جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

الدرس الأول من الأمن والأمان


- 2016/09/18

الأمن والأمان

 

قال الله تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهو مهتدون } (الأنعام: 82) الحياة كنوز ونفائس أعظمها الإيمان بالله . . . وطريقها مناره القرآن الكريم فالإيمان إشعاعه أمان . . . والأمان يبعث الأمل . .والأمل يثمر السكينة . . .والسكينة نبع للسعادة . . .والسعادة حصادها أمن وهدوء نفسي . .فلا سعادة إنسان بلا سكينة نفس، ولا سكينة نفس بلا اطمئنان القلب.مما لا شك فيه أن كلاً منا يبحث عن السعادة ويسعى إليها، فهي أملكل إنسان ومنشود كل بشر والتي بها يتحقق له الأمن النفسي .

والسعادة التـي نعنيها هي السعادة الروحية الكاملة التـي تبعث الأمل
والرضا، وتثمر السكينة والاطمئنان ، وتحقق الأمن النفسي والروحي
للإنسان فيحيا سعيداً هانئاً آمناً مطمئناً.

وقد وصف القرآن الكريم البيت الحرام بالأمن {وجعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} وجعل مكة المكرمة حرماً آمناً { أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم} { أولم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شي } .

فلولا نعمة الأمن التي منحه الله إياها لما جبي إليه بشيء ، ومثله قوله تعالى { وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } والأمن جعله الله مدداً للمجاهدين في سبيله حين يعتريهم الخوف ، قال تعالى { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً } ومثله قوله تعالى { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } وكل ذلك من فضل الله على المجاهدين ورحمة منه بهم .

 

وأسباب الأمن تتوفر في شيء واحد هو دين الإسلام الذي اختاره الله للبشرية جميعا إلى يوم القيامة: {.. ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [المائدة: 50]، وقال تعالى: {..اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ··} [المائدة: 3]، وقال عن نبيه صلى الله عليه وسلم: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]، خير شاهد على ذلك حالة العرب خاصة والعالم عامة قبل مجيء هذا الدين، فقد كانوا في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، وكانت جزيرة العرب بالذات مسرحا للفتن من نهب وسلب وحروب· فلما جاء هذا الدين ودخلوا فيه تحولوا إلى مجتمع مثالي يسوده الأمن ويحكمه الوحي وتوجهه العقيدة السليمة، تحولت فيه العداوة إلى محبة، والقطيعة إلى أخوة، والشح والأثرة في إيثار ومواساة كما قال تعالى مذكرا عباده هذه النعمة: {··واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ··} [آل عمران: 103]، وقال تعالى: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون} [الأنفال: 26]، هذا شاهد من الماضي على توفر الأمن في هذا الدين· وبين أيدينا شاهد من الحاضر الذي نعيشه، وهو أن بلادنا هذه كانت تعيش حالة من الفوضى والخوف والتناحر وتنتشر فيها البدع والشرك والخرافة· وكان بين أهل تلك البلاد من العداوات والثأر الشيء الكثير· فلما من الله على أهل تلك البلاد بظهور دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب ـ رحمه الله ـ إلى العقيدة الصحيحة والتمسك بهذا الدين وناصره فيها الإمام محمد بن سعود ـ رحمه الله ـ قامت لهم دولة إسلامية تحكم بشريعة الله وتوفر لهم الأمن· وكانت ولا تزال ولله الحمد مضرب المثل في العالم في توفر الأمن· حتى شهد لها بذلك القاصي والداني، وأصبحت أرقى الدول في توفر الأمن وانخفاض نسبة الجرائم· وكتب عنها الرحالة والمستشرقون شهادات الإعجاب والتقدير لما يدل على أن هذا الدين هو الذي يوفر الأمن وإن مما تتميز به هذه الدولة عن غيرها ولله الحمد أنها حامية التوحيد ولديها جهاز خاص بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

مقومات الأمن

وأهم مقومات الأمن في الإسلام هي:

1ـ الإيمان بالله ومراقبته والشعور بأنه مطلع على عبده في السر والعلن، وأنه يجازي عباده على تصرفاتهم وكلما هم العبد بمواقعة جريمة تذكر ذلك فانكف عنها خوفا من الله تعالى·

2ـ إصلاح العقيدة بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه وذلك مما يجعل المسلمين إخوة متاحبين في الله لا يعتدي بعضهم على بعض ويتضمن هذين العنصرين المهمين من مقومات الأمن قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ··} [النور: 55]·

3ـ إقامة الصلاة لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر·

4ـ وإيتاء الزكاة لأن الزكاة مواساة للفقراء والمحتاجين تزرع المحبة في القلوب·

5 ـ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن في ذلك أخذا على يد السفيه ومنعا له من ملابسة الإجرام ويتضمن هذه العناصر قول الله تعالى: {.. ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (41)} [الحج].

6ـ اجتماع الكلمة وطاعة ولي الأمر ما لم يأمر بمعصية· والتحاكم إلى شرع الله، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59]، ومن هنا حرم الله الخروج على ولي الأمر وشق عصا الطاعة لما يترتب على ذلك من المفاسد واختلال الأمن، وحدوث الفوضى، وتفرق الكلمة، كما هو مشاهد في المجتمعات التي استخفت بهذا الأصل ولم تحترم سلطاتها باسم الحرية فنشأت فيها الحزبيات المتناحرة وتفرقت الكلمة·

7ـ شكر النعم التي ينعم الله بها على الأفراد والجماعات للاستعانة بها على طاعة الله وصرفها فيما يفيد· لأن كفر النعم سبب لحلول ضدها من الخوف والجوع، قال تعالى: {فليعبدوا رب هذا البيت (3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف(4)} [قريش]، وقال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} [النحل: 112].

8 ـ إقامة الحدود التي شرعها الله ردعا للمجرمين الذين ضعف إيمانهم ولم ينفع فيهم الوعظ والتذكير والأمر والنهي· فهؤلاء شرع الله لهم عقوبات تردعهم عن غيهم وتزجر غيرهم أن يفعل مثل فعلهم، فشرع الله قتل القاتل، وقطع يد السارق، وقطع الأيدي والأرجل أو القتل والصلب لقطاع الطرق، ورجم الزاني المحصن، وجلد الزاني غير المحصن، وجلد القاذف وشارب المسكر، كل ذلك لحفظ الأمن وليذوق المعتدي مرارة العقوبة كما أذاق المجتمع مرارة الخوف والعدوان· تلكم أهم مقومات الأمن في الإسلام العظيم ونسأله أن يتوفانا مسلمين وللسنة متبعين.

أهمية الأمن

في ظل الأمن والأمان تحلو العبادة، ويصير النوم سباتاً، والطعام هنيئاً، والشراب مريئاً، الأمن والأمان، هما عماد كل جهد تنموي، وهدف مرتقب لكل المجتمعات على اختلاف مشاربها .

إن الإنسان بالخوف لا يستطيع أن يعبد الله كما في الأمن ولا يتلذذ بغذاء ولا يهنأ ولا يطمئن ، ولذا لما عاد ابراهيم الخليل لمكة قال { رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات } فدعا بتوفير الأمن قبل الرزق ، فالأمن مطلب ضروري لكل البشر .

وقد صح عنه r أنه قال: ( من أصبح آمناً في سربه ، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) .

لو فكر مزعزع الأمن ملياً في مصير والده ووالدته حينما تأخذهما الحسرات كل مأخذ، وهما اللذان ربياه صغيراً، يتساءلان في دهشة وذهول، أمِن المعقول أين يكون من ولدناه تحت ناظرنا معول هدم لأمن المجتمع وصرحه؟!!

أما يفكر مزعزع الأمن في زوجه وأولاده الذين يخشى عليهم الضياع من بعده والأسى من فقده؟! ألا يشعر بأن زوجه أرملة -ولو كان حياً؟!-.

أو ما يشعر بأن أولاده أيتام ولو كان له عرق ينبض؟!

وَلْيَخْشَ ?لَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـ?فاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ?للَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً [النساء:9].

أولا يفكر مزعزع الأمن كيف يحل عليه الضعف محل القوة، والهم من نفسه محل الفرح، والكدر مكان السعادة فأصبح طريداً مشرداً أو محبوساً مسجوناً ، حيث لم يعد يؤنسه جليس ولا يريحه حديث، قلق متوجس، كثير الالتفات. فكيف يصل إلى منشوده ومبتغاه؟! بعد أن يسأم الحياة بفعله الشاذ، والذي سيجعله قابعاً في غياهب السجون بسبب جرمه ، فضلاً عما يخالج أنفاسه وأحاسيسه، من ارتقاب العقوبة كامنة عند كل طرقة باب، لا سيما إن كان في هذه العقوبة حتفه وتغييبه من هذه الحياة .

أيها الإخوة الشباب : من أجل استتباب الأمن في المجتمعات جاءت الشريعة الغراء بالعقوبات الصارمة، وحفظت للأمة في قضاياها ما يتعلق بالحق العام والحق الخاص.

بل إن من المسلّم في الشريعة، قطع أبواب التهاون في تطبيقها أياً كان هذا التهاون، سواء كان في تنشيط الوسطاء في إلغائها، أو في الاستحياء من الوقوع في وصمة نقد المجتمعات المتحضرة.

فحفظاً للأمن والأمان؛ غضب النبي r على من شفع في حد من حدود الله بعدما بلغ السلطان، وأكد على ذلك بقوله: ((وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)).

وما ذاك أيها الناس، إلا من باب سد الذريعة المفضية إلى التهاون بالحدود والتعزيرات، أو التقليل من شأنها.

الوسائل الموصلة إلى الراحة الأمنية من كافة جوانبها، دون كلفة أو تجنيد وإعداد

إنه عماد الدين الذي فضلت به أمة الإسلام على سائر الأمم، والذي يسد من خلاله خوخات كثيرة من مداخل الشر على العباد.

بالنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتكاتف الجهود، ويلم الشعث، ويرأب الصدع،  وتتقى أسباب الهلاك، وتدفع البلايا عن البشر ، وبفقد ذلك أو تزعزعه من نفوس الناس، يعني حلول الفوضى بالأمر والنهي يصلح المجتمع ، ويقوم الفرض الكفائي الذي يسقط التبعة والإثم عن بقية المجتمع، وإلا يتحقق فينا قول الباري جل شأنه: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ?لْقُرَى? بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117]. ولم يقل وأهلها صالحون؛ لأن مجرد الصلاح ليس كفيلاً بالنجاة من العقوبة الإلهية الرادعة ، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر بين المسلمين، إنما هم في الحقيقة يقومون بمهام الرسل في أقوامهم وذويهم.

فبقدر الاستجابة لنصحهم تكون الحجة والنجاة، والعكس بالعكس ، وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ?لْقُرَى? حَتَّى? يَبْعَثَ فِى أُمّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـ?تِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ?لْقُرَى? إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَـ?لِمُونَ [القصص:59].

وقّع رسول الله صلى الله عليه وسلـم اتفاقية صلح الحديبية مع قريش بمكة ثم قفل راجعاً مع أصحابه إلى المدينة، وبينما هم فـي الـطـريـق إذ نزلت عليه صلى الله عليه وسلم سورة الفتح: { إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } [الفتح: 1].

سأله عمر مستغرباً: يا رسول الله، أوَ فتح هو؟

فأجابه صلى الله عليه وسلم مؤكداً: إي، والذي نفسي بيده إنه لفتح .

وأيّ فتحٍ كان فتح الحديبية؟

وهل فيه من عبرة لنا في أيامنا هذه؟

أما استغراب عمر فلأن الصلح في ظاهره لم يكن في مصلحة المسلمين؛ فهم قد مُنعوا من أداء العمرة، ولم يقاتلوا، وكان في الصلح بنود ظنها بعض الصحابة مجحفة بهم؛ منها: (على أنه لا يأتيك منا رجل ـ وإن كان على دينك ـ إلا رددته إلينا) .

وأما نوع الفتح فيفسره قول الزهري: فما فُتِحَ في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح الحديـبـية، إنما كان القتال حيث التقى الناس. ولما كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلّم بعضهم بعضاً، والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يُكلّم أحد بالإسلام يعقل شيـئاً في تلك المدة إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر .

قال ابن حجر مؤيداً الزهـــــري: فــإن الناس لأجل الأمن الذي وقع بينهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون الـمـشـركـين القرآن، وناظروهم على الإسلام، جهرة آمنين، وكانوا قبل ذلك لا يتكلمون عندهم بذلك إلا خفية .

وقال ابن هشام أيضاً مؤيداً للزهري: ويدل عليه أنــــه صلى الله عـلـيـه وسـلــــم خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج بعد سنتين إلى فـتــح مكة في عشرة آلاف .

نستخلص من كلام هؤلاء العلماء الثلاثة أن الفتح تمثل أساساً في كثرة عدد من دخـلــوا في الإسلام بسبب الصلح.

ونسـتـخـلص منه ـ أيضاً ـ أن السبب في ذلك كان السلام الذي حل محل الحرب والقتال، وأن هذا الجو السلمي أدى إلى أن يختلط الناس بعضهم ببعض من غير نكير، وإلى أن يُسمِع المسلمون المشركين دعوة الإسلام، وأن يجادلوهم ويناظروهم في جو آمن، وأن هذه الدعوة السلمية هي التي كانت سبباً في إقناع كل العقلاء بالدخول في الإسلام.

إن أكثر ما يحرص عليه أعداء الإسلام في الغرب هو أن يصوروا المسلمين على أنهم وحوش إرهابية لا غاية لها إلا تحطيم الحضارة الغربـيـة، وقد استغلوا وسائل الإعلام لإبراز هذه الصورة للمسلمين ونجحوا في ذلك إلى حد ما. ولا يفرح هؤلاء بشيء فرحهم بتصريحات يطلقها إنسان أهوج يدعو فيها إلى العنف أو القتال في داخل تلك البلاد؛ لأنها تصدق دعواهم تلك، وتساعد على تنفير الناس من الدعاة المسلمين؛ لأنهم يعلمون أن الذي يرى فيك خطراً على نفسه وأهله لن يستمع إليك ولن يثق فيما تقول .

إن الإسلام دين واقعي ليس ـ ولا يمكن أن يكون ـ استسلامياً لا مجال فيه لقتال. لكن الذي أريد أن أؤكده هو أن للقتال ظروفه كما أن للسلم ظروفه، فإذا كفى الله المؤمنين القتال بحال سلم ينـتـشـر فيها الإسلام فمن الواجب اختيارها والمحافظة عليها والتركيز على الدعوة بالكلمة والقدوة. قال ـ تعالى ـ: ((ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّــكَ هُـــوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)) [النحل: 125].

قـال الإمام القرطبي معلقاً على هذه الآية الكريمة: وقد قيل إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورُجي إيمانـه بها دون قتال فهي فيه محكمة. والله أعلم.

وهذا الذي قيل هو الصواب؛ لأن الغاية الأسمى التي ينشدها الداعية المسلم هي أن يجعله الله سبباً لهداية الناس لا قتلهم؛ فها هو صلى الله عليه وسلم ينصح علياً ـ رضي الله عنه ـ بقوله: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم) . قال له صلى الله عليه وسلم ذلك وقـــد أعطاه الراية موجهاً إيّاه إلى خيبر ليبيّن أن القتال ليس شيئاً مرغوباً في ذاته؛ لكنه قد يـكـــون وسيلة لا مندوحة عنها لرد الظلم، سواء كان ظلماً واقعاً على بشر، أو ظلماً متمثلاً في الوقوف في طريق إيصال الدعوة إلى الناس، فإذا لم يكـن هـذا ولا ذاك؛ بـل كان هنالك استعـداد للاستماع والمجـادلة والمناظرة فلا يلجـأ إلى القتال، ولا سيما في ظروف كتلك التي يكون فيها الدعاة تحت سلطان الكفار.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

جار التحميل