جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

مقرر تفسير القرآن الكريم 222 من كتاب فتح القدير لسورتي الفاتحة- والبقرة


- 2016/09/18

مقرر تفسير القرآن الكريم

222

من كتاب فتح القدير

لسورتي

الفاتحة- والبقرة

 

 

 

 

 

 

الدكتور أحمد بن نافع المورعي

 

 

 

 

 

 

 

د/ أحمد نافع المورعي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقرر : تفسير سورة الفاتحة وسورة البقرة

سورة الفاتحة من الآية 1إلى 7

 

سورة البقرة

المقطع

الآيات

الأول

من الآية (1) إلى الآية (16)

 

الثاني

من الآية (21) إلى الآية (25)

 

الثالث

من الآية (30) إلى الآية (37)

 

الرابع

من الآية (40) إلى الآية (48)

 

الخامس

من الآية (67) إلى الآية (74)

 

السادس

من الآية (89) إلى الآية (93)

 

السابع

من الآية (97) إلى الآية (102)

 

الثامن

من الآية (120) إلى الآية (134)

 

التاسع

من الآية (142) إلى الآية (144)

 

العاشر

من الآية (183) إلى الآية (188)

 

الحادي عشر

من الآية (196) إلى الآية (203)

 

الثاني عشر

من الآية (228) إلى الآية (237)

 

الثالث عشر

من الآية (253) إلى الآية (257)

 

الرابع عشر

من الآية (261) إلى الآية (264)

 

الخامس عشر

من الآية (275) إلى الآية (281)

 

السادس عشر

من الآية (284) إلى الآية (286)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(تفسير سورة الفاتحة)

معنى الفاتحة:

 في الأصل أول ما من شأنه أن يفتتح به ، ثم أطلقت على أول كل شيء كالكلام ، والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية ، فسميت هذه السورة فاتحة الكتاب لكونه افتتح بها ، إذ هي أول ما يكتبه الكاتب من المصحف ، وأول ما يتلوه التالي من الكتاب العزيز ، وإن لم تكن أول ما نزل من القرآن . وقد اشتهرت هذه السورة الشريفة بهذا الاسم في أيام النبوة .  قيل هي مكية ، وقيل مدنية .

أسماء الفاتحة:

وتسمى أم الكتاب ، قال البخاري في أول التفسير : وسميت أم الكتاب ؛ لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف ، ويبدأ بقراءتها في الصلاة. 
وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن عن أيوب عن محمد بن سيرين كان يكره أن يقول : أم الكتاب

ويقول : قال الله تعالى) : وعنده أم الكتاب) ولكن يقول : فاتحة الكتاب . 

ويقال لها الفاتحة لأنها يفتتح بها القراءة ، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام . 

قال ابن كثير في تفسيره : وصح تسميتها بالسبع المثاني ، قالوا : لأنها تثنى في الصلاة فتقرأ في كل ركعة . 

وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأم القرآن : هي أم القرآن ، وهي السبع المثاني ،            وهي القرآن العظيم . 

وأخرج ابن جرير في تفسيره عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : هي أم القرآن ، وهي فاتحة الكتاب ، وهي السبع المثاني 
وأخرج نحوه ابن مردويه في تفسيره والدارقطني من حديثه ، وقال : كلهم ثقات .

 

ومن جملة ماجاء في أسمائها سورة الكنز ، والوافية ، وسورة الحمد ، وسورة الصلاة, الواقية, الكافية.

 

مما جاء في فضل سورة الفاتحة:

 

ما أخرجه البخاري وأحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له : لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ، قال : فأخذ بيدي ، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت : يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن ؟ قال : نعم ، الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته .

 

وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له : أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها ؟ ثم أخبره أنها الفاتحة .

 

وأخرج مسلم في صحيحه ، والنسائي في سننه من حديث ابن عباس قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده جبريل إذ سمع نقيضا فوقه ، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال : هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط ، قال : فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته.

 

وأخرج الحاكم وصححه ، وأبو ذر الهروي في فضائله ، والبيهقي في الشعب عن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مسير له ، فنزل فمشى رجل من أصحابه إلى جنبه ، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ألا أخبرك بأفضل القرآن ، فتلا عليه الحمد لله رب العالمين .

...........

 

 

 

 

 

 

 

>>سورة الفاتحة<<

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـ?نِ الرَّحِيمِ ??? الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ??? الرَّحْمَـ?نِ الرَّحِيمِ ??? مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ??? إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ??? اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ??? صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ???

(بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـ?نِ الرَّحِيمِ) 

اختلف أهل العلم هل هي آية مستقلة في أول كل سورة كتبت في أولها ، أو هي بعض آية من أول كل سورة ، أو هي كذلك في الفاتحة فقط دون غيرها ، أو أنها ليست بآية في الجميع وإنما كتبت للفصل ؟ والأقوال وأدلتها مبسوطة في موضع الكلام على ذلك . 
وقد اتفقوا على أنها بعض آية في سورة النمل . 
وقد جزم قراء مكة والكوفة بأنها آية من الفاتحة ومن كل سورة . 
وخالفهم قراء المدينة والبصرة والشام فلم يجعلوها آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور ، قالوا : وإنما كتبت للفصل والتبرك . 
وقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه : بسم الله الرحمن الرحيم .    وأخرجه الحاكم في المستدرك . 
وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وغيرها آية " وفي إسناده عمرو بن هارون البلخي وفيه ضعف ، وروى نحوه الدارقطني مرفوعا عن أبي هريرة 
وكما وقع الخلاف في إثباتها وقع الخلاف في الجهر بها في الصلاة . 
وقد أخرج النسائي في سننه ، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ، والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة " أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة ، وقال بعد أن فرغ : إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم . 
وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس : " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم " قال الترمذي : وليس إسناده بذاك . 
وقد أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس بلفظ : " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " ثم قال : صحيح 
وأخرج البخاري في صحيحه عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : كانت قراءته مدا ، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد ( الرحمن ) ويمد ( الرحيم( 

وأخرج أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن خزيمة في صحيحه ، والحاكم في مستدركه عن أم سلمة أنها قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقطع قراءته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين " [ ص: 15 ] وقالالدارقطني : إسناده صحيح . 
واحتج من قال : بأنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة بما في صحيح مسلم عن عائشة قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة بـ الحمد لله رب العالمين " . 
وفي الصحيحين عن أنس قال : " صليت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بـ الحمد لله رب العالمين "
ولمسلم " لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها " . 

وإلى هذا ذهب الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة . 
وأحاديث الترك وإن كانت أصح ولكن الإثبات أرجح مع كونه خارجا من مخرج صحيح ، فالأخذ به أولى ولا سيما مع إمكان تأويل الترك ، وهذا يقتضي الإثبات الذاتي ، أعني كونها قرآنا ، والوصفي أعني الجهر بها عند الجهر بقراءة ما يفتتح بها من السور في الصلاة .


 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

الحمد لله الحمد : هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري ، وبقيد الاختيار فارق المدح ، فإنه يكون على الجميل وإن لم يكن الممدوح مختارا كمدح الرجل على جماله وقوته وشجاعته . 
وقال صاحب الكشاف : إنهما أخوان ، والحمد أخص من الشكر موردا وأعم منه متعلقا . 
فمورد الحمد اللسان فقط ، ومتعلقه النعمة وغيرها . 
ومورد الشكر اللسان والجنان والأركان ، ومتعلقه النعمة . 
وقيل : إن مورد الحمد كمورد الشكر ، لأن كل ثناء باللسان لا يكون من صميم القلب مع موافقة الجوارح ليس بحمد بل سخرية واستهزاء . 
وأجيب بأن اعتبار موافقة القلب والجوارح في الحمد لا يستلزم أن يكون موردا له بل شرطا - وفرق بين الشرط والشطر وتعريفه لاستغراق أفراد الحمد وأنها مختصة بالرب سبحانه على معنى أن حمد غيره لا اعتداد به ، لأن المنعم هو الله عز وجل ، أو على أن حمده هو الفرد الكامل فيكون الحصر ادعائيا .  ورجح صاحب الكشاف أن التعريف هنا هو تعريف الجنس لا الاستغراق ، والصواب ما ذكرناه . 
وقد جاء في الحديث : اللهم لك الحمد كله وهو مرتفع بالابتداء وخبره الظرف وهو الله .

 وأصله النصب على المصدرية بإضمار فعله كسائر المصادر التي تنصبها العرب ، فعدل عنه إلى الرفع لقصد الدلالة على الدوام والثبات المستفاد من الجمل الاسمية دون الحدوث والتجدد اللذين تفيدهما الجمل الفعلية ، واللام الداخلة على الاسم الشريف هي لام الاختصاص . 

قال ابن جرير : الحمد ثناء أثنى به على نفسه ، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه ، فكأنه قال : قولوا الحمد لله ، ثم رجح اتحاد الحمد والشكر مستدلا على ذلك بما حاصله : أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلا من الحمد والشكر مكان الآخر . 
قال ابن كثير : وفيه نظر لأنه اشتهر عند كثير من العلماء المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية . 
والشكر لا يكون إلا على المتعدية ويكون بالجنان واللسان والأركان انتهى .

 

رب العالمين: قال في الصحاح : الرب اسم من أسماء الله تعالى ، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة ، وقد قالوه في الجاهلية للملك . 
وقال في الكشاف : الرب المالك

 . ومنه قول صفوان لأبي سفيان : لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن ، ثم ذكر نحو كلام الصحاح . 
قال القرطبي في تفسيره : والرب السيد ، ومنه قوله تعالى : اذكرني عند ربك [ يوسف : 42 ] وفي الحديث : أن تلد الأمة ربها ،    والرب : المصلح والمدبر والجابر والقائم قال : والرب المعبود . 
ومنه قول الشاعر : أرب يبول الثعلبان برأسه  لقد هان من بالت عليه الثعالب

و العالمين : جمع العالم ، وهو كل موجود سوى الله تعالى ، قاله قتادة . 
وقيل : أهل كل زمان عالم ، قاله الحسين بن الفضل .    وقال ابن عباس : العالمون الجن والإنس . 
وقال الفراء وأبو عبيد : العالم عبارة عمن يعقل وهم أربعة أمم : الإنس ، والجن ، والملائكة ، والشياطين . 
ولا يقال للبهائم عالم ، لأن هذا الجمع إنما هو جمع ما يعقل . 
 

حكى هذه الأقوال القرطبي في تفسيره وذكر أدلتها وقال : إن القول الأول أصح هذه الأقوال لأنه شامل لكل مخلوق وموجود ، دليله قوله تعالى : قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما [ الشعراء : 23 ، 24 ] وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده ، كذا قال الزجاج 
وقال : العالم كل ما خلقه الله في الدنيا والآخرة انتهى . 
وعلى هذا يكون جمعه على هذه الصيغة المختصة بالعقلاء تغليبا للعقلاء على غيرهم . 
وقال في الكشاف : ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه ، وهي الدلالة على معنى العلم . 
 

(الرَّحْمَـ?نِ الرَّحِيمِ)

قال القرطبي : وصف نفسه تعالى بعد رب العالمين بأنه الرحمن الرحيم ؛ لأنه لما كان في اتصافه برب العالمين ترهيب قرنه بالرحمن الرحيم لما تضمن من الترغيب ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه ، فيكون أعون على طاعته وأمنع كما قال تعالى           : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم [ الحجر : 49 ، 50 ] وقال : غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب [ غافر : 3 . 

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته  أحد ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد انتهى . 

 

 

 

 

 

 

(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)

مالك يوم الدين:قرئ ملك ومالك وملك بسكون اللام وملك بصيغة الفعل . 
وقد اختلف العلماء أيهما أبلغ ( ملك ) أو ( مالك ) ؟ فقيل : إن ملك أعم وأبلغ من مالك ، إذ كل ملك مالك ، وليس كل مالك ملكا ، ولأن أمر الملك نافذ على المالك في ملكه حتى لا ينصرف إلا عن تدبير الملك ، قاله أبو عبيد والمبرد ورجحه الزمخشري 
وقيل : مالك أبلغ لأنه يكون مالكا للناس وغيرهم ، فالمالك أبلغ تصرفا وأعظم . 
وقال أبو حاتم : إن مالكا أبلغ في مدح الخالق من ملك ، وملك أبلغ في مدح المخلوقين من مالك ، لأن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك ، وإذا كان الله تعالى مالكا كان ملكا . 
واختار هذا القاضي أبو بكر بن العربي 
والحق أن لكل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر ، فالمالك يقدر على ما لا يقدر عليه الملك من التصرفات بما [ ص: 18 ] هو مالك له بالبيع والهبة والعتق ونحوها ، والملك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته ورعاية مصالح الرعية ، فالمالك أقوى من الملك في بعض الأمور ، والملك أقوى من المالك في بعض الأمور . 
والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه أن الملك صفة لذاته ، والمالك صفة لفعله . 
و ( يوم الدين ) : يوم الجزاء من الرب سبحانه لعباده كما قال : وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله [ الانفطار : 17 - 19 ]

وهذه الإضافة إلى الظرف على طريق الاتساع كقولهم : يا سارق الليلة أهل الدار ، و يوم الدين  وإن كان متأخرا فقد يضاف اسم الفاعل وما في معناه إلى المستقبل كقولك : هذا ضارب زيدا غدا .

 

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)

قراءة السبعة وغيرهم بتشديد الياء ، وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر ، وقرأ الفضل والرقاشي بفتح الهمزة ، وقرأ أبو السوار الغنوي هياك في الموضعين وهي لغة مشهورة . 
والضمير المنفصل هو إيا وما يلحقه من الكاف والهاء والياء هي حروف لبيان الخطاب والغيبة والتكلم ، ولا محل لها من الإعراب كما ذهب إليه الجمهور ، وتقديمه على الفعل لقصد الاختصاص ، وقيل : للاهتمام ، والصواب أنه لهما ولا تزاحم بين المقتضيات . 
والمعنى : نخصك بالعبادة ونخصك بالاستعانة لا نعبد غيرك ولا نستعينه ، والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل . 
قال ابن كثير : وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف ، وعدل عن الغيبة إلى الخطاب لقصد الالتفات ، لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى آخر كان أحسن تطرية لنشاط السامع وأكثر إيقاظا له كما تقرر في علم المعاني . 
والمجيء بالنون في الفعلين لقصد الإخبار من الداعي عن نفسه وعن جنسه من العباد ، وقيل : إن المقام لما كان عظيما لم يستقل به الواحد استقصارا لنفسه واستصغارا لها ، فالمجيء بالنون لقصد التواضع لا لتعظيم النفس ، وقدمت العبادة على الاستعانة لكون الأولى وسيلة إلى الثانية ، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب ، وإطلاق الاستعانة لقصد التعميم . 
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله إياك نعبد : يعني إياك نوحد ونخاف يا ربنا لا غيرك ، وإياك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها . 

وحكى ابن كثير عن قتادة أنه قال في إياك نعبد وإياك نستعين : يأمركم أن تخلصوا له العبادة وأن تستعينوه على أمركم . 
وفي صحيح مسلم من حديث المعلى بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ، إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال : حمدني عبدي ، وإذا قال الرحمن الرحيم قال : أثنى علي عبدي ، فإذا قال : مالك يوم الدين قال : مجدني عبدي ، فإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل . 
 

(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)

قرأه الجمهور بالصاد ، وقرئ السراط بالسين ، والزراط بالزاي ، والهداية قد يتعذر فعلها بنفسه كما هنا ، وكقوله : وهديناه النجدين [ البلد : 10 ] وقد يتعدى بإلى قوله : اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم [ النحل : 121 ] فاهدوهم إلى صراط الجحيم [ الصافات : 23 ] وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [ الشورى : 52 ] وقد يتعدى باللام كقوله : الحمد لله الذي هدانا لهذا [ الأعراف : 43 ] إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم [ الإسراء : 9 ] قال الزمخشري : أصله أن يتعدى باللام أو بإلى انتهى . 
وهي الإرشاد أو التوفيق أو الإلهام أو الدلالة . 
وفرق كثير من المتأخرين بين معنى المتعدي بنفسه وغير المتعدي فقالوا : معنى الأول الدلالة ، والثاني الإيصال . 
وطلب الهداية من المهتدي معناه طلب الزيادة كقوله تعالى : والذين اهتدوا زادهم هدى [ محمد : 17 ] والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا [ العنكبوت : 69 ] والصراط : الطريق ، قال ابن جرير : أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه ، وهو كذلك في لغة جميع العرب . قال : ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله فتصف المستقيم باستقامته والمعوج باعوجاجه . 
وقد ذكر ابن جرير نحو هذا فقال : والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي معنيا به ، وفقنا للثبات على ما ارتضيته ، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل ، وذلك هو الصراط المستقيم ، لأن من وفق إليه ممن أنعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقد وفق للإسلام وتصديق الرسل ، والتمسك بالكتاب ، والعمل بما أمره الله به والانزجار عما زجره عنه ، واتباع منهاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنهاج الخلفاء الأربعة وكل عبد صالح ، وكل ذلك من الصراط المستقيم انتهى .

(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)

انتصب ( صراط ) على أنه بدل من الأول ، وفائدته التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير ، ويجوز أن يكون عطف بيان ، وفائدته الإيضاح ، والذين أنعم الله عليهم هم المذكورون في سورة النساء حيث قال : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما [ النساء : 69 ، 70 ] وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام ، و غير المغضوب عليهم بدل من الذين أنعمت عليهم على معنى أنهم جمعوا بين النعمتين نعمة الإيمان والسلامة من ذلك ، وصح جعله صفة للمعرفة مع كون غير لا تتعرف بالإضافة إلى المعارف لما فيها من الإبهام ، لأنها هنا غير مبهمة لاشتهار المغايرة بين  

 الجنسين . 
والغضب في اللغة قال القرطبي : الشدة ، ورجل غضوب : أي شديد الخلق ، والغضوب : الحية الخبيثة لشدتها . 
قال : ومعنى الغضب في صفة الله : إرادة العقوبة فهو صفة ذاته ، أو نفس العقوبة ، ومنه الحديث : إن الصدقة لتطفئ غضب الرب فهو صفة فعله . قال في الكشاف : هو إرادة الانتقام من العصاة وإنزال العقوبة بهم ، وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده ، والفرق بين عليهم الأولى وعليهم الثانية ، أن الأولى في محل نصب على المفعولية ، والثانية في محل رفع على النيابة عن الفاعل . 
و " لا " في قوله ولا الضالين تأكيد للنفي المفهوم من ( غير ) ، والضلال في لسان العرب قال القرطبي : هو الذهاب عن سنن القصد وطريق الحق ، ومنه ضل اللبن في الماء : أي غاب ، ومنه أئذا ضللنا في الأرض [ السجدة : 10 ] أي غبنا بالموت وصرنا ترابا . 
. . 
قال ابن أبي حاتم : لا أعلم خلافا بين المفسرين في تفسير المغضوب عليهم باليهود ، والضالين بالنصارى . 
ويشهد لهذا التفسير النبوي آيات من القرآن ، قال الله تعالى في خطابه لبني إسرائيل في سورة البقرة : بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين [ البقرة : 90 . 
وقال في المائدة : قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل [ المائدة : 60 ] وفي السيرة عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف قال اليهود : إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله ، فقال : أنا من غضب الله أفر ، وقالت له النصارى : إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سخط الله ، فقال : لا أستطيعه ، فاستمر على فطرته وجانب عبادة الأوثان .

 

انتهى تفسير سورة الفاتحة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

>>سورة البقرة<<

المقطع الأول:

بسم الله الرحمن الرحيم

 الم ??? ذَ?لِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ? فِيهِ ? هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ??? الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ??? وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ??? أُولَـ?ئِكَ عَلَى? هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ? وَأُولَـ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ???إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ??? خَتَمَ اللَّـهُ عَلَى? قُلُوبِهِمْ وَعَلَى? سَمْعِهِمْ ? وَعَلَى? أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ? وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ??? وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ??? يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ??? فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّـهُ مَرَضًا ? وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ???? وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ???? أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـ?كِن لَّا يَشْعُرُونَ ???? وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ? أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَـ?كِن لَّا يَعْلَمُونَ ???? وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى? شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ???? اللَّـهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ???? أُولَـ?ئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى? فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ???

{الم} قال القرطبي في تفسيره: اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور، فقال الشعبي، وسفيان الثوري، وجماعة من المحدثين:         هي: سرّ الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سرّ، فهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا نحبّ أن نتكلم فيها، ولكن نؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءت، وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق، وعليّ ابن أبي طالب، قال: وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لايفسر، وقال أبو حاتم: لم نجد الحروف في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله عزّ وجل.

وقال: جمع من العلماء كثير: بل نحبّ أن نتكلم فيها، ونلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها.واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة، فروي عن ابن عباس، وعليّ أيضاً أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها.وقال قُطْرُب، والفراء، وغيرهما    هي: إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحدّاهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي: التي بناء كلامهم عليها؛ ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم. قال قطرب: كانوا ينفرون عند استماع القرآن، فلما نزل: {الما،} و{المصا} [الأعراف: 1] استنكروا هذا اللفظ، فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف؛ ليثبته في أسماعهم، وآذانهم، ويقيم الحجة عليهم.وقال قوم: روي أن المشركين لما أعرضوا عن القرآن بمكة قالوا {وَقَالُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ} [فصلت: 26] فأنزلها استغربوها، فيفتحون أسماعهم، فيسمعون القرآن بعدها، فتجب عليهم الحجة.وقال جماعة: هي حروف دالة على أسماء أخذت منها، وحذفت بقيتها، كقول ابن عباس، وغيره الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد.وذهب إلى هذا الزجاج، فقال: وذهبوا إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معناه!.وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة كقوله:فقلت لها قفى، فقالت قاف ***أي وقفت.

وفي الحديث: «من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة» قال شقيق: هو أن يقول فقرة في اقتل: اق، كما قال صلى الله عليه وسلم: «كفى بالسيف شا»   أي شافياً، وفي نسخة شاهداً. وقال زيد بن أسلم: هي أسماء للسور. وقال الكلبي: هي أقسام أقسم الله بها لشرفها وفضلها وهي من أسمائه.

ومن أدقّ ما أبرزه المتكلمون في معاني هذه الحروف ما ذكره الزمخشري في الكشاف، فإنه قال: وأعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عزّ سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم أربعة عشر سواء: وهي الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر، وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف.بيان ذلك أن فيها من المهموسة نصفها: الصاد، والكاف، والهاء، والسين، والحاء، ومن المجهورة نصفها الألف، واللام، والميم، والراء، والعين، والطاء، والقاف، والياء، والنون، ومن الشديدة نصفها: الألف، والكاف، والطاء، والقاف، ومن الرخوة نصفها: اللام، والميم، والراء، والصاد، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والياء، والنون، ومن المطبقة نصفها: الصاد، والطاء، ومن المنفتحة نصفها: الألف، والام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والقاف، والياء، والنون، ومن المستعلية نصفها: القاف، والصاد، والطاء، ومن المنخفضة نصفها: الألف واللام والميم، والراء، والكاف، والهاء، والتاء، والعين، والسين، والحاء، والنون، ومن حروف القلقة نصفها: القاف، والطاء، ثم إذا استقريت الكلم، وتراكيبها رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكنوزة بالمذكورة منها، فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته، وقد علمت أن معظم الشيء وجُلَّه ينزل منزلة كله، وهو المطابق للطائف التنزيل، واختصاراته، فكأن الله عزّ اسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم، وإلزام الحجة إياهم، وما يدل على أنه تعمد بالذكر من حروف المعجم أكثرها، وقوعاً في تراكيب الكلم، ان الألف، واللام لما تكاثر، وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين، وهي فواتح سورة البقرة، وآل عمران، والروم، والعنكبوت، ولقمان، والسجدة، والأعراف، والرعد، ويونس، وإبراهيم، وهود، ويوسف، والحجر. انتهى.

وأقول: هذا التدقيق لا يأتي بفائدة يعتدّ بها، وبيانه أنه إذا كان المراد منه إلزام الحجة، والتبكيت كما قال، فهذا متيسر بأن يقال لهم: هذا القرآن هو من الحروف التي تتكلمون بها ليس هو من حروف مغايرة لها، فيكون هذا تبكيتاً، وإلزاماً يفهمه كل سامع منهم من دون إلغاز، وتعمية، وتفريق لهذه الحروف، في فواتح تسع وعشرين سورة، فإن هذا مع ما فيه من التطويل الذي لا يستوفيه سامعه إلا بسماع جميع هذه الفواتح، هو أيضاً مما لا يفهمه أحد من السامعين، ولا يتعقل شيئاً منه فضلاً عن أن يكون تبكيتاً له وإلزاماً للحجة أياً كان، فإن ذلك هو أمر وراء الفهم مترتب عليه، ولم يفهم السامع هذا، ولا ذكر أهل العلم عن فرد من أفراد الجاهلية الذين وقع التحدي لهم بالقرآن، أنه بلغ فهمه إلى بعض هذا فضلاً عن كله.

ثم كون هذه الحروف مشتملة على النصف من جميع الحروف التي تركبت لغة العرب منها، وذلك النصف مشتمل على أنصاف تلك الأنواع من الحروف المتصفة بتلك الأوصاف هو أمر لا يتعلق به فائدة لجاهلي، ولا إسلامي، ولا مقرّ، ولا منكر، ولا مسلم، ولا معارض، ولا يصح أن يكون مقصداً من مقاصد الرّب سبحانه، الذي أنزل كتابه للإرشاد إلى شرائعه، والهداية به.وهب أن هذه صناعة عجيبة، ونكتة غريبة، فليس ذلك مما يتصف بفصاحة، ولا بلاغة حتى يكون مفيداً أنه كلام بليغ، أو فصيح، وذلك لأن هذه الحروف الواقعة في الفواتح ليست من جنس كلام العرب حتى يتصف بهذين الوصفين، وغاية ما هناك أنها من جنس حروف كلامهم، ولا مدخل لذلك فيما ذكر.

وأيضاً لو فرض أنها كلمات متركبة بتقدير شيء قبلها، أو بعدها لم يصح وصفها بذلك، لأنها تعمية غير مفهومة للسامع إلا بأن يأتي من يريد بيانها بمثل ما يأتي به من أراد بيان الألغاز، والتعمية، وليس ذلك من الفصاحة، والبلاغة في ورد، ولا صدر بل من عكسهما، وضد رسمهما، وإذا عرفت هذا، فاعلم أن من تكلم في بيان معاني هذه الحروف جازماً بأن ذلك هو ما أراده الله عزّ وجل، فقد غلط أقبح الغلط، وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط، فإنه إن كان تفسيره لها بما فسرها به راجعاً إلى لغة العرب، وعلومها فهو كذب بحت، فإن العرب لم يتكلموا بشيء من ذلك، وإذا سمعه السامع منهم كان معدوداً عنده من الرَّطَانة، ولا ينافي ذلك أنهم قد يقتصرون على أحرف، أو حروف من الكلمة التي يريدون النطق بها، فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا بعد أن تقدمه ما يدل عليه، ويفيد معناه، بحيث لا يلتبس على سامعه كمثل ما تقدم ذكره.

ومن هذا القبيل ما يقع منهم من الترخيم، وأين هذه الفواتح الواقعة في أوائل السور من هذا؟ وإذا تقرر لك أنه لا يمكن استفادة ما ادّعوه من لغة العرب، وعلومها لم يبق حينئذ إلا أحد أمرين:الأوّل التفسير بمحض الرأي الذي ورد النهي عنه، والوعيد عليه، وأهل العلم أحق الناس بتجنبه،   والصدّ عنه، والتنكُّب عن طريقه، وهم أتقى لله سبحانه من أن يجعلوا كتاب الله سبحانه ملعبةً لهم يتلاعبون به، ويضعون حماقات أنظارهم، وخُزَعْبَلات أفكارهم عليه.

الثاني التفسير بتوقيف عن صاحب الشرع، وهذا هو المهيع الواضح، والسبيل القويم، بل الجادة التي ما سواها مردوم، والطريقة العامرة التي ما عداها معدوم، فمن وجد شيئاً من هذا، فغير ملوم أن يقول بملء فيه، ويتكلم بما وصل إليه علمه، ومن لم يبلغه شيء من ذلك فليقل لا أدري، أو الله أعلم بمراده، فقد ثبت النهي عن طلب فهم المتشابه، ومحاولة الوقوف على علمه مع كونه ألفاظاً عربية، وتراكيب مفهومة، وقد جعل الله تتبع ذلك صنيع الذين في قلوبهم زيغ، فكيف بما نحن بصدده؟ فإنه ينبغي أن يقال فيه إنه متشابه المتشابه على فرض أن للفهم إليه سبيلاً، ولكلام العرب فيه مدخلاً، فكيف وهو خارج عن ذلك على كل تقدير.

وانظر كيف فهم اليهود عند سماع {ألم} فإنهم لما لم يجدوها على نمط لغة العرب فهموا أن الحروف المذكورة رمز إلى ما يصطلحون عليه من العدد الذي يجعلونه لها، كما أخرج ابن إسحاق، والبخاري في تاريخه، وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله قال: «مرّ أبو ياسر بن أخْطَبَ في رجالٍ من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة {الم ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ} فأتى أخاه حُيَيَّ بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون، والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه {آلم ذلك الكتاب} فقال: أنت سمعته؟ فقال نعم، فمشى حُيَيَّ في أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد ألم تذكر أنك تتلو، فيما أنزل عليك {الم ذلك الكتاب} قال: بلى، قالوا: أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: نعم قالوا: لقد بعث الله قبلك الأنبياء ما نعلمه بيَّن لنبي منهم ما مدّة ملكه، وما أجَلُ أمته غيرك، فقال حُيَيُّ بن أخطب: وأقبل على من كان معه الألف، واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى، وسبعون سنة، أفتدخلون في دين نبيّ إنما مدّة ملكه، وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد هل مع هذا غيره؟ قال: نعم، قال: وما ذاك؟ قال: {المص} قال: هذه أثقل، وأطول الألف، واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون ومائة سنة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم، قال: وما ذاك؟ قال: {الر} قال: هذه أثقل، وأطول الألف، واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، هذه إحدى وثلاثون سنة ومائتان، فهل مع هذا غيره؟ قال: نعم {المر} قال: فهذه أثقل، وأطول الألف، واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون سنة ومائتان، ثم قال: لقد لُبِّس علينا أمرك يا مُحمدُ حتى ما ندري قليلاً أعطيت أم كثيراً، ثم قاموا»، فقال أبو ياسر لأخيه حُييّ، ومن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وستون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون سنة، فقالوا: لقد تشابه علينا أمره، فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم: {هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتُ} [آل عمران: 7]فانظر ما بلغت إليه أفهامهم من هذا الأمر المختص بهم من عدد الحروف، مع كونه ليس من لغة العرب في شيء، وتأمل أيّ موضع أحق بالبيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الموضع، فإن هؤلاء الملاعين قد جعلوا ما فهموه عند سماع {الم ذلك الكتاب} من ذلك العدد موجباً للتثبيط عن الإجابة له، والدخول في شريعته، فلو كان لذلك معنى يعقل، ومدلولٌ يفهم، لدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ظنوه بادئ بدء حتى لا يتأثر عنه ما جاءوا به من التشكيك على من معهم.

 

فإن قلت: هل ثبت عن رسول الله في هذه الفواتح شيء يصلح للتمسك به؟ قلت: لا أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم في شيء من معانيها، بل غاية ما ثبت عنه هو مجرد عدد حروفها، فأخرج البخاري في تاريخه، والترمذي وصححه والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» وله طرق عن ابن مسعود.وأخرج ابن أبي شيبة، والبزار بسند ضعيف عن عوف بن مالك الأشجعي نحوه مرفوعاً.فإن قلت: هل روي عن الصحابة شيء من ذلك بإسناد متصل بقائله أم ليس إلا ما تقدم من حكاية القرطبي عن ابن عباس وعليّ؟ قلت: قد روى ابن جرير والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن ابن مسعود أنه قال: {آلم} أحرف اشتقت من حروف اسم الله.وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: {آلم} و{حم} و{ن} قال: اسم مقطع.وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في كتاب الأسماء عن ابن عباس أيضاً في قوله: {الم} {والمصا} {وآلر} و{المر} و{كهعيصا} و{وطه} و{طسما} و{وطس} و{ويس} و{وص} و{وحم} و{تَعْمَلُونَ ق} و{ن} قال: هو قسم أقسمه الله، وهو: من أسماء الله.

فإن قلت: هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا مدخل للغة العرب، فلم لا يكون له حكم الرفع؟ قلت: تنزيل هذا منزلة المرفوع، وإن قال به طائفة من أهل الأصول وغيرهم، فليس مما ينشرح له صدور المنصفين، ولا سيما إذا كان في مثل هذا المقام، وهو: التفسير لكلام الله سبحانه، فإنه دخول في أعظم الخطر بما لا برهان عليه صحيح إلا مجرد قولهم إنه يبعد من الصحابي كل البعد أن يقول بمحض رأيه فيما لا مجال فيه للاجتهاد، وليس مجرد هذا الاستبعاد مسوّغاً للوقوع في خطر الوعيد الشديد.

على أنه يمكن أن يذهب بعض الصحابة إلى تفسير بعض المتشابه، كما نجده كثيراً في تفاسيرهم المنقولة عنهم ويجعل هذه الفواتح من جملة المتشابه،ثم ها هنا مانع آخر، وهو أن المروي عن الصحابة في هذا مختلف متناقض فإن عملنا بما قاله أحدهم دون الآخر كان تحكماً لا وجه له، وإن عملنا بالجميع كان عملاً بما هو مختلف متناقض، ولا يجوز.

ثم ها هنا مانع غير هذا المانع، وهو أنه لو كان شيء مما قالوه مأخوذاً عن النبي صلى الله عليه وسلم لاتفقوا عليه ولم يختلفوا كسائر ما هو مأخوذعنه، فلما اختلفوا في هذا علمنا أنه لم يكن مأخوذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لو كان عندهم شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا لما تركوا حكايته عنه ورفعه إليه، لا سيما عند اختلافهم واضطراب أقوالهم في مثل هذا الكلام الذي لا مجال للغة العرب فيه ولا مدخل لها.والذي أراه لنفسي ولكل من أحبّ السلامة واقتدى بسلف الأمة ألا يتكلم بشيء من ذلك، مع الاعتراف بأن في إنزالها حكمة لله عزّ وجل لا تبلغها عقولنا ولا تهتدي إليها أفهامنا، وإذا انتهيت إلى السلامة في مداك فلا تجاوزه، وسيأتي لنا عند تفسير قوله تعالى:        {مِنْهُ آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات} [آل عمران: 7] كلام طويل الذيول، وتحقيق تقبله صحيحات الأفهام وسليمات العقول.

 الإشارة بقوله: {ذلك} إلى الكتاب المذكور بعده. قال ابن جرير: قال ابن عباس: {ذلك الكتاب} هذا الكتاب وبه قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل وزيد بن أسلم وابن جريج، وحكاه البخاري عن أبي عبيدة.

 والعرب قد تستعمل الإشارة إلى البعيد الغائب مكان الإشارة إلى القريب الحاضر كما قال خفاف: أقول له والرمحُ يأطر مَتنهُ *** تأمل خِفافاً أنني أنا ذلِك اأي: أنا هذا، ومنه قوله تعالى: {ذلك عَالِمُ الغيب والشهادة العزيز الرحيم} [السجدة: 6] {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ على قَوْمِهِ} [الأنعام: 83] {تِلْكَ آيات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} [البقرة: 252، وآل عمران: 108، والجاثية: 6] {ذَلِكُمْ حُكْمُ الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} [الممتحنة: 10] وقيل: إن الإشارة إلى غائب، واختلف في ذلك الغائب، فقيل: هو: الكتاب الذي كتب على الخلائق بالسعادة والشقاوة، والأجل والرزق.

 

{لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا مبدل له، وقيل ذلك الكتاب الذي كتبه الله على نفسه في الأزل؛ أن رحمته سبقت غضبه، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه، فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي» وفي رواية: «سبقت». وقيل الإشارة إلى ما قد نزل بمكة، وقيل إلى ما في التوراة والإنجيل، وقيل إشارة إلى قوله قبله {آلم} ورجحه الزمخشري، وقد وقع الاختلاف في ذلك إلى تمام عشرة أقوال حسبما حكاه القرطبي وأرجحها ما صدَّرناه،واسم الإشارة مبتدأ، و{الكتاب} صفته، والخبر {لا ريب فيه} ومن جوّز الابتداء ب {آلم} جعل {ذلك} مبتدأ ثانياً، وخبره {الكتاب} أو هو صفته، والخبر {لا ريب فيه} والجملة خبر المبتدأ.

 ويجوز أن يكون المبتدأ مقدّراً، وخبره {آلم} وما بعده. والريب مصدر، وهو قلق النفس واضطرابها، وقيل إن الريب: الشك. قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافاً.وقد يستعمل الريب في التهمة والحاجة، حكى ذلك القرطبي. ومعنى هذا النفي العام، أن الكتاب ليس بمظنة للريب؛ لوضوح دلالته وضوحاً يقوم مقام البرهان المقتضى لكونه لا ينبغي الارتياب فيه بوجه من الوجوه،والوقف على {فيه} هو المشهور.وقد روي عن نافع وعاصم الوقف على {لاَ رَيْبَ} قال في الكشاف: ولا بدّ للواقف من أن ينوي خبراً، ونظيره قوله تعالى: {قَالُواْ لاَ ضَيْرَ} [الشعراء: 50] وقول العرب: لا بأس، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز، والتقدير: لا ريب فيه فيه هدى.والهدى مصدر. قال الزمخشري: وهو: الدلالة الموصلة إلى البغية بدليل وقوع الضلال في مقابلته انتهى. ومحله الرفع على الابتداء وخبره الظرف المذكور قبله على ما سبق.

قال القرطبي: الهدى هديان: هدى دلالة وهو الذي يقدر عليه الرسل وأتباعهم، قال الله تعالى: {وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7] وقال: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه، وتفرد سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: {أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ} [البقرة: 5] وقوله: {ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء} [القصص: 56] انتهى.

والمتقين من ثبتت لهم التقوى. قال ابن فارس: وأصلها في اللغة قلة الكلام.وقال في الكشاف: المتقي في اللغة: اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى، والوقاية: الصيانة، ومنه: فرس واقٍ، وهذه الدابة تقي من وجاورها: إذا أصابها ضلع من غلظ الأرض ورقة الحافر، فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء يؤلمه. وهو في الشريعة: الذي يقي نفسه تعاطى ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك. انتهى.وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود؛ أن {الكتاب}: القرآن، {لا ريب فيه}: لا شك فيه.

والإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع ما سيأتي. والغيب في كلام العرب: كل ما غاب عنك. قال القرطبي: واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا، فقالت فرقة: الغيب في هذه الآية هو الله سبحانه، وضعفه ابن العربي.وقال آخرون: القضاء والقدر.وقال آخرون: القرآن وما فيه من الغيوب.وقال آخرون: الغيب كل ما أخبر به الرسول مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة، وعذاب القبر، والحشر والنشر، والصراط، والميزان، والجنة، والنار. قال ابن عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها، قال: وهذا هو: الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره، وشرّه، قال: صدقت» انتهى.      وهذا الحديث هو ثابت في الصحيح بلفظ: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره، وشرّه».

وللتابعين أقوال،والراجح ما تقدم من أن الإيمان الشرعي يصدق على جميع ما ذكر هنا، قال ابن جرير: والأولى أن تكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولاً، واعتقاداً، وعملاً. قال: وتدل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو: تصديق القول بالعمل والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله، وكتبه، ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل.وقال ابن كثير: إن الإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقاداً، وقولاً، وعملاً، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد، وغير واحد إجماعاً أن الإيمان قول، وعمل، ويزيد وينقص.وقد ورد فيه آيات كثيرة. انتهى.                                                                                                                                                               {ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} هو معطوف على {يؤمنون} والإقامة في الأصل: الدوام والثبات. يقال قام الشيء: أي دام وثبت. وليس من القيام على الرجل، وإنما هو من قولك قام الحق. أي: ظهر وثبت. قال الشاعر:وقامت الحرب بنا على ساق ***وقال آخر:وإذا يقال أقيموا لم تبرحوا *** حتى تقيم الخيل سوق طعانو إقامة الصلاة أداؤها بأركانها، وسننها، وهيئاتها في أوقاتها. والصلاة أصلها في اللغة: الدعاء من صلى يصلي إذا دعا.وقد ذكر هذا الجوهري، وغيره.وقال قوم: هي مأخوذة من الصلا، وهو عرق في وسط الظهر، ويفترق عند العُجْب. ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل؛ لأنه يأتي في الحلبة، ورأسه عند صلوى السابق، فاشتقت منه الصلاة؛ لأنها ثانية للإيمان فشبهت بالمصلي من الخيل، وإما لأن الراكع يثني صلويه، والصلا مغرز الذنب من الفرس، والاثنان صلوان، والمصلي تالي السابق؛ لأن رأسه عند صلوه.

ذكر هذا القرطبي في تفسيره.وقد ذكر المعنى الثاني في الكشاف هذا المعنى اللغوي. وأما المعنى الشرعي، فهو هذه الصلاة التي هي ذات الأركان، والأذكار.

وقد اختلف أهل العلم هل هي مبقاة على أصلها اللغوي أو موضوعة وضعاً شرعياً ابتدائياً. فقيل بالأوّل، وإنما جاء الشرع بزيادات هي الشروط والفروض الثابتة فيها.وقال قوم بالثاني.والرزق عند الجمهور ما صلح للانتفاع به حلالاً كان أو حراماً خلافاً للمعتزلة، فقالوا: إن الحرام ليس برزق، وللبحث في هذه المسألة موضع غير هذا. والإنفاق: إخراج المال من اليد، وفي المجيء ب (من) التبعيضية ههنا نكتة سرية هي الإرشاد إلى ترك الإسراف.

قيل: هم مؤمنو أهل الكتاب، فإنهم جمعوا بين الإيمان بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزله على من قبله وفيهم نزلت.

وقد رجح هذا ابن جرير، ونقله السدي في تفسيره عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة، واستشهد له ابن جرير بقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ} [آل عمران: 119] وبقوله تعالى: {الذين ءاتيناهم الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبّنَا إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} الآية [القصص: 52 54]. والآية الأولى نزلت في مؤمني العرب. وقيل الآيتان جميعاً في المؤمنين على العموم. وعلى هذا فهذه الجملة معطوفة على الجملة الأولى صفة للمتقين بعد صفة، ويجوز أن تكون مرفوعة على الاستئناف، ويجوز أن تكون معطوفة على المتقين فيكون التقدير: هدى للمتقين وللذين يؤمنون بما أنزل إليك.والمراد بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم: هو القرآن. وما أنزل من قبله: هو الكتب السالفة. والإيقان: إيقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه، قاله في الكشاف. والمراد أنهم يوقنون بالبعث والنشور وسائر أمور الآخرة من دون شك. والآخرة تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول، وهي صفة الدار كما في قوله تعالى: {تِلْكَ الدار الاخرة نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى الارض وَلاَ فَسَاداً} [القصص: 83] وفي تقديم الظرف مع بناء الفعل على الضمير المذكور إشعار بالحصر، وأن ما عدا هذا الأمر الذي هو أساس الإيمان ورأسه ليس بمستأهل للإيقان به، والقطع بوقوعه. وإنما عبر بالماضي مع أنه لم ينزل إذ ذاك إلا البعض لا الكل؛ تغليباً للموجود على ما لم يوجد، أو تنبيهاً على تحقق الوقوع كأنه بمنزلة النازل قبل نزوله.وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: {والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} أي يصدقونك بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم {وبالأخرة هُمْ يُوقِنُونَ} إيماناً بالبعث، والقيامة، والجنة، والنار، والحساب، والميزان، أي لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك ويكفرون بما جاء من ربك.وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه.والحق أن هذه الآية في المؤمنين كالتي قبلها، وليس مجرد ذكر الإيمان بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إلى من قبله بمقتض لجعل ذلك وصفاً لمؤمني أهل الكتاب، ولم يأت ما يوجب المخالفة لهذا ولا في النظم القرآني ما يقتضي ذلك.وقد ثبت الثناء على من جمع بين الأمرين من المؤمنين في غير آية. فمن ذلك قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ والكتاب الذى نَزَّلَ على رَسُولِهِ والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ} [النساء: 136] وكقوله: {وَقُولُواْ ءامَنَّا بالذى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} [العنكبوت: 46]، وقوله: {آمن الرسول بما انزل إليه مِن رَّبّهِ والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ} [البقرة: 285]، وقال: {والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} [النساء: 152]. هذا كلام مُستأنف استئنافاً بيانياً، كأنه قيل: كيف حال هؤلاء الجامعين بين التقوى والإيمان بالغيب والإتيان بالفرائض والإيمان بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى من قبله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقيل: {أولئك على هُدًى} ويمكن أن يكون هذا خبراً عن الذين يؤمنون بالغيب الخ فيكون متصلاً بما قبله. قال في الكشاف: ومعنى الاستعلاء في قوله: {على هُدًى} مثل لتمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه وتمسكهم به، شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه، ونحوه: هو على الحق وعلى الباطل.وقد صرّحوا بذلك في قوله: جعل الغواية مركباً وامتطى الجهل واقتعد غارب الهوى انتهى.

وقد أطال المحققون الكلام على هذا بما لا يتسع له المقام، واشتهر الخلاف في ذلك بين المحقق السعد والمحقق الشريف. واختلف من بعدهم في ترجيح الراجح من القولين، وقد جمعت في ذلك رسالة سميتها: الطود المنيف في ترجيح ما قاله السعد على ما قاله الشريف فليرجع إليها من أراد أن يتضح له المقام ويجمع بين أطراف الكلام على التمام.

قال ابن جرير: إن معنى {أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ} على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديد الله إياهم وتوفيقه لهم، و{المفلحون} أي المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله. هذا معنى كلامه. والفلاح أصله في اللغة: الشقّ والقطع، قاله أبو عبيد ويقال: الذي شقت شفته أفلح، ومنه سمي الأكَّار فلاحاً لأنه شقّ الأرض بالحرث، فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه. قال القرطبي: وقد يستعمل في الفوز والبقاء وهو أصله أيضاً في اللغة، فمعنى {أُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون} الفائزون بالجنة والباقون.وقال في الكشاف: المفلح الفائز بالبغية، كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه. انتهى.

وقد استعمل الفلاح في السحور، ومنه الحديث الذي أخرجه أبو داود: «حتى كاد يفوتنا الفلاح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم». قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور. فكأن معنى الحديث: أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سمي فلاحاً. وفي تكرير اسم الإشارة دلالة على أنَّ كلاً من الهدى والفلاح مستقلّ بتميزهم به عن غيرهم، بحيث لو انفرد أحدهما لكفى تميزاً على حاله. وفائدة ضمير الفصل الدلالة على اختصاص المسند إليه بالمسند دون غيره.وقد روى السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرّة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة أن الذين يؤمنون بالغيب: هم المؤمنون من العرب، الذين يؤمنون بما أنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إلى من قبله: هم، والمؤمنون من أهل الكتاب ثم جمع الفريقين فقال: {أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون} وقد قدمنا الإشارة إلى هذا، وإلى ما هو أرجح منه كما هو منقول عن مجاهد وأبي العالية والربيع بن أنس وقتادة.

ذكر سبحانه فريق الشرّ بعد الفراغ من ذكر فريق الخير، قاطعاً لهذا الكلام عن الكلام الأوّل، معنوناً له بما يفيد أن شأن جنس الكفرة عدم إجداء الإنذار لهم، وأنه لا يترتب عليهم ما هو المطلوب منهم من الإيمان، وأن وجود ذلك كعدمه. و{سواء} اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر، والهمزة وأم مجرّدتان لمعنى الاستواء غير مراد بهما ما هو أصلهما من الاستفهام، وصحّ الابتداء بالفعل والإخبار عنه بقوله: سواء، هجراً لجانب اللفظ إلى جانب المعنى، كأنه قال: الإنذار وعدمه سواء، كقولهم: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه: أي سماعك.

وأصل الكفر في اللغة: الستر والتغطية، قال الشاعر:في ليلة كفر النجوم غمامها ***أي: سترها،  ومنه سمي الكافر كافراً؛ لأنه يغطي بكفره ما يجب أن يكون عليه من الإيمان.

والإنذار: الإبلاغ والإعلام.قال القرطبي: واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقيل: هي عامة ومعناها الخصوص فيمن سبقت عليه كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره.

 أراد الله تعالى أن يعلم الناس أن فيهم من هذا حاله دون أن يعين أحداً. وقال ابن عباس والكلبي: نزلت في رؤساء اليهود حييّ بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظرائهما. وقال الربيع بن أنس: نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب، والأول أصح، فإن من عين أحداً فإنما مثل بمن كشف الغيب بموته على الكفر انتهى.

وقوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ} خبر مبتدأ محذوف: أي: هم لا يؤمنون، وهي جملة مستأنفة لأنها جواب سؤال مقدر كأنه قيل: هؤلاء الذين استوى حالهم مع الإنذار وعدمه ماذا يكون منهم؟ فقيل: لا يؤمنون: أي: هم لا يؤمنون.وقال في الكشاف: إنها جملة مؤكدة للجملة الأولى، أو خبر لأن والجملة قبلها اعتراض. انتهى.

 والأولى ما ذكرناه، لأن المقصود الإخبار عن عدم الاعتداد بإنذارهم، وأنه لا يجدي شيئاً بل بمنزلة العدم، فهذه الجملة هي التي وقعت خبراً لأن، وما بعدها من عدم الإيمان متسبب عنها لا أنه المقصود.وقد قال بمثل قول الزمخشري القرطبي.وقال ابن كيسان: إن خبر إن {سواء} وما بعده يقوم مقام الصلة.وقال محمد بن يزيد المبرّد: {سواء} رفع بالابتداء، وخبره {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} والجملة خبر {إن}. والختم: مصدر ختمت الشيء، ومعناه: التغطية على الشيء، والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء، ومنه ختم الكتاب، والباب، وما يشبه ذلك حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه غيره.

والغشاوة: الغطاء، ومنه غاشية السرج، والمراد بالختم والغشاوة هنا: هما المعنويان لا الحسيان، أي: لما كانت قلوبهم غير واعية لما وصل إليها، والأسماع غير مؤدية لما يطرقها من الآيات البينات إلى العقل على وجه مفهوم، والأبصار غير مهدية للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته جعلت بمنزلة الأشياء المختوم عليها ختماً حسياً، والمستوثق منها استيثاقاً حقيقياً، والمغطاة بغطاء مدرك، استعارة أو تمثيلاً، وإسناد الختم إلى الله قد احتجّ به أهل السنة على المعتزلة، وحاولوا دفع هذه الحجة بمثل ما ذكره صاحب الكشاف، والكلام على مثل هذا متقرّر في مواطنه.وقد اختلف في قوله تعالى: {وعلى سَمْعِهِمْ} هل هو داخل في حكم الختم، فيكون معطوفاً على القلوب؟ أو في حكم التغشية، فقيل: إن الوقف على قوله: {وعلى سَمْعِهِمْ} تامّ، وما بعده كلام مستقلّ، فيكون الطبع على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار كما قاله جماعة، وقد قرئ: {غشاوة} بالنصب. قال ابن جرير: يحتمل أنه نصبها بإضمار فعل تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع على محلّ {وعلى سمعهم} كقوله تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ} [الواقعة: 22] وقول الشاعر:علفتها تبناً وماءً بارداً ***وإنما وحد السمع مع جمع القلوب والأبصار؛ لأنه مصدر يقع على القليل والكثير والعذاب: هو ما يؤلم، وهو مأخوذ من الحبس والمنع، يقال في اللغة: أعذبه عن كذا: حبسه ومنعه، ومنه عذوبة الماء؛ لأنها حبست في الإناء حتى صفت.وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضلّ إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول.

قال ابن جرير في معنى الختم: والحق عندي في ذلك ما صحّ نظيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر إسناداً متصلاً بأبي هريرة، قال: قال رسول الله: «إنّ المؤمن إذا أذنب ذنباً كان نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تغلق قلبه، فذلك الران الذي قال الله: {كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]».وقد رواه من هذا الوجه الترمذي وصححه، والنسائي. ثم قال ابن جرير: فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله سبحانه والطبع، فلا يكون إليها مسلك، ولا للكفر منها مخلص، فذلك هو: الختم الذي ذكره الله في قوله: {خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ} نظير الطبع، والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفضّ ذلك عنها ثم حلها، فلذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم إلا بعد فضّ خاتمه، وحلّ رباطه عنها.

ذكر سبحانه في أول هذه السورة المؤمنين الخلص، ثم ذكر بعدهم الكفرة الخلص، ثم ذكر ثالثاً المنافقين وهم الذين لم يكونوا من إحدى الطائفتين،    بل صاروا فرقة ثالثة؛  لأنهم وافقوا في الظاهر الطائفة الأولى، وفي الباطن الطائفة الثانية، ومع ذلك فهم أهل الدرك الأسفل من النار. وأصل ناس أناس حذفت همزته تخفيفاً، وهو من النوس، وهو: الحركة، يقال: ناس ينوس: أي تحرّك، وهو من أسماء الجموع جمع إنسان وإنسانة على غير لفظه، واللام الداخلة عليه للجنس، و{من}تبعيضية: أي بعض الناس، و{من} موصوفة: أي ومن الناس ناس يقول. والمراد باليوم الآخر: الوقت الذي لا ينقطع، بل هو دائم أبداً.

والخداع في أصل اللغة: الفساد، حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي، وأنشد:أبيض اللون رقيقٌ طعمه *** طيبُ الرِّيقِ إذا الرِّيقُ خدعْو قيل: أصله الإخفاء، ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشيء، حكاه ابن فارس، وغيره.

والمراد من مخادعتهم لله: أنهم صنعوا معه صنع المخادعين، وإن كان العالم الذي لا يخفى عليه شيء لا يخدع.                                           وصيغة فاعل تفيد الاشتراك في أصل الفعل، فكونهم يخادعون الله والذين آمنوا يفيد أن الله سبحانه والذين آمنوا يخادعونهم. والمراد بالمخادعة من الله: أنه لما أجرى عليهم أحكام الإسلام مع أنهم ليسوا منه في شيء، فكأنه خادعهم بذلك كما خادعوه بإظهار الإسلام وإبطان الكفر مشاكلة لما وقع منهم بما وقع منه. والمراد بمخادعة المؤمنين لهم: هو أنهم أجروا عليهم ما أمرهم الله به من أحكام الإسلام ظاهراً، وإن كانوا يعلمون فساد بواطنهم، كما أن المنافقين خادعوهم بإظهار الإسلام وإبطان الكفر.والمراد بقوله تعالى: {وَمَا يخادعون إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} الإشعار بأنهم لما خادعوا من لا يخدع كانوا مخادعين لأنفسهم، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن. وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع نفسه وما يشعر بذلك، ومن هذا قول من قال: من خادعته فانخدع لك فقد خدعك.وقد قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {يخادعون} في الموضعين، وقرأ حمزة وعاصم والكسائي وابن عامر في الثاني {يخدعون}. والمراد بمخادعتهم أنفسهم: أنهم يمنونها الأمانيّ الباطلة، وهي كذلك تمنيهم. قال أهل اللغة: شعرت بالشيء فطنت. قال في الكشاف: والشعور علم الشيء علم حس، من الشعار ومشاعر الإنسان: حواسه. والمعنى: أن لحوق ضرر ذلك لهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له. والمراد بالأنفس هنا ذواتهم لا سائر المعاني التي تدخل في مسمى النفس كالروح والدم والقلب.

. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} أي: ريبة وشكّ في أمر الله {فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا} ريبة وشكاً {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} قال: إياكم والكذب فإنه باب النفاق.

. والمرض: الشك الذي دخل في الإسلام.وروي عن عكرمة وطاوس أن المرض: الرياء. {إذا} في موضع نصب على الظرف والعامل فيه {قالوا} المذكور بعده. وفيه معنى الشرط. والفساد ضد الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدها. فسد الشيء يفسد فساداً وفسوداً فهو فاسد وفسيد. والمراد في الآية: لا تفسدوا في الأرض بالنفاق، وموالاة الكفرة، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، فإنكم إذا فعلتم ذلك فسد ما في الأرض بهلاك الأبدان وخراب الديار وبطلان الزرائع كما هو مشاهد عند ثوران الفتن والتنازع.

و {إنما} من أدوات القصر، كما هو مبين في علم المعاني. والصلاح ضد الفساد. لما نهاهم الله عن الفساد الذي هو دأبهم أجابوا بهذه الدعوى العريضة، ونقلوا أنفسهم من الاتصاف بما هي عليه حقيقة وهو: الفساد، إلى الاتصاف بما هو ضدّ لذلك وهو الصلاح، ولم يقفوا عند هذا الكذب البحت والزور المحض حتى جعلوا صفة الصلاح مختصة بهم خالصة لهم، فردّ الله عليهم ذلك أبلغ ردّ؛ لما يفيده حرف التنبيه من تحقق ما بعده، ولما في إن من التأكيد، وما في تعريف الخبر مع توسيط ضمير الفصل من الحصر المبالغ فيه بالجمع بين أمرين من الأمور المفيدة له، وردّهم إلى صفة الفساد التي هم متصفون بها في الحقيقة ردّاً مؤكداً مبالغاً فيه بزيادة على ما تضمنته دعواهم الكاذبة من مجرد الحصر المستفاد من {إنما}.

 

وأما نفي الشعور عنهم فيحتمل أنهم لما كانوا يظهرون الصلاح مع علمهم أنهم على الفساد الخالص، ظنوا أن ذلك ينفق على النبي صلى الله عليه وسلم، وينكتم عنه بطلان ما أضمروه، ولم يشعروا بأنه عالم به، وأن الخبر يأتيه بذلك من السماء، فكان نفي الشعور عنهم من هذه الحيثية لا من جهة أنهم لا يشعرون بأنهم على الفساد. ويحتمل أن فسادهم كان عندهم صلاحاً لما استقرّ في عقولهم من محبة الكفر وعداوة الإسلام.

أي: وإذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، أجابوا بأحمق جواب وأبعده عن الحقّ والصواب، فنسبوا إلى المؤمنين السفه استهزاءاً واستخفافاً فتسببوا بذلك إلى تسجيل الله عليهم بالسفه بأبلغ عبارة وآكد قول. وحصر السفاهة وهي: رقة الحلوم وفساد البصائر، وسخافة العقول فيهم، مع كونهم لا يعلمون أنهم كذلك، إما حقيقة أو مجازاً، تنزيلاً لإصرارهم على السفه منزلة عدم العلم بكونهم عليه، وأنهم متصفون به. ولما ذكر الله هنا السفه ناسبه نفي العلم عنهم؛ لأنه لا يتسافه إلا جاهل، والكاف في موضع نصب لأنها نعت لمصدر محذوف، أي: إيماناً كإيمان الناس.وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ كَمَا ءامَنَ الناس} أي: صدّقوا كما صدّق أصحاب محمد أنه نبيّ ورسول، وأن ما أنزل عليه حق، {قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السفهاء} يعنون أصحاب محمد، {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء} يقول: الجهال {ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ} يقول: لا يعقلون.وروي عن ابن عساكر في تاريخه بسند واهٍ أنه قال: آمنوا كما آمن الناس أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ.

قولهم {إِنَّا مَعَكُمْ} أنهم ثابتون على الكفر، وأفاد قولهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ} ردّهم للإسلام ورفعهم للحق، وكأنه جواب سؤال مقدّر ناشئ من قولهم: {إنا معكم} أي: إذا كنتم معنا فما بالكم إذا لقيتم المسلمين وافقتموهم؟ فقالوا: إنما نحن مستهزءون بهم في تلك الموافقة، ولم تكن بواطننا موافقة لهم ولا مائلة إليهم، فردّ الله ذلك عليهم بقوله: {الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ} أي: ينزل بهم الهوان والحقارة وينتقم منهم ويستخفّ بهم؛ انتصافاً منهم لعباده المؤمنين، وإنما جعل سبحانه ما وقع منه استهزاء مع كونه عقوبة ومكافأة مشاكلة.وقد كانت العرب إذا وضعت لفظاً بإزاء لفظ جواباً له وجزاء ذكرته بمثل ذلك اللفظ وإن كان مخالفاً له في معناه. وورد ذلك في القرآن كثيراً، ومنه {وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} [الشورى: 40] {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] والجزاء لا يكون سيئة. والقصاص لا يكون اعتداء لأنه حق، ومنه {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله} [آل عمران: 54] و{إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً} [الطارق: 15 16] {يخادعون الله والذين ءامَنُوا} [البقرة: 9] {يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ} [المائدة: 116]. وهو في السنة كثير كقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يملّ حتى تملوا» وإنما قال: {الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ} لأنه يفيد التجدّد وقتاً بعد وقت، وهو: أشدّ عليهم وأنكأ لقلوبهم، وأوجع لهم من الاستهزاء الدائم الثابت، المستفاد من الجملة الإسمية، لما هو محسوس من أن العقوبة الحادثة وقتاً بعد وقت، والمتجددة حيناً بعد حين، أشدّ على من وقعت عليه من العذاب الدائم المستمرّ؛ لأنه يألفه، ويوطن نفسه عليه. والمدّ: الزيادة. قال يونس بن حبيب: يقال مدّ في الشر، وأمدّ في الخير، ومنه {وأمددناكم بأموال وَبَنِينَ} [الإسراء: 6] {وأمددناهم بفاكهة وَلَحْمٍ} [الطور: 22].وقال الأخفش: مددت له إذا تركته، وأمددته: إذا أعطيته.وقال الفراء واللحياني: مددت فيما كانت زيادته من مثله، يقال: مدّ النهر، ومنه {والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} [لقمان: 27] وأمددت فيما كانت زيادته من غيره، ومنه: {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملائكة} [آل عمران: 125] والطغيان مجاوزة الحدّ، والغلوّ في الكفر، ومنه {إِنَّا لَمَّا طغى الماء} [الحاقة: 11] أي: تجاوز المقدار الذي قدّرته الخُزَّان. وقوله في فرعون: {إِنَّهُ طغى} [طه: 24، 43] أي: أسرف في الدعوى حيث قال: {أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى} [النازعات: 24]. والعمه والعامه: الحائر المتردد، وذهبت إبله لعمهى: إذا لم يدر أين ذهبت، والعمه في القلب كالعمى في العين. قال في الكشاف: العمه مثل العمى، إلا أن العمى في البصر والرأي، والعمه في الرأي خاصة انتهى.

 والمراد: أن الله سبحانه يطيل لهم المدّة ويمهلهم كما قال: {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً} [آل عمران: 178].

قال ابن جرير {فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ} في ضلالهم وكفرهم الذي قد غمرهم يترددون حيارى ضلالاً يجدون إلى المخرج منه سبيلاً، لأن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها، فلا يبصرون رشداً ولا يهتدون سبيلاً.

 

 

 

 

 

المقطع الثاني:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ???? الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ? فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّـهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ???? وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى? عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ???? فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ? أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ????وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ? قَالُوا هَـ?ذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ? وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ? وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ? وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ????

 لما فرغ سبحانه من ذكر المؤمنين، والكافرين، والمنافقين أقبل عليهم بالخطاب التفاتاً للنكتة السابقة في الفاتحة.                                                   و(يا) حرف نداء، والمنادى أيّ: وهو اسم مفرد مبني على الضم، و(ها) حرف تنبيه مقحم بين المنادى، وصفته. قال سيبويه: كأنك كررت (يا) مرتين، وصار الاسم بينهما كما قالوا: ها هو ذا.
وقد تقدّم الكلام في تفسير الناس، والعبادة، وإنما خص نعمة الخلق، وامتنّ بها عليهم؛ لأن جميع النعم مترتبة عليها، وهي أصلها الذي لا يوجد شيء منها بدونها، وأيضاً، فالكفار مقرُّون بأن الله هو: الخالق {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله} [الزخرف: 87] فامتن عليهم بما يعترفون به، ولا ينكرونه. وفي أصل معنى الخلق، وجهان:                                                                                                                                         أحدهما التقدير، يقال: خلقت الأديم للسقاء: إذا قدّرته قبل القطع. قال زهير:
ولأنت تفرى ما خلقت وبع *** ض القوم يخلق ثم لا يفرى
الثاني: الإنشاء، والإختراع، والإبداع. ولعل أصلها الترجي، والطمع، والتوقع، والإشفاق، وذلك مستحيل على الله سبحانه، ولكنه لما كانت المخاطبة منه سبحانه للبشر كان بمنزلة قوله لهم: افعلوا ذلك على الرجاء منكم، والطمع، وبهذا قال جماعة من أئمة العربية منهم سيبويه. وقيل: إن العرب استعملت لعل مجردة من الشك بمعنى لام كي. والمعنى هنا: لتتقوا، وكذلك ما وقع هذا الموقع، ومنه قول الشاعر:
وَقُلتْمُ لَنَا كُفُّوا الحروبَ لَعلنا *** نَكُفّ وَوَثَّقْتُم لَنَا كُلَّ مَوثِقِ
فَلَمَّا كفَفَنْاَ الحَربَ كانت عُهُودُكمُ *** كَشَبّه سَرَابٍ في المَلأ مَُتَألقِ
أي: كفوا عن الحرب لنكف، ولو كانت لعل للشك لم يوثقوا لهم كل موثق، وبهذا قال جماعة منهم قطرب. وقيل إنها بمعنى التعرّض للشيء كأنه قال: متعرّضين للتقوى. و{جعل} هنا بمعنى صيّر لتعدّيه إلى المفعولين، ومنه قول الشاعر:
وقد جعلت أرى الإثنين أربعة *** والأربع اثنين لما هدَّني الكبر
و {فِرَاشاً} أي: وطاء يستقرون عليها. لما قدّم نعمة خلقهم أتبعه بنعمة خلق الأرض فراشاً لهم، لما كانت الأرض التي هي مسكنهم، ومحل استقرارهم من أعظم ما تدعو إليه حاجتهم، ثم أتبع ذلك بنعمة جعل السماء كالقبة المضروبة عليهم، والسقف للبيت الذي يسكنونه كما قال: {وَجَعَلْنَا السماء سَقْفاً مَّحْفُوظاً} [الأنبياء: 32]. وأصل البناء: وضع لبنة على أخرى، ثم امتنّ عليهم بإنزال الماء من السماء. وأصل ماء موه، قلبت الواو لتحركها، وانفتاح ما قبلها ألفاً فصار ماه، فاجتمع حرفان خفيفان، فقلبت الهاء همزة. والثمرات جمع ثمرة. والمعنى: أخرجنا لكم ألواناً من الثمرات، وأنواعاً من النبات، ليكون ذلك متاعاً لكم إلى حين. والأنداد جمع ندّ، وهو المثل والنظير.                                                        وقوله: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} جملة حالية، والخطاب للكفار، والمنافقين.
فإن قيل: كيف وصفهم بالعلم، وقد نعتهم بخلاف ذلك حيث قال: {ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13] {ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12] {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16] {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ} [البقرة: 18]. فيقال: إن المراد أن جهلهم، وعدم شعورهم لا يتناول هذا، أي: كونهم يعلمون أنه المنعم دون غيره من الأنداد، فإنهم كانوا يعلمون هذا، ولا ينكرونه كما حكاه الله عنهم في غير آية.
وقد يقال: المراد، وأنتم تعلمون، وحدانيته بالقوّة، والإمكان لو تدبرتم، ونظرتم. وفيه دليل على وجوب استعمال الحجج، وترك التقليد. قال ابن فُورَك: المَراد وتجعلون لله أنداداً بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد. انتهى. وحذف مفعول تعلمون للدلالة على عدم اختصاص ما هم عليه من العلم بنوع واحد من الأنواع الموجبة للتوحيد.
{فِى رَيْبٍ} أي: شك {مما نزلنا على عبدنا} أي: القرآن أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم. والعبد مأخوذ من التعبد، وهو التذلل. والتنزيل التدريج، والتنجيم. وقوله: {فَاتُواْ} الفاء جواب الشرط، وهو: أمر معناه التعجيز. لما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية، ويبطل الشرك، عقبه بما هو: الحجة على إثبات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وما يدفع الشبهة في كون القرآن معجزة، فتحدّاهم بأن يأتوا بسورة من سوره. والسورة الطائفة من القرآن المسماة باسم خاصّ، سميت بذلك، لأنها مشتملة على كلماتها كاشتمال سور البلد عليها. و{من} في قوله: {مّن مّثْلِهِ} زائدة لقوله: {فأتوا بسورة مثله}. والضمير في {مثله} عائد على القرآن عند جمهور أهل العلم. وقيل: عائد على التوراة والإنجيل، لأن المعنى: فأتوا بسورة من كتاب مثله؛ فإنها تصدّق ما فيه. وقيل يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى من بشر مثل محمد: أي: لا يكتب، ولا يقرأ. والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو المعاون، والمراد هنا: الآلهة.

ومعنى {دُونِ}: أدنى مكان من الشيء، واتسع فيه حتى استعمل في تخطي الشيء إلى شيء آخر، ومنه ما في هذه الآية، وكذلك قوله تعالى: {لا يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين} [آل عمران: 28] وله معان أخر، منها التقصير عن الغاية، والحقارة، يقال هذا الشيء دون: أي: حقير، ومنه:
إذا ما علا المرءُ رامَ العُلا *** وَيقنعُ بالدون من كان دُونا
والقرب يقال: هذا دون ذاك: أي: أقرب منه، ويكون إغراء، تقول: دونك زيداً: أي خذه من أدنى مكان {مِن دُونِ الله} متعلق بادعوا: أي: ادعوا الذين يشهدون لكم من دون الله إن كنتم صادقين فيما قلتم، من أنكم تقدرون على المعارضة، وهذا تعجيز لهم، وبيان لانقطاعهم. والصدق خلاف الكذب، وهو مطابقة الخبر للواقع، أو للاعتقاد أولهما على الخلاف المعروف في علم المعاني.
{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} يعني فيما مضى {وَلَن تَفْعَلُواْ} أي: تطيقوا ذلك، فيما يأتي، وتبين لكم عجزكم عن المعارضة {فاتقوا النار} بالإيمان بالله، وكتبه، ورسله، والقيام بفرائضه، واجتناب مناهيه، وعبر عن الإتيان بالفعل، لأن الإتيان فعل من الأفعال لقصد الاختصار، وجملة {لن تفعلوا} لا محل لها من الإعراب، لأنها اعتراضية، ولن للنفي المؤكد لما دخلت عليه، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها؛ لأنها لم تقع المعارضة من أحد من الكفرة في أيام النبوّة، وفيما بعدها، وإلى الآن. والوَقُود بالفتح: الحطب، وبالضم: التوقد أي: المصدر، وقد جاء فيه الفتح. والمراد بالحجارة الأصنام التي كانوا يعبدونها؛ لأنهم قرنوا أنفسهم بها في الدنيا، فجعلت وقوداً للنار معهم.                     ويدل على هذا قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] أي: حطب جهنم. وقيل المراد بها حجارة الكبريت، وفي هذا من التهويل مالا يقدّر قدره من كون هذه النار تتقد بالناس، والحجارة، فأوقدت بنفس ما يراد إحراقه بها.
والمراد بقوله: {أُعِدَّتْ} جعلت عدّة لعذابهم، وهيئت لذلك.
وقد كرّر الله سبحانه تحدّي الكفار بهذا في مواضع في القرآن، منها هذا، ومنها قوله تعالى في سورة القصص: {قُلْ فَأْتُواْ بكتاب مّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صادقين} [القصص: 49] وقال في سورة سبحان: {قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] وقال في سورة هود: {أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين} [هود: 13] في سورة يونس: {وَمَا كَانَ هذا القرءان أَن يُفْتَرِى مِن دُونِ الله ولكن تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبّ العالمين * أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين} [يونس: 37- 38].
وقد وقع الخلاف بين أهل العلم هل وجه الإعجاز في القرآن هو: كونه في الرتبة العلية من البلاغة الخارجة عن طوق البشر، أو كان العجز عن المعارضة للصرفة من الله سبحانه لهم عن أن يعارضوه، والحق الأول، والكلام في هذا مبسوط في مواطنه.
 

لما ذكر تعالى جزاء الكافرين عقبه بجزاء المؤمنين ليجمع بين الترغيب، والترهيب، والوعد، والوعيد كما هي عادته سبحانه في كتابه العزيز، لما في ذلك من تنشيط عباده المؤمنين لطاعاته، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه. والتبشير: الإخبار بما يظهر أثره على البشرة، وهي الجلدة الظاهرة، من البشر، والسرور. قال القرطبي: أجمع العلماء على أن المكلف إذا قال: مَن بشرني مِن عبيدي، فهو حرّ، فبشره واحد من عبيده، فأكثر، فإن أوّلهم يكون حرّاً دون الثاني، واختلفوا إذا قال: مَنْ أخبرني مِن عبيدي بكذا، فهو حرّ، فقال أصحاب الشافعي: يعمّ لأن كل واحد منهم مخبر، وقال علماؤنا: لا؛ لأن المكلف إنما قصد خبراً يكون بشارة، وذلك مختص بالأول. انتهى. والحق أنه إن أراد مدلول الخبر عتقوا جميعاً، وإن أراد الخبر المقيد بكونه بشارة عتق الأول، فالخلاف لفظي. والمأمور بالتبشير قيل: هو: النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو: كل أحد كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «بشر المشائين» وهذه الجمل، وإن كانت مصدرة بالإنشاء، فلا يقدح ذلك في عطفها على ما قبلها، لأن المراد عطف جملة وصف ثواب المطيعين على جملة، وصف عقاب العاصين من دون نظر إلى ما اشتمل عليه الوصفان من الأفراد المتخالفة خبراً، وأنشاء. وقيل: إن قوله: {وَبَشّرِ} معطوف على قوله: {فاتقوا النار} [البقرة: 24]، وليس هذا بجيد.

و {الصالحات} الأعمال المستقيمة. والمراد هنا: الأعمال المطلوبة منهم المفترضة عليهم، وفيه ردّ على من يقول إن الإيمان بمجرده يكفي، فالجنة تنال بالإيمان، والعمل الصالح. والجنات: البساتين، وإنما سميت جنات؛ لأنها تجنّ من فيها: أي: تستره بشجرها، وهو: اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنات كثيرة. والأنهار جمع نهر، وهو: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر، والمراد: الماء الذي يجري فيها، وأسند الجري إليها مجازاً، والجاري حقيقة هو الماء كما في قوله تعالى: {واسئل القرية} [يوسف: 82] أي: أهلها وكما قال الشاعر:
ونبئت أن النّارَ بَعْدَكَ أوقِدَتْ *** واستب بَعدَكَ يا كُليبُ المْجلِسُ

 


والضمير في قوله: {مِن تَحْتِهَا} عائد إلى الجنات؛ لاشتمالها على الأشجار، أي: من تحت أشجارها. وقوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ} وصف آخر للجنات، أو هو: جملة مستأنفة كأن سائلاً قال: كيف تمارها. و{مِن ثَمَرَةٍ} في معنى من أي ثمرة: أي نوع من أنواع الثمرات؟ والمراد بقوله: {هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} أنه شبيهه، ونظيره، لا أنه هو، لأن ذات الحاضر لا تكون عين ذات الغائب لاختلافهما، وذلك أن اللون، يشبه اللون، وإن كان الحجم، والطعم، والرائحة، والماوية مختلفة. والضمير في {به} عائد إلى الرزق، وقيل: المراد أنهم أتوا بما يرزقونه في الجنة متشابهاً، فما يأتيهم في أول النهار يشابه الذي يأتيهم في آخره، فيقولون هذا الذي رزقنا من قبل، فإذا أكلوا وجدوا له طعماً غير طعم الأول.
و {متشابها} منصوب على الحال. والمراد بتطهير الأزواج أنه لا يصيبهن ما يصيب النساء من قذر الحيض، والنفاس، وسائر الأدناس التي لا يمتنع تعلقها بنساء الدنيا. والخلود: البقاء الدائم الذي لا ينقطع، وقد يستعمل مجازاً فيما يطول، والمراد هنا الأوّل.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفات أهل الجنة في الصحيحين، وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة أن أهل الجنة لا يبصقون، ولا يتمخطون، ولا يتغوطون. وثبت أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة في الصحيحين، وغيرهما من صفات نساء أهل الجنة مالا يتسع المقام لبسطه، فلينظر في دواوين الإسلام، وغيرها.

المقطع الثالث: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ? قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ? قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ???? وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـ?ؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ???? قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ? إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ???? قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ? فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ???? وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى? وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ???? وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـ?ذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ???? فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ? وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ? وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى? حِينٍ ???? فَتَلَقَّى? آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ? إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ????

{إِذْ} من الظروف الموضوعة للتوقيت، وهي للمستقبل، وإذا للماضي، وقد توضع إحداهما موضع الأخرى.
وقال المبرّد: هي مع المستقبل للمضيّ، ومع الماضي للاستقبال.
وقال أبو عبيدة: إنها هنا زائدة. وحكاه الزَّجَّاج وابن النحاس وقالا: هي ظرف زمان ليست مما يزاد، وهي هنا في موضع نصب بتقدير اذكر، أو بقالوا. وقيل: هو متعلق ب {خلق لكم} [البقرة: 29]، وليس بظاهر، والملائكة: جمع ملَكَ بوزن فَعَل، قاله ابن كيسان.               وقيل: جمع مَلأك بوزن مَفْعَل، قاله أبو عبيدة، من لأك: إذا أرسل، والألوكة: الرسالة. قال لبيد:
وغُلامٍ أرسَلتْهُ أمهُ *** بَألوكَ فَبَذلنَا مَا سَأل
وقال عدي بن زيد:
أبلغِ النُّعمانَ عَنِي مألكاً *** أنَّه قَدْ طَال حَبْسِي وَانتِظَاري
ويقال ألكني: أي: أرسلني.
وقال النضر بن شميل: لا اشتقاق لملك عند العرب، والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع، ومثله الصلادمة، والصلادم: الخيل الشداد واحدها صلدم. وقيل: هي للمبالغة، كعلامة ونسَّابة و{جَاعِلٌ} هنا من جعل المتعدي إلى مفعولين. وذكر المطرزي أنه بمعنى خالق، وذلك يقتضي أنه متعدّ إلى مفعول واحد، والأرض هنا: هي هذه الغبراء، ولا يختص ذلك بمكان دون مكان، وقيل: إنها مكة. والخليفة هنا معناه: الخالف لمن كان قبله من الملائكة، ويجوز أن يكون بمعنى المخلوف، أي: يخلفه غيره قيل: هو آدم. وقيل: كل من له خلافة في الأرض،                                                                ويقوى الأوّل قوله: {خليفة} دون خلائف، واستغنى بآدم عن ذكر من بعده.
قيل: خاطب الله الملائكة بهذا الخطاب؛ لا للمشورة، ولكن لاستخراج ما عندهم. وقيل: خاطبهم بذلك لأجل أن يصدر منهم ذلك السؤال، فيجابون بذلك الجواب، وقيل لأجل تعليم عباده مشروعية المشاورة لهم. وأما قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} فظاهره أنهم استنكروا استخلاف بني آدم في الأرض، لكونهم مظنة للإفساد في الأرض، وإنما قالوا هذه المقالة قبل أن يتقدم لهم معرفة ببني آدم، بل قبل وجود آدم، فضلاً عن ذريته، لعلم قد علموه من الله سبحانه بوجه من الوجوه، لأنهم لا يعلمون الغيب؛ قال بهذا جماعة من المفسرين.
وقال بعض المفسرين: إن في الكلام حذفاً، والتقدير: إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا وكذا، فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ويسفك الدماء} وقوله: {يُفْسِدُ} قائم مقام المفعول الثاني. والفساد ضدّ الصلاح. وسفك الدم: صبه، قاله ابن فارس، والجوهري، ولا يستعمل السفك إلا في الدم. وواحد الدماء: دم، وأصله دمى حذف لامه، وجملة: {ونحن نسبح بحمدك} حالية. والتسبيح في كلام العرب: التنزيه، والتبعيد من السوء على وجه التعظيم.

 قال الأعشى:
أقُولُ َلمَّا جَاءني فَخْرُه *** سُبْحَان مَن عَلْقَمة الفَاخِرِ
و {بِحَمْدِكَ} في موضع الحال، أي: حامدين لك، وقد تقدم معنى الحمد.

والتقديس: التطهير، أي: ونطهرك عما لا يليق بك مما نسبه إليك الملحدون، وافتراه الجاحدون. وذكر في الكشاف: أن معنى التسبيح، والتقديس واحد، وهو: تبعيد الله من السوء، وأنهما من سبح في الأرض والماء، وقدّس في الأرض إذا ذهب فيها، وأبعد. وفي القاموس، وغيره من كتب اللغة ما يرشد إلى ما ذكرناه، والتأسيس خير من التأكيد خصوصاً في كلام الله سبحانه. ولما كان سؤالهم واقعاً على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم، أجاب الله سبحانه عليهم بقوله: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل؛ لأن من علم ما لا يعلم المخاطب له كان حقيقاً بأن يسلم له ما يصدر عنه، وعلى من لا يعلم أن يعترف لمن يعلم، بأن أفعاله صادرة على ما يوجبه العلم، وتقتضيه المصلحة الراجحة، والحكمة البالغة. ولم يذكر متعلق قوله: {تَعْلَمُونَ} ليفيد التعميم، ويذهب السامع عند ذلك كل مذهب، ويعترف بالعجز ويقر بالقصور.

وقد كان فيها قبل أن يخلق بألفي عام الجن بنو الجان، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فلما أفسدوا في الأرض بعث الله عليهم جنوداً من الملائكة، فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فلما قال الله: {إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء} كما فعل أولئك الجان، فقال الله: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} .
وقد ثبت في كتب الحديث المعتبرة أحاديث من طريق جماعة من الصحابة في صفة خلقه سبحانه لآدم وهي موجودة فلا نطوّل بذكرها.

{آدم} أصله: أأدم بهمزتين، إلا أنهم ليَّنُوا الثانية، وإذا حركت قلبت واو، كما قالوا في الجمع أوادم، قاله الأخفش. واختلف في اشتقاقه؛ فقيل: من أديم الأرض، وهو وجهها. وقيل: من الأدمة، وهي: السمرة. قال في الكشاف: وما آدم إلا اسم عجميّ، وأقرب أمره أن يكون على فاعل كآزر، وعازر، وعابر، وشالخ، وفالغ، وأشباه ذلك. و{الأسماء} هي العبارات، والمراد: أسماء المسميات، قال بذلك أكثر العلماء، وهو المعنى الحقيقي للاسم. والتأكيد بقوله: {كُلَّهَا} يفيد أنه علمه جميع الأسماء، ولم يخرج عن هذا شيء منها كائناً ما كان.
وقال ابن جرير: إنها أسماء الملائكة وأسماء ذرية آدم، ثم رجع هذا، وهو غير راجح.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أسماء الذرية.
وقال الربيع بن خيثم: أسماء الملائكة.
واختلف أهل العلم: هل عرض على الملائكة المسميات، أو الأسماء؟ والظاهر الأوّل؛ لأن عرض نفس الأسماء غير واضح. وعرض الشيء: إظهاره، ومنه عرض الشيء للبيع. وإنما ذكر ضمير المعروضين تغليباً للعقلاء على غيرهم. وقرأ ابن مسعود: {عَرضهنّ} وقرأ أبَي: {عرضها} وإنما رجع ضمير {عرضهم} إلى مسميات مع عدم تقدم ذكرها؛ لأنه قد تقدّم ما يدل عليها، وهو: أسماؤها. قال ابن عطية: والذي يظهر أن الله علَّم آدم الأسماء، وعرض عليه مع ذلك الأجناس أشخاصاً، ثم عرض تلك على الملائكة، وسألهم عن أسماء مسمياتها التي قد تعلمها آدم، فقال لهم آدم: هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا. قال الماوردي: فكان الأصح توجه العرض إلى المسمين. ثم في زمن عرضهم قولان: أحدهما: أنه عرضهم بعد أن خلقهم. الثاني أنه صوّرهم لقلوب الملائكة، ثم عرضهم.
وأما أمره سبحانه للملائكة بقوله: {أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صادقين} فهذا منه تعالى لقصد التبكيت لهم مع علمه بأنهم يعجزون عن ذلك. والمراد {إِن كُنتُمْ صادقين} أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبؤني، كذا قال المبرد،.
وقال أبو عبيد، وابن جرير: إن بعض المفسرين قال: معنى {إِن كُنتُمْ صادقين} إذ كنتم، قالا: وهذا خطأ. ومعنى {أنبئوني} أخبروني.         فلما قال لهم ذلك اعترفوا بالعجز، والقصور: {سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا}. وسبحان منصوب على المصدرية عند الخليل وسيبويه، وقال الكسائي: هو منصوب على أنه منادى مضاف، وهذا ضعيف جداً. والعليم للمبالغة والدلالة على كثرة المعلومات. والحكيم: صيغة مبالغة في إثبات الحكمة له. ثم أمر الله سبحانه آدم أن يعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة فعجزوا، واعترفوا بالقصور، ولهذا قال سبحانه: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ} الآية.                       

 قال فيما تقدم {أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] ثم قال هنا {أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرض} تدرّجاً من المجمل إلى ما هو مبين بعض بيان، ومبسوط بعض بسط، وفي اختصاصه بعلم غيب السموات، والأرض ردّ لما يتكلفه كثير من العباد من الإطلاع على شيء من علم الغيب كالمنجمين، والكهان، وأهل الرمل، والسحر، والشعوذة.

 

 

والمراد بما يبدون، وما يكتمون: ما يظهرون، ويسرّون كما يفيده معنى ذلك عند العرب، ومن فسره بشيء خاص فلا يقبل منه ذلك إلا بدليل.         {إِذْ} متعلق بمحذوف تقديره: واذكر إذ قلنا.     وقال أبو عبيدة: {إذ} زائدة، وهو ضعيف.
وقد تقدم الكلام في الملائكة، وآدم. السجود معناه في كلام العرب: التذلل والخضوع. وغايته وضع الوجه على الأرض. قال ابن فارس: سجد إذا تطامن، وكل ما سجد، فقد ذلّ، والإسجاد: إدامة النظر.
وقال أبو عمر: وسجد إذا طأطأ رأسه. وفي هذه الآية فضيلة لآدم عليه السلام عظيمة حيث أسجد الله له ملائكته. وقيل: إن السجود كان لله ولم يكن لآدم، وإنما كانوا مستقبلين له عند السجود، ولا ملجئ لهذا، فإن السجود للبشر قد يكون جائزاً في بعض الشرائع بحسب ما تقتضيه المصالح.
وقد دلت هذه الآية على أن السجود لآدم، وكذلك الآية الأخرى أعني قوله: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ساجدين} [الحجر: 29] وقال تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا} [يوسف: 100] فلا يستلزم تحريمه لغير الله في شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون كذلك في سائر الشرائع. ومعنى السجود هنا: هو وضع الجبهة على الأرض، وإليه ذهب الجمهور.
وقال قوم: هو مجرد التذلل، والانقياد.
وقد وقع الخلاف هل كان السجود من الملائكة لآدم قبل تعليمه الأسماء أم بعده؟ وقد أطال البحث في ذلك البقاعي في تفسيره. وظاهر السياق أنه وقع التعليم، وتعقبه الأمر بالسجود، وتعقبه إسكانه الجنة، ثم إخراجه منها، وإسكانه الأرض.
وقوله: {إِلاَّ إِبْلِيسَ} استثناء متصل؛ لأنه كان من الملائكة على ما قاله الجمهور.
وقال شهر بن حوشب، وبعض الأصوليين: كَانَ مِنَ الجن الذين كانوا في الأرض. فيكون الاستثناء على هذا منقطعاً. واستدلوا على هذا بقوله تعالى: {لا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] وبقوله تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن} [الكهف: 50] والجنّ غير الملائكة، وأجاب الأوّلون بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس عن جملة الملائكة، لما سبق في علم الله من شقائه عدلاً منه {لا يُسْألُ * عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] وليس في خلقه من نار ولا تركيب الشهوة فيه حين غضب عليه ما يدفع بأنه من الملائكة وأيضاً على تسليم ذلك لا يمتنع أن يكون الاستثناء متصلاً، تغليباً للملائكة الذين هم ألوف مؤلفة على إبليس الذي هو فرد واحد بين أظهرهم. ومعنى {أبى} امتنع من فعل ما أمر به. والاستكبار: الاستعظام للنفس، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: «أن الكبر بطَرَ الحق، وغمط الناس» وفي رواية: «غمص» بالصاد المهملة {وَكَانَ مِنَ الكافرين} أي: من جنسهم. قيل: إن {كان} هنا بمعنى صار.

{اسكن} أي: اتخذ الجنة مسكناً وهو محل السكون. وأما ما قاله بعض المفسرين من أن في قوله: {اسكن} تنبيهاً على الخروج؛ لأن السكنى لا تكون ملكاً، وأخذ ذلك من قول جماعة من العلماء أن من أسكن رجلاً منزلاً له، فإنه لا يملكه بذلك، وإن له أن يخرجه منه، فهو: معنى عرفي، والواجب الأخذ بالمعنى العربي، إذا لم تثبت في اللفظ حقيقة شرعية. و{أَنتَ} تأكيد للضمير المستكن في الفعل، ليصح العطف عليه، كما تقرّر في علم النحو، أنه لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المستكنّ إلا بعد تأكيده بمنفصل.
وقد يجيء العطف نادراً بغير تأكيد كقول الشاعر:
قلتُ إذَا أقْبَلتْ وزُهْرُ تَهَادى *** كَنِعاج المَلا تَعسَّفْنَ رَمْلا
وقوله؛ {وَزَوْجُكَ} أي: حوّاء، وهذه هي اللغة الفصيحة زوج بغير هاء، وقد جاء بها قليلاً كما في صحيح مسلم من حديث أنس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع إحدى نسائه، فمرّ به رجل، فدعاه وقال: يا فلان هذه زوجتي فلانة» الحديث، ومنه قول الشاعر:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي *** كساع إلى أسد الشرى يستميلها
و {رَغَدًا} بفتح المعجمة، وقرأ النخعي، وابن وثاب بسكونها، والرغد: العيش الهنيء الذي لا عناء فيه، وهو منصوب على الصفة لمصدر محذوف. و{حَيْثُ} مبنية على الضم، وفيها لغات كثيرة مذكورة في كتب العربية. والقرب: الدنّو، قال في الصحاح: قرب الشيء بالضم يَقْرُب قُرْباً أي دنا، وقَرِبته بالكسر أقربه قرباناً أي: دنوت منه، وقَرَبْتُ أقْرب قِرِابَةً مثل كتبت أكتب كتابة: إذا سرت إلى الماء، وبينك، وبينه ليلة. والاسم القرب. قال الأصمعي: قلت لأعرابي: ما القرب؟ قال: سير الليل لورود الغد. والنهي عن القرب فيه سدّ للذريعة، وقطع للوسيلة، ولهذا جاء به عوضاً عن الأكل، ولا يخفى أن النهي عن القرب لا يستلزم النهي عن الأكل، لأنه قد يأكل من ثمر الشجرة من هو بعيد عنها إذا يحمل إليه، فالأولى أن يقال: المنع من الأكل مستفاد من المقام. والشجر: ما كان له ساق من نبات الأرض، وواحده شجرة، وقرئ بكسر الشين، وبالياء المثناة من تحت مكان الجيم. وقرأ ابن محيصن: {هذي} بالياء بدل الهاء وهو الأصل. واختلف أهل العلم في تفسير هذه الشجرة، فقيل: هي: الكرم. وقيل: السنبلة، وقيل التين، وقيل الحنطة، وسيأتي ما روى عن الصحابة، فمن بعدهم في تعيينها.
وقوله: {فَتَكُونَا} معطوف على {تَقْرَبَا} في الكشاف، أو نصب في جواب النهي، وهو الأظهر. والظلم أصله: وضع الشيء في غير موضعه. والأرض المظلومة: التي لم تحفر قط، ثم حفرت، ورجل ظليم: شديد الظلم. والمراد هنا {فَتَكُونَا مِنَ الظالمين} لأنفسهم بالمعصية، وكلام أهل العلم في عصمة الأنبياء، واختلاف مذاهبهم في ذلك مدوّن في مواطنه، وقد أطال البحث في ذلك الرازي في تفسيره في هذا الموضع، فليرجع إليه، فإنه مفيد.

وأزلهَّما من الزلة، وهي الخطيئة، أي استزلهما، وأوقعهما فيها. وقرأ حمزة: {فأزالهما} بإثبات الألف من الإزالة، وهي التنحية، أي نحاهما. وقرأ: الباقون بحذف الألف. قال ابن كيسان: هو: من الزوال، أي: صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية. قال القرطبي: وعلى هذا تكون القراءتان بمعنى، إلاّ أن قراءة الجماعة أمكن في المعنى؛ يقال منه: أزللته فزّل و{عَنْهَا} متعلق بقوله: {أزلهما} على تضمينه معنى أصدر، أي أصدر الشيطان زلتهما عنها، أي بسببها، يعني الشجرة. وقيل: الضمير للجنة، وعلى هذا، فالفعل مضمن معنى أبعدهما: أي: أبعدهما عن الجنة.


وقوله: {فَأَخْرَجَهُمَا} تأكيد لمضمون الجملة الأولى أي: أزلهما، إن كان معناه زال عن المكان، وإن لم يكن معناه كذلك، فهو تأسيس، لأن الإخراج فيه زيادة على مجرد الصرف، والإبعاد، ونحوهما: لأن الصرف عن الشجرة، والإبعاد عنها قد يكون مع البقاء في الجنة، بخلاف الإخراج لهما عما كانا فيه من النعيم، والكرامة، أو من الجنة، وإنما نسب ذلك إلى الشيطان؛ لأنه الذي تولى إغواء آدم حتى أكل من الشجرة.
وقد اختلف أهل العلم في الكيفية التي فعلها الشيطان في إزلالهما، فقيل: إنه كان ذلك بمشافهة منه لهما، وإليه ذهب الجمهور، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين} [الأعراف: 21] والمقاسمة ظاهرها المشافهة. وقيل: لم يصدر منه إلا مجرد الوسوسة، وقيل غير ذلك مما سيأتي في المروي عن السلف.
وقوله: {اهبطوا} خطاب لآدم وحواء، وخوطبا بما يخاطب به الجمع؛ لأن الاثنين أقلّ الجمع عند البعض من أئمة العربية، وقيل إنه خطاب لهما، ولذريتهما؛ لأنهما لما كانا أصل هذا النوع الانساني جعلا بمنزلته، ويدل على ذلك قوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} فإن هذه الجملة الواقعة حالاً مبيناً للهيئة الثابتة للمأمورين بالهبوط تفيد ذلك. والعدوّ خلاف الصديق، وهو من عدا إذا ظلم، ويقال ذئب عدوان، أي يعدو على الناس، والعدوان: الظلم الصراح وقيل: إنه مأخوذ من المجاوزة، يقال عداه: إذا جاوزه، والمعنيان متقاربان، فإن من ظلم، فقد تجاوز. وإنما أخبر عن قوله: {بَعْضُكُمْ} بقوله: {عَدُوٌّ} مع كونه مفرداً؛ لأن لفظ بعض، وإن كان معناه محتملاً للتعدد، فهو مفرد فروعي جانب اللفظ، وأخبر عنه بالمفرد، وقد يراعى المعنى، فيخبر عنه بالمتعدد.

وقد يجاب بأن {عَدُوٌّ} وإن كان مفرداً، فقد يقع موقع المتعدد كقوله تعالى: {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} [الكهف: 50] وقوله: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العدو} [المنافقون: 4] قال ابن فارس: العدوّ اسم جامع للواحد، والاثنين، والثلاثة. والمراد بالمستقرّ موضع الاستقرار، ومنه:         {أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} [الفرقان: 24] وقد يكون بمعنى الاستقرار، ومنه: {إلى رَبّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر} [القيامة: 12] فالآية محتملة للمعنيين، ومثلها قوله: {جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً} [غافر: 64] والمتاع: ما يستمتع به من المأكول، والمشروب، والملبوس، ونحوها.
واختلف المفسرون في قوله: {إلى حِينٍ} فقيل إلى الموت، وقيل إلى قيام الساعة. وأصل معنى الحين في اللغة: الوقت البعيد، ومنه                   {هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مّنَ الدهر} [الإنسان: 1] والحين الساعة، ومنه: {أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب} [الزمر: 58] والقطعة من الدهر، ومنه: {فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حتى حِينٍ} [المؤمنون: 54] أي: حتى تفنى آجالهم، ويطلق على السنة، وقيل على ستة أشهر، ومنه {تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} [إبراهيم: 25] ويطلق على الصباح، والمساء، ومنه {حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] وقال الفراء: الحين حينان: حين لا يوقف على حده، ثم ذكر الحين الآخر، واختلافه بحسب اختلاف المقامات كما ذكرنا.
وقال ابن العربي: الحين المجهول لا يتعلق به حكم، والحين المعلوم سنة.
ومعنى تلقي آدم للكلمات: أخذه لها، وقبوله لما فيها، وعمله بها، وقيل: فهمه لها، وفطانته لما تضمنته. وأصل معنى التلقي: الاستقبال، أي: استقبل الكلمات الموحاة إليه. ومن قرأ بنصب {آدم} جعل معناه استقبلته الكلمات. وقيل: إن معنى تلقي تلقن. ولا وجه له في العربية. واختلف السلف في تعيين هذه الكلمات وسيأتي. والتوبة: الرجوع، يقال: تاب العبد: إذا رجع إلى طاعة مولاه، وعبد توّاب: كثير الرجوع، فمعنى تاب عليه: رجع عليه بالرحمة، فقبل توبته، أو وفَقَّه للتوبة. واقتصر على ذكر التوبة على آدم دون حواء مع اشتراكهما في الذنب؛ لأن الكلام من أوّل القصة معه، فاستمر على ذلك، واستغنى بالتوبة عليه عن ذكر التوبة عليها؛ لكونها تابعة له، كما استغنى بنسبة الذنب إليه عن نسبته إليها في قوله: {وعصئ ادم * رَبَّهُ فغوى} [طه: 121].

وأما قوله: {قُلْنَا اهبطوا} بعد قوله: {قُلْنَا اهبطوا} فكررّه للتوكيد، والتغليظ. وقيل إنه لما تعلق به حكم غير الحكم الأوّل كرره، ولا تزاحم بين المقتضيات. فقد يكون التكرير للأمرين معاً. وجواب الشرط في قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى} هو الشرط الثاني مع جوابه قاله سيبويه.
وقال الكسائي: إن جواب الشرط الأوّل، والثاني قوله: {فَلاَ خَوْفٌ} واختلفوا في معنى الهدى المذكور، فقيل: هو كتاب الله. وقيل: التوفيق للهداية. والخوف: هو الذعر، ولا يكون إلا في المستقبل. وقرأ: الزهري، والحسن وعيسى بن عمار، وابن أبي إسحاق، ويعقوب: {فلا خوف} بفتح الفاء، والحزن ضد السرور. قال اليزيدي: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم.
وقد قرئ بهما. وصحبة أهل النار لها بمعنى الاقتران، والملازمة.

المقطع الرابع: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ???? وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ? وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ???? وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ???? وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ???? أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ ???? وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ? وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ???? الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ???? يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ???? وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ????

قوله: {يا بَنِى إسراءيل} اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن إبراهيم عليهم السلام، ومعناه: عبد الله؛ لأن (إسر) في لغتهم هو: العبد، و(إيل) هو: الله، قيل: إن له اسمين. وقيل: إسرائيل لقب له، وهو اسم عجمي غير منصرف. وفيه سبع لغات: إسرائيل بزنة إبراهيم، وإسرائِيل بمدّة مهموزة مختلسة رواها ابن شنبوذ، عن ورش، وإسرائيل بمدّة بعد الياء من غير، همز وهي: قراءة الأعمش، وعيسى بن عمر، وقرأ الحسن من غير همز، ولا مدّ، وإسرائل بهمزة مكسورة. وإسراءَل بهمزة مفتوحة، وتميم يقولون: إسرائين. والذكر هو ضد الإنصات، وجعله بعض أهل اللغة مشتركاً بين ذكر القلب واللسان.
وقال الكسائي: ما كان بالقلب، فهو مضموم الذال، وما كان باللسان، فهو مكسور الذال. قال ابن الأنباري: والمعنى في الآية: اذكروا شكر نعمتي، فحذف الشكر اكتفاءً بذكر النعمة، وهي اسم جنس، ومن جملتها أنه جعل منهم أنبياء، وأنزل عليهم الكتب، والمنّ والسلوى، وأخرج لهم الماء من الحجر، ونجاهم من آل فرعون وغير ذلك.
والعهد قد تقدم تفسيره. واختلف أهل العلم في العهد المذكور في هذه الآية ما هو؟ فقيل هو: المذكور في قوله تعالى: {خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63] وقيل هو: ما في قوله: {وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ نَقِيباً} [المائدة: 12] وقيل: هو قوله: {وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب} [آل عمران: 187].
وقال الزجاج: هو ما أخذ عليهم في التوراة من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو أداء الفرائض، ولا مانع من حمله على جميع ذلك. ومعنى قوله: {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} أي: بما ضمنت لكم من الجزاء، والرهب، والرهبة: الخوف، ويتضمن الأمر به معنى التهديد، وتقديم معمول الفعل يفيد الاختصاص كما تقدّم في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] وإذا كان التقديم على طريقة الإضمار، والتفسير، مثل زيداً ضربته {وإياى فارهبون} كان أوكد في إفادة الاختصاص، ولهذا قال صاحب الكشاف: وهو أوكد في إفادة الاختصاص من {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] وسقطت الياء من قوله: {فارهبون} لأنها رأس آية و{مُصَدّقًا} حال من {ما} في قوله: {مَا أُنزِلَتْ} أو من ضميرها المقدّر بعد الفعل، أي: أنزلته. وقوله: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} إنما جاء به مفرداً، ولم يقل كافرين حتى يطابق ما قبله؛ لأنه وصف لموصوف محذوف مفرد اللفظ، متعدد المعنى نحو فريق، أو فوج.
وقال الأخفش، والفراء: إنه محمول على معنى الفعل؛ لأن المعنى أوّل من كفر.
وقد يكون من باب قولهم هو، أظرف الفتيان، وأجمله، كما حكى ذلك سيبويه، فيكون هذا المفرد قائماً مقام الجمع، وإنما قال: {أوّل} مع أنه قد تقدّمهم إلى الكفر به كفار قريش؛ لأن المراد أوّل كافر به من أهل الكتاب؛ لأنهم العارفون بما يجب للأنبياء، وما يلزم من التصديق، والضمير في {به} عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أي: لا تكونوا أوّل كافر بهذا النبي مع كونكم قد وجدتموه مكتوباً عندكم في التوراة، والإنجيل، ميسراً به في الكتب المنزلة عليكم، وقد حكى الرازي في تفسيره في هذا الموضع ما وقف عليه من البشارات برسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب السابق.
وقيل: إنه عائد إلى القرآن المدلول عليه بقوله: {بِمَا أَنزَلْتُ} وقيل: عائد إلى التوراة المدلول عليها بقوله: {لّمَا مَعَكُمْ}
وقوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي} أي: بأوامري ونواهيّ {ثَمَناً قَلِيلاً} أي: عيشاً نزراً، ورئاسة لا خطر لها، جعل ما اعتاضوه ثمناً، وأوقع الاشتراء عليه، وإن كان الثمن هو المشترى به، لأن الاشتراء هنا مستعار للاستبدال، أي لا تستبدلوا بآياتي ثمناً قليلاً، وكثيراً ما يقع مثل هذا في كلامهم، وقد قدّمنا الكلام عليه في تفسير قوله تعالى: {اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16]، ومن إطلاق اسم الثمن على نيل عرض من أعراض الدنيا قول الشاعر:
إن كُنتَ حَاوْلتَ دُنْيَا أوْ ظَفِرتَ بِها *** فَمَا أصَبْت بترك الحج مِنْ ثَمن
وهذه الآية، وإن كانت خطاباً لبني إسرائيل، ونهياً لهم، فهي متناولة لهذه الأمة بفحوى الخطاب، أو بلحنه، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان أخذ الله عليه ميثاقه به، فقد اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً،                                                                                                                                                                      وقوله: {وإياى فاتقون} الكلام فيه كالكلام في قوله تعالى: {وإياى فارهبون} [البقرة: 40] وقد تقدم قريباً. واللبس: الخلط، يقال لبست عليه الأمر ألبسه: إذا خلطت حقه بباطله، وواضحه بمشكله، قال الله تعالى: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] قالت الخنساء:
ترى الجليس يقول الحقَّ تحسبه *** رُشْداً وهيهات فانظر ما به التبسا
صدق مقالته واحذَر عداوته *** والبس عليه أموراً مثلَ ما لَبَسا
وقال العجاج:
لَما لَبَسنَ الحقَّ بِالتَّجَنيّ *** غَنِين فاسْتبدلن زيداً منيّ
ومنه قول عنترة:
وكتيبة لبستها بكتيبة *** حتى إذا التبست نفضت لها يدي
وقيل: هو مأخوذ من التغطية: أي لا تغطوا الحق بالباطل، ومنه قول الجعدي:
إذا ما الضجيع ثنى جيدها *** تثنت عليه وكانت لباسا
وقول الأخطل:
فوقد لبست لهذا الأمر أعصره *** حتى تجلل رأسي الشيب فاشتعلا
والأوّل أولى. والباطل في كلام العرب: الزائل، ومنه قو لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ***
وبطل الشيء يبطل بطولاً أو بطلاناً، وأبطله غيره، ويقال ذهب دمه بطلاً: أي هدراً، والباطل: الشيطان، وسمي الشجاع بطلاً؛ لأنه يبطل شجاعة صاحبه، والمراد به هنا خلاف الحق.
والباء في قوله: بالباطل يحتمل أن تكون صلة، وأن تكون للاستعانة ذكر معناه في الكشاف، ورجّح الرازي في تفسيره الثاني. وقوله: {وَتَكْتُمُواْ} يجوز أن يكون داخلاً تحت حكم النهي، أو منصوباً بإضمار أن، وعلى الأوّل يكون كل واحد من اللبس، والكتم منهياً عنه، وعلى الثاني يكون المنهي عنه هو: الجمع بين الأمرين، ومن هذا يلوح رجحان دخوله تحت حكم النهي، وأن كل واحد منهما لا يجوز فعله على انفراده، والمراد النهي عن كتم حجج الله التي أوجب عليهم تبليغها، وأخذ عليهم بيانها، ومن فسر اللبس أو الكتمان بشيء معين، ومعنى خاص، فلم يصب أن أراد أن ذلك هو: المراد دون غيره، لا إن أراد أنه مما يصدق عليه. وقوله: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} جملة حالية، وفيه أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل، وذلك أغلظ للذنب، وأوجب للعقوبة، وهذا التقييد لا يفيد جواز اللبس، والكتمان مع الجهل؛ لأن الجاهل يجب عليه أن لا يقدم على شيء حتى يعلم بحكمه خصوصاً في أمور الدين، فإن التكلم فيها، والتصدّي للإصدار، والإيراد في أبوابها إنما أذن الله به لمن كان رأساً في العلم فرداً في الفهم، وما للجهال، والدخول فيما ليس من شأنهم، والقعود في غير مقاعدهم.

قد تقدم الكلام في تفسير إقامة الصلاة، واشتقاقها، والمراد هنا: الصلاة المعهودة، وهي صلاة المسلمين، على أن التعريف للعهد، ويجوز أن تكون للجنس، ومثلها الزكاة. والإيتاء: الإعطاء، يقال: آتيته. أي أعطيته. والزكاة مأخوذة من الزكاء، وهو: النماء، زكا الشيء: إذا نما، وزاد، ورجل زكي، أي: زائد الخير، وسمي إخراج جزء من المال زكاة، أي: زيادة مع أنه نقص منه؛ لأنها تكثر بركته بذلك، أو تكثر أجر صاحبه. وقيل الزكاة مأخوذة من التطهير، كما يقال زكا فلان: أي: طهر.
والظاهر أن الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، ونحوها قد نقلها الشرع إلى معان شرعية هي: المرادة بما هو مذكور في الكتاب والسنة منها.
وقد تكلم أهل العلم على ذلك بما لا يتسع المقام لبسطه.
وقد اختلف أهل العلم في المراد بالزكاة هنا، فقيل المراد المفروضة، لاقترانها بالصلاة. وقيل صدقة الفطر، والظاهر أن المراد ما هو أعم من ذلك.
والركوع في اللغة: الانحناء، وكل منحن راكع، قال لبيد:
أخَبِّرُ أخبارَ القرون التي مضت *** أدِبُّ كأني كلما قمت راكعُ
وقيل: الانحناء يعم الركوع والسجود، ويستعار الركوع أيضاً للانحطاط في المنزلة، قال الشاعر:
لا تهين الفقير علك أن *** تركع يوماً والدهر قد رفعه
وإنما خص الركوع بالذكر هنا؛ لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم. وقيل: لكونه كان ثقيلاً على أهل الجاهلية. وقيل: إنه أراد بالركوع جميع أركان الصلاة. والركوع الشرعي: هو أن ينحني الرجل، ويمد ظهره وعنقه، ويفتح أصابع يديه، ويقبض على ركبتيه، ثم يطمئن راكعاً، ذاكراً بالذكر المشروع. وقوله: {مَعَ الراكعين} فيه الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد، وقد ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما ما هو معروف.
وقد أوجب حضور الجماعة بعض أهل العلم، على خلاف بينهم في كون ذلك عيناً أو كفاية، وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة مرغب فيها، وليس بواجب. وهو الحق للأحاديث الثابتة الصحيحة عن جماعة من الصحابة، من أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة، أو بسبع وعشرين درجة. وثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: «الذي يصلي مع الإمام أفضل من الذي يصلي وحده، ثم ينام» والبحث طويل الذيول كثير النقول.

والهمزة في قوله: {أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر} للاستفهام مع التوبيخ للمخاطبين، وليس المراد توبيخهم على نفس الأمر بالبر، فإنه فعل حسن مندوب إليه، بل بسبب ترك فعل البر المستفاد من قوله: {وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} مع التطهر بتزكية النفس، والقيام في مقام دعاة الخلق إلى الحق إيهاماً للناس، وتلبيساً عليهم، كما قال أبو العتاهية:
وصفت التُّقي حتى كأنك ذو تُقىً *** وريحُ الخطايا من ثِيابك تسطع     والبرّ: الطاعة، والعمل الصالح. والبر: سعة الخير والمعروف. والبر: الصدق. والبر: ولد الثعلب. والبر: سوق الغنم. ومن إطلاقه على الطاعة قول الشاعر:
لا هُمُ ربّ أن بكراً دونكا *** يَبَرُّك الناسُ ويفجرونكا
أي: يطيعونك، ويعصونك. والنسيان بكسر النون هو: هنا بمعنى الترك، أي: وتتركون أنفسكم، وفي الأصل خلاف الذكر، والحفظ، أي: زوال الصورة التي كانت محفوظة عن المدركة، والحافظة. والنفس: الروح، ومنه قوله تعالى: {الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا} [الزمر: 42] يريد الأرواح.
وقوله: {وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب} جملة حالية مشتملة على أعظم تقريع، وأشد توبيخ، وأبلغ تبكيت: أي: كيف تتركون البر الذي تأمرون الناس به؟ وأنتم من أهل العلم العارفين بقبح هذا الفعل، وشدّة الوعيد عليه، كما ترونه في الكتاب الذي تتلونه، والآيات التي تقرءونها من التوراة. والتلاوة: القراءة، وهي المراد هنا، وأصلها الإتباع؛ يقال تلوته: إذا تبعته، وسمي القارئ تالياً، والقراءة تلاوة؛ لأنه يتبع بعض الكلام ببعض على النسق الذي هو عليه. وقوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} استفهام للإنكار عليهم، والتقريع لهم، وهو أشدّ من الأوّل، وأشدّ.
وأشدّ ما قرّع الله في هذا الموضع من يأمر بالخير، ولا يفعله من العلماء، الذين هم غير عاملين بالعلم، فاستنكر عليهم أوّلاً أمرهم للناس بالبرّ مع نسيان أنفسهم في ذلك، الأمر الذي قاموا به في المجامع، ونادوا به في المجالس إيهاماً للناس بأنهم مبلغون عن الله ما تحملوه من حججه، ومبينون لعباده ما أمرهم ببيانه، وموصلون إلى خلقه ما استودعهم، وائتمنهم عليه، وهم أترك الناس لذلك، وأبعدهم من نفعه، وأزهدهم فيه، ثم ربط هذه الجملة بجملة أخرى، جعلها مبينة لحالهم، وكاشفة لعوارهم، وهاتكة لأستارهم، وهي: أنهم فعلوا هذه الفعلة الشنيعة، والخصلة الفظيعة على علم منهم، ومعرفة بالكتاب الذي أنزل عليهم، وملازمة لتلاوته، وهم في ذلك كما قال المعرّي:
وَإنَّما حمل التَّوْراة قارِئها *** كَسْبُ الفَوائِد لا حُب التلاواتِ
ثم انتقل معهم من تقريع إلى تقريع، ومن توبيخ إلى توبيخ فقال: إنكم لو لم تكونوا من أهل العلم، وحملة الحجة، وأهل الدراسة لكتب الله، لكان مجرد كونكم ممن يعقل حائلاً بينكم وبين ذلك ذائداً لكم عنه زاجراً لكم منه، فكيف أهملتم ما يقتضيه العقل بعد إهمالكم لما يوجبه العلم؟ والعقل في أصل اللغة: المنع، ومنه عقال البعير؛ لأنه يمنعه عن الحركة، ومنه العقل في الدية؛ لأنه يمنع وليّ المقتول عن قتل الجاني.
والعقل نقيض الجهل، ويصح تفسير ما في الآية هنا بما هو، أصل معنى العقل عند أهل اللغة: أي: أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المزرية؟ ويصح أن يكون معنى الآية: أفلا تنظرون بعقولكم التي رزقكم الله إياها حيث لم تنتفعوا بما لديكم من العلم؟ وقوله: {واستعينوا بالصبر} الصبر في اللغة: الحبس، وصبرت نفسي على الشيء: حبستها. ومنه قول عنترة:
فصبرتُ عارفةً لذلك حُرّةً *** تَرْسُو إذا نَفْسُ الجبَان تَطلَّعُ
والمراد هنا: استعينوا بحبس أنفسكم عن الشهوات، وقصرها على الطاعات على دفع ما يرد عليكم من المكروهات. وقيل الصبر هنا هو خاص بالصبر على تكاليف الصلاة. واستدل هذا القائل بقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا} [طه: 132]، وليس في هذا الصبر، الخاص بهذه الآية ما ينفي ما تفيده الألف واللام الداخلة على الصبر من الشمول كما أن المراد بالصلاة هنا جميع ما تصدق عليه الصلاة الشرعية من غير فرق بين فريضة، ونافلة. واختلف المفسرون في رجوع الضمير في قوله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} فقيل: إنه راجع إلى الصلاة، وإن كان المتقدم هو الصبر، والصلاة، فقد يجوز إرجاع الضمير إلى أحد الأمرين المتقدم ذكرهما. كما قال تعالى: {والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] إذا كان أحدهما داخلاً تحت الآخر بوجه من الوجوه، 
 

قوله: {واستعينوا} وهو الاستعانة. وقيل: رجع إلى جميع الأمور التي نهى عنها بنو إسرائيل. والكبيرة التي يكبر أمرها، ويتعاظم شأنها على حاملها؛ لما يجده عند تحملها، والقيام بها من المشقة، ومنه: {كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى: 13]. والخاشع: هو المتواضع، والخشوع: التواضع. قال في الكشاف: والخشوع: الإخبات والتطامن، ومنه الخشعة للرملة المتطامنة، وأما الخضوع: فاللين والانقياد، ومنه خضعت بقولها: إذا ليَّنَتْه. انتهى.


وقال الزجاج: الخاشع الذي يرى أثر الذلّ والخشوع عليه كخشوع الدار بعد الأقوى، ومكان خاشع: لا يهتدى إليه، وخشعت الأصوات، أي: سكنت، وخشع ببصره: إذا غضه، والخشعة: قطعة من الأرض رخوة.

 


وقال سفيان الثوري: سألت الأعمش عن الخشوع، فقال: يا ثوري أنت تريد أن تكون إماماً للناس، ولا تعرف الخشوع؟! ليس الخشوع بأكل الخشن، ولبس الخشن، وتطأطؤ الرأس، لكن الخشوع أن ترى الشريف، والدنيء في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك. انتهى. وما أحسن ما قاله بعض المحققين في بيان ماهيته: إنه هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون، وتواضع. واستثنى سبحانه الخاشعين مع كونهم باعتبار استعمال جوارحهم في الصلاة، وملازمتهم لوظائف الخشوع الذي هو روح الصلاة، وإتعابهم لأنفسهم إتعاباً عظيماً في الأسباب الموجبة للحضور، والخضوع؛ لأنهم لما يعلمونه من تضاعف الأجر، وتوفر الجزاء، والظفر بما وعد الله به من عظيم الثواب، تسهل عليهم تلك المتاعب، ويتذلل لهم ما يرتكبونه من المصاعب، بل يصير ذلك لذة لهم خالصة، وراحة عندهم محضة، ولأمر ما هان على قوم ما يلاقونه من حرّ السيوف عند تصادم الصفوف، وكانت الأمنية عندهم طعم المنية حتى قال قائلهم:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً *** على أيّ جنب كان في الله مصرعي
والظن هنا عند الجمهور بمعنى اليقين، ومنه قوله تعالى: {إِنّى ظَنَنتُ أَنّى ملاق حِسَابِيَهْ} [الحاقة: 20]، وقوله: {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} [الكهف: 53] ومنه قول دريد بن الصمة:
فقلت لهم ظُنُّوا بألفَي مدجَّج *** سَراتُّهُم بالفارسي المُسَوَّدِ
وقيل: إن الظن في الآية على بابه، ويضمر في الكلام بذنوبهم، فكأنهم توقعوا لقاءه مذنبين، ذكره المهدوي والماوردي، والأوّل أولى. وأصل الظن: الشك مع الميل إلى أحد الطرفين، وقد يقع موقع اليقين في مواضع، منها هذه الآية. ومعنى قوله: {ملاقوا رَبّهِمْ} ملاقوا جزائه، والمفاعلة هنا ليست على بابها، ولا أرى في حمله على أصل معناه من دون تقدير المضاف بأساً. وفي هذا مع ما بعده من قوله: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجعون} إقراراً بالبعث، وما وعد الله به في اليوم الآخر.

قوله: {يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} قد تقدم تفسيره، وإنما كرر ذلك سبحانه توكيداً للحجة عليهم، وتحذيراً لهم من ترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قرنه بالوعيد، وهو قوله: {واتقوا يَوْمًا} وقوله: {وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ} معطوف على مفعول اذكروا أي: اذكروا نعمتي، وتفضيلي لكم على العالمين، قيل المراد بالعالمين عالم زمانهم، وقيل على جميع العالمين بما جعل، فيهم من الأنبياءوقوله:        {واتقوا يَوْمًا} أمر معناه الوعيد، وقد تقدم معنى التقوى. والمراد باليوم: يوم القيامة أي: عذابه. وقوله: {لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا}

والمراد أن هذا اليوم لا تقضي نفس عن نفس شيئاً، ولا تكفي عنها، ومعنى التنكير: التحقير، أي: شيئاً يسيراً حقيراً، ، أي: جزاء حقيراً. والشفاعة مأخوذة من الشفع، وهو الاثنان، تقول استشفعته: أي: سألته أن يشفع لي، أي: يضمّ جاهه إلى جاهك عند المشفوع إليه، ليصل النفع إلى المشفوع له، وسميت الشفعة شفعة؛ لأنك تضم ملك شريكك إلى ملكك.
وقد قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، تقبل بالمثناة الفوقية؛ لأن الشفاعة مؤنثة، وقرأ الباقون بالياء التحتية؛ لأنها بمعنى الشفيع. قال الأخفش: الأحسن التذكير. وضمير {منها} يرجع إلى النفس المذكورة ثانياً: أي: إن جاءت بشفاعة شفيع، ويجوز أن يرجع إلى النفس المذكورة أوّلاً: أي: إذا شفعت لم يقبل منها. والعدل بفتح العين: الفداء، وبكسرها: المثل. يقال عدل، وعديل للذي ماثل في الوزن والقدر.
وحكى ابن جرير: أن في العرب من يكسر العين في معنى الفدية. والنصر: العون، والأنصار: الأعوان، وانتصر الرجل: انتقم، والضمير، أي: هم، يرجع إلى النفوس.

 

 

 

 

 

 

 

 

المقطع الخامس: وَإِذْ قَالَ مُوسَى? لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ? قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ? قَالَ أَعُوذُ بِاللَّـهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ???? قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ? قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَ?لِكَ ? فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ???? قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ? قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ????قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّـهُ لَمُهْتَدُونَ ???? قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ? قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ? فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ???? وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ? وَاللَّـهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ???? فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ? كَذَ?لِكَ يُحْيِي اللَّـهُ الْمَوْتَى? وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ???? ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَ?لِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ? وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ? وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ? وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ ? وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ????

قيل: إن قصة ذبح البقرة المذكورة هنا مقدّم في التلاوة، ومؤخر في المعنى، على قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} [البقرة: 72] ويجوز أن يكون قوله: {قتلتم} مقدّماً في النزول، ويكون الأمر بالذبح مؤخراً، ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها، فكأن الله أمر بذبح البقرة حتى ذبحوها، ثم وقع ما وقع من أمر القتل، فأمروا أن يضربوه ببعضها هذا على فرض أن الواو تقتضي الترتيب، وقد تقرر في علم العربية أنها لمجرد الجمع، من دون ترتيب، ولامعية، وسيأتي في قصة القتل تمام الكلام، والبقرة اسم للأنثى، ويقال للذكر ثور، وقيل إنها تطلق عليهما، وأصله من البقر، وهو: الشق؛ لأنها تشق الأرض بالحرث، قال الأزهري: البقر اسم جنس، وجمعه باقر، وقد قرأ عكرمة، ويحيى بن يعمر: {إن * البقر تشابه عَلَيْنَا} وقوله: {هُزُواً} الهزو هنا: اللعب والسخرية.
وقد تقدم تفسيره. وإنما يفعل ذلك أهل الجهل؛ لأنه نوع من العبث الذي لا يفعله العقلاء، ولهذا أجابهم موسى بالاستعاذة بالله سبحانه من الجهل. وقوله: {قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ} هذا نوع من أنواع تعنتهم المألوفة، فقد كانوا يسلكون هذه المسالك في غالب ما أمرهم الله به، ولو تركوا التعنت والأسئلة المتكلفة، لأجزأهم ذبح بقرة من عُرْض البقر، ولكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم كما سيأتي بيانه. والفارض: المسنة، ومعناه في اللغة: الواسع. قال في الكشاف: وكأنها سميت فارضاً؛ لأنها فرضت سنها أي: قطعتها وبلغت آخرها. انتهى. ويقال للشيء القديم: فارض، ومنه قول الراجز:
يَا ربَّ ذِي ضغن عَليَّ فَارِضٍ *** لَهُ قُرُو كَقُرُو الحَائِض
أي قدي. وقيل: الفارض: التي قد ولدت بطوناً كثيرة فيتسع جوفها، والبكر: الصغيرة التي لم تحمل، وتطلق في إناث البهائم وبني آدم على ما لم يفتحله الفحل، وتطلق أيضاً على الأوّل من الأولاد، ومنه قول الراجز:
يَا بَكْر بَكرين وَيَا صُلْبَ الكْبِد *** أصْبَحْت مِني كَذِراعٍ من عَضُدْ
والعوان: المتوسطة بين سني الفارض والبكر، وهي التي قد ولدت بطناً، أو بطنين؛ ويقال: هي التي قد ولدت مرة بعد مرة، والإشارة بقوله               : {بَيْنَ ذلك} إلى الفارض، والبكر، وهما: وإن كانتا مؤنثتين، فقد أشير إليهما بما هو للمذكر على تأويل المذكور، كأنه قال: بين ذلك المذكور. وجاز دخول بين المقتضية لشيئين؛ لأن المذكور متعدد. وقوله: {فافعلوا} تجديد للأمر وتأكيد له، وزجر لهم عن التعنت، فلم ينفعهم ذلك، ولا نجع فيهم، بل رجعوا إلى طبيعتهم، وعادوا إلى مكرهم، واستمرّوا على عادتهم المألوفة، فقالوا: {ادع لَنَا رَبَّكَ}. واللون: واحد الألوان، وجمهور المفسرين على أنها كانت جميعها صفراء. قال بعضهم: حتى قرنها، وظلفها.
وقال الحسن. وسعيد بن جبير: إنها كانت صفراء القرن. والظلف فقط، وهو: خلاف الظاهر. والمراد بالصفرة هنا الصفرة المعروفة.
وروى عن الحسن أن صفراء معناه سوداء، وهذا من بدع التفاسير ومنكراتها، وليت شعري كيف يصدق على اللون الأسود الذي هو: أقبح الألوان أنه يسرّ الناظرين، وكيف يصح وصفه بالفقوع الذي يعلم كل من يعرف لغة العرب أنه لا يجزي على الأسود بوجه من الوجوه، فإنهم يقولون في وصف الأسود: حالك، وحلكوك، ودجوجى وغربيب. قال الكسائي: يقال: فقع لونها يفقع فقوعاً: إذا خلصت صفرته.
وقال في الكشاف: الفقوع أشدّ ما يكون من الصفرة وأنصعه. ومعنى {تَسُرُّ الناظرين}: تدخل عليهم السرور إذا نظروا إليها إعجاباً بها،

واستحساناً للونها. قال وهب: كانت كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها. ثم لم ينزعوا عن غوايتهم، ولا ارعووا من سفههم وجهلهم، بل عادوا إلى تعنتهم فقال: {ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا} أي: أن جنس البقر يتشابه عليهم لكثرة ما يتصف منها بالعوان الصفراء الفاقعة، ووعدوا من أنفسهم بالاهتداء إلى ما دلهم عليه، والامتثال لما أمروا به. والذلول: التي لم يذللها العمل، أي: هي غير مذللة بالعمل، ولا ريضة به. وقوله: {تُثِيرُ} في موضع رفع على الصفة لبقرة، أي: هي بقرة لا ذلول مثيرة، وكذلك قوله: {وَلاَ تَسْقِى الحرث} في محل رفع؛ لأنه وصف لها، أيّ ليست من النواضح التي يُسْنَى عليها لسقي الزروع، وحرف النفي الآخر توكيد للأوّل، أي هي: بقرة غير مذللة بالحرث، ولا بالنضح، ولهذا قال الحسن: كانت البقرة وحشية.
وقال قوم: إن قوله: {تثير} فعل مستأنف، والمعنى: إيجاب الحرث لها، والنضح بها. والأوّل أرجح؛ لأنها لو كانت مثيرة ساقية، لكانت مذللة ريضة، وقد نفى الله ذلك عنها. وقوله: {مُّسَلَّمَةٌ} مرتفع على أنه من أوصاف البقرة، ويجوز أن يكون مرتفعاً على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: هي: مسلمة. والجملة في محل رفع على أنها صفة، والمسلَّمة: هي التي لا عيب فيها. وقيل: مسلمة من العمل، وهو ضعيف؛ لأن الله سبحانه قد نفى ذلك عنها، والتأسيس خير من التأكيد، والإفادة أولى من الإعادة. والشية أصلها: وشِيَة حذفت الواو كما حذفت من يشي، وأصله يوشى، ونظيره الزنة، والعدة، والصلة، وهي مأخوذة من وشي الثوب: إذا نسج على لونين مختلفين، وثور موشى في وجهه، وقوائمه سواد. والمراد أن هذه البقرة خالصة الصفرة ليس في جسمها لمعة من لون آخر.

فلما سمعوا هذه الأوصاف التي لا يبقى بعدها ريب، ولا يخالج سامعها شك، ولا تحتمل الشركة بوجه من الوجوه، أقصروا من غوايتهم، وانتبهوا من رقدتهم، وعرفوا بمقدار ما أوقعهم فيه تعنتهم من التضييق عليهم {قَالُواْ الئان جِئْتَ بالحق} أي: أوضحت لنا الوصف، وبينت لنا الحقيقة التي يجب الوقوف عندها، فحصلوا تلك البقرة الموصوفة بتلك الصفات {فَذَبَحُوهَا} وامتثلوا الأمر الذي كان يسراً، فعسروه، وكان واسعاً فضيقوه    {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} ما أمروا به؛ لما وقع منهم من التثبط، والتعنت، وعدم المبادرة.

فكان ذلك مظنة للاستبعاد، ومحلا للمجئ بعبارة مشعرة بالتثبط الكائن منهم. وقيل: إنهم ما كادوا يفعلون؛ لعدم وجدان البقرة المتصفة بهذه الأوصاف، وقيل: لارتفاع ثمنها. وقيل: لخوف انكشاف أمر المقتول، والأوّل أرجح.
وقد استدل جماعة من المفسرين والأصوليين بهذه الآية على جواز النسخ قبل إمكان الفعل.
وليس ذلك عندي بصحيح لوجهين: الأوّل: أن هذه الأوصاف المزيدة بسبب تكرر السؤال هي من باب التقييد للمأمور به، لا من باب النسخ، وبين البابين بَوْن بعيد كما هو مقرر في علم الأصول.
الثاني: أنا لو سلمنا أن هذا من باب النسخ لا من باب التقييد لم يكن فيه دليل على ما قالوه، فإنه قد كان يمكنهم بعد الأمر الأوّل أن يعمدوا إلى بقرة من عُرْض البقر فيذبحونها، ثم كذلك بعد الوصف بكونها جامعة بين الوصف بالعوان، والصفراء، ولا دليل يدل على أن هذه المحاورة بينهم، وبين موسى عليه السلام واقعة في لحظة واحدة، بل الظاهر أن هذه الأسئلة المتعنتة كانوا يتواطؤون عليها، ويديرون الرأي بينهم في أمرها، ثم يوردونها، وأقلّ الأحوال الاحتمال القادح في الاستدلال.

قد تقدم ما ذكرناه في قصة ذبح البقرة، فيكون تقدير الكلام: {وَإِذَا * قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادارأتم فِيهَا والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} فقال موسى لقومه: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} إلى آخر القصة، وبعدها: {فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا} الآية.
وقال الرازي في تفسيره: اعلم أن وقوع القتل لا بد أن يكون متقدماً لأمره تعالى بالذبح، فأما الإخبار عن وقوع ذلك القتل، وعن أنه لا بدّ أن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة، فلا يجب أن يكون متقدماً على الإخبار عن قصة البقرة، فقول من يقول: هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى، خطأ؛ لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأولى في الوجود، فأما التقدم في الذكر، فغير واجب؛ لأنه تارة يقدم ذكر السبب على ذكر الحكم، وأخرى على العكس من ذلك، فكأنهم لما وقعت تلك الواقعة أمرهم الله بذبح البقرة، فلما ذبحوها قال: وإذ قتلتم نفساً من قبل، ونسب القتل إليهم بكون القاتل منهم. وأصل ادّارأتم تدارأتم، ثم أدغمت التاء في الدال، ولما كان الابتداء بالمدغم الساكن لا يجوز زادوا ألف الوصل، ومعنى ادّارأتم: اختلفتم وتنازعتم؛ لأن المتنازعين يدرأ بعضهم بعضاً، أي: يدفعه، ومعنى {مُخْرِجٌ} مظهر: أي: ما كتمتم بينكم من أمر القتل، فالله مظهره لعباده، ومبينه لهم، وهذه الجملة معترضة بين أجزاء الكلام، أي: فادّارأتم فيها فقلنا. واختلف في تعيين البعض الذي أمروا أن يضربوا القتيل به، ولا حاجة إلى ذلك مع ما فيه من القول بغير علم، ويكفينا أن نقول: أمرهم الله بأن يضربوه ببعضها، فأيّ: بعض ضربوا به، فقد فعلوا ما أمروا به، وما زاد على هذا، فهو من فضول العلم، إذ لم يرد به برهان.

قوله: {كذلك يحيى لله الموتى} في الكلام حذف، والتقدير {فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا} فأحياه الله {كذلك * يحيى * الله الموتى} أي: إحياء كمثل هذا الإحياء. {وَيُرِيكُمْ ءاياته} أي: علاماته، ودلائله الدالة على كمال قدرته، وهذا يحتمل أن يكون خطاباً لمن حضر القصة، ويحتمل أن يكون خطاباً للموجودين عند نزول القرآن. والقسوة: الصلابة واليبس، وهي: عبارة عن خلوّها من الإنابة، والإذعان لآيات الله، مع وجود ما يقتضى خلاف هذه القسوة من إحياء القتيل، وتكلمه، وتعيينه لقاتله، والإشارة بقوله: {مِن بَعْدِ ذلك} إلى ما تقدم من الآيات الموجبة لِلين القلوب ورقتها.
قيل: {أو} في قوله: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} بمعنى الواو كما في قوله تعالى: {آثماً أَوْ كَفُوراً} [الأَنسان: 24] وقيل: هي بمعنى بل، وعلى أن {أو} على أصلها، أو بمعنى الواو، فالعطف على قوله: {كالحجارة} أي: هذه القلوب هي كالحجارة أو هي أشدّ قسوة منها، فشبهوها بأيّ الأمرين شئتم، فإنكم مصيبون في هذا التشبيه، وقد أجاب الرازي في تفسيره عن وقوع {أو} ههنا مع كونها للترديد، أي: لا يليق لعلام الغيوب بثمانية أوجه، وإنما توصل إلى أفعل التفضيل بأشدّ مع كونه يصح أن يقال: وأقسى من الحجارة، لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة، كما قاله في الكشاف.
وقرأ الأعمش: {أو أشد} بنصب الدال، وكأنه عطفه على الحجارة، فيكون أشدّ مجروراً بالفتحة. وقوله: {وَإِنَّ مِنَ الحجارة} إلى آخره، قال في الكشاف إنه بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدّة القسوة، وتقرير لقوله: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}. انتهى.                                                                            وفيه أن مجيء البيان بالواو غير مألوف، ولا معروف، والأولى جعل ما بعد الواو تذييلاً أو حالاً. التفجر: التفتح، وقد سبق تفسيره.                       وأصل {يَشَّقَّقُ} يتشقق أدغمت التاء في الشين، وقد قرأ الأعمش: {يتشقق} على الأصل. وقرأ ابن مصرف {ينشقّ} بالنون. والشق: واحد الشقوق، وهو: يكون بالطول، أو بالعرض، بخلاف الانفجار، فهو الانفتاح من موضع واحد مع اتساع الخرق. والمراد: أن الماء يخرج من الحجارة من مواضع الانفجار، والانشقاق، ومن الحجارة ما يهبط أي: ينحطّ من المكان الذي هو فيه إلى أسفل منه من الخشية لله التي تداخله، وتحل به. وقيل: إن الهبوط مجاز عن الخشوع منها، والتواضع الكائن فيها، انقياداً لله عزّ وجلّ، فهو مثل قوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله} [الحشر: 21] وقد حكى ابن جرير عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة، كما استعيرت الإرادة للجدار، وكما قال الشاعر:
لَمَا أتَى خَبَرُ الزُّبير تواضَعَتْ *** سُورُ المَدينَة والجِبَالُ الخُشَّعُ
وذكر الجاحظ أن الضمير في قوله: {وَإِنَّ مِنْهَا} راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة، وهو فاسد، فإن الغرض من سياق هذا الكلام هو التصريح بأن قلوب هؤلاء بلغت في القسوة، وفرط اليبس الموجبين لعدم قبول الحق، والتأثر للمواعظ إلى مكان لم تبلغ إليه الحجارة، التي هي أشدّ الأجسام صلابة، وأعظمها صلادة، فإنها ترجع إلى نوع من اللين، وهي تفجرها بالماء، وتشققها عنه، وقبولها لما توجبه الخشية لله من الخشوع، والانقياد، بخلاف تلك القلوب، وفي قوله: {وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} من التهديد، وتشديد الوعيد ما لا يخفى، فإن الله عز وجل إذا كان عالماً بما يعملونه مطلعاً عليه غير
 

المقطع السادس: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّـهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ? فَلَعْنَةُ اللَّـهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ???? بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى? مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ? فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى? غَضَبٍ ? وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ???? وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ ? قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّـهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ???? وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى? بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ???? وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ? قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ? قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ????

{وَلَمَّا جَاءهُمُ} يعني اليهود {كِتَابٌ} يعني القرآن، و{مُّصَدّقٌ} وصف له، وهو في مصحف أبي منصور، ونصبه على الحال، وإن كان صاحبها نكرة، فقد تخصصت بوصفها بقوله: {مِنْ عِندِ الله} وتصديقه لما معهم من التوراة، والإنجيل أنه يخبرهم بما فيهما، ويصدقه، ولا يخالفه، والاستفتاح: الاستنصار، أي: كانوا من قبل يطلبون من الله النصر على أعدائهم، بالنبيّ المنعوت في آخر الزمان الذي يجدون صفته عندهم في التوراة، وقيل الاستفتاح هنا بمعنى الفتح، أي: يخبرونهم بأنه سيبعث، ويعرّفونهم بذلك. وجواب {لما} في قوله: {وَلَمَّا جَاءهُمْ كتاب}                                 قيل هو: قوله:  {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ} وما بعده، وقيل هو محذوف، أي: كذبوا، أو نحوه، كذا قال الأخفش، والزجاج.
وقال المبرّد: إن جواب {لما} الأولى هو قوله: {كَفَرُواْ} وأعيدت {لما} الثانية لطول الكلام، واللام في الكافرين للجنس. ويجوز أن تكون للعهد، ويكون هذا من وضع الظاهر موضع المضمر. والأوّل أظهر.
و(ما) في قوله: {بِئْسَمَا} موصولة، أو موصوفة، أي: بئس الشيء، أو شيئاً {اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ} قاله سيبويه.
وقال الأخفش (ما) في موضع نصب على التمييز كقولك: بئس رجلاً زيد.
وقال الفراء: بئسما بجملته شيء واحد رُكب كحبذا.
وقال الكسائي: (ما)، و{اشتروا} بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه، والتقدير: بئس اشتراؤهم أن يكفروا. وقوله: {أَن يَكْفُرُواْ} في موضع رفع على الابتداء عند سيبويه، وخبره ما قبله.

والمخصوص بالذم أن يكفروا، واشتروا بمعنى باعوا.    وقوله: {بَغِيّاً} أي: حسداً. قال الأصمعي: البغي مأخوذ من قولهم قد بغى الجرح: إذا فسد، وقيل أصله الطلب، ولذلك سميت الزانية بغياً. وهو علة لقوله: {اشتروا} وقوله: {أَن يُنَزِّلَ} علة لقوله: {بَغِيّاً} أي: لأن ينزل. والمعنى: أنهم باعوا أنفسهم بهذا الثمن البخس حسداً، ومنافسة {أَن يُنَزّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وابن محيصن: {أن ينزل} بالتخفيف. {فباءوا} أي: رجعوا، وصاروا أحقاء {بِغَضَبٍ على غَضَبٍ} وقد تقدّم معنى باءوا، ومعنى الغضب. قيل الغضب، الأول: لعبادتهم العجل، والثاني لكفرهم بمحمد. وقيل: كفرهم بعيسى، ثم كفرهم بمحمد. وقيل كفرهم بمحمد، ثم البغي عليه وقيل غير ذلك. والمهين مأخوذ من الهوان، قيل وهو: ما اقتضى الخلود في النار.
وقوله: {بِمَا أنزَلَ الله} هو: القرآن، وقيل كل كتاب، أي: صدّقوا بالقرآن، أو صدّقوا بما أنزل الله من الكتب {قَالُواْ نُؤْمِنُ} أي: نصدّق                                       {بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} أي: التوراة.     وقوله: {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ} قال الفراء: بما سواه.
وقال أبو عبيدة: بما بعده. قال الجوهري: وراء بمعنى خلف، وقد يكون بمعنى قدّام، وهي من الأضداد. ومنه قوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ} [الكهف: 79] أي: قدّامهم، وهذه الجملة، أعني {ويكفرون} في محل النصب على الحال، أي: قالوا نؤمن بما أنزل علينا حال كونهم كافرين بما وراءه، مع كون هذا الذي هو وراء ما يؤمنون به هو الحق. وقوله: {مُصَدّقاً} حال مؤكدة، وهذه أحوال متداخلة أعني قوله: {وَيَكْفُرونَ} وقوله: {وَهُوَ الحق} وقوله: {مُصَدّقاً} ثم اعترض الله سبحانه عليهم، لما قالوا نؤمن بما أنزل علينا، بهذه الجملة المتشملة على الاستفهام المفيد للتوبيخ، أي: إن كنتم تؤمنون بما أنزل عليكم، فكيف تقتلون الأنبياء، وقد نهيتم عن قتلهم، فيما أنزل عليكم؟ وهذا الخطاب، وإن كان مع الحاضرين من اليهود، فالمراد به أسلافهم، ولكنهم لما كانوا يرضون بأفعال سلفهم كانوا مثلهم. واللام في قوله: {وَلَقَدْ} جواب لقسم مقدّر. والبينات يجوز أن يراد بها التوراة، أو التسع الآيات المشار إليها بقوله تعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى تِسْعَ ءايات بَيّنَاتٍ} [الإسراء: 101] ويجوز أن يراد الجميع، ثم عبدتم العجل بعد النظر في تلك البينات حال كونكم ظالمين بهذه العبادة الصادرة منكم، عناداً بعد قيام الحجة عليكم.

قد تقدّم تفسير أخذ الميثاق، ورفع الطور. والأمر بالسماع معناه: الطاعة والقبول، وليس المراد مجرد الإدراك بحاسة السمع، ومنه قولهم: «سمع الله لمن حمده» أي: قبل وأجاب، ومنه قول الشاعر:     دعوت الله حتى خفت أن لا *** يكون الله يسمع ما أقول
أي يقبل، وقولهم في الجواب {سَمِعْنَا} هو: على بابه، وفي معناه؛ أي: سمعنا قولك بحاسة السمع، وعصيناك، أي: لا نقبل ما تأمرنا به، ويجوز أن يكونوا أرادوا بقولهم: {سمعنا} ما هو معهود من تلاعبهم، واستعمالهم المغالطة في مخاطبة أنبيائهم، وذلك بأن يحملوا قوله تعالى: {*اسمعوا} على معناه الحقيقي أي: السماع بالحاسة، ثم أجابوا بقولهم: {سَمِعْنَا} أي: أدركنا ذلك بأسماعنا، عملاً بموجب ما تأمر به، ولكنهم لما كانوا يعلمون أن هذا غير مراد لله عزّ وجلّ، بل مراده بالأمر سماع الأمر بالطاعة والقبول لم يقتصروا على هذه المغالطة بل ضموا إلى ذلك ما هو الجواب عندهم فقالوا: {وَعَصَيْنَا}. وفي قوله: {واشربوا} تشبيه بليغ، أي: جعلت قلوبهم لتمكن حب العجل منها كأنها تشربه،                                                                                               ومثله قول زهير:                     فصحوتُ عنها بعد حُبٍّ داخل *** والحبُّ يشُرْبِهُ فؤادك داء
وإنما عبر عن حبّ العجل بالشرب دون الأكل؛ لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام يجاوزها، ولا يتغلغل فيها، والباء في قوله: {بِكُفْرِهِمْ} سببية: أي: كان ذلك بسبب كفرهم عقوبة لهم، وخذلاناً. وقوله: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم} أي: إيمانكم الذي زعمتم أنكم تؤمنون بما أنزل عليكم، وتكفرون بما وراءه، فإن هذا الصنع، وهو قولكم: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} في جواب ما أمرتم به في كتابكم، وأخذ عليكم الميثاق به مناد عليكم بأبلغ نداء بخلاق ما زعمتم، وكذلك ما وقع منكم من عبادة العجل، ونزول حبه من قلوبكم منزلة الشراب هو من أعظم ما يدل على أنكم كاذبون في قولكم: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} [البقرة: 91] لا صادقون، فإن زعمتم أن كتابكم الذي آمنتم به أمركم بهذا، فبئسما يأمركم به إيمانكم بكتابكم، وفي هذا من التهكم بهم ما لا يخفى.
 

المقطع السابع: قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى? قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّـهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى? لِلْمُؤْمِنِينَ ???? مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّـهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ???? وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ? وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ???? أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ? بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ????? وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّـهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّـهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ?????وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى? مُلْكِ سُلَيْمَانَ ? وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـ?كِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ? وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى? يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ? فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ? وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ ? وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ? وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ? وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ? لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ?????

هذه الآية قد أجمع المفسرون على أنها نزلت في اليهود. قال ابن جرير الطبري: وأجمع أهل التأويل جميعاً أن هذه الآية نزلت جواباً على اليهود إذ زعموا أن جبريل عدوّ لهم، وأن ميكائيل وليّ لهم. ثم اختلفوا ما كان سبب قولهم ذلك؟ فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر نبوّته، ثم ذكر روايات في ذلك ستأتي آخر البحث إن شاء الله. والضمير في قوله: {فَإِنَّهُ} يحتمل، وجهين: الأوّل: أن يكون لله، ويكون الضمير في قوله: {نَزَّلَهُ} لجبريل، أي: فإن الله سبحانه نزل جبريل على قلبك، وفيه ضعف كما يفيده قوله: {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}. الثاني أنه لجبريل، والضمير في {نزله} للقرآن، أي: فإن جبريل نزل القرآن على قلبك، وخص القلب بالذكر؛ لأنه موضع العقل، والعلم. وقوله: {بِإِذُنِ الله} أي: بعلمه، وإرادته، وتيسيره، وتسهيله، و{مَا بَيْنَ يَدَيْهِ} هو: التوراة كما سلف، أو جميع الكتب المنزلة، وفي هذا الدليل على شرف جبريل، وارتفاع منزلته، وأنه لا وجه لمعاداة اليهود له، حيث كان منه ما ذكر من تنزيل الكتاب على قلبك، أو من تنزيل الله له على قلبك، وهذا هو وجه الربط بين الشرط، والجواب، أي: من كان معادياً لجبريل منهم، فلا وجه لمعاداته له، فإنه لم يصدر منه إلا ما يوجب المحبة دون العداوة، أو من كان معادياً له، فإن سبب معاداته أنه وقع منه ما يكرهونه من التنزيل، وليس ذلك بذنب له، وإن نزهوه، فإن هذه الكراهة منهم له بهذا السبب ظلم، وعدوان؛ لأن هذا الكتاب الذي نزل به هو مصدق لكتابهم، وهدى، وبشرى للمؤمنين.
ثم أتبع سبحانه هذا الكلام بجملة مشتملة على شرط، وجزاء يتضمن الذمّ لمن عادى جبريل بذلك السبب، والوعيد الشديد له فقال: {مَن كَانَ عَدُوّاً لّلَّهِ وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال فَإِنَّ الله عَدُوٌّ للكافرين} والعداوة من العبد هي: صدور المعاصي منه لله، والبغض لأوليائه، والعداوة من الله للعبد هي: تعذيبه بذنبه، وعدم التجاوز عنه، والمغفرة له، وإنما خص جبريل، وميكائيل بالذكر بعد ذكر الملائكة؛ لقصد التشريف لهما، والدلالة على فضلهما، وأنهما، وإن كانا من الملائكة، فقد صارا باعتبار ما لهما من المزية بمنزلة جنس آخر أشرف من جنس الملائكة، تنزيلاً للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي كما ذكره صاحب الكشاف، وقرره علماء البيان. وفي جبريل عشر لغات ذكرها ابن جرير الطبري، وغيره، وقد قدّمنا الإشارة إلى ذلك. وفي ميكائيل ست لغات، وهما اسمان عجميان، والعرب إذا نطقت بالعجمي تساهلت فيه.
وحكى الزمخشري عن ابن جني أنه قال: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه. وقوله: {للكافرين} من وضع الظاهر موضع المضمر، أي: فإن الله عدوّ لهم، لقصد الدلالة على أن هذه العداوة موجبة لكفر من وقعت منه.
وقد ذكر السيوطي في هذا الموضع من تفسيره: الدرّ المنثور أحاديث كثيرة واردة في جبريل، وميكائيل، وليست مما يتعلق بالتفسير حتى نذكرها.

الضمير في قوله: {إِلَيْكَ} للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أي: أنزلنا إليك علامات واضحات دالة على نبوتك. وقوله: {إِلاَّ الفاسقون} قد تقدّم تفسيره، والظاهر أن المراد جنس الفاسقين، ويحتمل أن يراد اليهود؛ لأن الكلام معهم، والواو في قوله: {أَوْ كُلَّمَا} للعطف دخلت عليها همزة الاستفهام كما تدخل على الفاء، ومن ذلك قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ} [المائدة: 50] {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم} [الزخرف: 40] {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ} [الكهف: 50] وكما تدخل على ثم، ومن ذلك قوله تعالى: {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ} [يونس: 51] وهذا قول سيبويه.وقال الأخفش: الواو زائدة.
وقال الكسائي: إنها {أو} حركت الواو تسهيلاً. قال ابن عطية: وهذا كله متكلف، والصحيح قول سيبويه، والمعطوف عليه محذوف، والتقدير: أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا. قوله: {نَبَذَ فَرِيقٌ} قال ابن جرير: أصل النبذ الطرح، والإلقاء، ومنه سمى اللقيط منبوذاً، ومنه سمي النبيذ، وهو التمر، والزبيب إذا طرحا في الماء، قال أبو الأسود:
نظرتَ إلى عنوانه فنبذته *** كنبذك نعلاً أخلقت من نعالكا
وقال آخر:
إن الَّذين أمَرْتَهم أن يَعْدِلُوا *** نبذوا كتابك واستحل المحرمَا
وقوله: {وَرَاء ظُهُورِهِمْ} أي: خلف ظهورهم، وهو: مثل يُضرب لمن يستخف بالشيء، فلا يعمل به، تقول العرب: اجعل هذا خلف ظهرك، ودبر أذنك، وتحت قدمك: أي اتركه، واعرض عنه، ومنه ما أنشده الفراء:
تميم بنُ زيدٍ لا تكوننَّ حَاجَتِي *** بظَهرٍ فلا يَعْيَا عليّ جوابُها
وقوله: {كتاب الله} أي: التوراة؛ لأنهم لما كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل عليه بعد أن أخذ الله عليهم في التوراة الإيمان به، وتصديقه، واتباعه، وبين لهم صفته، كان ذلك منهم نبذاً للتوراة، ونقضاً لها، ورفضاً لما فيها، ويجوز أن يراد بالكتاب هنا: القرآن، أي: لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم من التوراة نبذوا كتاب الله الذي جاء به هذا الرسول، وهذا أظهر من الوجه الأول. وقوله: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تشبيه لهم بمن لا يعلم شيئاً، مع كونهم يعلمون علماً يقيناً من التوراة بما يجب عليهم من الإيمان بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لما لم يعملوا بالعلم بل عملوا عمل من لا يعلم من نبذ كتاب الله وراء ظهورهم، كانوا بمنزلة من لا يعلم.
قوله: {واتبعوا مَا تَتْلُو الشياطين} معطوف على قوله: {نبذوا} أي: نبذوا كتاب الله، واتبعوا ما تتلوا الشياطين من السحر ونحوه. قال الطبري: اتبعوا بمعنى فعلوا. ومعنى: {تتلو} تتقوّله، وتقرؤه و{على مُلْكِ سليمان} على عهد ملك سليمان، قاله الزجاج، وقيل المعنى في ملك سليمان: يعني في قصصه، وصفاته، وأخباره. ، وقد كانوا يظنون أن هذا هو: علم سليمان، وأنه يستجيزه، ويقول به، فردّ الله ذلك عليهم، وقال: {وَمَا كَفَرَ سليمان ولكن الشياطين كَفَرُواْ} ولم يتقدم أنّ أحداً نسب سليمان إلى الكفر، ولكن لما نسبته اليهود إلى السحر صاروا بمنزلة من نسبه إلى الكفر؛ لأن السحر يوجب ذلك، ولهذا أثبت الله سبحانه كفر الشياطين فقال: {ولكن الشياطين كَفَرُواْ} أي: بتعليمهم. وقوله: {يُعَلّمُونَ الناس السحر} في محل نصب على الحال، ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر بعد خبر. وقرأ ابن عامر، والكوفيون سوى عاصم: {ولكن الشياطين} بتخفيف لكن، ورفع الشياطين، والباقون بالتشديد والنصب.
والسحر هو: ما يفعله الساحر من الحيل والتخيلات التي تحصل بسببها للمسحور ما يحصل من الخواطر الفاسدة الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماء، وما يظنه راكب السفينة، أو الدابة من أن الجبال تسير، وهو مشتق من سحرت الصبيّ: إذا خدعته. وقيل: أصله الخفاء، فإن الساحر يفعله خفية. وقيل أصله الصرف؛ لأن السحر مصروف عن جهته. وقيل أصله الاستمالة؛ لأن من سحرك، فقد استمالك.
وقال الجوهري: السحر الأخذة، وكل ما لطف مأخذه ودقَّ، فهو سحر.
وقد سحره يسحره، سحراً. والساحر: العالم، وسحره أيضاً بمعنى خدعه.
وقد اختلف: هل له حقيقة أم لا؟ فذهبت المعتزلة، وأبو حنيفة إلى أنه خدع لا أصل له، ولا حقيقة.
وذهب من عداهم إلى أن له حقيقة مؤثرة.
وقد صح أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، سحره لُبيد بن الأعصم اليهودي، حتى كان يخيل إليه أنه يأتي الشيء ولم يكن قد أتاه، ثم شفاه الله سبحانه، والكلام في ذلك يطول. وقوله: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين} أي: ويعلمون الناس ما أنزل على الملكين، فهو معطوف على السحر، وقيل: هو معطوف على قوله: {ما تتلو الشياطين} أي: واتبعوا ما أنزل على الملكين. وقيل إن {ما} في قوله: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين} نافية، والواو عاطفة على قوله:  {وَمَا كَفَرَ سليمان} وفي الكلام تقديم، وتأخير، والتقدير: وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت، وماروت، فهاروت، وماروت بدل من الشياطين في قوله: {ولكن الشياطين كَفَرُواْ} ذكر هذا ابن جرير، وقال: فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان وما أنزل الله على الملكين، ولكنّ الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون معنياً بالملكين جبريل وميكائيل؛ لأن سحرة اليهود، فيما ذكر، كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل، إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان أحدهما هاروت، والآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت، على هذا التأويل ترجمة عن الناس وردّاً عليهم.    انتهى.                                                                                                                          وقال القرطبي في تفسيره، بعد أن حكى معنى هذا الكلام، ورجح أن هاروت وماروت بدل من الشياطين، ما لفظه: هذا أولى ما حملت عليه الآية، وأصح ما قيل فيها، ولا يلتفت إلى سواه، فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم، ودقة أفهامهم، وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساء، وخاصة في حال طمثهن، قال الله: {وَمِن شَرّ النفاثات فِى العقد} [الفلق: 4] ثم قال: إن قيل كيف يكون اثنان بدلاً من جمع، والبدل إنما يكون على حدّ المبدل؟ ثم أجاب عن ذلك بأن الاثنين قد يطلق عليهما الجمع، أو أنهما خُصا بالذكر دون غيرهما لتمردهما، ويؤيد هذا أنه قرأ ابن عباس والضحاك والحسن: {الملكين} بكسر اللام، ولعل وجه الجزم بهذا التأويل مع بعده، وظهور تكلفه، تنزيه الله سبحانه أن ينزل السحر إلى ارضه، فتنة لعباده على ألسن ملائكته. وعندي أنه لا موجب لهذا التعسف المخالف لما هو الظاهر، فإن لله سبحانه أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بنهر طالوت، ولهذا يقول الملكان: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} قال ابن جرير: وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان، وبابل قيل: هي العراق، وقيل نهاوند، وقيل نصيبين. وقيل المغرب: وهاروت وماروت اسمان أعجميان لا ينصرفان. وقوله: {وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ} قال الزجاج: تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه، قال: وهو الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر، ومعناه: أنهما يعلمان على النهي، فيقولان لهم: لا تفعلوا كذا. و{من} في قوله: {من أحد} زائدة للتوكيد، وقد قيل: إن قوله: {يعلمان} من الإعلام لا من التعليم، وقد جاء في كلام العرب تعلم بمعنى أعلم، كما حكاه ابن الأنباري، وابن الأعرابي، وهو كثير من أشعارهم كقول كعب بن مالك:
تعلَّم رسول اللهِ أنَّك مُدْرِكي *** وَأنَّ وَعِيداً مْنِك كالأخْذِ باليَدِ

وقوله: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} هو: على ظاهره، أي: إنما نحن ابتلاء، واختبار من الله لعباده. وقيل: إنه استهزاء منهما؛ لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله. وفي قولهما: {فَلاَ تَكْفُرْ} أبلغ إنذار، وأعظم تحذير، أي: أن هذا ذنب يكون مَنْ فعله كافراً، فلا تكفر، وفيه دليل على أن تعلم السحر كفر، وظاهره عدم الفرق بين المعتقد، وغير المعتقد، وبين من تعلمه ليكون ساحراً، ومن تعلمه ليقدر على دفعه.
وقوله: {فَيَتَعَلَّمُونَ} فيه ضمير يرجع إلى قوله: {مِنْ أحَدٍ} قال سيبويه: التقدير، فهم يتعلمون، قال: ومثله {كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] وقيل هو: معطوف على موضع ما يعلمان؛ لأنه وإن كان منفياً، فهو يتضمن الإيجاب.
وقال الفراء: هي مردودة على قوله: {يعلمون الناس السحر} أي: يعلمون الناس، فيتعلمون، وقوله: {مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ} في إسناد التفريق إلى السحرة، وجعل السحر سبباً لذلك دليل على أن للسحر تأثيراً في القلوب بالحبّ والبغض، والجمع، والفرقة، والقرب، والبعد.
وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر لا يقدر على أكثر مما أخبر الله به من التفرقة؛ لأن الله ذكر ذلك في معرض الذمّ للسحر، وبين ما هو الغاية في تعليمه، فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره. وقالت طائفة أخرى: إن ذلك خرج مخرج الأغلب، وأن الساحر يقدر على غير ذلك المنصوص عليه، وقيل ليس للسحر تأثير في نفسه أصلاً لقوله تعالى: {وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} والحق أنه لا تنافي بين قوله: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ} وبين قوله: {وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} فإن المستفاد من جميع ذلك أن للسحر تأثيراً في نفسه، ولكنه لا يؤثر ضرراً إلا فيمن أذن الله بتأثيره فيه، وقد أجمع أهل العلم على أن له تأثيراً في نفسه، وحقيقة ثابتة، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة، وأبو حنيفة كما تقدم،
وقوله: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} فيه تصريح بأن السحر لا يعود على صاحبه بفائدة، ولا يجلب إليه منفعة بل هو: ضرر محض، وخسران بحت، واللام في قوله: {وَلَقَدْ} جواب قسم محذوف، وفي قوله: {لَمَنِ اشتراه} للتأكيد و{من} موصولة، وهي في محل رفع على الابتداء، والخبر قوله: {مَالَهُ فِى الأخرة مِنَ خلاق} وقال الفراء: إنها شرطية للمجازاة.
وقال الزجاج: ليس هذا بموضع شَرط، ورجح أنها موصولة كما ذكرنا. والمراد بالشراء هنا: لاستبدال أي من استبدل ما تتلوا الشياطين على كتاب الله. والخَلاق: النصيب عند أهل اللغة، كذا قال الزجاج. والمراد بقوله: {مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ} أي: باعوها.
وقد أثبت لهم العلم في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ} ونفاه عنهم في قوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} واختلفوا في توجيه ذلك، فقال قطرب، والأخفش: إن المراد بقوله: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ} الشياطين، والمراد بقوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} الإنس.
وقال الزجاج: إن الأول للملكين، وإن كان بصيغة الجمع، فهو مثل قولهم: الزيدان قاموا، والثاني: المراد به علماء اليهود. وإنما قال:        {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} لأنهم تركوا العمل بعلمهم.
 

المقطع الثامن : وَلَن تَرْضَى? عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى? حَتَّى? تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ? قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّـهِ هُوَ الْهُدَى? ? وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ? مَا لَكَ مِنَ اللَّـهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ????? الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَـ?ئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ? وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَـ?ئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ????? يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ????? وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ????? وَإِذِ ابْتَلَى? إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ? قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ? قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ? قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ????? وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ? وَعَهِدْنَا إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ????? وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـ?ذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ? قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى? عَذَابِ النَّارِ ? وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ?????وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ? إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ????? رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ? إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ????? رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ? إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ????? وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ? وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ? وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ????? إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ? قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ????? وَوَصَّى? بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَى? لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ????? أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـ?هَكَ وَإِلَـ?هَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـ?هًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ????? تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ? لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ? وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?????

قوله: {وَلَن ترضى عَنكَ اليهود} الآية، أي: ليس غرضهم، ومبلغ الرضا منهم ما يقترحونه عليك من الآيات، ويوردونه من التعنتات، فإنك لو جئتهم بكل ما يقترحون، وأجبتهم عن كل تعنت لم يرضوا عنك، ثم أخبره بأنهم لن يرضوا عنه حتى يدخل في دينهم ويتبع ملتهم، والملة: اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه على ألسن أنبيائه، وهكذا الشريعة، ثم ردّ عليهم سبحانه، فأمره بأن يقول لهم: {إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى} الحقيقي، لا ما أنتم عليه من الشريعة المنسوخة، والكتب المحرّفة ثم أتبع ذلك بوعيد شديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن اتبع أهواءهم وحاول رضاهم وأتعب نفسه في طلب ما يوافقهم. ويحتمل أن يكون تعريضاً لأمته، وتحذيراً لهم أن يوافقوا شيئاً من ذلك، أو يدخلوا في أهوية أهل الملل، ويطلبوا رضا أهل البدع.
وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب، وتتصدع منه الأفئدة، ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه، والقائمين ببيان شرائعه، ترك الدِّهان لأهل البدع المتمذهبين بمذاهب السوء، التاركين للعمل بالكتاب والسنة، المؤثرين لمحض الرأي عليهما؛ فإن غالب هؤلاء، وإن أظهر قبولاً، وأبان من أخلاقه ليناً لا يرضيه إلا اتباع بدعته، والدخول في مداخله، والوقوع في حبائله، فإن فعل العالم ذلك بعد أن علمه الله من العلم ما يستفيد به أن هدى الله هو ما في كتابه، وسنّة رسوله، لا ماهم عليه من تلك البدع التي هي ضلالة محضة، وجهالة بينة، ورأي منهار، وتقليد على شفا جرف هار، فهو إذ ذاك ما له من الله من وليّ، ولا نصير، ومن كان كذلك، فهو مخذول لا محالة، وهالك بلا شك، ولا شبهة.
وقوله: {الذين ءاتيناهم الكتاب} قيل: هم المسلمون، والكتاب هو: القرآن، وقيل من أسلم من أهل الكتاب.
والمراد بقوله: {يَتْلُونَهُ} أنهم يعلمون بما فيه، فيحلُّون حلاله، ويحرّمون حرامه، فيكون من تلاه يتلوه إذا اتبعه، ومنه قوله تعالى: {والقمر إِذَا تلاها} [الشمس: 2] أي: اتبعها، كذا قيل، ويحتمل أن يكون من التلاوة: أي: يقرءونه حق قراءته لا يحرّفونه، ولا يبدّلونه. وقوله:                        {الذين ءاتيناهم الكتاب} مبتدأ وخبره {يَتْلُونَهُ} أو الخبر قوله: {أولئك} مع ما بعده.

قوله: {يا بني إسرائيل} إلى قوله: {ولا هم ينصرون} قد سبق مثل هذا في صدر السورة، وتقدم تفسيره، ووجه التكرار الحثّ على اتباع الرسول النبي الأميّ، ذكر معناه ابن كثير في تفسيره.
وقال البقاعي في تفسيره: إنه لما طال المدى في استقصاء تذكيرهم بالنعم، ثم في بيان عوارهم، وهتك أستارهم، وختم ذلك بالترهيب لتضييع أديانهم بأعمالهم، وأحوالهم، وأقوالهم، أعاد ما صدّر به قصتهم من التذكير بالنعم، والتحذير من حلول النقم يوم تجمع الاْمم، ويدوم فيه الندم لمن زلت به القدم، ليعلم أن ذلك، فذلكة القصة، والمقصود بالذات الحثّ على انتهاز الفرصة. انتهى. وأقول: ليس هذا بشيء، فإنه لو كان سبب التكرار ما ذكره من طول المدى، وأنه أعاد ما صدّر به قصتهم لذلك لكان الأولى بالتكرار، والأحق بإعادة الذكر هو قوله سبحانه: {يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وإياى فارهبون} [البقرة: 40] فإن هذه الآية مع كونها أوّل الكلام معهم والخطاب لهم في هذه السورة، هي أولى بأن تعاد، وتكرر لما فيها من الأمر بذكر النعم، والوفاء بالعهد، والرهبة لله سبحانه، وبهذا تعرف صحة ما قدّمناه لك عند أن شرع الله سبحانه في خطاب بني إسرائيل من هذه السورة فراجعه، ثم حكى البقاعي بعد كلامه السابق عن الحوالي أنه قال: كرّره تعالى إظهاراً لمقصد التئام آخر الخطاب بأوّله، وليتخذ هذا الإفصاح، والتعليم أصلاً، لما يمكن بأن يرد من نحوه في سائر القرآن حتى كان الخطاب إذاً انتهى إلى غاية خاتمه يجب أن يلحظ القلب بذاته تلك الغاية، فيتلوها ليكون في تلاوته جامعاً لطرفي الثناء، وفي تفهيمه جامعاً لمعاني طرفي المعنى. انتهى. وأقول: لو كان هذا هو سبب التكرار لكان الأولى به ما عرفناك.             وأما قوله: وليتخذ ذلك أصلاً لما يرد من التكرار في سائر القرآن فمعلوم أن حصول هذا الأمر في الأذهان، وتقرره في الأفهام، لا يختص بتكرير آية معينة يكون افتتاح هذا المقصد بها، فلم تتم حينئذ النكتة في تكرير هاتين الآيتين بخصوصهما، ولله الحكمة البالغة التي لا تبلغها الأفهام، ولا تدركها العقول، فليس في تكلف هذه المناسبات المتعسفة إلا ما عرفناك به هنالك فتذكر.
قوله: {وَإِذِ ابتلى} الابتلاء: الامتحان والاختبار، أي: ابتلاه بما أمره به، و{إِبْرَاهِيمَ} معناه في السريانية أب رحيم، كذا قال الماوردي، قال ابن عطية: ومعناه في العربية ذلك. قال السهيلي: وكثيراً ما يقع الاتفاق بين السرياني، والعربي.
وقد أورد صاحب الكشاف هنا سؤالاً في رجوع الضمير إلى إبراهيم مع كون رتبته التأخير، وأجاب عنه بأنه قد تقدّم لفظاً، فرجع إليه، والأمر في هذا أوضح من أن يشتغل بذكره، أو ترد في مثله الأسئلة، أو يسوّد وجه القرطاس بإيضاحه.
قوله: {بكلمات} قد اختلف العلماء في تعيينها، فقيل: هي شرائع الإسلام، وقيل ذبح ابنه، وقيل أداء الرسالة، وقيل: هي خصال الفطرة، وقيل:           هي قوله: {إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا} وقيل: بالطهارة كما سيأتي بيانه. قال الزجاج: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة؛ لأن هذا كله مما ابتلى به إبراهيم. انتهى.                                                                                                                                                                                          وظاهر النظم القرآني أن الكلمات هي قوله: {قَالَ إِنّى جاعلك} وما بعده، ويكون ذلك بياناً للكلمات، وسيأتي عن بعض السلف ما يوافق ذلك، وعن آخرين ما يخالفه. وعلى هذا، فيكون قوله: {قَالَ إِنّى جاعلك للناس} مستأنفاً كأنه قيل: ماذا قال له.
وقال ابن جرير ما حاصله إنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ذلك، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين، إلا بحديث أو إجماع، ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له، ثم قال: فلو قال قائل: إن الذي قاله مجاهد، وأبو صالح، والربيع بن أنس أولى بالصواب: يعني أن الكلمات هي قوله: {إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا} وقوله: {وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم} [البقرة: 125] وما بعده، ورجح ابن كثير أنها تشمل جميع ما ذكر، وسيأتي التصريح بما هو الحق بعد إيراد ما ورد عن السلف الصالح.
وقوله: {فَأَتَمَّهُنَّ} أي قام بهنّ أتم قيام، وامتثل أكمل امتثال. والإمام هو: ما يؤتم به، ومنه قيل: للطريق: إمام، وللبناء إمام، لأنه يؤتمّ بذلك، أي: يهتدي به السالك، والإمام لما كان هو القدوة للناس، لكونهم يأتمون به، ويهتدون بهديه، أطلق عليه هذا اللفظ. وقوله: {وَمِن ذُرّيَتِى} يحتمل أن يكون ذلك دعاء من إبراهيم، أي: واجعل من ذريتي أئمة، ويحتمل أن يكون هذا من إبراهيم بقصد الاستفهام، وإن لم يكن بصيغته: أي: ومن ذريتي ماذا يكون يا ربّ؟ فأخبره أن فيهم عصاة، وظلمة، وأنهم لا يصلحون لذلك، ولا يقومون به، ولا ينالهم عهد الله سبحانه. والذرية مأخوذة من الذرّ؛ لأن الله أخرج الخلق من ظهر آدم حين أشهدهم على أنفسهم كالذرّ، وقيل مأخوذة من ذرأ الله الخلق يذرؤهم: إذا خلقهم. وفي الكتاب العزيز: {فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرياح} [الكهف: 45] قال في الصحاح: ذرت الريح السحاب وغيره تذروه وتذريه ذرواً وذرياً، أي: نسفته، وقال الخليل: إنما سموا ذرية؛

 لأن الله تعالى ذرأها على الأرض كما ذرأ الزارع البذر. واختلف في المراد بالعهد، فقيل الإمامة، وقيل النبوّة، وقيل: عهد الله: أمره. وقيل الأمان من عذاب الآخرة، ورجّحها الزجاج، والأوّل أظهر كما يفيده السياق.
وقد استدل بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل، والعمل بالشرع، كما ورد؛ لأنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالماً.

ويمكن أن ينظر إلى ما يصدق عليه اسم العهد، وما تفيده الإضافة من العموم، فيشمل جميع ذلك اعتباراً بعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب، ولا إلى السياق، فيستدل به على اشتراط السلامة من وصف الظلم في كل من تعلق بالأمور الدينية.
وقد اختار ابن جرير أن هذه الآية، وإن كانت ظاهرة في الخبر أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالماً، ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل أنه سيوجد من ذريته من هو ظالم لنفسه. انتهى. ولا يخفاك أنه لا جدوى لكلامه هذا. فالأولى أن يقال: إن هذا الخبر في معنى الأمر لعباده أن لا يولوا أمور الشرع ظالماً، وإنما قلنا: إنه في معنى الأمر؛ لأن أخباره تعالى لا يجوز أن تتخلف.
وقد علمنا أنه قد نال عهده من الإمامة، وغيرها كثيراً من الظالمين.
قوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا البيت} هو: الكعبة غلب عليه كما غلب النجم على الثريا، و{مَثَابَةً} مصدر من ثاب يثوب مثاباً، ومثابة، أي: مرجعاً يرجع الحجاج إليه بعد تفرقهم عنه، ومنه قول ورقة بن نوفل في الكعبة:
مَثاب لأفْنَاءِ القبائل كُلَّها *** تَخُبُّ إلَيها اليَعْمَلاتُ الذَّوابلُ
وقرأ الأعمش: {مثابات} وقيل المثابة من الثواب، أي: يثابون هنالك.
وقال مجاهد: المراد أنهم لا يقضون منه أوطارهم، قال الشاعر:
جُعِل البيْتُ مَثابات لَهُم *** ليْسَ منه الدهرَ يَقْضُونَ الوَطرْ
قال الأخفش: ودخلت الهاء لكثرة من يثوب إليه، فهي كعلامة ونسابة.
وقال غيره: هي للتأنيث، وليست للمبالغة. وقوله: {وَأَمْناً} هو اسم مكان أي: موضع أمن.


وقد استدل بذلك جماعة من أهل العلم على أنه لا يقام الحدّ على من لجأ إليه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً} [آل عمران: 97] وقيل إن ذلك منسوخ. وقوله: {واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلّىً} قرأ نافع، وابن عامر بفتح الخاء على أنه فعل ماض: أي: جعلنا البيت مثابة للناس، وأمناً، واتخذوه مصلى. وقرأ الباقون على صيغة الأمر عطفاً على {اذكروا} المذكور أوّل الآيات، أو على {اذكروا} المقدّر عاملاً في قوله: {وَإِذْ} ويجوز أن يكون على تقدير القول، أي: وقلنا اتخذوا. والمقام في اللغة: موضع القيام، قال النحاس، هو من قام يقوم، يكون مصدراً واسماً للموضع، ومقام من أقام، وليس من هذا قول الشاعر:
وَفيِهم مَقَامات حِسانٌ وجوهها *** وأنديةٌ ينتابُها القولُ والفعلُ
لأن معناه أهل مقامات. واختلف في تعيين المقام على أقوال، أصحها أنه الحجر الذي يعرفه الناس، ويصلون عنده ركعتي الطواف، وقيل المقام الحج كله، روى ذلك عن عطاء، ومجاهد، وقيل: عرفة، والمزدلفة، روي عن عطاء أيضاً، وقال الشعبي: الحرم كله مقام إبراهيم، وروى عن مجاهد.

قوله: {عَهِدْنَا} معناه هنا: أمرنا أو أوجبنا. وقوله: {أَن طَهّرَا} في موضع نصب بنزع الخافض، أي: بأن طهراً قاله الكوفيون، وقال سيبويه: هو: بتقدير أي: المفسرة: أي: أن طهراً، فلا موضع لها من الإعراب، والمراد بالتطهير قيل: من الأوثان، وقيل من الآفات، والريب. وقيل: من الكفار. وقيل: من النجاسات، وطواف الجنب، والحائض، وكل خبيث. والظاهر أنه لا يختص بنوع من هذه الأنواع، وأن كل ما يصدق عليه مسمى التطهير، فهو يتناوله، إما تناولاً شمولياً أو بدلياً. والإضافة في قوله: {بَيْتِىَ} للتشريف والتكريم، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق، وأهل المدينة، وهشام، وحفص: {بيتي} بفتح الياء، وقرأ الآخرون بإسكانها. والطائف: الذي يطوف به. وقيل: الغريب الطارئ على مكة. والعاكف: المقيم: وأصل العكوف في اللغة: اللزوم، والإقبال على الشيء، وقيل: هو: المجاور دون المقيم من أهلها، والمراد بقوله: {والركع السجود} المصلون، وخص هذين الركنين بالذكر؛ لأنهما أشرف أركان الصلاة.
وقوله: {وَإِذْ قَالَ إبراهيم} ستأتي الأحاديث الدالة على أن إبراهيم هو الذي حرّم مكة، والأحاديث الدالة على أن الله حرّمها يوم خلق السموات والأرض، والجمع بين هذه الأحاديث في هذا البحث. وقوله: {بَلَدًا آمِنًا} أي: مكة، والمراد الدعاء لأهله من ذريته وغيرهم كقوله: {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} [الحاقة: 21] أي: راض صاحبها. وقوله: {مَنْ ءامَنَ} بدل من قول أهلَه، أي: ارزق من آمن من أهله دون من كفر. وقوله: {وَمَن كَفَرَ} الظاهر أن هذا من كلام الله سبحانه ردّاً على إبراهيم حيث طلب الرزق للمؤمنين دون غيرهم، أي: وارزق من كفر، فأمتعه بالرزق قليلاً، ثم أضطره إلى عذاب النار، ويحتمل أن يكون كلاماً مستقلاً بياناً لحال من كفر، ويكون في حكم الإخبار عن حال الكافرين بهذه الجملة الشرطية، أي: من كفر، فإني أمتعه في هذه الدنيا بما يحتاجه من الرزق، {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} بعد هذا التمتيع {إلى عَذَابِ النار} فأخبر سبحانه أنه لا ينال الكفرة من الخير إلا تمتيعهم في هذه الدنيا، وليس لهم بعد ذلك إلا ما هو شرّ محض، وهو: عذاب النار؛ وأما على قراءة من قرأ: {فَأُمَتّعُهُ} بصيغة الأمر، وكذلك قوله: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} بصيغة الأمر، فهي مبنية على أن ذلك من جملة كلام إبراهيم، وأنه لما فرغ من الدعاء للمؤمنين دعا للكافرين بالإمتاع قليلاً، ثم دعا عليهم بأن يضطرهم إلى عذاب النار. ومعنى: {أَضْطَرُّهُ} ألزمه حتى صيره مضطراً لذلك لا يجد عنه مخلصاً، ولا منه متحوّلاً.                                                                                                                                           قوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ} هو: حكاية لحال ماضية استحضاراً لصورتها العجيبة. والقواعد: الأساس، قاله أبو عبيدة والفراء.
وقال الكسائي: هي الجدر.
والمراد برفعها رفع ما هو مبنيّ فوقها لا رفعها في نفسها، فإنها لم ترتفع، لكنها لما كانت متصلة بالبناء المرتفع فوقها صارت كأنها مرتفعة بارتفاعه، كما يقال ارتفع البناء، ولا يقال ارتفع أعالي البناء، ولا أسافله. قوله: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} في محل الحال بتقدير القول، أي: قائلين ربنا. وقرأ أبيّ، وابن مسعود: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربنا تقبل منا}. وقوله: {واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} أي: اجعلنا ثابتين عليه، أو زدنا منه. قيل: المراد بالإسلام هنا مجموع الإيمان، والأعمال. وقوله: {وَمِن ذُرّيَّتِنَا} أي: واجعل من ذريتنا، و{من} للتبعيض، أو للتبيين.
وقال ابن جرير: إنه أراد بالذرية العرب خاصة، وكذا قال السهيلي. قال ابن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن دعوته ظهرت في العرب وغيرهم من الذين آمنوا به. والأمة: الجماعة في هذا الموضع، وقد تطلق على الواحد، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا لِلَّهِ} [النحل: 120] وتطلق على الدين، ومنه: {إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا على أمة} [الزخرف: 22] وتطلق على الزمان، ومنه {وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45]. وقوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} هي من الرؤية البصرية. وقرأ عمر بن عبد العزيز، وقتادة، وابن كثير، وابن محيصن، وغيرهم: {أرنا} بسكون الراء، ومنه قول الشاعر:
أرِنَا إدَاوةَ عَبْد الله يَمْلؤُهَا *** مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ إنَّ القَوْمَ قَدْ ظَمِئواُ
والمناسك جمع نسك، وأصله في اللغة: الغسل، يقال: نسك ثوبه: إذا غسله. وهو في الشرع: اسم للعبادة، والمراد هنا: مناسك الحج. وقيل مواضع الذبح. وقيل: جميع المتعبدات.

 وقوله: {وَتُبْ عَلَيْنَا} قيل: المراد بطلبهما للتوبة: التثبيت؛ لأنهما معصومان لا ذنب لهما. وقيل: المراد: تب على الظلمة منا.                                                                                                                                                                                                  الضمير في قوله: {وابعث فِيهِمْ} راجع إلى الأمة المسلمة المذكورة سابقاً. وقرأ أبيّ: {وابعث في آخرهم} ويحتمل أن يكون الضمير راجعاً إلى الذرية.
وقد أجاب الله لإبراهيم عليه السلام هذه الدعوة، فبعث في ذريته {رَسُولاً مّنْهُمْ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد أخبر عن نفسه بأنه دعوة إبراهيم كما سيأتي تخريج ذلك إن شاء الله، ومراده هذه الدعوة. والرسول هو: المرسل. قال ابن الأنباري: يشبه أن يكون أصله ناقة مرسال، ورسلة إذا كانت سهلة السير ماضية أمام النوق. ويقال جاء القوم أرسالاً، أي: بعضهم في أثر بعض، والمراد بالكتاب: القرآن. والمراد بالحكمة: المعرفة بالدين، والفقه في التأويل، والفهم للشريعة، وقوله: {يُزَكّيهِمْ} أي: يطهرهم من الشرك، وسائر المعاصي. وقيل: إن المراد بالآيات ظاهر الألفاظ، والكتاب معانيها، والحكمة: الحكم، وهو: مراد الله بالخطاب، والعزيز: الذي لا يعجزه شيء قاله ابن كيسان.
وقال الكسائي: العزيز الغالب.
{وَمَن يَرْغَبُ} في موضع رفع على الابتداء، والاستفهام للإنكار. وقوله: {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} في موضع الخبر. وقيل: هو: بدل من فاعل يرغب، والتقدير: وما يرغب عن ملة إبراهيم أحد إلا من سفه نفسه. قال الزجاج: سفه بمعنى جهل، أي: جهل أمر نفسه، فلم يفكر فيها.
وقال أبو عبيدة: المعنى أهلك نفسه.
وحكى ثعلب، والمبرد أن سفه بكسر الفاء يتعدى كسفَّه بفتح الفاء مشدّدة. قال الأخفش: {سَفِهَ نَفْسَهُ} أي: فعل بها من السفه ما صار به سفيهاً، وقيل: إن نفسه منتصب بنزع الخافض. وقيل: هو: تمييز، وهذان ضعيفان جداً، وأما سفُه بضم الفاء، فلا يتعدى قاله المبرد، وثعلب. والاصطفاء: الاختيار، أي: اخترناه في الدنيا، وجعلناه في الآخرة من الصالحين، فكيف يرغب عن ملته راغب؟
وقوله: {إِذْ قَالَ لَهُ} يحتمل أن يكون متعلقاً بقوله: {اصطفيناه} أي: اخترناه وقت أمرنا له بالإسلام، ويحتمل أن يتعلق بمحذوف هو: اذكر. قال في الكشاف: كأنه قيل اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله، والضمير في قوله: {ووصى بِهَا} راجع إلى الملة أو إلى الكلمة: أي: أسلمت لربّ العالمين. قال القرطبي: وهو أصوب؛ لأنه أقرب مذكور، أي: قولوا أسلمنا. انتهى. والأوّل أرجح؛ لأن المطلوب ممن بعده هو: إتباع ملته لا مجرد التكلم بكلمة الإسلام، فالتوصية بذلك أليق بإبراهيم، وأولى بهم. ووصى وأوصى بمعنى، وقرئ بهما، وفي مصحف عثمان: {وأوصى} وهي قراءة أهل الشام، والمدينة، وفي مصحف عبد الله بن مسعود {ووصى} وهي قراءة الباقين. {وَيَعْقُوبَ} معطوف على إبراهيم أي: وأوصى يعقوب بنيه كما أوصى إبراهيم بنيه. وقرأ عمر بن فايد الأسواري، وإسماعيل ابن عبد الله المكي، بنصب يعقوب، فيكون داخلاً فيمن أوصاه إبراهيم.      قال القشيري: وهو بعيد، لأن يعقوب لم يدرك جدّه إبراهيم، وإنما ولد بعد موته. وقوله: {يا بني} هو بتقدير (أن).
وقد قرأ أبيّ، وابن مسعود، والضحاك بإثباتها. قال الفراء: ألغيت (أن)، لأن التوصية كالقول، وكل كلام رجع إلى القول جاز فيه دخول (أن) وجاز فيه إلغاؤها. وقيل: إنه على تقدير القول أي قائلاً: يا بنيّ. روى ذلك عن البصريين. وقوله: {اصطفى لَكُمُ الدين} أي: اختاره لكم، والمراد: ملته التي لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه، وهي الملة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} فيه إيجاز بليغ. والمراد: الزموا الإسلام، ولا تفارقوه حتى تموتوا.
قوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء} أم هذه قيل: هي المنقطعة. وقيل: هي المتصلة. وفي الهمزة الإنكار المفيد للتقريع، والتوبيخ، والخطاب لليهود، والنصارى الذين ينسبون إلى إبراهيم، وإلى بنيه أنهم على اليهودية، والنصرانية، فردّ الله ذلك عليهم، وقال لهم: أشهدتم يعقوب، وعلمتم بما أوصى به بنيه، فتدّعون ذلك عن علم، أم لم تشهدوا بل أنتم مفترون. والشهداء: جمع شاهد، ولم ينصرف؛ لأن فيه ألف التأنيث التي لتأنيث الجماعة، والعامل في {إذ} الأولى معنى الشهادة، و{إذ} الثانية بدل من الأولى، والمراد بحضور الموت: حضور مقدماته. وإنما جاء بما دون مَنْ في قوله: {مَا تَعْبُدُونَ} لأن المعبودات من دون الله غالبها جمادات كالأوثان، والنار، والشمس، والكواكب، ومعنى: {مِن بَعْدِى} أي من بعد موتي. وقوله: {إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} عطف بيان لقوله: {آبَائِكَ} وإسماعيل، وإن كان عماً ليعقوب؛ لأن العرب تسمى العمّ أباً، وقوله: {إلها} بدل من إلهك، وإن كان نكرة، فذلك جائز، ولا سيما بعد تخصيصه بالصفة التي هي قوله: {واحدا} فإنه قد حصل المطلوب من الإبدال بهذه الصفة. وقيل إن إلهاً منصوب على الاختصاص، وقيل إنه حال. قال ابن عطية: وهو قول حسن؛ لأن الغرض الإثبات حال الوحدانية. وقرأ الحسن، ويحيى بن يعمر، وأبو رجاء العطاردي: {وإله أبيك} فقيل أراد إبراهيم وحده. ويكون قوله: {وإسماعيل} عطفاً على أبيك، وكذلك {إسحاق} وإن كان هو أباه حقيقة، وإبراهيم جدّه، ولكن لإبراهيم مزيد خصوصية، وقيل إن قوله: {أبيك} جمع كما روى عن سيبويه أن أبين جمع سلامة، ومثله أبون، ومنه قول الشاعر:
فلما تَبَيَّن أصواتنا *** بكيْنَ وقد بننا بالأبينا

 


وقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} جملة حالية: أي: نعبده حال إسلامنا له، وجوَّز الزمخشري أن تكون اعتراضية على ما يذهب إليه من جواز وقوع الجمل الاعتراضية آخر الكلام.

والإشارة بقوله: {تِلْكَ} إلى إبراهيم، وبنيه، ويعقوب، وبنيه، و{أُمَّةٌ} بدل منه، وخبره {قَدْ خَلَتْ} أو أمة خبره، وقد خلت نعت لأمة، وقوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} بيان لحال تلك الأمة، وحال المخاطبين بأن لكل من الفريقين كسبه، لا ينفعه كسب غيره، ولا يناله منه شيء، ولا يضرّه ذنب غيره، وفيه الردّ على من يتكل على عمل سلفه، ويُرَوِّح نفسه بالأماني الباطلة، ومنه ما ورد في الحديث: «من بطأ به عمله لم يسرع نسبه» والمراد: أنكم لا تنتفعون بحسناتهم، ولا تؤاخَذون بسيئاتهم، ولا تُسألون عن أعمالهم، كما لا يُسْألَون عن أعمالكم، ومثله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [الزمر: 7].{وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى} [النجم: 39].

المقطع التاسع: سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (142)وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ? وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى? عَقِبَيْهِ ? وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ ? وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ? إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ????? قَدْ نَرَى? تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ? فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ? فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ? وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ? وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ?????

قوله: {سَيَقُولُ} هذا إخبار من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، بأن السفهاء من اليهود، والمنافقين سيقولون هذه المقالة عند أن تتحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وقيل إن: {سَيَقُولُ} بمعنى: قال، وإنما عبر عن الماضي بلفظ المستقبل للدلالة على استدامته، واستمرار عليه، وقيل: إن الإخبار بهذا الخبر كان قبل التحول إلى الكعبة، وأن فائدة ذلك أن الإخبار بالمكروه إذا وقع قبل وقوعه كان فيه تهوين لصدمته، وتخفيف لروعته، وكسراً لسَوْرته. والسفهاء: جمع سفيه، وهو: الكذَّاب البَهَّات المعتقد خلاف ما يعلم، كذا قال بعض أهل اللغة.
وقال في الكشاف: هم خفاف الأحلام، ومثله في القاموس.
وقد تقدّم في تفسير قوله: {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] ما ينبغي الرجوع إليه، ومعنى: {مَا ولاهم} ما صرفهم {عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا} وهي بيت المقدس. فردّ الله عليهم بقوله: {قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب} فله أن يأمر بالتوجه إلى أيّ جهة شاء. وفي قوله: {يَهْدِى مَن يَشَآء} إشعار بأن تحويل القبلة إلى الكعبة من الهداية للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأهل ملته إلى الصراط المستقيم وقوله: {وكذلك جعلناكم} أي: مثل ذلك الجعل جعلناكم، قيل معناه: وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطا. والوسط الخيار، أو العدل، والآية محتملة للأمرين، ومما يحتملهما قول زهير:
هُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الأنَامُ بِحُكْمِهِم *** إذَا نَزَلت إحْدَى الليالِي بِمُعْظِم
ومثله قول الآخر:
أنْتُم أوْسطُ حَيٍّ علِمُوا *** بِصَغِير الأمْرِ أو إحْدى الكُبرَ
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير الوسط هنا بالعدل كما سيأتي، فوجب الرجوع إلى ذلك، ومنه قول الراجز:
لا تذهبنَّ في الأمور مفرطا *** لا تسألنّ إن سألتَ شطَطَا
وكن مِن النَّاسِ جميعاً وسَطَاً ***

ولما كان الوسط مجانباً للغلو، والتقصير كان محموداً، أي: هذه الأمة لم تغلُ غلوّ النصارى في عيسى، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم، ويقال: فلان أوسط قومه وواسطتهم: أي: خيارهم. وقوله: {لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس} أي: يوم القيامة تشهدون للأنبياء على أممهم، أنهم قد بلَّغوهم ما أمرهم الله بتبليغه إليهم، ويكون الرسول شهيداً على أمته بأنهم قد فعلوا ما أمر بتبليغه إليهم، ومثله قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً} [النساء: 41]، قيل: إن قوله: {عَلَيْكُمْ} يعني لكم، أي: يشهد لهم بالإيمان. وقيل معناه: يشهد عليكم بالتبليغ لكم. قال في الكشاف: لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له جيء بكلمة الاستعلاء، ومنه قوله تعالى: {والله على كُلّ شَئ شَهِيدٌ} [المجادلة: 9] {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلّ شَئ شَهِيدٌ}
[المائدة: 117]. انتهى.

 

 وقالت طائفة: معنى الآية: يشهد بعضكم على بعض بعد الموت. وقيل: المراد: لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا، فيما لا يصح إلا بشهادة العدول، وسيأتي من المرفوع ما يبين معنى الآية إن شاء الله. وإنما أخر لفظ {على} في شهادة الأمة على الناس، وقدّمها في شهادة الرسول عليهم، لأن الغرض كما قال صاحب الكشاف في الأوّل: إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم. وقوله: {وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا} قيل المراد بهذه القبلة: هي بيت المقدس، أي: ما جعلناها إلا لنعلم المتبع والمنقلب، ويؤيد هذا قوله:        {كُنتَ عَلَيْهَا} إذا كان نزول هذه الآية بعد صرف القبلة إلى الكعبة. وقيل: المراد: الكعبة، أي: ما جعلنا القبلة التي أنت عليها الآن بعد أن كانت إلى بيت المقدس إلا لذلك الغرض، ويكون {كُنتُ} بمعنى الحال، وقيل المراد بذلك القبلة التي كان عليها قبل استقبال بيت المقدس، فإنه كان يستقبل في مكة الكعبة، ثم لما هاجر توجه إلى بيت المقدس تألفاً لليهود، ثم صُرِف إلى الكعبة. وقوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} قيل المراد بالعلم هنا الرؤية، وقيل: المراد إلا لتعلموا أنا نعلم بأن المنافقين كانوا في شك، وقيل: ليعلم النبي؛ وقيل: المراد لنعلم ذلك موجوداً حاصلاً، وهكذا ما ورد معللاً بعلم الله سبحانه لا بدّ أن يؤول بمثل هذا كقوله: {وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء} [آل عمران: 140]. وقوله: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} أي: ما كانت إلا كبيرة، كما قاله الفراء في (أن) و(إن) أنهما بمعنى ما وإلا.

وقال البصريون: هي: الثقيلة خففت، والضمير في كانت راجع إلى ما يدل عليه قوله: {وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا} من التحويلة، أو التولية، أو الجعلة، أو الردّة، ذكر معنى ذلك الأخفش، ولا مانع من أن يرجع الضمير إلى القبلة المذكورة: أي: وإن كانت القبلة المتصفة بأنك كنت عليها لكبيرة إلا على الذين هداهم الله للإيمان، فانشرحت صدورهم لتصديقك، وقبلت ما جئت به عقولهم. وهذا الاستثناء مفرّغ، لأن ما قبله في قوّة النفي، أي: أنها لا تخفّ، ولا تسهل إلا على الذين هدى الله. وقوله: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم} قال القرطبي: اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات، وهو يصلي إلى بيت المقدس، ثم قال: فسمى الصلاة إيماناً؛ لاجتماعها على نية، وقول، وعمل، وقيل: المراد ثبات المؤمنين على الإيمان عند تحويل القبلة، وعدم ارتيابهم كما ارتاب غيرهم. والأول يتعين القول به، والمصير إليه لما سيأتي من تفسيره صلى الله عليه وسلم للآية بذلك. والرءوف كثير الرأفة، وهي أشدّ من الرحمة. قال أبو عمرو بن العلاء: الرأفة أكبر من الرحمة، والمعنى متقارب.
وقرأ أبو جعفر بن يزيد بن القعقاع: {لروف} بغير همز، وهي: لغة بني أسد، ومنه قول الوليد بن عتبة:
وَشَرُّ الغالبين فلا تَكُنْه *** يقَاتِلِ عمه الروف الرحِيم
وقد أخرج البخاري ومسلم، وغيرهما عن البراء؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أوّل ما نزل المدينة نزل على أخواله من الأنصار وأنه صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأن أوّل صلاة صلاها العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمرّ على أهل المسجد، وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الكعبة، فداروا كما هم قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحوّل قبل البيت رجال، وقتلوا، فلم ندر ما يقول فيهم، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم إِنَّ الله بالناس لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ} وله طرق أخر، وألفاظ متقاربة.

قوله: {قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ} قال القرطبي في تفسيره: قال العلماء: هذه الآية مقدّمة في النزول على قوله: {سَيَقُولُ السفهاء} ومعنى: {قَدْ} تكثير الرؤية، كما قاله صاحب الكشاف، ومعنى: {تَقَلُّبَ وَجْهِكَ} تحوّل وجهك إلى السماء، قاله قطرب.
وقال الزجاج: تقلب عينيك في النظر إلى السماء، والمعنى متقارب. وقوله: {فَلَنُوَلّيَنَّكَ} هو إما من الولاية، أي: فلنعطينك ذلك، أو من التولي، أي: فلنجعلنك متولياً إلى جهتها، وهذا أولى لقوله: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام}. والمراد بالشطر هنا: الناحية والجهة، وهو منتصب على الظرفية ومنه قول الشاعر:
أقول لأم زِنْبَاعٍ أقيِمي *** صدُورَ العِيسِ شَطْرَ بني تَميم
ومنه أيضاً قول الآخر:
ألا مَنْ مُبْلغ عمراً رَسُولا *** وَمَا تُغْنِي الرِسَالةُ شَطْرَ عمرو
وقد يراد بالشطر النصف، ومنه: «الوضوء شطر الإيمان»، ومنه قول عنترة:
إني امرؤ مِنْ خَيرِ عَبْس منصباً *** شَطِري وَأحْمِي سَائِري بِالمْنصَلِ
قال ذلك؛ لأن أباه من سادات عبس، وأمّه أمَة، ويرد معنى البعض مطلقاً. ولا خلاف أن المراد بشطر المسجد هنا: الكعبة، وقد حكى القرطبي الإجماع على أن استقبال عين الكعبة فرض على المعاين، وعلى أن غير المعاين يستقبل الناحية، ويستدل على ذلك بما يمكنه الاستدلال به، والضمير في قوله: {أَنَّهُ الحق} راجع إلى ما يدل عليه الكلام من التحويل إلى جهة الكعبة، وعلم أهل الكتاب بذلك إما لكونه قد بلغهم عن أنبيائهم، أو وجدوا في كتب الله المنزلة عليهم أن هذا النبيّ يستقبل الكعبة، أو لكونهم قد علموا من أنبيائهم، أو كتبهم أن النسخ سيكون في هذه الشريعة، فيكون ذلك موجباً عليهم الدخول في الإسلام، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: {وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ} قد تقدّم معناه. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: {تعملون} بالمثناة الفوقية على مخاطبة أهل الكتاب، أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأ الباقون بالياء التحتية.
وقوله: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ} هذه اللام هي موطئة للقسم، والتقدير: والله لئن أتيت. وقوله: {مَّا تَبِعُواْ} جواب القسم المقدّر. قال الأخفش والفراء: أجيب لئن بجواب {ولو} لأن المعنى: ولو أتيت، ومثله قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ} [الروم: 51] أي: ولو أرسلنا. وإنما قالا هكذا؛ لأن (لئن) هي ضد (لو)، وذلك أن (لو) تطلب في جوابها المضيّ، والوقوع، و(لئن) تطلب في جوابها الاستقبال.
وقال سيبويه: إن معنى (لئن) يخالف معنى لو، فلا تدخل إحداهما على الأخرى، فالمعنى: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قبلتك.
قال سيبويه: ومعنى: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً} ليظللن. انتهى. وفي هذه الآية مبالغة عظيمة، وهي متضمنة للتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وترويح خاطره، لأن هؤلاء لا تؤثر فيهم كل آية، ولا يرجعون إلى الحق، وإن جاءهم بكل برهان فضلاً عن برهان واحد، وذلك أنهم لم يتركوا اتباع الحق لدليل عندهم، أو لشبهة طرأت عليهم، حتى يوازنوا بين ما عندهم، وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقلعوا عن غوايتهم عند وضوح الحق، بل كان تركهم للحق تمرداً، وعناداً مع علمهم بأنهم ليسوا على شيء، ومن كان هكذا، فهو لا ينتفع بالبرهان أبداً.

 

 

 

 

 

المقطع العاشر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ????? أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ? فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى? سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ? وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ? فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ? وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ? إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ????? شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى? وَالْفُرْقَانِ ? فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ? وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى? سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ? يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَى? مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ????? وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ? أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ? فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ?????أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى? نِسَائِكُمْ ? هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ? عَلِمَ اللَّـهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ? فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ ? وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ? ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ? وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ? تِلْكَ حُدُودُ اللَّـهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ????? وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ?????

قد تقدّم معنى: {كتب} ولا خلاف بين المسلمين أجمعين أن صوم رمضان فريضة افترضها الله سبحانه على هذه الأمة. والصيام أصله في اللغة: الإمساك، وترك التنقل من حال إلى حال، ويقال: للصمت: صوم؛ لأنه إمساك، عن الكلام، ومنه: {إِنّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً} [مريم: 26] أي: إمساكاً عن الكلام، ومنه قول النابغة:
خَيْلٌ صِيَامٌ وخَيْلٌ غَيْرٌ صَائِمَةٍ *** تَحْتَ العَجَاجِ وَخَيْلٌ تَعْلُكُ اللُّجمَا
أي: خيل ممسكة عن الجري، والحركة. وهو في الشرع: الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وقوله: {كَمَا كُتِبَ} أي: صوماً كما كتب على أن الكاف في موضع نصب على النعت، أو كتب عليكم الصيام مشبهاً ما كتب على أنه في محل نصب على الحال.
وقال بعض النحاة: إن الكاف في موضع رفع نعتاً للصيام، وهو ضعيف؛ لأن الصيام معرّف باللام، والضمير المستتر في قوله: {كَمَا كُتِبَ} راجع إلى (ما). واختلف المفسرون في وجه التشبيه ما هو، فقيل: هو قدر الصوم، ووقته، فإن الله كتب على اليهود، والنصارى صوم رمضان، فغيروا، وقيل: هو: الوجوب، فإن الله أوجب على الأمم الصيام. وقيل: هو الصفة. أي: ترك الأكل، والشرب، ونحوهما في وقت، فعلى الأوّل معناه: أن الله كتب على هذه الأمة صوم رمضان كما كتبه على الذين من قبلهم، وعلى الثاني: أن الله أوجب على هذه الأمة الصيام كما أوجبه على الذين من قبلهم، وعلى الثالث: أن الله سبحانه أوجب على هذه الأمة الإمساك عن المفطرات كما أوجبه على الذين من قبلهم. وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} بالمحافظة عليها، وقيل: تتقون المعاصي بسبب هذه العبادة؛ لأنها تكسر الشهوة، وتضعف دواعي المعاصي، كما ورد في الحديث أنه جُنَّة، وأنه وجاء.
وقوله: {أَيَّامًا} منتصب على أنه مفعول ثان لقوله: {كتب} قاله الفراء. وقيل إنه منتصب على أنه ظرف، أي: كتب عليكم الصيام في أيام. وقوله: {معدودات} أي: معينات بعدد معلوم، ويحتمل أن يكون في هذا الجمع لكونه من جموع القلة إشارة إلى تقليل الأيام. وقوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا} قيل: للمريض حالتان: إن كان لا يطيق الصوم كان الإفطار عزيمة، وإن كان يطيقه مع تضرّر، ومشقة كان رخصتة. وبهذا قال الجمهور. وقوله: {على سَفَرٍ} اختلف أهل العلم في السفر المبيح للإفطار، فقيل: مسافة قصر الصلاة، والخلاف في قدرها معروف، وبه قال الجمهور.
وقال غيرهم بمقادير لا دليل عليها. والحق أن ما صدق عليه مسمى السفر، فهو الذي يباح عنده الفطر، وهكذا ما صدق عليه مسمى المرض، فهو الذي يباح عنده الفطر.     وقد وقع الإجماع على الفطر في سفر الطاعة.
واختلفوا في الأسفار المباحة، والحق أن الرخصة ثابتة فيه، وكذا اختلفوا في سفر المعصية. وقوله: {فَعِدَّةٌ} أي: فعليه عدّة، أو فالحكم عدّة، أو فالواجب عدّة، والعدّة فعلة من العدد، وهو بمعنى. المعدود. وقوله: {مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} قال سيبويه: ولم ينصرف؛ لأنه معدول به عن الآخر؛ لأن سبيل هذا الباب أن يأتي بالألف واللام، وقال الكسائي: هو معدول به عن آخر، وقيل: إنه جمع أخرى، وليس في الآية ما يدل على وجوب التتابع في القضاء.
قوله: {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ} قراءة الجمهور بكسر الطاء، وسكون الياء، وأصله: يطوقونه نقلت الكسرة إلى الطاء، وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وقرأ حميد على الأصل من غير إعلال، وقرأ ابن عباس بفتح الطاء مخففة، وتشديد الواو، أي: يكلفونه، وروى ابن الأنباري، عن ابن عباس: {يطيقونه} بفتح الياء، وتشديد الطاء، والياء مفتوحتين بمعنى: يطيقونه.

}رَمَضَانَ} مأخوذ من رمض الصائم يرمض: إذا احترق جوفه من شدة العطش، والرمضاء ممدود: شدّة الحرّ، ومنه الحديث الثابت في الصحيح: «صلاة الأوّابين إذا رمضت الفصال» أي: أحرقت الرمضاء أجوافها. قال الجوهري: وشهر رمضان يجمع على رمضانات، وأرمضاء يقال: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام الحرّ، فسمي بذلك، وقيل: إنما سمي رمضان؛ لأنه يرمض الذنوب، أي: يحرقها بالأعمال الصالحة.  وقال الماوردي: إن اسمه في الجاهلية ناتق، وأنشد المفضل:
وفي ناتِقٍ أجْلَت لَدى حَوْمَةِ الوَغَى *** وَوَلَّتْ على الأدبار فُرسانُ خَثْعَما
وإنما سموه بذلك؛ لأنه كان ينتقهم لشدّته عليهم، و{شهر} مرتفع في قراءة الجماعة على أنه مبتدأ خبره: {الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن} أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: المفروض عليكم صومه شهر رمضان، ويجوز أن يكون بدلاً من الصيام المذكور في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام}. وقرأ مجاهد، وشهر بن حوشب بنصب الشهر، ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو، وهو منتصب بتقدير: الزموا أو صوموا. قال الكسائي، والفراء: إنه منصوب بتقدير فعل {كتب عليكم الصيام} {وأن تصوموا} وأنكر ذلك النحاس، وقال: إنه منصوب على الإغراء.
وقال الأخفش: إنه نصب على الظرف، ومنع الصرف للألف والنون الزائدتين.


قوله: {أُنزِلَ فِيهِ القرآن} قيل: أنزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم كان جبريل ينزل به نجماً نجماً. وقيل: أنزل فيه أوّله، وقيل: أنزل في شأنه القرآن. وهذه الآية أعم من قوله تعالى: {إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر} [القدر: 1]. وقوله: {إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةٍ مباركة} [الدخان: 3] يعني: ليلة القدر. والقرآن اسم لكلام الله تعالى، وهو بمعنى المقروء كالمشروب سمي شراباً، والمكتوب سمي كتاباً، وقيل: هو مصدر قرأ يقرأ، ومنه قول الشاعر:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به *** يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً
أي: قراءة، ومنه قوله تعالى: {وقرآن الفجر} [الإسراء: 78] أي: قراءة الفجر. وقوله: {هُدىً لّلنَّاسِ} منتصب على الحال، أي: هادياً لهم. وقوله: {وبينات مِّنَ الهدى} من عطف الخاص على العام، إظهاراً لشرف المعطوف بإفراده بالذكر؛ لأن القرآن يشمل محكمه، ومتشابهه، والبينات تختص بالحكم منه. والفرقان: ما فرق بين الحق، والباطل: أي: فصل. قوله: {مَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ} أي: حضر، ولم يكن في سفر بل كان مقيماً، والشهر منتصب على أنه ظرف، ولا يصح أن يكون مفعولاً به. قال جماعة من السلف، والخلف: إن من أدركه شهر رمضان مقيماً غير مسافر لزمه صيامه، سافر بعد ذلك، أو أقام استدلالاً بهذه الآية.
وقال الجمهور: إنه إذا سافر أفطر، لأن معنى الآية: إن حضر الشهر من أوّله إلى آخره لا إذا حضر بعضه، وسافر، فإنه لا يتحتم عليه إلا صوم ما حضره، وهذا هو الحق، وعليه دلت الأدلة الصحيحة من السنة.
وقد كان يخرج صلى الله عليه وسلم في رمضان، فيفطر. وقوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} قد تقدّم تفسيره.
وقوله: {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر} فيه أن هذا مقصد من مقاصد الربّ سبحانه، ومراد من مراداته في جميع أمور الدين، ومثله قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يرشد إلى التيسير، وينهى عن التعسير كقوله صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» وهو في الصحيح. واليسر السهل الذي لا عسر فيه. وقوله: {وَلِتُكْمِلُواْ العدة} الظاهر أنه معطوف على قوله: {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر} أي: يريد بكم اليسر، ويريد إكمالكم للعدّة، وتكبيركم، وقيل: إنه متعلق بمحذوف تقديره: رخص لكم هذه الرخصة لتكملوا العدة، وشرع لكم الصوم لمن شهد الشهر لتكملوا العدة.
وقد ذهب إلى الأوّل البصريون قالوا: والتقدير يريد؛ لأن تكملوا العدّة، ومثله قول كثير بن صخر:
أريدُ لأنسى ذِكُرَها فَكَأنَّما *** تَمَثَّل ليِ لَيْلا بِكُلِ سَبِيل
وذهب الكوفيون إلى الثاني، وقيل: الواو مقحمة، وقيل: إن هذه اللام لام الأمر، والواو لعطف الجملة التي بعدها على الجملة التي قبلها.
وقال في الكشاف: إن قوله: {وَأَحْصُواْ العدة} علة للأمر بمراعاة العدّة {وَلِتُكَبّرُواْ} علة ما علم من كيفية القضاء، والخروج عن عهدة الفطر {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} علة الترخيص، والتيسير، والمراد بالتكبير هنا: هو قول القائل: الله أكبر. قال الجمهور ومعناه: الحضّ على التكبير في آخر رمضان.
وقد وقع الخلاف في وقته، فروى عن بعض السلف أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر، وقيل: إذا رأوا هلال شوال كبروا إلى انقضاء الخطبة، وقيل: إلى خروج الإمام، وقيل: هو التكبير يوم الفطر. قال مالك: هو من حين يخرج من داره إلى أن يخرج الإمام، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يكبر في الأضحى، ولا يكبر في الفطر. وقوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} قد تقدّم تفسيره.

قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي} يحتمل أن السؤال عن القرب والبعد كما يدل عليه قوله: {فَإِنّي قَرِيبٌ} ويحتمل أن السؤال عن إجابة الدعاء، كما يدل على ذلك قوله: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع} ويحتمل أن السؤال عما هو أعمّ من ذلك، وهذا هو الظاهر، مع قطع النظر عن السبب الذي سيأتي بيانه. وقوله: {فَإِنّي قَرِيبٌ} قيل: بالإجابة. وقيل: بالعلم. وقيل: بالإنعام. وقيل في الكشاف: إنه تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه، وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بمن قرب مكانه، فإذا دعى أسرعت تلبيته.
ومعنى الإجابة: هو معنى ما في قوله تعالى: {ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] وقيل: معناه: أقبل عبادة من عبدني بالدعاء، لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من «أن الدعاء هو العبادة» كما أخرجه أبو داود، وغيره من حديث النعمان بن بشير، والظاهر أن الإجابة هنا هي باقية على معناها اللغوي؛ وكون الدعاء من العبادة لا يستلزم أن الإجابة هي: القبول للدّعاء: أي: جعله عبادة متقبلة، فالإجابة أمر آخر غير قبول هذه العبادة. والمراد: أنه سبحانه يجيب بما شاء، وكيف شاء، فقد يحصل المطلوب قريباً، وقد يحصل بعيداً، وقد يدفع عن الداعي من البلاء ما لا يعلمه بسبب دعائه، وهذا مقيد بعدم اعتداء الداعي في دعائه، كما في قوله سبحانه: {ادعوا ربكم تضرّعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55] ومن الاعتداء أن يطلب ما لا يستحقه، ولا يصلح له، كمن يطلب منزلة في الجنة مساوية لمنزلة الأنبياء، أو فوقها. وقوله: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى} أي: كما أجبتهم إذا دعوني، فليستجيبوا لي فيما دعوتهم إليه من الإيمان والطاعات، وقيل: معناه: أنهم يطلبون إجابة الله سبحانه لدعائهم باستجابتهم له: أي: القيام بما أمرهم به، والترك لما نهاهم عنه. والرشد خلاف الغيّ، رشد يرشد رَشَداً. ورُشداً. قال الهروي: الرُّشد، والرَّشَد، والرشاد: الهدى، والاستقامة. قال: ومنه هذه الآية..                                                                                                                                                                                          قوله: {أُحِلَّ لَكُمُ} فيه دلالة على أن هذا الذي أحله الله كان حراماً عليهم، وهكذا كان كما يفيده السبب لنزول الآية، وسيأتي. والرفث: كناية عن الجماع. قال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، وكذا قال الأزهري، ومنه قول الشاعر:
ويُرَيْنَ من أنْس الحَدِيثِ زَوَانياً *** وبهنَّ عَنْ رَفَث الرجالِ نِفَارُ
وقيل: الرفث: أصله قول الفحش، رفث وأرفث: إذا تكلم بالقبيح، وليس هو المراد هنا، وعدّى الرفث بإلى لتضمينه معنى الإمضاء. وجعل النساء لباساً للرجال؛ والرجال لباساً لهنّ لامتزاج كل واحد منهما بالآخر عند الجماع كالامتزاج الذي يكون بين الثوب، ولابسه. قال أبو عبيدة، وغيره: يقال للمرأة لباس، وفراش، وإزار. وقيل: إنما جل كل واحد منهما لباساً للآخر، لأنه يستره عند الجماع، عن أعين الناس.


وقوله: {تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} أي: تخونونها بالمباشرة في ليالي الصوم، يقال خان، واختان بمعنى، وهما من الخيانة. قال القتيبي: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء، فلا يؤدي الأمانة فيه. انتهى. وإنما سماهم خائنين لأنفسهم؛ لأن ضرر ذلك عائد عليهم، وقوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} يحتمل معنيين: أحدهما قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم، والآخر التخفيف عنهم بالرخصة، والإباحة كقوله: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} [المزمل: 20] يعني: تخفف عنكم، وكقوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ الله} [النساء: 92] يعني تخفيفاً، وهكذا قوله: {الضر عَنْكُمْ} يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل التوسعة، والتسهيل. وقوله: {وابتغوا} قيل: هو الولد، أي: ابتغوا بمباشرة نسائكم حصول ما هو معظم المقصود من النكاح، وهو حصول النسل. وقيل: المراد: ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه، قاله الزجاج وغير. وقيل: ابتغوا الرخصة، والتوسعة. وقيل: ابتغوا ما كتب لكم من الإماء، والزوجات. وقيل: غير ذلك مما لا يفيده النظم القرآني، ولا دل عليه دليل آخر. وقرأ الحسن البصري: {واتبعوا} بالعين المهملة من الإتباع. وقوله: {حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر} هو: تشبيه بليغ، والمراد هنا بالخيط الأبيض هو: المعترض في الأفق، لا الذي هو كذَنَب السِّرْحان، فإنه الفجر الكذاب، الذي لا يحلّ شيئاً، ولا يحرمه. والمراد بالخيط الأسود: سواد الليل، والتبين: أن يمتاز أحدهما عن الآخر، وذلك لا يكون إلا عند دخول وقت الفجر. وقوله: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل} فيه التصريح بأن للصوم غاية هي الليل، فعند إقبال الليل من المشرق، وإدبار النهار من المغرب يفطر الصائم، ويحلّ له الأكل، والشرب وغيرهما. وقول: {وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد} قيل: المراد: بالمباشرة هنا الجماع. وقيل: تشمل التقبيل، واللمس إذا كانا لشهوة لا إذا كانا لغير شهوة، فهما جائزان كما قاله عطاء، والشافعي، وابن المنذر، وغيرهم، وعلى هذا يحتمل ما حكاه ابن عبد البر من الإجماع على أن المعتكف لا يباشر، ولا يقبل، فتكون هذه الحكاية للإجماع مقيدة بأن يكونا لشهوة، والاعتكاف في اللغة: الملازمة، يقال عكف على الشيء: إذا لازمه، ومنه قول الشاعر:
وَظَلَّ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْلي عُكَّفاً *** عُكُوفَ البَواكِي حَوْلَهُنَّ صَرِيع
ولما كان المعتكف يلازم المسجد قيل له: عاكف في المسجد، ومعتكف فيه؛ لأنه يحبس نفسه لهذه العبادة في المسجد، والاعتكاف في الشرع: ملازمة طاعة مخصوصة على شرط مخصوص.

وقد وقع الإجماع على أنه ليس بواجب، وعلى أنه لا يكون إلا في مسجد، وللاعتكاف أحكام مستوفاة في كتب الفقه، وشروح الحديث.
وقوله: {تِلْكَ حُدُودُ الله} أي: هذه الأحكام حدود الله، وأصل الحدّ: المنع، ومنه سمي البواب، والسجان: حداداً، وسميت الأوامر والنواهي حدود الله؛ لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها، وأن يخرج عنها ما هو منها، ومن ذلك سميت الحدود حدوداً؛ لأنها تمنع أصحابها من العود. ومعنى النهي عن قربانها: النهي عن تعدّيها بالمخالفة لها، وقيل: إن حدود الله هي محارمه فقط، ومنها المباشرة من المعتكف، والإفطار في رمضان لغير عذر، وغير ذلك مما سبق النهي عنه، ومعنى النهي عن قربانها على هذا واضح. وقوله: {كذلك يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ} أي: كما بين لكم هذه الحدود يبين لكم العلامات الهادية إلى الحق.
هذا يعم جميع الأمة، وجميع الأموال، لا يخرج عن ذلك إلا ماورد دليل الشرع بأنه يجوز أخذه، فإنه مأخوذ بالحق لا بالباطل، ومأكول بالحل لا بالإثم، وإن كان صاحبه كارهاً كقضاء الدين إذا امتنع منه مَنْ هو عليه، وتسليم ما أوجبه الله من الزكاة ونحوها، ونفقة من أوجب الشرع نفقته. والحاصل أن ما لم يبح الشرع أخذه من مالكه، فهو مأكول بالباطل، وإن طابت به نفس مالكه: كمهر البغيّ، وحلوان الكاهن، وثمن الخمر. والباطل في اللغة: الذاهب الزائل.
وقوله: {وَتُدْلُواْ} مجزوم عطفاً على تأكلوا، فهو من جملة المنهي عنه، يقال أدلى الرجل بحجته، أو بالأمر الذي يرجو النجاح به تشبيهاً بالذي يرسل الدلو في البئر، يقال أدلى دلوه: أرسلها، والمعنى أنكم لا تجمعوا بين أكل الأموال بالباطل، وبين الإدلاء بها إلى الحكام بالحجج الباطلة، وفي هذه الآية دليل أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام، ولا يحرم الحلال من غير فرق بين الأموال والفروج، فمن حكم له القاضي بشيء مستنداً في حكمه إلى شهادة زور أو يمين فجور، فلا يحلّ له أكله، فإن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، وهكذا إذا أرشى الحاكم، فحكم له بغير الحق، فإنه من أكل أموال الناس بالباطل. ولا خلاف بين أهل العلم ان حكم الحاكم لا يحلل الحرام، ولا يحرم الحلال.
وقد روى عن أبي حنيفة ما يخالف ذلك، وهو مردود لكتاب الله تعالى، ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» وهو في الصحيحين، وغيرهما.
وقوله: {فَرِيقاً} أي: قطعة أو جزءاً أو طائفة، فعبر بالفريق عن ذلك، وأصل الفريق: القطة من الغنم تشذ عن معظمها. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: لتأكلوا أموال فريق من الناس بالإثم، وسمي الظلم، والعدوان إثماً باعتبار تعلقه بفاعله. وقوله: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: حال كونكم عالمين أن ذلك باطل ليس من الحق في شيء، وهذا أشدّ لعقابهم. وأعظم لجرمهم.
المقطع الحادي عشر: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّـهِ ? فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ? وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى? يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ? فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ? فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ? فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ? تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ? ذَ?لِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ?????الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ? فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ? وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّـهُ ? وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى? ? وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ????? لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ? فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ? وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ????? ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّـهَ ? إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ????? فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ? فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ????? وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ????? أُولَـ?ئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ? وَاللَّـهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ?????{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)

قوله: {وَأَتِمُّواْ الحج} اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج، والعمرة لله، فقيل: أداؤهما، والإتيان بهما، من دون أن يشوبهما شيء مما هو محظور، ولا يخلّ بشرط، ولا فرض لقوله تعالى: {فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] وقوله: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل} [البقرة: 187].
وقال سفيان الثوري: إتمامهما أن تخرج لهما لا لغيرهما، وقيل: إتمامهما أن تفرد كل واحد منهما من غير تمتُّعٍ، ولا قِرَان، وبه قال ابن حبيب.
وقال مقاتل: إتمامهما ألا يَسْتَحِلوا فيهما ما لا ينبغي لهم، وقيل: إتمامهما أن يُحِرْم لهما من دُوَيْرة أهله، وقيل: أن ينفق في سفرهما الحلال الطيب، وسيأتي بيان سبب نزول الآية، وما هو مرويّ عن السلف في معنى إتمامهما.
وقد استُدِل بهذه الآية على وجوب العمرة؛ لأن الأمر بإتمامهما أمر بها، وبذلك قال عليّ، وابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وسعيد بن جبير، ومسروق، وعبد الله بن شدّاد، والشافعي، وأحمد. وإسحاق، وأبو عبيد، وابن الجهم من المالكية.
وقال مالك والنخعي وأصحاب الرأي كما حكاه ابن المنذر عنهم: أنها سنة.
وحكى عن أبي حنيفة أنه يقول بالوجوب. ومن القائلين بأنها سنة ابن مسعود وجابر بن عبد الله. ومن جملة ما استدل به الأوّلون ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال لأصحابه: «من كان معه هَدي فلْيُهِلِّ بحج وعمرة» وثبت عنه أيضاً في الصحيح أنه قال: «دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة».
وهذا، وإن كان فيه بُعْدٌ، لكنه يجب المصير إليه؛ جمعاً بين الأدلة، ولا سيما بعد تصريحه صلى الله عليه وسلم بما تقدّم في حديث جابر من عدم الوجوب، وعلى هذا يحمل ما ورد مما فيه دلالة على وجوبها، كما أخرجه الشافعي في الأم، أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: «إن العمرة هي الحج الأصغر» وكحديث ابن عمر عند البيهقي في الشعب قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني، «فقال: تعبد الله، ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحجّ وتعتمر، وتسمع وتطيع، وعليك بالعلانية، وإياك والسرّ» وهكذا ينبغي حمل ما ورد من الأحاديث التي قرن فيها بين الحج والعمرة في أنهما من أفضل الأعمال، وأنهما كفارة لما بينهما، وأنهما يهدمان ما كان قبلهما ونحو ذلك.
قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} الحصر: الحبس. قال أبو عبيدة، والكسائي، والخليل: إنه يقال أحُصِر بالمرض، وحُصِر بالعدّو. وفي المجمل لابن فارس العكس، يقال: أحصر بالعدّو، وحُصر بالمرض.     ورجح الأوّل ابن العربي، وقال: هو رأي أكثر أهل اللغة.
وقال الزجاج: أنه كذلك عند جميع أهل اللغة، وقال الفراء: هما بمعنى واحد في المرض، والعدّو. ووافقه على ذلك أبو عمرو الشيباني فقال: حصرني الشي، وأحصرني: أي: حبسني. وبسبب هذا الاختلاف بين أهل اللغة اختلف أئمة الفقه في معنى الآية، فقالت الحنفية: المحصر من يصير ممنوعاً من مكة بعد الإحرام بمرض، أو عدوّ أو غيره. وقالت الشافعية، وأهل المدينة المراد بالآية: حصر العدّو.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المحصر بعدوّ يحل حيث أحصر، وينحر هديه إن كان ثمّ هدي، ويحلق رأسه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هو، وأصحابه في الحديبية.
وقوله: {فَمَا استيسر مِنَ الهدى} {ما} في موضع رفع على الابتداء، أو الخبر، أي: فالواجب أو فعليكم، ويحتمل أن يكون في موضع نصب، أي: فانحروا، أو فاهدوا ما استيسر أي: ما تيسر، يقال يَسُر الأمر، واستيسر، كما يقال صَعُب واستصعب، والهَديُّ، والهَدْي لغتان، وهما جمع هدية، وهي ما يهدى إلى البيت من بدنة، أو غيرها. قال الفراء: أهل الحجاز وبنو أسد يخففون الهدي، وتميم، وسفلي قيس يثقلون. قال الشاعر:
حَلْفتُ بِربّ كعبة والمصلى *** وأعْناقِ الْهَدِىّ مُقَلَّداتِ
قال: وواحد الهدي هدية، ويقال في جمع الهديّ: أهد. واختلف أهل العلم في المراد بقوله: {مَا استيسر} فذهب الجمهور إلى أنه شاة.
وقال ابن عمر وعائشة، وابن الزبير: جمل أو بقرة. وقال الحسن: أعلا الهدي بَدَنَة، وأوسطه بقرة، وأدناه شاة،
وقوله: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ} هو خطاب لجميع الأمة من غير فرق بين مُحْصَر، وغير مُحَصر، وإليه ذهب جمع من أهل العلم، وذهبت طائفة إلى أنه خطاب للمُحْصَرين خاصة: أي: لا تحلوا من الإحرام حتى تعلموا أن الهدى الذي بعثتموه إلى الحرم قد بلغ مَحِلَّه، وهو الموضع الذي يحلّ فيه ذبحُه.
واختلفوا في تعيينه، فقال مالك، والشافعي: هو موضع الحصر، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أحصر في عام الحديبية.
وقال أبو حنيفة: هو: الحرم لقوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق} [الحج: 33] وأجيب عن ذلك بأن المخاطب به هو الآمن الذي يمكنه الوصول إلى البيت. وأجاب الحنفية عن نحره صلى الله عليه وسلم في الحديبية بأن طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة هو من الحرم. ورُدَّ بأن المكان الذي وقع فيه النحر ليس هو من الحرم.

قوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا} الآية، المراد بالمرض هنا: ما يصدق عليه مسمى المرض لغة. والمراد بالأذى من الرأس: ما فيه من قمل، أو جراح، ونحو ذلك، ومعنى الآية: أن من كان مريضاً، أو به أذى من رأسه، فحلق فعليه فدية.
وقد بينت السنة ما أطلق هنا من الصيام، والصدقة، والنسك، فثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى كعب بن عَجْرَة، وهو مُحْرِم، وقملهُ يتساقط على وجهه، «فقال: أيؤذيك هَوَامُّ رأسك؟ قال: نعم، فأمره أن يحلق، ويطعم ستة مساكين، أو يُهْدِي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام» وقد ذكر ابن عبد البرّ أنه لا خلاف بين العلماء أن النسك هنا هو: شاة. وحكى عن الجمهور أن الصوم المذكور في الآية ثلاثة أيام، والإطعام لستة مساكين.
وروى عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا: الصوم في فدية الأذى عشرة أيام، والإطعام عشرة مساكين. والحديث الصحيح المتقدّم يردّ عليهم، ويبطل قولهم.
وقد ذهب مالك والشافعي وأبو حنيف وأصحابهم وداود إلى أن الإطعام في ذلك مُدَّان بمُدّ النبي صلى الله عليه وسلم أي: لكل مسكين، وقال الثوري: نصف صاع من برّ، أو صاع من غيره.
وروى ذلك عن أبي حنيفة. قال ابن المنذر: وهذا غلط؛ لأن في بعض أخبار كعب أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: «تصدق بثلاثة أصوع من تمر على ستة مساكين» واختلفت الرواية عن أحمد بن حنبل، فروى عنه مثل قول مالك، والشافعي، وروي عنه أنه إن أطعم بُرّاً، فمدٌّ لكل مسكين، وإن أطعم تمراً، فنصف صاع.
واختلفوا في مكان هذه الفدية، فقال عطاء: ما كان من دم، فبمكة، وما كان من طعام، أو صيام، فحيث شاء. وبه قال أصحاب الرأي.
وقال طاوس، والشافعي: الإطعام، والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء.
وقال مالك ومجاهد: حيث شاء في الجميع، وهو: الحق لعدم الدليل على تعيين المكان.
قوله: {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج فَمَا استيسر مِنَ الهدى} أي: برأتم من المرض. وقيل: من خوفكم من العدّو على الخلاف السابق، ولكن الأمن من العدوّ أظهر من استعمال أمنتم في ذهاب المرض، فيكون مقوّياً لقول من قال إن قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} المراد به: الإحصار من العدّو، كما أن قوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا} يقوّي قول من قال بذلك لإفراد عذر المرض بالذكر.
وقد وقع الخلاف: هل المخاطب بهذا هم المحصرون خاصة أم جميع الأمة على حسب ما سلف؟ والمراد بالتمتع المذكور في الآية: أن يحرم الرجل بعمرة، ثم يقيم حلالاً بمكة إلى أن يحرم بالحج، فقد استباح بذلك ما لا يحلّ للمُحْرِم استباحته، وهو معنى: تمتع واستمتع، ولا خلاف بين أهل العلم في جواز التمتع، بل هو عندي أفضل أنواع الحج كما حررته في شرحي على المنتقى.
وقد تقدّم الخلاف في معنى قوله: {فَمَا استيسر مِنَ الهدى}
قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} الآية، أي: فمن لم يجد الهدي، إما لعدم المال، أو لعدم الحيوان، صام ثلاثة أيام في الحج، أي: في أيام الحج، وهي من عند شروعه في الإحرام إلى يوم النحر. وقيل: يصوم قبل يوم التروية يوماً، ويوم التروية، ويوم عرفة. وقيل: ما بين أن يحرم بالحج إلى يوم عرفة، وقيل: يصومهنّ من أوّل عشر ذي الحجة، وقيل: ما دام بمكة. وقيل: إنه يجوز أن يصوم الثلاث قبل أن يحرم.
وقد جوز بعض أهل العلم صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهدي، ومنعه آخرون. قوله: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} قرأه الجمهور بخفض سبعة، وقرأ زيد بن عليّ، وابن أبي عبلة بالنصب على أنه مفعول بفعل مقدّر، أي: وصوموا سبعة، وقيل: على أنه معطوف على ثلاثة؛ لأنها، وإن كانت مجرورة لفظاً، فهي في محل نصب كأنه قيل: فصيام ثلاثة. والمراد بالرجوع هنا: الرجوع إلى الأوطان. قال أحمد وإسحاق: يجزيه الصوم في الطريق، ولا يتضيق عليه الوجوب إلا إذا وصل وطنه، وبه قال الشافعي وقتادة والربيع ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وغيرهم.
وقال مالك: إذا رجع من مِنىً، فلا بأس أن يصوم. والأوّل أرجح، وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أنه قال صلى الله عليه وسلم: «فمن لم يجد، فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله» فبيَّن صلى الله عليه وسلم أن الرجوع المذكور في الآية هو: الرجوع إلى الأهل، وثبت أيضاً في الصحيح من حديث ابن عباس بلفظ: «وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم»، وإنما قال سبحانه: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} مع أن كل أحد يعلم أن الثلاثة، والسبعة عشرة لدفع أن يتوهم متوهم التخيير بين الثلاثة الأيام في الحج، والسبعة إذا رجع. قاله الزجاج.
وقال المبرد: ذكر ذلك ليدل على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهّم أنه قد بقي منه شيء بعد ذكر السبعة. وقيل: هو: توكيد كما تقول: كتبت بيدي.
وقد كانت العرب تأتي بمثل هذه الفذلكة فيما دون هذا العدد، كقول الشاعر:
ثلاث واثنتان فهنَّ خمس *** وسادسة تميل إلى سهامي
وكذا قول الآخر:
ثلاث بالعداد وذاك حسبي *** وست حين يدركني العشاء
فذلك تسعة في اليوم ريّ *** وشرب المرء فوق الري داء
وقوله: {كَامِلَةٌ} توكيد آخر بعد الفذلكة لزيادة التوصية لصيامها، وأن لا ينقص من عددها. وقوله: {ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المسجد الحرام} الإشارة بقوله: ذلك قيل: هي راجعة إلى التمتع، فتدل على أنه لا متعة لحاضري المسجد الحرام، كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه. قالوا: ومن تمتع منهم كان عليه دم، وهو دم جناية لا يأكل منه. وقيل: إنها راجعة إلى الحكم، وهو وجوب الهدي، والصيام، فلا يجب ذلك على من كان من حاضري المسجد الحرام، كما يقوله الشافعي، ومن وافقه. والمراد بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام: من لم يكن ساكناً في الحرم، أو من لم يكن ساكناً في المواقيت، فما دونها على الخلاف في ذلك بين الأئمة. وقوله: {واتقوا الله} أي: فيما فرضه عليكم في هذه الأحكام، وقيل هو أمر بالتقوى على العموم، وتحذير من شدّة عقاب الله سبحانه.

قوله: {الحج أَشْهُرٌ} فيه حذف، والتقدير: وقت الحج أشهر، أي: وقت عمل الحج. وقيل التقدير: الحج في أشهر، وفيه أنه يلزم النصب مع حذف حرف الجر لا الرفع. قال الفراء: الأشهر رفع؛ لأن معناه وقت الحج أشهر معلومات، وقيل التقدير: الحج حج أشهر معلومات.
وقد اختلف في الأشهر المعلومات، فقال ابن مسعود، وابن عمر، وعطاء، والربيع، ومجاهد، والزهري: هي شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة كله، وبه قال مالك.
وقال ابن عباس، والسدي، والشعبي، والنخعي: هي شوّال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم.
وقد روي أيضاً عن مالك. ويظهر فائدة الخلاف فيما وقع من أعمال الحج بعد يوم النحر، فمن قال إن ذا الحجة كله من الوقت لم يلزمه دم التأخير، ومن قال: ليس إلا العشر منه، قال يلزم دم التأخير.
وقد استدل بهذه الآية من قال: إنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وهو عطاء، وطاوس، ومجاهد، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور قالوا: فمن أحرم بالحج قبلها أحلّ بعمرة، ولا يجزيه عن إحرام الحج، كمن دخل في صلاة قبل وقتها، فإنها لا تجزيه.
وقال أحمد، وأبو حنيفة: إنه مكروه فقط. وروي نحوه عن مالك، والمشهور عنه جواز الإحرام بالحج في جميع السنة من غير كراهة.
وروي مثله عن أبي حنيفة. وعلى هذا القول ينبغي أن ينظر في فائدة توقيت الحج بالأشهر المذكورة في الآية.
وقد قيل: إن النص عليها لزيادة فضلها. وقد روي القول بجواز الإحرام في جميع السنة عن إسحاق بن راهويه، وإبراهيم النخعي، والثوري، والليث بن سعد، واحتج لهم بقوله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج} فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج، ولم يخص الثلاثة الأشهر، ويجاب بأن هذه الآية عامة، وتلك خاصة، والخاص مقدّم على العام.

 

 

ومن جملة ما احتجوا به القياس للحج على العمرة، فكما يجوز الإحرام للعمرة في جميع السنة، كذلك يجوز للحج، ولا يخفى أن هذا القياس مصادم للنصّ القرآني، فهو باطل، فالحق ما ذهب إليه الأوّلون، إن كانت الأشهر المذكورة في قوله: {الحج أَشْهُرٌ} مختصة بالثلاثة المذكورة بنص، أو إجماع، فإن لم يكن كذلك، فالأشهر جمع شهر، وهو من جموع القلة يتردد ما بين الثلاثة إلى العشرة، والثلاثة هي المتيقنة، فيجب الوقوف عندها. ومعنى قوله: {معلومات} أن الحج في السنة مرة واحدة في أشهر معلومات من شهورها، ليس كالعمرة، أو المراد معلومات ببيان النبي صلى الله عليه وسلم، أو معلومات عند المخاطبين لا يجوز التقدّم عليها، ولا التأخير عنها،
قوله: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج} أصل الفرض في اللغة: الحزّ والقطع، ومنه فرضة القوس، والنهر، والجبل، ففرضية الحج لازمة للعبد الحر، كلزوم الحزّ للقوس.
وقيل: معنى فرض: أبان، وهو أيضاً يرجع إلى القطع؛ لأن من قطع شيئاً فقد أبانه عن غيره. والمعنى في الآية: فمن ألزم نفسه فيهنّ الحج بالشروع فيه بالنية قصداً باطناً، وبالإحرام فعلاً ظاهراً، وبالتلبية نطقاً مسموعاً.
وقال أبو حنيفة: إن إلزامه نفسه يكون بالتلبية، أو بتقليد الهدي، وسوقه، وقال الشافعي: تكفي النية في الإحرام بالحج.
والرفث: قال: ابن عباس، وابن جبير، والسدي، وقتادة، والحسن، وعكرمة، والزهري، ومجاهد، ومالك: هو الجماع.
وقال ابن عمر، وطاوس، وعطاء، وغيرهم: الرفث: الإفحاش بالكلام. قال أبو عبيدة: الرفث: اللغاء من الكلام، وأنشد:
وربّ أسراب حَجِيج كُظَّم *** عن اللغا وَرَفَث التَّكَلُّم
يقال: رفث يرفث بكسر الفاء، وضمها.
والفسوق: الخروج عن حدود الشرع. وقيل: هو الذبح للأصنام. وقيل: التنابز بالألقاب. وقيل: السباب. والظاهر أنه لا يختص بمعصية معينة، وإنما خصصه من خصصه بما ذكر باعتبار أنه قد أطلق، على ذلك الفرد اسم الفسوق، كما قال سبحانه في الذبح للأصنام: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ} [الأنعام: 145]. قال في التنابز: {بِئْسَ الاسم الفسوق} [الحجرات: 11].
وقال صلى الله عليه وسلم في السباب: «سباب المسلم فسوق» ولا يخفى على عارف أن إطلاق اسم الفسوق على فرد من أفراد المعاصي لا يوجب اختصاصه به.
والجدال مشتق من الجدل، وهو القتل، والمراد به هنا: المماراة، وقيل: السباب، وقيل: الفخر بالآباء، والظاهر الأوّل.
وقد قرئ بنصب الثلاثة ورفعها، ورفع الأوّلين، ونصب الثالث، وعكس ذلك، ومعنى النفي لهذه الأمور: النهي عنها.
وقوله: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله} حثّ على الخير بعد ذكر الشرّ، وعلى الطاعة بعد ذكر المعصية، وفيه أن كل ما يفعلونه من ذلك، فهو معلوم عند الله لا يفوت منه شيء. وقوله: {وَتَزَوَّدُواْ} فيه الأمر باتخاذ الزاد؛ لأن بعض العرب كانوا يقولون كيف نحجّ بيت ربنا، ولا يطعمنا؟ فكانوا يحجون بلا زاد، ويقولون: نحن متوكلون على الله سبحانه، وقيل: المعنى تزوّدوا لمعادكم من الأعمال الصالحة {فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى} والأوّل أرجح كما يدل على ذلك سبب نزول الآية، وسيأتي وقوله: {فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى} إخبار بأن خير الزاد اتقاء المنهيات، فكأنه قال: اتقوا الله في إتيان ما أمركم به من الخروج بالزاد، فإن خير الزاد التقوى، وقيل: المعنى فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة، والحاجة إلى السؤال، والتكفف، وقوله: {واتقون يأُوْلِي الألباب} فيه التخصيص لأولي الألباب بالخطاب بعد حثّ جميع العباد على التقوى؛ لأن أرباب الألباب هم القابلون لأوامر الله الناهضون بها، ولبّ كل شيء خالصه.
قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ} فيه الترخيص لمن حجّ في التجارة، ونحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من الرزق، وهو المراد بالفضل هنا، ومنه قوله تعالى: {فانتشروا فِى الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله} [الجمعة: 10] أي: لا إثم عليكم في أن تبتغوا فضلاً من ربكم مع سفركم لتأدية ما افترضه عليكم من الحج. قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُم} أي: دفعتم، يقال فاض الإناء: إذا امتلأ ماء حتى ينصبّ من نواحيه، ورجل فياض، أي: متدفقة يداه بالعطاء، ومعناه: أفضتم أنفسكم، فترك ذكر المفعول، كما ترك في قولهم: دفعوا من موضع كذا.
و {عرفات}: اسم لتلك البقعة، أي: موضع الوقوف. وقرأه الجماعة بالتنوين، وليس التنوين هنا للفرق بين ما ينصرف، وما لا ينصرف، وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين. قال النحاس: هذا الجيد، وحكى سيبويه عن العرب حذف التنوين من عرفات قال: لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين.
وحكى الأخفش، والكوفيون فتح التاء تشبيهاً بتاء فاطمة، وأنشدوا:
تنوّرتها من أذرعات وأهلُها *** بِيَثْربَ أدْنَى دارِها نَظَر عالي
وقال في الكشاف: فإن قلت: هلا منعت الصرف، وفيها السببان: التعريف، والتأنيث، قلت: لا يخلو التأنيث، إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء مقدّرة كما في سعاد، فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث. ولا يصح تقدير التاء فيها؛ لأن هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها، كما لا تقدّر تاء التأنيث في بنت؛ لأن التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث، فأبت تقديرها. انتهى.

 وسميت عرفات؛ لأن الناس يتعارفون فيه. وقيل: إن آدم التقى هو وحواء فيها، فتعارف. وقيل: غير ذلك، قال ابن عطية: والظاهر: أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع، واستدل بالآية على وجوب الوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده،
والمراد بذكر الله عند المشعر الحرام: دعاؤه، ومنه التلبية والتكبير، وسمي المشعر مشعراً من الشعار، وهو: العلامة، والدعاء عنده من شعائر الحج، ووصف بالحرام لحرمته، وقيل: المراد بالذكر: صلاة المغرب، والعشاء بالمزدلفة جمعاً.
وقد أجمع أهل العلم على أن السنة أن يجمع الحاجّ بينهما فيها. والمشعر: هو جبل قزح الذي يقف عليه الإمام. وقيل: هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر.
قوله: {واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ} الكاف نعت مصدر محذوف، وما مصدرية، أو كافة أي: اذكروه ذكراً حسناً، كما هداكم هداية حسنة، وكرّر الأمر بالذكر تأكيداً، وقيل: الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني أمر بالذكر على حكم الإخلاص، وقيل: المراد بالثاني تعديد النعمة عليهم، و(إن) في قوله: {وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ} مخففة كما يفيده دخول اللام في الخبر. وقيل: هي بمعنى قد، أي: قد كنتم، والضمير في قوله: {مِن قَبْلِهِ} عائد إلى الهدي، وقيل: إلى القرآن.

المقطع الثاني عشر: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ? وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّـهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ? وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَ?لِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ? وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ? وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ? وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ????? الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ? فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ? وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّـهِ ? فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّـهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ? تِلْكَ حُدُودُ اللَّـهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ? وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّـهِ فَأُولَـ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ????? فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى? تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ? فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّـهِ ? وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّـهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ?????وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ? فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ? وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ????? وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ? عَلِمَ اللَّـهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـ?كِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ? وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى? يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ????? لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ? وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ? حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ????? وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ? وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? ? وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ? إِنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ?????

قوله: {والمطلقات} يدخل تحت عمومه المطلقة قبل الدخول، ثم خصص بقوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49] فوجب بناء العام على الخاص، وخرجت من هذا العموم المطلَّقة قبل الدخول، وكذلك خرجت الحامل بقوله تعالى: {وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] وكذلك خرجت الآيسة بقوله تعالى: {فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4] والتربص: الانتظار، قيل: هو خبر في معنى الأمر أي: ليتربصن قصد بإخراجه مخرج الخبر تأكيد وقوعه، وزاده تأكيداً وقوعه خبراً للمبتدأ. قال ابن العربي: وهذا باطل، وإنما هو: خبر عن حكم الشرع، فإن وجدت مطلقة لا تتربص، فليس ذلك من الشرع، ولا يلزم من ذلك، وقوع خبر الله سبحانه على خلاف مخبره. والقروء: جمع قرء.
وروي عن نافع أنه قرأ: {قرو} بتشديد الواو. وقرأه الجمهور بالهمز. وقرأ الحسن بفتح القاف، وسكون الراء، والتنوين. قال الأصمعي: الواحد قرء بضم القاف. وقال أبو زيد بالفتح: وكلاهما قال: أقرأت المرأة: حاضت، وأقرأت: ظهرت.
وقال الأخفش: أقرأت المرأة: إذا صارت صاحبة حيض، فإذا حاضت قلت: قرأت بلا ألف.
وقال أبو عمرو بن العلاء من العرب من يسمي الحيض قرءاً، ومنهم من يسمي الطهر قرءاً، ومنهم من يجمعهما جميعاً، فيسمي الحيض مع الطهر قرءاً، وينبغي أن يعلم أن القرء في الأصل: الوقت؛ يقال: هبت الرياح لقرئها، ولقارئها: أي: لوقتها، ومنه قول الشاعر:
كَرهتُ العَقْر عقربني شَليل *** إذَا هَبَّتْ لقارئها الرَّياحُ فيقال للحيض: قرء، وللطهر: قرء؛ لأن كل واحد منهما له وقت معلوم.
وقد أطلقته العرب تارة على الأطهار، وتارة على الحيض، فمن إطلاقه على الأطهار قول الأعشى:
أفِي كلٍ عَامٍ أنتَ جَاشِمُ غَزْوةٍ *** تَشُدّ لأقصَاهَا عزيم عَزَائكا
موِّرثة مَالاً وفي الحي رفعة *** لِما ضَاعَ فِيها من قُرُوءِ نِسائكا
أي أطهارهن، ومن إطلاقه على الحيض قول الشاعر:
يَا ربَّ ذي حِنْق عليّ قَارضٍ *** له قُرُوّ كقُروُّ الحائِض
يعني أنه طعنه، فكان له دم كدم الحائض. وقال قوم: هو مأخوذ من قري الماء في الحوض، وهو جمعه، ومنه القرآن لاجتماع المعاني فيه. قال عمرو بن كلثوم:  ذِراعَي عَيْطَلٍ أدْمَاء بِكرٍ *** هِجَانِ اللونِ لِم تَقْرَأ جنينا
أي: لم تجمعه في بطنها.

والحاصل أن القروء في لغة العرب مشترك بين الحيض، والطهر، ولأجل هذا الاشتراك، اختلف أهل العلم في تعيين ما هو المراد بالقروء المذكورة في الآية، فقال أهل الكوفة: هي الحيض، وهو قول عمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبي موسى، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وعكرمة، والسدي، وأحمد بن حنبل.
وقال أهل الحجاز: هي: الأطهار، وهو قول عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والزهري، وأبان بن عثمان، والشافعي.
واعلم أنه قد وقع الاتفاق بينهم على أن القرء الوقت، فصار معنى الآية عند الجميع: والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة أوقات، فهي على هذا مفسرة في العدد مجملة في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها، فأهل القول الأول استدلوا على أن المراد في هذه الآية الحيض بقوله صلى الله عليه وسلم: «دعي الصلاة أيام أقرائك» وبقوله صلى الله عليه وسلم: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدّتها حيضتان» وبأن المقصود من العدّة استبراء الرحم، وهو يحصل بالحيض لا بالطهر. واستدل أهل القول الثاني بقوله تعالى: {فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق، وقت الطهر، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعمر: «مُرْه فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» وذلك؛ لأن زمن الطهر هو الذي تطلق فيه النساء. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما أدركنا أحداً من فقهائنا إلا يقول بأن الأقراء هي: الأطهار، فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه، ولو ساعة، ولو لحظة، ثم استقبلت طهراً ثانياً بعد حيضة، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة خرجت من العدّة. انتهى.
وعندي أن لا حجة في بعض ما احتج به أهل القولين جميعاً. أما قول الأولين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعي الصلاة أيام أقرائك» فغاية ما في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الأقراء على الحيض، ولا نزاع في جواز ذلك كما هو شأن اللفظ المشترك، فإنه يطلق تارة على هذا، وتارة على هذا، وإنما النزاع في الأقراء المذكورة في هذه الآية، وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الأمة: «وعدّتها حيضتان» فهو حديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم وصححه، من حديث عائشة مرفوعاً.
وأخرجه ابن ماجه، والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعاً أيضاً، ودلالته على ما قاله الأولون قوية. وأما قولهم: إن المقصود من العدّة استبراء الرحم، وهو يحصل بالحيض لا بالطهر، فيجاب عنه بأنه إنما يتم لو لم يكن في هذه العدّة شيء من الحيض على فرض تفسير الأقراء بالأطهار، وليس كذلك بل هي مشتملة على الحيض، كما هي مشتملة على الأطهار، وأما استدلال أهل القول الثاني بقوله تعالى: {فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] فيجاب عنه بأن التنازع في اللام في قوله: {لِعِدَّتِهِنَّ} يصير ذلك محتملاً، ولا تقوم الحجة بمحتمل. وأما استدلالهم بقوله لعمر: «مُرْه فليراجعها» الحديث، فهو في الصحيح، ودلالته قوية على ما ذهبوا إليه، ويمكن أن يقال إنها تنقضي العدّة بثلاثة أطهار، أو بثلاث حِيَض، ولا مانع من ذلك، فقد جوز جمع من أهل العلم حمل المشترك على معنييه، وبذلك يجمع بين الأدلة، ويرتفع الخلاف، ويندفع النزاع.
وقد استشكل الزمخشري تمييز الثلاثة بقوله: قروء، وهي جمع كثرة دون أقراء التي هي من جموع القلة. وأجاب بأنهم يتسعون في ذلك، فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في الجمعية.
قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ} قيل: المراد به: الحيض، وقيل: الحمل. وقيل كلاهما، ووجه النهي عن الكتمان ما فيه في بعض الأحوال من الإضرار بالزوج، وإذهاب حقه؛ فإذا قالت المرأة: حضت، وهي لم تحض ذهبت بحقه من الارتجاع؛ وإذا قالت لم تحض، وهي قد حاضت ألزمته من النفقة ما لم يلزمه، فاضرّت به، وكذلك الحمل ربما تكتمه التقطع حقه من الارتجاع، وربما تدّعيه لتوجب عليه النفقة، ونحو ذلك من المقاصد المستلزمة للإضرار بالزوج.
وقد اختلفت الأقوال في المدّة التي تصدَّق فيها المرأة إذا ادّعت انقضاء عدّتها. وقوله: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الأخر} فيه، وعيد شديد للكاتمات، وبيان أن من كتمت ذلك منهنّ لم تستحق اسم الإيمان. والبعولة جمع بعل، وهو الزوج، سمي بعلاً لعلوّه على الزوجة؛ لأنهم يطلقونه على الرب، ومنه قوله: تعالى: {أَتَدْعُونَ بَعْلاً} [الصافات: 125] أي: رباً. ويقال: بعول، وبعولة، كما يقال في جمع الذكر ذكور، وذكورة، وهذه التاء لتأنيث الجمع، وهو شاذ لا يقاس عليه بل يعتبر فيه السماع، والبعولة أيضاً تكون مصدراً من بعل الرجل يبعل، مثل منع يمنع. أي: صار بعلاً.
وقوله: {أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ} أي: برجعتهنّ، وذلك يختص بمن كان يجوز للزوج مراجعتها، فيكون في حكم التخصيص لعموم قوله: {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} لأنه يعم المثلثات، وغيرهنّ. وقوله: {فِي ذلك} يعني في مدة التربص، فإن انقضت مدّة التربص، فهي أحق بنفسها، ولا تحلّ له إلا بنكاح مستأنف بوليّ، وشهود، ومهر جديد، ولا خلاف في ذلك، والرجعة تكون باللفظ، وتكون بالوطء، ولا يلزم المراجع شيء من أحكام النكاح بلا خلاف. وقوله: {إِنْ أَرَادُواْ إصلاحا} أي: بالمراجعة، أي: إصلاح حاله معها، وحالها معه، فإن قصد الإضرار بها، فهي محرّمة لقوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ} قيل: وإذا قصد بالرجعة الضرار، فهي صحيحة، وإن ارتكب بذلك محرّماً، وظلم نفسه، وعلى هذا، فيكون الشرط المذكور في الآية للحث للأزواج على قصد الصلاح، والزجر لهم عن قصد الضرار، وليس المراد به جعل قصد الإصلاح شرطاً لصحة الرجعة. قوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الذى عَلَيْهِنَّ بالمعروف} أي: لهنّ من حقوق الزوجية على الرجال بمثل ما للرجال عليهنّ. فيحسن عشرتها بما هو معروف من عادة الناس أنهم يفعلونه لنسائهم. وهي: كذلك تحسن عشرة زوجها بما هو معروف من عادة النساء أنهنّ يفعلنه؛ لأوزاجهنّ من طاعة، وتزين، وتحبب، ونحو ذلك.
قوله: {وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} أي: منزلة ليست لهنّ، وهو قيامه عليها في الإنفاق، وكونه من أهل الجهاد، والعقل، والقوّة، وله من الميراث أكثر مما لها، وكونه يجب عليها امتثال أمره، والوقوف عند رضاه، ولو لم يكن من فضيلة الرجال على النساء إلا كونهنّ خلقن من الرجال لما ثبت أن حوّاء خلقت من ضلع آدم.                                                                                                                                         المراد بالطلاق المذكور: هو: الرجعي بدليل ما تقدّم في الآية الأولى: أي: الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة للأزواج هو مرتان، أي: الطلقة الأولى، والثانية، إذ لا رجعة بعد الثالثة، وإنما قال سبحانه: {مَرَّتَانِ} ولم يقل طلقتان إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الطلاق مرة بعد مرة، لا طلقتان دفعة واحدة، كذا قال جماعة من المفسرين، ولما لم يكن بعد الطلقة الثانية إلا أحد أمرين، إما إيقاع الثالثة التي بها تبين الزوجة، أو الإمساك لها، واستدامة نكاحها، وعدم إيقاع الثالثة عليها قال سبحانه: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} أي: فإمساك بعد الرجعة لمن طلقها زوجها طلقتين بمعروف أي: بما هو معروف عند الناس من حسن العشرة {أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} أي: بإيقاع طلقة ثالثة عليها من دون ضرار لها. وقيل: المراد: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} أي: برجعة بعد الطلقة الثانية {أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} أي: بترك الرجعة بعد الثانية حتى تنقضي عدّتها. والأول أظهر. وقوله: {الطلاق} مبتدأ بتقدير مضاف أي: عدد الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة مرتان.
وقد اختلف أهل العلم في إرسال الثلاث دفعة واحدة هل يقع ثلاثاً، أو واحدة فقط؟ فذهب إلى الأوّل الجمهور، وذهب إلى الثاني مَنْ عداهم، وهو الحق.
وقد قررته في مؤلفاتي تقريراً بالغاً، وأفردته برسالة مستقلة.
قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} الخطاب للأزواج، أي: لا يحلّ للأزواج أن يأخذوا مما دفعوه إلى نسائهم من المهر شيئاً على وجه المضارة لهنّ، وتنكير {شيئاً} للتحقير: أي: شيئاً نزراً فضلاً عن الكثير، وخص ما دفعوه إليهنّ بعدم حلّ الأخذ منه مع كونه لا يحلّ للأزواج أن يأخذوا شيئاً من أموالهنّ التي يملكنها من غير المهر لكون ذلك، هو الذي تتعلق به نفس الزوج، وتتطلع لأخذه دون ما عداه مما هو في ملكها، على أنه إذا كان أخذ ما دفعه إليها لا يحلّ له كان ما عداه ممنوعاً منه بالأولى. وقيل: الخطاب في قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ} للأئمة، والحكام ليطابق قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ} فإن الخطاب فيه للأئمة، والحكام، وعلى هذا يكون إسناد الأخذ إليهم لكونهم الآمرين بذلك. والأول أولى لقوله: {مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ} فإن إسناده إلى غير الأزواج بعيد جداً؛ لأن إيتاء الأزواج لم يكن عن أمرهم. وقيل: إن الثاني أولى لئلا يتشوّش النظم. قوله: {إِلاَّ أَن يَخَافَا} أي: لا يجوز لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً إلا أن يخافا {يُقِيمَا حُدُودَ الله} أي: عدم إقامة حدود الله التي حدّها للزوجينّ، وأوجب عليهما الوفاء بها من حسن العشرة والطاعة، فإن خافا ذلك {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ} أي: لا جناح على الرجل في الأخذ، وعلى المرأة في الإعطاء بأن تفتدي نفسها من ذلك النكاح ببذل شيء من المال يرضى به الزوج، فيطلقها لأجله، وهذا هو الخلع، وقد ذهب الجمهور إلى جواز ذلك للزوج، وأنه يحلّ له الأخذ مع ذلك الخوف، وهو الذي صرّح به القرآن.

وحكى ابن المنذر، عن بعض أهل العلم أنه لا يحلّ له ما أخذ، ولا يجبر على ردّه، وهذا في غاية السقوط. وقرأ حمزة: {إلا أن يخافا} على البناء للمجهول، والفاعل محذوف، وهو الأئمة، والحكام واختاره أبو عبيد قال: لقوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ} فجعل الخوف لغير الزوجين.
وقد احتج بذلك من جعل الخلع إلى السلطان، وهو سعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين.
وقد ضعف النحاس اختيار أبي عبيد المذكور.
وقوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ ألاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله} أي: إذا خاف الأئمة، والحكام، أو المتوسطون بين الزوجين، وإن لم يكونوا أئمة، وحكاماً عدم إقامة حدود الله من الزوجين، وهي: ما أوجبه عليهما كما سلف.
وقد حكى عن بكر بن عبد الله المزني: أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة النساء {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً} [النساء: 20] وهو قول خارج عن الإجماع، ولا تنافي بين الاثنين.
وقد اختلف أهل العلم إذا طلب الزوج من المرأة زيادة على ما دفعه إليها من المهر، وما يتبعه، ورضيت بذلك المرأة هل يجوز أم لا؟ وظاهر القرآن الجواز لعدم تقييده بمقدار معين، وبذا قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وروي مثل ذلك عن جماعة من الصحابة، والتابعين، وقال طاوس، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: إنه لا يجوز، وسيأتي ما ورد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ الله} أي: أحكام النكاح، والفراق المذكورة هي: حدود الله التي أمرتم بامتثالها، فلا تعتدوها بالمخالفة لها، فتستحقوا ما ذكره الله من التسجيل على فاعل ذلك بأنه ظالم.
قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا} أي: الطلقة الثالثة التي ذكرها سبحانه بقوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} أي: فإن وقع منه ذلك، فقد حرمت عليه بالتثليث {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} أي: حتى تتزوج بزوج آخر.
وقد أخذ بظاهر الآية سعيد بن المسيب، ومن وافقه قالوا: يكفي مجرد العقد؛ لأنه المراد بقوله: {حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وذهب الجمهور من السلف، والخلف إلى أنه لا بدّ مع العقد من الوطء لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من اعتبار ذلك، وهو زيادة يتعين قبولها، ولعله لم يبلغ سعيد بن المسيب، ومن تابعه. وفي الآية دليل على أنه لا بد من أن يكون ذلك نكاحاً شرعياً مقصوداً لذاته لا نكاحاً غير مقصود لذاته، بل حيلة للتحليل، وذريعة إلى ردها إلى الزوج الأوّل، فإن ذلك حرام للأدلة الواردة في ذمه وذمّ فاعله، وأنه التيس المستعار الذي لعنه الشارع، ولعن من اتخذه لذلك.

قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا} أي: الزوج الثاني: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي: الزوج الأول والمرأة {أَن يَتَرَاجَعَا} أي: يرجع كل واحد منهما لصاحبه. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحرّ إذا طلق زوجته ثلاثاً، ثم انقضت عدّتها، ونكحت زوجاً، ودخل بها، ثم فارقها، وانقضت عدّتها، ثم نكحها الزوج الأوّل، أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات. قوله: {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله} أي: حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر، وأما إذا لم يحصل ظن ذلك بأن يعلما، أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو تردداً، أو أحدهما، ولم يحصل لهما الظنّ، فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرّمه على الزوجين. وقوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ الله} إشارة إلى الأحكام المذكورة، كما سلف، وخص الذين يعلمون مع عموم الدعوة للعالم، وغيره، ووجوب التبليغ لكل فرد؛ لأنهم المنتفعون بالبيان المذكور.
البلوغ إلى الشيء: معناه الحقيقي الوصول إليه، ولا يستعمل البلوغ بمعنى المقاربة إلا مجازاً لعلاقة مع قرينة كما هنا، فإنه لا يصح إرادة المعنى الحقيقي؛ لأن المرأة إذاً قد بلغت آخر جزء من مدّة العدّة، وجاوزته إلى الجزء الذي هو الأجل للانقضاء، فقد خرجت من العدّة، ولم يبق للزوج عليها سبيل. قال القرطبي في تفسيره: إن معنى: {بَلَغْنَ} هنا قاربن بإجماع العلماء. قال: ولأن المعنى يضطر إلى ذلك؛ لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك، والإمساك بمعروف: هو القيام بحقوق الزوجية. أي: إذا طلقتم النساء، فقاربن آخر العدّة، فلا تضاروهنّ بالمراجعة من غير قصد؛ لاستمرار الزوجية، واستدامتها، بل اختاروا أحد أمرين: إما الإمساك بمعروف من غير قصد لضرار، أو التسريح بإحسان: أي: تركها حتى تنقضي عدّتها من غير مراجعة ضرار، ولا تمسكوهن ضراراً، كما كانت تفعل الجاهلية من طلاق المرأة حتى يقرب انقضاء عدّتها، ثم مراجعتها لا عن حاجة، ولا لمحبة، ولكن لقصد تطويل العدّة، وتوسيع مدّة الانتظار {ضِرَارًا} لقصد الاعتداء منكم عليهن والظلم لهنّ {وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} لأنه عرضها لعقاب الله وسخطه. قال الزجاج: يعني عرّض نفسه للعذاب، لأن إتيان ما نهى الله عنه تعرض لعذاب الله {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيات الله هزوا} أي: لا تأخذوا أحكام الله على طريقة الهزؤ، فإنها جدّ كلها، فمن هزل فيها فقد لزمته نهاهم سبحانه أن يفعلوا كما كانت الجاهلية تفعل، فإنه كان يطلق الرجل منهم، أو يعتق، أو يتزوج، ويقول: كنت لاعباً. قال القرطبي، ولا خلاف بين العلماء أن من طلق هازلاً أن الطلاق يلزمه. قوله: {هُزُوًا واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ} أي: النعمة التي صرتم فيها بالإسلام، وشرائعه بعد أن كنتم في جاهلية جهلاء، وظلمات بعضها فوق بعض، والكتاب: هو القرآن. والحكمة قال المفسرون: هي السنة التي سنها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَعِظُكُمْ بِهِ} أي: يخوفكم بما أنزل عليكم، وأفرد الكتاب، والحكمة بالذكر مع دخولهما في النعمة دخولاً أولياً، تنبيهاً على خطرهما، وعظم شأنهما.
وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان الرجل يطلق امرأته، ثم يراجعها قبل انقضاء عدّتها، ثم يطلقها، فيفعل بها ذلك يضارّها، ويعطلها، فأنزل الله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء} الآية.
الخطاب في هذه الآية بقوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ} وبقوله: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} إما أن يكون للأزواج، ويكون معنى العَضْل منهم أن يمنعوهنّ من أن يتزوجن مَنْ أردْن من الأزواج بعد انقضاء عدّتهنّ لحمية الجاهلية، كما يقع كثيراً من الخلفاء، والسلاطين غيرة على من كنّ تحتهم من النساء أن يصرن تحت غيرهم؛ لأنهم لما نالوه من رياسة الدنيا، وما صاروا فيه من النخوة، والكبرياء، يتخيلون أنهم قد خرجوا من جنس بني آدم إلا من عصمه الله منهم بالورع، والتواضع؛ وإما أن يكون الخطاب للأولياء، ويكون معنى إسناد الطلاق إليهم أنهم سبب له لكونهم المزوّجين للنساء المطلقات من الأزواج المطلقين لهنّ. وبلوغ الأجل المذكور هنا المراد به: المعنى الحقيقي، أي: نهايته لا كما سبق في الآية الأولى. والعضل: الحبس.
وحكى الخليل دجاجة معضلة قد احتبس بيضها. وقيل: العضل: التضييق والمنع، وهو راجع إلى معنى الحبس، يقال أردت أمراً، فعضلتني عنه، أي: منعتني، وضيقت عليّ، وأعضل الأمر: إذا ضاقت عليك فيه الحيل.
وقال الأزهري: أصل العضل من قولهم عضلت الناقة: إذا نشب ولدها، فلم يسهل خروجه، وعضلت الدجاجة: نشب بيضها، وكل مشكل عند العرب معضل، ومنه قول الشافعي رحمه الله:
إذا المْعضِلاتُ تصدّين لي *** كشفتُ حَقَائِقها بالنظر
ويقال أعضل الأمر: إذا اشتد، وداء عُضال. أي: شديد عسير البرء أعيا الأطباء، وعضل فلان أيمِّه: أي: منعها يعضلها بالضم، والكسر لغتان. قوله: {أَن يَنكِحْنَ} أي: من أن ينكحن، فمحله الجر عند الخليل، والنصب عند سيبويه، والفراء، وقيل: هو بدل اشتمال من الضمير المنصوب في قوله: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ}. وقوله: {أزواجهن} إن أريد به المطلقون لهنّ، فهو مجاز باعتبار ما كان، وإن أريد به من يردْن أن يتزوّجنه، فهو مجاز باعتبار ما سيكون. وقوله: {ذلك} إشارة إلى ما فصل من الأحكام، وإنما أفرد مع كون المذكور قبله جمعاً حملاً على معنى الجمع بتأويله بالفريق، ونحوه. وقوله: {ذلكم} محمول على لفظ الجمع، خالف سبحانه ما بين الإشارتين افتناناً. وقوله: {أزكى} أي: أنمى وأنفع: {وَأَطْهَرُ} من الأدناس {والله يَعْلَمُ} ما لكم فيه الصلاح {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك.
لما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق، ذكر الرضاع؛ لأن الزوجين قد يفترقان، وبينهما ولد، ولهذا قيل: إن هذا خاص بالمطلقات. وقيل: هو عام. وقوله: {يُرْضِعْنَ} قيل: هو خبر في معنى الأمر للدلالة على تحقق مضمونه، وقيل: هو خبر على بابه ليس هو في معنى الأمر على حسب ما سلف في قوله: {يَتَرَبَّصْنَ} وقوله: {كَامِلَيْنِ} تأكيد للدلالة على أن هذا التقدير تحقيقي لا تقريبي. وقوله: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة} أي: ذلك لمن أراد أن يتم الرضاعة، وفيه دليل على أن إرضاع الحولين ليس حتماً، بل هو التمام، ويجوز الاقتصار على ما دونه. وقرأ مجاهد، وابن محيصن: {لمن أراد أن تتم} بفتح التاء، ورفع الرضاعة على إسناد الفعل إليها. وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، والجارود ابن أبي سَبْرَة بكسر الراء من الرضاعة، وهي لغة.
وروي عن مجاهد أنه قرأ: {الرضعة} وقرأ ابن عباس: {لمن أراد أن يكمل الرضاعة} قال النحاس: لا يعرف البصريون الرضاعة إلا بفتح الراء.
وحكى الكوفيون جواز الكسر. والآية تدل على وجوب الرضاع على الأم لولدها، وقد حُمِل ذلك على ما إذا لم يقبل الرضيع غيرها.
قوله: {وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} أي: على الأب الذي يولد له، وآثر هذا اللفظ دون قوله: وعلى الوالد للدلالة على أن الأولاد للآباء لا للأمهات، ولهذا ينسبون إليهم دونهنّ، كأنهنّ إنما ولدن لهم فقط، ذكر معناه في الكشاف، والمراد بالرزق هنا: الطعام الكافي المتعارف به بين الناس، والمراد بالكسوة: ما يتعارفون به أيضاً، وفي ذلك دليل على وجوب ذلك على الآباء للأمهات المرضعات. وهذا في المطلقات، وأما غير المطلقات، فنفقتهنّ، وكسوتهنّ واجبة على الأزواج من غير إرضاعهنّ لأولادهنّ. وقوله: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} هو: تقييد لقوله: {بالمعروف} أي: هذه النفقة، والكسوة الواجبتان على الأب بما يتعارفه الناس لا يكلف منها إلا ما يدخل تحت وسعه وطاقته لا ما يشق عليه، ويعجز عنه، وقيل: المراد: لا تكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة، ولا يكلف الزوج ما هو إسراف، بل يراعي القصد.
قوله: {لاَ تُضَارَّ} قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وجماعة ورواه أبان عن عاصم بالرفع على الخبر. وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في المشهور عنه: {تضار} بفتح الراء المشدّدة على النهي، وأصله: لا تضار، أو لا تضارر على البناء للفاعل، أو المفعول: أي: لا تضارر الأب بسبب الولد بأن تطلب منه ما لا يقدر عليه من الرزق، والكسوة، أو بأن تفرط في حفظ الولد، والقيام بما يحتاج إليه، ولا تضارر من زوجها بأن يقصر عليها في شيء مما يجب عليه، أو ينتزع ولدها منها بلا سبب، وهكذا قراءة الرفع تحتمل الوجهين.
وقرأ عمر بن الخطاب: {لا تضارر} على الأصل بفتح الراء الأولى؛ وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: {لا تضار} بإسكان الراء، وتخفيفها، وروى عنه الإسكان، والتشديد. وقرأ الحسن، وابن عباس: {لا تضارر} بكسر الراء الأولى؛ ويجوز أن تكون الباء في قوله: بولده، صلة لقوله تضارّ على أنه بمعنى تضر. أي: لا تضرّ والدة بولدها، فتسيء تربيته، أو تقصر في غذائه، وأضيف الولد تارة إلى الأب، وتارة إلى الأم، لأن كل واحد منهما يستحق أن ينسب إليه مع ما في ذلك من الاستعطاف، وهذه الجملة تفصيل للجملة التي قبلها وتقريرها. أي: لا يكلف كل واحد منهما الآخر ما لا يطيقه، فلا تضاره بسبب ولده.
قوله: {وَعَلَى الوارث} هو: معطوف على قوله: {وَعلَى المولود لَهُ} وما بينهما تفسير للمعروف، أو تعليل له معترض بين المعطوف، والمعطوف عليه. واختلف أهل العلم في معنى قوله: {وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك} فقيل: هو وارث الصبي: أي: إذا مات المولود له كان على وارث هذا الصبي المولود إرضاعه كما كان يلزم أباه ذلك، قاله عمر بن الخطاب، وقتادة، والسدّي، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، وابن أبي ليلى على خلاف بينهم، هل يكون الوجوب على من يأخذ نصيباً من الميراث، أو على الذكور فقط، أو على كل ذي رحم له، وإن لم يكن، وارثاً منه، وقيل: المراد بالوارث: وارث الأب تجب عليه نفقة المرضعة، وكسوتها بالمعروف، قاله الضحاك.
وقال مالك في تفسير هذه الآية بمثل ما قاله الضحاك، ولكنه قال: إنها منسوخة، وإنها لا تلزم الرجل نفقة أخ، ولا ذي قرابة، ولا ذي رحم منه، وشرطه الضحاك بأن لا يكون للصبيّ مال، فإن كان له مال أخذت أجرة رضاعه من ماله. وقيل: المراد: بالوارث المذكور في الآية هو: الصبي نفسه. أي: عليه من ماله إرضاع نفسه إذا مات أبوه، وورث من ماله، قاله قبيصة بن ذؤيب، وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز.
وروي عن الشافعي، وقيل: هو الباقي من والدي المولود بعد موت الآخر منهما، فإذا مات الأب كان على الأم كفاية الطفل، إذا لم يكن له مال، قاله سفيان الثوري،
وقيل: إن معنى قوله تعالى: {وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك} أي: وارث المرضعة يجب عليه أن يصنع بالمولود كما كانت الأم تصنعه به من الرضاع، والخدمة، والتربية. وقيل: إن معنى قوله تعالى: {وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك} أنه يحرم عليه الإضرار بالأم كما يحرم على الأب، وبه قالت طائفة من أهل العلم، قالوا: وهذا هو الأصل، فمن ادّعى أنه يرجع فيه العطف إلى جميع ما تقدم، فعليه الدليل.
قال القرطبي: وهو الصحيح، إذ لو أراد الجميع الذي هو: الرضاع، والإنفاق، وعدم الضرر يقال: وعلى الوارث مثل هؤلاء، فدل على أنه معطوف على المنع من المضارّة، وعلى ذلك تأوّله كافة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب. قال ابن عطية، وقال مالك، وجميع أصحابه، والشعبي، والزهري، والضحاك، وجماعة من العلماء: المراد بقوله: {مثل ذلك} ألاّ تضارّ. وأما الرزق، والكسوة، فلا يجب شيء منه.
وحكى ابن القاسم، عن مالك، مثل ما قدمنا عنه، في تفسير هذه الآية، ودعوى النسخ. ولا يخفى عليك ضعف ما ذهبت إليه هذه الطائفة، فإن ما خصصوا به معنى قوله: {وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك} من ذلك المعنى. أي: عدم الإضرار بالمرضعة قد أفاده قوله: {لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا} لصدق ذلك على كل مضارّة ترد عليها من المولود له، أو غيره. وأما قول القرطبي: لو أراد الجميع لقال مثل هؤلاء، فلا يخفى ما فيه من الضعف البيّن، فإن اسم الإشارة يصلح للمتعدد كما يصلح للواحد بتأويل المذكور، أو نحوه. وأما ما ذهب إليه أهل القول الأوّل من أن المراد بالوارث: وارث الصبيّ، فيقال عليه إن لم يكن وارثاً حقيقة مع وجود الصبيّ حياً، بل هو وارث مجازاً باعتبار ما يئول إليه. وأما ما ذهب إليه أهل القول الثاني، فهو وإن كان فيه حمل الوارث على معناه الحقيقي، لكن في إيجاب النفقة عليه مع غنى الصبيّ ما فيه، ولهذا قيده القائل به بأن يكون الصبي فقيراً، ووجه الاختلاف في تفسير الوارث ما تقدّم من ذكر الوالدات، والمولود له والولد، فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم.
قوله: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً} الضمير للوالدين. والفصال: الفطام عن الرضاع. أي: التفريق بين الصبيّ، والثدي، ومنه سمي الفصيل؛ لأنه مفصول عن أمه. وقوله: {عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا} أي: صادراً عن تراض من الأبوين إذا كان الفصال قبل الحولين: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} في ذلك الفصال. سبحانه لما بين أن مدّة الرضاع حولين كاملين قيد ذلك بقوله: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة} وظاهره أن الأب وحده إذا أراد أن يفصل الصبيّ قبل الحولين كان ذلك جائزاً له، وهنا اعتبر سبحانه تراضي الأبوين وتشاورهما فلا بدّ من الجمع بين الأمرين: بأن يقال إن الإرادة المذكورة في قوله: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة} لا بدّ أن تكون منهما، أو يقال: إن تلك الإرادة إذا لم يكن الأبوان للصبيّ حيين بأن كان الموجود أحدها، أو كانت المرضعة للصبي ظئراً غير أمه. والتشاور: استخراج الرأي يقال: شُرْتُ العسل: استخرجته، وشُرْتُ الدابة: أجريتها لاستخراج جريها، فلا بدّ لأحد الأبوين إذا أراد فصال الرضيع أن يراضي الآخر، ويشاوره حتى يحصل الاتفاق بينهما على ذلك.
قوله: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم} قال الزجاج: التقدير أن تسترضعوا لأولادكم غير الوالدة. وعن سيبويه أنه حذف اللام؛ لأنه يتعدّى إلى مفعولين، والمفعول الأول محذوف، والمعنى: أن تسترضعوا المراضع أولادكم {إذا سلمتم ما آتيتم} بالمدّ، أي: أعطيتم، وهي قراءة الجماعة إلا ابن كثير، فإنه قرأ بالقصر. أي: فعلتم، ومنه قول زهير:
وَمَا كَانَ مِنْ خَيْرِ أتَوْه فَإنَّما *** توارثَه آباءُ آبائهم قَبْلُ
والمعنى أنه لا بأس عليكم أن تسترضعوا أولادكم غير أمهاتهم إذا سلمتم إلى الأمهات أجرهنّ بحساب ما قد أرضعن لكم، إلى وقت إرادة الاسترضاع، قاله سفيان الثوري، ومجاهد.
وقال قتادة، والزهري: إن معنى الآية: إذا سلمتم ما آتيتم من إرادة الاسترضاع أي: سلم كل واحد من الأبوين ورضي، وكان ذلك عن اتفاق منهما، وقصد خير وإرادة معروف من الأمر، وعلى هذا، فيكون قوله: {سَلَّمْتُم} عاماً للرجال، والنساء تغليباً، وعلى القول الأول الخطاب للرجال فقط، وقيل: المعنى: إذا سلمتم لمن أردتم استرضاعها أجرها، فيكون المعنى إذا سلمتم ما أردتم إيتاءه. أي: إعطاءه إلى المرضعات بالمعروف، أي: بما يتعارفه الناس من أجر المرضعات من دون مماطلة لهنّ، أو حط بعض ما هو لهنّ من ذلك، فإن عدم توفير أجرهنّ يبعثهنّ على التساهل بأمر الصبيّ، والتفريط في شأنه. لما ذكر سبحانه عدّة الطلاق، واتصل بذكرها ذكر الإرضاع عقَّب ذلك بذكر عدّة الوفاة، لئلا يتوهم أن عدّة الوفاة مثل عدّة الطلاق. قال الزجاج: ومعنى الآية، والرجال الذين يتوفون منكم، ويذرون أزواجاً: أي: ولهم زوجات، فالزوجات يتربصن.
وقال أبو علي الفارسي: تقديره، والذين يتوفون منكم، ويذرون أزواجاً يتربصن بعدهم، وهو: كقولك السمن مَنَوان بدرهم. أي: منه.
وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى: وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون. وقيل: التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، ذكره صاحب الكشاف، وفيه أن قوله: {وَيَذَرُونَ أزواجا} لا يلائم ذلك التقدير؛ لأن الظاهر من النكرة المعادة المغايرة.
وقال بعض النحاة من الكوفيين: إن الخبر عن الذين متروك، والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهنّ يتربصنّ. ووجه الحكمة في جعل العدّة للوفاة هذا المقدار أن الجنين الذكر يتحرك في الغالب لثلاثة أشهر، والأنثى لأربعة، فزاد الله سبحانه على ذلك عشراً؛ لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة، فتتأخر حركته قليلاً، ولا تتأخر عن هذا الأجل.
وظاهر هذه الآية العموم، وأن كل من مات عنها زوجها تكون عدّتها هذه العدّة، ولكنه قد خصص هذا العموم قوله تعالى: {وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] وإلى هذا ذهب الجمهور.
وروى عن بعض الصحابة، وجماعة من أهل العلم أن الحامل تعتدّ بآخر الأجلين جمعاً بين العام والخاص، وإعمالاً لهما، والحق ما قاله الجمهور، والجمع بين العام، والخاص على هذه الصفة لا يناسب قوانين اللغة، ولا قواعد الشرع، ولا معنى لإخراج الخاص من بين أفراد العام إلا بيان أن حكمه مغاير لحكم العام، ومخالف له.
وقد صح صلى الله عليه وسلم عنه أنه أذن لسبيعة الأسلمية أن تتزوّج بعد الوضع، والتربص الثاني، والتصبر عن النكاح.
وظاهر الآية عدم الفرق بين الصغيرة، والكبيرة، والحرّة والأمة، وذات الحيض، والآيسة، وأن عدّتهنّ جميعاً للوفاة أربعة أشهر وعشر. وقيل: إن عدّة الأمة نصف عدّة الحرة شهران وخمسة أيام. قال ابن العربي إجماعاً إلا ما يحكى عن الأصم، فإنه سوّى بين الحرة، والأمة، وقال الباجي: ولا نعلم في ذلك خلافاً إلا ما يروى عن ابن سيرين أنه قال: عدّتها عدّة الحرّة، وليس بالثابت عنه، ووجه ما ذهب إليه الأصمّ، وابن سيرين ما في هذه الآية من العموم، ووجه ما ذهب إليه من عداهما قياس عدّة الوفاة على الحد، فإنه ينصف للأمة بقوله سبحانه: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب} [النساء: 25].
وقد تقدم حديث: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدّتها حيضتان» وهو: صالح للإحتجاج به، وليس المراد منه: إلا جعل طلاقها على النصف من طلاق الحرة، وعدّتها على النصف من عدّتها، ولكنه لما لم يمكن أن يقال: طلاقها تطليقة ونصف، وعدّتها حيضة ونصف، لكون ذلك لا يعقل كانت عدّتها، وطلاقها ذلك القدر المذكور في الحديث جبراً للكسر، ولكن ها هنا أمر يمنع من هذا القياس الذي عمل به الجمهور، وهو أن الحكمة في جعل عدّة الوفاة أربعة أشهر وعشراً هو ما قدّمنا من معرفة خلوّها من الحمل، ولا يعرف إلا بتلك المدّة.
ولا فرق بين الحرة، والأمة في مثل ذلك، بخلاف كون عدتها في غير الوفاة حيضتين، فإن ذلك يعرف به خلو الرحم، ويؤيد عدم الفرق ما سيأتي في عدّة أم الولد.
واختلف أهل العلم في عدّة أم الولد لموت سيدها. فقال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وإسحاق، وابن راهويه، وأحمد بن حنبل في رواية عنه: أنها تعتدّ بأربعة أشهر وعشر لحديث عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم: «عدّة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر». أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم وصححه، وضعفه أحمد، وأبو عبيد. وقال الدارقطني: الصواب: أنه موقوف.  وقال طاوس، وقتادة: عدّتها شهران وخمس ليال.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، والحسن بن صالح: تعتدّ بثلاث حيض، وهو: قول عليّ، وابن مسعود، وعطاء، وإبراهيم النخعي.
وقال مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه: عدّتها حيضة، وغير الحائض شهر، وبه يقول ابن عمر، والشعبي، ومكحول، والليث، وأبو عبيد، وأبو ثور، والجمهور.
قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} المراد بالبلوغ هنا: انقضاء العدّة {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ أَنفُسِهِنَّ} من التزين، والتعرّض للخطاب {بالمعروف} الذي لا يخالف شرعاً، ولا عادة مستحسنة.
وقد استدل بذلك على وجوب الإحداد على المعتدة عدة الوفاة.
وقد ثبت ذلك في الصحيحين، وغيرهما من غير وجه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» وكذلك ثبت عنه في الصحيحن، وغيرهما النهي عن الكحل لمن هي في عدّة الوفاة، والإحداد: ترك الزينة من الطيب، وليس الثياب الجيدة، والحليّ، وغير ذلك، ولا خلاف في وجوب ذلك في عدّة الوفاة، ولا خلاف في عدم وجوبه في عدّة الرجعية.
واختلفوا في عدّة البائنة على قولين، ومحل ذلك كتب الفروع.
الجناح: الإثم، أي: لا إثم عليكم، والتعريض ضد التصريح، وهو: من عرض الشيء. أي: جانبه، كأنه يحوم به حول الشيء، ولا يظهره. وقيل: هو من قولك: عرضت الرجل. أي: أهديت له. ومنه أن ركباً من المسلمين عرضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر ثياباً بيضاً، أي: أهدوا لهما، فالمعرض بالكلام يوصل إلى صاحبه كلاماً يفهم معناه.
وقال في الكشاف: الفرق بين الكناية، والتعريض، أن الكناية أن يذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض أن يذكر شيئاً يدل به على شيء لم يذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم، ولذلك قالوا:
وحسبك بالتسليم مني تقاضياً ***
وكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض، ويسمى التلويح؛ لأنه يلوح منه ما يريده. انتهى. والخطبة بالكسر: ما يفعله الطالب من الطلب، والاستلطاف بالقول، والفعل، يقال: خطبها يخطبها خطبة، وخطباً. وأما الخطبة بضم الخاء، فهي الكلام الذي يقوم به الرجل خاطباً.


وقوله: {أَكْنَنتُمْ} معناه سترتم، وأضمرتم من التزويج بعد انقضاء العدة. والإكنان: التستر والإخفاء: يقال: أكننته، وكننته بمعنى واحد. ومنه {بيض مكنون} [الصافات: 9]، ودر مكنون. ومنه أيضاً أكنّ البيت صاحبه. أي: ستره. وقوله: {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} أي: علم الله أنكم لا تصبرون عن النطق لهنّ برغبتكم فيهن، فرخص لكم في التعريض دون التصريح.
وقال في الكشاف: إن فيه طرفاً من التوبيخ كقوله: {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ}. وقوله: {ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا} معناه: على سرّ، فحذف الحرف؛ لأن الفعل لا يتعدى إلى المفعولين.
وقد اختلف العلماء في معنى السر، فقيل: معناه نكاحاً. أي: لا يقل الرجل لهذه المعتدّة تزوّجيني بل يعرض تعريضاً.
وقد ذهب إلى أن معنى الآية هذا جمهور العلماء، وقيل: السرّ: الزنا، أي: لا يكن منكم مواعدة على الزنا في العدّة، ثم التزويج بعدها. قاله جابر بن زيد، وأبو مجلز، والحسن، وقتادة، والضحاك، والنخعي، واختاره ابن جرير الطبري، ومنه قول حطيئة:
وَيَحْرُمُ سِرُّ جَارَتِهِم عَلَيهم *** وَيَأْكُلُ جَارُهُم أنفَ القِصَاعِ
وقيل: السرّ: الجماع، أي: لا تصفوا أنفسكم لهنّ بكثرة الجماع ترغيباً لهنّ في النكاحّ، وإلى هذا ذهب الشافعي في معنى الآية، ومنه قول امرئ القيس:
ألاَ زَعَمْت بَسْبَاسة اليوم أنَّني *** كِبرْتُ وَأنْ لا يُحْسِن السِرّ أمثَاليِ

أراد: تطلبون نكاحها لكثرة مالها، ولن تسلموها لقلة مالها، والاستدراك بقوله: {لَكِنِ} من مقدّر محذوف دلّ عليه {سَتَذْكُرُونَهُنَّ} أي: فاذكروهنّ {ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا}. قال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو رفث من ذكر جماع، أو تحريض عليه لا يجوز.


وقال أيضاً: أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدّة للمرأة في نفسها، وللأب في ابنته البكر، وللسيد في أمته. قوله: {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} قيل: هو استثناء منقطع بمعنى لكن، والقول المعروف: هو ما أبيح من التعريض. ومنع صاحب الكشاف أن يكون منقطعاً، وقال: هو مستثنى من قوله: {لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ} أي: لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة؛ فجعله على هذا استثناء مفرغاً، ووجه منع كونه منقطعاً أنه يؤدي إلى جعل التعريض موعوداً، وليس كذلك؛ لأن التعريض طريق المواعدة، لا أنه الموعود في نفسه. قوله: {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح} قد تقدّم الكلام في معنى العزم، يقال: عزم الشيء، وعزم عليه، والمعنى هنا: لا تعزموا على عقدة النكاح، ثم حذف {على}. قال سيبويه: والحذف في هذه الآية لا يقاس عليه.
وقال النحاس: يجوز أن يكون المعنى، ولا تعقدوا عقدة النكاح؛ لأن معنى تعزموا، وتعقدوا واحد، وقيل: إن العزم على الفعل يتقدّمه، فيكون في هذا النهي مبالغة؛ لأنه إذا نهى عن المتقدم على الشيء، كان النهي عن ذلك الشيء بالأولى. قوله: {حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ} يريد حتى تنقضي العدّة، والكتاب هنا هو: الحدّ، والقدر الذي رسم من المدّة، سماه كتاباً؛ لكونه محدوداً، ومفروضاً كقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} [النساء: 103] وهذا الحكم أعني تحريم عقد النكاح في العدّة مجمع عليه.

المراد بالجناح هنا: التبعة من المهر، ونحوه، فرفعه رفع لذلك، أي: لا تبعة عليكم بالمهر، ونحوه إن طلقتم النساء على الصفة المذكورة، و{ما} في قوله: {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} هي مصدرية ظرفية بتقدير المضاف، أي: مدّة عدم مسيسكم. ونقل أبو البقاء أنها شرطية من باب اعتراض الشرط على الشرط ليكون الثاني قيداً للأوّل كما في قولك: إن تأتني إن تحسن إليّ أكرمك. أي: إن تأتني محسناً إليّ، والمعنى: إن طلقتموهن غير ماسين لهنّ. وقيل: إنها موصولة، أي: إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهنّ، وهكذا اختلفوا في قوله: {أَوْ تَفْرِضُواْ} فقيل: {أو} بمعنى (إلا) أي: إلا أن تفرضوا. وقيل: بمعنى حتى، أي: حتى تفرضوا. وقيل: بمعنى الواو، أي: وتفرضوا. ولست أرى لهذا التطويل وجهاً. ومعنى الآية أوضح من أن يلتبس، فإن الله سبحانه رفع الجناح عن المطلقين ما لم يقع أحد الأمرين. أي: مدّة انتفاء ذلك الأحد، ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بإنتفاء الأمرين معاً، فإن وجد المسيس، وجب المسمى، أو مهر المثل، وإن وجد الفرض وجب نصفه مع عدم المسيس، وكل واحد منها جناح. أي: المسمى، أو نصفه، أو مهر المثل.
واعلم أن المطلقات أربع: مطلقة مدخول بها مفروض لها، وهي التي تقدّم ذكرها قبل هذه الآية، وفيها نهى الأزواج عن أن يأخذوا مما آتوهنّ شيئاً، وأن عدّتهنّ ثلاثة قروء. ومطلقة غير مفروض لها، ولا مدخول بها، وهي المذكورة هنا، فلا مهر لها، بل المتعة، وبين في سورة الأحزاب أن غير المدخول بها إذا طلقت، فلا عدّة عليها. ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها، وهي المذكورة بقوله سبحانه هنا: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها، وهي المذكورة في قوله تعالى: {فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 24] والمراد بقوله: {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} ما لم تجامعوهنّ؛ وقرأ ابن مسعود: {من قبل أن تجامعوهنّ} أخرجه عنه ابن جرير، وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: {ما لم تمسوهنّ} وقرأ حمزة، والكسائي: {تماسوهنّ} من المفاعلة، والمراد بالفريضة هنا تسمية المهر.
قوله: {وَمَتّعُوهُنَّ} أي: أعطوهن شيئاً يكون متاعاً لهنّ، وظاهر الأمر الوجوب، وبه قال علي، وابن عمر، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، والزهري، وقتادة، والضحاك، ومن أدلة الوجوب قوله تعالى: {ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتّعُوهُنَّ وَسَرّحُوهُنَّ سراحاً جميلاً} [الأحزاب: 49] وقال مالك، وأبو عبيد، والقاضي شريح، وغيرهم: إن المتعة للمطلقة المذكورة مندوبة لا واجبة لقوله تعالى: {حَقّا عَلَى المحسنين} ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين، ويجاب عنه بأن ذلك لا ينافي الوجوب بل هو تأكيد له، كما في قوله في الآية الأخرى: {حَقّاُ عَلَى المتقين} [البقرة: 241] أي: أن الوفاء بذلك، والقيام به شأن أهل التقوى، وكل مسلم يجب عليه أن يتقي الله سبحانه،


وقد وقع الخلاف أيضا هل المتعة مشروعة لغير هذه المطلقة قبل المسيس، والفرض أم ليست بمشروعة إلا لها فقط؟ فقيل: إنها مشروعة لكل مطلقة، وإليه ذهب ابن عباس، وابن عمر، وابن عطاء وعطاء، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، والحسن البصري، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد وإسحاق، ولكنهم اختلفوا هل هي واجبة في غير المطلقة قبل البناء، والفرض أم مندوبة فقط، واستدلوا بقوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حَقّا عَلَى المتقين} وبقوله تعالى: {ياأيها النبى قُل لأزواجك إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جميلاً} [الأحزاب: 28] والآية الأولى عامة لكل مطلقة، والثانية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كنّ مفروضاً لهنّ مدخولاً بهنّ.
وقال سعيد بن المسيب: إنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضاً لها لقوله تعالى: {وَكِيلاً ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتّعُوهُنَّ} [الأحزاب: 49] قال: هذه الآية التي في الأحزاب نسخت التي في البقرة.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المتعة مختصة بالمطلقة قبل البناء. والتسمية؛ لأن المدخول بها تستحق جميع المسمى، أو مهر المثل، وغير المدخولة التي قد فرض لها زوجها فريضة، أي: سمى لها مهراً، وطلقها قبل الدخول تستحق نصف المسمى، ومن القائلين بهذا ابن عمر، ومجاهد.
وقد وقع الإجماع على أن المطلقة قبل الدخول، والفرض لا تستحق إلا المتعة إذا كانت حرة. وأما إذا كانت أمة، فذهب الجمهور إلى أن لها المتعة، وقال الأوزاعي، والثوري: لا متعة لها؛ لأنها تكون لسيدها، وهو لا يستحق مالاً في مقابل تأذي مملوكته؛ لأن الله سبحانه إنما شرع المتعة للمطلقة قبل الدخول، والفرض، لكونها تتأذى بالطلاق قبل ذلك.
وقد اختلفوا في المتعة المشروعة هل هي مقدّرة بقدر أم لا؟ فقال مالك، والشافعي في الجديد: لا حدّ لها معروف بل ما يقع عليه اسم المتعة.
وقال أبو حنيفة: إنه إذا تنازع الزوجان في قدر المتعة وجب لها نصف مهر مثلها، ولا ينقص من خمسة دراهم؛ لأن أقل المهر عشرة دراهم. وللسلف فيها أقوال سيأتي ذكرها إن شاء الله.
وقوله: {عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ} يدل على أن الاعتبار في ذلك بحال الزوج، فالمتعة من الغني فوق المتعة من الفقير. وقرأ الجمهور على الموسع بسكون الواو، وكسر السين، وهو الذي اتسعت حاله.
وقرأ أبو حيوة بفتح الواو، وتشديد السين، وفتحها. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر قدره بسكون الدال فيهما. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص بفتح الدال فيهما. قال الأخفش، وغيره: هما لغتان فصيحتان، وهكذا يقرأ في قوله تعالى: {فَسَألَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17]. وقوله: {وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] والمقتر المقلّ، ومتاعاً مصدر مؤكد لقوله: {وَمَتّعُوهُنَّ}. والمعروف: ما عرف في الشرع، والعادة الموافقة له. وقوله: {حَقّاً} وصف لقوله: {متاعا} أو مصدر لفعل محذوف، أي: حق ذلك حقاً، يقال: حققت عليه القضاء، وأحققت، أي: أوجبت.
قوله: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} الآية، فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء، والفرض التي تستحق المتعة. وقوله: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أي قالوا: وجب عليكم نصف ما سميتم لهنّ من المهر، وهذا مجمع عليه. وقرأ الجمهور: {فَنِصْفُ} بالرفع. وقرأ من عدا الجمهور بالنصب، أي: فادفعوا نصف ما فرضتم، وقرئ أيضاً بضم النون، وكسرها، وهما لغتان.
وقد وقع الاتفاق أيضاً على أن المرأة التي لم يدخل بها زوجها، ومات، وقد فرض لها مهراً تستحقه كاملاً بالموت، ولها الميراث، وعليها العدة.
واختلفوا في الخلوة هل تقوم مقام الدخول، وتستحق المرأة بها كمال المهر، كما تستحقه بالدخول أم لا؟ فذهب إلى الأول مالك، والشافعي في القديم، والكوفيون، والخلفاء الراشدون، وجمهور أهل العلم، وتجب عندهم أيضاً العدّة.
وقال الشافعي في الجديد: لا يجب إلا نصف المهر، وهو ظاهر الآية لما تقدّم من أن المسيس هو الجماع، ولا تجب عنده العدّة، وإليه ذهب جماعة من السلف.
قوله: {إَّلا أَن يَعْفُونَ} أي: المطلقات، ومعناه: يتركن، ويصفحن، ووزنه يفعلن، وهو استثناء مفرغ من أعمّ العام، وقيل: منقطع، ومعناه: يتركن النصف الذي يجب لهنّ على الأزواج. ولم تسقط النون مع {أن} لأن جمع المؤنث في المضارع على حالة واحدة في الرفع، والنصب، والجزم لكون النون ضميراً، وليست بعلامة إعراب كما في المذكر في قولك: الرجال يعفون، وهذا عليه جمهور المفسرين.
وروى عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: {إَّلا أَن يَعْفُونَ} يعني: الرجال، وهو ضعيف لفظاً. ومعنى قوله: {أَوْ يَعْفُوَاْ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح} معطوف على محل قوله: {إلا أن يعفون} لأن الأول مبني، وهذا معرب؛ قيل: هو الزوج، وبه قال جبير بن مطعم، وسعيد بن المسيب، وشريح، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، وعكرمة، ونافع، وابن سيرين، والضحاك، ومحمد بن كعب القرظي، وجابر بن زيد، وأبو مجْلَز، والربيع بن أنس، وإياس بن معاوية، ومكحول، ومقاتل بن حيان، وهو الجديد من قول الشافعي، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وابن شبرمة، والأوزاعي، ورجحه ابن جرير. وفي هذا القول قوّة وضعف؛ أما قوته، فلكون الذي بيده عقدة النكاح حقيقة هو الزوج؛ لأنه هو الذي إليه رفعه بالطلاق، وأما ضعفه فلكون العفو منه غير معقول، وما قالوا به من أن المراد بعفوه أن يعطيها المهر كاملاً غير ظاهر. لأن العفو لا يطلق على الزيادة.
وقيل: المراد بقوله: {أَوْ يَعْفُوَاْ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح} هو: الولي، وبه قال النخعي، وعلقمة، والحسن، وطاوس، وعطاء، وأبو الزناد، وزيد بن أسلم، وربيعة، والزهري، والأسود بن يزيد، والشعبي، وقتادة، ومالك، والشافعي في قوله القديم، وفيه قوّة وضعف؛ أما قوّته لفكون معنى العفو فيه معقولاً؛ وأما ضعفه، فلكون عقدة النكاح بيد الزوج لا بيده، ومما يزيد هذا القول ضعفاً أنه ليس للولي أن يعفو عن الزوج مما لا يملكه.
وقد حكى القرطبي الإجماع على أن الوليّ لا يملك شيئاً من مالها، والمهر مالها. فالراجح ما قاله الأوّلون لوجهين: الأوّل أن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح حقيقة. الثاني: أن عفوه بإكمال المهر هو صادر عن المالك مطلق التصرف بخلاف الولي، وتسمية الزيادة عفواً، وإن كان خلاف الظاهر، لكن لما كان الغالب أنهم يسوقون المهر كاملاً عند العقد كان العفو معقولاً، لأنه تركه لها، ولم يسترجع النصف منه، ولا يحتاج في هذا إلى أن يقال: إنه من باب المشاكلة كما في الكشاف، لأنه عفو حقيقي أي: ترك لما يستحق المطالبة به، إلا أن يقال: إنه مشاكلة، أو يطيب في توفية المهر قبل أن يسوقه الزوج.
قوله: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى} قيل: هو خطاب للرجال، والنساء تغليباً؛ وقرأه الجمهور بالتاء الفوقية، وقرأ أبو نهيك، والشعبي بالياء التحتية، فيكون الخطاب مع الرجال. وفي هذا دليل على ما رجحناه من أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج؛ لأن عفو الوليّ عن شيء لا يملكه ليس هو أقرب إلى التقوى، بل أقرب إلى الظلم والجور. قوله: {ولا تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ} قرأه الجمهور بضم الواو، وقرأ يحيى بن يعمر بكسرها، وقرأ علي، ومجاهد، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: {ولا تناسوا} والمعنى: أن الزوجين لا ينسيان التفضل من كل واحد منهما على الآخر، ومن جملة ذلك أن تتفضل المرأة بالعفو عن النصف، ويتفضل الرجل عليها بإكمال المهر، وهو إرشاد للرجال، والنساء من الأزواج إلى ترك التقصي على بعضهم بعضاً، والمسامحة فيما يستغرقه أحدهما على الآخر للوصلة التي قد وقعت سهماً من إفضاء البعض إلى البعض، وهي وصلة لا يشبهها، وصلة، فمن رعاية حقها، ومعرفتها حق معرفتها الحرص منهما على التسامح. وقوله: {إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيه من رغيب المحسن، وترهيب غيره ما لا يخفى.

المقطع الثالث عشر: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ ? مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّـهُ ? وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ? وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ? وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـ?كِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ? وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَـ?كِنَّ اللَّـهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ????? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ? وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ????? اللَّـهُ لَا إِلَـ?هَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ? لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ? لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ? يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ? وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ? وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ? وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ? وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ????? لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ? قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ? فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى? لَا انفِصَامَ لَهَا ? وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ?????اللَّـهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ? وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ? أُولَـ?ئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?????

قوله: {تِلْكَ الرسل} قيل: هو إشارة إلى جميع الرسل، فتكون الألف واللام للاستغراق، وقيل: هو إشارة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة، وقيل: إلى الأنبياء الذين بلغ علمهم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. والمراد بتفضيل بعضهم على بعض: أن الله سبحانه جعل لبعضهم من مزايا الكمال فوق ما جعله للآخر، فكان الأكثر مزايا فاضلاً، والآخر مفضولاً. وكما دلت هذه الآية على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض كذلك دلت الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً} [الإسراء: 55].
وقد استشكل جماعة من أهل العلم الجمع بين هذه الآية، وبين ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: «لا تفضلوني على الأنبياء» وفي لفظ آخر: «لا تفضلوا بين الأنبياء» وفي لفظ: «لا تخيروا بين الأنبياء» فقال قوم: إن هذا القول منه صلى الله عليه وسلم كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل، وقيل: إنه قال صلى الله عليه وسلم ذلك على سبيل التواضع كما قال: «لا يقل أحدكم أنا خير من يونس بن متى» تواضعاً مع علمه أنه أفضل الأنبياء كما يدل عليه قوله: «أنا سيد ولد آدم»؛ وقيل: إنما نهى عن ذلك قطعاً للجدال، والخصام في الأنبياء، فيكون مخصوصاً بمثل ذلك لا إذا كان صدور ذلك مأموناً، وقيل: إن النهي إنما هو من جهة النبوة فقط؛ لأنها خصلة واحدة لا تفاضل فيها، ولا نهي عن التفاضل بزيادة الخصوصيات، والكرامات. وقيل: إن المراد النهي عن التفضيل لمجرد الأهواء، والعصبية. وفي جميع هذه الأقوال ضعف. وعندي أنه لا تعارض بين القرآن، والسنة، فإن القرآن دلّ على أن الله فضل بعض أنبيائه على بعض، وذلك لا يستلزم أنه يجوز لنا أن نفضل بعضهم على بعض، فإن المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند الله لا تخفى عليه منها خافية فيه، وليست بمعلومة عند البشر، فقد يجهل اتباع نبيّ من الأنبياء بعض مزاياه، وخصوصياته فضلاً عن مزايا غيره، والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها هذا فاضلاً، وهذا مفضولاً، لا قبل العلم ببعضها، أو بأكثرها، أو بأقلها، فإن ذلك تفضيل بالجهل، وإقدام على أمر لا يعلمه الفاعل له، وهو ممنوع منه، فلو فرضنا أنه لم يرد إلا القرآن في الإخبار لنا بأن الله فضل بعض أنبيائه على بعض لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أن يفضلوا بين الأنبياء، فكيف وقد وردت السنة الصحيحة بالنهي عن ذلك؟ وإذا عرفت هذا علمت أنه لا تعارض بين القرآن، والسنة بوجه من الوجوه، فالقرآن فيه الإخبار من الله بأنه فضل بعض أنبيائه على بعض، والسنة فيها النهي لعباده أن يفضلوا بين أنبيائه، فمن تعرّض للجمع بينهما زاعماً أنهما متعارضان، فقد غلط غلطاً بيناً.
قوله: {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله} وهو موسى، ونبينا سلام الله عليهما.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في آدم: «إنه نبيّ مكلم» وقد ثبت ما يفيد ذلك في صحيح ابن حبان من حديث أبي ذر. قوله: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات} هذا البعض يحتمل أن يراد به من عظمت منزلته عند الله سبحانه من الأنبياء، ويحتمل أن يراد به نبينا صلى الله عليه وسلم لكثرة مزاياه المقتضية لتفضيله، ويحتمل أن يراد به إدريس؛ لأن الله سبحانه أخبرنا بأنه رفعه مكاناً علياً، وقيل: إنهم أولوا العزم، وقيل: إبراهيم، ولا يخفاك أن الله سبحانه أبهم هذا البعض المرفوع، فلا يجوز لنا التعرّض للبيان له إلا ببرهان من الله سبحانه، أو من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، ولم يرد ما يرشد إلى ذلك، فالتعرّض لبيانه هو من تفسير القرآن الكريم بمحض الرأي، وقد عرفت ما فيه من الوعيد الشديد مع كون ذلك ذريعة إلى التفضيل بين الأنبياء، وقد نهينا عنه، وقد جزم كثير من أئمة التفسير أنه نبينا، وأطالوا في ذلك، واستدلوا بما خصه الله به من المعجزات، ومزايا الكمال، وخصال الفضل، وهم بهذا الجزم بدليل لا يدل على المطلوب، قد وقعوا في خطرين، وارتكبوا نهيين، وهما: تفسير القرآن بالرأي، والدخول في ذرائع التفضيل بين الأنبياء، وإن لم يكن ذلك تفضيلاً صريحاً، فهو ذريعة إليه بلا شك، ولا شبهة؛ لأن من جزم بأن هذا البعض المرفوع درجات هو النبيّ الفلاني، انتقل من ذلك إلى التفضيل المنهيّ عنه، وقد أغني الله نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم عن ذلك بما لا يحتاج معه إلى غيره من الفضائل، والفواضل، فإياك أن تتقرّب إليه صلى الله عليه وسلم بالدخول في أبواب نهاك عن دخولها، فتعصيه، وتسيء، وأنت تظن أنك مطيع محسن.
قوله: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} أي: الآيات الباهرة، والمعجزات الظاهرة من إحياء الأموات، وإبراء المرضى، وغير ذلك. قوله: {وأيدناه بِرُوحِ القدس} هو: جبريل، وقد تقدّم الكلام على هذا. قوله: {وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم} أي: من بعد الرسل، وقيل: من بعد موسى، وعيسى، ومحمد؛ لأن الثاني مذكور صريحاً، والأول، والثالث وقعت الإشارة إليهما بقوله: {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله} أي: لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا، فمفعول المشيئة محذوف على القاعدة {ولكن اختلفوا} استثناء من الجملة الشرطية، أي: ولكن الاقتتال ناشيء عن اختلافهم اختلافاً عظيماً حتى صاروا مللاً مختلفة {مِنْهُمْ مّنْ آمن وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء الله} عدم اقتتالهم بعد هذا الاختلاف {مَا اقتتلوا ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} لا رادّ لحكمه، ولا مبدّل لقضائه، فهو يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.

ظاهر الأمر في قوله: {أَنفَقُواْ} الوجوب، وقد حمله جماعة على صدقة الفرض لذلك، ولما في آخر الآية من الوعيد الشديد، وقيل: إن هذه الآية تجمع زكاة الفرض، والتطوّع. قال ابن عطية: وهذا صحيح، ولكن ما تقدّم من الآيات في ذكر القتال، وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله. قال القرطبي: وعلى هذا التأويل يكون إنفاق المال مرة واجباً، ومرة ندباً بحسب تعين الجهاد، وعدم تعينه. قوله: {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} أي: أنفقوا ما دمتم قادرين {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ} ما لا يمكنكم الإنفاق فيه، وهو: {يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} أي: لا يتبايع الناس فيه. والخلة: خالص الموّدة مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين. أخبر سبحانه أنه لا خلة في يوم القيامة نافعة، ولا شفاعة مؤثرة إلا لمن أذن الله له. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بنصب لا بيع ولا خلة، ولا شفاعة، من غير تنوين. وقرأ الباقون برفعها منوّنة، وهما لغتان مشهورتان للعرب، ووجهان معروفان عند النحاة، فمن الأوّل قول حسان بن ثابت:
ألا طِعانَ ألا فُرسانَ عَادِية *** ألا تجسُّؤكم حول التَّنَانير
ومن الثاني قول الراعي:
وما صَرَمْتِكِ حَتَّى قُلْتَ مُعْلِنَةً *** لا ناقة لِيَ في هَذَا وَلاَ جَمَلُ
ويجوز في غير القرآن التغاير برفع البعض، ونصب البعض، كما هو مقرر في علم الإعراب. قوله: {والكافرون هُمُ الظالمون} فيه دليل على أن كل كافر ظالم لنفسه، ومن جملة من يدخل تحت هذا العموم مانع الزكاة منعاً يوجب كفره لوقوع ذلك في سياق الأمر بالإنفاق.

قوله: {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} أي: لا معبود بحق إلا هو، وهذه الجملة خبر المبتدأ. و{الحيّ}: الباقي. وقيل: الذي لا يزول، ولا يحول. وقيل: المصرّف للأمور، والمقدّر للأشياء. قال الطبري عن قوم إنه يقال: حيّ كما وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه، وهو خبر ثان، أو مبتدأ خبره محذوف. و{القيوم}: القائم على كل نفس بما كسبت. وقيل: القائم بذاته المقيم لغيره، وقيل: القائم بتدبير الخلق، وحفظه، وقيل: هو الذي لا ينام، وقيل: الذي لا بديل له. وأصل قيوم: قيووم اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء. وقرأ ابن مسعود، وعلقمة، والنخعي، والأعمش: {الحيّ القيام} بالألف، وروي ذلك عن عمر، ولا خلاف بين أهل اللغة أن القيوم أعرف عند العرب، وأصح بناء، وأثبت علة.
والسنة: النعاس في قول الجمهور، والنعاس: ما يتقدّم النوم من الفتور، وانطباق العينين، فإذا صار في القلب صار نوماً. وفرق المفصّل بين السِّنَة، والنعاس، والنوم فقال: السنة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب. انتهى. والذي ينبغي التعويل عليه في الفرق بين السنة والنوم، أن السِّنة لا يفقد معها العقل، بخلاف النوم، فإنه استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الأبخرة حتى يفقد معه العقل، بل وجميع الإدراكات بسائر المشاعر، والمراد: أنه لا يعتريه سبحانه شيء منهما، وقدّم السنة على النوم، لكونها تتقدّمه في الوجود. قال الرازي في تفسيره: إن السنة ما تتقدّم النوم، فإذا كانت عبارة عن مقدّمة النوم، فإذا قيل: لا تأخذه سنة دلّ على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى، فكان ذكر النوم تكراراً، قلنا: تقدير الآية لا تأخذه سنة فضلاً عن أن يأخذه نوم، والله أعلم بمراده. انتهى. وأقول: إن هذه الأولوية التي ذكرها غير مسلمة، فإن النوم قد يرد ابتداء من دون ما ذكر من النعاس. وإذا ورد على القلب، والعين دفعة واحدة، فإنه يقال له نوم، ولا يقال له سنة، فلا يستلزم نفي السنة نفي النوم.
وقد ورد عن العرب نفيهما جميعاً، ومنه قول زهير:
وَلاَ سِنَةٌ طوالُ الدّهْرِ تَأخَذه *** وَلا يَنَامُ وَمَا في أمْرِه فَنَدُ
فلم يكتف بنفي السنة، وأيضاً، فإن الإنسان يقدر على أن يدفع عن نفسه السنة، ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه النوم، فقد يأخذه النوم، ولا تأخذه السنة، فلو وقع الاقتصار في النظم القرآني على نفي السنة لم يفد ذلك نفي النوم، وهكذا لو وقع الاقتصار على نفي النوم لم يفد نفي السنة، فكم من ذي سِنة غير نائم. وكرّر حرف النفي للتنصيص على شمول النفي لكل واحد منهما.
قوله: {مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} في هذا الاستفهام من الإنكار على من يزعم أن أحداً من عباده يقدر على أن ينفع أحداً منهم بشفاعة، أو غيرها، والتقريع، والتوبيخ له ما لا مزيد عليه، وفيه من الدفع في صدور عباد القبور، والصدّ في وجوههم، والفت في أعضادهم ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، والذي يستفاد منه فوق ما يستفاد من قوله تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى} [الأنبياء: 28] وقوله تعالى: {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن} [النبأ: 28] بدرجات كثيرة.
وقد بينت الأحاديث الصحيحة الثابتة في دواوين الإسلام صفة الشفاعة، ولمن هي، ومن يقوم بها.
قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} الضميران لما في السموات، والأرض بتغليب العقلاء على غيرهم، وما بين أيديهم، وما خلفهم عبارة، عن المتقدّم عليهم، والمتأخر عنهم، أو عن الدنيا، والآخرة، وما فيهما. قوله: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ} قد تقدّم معنى الإحاطة، والعلم هنا بمعنى: المعلوم أي: لا يحيطون بشيء من معلوماته. قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} الكرسي الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته كما سيأتي بيان ذلك.
وقد نفي وجوده جماعة من المعتزلة، وأخطئوا في ذلك خطأ بيناً، وغلطوا غلطاً فاحشاً.
وقال بعض السلف: إن الكرسي هنا عبارة عن العلم. قالوا: ومنه قيل للعلماء: الكراسي، ومنه الكراسة التي يجمع فيها العلم، ومنه قول الشاعر:
تَحُفُّ بِهْم بِيضُ الوُجُوه وعُصْبَةٌ *** كَراسيَّ بالأخْبَارِ حِينَ تَنُوبُ
ورجح هذا القول ابن جرير الطبري. وقيل: كرسيه: قدرته التي يمسك بها السموات والأرض، كما يقال اجعل لهذا الحائط كرسياً، أي ما يعمده، وقيل: إن الكرسي هو العرش. وقيل: هو تصوير لعظمته، ولا حقيقة له. وقيل: هو عبارة عن الملك. والحق القول الأوّل، ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد خيالات تسببت، عن جهالات وضلالات، والمراد بكونه وسع السموات والأرض: أنها صارت فيه، وأنه وسعها، ولم يضق عنها لكونه بسيطاً واسعاً. وقوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} معناه: لا يثقله ثقال أدنى الشيء، بمعنى أثقلني، وتحملت منه مشقة.
وقال الزجاج: يجوز أن يكون الضمير في قوله: {يَؤُودُهُ} لله سبحانه، ويجوز أن يكون للكرسي؛ لأنه من أمر الله و{العليّ} يراد به علوّ القدرة، والمنزلة.
وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: هو العليّ عن خلقه بارتفاع مكانه، عن أماكن خلقه. قال ابن عطية: وهذه أقوال جهلة مجسِّمين، وكان الواجب أن لا تحكى. انتهى.
والخلاف في إثبات الجهة معروف في السلف، والخلف، والنزاع فيه كائن بينهم، والأدلة من الكتاب، والسنة معروفة، ولكن الناشيء على مذهب يرى غيره خارجاً عن الشرع، ولا ينظر في أدلته، ولا يلتفت إليها، والكتاب، والسنة هما المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل، ويتبين به الصحيح من الفاسد {وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السموات والأرض} [المؤمنون: 71] ولا شك أن هذا اللفظ يطلق على الظاهر الغالب كما في قوله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى الأرض} [القصص: 4] وقال الشاعر:
فَلَمَّا عَلَوْنَا واسْتَوْيَنا عليهم *** تَركْنَاهُمُ صَرْعى لِنْسرٍ وَكَاسرٍ
والعظيم بمعنى: عظم شأنه، وخطره.
قال في الكشاف: إن الجملة الأولى: بيان لقيامه بتدبير الخلق، وكونه مهيمناً عليه غير ساهٍ عنه، والثانية: بيان لكونه مالكاً لما يدبره. والجملة الثالثة: بيان لكبرياء شأنه. والجملة الرابعة: بيان لإحاطته بأحوال الخلق، وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة، وغير المرتضى. والجملة الخامسة: بيان لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها، أو لجلاله، وعظم قدره.

قد اختلف أهل العلم في قوله: {لا إِكْرَاهَ فِى الدين} على أقوال: الأوّل أنها منسوخة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام، وقاتلهم، ولم يرض منهم إلا بالإسلام، والناسخ لها قوله تعالى: {ا ياأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين} [التوبة: 73، التحريم: 9] وقال تعالى: {ياأيها الذين ءامَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين} [التوبة: 123] وقال: {سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16]، وقد ذهب إلى هذا كثير من المفسرين. القول الثاني: أنها ليست بمنسوخة، وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يُكْرَهون على الإسلام إذا أدّوا الجزية، بل الذين يُكْرَهون هم أهل الأوثان، فلا يقبل منهم إلا الإسلام، أو السيف، وإلى هذا ذهب الشعبي، والحسن، وقتادة، والضحاك. القول الثالث أن هذه الآية في الأنصار خاصة، وسيأتي بيان ما ورد في ذلك. القول الرابع: أن معناها: لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف إنه مكره، فلا إكراه في الدين. القول الخامس: أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا على الإسلام.
وقال ابن كثير في تفسيره: أي: لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيِّن واضح جليُّ دلائله، وبراهينه لا تحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونوّر بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه، وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً، وهذا يصلح أن يكون قولاً سادساً.
وقال في الكشاف في تفسيره هذه الآية: أي: لم يجر الله أمر الإيمان على الإجبار، والقسر، ولكن على التمكين، والاختيار، ونحوه قوله: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] أي: لو شاء لقسرهم على الإيمان، ولكن لم يفعل، وبني الأمر على الاختيار، وهذا يصلح أن يكون قولاً سابعاً.
والذي ينبغي اعتماده، ويتعين الوقوف عنده: أنها في السبب الذي نزلت لأجله محكمة غير منسوخة، وهو أن المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّده، فلما أجليت يهود بني نضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فنزلت، أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، والبيهقي في السنن، والضياء في المختارة عن ابن عباس.
وقد وردت هذه القصة من وجوه، حاصلها ما ذكره ابن عباس مع زيادات تتضمن أن الأنصار: قالوا إنما جعلناهم على دينهم أي: دين اليهود، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وأن الله جاء بالإسلام، فلنكرههم؛ فلما نزلت خيرّ الأبناءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكرههم على الإسلام، وهذا يقتضي أن أهل الكتاب لا يكرهون على الإسلام إذا اختاروا البقاء على دينهم، وأدّوا الجزية.
وأما أهل الحرب، فالآية وإن كانت تعمهم؛ لأن النكرة في سياق النفي، وتعريف الدين يفيدان ذلك، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن قد خص هذا العموم بما ورد من آيات في إكراه أهل الحرب من الكفار على الإسلام.
قوله: {قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي} الرشد هنا: الإيمان، والغيّ: الكفر أي: قد تميز أحدهما من الآخر. وهذا استئناف يتضمن التعليل لما قبله. والطاغوت: فعلوت من طغى يطغي، ويطغو: إذا جاوز الحدّ. قال سيبويه: هو اسم مذكر مفرد أي: اسم جنس يشمل القليل، والكثير، وقال أبو علي الفارسي: إنه مصدر كرهبوت، وجبروت يوصف به الواحد، والجمع، وقلبت لامه إلى موضع العين، وعينه إلى موضع اللام كجبذ، وجذب، ثم تقلب الواو ألفاً لتحركها، وتحرك ما قبلها، فقيل: طاغوت، واختار هذا القول النحاس، وقيل: أصل الطاغوت في اللغة مأخوذ من الطغيان يؤدي معناه من غير اشتقاق، كما قيل: لآلئ من اللؤلؤ.


وقال المبرد: هو جمع. قال ابن عطية: وذلك مردود. قال الجوهري: والطاغوت: الكاهن، والشيطان، وكل رأس في الضلال، وقد يكون واحداً. قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} [النساء: 60] وقد يكون جمعاً. قال الله تعالى: {أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت} والجمع الطواغيت أي: فمن يكفر بالشيطان، أو الأصنام، أو أهل الكهانة، ورءوس الضلالة، أو بالجميع {وَيُؤْمِن بالله} عزّ وجلّ بعد ما تميز له الرشد من الغيّ، فقد فاز، وتمسك بالحبل الوثيق أي: المحكم. والوثقى: فعلى من الوثاقة، وجمعها وُثَق مثل الفضلى، والفُضَل.
وقد اختلف المفسرون في تفسير العروة الوثقى بعد اتفاقهم على أن ذلك من باب التشبيه، والتمثيل لما هو معلوم بالدليل بما هو مدرك بالحاسة، فقيل: المراد بالعروة الإيمان. وقيل: الإسلام. وقيل: لا إله إلا الله، ولا مانع من الحمل على الجميع. والانفصام: الانكسار من غير بينونة. قال الجوهري: فصم الشيء: كسره من غير أن يبين. وأما القصم بالقاف، فهو الكسر مع البينونة، وفسر صاحب الكشاف الانفصام بالانقطاع.
قوله: {الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ} الوليّ: فعيل بمعنى فاعل، وهو الناصر. وقوله: {يُخْرِجُهُم} تفسير للولاية، أو حال من الضمير في وليّ، وهذا يدل على أن المراد بقوله: {الذين كَفَرُواْ} الذين أرادوا الإيمان؛ لأن من قد وقع منه الإيمان قد خرج من الظلمات إلى النور إلا أن يراد بالإخراج إخراجهم من الشبه التي تعرض للإيمان، فلا يحتاج إلى تقدير الإرادة، والمراد بالنور في قوله: {يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات} ما جاء به أنبياء الله من الدعوة إلى الدين، فإن ذلك نور للكفار أخرجهم أولياؤهم عنه إلى ظلمة الكفر، أي: قررهم أولياؤهم على ما هم عليه من الكفر بسبب صرفهم عن إجابة الداعي إلى الله من الأنبياء.
وقيل: المراد: بالذين كفروا هنا: الذين ثبت في علمه تعالى كفرهم يخرجهم أولياؤهم من الشياطين، ورؤوس الضلال من النور الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها إلى ظلمات الكفر التي وقعوا فيها بسبب ذلك الإخراج.
في هذه الآية استشهاد على ما تقدم ذكره، من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت، وهمزة الاستفهام لإنكار النفي، والتقرير المنفي، أي: ألم ينته علمك، أو نظرك إلى هذا الذي صدرت منه هذه المحاجة؟ قال الفراء: {ألم تر} بمعنى هل رأيت: أي: هل رأيت الذي حاجّ إبراهيم، وهو النمروذ بن كوس بن كنعان بن سلم بن نوح، وقيل: إنه النمروذ بن فالخ بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام. وقوله: {أَنْ آتاه الله الملك} أي: لأن آتاه الله، أو من أجل أن آتاه الله، على معنى: أن إيتاء الملك أبطره، وأورثه الكبر، والعتو، فحاج لذلك، أو على أنه وضع المحاجة التي هي أقبح وجوه الكفر موضع ما يجب عليه من الشكر، كما يقال: عاديتني؛ لأني أحسنت إليك، أو وقت أن آتاه الله الملك. وقوله: {إِذْ قَالَ إبراهيم} هو ظرف لحاج. وقيل: بدل من قوله: {أَنْ آتاه الله الملك} على الوجه الأخير، وهو بعيد. قوله: {رَبّى * الذى يُحْيىِ وَيُمِيتُ} بفتح ياء ربي، وقرئ بحذفها. وقوله: {أَنَاْ أحيى} قرأ جمهور القراء {أنا أحيى} بطرح الألف التي بعد النون من أنا في الوصل، وأثبتها نافع، وابن أبي أويس، كما في قول الشاعر:
أنَا شَيْخُ العَشيرة فَاعْرِفُوني *** حُمْيداً قد تَذَرَّبْتُ السَّنامَا

 

 

أراد إبراهيم عليه السلام: أن الله هو: الذي يخلق الحياة، والموت في الأجساد، وأراد الكافر: أنه يقدر أن يعفو عن القتل، فيكون ذلك إحياء، وعلى أن يقتل، فيكون ذلك إماتة، فكان هذا جواباً أحمق لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم؛ لأنه أراد غير ما أراده الكفار، فلو قال له: ربه الذي يخلق الحياة، والموت في الأجساد، فهل تقدر على ذلك؟ لبهت الذي كفر باديء بدء، وفي أوّل، وهلة، ولكنه انتقل معه إلى حجة أخرى تنفيساً لخناقه، وإرسالاً لعنان المناظرة فقال: {إبراهيم فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب} لكون هذه الحجة لا تجري فيها المغالطة، ولا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة، ومشاغبة.
قوله: {فَبُهِتَ الذى كَفَرَ} بُهِتَ الرجل، وبَهُتَ، وبَهِتَ: إذا انقطع، وسكت متحيراً. قال ابن جرير: وحكى عن بعض العرب في هذا المعنى بهت بفتح الباء، والهاء. قال ابن جني: قرأ أبو حيوة، {فَبَهُتَ} بفتح الباء، وضم الهاء، وهي لغة في بهت بكسر الهاء؛ قال: وقرأ ابن السميفع، {فبهت} بفتح الباء، والهاء على معنى، فبهت إبراهيم الذي كفر، فالذي في موضع نصب، قال: وقد يجوز أن يكون بهت بفتحهما لغة في بهت.
وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة: {فبهت} بكسر الهاء، قال: والأكثر بالفتح في الهاء.
قال ابن عطية: وقد تأوّل قومٌ في قراءة من قرأ: {فبهت} بفتحهما أنه بمعنى سبَّ، وقذف، وأن النمروذ، هو الذي سبّ حين انقطع، ولم يكن له حيلة. انتهى.
وقال سبحانه: {فَبُهِتَ الذى كَفَرَ} ولم يقل، فبهت الذي حاجّ، إشعاراً بأن تلك المحاجة كفر. وقوله: {والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} تذييل مقرر لمضمون الجملة التي قبله.

المقطع الرابع عشر: مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ? وَاللَّـهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ? وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ????? الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ? لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ????? قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ? وَاللَّـهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ????? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى? كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ? فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ? لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى? شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ? وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ?????

قوله: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ} لا يصح جعل هذا خبراً عن قوله: {مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ} لاختلافهما، فلا بد من تقدير محذوف إما في الأوّل أي: مثل نفقة الذين ينفقون، أو في الثاني: أي: كمثل زارع حبة، والمراد بالسبع السنابل: هي التي تخرج في ساق واحد يتشعب منه سبع شعب في كل شعبة سنبلة، والحبة اسم لكل ما يزدرعه ابن آدم، ومنه قول المتلمس:
آليتُ حَبّ العراق الدَّهْر أطْعمه *** والحَبُّ يأكُله في القَرْيةِ السُّوسُ
قيل: المراد بالسنابل هنا سنابل الدخن، فهو الذي يكون في السنبلة منه هذا العدد.
وقال القرطبي: إن سنبل الدُّخن يجيء في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين، وأكثر على ما شاهدنا. قال ابن عطية: وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما في سائر الحبوب، فأكثر، ولكن المثال، وقع بهذا القدر.
وقال الطبري: إن قوله: {فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ} معناه إن وجد ذلك، وإلا فعلى أن تفرضه. قوله: {والله يضاعف لِمَن يَشَاء} يحتمل أن يكون المراد: يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء، أو يضاعف هذا العدد، فيزيد عليه أضعافه لمن يشاء، وهذا هو الراجح لما سيأتي.
وقد ورد القرآن بأن الحسنة بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية بأن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف، فيبني العام على الخاص، وهذا بناء على أن سبيل الله هو الجهاد فقط، وأما إذا كان المراد به: وجوه الخير، فيخص هذا التضعيف إلى سبعمائة بثواب النفقات، وتكون العشرة الأمثال فيما عدا ذلك. قوله: {الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله} هذه الجملة متضمنة لبيان كيفية الإنفاق الذي تقدّم، أي: هو إنفاق الذين ينفقون، ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً، ولا أذى. والمنّ هو: ذكر النعمة على معنى التعديد لها، والتقريع بها، وقيل: المنّ: التحدث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطي فيؤذيه، والمن من الكبائر، كما ثبت في صحيح مسلم، وغيره أنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب عظيم. والأذى: السب، والتطاول، والتشكي. قال في الكشاف: ومعنى: {ثم} إظهار التفاوت بين الإنفاق، وترك المنّ، والأذى، وإن تركهما خير من نفس الإنفاق، كما جعل الاستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله: {ثُمَّ استقاموا} [فصلت: 30]. انتهى. وقدم المنّ على الأذى لكثرة وقوعه، ووسط كلمة {لا} للدلالة على شمول النفي. وقوله: {عِندَ رَبّهِمْ} فيه تأكيد، وتشريف. وقوله: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} ظاهره نفي الخوف عنهم. في الدارين لما تفيده النكرة الواقعة في سياق النفي من الشمول، وكذلك {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} يفيد دوام انتفاء الحزن عنهم.
قوله: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ} قيل: الخبر محذوف أي: أولى، وأمثل، ذكره النحاس. قال: ويجوز أن يكون خبراً، عن مبتدأ محذوف، أي: الذي أمرتم به قول معروف. وقوله: {وَمَغْفِرَةٌ} مبتدأ أيضاً، وخبره قوله: {خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ} وقيل: إن قوله: {خير} خبر عن قوله: {قول معروف} وعن قوله: {ومغفرة} وجاز الابتداء بالنكرتين؛ لأن الأولى تخصصت بالوصف، والثانية بالعطف، والمعنى: أن القول المعروف من المسؤول للسائل، وهو التأنيس، والترجية بما عند الله، والرد الجميل خير من الصدقة التي يتبعها أذى.
وقد ثبت في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم: «الكلمة الطيبة صدقة»، و«إن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق» وما أحسن ما قاله ابن دريد:
لا تدخلنَّك ضَجرةٌ من سائل *** فَلخيرُ دهِركَ أنْ ترى مَسْئولا
لاَ تَجْبَهنْ برّد وجه مؤملٍ *** فَبَقَاءُ عِزَّك أن تُرى مَأمُولاَ
والمراد بالمغفرة: الستر للخلة، وسوء حالة المحتاج، والعفو عن السائل إذا صدر منه من الإلحاح ما يكدر صدر المسئول، وقيل: المراد: أن العفو من جهة السائل؛ لأنه إذا ردة رداً جميلاً عذره، وقيل: المراد: فعل يؤدى إلى المغفرة خير من صدقة أي: غفران الله خير من صدقتكم. وهذه الجملة مستأنفة مقدرة لترك اتباع المنِّ، والأذى للصدقة.    قوله: {يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والاذى} الإبطال للصدقات: إذهاب أثرها، وإفساد منفعتها، أي: لا تبطلوها بالمنِّ، والأذى، أو بأحدهما، قوله: {كالذى} أي: إبطالاً كإبطال الذي على أنه نعت لمصدر محذوف، ويجوز أن يكون حالاً أي: لا تبطلوا مشابهين للذي ينفق ماله رئاء الناس، وانتصاب رئاء على أنه علة لقوله: {يُنفِقُ} أي: لأجل الرئاء، أو حال أي ينفق مرائياً لا يقصد بذلك وجه الله، وثواب الآخرة، بل يفعل ذلك رياء للناس استجلاباً لثنائهم عليه، ومدحهم له. قيل: والمراد به: المنافق بدليل قوله: {وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الاخر}. قوله: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} الصفوان: الحجر، الكبير، الأملس.   وقال الأخفش: صفوان جمع صفوانة.
وقال الكسائي: صفوان: واحد، وجمعه صفي، وأصفى، وأنكره المبرد.   وقال النحاس: يجوز أن يكون جمعاً، ويجوز أن يكون واحداً، وهو أولى لقوله: {عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} والوابل المطر الشديد، مثل الله سبحانه هذا المنفق بصفوان عليه تراب يظنه الظانّ أرضاً منبتة طيبة، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب، وبقي صلداً أي: أجرد نقياً من التراب الذي كان عليه، فكذلك هذا المرائي، فإن نفقته لا تنفعه، كما لا ينفع المطر الواقع على الصفوان الذي عليه تراب. قوله: {لاَّ يَقْدِرُونَ على شَئ مّمَّا كَسَبُواْ} أي: لا ينتفعون بما فعلوه رياء، ولا يجدون له ثواباً، والجملة مستأنفة، كأنه قيل: ماذا يكون حالهم حينئذ؟ فقيل: لا يقدرون الخ، والضميران للموصول أي: كالذي باعتبار المعنى، كما في قوله تعالى: {وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ} [التوبة: 69] أي: الجنس، أو الجمع، أو الفريق.


قوله: {وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مَرْضَاتِ الله وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ} قيل: إن قوله: {ابتغاء مرضات الله} مفعول له، و{تثبيتاً} معطوف عليه، وهو أيضاً مفعول له. أي: الإنفاق لأجل الابتغاء. والتثبيت كذا قال مكي في المشكل. قال ابن عطية: وهو مردود لا يصح في {تثبيتاً} أنه مفعول من أجله؛ لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت. قال: {ابتغاء} نصب على المصدر في موضع الحال، وكان يتوجه فيه النصب على المفعول من أجله، لكن النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي هو تثبيتاً عليه، وابتغاء معناه طلب، ومرضات مصدر رضي يرضى، وتثبيتاً معناه: أنهم يتثبتون من أنفسهم ببذل أموالهم على الإيمان، وسائر العبادات رياضة لها، وتدريباً، وتمريناً، أو يكون التثبيت بمعنى التصديق أي: تصديقاً للإسلام ناشئاً من جهة أنفسهم.
وقد اختلف السلف في معنى هذا الحرف، فقال الحسن، ومجاهد: معناه أنهم يتثبتون أين يضعوا صدقاتهم، وقيل: معناه: تصديقاً، ويقيناً، روى ذلك عن ابن عباس، وقيل: معناه: احتساباً من أنفسهم، قاله قتادة، وقيل: معناه: أن أنفسهم لها بصائر، فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تثبيتاً. قاله الشعبي، والسديّ، وابن زيد، وأبو صالح، وهذا أرجح مما قبله. يقال ثَبَّتُّ فلاناً في هذا الأمر أثَبِّتُه تثبيتاً: أي: صححتُ عزمه.
قوله: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ} الجنة: البستان، وهي أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها، مأخوذة من لفظ الجن، والجنين لاستتارها. والربوة: المكان المرتفع ارتفاعاً يسيراً، وهي مثلثة الراء، وبها قرئ؛ وإنما خص الربوة، لأن نباتها يكون أحسن من غيره، مع كونه لا يصطلمه البرد في الغالب للطافة هوائه بهبوب الرياح الملطفة له، قال الطبري: وهي رياض الحزن التي تستكثر العرب من ذكرها، واعترض ابن عطية، فقال: إن رياض الحزن منسوبة إلى نجد؛ لأنها خير من رياض تهامة، ونبات نجد أعطر، ونسيمه أبرد وأرق، ونجد يقال لها: حزن، وليست هذه المذكورة هنا من ذاك، ولفظ الربوة مأخوذ من ربا يربو إذا زاد.
وقال الخليل الربوة: أرض مرتفعة طيبة. والوابل: المطر الشديد، كما تقدم، يقال: وبلت السماء تبل، والأرض موبولة. قال الأخفش: ومنه قوله تعالى: {أَخْذاً وَبِيلاً} [المزمل: 16] أي: شديداً، وضرب وبيل، وعذاب وبيل {فَأَتَتْ أُكُلَهَا} بضم الهمزة: الثمر الذي يؤكل كقوله تعالى: {تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} [إبراهيم: 25] وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص، كسرج الفرس، وباب الدار قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمر: و{أكلها} بضم الهمزة، وسكون الكاف تخفيفاً. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بتحريك الكاف بالضم. وقوله: {ضِعْفَيْنِ} أي: مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل.
فالمراد بالضعف: المثل. وقيل: أربعة أمثال، ونصبه على الحال من أكلها أي: مضاعفاً.
قوله: {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أي: فإن الطلّ يكفيها: وهو المطر الضعيف المستدقّ القطر. قال المبرد، وغيره: وتقديره: فطل يكفيها.
وقال الزجاج: تقديره، فالذي يصيبها طلّ، والمراد أن الطلّ ينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين.
وقال قوم: الطل: الندى، وفي الصحاح: الطل: أضعف المطر، والجمع: أطلال. قال الماوردي: وزرع الطل أضعف من زرع المطر. والمعنى: أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله لا تضيع بحال، وإن كانت متفاوتة، ويجوز أن يعتبر التمثيل ما بين حالهم باعتبار ما صدر عنهم من النفقة الكثيرة والقليلة، وبين الجنة المعهودة باعتبار ما أصابها من المطر الكثير، والقليل، فكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكلها، فكذلك نفقتهم جلَّت، أو قلت بعد أن يطلب بها وجه الله زاكية زائدة في أجورهم. وقوله: {والله بِمَا تَعْلَمُونَ بَصِيرٌ}. قرأ الزهري بالتاء التحتية. وقرأ الجمهور بالفوقية، وفي هذا ترغيب لهم في الإخلاص مع ترهيب من الرياء، ونحوه، فهو وعد، ووعيد.

المقطع الخامس عشر: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ? وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ? فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى? فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّـهِ ? وَمَنْ عَادَ فَأُولَـ?ئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ????? يَمْحَقُ اللَّـهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ? وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ????? إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ????? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ????? فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ ? وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ????? وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى? مَيْسَرَةٍ ? وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ? إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ????? وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّـهِ ? ثُمَّ تُوَفَّى? كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ?????

الربا في اللغة: الزيادة مطلقاً، يقال: ربا الشيء يربو: إذا زاد، وفي الشرع يطلق على شيئين، على ربا الفضل، وربا النسيئة حسبما هو مفصل في كتب الفروع، وغالب ما كانت تفعله الجاهلية أنه إذا حلَّ أجل الدين قال من هو له لمن هو عليه: أتقضي أم تربي؟ فإذا لم يقض زاد مقداراً في المال الذي عليه، وأخر له الأجل إلى حين. وهذا حرام بالاتفاق، وقياس كتابة الربا بالياء للكسرة في أوّله.
وقد كتبوه في المصحف بالواو. قال في الكشاف: على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة، والزكاة، وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع. انتهى.
قلت: وهذا مجرد اصطلاح لا يلزم المشي عليه، فإن هذه النقوش الكتابية أمور اصطلاحية لا يشاحح في مثلها إلا فيما كان يدل به منها على الحرف الذي كان في أصل الكلمة، ونحوه، كما هو مقرر في مباحث الخط من علم الصرف، وعلى كل حال، فرسم الكلمة، وجعل نقشها الكتابي على ما يقتضيه اللفظ بها هو الأولى، فما كان في النطق ألفاً كالصلاة، والزكاة، ونحوهما كان الأولى في رسمه أن يكون كذلك، وكون أصل هذا الألف واواً، أو ياء لا يخفى على من يعرف علم الصرف، وهذه النقوش ليست إلا لفهم اللفظ الذي يدل بها عليه كيف هو: في نطق من ينطق به لا لتفهيم أن أصل الكلمة كذا مما لا يجري به النطق، فاعرف هذا، ولا تشتغل بما يعتبره كثير من أهل العلم في هذه النقوش، ويلزمون به أنفسهم، ويعيبون من خالفه، فإن ذلك من المشاححة في الأمور الاصطلاحية التي لا تلزم أحداً أن يتقيد بها، فعليك بأن ترسم هذه النقوش على ما يلفظ به اللافظ عند قراءتها، فإنه الأمر المطلوب من وضعها، والتواضع عليها، وليس الأمر المطلوب منها أن تكون دالة على ما هو أصل الكلمة التي يتلفظ بها المتلفظ مما لا يجري في لفظه الآن، فلا تغترّ بما يروى عن سيبويه، ونحاة البصرة أن يكتب الربا بالواو؛ لأنه يقول في تثنيته ربوان.
وقال الكوفيون: يكتب بالياء، وتثنيته ربيان. قال الزجاج: ما رأيت خطأ أقبح من هذا، ولا أشنع، لا يكفيهم الخطأ في الخط حتى يخطئوا في التثنية، وهم يقرءون: {وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن رِباً لّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُواْ عند الله} [الروم: 39] وليس المراد بقوله هنا: {الذين يَأْكُلُونَ الربا} اختصاص هذا الوعيد بمن يأكله، بل هو عام لكل من يعامل بالربا، فيأخذه، ويعطيه، وإنما خص الآكل؛ لزيادة التشنيع على فاعله، ولكونه هو الغرض الأهمّ، فإن آخذ الربا إنما أخذه للأكل. قوله: {لاَ يَقُومُونَ} أي: يوم القيامة، كما يدل عليه قراءة ابن مسعود: {لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس يَوْمُ القيامة} أخرجه عبد ابن حميد، وابن أبي حاتم، وبهذا، فسره جمهور المفسرين قالوا: إنه يبعث كالمجنون عقوبة له، وتمقيتاً عند أهل المحشر. وقيل: إن المراد تشبيه من يحرص في تجارته، فيجمع ماله من الربا بقيام المجنون؛ لأن الحرص، والطمع، والرغبة في الجمع قد استفزته حتى صار شبيهاً في حركته بالمجنون، كما يقال لمن يسرع في مشيه، ويضطرب في حركاته: أنه قد جُنَّ، ومنه قول الأعشى في ناقته:
وَتُصْبِحُ عَنْ غِبِّ السُّرَي وَكأَنَّها *** ألَمَّ بِهَا مِنْ طَائِفِ الجِنِّ أوْلَقُ
فجعلها بسرعة مشيها، ونشاطها كالمجنون. قوله: {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس} أي: إلا قياماً كقيام الذي يتخبطه، والخبط: الضرب بغير استواء كخبط العشواء، وهو المصروع. والمسّ: الجنون، والأمس: المجنون، وكذلك الأولق، وهو: متعلق بقوله: {يَقُومُونَ} أي: لا يقومون من المسّ الذي بهم {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان} أو متعلق ب {يقوم}. وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجنّ، وزعم أنه من فعل الطبائع، وقال: إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان، وليس بصحيح، وإن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مسّ.
وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من أن يتخبطه الشيطان؛ كما أخرجه النسائي، وغيره. قوله: {ذلك} إشارة إلى ما ذكر من حالهم، وعقوبتهم بسبب قولهم: {إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا} أي: أنهم جعلوا البيع، والربا شيئاً واحداً، وإنما شبهوا البيع بالربا مبالغة بجعلهم الربا أصلاً، والبيع فرعاً، أي: إنما البيع بلا زيادة عند حلول الأجل، كالبيع بزيادة عند حلوله، فإن العرب كانت لا تعرف رباً إلا ذلك، فردّ الله سبحانه عليهم بقوله: {وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا} أي: أن الله أحلّ البيع، وحرّم نوعاً من أنواعه، وهو البيع المشتمل على الربا. والبيع مصدر باع يبيع، أي: دفع عوضاً، وأخذ معوّضاً، والجملة بيانية لا محل لها من الإعراب.
قوله: {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ} أي: من بلغته موعظة من الله من المواعظ التي اشتمل عليها الأوامر، والنواهي، ومنها ما وقع هنا من النهي عن الربا {فانتهى} أي: فامتثل النهي الذي جاءه، وانزجر عن المنهي عنه، وهو معطوف، أي: قوله: {فانتهى} على قوله: {جَاءهُ}. وقوله: {مّن رَّبّهِ} متعلق بقوله: {جَاءهُ} أو بمحذوف وقع صفة لموعظة، أي: كائنة {مّن رَّبّهِ فَلَهُ مَا سَلَفَ} أي: ما تقدّم منه من الربا لا يؤاخذ به؛ لأنه فعله قبل أن يبلغه تحريم الربا، أو قبل أن تنزل آية تحريم الربا.
وقوله: {أَمْرُهُ إِلَى الله} قيل: الضمير عائد إلى الربا، أي: وأمر الربا إلى الله في تحريمه على عباده، واستمرار ذلك التحريم، وقيل: الضمير عائد إلى ما سلف، أي: أمره إلى الله في العفو عنه، وإسقاط التبعة فيه، وقيل: الضمير يرجع إلى المربي، أي: أمر من عامل بالربا إلى الله في تثبيته على الإنتهاء، أو الرجوع إلى المعصية {وَمَنْ عَادَ} إلى أكل الربا، والمعاملة به {فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون} والإشارة إلى {من عاد} وجمع أصحاب باعتبار معنى {من} وقيل: إن معنى {من عاد}: هو أن يعود إلى القول: ب {إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا} وأنه يكفر بذلك، فيستحق الخلود، وعلى التقدير الأوّل يكون الخلود مستعاراً على معنى المبالغة، كما تقول العرب: ملك خالد، أي: طويل البقاء، والمصير إلى هذا التأويل واجب للأحاديث المتواترة القاضية بخروج الموحدين من النار.
قوله: {يَمْحَقُ الله الربا} أي: يذهب بركته في الدنيا، وإن كان كثيراً، فلا يبقى بيد صاحبه. وقيل: يمحق بركته في الآخرة. قوله: {وَيُرْبِى الصدقات} أي: يزيد في المال الذي أخرجت صدقته، وقيل: يبارك في ثواب الصدقة، ويضاعفه، ويزيد في أجر المتصدّق، ولا مانع من حمل ذلك على الأمرين جميعاً. قوله: {والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} أي: لا يرضى؛ لأن الحبّ مختص بالتوّابين، وفيه تشديد، وتغليظ عظيم على من أربى حيث حكم عليه بالكفر، ووصفه بأثيم للمبالغة، وقيل: لإزالة الاشتراك، إذ قد يقع على الزراع، ويحتمل أن المراد بقوله: {كُلَّ كَفَّارٍ} من صدرت منه خصلة توجب الكفر، ووجه التصاقه بالمقام أن الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا كفار.
وقد تقدم تفسير قوله: {إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} إلى آخر الآية.

قوله: {اتقوا الله} أي: قوا أنفسكم من عقابه، واتركوا البقايا التي بقيت لكم من الربا، وظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضاً. قوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} قيل: هو شرط مجازي على جهة المبالغة، وقيل: إنَّ (أن) في هذه الآية بمعنى (إذ). قال ابن عطية: وهو مردود لا يعرف في اللغة، والظاهر أن المعنى: إن كنتم مؤمنين على الحقيقة، فإن ذلك يستلزم امتثال أوامر الله ونواهيه.
قوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} يعني ما أمرتم به من الاتقاء، وترك ما بقي من الربا {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ} أي: فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به، قيل: هو من الإذن بالشيء، وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم. وقرأ أبو بكر عن عاصم، وحمزة: {فأذنوا} على معنى فأعلموا غيركم أنكم على حربهم، وقد دلت هذه على أن أكل الربا، والعمل به من الكبائر، ولا خلاف في ذلك، وتنكير الحرب للتعظيم، وزادها تعظيماً نسبتها إلى اسم الله الأعظم، وإلى رسوله الذي هو: أشرف خليقته. قوله: {فَإِن تُبْتُمْ} أي من الربا {فَلَكُمْ رُءوسُ أموالكم} تأخذونها {لاَ تَظِلَمُونَ} غرماءكم بأخذ الزيادة {وَلاَ تُظْلَمُونَ} أنتم من قبلهم بالمطل، والنقص، والجملة حالية، أو استئنافية. وفي هذا دليل على أن أموالهم مع عدم التوبة حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم.
قوله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} لما حَكَم سبحانه لأهل الربا برءوس أموالهم عند الواجدين للمال حكم في ذوي العسرة بالنظرة إلى يسار، والعسرة: ضيق الحال من جهة عدم المال، ومنه جيش العسرة. والنظرة: التأخير، والميسرة مصدر بمعنى اليسر، وارتفع {ذو} بكان التامة التي بمعنى وجد، وهذا قول سيبويه، وأبي عليّ الفارسي، وغيرهما.

وأنشد سيبويه      ِدىً لبني ذُهْلِ بن شَيْبَان يا فتى *** إذا كان يومٌ ذو كواكب أَشْهَبُ
وفي مصحف أبيّ: {وإن كان ذا عسرة} على معنى: وإن كان المطلوب ذا عسرة. وقرأ الأعمش: {وإن كان معسراً}. قال أبو عمرو الداني، عن أحمد بن موسى، وكذلك في مصحف أبيّ بن كعب.    وروى المعتمر، عن حجاج الوراق، قال في مصحف عثمان: {وَإِن كَانَ ذَاعُسْرَةٍ} قال النحاس، ومكي، والنقاش: وعلى هذا يختص لفظ الآية بأهل الربا، وعلى من قرأ: {ذو} فهي عامة في جميع مَنْ عليه دين، وإليه ذهب الجمهور. وقرأ الجماعة: {فَنَظِرَةٌ} بكسر الظاء. وقرأ مجاهد، وأبو رجاء، والحسن بسكونها، وهي لغة تميم. وقرأ نافع، وحده: {مَيْسَرَةٍ} بضم السين، والجمهور بفتحها، وهي اليسار. قوله: {وَأَن تَصَدَّقُواْ} بحذف إحدى التاءين، وقريء بتشديد الصاد، أي: وأن تصدقوا على معسري غرمائكم بالإبراء خير لكم، وفيه الترغيب لهم بأن يتصدقوا برءوس أموالهم على من أعسر، وجعل ذلك خيراً من إنظاره، قاله السدي، وابن زيد، والضحاك.
قال الطبري: وقال آخرون: معنى الآية: وأن تصدقوا على الغنيّ، والفقير خير لكم. والصحيح الأوّل، وليس في الآية مدخل للغنيّ. قوله: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} جوابه محذوف، أي: إن كنتم تعلمون أنه خير لكم عملتم به.
قوله: {واتقوا يَوْمًا} هو يوم القيامة، وتنكيره للتهويل، وهو منصوب على أنه مفعول به لا ظرف. وقوله: {تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله} وصف له. وقرأ أبو عمر، وبفتح التاء، وكسر الجيم، والباقون بضم التاء، وفتح الجيم، وذهب قوم إلى أن هذا اليوم المذكور هو يوم الموت.
وذهب الجمهور إلى أنه يوم القيامة، كما تقدّم. وقوله: {إِلَى الله} فيه مضاف محذوف تقديره إلى حكم الله {ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ} من النفوس المكلفة {مَّا كَسَبَتْ} أي: جزاء ما عملت من خير، أو شرّ، وجملة: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} حالية، وجمع الضمير؛ لأنه أنسب بحال الجزاء، كما أن الإفراد أنسب بحال الكسب، وهذ الآية فيها الموعظة الحسنة لجميع الناس.
المقطع السادس عشر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى? أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ? وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ? وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّـهُ ? فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّـهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ? فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ? وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ? فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى? ? وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ? وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى? أَجَلِهِ ? ذَ?لِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّـهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى? أَلَّا تَرْتَابُوا ? إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ? وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ? وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ? وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ? وَاتَّقُوا اللَّـهَ ? وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّـهُ ? وَاللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ?????وَإِن كُنتُمْ عَلَى? سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ? فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّـهَ رَبَّهُ ? وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ? وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ? وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ????? لِّلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـهُ ? فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ? وَاللَّـهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ????? آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ? كُلٌّ آمَنَ بِاللَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ? وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ? غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ????? لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ? لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ? رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ? رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ? رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ? وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ? أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ?????

هذا شروع في بيان حال المداينة الواقعة بين الناس بعد بيان حال الربا، أي: إذا داين بعضكم بعضاً، وعاملهُ بذلك، وذكر الدين بعد ذكر ما يغني عنه من المداينة لقصد التأكيد مثل قوله: {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] وقيل: إنه ذكر ليرجع إليه الضمير من قوله: {فاكتبوه} ولو قال: فاكتبوا الدين لم يكن فيه من الحسن ما في قوله: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} والدين عبارة، عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقداً، والآخر في الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضراً، والدين ما كان غائباً، قال الشاعر:    وَعَدتْنَا بِدْرِهَمْيِنا طِلاءً *** وسِواء معجلاً غَيرِ دَيْنِ
وقال الآخر:    إذا ما أوقدوا ناراً وحطبا *** فَذَاك الموتُ نَقْداً غَير دَيُن
وقد بين الله سبحانه هذا المعنى بقوله: {إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى} وقد استدل به على أن الأجل المجهول لا يجوز، وخصوصاً أجل السلم.
وقد ثبت في الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم» وقد قال بذلك الجمهور، واشترطوا توقيته بالأيام، أو الأشهر، أو السنين، قالوا: ولا يجوز إلى الحصاد، أو الدياس، أو رجوع القافلة، أو نحو ذلك، وجوَّزه مالك. قوله: {فاكتبوه} أي: الدين بأجله؛ لأنه أدفع للنزاع، وأقطع للخلاف. قوله: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ} هو: بيان لكيفية الكتابة المأمور بها، وظاهر الأمر الوجوب، وبه قال عطاء، والشعبي، وغيرهما، فأوجبوا على الكاتب أن يكتب إذا طلب منه ذلك، ولم يوجد كاتب سواه. وقيل: الأمر للندب. وقوله: {بالعدل} متعلق بمحذوف صفة لكاتب أي: كاتب كائن بالعدل، أي: يكتب بالسوية لا يزيد، ولا ينقص، ولا يميل إلى أحد الجانبين، وهو أمر للمتداينين باختيار كاتب متصف بهذه الصفة لا يكون في قلبه، ولا قلمه هوادة لأحدهما على الآخر، بل يتحرّى الحق بينهم، والمعدلة فيهم.


قوله: {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ} النكرة في سياق النفي مشعرة بالعموم، أي: لا يمتنع أحد من الكتاب أن يكتب كتاب التداين، كما علمه الله، أي: على الطريقة التي علمه الله من الكتابة، أو كما علمه الله بقوله: {بالعدل}. قوله: {وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق} الإملال، والإملاء لغتان: الأولى لغة أهل الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة بني تميم، فهذه الآية جاءت على اللغة الأولى، وجاء على اللغة الثانية قوله تعالى: {فَهِىَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفرقان: 5] {والذى عَلَيْهِ الحق} هو من عليه الدين، أمره الله تعالى بالإملاء، لأن الشهادة إنما تكون على إقراره بثبوت الدين في ذمته، وأمره الله بالتقوى فيما يمليه على الكاتب، بالغ في ذلك بالجمع بين الإسم، والوصف في قوله: {وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ} ونهاه عن البخس، وهو النقص، وقيل: إنه نهي للكاتب.

والأوّل أولى؛ لأن من عليه الحق هو الذي يتوقع منه النقص، ولو كان نهياً للكاتب لم يقتصر في نهيه على النقص؛ لأنه يتوقع منه الزيادة، كما يتوقع منه النقص. والسفيه: هو الذي لا رأي له في حسن التصرف، فلا يحسن الأخذ، ولا الإعطاء، شبه بالثوب السفيه، وهو الخفيف النسج، والعرب تطلق السفه على ضعف العقل تارة، وعلى ضعف البدن أخرى، فمن الأوّل قول الشاعر:
نَخَافُ أن تَسْفَه أَحْلامُنا *** ويجْهلُ الدهرُ مع الجاهلِ
ومن الثاني قول ذي الرمة:
مَشَيْن كما اهتزَّت رماحٌ تَسَفَّهَتْ *** أعالِيها مَرُّ الرياحِ النّواسِم
أي: استضعفها، واستلانها بحركتها، وبالجملة فالسفيه هو المبذر إما لجهله بالصرف، أو لتلاعبه بالمال عبثاً مع كونه لا يجهل الصواب. والضعيف هو: الشيخ الكبير، أو الصبي. قال أهل اللغة: الضُعف بضم الضاد في البدن، وبفتحها في الرأي. والذي لا يستطيع أن يُمِلَّ هو الأخرس، أو العَيِيُّ الذي لا يقدر على التعبير كما ينبغي، وقيل: إن الضعيف هو المذهول العقل الناقص الفطنة العاجز عن الإملاء، والذي لا يستطيع أن يملّ هو: الصغير. قوله: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل} الضمير عائد إلى الذي عليه الحق فيملّ عن السفيه وليه المنصوب عنه بعد حجره، عن التصرف في ماله، ويملّ عن الصبي، ووصيه، أو وليه، وكذلك يملّ عن العاجز، الذي لا يستطيع الإملال لضعف وليه؛ لأنه في حكم الصبيّ، أو المنصوب عنه من الإمام، أو القاضي، ويملّ عن الذي لا يستطيع، وكيله إذا كان صحيح العقل، وعرضت له آفة في لسانه، أو لم تعرض، ولكنه جاهل لا يقدر على التعبير، كما ينبغي.
وقال الطبري: إن الضمير في قوله: {وَلِيُّهُ} يعود إلى الحق، وهو ضعيف جداً. قال القرطبي في تفسيره: وتصرّف السفيه المحجور عليه دون وليه فاسد إجماعاً مفسوخ أبداً لا يوجب حكماً، ولا يؤثر شيئاً، فإن تصرف سفيه، ولا حجر عليه، ففيه خلاف. انتهى.
قوله: {واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ} الاستشهاد: طلب الشهادة، وسماهما شهيدين قبل الشهادة من مجاز الأول أي: باعتبار ما يئول إليه أمرهما من الشهادة، و{مّن رّجَالِكُمْ} متعلق بقوله: {واستشهدوا} أو بمحذوف هو: صفة لشهيدين، أي: كائنين من رجالكم، أي: من المسلمين، فيخرج الكفار، ولا وجه لخروج العبيد من هذه الآية. فهم إذا كانوا مسلمين من رجال المسلمين، وبه قال شريح، وعثمان البتي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وجمهور العلماء: لا تجوز شهادة العبد لما يلحقه من نقص الرق.
وقال الشعبي، والنخعي: يصح في الشيء اليسير دون الكثير. واستدل الجمهور على عدم جواز شهادة العبد بأن الخطاب في هذه الآية مع الذين يتعاملون بالمداينة، والعبيد لا يملكون شيئاً تجري فيه المعاملة.                                                                                                                         ويجاب عن هذا بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأيضاً العبد تصح منه المداينة، وسائر المعاملات إذا أذن له مالكه بذلك.
وقد اختلف الناس هل الإشهاد واجب، أو مندوب، فقال أبو موسى الأشعري، وابن عمر، والضحاك، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، ومجاهد، وداود بن علي الظاهري، وابنه: إنه واجب، ورجحه ابن جرير الطبري، وذهب الشعبي، والحسن، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه إلى أنه مندوب، وهذا الخلاف بين هؤلاء هو في وجوب الإشهاد على البيع. واستدل الموجبون بقوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} ولا فرق بين هذا الأمر، وبين قوله: {واستشهدوا} فيلزم القائلين بوجوب الإشهاد في البيع أن يقولوا بوجوبه في المداينة. قوله: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا} أي: الشهيدان {رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان} أي: فليشهد رجل، وامرأتان، أو فرجل، وامرأتان يكفون. وقوله: {ممن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهداء} متعلق بمحذوف وقع صفة لرجل، وامرأتان، أي: كائنون ممن ترضون حال كونهم من الشهداء. والمراد ممن ترضون دينهم، وعدالتهم، وفيه أن المرأتين في الشهادة برجل، وأنها لا تجوز شهادة النساء إلا مع الرجل لا وحدهنّ، إلا فيما لا يطلع عليه غيرهنّ للضرورة.
واختلفوا هل يجوز الحكم بشهادة امرأتين مع يمين المدّعي كما جاز الحكم برجل مع يمين المدّعي؟ فذهب مالك، والشافعي إلى أنه يجوز ذلك، لأن الله سبحانه قد جعل المرأتين كالرجل في هذه الآية.
وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى أنه لا يجوز ذلك، وهذا يرجع إلى الخلاف في الحكم بشاهد مع يمين المدّعي، والحق أنه جائز لورود الدليل عليه، وهو زيادة لم تخالف ما في الكتاب العزيز، فيتعين قبولها.
وقد أوضحنا ذلك في شرحنا للمنتقي، وغيره من مؤلفاتنا، ومعلوم عند كل من يفهم أنه ليس في هذه الآية ما يردّ به قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاهد، واليمين، ولم يدفعوا هذا إلا بقاعدة مبنية على شفا جرف هارٍ هي قولهم: إن الزيادة على النص نسخ، وهذه دعوى باطلة، بل الزيادة على النص شريعة ثابتة جاءنا بها من جاءنا بالنص المتقدم عليها، وأيضاً كان يلزمهم أن لا يحكموا بنكول المطلوب، ولا بيمين الرد على الطالب.
وقد حكموا بهما، والجواب الجواب.

 

قوله: {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى} قال أبو عبيد: معنى تضلّ تنسى، والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها، وذكر جزء. وقرأ حمزة: {إن تضلّ} بكسر الهمزة. وقوله: {فَتُذَكّرَ} جوابه على هذه القراءة، وعلى قراءة الجمهور هو منصوب بالعطف على تضلّ، ومن رفعه فعلى الاستئناف. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: {فتذكر} بتخفيف الذال، والكاف، ومعناه: تزيدها ذكراً.
وقراءة الجماعة بالتشديد، أي: تنبهها إذا غفلت، ونسيت، وهذه الآية تعليل لاعتبار العدد في النساء، أي: فليشهد رجل، وتشهد امرأتان عوضاً، عن الرجل الآخر؛ لأجل تذكير إحداهما للأخرى إذا ضلت، وعلى هذا، فيكون في الكلام حذف، وهو سؤال سائل عن وجه اعتبار امرأتين عوضاً عن الرجل الواحد، فقيل وجهه أن تضلّ إحداهما، فتذكر إحداهما الأخرى، والعلة في الحقيقة هي: التذكير، ولكن الضلال لما كان سبباً له نزل منزلته، وأبهم الفاعل في تضلّ، وتذكر، لأن كلا منهما يجوز عليه الوصفان؛ فالمعنى: إن ضلت هذه ذكرتها هذه، وإن ضلت هذه ذكرتها هذه لا على التعيين، أي: إن ضلت إحدى المرأتين ذكرتها المرأة الأخرى، وإنما اعتبر فيهما هذا التذكير لما يلحقهما من ضعف النساء بخلاف الرجال.
وقد يكون الوجه في الإبهام أن ذلك يعني الضلال، والتذكير يقع بينهما متناوباً حتى ربما ضلت هذه عن وجه وضلت تلك عن وجه آخر، فذكرت كل واحدة منهما صاحبتها.
وقال سفيان بن عيينة: معنى قوله: {فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى} تصيرها ذكراً، يعني: أن مجموع شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد.
وروى نحوه عن أبي عمرو بن العلاء، ولا شك أن هذا باطل لا يدل عليه شرع، ولا لغة، ولا عقل.
قوله: {وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ} أي: لأداء الشهادة التي قد تحملوها من قبل، وقيل: إذا ما دعوا لتحمل الشهادة، وتسميتهم شهداء مجاز كما تقدم، وحملها الحسن على المعنيين. وظاهر هذا النهي أن الامتناع من أداء الشهادة حرام. قوله: {ولا تسأموا أن تكتبوه} معنى تسأموا: تملوا. قال الأخفش: يقال سئمت أسأم سآمة، وسآما، ومنه قول الشاعر:
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الحياةِ وَمَنْ يَعِشْ *** ثَمانِين حَوْلاً لاَ أبا لك يَسأَمِ
أي: لا تملوا أن تكتبوه، أي: الدين الذي تداينتم به، وقيل: الحق، وقيل: الشاهد، وقيل: الكتاب، نهاهم الله سبحانه عن ذلك؛ لأنهم ربما ملُّوا من كثرة المداينة أن يكتبوا، ثم بالغ في ذلك، فقال: {صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا} أي: حال كون ذلك المكتوب صغيراً، أو كبيراً أي: لا تملوا في حال من الأحوال سواء كان الدين كثيراً، أو قليلاً. وقيل: إنه كنى بالسآمة عن الكسل. والأول أولى. وقدّم الصغير هنا على الكبير للاهتمام به لدفع ما عساه أن يقال إن هذا مال صغير، أي: قليل لا احتياج إلى كتبه، والإشارة في قوله: {ذلكم} إلى المكتوب المذكور في ضمير قوله: {أَن تَكْتُبُوهُ} و{أقسط} معناه أعدل، أي: أصح، وأحفظ {وَأَقْوَمُ للشهادة} أي: أعون على إقامة الشهادة، وأثبت لها، وهو مبني من أقام، وكذلك أقسط مبني من فعله، أي: أقسط.

وقد صرح سيبويه بأنه قياسي، أي: بني أفعل التفضيل. ومعنى قوله: {وَأَدْنَى أَن لا تَرْتَابُواْ} أقرب لنفي الريب في معاملاتكم، أي: الشك، ذلك أن الكتاب الذي يكتبونه يدفع ما يعرض لهم من الريب كائناً ما كان.
قوله: {إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} {أن} في موضع نصب على الإستثناء قاله الأخفش، و{كان} تامة، أي: إلا أن تقع، أو توجد تجارة، والإستثناء منقطع، أي: لكن وقت تبايعكم، وتجارتكم حاضرة بحضور البدلين {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} تتعاطونها يداً بيد، فالإدارة: التعاطي، والتقابض، فالمراد التبايع الناجز يداً بيد، فلا حرج عليكم إن تركتم كتابته. وقرئ بنصب تجارة على أن {كان} ناقصة، أي: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة. قوله: {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} قيل: معناه: وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع المذكور هنا، وهو التجارة الحاضرة على أن الإشهاد فيها يكفي. وقيل: معناه: إذا تبايعتم أيّ تبايع كان حاضراً أو كالِئاً، لأن ذلك أدفع لمادة الخلاف وأقطع لمنشأ الشجار.
وقد تقدّم قريباً ذكر الخلاف في كون هذا الإشهاد واجباً، أو مندوباً.
قوله: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} يحتمل أن يكون مبنياً للفاعل، أو للمفعول، فعلى الأوّل معناه: لا يضار كاتب، ولا شهيد من طلب ذلك منهما، إما بعدم الإجابة، أو بالتحريف، والتبديل، والزيادة، والنقصان في كتابته، ويدل على هذا قراءة عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن أبي إسحاق: {ولا يضارر} بكسر الراء الأولى، وعلى الثاني لا يضارَر كاتب، ولا شهيد بأن يدعيا إلى ذلك، وهما مشغولان بمهمّ لهما، ويضيق عليهما في الإجابة، ويؤذيا إن حصل منهما التراخي، أو يطلب منهما الحضور من مكان بعيد، ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود: {ولا يضارر} بفتح الراء الأولى، وصيغة المفاعلة تدل على اعتبار الأمرين جميعاً.
وقد تقدّم في تفسير قوله تعالى: {لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا} [البقرة: 233] ما إذا راجعته زادك بصيرة إن شاء الله. قوله: {وَإِن تَفْعَلُواْ} أي: ما نهيتم عنه من المضارة {فَإِنَّهُ} أي: فعلكم هذا {فُسُوقٌ بِكُمْ} أي: خروج عن الطاعة إلى المعصية ملتبس بكم {واتقوا الله} في فعل ما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه {وَيُعَلّمُكُمُ الله} ما تحتاجون إليه من العلم، وفيه الوعد لمن اتقاه أن يعلمه، ومنه قوله تعالى: {إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29].
قوله: {وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ} لما ذكر سبحانه مشروعية الكتابة، والإشهاد لحفظ الأموال، ودفع الريب، عقب ذلك بذكر حالة العذر، عن وجود الكاتب، ونص على حالة السفر، فإنها من جملة أحوال العذر، ويلحق بذلك كل عذر يقوم مقام السفر، وجعل الرهان المقبوضة قائمة مقام الكتابة، أي: فإن كنتم مسافرين {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا} في سفركم {فرهان مَّقْبُوضَةٌ} قال أهل العلم: الرهن في السفر ثابت بنص التنزيل، وفي الحضر بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الصحيحين: «أنه رهن درعاً له من يهودي».
وقرأ الجمهور: {كاتباً} أي: رجلاً يكتب لكم. وقرأ ابن عباس، وأبيّ ومجاهد، والضحاك، وعكرمة، وأبو العالية: {كتاباً} قال ابن الأنباري: فسره مجاهد فقال: معناه فإن لم تجدوا مداداً: يعني في الأسفار. وقرأ أبو عمرو وابن كثير {فرُهُنٌ} بضم الراء والهاء.
وروي عنهما تخفيف الهاء جمع رهان، قاله الفراء، والزجاج، وابن جرير الطبري. وقرأ عاصم بن أبي النجود: {فرَهْن} بفتح الراء، وإسكان الهاء. وقراءة الجمهور: {رهان}. قال الزجاج: يقال في الرهن رهنت، وأرهنت، وكذا قال ابن الأعرابي، والأخفش.


وقال أبو علي الفارسي: يقال أرهنت في المعاملات، وأما في القرض، والبيع: فرهنت، وقال ثعلب: الرواة كلهم في قول الشاعر:
فَلَمَّا خَشِيتُ أَظَافِيرهُمْ *** نَجَوتُ وأرْهَنْتُهم مَالِكاً
على أرهنتهم على أنه يجوز: رهنته، وأرهنته إلا الأصمعي، فإنه رواه: وأرهنهم على أنه عطف لفعل مستقبل على فعل ماض وشبهه بقوله قمت، وأصك وجهه.
وقال ابن السكيت: أرهنت فيهما بمعنى أسلفت، والمرتهن الذي يأخذ الرهن، والشيء مرهون، ورهين، وراهنت فلاناً على كذا مراهنة خاطرته.
وقد ذهب الجمهور إلى اعتبار القبض، كما صرح به القرآن، وذهب مالك إلى أنه يصح الارتهان بالإيجاب، والقبول من دون قبض. قوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ الذى اؤتمن أمانته} أي: إن كان الذي عليه الحق أميناً، عند صاحب الحق لحسن ظنه به، وأمانته لديه، واستغنى بأمانته عن الارتهان {فَلْيُؤَدّ الذى اؤتمن} وهو: المديون {أمانته} أي: الدين الذي عليه، والأمانة مصدر سمي به الذي في الذمة، وأضافها إلى الذي عليه الدين من حيث أن لها إليه نسبة، وقريء: {ايتمن} بقلب الهمزة ياء، وقريء بإدغام الياء في التاء، وهو خطأ؛ لأن المنقلبة من الهمزة لا تدغم؛ لأنها في حكمها {وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ} في أن لا يكتم من الحق شيئاً.
قوله: {وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة} نهي للشهود أن يكتموا ما تحملوه من الشهادة، وهو في حكم التفسير لقوله: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ} أي: لا يضارر بكسر الراء الأولى على أحد التفسيرين المتقدّمين. قوله: {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ} خص القلب بالذكر؛ لأن الكتم من أفعاله، ولكونه رئيس الأعضاء، وهو المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد كله، وارتفاع القلب على أنه فاعل، أو مبتدأ، وآثم خبره على ما تقرر في علم النحو، ويجوز أن يكون قلبه بدلاً من آثم بدل البعض من الكل، ويجوز أن يكون أيضاً بدلاً من الضمير الذي في آثم الراجع إلى من، وقريء: {قلبه} بالنصب كما في قوله: {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130].

قوله: {للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض} قد تقدّم تفسيره. قوله: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ} إلى آخر الآية، ظاهره أن الله يحاسب العباد على ما أضمرته أنفسهم، أو أظهرته من الأمور التي يحاسب عليها، فيغفر لمن يشاء منهم ما يغفره منها، ويعذب من يشاء منهم بما أسرَّ، أو أظهر منها، هذا معنى الآية على مقتضى اللغة العربية.
وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية على أقوال: الأول: أنها، وإن كانت عامة، فهي: مخصوصة بكتمان الشهادة، وأن الكاتم للشهادة يحاسب على كتمه، سواء أظهر للناس أنه كاتم للشهادة، أو لم يظهر.
وقد روى هذا عن ابن عباس، وعكرمة، والشعبي ومجاهد، وهو: مردود بما في الآية من عموم اللفظ، ولا يصلح ما تقدم قبل هذه الآية من النهي عن كتم الشهادة أن تكون مختصة به. والقول الثاني أن ما في الآية مختص بما يطرأ على النفوس من الأمور التي هي بين الشك، واليقين، قاله مجاهد، وهو أيضاً: تخصيص بلا مخصِّص. والقول الثالث: أنها محكمة عامة، ولكن العذاب على ما في النفس يختص بالكفار، والمنافقين. حكاه الطبري عن قوم، وهو أيضاً: تخصيص بلا مخصِّص، فإن قوله: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} لا يختص ببعض معين إلا بدليل. والقول الرابع: أن هذه الآية منسوخة، قاله ابن مسعود، وعائشة، وأبو هريرة، والشعبي، وعطاء، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن كعب، وموسى بن عبيدة، وهو مرويّ، عن ابن عباس، وجماعة من الصحابة، والتابعين، وهذا هو الحق لما سيأتي من التصريح بنسخها، ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها» قوله: {يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} قدم الجار، والمجرور على الفاعل لإظهار العناية به، وقدم الإبداء على الإخفاء؛ لأن الأصل في الأمور التي يحاسب عليها هو الأعمال البادية، وأما تقديم الإخفاء في قوله سبحانه: {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله} [آل عمران: 29] فلكون العلم يتعلق بالأعمال الخافية، والبادية على السوية. وقدم المغفرة على التعذيب؛ لكون رحمته سبقت غضبه، وجملة قوله: {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} مستأنفة، أي: فهو يغفر، وهي متضمنة لتفصيل ما أجمل في قوله: {يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} وهذا على قراءة ابن عامر، وعاصم. وأما على قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وحمزة، والكسائي بجزم الراء، والباء، فالفاء عاطفة لما بعدها على المجزوم قبلها، وهو: جواب الشرط، أعني قوله: {يُحَاسِبْكُم بِهِ الله}. وقرأ ابن عباس، والأعرج، وأبو العالية، وعاصم الجحدري بنصب الراء، والباء في قوله: {فَيَغْفِرُ} {وَيُعَذّبَ} على إضمار أن عطفاً على المعنى.
وقرأ طلحة بن مصرف يغفر بغير فاء على البدل، وبه قرأ الجعفي، وخلاد.
وقد أخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ} الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جثوا على الركب، فقالوا: يا رسول الله كُلِّفْنا من الأعمال ما نطيق الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا، كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا، وعصينا، بل قولوا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير}» فلما اقترأها القوم، وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها: {آمنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ} الآية، فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل: {لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} إلى آخرها.
وأخرج أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي، عن ابن عباس مرفوعاً نحوه، وزاد، فأنزل: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال: قد فعلت: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا} قال: قد فعلت: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال: قد فعلت: {واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنا} الآية، قال: قد فعلت.

 

قوله: {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ} أي: بِجَمِيع ما أنزل الله: {والمؤمنون} عطف على الرسول، وقوله: {كُلٌّ} أي: من الرسول والمؤمنين {آمن بالله} ويجوز أن يكون قوله: {والمؤمنون} مبتدأ. وقوله: {كُلٌّ} مبتدأ ثان. وقوله: {آمن بالله} خبر المبتدأ الثاني، وهو وخبره خبر المبتدأ الأوّل. وأفرد الضمير في قوله: {آمن بالله} مع رجوعه إلى كل المؤمنين، لما أن المراد بيان إيمان كل فرد منهم من غير اعتبار الاجتماع، كما اعتبر ذلك في قوله تعالى: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين} [النمل: 87]. قال الزجاج لما ذكر الله سبحانه في هذه السورة فرض الصلاة، والزكاة، وبين أحكام الحج، وحكم الحيض، والطلاق، والإيلاء، وأقاصيص الأنبياء، وبين حكم الربا، ذكر تعظيمه سبحانه بقوله: {للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض} ثم ذكر تصديق نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر تصديق المؤمنين بجميع ذلك، فقال: {آمن الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ والمؤمنون} أي: صدّق الرسول بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها، وكذلك المؤمنون كلهم صدّقوا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وقيل: سبب نزولها الآية التي قبلها.     وقد تقدّم بيان ذلك.
قوله: {وَمَلَئِكَتِهِ} أي: من حيث كونهم عباده المكرّمين المتوسطين بينه، وبين أنبيائه في إنزال كتبه، وقوله: {وَكُتُبِهِ} لأنها المشتملة على الشرائع التي تَعبَّد بها عباده. وقوله: {وَرُسُلِهِ} لأنهم المبلغون لعباده ما نُزَّل إليهم. وقرأ نافع، وابن كثير، وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر، وكتبه بالجمع. وقرءوا في التحريم، و{كتابه}. وقرأ ابن عباس هنا، و{كتابه} وكذلك قرأ حمزة، والكسائي، وروى عنه أنه قال: الكتاب أكثر من الكتب. وبينه صاحب الكشاف، فقال: لأنه إذا أريد بالواحد الجنس، والجنسية قائمة في وجدان الجنس كلها لم يخرج منه شيء، وأما الجمع، فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع. انتهى. ومن أراد تحقيق المقام، فليرجع إلى شرح التلخيص المطوّل عند قول صاحب التلخيص: واستغراق المفرد أشمل. وقرأ الجمهور {ورسُله} بضم السين. وقرأ أبو عمرو، بتخفيف السين. وقرأ الجمهور {لا نفرّق} بالنون. والمعنى: يقولون: لا نفرق. وقرأ سعيد بن جبير، ويحيى بن يعمر، وأبو زرعة، وابن عمر، وابن جرير، ويعقوب {لا يفرق} بالياء التحتية. وقوله: {بَيْنَ أَحَدٍ} ولم يقل بين آحاد، لأن الأحد يتناول الواحد، والجمع، كما في قوله تعالى: {فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين} [الحاقة: 47] فوصفه بقوله: {حاجزين} لكونه في معنى الجمع، وهذه الجملة يجوز أن تكون في محل نصب على الحال، وأن تكون خبراً آخر لقوله: {كُلٌّ}. وقوله: {مِن رُسُلِهِ} أظهر في محل الإضمار للاحتراز عن توهم اندراج الملائكة في الحكم، أو الإشعار بعلة عدم التفريق بينهم.
وقوله: {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} هو: معطوف على قوله: {آمن} وهو: وإن كان للمفرد، وهذا للجماعة، فهو جائز نظراً إلى جانب المعنى، أي: أدركناه بأسماعنا، وفهمناه، وأطعنا ما فيه؛ وقيل: معنى سمعنا: أجبنا دعوتك. قوله: {غُفْرَانَكَ} مصدر منصوب بفعل مقدّر، أي: اغفر غفرانك. قاله الزجاج، وغيره، وقدّم السمع، والطاعة على طلب المغفرة؛ لكون الوسيلة تتقدّم على المتوسل إليه. قوله: {لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} التكليف هو: الأمر بما فيه مشقة، وكُلفة، والوُسْع: الطاقة، والوسع: ما يسع الإنسان، ولا يضيق عليه، وهذه جملة مستقلة جاءت عقب قوله سبحانه: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ} الآية لكشف كربة المسلمين، ودفع المشقة عليهم في التكليف بما في الأنفس، وهي كقوله سبحانه: {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر} قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت} فيه ترغيب، وترهيب، أي: لها ثواب ما كسبت من الخير، وعليها وزر ما اكتسبت من الشرّ، وتقدّم {لها} و{عليها} على الفعلين، ليفيد أن ذلك لها لا لغيرها، وعليها لا على غيرها، وهذا مبنيّ على أن كسب للخير فقط، واكتسب للشرّ فقط، كما قاله صاحب الكشاف، وغيره، وقيل: كل واحد من الفعلين يصدق على الأمرين، وإنما كرّر الفعل، وخالف بين التصريفين تحسيناً للنظم، كما في قوله تعالى: {فَمَهّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} [الطارق: 17]. قوله: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} أي: لا تؤاخذنا بإثم ما يصدر منا من هذين الأمرين.
وقد استشكل هذا الدعاء جماعة من المفسرين، وغيرهم قائلين إن الخطأ، والنسيان مغفوران غير مؤاخذ بهما، فما معنى الدعاء بذلك، فإنه من تحصيل الحاصل؟ وأجيب عن ذلك بأن المراد: طلب عدم المؤاخذة بما صدر عنهم من الأسباب المؤدية إلى النسيان، والخطأ من التفريط، وعدم المبالاة، لا من نفس النسيان، والخطأ، فإنه لا مؤاخذة بهما، كما يفيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان» وسيأتي مخرّجه. وقيل: إنه يجوز للإنسان أن يدعو بحصول ما هو حاصل له قبل الدعاء لقصد استدامته. وقيل: إنه وإن ثبت شرعاً أنه لا مؤاخذة بهما، فلا امتناع في المؤاخذة بهما عقلاً، وقيل: لأنهم كانوا على جانب عظيم من التقوى. بحيث لا يصدر عنهم الذنب تعمداً، وإنما يصدر عنهم خطأ، أو نسياناً، فكأنه وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً بنزاهة ساحتهم، عما يؤاخذون به، كأنه قيل: إن كان النسيان، والخطأ مما يؤاخذ به، فما منهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ، والنسيان. قال القرطبي: وهذا لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام هل ذلك مرفوع، ولا يلزم منه شيء، أو يلزم أحكام ذلك كله؟ اختلف فيه، والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات، والديات، والصلوات المفروضات، وقسم يسقط باتفاق كالقصاص، والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث مختلف فيه كمن أكل ناسياً في رمضان، أو حنث ساهياً، وما كان مثله مما يقع خطأ، ونسياناً، ويعرف ذلك في الفروع.
قوله: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا} عطف على الجملة التي قبله، وتكرير النداء للإيذان بمزيد التضرّع، واللُّجأ إلى الله سبحانه. والإصر: العبء الثقيل الذي يأصر صاحبه، أي: يحبسه مكانه لا يستقل به لثقله. والمراد به هنا: التكليف الشاق، والأمر الغليظ الصعب. وقيل: الإصر: شدّة العمل، وما غلظ على بني إسرائيل من قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة، ومنه قول النابغة:
يا مانِعَ الضَّيْمِ أَنْ تَغْشَى سَرَاتَهم *** والحَامِل الإصر عَنْهمُ بَعْدَ مَا غَرقُوا
وقيل: الإصر: المسخ قردة، وخنازير. وقيل: العهد، ومنه قوله تعالى: {وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى} [آل عمران: 81] وهذا الخلاف يرجع إلى بيان ما هو الإصر الذي كان على من قبلنا، لا إلى معنى الإصر في لغة العرب، فإنه ما تقدّم ذكره بلا نزاع، والإصار: الحبل الذي تربط به الأحمال، ونحوها، يقال أصر يأصر إصراً: حبس، والإصر بكسر الهمزة من ذلك. قال الجوهري: والموضع مأصر، والجمع مآصر، والعامة تقول معاصر. ومعنى الآية: أنهم طلبوا من الله سبحانه أن لا يُحَمَّلهم مَنْ ثقل التكاليف ما حمَّل الأمم قبلهم. وقوله: {كَمَا حَمَلْتَهُ} صفة مصدر محذوف، أي: حملاً مثل حملك إياه على من قبلنا، أو صفة ل {إصراً} أي: إصراً مثل الإصر الذي حملته على من قبلنا. قوله: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} هو أيضاً عطف على ما قبله، وتكرير النداء للنكتة المذكورة قبل هذا. والمعنى: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق وقيل: هو عبارة عن إنزال العقوبات، كأنه قال: لا تنزل علينا العقوبات بتفريطنا في المحافظة على تلك التكاليف الشاقة التي كَلَّفْتَ بها مَنْ قبلنا. وقيل: المراد به: الشاق الذي لا يكاد يستطاع من التكاليف. قال في الكشاف: وهذا تقرير لقوله: {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا}.
قوله: {واعف عَنَّا} أي: عن ذنوبنا، يقال عفوت عن ذنبه: إذا تركته، ولم تعاقبه عليه {واغفر لَنَا} أي: استر على ذنوبنا. والغفر: الستر {وارحمنا} أي: تفضل برحمة منك علينا {أَنتَ مولانا} أي: ولينا، وناصرنا، وخرج هذا مخرج التعليم كيف يدعون؟ وقيل: معناه: أنت سيدنا، ونحن عبيدك {فانصرنا عَلَى القوم الكافرين} فإن من حق المولى أن ينصر عبيده، والمراد عامة الكفرة، وفيه إشارة إلى إعلاء كلمة الله في الجهاد في سبيله.
وقد قدّمنا في شرح الآية التي قبل هذه أعني قوله: {إِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ} إلخ، أنه ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال عقب كل دعوة من هذه الدعوات: قد فعلت، فكان ذلك دليلاً على أنه سبحانه لم يؤاخذهم بشيء من الخطأ، والنسيان، ولا حمل، عليهم شيئاً من الإصر الذي حمله على من قبلهم، ولا حملهم ما لا طاقة لهم به، وعفا عنهم، وغفر لهم، ورحمهم، ونصرهم على القوم الكافرين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

جار التحميل