جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

العقيدة 110


- 2019/01/21

 

 

 

 

 

 

 

منهج العقيدة 110

 

إعداد

  د / أسماء محمد توفيق بركات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الموضوع  

 

دلائل معرفة الله تعالى والإيمان به

دراسة تأصيلية في ضوء الأدلة الشرعية

 

(أولا / دليل الفطرة)

 

معنى الفطرة :

    الفطرة في لغة العرب : الخلقة والجبلة[1] .

الاصطلاح :

    والفطرة في الاصطلاح الشرعي : هي الإيمان بالله تعالى وتوحيده , بحيث تخلق النفس البشرية على جبلة مميزة عن غيرها من المخلوقات ؛ تقتضي معرفة الله تعالى وتوحيده دون حاجة لاكتساب هذه المعرفة من الخارج مع انتفاء الموانع.

    وبهذا فإن "كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة" .[2]

     والقول في تعريف الفطرة بأنها الإيمان بالله تعالى ؛ معروف عن عامة أهل العلم , قال ابن القيم :" اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي الْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ عَلَى أَقْوَال كَثِيرَة ، وَأَشْهَر الْأَقْوَال أَنَّ الْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ الْإِسْلَام . قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد عَامَّة السَّلَف"[3].

**********

أهمية دليل الفطرة

 

      لما كانت معرفة الله تعالى هي أساس الإيمان به ؛ كان من رحمته عز وجل أن فطر الناس علي تلك المعرفة وجبلهم على الإقرار بها .

      فالإيمان بالله تعالى ربا يستحق العبادة حقيقة استقرت في النفوس خالطت أصل الجبلة البشرية , رافقتها منذ عهد الذر فجبلت عليها محققة تكوينها الإنساني .

فالفطرة هي الإيمان والإيمان هو الفطرة حقيقة كونية عرفتها النفس منذ أن عرفت حتر عرفت بها.

     ولا يخفى ما في هذا التكوين الرباني للكينونة البشرية بفطرتها على الإيمان من ترشيد لها وإرادة لتوفيقها في اتباع الرسل وموافقتهم لما جاؤوا به , وهذا مما سيتضح أكثر عند دراسة النصوص الشرعية الدالة عليها .

ومما يشهد لذلك حال الرسل صلوات الله و سلامه عليهم ـ الذين هم أعلم الناس بالله تعالى و ما يجب في حقه ـ في دعوتهم للأمم , حيث افتتحوا تلك الدعوة بالأمر بالتوحيد الذي يعني في حقيقته إخلاص العبادة لله وحده, مما يدل على أن تلك الأمم كانت مقرة بربوبية الله تعالى على خلقه , قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت} (النحل:36)   

     ولمكانة  هذا الأصل وماله من أهمية , وجدت أدلته  كثيرة , ومتنوعة الدلالة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ,  وفي أقوال السلف المتقدمين , بل وفي حال الأمم السابقة واللاحقة ؛ لذلك كان معتقد أهل السنة والجماعة في المسألة مقتضى تلك الأدلة وهو الإقرار بفطرية معرفته سبحانه .

   

********

الركائز الشرعية لدليل الفطرة

الدليل الأول/  

 

    من الأدلة  التي تقرر الحقيقة الفطرية لمعرفة الله تبارك وتعالى, قوله تعالى : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (الروم:30)

 

        حيث فسرت الفطرة هنا بالإسلام و كان هذا هو قول كبار السلف من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فقد روي عن : أبي هريرة , ومعاذ بن جبل , وعكرمة , و مجاهد , والحسن [4],  وهذا " هو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم بالتأويل "[5]

       ويستند تأويل الفطرة المذكورة في الآية الكريمة بالإيمان بالله تعالى أن الله تعالى وصف بها الدين الحنيف , مما يدل على اقتضائها له  . فوصفه بها أولا حين قال : (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله) , وثانيا حين أكد وصفه بها في قوله : (ذلك الدين القيم)     

 يقول الشيخ السعدي [6] ـ رحمه الله ـ :" وهذا الأمر الذي أمرناك به . هو " فطرت الله التي فطر الناس عليها, ووضع في عقولهم حسنها , واستقباح غيرها "[7].

  ثم إنه تعالى أمر بالتزامها والتمسك بها لما أمر بإقامة موصوفها وهو الدين , فدل ذلك على انها تماثل موصوفها في المدح والمكانة .

      وقد أكد تعالى هذا المعنى الجليل للفطرة لما نفى إمكانية التغيير في أصلها , فقال لا تبديل لخلق الله .

*********

الدليل الثاني /

      قال تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين .أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} (الأعراف:172ـ173)

       ودلالة هذه الآية على فطرية التوحيد ذات شقين , الأول ؛

      دلت هذه الآية على حصول العلم الضروري بالإيمان بالله تعالى لكافة البشر , عن طريق إشهاد الرب تعالى  للذرية البشرية . حين أخرجت من ظهر آدم كما دلت على ذلك الأحاديث مفسرة الآية الكريمة  ,

    فهذا العلم  هو من لوازم خلقتهم التي خلقهم الله تعالى عليها , فقد أخبر  تعالى أنه أخذ العهد والميثاق على بني آدم, وهم في عهد الذر بأن  يقروا بربوبيته وأن لا يشركوا معه أحداُ من خلقه فأقروا وشهدوا .

      وبذلك يكون الإيمان بالله تعالى  وتوحيده  أمراً فطرياً , لا يمكن للنفس البشرية جحده ولا إنكاره  إلا ظلماً وعلواً , كما أخبر بذلك المولى سبحانه , ولا ينبئك مثل خبير .

     فالإشهاد دلالة على حصول العلم اليقيني الذي لا يمكن أن يجامعه الشك والظنون , بل هو اعلى مرتبة من مجرد العلم. يقول شيخ الإسلام في بيان هذه الحقيقة المشرقة :" ولهذا جميع بني آدم مقرون بهذا شاهدون به على أنفسهم . وهذا أمر ضروري لهم لا ينفك عنه مخلوق , وهو مما خلقوا عليه وجبلوا عليه , وجعل علماً ضروريا ًلهم لا يمكن أحداً جحده"[8].

   وفي هذا دلالة صريحة على أن الجبلة البشرية مفطورة على التوحيد إذ كان اليقين مخالطا لتكوينها منذ عهد الذر .

     فينتفي بذلك وجود الموانع من داخل النفس البشرية . و لكن مع ذلك إذا تمكنت الشبهات من النفس البشرية , واستطاعت أن تحجب تلك الحقيقة لوجود الموانع الصارفة من الخارج ؛ أمكن حينئذ  تدخل طرق المعرفة الأخرى من النظر أو الكشف , فقط لتزيل ذلك الحجاب , وتنبه النفس من تلك الغفلة التي عرضت لها.

    أما الشق الثاني؛ فيتبين في دلالة الآية على إقامة الحجة بمجرد هذا الإشهاد , بما يقطع بفطرية الإيمان بالله تعالى من جهة كون النفس البشرية بما أودع فيها من حقائق العلم بالله تعالى جبليا مسؤولة ومحاسبة دون اشتراط العلم بالاكتساب , وهذا ما دلت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى : ( أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين او تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل )

فلم تعلق الآية المحاسبة على الغفلة والإعراض عن الإيمان؛ ببعثة الرسل وتبليغهم بل اكتفت بالإشارة على هذا الإشهاد ليعلم ما في الكينونة البشرية من حقائق الإيمان الذي لا تنكره إلا استكبارا وعنادا .

************

الدليل الثالث :

عن أبي هريرة رضي الله عنه , قَالَ النَّبِىُّ،  - صلى الله عليه وسلم - :  (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ).[9]

وفي رواية الترمذي ( كل مولود يولد على الملة)[10].

هذا الحديث جلي الدلالة في بيان فطرية الإيمان بالله تعالى . وأن معرفة الله تعالى علما ضروريا جبلت عليه نفوس بني آدم منذ الصغر وأن معرفة الله تعالى علما ضروريا جبلت عليه نفوس بني آدم منذ الصغر .

ودلالات الحديث على هذا المعنى من عدة أوجه:

ـ أولها : أن النبي عليه الصلاة والسلام قال فيه : ( كل مولود يولد على الفطرة ) , وقد علم من خطاب النني صلى الله عليه وسلم في جمل بلاغه للدين أنه يريد بالفطرة الإسلام , ولا يريد بها خلقة تماثل خلقة البهائم , بل الفطرة في كلامه انتقلت من معناها اللغوي المجرد إلى معنى شرعي خضع لعرف الشارع ومقصوده .

     وهذا ما تثبته نصوص أخر ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام , منها : الذكر الذي شرعه لنا المصطفى عند النوم, فعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ, قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ ثُمَّ قُلْ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ ) [11]

     فالمراد من الفطرة هنا واضح وهو الخلقة على الإيمان بحيث يموت العبد المؤمن على ما فطره الله تعالى عليه من توحيده وإيمانه كما هو بين من ألفاظ الذكر .

ولهذا عدد من الشواهد[12].

    وخلاف هذا يقضي بأن كلام النبي ليس له معنى , فلو كانت الفطرة باقية على معناها اللغوي لم يكن لتخصيص المولد البشري بأنه يولد عليها معنى زائد على يتميز به على كافة المواليد , فإن كل المواليد بل كل المخلوقات توجد موافقة للخلقة التي أرداها لها الباري تعالى.

وقد علم أن كلام النبي قائم على كمال البيان والبلاغة , فلا بد أن يكون لتخصيصه المولود البشري بأنه ولد على الفطرة سببا لأجله خصصه وهو كونه يولد  حقا على فطرة تخالف فطرة البهائم , لما تقتضيه من معرفة الله تعالى والإيمان به .

 

ـ ومن هذه الدلالات البينة أن النبي عليه الصلاة والسلام , لم يذكر الإسلام مع الأديان التي تخضع لتغيير الأبويين مما يدل على أن التدين به بقاء على أصل الخلقة التي هي الإيمان بالله تعالى [13] .

ـ ثم في تشبيه النبي عليه الصلاة والسلام للفطرة حين تنتقل من الحق إلى الباطل بالبهيمة الجمعاء المكتملة التي لم يحصل لها جدع بعد؛ دليل على مدح الفطرة أولا والثناء عليها بما يدل على كمالها , ولا معنى لمدحها إلا انها مقتضية لمعرفة الله تبارك وتعالى .

ـ هذا وفي الرواية التي أوردها الترمذي في أن كل مولود يولد على الملة ما يحسم الأمر ويقطع بتفسير الفطرة بالإسلام .

لأن الملة هي الدين كما هو معلوم ولا يمكن أن يراد بها الجبلة , والملة إذا أطلقت أريد بها الدين الحق وهو الإسلام .

*********

معرفة الله عند المتكلمين

 

       ومع وضوح هذا الأصل وبعده عن الغموض والتعقيد , إلا أن الافتراق الذي حدث للأمة المسلمة قد أثر على صفاء ذلك المعتقد , حيث داخله خلط كبير منذ اتساع رقعة بلاد الإسلام  واختلاط عدد كبير من أصحاب الديانات السابقة  والنحل المختلفة بأبناء المسلمين , ونتيجة لذلك  تصدى عدد من المتكلمين للرد على شبهات المخالفين بغية الدفاع عن عقيدة المسلمين . ومع الابتعاد عن منهج السلف في تقرير العقيدة والدفاع عنها , وتعظيم العقل والاغترار به,  حدث الابتداع المنهي عنه وأدخل في الدين ما ليس منه . وبذلك احتل منهج الرد على المخالف مكان تقرير العقيدة الحقة, وأصبحت هذه المسألة من أهم مسائل علم الكلام .

أولا / المعتزلة

        والمعتزلة هم أول من عرف عنهم تزعم هذا الفكر والذب عنه , حيث بنت معتقدها في قضية المعرفة على أساس المنهج العقلي  الذي وضعته في تقرير العقائد و الذي يعتمد في أساسه على قضية التحسين والتقبيح العقليين , وبذلك صار الإيمان بالعدل و التكليف  ضرورة تقتضي عدم إمكان تحقق المعرفة بغير النظر, فنفوا بذلك إمكان تحققها بالضرورة ؛ إذ لو أمكن معرفة" الله ضرورة أو بالمشاهدة لسقط التكليف , أو لو عرف بالطبع سقط أيضا التكليف , فالتكليف عندهم أساس تتفرع عليه آراؤهم في مشكلة المعرفة"[14].

ثانيا الأشاعرة  

 وانتقل هذا التصور الذي نشأ في أحضان المعتزلة  للفكر الأشعري , حيث يبرهن أبو الحسن الأشعري على نظرية المعرفة بأنه لو كانت معرفته تعالى تحصل ضرورة لما أمر بها ولما ترتب المدح و الذم عليها , يقول:" إن معرفة الله تعالى مأمور بها ...".إلى أن يقول :" وإذا كان ذلك كذلك دل أنها اكتساب لأن الأمر لا يتعلق بنوع الضرورة , و لا الذم على تركه , والمدح على فعله "[15].

       ونتيجة لما تقدم  ذهب الجم الغفير منهم إلى القول بأن معرفة الله تعالى نظرية فقصروا حصولها على الاستدلال العقلي فقط  , وأوجبوا بذلك النظر وجوب الوسائل المفضية إلى المقاصد , من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب [16]

       ومع ذلك فقد ذهب عدد منهم إلى إمكان معرفته سبحانه بمقتضى الفطرة[17] .

*************

ثانيا / معرفة الله تعالى بالإلهام

       

   وإذا كانت  معرفة الله تعالى متحققة بالفطرة , التي تعني علما ضروريا ملازما للجبلة البشرية للإقرار بربوبية الله تعالى, وانفراده  باستحقاق العبادة  , كذلك أمكن تحقق حصولها  بغير هذا الطريق , و يكون ذلك عند انطماس معالم الهداية في قلب العبد ؛  بسبب وجود الموانع الصارفة  من تحقق مقتضى تلك الهداية الفطرية اللازمة للجبلة البشرية ,  فكانت عناية الله بهذا الخلق الضعيف أن جعل الطرق الدالة عليه أعظم الطرق و أوسعها , فالإلهام[18] أو الكشف [19] طريق إلى معرفة الله تعالى وهو هداية من المولى يختص بها من يشاء من عباده , وقد يحصل بسبب المجاهدة وفعل الطاعات وملازمة التقوى , وقد يحصل بمحض فضل من الله عز وجل ؛ فينير قلب عبده للإيمان به و التزام هديه وهذا ما حكاه القرآن الكريم لنا , حيث قال في محكم التنزيل : {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} (المائدة:111)  وتفسير الوحي المذكور في الآية بالإلهام  هو قول طائفة من السلف. قال الحسن البصري :" ألهمهم الله عز وجل ذلك ". وقال السدي : " قذف في قلوبهم ذلك ".

       يقول شيخ الإسلام :" وليس من الممتنع وجود العلم بثبوت الصانع وصدق رسوله إلهاماً . فدعوى المدعي امتناع ذلك يفتقر إلى دليل , فطرق المعارف متنوعة في نفسها , والمعرفة بالله أعظم المعارف , وطرقها أوسع وأعظم من غيرها , فمن حصرها في طريقٍ معين بغير دليل  يوجب نفيا ًعاما لما سوى تلك الطريق ؛ لم يقبل منه , فإن النافي عليه الدليل , كما أن المثبت عليه الدليل " .

*****

      

       والأصل في حجية الإلهام واعتباره من المسالك الشرعية في الدين أن يستند في دلالته إلى نصوص الكتاب والسنة وأن لا يستقل بحكم شرعي لا أصل له فيهما , ولذلك كان الإلهام في هذا الباب  قد استوفى شرط تحكيمه والعمل بمقتضاه ؛ حيث استند اعتباره لما قام عليه الدين جملة وتفصيلا  فوافق أمراً فطرياً ضرورياً قد جبل الله تعالى خلقه عليه , وأمرهم به , وهو معرفته سبحانه ربا , ًخالقا ,ً رازقاً , مدبراً , أحداً , ومن ثم التوجه له بالعبادة وحده  [20].

       ويبين الإمام ابن القيم الضابط الذي يعتمد في هذا الباب , حيث يقول:" والرؤيا كالكشف , منها رحماني , ومنها نفساني , ومنها شيطاني..." إلى أن قال : " ورؤيا الأنبياء وحي , فإنها معصومة من الشيطان , وهذا باتفاق الأمة ؛ ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام بالرؤيا.

      وأما رؤيا غيرهم فتعرض على الوحي الصريح , فإن وافقته و إلا فلا ".[21]

       وبنفس الضوابط والشروط  يقرر الإمام الشاطبي هذه الحقيقة , يقول :"...لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعاً على حال , إلا أن نعرضها على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية , فإن سوغتها عمل بمقتضاها , وإلا وجب تركها والإعراض عنها ".[22]

       لهذا فإن الإمام ابن القيم يرى أن الكشف الصحيح هو ما كان دليلا للعبد يعينه في معرفة الحق الذي بعث الله تعالى به رسله ,يقول :" فالكشف  الصحيح : أن يعرف الحق الذي بعث الله به رسله , وأنزل به كتبه معاينة لقلبه , ويجرد إرادة القلب له فيدور معه وجوداً وعدماً , هذا هو التحقيق الصحيح  وما خالفه فغرور قبيح ".[23]

        ويرجع هذا الأصل إلى اعتقاد كفاية الطرق والمسالك التي شرعها الدين  للاستدلال على مسائله وأحكامه: علماً و عملاً , جملةً وتفصيلا , وهو مقتضى التسليم والإيمان بقوله تعالى : {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} (المائدة:3)

      واعتقاد حصول البيان التام بالشرع , لا يمنع الاستئناس بما يدل عليه ويوافقه من طريق النظر أو الكشف , وإنما يقع المحظور في اعتقاد أن ثمة هدى ونور يستقل ببيانه دليل سوى دليل الشرع , ولهذا المعنى أشار العلامة عبد الرحمن المعلمي(2) بعد عرضه للمسالك الشرعية السلفية وبيان حصول الكفاية والاستغناء بها عما سواها , ومن ثم للمسالك الخلفية التي خلط سالكوها الحق بالباطل وبيان ما اشتملت عليه منهما , حيث قال رحمه الله تعالى :" مهما يكن في المأخذين الخلفيين من الوهن فإننا لا نمنع أن يستند إليهما فيما ليس من الدين و لا يدفعه الدين , بل لا ندفع أن يكون فيهما ما يوصل في كثير من ذلك إلى اليقين , فإن الشرع لم يتكفل ببيان ما ليس من الدين .و كذلك لا نرى كبير حرج في الاستئناس بما يوافق المأخذين السلفيين بعد الاعتراف بأنهما كافيان شافيان , إذ لا يلزم من كفايتهما أن لا يبقى في غيرهما ما يمكن أن يستدل به على الحق , وإنما الممنوع الباطل هو زعم أنهما غير وافيين ببيان الحق في الدين "[24].

 

موقف الأشاعرة من الإلهام

 

    ظهر التناقض في الفكر الأشعري ممثلا بشخصية الغزالي الذي أغرق فى الاحتجاج بالضروريات حتى عد منها ما ليس منها فى الحقيقة وواقع الأمر , وخرج عن قوانين المتكلين إلى عقائد الصوفية , حيث أغرق فى  اعتماد الإلهام وعده مصدرا معتمدا فى تلقي العقائد والأحكام بلا ضابط أو حد[25] .

       و يكشف لنا الغزالي بذلك  سبب ميل الصوفية إلى العلوم الإلهامية ,وإعراضهم عن تلقي العلم بطريق التحصيل و الكسب , يقول :"اعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم و تحصيل ما صنفه المصنفون,والبحث عن الأقاويل بل قالوا : الطريق تقديم المجاهدة و محو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها ,والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى....وإذا تولى الله أمر القلب, فاضت عليه الرحمة, وأشرق النور في القلب, وانشرح الصدر, و انكشف له سر الملكوت, وانقشع عن القلب حجاب العزة بلطف الرحمة, وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية"[26].  

       وهذا بعينه ما قرره وهو يحكي قصة هدايته في كتابه المنقذ من الضلال ,حيث قام بتصوير حاله أثناء تورطه بالشك الذي أوقعه فيه شبهات عرضت عليه في التسليم بالأوليات وكيف أن الهداية حصلت له لا بسبب و اجتهاد, بل بنور قذفه الله تعالى  في صدره , يقول :" ولم يكن ذلك بنظم دليل و ترتيب كلام بل بنور قذفه الله تعالى في الصدور ,  وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف ...فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة ؛ فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة "[27].

 

ومعرفة الله إلهاما لا ريب أنه حق إلا أن إقرار الغزالي ومن وافقه من المتكلمين في هذا يدل على أن اضطرابهم في تعظيم النظر العقلي وحصر إمكان معرفة الله تعالى عليه

***********

 

 

 

 

 

(ثالثا / دليل العقل)

 

أهمية العقل في الاستدلال

 

      التفكر في آلاء الله تعالى والاستدلال بها على ربوبيته يعد امتثالاً لأمر الشارع الحكيم, حيث أمر في كثير من الآيات الكريمة بالتدبر والتفكر , وهذا التفكر هو داع عقلي غريزي يربط المقدمات الأولية بتيجتها بداهة دون غموض ولبس .

فلا يحتاج مع التفكر المطلوب في الايات الكريمة إلا غموض الاستدلال وخفاء البرهان كما يلزم للكثير من المسائل العقلية وهذه حقيقة إيمانية مشرقة دلت عليها النصوص الصريحة الصحيحة .

ج مع التفكر المطلوب

يقول شيخ الإسلام رحمه الله :"أهل السنة و الحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن , هذا أصل متفق عليه بينهم , والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكر والتدبر في غير آية , ولا يعرف عن أحد من الأمة ولا أئمة السنة وعلمائها أنه أنكر ذلك , بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة من النظر والتفكر والاعتبار وغير ذلك , ولكن وقع الاشتراك في لفظ النظر والاستدلال , ولفظ الكلام , فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم و استدلالهم , فاعتقدوا أن إنكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال"[28].

        وللإمام الحافظ ابن حجر[29] كلام نفيس في هذه المسألة حيث قام بعرض الأقوال المختلفة ومناقشتها, وذلك بتقرير الحقائق المستمدة من الكتاب والسنة , فبعد أن ذكر الأقوال المتعددة حول النظر وجوباً وتحريماً , مال رحمه الله إلى الاعتدال ـ شيمة أهل الحديث ـ ونقل كلاماً مهماً يعد من الأقوال الحاسمة للخلاف في المسألة , يقول :" ونقلت من جزء  الحافظ صلاح الدين العلائي : يمكن أن يفصل فيقال : من لا له أهلية لفهم شيء من الأدلة أصلاً ,  وحصل له اليقين التام بالمطلوب , إما بنشأته على ذلك , أو لنور يقذفه الله في قلبه ؛ فإنه يكتفى منه بذلك . ومن فيه أهلية لفهم الأدلة لم يكتف منه إلا بالإيمان عن دليل , ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه , وتكفي الأدلة المجملة التي تحصل بأدنى نظر , ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى أن تزول عنه "[30].

       وقد حكى إجماع عامة المسلمين على أن النظر لا يجب في حق من آمن إيماناً جازماً, الإمام ابن حزم[31] حيث قال : " وقال سائر أهل الإسلام : كل من اعتقد بقلبه اعتقاداً لا يشك فيه , و قال بلسانه: أشهد أن لا اله إلا الله , و أن محمداً رسول الله , وأن كل ما جاء به حق , وبريء من كل دين سوى دين محمد صلى الله عليه وسلم , فإنه مسلم مؤمن , ليس عليه غير ذلك "[32].

       والحق الذي عليه المعول , أن النظر قد يجب في بعض الأحيان , وعلى بعض الأعيان , قال تعالى : {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ.أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} (الروم:7ـ8)  , وقد استدل شيخ الإسلام بهذه الآيات الكريمة على ما ذكرته , وبين أن الشاهد من الآية هو عود الضمير في قوله: { يتفكروا} على الكفار الذين وصفهم المولى بقوله : {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا }

 

        ولا شك أن الآيات التي تحث القلب على النظر و التدبر و التفكر كثيرة في كتاب الله تعالى ولكن المراد منها بعيد كل البعد عما يقصده المتكلمون , فهذه أدلة القرآن الكريم تخاطب الفطرة البشرية التي شهدت بربوبية خالقها منذ أن عرفت الوجود و ذاقت طعم الحياة بالتفكر و التدبر في هذا الخلق المحكم حتى تصل بذلك إلى اليقين والاطمئنان , فيظهر أثر ذلك عليها علما ًبما يجب في حق الله تعالى , وعملاً بما يرضي الله تعالى.

 

       قال تعالى : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}(آل عمران:190)  , ثم يبين تعالى من هم أولوا الألباب:{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران:191)

       يقول الإمام ابن كثير في تفسيره :" أي يا من خلق الخلق بالحق و العدل , يا من هو منزه عن النقائص و العيب و العبث :  قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا , ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم"[33]

************

 

 

حقيقة الاستدلال العقلي

 

 

       تبين مما سبق أن اعتقاد السلف في فطرية معرفة الله تعالى, هو مقتضى المعرفة الفطرية التي لا يملك العقل دفعها , كما أن التسليم بها حق شرعي ثبت بنصوص الكتاب والسنة والإجماع , وأن ذلك الاعتقاد حقيقة في النفس البشرية قد جبلت عليها, حيث يستند في مبدئه إلى الإذعان بالضرورة الفطرية التي تحتم التسليم بالمبادئ الأولية[34] و المسلمات اليقينية التي هي أساس التفكير البشري والاستدلال العقلي .

       وتمثل هذه الحقيقة في التصور السليم ,المحور الأساس الذي تدور حوله الطرق الشرعية في الاستدلال على وجود الله تعالى , حيث تعتمد هذه الطرق العقلية على مبدأ السببية,الذي يقوم عليه دليل الخلق والإيجاد, و دليل الإحكام والإتقان. وبذلك فقد مثل هذا المبدأ  أسمى مبادئ التفكير البشري , الذي ميز الله تعالى به الإنسان , ليكون دليلاً هادياً إلى معرفته تعالى إذا ضلت بصاحبها الأهواء

     فيتعين الاستدلال بالعقل على وجود الله تعالى ؛ عند انطماس معالم الفطرة الكامنة في النفس البشرية , وذلك حين تحول الموانع الصارفة دون الوصول إلى هذه الحقيقة الفطرية , فيأتي هنا دور العقل البشري ليكون هو الهادي بإذن الله تعالى إلى معرفته .

*************

 

 

مبدأ الاستدلال العقلي :

 

      تنحصر وظيفة الاستدلال العقلي في إعمال المبدأ الفطري المركوز فيه , وهو  : دلالة الأسباب على مسببها . وهو مايدعى بمبدأ السببية .

زتختلف طبيعة العلاقة بين السبب والمسبب بحسب المسلك العقلي الذي أعمل هذه الدلالة .

       وقد نبه القرآن الكريم العقل البشري إلى إدراك هذه الحقيقة حين خاطب المشركين, بطريق التقسيم الحاصر, حيث قال فى محكم التنزيل: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} (الطور:53)

 

      فالمعنى:" أخلقوا من غير خالق خلقهم ؟  فهذا ممتنع في بدائه العقول . أم خلقوا أنفسهم ؟ فهذا أشد امتناعاً . فعلم أن لهم خالقاً خلقهم , هو الله سبحانه. وقد ذكر سبحانه الدليل بصيغة الاستفهام الإنكاري ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس لا يمكن لأحدً إنكارها , فلا يمكن صحيح الفطرة أن يدعي وجود حادث بدون محدث أحدثه , ولا يمكنه أن يقول : إنه أحدث نفسه ".[35]

 

       وقد تبين بذلك أن القرآن الكريم في  خطابه للنفس البشرية, من أجل تقرير هذه الحقيقة , يأمر بإعمال التفكير والتدبر, حتى  يصل إلى تلك المبادئ الفطرية, والمسلمات اليقينية, التي لا يمكن  ردها , ولا الاستدلال عليها , فيرتفع بذلك الغطاء الذي حال دون الشعور بها .

***********

طبيعة الاستدلال العقلي لمعرفة الله تعالى

 

       معرفة الله تعالى بالعقل تستند إلى مسلمات أولية فيه , سواء حصل العلم بها ضرورة , أو بالتفات النفس إلى ذلك ؛ لشعورها بطلبه والحاجة إليه , ويمكن أن يتمثل ذلك الالتفات بصورة دليل تكون مقدماته أولية ؛ لأن الاستدلال على وجود الله تعالى فى أصل الأمر يرتكز على مبدأ فطري لا يمكن الاستدلال له , يقول شيخ الإسلام :" والشبهات القادحة في تلك العلوم لا يمكن الجواب عنها بالبرهان , لأن غاية البرهان أن ينتهي إليها , فإذا وقع الشك فيه أنقطع  طريق النظر والبحث ".[36]

    وهذا ما حكاه الغزالي عن نفسه حين حالت الشبهات بينه وبين هذه الأوليات الفطرية , حيث سمى ذلك الشك في تلك المسلمات مرضاً , وبين أن طريق اهتدائه و نجاته منه لم يكن بنظم دليل , وإنما بنور قذفه الله تعالى في صدره [37].

       وفي بيان فطرية الأوليات التي يقوم عليها الاستدلال على وجود الله تعالى, يقول شيخ الإسلام :" وإن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها , وإن لم يوجد من يعلمها أدلة المعرفة , لزم حصول المعرفة فيها بدون ما نسمعه من أدلة المعرفة , سواء قيل : إن المعرفة ضرورية فيها , أو قيل : إنها تحصل بأسباب كالأدلة التي تنتظم في النفس من غير أن يسمع كلام مستدل , فإن النفس بفطرتها قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما لا يحتاج معه إلى كلام أحد , فإن كل مولود يولد على هذه الفطرة ؛ لزم أن يكون المقتضي للمعرفة حاصلاً لكل مولود , وهو المطلوب ".[38]

  

       وبذلك يتضح المنهج الرباني , في الاستدلال على وجوده سبحانه , بعيداً عن التعقيد والغموض , صريحاً واضحاً قريباً من النفس البشرية , حيث يخاطب فيها تلك الحقائق التي غرست بداخلها , فما إن تتنبه لها إلا وتدرك ببديهة فطرتها ذلك   الشعور الذي يدلها على الخالق سبحانه: رباً خالقاً ,لا أحد يستحق العبادة سواه .

*********

مسالك الاستدلال العقلي

 

      وبعد فإنه يجدر التنبيه إلى بيان الطرق الشرعية العقلية, التي ذكرت في القرآن الكريم والسنة المطهرة , باعتبار كفايتهما في الاستدلال على أصول الدين جملة وتفصيلاً ـ كما بينت سابقاً ـ  فإن طريقة القرآن الكريم في بيان هذا الأصل, تتفق وروح السماحة وإرادة الخير بالبشرية , التي تعد من أبرز سماته التي خصه الله بها.

 

        فإن حديث القرآن عن معرفة الله تعالى , والاستدلال على وجوده , يتسم بأنه خطاب موجه للفطرة المغروسة في النفس البشرية , فجل ما يفيده في هذا المجال هو تنبيه العقل لإدراك هذه الحقيقة الكامنة فيه إن غفل عنها, وغابت معالمها في نفسه , ومن ثم إلزامها بما يقتضيه هذا الإقرار من التزام بأوامر الشرع المطهر .

******

      أولا : دليل الخلق والإيجاد :

 

     ويعتمد هذا الدليل على مقدمتين , دلالة كل منهما يقينية ,        وهما :

 

     1ـ   أن ما يشاهد من الموجودات المتعددة في هذا الكون مخلوق .

 

     2ـ   وأنه لابد لكل مخلوق من خالق أوجده .

النتيجة :أن الباري تعالى وحده هو الذي أوجد المخلوقات فأخرجها من حيز العدم إلى الوجود .

****

ركائز المقدمة الأولى من العقل والشرع :

أما العقل:

       حيث ترتكز المقدمة الأولى على مبدأ الإدراك الحسي :

 

       وذلك أن العلم بحدوث المخلوقات , تقتضيه مشاهدة ما يطرأ عليها من وجود بعد عدم , ومن فناء بعد وجود. فبمجرد الإدراك الناجم عن الحواس المباشرة يمكن للعقل أن يحكم على هذه الموجودات بأنها حادثة ولا يمكن أن تكون غير ذلك

حتى كان الشك في حدوثها مشاكل للشك في وجودها ـصلا .

 

وأما الشرع :

 

      فقد دل القرآن الكريم على ضرورة إحداث الموجودات المشاهدة, بأحسن بيان وأوجزه , قال تعالى : {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}.

 

       وقال : {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} (يونس:34) .

 

       وغيرها من آيات الذكر الحكيم , التي نبهت إلى حقيقة الخلق في هذه الموجودات المشاهدة , و إقرار الكافرين بها , بمجرد وصفها بالخلق , فاستدلت بها دون أن تستدل لها على ضرورة وجود خالق مبدع لتلك المخلوقات.

**********

ركائز المقدمة الثانية من العقل والشرع :

 

وأما العقل

 

       فإن المقدمة الثانية لهذا الدليل , وهي ضرورة أن يكون لهذه الموجودات المخلوقة خالقاً مبدعاً تعتمد على مبدأ السببية , الذي يعد من أسمى مبادئ التفكير البشري الهادي إلى معرفة الله تعالى والذي لا يشك في أحقيته إلامعاند .

 

وأما الشرع

 

     فقد اعتمد القرآن الكريم فى الاستدلال على هذا الأصل العظيم , وهو وجوب أن يكون للمخلوق خالق طريقة إلزام المخاطبين به لأنه أصل ضروري لا يمكن جحده وإنكاره كما تبين من أنه مبدأ أولي وهو الاستدلال بالأسباب على المسببات, قال تعالى : {أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه} (النمل:64)

 

       حيث تدل هذه الآية الكريمة على وجوب أن يكون لهم خالق خلقهم من غير أنفسهم , ومن ثم إلزامهم بوجوب أن يكون هو الخالق الذي لا إله إلا هو.

 

       وقد أتى هذا الإلزام بصيغة الاستفهام الإنكاري ليدل على فطرية هذه القضية واستقرارها في نفوسهم ، بحيث يمتنع مخالجة الشك لها[39] .

 

      يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله : " لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح و الأولى : أن يكونوا خلقوا من غير شيء , أي بدون خالق أصلا .

      والثانية : أن يكونوا خلقوا أنفسهم .

      والثالثة : أن يكون خلقهم خالق غير أنفسهم .

 

      ولا شك أن القسمين الأولين باطلان , وبطلانهما ضروري كما ترى , فلا حاجة إلى إقامة الدليل عليه لوضوحه , والثالث هو الحق الذي لا شك فيه , وهو جل وعلا خالقهم المستحق منهم أن يعبدوه وحده جل وعلا "[40].

***********

ثانيا / دليل الإحكام والإتقان :

 

       وعلى نفس مبدأ السببية يقوم دليل آخر , له ارتباط وثيق بدليل الخلق , وذلك من جهة اشتمال المخلوقات على ما هي عليه من  الإحكام والإتقان , ومن ثم الاستدلال بذلك على وجود مبدع  لها , أحكم و أتقن صنعها , يقوم هذا الدليل كسابقه على مقدمتين دلالتهما يقينية :

 

     أما المقدمة الأولى : وهي أن كل ما هو مشاهد من المخلوقات قد أحكم خلقه وأتقن .

    وأما المقدمة الثانية , وهي أن كل ما أحكم صنعه وأتقن فإنه يدل على وجود بديع أبدعه .

 

ركائز المقدمة الأولى من العقل والشرع :

 

وهي أن الإحكام والإتقان مشاهد في المخلوقات على تنوعها

 

  أما العقل :

 

     فتستند إلى الإدراك الحسي , إذ يكفي للعلم بهذا الإحكام مجرد الحس المباشر بالنظر والمشاهدة مثلا , فإتقان صنعة الأنهار والأزهار والطيور وغيرها من المخلوقات بل حتى النفس البشرية يدرك بمجرد المشاهدة .

 وإن زاد في العلم بها الاستدلال العلمي المعاصر القائم على أدوات معرفية خاصة .

 

 وأما الشرع :

 

      فالآيات في إثبات الإحكام والإتقان بمجرد النظر المباشر والإدراك الناجم عن الحس الظاهر في المخلوقات كثيرة متنوعة , كما أتى في بعضها هذا المعنى ظاهرا كقوله تعالى : ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى الى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت* وإلى الأرض كيف سطحت)   (الغاشية: 17ـ 18ـ 19ـ20)

    وقوله عز من قائل : (فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وابا متاعا لكم ولنعامكم )

 

    فإذا أبرز العلم الحديث الشيء الكثير الذي كان مخفيا من دقة الإحكام والإتقان في المخوقات مالم يكن معلوما في السابق فإنه في الحقيقة لم يزد في وضوح هذه الحقيقة الملاحظة المشاهدة المعلومة بالركائز العقلية الأولية في الإنسان منذ القدم .

 

***********

ركائز المقدمة الثانية من العقل والشرع

 

     وهي ضرورة أن يكون لهذا الإحكام والإتقان المشاهد في المخلوقات محكما أتقنه

وهو الله تعالى :

 

أما العقل :

 

      فيستند الإستدلال العقلي في نسبة الإحكام والإتقان لإرادة الباري تعالى  إلى مبدأ السببية, الذي يمنع أن يكون هذا الإحكام والإتقان قد وجد اتفاقاً بلى مسبب له , ومن ثم يلزم بوجود مسبب قادر على إبداع هذا الخلق وإحكامه .

 

أما دلالة الشرع :

 

     والآيات التي تشهد لهذا الأصل كثيرة والتي تنبه العقل إلى امتناع أن يكون هذا الإحكام والإتقان المشاهد في المخلوقات المتنوعة قد وجد اتفاقا أو صدفة ,  حتى عدها بعضهم في أكثر من ثمانين موضعاً , كلها تحث العقل على تدبر ما في هذا الخلق من عناية وحسن تدبير وتقدير و نظام .

 

      ففي بيان العناية وحسن التدبير, يقول الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى : {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} (الشمس:7)

 

    " فالنفس آية كبيرة من آياته التي يحق الإقسام بها , فإنها في غاية اللطف والخفة , سريعة التنقل والحركة, والتغيير, والتأثر, والانفعالات النفسية من الهمة والإرادة والقصد والحب والبغض, وهي التي لولاها لكان البدن مجرد تمثال لا فائدة فيه, وتسويتها على ما هي عليه آية من آيات الله العظيمة "[41].

 

********

 

ثالثا / دليل المعجزات :

    وما كان من جنسها كالكرامات أو المثلات وغيرها مما يظهر به خرق العادة وتظهر كنوع امتداد لمعجزات الأنبياء عليهم السلام من حيث إرادة الباري بها تصديق الأنبياء وخذلان من خالفهم مع كونها خارقة للمعهود المشاهد من السنن الكونية :

    فالمعجزة هي الآية والبرهان التي يظهر الله تعالى بها تصديقه للنبي المرسل, في أنه رسول الله حقا وأن ما جاء به هو من عند الله تعالى .

    فدلالتها مباشرة وبينة في الإيمان بالله تعالى, إذ يعجز العقل تفسيرها إلا بإرجاعها إلى الله تعالى .حيث ظهر الإعجاز فيها بمخالفتها المعهود المعروف لدى العامة في السنن والعادات الكونية المحسوسة .

    وتستند المعجزة في العلم بها وإدراك وجه الإعجاز فيها وإرجاعها إلى الله تعالى إلى مبادىء أولية أصيلة في العقل البشري تماما كالمابادىء التي استندت إليها المسالك العقلية السابقة , وهذا سر إيمان عامة الناس بها . وسر كونها برهان , فالبرهان ما اجتمعت فيه قوة الدلالة مع ظهورها ويسرها .

    ويمكن بيان مقومات هذا الدليل كسابقيه , قهو يقوم في مجمله على مبدأ السببية ولكن له وجهة أخرى في بيان كيفية دلالته على وجود الباري تعالى .

   ومقومات الدليل كالتالي :

ـ المقدمة الأولى أن هذه الآيات مخالفة وخارقة للمعهود من السنن المشاهدة المعلومة.

ـالمقدمة الثانية , أنه لا بد أن يكون لهذه الآيات سببا به وجدت وحققت مخالفتها لما هو معلوم معهود من السنن . 

والنتيجة الحتمية لهذا أن الباري تعالى وحده هو الذي أراد هذه الآيات على جهة تخالف ما سنه كونا ولا أحد يملك ذلك سوى الله تعالى.

**********

ركائز المقدمة الأولى من العقل والشرع :

أما العقل :

   فإن إدراك الإنسان لحقيقة المعجزة ووجه إعجازها بخرقها للعادة معلوم بمجرد الحس السليم فما إن يخضع العقل طريقه في المعرفة عن جهة الحواس لإدراك وجه الإعجاز إلا ويحصل له دون أدنى ارتياب أو شك , وبهذا يكون المبدأ العقلي الذي تعتمده هذه المقدمة هو مبدأ الحس المباشر ولهذا قيل في المعجزة أن عامة إيمان الناس كان بها .

وذلك لسهولة إدراك وجه إعجازها على العقل , حيث يعتمد على الحس المباشر .

أما دلالة الشرع :

    دلت نصوص عديدة في القرآن العظيم على سهولة العلم بالمعجزة حيث يحصل العلم دون جهد عقلي, ومن ذلك الآيات التي وصفت المعجزة بأنها آيات بينات , فإن البينة, وصف بالبيان البليغ الذي ليس فيه ادنى لبس.  ولهذا أذكر أمثلة , منها قوله تعالى: ( فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ )

   يقول الطبري :" هذا تعزية من الله جل ثناؤه نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم على الأذى الذي كان يناله من اليهود وأهل الشرك بالله من سائر أهل الملل. يقول الله تعالى له: لا يحزنك، يا محمد، كذب هؤلاء الذين قالوا:"إن الله فقير"، وقالوا:"إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار"، وافتراؤهم على ربهم اغترارًا بإمهال الله إياهم، ولا يَعظمن عليك تكذيبهم إياك، وادعاؤهم الأباطيل من عهود الله إليهم، فإنهم إن فعلوا ذلك بك فكذبوك وكذبوا على الله، فقد كذَّبت أسلافهم من رسل الله قبلك من جاءهم بالحجج القاطعة العذرَ، والأدلة الباهرة العقلَ، والآيات المعجزة الخلقَ، وذلك هو البينات".[42]

    وتسميت المعجزات والآيات بالبينات كثير في القرآن الكريم

    ومما يدل على ظهور العلم بالمعجز لمن شاهدها وصفها بالبصائر كما في شأن معجزة القرآن العظيم , قال تعالى: (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)

    فلشدة حصول البيان بها أنزل العلم بها بالعقل منزلة المبصر بالعين , يقول البقاعي :" أي بمنزلة البصائر للقلوب بها تبصر الحق وتدرك الصواب، أو حجج بينة وبراهين نيرة تغني عن غيرها". [43]

    وبهذا وصفت معجزات موسى عليه السلام, قال تعالى : ( قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا)

    " أي بينات ثابتاً أمرها علياً قدرها ، يبصر بها صدقي ". [44]

**********

ركائز المقدمة الثانية من العقل والشرع

أما العقل :

   المقدمة الثانية وهي دلالة المعجزة على أنها سبب لمسبب أوجودها وفق مشيئته , تعود على التحقيق إلى مبدأ السببية الأولي الذي يحكم العقل بموجبه العلاقة بين الأسباب ومسباتها , فيثبت المسبب للمسبب اقتضاء لا ييمكن بدونه فهم وجود المسبب عنه .

    ولهذا كانت المعجزات شاهدا عظيما على ربوبية الله وتصديقه لرسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم .

    لم يتخلف عن الإقرار بالإبصار بها عامة الأمم حتى أن من أظهر التكذيب بها لم يكن ذلك منه إلا جحودا واستكبارا .

بل إن المعجزة على التحقيق اعظم دلالة في تحقيق الإيمان من عامة الشواهد والآيات على عظمتها وتنوع دلالتها وذلك لمخالفتها للمسنون والمعهود من طريقة ترتب الأسباب على الأسباب على مسبباتها دون ادنى تخلف.

فقد تذهب العادة ببريق العظمة فتحجب العقل عما أودع فيه من ملكات التدبر والتأمل لتغيب بعالم المشاهدة  , وحين تقرع الألباب بباهر المعجزة التي تخالف المعهود تتفطن إلا أن لهذا الوجود مبدعا لو أراده على غير الهيئة التي ركب بها لكان كما أراد .

وأما الشرع:

   فألآيات كثيرة منيرة تحكي برهانية المعجزة بدلالتها على ربوبية الله تعالى , ومن ذلك الآيات في قصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومه,

   قال تعالى حاكيا مقولة السحرة بعد معاينتهم حقيقة المعجزة : { قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون }

    فشهدوا بربوبية الواحد الحد لأنهم لم يكونا مؤمنين به لكونهم أتباع فرعون الذي كان يأمرهم بتأليهه وعبادته , والسبب في ذلك الإيمان كما كو ظاهر الآية دلالة الإعجاز الحاصل بأكل الثعبان ما قدموه من الأفك فعلموا أن لهذا الثعبان ربا لا يمكن أن يكون من جنس صنيعهم البشري .

   قال ابن عاشور في تفسير الآية :"وإنما آمنوا بالله حينئذ لأنّهم أيقنوا أن ما جرى على يد موسى ليس من جنس السحر لأنّهم أيمّة السحر فعلموا أنّه آية من عند الله .

   وتعبيرهم عن الرب بطريق الإضافة إلى هارون وموسى لأن الله لم يكن يعرف بينهم يومئذ إلا بهذه النسبة لأن لهم أرباباً يعبدونها ويعبدها فرعون ...

   ويقال : آمن له ، أي حصل عنده الإيمانُ لأجله . كما يقال : آمن به ، أي حصل الإيمان عنده بسببه . وأصل الفعل أن يتعدى بنفسه لأنّ آمنه بمعنى صَدقه ، ولكنه كاد أن لا يستعمل في معنى التصديق إلاّ بأحد هذين الحرفين "[45] .

   وفي هذا المعنى قوله تعالى في حكاية قول موسى عليه السلام لفرعون : (قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب السموت والارض بصائر وإنى لاظنك يفرعون مثبورا)

فقد عنى عليه السلام بالبصائر الآيات المعجزات التي بعث بها إلى فرعون , قال: ابن عباس ، ومجاهد، وعكرمة والشعبي، وقتادة: هي يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم.[46]

   فقوله (إلا رب السموت والارض بصائر) "أي دلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته"[47].

*************

 

 

 

 

 

الموضوع الثاني توحيد الربوبية :

تعريفه :

   الرب في اللغة هو المالك والصاحب والمتصرف . وإذا أضيف كان بحسب المضاف إليه فيقال رب الدار , ورب البيت.

   والرب إذا أطلق يراد به الباري تعالى , فهو المالك المتصرف في عباده في كل شؤونهم دنيوية وأخروية .

    فيعرف بأنه : الإقرار الجازم بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المحيي المميت رب كل شي وخالقه ومالكه المتصرف فيه .

     ويعرف توحيد الربوبية بأنه توحيد الله تعالى بأفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة , فلا يشاركه فيها أحد .

*********

أهمية توحيد الربوبية:

   الإيمان بتوحيد الله تعالى في ربوبيته  هو ذات الإيمان بوجود الله تعالى لأن هذه صفته التي بها تظهر أحديته تبارك وتعالى ,فيظهر بها الفرق بين وجوده ووجود غيره ممن خلق , فالله عز وجل رب واحد لا يشاركه في هذه الصفة أحد وبها تظهر حقائق العبودية من جهة الخلق .

    إذا الإيمان بربوبيته تعالى أساس لإلتزام الدين وتحقيق متطلباته ولذا كان هذا القسم من التوحيد ظاهرالدلالة مبلج البرهان حتى صح دليلا لغيره من أقسام التوحيد . 

    وكلام أهل العلم في التنويه بشأن الألوهية لا شك في أحقيته ولكن المقصود هنا أن إثبات الربوبية هو أساس الألوهية, وهذا ما نطقت به آيات الذكر الحكيم .

**********

أدلة توحيد الربوبية :

 

    دلائل ربوبية الله تعالى هي دلائل الإيمان بوجوده؛ إذ الإيمان بوجوده تعالى قائم على الإيمان بربوبية الله تعالى وما تقتضيه من حقائق الألوهية.

    ـ وبهذا تكون دلالة الفطرة التي سبق بيانها . شاهدا عظيما على الإيمان بتوحيد الربوبية لله تعالى ومن أعظم دلائله .

   ـ وكذلك الدلائل الخبرية كتابا وسنة , فهناك الكثير من الأدلة التي قطعت باستحقاق الرب تعالى للواحدية في ربوبيته , فكانت براهين إيمانية تبعث اليقين في التصديق بهذا الأصل العظيم .

ومن ذلك قوله تعالى : ( الحمد لله رب العالمين )

    فهذه الآية في أعظم سور القرآن الكريم تدعو إلى تجديد اليقين بتوحيد الربوبية في كل صلاة . ودلالته على إثبات الربوبية ظاهر فالله تعالى رب للعالمين , والعالمين جمع عالم والعالم "والعالم الجنس من أجناس الموجودات ، وقد بنته العرب على وزن فاعل بفتح العين مشتقاً من العِلْم أو من العلامة لأن كل جنس له تميز عن غيره فهو له علامة ، أو هو سببُ العلم به فلا يختلط بغيره .

    وهذا البناء مختص بالدلالة على الآلة غالباً كخاتم وقالب وطابع فجعلوا العوالم لكونها كالآلة للعلم بالصانع "

فكان الواحد من العالم كالعلامة على الخالق والصانع له تبارك وتعالى .

وال هنا للإستغراق واستغراق الأجناس يفيد استغراق كافة أفرادها لأنه لا معنى للحكم على الكلي بعيدا عن الحكم على جزئياته , لا سيما في مقام الحكم بالمربوبية عليها .[48]

***

   ودلالة العقل المعتبرة من نصوص الشرع ظاهرة  للإيمان بربوبيته تبارك وتعالى على النحو الذي سبق بيانه .

     فتظهر دلالة المخلوقات على ربوبية الله تعالى من جهة إيجادها من العدم, وكذلك من جهة ما فيها من إتقان وإحكام كما لا يخفى .

   وأظهر أنواع هذه الدلائل العقلية دلالة الضعف والحاجة التي تلازم جبلة الخليقة, من جهة النشأة من العدم والعودة إليه .

ومن جهة الافتقار المقارن لجبلة الخليقة والذي يلزم منه الامداد لاستمرار الوجود فإن هذا مما تظهر به دلائل الربوبية  .

  ولهذا نجد عامة دلائل الربوبية التي يتوجه الاستدلال بها تعود إلى أصلين :

الأول : دلالة الإيجاد والتكوين بما فيها من تجليات القدرة والخلق والحكمة والإتقان

الثاني : دلالة الإمداد بعد الإيجاد , وهي وإن كانت لا تفارق الأولى لملازمتها مراحل الخلق والتكوين إلا أن ذكرها مفردة له شأنه في بيان تجليات الربوبية في الخلق .

   وهذه الدلالة من شأنها أن تظهر حقائق الملك والتدبير والتصرف والعون والرحمة والإحياء والإماتة إلى غير ذلك من براهين الربوبية العامة والخاصة .

أما الأصل الأول :

   فمن دلائله المبثوثة في القرآن العظيم : قول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } (  )

   ودلالة هذه الآية على هذا الأصل ظاهرة لأنه تعالى أمر العباد بالتوحيد ببرهان الربوبية الظاهر في الإيجاد بعد العدم , بما فيه من دلالة قدرة الله تعالى  التامة وخلقه لما شاء على توحيده في الربوبية  .

    يقول الطبري : " فأمرَ جل ثناؤه بالاستكانة، والخضوع له بالطاعة، وإفراد الربوبية له والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة .

    لأنه جلّ ذكره هو خالقهم وخالقُ مَنْ قبلهم من آبائهم وأجدادهم، وخالقُ أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم ".[49]

    ومنها قوله تعالى: ( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ () سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ)

   فالله تبارك وتعالى ألزم مشركي العرب بالإقرار بربوبيته التامة المهيمنة على أعظم المخلوقات إيجادا وإحكاما لأجل إفراده تعالى بالعبادة .

    يقول ابن كثير: " أي: من هو خالق العالم العُلْوي بما فيه من الكواكب النيّرات، والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات، ومن هو رب العرش العظيم، يعني : الذي هو سقف المخلوقات ".[50]

    وكما ان الإيجاد من العدم في المخلوقات من اعظم شواهد الربوبية فإن ما يقارنه من بديع الحكمة وحسن الصنعة وإتقانها ليعظم شاهد على توحيده بالربوبية .

   قال تعالى منوها بشأن هذا الإتقان والإحكام المعجز : (وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38)وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) (يس)

  فهذه آيات بينات في بيان ما في المخلوقات من حكمة وبديع صنعة , تظهر جلال الانتظام وفق ما سنه تعالى فيها من قوانين , تسير بها دون أدنى اضطراب أو اختلال , تحقق ما لأجله خلقت , لتنفع به غيرها من سائر الخليقة .

   فالشمس والقمر من أعظم المخلوقات التي ظهرت بديع الحكمة في صنعتها , تحقق الغاية من خلقها بهذا النظام العجيب التي لا تخلفه مع امتداد الزمن حتى يأذن الله بانتهاء العالم.

تحققها بهداية الله تعالى لها فهي تسير معلمة بنور الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.

   وبهذا تنفع الخليقة كافة , النباتات والحيوانات , فضلا عن عوالم البشر كلهم ينتفعون من هذا النظام المحكم الذي تسير بهذه الكواكب العجيبة .

أما الأصل الثاني :

    وهو دلالة الإمداد بعد الإيجاد , وبها تظهر حقائق الربوبية من كمال التصرف وحسن التدبير والإنعام والرحمة والمعونة, كما انها من أظهر ما تتبين به خصائص العبودية من الحاجة والافتقار وعدم إمكانية الاستقلال الذاتي للمخلوق أيا كانت عظمته , وهذه ظاهرة لكل متأمل ولأجل بيانها تنوعت معاني الآيات الكريمة منوهة بشأنها لتكون شاهدا بربوبية الخالق وعبودية المخلوق .

    قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا )

    فهذه الآية دلالتها عظيمة في كشف الافتقار الملازم للمخلوقات مهما ظهرت قوية محكمة تبهر العقول والقلوب , فالسموات مع متانة بنائها وصلابة صقلها , هي في أشد الحاجة لخالقها الذي لو تركها دون إمداد منه لزالت وفنيت ولهلك العالم بهلاكها .

   وكذلك الأرض مع امتدادها وإرسائها بالجبال الراسية , لا قيام لها بذاتها ولا للحظة بل أشد ما تكون حاجة لحفظ الرب وكلاءته .

   وفي هذا شاهد عظيم على ربوبية الباري تعالى التامة التي لا يشاركه فيها أحد وعلى عبودية الخلق كائنا من كان .

    يقول الألوسي :" استئناف مقرر لغاية قبح الشرك وهو له أي إن الله تعالى يحفظ السماوات والأرض كراهة زوالهما أو لا تزولا وتضمحلا فإن المخلوق كما يحتاج إلى الخالق سبحانه حال إيجاده يحتاج إليه حال بقائه".[51]

    قال تعالى : ( قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) (89)

    فهذه الآية أجلت برهان الربوبية العظيم وهو دلالة الملك بما يفيد من معاني الانفراد بالتصرف والتدبير ثم نوهت بواحد من أفراده وهو الإجارة فللملك أن يجير من يشاء وليس لأحد ان يجير عليه .

    يقول البقاعي :"والملكوت : مبالغة في الملك بضم الميم . فالملكوت : الملك المقترن بالتصرف في مختلف الأنواع والعوالم لذلك جاء بعده { كل شيء } .

واليد : القدرة . ومعنى { يجير } يغيث ويمنع من يشاء من الأذى . ومصدره الإجارة فيفيد معنى الغلبة ، وإذا عدي بحرف الاستعلاء أفاد أن المجرور مغلوب على أن لا ينال المجارَ بأذى فمعنى { لا يجار عليه } لا يستطيع أحد أن يمنع أحداً من عقابه . فيفيد معنى العزة التامة ".[52]

    والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا تتنوع في دلالتها على هذا الأصل , منها قول الباري تعالى : (وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) (يس)

    فهذه آيات تدل على عناية الرب تعالى بعباده ورحمته بهم فلولا لطفه بهم ما تمت لهم الحياة على هذه الأرض , مذللة ميسرة , فهم مربوبن بافتقارهم إلى معونته حتى وهم يتحكمون بما ذلل لهم من انواع المصنوعات كالفلك , وهذه ظاهر لكل متأمل قد عاين هذه المنة والفضل .

   لذا أضاف هذه الآيات العظيمة لمقام الربوبية لما فيها من تجليات بينة تشهد بها . 

   يقول الشيخ السعدي :"وفي إضافة الآيات إلى ربهم، دليل على كمالها ووضوحها، لأنه ما أبين من آية من آيات اللّه، ولا أعظم بيانا".[53]

*************

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الموضوع الثالث

الوحدانية

 

      وحدانية الله تعالى؛ تعني أنه الرب الواحد الذي لا ند له ولا شريك له

     وبهذا فإن إثبات الوحدانية لله تعالى داخلة ضمن إثبات ربوبيته سبحانه وتعالى ؛ بحيث لا يمكن في حقيقة الأمر أن يقر العبد بربوبية الله تعالى دون اعتقاد إفراده سبحانه بهذه الربوبية .

     والعقل والسمع عند السلف رضي الله عنهم يتضافران في إثبات هذه الحقيقة العظيمة وهي الإقرار بربوبية الله تعالى مه توحيده بهذه الربوبية , فالاستدلال على هذه الحقيقة شرعي عقلي خبري, تنوعت دلائله بطريق الشرع عقلا وخبرا .

       وقد ذهب إلى القول بدلالة السمع عليه الكثير من علماء السلف كما سيأتي بإذن الله ؛  فالقرآن الكريم قد اشتمل على كافة الأدلة التي ينبني عليها الاعتقاد السليم , وقد يكون ذلك إما على سبيل التقرير, أو الرد على المخالف , فمن المعلوم ما وقعت به النصارى من شرك في ربوبية الله تعالى , حيث أثبتوا له الولد والصاحبة تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً , وللقرآن الكريم أساليب متعددة كلها تبين بطلان هذا الزعم , وما ينبني على تصوره من فساد محال , يجزم   باستحالة ذلك المعتقد ,في كثير من الآيات ,

الدليل الأول

ومن تلك الأدلة قوله تعالى :{ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}(المؤمنون:91.)

 

       فقد دلت الآية الكريمة على إبطال ما يلزم من إثبات الشركة لله تعالى , وبطلان اللازم دليل على بطلان ملزومه .

       يقول الإمام ابن كثير[54] في تفسير الآية : " لو قدر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم بما خلق فما كان ينتظم الوجود , و المشاهد أن الوجود منتظم متسق كل من العالم العلوي و السفلي مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه فيعلو بعضهم على بعض "[55].

       أما اللازم الأول وهو انفراد كل إله بما خلق , فباطل ؛ لأنه يتنافى مع ما يجب أن يتصف به الرب الحق من القدرة التامة لخلق كافة المخلوقات , مع القيام بشؤونها و تدبيرها , فتكون بذلك تحت تصرفه و قهره , أما ما خلا ذلك , فليس برب على وجه الحقيقة .

       وأما اللازم الثاني لوجود التعدد ؛ فهو علو بعض الأرباب على بعض , بحيث يطلب كل منهما العلو على الثاني حتى تتحقق له الربوبية ؛ لأن مقتضى الربوبية لا يتحقق إلا بانفراد الرب في تصريف شؤون الخلق , إيجاداً و تدبيراً.

 

    يقول شيخ الإسلام : " وبيان التلازم أنه إذا كان معه إله , امتنع أن يكون مستقلا بخلق العالم , مع أن الله تعالى مستقل بخلق العالم".

       ولما علم بطلان هذين اللازمين لما هو ملاحظ من انتظام المخلوقات , وسيرها وفق سنن ثابتة , بطل ملزومهما , وهو إمكان تعدد الأرباب , ولم يبق إلا أن يكون الرب هو الله تعالى لا شريك له[56], يقول الشيخ السعدي : " واعتبر ذلك بالشمس والقمر , والكواكب الثابتة , والسيارة , فإنها منذ خلقت وهي تجري على نظام واحد, و ترتيب واحد , كلها مسخرة بالقدرة مدبرة بالحكمة لمصالح الخلق كلهم , ليست مقصورة على أحد دون أحد , ولن ترى فيها خللاً ولا تناقضاً ولا معارضة في أدنى تصرف , فهل يتصور أن يكون ذلك تقدير إلهين ربين"[57].

******

الدليل الثاني

       وبمثل هذا تفسر الآيات التي تحمل نفس المعنى من الدلالة على وحدانية الله تعالى  , كقوله تعالى : {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (الأنبياء:22)

       يقول الإمام ابن كثير : " لفسدتا , كقوله تعالى : {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} "[58] .

       ويقول الشيخ السعدي : " وبيان ذلك أن العالم العلوي و السفلي على ما يرى في أكمل ما يكون من الصلاح والانتظام , الذي ما فيه خلل ولا عيب ولا ممانعة ولا معارضة ؛ فدل ذلك على أن مدبره واحد , وربه واحد, وإلهه واحد , فلو كان له مدبران و ربان أو أكثر من ذلك ؛ لاختل نظامه وتقوضت أركانه".[59]

       ويبين الإمام الشوكاني[60] وجه التلازم بين التعدد والفساد , بقوله : " ووجه الفساد أن كون مع الله إلهاً آخر يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادراً على الاستبداد بالتصرف , فيقع عند ذلك التنازع  والاختلاف , ويحدث بسببه الفساد"[61] .

********

الدليل الثالث

       ومما يحمل نفس المعنى , قوله تعالى : {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً} (الإسراء:42)

       والمقصود منها نفي الشريك ؛ لأنه لو وجد لطلب العلو والمغالبة , ومع بيان انتفاء وجود من هو بهذه المثابة ؛ انتفت الشركة , وثبتت الوحدانية.

       وقد بين الشيخ الشنقيطي ـ رحمه الله ـ " أن معنى الآية الكريمة : لو كان مع الله آلهة كما يزعم الكفار ؛ لابتغوا , أي الآلهة المزعومة , أي لطلبوا إلى ذي العرش سبيلا أي إلى مغالبته وإزالة ملكه ؛ لأنهم إذاً يكونون شركاءه كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض"[62].

*********

موقف المتكلمين

ومع ذلك نجد أن المتكلمين فرقوا بين هاتين الحقيقتين فإجازوا لإثبات وحدانية الله تعالى الإستدلال بالنقل مع العقل , وقد استندوا في ذلك إلى عدم توقف معرفة السمع عليه, يقول الإيجي : " والوحدة , فهذا يمكن إثباته بالعقل , إذ يمتنع خلافه عقلاً بالدليل الدال عليه , و بالنقل لعدم توقفه عليه".[63]

فإن هؤلاء المتكلمين فرقوا بين أمرين بينهما تلازم بين : إثبات وجود الله تعالى , وإثبات وحدانيته , وأقروا بكفاية الأدلة الشرعية على الاستدلال للوحدانية دون الوجود , مع أن هذا تفريق لا يقبله التصور السليم , إذ تضمن الوحدانية للوجود أمر بين لا يلزمه دليل , ولكن ما يهم هنا أن غالب المسائل الكلامية يعتريها تناقض بين , يدل على ضعف ما استندت إليه من أصول .

 

 

       ودليلهم الذي اعتمدوا عليه في إثبات الوحدانية هو ما يسمى بدليل التمانع.  ويستند هذا الدليل في أساسه إلى مقدمتين ضروريتين , الأولى : وجود هذا العالم بما هو عليه من انتظام و إتقان.

      الثانية : أن هذا الانتظام لابد أن يكون مدبره واحداً .

       والدليل على استحالة تعدد المدبرين هو امتناع تعدد الإرادات على المخلوقات ؛ إذ يلزم من تعددها إما اتفاق الآلهة أو اختلافهم , وكلاهما باطل.

       أما الاتفاق فلما يلزمه من اجتماع مؤثرين على فعل واحد , ومحله إذا اتفقا على إيجاده في وقت واحد .

       ومع حصوله مرتباً فيبطل , لما يلزم من عجز الآخر , أو تحصيل الحاصل .

 

      أما الاختلاف بأن يريد أحدهما إيجاد شيء , والآخر إعدامه , فلا يخلو إما أن ينفذ مرادهما معاً , فهذا باطل ؛ لاستحالة اجتماع النقيضين : الوجود والعدم .

       أو لا ينفذ مراد واحد منهما فباطل أيضاً لاستحالة ارتفاع النقيضين : الوجود والعدم , وللزوم عجزهما معاً.

       فلم يبق من هذه القسمة العقلية إلا الفرض الأخير : أن ينفذ مراد أحدهما دون الآخر , فثبتت بذلك الوحدانية , وانتفى إمكان التعدد [64].

******

 

تعليق :

 

      يعد هذا الدليل من البراهين المسلمة التي يجزم بصدقها , بل هو مقتضى الضرورة العقلية , إذ كل ما يمكن حدوثه من افتراض تعدد الآلهة قد علم امتناعه بما فطرت عليه النفوس , ومن ذلك : استحالة اجتماع النقيضين , واستحالة ارتفاعهما , وكذلك استحالة اجتماع مؤثرين على فعل واحد , واستحالة أن يكون الرب عاجزاً. فكل ما تقدم هو من المبادئ الأولية , التي يستدل بها , ولا يستدل لها.

       يقول شيخ الإسلام بعد تقريره للدليل على طريقة المتكلمين : " وهذا أمر مستقر في فطر بني آدم وعقولهم , و إن تنوعت العبارات عنه , وإن كان قد يحتاج إذا تغيرت فطرة أحدهم باشتباه الألفاظ و المعاني إلى بسط وإيضاح "[65] ,

 و قد رد ـ رحمه الله ـ على من انتقد دلالته على إثبات الوحدانية من الفلاسفة , كابن رشد وغيره[66] , فقال : "  ليس الأمر كما ظنه هؤلاء , بل هو برهان صحيح عقلي , كما قدره فحول النظار".[67]

 

      يبقى التنبيه هنا إلى أن شيخ الإسلام رحمه الله مع كونه أقر بصحة استدلال المتكلمين به إلا أنه لا يوافقهم في دلالة القرآن عليه , وذلك لبداهة واستقراره في الفطر ولكون الخصومة الواقعة من الأمم لم تكن في أحقيته , يقول بعد تقريره لدليل التمانع :" وبالجملة فالدلائل العقلية على هذا متعددة , وإن كان من الناس من يزعم أن دليل ذلك هو السمع , لكن هذا المطلوب الذي أثبتوه هو متفق عليه بين العقلاء .

      ومقصود القرآن توحيد الإلهية , وهو مستلزم لما ذكروه من غير عكس"[68] .

*************

 

 

الإلحــاد

 

إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي

 
التعريف :

الإلحاد(*) هو : مذهب فلسفي يقوم على فكرة عدمية أساسها إنكار وجود الله الخالق سبحانه وتعالى:

فيدّعي الملحدون بأن الكون وجد بلا خالق.

وأن المادة أزلية أبدية، وهي الخالق والمخلوق في نفس الوقت.

ومما لا شك فيه أن كثيراً من دول العالم الغربي والشرقي تعاني من نزعة إلحادية عارمة جسدتها الشيوعية المنهارة والعلمانية المخادعة.

التأسيس وأبرز الشخصيات:

الإلحاد بدعة جديدة لم توجد في القديم إلا في النادر في بعض الأمم والأفراد.

يعد أتباع العلمانية هم المؤسسون الحقيقيين للإلحاد، ومن هؤلاء : أتباع الشيوعية والوجودية والداروينية.

الحركة الصهيونية أرادت نشر الإلحاد في الأرض فنشرت العلمانية لإفساد أمم الأرض بالإلحاد والمادية(*) المفرطة والانسلاخ من كل الضوابط التشريعية والأخلاقية كي تهدم هذه الأمم نفسها بنفسها، وعندما يخلو الجو لليهود يستطيعون حكم العالم.

نشر اليهود نظريات ماركس في الاقتصاد والتفسير المادي للتاريخ(*) ونظريات فرويد في علم النفس ونظرية دارون في أصل الأنواع ونظريات دور كايم في علم الاجتماع، وكل هذه النظريات من أسس الإلحاد في العالم.

أما انتشار الحركات الإلحادية بين المسلمين في الوقت الحاضر، فقد بدأت بعد سقوط الخلافة(*) الإسلامية.

صدر كتاب في تركيا عنوانه: مصطفى كمال للكاتب قابيل آدم يتضمن مطاعن قبيحة في الأديان وبخاصة الدين الإسلامي. وفيه دعوة صريحة للإلحاد بالدين(*) وإشادة بالعقلية الأوروبية.

إسماعيل أحمد أدهم. حاول نشر الإلحاد في مصر، وألف رسالة بعنوان لماذا أنا ملحد؟ وطبعها بمطبعة التعاون بالإسكندرية حوالي سنة 1926م.

إسماعيل مظهر أصدر في سنة 1928م مجلة العصور في مصر، وكانت قبل توبته تدعو للإلحاد والطعن في العرب والعروبة طعناً قبيحاً. معيداً تاريخ الشعوبية(*)، ومتهماً العقلية العربية بالجمود والانحطاط، ومشيداً بأمجاد بني إسرائيل ونشاطهم وتفوقهم واجتهادهم.

أسست في مصر سنة 1928م جماعة لنشر الإلحاد تحت شعار الأدب واتخذت دار العصور مقراً لها واسمها رابطة الأدب الجديد وكان أمين سرها كامل كيلاني.. وقد تاب إلى الله بعد ذلك.

ومن أعلام الإلحاد في العالم:

أتباع الشيوعية: ويتقدمهم كارل ماركس 1818 – 1883م اليهودي الألماني. وإنجلز عالم الاجتماع الألماني والفيلسوف السياسي الذي التقى بماركس في إنجلترا وأصدرا سوياً المانيفستو أو البيان الشيوعي سنة 1820 – 1895م.

أتباع الوجودية: ويتقدمهم:
جان بول سارتر.
وسيمون دوبرفوار.
والبير كامي.
وأتباع الداروينية.

ومن الفلاسفة والأدباء:

نيتشه/ فيلسوف ألماني.

برتراند راسل 1872 – 1970م فيلسوف إنكليزي.

هيجل 1770 – 1831م فيلسوف ألماني قامت فلسفته على دراسة التاريخ.

هربرت سبنسر 1820 – 1903م إنكليزي كتب في الفلسفة(*) وعلم النفس والأخلاق(*).

فولتير 1694 – 1778م أديب فرنسي.

في سنة 1930م ألف إسماعيل مظهر حزب الفلاح ليكون منبراً للشيوعية والاشتراكية(*). وقد تاب إسماعيل إلى الله بعد أن تعدى مرحلة الشباب وأصبح يكتب عن مزايا الإسلام.

ومن الشعراء الملاحدة الذين كانوا ينشرون في مجلة العصور.

الشاعر عبد اللطيف ثابت الذي كان يشكك في الأديان في شعره..

والشاعر الزهاوي يعد عميد الشعراء المشككين في عصره.

الأفكار والمعتقدات:

إنكار وجود الله سبحانه، الخالق البارئ، المصور، تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً.

إن الكون والإنسان والحيوان والنبات وجد صدفة وسينتهي كما بدأ ولا توجد حياة بعد الموت.

إن المادة أزلية أبدية وهي الخالق والمخلوق في نفس الوقت.

النظرة الغائية(*) للكون والمفاهيم الأخلاقية تعيق تقدم العلم.

إنكار معجزات الأنبياء(*) لأن تلك المعجزات لا يقبلها العلم، كما يزعمون. ومن العجب أن الملحدين الماديين(*) يقبلون معجزات الطفرة الوحيدة التي تقول بها الداروينية ولا سند لها إلا الهوس والخيال.

عدم الاعتراف بالمفاهيم الأخلاقية ولا بالحق والعدل ولا بالأهداف السامية، ولا بالروح والجمال.

ينظر الملاحدة للتاريخ باعتباره صورة للجرائم والحماقة وخيبة الأمل وقصته لا تعني شيئاً.

المعرفة الدينية، في رأي الملاحدة ، تختلف اختلافاً جذريًّا وكليًّا عن المعرفة بمعناها العقلي أو العلمي!!

الإنسان مادة تنطبق عليه قوانين الطبيعة(*) التي اكتشفتها العلوم كما تنطبق على غيره من الأشياء المادية.

الحاجات هي التي تحدد الأفكار، وليست الأفكار هي التي تحدد الحاجات.

نظريات ماركس في الاقتصاد والتفسير المادي للتاريخ(*) ونظرية فرويد في علم النفس ونظرية دارون في أصل الأنواع ونظرية دور كهايم في علم الاجتماع من أهم أسس الإلحاد في العالم.. وجميع هذه النظريات هي مما أثبت العلماء أنها حدس وخيالات وأوهام شخصية ولا صلة لها بالعلم.

الجذور الفكرية والعقائدية:

نشأ الإلحاد الحديث مع العقلانية والشيوعية والوجودية.

وقد نشر اليهود الإلحاد في الأرض، مستغلين حماقات الكنيسة(*) ومحاربتها للعلم، فجاءوا بثورة العلم ضد الكنيسة، وبالثورة(*) الفرنسية والداروينية والفرويدية، وبهذه الدعوات الهدامة للدين(*) والأخلاق(*) تفشى الإلحاد في الغرب، والهدف الشرير لليهودية العالمية الآن هو إزالة كل دين على الأرض ليبقى اليهود وحدهم أصحاب الدين!!

الانتشار وأماكن النفوذ :

انتشر الإلحاد أولاً في أوروبا، وانتقل بعد ذلك إلى أمريكا.. وبقاع من العالم.

وعندما حكمت الشيوعية في ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي قبل انهياره وتفككه، فرضت الإلحاد فرضاً على شعوبه.. وأنشأت له مدارس وجمعيات.

وحاولت الشيوعية نشره في شتى أنحاء العالم عن طريق أحزابها. وإن سقوط الشيوعية في الوقت الحاضر ينبئ عن قرب سقوط الإلحاد – بإذن الله تعالى.

يوجد الآن في الهند جمعية تسمى جمعية النشر الإلحادية، وهي حديثة التكوين وتركز نشاطها في المناطق الإسلامية، ويرأسها جوزيف إيدا مارك، وكان مسيحيًّا من خطباء التنصير، ومعلماً في إحدى مدارس الأحد، وعضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وقد ألف في عام 1953م كتاباً يدعى: إنما عيسى بشر فغضبت عليه الكنيسة(*) وطردته فتزوج بامرأة هندوكية وبدأ نشطاه الإلحادي، وأصدر مجلة إلحادية باسم إيسكرا أي شرارة النار. ولما توقفت عمل مراسلاً لمجلة كيرالا شبدم أي صوت كيالا الأسبوعية. وقد نال جائزة الإلحاد العالمية عام 1978م ويعتبر أول من نالها في آسيا.

يتضح مما سبق :

أن الإلحاد(*) مذهب(*) فلسفي يقوم على إنكار وجود الله سبحانه وتعالى، ويذهب إلى أن الكون بلا خالق، ويعد أتباع العقلانية هم المؤسسون الحقيقيين للإلحاد الذي ينكر الحياة الآخرة، ويرى أن المادة(*) أزلية أبدية، وأنه لا يوجد شيء اسمه معجزات الأنبياء فذلك مما لا يقبله العلم في زعم الملحدين، الذين لا يعترفون أيضاً بأية مفاهيم أخلاقية(*) ولا بقيم الحق والعدل ولا بفكرة الروح. ولذا فإن التاريخ عند الملحدين هو صورة للجرائم والحماقات وخيبة الأمل وقصته ولا تعني شيئاً، والإنسان مجرد مادة تطبق عليه كافة القوانين الطبيعية(*) وكل ذلك مما ينبغي أن يحذره الشاب المسلم عندما يطالع أفكار هذا المذهب الخبيث.

--------------------------------------------------------------
مراجع للتوسع :
- صراع مع الملاحدة، عبد الرحمن الميداني.
- الملل والنحل، للشهرستاني ط.(1400هـ- 1980م). بتحقيق محمد سيد كيلاني، وهي طبعة فريدة – لمذاهب جديدة.
- الفلسفات الكبرى، بياردو كاسيه – سلسلة زدني علماً- بيروت.
- الإلحاد وعلاقته باليهود والنصارى ، مقال للدكتور محمد بن سعد الشويعر، نشر بمجلة البحوث الإسلامية العدد 14.

المراجع الأجنبية :
- History of Philosophy by F.C. Copleston. Burns. London 1947.
- Existentialism and Humanism by J.P. Sartre, London 1955.
- History of Modern Philosophy by H. Hoffding. London 1956.

 

 

 

 

 

 

[1]  فتح الباري : (16/479) .

[2]  شرح ابن بطال : (5/417).

[3]   عون المعبود :(10/232).

[4] جامع البيان في تأويل آي القرآن:( 21/40ـ 41).

[5] التمهيد ,(18/72).

[6] هو العلامة الورع الزاهد الفقيه الأصولي المحقق الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي علامة القصيم , ولد سنة: 1307وتوفي سنة: 1376هـ رحمه الله اهتم رحمه الله بعقيدة السلف وظهر تأثره جليا بشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في تحرير المسائل كان له عدد من المؤلفات القيمة على رأسها كتاب التفسير المسمى : تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان . انظر في ترجمته : مآثر علماء نجد:(1/239), والأعلام:(3/340) , ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة : (5/150) .

[7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان :699.

[8] المرجع السابق :(8/488).

[9]  أخرجه البحاري  , باب أولاد المشركيين ,

[10] صححه الألباني في إرواء الغليل : وصحيح الترمذي : 2138.

[11] أخرجه البخاري , باب فضل من با تعلى الوضوء . رقم :239.

[12]  انظر المعرفة في الإسلام , د , عبد الله القرني :

[13]  انظر شر ح النووي : 4803.

[14] الاتجاه العقلي في مشكلة المعرفة : 159.د. عاطف عراقي . وانظر شرح الأصول الخمسة :(39).

[15] مجرد مقالات الأشعري :(249).

[16] انظر الإرشاد , للجويني : 11.

[17] انظر كلام الشهرستاني : نهاية الإقدام في علم الكلام (124). تحقيق الفرد جيوم .

[18] الإلهام في اللغة : التلقين , يقال : ألهمه الله الخير : لقنه إياه  قال تعالى : [ فألهمها فجورها وتقواها ] (الشمس/8). قال الراغب الأصفهاني : [إلقاء الشيء في الروع , و يختص ذلك بما كان من جهة الله تعالى و جهة الملأ الأعلى ].المفردات : 455.

يقول الإمام ابن القيم في الإلهام أنه :[ موهبة مجردة لا تنال بكسب البتة ]. مدارج السالكين : (1/69).

[19] الكشف داخل ضمن دائرة الإلهام ويعرف بأنه : [ الإطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية , والأمور الحقيقية وجوداً و عدماً ] . التعريفات للجرجاني : 184.

[20] انظر مبحث الإلهام في كتاب : المعرفة في الإسلام ل د/عبد الله القرني ,81,80.

[21] مدارج السالكين ,(1/75).

[22] الاعتصام ,(2 /78).

[23] مدارج السالكين ,(3/214).

(2)        هو عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد المعلمي العتمي , فقيه من العلماء ولد سنة:1313هـ تولى رئاسة القضاء في عسير ولقب بشيخ الإسلام , له تصانيف كثيرة منها:التنكيل , والأنوار الكاشفة , ومحاضرة في كتب الرجال وغيرها , توفي رحمه الله:1386هـ :الأعلام:(3/342).

[24] التنكيل,(2/260).

[25] انظر : إحياء علوم الدين , للغزالي : (1/253).

[26] المرجع السابق : (8/452)

[27] المنقذ من الضلال :22ـ23.

[28] نقض المنطق /48,47.

[29] هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد الشهير بابن حجر العسقلاني الأصل المصري المولد والنشأة ولد سنة:773, وتوفي سنة:852, اشتغل بالفقه والعربية وصار حافظ الإسلام , انتهى إليه معرفة الرجال واستحضارهم , له مؤلفات عميمة النفع من أشهرها شرحه على صحيح البخاري.انظر شذرات الذهب:(7/270).

[30] فتح الباري ,(13/354).

[31] هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأموي ولد بقرطبة سنة:384هـ كان حافظا عالما مستنبطا للأحكام على المذهب الشافعي ثم انتقل إلى المذهب الظاهري أتقن علوما جمة وألف تواليف كثيرة , منها :الإحكام في أصول الأحكام , والفصل في الملل والأهواء والنحل وغيرها, توفي سنة:456.انظر:وفيان الأعيان:(3/325),شذرات الذهب:(3/299).

[32] الفصل في الملل و النحل (3/35).

[33] تفسير القرآن العظيم : (1/572).

[34] المبادئ الأولية هي : التي لا تفتقر إلى شيء أصلاً بعد توجه العقل إليها, يقول الجرجاني:"هي التي لا تحتاج إلى البرهان بخلاف المسائل فإنها تثبت بالبرهان القاطع": التعريفات الجرجاني :250.

[35] الرد على المنطقيين : 253.

[36] الدرء :[3/310].

[37] المنقذ من الضلال :23.

[38] الدرء :(8/447,446).

[39] انظر الرد على المنطقيين ؛ لابن تيمية (253) .

[40] أضواء البيان للشنقيطي ( 4/398).

[41]  تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن : ( 1012).  ولمزيد من التفصيل انظر مبحث الاستدلال على وجود الله في كتاب المعرفة في الإسلام , فضيلة الشيخ الدكتور : عبد الله القرني 

[42]   الطبري :(7/450)

[43]  تفسير الألوسي :(6/493) .

[44]   نظم الدرر :(5/111).

[45]   التحرير والتنوير :(9/69).

[46]   ابن كثير :(5/124) .

[47]   القرطبي (10/336) .

[48]   التحرير والتنوير : (1/27)

[49]  الطبري : (1/362) .

[50]  تفسيير ابن كثير :(5/489).

[51] الألوسي مع تصرف يسير :(16/414) , و تفسير ابن كثير (6/557) .

[52]  التحرير والتنوير :(9/404).

[53]   السعدي :

[54] هو الحافظ الكبير عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير المشقي الفقيه المحدث المفسر المؤرخ انتهت إليه رياسة العلم في هذه الفنون أخذ عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية فأكثر عنه من أشهر مصنفاته : تفسير القرآن العظيم والبداية والنهاية , وجمع المسانيد العشرة , توفي سنة:774 . انظر: شذرات الذهب : (6/231).

[55] تفسير القرآن العظيم : (3/338).

[56]   نظر :منهاج السنة : (3/315).

[57]   تيسير الكريم الرحمن :602.

[58] تفسير ابن كثير :(3/235).

[59] تيسير الكريم الرحمن :558.

[60] هو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ثم الصنعاني , الفقيه المفسر المحدث الأصولي والأديب المؤرخ , صنف في أنواع العلوم عددا كبيرا من الكتب النافعة تصدر للإفتاء والتدريس , كما تولى القضاء العام في مدينة صنعاء , من مؤلفاته:فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير , ونيل الأوطار شرح المنتقى الأخبار ,  وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من الأصول .انظر ترجمته : معجم المؤلفين : (11/53) , الأعلام للزركلي: (6/298). وانظر لمزيد من التوسع : منهج الإمام الشوكاني في العقيدة : عبد الله نومسوك.

[61] فتح القدير :(3/569).

[62] أضواء البيان :(3/540).

[63] المواقف :40.

[64] انظر الدليل :لمع الأدلة للجويني :86ـ87. و الإرشاد له :53ـ57.و المحصل للرازي :193.و الإنصاف للباقلاني :49ـ50.

[65] الدرء:(9/364).

[66] وكان محل اعتراضهم أن متقدمي الأشاعرة لم يوردوا في الدليل إمكان اتفاق الآلهة , بل اكتفوا بما يلزم من اختلافهم , ولكن متأخري الأشاعرة فطنوا إلى هذا و أوردوا بطلان الاتفاق كما ذكر الصاوي , انظر الصفحة السابقة , ولشيخ الإسلام كلام أبطل فيه هذا الاعتراض بين فيه أن امتناع اختلاف الآلهة أبلغ في بيان عجزها [ فإنه إذا لم يجز أن يريد أحدهما و يفعل إلا ما يريده الآخر ويفعله لزم أن لا يكون واحد منهما قادرا ]. الدرء :(9/356) و انظر :منهاج السنة النبوية :(3/306ـ 307).

[67][67] الدرء :(9/354).

[68] المرجع السابق : (9/369) . وانظر ابن تيمية السلفي , للشيخ محمد خليل هراس : 82.

جار التحميل