جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

فضل رمضان


- 2016/09/18

فضل رمضان

 

      فيا أيها الأخوة الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وكل عام وأنتم بخير وكل عام والأمة الإسلامية بخير ومن حسن إلى أحسن ، أيها الأخوة   شهر رمضان شهر عظيم مبارك شهر كتب الله علينا صيامه ، وسن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامه ، شهر ما مر على المسلمين شهر خير منه بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما مر على المنافقين شهر شر منه بمحلوف رسول صلى الله عليه وسلم ، وإن الله ليكتب أجره ونوافله قبل أن يدخلهم وذلك أن المؤمن يعد نفقته وقوته للعبادة ، وإن الفاجر يعده لغفلة المسلمين وعثورهم ، فهو غنم للمؤمن نقمة للفاجر ، ولو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت الأمة أن تكون السنة كلها رمضان ، شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ، شهر تفتح فيه أبواب الجنان ، وتغلق فيه أبواب النيران وتصفد فيه مردة الشياطين ، ويبسط فيه الرزق للعباد وتنادي الحور الحسان : يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر .

                أتى رمضان مزرعة العبــاد               لتطهير القلوب من الفساد

                فأد حقوقه قولاً وفعـــلاً                 وزادك فاتخذه للمعــاد

                فمن زرع الحبوب وما سقاها           تأوه نادماً يوم الحصــاد

      يا من طالت غيبته عنا قد قربت أيام المصالحة ، يا من دامت خسارته قد أقبلت أيام التجارة الرابحة ، من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح ، من لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يبرح " رغم أنف من أدرك رمضان فلم يغفر له " ، أيها الأخوة : إن لم يغفر للعبد في رمضان فمتى يغفر له ، كم ينادي : حي على الفلاح وأنت خاسر ، كم تدعى إلى الصلاح وأنت على الفساد مثابر

                إذا رمضان أتى مقبــلاً                  فأقبل فبالخير يستقبل

                لعلك تخطئه قابــــلاً                     وتأتي بعذر فلا يقبل

      كم ممن أمل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله فصار قبله إلى ظلمة القبر ، كم من مستقبل يوماً لا يستكمله ، ومؤمل غداً لا يدركه ، إنكم لو بصرتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره .

                يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب           حتى عصى ربه في شهر شعبان

                لقد أظلك شهر الصوم بعدهمـــا        فلا تصيره أيضاً شهر عصيـان

                واتل القرآن وسبح فيه مجتهـــداً         فإنه شهر تسبيح وقــــرآن

                فاحمل على جسد ترجو النجاة لــه      فسوف تضرم أجساد بنــيران

                كم كنت تعرف ممن صام في سلـف    من بين أهل وجيران وإخــوان

                أفناهم الموت واستبقاك بعدهـــم        حياً فما أقرب القاصي من الـداني

                ومعجب بثياب العيد يقطعهـــا         فأصبحت في غد أثواب أكفــان

      أيها الأخوة   : لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان ويهنيهم به ، فقد أخرج الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه يقول : " قد جاءكم شهر رمضان ، شهر مبارك ، كتب الله عليكم صيامه ، فيه تفتح أبواب الجنان ، وتغلق فيه أبواب الجحيم ، وتغل فيه الشياطين ، فيه ليلة خير من ألف شهر ، من حرمها فقد حرم " قال بعض العلماء : هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بشهر رمضان ، قال الإمام ابن رجب الحنبلي : ( كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان ، كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران ، كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان من أين يشبه هذا الزمان الزمان ) أ هـ كلامه يرحمه الله .

      أيها الأخوة : روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ببلوغ رمضان فكان إذا دخل رجب يقول : 
" اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان " وكان يستعد لصيام رمضان بصيام شعبان فقد كان يصوم شعبان كله إلا قليلاً وكان السلف الصالح يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم ، قال يحيى بن أبي كثير : كان من دعائهم ( اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلاً ) ، وكانوا يكثرون من قراءة القرآن في شهر شعبان فعن أنس قال : كان المسلمون إذا دخل شعبان انكبوا على المصاحف فقرأوها وأخرجوا زكاة أموالهم تقوية للضعيف والمسكين على صيام رمضان ، وقال سلمة بن كهيل : كان يقال : شهر رمضان شهر القراء .

 

 

عن سلمان الفارسي قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال : أيها الناس إنه قد أظلكم شهر عظيم ، شهر مبارك ، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر ، جعل الله تعالى صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ، وهو شهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، وشهر المواساة ، وشهر يزاد في رزق المؤمن فيه ، من فطر فيه صائماً كان له مغفرة لذنوبه ، وعتق رقبته من النار ، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شئ " قلنا : يا رسول الله ، ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يعطى الله هذا الثواب من فطر صائماً على مذقة لبن أو تمرة أو شربة ماءً ومن سقى صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة ، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ، ومن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار ، فاستكثروا فيه من أربع خصال وخصلتين ترضون بهما ربكم ، خصلتين لا غنى لكم عنهما ، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه ، وأما اللتان لا غنى لكم عنهما فتسألون الله تعالى الجنة وتعوذون به من النار " . وهو حديث عظيم بين فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل رمضان ، وفضل صيامه وقيامه ، ورغب في تفطير الصائمين فيه ، وأمر بالاستكثار فيه من أربع خصال خصلتين نرضي بهما ربنا : شهادة أن لا إله إلا الله والاستغفار ، وخصلتان لا غنى لنا عنهما : سؤال الله الجنة والتعوذ به من النار ، وما أجمل العبارة التي يرددها بعض الصائمين امتثالاً لهذا التوجيه النبوي الكريم ( استغفر الله أشهد أن لا إله إلا الله أسألك الجنة وأعوذ بك من النار ) .

     الصيام أيها الأخوة جنة من النار ، وفي الجنة كما بين المصطفى صلى الله عليه وسلم باب يقال له الريان باب مخصوص للصائمين لا يدخل منه غيرهم ، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال 
رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل من الصائمون فيقومون فيدخلون منه فإذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد " .

     وهذا أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه الوصية يقول : يا رسول الله ، مرني بعمل يدخلني الجنة ؟ فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم : " عليك بالصوم فإنه لا عدل له " فكأنه استقله فأعاد مرة أخرى : يا رسول الله ، مرني بعمل يدخلني الجنة ؟ فأعاد عليه النبي 
صلى الله عليه وسلم : " عليك بالصوم فإنه لا عدل له " فأعاد أبو أمامة الطلب مرة ثالثة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعاد عليه نفس الجواب ، يقول الراوي عن أبي أمامة : فكان أبو أمامة بعد ذلك لا يوقد في بيته نار إلا أن ينزل عليه ضيف ، ومعنى ذلك أنه نفذ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم .

     أيها الأخوة إن الأعمال عند الله سبعة : عملان موجبان وعملان بأمثالهما ... الحديث

     عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل عمل ابن آدم له يضاعف الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله تعالى : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ، " والصيام جنة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم ، للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره ، وإذا لقي ربه فرح بصومه ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك .

     أيها الأخوة إن هذه الأمة أعطيت في رمضان خصالاً لم يعطهن أمة كانت قبلهم : خلوف فم الصائم أطيب عند الله من رائحة المسك ، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ، وتصفد فيه مردة الشياطين فلا يصلون فيه إلى ما كان يصلون إليه في غيره ، ويزين الله جنته في كل يوم فيقول تعالى ( يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة ويصيروا إليك ) . ويغفر لهم في آخر ليلة من رمضان ، قالوا : يا رسول الله ، أهي ليلة القدر ؟ قال : " لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله ولله عز وجل في كل ليلة من ليالي رمضان عتقاء من النار ويعتق آخر الشهر عدد ما أعتق في الشهر كله .

     أيها الأخوة بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظمى ومنة كبرى ويدل عليه حديث الثلاثة الذين استشهد اثنان منهم ثم مات الثالث على فراشه بعدهما فرئي في النوم سابقاً لهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أليس صلى بعدهما كذا وكذا صلاة ، وأدرك رمضان فصامه فوالذي نفسي بيده إن بينهما لأبعد مما بين السماء والأرض " خرجه الإمام أحمد وغيره . من رحم في رمضان فهو المرحوم ومن حرم خيره فهو المحروم ومن لم يتزود لمعاده فيه فهو ملوم ، قال ابن رجب الحنبلي : ( هبت اليوم على القلوب نفحة من نفحات نسيم القرب ، وسعى سمسار المواعظ للمهجورين في الصلح ، ووصلت البشارة للمنقطعين بالوصل ، وللمذنبين بالعفو ، والمستوجبين النار بالعتق ، لما سلسل الشيطان في شهر رمضان ، وخمدت نيران الشهوات بالصيام ، انعزل سلطان الهوى ، وصارت الدولة لحاكم العقل بالعدل ، فلم يبق للعاصي عذر ، يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي ، يا شموس التقوى والإيمان اطلعي ، يا صحائف أعمال الصائمين ارتفعي ، يا قلوب الصائمين اخشعي ، يا أقدام المتهجدين اسجدي لربك واركعي ، يا عيون المجتهدين لا تهجعي ، يا ذنوب التائبين لا ترجعي ، يا أرض الهوى ابلعي ماءك ، ويا سماء النفوس أقلعي ، يا همم المحبين بغير الله لا تقنعي ، ويا همم المؤمنين أسرعي ، فطوبى لمن دعي فأجاب فأصاب ، وويل لمن طرد عن الباب وما دعي :

              ليت شعري إن جئتهم يقبلوني            أم تراهم عن بابهم يصرفوني

              أم تراني إذا وقفت لديهــم          يأذنوا بالدخول أم يطردوني

     فاللهم أهل علينا شهر رمضان باليمن والإيمان والسلامة والإسلام والصحة من الأسقام والفراغ من الأشغال ورضنا فيه باليسير من النوم ، اللهم سلم رمضان لنا وسلمنا له وتسلمه منا متقبلاً وارزقنا صيامه وقيامه وارزقنا فيه الجد والاجتهاد والقوة والنشاط وأعذنا فيه من الفتن ، ووفقنا فيه لليلة القدر واجعلها لنا خيراً من ألف شهر .

جار التحميل