جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

الفصل الثالث :ترجمة ابراهيم بن النبي محمد صلى الله عليه وسلم


- 2016/09/18

الفصل الثالث :ترجمة ابراهيم بن النبي محمد r
 

 اسمه ونسبه وسيرته :
هو ابراهيم بن النبي r محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب ، ولد في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة ، فسر النبي r بولادته كثيراً ، وفرح به فرحاً عظيماً وسماه ابراهيم ، ولد بالعالية بالمدينة ، وكانت قابلته سلمى مولاة النبي r امرأة ابي رافع رضي الله عنها ، فبشر ابو رافع رضي الله عنه النبي r فوهب له عبداً ، ثم دفعه الى أم سيف امرأة قين(1) بالمدينة ، يقال له ابو سيف ترضعه . عق عنه النبي ? بشاة يوم سابعه ، وحلق رأسه ، وتصدق بوزن شعره فضة على المساكين وأمر بشعره فدفن في الارض ، وأمه مارية بنت شمعون القطبية ، وكانت امرأة جعدة جميلة بيضاء ، أعجب بها رسول الله ? واحبها ، ودعاها واختها للاسلام فاسلمتا ، ووطىء مارية بالملك وحظيت عنده ولاسيما بعدما وضعت ابراهيم ولده ، وكان قد اهداها اليه المقوقس صاحب الاسكندرية عندما بعث اليه رسول الله ? حاطب بن ابي بلتعه رضي الله عنه وارضاه يدعوه الى الاسلام وذلك سنة ست من الهجرة ، فلما وصل اليه حاطب رضي الله عنه ، اكرمه ، واخذ كتاب رسول الله r ، وكتب في جوابه : قد علمت ان نبيا سيخرج ، وقد اكرمت رسولك ، واهدى اليه اربع جوار منهن مارية واختها شيرين ، فوهب r شيرين لحسان بن ثابت رضي الله عنه فولدت له ابنه عبدالرحمن ، وقد انقرض نسل حسان بن ثابت ، واهدى له حماراً يقال له عفير وبغلة يقال لها الدلدل ، ولم يُسلِم . فقال رسول الله r : " ضن الخبيث بملكه ولابقاء لملكه " . فقبل رسول الله ? هديته ، واصطفى مارية لنفسه فولدت له ابراهيم ، ونفق الحمار منصرفة من حجة الوداع ، وبقيت البغلة الى زمن معاوية بن ابي سفيان رضي الله عنه وارضاه .
توفي رضي الله عنه في السنة العاشرة من الهجرة طفلا قبل الفطام . قال الواقدي : مات ابراهيم بن رسول الله r يوم الثلاثاء لعشرة خلون من ربيع الاول سنة عشر وهو ابن ثمانية عشر شهراً ، في بني مازن بن النجار في دار ام بردة بنت المنذر فغسلته وقيل غسله الفضل بن العباس رضي الله عنهما وحمل من بيتها على سرير صغير وصلى عليه رسول الله r بالبقيع وكبّر اربعاً ، وقال : " ندفنه عند فرطنا عثمان بن مظعون " ، فدفن بالبقيع ، ونزل قبره الفضل بن العباس مع اسامه بن زيد رضي الله عنهم ورسول الله ? جالس على شفير القبر وقيل مات وعمره ستة عشر شهراً ، قال الامام الذهبي رحمه الله : ( في ربيع الاول من السنة العاشرة ، توفي ابراهيم بن النبي r وهو ابن سنة ونصف ) (1) ، وقال ابن حجر : ( وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة ، فقيل في ربيع الاول وقيل في رمضان وقيل في ذي الحجة والأكثر على أنها وقعت في عاشر الشهر وقيل في رابعه وقيل في رابع عشرة ، ولا يصح شيء منها على قول ذي الحجة ، لأن النبي ? كان إذ ذاك بمكة في الحج ، وقد ثبت أنه شهد وفاته ، وكانت بالمدينة بلا خلاف ، نعم قيل إنه مات سنة تسع فان ثبت يصح ) (2) .
واختلف هل صلى عليه النبي r ام لا ، فقيل : إن النبي r لم يصل عليه . ورده ابن عبدالبر ، قال رحمه الله : (لم يرو إلا عن عائشة رضي الله عنها ولم يوافقها عليه أحد إلا سمره بن جندب ) (3) ، وقد قال قبل ذلك عقب ذكره أن النبي ? صلى عليه ( هذا قول جمهور أهل العلم وهو الصحيح ) (4) ، وقال النووي : ( وصلى عليه رسول الله ? وكبر أربع تكبيرات ، هذا قول جمهور العلماء وهو الصحيح ) (5) . 
وقد كسفت الشمس يوم موته ، وقال الناس : كسفت لموت إبراهيم ، فخرج رسول الله ? حين سمع ذلك فحمد الله وأثنى عليه ثم قال في خطبته : " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لاينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا الله حتى ينكشف ما بكم " (6) . وقد حزن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لوفاته حزناً عظيماً وبكى على وفاته قال أبو عمر بن عبدالبر : ( ثبت أن رسول الله ر بكى على ابنه إبراهيم دون رفع الصوت ، قال r : " تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون " (7) ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : دخلنا مع رسول الله على ابى سيف القين أي الحداد - وكان ظئرأ (8) لإبراهيم ابن النبي فأخذ رسول الله  إبراهيم فقبله وشمه ، قال : ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه ، فجعلت عينا رسول الله r تذرفان ، فقال له عبدالرحمن بن عوف : وأنت يارسول الله ؟ فقال ? : " يا ابن عوف إنها رحمة " ، ثم أتبعها بأخرى فقال r : " إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون " رواه البخاري (1) ، قال ابن حجر : ( قال ابن بطال وغيره : وهذا الحديث يفسر البكاء المباح والحزن الجائز وهو ما كان بدمع العين ورقة القلب من غير سخط لأمر الله وهو أبين شيء وقع في هذا المعنى) (2) ، قال النووي : ( فيه جواز البكاء على المريض والحزن وأن ذلك لا يخالف الرضا بالقدر ، بل هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما المذموم الندب والنياحة والويل والثبور ، ونحو ذلك من القول الباطل ولهذا قال r : " ولا نقول إلا ما يرضي ربنا " ) (3) .

بشارته وفضله :
1- عن انس بن مالك قال : ما رأيت احداً كان ارحم بالعيال من رسول الله r ، قال : كان ابراهيم مسترضعا له في عوالي المدينة ، فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت وإنه ليدخن ، وكان ظئره قينا فيأخذه ويقبله ثم يرجع ، قال عمرو : فلما توفى ابراهيم قال رسول اللهr : " إن ابراهيم ابني وإنه مات في الثدي وإن له لظئرين (1) تكملان رضاعه في الجنة " (2) ، قال الامام النووي : ( ومعنى تكملان رضاعه أي تتمانه سنتين فانه توفى وله ستة عشر شهرا او سبعة عشر ، فترضعانه بقية السنتين فإنه تمام الرضاعة بنص القرآن ، قال صاحب التحرير : وهذا الاتمام لارضاع ابراهيم رضي الله عنه يكون عقب موته فيدخل الجنة متصلا بموته فيتم فيها رضاعه كرامة له ولأبيه r ) (3) .
2- عن البراء أنه قال : لما توفى ابراهيم قال رسول الله r : " إن له مرضعاً في الجنة " (4) .
3- عن انس قال : قال رسول الله r : " ولد لي الليلة غلام فسميته باسم ابي ابراهيم " ، ثم دفعه الى ام سيف امرأة قين يقال له ابوسيف ، فانطلق يأتيه واتبعته فانتهينا الى أبي سيف وهو ينفخ بكيره ، قد امتلأ البيت دخانا ، فاسرعت المشي بين يدي رسول الله ? فقلت يا أبا سيف امسك جاء رسول الله ، فأمسك ، فدعا النبي ? بالصبي فضمه اليه وقال ماشاء الله أن يقول ، فقال أنس : لقد رأيته وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله r فدمعت عينا رسول الله ? فقال: " تدمع العين ويحزن القلب ولانقول إلا ما يرضي ربنا ، والله يا ابراهيم إنا بك لمحزونون "(5) .
4- عن اسماعيل بن ابي خالد قال : قلت لعبد الله بن أبي أوفى : رأيت ابراهيم ابن رسول الله ? ؟ قال : مات وهو صغير ولو قضى ان يكون بعد محمد نبي لعاش ابنه ، ولكن لا نبي بعده (6) 
5- سئل انس بن مالك كم كان بلغ ابراهيم بن النبي r فقال : قد كان ملأ مهده ، ولو بقي لكان نبيا ولكن لم يكن ليبقى لأن نبيكم آخر الانبياء (7) ، وفي مجمع الزوائد (8) ، سئل أنس بن مالك : أصلى رسول الله r على ابنه ابراهيم ؟ قال : لا أدري رحمة الله على ابراهيم ، لوعاش لكان صديقاً نبياً . قال الهيثمي : رواه احمد ورجاله رجال الصحيح. قال ابن عبد البر معلقاً على قول انس وابن أبي أوفى : ( هذا لا أدري ما هو ، وقد ولد نوح عليه السلام من ليس نبياً وكما يلد غير النبي نبياً ، فكذلك يجوز أن يلد النبي غير نبي والله أعلم ، ولو لم يلد النبي الا نبيا لكان كل واحد نبيا لأنه من ولد نوح ، وذا آدم نبي مكلم وما أعلم في ولده لصلبه نبيا غير شيث ) (4) ، قال ابن حجر متعقباً : ( ولا يلزم من الحديث المذكور ما ذكره لما لا يخفى ) (5) ثم نقل كلام الإمام النووي حيث قال في ترجمة ابراهيم من تهذيب تهذيبه(6) : ( وأما ما روى عن بعض المتقدمين : لو عاش ابراهيم لكان نبياً فباطل ، وجسارة على الكلام في المغيبات ، ومجازفة وهجوم على عظيم ) ، ثم قال ابن حجر : ( وهو عجيب مع وروده عن ثلاثة من الصحابة ، وكأنه لم يظهر له وجه تأويله فبالغ في إنكاره ، وجوابه أن القضية الشرطية لا تستلزم الوقوع ولا نظن بالصحابي أنه يهجم على مثل هذا بظنه ) (7) .

جار التحميل