفترة، في القرن الثالث الهجري، وما ذكرته إنما هو مجرد أمثلة.

بعد ذلك جاء القرن الرابع الهجري، وفيه كثر التأليف عما هو عليه في القرون قبله، وفي هذا القرن أكتفي بذكر بعض الكتب التي انتقيتها لسبب وهو أن بعض العلماء، أو بعض من كتب يقولون: إنها كتب أُلفت في علوم القرآن خاصة، فأذكرها بدلا من أن أذكر كتبًا في الناسخ والمنسوخ والتفسير وما إلى ذلك.

فمن هذه الكتب: كتاب اسمه: الحاوي في علوم القرآن لمحمد بن خلف بن المَرزبان المتوفى سنة 309 هـ، هذا الكتاب كتب في القرن الرابع الهجري، فالعنوان كما ترون: الحاوي في علوم القرآن، فهل هذا الكتاب في علوم القرآن؟، الجواب: أن هذا الكتاب ليس في علوم القرآن، هذا الكتاب يقع في سبعة وعشرين جزءًا، وهو مفقود، وهذا الكتاب الذي يقع في سبعة وعشرين جزءًا هو من كتب التفسير بلا شك، وإن كان اسمه: الحاوي في علوم القرآن.

ومما أُلف في هذا القرن -القرن الرابع الهجري- كتاب الاستغناء في علوم القرآن لمحمد بن علي الأذفوي المتوفى سنة 388 هـ، فأنتم حينما تقرءون أول كتاب أُلف في هذا الفن فستجدون أن بعضهم يذكر هذا، وبعضهم يذكر هذا، وبعضهم يذكر كتبًا أخرى سأذكرها([24])، والواقع: أنها ليست في علوم القرآن، فهذا الكتاب قال عنه الداودي في كتابه: طبقات المفسرين: "وله كتاب في تفسير القرآن، سماه: الاستغناء، في مائة وعشرين مجلدًا، صنفه في اثنتي عشرة سنة "([25])، وبعضهم يذكر عنوانه: الاستغناء في علوم القرآن، فهذا الكتاب الذي يقع في مائة وعشرين مجلدًا، وألفه في اثنتي عشرة سنة هل هو في علوم القرآن؟ الجواب: لا، إنما هو كتاب من كتب التفسير، ولكن ما اسمه؟ اسمه: الاستغناء في علوم القرآن، وهذا الكتاب موجود، وقد حقق أحد الباحثين سورة الفاتحة منه، مع دراسة للكتاب.

ومن ذلك أيضا: كتاب تفسير القرآن لأبي الحسن الأشعري المتوفى سنة 324 هـ، وهذا الكتاب ذكرته لسبب، وهو أن بعض العلماء قالوا: إن هذا الكتاب هو كتاب المختزن في علوم القرآن لأبي الحسن الأشعري، وليس كذلك، فهذا الكتاب الذي اسمه: تفسير القرآن قال عنه المؤلف في تبيين كذب المفتري فيما نقله ابن عساكر، قال عنه: "وألفنا كتاب تفسير القرآن، رددنا فيه على الجُبائي والبلخي ما حرفا من تأويله"([26])، فهذا تفسير القرآن.

وأبو الحسن الأشعري أيضًا له كتاب آخر، اسمه: المختزن في علوم القرآن، وهما كتابان في الواقع، وليس كما ظن بعض المؤلفين أنهما كتاب واحد، فكتاب المختزن في موضوع آخر، يقول عنه مؤلفه: "وألفنا كتابًا في ضروب من الكلام، سميناه: المختزن، ذكرنا فيه مسائل للمخالفين لم يسألونا عنها، ولا سطروها في كتبهم، ولم يتجهوا للسؤال، وأجبنا عنها بما وفقنا الله تعالى له"([27])، وهذا الكتاب سماه الداودي في كتابه: طبقات المفسرين: المختزن في علوم القرآن، وقال عنه الداودي: "كتاب عظيم جدًّا، بلغ فيه سورة الكهف، وقد انتهى مائة جزء، وقيل: إنه أكبر من هذا"([28])، فإذن هذا الكتاب ليس في علوم القرآن.

وتاج هذه الكتب في القرن الرابع الهجري، وفي كل قرن مما كتب فيه في التفسير هو: تفسير كبير المفسرين، جامع البيان في تفسير القرآن لمحمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة 310 هـ، فهو أجلّ هذه الكتب، وأعظمها، وأكثرها نفعًا، والأمر كما قيل: الصيد في جوف الفراء.

ثم بعد ذلك كثر التأليف، وتتبُّع ذلك قرنًا قرنًا أمر يصعب، ولربما يطول؛ لذلك سأذكر الكتب المؤلفة في علوم القرآن فقط مما يكون حقيقة في هذا الفن، وليس مجرد عنوان مع مخالفة في المضمون، فمن الكتب المؤلفة في علوم القرآن:

كتاب صنفه ابن الجوزي، وهو مطبوع متداول، طبع عدة طبعات، اسمه: فنون الأفنان في عيون علوم القرآن، وابن الجوزي توفي سنة 597 هـ، يعني: في القرن السادس الهجري، وله كتاب آخر اسمه: المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن.

ثم جاء بعد ذلك السخاوي علم الدين المتوفي سنة 643 هـ، فألف في عدة موضوعات، فألف في الناسخ والمنسوخ، وقضايا متعددة، ثم ضم بعضها إلى بعض في كتاب واحد، سماه: جمال القُرَّاء وكمال الإقراء، وهذا الكتاب مطبوع متداول.

ثم جاء بعده أبو شامة المتوفى سنة 665 هـ، فصنف كتابًا سماه: المرشد الوجيز في علوم تتعلق بالكتاب العزيز، واقتصر فيه على بعض الموضوعات الأساسية، كجمع القرآن، وما يتعلق بالأحرف، وما يتعلق بالقراءات، وهذه أدق الموضوعات، وأخطر الموضوعات، فاقتصر على هذه الأشياء الضرورية، وترك الباقي، ولو أنه ألف في باقي الموضوعات على هذا المنوال لكان هذا الكتاب لا يجارى ولا يبارى في التحقيق والإتقان والضبط وتنقيح المعلومات، لكنه اقتصر على هذه الموضوعات الأساسية الدقيقة التي يشغب عليها الزنادقة كثيرًا قديمًا وحديثًا، فاقتصر في التأليف عليها، وليته كتب في الباقي، وأظن أنه لو كتب في باقي الموضوعات لكان كتابه مغنيًا عن كثير من الكتب، وكان غاية في التحقيق -والله تعالى أعلم، وهذا الكتاب مع جلالة قدره، وعظم ما فيه من التحقيق والتحرير، إلا أنه غير مشهور، وكان قبل مدة ليست بالبعيدة لا وجود له في الأسواق، مع أنه طبع قديمًا، وأما الآن فهو مطبوع ومتوفر.

بعد ذلك جاء الطوفي المتوفى سنة 716 هـ، فألّف كتابًا سماه: الإكسير في علوم التفسير، وهو مطبوع، وهذا الكتاب غلّب فيه الجوانب اللغوية والبلاغية.

ثم جاء بعد ذلك الزركشي المتوفى سنة 794 هـ، فألف كتابًا جامعًا، وهو من أجمع الكتب المؤلفة في هذا الفن إلى يومنا هذا، وهو من العمد، ومن خزائن هذا العلم، كتاب: البرهان في علوم القرآن، وهو مطبوع متداول.

ثم جاء بعد ذلك جلال الدين البلقيني المتوفى سنة 824 هـ، فألّف كتابًا سماه: مواقع العلوم من مواقع النجوم، قال عنه السيوطي: "فرأيته تأليفًا لطيفًا، ومجموعًا ظريفًا، ذا ترتيب وتقرير، وتنويع وتحبير"([29]).

وفي هذا القرن أيضًا -وهو القرن التاسع الهجري- جاء محمد بن سليمان الكافِيَجي، قيل له: الكافِيَجي؛ لكثرة اشتغاله بالكافية في النحو، فقيل له ذلك، وهو متوفى سنة 873 هـ، فألّف كتابًا في هذا، قال عنه السيوطي: "فإذا هو صغير الحجم جدًّا، وحاصل ما فيه بابان..، إلى أن قال: فلم يشفِ لي ذلك غليلا، ولم يهدني إلى المقصود سبيلا"([30])، يعني: الكافِيَجي ألف كتابًا مختصرًا ما وصل إلينا.

بعد ذلك جاء السيوطي بموسوعته المشهورة، وهو كتابه الإتقان في علوم القرآن، والسيوطي توفي سنة 911 هـ، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله، وصحبه.

 

[1]- أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره = جامع البيان، ت شاكر (1/75)، رقم: (71).

[2]- أخرجه أحمد، رقم: (23482)، وقال محققو المسند: إسناده حسن من أجل عطاء، وهو: ابن السائب، والحاكم في المستدرك على الصحيحين: (1/743)، كتاب فضائل القرآن، أخبار في فضائل القرآن جملة، رقم: (2047)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

[3]- أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، رقم: (4986).

[4]- أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، رقم: (4987).

[5]- انظر: تفسير الطبري = جامع البيان، ت شاكر (1/64).

[6]- انظر: الإتقان في علوم القرآن (1/204).

[7]- انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (8/300،301).

[8]- انظر: المصدر السابق (8/301).

[9]- انظر: المحكم في نقط المصاحف لأبي عمرو الداني (ص:3،4).

[10]- انظر: طبقات النحويين واللغويين (ص:21)، وانظر: غرر الخصائص الواضحة (ص:248،249)، وإنباه الرواة على أنباه النحاة (1/39).

[11]- انظر: شرح أدب الكاتب (ص:38)، وانظر: غرر الخصائص الواضحة (ص:248،249).

[12]- انظر: المحكم في نقط المصاحف لأبي عمرو الداني (ص:3،4).

[13]- انظر: النقط لأبي عمرو الداني (ص:129).

[14]- انظر: المحكم في نقط المصاحف لأبي عمرو الداني (ص:6).

[15]- انظر: المصدر نفسه.

[16]- انظر: النقط لأبي عمرو الداني (ص:129).

[17]- انظر: المحكم في نقط المصاحف لأبي عمرو الداني (ص:5).

[18]- انظر: النقط لأبي عمرو الداني (ص:129).

[19]- انظر: وفيات الأعيان (2/32).

[20]- انظر: المصاحف لابن أبي داود (ص:276،277)، وانظر: البيان في عد آي القرآن (ص:74).

[21]- انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (6/332).

[22]- انظر: المصدر نفسه.

[23]- انظر: المصدر نفسه.

[24]- انظر: جمال القراء وكمال الإقراء، ت عبد الحق (1/11)، وانظر: دراسات في علوم القرآن - فهد الرومي (ص:41).

[25]- انظر: طبقات المفسرين للداوودي (2/197).

[26]- انظر: تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري (ص:134).

[27]- انظر: المصدر السابق (ص:133).

[28]- انظر: طبقات المفسرين للداوودي (1/398).

[29]- انظر: الإتقان في علوم القرآن (1/17).

[30]- انظر: المصدر السابق (1/16،17).

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، أما بعد:

فكنا نستعرض سابقًا بعض المؤلفات في علوم القرآن، وتوقفنا عند القرن العاشر للهجرة، وقلنا: إن السيوطي -رحمه الله- المتوفى سنة 911 هـ، ألّف كتابين مشهورين في هذا الفن، الكتاب الأول هو كتاب: التحبير في علوم التفسير، وهذا الكتاب طبع في مجلد، ويحتوي على اثنين ومائة من الأنواع، وأما الكتاب الثاني وهو أوسع منه بكثير فهو كتابه: الإتقان في علوم القرآن، وهذا الكتاب حسب ما أعرفه وحسب ما بلغنا من المؤلفات في هذا الفن يعد أوسع المؤلفات، وهو: خزانة هذا العلم حقيقة، وتجد فيه ما تفرق عن غيره، وأستطيع أن أقول: إن المؤلفات في هذا الفن أهمها وأجلها وأعظمها كتابان:

الكتاب الأول: هو كتاب: البرهان للزركشي، الذي سبق ذكره، ويحتوي على سبعة وأربعين نوعًا.

والكتاب الثاني: هو كتاب: الإتقان للسيوطي، ويحتوى على ثمانين نوعًا.

وأما ما ذكره السيوطي في كتابه: التحبير من الأنواع التي زادت على المائة فإنما ذلك يرجع إلى أنه مولع بالتشقيق، فهو يشقق الموضوعات، فيجعل الموضوع الواحد موضوعات شتى، وهذا أمر فني لا يؤثر في مضمون الكتاب، فكثرة هذه الموضوعات التي ذكرها بحسب العناوين لا تدل على أن كتاب التحبير أوسع من كتاب الإتقان، بل إن كتاب الإتقان أوسع وأعظم وأنفع وأجل، ولا مقارنة بينه وبين كتاب التحبير.

وحقيقة الأمر: أن السيوطي -رحمه الله-، مع أنه ذكر في مقدمة الكتاب جملة من الكتب التي وقف عليها، وذكر أنها صغيرة، وأنها لا تفي، لم يذكر معها كتاب البرهان، ثم ذكر بعد ذلك أنه وقف عليه بعدما فرغ من تأليف كتابه الإتقان([1])، فنحن نقول بأنه -رحمه الله- بعدما فرغ من كتابه الإتقان، ووجد كتاب البرهان، أعاد الكرة ثانية، فأخذ كتاب البرهان وضمنه في كتابه الإتقان، فكتاب البرهان في علوم القرآن للزركشي هو في الواقع في بطن كتاب الإتقان، ومن أراد أن يحصِّل مرجعًا موسوعيًّا واحدًا فعليه بكتاب الإتقان، وليس بحاجة إن كان من غير أهل الاختصاص إلى كتاب البرهان؛ لأنه في الواقع مضمن في كتاب الإتقان، فالسيوطي جمع ما في البرهان وزاد عليه.

وهذه الموضوعات الكثيرة التي بلغ بها ثمانين نوعًا يمكن أن تختزل في نصف هذا العدد تقريبًا، كما فعل الزركشي -رحمه الله- حيث جعل كتابه في سبعة وأربعين نوعًا، وإذا أردت أن تعرف حقيقة ذلك فهو مثلا: يذكر في النوع الأول: معرفة المكي والمدني، وفي الثاني: معرفة الحضري والسفري، وفي الثالث: النهاري والليلي، وفي الرابع: الصيفي والشتائي، والخامس: الفراشي والنومي، والسادس: الأرضي والسمائي، والسابع: معرفة أول ما نزل، والثامن: معرفة آخر ما نزل([2])، مع أن هذه الموضوعات كما ترون يمكن أن يُدمج بعضها في بعض تحت عنوان متقارب، فيمكن أن نقول: معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل في نوع واحد، فهو يجعل أول ما نزل في نوع، وآخر ما نزل في نوع آخر، وهكذا يقول: النوع التاسع: معرفة سبب النزول، العاشر: فيما أنزل من القرآن على لسان بعض الصحابة، النوع الحادي عشر: ما تكرر نزوله، النوع الثاني عشر: ما تأخر حكمه عن نزوله، وما تأخر نزوله عن حكمه، النوع الثالث عشر: ما نزل مفرقًا، وما نزل جمعًا، الرابع عشر: ما نزل مشيعًا، وما نزل مفردًا، الخامس عشر: ما أنزل منه على بعض الأنبياء، وما لم ينزل منه على أحد قبل النبي -صلى الله عليه وسلم، السادس عشر: في كيفية إنزاله، السابع عشر: في معرفة أسمائه، وأسماء سوره([3])، وأنا أذكر هذه لفائدة؛ لتتصور كثرة الموضوعات التي تعالج في هذا الفن، وأنا أذكر أغلبها فيما أذكره في هذه المجالس، وإن لم أجعل لها عنوانًا خاصًّا.

الحاصل: أنه ذكر على هذه الطريقة، إلى أن قال مثلا: النوع الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والعشرون: معرفة المتواتر، والمشهور، والآحاد، والشاذ، والموضوع، والمدرج([4])، فجعل كل نوع من هذه الأنواع، جعله نوعًا مستقلا قائمًا بذاته، مع أن هذه جميعًا يمكن أن تجعل تحت نوع واحد، وهكذا، فهذا كتاب الإتقان للسيوطي، وهذا الكتاب يصلح مرجعًا لهذا العلم، وجمع فيه السيوطي ما هب ودب ودرج، فجمع فيه بين الغث والسمين، ففيه أمور قيمة نافعة مفيدة، وفيه أمور لا تصلح من العقائد الفاسدة، ومن الأقوال الساقطة، وفيه من الروايات الشيء الكثير، من الروايات الصحيحة، والروايات الضعيفة، بل والروايات الموضوعة، بل فيه بعض الأخبار الإسرائيلية، فهذا الكتاب هو كتاب موسوعي، يجمع الغث والسمين، لم ينقحه، والكتاب بحاجة إلى تهذيب، وقد اختصره بعض طلبة العلم، ولكن هذا الاختصار لا يحصل به المقصود في ظني، والله تعالى أعلم.

وجاء بعد السيوطي -رحمه الله- شمس الدين الحنفي، المعروف بابن عقيلة، المتوفى سنة 1150 هـ، فألّف كتابًا سماه: الزيادة والإحسان في علوم القرآن، وهذا الكتاب أيضًا مختصر لكتاب الإتقان للسيوطي.

ثم بعد ذلك حصل للتأليف شيء من الضعف والفتور، أو ما يشبه الانقطاع، ثم بعد ذلك في هذا العصر الحديث جاءت كثير من المؤلفات التي منها: كتاب التبيان في علوم القرآن للشيخ طاهر الجزائري، المتوفى سنة 1268 هـ، وكتاب منهج الفرقان في علوم القرآن للشيخ محمد سلامة، المتوفى سنة 1362 هـ، وكذلك الزرقاني في كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن، وهو من أجل هذه الكتب، ومن أنفعها، وقد اقتصر فيه على الأنواع المهمة في هذا العلم، إلا أنه أدخل فيه شيئًا كثيرًا من المباحث الكلامية، والعقائد الأشعرية، وكذلك أيضًا حشا هذا الكتاب ببعض الأشياء المرجوحة، فهو بحاجة أيضًا إلى تنقيح وتحرير، وهناك كتب أخرى كثيرة تملأ المكتبات.

وهكذا نجد العلماء في كثير من الأحيان يذكرون مسائل هذا الفن في مقدمات كتبهم في التفسير، كما فعل جماعة، كابن جرير الطبري -رحمه الله، والراغب الأصفهاني، والأخير كتابه في التفسير غير موجود، ولكن وُجدت منه قطعة فيها المقدمات التي تتعلق بعلوم القرآن، وفيها تفسير سورة الفاتحة، وقد حققت، وهي مطبوعة ومفيدة ونافعة، وكذلك من المقدمات المفيدة: مقدمة القرطبي على تفسيره الجامع لأحكام القرآن، وكذلك ابن عطية في مقدمته لتفسيره المحرر الوجيز، وهكذا السيوطي الذي جعل كتاب الإتقان هذا الكتاب الكبير جعله مقدمة ومدخلا لتفسيره الكبير الذي شرع في تصنيفه وما أتمه، وسماه: مجمع البحرين ومطلع البدرين، قال عنه السيوطي -رحمه الله: "وقد جعلته -أي: الإتقان- مقدمة للتفسير الكبير الذي شرعت فيه، وسميته بمجمع البحرين ومطلع البدرين، الجامع لتحرير الرواية، وتقرير الدراية"([5])، فهذا الكتاب مقدمة لهذا التفسير، فلك أن تتصور ضخامة هذا التفسير لو أنه اكتمل، وهكذا القاسمي -رحمه الله- وضع مقدمة كبيرة لربما زادت على ثلاثمائة صفحة، جعلها مقدمة لكتابه محاسن التأويل، وجعل لها عنوانًا: مقدمات خطيرة، وفي الواقع هذه المقدمات مأخوذة من كلام الشاطبي -رحمه الله- في كتابه الموافقات، ومأخوذة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مثل كتابه الإكليل في المتشابه والتأويل، وكذلك في كتاب مقدمة أصول التفسير، وهكذا تلك المقدمة الحافلة الكبيرة النافعة التي هي من أجل المقدمات وأنفعها لكتاب هو من أجل كتب التفسير، وهو: كتاب أضواء البيان للعلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى-، فهذه المقدمة من قرأها حصَّل علمًا وفيرًا، ومن أراد أن يعرف قدر هذا العالم، وقدر هذا الكتاب -أعني: أضواء البيان- فليقرأ مقدمته التي ذكر فيها ألوانًا من المسائل التي يحتاج إليها المفسر.

ومن خلال هذا الاستعراض نعرف أن التأليف في علوم القرآن بهذا المعنى الخاص الذي بيناه وعرفناه إنما جاء متأخرًا عن نظائره من التأليف في قواعد العلوم، كأصول الفقه الذي ألف فيه الإمام الشافعي -رحمه الله- كتاب الرسالة، وكعلوم الحديث التي ألف فيها مثل الرامهرمزي، وكذلك علوم العربية، والقراءات، وغير ذلك، فعلوم القرآن جاء التأليف فيها متأخرًا مقارنة بغيرها من العلوم، يقول السيوطي -رحمه الله-: "ولقد كنت في زمان الطلب أتعجب من المتقدمين إذ لم يدونوا كتابًا في أنواع علوم القرآن، كما وضعوا ذلك بالنسبة إلى علم الحديث"([6])، يذكر ذلك تعليلا لتأليفه لكتاب الإتقان، وقال أيضًا في مقدمته لكتاب التحبير: "وإن مما أهمل المتقدمون تدوينه حتى تحلَّى في آخر الزمان بأحسن زينة: علم التفسير الذي هو كمصطلح الحديث"([7]).

بعد ذلك نوجه سؤلا، وهو: ما هو الكتاب الذي أُلف أولًا في هذا العلم بالمعنى الذي ذكرناه؟، الجواب: الأحسن في مثل هذه المسألة أن نقول: إنه من الصعب أن نحكم بأن هذا الكتاب أو ذاك هو أول ما أُلف؛ لأن هذه المؤلفات التي وقفنا عليها التي من أولها كتاب: فنون الأفنان، هذه المؤلفات جاءت متأخرة، فمن الصعب أن نقول: هذا أول مؤلف في هذا الفن، لكن غاية ما نستطيع أن نقوله: هو أن هذا الكتاب مثلا أول ما وقفنا عليه من المؤلفات في هذا العلم، وهناك أقوال كثيرة جدًّا في أول من أَلف في هذا العلم، وهذه الأقوال كثيرٌ منها لا يصح، فبعضهم يقول: هو الزركشي([8])، وبعضهم يقول: أبو الحسن الأشعري في كتابه المختزن في علوم القرآن، وعرفتم أنه ليس من كتب هذا الفن، وبعضهم يقول: هو كتاب عجائب علوم القرآن المنسوب لابن المرزبان، وهذا الكتاب في الواقع هو كتاب فنون الأفنان، وقد اطلعت على نسخته الخطية، وهي موجودة في المكتبة البلدية في الأسكندرية، فإذا هو كتاب فنون الأفنان، وإن كان قد كتب عليه كتاب عجائب علوم القرآن لابن المرزبان، وهكذا كثير من الكتب التي سمعتم عنها تحت هذا العنوان والتي أُلفت قبل فنون الأفنان هي في الواقع كتب في التفسير.

وبعد هذا نكون قد انتهينا من هذه المقدمات، وأنتقل بعد ذلك إلى الموضوع الآخر، وهو: الكلام على الوحي، فإذا نظرت في كتاب من كتب المعاجم اللغوية التي تفسر هذه الكلمة -كلمة: الوحي- تجد أنهم يذكرون لها معانيَ كثيرة، يقولون: تأتي بمعنى الكتابة، ولا شك أنه معنى صحيح، ومنه قول رؤبة بن العجاج:

وَحَى لها القرارَ فاستقرتِ *** وشدَّها بالراسياتِ الثُّبَّتِ

يعني: أن الله -عز وجل- وحى لها، أي: الأرض، ومعنى: وحى لها، أي: أنه ألهمها، أو أمرها، أو كتب لها القرار فاستقرت، كما قال الله -عز وجل-: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة: 4 - 5]، وكذلك أوحى الله -عز وجل- لها بأن تستقر، وتكون ثابتة.

وهكذا يذكرون من معانيه: الإشارة والرمز، وهو أيضًا معنى صحيح من معاني الوحي، كما قال الشاعر:

فأوحى إليها الطَّرْفُ أني أحبُّها *** فأثّر ذاك الوحيُ في وجناتها

يعني: أنه أشار إليها بعينه إشارة معينة، فهمت منه رسالة معينة، فظهرت الحمرة على وجناتها من الحياء، يقول:

فأوحى إليها الطَّرْفُ أني أحبُّها *** فأثّر ذاك الوحيُ في وجناتها

فهذا معنى صحيح، ومنه قول العرب في المثل المشهور: من لا يعرف الوحي أحمق، والمقصود به: من يتواحى الناسُ -أي: يتكلمون بينهم في أمر يتعلق به- وهو لا يفقه ولا يفهم تلك الرموز، من لا يعرف الوحي أحمق، فهذا بمعنى: الإشارة والرمز.

ومن معانيه التي يذكرونها في كتب اللغة: الإلهام، وهو أحد التفسيرات لقول رؤبة السابق:

وَحَى لها القرارَ فاستقرتِ *** وشدَّها بالراسياتِ الثُّبَّتِ

أي: ألهمها ذلك.

ومنه: الإعلام -أيضًا- في سرعة وخفاء، وأيضا من المعاني الأخرى: المكتوب، والبعث، كذلك الأمر، وبه فسر بعضهم قول رؤبة أيضًا:

وَحَى لها القرارَ فاستقرتِ *** وشدَّها بالراسياتِ الثُّبَّتِ

أي: أمرها بالقرار.

وكذلك: الإيماء، والتصويت شيئًا بعد شيء، وقيل: أصل الوحي: التفهيم، وكل ما دللت به من كلام، أو كتابة، أو رسالة، أو إشارة فهو وحي.

فلاحظوا هذه المعاني لربما بلغت اثني عشر معنى، وقد ذكرتها قصدًا، وهي موجودة في كتب اللغة، وذكرها الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في كتابه الفتح([9])، وذكرتها قصدا؛ لأبين لكم قضية وفائدة ذكرتها سابقًا، وهي: أنه من أراد أن يرجع إلى أصل المعنى الذي تدور عليه المعاني الكثيرة فليرجع إلى كتاب يجمع له ما تشتت وتفرق منها، فيعيد ذلك إلى أصل واحد، فلو رجعنا في هذه المعاني التي زادت على العشر، لو رجعنا إلى كلام ابن فارس في كتابه مقاييس اللغة، فماذا نجد؟ نجد أنه يقول بكل وضوح: "الواو والحاء والحرف المعتل"، وحى، وحرف العلة هو: الألف المقصورة، "الواو والحاء والحرف المعتل أصل يدل على: إلقاء علم في إخفاء أو غيره إلى غيرك .."([10])، يعني: الإلقاء بخفية، أو الإلقاء من غير خفية إلى غيرك، إلى أن قال: ".. وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى علمه فهو وحي كيف كان، يعني: بخفية أو بغير خفية، وكل ما في باب الوحي فراجع إلى هذا الأصل الذي ذكرناه"([11]).

والخلاصة: أن الوحي يدل على إلقاء علم بخفية أو غيرها، وأكثر ما يستعمل في كلام العرب في الإلقاء السريع الخفي، فهذا معناه في كلام العرب.

وأما في كتاب الله -عز وجل- فقد جاءت هذه اللفظة بمختلف الاستعمالات في اثنين وتسعين موضعًا، ولو أردنا أن نفرق هذه المواضع، ونجمع المتماثلات مع بعضها، وننظر في المعنى الذي دلت عليه في كل موضع، فإننا نجد أنها تدور على نحو عشرة معانٍ في كتاب الله -عز وجل-:

فهذه الكلمة في كتاب الله -عز وجل، أطلقت وأريد بها: الوحي بالمعنى الخاص، وحينما نقول: الوحي بالمعنى الخاص فهو الوحي إلى الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام، وذلك في مواضع كثيرة من كتاب الله -تبارك وتعالى، كما قال الله -عز وجل: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء:163]، وكما قال: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الشورى:13]، وكقوله: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65]، وكقوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} [يوسف:3]، وكقوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52]، وكقوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى:7]، وكذلك: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء:73]، فهذه الآيات التي قرأنا وغيرها كثير، منها: ما يصرح الله -عز وجل- فيها بالوحي إلى الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، ومنها: ما يصرح فيها بأنه أوحى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك من الوحي بالمعنى الخاص.

والمعنى الثاني، أو الاستعمال الثاني الذي ورد في القرآن، وهو: الوحي إلى بعض الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- قبل النبوة، وهل هذا من الوحي بالمعنى الخاص؟، لا، ليس من الوحي بالمعنى الخاص؛ لأنه قبل النبوة، فهو كالإيحاء لغيرهم، وإنما هو وحي ببعض المسائل، وليس من جنس وحي البلاغ، مثاله: قول الله -عز وجل- عن يوسف -عليه السلام: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [يوسف:15]، أوحى الله -عز وجل- إليه ذلك، وهو غلام صغير، ولم يكن نبيًّا في ذلك الوقت؛ لأن الله -عز وجل- آتاه النبوة بعد ذلك، كما قال الله -عز وجل-: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [القصص:14]، فهذا الوحي الذي حصل ليوسف -صلى الله عليه وسلم- في ذلك الحين يمكن أن يقال: إن الله -عز وجل- أنزل اليه ملكًا يثبته في وقت الشدة، ويمكن أن يقال: إن الله -عز وجل- ألهمه ذلك، ألهمه بأن هذه المحنة ستنجلي، وأن الله -عز وجل- سيرفعه بعد ذلك على إخوته، كما قال الله -عز وجل- بعد ذلك: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف:76]، فهذا ليس من الوحي بالمعنى الخاص، ويمكن أن يلحق بذلك ما ذكر الله -عز وجل- عن يحيى -عليه السلام-، أنه قال في حقه: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم:12]، والحكم يمكن أن يفسر بسياسة الملك، ومعلوم أن يحيى -عليه السلام- لم يلِ ملكا، بل قُتل -عليه السلام- واستضعف، فإذن: يمكن أن نفسر الحكم الذي أُعطيه يحيى -عليه السلام- وهو صبي بأنه الحكمة، ويمكن أن يلحق بذلك أيضًا قول الله -عز وجل- أيضًا عن عيسى -عليه السلام-: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران:46] يعني: وفي كهولته، وعيسى -عليه السلام- أخبر الله عنه: أنه تكلم فعلا في المهد، فقال تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} [مريم: 30 - 31]، مع أن عيسى -عليه السلام- لم يُنبَّأ إلا بعد ذلك، حينما بلغ الثلاثين، وهذا يكون من قبيل الإخبار بالماضي عن الأمر الذي يكون في المستقبل؛ لأنه متحقق الوقوع، فقال تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا}، فعبر بالماضي لتحقق ذلك؛ لأنه سيتحقق في المستقبل، كما قال الله -عز وجل: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل:1]، مع أن الساعة لم تأتِ بعد، لكن لما كانت متحققة الوقوع عبر عنها بذلك، ثم قال عيسى -عليه السلام-: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم:31]، ومعلوم أن عيسى ويوسف قبله -عليهما السلام- لم يُنبَّأا في ذلك الحين، وإنما نُبِّئا بعد ذلك، فإذن: هذا وحي إلى بعض الأنبياء في بعض الأمور الخاصة قبل النبوة.

والمعنى الثالث، أو الاستعمال الثالث الذي ورد في كتاب الله -عز وجل- لكلمة الوحي، وهو الوحي إلى بعض أمهات الأنبياء -عليهم السلام-، وهذا الوحي ليس بكتاب، ولا رسالة، إذن: ليس هو من الوحي بالمعنى الخاص، وحينما أذكر هذه الأشياء أذكرها؛ لأنها تفيد طالب العلم، فتنحل عنه بعض الإشكالات في التفسير، فمن ذلك: أن الله -عز وجل- أوحى إلى أم موسى، فقال: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} [القصص:7]، وليست نبية، وكذلك مريم رحمها الله، قال الله -عز وجل- عنها: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم:17]، أرسل لها جبريل، وليست نبية، {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} [مريم:17-19]، فكلمها جبريل -عليه السلام.

والاستعمال الرابع وهو بمعنى: الإشارة والرمز، وذلك في قوله -تبارك وتعالى- عن زكريا -عليه السلام- حينما قال: {رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} [مريم:10]، بمعنى: أنك لا تستطيع الكلام ثلاث ليال من غير علة، ولا عاهة، ولا مرض، لا تستطيع الكلام، يحبس لسانه عن الكلام من غير اعتلال، هذه علامة ذلك، أنه سيرزق بالولد، وكذلك قال -عز وجل-: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} [آل عمران:41]، وهذا هو الشاهد، وقال الله -عز وجل- عقب الآية الأولى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم:11]، فمعنى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ}، أي: رمز إليهم، ويفسر ذلك الآية الأخرى، فقوله: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} يفسرها: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا}، فخرج عليهم فرمز إليهم بهذا الرمز، وأشار إليهم بهذه الإشارة.

والاستعمال الخامس وهو التعبير بالوحي وإطلاق الوحي والمراد به: الوحي إلى الملائكة -عليهم السلام، وهو نوعان:

الأول: وحي تبليغي، أي: أن الله -عز و جل- يأمرهم فيه بالبلاغ.

والثاني: وحي تكليفي، أي: أن الله -عز وجل- يوحي إليهم؛ ليكلفهم ببعض التكاليف.

فمن الأول وهو الوحي التبليغي: قوله -تبارك وتعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج:75] أي: يصطفي رسلا فيرسلهم إلى الرسل والأنبياء من البشر، يبلغون رسالات الله -عز وجل، ومن التبليغي أيضا: قوله -تبارك وتعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء:193]، وهو جبريل -عليه السلام، {عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء:194]، ومنه أيضًا: قوله -تبارك وتعالى- عن جبريل -عليه السلام: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم:10] أي: أوحى جبريل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم، وكذلك قوله -تبارك وتعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [النحل:2]، فينزلهم بالروح يعني: بالوحي، وسمى الله -عز وجل- الوحي: روحًا؛ لأنه به حياة القلوب، ومن الوحي التبليغي: قوله -تبارك وتعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم:4-5]، وهو جبريل -عليه السلام.

وأما الوحي التكليفي فكما في قوله -تبارك وتعالى-: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال:12]، فهذا وحي تكليفي، فالله -عز وجل- يكلف الملائكة بتثبيت قلوب المؤمنين، وبضرب أعناق الكافرين، وتقطيع طرفهم، فلا يستطيعون حمل السلاح، وكذلك كما في قوله -تبارك وتعالى-: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا} [البقرة:34]، فهذا وحي تكليفي، وكذلك كما في قوله: {عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} [التحريم:6] أي: ما كلفهم به.

والاستعمال السادس وهو الوحي إلى الحواريين، وهم خلاصة أصحاب عيسى -عليه السلام-، بعضهم يقول: هم اثنا عشر رجلا، وبعضهم يوصلهم إلى أكثر من ذلك، حيث يبلغون السبعين، ولا يثبت في ذلك شيء، ويمكن أن يجمع بين هذا وهذا، فيقال: لربما بلغوا السبعين، وصفوتهم وخلاصتهم ورءوسهم هم هؤلاء الاثنا عشر، فالله -عز وجل- يقول: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة:111]، فما معنى هذا الوحي إلى الحواريين؟ يمكن أن يقال: أوحى إليهم عن طريق عيسى -عليه السلام-، أمر الله عيسى أن يبلغهم: أن الله يأمرهم بذلك، ويمكن أن يقال: إن الله ألهمهم ذلك، وقذف في قلوبهم صدق عيسى -عليه السلام، فآمنوا به.

والاستعمال السابع وهو الوحي الإلهامي التسخيري لبعض المخلوقات، وهو خاص وعام.

فالعام: يمكن أن يقال: إن كل ما في الوجود مسخر بأمر الله -عز وجل.

والخاص: ما ورد فيه أن الله -تبارك وتعالى- أوحى إلى بعض المخلوقات فيما أخبرنا، كما قال الله -عز وجل- عن النحل: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل:68]، فأوحى إلى النحل ما معناه؟ هل معنى ذلك: أنه أرسل إلى كل نحلة الملك؟ الجواب: لا، وإنما معنى ذلك -والله تعالى أعلم: أنه ألهمها، وغرس في فطرها هذا الأمر.

والاستعمال الثامن وهو نوع آخر من استعمالات الوحي، وهو الوحي التسخيري لبعض الجمادات، كقوله -تبارك وتعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت:11-12]، هنا كلمها مباشرة، كما هو ظاهر هذه الآية: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا}، وهذا من أنواع الوحي، ثم أيضًا قال الله -عز وجل- في تمام هذه الآية: {وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت:12]، فيحتمل أن يكون: أوحى إليها ما يقوم به أمرها ونظامها، أو أنه أوحى إلى ملائكة كل سماء، أوحى إليهم بأوامره إليهم، فهذا محتمل، فيكون على تقدير، ويمكن أن يجمع بين المعنيين، فيقال: إن الله -عز وجل- أوحى إلى كل سماء ما يقوم به نظامها، وما يقوم به أمرها، وأوحى أيضًا إلى ملائكة كل سماء بما شاء -سبحانه وتعالى- مما كلفهم به من التكاليف، وقال الله -عز وجل- عن الأرض: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة:4]، هذه الأرض تحدث أخبارها: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة:5]، أي: تحدث أخبارها بسبب وحي الله لها، فالباء يمكن أن تكون: سببية، فقوله: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة:4-5]، أي: تحدث أخبارها بسبب أن ربك أوحى لها، أو أنها تنطق بما أوحى الله إليها، فقوله: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة:4-5]، أي: بما أوحى الله إليها، فعلى الثاني: تكون محدِّثة بالموحى إليها، وعلى الأول: تتحدث بسبب أن الله أوحى إليها أن تتحدث، أي: أمرها أن تتحدث، فتخبر بما عُمِل عليها، وهذا هو الأقرب، والله تعالى أعلم.

والاستعمال التاسع وهو وحي الشياطين إلى أوليائهم، وجاء ذلك في قوله -تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام:112]، فهؤلاء يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، فشياطين الجن توسوس لشياطين الإنس، وتوحي لهم، وتقذف في قلوبهم الشبهات التي يبرزونها ويظهرونها، فيشككون فيما جاء به الأنبياء -عليهم السلام، ويوحون إليهم بالأمور التي يحصل بها الإفساد للخلق، وقد جاء عن ابن عمر -رضي الله عنه، وكان زوجًا لأخت المختار الثقفي الذي ادعى النبوة في آخر أمره، ثم قتله مصعب بن الزبير -رضي الله عنه، فقيل لابن عمر: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: صدق، ثم قرأ هذه الآية: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام:121]([12])، فهو يوحى إليه، لكن من الذي يوحي إليه؟، يوحي إليه الشيطان، فالشياطين توحي إلى الآدميين.

وأما آية الأنعام: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام:112]، فمما كانوا يوحونه إليهم: أنهم كانوا يقولون لهم: ما ذبحتموه بأيديكم تقولون: حلال، وما ذبحه الله تعالى بيده الكريمة تقولون: حرام -يعنون: الميتة، إذن أنتم أحسن من الله، فألقوا إليهم هذه الشبهة، فقال الله -عز وجل-: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام:121] يعني: أطعتموهم في استحلال ما حرم الله، في استحلال الميتة إنكم لمشركون([13])، وهذا النوع هو من الأنواع التي وردت في كتاب الله -عز وجل-، وهي من الوحي بالمعنى العام.

وأما الوحي بالمعنى الخاص فهو الذي يعنينا، وهو المهم؛ لأن إثبات الرسالات يتوقف عليه، ولما قال اليهود على سبيل المكابرة: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:91] احتج الله -عز وجل- عليهم بحجة ألقمتهم حجرًا، فقال: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} [الأنعام:91]، فلما قالوا على سبيل المكابرة؛ ردًّا لنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:91]، فعمموا؛ لأن كلمة: "شيء" هذه اللفظة نكرة جاءت في سياق النفي، {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ}، يعني: ولا بشر، فقال الله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى}، فمعنى ذلك: أنكم تنكرون نبوة موسى -عليه السلام-.

فالوحي بالمعنى الخاص يمكن أن يفسر بأن يقال: هو إعلام الله لأنبيائه ورسله بما يريد إبلاغه لهم من شرع أو كتاب، بالكيفية التي يريدها، وعرفه بعضهم كالحافظ ابن حجر بأنه: الإعلام بالشرع([14]).

فقولنا أولًا: بالكيفية التي يريدها، فهذا ما يطلق عليه: أنواع الوحي بمعناه ومفهومه الخاص إلى الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام، وهذا النوع من الوحي أجمع آية وردت فيه هي: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى:51]، فكم نوعًا ذُكر؟ {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا} هذه واحدة، {أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} هذه الثانية، {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} هذه الثالثة، فانظروا: كيف جمعت هذه الآية عامة أنواع الوحي!

فقوله -تبارك وتعالى: {إِلَّا وَحْيًا} ما الذي يدخل تحته؟ كيف ندخل أنواع الوحي تحت هذه الآية؟ انظروا: في قوله: {إِلَّا وَحْيًا}، يشمل أمورًا متعددة من أنواع الوحي، أولها: الرؤيا الصادقة، وهي من أنواع الوحي، تقول عائشة -رضي الله عنها- كما في الصحيحين: ((أول ما بُدِئ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرؤيا الصادقة -أو الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح))([15])، فأول ما بُدِئ به النبي -صلى الله عليه وسلم- هي: الرؤيا الصالحة، وقد استمرت ستة أشهر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يرى رؤى صالحة، لكن قبل نزول الملك بقي ستة أشهر يرى هذه الرؤى التي تأتي مثل فلق الصبح، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أن الرؤيا الصالحة جزء أو شعبة من ست وأربعين شعبة من شعب النبوة))([16])، وهنا سؤال: ما وجه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الرؤيا الصالحة بأنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة؟ والجواب يتبين من خلال ما سأذكره، فقوله: ((جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة))، يتبين بالآتي: مدة بقاء النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكة كم؟ عشر سنوات، وفي المدينة على الأرجح: ثلاث عشرة سنة، فالمجموع ثلاث وعشرون سنة، فثلاث وعشرون سنة لو قسمتها، فالسنة اثنا عشر شهرًا، فلو قسمت هذه الثلاث والعشرين على ستة أشهر، كم يكون فيها من ستة أشهر؟ سيكون فيها ستة وأربعون قسمًا، فالرؤيا الصالحة استمرت ستة أشهر، فهي: جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، فهذا يمكن أن يفسر به الحديث، والعلم عند الله -عز وجل، ولا يقطع به، ولكنه احتمال، فلو قسمنا السنة إلى فصلين دراسيين، ففي ثلاث وعشرين سنة كم فصلا دراسيًّا فيها؟ فيها ستة وأربعون فصلا دراسيًّا، فلو فرضنا: أن كل فصل دراسي ستة أشهر، فكم فصلا دراسيًّا سيكون عندنا؟ سيكون عندنا ستة وأربعون فصلا، فالستة الأشهر الأولى إذن: هي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، فيمكن أن يفسر الحديث بذلك، والله تعالى أعلم.

ومما ورد في كتاب الله -عز وجل- من هذا النوع من الوحي -وهو الرؤيا الصادقة- قول الله -عز وجل- عن إبراهيم -عليه السلام: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} [الصافات:102]، يعني: إسماعيل -عليه السلام-، {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات:102]، فهنا قال: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}، فهذا موضع يستشهد به من الآية، فاحتج بالرؤيا، وبنى عليها العمل، {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات:103]، وقال الله -عز وجل- عنه: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات:105]، وكذلك استجابة إسماعيل -عليه السلام- بقوله: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}، وفي قوله: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} دل على أنه أمر من الله -عز وجل؛ ولهذا قال الله -عز وجل: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات:104-105]، وكذلك قال في حق النبي -صلى الله عليه وسلم: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء:60]، وهذه الرؤيا بعض العلماء يقولون: هي ما رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة الإسراء والمعراج، فهي رؤيا عين، وليست رؤيا في المنام، والقول الآخر -وهو الأقرب- هو أنها تفسر بقوله -تبارك وتعالى- في سورة الفتح: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح:27]، وهو فتح خيبر، فالآن هذه الرؤيا التي رآها النبي -صلى الله عليه وسلم، رأى نفسه يطوف آمنًا مع أصحابه بالبيت، وتعلقت قلوب الصحابة -رضي الله عنهم- بمقتضى هذه الرؤيا، ومضمونها، ورؤيا الأنبياء لا شك أنها حق.

وحينما نقول بأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة نقول: رؤى الأنبياء -عليهم السلام- مقطوع بها، وأما غير الأنبياء فلا يجوز أن يُبنى على الرؤى حكم من الأحكام، لا في الأمور الشرعية، ولا في غيرها من القضايا العلمية، أو العملية، بمعنى: أنه لا يجوز للإنسان أن يتعبد بعبادة بناء على رؤيا رآها، وهذه العبادة لم يشرعها الله -عز وجل، ولا يجوز للإنسان أن يبني على ذلك قضية علمية، أو عملية، بمعنى: أنه مثلا: رأى في المنام أن تركيب الدواء الفلاني يفيد من المرض الفلاني، فهذا لا يُبنى عليه حكم، ولا يصح أن يعتمد عليه، وهكذا أيضًا فيما يتعلق بقضايا الحب والبغض، واعتقاد ولاية إنسان أو فساده، أو نحو ذلك، وهكذا حينما يرى أنه في المنام يؤمر بكذا وكذا من الأشياء التي يطالَب بفعلها، فإنه لا يُبنى على ذلك حكم، كأن يأتيه إنسان فيقول له مثلا: سافر إلى المكان الفلاني، أو لا تسافر، أو اذهب إلى فلان، أو اشترِ الشيء الفلاني، فهذا كله لا يُبنى عليه حكم من الأحكام.

وحينما نقول بأن رؤى الأنبياء حق، وأنه يقطع بها، ونحن نتحدث عن موضوع الوحي، وأن الرؤيا الصالحة جزء من الوحي، ونوع من أنواعه، فهل معنى ذلك: أن من رأى رؤيا صالحة أنه أوحي إليه وحي هو من نظير الوحي إلى الأنبياء؟ الجواب: لا، ثم أيضًا هناك سؤال آخر: حينما نقول بأن رؤيا الأنبياء حق، وأن الأنبياء -عليهم السلام- من أنواع الوحي إليهم: الرؤى، فهل معنى ذلك: أن شيئًا من القرآن قد نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في حال النوم؟ الجواب: لا، نعم لقد أوحي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأشياء وهو في حال النوم، لكن ليس منها القرآن، وقد يسأل بعضكم: ما تقول فيما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما أخرج الإمام مسلم في صحيحه، من حديث أنس: ((بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: أنزل عليّ آنفا سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر:1] إلى آخرها))([17])، فما الجواب؟ فنقول: هذه الإغفاءة كما عبر بذلك أنس بن مالك -رضي الله عنه- لم تكن نومة، ومعلوم أن الإغفاءة هي نومة يسيرة، نومة خفيفة، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- جالس بين أصحابه يحدثهم، ولا يتصور أنه -عليه الصلاة والسلام- ينام بينهم في مجلسه، وإنما هذه هي الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي، التي يقال لها: بُرَحاء الوحي، فقد كانت تعتري النبي -صلى الله عليه وسلم- حالة يتربد لها وجهه، ويسيل منه العرق، يلاحظ ذلك أصحابه، فاعترته هذه الحالة، فعُبِّر عنها بذلك.

فإذن: ينبغي أن نفرق بين ثلاثة أشياء: بين دعوى ما نزل من القرآن منامًا، وبين أن الرؤيا نوع من أنواع الوحي، وبين أن بعض القرآن نزل عليه وهو في فراشه، فيمكن أن نقول: إن بعض القرآن نزل والنبي -صلى الله عليه وسلم- في فراشه، ولكن وجود الإنسان في فراشه لا يعني أنه نائم، وهذا ما يسميه السيوطي فيما قرأناه من العناوين التي سردتها قبلُ: بالفراشي والنومي([18])، فنقول: نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض الآيات وهو في فراشه، كما في قوله -تبارك وتعالى-: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67]؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- بات ليلة قلقًا، وتمنى أن يُحرس، فسمع قعقعة السلاح، فقال: من هذا؟ فقال: سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-([19])، فهيأ الله -عز وجل- له ما تمناه من حراسة سعد -رضي الله عنه، فأنزل الله -عز وجل- عليه: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67]؛ فقال: انصرفوا([20])، فأمرهم أن ينصرفوا، وكذلك أيضا: الآية التي في توبة الله -عز وجل- على الثلاثة الذين خلفوا، فقد جاء في الصحيح: أنها نزلت وقد بقي من الليل ثلثه -يعني: في آخر الليل- وهو -صلى الله عليه وسلم- عند أم سلمة في فراشها([21])، فإذن كون النبي -صلى الله عليه وسلم- في فراشه لا يعني أنه نائم، فيمكن أن ينزل شيء من القرآن على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في فراشه، وأما وهو نائم فيوحى إليه بالرؤى الصالحة، ونحو ذلك، وأما بالقرآن فلم يرد.

وهنا سؤال، وهو أن هذا الحديث الذي في الصحيح: أن الآيات التي تاب الله -عز وجل- فيها على الثلاثة الذين خلفوا نزلت عليه وهو في فراش أم سلمة -رضي الله عنها، وقد أخرج الشيخان من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: ((كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، قالت: فاجتمعن صواحبي، يعني: أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- اجتمعن إلى أم سلمة، فقلن لها: إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فقولي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمر الناس: أن يهدوا له أينما كان، فذكرت أم سلمة له ذلك، فسكت، فلم يرد عليها، فعادت الثانية، فلم يرد عليها، فلما كانت الثالثة قال: يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها))([22])، فالآن الإشكال في: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نفى أن يكون نزل شيء من الوحي وهو في لحاف امرأة غير عائشة، وفي الحديث السابق: نزل وهو في فراش أم سلمة، وذلك في أواخر حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- أي: حديث أم سلمة، لما نزل الوحي في توبة الثلاثة الذين خلفوا، وفي رواية أخرى في الصحيحين، قال فيه: ((لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأةٍ إلا عائشة))([23])، فما الجواب؟ يمكن أن يقال: هذا قبل أن ينزل عليه في آخر الأمر، وهو في فراش أم سلمة -رضي الله عنها-، ويمكن أن يجاب بجواب آخر، وهو: ما جاء عن عائشة من طرق متعددة لا تخلو من ضعف، وقد صحح بعض أهل العلم بعض هذه الطرق، ومنهم الذهبي -رحمه الله- والحاكم، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((لي خلال تسع -أي: خصال تسع، لم تكن لأحد إلا ما آتى الله مريم -عليها السلام-، والله ما أقول هذا فخرًا على صواحباتي، وذكرت منها قالت: وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف))([24])، أي: واحد، وأيضا جاء عنها أنها قالت: ((لقد أعطيت تسعًا ما أعطيتها امرأة بعد مريم بنت عمران، وذكرت: وإنْ كان الوحي لينزل عليه وإني لمعه في لحافه))، وفي رواية عن أبي يعلى، وهي الشاهد: ((وإن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله، يعني: وهو مع إحدى نسائه في فراشه، فينصرفون عنه، تنصرف عنه امرأته، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه))([25])، فيكون هذا -لو صح- فيه جواب عن هذا الإشكال، فنجيب بهذا الجواب، فنقول: إنه ينزل عليه والمرأة في لحافه، فلما ينزل عليه تنصرف عنه، وأما عائشة -رضي الله عنها- فهي الوحيدة التي كانت تبقى معه في لحافه -عليه الصلاة والسلام- والملَك ينزل عليه، هذا ما يتعلق بالرؤيا الصالحة، وهي النوع الأول الذي يدخل تحت قوله: {إِلَّا وَحْيًا} [الشورى:51].

النوع الثاني الذي يدخل تحت قوله: {إِلَّا وَحْيًا} [الشورى:51]، وهو: النفث في الرُّوع، كما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم: ((إن روح القدس -يعني: جبريل -عليه السلام- نفث في رُوعي: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب))([26])، فالنفث في الرُّوع داخل تحت قوله: {إِلَّا وَحْيًا}.

والنوع الثالث الداخل تحت قوله: {إِلَّا وَحْيًا}، هو: الالهام، وهو يشبه النوع الثاني، وحقيقته: إلقاء المعاني في القلب، ولو من غير نزول الملك، يعني: حينما يلقي الملك المعنى في القلب يقال فيه: نفث في الروع، ((إن روح القدس نفث في روعي))، وإلقاء المعنى في القلب ولو من غير نزول الملك يمكن أن يقال عنه: إلهام، وهما متقاربان، فهذا هو الفرق بين الإلهام والإلقاء في الروع، وهذه الكلمة -الإلهام- وردت في كتاب الله -عز وجل- في موضع واحد، وهو قوله -تبارك وتعالى-: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس:7-8]، فذكر: الإلهام بالخير، والإلهام بالشر، وهذا فيه رد على من قال: إن الإلهام إنما يكون بالخير، إلقاء المعاني الخيِّرة، والآية تبطل ذلك، لكن يمكن أن يقال: إن الإلهام غالبًا يكون في عرف الاستعمال بإلقاء المعاني الطيبة في القلب، فيقال: فلان رجل مُلهَم، ألهمه الله -عز وجل- رشده، ويمكن أن يقال: إن هذه الكلمة إذا أطلقت فقيل: إلهام فهي في المعاني الخيِّرة، وإذا قيدت فهي بحسب ما قيدت به، فيقال: ألهمه رشده، أو ألهمه فجوره، {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس:7-8]، ومعنى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}: أنه بين لها طريق الخير وطرق الشر، كما قال الله -عز وجل: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد:10].

وأما أهل اللغة فهم يفسرون الإلهام بقولهم: لَهَم الفصيلُ ضرع أمه: إذا أخذه بنهم وامتص ما فيه، ويقولون: التَهَم الطعام يعني: أخذه وأكله بسرعة، ويقولون: منه أيضًا: إلقاء الشيء في الروع، وبعضهم يخصه بما كان من جهة الله -عز وجل- والملأ الأعلى، والإلهام يفسر بما ذكرت أولا -والله تعالى أعلم، فالله ألهم النفس فجورها وتقواها، أي: ألقى فيها إحساسًا تفرق به بين الهدى والضلال، وهذا يمكن أن يطلق عليه: الإلهام الفطري، أو يقال: بين لها طريق الخير وطريق الشر بما أرسل إليها من الرسل، وبما غرس فيها من الفطر، وبما أوجد فيها من العقل الذي تفرق به بين كثير من الأمور النافعة والضارة.

وأيضا من الآيات الواردة التي تفسر قوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس:8] قوله -تبارك تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان:3].

ومما ورد في السنة حديث الشفاعة الطويل، المخرج في الصحيحين، وفيه: ((فأخرّ تحت ساق العرش ساجدًا، وأدعو ربي بما قد يلهمنيها، فيقال: ارفع رأسك، وسل تعطهْ، واشفع في هؤلاء))([27])، وجاء في دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((اللهم ألهمني رشدي))([28])، وجاء أيضًا في وصف أهل الجنة: ((أنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفَس))([29])، وصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((لقد كان فيمن قبلكم محدَّثون -أو قال: مُلهَمون، فإن يكن في أمتي فعمر))([30])، ومعنى: ((فإن يكن في أمتي فعمر)) أي: على سبيل التحقيق، وهو أسلوب عربي معروف، تقول: إن كان فيهم نابغ فهو فلان، إن كان فيهم كريم فهو فلان، وأنت تقصد تحقيق الصفة في هذا المذكور، وهو أحد المعاني التي فُسر بها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لو كنت متخذًا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا))([31]).

فما معنى محدَّثون؟ يمكن أن يفسر: بأنهم يلهمون الشيء كأنهم حُدثوا به، يعني: خوطبوا به، ويمكن أن يكون: أن الملك يلقيه في قلوبهم، وهي أمور تُلقى في قلب هذا المحدَّث، وينشرح لها صدره، ويتبعها التوفيق في الأعمال والأقوال، وكان عمر -رضي الله عنه- من هؤلاء، فلما كان يستعرض الأجناد وهم يذهبون إلى العراق، فمروا بالمدينة، وكان يستعرضهم خارجها، فوصلت بعض الكتائب من الشباب، فلما بلغوا عمر وهو يستعرض الجيش كتيبة كتيبة، فلما بلغت تلك الكتيبة من الشباب عمر عند استعراضه للجيش أشاح عنهم بوجهه، أعرض عنهم، كأنه كره النظر إليهم، يقول بعض من شهد بعض هذا الموقف: فرأيت عامتهم يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج، فعمر -رضي الله عنه- لما كان يستعرض الجيش الذي ذهب للجهاد مرت به كتيبة فكره النظر إليها، وأعرض عنها، فيقول بعض من شاهد: رأيت عامتهم يطاعنوننا يوم النهروان، يقاتلوننا يوم النهروان، فعمر من هؤلاء المحدَّثين الملهَمين، وهذا من الكشف الذي يذكره شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله-، الكشف الصحيح، ليس الكشف الصوفي، إنما الكشف الذي يقره أهل السنة والجماعة، وليس معنى ذلك أنه معصوم، ومعلوم أن عمر -رضي الله عنه- أخطأ في أشياء، وجادل النبي -صلى الله عليه وسلم- في قضايا الصلح([32])، كما تعلمون جميعًا، إذن: هذه ثلاثة أنواع تدخل تحت قوله -تبارك وتعالى-: {إِلَّا وَحْيًا} [الشورى:51].

وأما قول الله -عز وجل-: {أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الشورى:51]، فكما كلم الله -عز وجل- موسى -عليه السلام، وكما كلم محمدًا -عليه الصلاة والسلام-، قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، وقال: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143]، وقال: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [الأعراف:144]، وأما النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد وقع له الكلام الإلهي في ليلة المعراج، ويفهم ذلك من آية النجم، ومن حديث المعراج، ففي آية النجم قال الله -عز وجل-: {ثُمَّ دَنَا} يعني: جبريل، {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم:8-9]، يعني: فكان قربه من محمد -صلى الله عليه وسلم- قاب قوسين أو أدنى، أي: قرب جبريل من النبي -صلى الله عليه وسلم-، {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم:10]، أي: فأوحى جبريل إلى عبد الله، وهو محمد -صلى الله عليه وسلم- ما أوحى، يعني: ما أمره الله أن يوحيه إليه، هذا المعنى المشهور، وهو الأرجح في تفسير الآية، ولا شاهد فيه، وإنما ذكرت هذه الآية بناء على التفسير الآخر، وهو أن قوله -تبارك وتعالى-: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى}، الدنوُّ هو دنو النبي -صلى الله عليه وسلم- من الجبار -تبارك وتعالى، فكان منه بالقرب القريب، وهذا توضحه رواية عند البخاري في النسخة اليونانية: ((ثم دنا للجبار فأوحى الله إلى عبده ما أوحى)) ، ففي هذه الرواية هذه اللفظة: ((ثم دنا للجبار))، فلما دنا أوحى الله -عز وجل- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما أراد إيحاءه، وفي بعض النسخ: ((ثم دنا الجبار))، والأقرب: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دنا من جبريل، القرب كان من جبريل -عليه الصلاة والسلام- وترجحه القرينة التي في الآية، وهي قوله -تبارك وتعالى-: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم:13]، رأى جبريل مرة أخرى على هيئته الحقيقية الملائكية.

وأما من السنة فحديث مالك بن صعصعة -رضي الله عنه- الذي أخرجه البخاري في صحيحه، في قصة فرض الصلاة، وفيه: ((ثم فُرضت عليّ خمسون صلاة، فأقبلت حتى جئت موسى، فقال: ما صنعت؟ قلت: فُرضت عليّ خمسون صلاة، فقال: أنا أعلم بالناس منك، عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة...، إلى أن قال: فرجعت، يعني: إلى الله، فسألته، فجعلها أربعين، ثم كرر ذلك مع موسى، ثم يرجع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ربه -تبارك وتعالى-، ثم بعد ذلك نودي: أني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأجزِي الحسنة عشرًا))([33])، وفي رواية: ((فراجعت ربي فقال: هي خمس، وهي خمسون، يعني: خمس فرائض، والحسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في الميزان، لا يبدل القول لديّ))، فظاهره: أنه كلام مباشر من الله -عز وجل، فالله كلم موسى -عليه السلام- وهو في الطور بتكليم مباشر، وكلم النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في السماء.

ومن النصوص المتعلقة بالكلام الإلهي المباشر وهي داخلة تحت الكلام من وراء حجاب ما ورد في كتاب الله -عز وجل- في ثلاث سور، وهي أربع آيات لا خامس لها، ففي سورة البقرة قال الله -تبارك وتعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} [البقرة: 253]، وفي النساء: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] وآيتان في الأعراف: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143]، وكذا: {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 144].

وأما قوله: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} [الشورى: 51]، فيحتمل معنيين:

المعنى الأول: أنه يرسل رسولا ملائكيًّا إلى رسول بشري؛ لأن هذه عادة الله -عز وجل- مع الأنبياء -عليهم السلام، يرسل إليهم الملَك.

والمعنى الثاني: يمكن أن يكون: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا}، أن يرسل رسولا من البشر إلى نظرائه من الآدميين؛ لأن الله لا يوحي إلى كل واحد من بني آدم، وإنما يرسل منهم رسولا؛ لينذرهم ويبشرهم، فهي تحتمل المعنيين، ولا تعارض بينهما، فكلاهما صحيح.

وهذا الملَك كيف يأتي للنبي -صلى الله عليه وسلم-؟، يأتي للنبي -صلى الله عليه وسلم- بصور متعددة، أذكرها في الدرس القادم بإذن الله -عز وجل، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله، وصحبه.

 

[1]- انظر: الإتقان في علوم القرآن (1/23-27).

[2]- انظر: المصدر السابق (1/27،28).

[3]- انظر: المصدر السابق (1/28).

[4]- انظر: المصدر السابق (1/28،29).

[5]- انظر: المصدر السابق (1/27).

[6]- انظر: المصدر السابق (1/16).

[7]- انظر: المصدر السابق (1/19).

[8]- انظر: المدخل إلى علوم القرآن الكريم (ص:52).

[9]- انظر: فتح الباري لابن حجر (1/9).

[10]- انظر: مقاييس اللغة (6/93).

[11]- انظر: المصدر نفسه.

[12]- أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، (4/1379)، رقم: (7840)، وانظر: تفسير ابن كثير، ت سلامة (3/321).

[13]- أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره = جامع البيان، ت شاكر (12/80)، رقم: (13815).

[14]- انظر: فتح الباري لابن حجر (1/9).

[15]- أخرجه البخاري، باب بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم، رقم: (3)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم، رقم: (160).

[16]- أخرجه البخاري، كتاب التعبير، باب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، رقم: (6989)، ومسلم، كتاب الرؤيا، رقم: (2265).

[17]- أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة، رقم: (400).

[18]- انظر: الإتقان في علوم القرآن (1/88).

[19]- أخرجه البخاري، كتاب التمني، باب قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليت كذا وكذا»، رقم: (7231)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله عنهم-، باب في فضل سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، رقم: (2410).

[20]- أخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، باب: ومن سورة المائدة، رقم: (3046)، وقال: هذا حديث غريب، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (5/644)، رقم: (2489).

[21]- أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ...} [التوبة:118]، رقم: (4677).

[22]- أخرجه البخاري، كتاب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، باب فضل عائشة -رضي الله عنها، رقم: (3775).

[23]- أخرجه البخاري، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب: من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض، رقم: (2581).

[24]- أخرجه أبو يعلى في مسنده، رقم: (4626)، والطبراني في المعجم الكبير (23/31)، رقم: (77)، وابن أبي شيبة في مصنفه (6/389)، كتاب الفضائل، ما ذكر في عائشة -رضي الله عنها، رقم: (32278)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (4/11)، كتاب معرفة الصحابة -رضي الله عنهم، ذكر الصحابيات من أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وغيرهن -رضي الله عنهن، فأول من نبدأ بهن الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر -رضي الله عنهما، رقم: (6730)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (10/715)، رقم: (4970).

[25]- أخرجه أبو يعلى في مسنده، رقم: (4626).

[26]- أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (8/166)، رقم: (7694)، وابن أبي شيبة في مصنفه (7/79)، كتاب الزهد، ما ذكر عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- في الزهد، رقم: (34332)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (10/26)، ومسند الشافعي -ترتيب سنجر (4/64)، كتاب فضائل قريش وغيرهم وأبواب متفرقة، باب منه: والإجمال في الطلب، رقم: (1798)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (6/865)، رقم: (2866).

[27]- أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء:3]، رقم: (4712)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم: (194).

[28]- أخرجه الترمذي، أبواب الدعوات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، رقم: (3483)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (ص:597)، رقم: (4098).

[29]- أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشيًّا، رقم: (2835).

[30]- أخرجه البخاري، كتاب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، باب: مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي -رضي الله عنه، رقم: (3689)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله عنهم-، باب من فضائل عمر -رضي الله عنه-، رقم: (2398).

[31]- أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب: الخَوخة والممر في المسجد، رقم: (466)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله عنهم، باب من فضائل أبي بكر الصديق -رضي الله عنه، رقم: (2382).

[32]- أخرجه البخاري، كتاب الجزية، رقم: (3182)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب: صلح الحديبية في الحديبية، رقم: (1785).

[33]- أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، رقم: (3207)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: الإسراء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى السماوات، وفرض الصلوات، رقم: (162).

- نزول القرآن

من لم يعتد ثني الركب في مجالس العلم التي بكى عليها معاذ بن جبل -رضي الله عنه- عند موته، فقال: "أبكي على ثلاث، وذكر منها: مزاحمة العلماء بالركب"([1])، من لم يعتد على هذه المجالس، ويثني ركبته، ويتعلم كيف يتواضع ويتأدب، فإنه وإن حصَّل من الكتب، فإنه يحصل تحصيلا مع خلل كثير في الأدب، يتطاول فيه على الكبير والصغير، ويترفع ويتكبر ويتعالى على عباد الله -عز وجل-، ولا يملأ عينه أحد، لا من السلف ولا من الخلف، فهو: يغمز هذا، ويلمز هذا، ويقع في عرض هذا، وينتقد هذا، وينتقص ذاك، بينما إذا تعلم الطالب كيف يتأدب، وكيف يحضر هذه المجالس، ارتفعت عنه كثير من هذه الآفات، فإذا تكلم يتكلم بأدب، ويحفظ لسانه، ويراقب حركاته وسكناته، ولا يترفع، ولا يتكبر عن فائدة أو عن مجلس علم، فكم يُحصِّل من حضر مجالس العلم في المساجد من خير كثير، أسأل الله -عز وجل- أن يبارك لنا ولكم في مثل هذه المجالس، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه.

بعد ذلك أقول: بقي من موضوعنا السابق بقية يسيرة، فكنا نتحدث عن آية الشورى، وهي قوله -تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى:51]، وقلنا إن قوله: {إِلَّا وَحْيًا}، يشمل: الرؤيا الصالحة، والنفث في الروع، والإلهام.

وقوله: {أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}، يتضمن: التكليم الإلاهي المباشر.

وقوله: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً}، أي: أن يرسل رسولا من الملائكة إلى رسول من البشر، أو أن يرسل رسولا بشريا إلى الناس؛ لأن الله لا يخاطب الناس فيما أراد منهم، وإنما يرسل رسولا إليهم يخاطبهم بما أراد الله -تبارك وتعالى.

والمَلَك حينما يأتي للرسول البشري، أو قل لنبينا -صلى الله عليه وسلم-، يأتيه بصور متعددة، فهذه هي الصور:

الصورة الأولى منها: أن يأتيه على صورته الحقيقية، وقد حصل ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- مرتين، المرة الأولى، وهي: أنه رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- على كرسي، أو عرش بين السماء والأرض، كما في حديث جابر الذي يفسر قول الله -عز وجل-: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} [النجم:13-14]، فهذه هي المرة الثانية: عند سدرة المنتهى، والمرة الأولى: كانت في الأرض، كما في حديث جابر: ((فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض))([2])، وفي رواية: ((ثم نوديت، فرفعت رأسي، فإذا هو قاعد على عرش في الهواء، يعني: جبريل -عليه السلام، فأخذتني رجفة شديدة))([3])، فهذه هي الحالة الأولى: أن يأتي على صورته الحقيقية، وقد حصل ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- مرتين.

الصورة الثانية: أن يأتيه ولا يراه النبي -صلى الله عليه وسلم، ولكن تُرى بعض الآثار على النبي -صلى الله عليه وسلم، وقد تُسْمع بعض الأصوات، ولكن جبريل لا يُرى، فالصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يسمعون عند وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا نزل عليه جبريل، يسمعون صوتا كدوي النحل عند وجهه -عليه الصلاة والسلام، ويتفصد العرق من جبينه في اليوم الشاتي، ويدل على ذلك: حديث عائشة -رضي الله عنها: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((أحيانا يأتيني مثل: صلصلة الجرس، وهو: أشد علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال))([4])، يأتي مثل صلصلة الجرس، وذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- الحالة الثانية للحارث بن هشام، وهو: أن يأتيه على هيئة رجل، فيكلمه، فيعي ما يقول.

فالحاصل أن الحالة التي تأتيه هنا، الحالة الأولى المذكورة في حديث الحارث بن هشام: أن يأتيه على مثل صلصلة الجرس، يعني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يسمع صوتا كصلصلة الجرس، والصلصلة هي: صوت متدارك، وهو معروف، والجرس معروف، هو الجلجل.

وبعض أهل العلم يقولون: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- يسمع هذا الصوت، والصحابة يسمعون كأزيز النحل عند وجهه -عليه الصلاة والسلام([5])، فبالنسبة إليهم يسمعون صوت النحل، كدوي النحل، وبالنسبة للنبي -صلى الله عليه وسلم- يسمع صوتا كصلصلة الجرس.

ومما يدل على ذلك أيضًا حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: ((كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل، فأُنْزِل عليه يومًا، فمكثنا ساعة، ثم سري عنه، فقرأ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1]))([6])، وكذلك حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: ((كان نبي الله -صلى الله عليه وسلم- إذا نزل عليه: كَرِبَ لذلك، وتَرَبَّد له وجهه))([7]).

وقالت عائشة -رضي الله عنها: ((ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا))([8])، وهذا هو: الغالب من الحالات التي كان يأتي بها جبريل إلى رسول الله -عليه الصلاة والسلام.

الحالة الثالثة: أن يأتي للنبي -صلى الله عليه وسلم- على هيئة، أو على صورة رجل، ويدل على ذلك: حديث الحارث بن هشام الذي روته عائشة -رضي الله عنها، وفيه: ((وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا، فيكلمني، فأعي ما يقول))([9]).

وكذا حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: ((كان جبريل يأتي النبي -صلى الله عليه وسلم- في صورة دحية الكلبي))([10])، وهو رجل من الصحابة، فيأتي في صورته، وكذلك حديث عمر -رضي الله عنه-، وهو ما يعرف بحديث جبريل المشهور: لما جاء جبريل في هيئة رجل، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه منهم أحد، ولا يرى عليه أثر السفر([11])، ومن ذلك أيضًا: ما وقع للنبي -صلى الله عليه وسلم- في طفولته: حيث جاءه رجلان، فشقا صدر النبي -صلى الله عليه وسلم-...، الحديث([12])، فهذا كله مما يستدل به على هذه الحالة.

وهنا سؤال، وهو: أن الحارث بن هشام عندما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن كيفية مجيء الوحي إليه؛ أجابه النبي -صلى الله عليه وسلم- بصورتين: كصلصلة الجرس، وعلى صورة رجل، مع أن هناك بعض الصور الأخرى من صفات الوحي وحالاته: كدوي النحل، والنفث في الروع، والإلهام، والرؤيا، والتكليم بلا واسطة، وكذلك مجيء جبريل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بصورته الحقيقية، فهذه خمس صور ذكرناها فيما سبق لم ترد في حديث الحارث بن هشام لما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلماذا ذكر له النبي -صلى الله عليه وسلم- حالتين فقط؟

فيقال: لأنها هي الغالب، سأله فأجابه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالغالب، فيمكن أن يقال هذا.

أو أن ما ذكر وقع بعد سؤال الحارث بن هشام؛ وهذا فيه بُعد، بل هو غلط، وإن قاله بعض أهل العلم([13])؛ لأن جبريل جاء للنبي -صلى الله عليه وسلم- بصورته الحقيقية في أول النزول في مكة، وقصة الحارث بن هشام كانت في أواخر العهد المدني، لأن الحارث بن هشام -رضي الله عنه- أسلم عام الفتح, لما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة فاتحا، وهذا في أواخر حياة النبي -صلى الله عليه وسلم، فهذا الجواب لا يصلح.

أو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يذكر صورة الملك حينما يأتي بصورته الحقيقية مثلا؛ لأن ذلك نادر، وأيضًا: لم يذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- الإلهام والرؤيا؛ لأن هذه أمور قد تقع ولا غرابة فيها، وإنما سأله: كيف يأتي إليه الملَك فيوحي إليه بالوحي الذي تظهر آثاره على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ أو كيف يأتيه بصورة لا يأتي بها إلى الناس سوى رسول الله -عليه الصلاة والسلام-؟ أما الإلهام فيقع للناس، وكذلك الرؤيا الصالحة، فهو: لم يسأل عن ذلك.

ويمكن أن يقال أيضًا: بأن دوي النحل لا يتعارض مع صلصلة الجرس التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ للاعتبار التي ذكرته فيما سبق، والعلم عند الله -تبارك وتعالى، وهكذا يمكن أن يحمل النفث في الرُّوع، أن يعاد إلى إحدى الحالتين، فيمكن أن يأتيه الملك فينفث في رُوعه، إما عن طريق، بأن يأتي بصفة صلصلة الجرس، الذي يسمعه النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو يأتي على هيئة رجل، ثم ينفث في رُوع النبي -صلى الله عليه وسلم- لا مانع من ذلك، والأحاديث تحتمله، والعلم عند الله -تبارك وتعالى-.

ويمكن أن يكون السؤال: عن صفة الوحي الذي يأتي بحامل، لا مجرد الرؤيا، ولا مجرد الإلهام، وهكذا: التكليم الإلهي المباشر، كالتكليم ليلة المعراج، فإنه لم يسأل عن ذلك.

وهناك احتمال: أن يكون  سأل عن الحالات التي يأتي بها الملك في اليقظة، فتخرج من ذلك الرؤيا الصالحة، أو لأن بعض الحالات لا تخفى على السائل، فهذه احتمالات يذكرها العلماء -رحمهم الله- في الجواب عن هذا الإشكال.

بعد ذلك أورد سؤالاً آخر، وهو: أن آية الشورى تضمنت الأنواع الخمسة التي ذكرناها، وقلنا: هي: أجمع آية في أنواع الوحي، لكن هنا سؤال، وهو: أن من أنواع الوحي: أن يكتب الله -عز وجل- لنبي من الأنبياء كتابًا، أن ينزل عليه كتابًا، وهذا لم يرد في آية الشورى فيما يتبادر لمن نظر فيها؛ فما الجواب عن ذلك؟

فيقال: إن مسألة الكتابة وإنزال الكتب، هذه ثابتة لا شك فيها، والله -عز وجل- أخبر: بأنه أنزل التوراة على موسى -عليه الصلاة والسلام- في الألواح، وأنه كتبها له، في سورة الأعراف قال: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف:145].

وكذلك في قوله -تبارك وتعالى- عن موسى -صلى الله عليه وسلم: {وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} [الأعراف:150]، وكذا في قوله: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ} [الأعراف:154]، وفي الحديث: ((إن الله خلق آدم بيده، وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده))([14])، وهذه الألواح الأقرب أنها هي: التوراة، بدليل هذا الحديث، وكذلك في قوله -تبارك وتعالى-: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف:145].

وبعض أهل العلم يقولون: إن الألواح هي: الوصايا العشر([15])، وهذا فيه نظر، لكن يمكن أن يقال في الجواب:

بأنه يؤخذ من نفس الآية: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا} [الشورى:51]، فالآية تكلمت عن طرق تكليم الله -عز وجل- لأنبيائه -صلى الله عليهم وسلم-، وما تكلمت عن الكتابة، يمكن أن يقال هذا، ويمكن أن يناقش أيضًا هذا الجواب.

ويمكن أن يقال، لمن أراد أن يرد هذا الجواب، ويقول: إن الكتابة هي: أحد اللسانيين، فهي: لون من الكلام، يمكن أن يقال: إن الكلام في قوله: {أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا} إلخ، أن يكون عن طريق الوحي، ويمكن أن يكون منه الكتابة.

أو يقال: الكلام في قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الشورى:51]، إما مباشرة، أو أن يرسل رسولا، فيكون الملك قد جاء بهذه الألواح، أو بالتوراة، فيكون داخلاً في قوله: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} [الشورى:51]، فهي: إما تدخل تحت قوله: {إِلَّا وَحْيًا}، أو تدخل تحت قوله: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً}.

ويمكن أن يقال: إن الآية تكلمت عن الكلام، كما يدل عليه أولها، -والله تعالى أعلم.

بعد ذلك أنتقل إلى موضوع آخر، وهو: الكلام على: تنزلات القرآن، ويعبر عنه أيضًا: بنزول القرآن.

الله -عز وجل- يقول: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185]، ويقول: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]، فالقرآن أخبر الله -عز وجل- عن نزوله في شهر رمضان: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185]، وأخبر عن الليلة التي أنزل القرآن فيها، وهي: ليلة القدر، فالقرآن نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك منجما في: عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين سنة، أو خمس وعشرين سنة، على حسب الخلاف في مدة إقامة النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد البعثة في مكة، وبهذا تعرف جوابًا عن إشكال لربما يرد، وهو: أن الله تعالى قال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]، وقال: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185]، مع أن القرآن نزل على الليالي والأيام والشهور في ربيع، وذي القعدة، وذي الحجة، وغير ذلك، وفي أماكن مختلفة، وفي رمضان وغير رمضان، وفي ليلة القدر وفي غير ليلة القدر.

إذن: بإنزاله في شهر رمضان وفي ليلة القدر منه؛ أنه نزل جملةً إلى سماء الدنيا، ثم بعد ذلك نزل مفرقا في الأيام والليالي المختلفة، وقد صح عن ابن عباس من طرق متعددة أنه قال: "أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- بعضه في أثر بعض"([16])، وهذا ثابت عن ابن عباس.

وكذلك جاء عنه أنه قال: "أنزل القرآن في ليلة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك بعشرين سنة، ثم قرأ: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان:33]، وقرأ: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} [الإسراء:106]([17]).

وصح عنه أنه قال: "فُصِل القرآن من الذكر، فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبي -صلى الله عليه وسلم-"([18]).

وجاء بإسناد حسن أيضا عنه أنه قال: "أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ثم أنزل نجوما"([19])، وأيضا بإسناد حسن عنه أنه قال: "أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا، ونزله جبريل على محمد -صلى الله عليه وسلم- بجواب كلام العباد وأعمالهم"([20])، وبإسناد حسن أيضا عنه قال: "دفع إلى جبريل في ليلة القدر جملة واحدة، فوضعه في بيت العزة، ثم جعل ينزله تنزيلاً"([21]).

فهذه الروايات التي ثبتت عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- تدل على هذا المعنى، ولا يجوز العدول عنها؛ لأن لها حكم الرفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم؛ ولأن ذلك لا يقال من جهة الرأي.

ولا مانع أن يقال: بأن الله أنزل القرآن إلى سماء الدنيا في رمضان في ليلة القدر، وأن أول ما نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- من القرآن أيضًا كان أيضًا في رمضان في ليلة القدر، فهذا لا مانع من أن يقال، وإن كان لا يقطع به، وبهذا يجمع بين بعض الأقوال التي وردت عن بعض السلف -رضي الله عنهم-؛ لأن بعضهم حمل قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185]، و{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]، على أن الله ابتدأ إنزاله على النبي -صلى الله عليه وسلم، فيمكن أن يجمع بين هذه الأقوال فيقال: الله أنزله جملة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر في رمضان، ويحتمل أن يكون ابتدأ الله إنزاله إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أيضا في رمضان في ليلة القدر، ثم صار ينزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأيام والليالي المختلفة.

وإذا قلنا: إن الله أنزله في ليلة القدر إلى سماء الدنيا، فمن أين أخذه جبريل -عليه السلام؟ وهذه مسألة من المسائل المهمة التي بنى عليها أهل السنة اعتقادهم في هذه القضية، فعقيدة أهل السنة والجماعة: أن جبريل سمع القرآن من الله مباشرةً، ونزل به على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد يسأل البعض فيقول: إذا كان سمعه من الله، فلماذا نزل في اللوح المحفوظ، كما قال الله -عز وجل- عن القرآن بأنه: {قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج:21-22]؟ ولماذا جعله: {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس:13-16]؟ ولماذا جعله الله -عز وجل- في بيت العزة في سماء الدنيا؟

فنقول: هذا يدل على مزيد عناية الله -عز وجل- بهذا القرآن، فهو: حينما كتبه الله -عز وجل- في اللوح المحفوظ لم يمنع ذلك من إنزاله إلى بيت العزة في سماء الدنيا، ولا يمنع ذلك من أن جبريل يسمعه من الله -تبارك وتعالى- مباشرة.

وكلمة التنزيل تدل على: نزول، كما يدل عليه ظاهرها، نزول من أعلى، وهذه الكلمة تدل على هذا المعنى بجميع استعمالاتها، ونحن حينما ننظر إلى القرآن حينما يحدثنا الله -عز وجل- عن إنزاله، وننظر إلى استعمالات هذه اللفظة: النزول، في كتاب الله -عز وجل؛ نجد أن ذلك على ثلاثة أنواع لا رابع لها:

النوع الأول: الإخبار بأن الشيء منزل منه -سبحانه وتعالى، أي: أن يضيف ذلك إليه سبحانه.

الثاني: أن يقيده بأمر آخر، أو بشيء آخر، كالسماء وغيرها.

الثالث: وهو: أن يطلقه من غير قيد.

أما النوع الأول، وهو: الإنزال الذي قيده الله -عز وجل- بأنه منه؛ فلم يرد في جميع المواضع في كتاب الله -عز وجل-؛ إلا في إنزال القرآن فقط، والآيات التي في هذا المعنى كثيرة جدا، كقوله -تبارك وتعالى-: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [الأنعام:114]، ولم يقل: من السماء، وكقوله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل:102]، وهكذا في قوله: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الزمر:1]، وهكذا أيضا في سائر المواضع التي من هذا القبيل.

والنوع الثاني: ما كان الإنزال فيه بقيد، لكن بقيد آخر؛ مثل: الإخبار بأن هذا أنزل من السماء، كقوله -تبارك وتعالى- مثلا عن المطر: {فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الحجر:22]، والمقصود: مطلق العلو، والسحاب يقال له: سماء، كما قال الشاعر:

إذا نزل السماء بأرض قوم *** رعيناه وإن كانوا غضابا

وكذلك في قوله -تبارك وتعالى- مما يفسر هذا المعنى: {أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ} [الواقعة:69]، فحينما يخبر عن إنزال المطر من السماء، يعني: من السحاب، وكقوله: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [النور:43]، من خلال السحاب.

وهكذا حينما أخبر الله -تبارك وتعالى- عن بعض الأشياء أنه أنزلها بقيد، كقوله: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر:6]، على أحد التفسيرات في الآية، مما يصلح هنا أن يكون شاهدا: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}، يمكن أن يكون: أنزل أصولها، ويكون هذا من قبيل الإنزال المطلق، وهو: النوع الثالث الذي سيأتي، ويمكن أن يكون: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}، أي: أن أولاد الأنعام تنزل، إما لأنها إذا ولدت سقطت أولادها إلى الأرض، فهذا نزول، أو لأن فحولها تنزو على إناثها، وهذا فيه معنى النزول، فيستقر ذلك في الأرحام.

وأما النوع الثالث، وهو: الإنزال المطلق، الذي لم يقيده بشيء، لا بالسماء ولا بغيرها، فكما قال الله -عز وجل- في إنزال السكينة: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة:26]، من أين أنزلها؟ ما أخبر، وكقوله: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح:4]، فما قال: أنزل السكينة منه، أو ما قال: أنزل السكينة من السماء، وإنما قال: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح:4].

وهكذا: قد تنزل الملائكة بالسكينة في قلوب المؤمنين، كما قال الله -عز وجل: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال:12]، فتنزل الملائكة بالسكينة في قلوبهم، ويحصل الثبات من جراء ذلك، وهكذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة))([22]).

إذن: بهذا نعرف أنه لم يرد: إنزال شيء في كتاب الله، ولم ترد هذه اللفظة: لفظة التنزيل والإنزال والنزول مقيدة بأنها من الله إلا في شيء واحد، وهو: القرآن فقط، وأما الباقي مما أخبر الله أنه أنزل؛ فإما أن يُذكر بالإنزال والتنزيل المطلق، أو يقيد بشيء آخر كالسماء، وهذا يدل على: أن القرآن يختص بالله -عز وجل، وأنه كلامه -تبارك وتعالى، وهذا هو: الاعتقاد المنجي الذي لا يجوز لأحد أن يعتقد في القرآن سواه، والآيات الدالة على نزول القرآن أو غيره من الوحي تقارب خمسين ومائة آية، وهذا يدل على: أهمية هذه العقيدة، ومنزلتها، فالله سبحانه يكررها بصور شتى، كما قال الله -عز وجل-: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء:192-194]، وكما قال: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ}، يعني: الوحي، {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [النحل:2].

ومما يدل على ذلك، وعلى الخصوص: أن جبريل يأخذ الوحي من الله -عز وجل- مباشرة، ولا يأخذه من بيت العزة، ولا من اللوح المحفوظ؛ الحديث المشهور: حديث النواس بن السمعان -رضي الله عنه-: أنه حدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إذا أراد الله -عز وجل- أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة؛ خوفًا من الله، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا، وخروا لله سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل -عليه السلام-: قال: الحق وهو العلى الكبير، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمر الله -عز وجل-))([23])، فهذا الحديث نص صريح في أن الله يتكلم بالوحي، وأن أهل السماوات يصعقون، وأن جبريل يكون أول من يفيق، ثم يتلقف هذا الوحي من الله -عز وجل-، ثم ينزل به من سماء إلى سماء حتى يبلغ به ما أراد الله -تبارك وتعالى-.

ويدل على ذلك أيضا: حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وموقوفا على ابن مسعود أيضًا([24])، وهكذا حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا.

وجاء في ذلك عدد من الأحاديث، ومن ذلك: حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "أخبرني رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأنصار: أنهم بينما هم جلوس ليلةً مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم، رمي بنجم فاستنار"، يعني: رأوا شهابًا، إلى أن قال: ((ولكن ربنا -تبارك وتعالى اسمه- إذا قضى أمرًا، سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال))([25])، الحديث.

وثبت أيضًا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: ((بينما جبريل قاعد عند النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع نقيضًا من فوقه أي: سمع صوتًا فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة))([26])، والحديث في صحيح مسلم، فهذا الملك جاء بهذه البشارة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا واضح.

وهنا سؤال: فقد فهم فاهمون من هذا الحديث: أن غير جبريل قد يأتي ببعض القرآن إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم، والله يقول: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء:193]، فهؤلاء الذين فهموا من هذا الحديث هذا الفهم أجابوا عن الآية: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ}، وعن قوله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ} [النحل:102]، قالوا: هذا باعتبار الغالب، ولا يمنع أن يكون نزل بآية أو سورة أو نحو ذلك غير جبريل.

وهذا فيه نظر، وإنما ذكرته؛ لأنه كتب في بعض الكتب المفيدة المتداولة في الأيدي، يقرؤها العامة والخاصة في موضوع الرسل والرسالات، فهذا فيه نظر، والله -تعالى- أعلم؛ إذ إن هذا الملك جاء بالبشرى، والبشارة قد تكون قبل وجود الشيء، كما بشرت الملائكة إبراهيم -عليه السلام- بغلام حليم، فمن جاء بالبشارة لا يعني: أنه جاء بالشيء، وقد تكون البشارة بعده، كما نبشر نحن من رزق بغلام بذلك، وهو: بعد حصول هذا الشيء.

فالمقصود: إذا نظرنا إلى ما بشر به هذا الملك حين قال: ((أبشر بنورين أوتيتهما، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة))، فهذه الواقعة وقعت في المدينة، والذي يحدث بها هو: ابن عباس -رضي الله عنهما، وسورة الفاتحة نزلت قطعًا في مكة، وهذا الحديث الذي في صحيح مسلم حمل بعض أهل العلم إلى قول غريب، وهو: أن سورة الفاتحة نزلت في المدينة، ولما استشكلوا ردا قال فيه بعض أهل العلم: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يصلي بمكة من غير الفاتحة، ومعلوم أنها من السور المكية، وهذا مشهور ومستفيض؛ قالوا: إذن: نزلت مرتين، وبعضهم قال: نزلت نصفين، وهذا غريب غاية الغرابة.

فسورة الفاتحة نزلت في مكة، وهذا الملك جاء بالبشارة، وأما سورة البقرة فقد نزلت في أول ما نزل بعد الهجرة في المدينة، وبهذا يتضح معنى هذا الحديث، وما يرد عليه من إشكال، والجواب عنه، والعلم عند الله -تبارك وتعالى.

ومما يدل على مسألتنا الأصلية، وهي: أن جبريل أخذ الوحي من الله مباشرة: حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً))([27]).

ومما يدل عليه أيضًا: قول ابن شهاب الزهري -رحمه الله-: "آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الدين"([28])، وهذا يدل على: أن الاعتقاد السائد عند السلف -رضي الله عنهم: أن القرآن ينزل من الله -تبارك وتعالى- مباشرةً؛ ولهذا عبر الزهري بقوله: "آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الدين"، فمعناه: لو كان ينزل من السماء الدنيا، كان ما كان آخر القرآن عهدًا بالعرش، فهذه مسألة مهمة يحتاج من نظر في هذا العلم إلى معرفتها؛ لأنه قد يشكل عليه بعض الأشياء التي يجدها في كثير من الكتب.

وهنا سؤال، وهو: أن قوله -تبارك وتعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]، هذا إخبار عن نزول جملة القرآن في ليلة القدر، وهذه الآية من سورة القدر هي جزء من القرآن، فهل نزلت معه، أو نزلت بعد إنزاله جملة؟ فالسؤال هو: الله يقول: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]، وهذه الآية هي بعض القرآن، فهل نزلت هذه بعد أن أنزله الله سوى هذه الآية، ثم أخبرت هذه الآية عنه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]، أو أنها نزلت معه؟ فكيف جاءت مخبرة بنزوله في ليلة القدر وهي: واحدة منه؟

فالجواب أن يقال: يمكن أن يكون: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} يعني: حكمنا بإنزاله؛ فهي: إخبار عن أمر مستقبل، فهذا جواب، وإذا فهمت ما سبق: من أن الله -عز وجل- كتبه في اللوح المحفوظ، وأنزله إلى السماء الدنيا، وأن الله يتكلم به فيسمعه جبريل، فينزل بالآية على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ارتفع عنك هذا الإشكال، فالله كتب القرآن جميعا في اللوح المحفوظ، ومنه هذه الآية، وأنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ومنه هذه الآية، ثم هو يتنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- إما ابتداء وإما بسبب معين، ولا إشكال، فنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- من جملة ما نزل مما يحدثه عن هذا القرآن هذه الآية: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]، وأما التمحل والتكلف في مثل هذه المسائل، فلم يكن من شأن السلف -رضي الله عنهم، ولولا كثرة من يذكر هذه الأشياء لما ذكرتها؛ لأنها قد تصادف الإنسان ويجد أجوبة لا تصلح لذلك، والله تعالى أعلم.

ومما يدل على ذلك: حديث واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أنزلت التوراة لستٍ مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت منه، والزبور لثمان عشرة خلت منه، والقرآن لأربع وعشرين خلت منه))، وفي وراية: ((وصحف إبراهيم لأول ليلة))([29])، وهذا بإسناد حسن، وهو مطابق لقول الله -عز وجل: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1].

وقد يسأل بعض الناس فيقول: المشهور: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نُبِّئ في شهر ربيع، فكيف نزل القرآن في ليلة القدر في رمضان؟

فالجواب أنه يمكن أن يقال: نزل إلى سماء الدنيا في رمضان، ونُبِّئ النبي -صلى الله عليه وسلم- في ربيع، وإذا عرفتم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ابتدِئ بالرؤيا الصالحة ستة أشهر، كما في حديث عائشة السابق([30])، ثم بعد ذلك نزل عليه القرآن، فلو قلنا: من ربيع إلى رمضان، هذه ستة أشهر، ثم نزل عليه القرآن في ربيع، فإذا قلنا: إنه نزل إلى السماء الدنيا فلا إشكال، وإذا قلنا: ابتدأ إنزاله إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو: الوجه الآخر الذي جمعنا به مع القول الأول، فيكون ابتدِئ بالرؤيا الصالحة ستة أشهر من ربيع إلى رمضان، ثم نزل عليه القرآن في رمضان، والله تعالى أعلم.

بعد ذلك هنا سؤال آخر، وهو: نحن عرفنا أن القرآن كتب في اللوح المحفوظ، وأنزل جملة إلى السماء الدنيا، ثم فرق بعد ذلك، فما الحكمة من نزول القرآن مفرقًا؟ لماذا فرقه الله -عز وجل؟

أولاً: ما الحكمة من نزول القرآن جملة إلى سماء الدنيا؟ أو نسأل سؤالا قبله: القرآن نزل مفرقا على النبي -صلى الله عليه وسلم، والكتب السابقة هل نزلت مفرقة أو نزلت جملة؟

الجواب: نزلت جملة، والدليل على ذلك: صحف موسى -عليه الصلاة والسلام-، كما يدل عليه قوله تعالى: {وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ} [الأعراف:150]، {فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ} [الأعراف:144]، {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} [الأعراف:145]، فهذا كله يدل على ذلك.

وأيضًا يدل عليه: ما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "قالت اليهود: يا أبا القاسم! لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة، كما أنزلت التوراة على موسى، فنزلت الآية، وهي قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان:32]"([31])، فسبب النزول له حكم الرفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهؤلاء قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة، كما أنزلت التوراة على موسى.

وكذلك في نفس الآية: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً}.

وقد يقول قائل: هذا الأثر عن ابن عباس، والقول الذي في الآية حكاه الله عن اليهود، هو: قول اليهود، وقول اليهود لا يعني: أنه صحيح، فكيف تحتج بالآية، وبقول ابن عباس في سبب النزول على: أن الكتب السابقة نزلت جملة واحدة؟

فالجواب: أن الله أقر ذلك؛ ولو كان هذا الأمر على خلاف هذه الحقيقة التي ذكروها، كان الله -عز وجل- قال لهم: هكذا أنزلنا الكتب السابقة، أو هكذا سنة إنزال الكتب، فالله -عز وجل- لما قالوا: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان:7]، أخبرهم الله -عز وجل-: أنه جعل المرسلين كذلك، فلما أقر الله ذلك دل على صحته.

ومعلوم: أن حكايات الأقوام التي يحكيها الله -عز وجل- عن قوم أنهم قالوها، إذا لم تعقب في القرآن بما يدل على إبطالها، فإن هذا يدل على صحتها، إلا ما ندر، يعني: غالبًا يدل ذلك على صحتها، مثل: ما جاء في خبر أصحاب الكهف: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف:22]، ماذا قال: {رَجْمًا بِالْغَيْبِ}، ثم قال: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف:22]، فما أنكره وما أبطله، {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ}، فهذا يشعر أن هذا القول في عدد أصحاب الكهف هو: الصحيح، وهذا له أمثله كثيرة، كقوله -تبارك وتعالى-: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} [الأعراف:28]، فأبطل أحد الأمرين، وسكت عن الآخر؛ مما يدل على صحته: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ}، وسكت عن: {وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا}، وهذا معنى صحيح.

ومما يدل على أن الكتب السابقة نزلت جملةً: ما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- بإسناد حسن، قال: "أعطي موسى التوراة في سبعة ألواح"([32])، يعني: أنه أعطي ذلك جملة.

فإذا عرفنا هذا، فأقول بعده: بأن هذا القرآن الذي نزل مفرقا على النبي -صلى الله عليه وسلم، تارة ينزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- السورة بكاملها، وتارة ينزل عليه صدر السورة، وتارة ينزل عليه آية، وتارة ينزل عليه آيات، وتارة ينزل عليه بعض آية، فآيات الإفك، وهي: عشر آيات، نزلت جملة([33])، وسورة الفاتحة نزلت جملةً, وسورة الإخلاص نزلت جملة، وهكذا سور كثيرة من القرآن، ونزل أول سورة: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1]، عشر آيات دفعة واحدة([34])، وصح نزول: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء:95]، بعد ما جاء ابن أم مكتوم، وقد نزل أول الآية، وهذا في البخاري([35])، وصح عن عكرمة في تفسير قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة:75]، قال: "أنزل الله القرآن نجومًا: ثلاث آيات، وأربع آيات، وخمس آيات"([36])، يعني: وأكثر من ذلك وأقل، فهذا النزول، منه: ما يكون بسورة كاملة، ومنه: ما يكون بأقل من ذلك.

بعد ذلك نرجع إلى السؤال الذي ذكرته سابقًا: ما الحكمة في نزول القرآن جملةً واحدة إلى سماء الدنيا؟

يمكن أن يقال: هذا أمر غيبي لا نخوض فيه بأفهامنا وآرائنا، فنمسك عنه، ونفوض العلم إلى عالمه، فنحن نعلم أنه نزل جملة، ونسلم بذلك، لكن لا شك أن هذا يدل على معنى، وهو: عظم عناية الله -عز وجل- بهذا القرآن، ونقف عند هذا، وأما التفاصيل التي يذكرها بعض أهل العلم، فهذا نتوقف عنه، فلا نخوض فيه؛ لأنه من أمر الغيب، ولم يخبرنا الله -عز وجل- عنه.

نأتي إلى سؤال آخر، وهو: ما الحكمة في نزول القرآن مفرقًا منجمًا على النبي -صلى الله عليه وسلم؟

الجواب: يمكن أن أذكر حكمًا كبيرة يندرج تحتها أشياء، فأذكر الحكمة ثم أذكر ما يدخل تحتها، أو وجه ذلك:

فالأولى: تثبيت فؤاد النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما قال الله -عز وجل-: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان:32]، فهذه واحدة، وهذا التثبيت من خمسة أوجه، ما وجه هذا التثبيت بإنزاله مفرقا؟

هذه الوجوه الداخلة تحته أقول: أولها: أن في تجدد الوحي للنبي -صلى الله عليه وسلم- مرة بعد مرة؛ انشراح لصدره -عليه الصلاة والسلام، لما في ذلك من عناية الله -عز وجل- به، حينما يتعاهده الملك.

والثاني: أن ذلك أيسر لفهمه وحفظه، فيكون ذلك من تثبيت فؤاد النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا القرآن من جهة الفهم والحفظ.

وكذلك أيضًا: أنه في كل مرة ينزل عليه القرآن، هو في الواقع: يأتيه بمعجزة جديدة، فيكون ذلك مزيدًا من التثبيت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وأيضًا: أن نزوله مفرقًا يكون ذلك تأييدًا له مرة بعد مرة؛ لأنه إذا نزل يدحض شبه المبطلين، ويرد على افتراءاتهم، ويكسرهم، وهم أعداء النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيكون ذلك مقويًا له، وناصرًا له على هؤلاء الذين يتقولون عليه زورًا وبهتانًا.

وخامسها: أن في ذلك من تعاهد الله -عز وجل- لرسوله -صلى الله عليه وسلم- عند اشتداد الأمور ما فيه، فكلما تعددت الشدائد كلما تعدد ما يرفعها ويدفعها، فيخف عنه الألم والبلاء، ويتسلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك، ولو اجتمع عليه من بأقطارها.

فهذه خمسة أوجه تدخل تحت هذا الأمر الأول، وهو: تثبيت فؤاد لنبي -صلى الله عليه وسلم-.

ننتقل إلى الثانية من الحكم التي تذكر في نزول القرآن مفرقا، نقول: التدرج في تربية الأمة، في الأمور العلمية والأمور العملية، وهذا أيضًا من خمسة أوجه:

أولها: تيسير الحفظ على الأمة؛ فلو نزل جملة واحدة لشق عليهم، لكن في ثلاث وعشرين سنة، مرة تنزل آية، ومرة تنزل ثلاث، ومرة خمس، فيتلقفونها فيحفظونها.

وهكذا: تيسير الفهم، فيتعلمون العلم والعمل جميعًا، لا سيما مع معايشة الوقائع، فترسخ؛ لأنها نزلت في حادثة يشاهدونها.

وهكذا أيضًا: التمهيد لكمال تخليهم عن عقائدهم الباطلة؛ كما قالت عائشة -رضي الله عنها-: "لو كان أول ما نزل: لا تشربوا الخمر؛ لقالوا: لا ندعها أبدًا"([37])، وهكذا: لو نزل لأول وهلة كل ما في القرآن من الأحكام والشرائع؛ لما أطاقه هؤلاء الناس، ولكنه نزل شيئًا فشيئًا حتى يتخلوا عن باطلهم الذي نشؤوا وشبوا وشابوا عليه.

وهكذا: التدرج معهم في الأحكام، وتربيتهم بهدايات القرآن شيئًا بعد شيء، ولو أنه فاجأهم بهذه الأحكام جميعًا، وطالبهم بتطبيقها، ما استطاعوا.

ثم أيضًا الخامس: تثبيت قلوب المؤمنين، وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين؛ لأن القرآن حينما ينزل عليهم يعالج الحوادث، ويبين لهم الأحكام مرة بعد مرة، ففي مرة يذكر لهم قصة نبي، وفي مرة يذكر لهم واقعة من الوقائع...، إلى آخره؛ فهذه الأمور هي: تربية يتربون عليها.

والحكمة الثالثة هي: مسايرة الحوادث والوقائع، وذلك من ثلاثة أوجه:

الأول: إجابة الأسئلة؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- توجه له الأسئلة، فيأتي الوحي.

وأيضًا: الأحداث التي تكون في السيرة، فينزل، كما تخلف أُناسٌ عن غزوة تبوك، وإذا فعل المنافقون فعلاً، وقال اليهود قولاً، فنزلت الآيات تتحدث عن هذا الأمر، وتبين الموقف منه، وتجلي حقيقته، وأنت تجد الناس اليوم إذا وقع حدث بدأوا يبحثون عن المحللين، ومن يطمئنون إليهم، ويثقون بهم؛ ليحللوا لهم خلفيات هذا الحدث، فالقرآن كان ينزل، فيعالج هذه القضايا، ويبين الموقف الصحيح منها، فهذه أمة رباها القرآن.

ثالثها: كشف حال المنافقين، وأعداء الإسلام؛ ولهذا سميت سورة براءة: بالفاضحة والمقشقشة؛ حتى قال ابن عباس: "ما زال الله -عز وجل- يقول: ومنهم، ومنهم، ومنهم، ومنهم، -يعني: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} [التوبة:49]، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة:58]، ومنهم من يقول كذا- حتى ظننا أنها لا تبقي أحدًا"([38])، ففضحتهم وكشفتهم.

إذن: الحكمة الأولى هي: تثبيت فؤاد النبي -صلى الله عليه وسلم-.

والثانية: التدرج في تربية الأمة في العلم والعمل.

والثالثة: مسايرة الحوادث.

وأما الرابعة من هذه الحكم والأخيرة: فالإرشاد إلى مصدر القرآن، فحينما ينزل هذا القرآن في ثلاث عشرين سنة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعلى نفس المستوى من البلاغة والفصاحة والقوة، فهذا يعني: أن مصدره من الله -عز وجل.

فالآن حينما يؤلف الإنسان كتابًا في ثلاث وعشرين سنة، لو نظرت إلى السنة الأولى والسنة الرابعة أو الخامسة والسنة العاشرة والسنة الخامسة عشرة والسنة الأخيرة؛ تجد تفاوتًا كبيرًا، بل إن الإنسان يكتب، فإذا قرأ ما كتب بعد سنتين أو ثلاث أو أربع؛ لربما يعجب كيف كتب هذا الكلام؟! واحتاج إلى إعادته.

فكونه ينزل على نفس المستوى، ونفس النمط، من أول مرة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة:278]، آخر آية، وأول آية: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1]، فهل تجد فرقًا في الفصاحة والعذوبة والقوة؟! أبدًا، وبين هذه وهذه ثلاث وعشرون سنة.

ونحن حينما نرى بعض الكتب التي يكون العالم قد وُفِّق فيها، وكتبها بأسلوب محرر، نقول: لعل هذا من آخر مؤلفاته، وإذا رأينا له كتابا فيه شيء من الضعف، قلنا: هذا لعله من أول تصانيفه؛ لأن الإنسان لا يزال يُحصِّل المَلَكات، ويتدرج في سلم الكمال، حتى يُحصِّل من ذلك ما يشاء الله -عز وجل.

أما هذا القرآن؛ فهو: كلام رب العالمين، لا ترى فيه هذا التفاوت، ولو كان من عند أحد من البشر؛ لرأيت فيه تفاوتًا عظيمًا، وهذا داخل تحت عموم قوله -تبارك وتعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:82]، فهذا الاختلاف يشمل صورًا متعددة، منها: هذا التباين في الفصاحة والبلاغة، وما إلى ذلك.

بعد ذلك نأتي إلى الموضوع الآخر، وهو: أسباب النزول.

فسبب النزول ما هو؟ نقول: هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه، أو مبينة لحكمه أيام وقوعه، سواء كان حادثة أو سؤال، لكن أيام وقوعه، وأيام وقوعه هذه العبارة ما الفائدة منها؟ ماذا نستفيد من قولنا: أيام وقوعه؟ يعني: مثلاً في قوله -تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل:1]، هي تحدثت عن قصة الفيل، لكن هل يقال: سبب نزول سورة الفيل هو قدوم أبرهة؟ الجواب: لا، وكذلك الآيات التي تحدثت عن فلق البحر لموسى -عليه السلام، هل نقول: سبب نزول الآية: لما فلق الله البحر لموسى؟ الجواب: لا، فقولنا: أيام وقوعه، لا يعني: ما نزل مما حكاه القرآن قبل ذلك بمدة طويلة، لكن سبب النزول هو: حينما تنزل والقضية جديدة، فيتحدث القرآن عنها، وليست قضية غابرة قديمة قصها القرآن علينا، فهذا من قصص القرآن، ومن أخبار القرآن، فسبب النزول يتحدث عن: واقعة نزلت، وعايشها الصحابة، فينزل القرآن مبينا لها.

ونزول القرآن منه: ما ينزل ابتداء، وهو: الأكثر والغالب، ومنه: ما ينزل بسبب واقعة أو سؤال، كأن تحصل حادثة، أو النبي -صلى الله عليه وسلم- يوجه له سؤال، فتنزل آيات معينة.

وإذا عرفت هذا، حصل لك التوسط بين من بالغ، وأراد أن يبحث لكل آية عن سبب نزول، حتى صار يتكلف في أشياء لم يرد فيها رواية أصلاً، ويقول: سبب نزول هذه الآية كذا، ولم يرد فيها رواية، وبين من لم يلتفت إلى هذا أصلاً؛ كأبي عبيدة، معمر بن المثنى المعتزلي، صاحب مجاز القرآن، فإنه يأتي فيفسر قول الله -عز وجل: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال:11]، فيقول: "يربط على القلوب، فتثبت الأقدام في المعركة، فلا تفر إذا ربط على القلوب"([39])، فهذا الكلام هنا غير صحيح؛ لأن سبب النزول موجود، فكان من المفترض أن ينظر في سبب النزول قبل أن يفسر هذا التفسير اللغوي؛ لأن سبب النزول يدل على: أن الصحابة كانوا في أرض دهسة، تسوخ فيها الأقدام، فأنزل الله -عز وجل- عليها المطر، فتلبدت، فثبتت الأقدام عليها([40])، فمن عرف سبب النزول، والواقعة، والملابسات؛ عرف معنى الآية، وسيأتي ذلك في فوائد معرفة أسباب النزول؛ ولهذا نقول: إن معرفة هذا الباب، أي: أسباب النزول، أمر ضروري لمن أراد أن يفهم القرآن، فهو: من الشروط الأساسية لذلك، مع أننا نقول: بأن أسباب النزول ليست على وتيرة واحدة في الأهمية من حيث انكشاف المعنى الذي يترتب على معرفتها، وهذا سأذكره؛ لأنه على مراتب خمس، ففائدة معرفة سبب النزول، وأهمية معرفة سبب النزول ليس على وتيرة واحدة، فأحيانًا حتى لو ما عرفناه يكون المعنى واضحًا، وأحيانا لا، فقد لا نفهم الآية إلا بسبب النزول، فهو على خمس مراتب من حيث الأهمية، سيأتي ذكرها.

بعد ذلك أنتقل إلى النقطة الأخرى: ما الفوائد من معرفة سبب النزول؟

أقول: هناك فوائد كثيرة، منها مثلاً: معرفة الحكمة التي من أجلها شُرِع هذا الحكم، الله -عز وجل- يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة:12]، قد يتساءل الإنسان، فيقول: ما الحكمة من هذه الصدقة؟! لماذا؟! فإذا عرف سبب النزول، وهو: أنهم أكثروا على النبي -صلى الله عليه وسلم- من النجوى، كل لحظة يجي واحد إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: أريدك في موضوع خاص، أريد أتكلم معك على جنب، فكثر ذلك على النبي -صلى الله عليه وسلم- وشق عليه، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستحي من الناس أن يردهم، فنزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة:12]، فهذا فيه: نفع للفقراء، وفيه: تزكية للإنسان حينما يتصدق.

وفيه أيضًا: الأصل من شرع الحكم والحكمة منه، وهو: التخفيف على رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فلما شرع هذا الحكم توقفوا عن النجوى، فالنجوى بصدقة، تصدق ثم تعالى تناجي رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فاستراح النبي -عليه الصلاة والسلام، فإذا عرفت سبب النزول تعرف الحكمة التي من أجلها شرع هذا الحكم، فهذه فائدة.

وهناك فائدة أخرى، ولا حاجة بنا إليها على قول الجمهور، وهي: تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب، والواقع: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبالتالي لا حاجة بنا إلى هذه الفائدة، إنما يحتاج إليها من يقول: بأن العبرة بخصوص السبب.

والفائدة الثالثة: أن اللفظ قد يكون عامًا، وقد يأتي دليل مخصص يخرج بعض الأفراد، فصورة السبب قطعية الدخول في العام، ولا يجوز إخراجها منه، فنعرف هذا، فإذا عرفنا السبب، فإن صورة السبب قطعية الدخول في العام، ولا يجوز إخراجها منه بالاجتهاد، ومسألة التخصيص هي: مسألة اجتهادية، تجمع بين دليلين، هذا عام وهذا خاص، وتقول: حتى نجمع بين الدليلين، نقول: إن هذا الخاص يخرج بعض الأفراد من العام، فنقول له: أخرج ما شئت مما يمكن أن يخرجه هذا الخاص، بشرط: ألا تتعرض لصورة سبب النزول؛ لأنها قطعية الدخول في هذا العام الذي نزلت الآية فيه.

والرابع: الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال؛ لأنه في كثير من الأحيان لا يمكن الوقوف على المعنى إلا بمعرفة سبب النزول؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: "إن معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب"([41]).

نعطيكم مثالاً أو مثالين في ذلك: الله -عز وجل- يقول: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:93]، فليس عليهم جناح فيما طعموا، فيأكلون ما يريدون، ويشربون ما شاءوا، فقدامة بن مظعون -رضي الله تعالى عنه- ممن شهد بدرا، شرب الخمر، وجيء به في عهد عمر -رضي الله عنه، وكان هو: في البحرين، فجيء به من البحرين، فقيل له: لماذا شربت الخمر؟ فقال: الله يقول: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وليس عليهم جناح، يعني: حرج، وقال: وأنا آمنت، وهاجرت، وشهدت بدرًا مع النبي -صلى الله عليه وسلم، فشربت الخمر، فبين له عمر: أن هذا ليس هو المقصود من الآية، وبين له سبب النزول، فهذه الآية نزلت بسبب، وهو: أن بعض الصحابة -رضي الله عنهم- قبل تحريم الخمر خرجوا إلى أحد وقد شربوا من الخمر ما شربوا، ومنهم: حمزة -رضي الله عنه، ألم يشرب حمزة -رضي الله عنه- الخمر، وعقر الشارفين لعلي -رضي الله تعالى عنه، التي أخذها من سهمه في بدر، ولما جاء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- إليه قال: "هل أنتم إلا عبيد لأبي"([42])، يقول لعلي، ويقول للنبي -صلى الله عليه وسلم، وهو: سكران قبل تحريم الخمر؟! فخرجوا إلى أحد، وكثير منهم قد شرب ما شرب من الخمر، فقتلوا والخمر في أجوافهم، فلما حرمت الخمر استشكل الصحابة ذلك، وقالوا: كيف بإخواننا الذين قتلوا وهي في أجوافهم؟ فأنزل الله -عز وجل: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:93]، أي: قبل تحريم الخمر([43])،لاحظت! كيف يكون سبب النزول في غاية الأهمية؟!

وخذ مثالا آخر: الله -عز وجل- يقول: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115]، فلو جاء إنسان وأخذ الآية كما هي في ظاهرها، لقال: إن الصلاة ما يشترط فيها الاتجاه إلى القبلة، وما يذكره الفقهاء من هذا الاشتراط، فإن الآية تدل على خلافه، فصل في أي جهة، فنقول: معرفة سبب النزول تزيل هذا الإشكال، وذلك: أن قومًا اجتهدوا في السفر، فصلى كل رجل حسب اجتهاده، ووضعوا خطوطًا في ليلة غائمة، فلما أصبحوا وجدوا أن بعضهم صلى إلى غير القبلة، فأنزل الله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115]([44]).

وأيضًا: صح أن اليهود لما حولت القبلة من بيت المقدس احتجوا على المؤمنين، فقال الله -عز وجل: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115]([45])، وليس معناه: أنك تتجه حيث شئت.

وهكذا: عروة بن الزبير حينما جاء إلى عائشة -رضي الله عنها- يقول في قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158]، يعني: إن أراد أن يسعى بين الصفا والمروة في الحج والعمرة سعى، وإلا فلا حرج، فهو: مخير، لقوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ}، أي: لا حرج عليه، فلا يجب السعي عليه، هكذا فهم، فردت عليه عائشة -رضي الله عنها، وبينت سبب النزول، وهو: أن الأنصار -رضي الله تعالى عنهم- الأوس والخزرج كانوا يتحرجون من السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه كان على الصفا صنمان، "إساف ونائلة"، فكانوا يطوفون بهما في الجاهلية، يسعون ويدورون على هذه الأصنام تقربًا إليها، فظنوا أن السعي بين الصفا والمروة من شعائر الجاهلية، فلما أسلموا تحرجوا من السعي، فالله قال لهم: لا، فقال الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158]([46])، لا حرج عليه أن يسعى بين الصفا والمروة، فزال الإشكال بمعرفة سبب النزول؟! وهكذا في أمثلة أخرى.

والخامس هو: دفع توهم الحصر، الله -عز وجل- يقول: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام:145]، فذكر ثلاثة أشياء، أين باقي الأشياء المحرمة، كالأشياء الضارة؟ وأين لحوم الحمر الأهلية؟ وأين كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير؟ مع أن الآية ظاهرها الحصر، فمن عرف السبب الذي نزلت الآية مجيبة عنه انحل عنه الإشكال، وذلك أن المشركين في مكة كانوا يحللون أشياء ويحرمون أشياء، كما قال الله تعالى: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ} [الأنعام:138]، وقال: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} [الأنعام:139]، فالله رد عليهم أعنف الرد، كأنه قال لهم: الحلال ما حرمتم، والحرام ما أحللتم، على سبيل المبالغة في الرد: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} [الأنعام:145]([47])، لا هذه السفسطة التي تحرمون بها، وتحللون: الظهور، وما في الأحشاء، ... إلى آخره، من عند أنفسكم، فهذا هو: الخامس.

والسادس والأخير: معرفة المبهم، أو اسم من نزلت فيه الآية؛ وهذا قليل الفائدة والجدوى، إلا في بعض الحالات القليلة، فمن هذه الحالات القليلة: أن مروان بن الحكم حينما كان يخطب على منبر النبي -صلى الله عليه وسلم، وذكر عهد معاوية إلى ابنه يزيد بالخلافة، وقال: سنة أبي بكر وعمر، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه، قال: سنة هرقل وقيصر تجعلونها لأبنائكم، فقال مروان للحرس: خذوه، فدخل في بيت عائشة -رضي الله عنها، وهي: أخته، فقال مروان على المنبر: هذا الذي أنزل الله فيه: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي} [الأحقاف:17]، فقالت عائشة من وراء الحجاب: "والله ما نزلت فينا، وما نزل فينا شيء من القرآن غير عذري، يعني: في قصة الإفك، في براءتها -رضي الله عنها-، ولو شئت أن أسمي من نزلت فيه لسميته"([48])، فاستفدنا من معرفة سبب النزول من هو: النازل فيه الآية، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله، وصحبه.

 

[1] - أخرجه أحمد في الزهد (ص:148)، أخبار معاذ بن جبل -رضي الله عنه، برقم (1011)، وابن أبي الدنيا في المحتضرين (ص:110)، باب: تعزية النفس عند الاحتضار بالصبر والاحتساب، برقم (127)، وابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد (3/184)، العقد الفريد (3/184) القول عند الموت، وأبو نعيم في حلية الأولياء (1/239)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (1/190)، معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس.

[2] - أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟، برقم (4)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم، برقم (161).

[3] - أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (161).

[4] - أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟، برقم (2)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب: عرق النبي -صلى الله عليه وسلم- في البرد وحين يأتيه الوحي، برقم (2333).

[5] - أخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، باب: ومن سورة المؤمنون، برقم (3173)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (ص:632)، برقم (4352).

[6] - أخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، باب: ومن سورة المؤمنون، برقم (3173)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (ص:632)، برقم (4352).

[7] - أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب: عرق النبي -صلى الله عليه وسلم- في البرد وحين يأتيه الوحي، برقم (2334).

[8] - أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟، برقم (2).

[9] - أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟، برقم (2)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب: عرق النبي -صلى الله عليه وسلم- في البرد وحين يأتيه الوحي، برقم (2333).

[10] - أخرجه أحمد في المسند، برقم (5857)، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط مسلم"، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (3/104)، برقم (1111).

[11] - أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب: معرفة الإيمان، والإسلام، والقدر وعلامة الساعة، برقم (8).

[12] - أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب: قوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164]، برقم (7517)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: الإسراء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى السماوات، وفرض الصلوات، برقم (162).

[13] - انظر: فتح الباري لابن حجر (1/19).

[14] - انظر: الزهد والرقائق لابن المبارك والزهد لنعيم بن حماد (1/512)، باب: فضل ذكر الله -عز وجل، برقم (1458)، والشريعة للآجري (3/1185)، كتاب الإيمان والتصديق بأن الله -عز وجل- كلم موسى -عليه السلام، باب: الإيمان بأن الله -عز وجل- خلق آدم -عليه السلام- بيده وخط التوراة لموسى بيده, وخلق جنة عدن بيده, وقد قيل: العرش, والقلم, وقال لسائر الخلق: كن فكان, فسبحانه، برقم (759)، والعظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (5/1555)، وصفة الجنة لأبي نعيم الأصبهاني (1/48)، ذكر خلق الجنة وأمر الله -عز وجل- إياها بعد الخلق بالكلام، برقم (23)، الإبانة الكبرى لابن بطة (7/301)، باب: الإيمان بأن الله -عز وجل- خلق آدم بيده، وجنة عدن بيده، وقبل العرش والقلم، برقم: (230)، وقال الألباني: وإسناده صحيح، في مختصر العلو للعلي العظيم (ص:129-130)، برقم (104).

[15] - انظر: التحرير والتنوير (9/96).

[16] - أخرجه الحاكم في المستدرك، برقم (3958)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، والبيهقي في السنن الكبرى (4/504)، كتاب الصيام، باب: فضل ليلة القدر، برقم (8521)، والنسائي في السنن الكبرى، برقم (11501)، والطبراني في المعجم الكبير (12/44)، برقم (12426).

[17] - أخرجه الحاكم في المستدرك، برقم (2879)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".

[18] - أخرجه النسائي في السنن الكبرى، برقم (7937)، والطبراني في المعجم الكبير، برقم (12381)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين، برقم (2881)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".

[19] - أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، برقم (11839)، وفي المعجم الأوسط، برقم (1479).

[20] - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (10/3452) برقم (19425)، والطبراني في المعجم الكبير، برقم (12382).

[21] - أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (6/144)، كتاب فضائل القرآن، في القرآن متى نزل؟، برقم (30190)، وانظر الإتقان في علوم القرآن (1/147).

[22] - أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب: رفع الأمانة، برقم (6497)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب، وعرض الفتن على القلوب، برقم (143).

[23] - أخرجه الطبري في تفسيره، (جامع البيان) (20/397)، وابن خزيمة في التوحيد (1/348)، باب: صفة تكلم الله بالوحي وشدة خوف السماوات منه، وذكر صعق أهل السماوات وسجودهم لله -عز وجل، وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (2/500)، ذكر شأن ربنا -تبارك وتعالى- وأمره وقضائه، والبيهقي الأسماء والصفات (1/511)، باب: ما جاء في إسماع الرب -عز وجل- بعض ملائكته كلامه الذي لم يزل به موصوفا ولا يزال به موصوفا, وتنزيل الملك به إلى من أرسله إليه, وما يكون في أهل السماوات من الفزع عند ذلك، برقم (435)، وابن أبي عاصم في السنة (1/226)، باب: ذكر الكلام والصوت والشخص وغير ذلك، برقم (515)، والآجري في الشريعة (3/1092)، كتاب التصديق بالنظر إلى الله -عز وجل، باب: ذكر السنن التي دلت العقلاء على أن الله -عز وجل- على عرشه فوق سبع سماواته وعلمه محيط بكل شيء, لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، برقم (668).

[24] - أخرجه ابن حبان في صحيحه، برقم (37)، وقال محققه الأرناؤوط: "إسناده صحيح"، والبيهقي في الأسماء والصفات، برقم (433)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (1293).

[25] - أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهان، برقم (2229).

[26] - أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل الفاتحة، وخواتيم سورة البقرة، والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة، برقم (806).

[27] - أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب: بعث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه، وخالد بن الوليد -رضي الله عنه، إلى اليمن قبل حجة الوداع، برقم (4351)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم (1064).

[28] - انظر: الإتقان في علوم القرآن (1/148)، وأخرجه الطبري في تفسيره، (6/41)، برقم (6316)، عن ابن شهاب قال: حدثني سعيد بن المسيب: أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين.

[29] - أخرجه أحمد في المسند برقم (16984)، وقال محققوه: "حديث ضعيف، تفرَّد به عمران القطان، وهو ممن لا يحتمل تفرُّدُه، وقد ضعَّفه أبو داود والنسائي والعُقيلي وابنُ معين في رواية، وقال في رواية: صالح الحديث، وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث، وقال البخاري: صدوق يهم، وقال الدارقطني: كان كثير المخالفة والوهم، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه"، والطبراني في المعجم الكبير (22/75)، برقم (185)، وفي المعجم الأوسط (4/111)، برقم (3740)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن قتادة، إلا عمران القطان، ولا يروى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا بهذا الإسناد، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (4/104)، برقم (1575).

[30] - أخرجه البخاري، باب: بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟، برقم (3)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم، برقم (160).

[31] - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (8/2689)، برقم (15127).

[32] - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (5/1562)، برقم (8957).

[33] - أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب: حديث الإفك، برقم (4141)، ومسلم، كتاب التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، برقم (2770).

[34] - أخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، باب: ومن سورة المؤمنون، برقم (3173)، وقال الألباني: منكر، انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (3/394)، برقم (1242).

[35] - أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب: قول الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ} [النساء:95]، إلى قوله {غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:96]، برقم (2832)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب: سقوط فرض الجهاد عن المعذورين، برقم (1898).

[36] - أخرجه الطبري في تفسيره (23/147).

[37] - أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: تأليف القرآن، برقم (4993).

[38] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: {الْجَلَاءَ} [الحشر:3] الإخراج من أرض إلى أرض، برقم (4882)، مسلم، كتاب التفسير، باب: في سورة براءة والأنفال والحشر، برقم (3031).

[39] - انظر: مجاز القرآن (1/242).

[40] - أخرجه الطبري في تفسيره (13/424)، برقم (15771).

[41] - مجموع الفتاوى (13/339).

[42] - أخرجه البخاري، في أول كتاب فرض الخمس، برقم (3091)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب: تحريم الخمر، وبيان أنها تكون من عصير العنب، ومن التمر والبسر والزبيب، وغيرها مما يسكر، برقم (1979).

[43] - أخرجه النسائي في السنن الكبرى (5/138)، برقم (5270)، وعبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (9/240)، برقم (17076)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/547)، برقم (17516).

[44] - أخرجه الترمذي، أبواب الصلاة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، باب: ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم، برقم (345)، وقال: "هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان يضعف في الحديث"، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلوات والسنة فيها، باب: من يصلي لغير القبلة وهو لا يعلم، برقم (1020)، وحسنه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (1/323)، برقم (291).

[45] - أخرجه الطبري في تفسيره (2/527)، وأخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب: الصلاة من الإيمان، برقم (40).

[46] - أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب: وجوب الصفا والمروة، وجعل من شعائر الله، برقم (1643)، ومسلم، كتاب الحج، باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به، برقم (1277).

[47] - انظر: تفسير الطبري (12/190-192).

[48] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأحقاف:17]، برقم (4827).

سبب النزول صيغه ومكانه

 فوائد معرفة أسباب النزول

ليس على وزان واحد من حيث الأهمية، فبعض هذه المعرفة أهم من بعض، فأحيانًا يتوقف المعنى على معرفة سبب النزول, وعلى الوقوف عليه، فلا تفهم الآية حتى تعرف سبب النزول، وهذا في هذه الحال يكون معرفة سبب النزول فيه في غاية الأهمية؛ لأن التفسير يتوقف عليه؛ ولأن فهم المعنى يتوقف عليه، وهذا له أمثلة متعددة منها:

أن الله -عز وجل- قال: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور:33]، والبغاء معروف: مصدر باغت الجارية بغاء، فهي: بغي، يعني: إذا فجرت بأجرة، فهذه الآية لو بقينا مع ظاهرها: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور:33]، فمفهوم المخالفة: أنها إذا ما أرادت التحصن فلا مانع من إكراهها، فإذا كانت لا تريد العفاف، وليست بعفيفة، فلا مانع من إكراهها، وإنما الممنوع في ظاهر الآية: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور:33]، فالتي لا تريد تحصنا لا مانع من إكراهها على هذا العمل، أي: غير الشريفة، وهل هذا هو المعنى؟

الجواب: أبدًا، فإذا عرفت سبب النزول اتضح لك وجه هذا الشرط في الآية: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا}، وهو: أن عبد الله بن أبي بن سلول، رئيس المنافقين، كان له جاريتان، فأسلمتا، فكان يكرههن على البغاء، وهن بعد الإسلام عرفن أن ذلك أمر محرم، وتباعدن عنه، فكان يضربوهن من أجل أن يتكسب -قبحه الله- بهذا العمل الشنيع، فالله -عز وجل- أنزل هذه الآية بهذا السبب([1])، كما صح في الرواية؛ ليعالج واقعة حاصلة، وقعت من بعض الناس، وإن كان المعنى أعم من ذلك، فلا يجوز لها أن تفعل هذا الفعل، ولا يجوز لوليها أو لسيدها أن يسمح لها، سواء كانت تريد التحصن أو لا تريد التحصن، لكن لماذا قال: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا}؟ لأن هذا يتناسب مع الواقعة التي نزل القرآن ليعالجها، فسبب النزول يبين المعنى هنا.

خذ مثالاً آخر: الله -عز وجل- يقول في سورة البقرة: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة:189]، ما معنى هذا الكلام؟ هل هناك أحد يأتي البيت من ظهره؟ ما معنى هذا التوجيه الرباني؟ {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة:189]، ما معنى هذا الكلام؟ فهذا قد لا يفهم الإنسان المراد منه إلا إذا عرف سبب النزول، وهو: أن بعض الأحياء من أحياء العرب، أو من أهل المدينة، كان الواحد منهم إذا أحرم بالحج أو العمرة يرى ديانة أن من محظورات الإحرام: أنه لا يدخل بيتًا من بابه، فما كانوا يستظلون أصلا بسقف، وإنما إن كانت له حاجة عرضت، فيتسور من وراء الجدار، حتى يأخذ حاجته، فالله -عز وجل- يقول: هذا ليس هو البر الذي يتقرب به إلى الله -عز وجل-، أنكم تتسورون البيوت من ظهورها، ولا تدخلون من الأبواب تقربًا إلى الله -عز وجل، فالله لا يتقرب إليه بهذا، وإنما البر التقوى، {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة:189]([2])، فهذا الذي يقرأ الآية قد لا يفهم المعنى إلا إذا عرف سبب النزول.

وهكذا ما ذكرنا سابقا في قوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158]، فظاهرها أن الطواف، يعني: السعي بين الصفا والمروة أمر مرفوع فيه الحرج، إذن هو: ليس بلازم، كما فهم عروة بن الزبير، فبينت له عائشة سبب نزول الآية([3])، فهذا هو القسم الأول الذي يتوقف عليه التفسير.

القسم الثاني هو: حوادث ووقائع حصلت، فسَبَّبَ ذلك تشريعات قررها الله -عز وجل- في كتابه واضحة بينة، فهي بحد ذاتها في القرآن واضحة مشروحة، سبب النزول إذا عرفته لا يؤثر في الحكم شيئًا، ولا يزيدك وضوحًا على ما في كتاب الله -عز وجل، الأمر واضح في القرآن مشروح، فلو لم نعرف سبب النزول لم يقع لنا أي إشكال، فإذا عرفنا سبب النزول، فيكون هذا من باب زيادة العلم فقط، مثاله:

قصة عويمر العجلاني لما قذف امرأته([4])، وكذلك هلال بن أمية لما قذف أمرأته([5])، ولعل الواقعتين بينهما تقارب، فنزلت الآية بعد الواقعتين، وذلك حينما جاء ورمى امرأته، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم: ((البينة أو حد في ظهرك))([6])، يعني: يحضر أربعة شهود بالشهادة المعروفة، أو حد، وهو: ثمانون جلدة، فأنزل الله -عز وجل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [النور:6]، الآيات في اللعان، فهذه لو وقفنا مع الآيات فقط، وما عرفنا سبب النزول، هل يقع فيه إشكال في معنى الآيات؟

الجواب: لا، فسبب النزول إذا عرفته فهو من باب زيادة العلم، لكن المعنى لا يتوقف عليه، ولا يحصل لك إشكال في المعنى بسبب جهلك فيه بمعرفة سبب النزول، فهذا النوع معرفته ليست أصلية، وليست ضرورية.

ومن أمثلته: أن كعب بن عجرة لما كان القمل يتساقط على وجهه من كثرته، وكان محرمًا مع النبي -صلى الله عليه وسلم، فلما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما به، نزلت فيه هذه الآيات: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة:196]، يقول: كعب بن عجرة -رضي الله عنه: هي خاصة لي، ولكم عامة([7])، فلو أننا لم نعرف قصة كعب بن عجرة -رضي الله عنه، والله -عز وجل- قال: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة:196]، افترض أننا ما سمعنا سبب نزول الآية، ماذا نفسر الآية؟ سنقول: من كان به أذى من رأسه من قروح يحتاج معها إلى إزالة الشعر، إلى حلقه، مثل: تنفط الجلد بسبب إحراق الشمس، أو غير ذلك، أو هوام في الشعر، كهذا الذي وقع لكعب بن عجرة، لأن الله قال: {أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ}، فيصدق على كل أذى، ولو لم نعرف سبب النزول، فهذا النوع إذن: ليس من الضروري أن يعرفه المفسر، أو طالب العلم؛ لكنه يفيد في الجملة بيان رحمة الله -عز وجل، وتوسعته على المكلفين، وما شابه ذلك.

ويلحق به أيضًا: حوادث كثيرة جدًا، أنزل الله -عز وجل- بها آيات، حكمها عام، جاء الله -عز وجل- بها في سياق عام، فقد يتوهم من نزلت فيه الآية: أن هذا الموضوع يخصه، بينما يؤخذ عموم الآية، وهو: واضح المعنى، وإن لم نعرف السبب، مثل: الرجل الذي لقي امرأة، وقارف معها بعض ما لا يليق، مما لا يوجب الحد، فندم، وجاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخبره، فأنزل الله -عز وجل: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114]([8])، فلو لم نعرف سبب النزول؛ لبقي الحكم واضحًا، فمن قارف شيئًا من السيئات، فعليه أن يتبعه بالحسنات مع التوبة، {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود:114]، وأمثلة ذلك كثيرة.

ومنها: ما أخرجه البخاري -رحمه الله- في صحيحه، في قوله -تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً} [آل عمران:77] الآية، قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من حلف على يمين صبر، يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان))([9])، فأنزل الله تصديق ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً} [آل عمران:77] الآية، فدخل الأشعث بن قيس -رضي الله عنه- في هذه الأثناء، وابن مسعود قد حدث أصحابه بهذا الحديث، فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟! ماذا قال لكم؟! فقالوا: كذا وكذا، قال: فيَّ أنزلت، لي بئر في أرض ابن عم لي...، إلى آخر ما ذكر([10]).

فابن مسعود حملها على العموم: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً}، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من حلف على يمين صبر، يقتطع بها مال امرئ مسلم))، فالحديث مطابق للآية، وكون الأشعث بن القيس -رضي الله عنه- وقعت له قصة مع ابن عمه، فحلف ذاك، فنزلت الآية... إلى آخره، فهذا لا يؤثر في معرفة المعنى، ولا يغير من الحكم شيئًا، لا بتخصيص، ولا بتقييد، ولا برفع إشكال بوجه من الوجوه.

وقسم آخر وهو: ما يذكره السلف ويعبرون عنه بقولهم: نزلت هذه الآية في كذا، ولا يقصدون به سبب النزول في الغالب، وسيأتي الكلام عليه عند الكلام صيغة سبب النزول، يقولون: نزلت هذه الآية في كذا وكذا...، نزلت في الرجل يعمل كذا وكذا...، ولا يقصدون سبب النزول، يعني: نزلت في هذا المعنى، أن هذا مما يدخل في عموم الآية، وإن لم تكن نزلت فيه، يعني: مثال ذلك: ابن عمر -رضي الله عنه- مر بسوق المدينة، فأذن المؤذن، فرأى الناس يغلقون حوانيتهم، فقال: في هؤلاء نزلت: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} [النور:37]([11])، والآية نازلة قبل ذلك بكثير، ولم تنزل في هؤلاء، ليسوا هم سبب النزول، وإنما يقصدون: أنهم مما يدخل في عمومها، فالسلف كثيرًا ما يعبرون بهذا التعبير، يقولون: نزلت هذه الآية في كذا، ولا يقصدون سبب النزول، وهذا كثير، ومثل هذا أيضًا لا يتوقف عليه فهم المعنى، ولا يرتفع به الإشكال.

ومن أمثلته أيضًا: ما أخرجه البخاري في صحيحه، في الرواية التي ذكر فيها نزاع الزبير بن العوام -رضي الله عنه- مع الرجل الأنصاري في شراج الحرة، مسيل الماء، فكان يأتي الماء، السيل، المطر من هذا المسيل، يأتي إلى مزرعة الزبير بن العوام أولاً، ومزرعة الأنصاري خلفه، فالأنصاري منزعج، يريد أن الماء يمر مرورا على مزرعة الزبير، ثم لا يحبسه حابس، فينطلق مباشرة إلى مزرعته، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أرشد الزبير إلى أن يسقي، ثم يرسل الماء إلى جاره، فغضب الأنصاري، وقال: أَنْ كان ابن عمتك يا رسول الله، يعني: لأنه ابن عمتك حابيته، مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رفق بالأنصاري، وإلا فمن حق الزبير أن يحبس الماء حتى يكتفي تماما، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: ((اسق، ثم أرسل الماء إلى جارك))، أي: ((لا ضرر ولا ضرار))([12])، فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم، وقال للزبير: ((اسق يا زبير حتى يبلغ الماء الجدر))، أي: أن هذا من حقك، لكنه ما ذكره للزبير أولاً رفقًا بالأنصاري، فلما أساء الأدب الأنصاري، ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- الحق الثابت للزبير، فماذا حصل؟ يقول: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65]([13])، نزلت في ذلك، يعني: هذا مما يدخل في معناها، وليس هذا هو سبب النزول.

القسم الرابع وهو: مما يحتاج إليه، وإن كان لا يتوقف المعنى تمامًا عليه، يعني: هو دون الأول، لكن يبقى بعض الغموض، وبعض الإشكال، فإذا عرف سبب النزول انجلى هذا الإشكال، فهذا مما نحتاج إلى معرفته.

مثاله: الله -عز وجل- يقول: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223]، ما معناها؟ قد يفهم منها فاهم معنى لم يرده الله -عز وجل، ويحتج بها على فعل لا يجوز، والمقصود واضح، فالله -عز وجل- يقول: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}، لكن إذا عرفت سبب النزول، وهو: أن اليهود كانوا يقولون: إذا أتى امرأته مدبرة، يعني: في موضوع الولد، جاء الولد أحول، فكذبهم الله -عز وجل، فقال: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]([14])، يعني: كل ذلك في محل الحرث، وأما غيره فلا يجوز، فهذا يزول به الإشكال، لكن لا يتوقف فهم المعنى عليه، وبهذا نكون انتهينا من هذه القضية.

بقي أن نعرف مسألة أخرى، وهي: كيف نعرف سبب النزول بلا مبالغة؟ فإذا نظرت في كتب التفسير، وقد استغرب هذا بعض الإخوان، تجد أنهم يذكرون أشياء من غير روايات، يقولون: سبب نزول الآية كذا وكذا وكذا، أشياء يأتون بها، لا أدري من أين جاؤوا بها، لا يوجد فيها رواية، وقد رأيت ابن عاشور -رحمه الله- في أول تفسيره يبدي امتعاضه من ذلك، من كثرة ما يذكره بعض المفسرين، ويقولون: سبب نزول هذه الآية كذا، من غير أن يكون هناك رواية أصلا في الموضوع، فهذه مشكلة.

هل نعرف أسباب النزول عن طريق الحدس، أو الاجتهاد، أو النظر، أو الاستنباط؟

الجواب: لا، لا يمكن أن نعرف سبب النزول إلا بشيء واحد فقط، ما هو هذا الطريق؟ هو: النقل، النقل عن من؟ عن من شاهدوا التنزيل، وهم الصحابة، هم الذين يحكون لنا، ويقولون: حصل كذا، سأل رجل، فعل فلان كذا، فنزلت الآية، فهذا هو الطريق الوحيد لمعرفة سبب النزول.

إذا نقل لنا من لم يشاهدوا التنزيل رواية، مثل: التابعين، فهل يكون ذلك مقبولاً؟

الجواب: أن هذا من قبيل المرسل، وهو: نوع من أنواع الضعيف؛ لأن الواسطة غير معلومة، فقد يكون روى عن صحابي، وقد يكون روى من تابعي آخر، المقصود: أن حكم هذا هو حكم المرسل.

كيف يحصل هذا للصحابة -رضي الله عنهم-؟ يحصل لهم بقرائن وبأمور في معايشتهم للنبي -صلى الله عليه وسلم-.

ومما ينبغي أن يعلم أيضًا في هذا الباب: باب أسباب النزول، مسألة: وهي سبب النزول هل هو من قبيل، أو يأخذ حكم الحديث المرفوع، أو أنه يأخذ حكم الحديث الموقوف، أو الأثر الموقوف، يعني: من قول الصحابي؟ فالذي يحدثنا بأسباب النزول ليس النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإنما الصحابة عادة، فهل نحكم على هذه الرواية: أنها من قول الصحابي فتكون موقوفة؟ -وموقوفة يعني: قول صحابي، أو نقول: إنها من قبيل المرفوع؟ يعني: لها حكم ما يسند إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ فما حكم سبب النزول؟

الجواب: ننظر إلى الصيغة، فإن كانت صريحة حكمنا له بحكم الرفع، وسيأتي معنا الصيغة الصريحة بعد قليل إن شاء الله تعالى، فسبب النزول الذي جاء بصيغة صريحة له حكم الرفع، وما جاء بصيغة غير صريحة، فليس له حكم الرفع، على خلاف في هذا النوع، فبعضهم يجعله في قسم المرفوع أيضًا، وبعضهم لا يجعله.

صيغة سبب النزول:

ما هي الصيغ التي ترد فيها أسباب النزول في الروايات التي يعبر بها الراوي؟ نقول: هي: على قسمين:

قسم صريح، وهو: أن يقول الراوي، الصحابي يعني مثلاً، يذكر قصة، أو واقعة، أو سؤال، أو حادثة، أو نحو ذلك، ثم يقول: فأنزل الله كذا وكذا، أو يقول: فنزلت هذه الآية، يعني: يعقب الواقعة أو السؤال بقوله: فنزلت، أو فأنزل الله، أو يقول: سبب نزول الآية الفلانية كذا وكذا، فهذا يكون من قبيل الصريح، وله حكم الرفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يحتمل أن يكون من قبيل التفسير من الصحابي حتى نحكم له أنه من قول الصحابي، لا، فنقول: هذا سبب نزول لقضية تتعلق بنزول الوحي على النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى آخره، فهذه لها شأن، فنلحقها بأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم، أو بالأحاديث المرفوعة، فلها حكمها.

القسم الثاني وهو: غير الصريح، وهو: ما يعبرون عنه بقولهم: نزلت هذه الآية في الرجل يفعل كذا وكذا، نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، نزلت هذه الآية مثلا، أو في هؤلاء نزلت: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور:37]([15])، مع أن الآية نازلة قبل بسنين طويلة، يعني: أن هذا مما يدخل في عمومها ومعناها، فغير الصريح ليس له حكم الرفع، وأما الصريح فهو: في حكم المرفوع.

نعطيكم مثالا على غير الصريح: أخرج البخاري من حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- في قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195]، قال: نزلت في النفقة([16])، هل هذا صريح أو غير صريح؟ هذا غير صريح، قال: نزلت في النفقة، يعني: أن مما يدخل في معناها: النفقة، {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195]، قال: نزلت في النفقة.

مثال آخر: أخرج البخاري أيضًا من حديث نافع، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنه كان إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، يقول: فأخذت عليه يومًا، فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان؛ قال: تدري فيم أنزلت؟ قلت: لا، قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى([17])، يعني: ليس بسبب النزول، وإنما مما يدخل في معناها.

وهنا تنبيه لابد منه: وهو أن هذه الرواية التي نقول: إنها وردت بصيغة صريحة؛ قد نجدها إذا استقرأنا الروايات أحيانًا في بعض المواضع غير صريحة، فلو جمعنا الروايات أحيانا نكتشف أنها في بعض الروايات جاءت بطريقة غير صريحة، بل أحيانًا قد تأتي في أول الرواية صريحة، وفي آخرها بصيغة غير صريحة، أو العكس، ولهذا نحن نقول: إن هذا هو الغالب، أنه إذا قال: سبب نزول هذه الآية كذا، أو يذكر الحادثة، ثم يقول: فنزلت هذه الآية، الغالب أن هذا هو: سبب النزول، وليس مقصوده التفسير، هذا الغالب، لكن قد يكون الأمر على خلاف ذلك، ونحن نعرف أن كل قاعدة لها شواذ، فالقواعد أغلبية، هذا غاية ما يقال في هذا الأمر.

نعطيكم مثالا على ما ورد فيه الأمران، يأتيك في بعض الرواية بصيغة صريحة، في نفس الرواية، وفي الموضع الثاني بصيغة غير صريحة، مثاله: أثر ابن عمر السابق، الذي قال فيه: نزلت في كذا وكذا، يقصد الآية: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البقرة:223]([18])، فهذا الأثر جاء في موضع آخر بصيغة صريحة، وهي: قضية واحدة، فهذا في روايتين.

أما في نفس الرواية، فخذ هذا المثال، وهو: ما أخرجه البخاري في صحيحة، عن البراء -رضي الله عنه- في قوله -تبارك وتعالى: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة:189]، قال: نزلت هذه الآية فينا، هل هذا صريح أو غير صريح؟

غير صريح، لو بقينا معه؛ لقلنا هذا من قبيل التفسير، وليس من قبيل سبب النزول، قال: نزلت هذه الآية فينا، ثم قال: كان الأنصار إذا حجوا فجاؤوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه، فكأنه عُيّر بذلك، فنزلت: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [البقرة:189]([19])، قوله: فنزلت، بعد ذكر الواقعة، هذا يكون من قبيل الصريح، وأنه في نفس الرواية، في أولها غير صريح، وفي آخرها صريح.

نعطيكم مثالاً على الصريح فقط، وقد أعطيناكم أمثلة على غير الصريح، وعلى ما اجتمع فيه الأمران في رواية واحد، أو جاء في روايتين لنفس الحديث، فالمثال على الصريح: ما أخرجه البخاري، من حديث البراء -رضي الله عنه- قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة:187]([20])، فقوله: فأنزل الله، هذا من قبيل الصريح.

مسألة أخرى في النزول وأسباب النزول، وهي: فائدة مليحة، وهي: أحيانا تنزل الآية أو الآيات قبل الحكم، ولا أقصد بالحكم الحلال والحرام، وإنما أقصد: المعنى، أو القضية، أو الواقعة، أو الأمر الذي ترتبط به الآية، وتتحدث عنه، حتى لو كان حدثًا تاريخيًا، فأحيانا تنزل قبله الآيات، ويحصل هو بعد مدة، وأحيانا تنزل معه، وأحيانا يشرع الحكم، أو تحصل واقعة، فتنزل الآيات بعد ذلك.

نعطيكم مثالا على ذلك، ما نزل مع تشريع الحكم، وهذا كثير، مثل: تحريم الخمر، {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة:90]، لما نزلت هذه الآية نزل معها مباشرة تحريم الخمر، بل كانت هذه الآية تحمل حكمًا، وهو: تحريم الخمر، فما حرم الخمر قبل ذلك، ولا حرم بعد نزول هذه الآية بفترة، وإنما نزل الحكم بهذه الآية، فالآية كانت تحمل هذا الحكم الشرعي.

ومثل أيضًا: فرض الصيام، يقول تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185]، وقوله -تبارك وتعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة:183]، متى فرض الصوم؟ لما نزلت هذه الآيات، فهذا مع تقرير الحكم، الآية تنزل تحمل حكما يطبق مباشرة.

وأما الصورة الثانية، وهي: ما نزل قبل تقرير الحكم، فهذا له أمثلة، وإن كانت هذه الأمثلة بعضها يحتاج إلى مناقشة، ونحن في الأمثلة نوسع المجال، فلا نضيق في المثال؛ من أجل أن يتضح المعنى فقط؛ فهي معتبرة على قول بعض العلماء، فمن ذلك: الله -عز وجل- يقول: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد:1-2]، ما المعنى؟

لها أكثر من معنى عند المفسرين، لكن المعنى المشهور: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ}، يعني: مكة، {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}، حِلّ: ليس حال، أي: نازل، وإنما من الإحلال، أي: الحِل ضد الحرمة، أي: أنك حلال، وهذه الآية من سورة البلد متى نازلة؟ نزلت والنبي -صلى الله عليه وسلم- مستضعف في مكة، فالآية تشير إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم: ((أحلت لي ساعة من نهار))([21])، قاله -صلى الله عليه وسلم- في أواخر حياته، في عام الفتح، مع أن سورة البلد مكية، {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}، يعني: مكة، وحل يعني: حلال، أي: أنها ستحل لك في يوم من الدهر، فأحلت له في أواخر حياته ساعة من نهار، فالآية نازلة قبل الحكم الذي يتعلق بها، ما حصل بعد.

وكذلك في قوله تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر:45]، عمر -رضي الله عنه- يقول: في مكة نزلت هذه الآية، وأنا أقول: أين جمع؟ وأين الدبر الذي يولونه؟ لأنهم في مكة كانوا مستضعفين، فمن الذين سيولون الدبر؟ ومن الجمع؟ فالمسألة فيها جيوش، وهم كانوا أفراد في مكة، فسيكون هناك لقاء، وسيكون فرار، {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر:45]، يقول: فما فهمتها حتى رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يثب يوم بدر بالدرع، عليه الدرع، وهو: سربال من حديد، ثوب من حديد معروف ذو حلق، يثب في درعه -صلى الله عليه وسلم- وهو يردد هذه الآية: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}، يقول: ففهمتها([22])، فالآية نزلت في مكة، وكانوا أفرادا مستضعفين، فهذا مما نزل قبل تقرير حكمه، والحكم لا نقصد به: الحلال والحرام، والأمر والنهي، لا، وإنما متعلق ذلك.

وله أمثلة أخرى، لا بأس أن أذكر لكم منها على سبيل الفائدة، الله -عز وجل- يقول: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى:14-15]، فهذه السورة مكية قطعًا، فقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى}، المعنى الأقرب في تزكى: زكى نفسه بالإيمان والتقوى وطاعة الله -عز وجل، ومتابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم، {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}، أي: ذكر اسم ربه وصلى الصلوات المفروضة، وغير المفروضة، فهذا الذي يفلح، لكن هناك معنى آخر ذكره بعض أهل العلم، وكأن شيخ الإسلام بنى عليه بعض الاستنباطات في بعض المواضع، وإن كان هذا المعنى فيما أظن معنى مرجوحًا، لكن للفائدة أذكره، وقد ذكره جماعة كبيرة من السلف، وهو: أن معنى قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى}، أي: أخرج زكاة الفطر، صدقة الفطر، أي: في عيد الفطر، وقوله: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}، قالوا: إشارة إلى التكبير وهو خارج إلى العيد، {فَصَلَّى} أي: صلاة العيد، مع أن ذلك لم يشرع في مكة، ففي مكة ليس هناك صدقة فطر، ولا صلاة عيد، ولا تكبير في الخروج إليها، ولا شيء من هذا، فقالوا: هذه الآية تشير إليه، ولم يشرع إلا في المدينة، وهذا قال به كثير من السلف، ولولا كثرة من قال به ما ذكرته، وإن كان المعنى الراجح هو الأول، لكن هذا يوضح لك هذه القضية التي ذكرتها.

مثال أوضح من هذا كله، الله -عز وجل- يقول في سورة المزمل: {وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل:20]، فهذه الآية نزلت في أول ما نزل، وما آمن إلا أفراد قد لا يزيدون على أصابع اليد الواحدة، فأين الذين يقاتلون في سبيل الله؟ بل فرض في المدينة، فهذه الآية تشير إلى أمر وقع بعد ذلك بمدة طويلة.

وهذا مثال على ما نزل بعد تقرير الحكم: ما أخرجه البخاري -رحمه الله- في صحيحه، من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: "خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش، وهو: مكان، انقطع عقد لي، فأقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على التماسه، يعني: بقي يبحث عنه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء..."، إلى أن قالت: "فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم: {فَتَيَمَّمُوا} [المائدة:6]، الآية التي في المائدة"، إلى آخر الحديث([23]).

فهذه الآية ذكر فيها الوضوء، {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ}، فذكر فيها الوضوء، وهي نزلت متأخرة، في سورة المائدة، وسورة المائدة من أواخر السور نزولاً، فهل معنى ذلك: أنهم كانوا يصلون من غير وضوء طوال تلك المدة في مكة وفي المدينة؟

الجواب: لا، بل الوضوء فرض قبل ذلك بكثير، ولكنه لم يرد في القرآن، فجاءت الآية التي تبين الوضوء وتشير إليه متأخرة بعد ذلك.

يقول ابن عبد البر -رحمه الله: "معلوم عند جميع أهل المغازي أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يصل منذ افترضت الصلاة عليه إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند"([24])، فأنزلها الله -عز وجل- ليكون حكمها متلوًا مع كونه مفروضًا، والمقصود: أن الآية نزلت بعد تقرير الحكم بمدة طويلة.

وخذ مثالاً آخر: الله -عز وجل- يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9]، فهل هذه السورة مكية أو مدنية؟ هذه السورة مدنية، ومتى فرضت صلاة الجمعة؟ فرضت بمكة، ولم يصلها النبي -صلى الله عليه وسلم- بمكة، لكنه أمر مصعب بن عمير -رضي الله عنه، فأقامها للناس في المدينة([25])، ثم صلاها النبي -صلى الله عليه وسلم- بعدما هاجر، لكنه لم يستطع في مكة أن يصلي الجمعة؛ لأنه كان مستضعفًا، فإذن: آية الجمعة نزلت في سورة مدنية؛ مع أن حكم الجمعة قد شرع وفرض قبل ذلك في مكة.

ومن المسائل التي يحسن معرفتها أيضًا في هذا الموضوع أسباب النزول: أن النزول أحيانا قد يتكرر، وقد يُسْتَغْرَب من هذا، لكن سأعطيكم شيئًا لا يكابر فيه أحد: أن القرآن كان ينزل على حرف واحد في مكة، وهو: حرف قريش، واستمر على ذلك عشر سنين، ثم نزلت باقي الأحرف الستة في المدينة، وهذه الأحرف الستة، ووجوه المغايرة فيها، موجودة في ضمن الآيات المكية أيضًا، فما معنى هذا الكلام؟

معناه: أن جبريل -عليه السلام- صار ينزل مرة ثانية بالآية التي تقرأ بأكثر من وجه، أو جاءت بحروف متنوعة، صار ينزل بها مرة ثانية، وهذا قطعًا لا يستطيع أحد أن يعترض على هذا، وإن اعترض من اعترض على بعض الأمثلة الأخرى، فالآية قد تنزل مرة ثانية تأكيدًا لمضمونها، أو ليبين لهم أن الحكم الذي أشكل عليهم، أو الذي هم بصدد اتخاذ موقف في هذه القضية، هو: نفس حكم ما سبق في القضية الفلانية، أو مما نزل في الآية الفلانية، وهذا له أمثلة كثيرة جدًا، نعطيكم منها مثالين:

الله -عز وجل- يقول: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم:1-2]، وصح عند الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت: {الم} [الروم:1]، إلى قوله: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} [الروم:4]، ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس([26])، هذا بإسناد صحيح عند الترمذي وغيره، هذا في يوم بدر، لما تغلب الروم على الفرس.

وهناك رواية أخرى مشهورة جدا، أشهر من هذه الرواية، وهي: من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما، في قصة الرهان المشهورة التي وقعت بين أبي بكر الصديق -رضي الله عنه، وبين بعض المشركين؛ لما تغلبت الفرس على الروم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- في مكة قبل الهجرة، ففرح المشركون بذلك؛ لأن الفرس من الوثنين، والروم من أهل الكتاب، فتفاءلوا بهذا، وقالوا: نحن سنغلبكم كما غلب إخواننا من الوثنيين، كما غلبوا أهل الكتاب، فأنزل الله -عز وجل: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم:1-4]، فقالوا: تقول: {فِي بِضْعِ سِنِينَ}، فتراهنوا مع أبي بكر -رضي الله عنه، فقالوا: ننظر أتصدقون أو ما تصدقون؟ فتراهن معهم أبو بكر في القصة المشهورة([27])، فحصلت هذه الغلبة في يوم بدر، فأنزل الله -عز وجل- مرة ثانيه: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ}، فكم مره نزلت هذه الآية؟ نزلت مرتين، مرة لما افتخر المشركون في مكة، ومرة لما تحقق الوعد بانتصار الروم على الفرس.

نعطيكم مثالاً آخر، في قوله -تبارك وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً} [الإسراء:85]، الآية التي في الإسراء، أخرج الشيخان البخاري ومسلم، من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "كنت أمشي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في حرث بالمدينة، في مزرعة، وهو: يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: سلوه، وقال بعضهم: لا تسألوه، فإنه يسمعكم ما تكرهون، فقالوا: يا أبا القاسم! حدثنا عن الروح، فقام النبي -صلى الله عليه وسلم، ورفع رأسه إلى السماء، قام النبي -صلى الله عليه وسلم- ساعة، وجلس ينتظر فترة، ورفع رأسه إلى السماء، يقول ابن مسعود: فعرفت أنه يوحى إليه، حتى صعد الوحي"، ثم قال: ((الروح من أمر ربي))([28])، هذا كان في المدينة.

وعندنا رواية ثانية صحيحة: عند الترمذي، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "قالت قريش لليهود، وهذا في مكة: اعطونا شيئًا نسأل هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه عن الروح، فأنزل الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}"([29])، فهذه في مكة، وتلك في المدينة، فماذا نقول؟

نقول: الآية نزلت مرتين، بسببين، مرة سأله في مكة المشركون، فنزلت الآية، ومرة سأله بعض اليهود في المدينة، فنزلت الآية.

وهنا مسألة أخرى تتعلق بهذا الباب: أسباب النزول، وهي: أن السبب قد يكون واحدًا، وتنزل أكثر من آية، وليست آية واحدة تنزل، وليست أكثر من آية تنزل سردًا في موضع واحد من القرآن، لا، بل آيات من سور، بسبب واقعة واحدة، فهي: واقعة واحدة تنزل بسببها آيات في سور شتى.

مثاله: ما أخرج الترمذي، وجاء في روايات كثيرة جدا صحيحة، من حديث أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: "يغزو الرجال، ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث"، فأنزل الله -تبارك وتعالى، وهذا يرد به على الذين يثيرون هذه القضايا، لماذا المرأة لها نصف الميراث؟ لماذا لابد من المحرم؟ لماذا لابد من الولي؟ وهكذا، فأنزل الله: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء:32]"، يقول الترمذي: قال مجاهد: "فأنزل فيها: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب:35]"([30])، فالآية الأولى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء:32]، من سورة النساء، و{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب:35]، من سورة الأحزاب.

وأيضًا: أخرج الترمذي -رحمه الله تعالى- عنها قالت: "يا رسول الله! لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة، فأنزل الله -تبارك وتعالى: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} [آل عمران:195] الآية من سورة آل عمران"([31]).

وعند الحاكم عنها قالت: "قلت: يا رسول الله! الله يذكر الرجال ولا يذكر النساء، فأنزل الله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب:35]، في الأحزاب، وأنزل: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} [آل عمران:195]، في آل عمران"([32]).

وعندنا صورة ثانية عكس هذه، وهي: أن يحصل أكثر من سبب، وهذا مهم، أن يحصل أكثر من سبب وتنزل آية واحدة.

مثاله: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ورد عنه في عدد من الروايات الصحيحة، في قصة التحريم، في سورة التحريم، في سبب نزول صدرها، في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم:1]، صح في بعض الروايات: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حرم على نفسه العسل، في القصة المشهورة، وهي: أنه كان يطوف على نسائه بعد صلاة العصر، وكان يمر على زينب فتسقيه عسلا، فغارت منه بعض أزواجه، فاتفق هؤلاء الأزواج، أو بعض الأزواج، أن يقلن له كلما دخل على واحدة، أن تقول له: إني أجد منك ريح مغافير، وهو: طعام له رائحة معينة غير مستساغة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يشق عليه أن يوجد منه الريح، يعني: ريح طعام، أو نحو ذلك، فكان يشق عليه ذلك، ورائحته أطيب الرائحة -عليه الصلاة والسلام، فقال: إنما هو عسل شربته عند زينب، فقالت: لعل نحله جرست العرفط، وهو: نبت له رائحة، ومعروف أن النحل إذا امتص رحيق بعض الأزهار، أو نحو ذلك، يظهر في العسل رائحة هذه الأزهار التي امتصها، ثم ذهب إلى الثانية، فقالت: إني أجد منك ريح مغافير، فقال: هو عسل شربته عند زينب، فقالت: لعل نحله جرست العرفط، فحرمه النبي -صلى الله عليه وسلم- على نفسه، وهن لا يريدن منه أن يذهب يشرب عندها العسل، فهن لا يردن ذلك، أن يشرب عندها العسل، فحرمه النبي -صلى الله عليه وسلم- على نفسه، فأنزل الله -عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم:1]([33]).

وصح أيضًا في بعض الروايات، وهو: أشهر، أن ذلك بسبب جارية النبي -صلى الله عليه وسلم-، لما جاءت عائشة -رضي الله عنها، واحتجت على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقالت: في يومي، وفي بيتي، لما وقع على جاريته، فحرمها النبي -صلى الله عليه وسلم- على نفسه، فأنزل الله -عز وجل- هذه الآية([34]).

ومن أمثلته المشهورة المعروفة، ما ذكرته سابقا، عن عويمر العجلاني، لما جاء وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بما وقع له، لما قذف امرأته([35]).

وكذلك هلال بن أمية لما جاء وقذف امرأته أيضًا([36])، كل واحد منهم جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- على حدة، وإذا نظرنا إلى الروايات الواردة في هذا نجد أن بعد كل واحدة منها: فنزلت الآية، أو فأنزل الله فيه، وذكر آية اللعان: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور:6]، فماذا نقول؟ نقول: هذه القصص متقاربة، نزلت هذه الآية بعدها جميعا، فكل ذلك سبب لنزولها.

وهنا مسألة، وهي: أهم هذه المسائل، وأنفعها، وهي: في كثير من الكتب التي تذكر الآثار والروايات، سواء في أسباب النزول خاصة، أو في كتب التفسير، نجد عددًا من الروايات والأخبار في سبب نزول الآية، وهي: أخبار متنوعة، في قصص مختلفة، فما هو سبب النزول يا ترى؟ بعض الناس قد يقول: وقد ورد فيها خمسة أسباب في النزول، الأول: كذا، والثاني: كذا، والثالث: كذا، وهذا في الواقع نوع من العبث، وليس هذا درسًا في التفسير، فإذا وجدنا روايات كثيرة متعددة، أكثر من رواية، فماذا نصنع؟ نقول: نتبع الخطوات الآتية:

أولاً: أول ما ننظر إلى الثبوت، فالروايات الضعيفة نستبعدها، ثم ننظر بعد ذلك إلى الصيغة، وعرفنا أن أسباب النزول منه: ما يكون بصيغة صريحة، ومنه: ما ليس بصيغة صرية، فما كان بصيغة غير صحيحة، كالذي يقولون فيه: نزلت هذه الآية في كذا، يستبعد، فهذا من قبيل التفسير، فما الذي يبقى عندنا الآن؟ الصحيح الصريح، فإذا اجتمع عندنا هذا الصريح الصحيح، فماذا نصنع؟ ننظر: هل الحوادث هذه متقاربة، فإن كانت متقاربة حكمنا بأن الآية نزلت بعد هذه الحوادث، كما ذكرنا في قصة اللعان قبل قليل، وإذا كانت الحوادث متباعدة حكمنا بتكرار النزول، وانحلت المشكلة، وبهذا لا نحتاج أن نقول: وقد ورد فيها كذا رواية، في سبب النزول، ونسردها ونمشي، لا، وإنما نفصل فيها، ونجريها على هذا الترتيب، ثم بعد ذلك يتلخص لنا في النهاية تحريرًا يحسن أن يقال عند الكلام عن سبب نزول الآية.

نعطيكم أمثلة وتطبيقات على هذا، نعطيكم مثالاً على ما كان فيه بعض الروايات صحيحا، وبعضها غير صحيح، ما اجتمع فيه الضعيف والصحيح، وكله صريح في الصيغة، كيف نستخرج سبب النزول؟

الله -عز وجل- يقول: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى:1-3]، اضبطوا لي هذه الروايات، أو على الأقل: الراوي وموضع الشاهد، أخرج الشيخان من حديث جندب بن سفيان -رضي الله عنه- قال: "اشتكى رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فلم يقوم ليلتين أو ثلاثا، فجاءت امرأه، فقالت: يا محمد! إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله -عز وجل: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى:1-2]"([37])، ما تقولون في صحة هذه الرواية؟ هذه في الصحيحين، وهل هي صريحة أو غير صريحة؟ صريحة، فهذه لا نستطيع أن نستبعدها، بل نبقيها.

وعندنا روايات أخرى غير هذه: فعند الطبراني بإسناد ضعيف، في سبب نزولها: أن الوحي أبطأ، فجبريل وعد النبي -صلى الله عليه وسلم- وما جاء، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما حدث في بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-))، وأمر الجارية أن تخم الدار، أي: تكنسه، فأدخلت المكنسة تحت السرير، فوجدت جروا قد مات، -والجرو هو: الكلب الصغير، فأخرجته وألقته، فجاء جبريل، فسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- عن سبب التأخر، فأخبره أن السبب هو: هذا الجرو، وقال: ((إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة))([38])، وحديث: ((إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة))([39])، حديث صحيح ثابت، لكن في قصة سبب النزول، لما أخبره أنه لم يدخل بسبب هذا الجرو، هذه القصة ضعيفة، فهذه الرواية لا تصح، وهي: عند الطبراني، فالحاصل: أن الصيغة صريحة، ولكن الرواية غير صحيحة، فهذه تستبعد.

وسبب ثالث: عند ابن جرير الطبري، من طريق ضعيف، عن ابن عباس: "لما نزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القرآن، أبطأ عنه جبريل أياما، فتغير بذلك، فقالوا: ودعه ربه وقلاه، فأنزل الله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى:3]"([40])، فهذه ضعيفة.

وعندنا رواية أخرى: فتر الوحي حتى شق ذلك على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأحزنه، فقال: ((لقد خشيت أن يكون صاحبي قلاني))، يعني: جبريل جفاني، فجاء جبريل بسورة: {وَالضُّحَى}([41])، وهذه رواية ضعيفة.

ورواية أخرى، وهي: "فتر الوحي، فقالوا: لو كان من عند الله لتتابع، ولكن الله قلاه، فأنزل الله: {وَالضُّحَى} [الضحى:1]، {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح:1]، إلى آخر السورة"([42]).

فهذه الروايات كثيرة، ما هو سبب النزول الحقيقي منها؟ الرواية الأولى، وهي: عندما جاءت المرأة وقالت: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لما فتر الوحي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلتين أو ثلاثًا، فهذا هو سبب النزول، والباقي لا يحتاج أن نسرده ونعدده أبدًا، بل نذكر هذا السبب الوحيد فقط، ولا نلتفت إلى الباقي.

نعطيكم مثالا على ما صحت فيه بعض الروايات دون بعض، والصحيح منه صريح ومنه غير صريح، أما في الحالة الأولى، فالروايات بعضها صحيح وبعضها غير صحيح، لكنها كلها صريحة، لكن في هذا النوع منه صحيح ومنه غير صحيح، ومنه صريح ومنه غير صريح، فلنطبق عليه، ولننظر ما هو سبب النزول الحقيقي الذي ينبغي أن يقال ويعتمد، فالتطبيق الذي سأذكره يتعلق بصورة اجتمع فيها روايات صحيحة وضعيفة، واجتمع فيها أيضًا صيغ صريحة وغير صريحة، وهذه أبلغ صورة تحمل ألوان التفاوت في الروايات، ثم ننظر كيف نستخلص سبب النزول منها.

الله -عز وجل- يقول: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115]، انظر إلى الروايات الموجودة! أخرج ابن جرير بإسناد جيد، عن ابن عباس قال: "كان أول ما نسخ من القرآن: القبلة، وذلك أن رسول -صلى الله عليه وسلم- لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله -عز وجل- أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بضعة عشر شهرًا، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحب قبلة إبراهيم -عليه السلام، الحاصل: إلى أن حوّلت القبلة، فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة:142]، فأنزل الله -عز وجل: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [البقرة:142]، وقال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115]"([43])، اضبطوا هذه الرواية: عن ابن عباس، عند ابن جرير بإسناد جيد، وهل هي صريحة أو غير صريحة؟ هي: صريحة، قال: "فأنزل الله"، إذن هي: بسبب تحويل القبلة ردًا على اليهود.

ورواية ثانية: عند الترمذي وابن ماجه، عن حديث عامر بن ربيعة -رضي الله عنه- قال: "كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندري أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، على الجهة التي اجتهد فيها، يعتقد أن القبلة منها، واحد صلى من هنا، وواحد من هنا، وواحد من هنا، وواحد من هنا، بحسب اجتهاداتهم، ووضعوا خطوطًا في الليل، فلما أصبحوا وجدوا أنفسهم بين مشرق ومغرب، فلمّا أصبحوا ذكروا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك، فنزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115]"([44])، وهذه رواية صحيحة، وهل هي صريحة أو غير صريحة؟ هي: صريحة، فقد ذكر واقعة ثم قال: "فنزلت"، فهذه صريحة، فهي: صحيحة صريحة، فهذا حديث عامر بن ربيعة، في أنها في من اجتهد في القبلة فأخطأ، والأولى في احتجاج اليهود على تحويل القبلة.

والرواية الثالثة: عند الترمذي، من حديث ابن عمر قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلى على راحلته تطوعا حيثما توجهت به، يعني: الراحلة، وهو: جاءٍ من مكة، يعني: وهو: قادم من مكة إلى المدينة، ثم قرأ ابن عمر هذه الآية: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115]، قال ابن عمر: في هذا أنزلت هذه الآية"([45])، وهذه رواية صحيحة، وهل هي صريحة؟

الجواب: لا، ابن عمر يقول: هذا مما يدخل في معناها: أن في صلاة السفر التطوع لا يلزم استقبال القبلة، فيصلي الإنسان حيث ما توجهت به راحلته، وهذا معنى صحيح، دل عليه عموم الآية، لكنه ليس بصريح في أنه سبب النزول من جهة الصيغة، فماذا نصنع بهذه الرواية؟ نستبعدها، فكم رواية ثبتت معنا؟ اثنتان.

وعندنا رواية رابعة: عند ابن جرير، عن قتادة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه))، قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم، قال: فنزلت: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} [آل عمران:199] الآية، قال قتادة: "فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله -عز وجل: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115]"([46])، ففي هذه الرواية: "فنزلت"، فهي: صريحة، لكنها لا تصح؛ لأن قتادة يرويه عن النبي -صلى الله عليه وسلم، وهذا من قبيل المرسل، وهو: ضعيف، فالرواية هذه ردّيناها للضعف، والتي قبلها رددناها لماذا؟ لأنها غير صريحة، فإلى الآن كم بقيت عندنا رواية؟ اثنتان فقط.

الرواية الخامسة: عند ابن جرير في التفسير، عن مجاهد: لما نزلت: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60]، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115]"([47])، فهي صريحة لكنها لا تصح؛ لأنها مرسلة، فمجاهد من التابعين، فهي: رواية لا تصح، إذن: هذه الرواية نستبعدها.

فهذه خمسة أسباب، الصحيح منها ما هو؟ في تحويل القبلة، وأيضًا: في من اجتهد وأخطأ في القبلة، فماذا نقول؟ هل هذه الحوادث حصلت في وقت متقارب؟ إذا كانت حصلت في وقت متقارب، نقول: نزلت الآية بعدها، لكن لا نعلم أنها حصلت في وقت متقارب، فنقول: إن لم تحصل في وقت متقارب، فالنزول قد تكرر، نزلت مرة بسبب هذه الواقعة، ومرة بسبب واقعة أخرى، فالآية نزلت مرتين، ولا إشكال.

فأين هذا من سرد خمس روايات، منها: الصحيح، ومنها: غير الصحيح، ثم نقول: هذا سبب نزول، ونبقى في حيرة؟!

نعطيكم مثالاً على ما صحت فيه الروايات، وكانت صريحة مع تقارب النزول، وهو: المثال السابق في قوله -تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور:6]، فالروايات فيها صحيحة وصريحة، في عويمر العجلاني([48])، وهلال بن أمية([49])، كلها صحيح، وكلها صريح، فالنزول متقارب، نزلت الآية بعدها جميعا، كل واحد منها هو: سبب النزول.

وكذلك تحريم النبي -صلى الله عليه وسلم- الجارية([50])، والعسل([51])، نزلت بعدهما.

مثال على ما صحت فيه الروايات، وكانت صريحة، ولكن النزول متباعد، وقد سبق مثال على هذا ما هو؟ هو: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم:1-2]، فهذه نزلت في مكة([52])، ثم في المدينة([53])، نزلت هناك لما فرح المشركون في مكة، وهنا نزلت لما فرح المؤمنون.

ومثاله أيضا: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} [الإسراء:85]، لما سأله المشركون([54])، ولما سأله اليهود([55]).

بعض العلماء إذا ما علموا بأن النزول متقارب، قالوا: نلجأ إلى الترجيح، ما نقول: بأن الآية نزلت مرتين، وما أدري لماذا ما يقولون بهذا؟ مع أنني قلت لكم: إن القرآن نزل على سبعة أحرف، وما نزل منه من الأحرف المتعلقة بالسور الملكية نزل في المدينة، فمعنى ذلك: أن جبريل نزل بها مرة ثانية، فلا غضاضة في هذا، لكن بعض العلماء يقولون: لا، نحن نلجأ إلى الترجيح، إذا ما قدرنا أن نحكم بأن الآية نزلت بعد هذه الأسباب وهي في وقت متقارب فنرجّح، كيف نرجح؟ مثل: المثال السابق: لما سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الروح، فحديث ابن مسعود في الصحيحين، وحديث ابن عباس لما سأله المشركون عند الترمذي، ففي هذه الحالة يرجّحون رواية الصحيحين.

وبعضهم يلجأ إلى طريقة أخرى في الترجيح، فيقول: نرجح بأن ابن مسعود كان حاضر القصة، كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يتوكأ على عسيب، فهو: حاضر، أما ابن عباس فلم يحضر، فهو: مرسل صحابي، لأنه كان صغيرا في مكة، فهو: أكيد يرويه عن صاحبي آخر، أو سمعها من النبي -صلى الله عليه وسلم- مرة ثانية، لكن ابن مسعود كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهذا مثاله.

مكان النزول:

مكان النزول، وهو: ما يسمونه: بالمكي والمدني، وضابطه باختصار في أجود ما قيل فيه، والله أعلم، كيف نحكم أن هذا مكي، أو هذا مدني؟ كل ما نزل قبل الهجرة فهو: مكي، وما نزل بعد الهجرة فهو: مدني، حتى لو نزل مكة، يعني: مثل قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3]، متى نزلت؟ وأين نزلت؟ نزلت في مكة، في عرفة، ومع ذلك نحكم أنها آية مدنية، فهذا الضابط جيد، وهو: أحسن ما ذُكِر: ما نزل قبل الهجرة فهو: مكي، وما نزل بعد الهجرة فهو: مدني.

وكيف نعرف أن هذا مكي، أو مدني؟ نقول: هذا موقوف على نقل من شاهدوا التنزيل فقط، أما إذا قلنا: بعلامات، فهنا ندخل في متاهات ما لها حدّ؛ ولهذا أوردت هذا السؤال، فبعض العلماء يأخذون قرائن، ويحكم لك: إن هذه الآية نزلت في المدينة، مثلاً: أي آية ذكر فيها اليهود يقول لك: هذه نازلة في المدينة، ومثل: سورة الأنعام، معروف وصح أنها نزلت جملة واحدة، في ليلة واحدة، كلها من أولها إلى آخرها، بروايات صحيحة، نزلت في مكة([56]).

وبعض العلماء يستثني منها بعض الآيات، ويقول: نزلت هذه في المدينة، لماذا؟ يقول: لأنه ذُكِر فيها بعض الأشياء، مثل: قضية الزكاة: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام:141]، قالوا: الزكاة ما فرضت إلا في المدينة، نقول لهم: أصلا من قال لكم: إن الزكاة فرضت في المدينة؟ الزكاة الراجح: أنها فرضت في مكة، لكن لم يكن بهذه الأنصباء، وليس هناك شيء مقدّر، إنما فرض أصلها في مكة بشيء غير مقدر، يخرج الإنسان عند الحصاد شيئًا لم يقدر، ونزلت هذه الأنصباء والتقسيمات والأموال الزكوية، إلى آخره، كل ذلك في المدينة، هذا جواب.

والجواب الثاني: أن نقول بكل بساطة: إن الآية قد تنزل قبل تقرير الحكم، وذكرنا لكم أمثلة على هذا، فلماذا نخرج: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام:141]، من سورة جاءت أحاديث صحيحة: أنها جاءت جملة واحدة، في مكة، في ليلة واحدة، ونقول: إلا هذه الآيات؛ لهذا المعنى الذي تبادر لنا؟ فلا يجوز أن نحكم على آية بأنها نزلت في مكة أو المدينة بناءً على اجتهاد، فهذه تحفظ، وكثير مما تجدونه في كتب التفسير مبني على الاجتهاد، لاح له في المعنى فقال به، مثل: سورة البلد، أو مثل الآية التي ذكرنا في سورة الأعلى في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى:14-15]، فهذه السورة مكية، وبعضهم قال: لا، هذه الآية مدنية، كيف مدنية؟ قال: هذه تدل على زكاة الفطر، وزكاة الفطر ما عُرفت إلا في المدينة، عجيب! أولاً: المعنى الراجح ذكرته سابقا، وليس هذا، ثم لو فرضنا أن معناها هو هذا، فماذا يقال؟ يقال: نزلت قبل تقرير الحكم.

إذن: هذا موقوف على النقل والسماع فقط، ولا يلتفت إلى اجتهادات وآراء وقرائن؛ لنحكم على الآية بأنها مكية أو مدنية، فمن شاهدوا التنزيل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- هم الذين يعوَّل عليهم في معرفة المكي والمدني، وكانوا غاية في هذه المعرفة، كما أخرج البخاري -رحمه الله تعالى-، عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: "والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله -تعالى- إلا وأنا أعلم في من نزلت، وأين نزلت"([57]).

وقال أيوب: "سأل رجل عكرمة عن آية من القرآن، فقال: نزلت في سفح ذلك الجبل، وأشار إلى سلع"([58])، أي: الذي كان تحته الخندق.

وأيضا: يمكن من خلال الروايات التي وردت في أسباب النزول أننا نعرف مكان النزول، يعني: مثلاً: آية التيمم السابقة في سورة المائدة، عائشة تقول: "كنا بذات الجيش، أو بالبيداء"([59])، فحددت المكان، فنعرف أنها نزلت في هذا المكان، وإن لم يكن قصدها بيان المكان الذي نزلت فيها الآية، وإنما أرادت أن تذكر الواقعة أين حصلت.

وهنا مسألة مهمة، وهي: كيف نحكم على السورة أنها مكية أو مدنية؟

قد تكون السورة مكية، وبعضها مدني، وقد يكون العكس، فكيف نحكم؟ بعض العلماء يقولون: العبرة بأول السورة، أين نزل؟ فإذا نزل بمكة، فحتى لو نزل بعض الآيات في المدنية ما يهمنا، فهي: مكية.

وبعضهم يقول: لا، العبرة بالأغلب، وهذا خلاف مشكل، وليس من العادة أن أذكر خلافا في هذه الدروس، لكن أردت أن أصور لكم طريقة تخرجون فيها من بعض صور الخلاف، وهي: أنه إذا نظرنا إلى الواقع في الآيات الموجودة عندنا، نجد أن كل السور التي يقال: إنها سورة مكية مثلا، أن جميع آياتها مكية في الواقع، أو عامة الآيات مكية، وأما المدني فلا إشكال فيه؛ لأن كل ما نزل بعد الهجرة فهو: مدني، وإن نزل في مكة، فهذا لا إشكال فيه، فالواقع: أن السورة إما أن تكون مكية بكاملها، أو الغالب على آياتها أنه مكي، ويقال عنها: إنها سورة مكية، ولا يوجد سورة يقال عنها: بأنها مكية، وما فيها إلا كم آية مكية، يعني: قليلة، والباقي كله مدني، يعني: الأغلب مدني، لا يوجد، فهذا الخلاف إذن من الناحية الواقعية: هل له قيمة أو ليس له قيمة، يترتب عليه شيء؟

الجواب: ليس له قيمة، ولا يترتب عليه شيء، وإن هالَك، وصعب عليك الترجيح فيه، لكنه في الواقع، من الناحية الواقعية ما فيه إشكال.

نعطيكم أمثلة على هذا الذي يقولون فيه: هذه السورة مكية إلا الآية الفلانية، وهذا غير صحيح، بل هو بناء على اجتهادات، مثاله: سورة الأعلى التي ذكرت قبل قليل، وفيها: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى:14]، فهذا غير مقبول؛ لأنهم بنوه على المعنى، ورأيتم الجواب.

وكذلك بعضهم قال في سورة الفاتحة: إن قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7]، قالوا: هذه مدنية، وسورة الفاتحة مكية، لماذا؟ قالوا: من هم: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}؟ اليهود هم الذين كانوا في المدينة، فهذه الآية تكلمت عن اليهود، إذن هذه: {وَلَا الضَّالِّينَ}، هذه مدنية، فنقول: لا، هذا ليس بصحيح، انظروا إلى أي درجة وصلوا!.

وأما ما ورد فيه النقل عن الصحابة -رضي الله عنهم-، فهو: المعتمد المعتبر، مثلاً: في قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3]، كما عند الشيخين: "لما جاء الرجل اليهودي إلى عمر، فقال: آية في كتابكم لو نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، فقال: أي آية: قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3]، فقال له عمر: نزلت يوم عرفة.."([60]) إلى آخره، فهذا نقل لنا عمر فيه مكان نزول الآية، فهذا هو: المعتبر المعتمد.

ومثال آخر: حديث عائشة: "كنا بالبيداء، أو بذات الجيش"([61]).

وأما الضوابط التي يذكرها العلماء، فيقولون: إذا رأيت سورة فيها كذا، فهي: كذا، وإذا رأيت فيها كذا، فهي: كذا، فيما يميزون به بين المكي والمدني، كقولهم مثلاً: كل سورة فيها: "كلا"، فهي: مكية، ويقولون مثلا: كل سورة فيها سجدة، فهي: مكية، وكل سورة في أولها حروف التهجي الحروف المقطعة، فهي: مكية، إلا البقرة وآل عمران، وفي الرعد خلاف، وكل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم السابقة، فهي: مكية، سوى البقرة، وكل سورة فيها قصة آدم وإبليس، فهي: مكية، سوى البقرة، ولا أدري أين ذهبت سورة الكهف، وفيها: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [الكهف:50] الآية، وكل سورة فيها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، وليس فيها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، فهي: مكية، وهناك أشياء تشكل على هذا، وكل سورة من المفصل فهي: مكية.

ويقولون في المدني: كل سورة فيها الحدود والفرائض، فهي: مدنية، وكل سورة فيها إذن بالجهاد، وبيان أحكام الجهاد، فهي: مدنية، وكل سورة فيها ذكر المنافقين، فهي: مدنية، ما عدى العنكبوت.

أما نحن فنقول: هذه الأشياء تحتاج إلى مراجعة، ونتتبعها واحدة واحدة، فإن صح الاستقراء قلنا به؛ لأنها مسألة استقرائية، مثل: لو قلنا هنا مثلاً: كل واحد يلبس ثوبًا ملونًا، فهو: دون العشرين في عمره، فإذا قلنا هذا بناء على الاستقراء، فهذا صحيح، لا إشكال فيه، لكن إذا قلنا هذا هكذا، فنقول: هذه قاعدة غير صحيحة، أنا أطلع لك واحد الآن لابس ثوب ملون، وهو: فوق العشرين، فهذا مثله، فيحتاج إلى أن نتتبع الجزئيات التي قالوها، هل هي فعلاً كذلك أو لا، قبل أن نسلم بمثل هذا؟

ولا شك أن المكي من القرآن له بعض السمات، وأن المدني له بعض السمات، فمثلا: القرآن المكي يركز على قضية الدعوة إلى التوحدي، ونبذ الشرك، والرد على المشركين في حججهم وأباطيلهم في قضايا معبوداتهم، وما يتعلق بها، ويكثر فيه ذكر الآخرة، واليوم الآخر، والأدلة على البعث، وما شابه ذلك، وذكر الجنة ونعيمها، كذلك أيضًا: تجد القرآن المكي فيه: وضع الأساس العامة للتشريع، والقضايا الأخلاقية بشكل عام، وينتقد المشركين في وأد البنات، وفي بعض ما كانوا يفعلونه في بعض عاداتهم السيئة، كذلك يغلب عليه، وفيه كثير من قصص الأنبياء والأمم السابقة، وكيف فعل الله -عز وجل- بها، ودمرها، والغالب: أن الفواصل قصيرة، مثل: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى:1-3]، لكن البقرة المدنية: الفواصل طويلة، الآيات طويلة، لكن هذا ليس دائما، فسورة الأنعام آياتها طويلة، وهي: نازلة في مكة، لكن نحن نقول: الغالب.

وأما القرآن المدني، فتجد فيه تقرير كثير من تفاصيل العبادات، وتفاصيل المعاملات، والحدود، والمواريث، وقضايا الجهاد، وهكذا: الصلح، والعهود، والمواثيق، وما إلى ذلك، وخطاب أهل الكتاب، ومناقشة أهل الكتاب، والرد عليهم، والكلام على المنافقين بكثرة، والآيات في الغالب طويلة، فهذه علامات للقرآن المكي أو المدني.

وهنا سؤال: ما الفائدة من معرفة هذا؟ ماذا نستفيد؟ نقول: أولاً: معرفة الناسخ والمنسوخ، فإذا عرفنا أن هذا نازل في مكة، وهذا نازل في المدينة، عرفنا المتقدم من المتأخر، وأيضًا: نعرف كيف تدرج التشريع، ففي مكة: ما هي الأمور التي خاطبهم بها؟

وما هي الأمور التي خاطبهم بها في المدينة؟ كيف نقلهم طورا بعد طور؟

وأيضا: هذا تاريخ للقرآن، وهو يعطينا ثقة كبيرة به، فالصحابة عرفوا أين نزلت كل آية، وضبطوا تواريخ ذلك، فأين هذا من الكتب السابقة؟ فهل مثل هؤلاء يفرطون في آية واحدة تضيع منه؟

أبدًا، فكيف بثلثي القرآن أو ما شابه ذلك مما يقوله الأفاكون؟! والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد
 

[1] - أخرجه مسلم، كتاب التفسير، باب: في قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} [النور:33]، برقم (3029).

[2] - أخرجه البخاري، أبواب العمرة، باب: قول الله تعالى: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة:189]، برقم (1803)، ومسلم، في أوائل كتاب التفسير، برقم (3026).

[3] - أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب: وجوب الصفا والمروة، وجعل من شعائر الله، برقم (1643)، ومسلم، كتاب الحج، باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به، برقم (1277).

[4] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: قوله -عز وجل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [النور:6]، برقم (4745)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب: انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها بوضع الحمل، برقم (1492).

[5] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور:8]، برقم (4747)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب: انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها بوضع الحمل، برقم (1496).

[6] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور:8]، برقم (4747)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب: انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها بوضع الحمل، برقم (1496).

[7] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: قوله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة:196]، برقم (4517)، ومسلم، كتاب الحج، باب: جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، ووجوب الفدية لحلقه، وبيان قدرها، برقم (1201).

[8] - أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب: الصلاة كفارة، برقم (526)، ومسلم، كتاب التوبة، باب: قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114]، برقم (2763).

[9] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ} [آل عمران:77]، برقم (4549)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، برقم (138).

[10] - أخرجه البخاري، كتاب المساقاة، باب: الخصومة في البئر والقضاء فيها، برقم (2356)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، برقم (138).

[11] - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (8/2607)، برقم (14647).

[12] - أخرجه ابن ماجه، أبواب الأحكام، باب: من بنى في حقه ما يضر بجاره، برقم (2340)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/498)، برقم (250).

[13] - أخرجه البخاري، كتاب المساقاة، باب: شرب الأعلى إلى الكعبين، برقم (2362)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب: وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم، برقم (2357).

[14] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ} [البقرة:223] الآية، برقم (4528)، ومسلم، كتاب النكاح، باب: جواز جماعه امرأته في قبلها، من قدامها، ومن ورائها من غير تعرض للدبر، برقم (1435).

[15] - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (8/2607)، برقم (14647).

[16] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: قوله: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:195]، برقم (4516).

[17] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ} [البقرة:223] الآية، برقم (4526).

[18] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ} [البقرة:223] الآية، برقم (4526).

[19] - أخرجه البخاري، أبواب العمرة، باب: قول الله تعالى: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة:189]، برقم (1803)، ومسلم، كتاب التفسير، برقم (3026).

[20] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة:187]، برقم (4508).

[21] - أخرجه البخاري، كتاب في اللقطة، باب: كيف تعرف لقطة أهل مكة، برقم (2434)، ومسلم، كتاب الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها، إلا لمنشد على الدوام، برقم (1355).

[22] - أخرجه الطبري في تفسير (22/602).

[23] - أخرجه البخاري، كتاب التيمم، وقول الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6]، برقم (334)، ومسلم، كتاب الحيض، باب: التيمم، برقم (367).

[24] - انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (19/279).

[25] - أخرجه أبو عوانة في مستخرجه (4/358)، برقم (6964)، والطبراني في المعجم الأوسط (6/241)، برقم (6294)، والبيهقي السنن الكبرى (3/278)، برقم (5702).

[26] - أخرجه الترمذي، أبواب القراءات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، باب: ومن سورة الروم، برقم (2935)، وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه"، والنسائي في السنن الكبرى، برقم (11325)، وأحمد في المسند، برقم (2495)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".

[27] - أخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، باب: ومن سورة الروم، برقم (3194)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث نيار بن مكرم، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد"، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (7/194، بترقيم الشاملة آليا) برقم (3194).

[28] - أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب: قول الله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85]، برقم (125)، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب: سؤال اليهود النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الروح وقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} [الإسراء:85] الآية، برقم (2794).

[29] - أخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب: ومن سورة بني إسرائيل، برقم (3140)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقال الألباني: حسن صحيح، في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (1/209)، برقم (99).

[30] - أخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، باب: ومن سورة النساء، برقم (3022)، وقال: "هذا حديث مرسل، ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مرسلا، أن أم سلمة، قالت: كذا وكذا"، وقال الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (7/22، بترقيم الشاملة آليا): "صحيح الإسناد" برقم (3022).

[31] - أخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، باب: ومن سورة النساء، برقم (3023)، وقال الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (7/22، بترقيم الشاملة آليا): "صحيح بما قبله" برقم (3022).

[32] - أخرجه الحاكم، كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب بسم الله الرحمن الرحيم، برقم (3560)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".

[33] - أخرجه البخاري، كتاب الطلاق، باب: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم:1]، برقم (5267)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته، ولم ينو الطلاق، برقم (1474).

[34] - أخرجه الطبري في تفسيره (23/475-479)، والطبراني في المعجم الأوسط (3/13)، برقم (2316)، والدارقطني في سننه (5/75)، برقم (4013)، والبيهقي في السنن الكبرى (7/578)، برقم (15077).

[35] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: قوله -عز وجل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [النور:6]، برقم (4745)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب: انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها بوضع الحمل، برقم (1492).

[36] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور:8]، برقم (4747)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب: انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها بوضع الحمل، برقم (1496).

[37] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى:3]، برقم (4950)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- من أذى المشركين والمنافقين، برقم (1797).

[38] - أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (24/249)، برقم (636)، وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (13/316)، برقم (6136)، وليس فيه هذه الزيادة: فسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- عن سبب التأخر، فأخبره أن السبب هو: هذا الجرو، وقال: ((إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة)).

[39] - أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء، آمين فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه، برقم (3225)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة، برقم (2106).

[40] - أخرجه الطبري في تفسيره (24/486- 487).

[41] - انظر: فتح الباري لابن حجر (8/710).

[42] - انظر: المصدر السابق.

[43] - أخرجه الطبري في تفسيره، (2/527)، وأخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب: الصلاة من الإيمان، برقم (40).

[44] - أخرجه الترمذي، أبواب الصلاة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، باب: ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم، برقم (345)، وقال: هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان يضعف في الحديث، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلوات والسنة فيها، باب: من يصلي لغير القبلة وهو لا يعلم، برقم (1020)، وحسنه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (1/323)، برقم (291).

[45] - أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت، برقم (700)، والترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب: ومن سورة البقرة، برقم (2958)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

[46] - أخرجه الطبري في تفسيره (7/497)، برقم (8377).

[47] - أخرجه الطبري في تفسيره (2/534)، برقم (1847).

[48] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: قوله -عز وجل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [النور:6]، برقم (4745)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب: انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها بوضع الحمل، برقم (1492).

[49] - أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور:8]، برقم (4747)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب: انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها بوضع الحمل، برقم (1496).

[50] - أخرجه الطبري في تفسيره، (23/475-479)، والطبراني في المعجم الأوسط (3/13)، برقم (2316)، والدارقطني في سننه (5/75)، برقم (4013)، والبيهقي في السنن الكبرى (7/578)، برقم (15077).

[51] - أخرجه البخاري، كتاب الطلاق، باب: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم:1]، برقم (5267)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته، ولم ينو الطلاق، برقم (1474).

[52] - أخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، باب: ومن سورة الروم، برقم (3194)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث نيار بن مكرم، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (7/194، بترقيم الشاملة آليا) برقم (3194).

[53] - أخرجه الترمذي، أبواب القراءات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، باب: ومن سورة الروم، برقم (2935)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (6/435، بترقيم الشاملة آليا)، برقم (2935).

[54] - أخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، باب: ومن سورة بني إسرائيل، برقم (3140)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقال الألباني: حسن صحيح، في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (1/209)، برقم (99).

[55] - أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب: قول الله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85]، برقم (125)، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب: سؤال اليهود النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الروح وقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} [الإسراء:85] الآية، برقم (2794).

[56] - أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (1/145)، برقم (220)، وفي المعجم الكبير (12/215)، برقم (12930)، وفي المعجم الأوسط (6/292)، برقم (6447)، وأبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/44)، والبيهقي في السنن الصغير  (1/341)، برقم (965)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم (3226)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فإن إسماعيل هذا هو السدي، ولم يخرجه البخاري"، وتعقبه الذهبي بقوله: "لا، والله لم يدرك جعفر السدي وأظن هذا موضوعا"، وقال الألباني: منكر، في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (12/272)، برقم (5627).

[57] - أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم، برقم (5002)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله عنهم، باب: من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه -رضي الله عنهما، برقم (2463).

[58] - أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/327).

[59] - أخرجه البخاري، كتاب التيمم، وقول الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6]، برقم (334)، ومسلم، كتاب الحيض، باب: التيمم، برقم (367).

[60] - أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب: زيادة الإيمان ونقصانه، برقم (45)، ومسلم، كتاب التفسير، برقم (3017).

[61] - أخرجه البخاري، كتاب التيمم، وقول الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6]، برقم (334)، ومسلم، كتاب الحيض، باب: التيمم، برقم (367).

تعريف الترجمة:

في اللغة: يقال ترجم الكلام: بينه ووضحه، و ترجم: بلغ ونقل، وترجم لفلان: ذكر سيرته وتاريخه[1].

 

وترجمة القرآن الكريم في الاصطلاح: بيانه وتوضيحه بلغة أخرى[2].

 

وتطلق الترجمة في العرف على معنيين:

• الترجمة الحرفية: وهي نقل ألفاظ من لغة إلى لغة أخرى بحيث تقابل اللفظة بمثلها من غير إخلال بترتيب الكلام المترجم.

• الترجمة التفسيرية أو المعنوية: وهي أن ينقل مضمون الكلام إلى لغة أخرى من غير التزام بنظم الألفاظ وترتيبها أو عدد الكلمات المترجم إليها.

الترجمة الحرفية مستحيلة عادة وممنوعة شرعاً:

أما الاستحالة؛ فلأن ترتيب الجملة في اللغة العربية يختلف عن ترتيبها في اللغات الأخرى، فالجملة الفعلية تبدأ بالفعل ثم الفاعل ثم المفعول، ولا يختلف هذا الترتيب إلا لأمر بلاغي، أما في اللغات الأخرى فيختلف الترتيب حيث تبدأ الجملة في كثير منها بالفاعل، ولكل لغة خصائصها في التعبير وفي استخدام الكلمة في الحقيقة أو في المجاز، وهنالك الأساليب المختلفة في الأداء من حيث التشبيه والاستعارة والكنايات، واللغة العربية من أوسع اللغات استعمالاً للأساليب البيانية وعلم البديع، ولا يقابلها شيء في اللغات الأخرى.

 

فمثلاً في قوله تعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾ [الإسراء: 29].

 

يؤخذ من ظاهر الآية صورة غير مرادة على الإطلاق، فإن النهي عن ضم اليد إلى العنق، أو مدها على طولها ليس مراداً من الآية الكريمة، بينما المراد هو النهي عن التقتير في الإنفاق، كذلك النهي عن الإسراف والتبذير في الإنفاق، والالتزام بالاعتدال والوسطية، وهذا المعنى المراد لا تدل عليه لفظة في ظاهرها إذا استعملنا الكلمات في حقيقتها ولم نراع استعمالها في المجاز.

 

والترجمة الحرفية ممنوعة شرعاً؛ لأن الزعم بأن المترجم نقل معنى الآية حسب مراد الله غير صحيح؛ فإن المعنى الكامل للآية حسب مراد الله خارج طوق البشر، وإنما يفهم المفسر أو المترجم من الآية حسب طاقته البشرية، ولا يستطيع أحد أن يدعي أن مراد الله في الآية محصور في هذا الفهم، كما أن الترجمة الحرفية قد توهم أن هذا الكلام شبيه أو مثيل للقرآن، وهذا مصادم لقوله تعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾ [الإسراء: 88]، فلا يقال للترجمة مهما كانت دقيقة: قرآناً، ولا يقال لها: إنها كلام الله؛ لأن كلام الله هو المنزل بلفظه على محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الترجمة كلام المخلوق ومن صنع البشر وضمن طاقته، وكلام الله المعجز لا يحيط بأسراره أحد، ولا ترتقي الأساليب البشرية إلى آفاق فصاحته وبلاغته.

الترجمة التفسيرية:

أما الترجمة التفسيرية أو المعنوية: فهي ممكنة في العادة، ومطلوبة شرعاً.

 

أما إمكانها: فإنها لون من تفسير القرآن الكريم، فكما يفسر القرآن باللغة العربية لبيان معانيه، وشرح الغامض، وتفصيل المجمل، واستنباط الهدايات منه، فكذلك تفسيره بأي لغة أخرى ممكن؛ لنقل المعاني وتوضيحها بلغة أخرى، فإن المترجَم عندئذ هو فهم المترجم للمراد بالآية حسب طاقته البشرية. ولا يدعي أن مراد الله من الآية هو ما ترجمه، كما لا يلتبس الأمر على أحد أن هذه المعاني المترجمة ليس كلام الله، وإنما هي كلام المترجم[3].

 

وهذه الترجمة التفسيرية مطلوبة شرعاً لأسباب، منها:

• تيسير فهم القرآن الكريم على المسلمين من غير العرب؛ لإدراك معاني القرآن واتباع هداياته.

• ولإدراك محاولات أعداء الإسلام تشويه حقائق الإسلام من خلال ترجمات لمعاني القرآن حرفوها عن جهل أو عن قصد، فقد وقع كثير منهم في أخطاء بسبب جهلهم بأسرار اللغة العربية وأساليبها، ووقع كثير منهم في انحرافات عن قصد؛ لتشويه حقائق الإسلام، فالترجمة الدقيقة الصحيحة لمعاني القرآن تكشف هذه المحاولات.


والترجمة الدقيقة لمعاني القرآن الكريم تقيم الحجة على غير المسلمين الذين يريدون معرفة الإسلام بعيداً عن المؤثرات والشبهات التي يثيرها أعداؤه، فقد وصل الإسلام مشوهاً إلى كثير من الناس، فلم يعرفوا الإسلام إلا عن طريق المستشرقين وأعداء الإسلام، فبقوا رهن تصورات خاطئة عن الإسلام، ومنعتهم هذه التصورات من الاطلاع على عظمة الإسلام ومحاسنه.


ومن خلال الترجمة الدقيقة لمعاني القرآن يستطيع الداعية إلى الله تعالى أن يقوم بواجب الدعوة والتبليغ بنقل الهدايات القرآنية إلى الأقوام والشعوب بلغاتهم التي نشأوا عليها، فإن مخاطبة الأقوام بلغاتهم تفتح القلوب والبصائر أمام دعوة الله تعالى[4].

 

تعقيب: الترجمة التفسيرية لا تسمى قرآناً، وبالتالي لا تصح بها الصلاة سواء كان المصلي قادراً على العربية أم عاجزاً عنها، ولا يتعبد بتلاوتها، وعلى المسلم المبتدئ أن يتعلم من القرآن ما تصح به صلاته.

 


[1] المعجم الوسيط 1/83.

[2] المرجع السابق.

[3] مناهل العرفان للزرقاني 2/27 وما بعدها.

[4] المرجع السابق 2/30 وما بعدها.


المرجع

المهمات في علوم القرآن الشيخ خالد السبت

دراسات في علوم القرآن الدكتور فهد  الرومي

جار التحميل