جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

عين جالوت


- 2016/09/18

عين جالوت

 

     أيها الأخوة : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : أهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من حلقات هذا البرنامج المبارك ( قطوف رمضانية ) وحديثي إليكم اليوم عن معركة عين جالوت

     هذه المعركة العظيمة التي أيد الله بها جنده ونصر أولياءه على التتار أعداء الإسلام والمسلمين حدثت هذه المعركة سنة ثمان وخمسين وستمائة من الهجرة النبوية وبعد عين جالوت كان هناك جهاد آخر مع النصارى لإخراجهم من بلاد المسلمين من فلسطين وهي معركة حطين وفتح بين المقدس والتي تمت في السنة الثالثة والثمانين والخمسمائة من الهجرة النبوية . بعد ذلك توالت الحملات الصليبية الثالثة والرابعة حتى استعادت النصارى القدس مرة أخرى عام سبعة وعشرين وستمائة من الهجرة النبوية .

     ثم بعد ذلك أرسل الفرنج إلى التتار ليحرضوهم على قتال المسلمين حيث أرادوا التعاون معاً كي يطبق التتار من جهة الشرق والنصارى من جهة الغرب على العدو المشترك وهم المسلمين ، فحرضوهم عامين كاملين ، حتى يقضوا على المسلمين قضاءً تاماً . من سنة ثلاث وأربعين وستمائة إلى سنة خمس وأربعين وستمائة .

     ثم جاء التتار بهمجية ووحشية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً حتى سقطت بغداد عاصمة الخلافة العباسية سنة ست وخمسين وستمائة من الهجرة النبوية وكان يوماً مشهوداً والعياذ بالله بتدمير الخلافة العباسية وفعل التتار أفعالهم العجيبة العظيمة في بغداد ، عثر أحد المغول في شارع جانبي على أربعين طفلاً حديثي الولادة وقد ماتت أمهاتهم فأجهز عليهم .

     وقد هلك في بغداد في أربعين يوماً نحواً من 80 الفاً من سكان بغداد ، قتلوا ثمانين ألفاً من المسلمين في أربعين يوماً !  بل إن الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء يقول : وبقي السيف في بغداد بضعة وثلاثين يوماً ما تركوا إنساناً إلا وقتلوه فأقل ما قيل قتل بها ثمانمائة الف نفس وأكثر ما قيل بلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف - أي مليون وثمانمائة الف - وجرت السيول من الدماء - إنالله وإنا إليه راجعون .

     وكان آخر خليفة من خلفاء الدولة العباسية هو المستعصم بالله ، وهذا المستعصم أمره عجب ، كان رجلاً خيراً ديناً فاضلاً يحفظ كتاب الله وكان من خيرة الناس صوتاً وقراءة لكتاب الله ، لكنه والعياذ بالله استصحب وزيراً سيئاً خبيثاً رافضياً شيعياً هو ابن العلقمي ، وإذا أراد الله بالأمير خيراً رزقه خليلاً صالحاً ، إذا نسى ذكره وإذا ذكر أعانه .

     لنقرأ سيرة هذا المستعصم بالله من سير أعلام النبلاء كما حكاها الذهبي قال : هو الخليفة الشهيد لأنه قتل ، قتله المغول - بعد ذلك - أبو أحمد عبدالله المستنصر بالله المنصور ابن الظاهري محمد ابن الناصر أحمد ابن المستضئ الهاشمي العباسي البغدادي ، كان فاضلاً تالياً لكتاب الله مليح الكتابة ، وكان كريماً حليماً ديناً سليم الباطن حسن الهيئة كان متديناً متمسكاً بالسنة كأبيه وجده ، ولكنه لم يكن في حزم أبيه وتيقظه وعلو همته وإقدامه فإنه أستوزر المؤيد ابن العلقمي ، الرافضي فأهلك الحرث والنسل وحسن له جمع الأموال وأن يقتصر على بعض العساكر ) ، وكان يلعب بالحمام وفيه حصر وتواني .

     من هو ابن العلقمي ، لنقرأ ماذا يقول عنه الذهبي : ( هو الوزير الكبير المدبر المبير - يعني الهالك - مؤيد الدين ، ما أيد الله به الدين وإنما أيد به المذهب الشيعي الرافضي ، محمد بن محمد بن علي بن أبي طالب ابن العلقمي البغدادي الرافضي وزير المستعصم ، كانت دولته أربعة عشر سنة فأفشى الرفض فعارضه أهل السنة وأكبت فتنمر ) ، رأى أن هولاكو على قصد العراق فكاتبه وجسره وقوى عزمه على قصد العراق وفتح له الأبواب ليتخذ عنده يداً وليتمكن من أغراضه وحتى يفتح له هولاكو المجال لينشر مذهبه الرافضي الذي ما مكنه أهل السنة من نشره ولكن وكما يقولون : من حفر حفرة لأخيه وقع فيها ، حفر للأمة قليباً فأوقع فيه قريباً وذاق الهوان ، فذبحه هولاكو شر ذبحه فمات غبناً وغماً وفي الآخرة أشد خزياً وأشد تنكيلاً إذ أنه بعد ذهاب البلد ومن فيه وبعد ذهاب العراق وبغداد ومن فيها نودي بالأمان وانعكس على الوزير مرامه وذاق ذلاً وويلاً وما أمهله الله ] ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار [ .

     عين جالوت أيها الأخوة كما ذكرت وقعت في رمضان قيل في الخامس والعشرين من شهر رمضان وقيل في الخامس عشر من شهر رمضان من سنة ثمان وخمسين وستمائة وأراد الله عز وجل وله الحكمة البالغة في ذلك أن يصادف وقوعها يوم الجمعة .

     كانت المعركة يوم الجمعة كما كانت غزوة بدر يوم الجمعة قال ابن كثير في البداية والنهاية وكان اجتماعه مع عدوه كما ذكرنا في العشر الأخير  من رمضان يوم الجمعة وهذه بشارة عظيمة فإن وقعة بدر كانت يوم الجمعة في رمضان وكان فيها نصر الإسلام .

     بعد أن دخل هولاكو بغداد توجه إلى دمشق وحلب ودخلت تحته إمرة الشام فاستولى على جزء كبير من فلسطين ولم يبق للإسلام والمسلمين إلا دولة المماليك بمصر ولو سقطت دولة المماليك بمصر لسقط الإسلام ولكن أراد الله عز وجل أن يكتب النصر على دولة المماليك ومن بقي منهم ليحفظ الله هذا الدين .

     أرسل هولاكو رسالة تهديد ووعيد للقائد قطز حاكم مصر بعد أن استولى على بغداد ودمشق وبلاد الشام وجزء كبير من أراضي فلسطين حيث قال فيها : ( أسلموا إلينا أمركم قبل أن ينكشف فتندموا ويعود عليكم الخطأ ، نحن ما نرحم من بكا ، ولا نرق لمن شكا ، فأي أرض تؤويكم ، وأي طريق تنجيكم ، وأي بلاد تحميكم ، فما لكم من سيوفنا خلاص ، ولا من مهابتنا مناص فخيولنا سوابق وسهامنا خوارق وسيوفنا صواعق وقلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال ، فالحصون لدينا لا تمنع والعساكر لقتالنا لا ترد ودعاؤكم علينا لا يستجاب)

     أما قطر فهو الملك المظفر القائد قطز ابن عبدالله التركي كان مولاً من الموالي هو صاحب هذه المعركة التي نصر الله فيها الإسلام والمسلمين ، لم يتأثر بما جاء في الرسالة وإنما صمم على قتال هولاكو ، بل وخرج بنفسه لملاقاته ، جمع الجند والأمراء وحثهم على الجهاد في سبيل الله ونصرة دين الله عز وجل .

     وخرج الجند من مصر ومن بقي من عساكر الشام وتحركت الجيوش حتى التقى الجيشان في عين جالوت ( وعين جالوت بلدة صغيرة واقعة بين بيسان ونابلس في فلسطين ) وفي البداية كانت هناك خطة عسكرية محكمة عملها القائد قطز بمساعدة أحد قواده وأبرز جنوده الظاهر بيبرس وللأسف أشتهر عند بعض الناس أن هذه الغزوة للظاهر بيبرس وهي ليست له وإنما للقائد المظفر قطز إنما الظاهر بيبرس كان أحد جنود القائد قطز وكان أمهر قواده ، عمل خطة حربية محكمة ، ولما سمع هولاكو أرسل أحب الناس إليه وأقرب الناس منه رجل اسمه كتبغه المغولي ، وكان من أدرى الناس بالحروب وأرسل معه جيشاً عظيماً جداً ، فجاء الظاهر بيبرس وتقدم الجبال وتقدم التلال في مكان مكشوف وكان معه جزء صغير قليل من الجند يبلغ ثلث الجيش فلما رآهم كتبغه القائد المغولي قال : هؤلاء سيقاوموننا ما هي إلا لحظات ونقضي عليهم ، وكان القائد قطز ومن بقى معه من الجنود مختبئين خلف التلال وخلف الجبال  ، وأمر الظاهر بيبرس أن يتظاهر بالهزيمة ، في بداية المعركة وهجم المغول والتتار على الظاهر بيبرس فتظاهر بالهزيمة والرجوع وصار يجري خلفهم ولا يحتاط حتى وقع بين التلال وإذا بالألوف المؤلفة من المسلمين تهجم عليهم من كل جانب وتحاصرهم ووقعت مذبحة عظيمة للتتار .

     ويروى أن القائد قطز ما أمر بالقتال إلا بعد أن صلى الناس صلاة الجمعة ، فقال : لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس وتفئ الظلال وتهب الرياح ، ويدعو لنا الخطباء في صلاتهم ، ويروى عنه أنه دعا وقال : اللهم انصر دينك وعبدك قطز على التتار ، ونادى في المعركة 
( وآ إسلاماه ) ، وفي بعض المواطن يذكرون أن خيله أصيب فقتل فنزل على الأرض وبقى ثابتاً في مكانه فجاء إليه أحد الأمراء وترجل عن فرسه وقال : اركب ، فقال : ما كنت لأحرم المسلمين خيرك ، ثم لما جاءت الحاشية بخيل آخر ركبه ، فلما انتهت المعركة لامه بعض الناس وقالوا له : لم لم تركب الفرس فلو أن بعض الأعداء رآك فقتلك لهلك الإسلام بسببك ، فقال : أما أنا فكنت أروح إلى الجنة وأما الإسلام فللإسلام رب لا يضيعه قد قتل فلان وفلان - حتى عد خلقاً من الملوك - فأقام الله للإسلام من يحفظه غيرهم ولم يضع الإسلام . ويروى أنه لما انتهت المعركة نزل عن فرسه وسجد شكراً لله وصلى ركعتين شكراً لله .

     من أهمية المعركة :

1. أنها هزمت وقهرت الجيش الذي انتقل من نصر إلى نصر على امتداد أربعة الاف ميل .

2. انقذت الإسلام من أخطر تهديد تعرض له .

3. دخول المغول والتتار بعد ذلك في الإسلام .

4. عجلت هذه المعركة بزوال الإمارات الصليبية .

 

     ماذا قال الأئمة عن القائد قطز :

     قال الإمام الذهبي : ( هو السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز بن عبدالله كان أنبل مماليك المعز ثم صار نائباً للسلطنة لولده المنصور ، وكان فارساً شجاعاً محبباً إلى الرعية هزم التتار وطهر الشام منهم يوم عين جالوت . وكانت مدة حكمه سنة واحدة ولكن الله خلد ذكره إلى قيام الساعة ، قتل شاباً ، وله اليد البيضاء في قتال التتار فعوض الله شبابه الخير ورضى عنه ، يذكر عنه يوم جالوت وقد رآى انكشافاً في المسلمين رمى عن رأسه الخوذة ونزل وصاح - وآ إسلاماه - حتى ثبت الجند ونزل النصر من الله ، كان شاباً أشقر وافر اللحية تام الشكل ، قتل في 16 ذي القعدة سنة 856هـ ولم يكمل سنة في السلطنة ) .

     قال ابن كثير : ( وقد كان شجاعاً بطلاً كثير الخير ناصحاً للإسلام وأهله وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيراً ) .

جار التحميل