جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

المحاضرة الأولى لمقرر العقيدة 214


- 2017/02/20

المرجع:

توحيد الأسماء والصفات

محمد بن إبراهيم الحمد

 

 

 

 

 

 

تعريف توحيد الأسماء والصفات

1-هو: الإيمان بما وصف الله به نفسَه في كتابه، أو وَصَفَه به رسوله" من الأسماء الحسنى والصفات العلى وإمرارها كما جاءت على الوجه اللائق به_سبحانه وتعالى_([1]).

2-وعرفه الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله بتعريف جامع حيث قال: توحيد الأسماء والصفات: وهو اعتقاد انفراد الرب جل جلاله بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة، والجلال، والجمال التي لا يشاركه فيها مشارك بوجه من الوجوه.

وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله "من جميع الأسماء، والصفات، ومعانيها، وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله، من غير نفي لشيء منها، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تمثيل.

ونفي ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله" من النقائص والعيوب ومن كل ما ينافي كماله ([2])

 

                                    أهمية توحيد الأسماء والصفات

للعلم بتوحيد الأسماء والصفات والإيمان به أهمية عظيمة، ومما يدل على أهميته ما يلي:

1_أن الإيمان به داخل في الإيمان بالله عز وجل إذ لا يستقيم الإيمان بالله حتى يؤمن العبد بأسماء الله وصفاته.

2_أن معرفة توحيد الأسماء والصفات والإيمان به كما آمن السلف الصالح عبادة لله عز وجل فالله أمرنا بذلك، وطاعته واجبة.

3_الإيمان به كما آمن السلف الصالح طريق سلامة من الانحراف والزلل الذي وقع فيه أهل التعطيل، والتمثيل، وغيرهم ممن انحرف في هذا الباب.

4_الإيمان به على الوجه الحقيقي سلامة من وعيد الله، قال تعالى:[ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (الأعراف: 180).

5_أن هذا العلم أشرف العلوم، وأجلها على الإطلاق؛ فالاشتغال بفهمه، والبحث فيه اشتغال بأعلى المطالب، وأشرف المواهب.

6_أن أعظم آية في القرآن هي آية الكرسي، وإنما كانت أعظم آية لاشتمالها على هذا النوع من أنواع التوحيد.

7_أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن؛ لأنها أخلصت في وصف الله عز وجل.

8_أن الإيمان به يثمر ثمرات عظيمة، وعبودياتٍ متنوعةً، ويتبين لنا شيء من ذلك عند الحديث عن ثمرات الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات.

 

                      

ثمرات الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات([3])

 

العلم بأسماء الله وصفاته، وتدبرها، وفهمها على مراد الله أهم العلوم وأشرفها كما مر؛ لما يثمره من الثمرات العظيمة النافعة المفيدة.

ولقد اعتنى علماء الإسلام قديماً وحديثاً في بيان أسماء الله وصفاته، وشرحها، وإيضاحها، وبيان ثمرات الإيمان بها، فمن الثمرات التي تحصل من جراء الإيمان بها ما يلي:

1_العلم بأسماء الله وصفاته هو الطريق إلى معرفة الله.

2_أن معرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له: وهذا هو عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته والتفقه بمعانيها، وأحكامها، ومقتضياتها.

3_تزكية النفوس وإقامتها على منهج العبودية للواحد الأحد.

4_الانزجار عن المعاصي: ذلك أن النفوس قد تهفو إلى مقارفة المعاصي، فتذكر أن الله يبصرها، فتستحضر هذا المقام وتذكر وقوفها بين يديه، فتنزجر وترعوي، وتجانب المعصية.

5_أن النفوس طُلعَة، تتطلع وتتشوق إلى ما في أيدي الآخرين، وربما وقع فيها شيء من الاعتراض أو الحسد، فعندما تتذكر أن الله من أسمائه الحكيم، والحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه عندئذٍ تكف عن حسدها، وتنقدع عن شهواتها، وتنفطم عن غيّها.

6_أن العبد يقع في المعصية، فتضيق عليه الأرض بما رَحُبت، ويأتيه الشيطان؛ ليجعله يسيء ظنه بربه، فيتذكر أن من أسماء الله الرحيم، التواب، الغفور فلا يتمادى في خطيئته، بل ينزع عنها، ويتوب إلى ربه، ويستغفره فيجده غفوراً تواباً رحيماً.

7_ومنها أن العبد تتناوشه المصائب، والمكاره، فيلجأ إلى الركن الركين، والحصن الحصين، فيذهب عنه الجزع والهلع، وتنفتح له أبواب الأمل.

8_ويقارع الأشرار، وأعداء دين الله من الكفار والفجار، فيجدُّون في عداوته، وأذيته، ومنع الرزق عنه، وقصم عمره، فيعلم أن الأرزاق والأعمار بيد الله وحده، وذلك يُثمر له الشجاعة، وعبودية التوكل على الله ظاهراً وباطناً.

9_وتصيبه الأمراض، وربما استعصت وعزَّ علاجها، وربما استبد به الألم، ودب اليأس إلى قلبه، وذهب به كل مذهب، حينئذٍ يتذكر أن الله هو الشافي، فيرفع يديه إليه ويسأله الشفاء، فتنفتح له أبواب الأمل، وربما شفاه الله من مرضه، أو صرف عنه ما هو أعظم، أو عوضه عن ذلك صبراً وثباتاً ويقيناً هو عند العبد أفضل من الشفاء.

10_أن من انفتح له هذا الباب باب الأسماء والصفات انفتح له باب التوحيد الخالص، الذي لا يحصل إلا للكُمّل من الموحدين.

11_زيادة الإيمان: فالعلم بأسماء الله وصفاته من أعظم أسباب زيادة الإيمان، وذلك لما يورثه في قلوب العابدين من المحبة، والإنابة، والإخبات، والتقديس، والتعظيم للباري جل وعلا [وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ] (محمد:17).

12_أن من أحصى تسعة وتسعين اسماً من أسماء الله دخل الجنة، قال: "إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة"([4]).

               الفرق التي ضلت في باب الأسماء والصفات([5]

 

هناك فرق عديدة ضلت في هذا الباب منها:

1_الجهمية: وهم أتباع الجهم بن صفوان، وهم ينكرون الأسماء والصفات.

2_المعتزلة: وهم أتباع واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وهم يثبتون الأسماء، وينكرون الصفات، معتقدين أن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء([6]).

3_الأشاعرة: وهم أتباع أبي الحسن الأشعري، وهم يثبتون الأسماء، وبعض الصفات، فقالوا: إن لله سبع صفات عقلية يسمونها معاني هي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر والكلام .                      

وإثباتهم لهذه الصفات مخالف لطريقة السلف([7]).

4_الماتريدية: وهم أتباع أبي منصور الماتريدي، وهم يثبتون الأسماء وبعض الصفات، وإن كان هذا الإثبات مخالفاً لطريقة السلف([8]).

5_الممثلة: وهم الذين أثبتوا الصفات، وجعلوها مماثلة لصفات المخلوقين، وقيل إن أول من قال بذلك هو هشام بن الحكم الرافضي.

 

حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة

 بالكتاب والسنة

هذا الأمر يحتاج إلى تأنٍّ وتريث، ثم تفصيل.

فيقال: إن الذي ينفي صفة من الصفات الثابتة بالنصوص القطعية لا يخلو من أحد ثلاثة أحوال.

أحدها: أن يكون النافي عالماً بالنص الذي ثبتت به الصفة المنفية كتاباً كان أو سنة، ولا توجد لديه شبهات قد تغير مفهومه للنص وإنما نفى لعناده، وفساد قصده، ومرض قلبه، ومشاقته للرسول من بعد ما تبين له الحق.

فهذا كافر؛ لتكذيبه كلام الله أو كلام رسوله".

الثاني: أن يكون النافي مجتهداً في طلب الحق، معروفاً بالنصيحة والصدق ولكنه أخطأ وتأول: لجهله بالنص، أو لعدم علمه بالمفهوم الصحيح. فحكمه أنه معذور، وخطؤه مغفور؛ لأن نفيه ناتج عن تأويل، لا عن عناد وفساد قصد.

الثالث: أن يكون النافي متعباً لهواه، مقصراً في طلب الحق، متكلماً بلا علم، ولكنه لا يقصد مشاقة الرسول، ولم يتبين له الحق تماماً فحكمه أنه عاصٍ مذنب، وقد يكون فاسقاً.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما التكفير فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد"وقصد الحق فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاقَّ الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر. ومن اتبع هواه، وقصَّر في طلب الحق، وتكلم بلا علم فهو عاصٍ مذنب، وقد يكون فاسقاً، وقد تكون حسناته ترجح على سيئاته؛ فالتكفير يختلف باختلاف حال الشخص؛ فليس كل مخطىء، ولا مبتدع ولا جاهل، ولا ضال يكون كافراً، بل ولا فاسقاً، بل ولا عاصياً([9]).

وقال: هذا مع أنني دائماً ومن جالسني يعلم ذلك مني أني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير، وتفسيق ومعصية إلا إذا عُلِم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى. وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية.

وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر، ولا بفسق، ولا بمعصية.

إلى أن قال: وكنت أبيِّن أن ما نقل عن السلف، والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول: كذا وكذا فهو أيضاً حق.

لكن يجب التفريق بين الإطلاق، والتعيين ([10]).

 

([1]) انظر أعلام السنة المنشورة، للشيخ حافظ الحكمي، تحقيق مصطفى أبو النصر الشلبي، ص56.

([2]) القول السديد في مقاصد التوحيد 3/10 مجموعة ابن سعدي.

([3])انظر كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله وصفاته على الاتفاق والتفرد لابن مندة تحقيق الشيخ د. علي الفقيهي، 2/18_19 والتفسير القيم لابن القيم ص24_37،  ومفتاح دار السعادة لابن القيم 2/9091، والصواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطلة لابن القيم، تحقيق د. أحمد الغامدي ود.علي الفقيهي 1/59_62، وطريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم ص82_85، والقول السديد لابن سعدي ص161_163، والأسماء والصفات في معتقد أهل السنة والجماعة، د. عمر الأشقر ص18_39، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة للشيخ عبد الرزاق العباد، ص100_101، والنهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للشيخ محمد الحمود.

([4]) رواه البخاري، كتاب الدعوات (6410)، ومسلم كتاب الذكر والدعاء (2677).

([5]) انظر فتح رب البرية، ص15.

([6]) نظر النعتزلة، وأصولهم الخمسة، وموقف أهل السنة منها د. عواد المعتق، ص84.

([7]) منهج الأشاعرة في العقيدة، د. سفر الحوالي، ص60.

([8]) انظر الماتردية دراسة وتقويماً، للشيخ أحمد بن عوض الله الحربي، ص234.

([9]) مجموع الفتاوى 2/180.

([10]) مجموع الفتاوى 3/229.

جار التحميل