جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

المحاضرة الثالثة : مصادر العقيدة عند أهل السنة


- 2017/10/22
(مصادر العقيدة) س/ ما هي مصادر تلقي العقيدة عند أهل السنة؟ 1/ الكتاب 2/ السنة. 3/ الإجماع. 4/ دور العقل. 5/ الفطرة. أولاً: الكتاب : لغة: المقروء .وشرعاً: هو كلام الله المعصوم المعجِز بلفظه ومعناه, المبدوء بالفاتحة والمنتهي بالناس, منزل على قلب النبي  بواسطة جبريل  غير مخلوق, منه بدأ وإليه يعود. خصائص القرآن: 1) هو الأصل الأول لاستمداد العقائد، قال : (يا أيها الذين ءامنوا امنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله) أي: اعتقدوا جميع ما جاء في القرآن. 2) أن الله يسره للفهم قال تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) فليس في القرآن تعقيد لفظي أو معنوي, فتدبر القرآن ميسورٌ لكل البشر لا يختص أحد بإدراك معانيه. 3) أنه لم يأت بما لا تقبله العقول المستنيرة, ولا ينفر منه صاحب الذوق السليم, وليس فيه تناقض ولا اضطراب قال تعالى: (ولو كان من عند الله غير الله لو جدوا فيه اختلافا كثيراً). 4) موصوف بالإحكام العام المتضمن نفي الخلل في نظمه أو معناه, والمتشابه العام المتضمن صدقه وعدم تعارض آياته وتخالفها كما قال تعالى: (كتاب أحكمت آياته) وقال تعالى: (كتابا متشابها) 5) تعهد الله بحفظه دون غيره من الكتب السماوية كما قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) , فهو محفوظ في لفظه ومعناه؛ نقل إلينا نقلاً متوتراً؛ مما يفيد القطع بوصوله إلينا سالماً من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان. الأصول المرعية والقواعد العامة التي تعصم الذهن من الخطأ في فهم كتاب الله: 1) الرجوع في تفسير القرآن إلى القرآن نفسه؛ فهو  أدرى وأعلم بما أراده من لفظه و معانيه. فإذا لم نجد البيان في القرآن رجعنا إلى سنة النبي ؛ لأنه المبلغ عن ربه فهو أعلم بمقاصده ممن سواه (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) فإذا لم نجد ما يبين المعنى رجعنا إلى تفسير الصحابة؛ لأنهم الأحرص على فَهم كتاب الله, وهم الذين شاهدوا تنزيله ويعلمون أسباب نزوله, وقد حضروا وقائعه, وعالج مشاكلهم, وهم أعلم الناس بلغة العرب, وهم مع ذلك حريصون على تدبره وفهمه. فإذا لم نجد في أقوال الصحابة ما يبين المعنى، رجعنا إلى أقوال التابعين فهم تلاميذ الصحابة, ونقلة علمهم المقتدون بهم في الإيمان والعمل. فإذا لم نجد رجعنا إلى لغة العرب، التي أنزل بها القرآن فنستفيد معانيه من استعمالاتها وطرق التعبير بها كما قال : (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون). 2) يحرم تفسير القرآن بالرأي المجرد؛ لأن فيه ميل للهوى, وتفسير لكلام الله  بغير مراده فقال : "ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" أخرجه الترمذي وحسنه، وفي رواية للترمذي: "بغير علم" 3) أن لا يحمل تفسير الآيات على مذهب معين, كأن يتبنَّى المفسر معتقداً معينا ثم يحمل الآيات عليه مع أنها لا تدل عليه من قريب ولا من بعيد, بل الواجب أن يجعل القرآن إماماً يبنى عليه ويرجع إليه. 4) تقدم الحقائق الشرعية على الحقائق اللغوية؛ لأن المعنى اللغوي أخص في الدلالة على مراد الشارع. 5) ألفاظ القرآن لا تتناقض ولا تتعارض بل هي متوافقة متصادقة لذا وجب رد المتشابه إلى المحكم البين الواضح, فمن تأصيل العقيدة العمل بالمحكم؛ لأن هناك آيات متشابهة من عمل بها أخذ مسلك الخوارج أو القدرية, فاتباع المتشابه من صفات أهل الزيغ كما قال: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) 6) الصحيح من أقوال أهل العلم أن الألفاظ القرآنية لا مجاز فيها, بل هي حقائق موضوعة لمعان مخصوصة وذلك لوجوه كثيرة نذكر نزراً منها: أ/ أنه لا يوجد نقل عن العرب بأن كلامهم ينقسم إلى حقيقة ومجاز, بل لم يُعرف المجاز إلا في القرن3هـ. ب/ من أبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه, وعلى هذا فما من كلمة في القرآن إلا ويمكن أن تنفى, وعندئذ لم يبق لألفاظ القرآن معنى يوقف عليه, فأفقدوا الآيات دلالتها على مراد الله ؛ بل ولا يمكن الرجوع إليها حال التنازع؛ لعدم ثبوت معانيها؛ ففتحوا الباب على مصراعيه لأهل البدع فنُفيت كثير من العقائد الصحيحة بدعوى المجاز ووجد القرامطة والصوفية طريقاً لِلَّعب بالنصوص. ج/ المجاز نتج عنه أمور باطلة, وما نتج عنه باطل فهو باطل؛ لذا سماه ابن القيم في "الصواعق المرسلة" بالطاغوت الأكبر. المصدر الثاني: السنة النبوية : السنة لغةً: هي الطريقة المعتادة، نقول السنن الكونية أي الطرق والقوانين المعتادة. وشرعاً: هي ما أضيف إلى النبي  من الأقوال والأفعال والتقريرات والصفات الخِلقية والخُلقية. خصائص السنة ومكانتها: 1) أنها وحي مستقل مثل القرآن الكريم في المكانة من جهة وجوب الامتثال, كما قال : "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" أخرجه أبو داود وهو صحيح. والمراد بذلك: السنة النبوية. قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما)، وقال تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) وقال : "عليكم بسنتي". 2) السنة هي التي تُبيّن مُجمل القرآن, وتخصص عامّه, وتُقيّد مُطْلقه، بل جاءت بعقائد وأحكام كثيرة لم تذكر في القرآن الكريم كخروج الإمام المهدي في آخر الزمان وبيان كثير من أشراط الساعة وأحوال الموتى في القبور وغير ذلك، قال تعالى : (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) أي: لتبين للناس بالسنة ما نزل إليهم من القرآن ، وقال : " قد تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" أخرجه ابن ماجه وهو صحيح. قال الإمام مالك: "السنة سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق"، وقال بعض السلف فيما ذكره الإمام البربهاري في "شرح السنة": "القرآن أحوج للسنة من السنة للقرآن"؛ لأن القرآن في أغلبه مجمل يحتاج إلى بيان عقائده وأحكامه، وأما السنة فهي مفصلة مبيَّنة. أنواع السنة من حيث ثبوتها: 1) المتواتر: ما رواها جمع عن جمع يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب, من أول السند إلى آخره. 2) الآحاد: ما لم يبلغ حد التواتر. خبر الواحد اختلف الناس في إفادته للعلم واليقين, وبناء على ذلك يكون حجة في علم العقيدة, أو لا يكون حجة. - فجمهور المتكلمين قالوا: أنه لا يفيد العلم وبالتالي لا يكون حجة فلا تثبت به عقيدة. - وجمهور السلف: على أنه مفيد للعلم وبالتالي هو حجة, واستدلوا بالمنقول والمعقول على حجيته. فالحديث إذا ثبتت صحته, وجب الإيمان به وتصديقه سواء كان متواتراً أو آحاداً وهو موجب للعلم اليقيني. الأدلة النقلية على حجية خبر الآحاد: الأدلة النقلية على حجية خبر الآحاد: 1) عموم الأدلة الآمرة باتباع السنة مطلقاً كقوله: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبنيا) وقوله: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) 2) قال : (يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) وهذا يدل على الجزم والقطع بقبول خبر الواحد الثقة وأنه لا يحتاج إلى التثبت؛ لعدم دخوله في الفاسق, ولو كان خبره لا يفيد العلم؛ لأمر بالتثبت مطلقاً دون تقييد الفاسق ؛ حتى يحصل العلم. 3)كان النبي  يبعث رسله إلى الملوك واحداً بعد واحد وكذلك أمراءه على البلدان فيرجع الناس إليهم في جميع الأحكام العملية والاعتقادية, فيجب قبول خبرهم. 4) عن ابن مسعود  قال سمعت رسول الله  يقول: "نضَّر الله امرءاً سمع منا حديثاً, فحفظه حتى يبلغه فرب مبلغ أحفظ له من سامع" أخرجه أحمد وهو صحيح, وهذا عام في أحاديث الأعمال والعقائد. 5) القول بأن أحاديث الآحاد لا تثبت بها عقيدة قول مبتدع ولم يقل به أحد من السلف الصالح, ثم إن هذا القول يتضمن عقيدة تستلزم رد مئات الأحاديث الصحيحة, فيردون كثيراً من العقائد التي ثبتت بأحاديث الآحاد, قال ابن أبي العز ~: (خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول؛ عملاً به وتصديقاً له يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة, وهو أحد قسمي المتواتر, ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع). المصدر الثالث: الإجماع : لغة: الاتفاق, ويأتي أيضا بمعنى القصد أقول أجمعت الصيام إذا نويته. وشرعا: هو اتفاق علماء الأمة على أمر ديني وله شروط: الشرط الأول: أن يكون الاتفاق بين العلماء إذ لا عبرة بخلاف غير العلماء على القول الراجح. الشرط الثاني: ألا يخالف عالِم بالدليل، فإن خالف بغير دليل لا عبرة بخلافه. الشرط الثالث: أن يكون الاتفاق في أمر شرعي، فالأحكام العقلية كالرياضيات والأحكام التجريبية كالطب والأحكام الوضعية كقواعد اللغة والتجويد لا تدخل في الإجماع. ولا بد للإجماع من مستند قرآني أو حديثي؛ لأن الحق في الشرع يأتي من الوحي قال تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) وقال : "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة" أخرجه ابن ماجه وهو ضعيف, ويشهد له نص قرآني . ومن أمثلة الإجماع في العقيدة: أجمع العلماء على أن النبي  أفضل الأنبياء والمرسلين، وأجمع العلماء على أن من طعن في خلافة عثمان  فهو ضال مضل. المصدر الرابع: دور العقل : لغة: يطلق على الدية, والحكمة, وحسن التصرف. اصطلاحاً: يطلق على معنيين: 1/ العلوم الضرورية والمسلَّمَات العقلية. 2/ الاستعداد الغريزي والملَكَة الناضجة. منزلة العقل في الشرع: 1- أن الله لا يخاطب إلا العقلاء ؛ لأنهم الذين يفهمون عن الله شرعه ودينه قال تعالى: (وذكرى لأولي الألباب) 2- أن التكليف متعلق بسلامة عقله, كما قال : "رفع القلم عن ثلاث ومنها: المجنون حتى يعقل أو يفيق" أخرجه النسائي وهو صحيح. 3- ذَكر الله  في القرآن كثير من العمليات العقلية: كالتدبر والتفكر والتعقل ونحوها, قال : (أفلا يتدبرون)، وقال: (أفلا تعقلون) 4- ذم التقليد الذي هو حجاب العقل, قال تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا أولو كان ءاباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) 5- مدح الله من استعمل عقله في إدراك الحق واتباعه , قال تعالى: (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) 6- ذم تعالى من لم يستعمل عقله حيث قال: (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) أصول أهل السنة وقواعدهم في استعمال العقل : 1) عمل العقل هو الفَهم عن الله  ورسوله  ثم بعد ذلك التسليم لدلالة النصوص. 2) لا عبرة للعقل فيما يتعلق بالله  لقوله : " تفكَّرُوا فِي خَلْقِ اللهِ ، ولَا تَفَكَّرُوا فِي اللهِ " أخرجه الألباني في السلسلة الصحيحة وحسنه. 3) ميزان صحة المعقولات هو الموافقة للكتاب والسنة؛ قال في "الحجة": (وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة إمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم، عرضوه على الكتاب والسنة فإن وجدوه موافقا لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم إليه، وإن وجدوه مخالفا لهم تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يرى الحق، وقد يرى الباطل) 4) إن معرفة الله و الرسل وجبت بالسمع دون العقل قال تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) 5) العقول متفاوتة المدارك فلا يمكن الرجوع إليها في أمور العقائد. 6) إدراك العقل في أمور الدين هو إدراك إجمالي عام, لا إدراك تفصيلي تام. 7) حرمة التكلم في باب الاعتقاد بالرأي بل يجب الوقوف مع النص حيث دار والسكوت عما سكت عنه فليس كل ما قَبِلَه العقل يقال به. المصدر الخامس: الفطرة : الفطرة السليمة توافق العقيدة الصحيحة, بل إن الفطرة السليمة لا تستقر إلا مع العقيدة السليمة, ولهذا نجد الكافر والمبتدع في قلق وحيرة واضطراب, وينبغي أن نعلم أن: 1) الفطرة هي دين الإسلام الذي جاء به محمد  قال تعالى: (فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) 2) الفطرة مرجحة للحق على الباطل والهدى والضلال قال  فيما يرويه عن ربه: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم, وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" أخرجه مسلم, وقال" فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه", لكن التربية الفاسدة من أهم الأسباب في صرف الإنسان عن فطرته. 3) الحجة على الخلق تقوم بإرسال الرسل لا بالفطرة (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) 4) إثبات كون الإسلام هو الفطرة لا يقتضي خلق علم ضروري في نفسه يجعله عالماً بالعقيدة, قال تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً) فهو يولد ولا علم لديه بشيء.
جار التحميل