جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

آيات وأحاديث العقيدة 424


- 2017/10/28

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

مادة آيات وأحاديث العقيدة     633424

 

  1. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال: بينما نحن جلوس عـند رسـول الله صل الله عليه وسلم  : (( ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثـر السفر، ولا يعـرفه منا أحـد، حتى جـلـس إلى النبي صل الله عليه وسلم  فـأسند ركبـتيه إلى ركبتـيه ووضع كفيه على فخذيه، وقـال: ( يا محمد أخبرني عن الإسلام ). فقـال رسـول الله : { الإسـلام أن تـشـهـد أن لا إلـه إلا الله وأن محـمـداً رسـول الله، وتـقـيـم الصلاة، وتـؤتي الـزكاة، وتـصوم رمضان، وتـحـج البيت إن اسـتـطـعت إليه سبيلاً }. قال: ( صدقت )، فعجبنا له، يسأله ويصدقه؟ قال: ( فأخبرني عن الإيمان )قال: { أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره }. قال: ( صدقت ). قال: ( فأخبرني عن الإحسان ).

الشرح:

هذا الحديث يستفاد منه فوائد:

  • منها أن من هدي النبي مجالسة أصحابه وهذا الهدي يدل على حسن خلق النبي , ومنها أنه ينبغي للإنسان أن يكون ذا عِشرة من الناس ومجالسة وأن لاينزوي عنهم.
  • ومن فوائد الحديث: حُسن أدب المتعلم أما المعلم حيث جلس جبريل عليه الصلاة والسلام أمام النبي هذه الجلسة الدالة على الأدب والإصغاء والاستعداد لما يلقى إليه فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه.
  • ومن فوائد هذا الحديث: بيان أن الإسلام له خمسة أركان؛ لأن النبي أجاب بذلك وقال سبحانه وتعالى  : { الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً }.
  • ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا بد أن يشهد الإنسان شهادة بلسانه موقناً بها بقلبه أن لا إله إلا الله فمعنى ( لا إله ) أي: لا معبود حق إلا الله، فتشهد بلسانك موقناً بقلبك أنه لا معبود من الخلق من الأنبياء أو الأولياء أو الصالحين أو الشجر أو الحجر أو غير ذلك حق إلا الله وأن ما عُبد من دون الله فهو باطل لقول الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62].
  • ومن فوائد هذا الحديث: أن رسول الله جمع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله في ركن واحد، وذلك لأن العبادة لا تتم إلا بأمرين الإخلاص لله وهو ما تضمنته شهادة أن لا إله إلا الله والمتابعة لرسول الله وهو ما تتضمنه شهادة أن محمداً رسول الله؛
  • ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يتم إسلام العبد حتى يقيم الصلاة, وإقامة الصلاة أن يأتي بها مستقيمة حسب ما جاءت به الشريعة, ولها - أي لإقامة الصلاة - إقامة واجبة وإقامة كاملة, فالواجبة أن يقتصر على أقل ما يجب فيها.
  • ومن فوائد هذا الحديث: أن الإيمان يتضمن ستة أمور: وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره.
  • ومن فوائد هذا الحديث العظيم: أن الإيمان بالله أهم أركان الإيمان وأعظمها ولهذا قدمه النبي فقال: { أن تؤمن بالله }.
  • ومن فواد هذا الحديث: وجوب الإيمان بالكتب التي أنزلها الله عز وجل على رسله عليهم الصلاة والسلام قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد:25].
  • ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام فنؤمن بأن كل رسول أرسله الله فهو حق، أتى بالحق، صادقٌ فيما أخبر صادق بما أمر به فنؤمن بهم إجمالاً في من لم نعرفه بيعنه وتفصيلا في من عرفناه بيعنه.
  • ومن فوائد هذا الحديث: الإيمان باليوم الآخر، واليوم الآخر هو يوم القيامة وسمي آخراً، لأنه آخر المطاف للبشر
  • ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره

-----------------

  1.  فقد ثبَتَ في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((الإيمان بضعٌ وستون شُعْبة، والحياء شُعْبة من الإيمان))[1]،وعند مسلم: ((الإيمان بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شُعْبة، فأفضلُها قولُ: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعْبة من الإيمان))وعنده في رواية: ((الإيمان بضعٌ وسبعون شُعْبة))[2]بالجزم.

الشرح:

فهذا الحديث العظيم فيه بَيان خصال الإيمان، وأنَّها بضعٌ وسبعون أو بضع وستون شُعْبة، والبِضْع مِن الثلاث إلى التِّسع.

وهذه الشُّعَب جَمعت رأسَ الإيمان وأعلاه وهو التوحيد قول: (لا إله إلا الله)، وهذه الكلمة هي بابُ الإسلام إلى آخر خصال الإيمان وأدناها، وهو إماطة الأذى عن الطريق. وقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الإيمان بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شُعْبة))،المراد بذلك أنَّ خصال الإيمان لا تخرج عن هذا العدد، وأنَّها متفاوتة، فتدخل فيها أعمال القلوب، وأعمال الجوارح، وأعمال اللسان، وعنها تتفرَّع شُعب أخرى من أعمال البَدَن، كالنفْع المتعدي من الصَّدَقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى. وقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فأفضلها قول: لا إله إلا الله))، وفي لفظ آخرَ عند أحمد: ((أرفعها وأعلاها قول: لا إله إلا الله))[3]،وهي لا تكون أعلى الشُّعَب وأرفعها إلاَّ إذا أقرَّ بها بإخلاصٍ وصِدقٍ ويقين، قد اطمأنَّ قلبُه بها وأَنِستْ نفسُه إليها.وهذه الكلمة هي كلمة التوحيد، وأعلى خصال الإيمان، بها عُلو الإيمان وأهله؛ ولهذا حينما يقَاتلُ الكفارَ لتكونَ كلمة الله هي العُليا يدْعو إلى الكلمة العليا وهي (لا إله إلا الله)،ولذا لا يكون مقاتلاً لأجْل أن تكونَ كلمة الله هي العليا؛ حتى يُخْلِص في قوله لهذه الكلمة.ثم ذكَرَ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عملاً يسيرًا، لكنَّه نفْعٌ مُتعدٍّ، وهو (إماطة الأذى عن الطريق)، وهذا يبيِّن عَظَمة هذا الدِّين، وهذه الشريعة كيف جعلتْ إزالة الأذى عن الطريق مِن شُعَب الإيمان التي مَن فرَّط فيها، فقد نقصَ إيمانُه؛ لأنه لم يستكمل الشُّعَب، وهذا يبيِّن أن مَن استكمل الشُّعَب، استكمل الإيمان؛ لحيازته لأعلى الشُّعَب إلى أنْ وصَلَ إلى أدناها.ومن شُعَب الإيمان التي ذكَرَها النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الحديث: (الحياء)، وهو خُلق جميل يبعثُ على ترْك رذائلِ الأخلاق والأعمال، فتنكسر النفْس على الإقدام عليها؛ لأنَّ فيها دناءَةً تنافي الحياء، وهذا هو الحياء الشرعي الممدوح صاحبُه، وقيل في معناه: أنَّه خُلق يتولَّد من رؤية نِعم الله، رؤية التقصير في شُكْرها، فينتج عنهما خُلق الحياء. ثم بين هاتين الشُّعْبتين شُعَب عظيمة، وأعظم الشعب بعد قول: لا إله إلا الله: أركان الإسلام التي بعد الشهادتين، وتحتها شُعَب وفروع عظيمة، والنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يذكرْها ولم يحددها، ولكن ذَكَرها على سبيل العدد؛ حتى يجتهد المسلم في تحصيلها، ويَجِدَّ في سائر طرق الخير؛ ولهذا قال - تعالى -: ? وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ? [الحج: 77]. فالمقصود أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ذكَر هذه الشُّعب العظيمة، وأنَّها كالأصول وتحتها فروع تتفرَّع منها؛ جاء ذكرُها في الأخبار الواردة عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - منها ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن أنفقَ زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله، هذا خير، فمَن كان من أهْل الصلاة، دُعِي من باب الصلاة، ومَن كان من أهْل الجهاد، دُعِي من باب الجهاد، ومَن كان من أهْل الصيام دُعِي من باب الرَّيَّان، ومَن كان من أهْل الصَّدَقة، دُعِي من باب الصدقة))، فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على مَن دُعِي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يُدْعَى أحدٌ من تلك الأبواب كلِّها؟ قال: ((نعم، وأرجو أن تكون منهم))[10]،

فلهذا جديرٌ بالمؤمن أن يجتهدَ في تحصيل هذه الشُّعَب وخصال الخير، أو ما تيسَّر منها؛ حتى يحوزَ الخير ويحصل على الأجر العظيم، والله - عزَّ وجلَّ - شاكر حليم عليم؛ فأسأله - سبحانه وتعالى - أن يُعيننا على خصال الخير، وأن يرزقَنا الإخلاصَ في القول والعمل، وفي ما نأتي ونذر.

وصلى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

--------------------

  1. قوله تعالى : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل

الشرح

وقال ابن إسحاق وجماعة : يريد بالناس ركب عبد القيس ، مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليثبطوهم . وقيل : الناس هنا المنافقون . قال السدي : لما تجهز النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه للمسير إلى بدر الصغرى لميعاد أبي سفيان أتاهم المنافقون وقالوا : نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم وعصيتمونا ، وقد قاتلوكم في دياركم وظفروا ; فإن أتيتموهم في ديارهم فلا يرجع منكم أحد . فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل . وقال أبو معشر : دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة ، فسألهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أبي سفيان فقالوا : قد جمعوا لكم جموعا كثيرة فاخشوهم أي فخافوهم واحذروهم ; فإنه لا طاقة لكم بهم . فالناس على هذه الأقوال على بابه من الجمع ، والله أعلم .  قوله تعالى : فزادهم إيمانا أي فزادهم قول الناس إيمانا ، أي تصديقا ويقينا في دينهم ، وإقامة على نصرتهم ، وقوة وجراءة واستعدادا . فزيادة الإيمان على هذا هي في الأعمال .  قوله تعالى : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل أي كافينا الله . وحسب مأخوذ من الإحساب ، وهو الكفاية . روى البخاري عن ابن عباس قال في قوله تعالى : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم - إلى قوله : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم الخليل عليه السلام حين ألقي في النار . وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم ، والله أعلم .

---------------------------

4- -يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ? قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ? لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ? ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ? يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ? قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ?187 ?

في الآيتين إبانة أن علم الساعة من الغيب المختص به تعالى لا يعلمه إلا الله، و لا دليل لتعيين وقتها و الحدس لوقوعها أصلا فلا تأتي إلا بغتة.

فقوله: «لا يجليها لوقتها إلا هو» أي لا يظهرها و لا يكشف عنها في وقتها و عند وقوعها إلا الله سبحانه، و يدل ذلك على أن ثبوتها و وجودها و العلم بها واحد أي إنها محفوظة في مكمن الغيب عند الله تعالى يكشف عنها و يظهرها متى شاء من غير أن يحيط بها غيره سبحانه أو يظهر لشيء من الأشياء، و كيف يمكن أن يحيط بها شيء من الأشياء أو ينكشف عنده، و تحققها و ظهورها يلازم فناء الأشياء، و لا شيء منها يسعه أن يحيط بفناء نفسه أو يظهر له فناء ذاته، و النظام السببي الحاكم في الكون يتبدل عند وقوعها، و هذا العلم الذي يصحبها من هذا النظام.

و من هنا يظهر: أن المراد بقوله: «ثقلت في السموات و الأرض» - و الله أعلم - ثقل علمها في السماوات و الأرض و هو بعينه ثقل وجودها فلا ثمرة لاختلافهم في أن المراد بثقل الساعة فيها ثقل علمها عليها، أو المراد ثقل صفتها على أهل السماوات و الأرض لما فيها من الشدائد و العقاب و الحساب و الجزاء، أو ثقل وقوعها عليهم لما فيها من انطواء السماء و انتشار الكواكب و اجتماع الشمس و القمر و تسيير الجبال، أو أن السماوات و الأرض لا تطيق حملها لعظمتها و شدتها.و من ذلك يظهر أيضا وجه قوله سبحانه: «لا تأتيكم إلا بغتة» فإن البغتة و الفجأة ظهور الشيء من غير أن يعلم به قبل ظهوره، و الساعة لثقلها لا يظهر وصف من أوصافها، قبل ظهورها التام، و لذلك كان ظهورها لجميع الأشياء بغتة . ففي قوله ثانيا: «يسألونك كأنك حفي عنها» إشعار أو دلالة على أنهم حسبوا أن جوابه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر ربه أولا: «إنما علمها عند ربي» من قبيل إحالة علم ما لا يعلمه إلى ربه - على ما هو من أدب الدين - و لذا قال: «عند ربي» إشعارا بالعبودية و وظيفتها، و أن قوله: «لا يجليها لوقتها إلا هو» وصف لعظمتها من غير أن يرتبط ذلك بالعلم بوقتها، و لذلك كله كرروا السؤال ليقول (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك شيئا أو يعترف بجهله لنفسه.ثم قال: «و لكن أكثر الناس لا يعلمون» يشير به إلى جهلهم بمعنى قوله: «إنما علمها عند ربي» الآية فإنهم لأنسهم بالحس و المحسوس يقيسون كل شيء سمعوه إلى المحسوس، و يعممون حكمه عليه فيظنون أن كل ما وصف لهم بوجه يسع لهم أن يعلموه و يحيطوا به علما، و أنه لو كان هناك أمر أخفي عنهم فإنما يخفى بالكتمان، و لو أظهر لهم أحاطوا به علما كسائر ما عندهم من الأمور المحسوسة، و قد أخطأ قياسهم و اشتبه عليهم فإن بعض ما في الغيب و من جملته الساعة لا يطيق علمه إلا الله سبحانه . في تفسير القمي،: في قوله «يسألونك عن الساعة أيان مرساها» الآية، قال: قال: إن قريشا بعثوا العاص بن وائل السهمي، و النضر بن الحارث بن كلدة و عقبة بن أبي معيط إلى نجران ليتعلموا من علماء اليهود مسائل يسألونها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، و كان فيما سألوا محمدا متى تقوم الساعة أنزل الله تعالى: «يسألونك عن الساعة أيان مرساها» الآية. و في تفسير العياشي، عن خلف بن حماد عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله يقول في كتابه: «و لو كنت أعلم الغيب - لاستكثرت من الخير و ما مسني السوء» يعني الفقر:. أقول: و رواه أيضا الصدوق في المعاني، بإسناده عن خلف بن حماد عن رجل عنه (عليه السلام)، و رواه الحسين بن بسطام في طب الأئمة، عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر (عليه السلام).

--------------------------

  1. قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ

الشرح

قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء:47]. يخبر تعالى عن هؤلاء أنهم مهما عاشوا فسيموتون، ومهما طال موتهم فسيحيون، وسيأتوننا للعرض على الله للحساب والعقاب. قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] يعطينا صورة مشخصة كأننا ننظر إليها، أي: عاش الناس، ثم ماتوا وبعثوا، ووضعت الموازين لوزن أعمال العباد من خير أو شر، هذه الموازين التي تتصف بالعدل المطلق، لا تزاد فيها سيئة في ذنوب مسيء، ولا ينقص من حسنته شيء، بل قد تزيد الحسنات وتنقص السيئات. المعروف أن الميزان هو ميزان واحد، ولكن الله قال: (موازين)، فقد يكون المعنى: أن عند كل أمة ميزان، وقد يكون أطلق (موازين) باعتبار زنة أعمال الخلق كلهم، على أن الله قال هنا: الموازين، وإذا ذكر في السنة الميزان، فهو الميزان الأجمع الأكبر الأشمل. قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ [الأنبياء:47] فالميزان ميزان، يسع السموات والأرض، له لسان، وله كفتان ترجح إحداهما بالخير أو بالشر. وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ [الأنبياء:47] أي: موازين العدل والحق والإنصاف ليوم القيامة، يوضع ذلك يوم العرض على الله، وجاء في الموازين حديث في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: (كلمتان ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم). وقد ورد في الصحاح عن جماعة من الصحابة أن مسلماً تعرض أعماله على الميزان في آخر الناس، وإذا بسيئاته تكتب في تسعة وتسعين سجلاً، وتوضع في الميزان، فتطيش كفة الحسنات، وتثقل كفة السيئات، فيؤخذ به إلى جهنم، فينادي مناد من الملائكة بأمر الرب جل جلاله: أرجعوه! أرجعوه! فيرجع، فيقول الله له: لا ظلم اليوم! إن لك حسنة لم تؤزن بعد، فيؤتى بالبطاقة فيراها هذا المحاسب، فيقول: يا رب! ماذا عسى أن تكون هذه البطاقة أمام هذه التسعة والتسعين من سجلات السوء؟ فتوضع البطاقة في كفه الحسنات وإذا بها تسقط كفة السيئات، وإذا به يقال: خذوه إلى الجنة، وفي البطاقة مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله. والحديث مشهور بحديث البطاقة، وهذه الكلمة: أشهد أن لا إله إلا الله التي قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام: (أفضل ما قلته أنا والنبيون قبلي لا إله إلا الله) لا توضع في كفة ولا ميزان إلا ويثقل بها الميزان، وتخف السيئات، حتى ولو كانت تسعة وتسعين سجلاً. يقول تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء:47] (شيئاً) يطلق على أقل شيء حتى الذرة. ثم قال تعالى: وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا [الأنبياء:47]. وإن كان هذا الشيء يزن حبة الخردل، وحبة الخردل المعروفة لا تكاد ترى، فلو سقطت من يدك إلى الأرض فإنها تضيع ولا تراها، فلو كانت الحسنة بمقدار هذه الحبة من الخردل يقول الله: (أتينا بها)، أي: حسبناها ووضعناها في ميزان من يحاسب، ولهذا جاء في حديث البطاقة: (ثم تلا قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا [الأنبياء:47]) أي: عددناها، وحسبناها، فوضعناها في ميزان حسناتك. قوله: وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] أي: يكفي بما يقوله جل جلاله، لا يحتاج إلى من يحسب ولا من يعد، و(حاسبين) أي: عادين وحاصرين، ويكفي الله محاسباً ولو كانت كلمة قالها اللسان، ولم تعمل بها الأركان، ولكنه مات على يقين وهو يعتقد بقلبه أن الله واحد لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، ومات على هذا يقيناً، ونطق به اللسان سواء عند الموت أو قبل الموت، ففي الأحاديث النبوية: (من مات وهو يقول: لا إله إلا الله، دخل الجنة)، (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة).

----------------------

  1.  قال تعالى : { أَوَلَمْ يَرَ الإنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ(77)وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ(78)قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ(79)الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(80)أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ(81)إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(82)فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(83)}

سبب النزول:

أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل، ففتّه، فقال: يا محمد: أيُبعث هذا بعدما أرَمَّ؟ قال: نعم، يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم، فنزلت الآيات: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة} إلى آخر السورة. ثم أقام الدليل القاطع، والبرهان الساطع، على البعث والنشور، فقال {أَوَلَمْ يَرَ الإنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ} استفهامٌ إِنكاريٌ للتوبيخ والتقريع  أي أولم ينظر هذا الإِنسان الكافر نظر اعتبار، ويتفكر في قدرة الله فيعلم أنّا خلقناه من شيءٍ مهينٍ حقيرٍ هو النطفة "المني" الخارج من مخرج النجاسة؟ {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} أي فإِذا هو شديد الخصومة والجدال بالباطل، يخاصم ربه وينكر قدرته، ويكذب بالبعث والنشور، أليس الإِله الذي قدر على خلق الإِنسان من نطفة، قادر على أن يخلقه مرة أُخرى عند البعث؟ قال المفسرون: نزلت في "أُبي بن خلف" جاء بعظم رميم، وفتَّته في وجه النبي الكريم وقال ساخراً: أتزعم يا محمد أنَّ الله يُحيينا بعد أن نصبح رفاتاً مثل هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم له: نعم يبعثك ويدخلك النار {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} أي وضرب لنا هذا الكافر المثل بالعظم الرميم، مستبعداً على الله إعادة خلق الإِنسان بعد موته وفنائه، ونسي أنا أنشأناه من نطفةٍ ميتة وركبنا فيه الحياة، نسي خلقه العجيب وبدأه الغريب، وجوابه من نفسه حاضر {قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} أي وقال هذا الكافر: من يحيي العظام وهي بالية أشدَّ البلى، متفتتةٌ متلاشية؟ قال الصاوي: أي أورد كلاماً عجيباً في الغرابة هو كالمثل، حيث قاسَ قدرتنا على قدرة الخلق {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي قل يا محمد تخريساً وتبكيتاً لهذا الكافر وأمثاله: يخلقها ويحييها الذي أوجدها من العدم، وأبدع خلقها أول مرة من غير شيء، فالذي قدر على البداءة، قادر على الإِعادة {وَهُوَ بِكُلِّ خلْقٍ عَلِيمٌ} أي يعلم كيف يخلق ويُبدع، فلا يصعب عليه بعث الأجساد بعد الفناء {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا} أي الذي جعل لكم بقدرته من الشجر الأخضر ناراً تحرق الشجر، لا يمتنع عليه فعل ما أراد، ولا يعجزه إحياء العظام البالية وإعادتها خلقاً جديداً، وقال أبو حيان: ذكر تعالى لهم ما هو أغرب من خلق الإِنسان من النطفة، وهو إبراز الشيء من ضده، وذلك أبدع شيء وهو اقتداح النار من الشيء الأخضر، ألا ترى الماء يطفئ النار ومع ذلك خرجت مما هو مشتمل على الماء، والأعراب تُوري النار من المرخ والعُفار، وفي أمثالهم "في كل شيء نار، واستمجد المرخ والعُفار" ولقد أحسن القائل :  جمعُ النقيضين من أسرار قدرته هذا السَّحابُ به ماءٌ به نارُ

{فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} أي فإِذا أنتم تقدحون النار من هذا الشجر الأخضر {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ}؟ أي أوَليس الذي خلق السماوات والأرض مع كبر جرمهما، وعظم شأنهما قادر على أن يخلق أجساد بني آدم بعد فنائها؟ {بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ} أي بلى هو القادر على ذلك، فهو الخلاَّق المبدع في الخلق والتكوين، العليم بكل شيء {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} أي لا يصعب عليه جل وعلا شيء لأن أمره بين الكاف والنون، فمتى أراد تعالى شيئاً أوجَدَه، بدون تعب ولا جهد، ولا كلفة ولا عناء {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} أي تنزَّه وتمجد عن صفات النقص الإِلهُ العظيم الجليل، الذي بيده المُلك الواسع، والقدرة التامة على كل الأشياء {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي وإِليه وحده مرجع الخلائق للحساب والجزاء .. ختم تعالى السورة الكريمة بهذا الختم الرائع، الدال على كمال القدرة، وعظمةِ الملك والسلطان، الذي تفرد به خالق الأكوان

--------------

  1. قوله تبارك و تعالى :  فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ سورة هود الآية 107 خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ  وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ  }

الشرح

الآيتان ليستا منسوختين بل محكمتان ، وقوله عز وجل :  إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ  اختلف أهل العلم في معنى ذلك مع إجماعهم على أن نعيم [ ج- 5][ص-363] الجنة دائم أبدا لا ينقضي ولا يزول ولا يخرجون منها ولهذا قال تعالى :  عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ  لإزالة بعض ما قد يتوهم بعض الناس أن هناك خروجا ، فهم خالدون فيها أبدا ، ولهذا قال سبحانه :  إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ  ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ  يعني آمنين من الموت ، وآمنين من الخروج ، وآمنين من الأمراض ، ولهذا قال عز وجل بعد ذلك :  وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ  لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ  فهم فيها دائمون ولا يخرجون ولا يموتون ، وقال تعالى :  إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ  فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ  يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ  كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ  يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ  لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ  فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  فأخبر سبحانه أن أهل الجنة في مقام أمين لا يعتريه خراب ولا زوال ، وأنهم آمنون أيضا لا خطر عليهم من موت ولا مرض ولا خروج ، ولا يموتون أبدا .

فقوله :  إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ  قال بعض أهل العلم : معناه : مدة مقامهم في القبور ليسوا في الجنة ، وإن كان المؤمن في روضة من رياض الجنة لكنها ليست هي الجنة ولكنه شيء منها ، فإنه يفتح للمؤمن وهو في قبره باب إلى الجنة يأتيه من ريحها وطيبها ونعيمها ، وينقل بعد ذلك إلى الجنة فوق السماوات في أعلى شيء .وقال بعضهم :  إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ  يعني مدة إقامتهم في موقف القيامة للحساب والجزاء وذلك بعد خروجهم من القبور ، فإنهم بعد ذلك ينقلون إلى الجنة ، وقال بعضهم : مجموع الأمرين مدة بقائهم في القبور ، ومدة بقائهم في الموقف ، ومرورهم على الصراط ... في كل هذه الأماكن ليسوا في الجنة لكنهم ينقلون منها إلى الجنة . ومن هذا يعلم أن المقام مقام واضح ليس فيه شبهة ولا [ ج- 5][ص-364] شك فأهل الجنة في الجنة أبد الآباد ، ولا موت ولا مرض ولا خروج ولا كدر ولا حزن ولا حيض ولا نفاس بل في نعيم دائم وخير دائم ، وهكذا أهل النار يخلدون فيها أبد الآباد ، ولا يخرجون منها كما قال عز وجل في حقهم :  لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ  والآيات في هذا المعنى كثيرة . أما قوله عز وجل في حقهم :  إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ  فقيل : إن المراد بذلك مقامهم في القبور ، وقيل: مقامهم في الموقف ، وهم بعد ذلك يساقون إلى النار ويخلدون فيها أبد الآباد ، كما قال تعالى في حقهم في سورة البقرة :  كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ  وقال سبحانه في سورة المائدة :  يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ

--------------------------

  1. عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما ، فقال : ( يا غلام ، إني أُعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سأَلت فاسأَل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

وفي رواية الإمام أحمد : ( احفظ الله تجده أَمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك فـي الشدة، واعلم أَن ما أَخطأَك لم يكن ليصيبك ، وما أَصابك لم يكن ليخطئك ، واعلم أَن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسرِ يسرا ) .

الشرح

اصطفى الله تعالى هذه الأمة من بين سائر الأمم ، ليكتب لها التمكين في الأرض ، وهذا المستوى الرفيع لا يتحقق إلا بوجود تربية إيمانية جادة تؤهلها لمواجهة الصعوبات التي قد تعتريها ، والأعاصير التي قد تحيق بها ، في سبيل نشر هذا الدين ، وإقامة شرع الله في الأرض . ومن هذا المنطلق حرص النبي صلى الله عليه وسلم على غرس العقيدة في النفوس المؤمنة ، وأولى اهتماما خاصا للشباب ، ولا عجب في ذلك! فهم اللبنات القوية والسواعد الفتية التي يعوّل عليها نصرة هذا الدين ، وتحمّل أعباء الدعوة . وأولى الوصايا التي احتواها هذا الحديث ، قوله صلى الله عليه وسلم : ( احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ) ، إنها وصية جامعة ترشد المؤمن بأن يراعي حقوق الله تعالى ، ويلتزم بأوامره ، ويقف عند حدود الشرع فلا يتعداه ، ويمنع جوارحه من استخدامها في غير ما خلقت له ، فإذا قام بذلك كان الجزاء من جنس العمل ، مصداقا لما أخبرنا الله تعالى في كتابه حيث قال : { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم } ( البقرة : 40 ) ، وقال أيضا : { فاذكروني أذكركم } ( البقرة : 152 ) . وهذا الحفظ الذي وعد الله به من اتقاه يقع على نوعين   :  الأول : حفظ الله سبحانه وتعالى لعبده في دنياه ، فيحفظه في بدنه وماله وأهله ، ويوكّل له من الملائكة من يتولون حفظه ورعايته ، كما قال تعالى : { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } ( الرعد : 11 ) أي : بأمره ، وهو عين ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم كل صباح ومساء : ( اللهم إني أسألك العفو والعافية ، في ديني ودنياي وآخرتي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ) رواه أبو داوود و ابن ماجة ، وبهذا الحفظ أنقذ الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام من النار ، وأخرج يوسف عليه السلام من الجبّ ، وحمى موسى عليه السلام من الغرق وهو رضيع ، وتتسع حدود هذا الحفظ لتشمل حفظ المرء في ذريّته بعد موته ، كما قال سعيد بن المسيب لولده : " لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أُحفظ فيك " ، وتلا قوله تعالى : { وكان أبوهما صالحا } ( الكهف : 82 ) .

الثاني : حفظ الله للعبد في دينه ، فيحميه من مضلات الفتن ، وأمواج الشهوات ، ولعل خير ما نستحضره في هذا المقام : حفظ الله تعالى لدين يوسف عليه السلام ، على الرغم من الفتنة العظيمة التي أحاطت به وكادت له ، يقول الله تعالى في ذلك : { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين } ( يوسف : 24 ) ، وتستمر هذه الرعاية للعبد حتى يلقى ربّه مؤمنا موحدا . ثم انتقل الحديث إلى جانب مهم من جوانب العقيدة ، ويتمثّل ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس : ( إذا سأَلت فاسأَل الله ) ، وسؤال الله تعالى والتوجه إليه بالدعاء من أبرز مظاهر العبوديّة والافتقار إليه ، بل هو العبادة كلها كما جاء في الحديث : ( الدعاء هو العبادة ) ، وقد أثنى الله على عباده المؤمنين في كتابه العزيز فقال : { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } ( الأنبياء : 90 ).وإن من تمام هذه العبادة ترك سؤال الناس ، فإن في سؤالهم تذلل لهم ومهانة للنفس ، ولا يسلم سؤالهم من منّة أو جرح للمشاعر ، أو نيل من الكرامة ، كما قال طاووس لعطاء رحمهما الله : " إياك أن تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه ، وجعل دونك حجابه ، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أن تسأله ، ووعدك أن يجيبك " ، وصدق أبو العتاهية إذ قال :

              لا تسألن بني آدم حاجـــة    وسل الذي أبوابه لا تُحجب

              فاجعل سؤالك للإله فإنمـا     في فضل نعمة ربنـا تتقلب

وقد أثنى الله على عباده المتعففين فقال : { للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا } ( البقرة : 273 ) ، وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم رهطا من أصحابه على ترك سؤال الناس ، وكان منهم أبوبكر الصديق و أبو ذر الغفاري و ثوبان رضي الله عنهم أجمعين ، فامتثلوا لذلك جميعا ، حتى إن أحدهم إذا سقط منه سوطه أو خطام ناقته لا يسأل أحدا أن يأتي به .إن ما سبق ذكره من الثناء على المتعفّفين إنما هو متوجه لمن تعفّف عن سؤال الناس فيما يقدرون عليه ، وما يملكون فعله ، أما ما يفعله بعض الجهلة من اللجوء إلى الأولياء والصالحين الأحياء منهم أو الأموات ، ليسألونهم ويطلبون منهم أعمالاً خارجةً عن نطاق قدرتهم ، فهذا صرفٌ للعبادة لغير الله عزوجل ، وبالتالي فهو داخل تحت طائلة الشرك . وفي قوله : ( وإذا استعنت فاستعن بالله ) أمر بطلب العون من الله تعالى دون غيره ، لأن العبد من شأنه الحاجة إلى من يعينه في أمور معاشه ومعاده ، ومصالح دنياه وآخرته ، وليس يقدر على ذلك إلا الحي القيوم ، الذي بيده خزائن السموات والأرض ، فمن أعانه الله فلا خاذل له ، ومن خذله الله فلن تجد له معينا ونصيرا ، قال تعالى : { إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده } ( آل عمران : 160 ) ، ولهذا المعنى كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قول : ( اللهم أعني ولا تعن علي) ، وأمر معاذا رضي الله عنه ، ألا يدع في دبر كل صلاة أن يقول ( اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) رواه النسائي وأبو داود .

وإذا قويت استعانة العبد بربّه ، فإن من شأنها أن تعمّق إيمانه بقضاء الله وقدره ، والاعتماد عليه في كل شؤونه وأحواله ، وعندها لا يبالي بما يكيد له أعداؤه ، ويوقن أن الخلق كلهم لن ينفعوه بشيء لم يكتبه الله له ، ولن يستطيعوا أن يضرّوه بشيء لم يُقدّر عليه ، ولم يُكتب في علم الله ، كما قال سبحانه : { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير } ( الحديد : 22 ) . ولما وعى سلفنا الصالح هذه الوصية ، أورثهم ذلك ثباتا في العزيمة ، وتفانيا في نشر هذا الدين ، غير مبالين بالصعوبات التي تواجههم ، والآلام التي تعتريهم ، لأنهم علموا أن طريق التمكين إنما يكون بالعمل بهذه الوصية النبوية ، وأن الفرج يأتي من بعد الكرب ، وأن العسر يعقبه اليسر ، وهذا هو الطريق الذي سلكه أنبياء الله جميعا عليهم السلام ، فما كُتب النصر ل نوح عليه السلام ، إلا بعد سلسلة طويلة من الجهاد مع قومه ، والصبر على أذاهم ، وما أنجى الله نبيه يونس عليه السلام من بطن الحوت ، إلا بعد معاناة طويلة عاشها مستغفرا لربّه راجيا فرجه ، معتمدا عليه في كل شؤونه ، حتى انكشفت غمّته ، وأنقذه من بلائه ومحنته ، وهكذا يكون النصر مرهونا بالصبر على البلاء والامتحان .

 

 

اولا

1-عن عمر رضي الله عنه قال "بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه قال يا محمد أخبرني على الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إله سبيلا قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل قال فأخبرني عن أماراتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان قال ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال لي يا عمر أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتآكم يعلمكم دينكم" رواه مسلم
هذا الحديث عظيم الشأن جدا يشتمل على شرح الدين كله ،ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخره "هذا جبريل آتاكم يعلمكم دينكم بعد أن شرح درجة الإسلام ودرجة الإيمان ودرجة الإحسان فجعل ذلك كله دينا.وقال النووي:"واعلم أن هذا الحديث يجمع أنواعا من العلوم والمعارف والآداب واللطائف بل هو أصل الإسلام".
وفي الحديث مسائل :
الأولى: دل الحديث على بعض آداب طالب العلم ، فمن ذلك ينبغي لطالب العلم أن يحسن الجلوس بين يدي العالم على هيئة التواضع ، وأن لا يسيء الأدب مع شيخه بقول أو فعل أو هيئة ويراعي مع ذلك التجمل وتحسين الثياب والنظافة عند العلماء والفضلاء ، فإن جبريل عليه السلام أتى معلما للناس بحاله ومقاله ، ومما يرشد إليه الطلاب أن يكون قوي النفس لا يستحي عن السؤال وطلب الحق قال أحد السلف "لا ينال العلم مستحيي أو مستكبر".
الثانية: أرشد الحديث إلى بعض آداب العالم مع تلاميذه، فينبغي للعالم أن يتواضع ويحلم على السائل وإن تجاوز ما يجب عليه من التعظيم والتكريم ، ومن آدابه أنه إذا سئل عن شيء لم يعلمه فليقل لا أعلم ولا ينقص ذلك من مكانته وقد كان ذلك من هدي السلف ، كما يحسن به أن يكثر من إلقاء السؤال والجواب على الطالب وهو أسلوب تعليمي نافع أكثر منه النبي صلى الله عليه وسلم كقوله لمعاذ رضي الله عنه "أتدري ما حق الله على العباد 0000"وقوله لأصحابه "أتدرون من المفلس000" ، وكذلك يستحسن أن ينبه تلامذته على قواعد العلم وأصول المسائل طلبا لنفعهم.
الثالثة: قوله "الإسلام أن تشهد000" حد الإسلام لغة: الإنقياد والخضوع ، واصطلاحا:هو الإستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله،وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل ،وتنقسم الأعمال إلى عمل بدني كالصلاة والصوم ،وعمل مالي كالزكاة ،وعمل مركب منهما كالحج .فالإسلام يشمل جميع الواجبات الظاهرة ،وإنما اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على ذكر الأمور الخمسة لأنها الأصول التي يبنى عليها ،ويشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"رواه مسلم. ويدخل أيضا في مسمى الإسلام ترك المحرمات.
أما الإيمان فحده لغة: التصديق ، واصطلاحا: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بالطاعات وينقص بالعصيان .وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالاعتقادات الباطنة ومذهب أهل السنة والجماعة في الإيمان أنه قول وعمل ، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان ، فقد حكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم .وأنكر السلف على من أخرج الأعمال من الإيمان إنكارا شديدا . وقد دل على دخوله قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) . وفي الصحيحين : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا لله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ).
الرابعة : إذا ذكر الإسلام أو الإيمان وحده في نصوص الشرع صار معناه عاما يشمل الأعمال الظاهر ة والباطنة . كما في حديث وفد عبد القيس حيث فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان حينما ورد مفردا بمعنى الدين الشامل للظاهر والباطن . وإذا ذكر الإسلام مقرونا بالإيمان في النصوص صار لكل واحد منهما معنى خاص به ، فالإسلام بمعنى الأعمال الظاهرة والإيمان بمعنى الأعمال الباطنة ، كما في حديث جبريل وبهذا التفصيل يظهر تحقيق القول في مسالة الإسلام و الإيمان هل هما واحد أو مختلفان ، فالتحقيق أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده ، كما في حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( الإسلام علانية و الإيمان في القلب) أخرجه أحمد، ولهذا قال العلماء كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمن .
الخامسة : دلت النصوص على أن من كمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس صار مسلما حقا أما من أقر بالشهادتين صار مسلما حكما ، فإذا دخل في الإسلام بذلك ألزم بشرائع الإسلام وفرائضه ، فإن امتنع عن فعل جميع الفرائض حكم بردته.
السادسة : أركان الإيمان ستة لا يصح الإيمان إلا بها جميعا فمن ترك ركنا منها بطل إيمانه:
الأول: الإيمان بالله وهو الإعتقاد الجازم بوجود الله وربوبيته و ألوهيته وأسمائه وصفاته ووحدانية في ذلك ، أي بأنه لاشريك له في ربوبيته ولا في ألوهيته ولا في أسمائه و صفاته ، قال الله تعالى (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا).
الثاني : الإيمان بالملائكة وهو الاعتقاد الجازم بوجودهم وأن الله خلقهم من نور لعبادته وأنهم عباد مكرمون لايسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون لايستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لايغترون ، ولهم وظائف كثيرة فمنهم الموكلون بحمل العرش ومنهم الموكلون بالوحي ومنهم الموكلون بالجبال ومنهم خزنة الجنة وخزنة النار ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد ومنهم الموكلون بقبض أرواح المؤمنين ومنهم الموكلون بقبض أرواح الكافرين ومنهم الموكلون بسؤال العبد في القبر ، وأفضلهم جبريل روح القدس عليه السلام وهم كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله لا يأكلون و لا يشربون ولا يتناسلون وخلقتهم عظيمة لهم أجنحة متباينون في عددها وقد أعطاهم الله قوة يتمثلون ويتشكلون في غير صورهم التي خلقها الله عليها وقد حجبهم الله عنا فلا نراهم في صورهم التي خلقوا عليها ولكن كشفهم لبعض عباده كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته له ستمائة جناح قد سد الأفق.
الثالث : الإيمان بالكتب وهو الإعتقاد الجازم بأن الله أنزل على رسله كتبا فيها أمره ونهيه ووعده ووعيده وفيها نور وهدى (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير) أنزلها لأجل هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور وهي : القران والإنجيل والتوراة والزبور وصحف إبراهيم وموسى ، وأعظمها التوراة والإنجيل والقرآن وأعظم الثلاثة وناسخها وأفضلها القران .

الرابع : الإيمان بالرسل وهو الاعتقاد الجازم بأن الله سبحانه أرسل إلى عباده رسلا مبشرين ومنذرين لهداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور قال تعالى ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) وقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ونؤمن بذلك إجمالا لا نعلم عددهم كما قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) ونؤمن بهم تفصيلا كما فصلهم الله في كتابه ، وأفضلهم الرسل ثم الأنبياء وأفضل الرسل والأنبياء أولو العزم وهم خمسة : محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين وأفضلهم نبي الإسلام وخاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله الهاشمي (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) والإيمان بواحد منهم يستلزم الإيمان بهم جميعا . والكفر بواحد منهم كفر بجميعهم لأن كل واحد منهم يدعو إلى توحيد الله وطاعته قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا).
الخامس : الإيمان باليوم الآخر وهو الاعتقاد الجازم بيوم القيامة والإيمان بكل ما اخبر الله به وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت وحتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فنؤمن بأمور الغيب بعد الموت من سكرات الموت وعالم البرزخ ونعيم القبر وعذابه وفتنته وسؤال الملكين وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ونؤمن بيوم القيامة الكبرى الذي يحيي الله فيه الموتى ويبعث العباد من قبورهم ثم يحاسبهم ، وبالنفخ في الصور وهي ثلاث نفخات : نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة البعث والنشور فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا تدنو منهم الشمس ومنهم من يلجمه العرق ، وأول من يبعث وتنشق عنه الأرض هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وتنشر صحف الأعمال فيكشف المخبوء ويظهر المستور ويحصل ما في الصدور ويكلم الله عباده ليس بينه وبينهم ترجمان ويدعى الناس بأسمائهم وأسماء آبائهم ، ونؤمن بالميزان الذي له كفتان توزن به أعمال العباد وأبدانهم وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره ، ويردون على حوض النبي صلى الله عليه وسلم ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وريحه أطيب من المسك وآنيته عدد نجوم السماء وطوله شهر وعرضه شهر من شرب منه لم يظمأ منه أبدا ويحرم منه من ابتدع في الدين ، والصراط منصوب على متن جهنم يتجاوزه الأبرار كل على حسب عمله ويزل عنه الفجار ، ثم من نجا من أهل الجنة يحبسون على قنطرة دون الجنة يتقاص أهل الإيمان بعضهم من بعض ثم كل يرى سبيله إما إلى جنة وإما إلى النار ، والجنة والنار مخلوقتان قبل الخلق لا تفنيان أبدا ، والموت يؤتى به يوم القيامة على صورة كبش بين الجنة والنار فيذبح فيصير الخلق في خلود لا فناء بعده ، ونؤمن بشفاعة نبينا وسائر النبيين والملائكة والشهداء والصديقين والصالحين ، ويخرج الله خلقا بغير شفاعة بفضله ورحمته.
السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره وهو الإعتقاد الجازم بأن كل خير وشر بقضاء الله وقدره وأن الله تعالى فعال لما يريد فكل شي بإرادته ولا يخرج عن مشيئته وتدبيره وعلم كل ما كان وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل وقدر المقادير للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضت حكمته وعلم أحوال عباده وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم ، وملخصه : هو ما سبق به العلم وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد قال تعالى (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ) وقال تعالى(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) ومراتب القدر أربعة لا يتحقق إيمان العبد إلا بها:
الأولى : العلم وهي الإيمان بأن الله عالم بكل ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون جملة وتفصيلا وأنه علم ما الخلق عاملون قبل خلقهم قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
الثانية : الكتابة وهي الإيمان بأن الله كتب ما سبق به علمه من مقادير المخلوقات في اللوح المحفوظ وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه من شي فكل ما جرى وما يجري إلى يوم القيامة مكتوب عنده في أم الكتاب قال تعالى (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ).
الثالثة : المشيئة وهي الإيمان بأن كل شي يجري في هذا الكون فهو بإرادة الله ومشيئته الدائرة بين الحكمة والرحمة لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فمشيئته نافذة وقدرته شاملة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لا يخرج عن إرادته شي قال تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا).
الرابعة : الخلق وهي الإيمان بأن الله خالق كل شي لا خالق غيره ولا رب سواه وأن كل ما سواه مخلوق فهو خالق كل عامل وعمله وكل متحرك وحركته قال تعالى (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) ، وأن كل ما يجري من خير وشر وكفر وإيمان وطاعة ومعصية شاء الله وقدره وخلقه ، وأنه يحب الإيمان والطاعة ويكره الكفر والمعصية.
والعباد لهم قدرة على أفعالهم واختيار وإرادة لما يصدر منهم من طاعة ومعصية لكن مشيئتهم وإرادتهم تابعة لمشيئة الله وإرادته خلافا للجبرية الذين يقولون إن العبد مجبر على أفعاله ليس له إختيار وللقدرية الذين يقولون إن العبد له إرادة مستقلة وأنه يخلق فعله وأن إرادته ومشيئته خارجة عن إرادة الله ومشيئته والحق ما عليه أهل السنة قال تعالى (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
السابعة: الإحسان من مراتب الدين وهو أخص من الإيمان والإسلام ، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه يشتمل على مقامين:
أحدهما: مقام المراقبة وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه وإطلاعه عليه وقربه منه ، فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص لله لأن استحضاره ذلك يمنعه من الإلتفات لغير الله.
الثاني: مقام المشاهدة وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدته لله بقلبه فيتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان ، وهذا هو حقيقة الإحسان ويتفاوت أهله فيه بحسب بصائرهم .
والإحسان يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم ويوجب أيضا النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها.

الثامنة: ينبغي على العبد أن يستحضر قرب الله ومعيته في العبادة وقد ورد الندب إلى ذلك في السنة الصحيحة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه أو ربه بينه وبين القبلة) متفق عليه ، وقال صلى الله عليه وسلم للذين يرفعون أصواتهم بالذكر (إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا) وفي رواية (وهو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) متفق عليه ، وقال بكر المزني "من مثلك يا بن آدم خلي بينك وبين المحراب والماء كلما شئت دخلت على الله عز وجل ليس بينك وبينه ترجمان" وقال مسلم بن يسار "ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل" وقال غزوان "إني أصبت راحة قلبي في مجالسة من لديه حاجتي" ، وخطب عروة ابن الزبير إلى ابن عمر ابنته وهما في الطواف فلم يجبه ثم لقيه بعد ذلك فاعتذر إليه وقال " كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا" ، ومن وصل إلى هذه الحالة في عبادته إستأنس بالله وفرح بلقاءه وانشغل قلبه بذكره واستغنى عن غيره .
التاسعة: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يعلم وقت حدوث الساعة وهو مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحد ففي صحيح البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله ) ثم قرأ هذه الآية (إن الله عنده علم الساعة) الآية. وقد ذكر في هذا الحديث علامتين من علامات الساعة وكلتاهما وقعت :
الأولى: " أن تلد الأمة ربتها " والمراد سيدتها ومالكتها ، وفسر ذلك بأحد معنيين:
(1) أن يكثر جلب الرقيق حتى تجلب البنت فتعتق ثم تجلب الأم فتشتريها البنت وتستخدمها جاهلة بأنها أمها وقد وقع هذا في الإسلام ، وفيه كناية إلى انتشار الإسلام وكثرة الفتوح وجلب الرقيق.
(2) وقيل يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من حيث السب والضرب والإستخدام والإستهانة.
الثانية: "أن ترى الحفاة العراة العالة 00" والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤسائهم وتكثر أموالهم حتى يتباهوا بطول البنيان وزخرفته وفي ذلك انقلاب الموازين وفساد نظام الدين والدنيا ، فقد أخرج أحمد من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( بين يدي الساعة سنون خداعة يتهم فيها الأمين ويؤتمن فيها المتهم وينطق فيها الروبيضة قالوا وما الروبيضة قال السفيه ينطق في أمر العامة ).
العاشرة: في الحديث إشارة إلى كراهة ما لا تدعو الحاجة إليه من رفع البناء وتزويقه وغيره من فضول المباح في كل شيء ، ولم يكن إطالة البنيان معروفا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بل كان بنيانهم على قدر الحاجة ، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله عليه وسلم قال ( لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان ) ، وكلما ابتعد الناس عن هدي النبي وروح الإسلام حصل منهم توسع في المعمار ومبالغة في زخرفة المباني وبذل الأموال العظيمة في سفاسف الأمور ، ولا يؤجر العبد على شيء من ذلك كما روي في سنن ابن ماجه (‏كل نفقة العبد يؤجر عليها إلا ما أنفقه في الماء والطين‏).

2- حديث ابْنِ عَبّاس قَالَ إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمّا أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنِ الْقَوْمُ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ قَالُوا: رَبِيعَةَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ أَوْ بِالْوَفْدِ غَيْرَ خَزايا وَلاَ نَدَامَى فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ في الشَّهْرِ الْحَرامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذا الْحَيُّ مِنْ كُفّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنا وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الإِيمانُ بِاللهِ وَحْدَهُ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهادَةُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقامُ الصَّلاةِ وَإِيتاءُ الزَّكاةِ وَصِيامُ رَمَضَانَ وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمغنَمِ الْخُمُسَ وَنَهاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ وَرُبَّما قَالَ المُقَيَّرِ وَقالَ: احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَراءَكُمْ) متفق عليه.

الشرح:
في هذه الأحاديث جواز التحية بغير السلام بكلام لا محظور فيه ولا تشبه بالكفار وليس على الدوام والسنة المداومة على تحية السلام فإن تركها أحيانا وحيا بغيرها جاز ذلك. وفيها نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الإنتباذ في الحنتم والدباء والنقير والمزفت وهي أوعية مشهورة مصنوعة من غير الجلد كانت العرب تنتبذ بها و تستعملها في صناعة الخمر لأن النبيذ فيها تتخمر أسرع من غيرها ، ونهيه عنها من باب سد الذرائع لأن العرب كانت متعلقة بالخمر قريبة العهد به ولذلك حرص الشارع على قطع جميع الطرق والوسائل المفضية لشرب الخمر ثم لما ذلت نفوسهم بالإسلام واطمأنت بتحريم الخمر رخص فيها النبي صلى الله عليه وسلم آخر الأمرين. وفيها مشروعية الدعوة إلى الله والحرص عليها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بحفظ العلم وتبليغه من ورائهم ممن غاب عن سماع العلم وقد وردت نصوص كثيرة تدل على فضل الدعوة وأنها من أجل الطاعات وأنفع الأعمال المتعدية وهي من أعظم وسائل نشر الدين. وفيها أنه ينبغي على الداعية أن يكون عارفا بأحوال المدعويين مطلع على عقائدهم ومعارفهم وثقافتهم فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر معاذا بأن أهل اليمن أهل كتاب فهم أهل علم وشبهة ليتهيأ معاذ ويستعد لدعوتهم ويكون على معرفة بحالهم وهذا أصل عظيم في الدعوة فالمدعوون تختلف أحوالهم وكل قوم يمتازون بمبادئ عن غيرهم فقد يكونوا من أهل الشبهات وقد يكونوا من أهل الشهوات وقد يكونوا لا دين لهم وقد يكونوا وثنيين أو أهل كتاب أو ينتسبون للإسلام وهم أهل شرك أو يكونوا أهل بدعة وتقليد مذموم فينبغي على الداعية مراعاة هذا الأصل. وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد معاذا إلى ابتدائهم بالدعوة إلى التوحيد وأصل الدين وفي هذا إشارة إلى أهمية الدعوة إلى العقيدة قبل كل شيء والاعتناء بها ولهذا ينبغي على الداعية أن يركز في دعوته دائما على التوحيد وأن يكثر من تكراره ولا تقتصر دعوته على فضائل الأعمال وبعض الشعائر وقضايا العصر ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كثيرا ما يدعون إلى تحقيق التوحيد وتنقيته من الشرك والشوائب وتعبيد الناس لربهم وإخلاص العمل والتعلق بالله. وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد معاذا إلى دعوتهم إلى الإسلام شيئا فشيئا وليس دفعة واحدة وفي هذا بيان لأصل مهم في دعوة الكافر وهو التدرج في دعوته لئلا ينفر من فعل جميع شرائع الإسلام فيدعى إلى أصل الدين فإن أقر به وانقاد له دعي إلى الصلاة ثم الزكاة وسائر الشرائع ثم دعي إلى ترك الفواحش والمحرمات وهكذا يتدرج معه في دعوته حتى لا يثقل عليه لأول وهلة فينفر ويرتد على عقبيه وهذا الحكم فيمن كان متثاقلا في قبول الحق أما من كان طالبا للحق راغبا في الإسلام من تلقاء نفسه وعنده عزيمة ولا يخشى من نفوره فهذا يخاطب بجميع الدين ولا يتدرج معه ومرجع ذلك إلى اجتهاد الداعية ومعرفته بحاله. وفيها خطر الظلم على صاحبه وأن الله جعل دعوة المظلوم مستجابة على من ظلمه لما له من الحق ولو كان كافرا لأن الله حرم الظلم على نفسه وأوجب العدل بين عباده وهذا يوجب للمسلم الخوف الشديد من ظلم الناس في أموالهم وحقوقهم وقد وردت قصص وأحوال عجيبة عن السلف في استجابة دعوة المظلوم.

3-عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الأيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الأيمان " رواه البخاري ومسلم, وسر كون الحياء من الأيمان أن كلا منهما داع إلى الخير صارف عن الشر مُبعد عنه, فالأيمان يبعث المؤمن على فعل الطاعات وترك المعاصي, والحياء يمنع صاحبه من التقصير في الشكر للمنعم ومن التفريط في حق ذي الحق كما يمنع الحيي من فعل القبيح أو قواه اتقاء للزم والملامة, ومن هنا كان الحياء خيراًَ, ولا يأتي إلا بخير كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله " الحياء لا يأتي إلا بخير " رواه البخاري ومسلم عن عمران بن حصين.

4-سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٧٣ الى ١٧٤]

الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)

تفسير البغوي

 

الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ وَمَحَلُّ الَّذِينَ خَفْضٌ أَيْضًا مَرْدُودٌ عَلَى [قوله] [١] الَّذِينَ الْأَوَّلِ وَأَرَادَ بِالنَّاسِ: نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ [النساء: ٥٤] يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ: أَرَادَ بِالنَّاسِ الرَّكْبَ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ، يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ، فَاخْشَوْهُمْ، فَخَافُوهُمْ وَاحْذَرُوهُمْ، فَإِنَّهُ لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِمْ، فَزادَهُمْ إِيماناً تصديقا [وقوة] [٢] ويقينا وقوله: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أَيْ: كَافِينَا اللَّهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، أَيِ: الْمَوْكُولُ [٣] إِلَيْهِ الْأُمُورُ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.

«٤٩٥» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ [٤] بْنُ يُونُسَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم حين قَالَ لَهُمُ النَّاسُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

فَانْقَلَبُوا، فَانْصَرَفُوا، بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ بِعَافِيَةٍ لَمْ يَلْقَوْا عَدُوًّا وَفَضْلٍ تِجَارَةٍ وَرِبْحٍ وَهُوَ مَا أَصَابُوا فِي السُّوقِ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ لم يُصِبْهُمْ أَذًى وَلَا مَكْرُوهٌ، وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: هَلْ يَكُونُ هَذَا غَزْوًا؟ فَأَعْطَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الْغَزْوِ وَرَضِيَ عَنْهُمْ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ.

 

تفسير السعدي

{١٧٢ - ١٧٥} {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌالَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّالنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} .

لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من "أحد" إلى المدينة، وسمع أن أبا سفيان ومن معه من المشركين قد هموا بالرجوع إلى المدينة، ندب أصحابه إلى الخروج، فخرجوا -على ما بهم من الجراح- استجابة لله ولرسوله، وطاعة لله ولرسوله، فوصلوا إلى "حمراء الأسد" وجاءهم من جاءهم وقال لهم: {إن الناس قد جمعوا لكم} وهموا باستئصالكم، تخويفا لهم وترهيبا، فلم يزدهم ذلك إلا إيمانا بالله واتكالا عليه.

{وقالوا حسبنا الله} أي: كافينا كل ما أهمنا {ونعم الوكيل} المفوض إليه تدبير عباده، والقائم بمصالحهم.

{فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } .

{فانقلبوا} أي: رجعوا {بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء} .

وجاء الخبر المشركين أن الرسول وأصحابه قد خرجوا إليكم، وندم من تخلف منهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم، واستمروا راجعين إلى مكة، ورجع المؤمنون بنعمة من الله وفضل، حيث مَنَّ عليهم بالتوفيق للخروج بهذه الحالة والاتكال على ربهم، ثم إنه قد كتب لهم أجر غزاة تامة، فبسبب إحسانهم بطاعة ربهم، وتقواهم عن معصيته، لهم أجر عظيم، وهذا فضل الله عليهم

5-وقال صلى الله عليه وسلم : [ لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ] ( متفق عليه ) ، وقال عليه الصلاة والسلام : [ إذا زنى العبد خرج منه الإيمان وكان كالظلة ، فإذا انقلع منها رجع إليه الإيمان ] ( قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي ) .

صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) اختلفوا هل يسمى الفاعل ناقص الإيمان أو يسلب عنه اسم الإيمان ويسمى مسلما روايتان في مذهب الإمام أحمد و هما قولان معروفان عند أهل السنة. والتحقيق أن مرتكب الكبيرة لا يزول عنه اسم الإيمان بالكلية بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته ناقص الإيمان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في عقيدته الواسطية: (ونقول هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الإيمان). أما من قال هو مسلم من السلف فليس مراده تكفيره وإنما أخذ بظاهر النصوص التي تنفي عنه وصف الإيمان فمخالفتهم يسيرة في الاسم لا يترتب عليها حكم.

ثانيا :

1-وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
احتجّ آدم وموسى ،
فقال له موسى : أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنّة .
قال له آدم : أنت الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه ، ثم تلومني على أمر قد قُـُدّر عليّ قبل أن أُخلق؟!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن سرد ما قاله النبييان الكريمان :
فحجّ آدم موسى مرتين . ( كان جوابه مفحماً )
تشوق الصحابة الكرام لمعرفة هذين الأمرين ، فاشرأبّت أعناقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشرفون الجواب الشافي
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
المرة الأولى : أن آدم وصف موسى وصفاً رائعاً ( اصطفاه الله برسالته وكلمه ) فما ينبغي له إلا كلام الأنبياء .
المرة الثانية : نبهه إلى أن الإنسان يُلام على شيء فعله بملء إرادته ، أما خطيئة آدم فقد قدّرها الله عليه قبل أن يُخلق ، فلا ذنب له في ذلك .
مشيناها خُطاً كُتبتْ علينا ومن كُتبت عليه خطاً مشاها
صحيح البخاري ج 4
كتاب بدء الخلق –باب وفاة موسى
وباب قوله تعالى : " وإن يونس لمن المرسلين "

2-عن ( علي ) رضي الله عنه قال ( كنا جلوسا مع ) النبي ومعه عود ينكت به في الأرض وقال ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة فقال رجل من القوم ألا نتكل يا رسول الله قال لا اعملوا فكل ميسر ثم قرأ فأما من أعطى واتقى
( الليل5 ) الآية

قوله جلوسا أي جالسينو قوله ومعه عود وفي رواية شعبة وبيده فجعل ينكت بها في الأرض فقال أن لكل أحد مقعدين فقال رجل ألا نتكل أي ألا نعتمد على ما قدره الله في الأزل ونترك العمل فقال لا إذ كل أحد ميسر لما خلق له وحاصله أن الواجب عليكم متابعة الشريعة لا تحقيق الحقيقة والظاهر لا يترك للباطن

3-عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سالت فسال الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لم اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وان اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف).رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية ( احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطأك واعلم أن النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وان مع العسر يسرى).
هذا الحديث أصل عظيم في تربية الصبيان وتوجيههم وكله يدور على تعلق القلب بالله والالتفات إليه وقطع الطمع والرجاء في ما عند الناس وتفويض الأمر إلى الله.
وفيه مسائل:
الأولى: في قول النبي صلى الله عليه وسلم:(احفظ الله ). الأمر بحفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه وحفظ ذلك يكون بالوقوف عند أوامره بالامتثال وعند نواهيه بالاجتناب وعند حدوده فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه إلا ما نهى عنه فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله في كتابه قال تعالى: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ). وقد جاءت النصوص بحفظ أمور مهمة والاعتناء بها فمن ذلك:
1-الطهارة: فإنها مفتاح الصلاة وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحافظ على الوضوء الا مؤمن). رواه احمد. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب على الوضوء لكل صلاة كما ثبت في السنة.
2-الصلاة: فقد أمر الله سبحانه بالمحافظة عليها في قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ). ومدح المحافظين عليها وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حافظ عليهن كن له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة). رواه أحمد.
3-الأيمان: أمر الله بحفظها كما في قوله تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُم) وكثيرا من الناس يكثر من الحلف لغير حاجة واذا حلف فلا يلتزم بما يجب فيها ومنهم من يحلف بالله كاذبا وقد ورد الوعيد في التساهل في ذلك.
4-الرأس والبطن: أمر الله بحفظهما كما في حديث عبدالله بن مسعود: ( الاستحياء حق الحياة أن تحفظ الرأس وماوعى وتحفظ البطن وما حوى). رواه احمد . وحفظ الرأس يتضمن حفظ السمع والبصر واللسان عن المحرمات وحفظ البطن يتضمن حفظ القلب عن المحرمات وحفظ البطن عن أكل الحرام وشهوة الرأس والبطن مهلكة لكثير من الخلق وقد تساهل الناس في أكل الحرام وورد في ذلك وعيد شديد.
5-اللسان والفرج: وهما من أعظم ما يجب حفظه عن المحرمات لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة). وقد أمر الله عزوجل بحفظ الفروج ومدح الحافظين لها فقال: (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ). وهذان العضوان من أعظم الأسباب التي تدخل النار وقد ورد وعيد شديد لمن فرط فيهما وإذا افتتن المرء فيهما أصيب في مقتل ولا يحافظ عليهما إلا الكمل من أهل الإيمان.
واستخفاف المؤمن في هذه الخصال يدل على ضعف إيمانه وقلة يقينه وطاعته للشيطان وحرصه عليها وصيانته لها يدل على كمال إيمانه وقوة يقينه وتحصنه من أولياء الشيطان.
الثانية: قوله: (يحفظك) مراده من حفظ حدود الله وراعى حدوده حفظه الله فإن الجزاء من جنس العمل كما قال تعالى: (وأوفوا بعهده) وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان:
الأول: حفظه في مصالح دنياه كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله قال الله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ). قال ابن عباس: (هم الملائكة يحفظونه بأمر الله فإذا جاء القدر خلو عنه). ومن حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره وضعفه ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله وكان العالم أبو الطيب الطبري قد جاوز المئة سنة وهو ممتع بقوته وعقله فوثب يوما وثبة شديدة فعوتب في ذلك فقال هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر. ومن حفظ الله للعبد حفظ ذريته بعد موته بصلاحه كما في قوله تعالى: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً) قال ابن عباس: (إنهما حفظا بصلاح أبيهما). وقال ابن المنكدر: (إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات التي حوله فما يزالون في حفظ من الله وستر). وعكس هذا من ضيع الله ضيعه الله فضاع بين خلقه حتى يدخل عليه الضرر من حيث كان يرجو نفعه من أهله كما قال بعض السلف: (إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خادمي ودابتي).
الثاني: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه فيحفظه في حياته من الشبهات ومن الشهوات المحرمة ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان ففي الصحيحين عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمره أن يقول عند منامه: (إن قبضت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين). والله يحول بين العبد وبين ما يفسد عليه دينه بأنواع من الحفظ وقد لا يشعر العبد بذلك وقد يكون كارها له كما قال في حق يوسف عليه السلام: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ). ولذلك ورد في المستدرك: (إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه الماء). فالعبد الصالح يحميه الله من فتنة الدنيا ووسائل الفتن ويغلق عليه أبواب الشر ويفتح عليه أبواب الخير كما قال ابن مسعود: (إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له فينظر الله إليه فيقول للملائكة اصرفوه عنه فإنه إن يسرته له أدخلته النار فيصرفه الله عنه فيظل يتطير يقول سبقني فلان دهاني فلان وما هو إلا فضل الله عز جل).
الثالثة: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله تجده تجاهك). دليل على إثبات معية الله لعبده فمن حفظ حدود الله وجد الله معه في كل أحواله حيث توجه يحوطه وينصره ويوفقه ويسدده كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُون).
والمعية الواردة في النصوص قسمان:
1-معية خاصة وهي المذكورة في قوله تعالى لموسى وهارون: (قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى). وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في الغار: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما لا تحزن إن الله معنا). متفق عليه. وهذه المعية تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة وهي خاصة بأولياء الله وأهل طاعته.
2- معية عامة وهي المذكورة في قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا). وهذه المعية تقتضي علمه واطلاعه ومراقبته لأعمال العباد فهي مقتضية لتخويف العباد وتحذيرهم وهي عامة للمؤمن والكافر والبر والفاجر.
الرابعة: في الحديث الأمر بسؤال الله وقد أمر الله بمسألته فقال: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِه). وسؤاله هو دعاؤه بالرغبة إليه والدعاء هو العبادة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث النعمان بن بشير وتلا قوله تعالى : (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم). رواه أحمد. والله يحب أن يسأله العبد ويكثر من سؤاله لما في ذلك من حسن الظن والتوكل به والتعلق به والمؤمن يسأل ربه في كل شيء حتى في سقط المتاع لما روي في الدعاء للطبراني: (ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعليه اذا انقطع).
وسؤال المخلوق قسمان:
الأول: محرم وهو طلب المخلوق في أمر لا يقدر عليه إلا الله وهو من الشرك الأكبر بالله تعالى المخرج من الملة قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا).
الثاني: جائز وهو طلب المخلوق عند الحاجة في أمر يقدر عليه من المال والمنفعة والجاه فهذا مباح للمؤمن ولا يقدح في التوحيد والتنزه عنه من كمال التوكل والاعتماد على الله كحال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقد ورد في السنة الصحيحة النهي عن مسألة المخلوقين وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئا وكان أحدهم يسقط سوطه فلا يسأل أحدا أن يناوله إياه. وإنما ورد النهي عن سؤال المخلوق لما فيه من إظهار التذلل والافتقار والمسكنة للمخلوق ولما يلحقه من المنة والمذلة وهذا المقام لا يصلح إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة ولأنه قادر على الضر والنفع كما قال تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ). فينبغي على المؤمن أن يفرد الله بالسؤال والاستعانة ويخلص توجهه إليه ليكون من أوليائه وأصفيائه ولا يلتفت قلبه للمخلوق العاجز المنان الشحيح بنعم الله.
الخامسة: في الحديث الأمر بإفراد الاستعانة بالله وحده دون ما سواه كما قال تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). والاستعانة هي طلب العون من الله بحيث يتوجه قلب العبد إلى الله قبل قيامه بالعمل وأثناء قيامه ولا تصلح الاستعانة إلا بالله لأنها عبادة قلبية محضة لا يحق صرفها لغير الله ولأن المعين حقيقة وقدرا وفعلا هو الله مالك زمام الأمور وخالق الأسباب ومسير العباد ومتصرف بنواصيهم أما الأسباب والوسائل فلا يصلح الاستعانة بها لأنها مخلوقة لا تملك نفعا ولا ضرا إلا بإذن الله وإن شاء أمضاها وإن شاء منعها. وللاستعانة بالله في القيام بأمور الدين والدنيا لها أثر عظيم في اجتماع القلب وتحقق العزيمة وكمال القدرة وتسيير الأمور وحصول التوفيق من الله. أما المشرك الذي يستعين بالجن والأولياء في قضاء الحاجات فقلبه مشتت في كل واد وهمه متفرق وسعيه باطل وعزمه واهن لأنه اعتمد على المخلوق العاجز الذي لا يملك صرف الضر عن نفسه فضلا عن غيره.
السادسة: قوله: (واعلم أن الأمة لم اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وان اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف). في هذا بيان لأصل عظيم من أصول الإيمان وهو الإيمان والتسليم وإقرار القلب بأن النفع والضر بيد الله يقدره للعبد حيث شاء وكيف شاء لا يستطيع أحد من المخلوقين أن يمنع حصول ذلك لأن كلمة الله نافذة على سائر الخلق وهذا يقتضي أن الخلق كلهم لا يملكون نفعا ولا ضرا للعبد إلا بإذن الله وتيسيره وتوفيقه فإذا أرادت الأمة بأسرها وعتادها أن ينفعوا أحدا لم ينفعوه إلا بشيء قدره الله له وإن أرادت الأمة بأسرها أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قدره الله عليه والله يحعل من شاء من خلقه سببا للخير والشر إذا وهذا يوجب للعبد أن يعلق قلبه بالله وحده لا شريك له لأنه المنعم حقا والأمر بيده ويسأله من فضله ولا يلتفت إلى المخلوق العاجز المنان
السابعة: في قوله: (رفعت الأقلام وجفت الصحف). دليل على تقدم كتابة المقادير كلها والفراغ منها من أمد بعيد وقد دل الكتاب والسنة على هذا المعنى قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ). وفي صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسن ألف سنة). وفي مسند أحمد عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول ما خلق الله القلم ثم قال اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة). وهذا يدل على أن كل ما يصيب العبد في الدنيا من خير وشر مقدر عليه ومكتوب في الكتاب السابق وليس للخلق شأن فيه.
الثامنة: في قوله: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك بالشدة). مراده أن العبد إذا اتقى الله وأقبل عليه بكليته وتعلق قلبه به واشتغل بطاعته في السعة والغنى والعافية صار بينه وبين ربه معرفة خاصة فعرفه ربه في الشدة وراعى تعرفه له في الرخاء فنجاه في الشدائد بهذه المعرفة لأن الجزاء من جنس العمل وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.

ثالثا:

1-يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (١٨٧)

تفسير البغوي

قوله تعالى: يسئلونك عن الساعة أيان مرساها، قال قتادة: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة؟ فأنزل الله تعالى [٢] : يسئلونك عن الساعة، يعني: القيامة [٣] ، أيان مرساها، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: منتهاها. وقال قتادة: قيامها. وأصله الثبات، أي: مثبتها، قل يا محمد إنما علمها عند ربي، استأثر بعلمها ولا يعلمها إلا هو، لا يجليها، لا يكشفها ولا يظهرها. وقال مجاهد: لا يأتي بها، لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض، يعني: ثقل علمها وخفي أمرها على أهل السموات والأرض، وكل خفي ثقيل. قال الحسن: يقول إذا جاءت ثقلت وعظمت على أهل السموات والأرض، لا تأتيكم إلا بغتة، فجأة على غفلة.

«٩٥٨» أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» . يسئلونك كأنك حفي عنها، [فيه تقديم وتأخير، أي: يسألونك عنها كأنك حفي بها] [٤] عالم بها من قولهم أحفيت المسألة، أي: بالغت في السؤال عنها حتى علمتها، قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون، أن علمها عند الله حتى [٥] سألوا محمدا صلى الله عليه وسلم عنها.

تفسير السعدي

{١٨٧، ١٨٨} {يسألونك عن الساعة أيانمرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قلإنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون} .

يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {يسألونك} أي: المكذبون لك، المتعنتون {عنالساعة أيان مرساها} أي: متى وقتها الذي تجيء به، ومتى تحل بالخلق؟

{قل إنما علمها عند ربي} أي: إنه تعالى مختص بعلمها، {لا يجليها لوقتها إلا هو} أي: لا يظهرها لوقتها الذي قدر أن تقوم فيه إلا هو.

{ثقلت في السماوات والأرض} أي: خفي علمها على أهل السماوات والأرض، واشتد أمرها أيضا عليهم، فهم من الساعة مشفقون.

{لا تأتيكم إلا بغتة} أي: فجأة من حيث لا تشعرون، لم يستعدوا لها، ولم يتهيأوا لقيامها.

{يسألونك كأنك حفي عنها} أي: هم حريصون على سؤالك عن الساعة، كأنك مستحف عنالسؤال عنها، ولم يعلموا أنك - لكمال علمك بربك، وما ينفع السؤال عنه - غير مبال بالسؤال عنها، ولا حريص على ذلك، فلم لا يقتدون بك، ويكفون عن الاستحفاء عن هذا السؤال الخالي من المصلحة المتعذر علمه، فإنه لا يعلمها نبي مرسل، ولا ملك مقرب.

وهي من الأمور التي أخفاها الله عن الخلق، لكمال حكمته وسعة علمه.

{قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون} فلذلك حرصوا على ما لا ينبغي الحرص عليه، وخصوصا مثل حال هؤلاء الذين يتركون السؤال عن الأهم، ويدعون ما يجب عليهم من العلم، ثم يذهبون إلى ما لا سبيل لأحد أن يدركه، ولا هم مطالبون بعلمه.

2-عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال ما تذاكرون قالوا نذكر الساعة قال إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم

قوله : صلى الله عليه وسلم في أشراط الساعة : ( لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال ) هذا الحديث يؤيد قول من قال إن الدخان دخان يأخذ بأنفاس الكفار ، ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام ، وأنه لم يأت بعد ، وإنما يكون قريبا من قيام الساعة ، وقد سبق في كتاب بدء الخلق قول من قال هذا ، وإنكار ابن مسعود عليه ، وأنه قال : إنما هو عبارة عما نال قريشا من القحط حتى كانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدخان ، وقد وافق ابن مسعود جماعة ، وقال بالقول الآخر حذيفة وابن عمر والحسن ، ورواه حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوما ، ويحتمل أنهما دخانان للجمع بين هذه الآثار . وأما الدابة المذكورة في هذا الحديث فهي المذكورة في قوله تعالى : وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض قال المفسرون : هي دابة عظيمة تخرج من صدع في الصفا . وعن ابن عمرو بن العاص أنها الجساسة المذكورة في حديث الدجال .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم ) وفي رواية ( نار تخرج من قعرة عدن ) هكذا هو في الأصول : ( قعرة ) بالهاء والقاف مضمومة ، ومعناه من أقصى قعر أرض عدن ، وعدن مدينة معروفة مشهورة باليمن . قال الماوردي : سميت عدنا من العدون ، وهي الإقامة ; لأن تبعا كان يحبس فيها أصحاب الجرائم ، وهذه النار الخارجة من قعر عدن واليمن هي الحاشرة للناس كما صرح به في الحديث .

3-قال صلى الله عليه وسلم : إن العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم . قال : يأتيه ملكان فيُقعدانه ، فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ قال : فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله ، قال : فيقال له انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة ، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : فيراهما جميعا . رواه البخاري ومسلم .

وقد تواترت الأخبار عن رسول الله في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً ، وسؤال الملكين ، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به ، ولا تتكلم في كيفيته ، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته ، لكونه لا عهد له به في هذا الدار ، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول ، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول . فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا ، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا . فالروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق ، متغايرة الأحكام : أحدها : تعلقها به في بطن الأم جنيناً . الثاني : تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض . الثالث : تعلقها به في حال النوم ، فلها به تعلق من وجه ، ومفارقة من وجه . الرابع : تعلقها به في البرزخ ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً بحيث لا يبقى لها إليه التفات البتة ، فإنه ورد ردها إليه وقت سلام المسلم ، وورد أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه . وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة . الخامس : تعلقها به يوم بعث الأجساد ، وهو أكمل أنواع تعلقها البدن ، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه ، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتاً ولا نوماً ولا فساداً ، فالنوم أخو الموت . فتأمل هذا يزح عنك إشكالات كثيرة .

وليس السؤال في القبر للروح وحدها ، كما قال ابن حزم وغيره ، وأفسد منه قول من قال : إنه للبدن بلا روح ! والأحاديث الصحيحة ترد القولين . وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعاً ، باتفاق أهل السنة والجماعة ، تنعم النفس وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به .

4-أولم ير الإنسان أنا خلقناه مننطفة فإذا هو خصيم مبين (٧٧) وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم (٧٨)

تفسير البغوي

فلا يحزنك قولهم، يعني قول كفار مكة في تكذيبك، إنا نعلم ما يسرون، في ضمائرهم من التكذيب، وما يعلنون، من عبادة الأصنام [٥] أو ما يعلنون بألسنتهم من الأذى. قوله تعالى: أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم، جدل بالباطل، مبين، بين الخصومة، يعني أنه مخلوق من نطفة ثم يخاصم، فكيف لا يتفكر في بدء خلقه حتى يدع الخصومة.

«١٧٩٢» نزلت في أبي بن خلف الجمحي خاصم النبي صلى الله عليه وسلم في إنكار البعث، وأتاه بعظم قد بلي ففتته بيده، فقال: أترى يحيي الله هذا بعد ما رم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم ويبعثك ويدخلك النار» ، فأنزل الله هذه الآيات.

وضرب لنا مثلا ونسي خلقه، بدأ أمره ثم، قال من يحي العظام وهي رميم، بالية، ولم يقل رميمة لأنه معدول عن فاعلة وكل ما كان معدولا عن وجهه ووزنه كان مصروفا عن إعرابه [٦] ، كقوله:

وما كانت أمك بغيا [مريم: ٢٨] ، أسقط الهاء لأنها كانت مصروفة عن باغية.

[سورة يس (٣٦) : الآيات ٧٩ الى ٨٣]

قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (٧٩) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (٨٠) أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (٨١) إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (٨٢) فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون (٨٣)

قل يحييها الذي أنشأها، خلقها، أول مرة وهو بكل خلق عليم.

الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا، قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لأحدهما: المرخ وللأخرى العفار، فمن أراد منهم النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء، فيسحق المرخ على العفار فيخرج منها النار بإذن الله عز وجل.

تقول العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، وقال الحكماء: في كل شجر نار إلا العناب. فإذا أنتم منه توقدون، تقدحون وتوقدون النار من ذلك الشجر، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان:

فقال: أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر، قرأ يعقوب يقدر بالياء على الفعل، على أن يخلق مثلهم بلى، أي: قل بلى هو قادر على ذلك، وهو الخلاق، يخلق خلقا بعد خلق، العليم بجميع ما خلق.

إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (٨٢) .

فسبحان الذي بيده ملكوت، أي ملك، كل شيء وإليه ترجعون.

تفسير لسعدي

{٧٧ - ٨٣} {أولم ير الإنسان أنا خلقناه مننطفة فإذا هو خصيم مبين * وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون * أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم * إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون * فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} .

هذه الآيات الكريمات، فيها [ذكر] شبهة منكري البعث، والجواب عنها بأتم جواب وأحسنه وأوضحه، فقال تعالى: {أولم ير الإنسان} المنكر للبعث والشاك فيه، أمرا يفيده اليقين التام بوقوعه، وهو ابتداء خلقه {من نطفة} ثم تنقله في الأطوار شيئا فشيئا، حتى كبر وشب، وتم عقله واستتب، {فإذا هو خصيم مبين} بعد أن كان ابتداء خلقه من نطفة، فلينظر التفاوت بين هاتين الحالتين، وليعلم أن الذي أنشأه منالعدم، قادر على أن يعيده بعد ما تفرق وتمزق، من باب أولى.

{وضرب لنا مثلا} لا ينبغي لأحد أن يضربه، وهو قياس قدرة الخالق بقدرة المخلوق، وأن الأمر المستبعد على قدرة المخلوق مستبعد على قدرة الخالق. فسر هذا المثل [بقوله] : {قال} ذلك الإنسان {من يحيي العظام وهي رميم} أي: هل أحد يحييها؟ استفهام إنكار، أي: لا أحد يحييها بعد ما بليت وتلاشت.

هذا وجه الشبهة والمثل، وهو أن هذا أمر في غاية البعد على ما يعهد من قدرة البشر، وهذا القول الذي صدر من هذا الإنسان غفلة منه، ونسيان لابتداء خلقه، فلو فطن لخلقه بعد أن لم يكن شيئا مذكورا فوجد عيانا، لم يضرب هذا المثل.

فأجاب تعالى عن هذا الاستبعاد بجواب شاف كاف، فقال: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} وهذا بمجرد تصوره، يعلم به علما يقينا لا شبهة فيه، أن الذي أنشأها أول مرة  [ص: ٧٠٠] قادر على الإعادة ثاني مرة، وهو أهون على القدرة إذا تصوره المتصور، {وهو بكل خلق عليم}

هذا أيضا دليل ثان من صفات الله تعالى، وهوأن علمه تعالى محيط بجميع مخلوقاته في جميع أحوالها، في جميع الأوقات، ويعلم ما تنقص الأرض من أجساد الأموات وما يبقى، ويعلم الغيب والشهادة، فإذا أقر العبد بهذا العلم العظيم، علم أنه أعظم وأجل من إحياء الله الموتى من قبورهم.

ثم ذكر دليلا ثالثا {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} فإذا أخرج [النار] اليابسة من الشجر الأخضر، الذي هوفي غاية الرطوبة، مع تضادهما وشدة تخالفهما، فإخراجه الموتى من قبورهم مثل ذلك.

ثم ذكر دليلا رابعا فقال: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض} على سعتهما وعظمهما {بقادر على أن يخلق مثلهم} أي: [أن] يعيدهم [بأعيانهم] . {بلى} قادر على ذلك، فإن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. {وهوالخلاق العليم} وهذا دليل خامس، فإنه تعالى الخلاق، الذي جميع المخلوقات، متقدمها ومتأخرها، صغيرها وكبيرها، كلها أثر من آثار خلقه وقدرته، وأنه لا يستعصي عليه مخلوق أراد خلقه.

فإعادته للأموات، فرد من أفراد [آثار] خلقه، ولهذا قال: {إنما أمره إذا أراد شيئا} نكرة في سياق الشرط، فتعم كل شيء. {أن يقول له كن فيكون} أي: في الحال من غير تمانع.

{فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} وهذا دليل سادس، فإنه تعالى هو الملك المالك لكل شيء، الذي جميع ما سكن في العالم العلوي والسفلي ملك له، وعبيد مسخرون ومدبرون، يتصرف فيهم بأقداره الحكمية، وأحكامه الشرعية، وأحكامه الجزائية.

فإعادته إياهم بعد موتهم، لينفذ فيهم حكم الجزاء، من تمام ملكه، ولهذا قال: {وإليه ترجعون} من غير امتراء ولا شك، لتواتر البراهين القاطعة والأدلة الساطعة على ذلك. فتبارك الذي جعل في كلامه الهدى والشفاء والنور.

5-وأن الساعة آتية لا ريبفيها وأن الله يبعث من في القبور (٧) 

تفسير السعدي 

{وأن الساعة آتية لا ريب فيها} فلا وجه لاستبعادها، {وأن الله يبعث من في القبور} فيجازيكم بأعمالكم حسنها وسيئها.

رابعا :

1-قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ((لكلِّ نبيّ دعوةٌ مستجابة، فتعجَّل كل نبيٍّ دعوته، وإِنِّي اختبأتُ دعوتي شفاعة لأُمَّتي يوم القيامة فهي نائلةٌ إِنْ شاء الله تعالى من مات من أُمَّتي لا يشرك بالله شيئاً))

2-ونضع الموازين القسط ليومالقيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (٤٧) 

تفسير  البغوي

ونضع الموازين القسط، أي ذوات القسطوالقسط العدل، ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا، أي: لا ينقص من ثواب حسناتها ولا يزاد على سيآتها، وفي الأخبار: إن الميزان له لسان وكفتان [٥] . روي أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان فأراه كل كفة [قدر] [٦] ما بين المشرق والمغرب، فغشي عليه، فلما أفاق قال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ قال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة [٧] ، وإن كان، الشيء، مثقال حبة، أي زنة مثقال حبة، من خردل، قرأ أهل المدينة (مثقال) برفع اللام هاهنا وفي سورة لقمان [١٦] ، يعني وإن وقع مثقال حبة من خردل، ونصبها الآخرون على معنى وإن كان ذلك الشيء مثقال حبة [أي زنة مثقال حبة] [٨] من خردل، أتينا بهاأحضرناها لنجازي بها.

وكفى بنا حاسبين، قال السدي: محصين، والحسب معناه: العدل، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: عالمين حافظين، لأن من حسب شيئا علمه وحفظه.

تفسير السعدي

{٤٧} {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} .

يخبر تعالى عن حكمه العدل، وقضائه القسطبين عباده إذا جمعهم في يوم القيامة، وأنه يضع لهم الموازين العادلة، التي يبين فيها مثاقيل الذر، الذي توزن بها الحسنات  [ص: ٥٢٥]والسيئات، {فلا تظلم نفس} مسلمة أو كافرة {شيئا} بأن تنقص من حسناتها، أو يزاد في سيئاتها.

{وإن كان مثقال حبة من خردل} التي هي أصغر الأشياء وأحقرها، من خير أو شر {أتينا بها} وأحضرناها، ليجازى بها صاحبها، كقوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}

وقالوا {يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا}

{وكفى بنا حاسبين} يعني بذلك نفسه الكريمة فكفى به حاسبا أي عالما بأعمال العباد حافظا لها مثبتا لها في الكتاب عالما بمقاديرها ومقادير ثوابها وعقابها واستحقاقها موصلا للعمال جزاءها.

3-عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا ، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ، فَأَقُولُ : إِنَّهُمْ مِنِّي ، فَيُقَالُ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ، فَأَقُولُ : سُحْقًا ، سُحْقًا ، لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي ) .

محمولة على أناس تشملهم معاني تلك الكلمات ، ويمكننا أن نجملهم بهذه الطوائف :
1. مرتدون عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا أسلموا في حياته ورأوه وهم على الإسلام .
2. مرتدون عن الإسلام في أواخر حياته صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن يعلم بكفرهم .
3. أهل النفاق ممن أظهر الإسلام ، وأبطن الكفر .
4. أهل الأهواء الذين غيَّروا سنَّة النبي صلى الله وسلم وهديه ، كالروافض ، والخوارج .
5. وبعض العلماء يُدخل فيهم : أهل الكبائر ، وله ما يؤيد من السنَّة ، فقد روى الإمام أحمد في مسنده ( 9 / 514 ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لَا يَفْعَلُونَ فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكِذْبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَنْ يَرِدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ) وصححه المحققون .
ولفظ " أمتي " في الأحاديث يصدق على أهل القول الرابع ، والخامس ، ولفظ " أصحابي " و " أصيحابي " على الأقوال الثلاثة الأوَل .
ومما يدل على أنهم من أمته صلى الله عليه وسلم : أنه عرفهم بالغرة والتحجيل ، وهي سيما خاصة بهذه الأمة ، ويكون تعرف النبي صلى الله عليهم وسلم هناك بصفاتهم ، لا بأعيانهم ؛ لأنهم جاءوا بعده .
ومما يدل على دخول المنافقين في اسم " أصحابي " : قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ) رواه البخاري ( 3518 ) ، وهذا معنى لغوي بحت للصحبة ، ليس أنهم استحقوا شرفها ؛ لأن تعريف الصحابي الاصطلاحي لا يصدق على هؤلاء .

4-حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم يدل على أن التبديل وهم على الصراط لكن البخاري لم يورده فلعله تركه لهذه العلة وغيرها؛ فإن سنده جيد.

أو يقال: تبدل الأرض قبل الصراط وعلى الصراط تبدل السموات. وأما قوله تعالى: { يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ } [104/21] فالطي غير التبديل، وقال تعالى: { وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } [67/39]، وفي الصحيحين: «أنه يطوي السموات، ثم يأخذهن بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أنا الجبار، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟»، وفي لفظ: «يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيده» وهو في أحاديث كثيرة.

فطي السموات لا ينافي أن يكون الخلق في موضعهم، وليس في شيء من الأحاديث أنهم يكونون عند الطي على الجسر كما روي ذلك وقد تبدل الأرض غير الأرض وإن كان في تلك الرواية ما فيها. والذي لا ريب فيه أنه لابد من تبديلها، وطيها.

ومذهب السلف إثبات الصفات لله كما جاءت، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل.

وفي يوم القيامة تبدل الجلود في النار، كما أخبر سبحانه وبحمده. فقيل: إنه تغير الجلود في الصفات لا في الذات فكلما تغيرت الصفات صار هذا غير هذا وإن كان الأصل واحدا، وهذا كما تمد الأرض وتكون السماء كالمهل، وكما يعاد خلق الإنسان ويبقى طوله ستون ذراعا ) .

5-عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ)) فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} فَقَالَ: ((لَيْسَ ذَاك الْحِسَابُ، إِنَّمَا ذَاك الْعَرْضُ، مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ))(8).
فتَمَسَّكَتْ عَائِشَةُ بِظَاهِرِ لَفْظِ الْحِسَابِ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، فبين لها النبي صلى الله عليه وسلم  أَنَّ الْحِسَابَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ أَنْ تُعْرَضَ أَعْمَالُ الْمُؤْمِنِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي سَتْرِهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي عَفْوِهِ عَنْهَا فِي الْآخِرَةِ.

6-وإن منكم إلاواردها كان على ربك حتما مقضيا (٧١)

تفسير البغوي

وإن منكم إلا واردها، أي وما منكم إلا واردها، وقيل: القسم فيه [١] مضمر أي والله ما منكم من أحد إلا واردها، والورود هو موافاة المكان، [واختلفوا في معنى الورود هنا] [٢] وفيما تنصرف إليه الكناية في قوله: واردها قال ابن عباس رضي الله عنه وهو قول الأكثرين معنى الورود هاهنا هو الدخول، والكناية راجعة إلى النار، وقالوا: النار يدخلها البر والفاجر، ثم ينجي الله المتقين، فيخرجهم منها، والدليل على أن الورود هو الدخول قول الله عز وجل حكاية عن فرعون: يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار [هود:

تفسير السعدي

{٧١ - ٧٢} {وإن منكم إلا واردها كان علىربك حتما مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} .

وهذا خطاب لسائر الخلائق، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، أنه ما منهم من أحد، إلا سيرد النار، حكما حتمه الله على نفسه، وأوعد به عباده، فلا بد من نفوذه، ولا محيد عن وقوعه.

واختلف في معنى الورود، فقيل: ورودها، حضورها للخلائق كلهم، حتى يحصل الانزعاج من كل أحد، ثم بعد، ينجي الله المتقين. وقيل: ورودها، دخولها، فتكون على المؤمنين  [ص: ٤٩٩] بردا وسلاما. وقيل: الورود، هو المرور علىالصراط، الذي هو على متن جهنم، فيمر الناس على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، وكالريح، وكأجاويد الخيل، وكأجاويد الركاب، ومنهم من يسعى، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يخطف فيلقى في النار، كل بحسب تقواه، ولهذا قال: {ثم ننجي الذين اتقوا} الله تعالى بفعل المأمور، واجتناب المحظور {ونذر الظالمين} أنفسهم بالكفر والمعاصي {فيها جثيا} وهذا بسبب ظلمهم وكفرهم، وجب لهم (١) الخلود، وحق عليهم العذاب، وتقطعت بهم الأسباب.

7-فأما الذين شقواففي النار لهم فيها زفير وشهيق (١٠٦)

تفسير البغوي

 

قوله: فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (١٠٦) ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وقال الضحاك ومقاتل: الزفير أول نهيق الحمار، والشهيق آخره إذا ردده في جوفه. وقال أبو العالية: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر.

[سورة هود (١١) : الآيات ١٠٧ الى ١٠٨]

خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (١٠٧) وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (١٠٨)

خالدين فيها، لابثين مقيمين فيها، ما دامت السماوات والأرض، قال الضحاك: ما دامت سموات الجنة والنار وأرضها، وكل ما علاك فأظلك فهو سماء، وكل ما استقرت عليه قدمك فهو أرض. وقال أهل المعاني: هذا عبارة عن التأييد على عادة العرب، يقولون: لا آتيك ما دامت السموات والأرض، ولا يكون كذا ما اختلف الليل والنهار، يعنون أبدا. قوله: إلا ما شاء ربك، اختلفوا فيهذين الاستثناءين، فقال بعضهم: الاستثناء في أهل الشقاء يرجع إلى قوم من الموحدين [١] يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها، ثم يخرجهم منها فيكون ذلك استثناء من غير الجنس، لأن الذين أخرجوا من النار سعداء ثم استثناهم الله من جملة الأشقياء، وهذا كما:

«١١٦٥» أخبرنا عبد الواحد بن أحمد [المليحي أنبأنا أحمد] [٢] بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا حفص بن عمر ثنا هشام عن قتادة عن أنس:

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليصيبن أقواما سفع من النار بذنوب أصابوها، عقوبة ثم يدخلهم [٣] الله الجنة بفضل رحمته، فيقال لهم الجهنميون» .

«١١٦٦» وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي قال: أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أخبرنا يحيى عن الحسن بن ذكوان أنبأنا أبو رجاء حدثني عمران بن حصين رضي الله عنه:

عن النبي صلى الله عليه وسلم [قال] [٤] : «يخرج قوم من النار بشفاعة محمد فيدخلون الجنة ويسمون الجهنميين» .

وأما الاستثناء في أهل السعادة فيرجع إلى مدة لبثهم في النار قبل دخول الجنة. وقيل: إلى ما شاء ربك من الفريقين من تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ ما بين الموت والبعث، قبل مصيرهم إلى الجنة أو النار، يعني: هم خالدون في الجنة أو النار إلى [٥] هذا المقدار. وقيل: معنى إلا ما شاء ربك [أي] سوى ما شاء ربك، معناه: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض سوى ما شاء الله من الزيادة على قدر مدة بقاء السموات والأرض، وذلك هو الخلود فيها، وكما تقول: لفلان علي ألف إلا الألفين [٦] ، أي: سوى الألفين اللتين تقدمتا. وقيل: إلا بمعنى الواو، أي: وقد شاء ربك خلود هؤلاءفي النار وهؤلاء في الجنة كقوله: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا [البقرة: ١٥٠] ، أي:

ولا الذين ظلموا. وقيل: معناه ولو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه لا يشاء لأنه حكم لهم بالخلود.

وقال الفراء: هذا استثناء [١] استثناه الله ولا يفعله كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك أن تضربه. إن ربك فعال لما يريد.

وأما الذين سعدوا، قرأ حمزة والكسائي وحفص سعدوا، بضم السين وكسر العين، أي:

رزقوا السعادة، وسعد وأسعد بمعنى واحد. وقرأ الآخرون بفتح السين قياسا على شقوا [هود: ١٠٦] .

ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك، قال الضحاك: إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة. قال قتادة: الله أعلم بثنياه. عطاء غير مجذوذ، أي: غير منقطع [٢] . قال ابن زيد:

أخبرنا الله تعالى بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: عطاء غير مجذوذ، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله. ومعناه عند أهل السنة إن ثبت: أن لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان. وأما مواضع الكفار فممتلئة أبدا.

تفسير السعدي

{يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود * وأتبعوا في هذه} أي في الدنيا {لعنة ويوم القيامة} أي يلعنهم الله وملائكته والناس أجمعون في الدنيا والآخرة

{بئس الرفد المرفود} أي بئس ما اجتمع لهم وترادف عليهم من عذاب الله ولعنة الدنيا والآخرة

ولما ذكر قصص هؤلاء الأمم مع رسلهم قال الله تعالى لرسوله {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك} لتنذر به ويكون آية على رسالتك وموعظة وذكرى للمؤمنين

{منها قائم} لم يتلف بل بقي من آثار ديارهم ما يدل عليهم {و} منها {حصيد} قد تهدمت مساكنهم واضمحلت منازلهم فلم يبق لها أثر

{وما ظلمناهم} بأخذهم بأنواع العقوبات {ولكن ظلموا أنفسهم} بالشرك والكفر والعناد

{فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك} وهكذا كل من التجأ إلى غير الله لم ينفعه ذلك عند نزول الشدائد

{وما زادوهم غير تتبيب} أي خسار ودمار بالضد مما خطر ببالهم

{١٠٢} {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} .

أي: يقصمهم بالعذاب ويبيدهم، ولا ينفعهم، ما كانوا يدعون، من دون الله من شيء.

{إن في ذلك} المذكور، من أخذه  [ص: ٣٩٠]للظالمين، بأنواع العقوبات، {لآية لمن خاف عذاب الآخرة} أي: لعبرة ودليلا على أن أهل الظلم والإجرام، لهم العقوبة الدنيوية، والعقوبة الأخروية، ثم انتقل من هذا، إلى وصف الآخرة فقال: {ذلك يوم مجموع له الناس} أي: جمعوا لأجل ذلك اليوم، للمجازاة، وليظهر لهم من عظمة الله وسلطانه وعدله العظيم، ما به يعرفونه حق المعرفة.

{وذلك يوم مشهود} أي: يشهده الله وملائكته، وجميع المخلوقين.

{وما نؤخره} أي: إتيان يوم القيامة {إلا لأجل معدود} إذا انقضى أجل الدنيا وما قدر الله فيها من الخلق، فحينئد ينقلهم إلى الدار الأخرى، ويجري عليهم أحكامه الجزائية، كما أجرى عليهم في الدنيا، أحكامه الشرعية.

{يوم يأت} ذلك اليوم، ويجتمع الخلق {لا تكلم نفس إلا بإذنه} حتى الأنبياء، والملائكة الكرام، لا يشفعون إلا بإذنه، {فمنهم} أي: الخلق {شقي وسعيد} فالأشقياء، هم الذين كفروا بالله، وكذبوا رسله، وعصوا أمره، والسعداء، هم: المؤمنون المتقون.

وأما جزاؤهم {فأما الذين شقوا} أي: حصلت لهم الشقاوة، والخزي والفضيحة، {ففي النار} منغمسون في عذابها، مشتد عليهم عقابها، {لهم فيها} من شدة ما هم فيه {زفير وشهيق} وهو أشنع الأصوات وأقبحها.

{خالدين فيها} أي: في النار، التي هذا عذابها {ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك} أي: خالدين فيها أبدا، إلا المدة التي شاء الله، أن لا يكونوا فيها، وذلك قبل دخولها، كما قاله جمهور المفسرين، فالاستثناء على هذا، راجع إلى ما قبل دخولها، فهم خالدون فيها جميع الأزمان، سوى الزمن الذي قبل الدخول فيها.

{إن ربك فعال لما يريد} فكل ما أراد فعله واقتضته حكمته فعله، تبارك وتعالى، لا يرده أحد عن مراده.

{وأما الذين سعدوا} أي: حصلت لهم السعادة، والفلاح، والفوز {ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك} ثم أكد ذلك بقوله: {عطاء غير مجذوذ} أي: ما أعطاهم الله من النعيم المقيم، واللذة العالية، فإنه دائم مستمر، غير منقطع بوقت من الأوقات، نسأل الله الكريم من فضله.

 

 

 

جار التحميل