جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

غزوة بدر


- 2016/09/18

غزوة بدر

 

     أيها الأخوة : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : حديثي إليكم اليوم عن غزوة بدر ، وسأستعرض في هذه الحلقة الوقائع والاحداث ثم أتحدث في حلقة قادمة عن الدروس والعبر المستفادة من هذه الغزوة غزوة بدر الكبرى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ، حدثت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة النبوية ، وسمى يوم الفرقان لأن الله تعالى فرق فيه بين الحق والباطل وأظهر الحق وأهله على الباطل وحزبه وعلت كلمة الله وتوحيده وذل أعداؤه من المشركين وأهل الكتاب ، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة في ربيع الأول في أول سنة من سني الهجرة ، ولم يفرض رمضان في ذلك العام ثم صام عاشوراء وفرض عليه رمضان في ثاني سنة ، فهو أول رمضان صامه وصامه المسلمون معه ، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم لطلب عير من قريش قدمت من الشام إلى المدينة في يوم السبت لإثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان وأفطر في خروجه إليها ، قال ابن المسيب : قال عمر : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوتين في رمضان : يوم بدر ويوم الفتح وأفطرنا فيهما .

     وكان سبب خروجه حاجة أصحابه خصوصاً المهاجرين قال تعالى { الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون } وكانت هذه العير معها أموال كثيرة لاعدائهم الكفار الذين أخرجوهم من ديارهم وأموالهم ظلماً وعدواناً كما قال الله تعالى { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير % الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله } الآية .

     فقصد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ أموال هؤلاء الظالمين المعتدين على أولياء الله وحزبه وجنده فيردها على أولياء الله وحزبه المظلومين المخرجين من ديارهم وأموالهم ليتقووا بها على عبادة الله وطاعته وجهاد أعدائه ، وهذا مما أحله الله لهذه الأمة ، فإنه أحل لهم الغنائم ولم تحل لأحد قبلهم ، وكان عدة من معه ثلاثمائة وبضعة عشر وكانوا على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر وما جازه معه إلا مؤمن وفي سنن أبي داود من حديث عبدالله بن عمرو قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر من المقاتلة كما خرج طالوت فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجوا فقال : " اللهم إنهم حفاة فاحملهم وإنهم عراة فاكسهم وإنهم جياع فاشبعهم " ففتح الله يوم بدر فانقلبوا حين انقلبوا وما فيهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين واكتسوا وشبعوا ، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين خرجوا على غاية من قلة الظهر والزاد  فإنهم لم يخرجوا مستعدين لحرب ولا لقتال ، إنما خرجوا لطلب العير فكان معهم نحو سبعين بعيراً يعتقبونها بينهم كل ثلاثة على بعير وكان للنبي صلى الله عليه وسلم زميلان فكانوا يعتقبون على بعير واحد فكان زميلاه يقولان له : اركب يا رسول الله حتى نمشي عنك ، فيقول : " ما أنتما بأقوى على المشي مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما " ، ولم يكن معهم إلا فرسان وقيل ثلاثة وقيل واحد للمقداد ، وبلغ المشركين خروج النبي صلى الله عليه وسلم لطلب العير فأخذ أبو سفيان بالعير نحو الساحل وبعث إلى مكة يخبرهم الخبر ويطلب منهم أن ينفروا لحماية عيرهم فخرجوا مستصرخين وخرج أشرافهم ورؤساؤهم وساروا نحو بدر ، واستشار النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين في القتال فتكلم المهاجرون فسكت عنهم وإنما كان قصده الأنصار لأنه ظن أنهم لم يبايعوه إلا على نصرته على من قصده في ديارهم ، فقام سعد بن عبادة فقال : إيانا تريد -يعني الأنصار- والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا . وقال له المقداد : لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } ولكن نقاتل عن يمينك وشمالك وبين يديك ومن خلفك . فسر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وأجمع على القتال وبات تلك الليلة ليلة الجمعة سابع عشر رمضان قائماً يصلي ويبكي ويدعو الله ويستنصره على أعدائه ، وفي المسند عن علي بن أبي طالب قال : لقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح ، وفيه عنه أيضاً قال : أصابنا طش من مطر - يعني ليلة بدر - فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل بها من المطر ، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ويقول : " إن تهلك هذه الفئة لا تعبد " فلما أن طلع الفجر نادى الصلاة عبادالله ، فجاء الناس من تحت الشجر والجحف فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحث على القتال وأمد الله تعالى نبيه والمؤمنين بنصر من عنده وبجند من جنده كما قال تعالى { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين % وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله } الآية .

     وفي صحيح البخاري أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما تعدون أهل بدر فيكم ؟ قال : " من أفضل المسلمين " أو كلمة نحوها ، قال : وكذلك من شهد بدراً من الملائكة . وقال الله تعالى { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } وقال { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ، وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رآهم قال : " اللهم ‘إن هؤلاء قريش قد جاءت بخيلائها يكذبون رسولك فأنجز لي ما وعدتني " فأتاه جبريل فقال : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فأخذ قبضة من حصباء الوادي فرمى بها نحوهم وقال : " شاهت الوجوه " فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه ومنخره وفمه شئ ، ثم كانت الهزيمة .

     وقال حكيم بن حزام : سمعنا يوم بدر صوتاً طلع من السماء كأنه صوت حصاة على طست فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الرمية فانهزمنا ، ولما قدم الخبر على أهل مكة قالوا لمن أتاهم بالخبر : كيف حال الناس ؟ قال : لا شئ والله إن كان إلا لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلونا ويأسرونا كيف شاءوا وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجالاً على خيل بلق بين السماء والأرض ما يقوم لها شئ .

     وقتل الله صناديد قريش يومئذ منهم عتبة بن ربيعة وشيبة والوليد بن عتبة وأبو جهل وغيرهم وأسروا منهم سبعين ، وقصة بدر يطول استقصاؤها وهي مشهورة في التفسير وكتب الصحاح والسنن والمسانيد والمغازي والتواريخ وغيرها ، وإنما المقصود ههنا التنبيه على بعض مقاصدها ، وكان عدو الله ابليس قد جاء إلى المشركين في صورة سراقة بن مالك وكانت يده في يد الحارث بن هشام وجعل يشجعهم ويعدهم ويمنيهم فلما رأى الملائكة هرب وألقى نفسه في البحر ، وقد أخبر الله عن ذلك بقوله تعالى { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لاغالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب } وفي الموطأ حديث مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما رئي الشيطان أحقر ولا أدحر ولا أصغر من يوم عرفة إلا ما رآى يوم بدر " قيل وما رآى يوم بدر ؟ قال : " رأى جبريل يزع الملائكة " .

مواقف من غزوة بدر :

     وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوف المسلمين ، وبينما هو يعدلها وقع أمر عجيب ، فقد كان في يده قدح يعدل به ، وكان سواد بن غزية مستنصلاً من الصف ، فطعن في بطنه بالقدح وقال : " استو يا سواد " ، فقال سواد : يا رسول الله أوجعتني فأقدني ، فكشف عن بطنه 
وقال : " استقد " ، فاعتنقه سواد وقبل بطنه ، فقال : " ما حملك على هذا يا سواد ؟ " ، 
قال : يا رسول الله قد حضر ما ترى ، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير .

     وكان أول وقود المعركة الأسود بن عبدالأسد المخزومي - وكان رجلاً شرساً سيئ الخلق - خرج قائلاً : أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أولأموتن دونه . فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبدالمطلب رضى الله عنه ، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً نحو أصحابه ، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن تبر يمينه ، ولكن حمزة ثنى عليه بضربة أخرى أتت عليه وهو داخل الحوض.

     وكان هذا أول قتل أشعل نار المعركة ، فقد خرج بعده ثلاثة من خيرة فرسان قريش كانوا من عائلة واحدة ، وهم عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة فلما انفصلوا من الصف طلبوا المبارزة ، فخرج إليهم ثلاثة من شباب الأنصار ، عوف ومعوذ ابنا الحارث - وأمهما عفراء - وعبدالله بن رواحة ، فقالوا : من أنتم ؟ قالوا : رهط من الأنصار . قالوا : أكفاء كرام ، ما لنا بكم حاجة ، وإنما نريد بني عمنا . ثم نادى مناديهم : يا محمد ، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قم يا عبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة ، وقم يا علي " ، فلما قاموا ودنوا منهم قالوا : من أنتم ؟ فأخبروهم ، فقالوا : أنتم أكفاء كرام . فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة بن ربيعة ، وبارز حمزة شيبة ، وبارز علي الوليد ، فأما حمزة وعلي فلم يمهلا قرنيهما أن قتلاهما ، وأما عبيدة فاختلف بينه وبين قرنه ضربتان فأثخن كل واحد منهما صاحبه ن ثم كر علي وحمزة على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة ، وقد قطعت رجله ، فلم يزل صمتا حتى مات بالصفراء بعد أربعة أو خمسة أيام من وقعة بدر حينما كان المسلمون في طريقهم إلى المدينة ، وكان علي يقسم بالله أن هذه الآية نزلت فيهم 
{ هذان خصمان اختصموا في ربهم } الآية .

     وأغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة واحدة ، ثم رفع رأسه فقال : " أبشر يا أبا بكر ، هذا جبريل على ثناياه النقع " ( أي الغبار ) ، وفي رواية إسحاق : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أبشر يا أبابكر ، أتاك نصر الله ، هذا جبريل أخذ بعنان فرسه يقوده ن على ثناياه النقع " .

     عن ابن عباس قال : بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه ، وصوت الفارس يقول : أقدم حيزوم ، فنظر إلى المشرك أمامه ، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " صدقت ، ذلك من مدد السماء الثالثة " ، وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبدالمطلب أسيراً فقال العباس : إن هذا والله ما أسرني ، لقد أسرني رجل أجلح من احسن الناس وجهاً على فرس أبلق ، وما أراه في القوم فقال الأنصاري : أنا أسرته يا رسول الله ، فقال : " اسكت فقد أيدك الله بملك كريم " .

     وحينئذ أصدر إلى جيشه أوامره الأخيرة بالهجمة المضادة فقال : " شدوا " ، وخصهم على القتال ، قائلاً : " والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة " ، وقال وهو يحضهم على القتال : " قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض " ، وحينئذ قال عمير بن الحمام : بخ بخ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما يحملك على قولك : بخ بخ ؟ " ، قال : لا ، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها قال : " فإنك من أهلها فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ، ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة ، فرمى بما كان معه من التمر ، ثم قاتلهم حتى قتل .

مصرع أبي جهل :

     قال عبدالرحمن بن عوف : إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني ويساري فتيان حديثا السن ، فكأني لم آمن بمكانهما ، إذ قال لي أحدهما سراً من صاحبه : ياعم ، أرني أبا جهل ، فقلت : يا ابن أخي ، فما تصنع به ؟ قال : أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا ، فتعجبت لذلك . قال : وغمزني الآخر ، فقال لي مثلها ، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس ، فقلت : ألا تريان ؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه ، قال : فابتدراه سيفيهما فضرباه حتى قتلاه ، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أيكما قتله ؟ " ، فقال كل واحد منهما : أنا قتلته ، قال : " هل مسحتما سيفيكما ؟ " ، فقالا : لا ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السيفين فقال : كلاكما قتله ، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ، والرجلان معاذ بن عمرو ابن الجموح ومعاذ بن عفراء .

     وانقطع يومئذ سيف عكاشة بن محصن الأسدي ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلاً من حطب ، فقال : " قاتل بهذا يا عكاشة " ، فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه ، فعاد سيفاً في يده طويل القامة ، شديد المتن أبيض الحديد ، فقاتل به حتى فتح الله تعالى للمسلمين ، وكان ذلك السيف يسمى العون ، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد ، حتى قتل في حروب الردة وهو عنده .

     وبعد انتهاء المعركة مر مصعب بن عمير العبدري ، بأخيه أبي عزيز بن عمير الذي خاض المعركة ضد المسلمين ، مر به وأحد الأنصار يشد يده ، فقال مصعب للأنصاري : شد يديك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك ، فقال أبو عزيز لأخيه مصعب : أهذه وصاتك بي ؟ فقال مصعب : إنه - أي الأنصاري - أخي دونك .

جار التحميل