جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

الإعتكاف


- 2016/09/18

الإعتكاف

 

     أيها الأخوة الأعزاء : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : حديثي إليكم اليوم عن الإعتكاف ، فقد اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر العشر الأول من رمضان ثم اعتكف العشر الأوسط منه ، يلتمس ليلة القدر ، ثم لما تبين له أنها في العشر الأواخر اعتكف العشر الأواخر ولازم على ذلك .

     ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كان رسول الله   صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأوسط من رمضان فاعتكف عاماً حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين ، وهي التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال  صلى الله عليه وسلم : " من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر وقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر " ، فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد فبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين . هذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأوسط من شهر رمضان لابتغاء ليلة القدر فيه ، وهذا السياق يقتضي أن ذلك تكرر منه ، وفي رواية في الصحيحين في هذا الحديث أنه اعتكف العشر الأول ثم اعتكف العشر الأوسط ثم قال : " إني أتيت فقيل يل إنها في العشر الأواخر فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف " ، فاعتكف الناس معه . وهذا يدل على أن ذلك كان منه قبل أن يتبين له أنها في العشر الأواخر ثم لما تبين له ذلك اعتكف العشر الأواخر حتى قبضه الله عز وجل كما رواه عنه عائشة وأبو هريرة وغيرهما  وروى أن عمر جمع جماعة من الصحابة فسألهم عن ليلة القدر ، فقال بعضهم : كنا نراها في العشر الأوسط ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر .

     وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام ، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين ، وإنما كان يعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر التي يطلب فيها ليلة القدر قطعاً لأشغاله وتفريغاً لباله وتخلياً لمناجاة ربه وذكره ودعائه ، وكان يحتجر حصيراً يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم .

     ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتى لا لتعليم علم وإقراء قرآن ، بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه ، وهذا الإعتكاف هو الخلوة الشرعية ، وإنما يكون في المسجد لئلا يترك به الجمع والجماعات ، فإن الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات منهي عنها . سئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد الجمعة والجماعة ، قال : هو في النار . فالخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الاعتكاف في المساجد خصوصاً في شهر رمضان خصوصاً في العشر الأواخر منه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ، فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه ، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه ، فما بقى له هم سوى الله وما يرضيه عنه .

     قال ابن القيم رحمه الله : ( وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى ، وجمعيته عليه ، والخلوة به ، والانقطاع على الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه ، بحيث يصير ذكره وحبه ، والاقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته فيستولي عليه بدلها ، ويصير الهم كله به ، والخطرات كلها بذكره ، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه ، فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق ، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ، ولا ما يفرح به سواه ، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم ) .

     ثم قال : ( وكان إذا اعتكف دخل قبته وحده ، وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا لحاجة الانسان ، وكان يخرج رأسه من المسجد إلى بيت عائشة فترجله وتغسله وهو في المسجد وهي حائض ، وكانت بعض أزواجه تزوره وهو معتكف ، فإذا قامت تذهب قام معها يقلبها وكان ذلك ليلاً ، ولم يباشر امرأة من نسائه وهو معتكف لا بقبلة ولا غيرها ، وكان إذا اعتكف طرح له فراشه ووضع له سريره في معتكفه ، وكان إذا خرج لحاجته مر بالمريض وهو على طريقه فلا يعرج عليه ولا يسأل عنه ، واعتكف مرة في قبة تركية وجعل على سدتها حصيراً ، كل هذا تحصيلاً لمقصود الاعتكاف وروحه ، عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عشرة ، ومجلبة للزائرين وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم ، فهذا لون والاعتكاف النبوي لون ، والله الموفق ) .

 

 

جار التحميل