جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

العقيدة 217


- 2017/07/20

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

منهج العقيدة    217

 

النبوات

 

 

إعداد /  د  أسماء محمد توفيق بركات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإيمان بالرسالة والرسل عليهم الصلاة والسلام

 

 

 

أولا / أهمية الرسالة

 

 

       اقتضت حكمة المولى تعالى وعظيم منته ؛ أن يختص بفضله من يشاء من عباده؛ ليتم بذلك أداء رسالة التبليغ , والتي بها يخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر إلى نور اليقين والإيمان , فالرسالة نعمة سابغة بها يتأتى الرضى بالله ربا وبشرعه دينا , قال تعالى : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(آل عمران:31)

 

     ومن هنا علمت الضرورة الملحة إلى إرسال الرسل , والاقتداء بهديهم , فـ" بمتابعتهم يتميز أهل الهدى من الضلال , فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه , والعين إلى نورها , والروح إلى حياتها ".[1]

 

     وقال : {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} النحل:36) , يقول الإمام السعدي رحمه الله : " يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم, وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة , إلا وبعث الله فيها رسولا , وكلهم متفقون على دعوة واحدة , ودين واحد , وهو عبادة الله وحده لا شريك له "[2]

 

     وقال : {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد:25) ,

     يقول الإمام ابن كثير رحمه الله : " أي بالحق والعدل , وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به , وطاعتهم فيما أمروا به , فإن الذي جاءوا به هو الحق , كما قال تعالى : {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (الأنعام:115) , أي صدقاً في الأخبار , وعدلاً في الأوامر والنواهي , ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوأوا غرف الجنات ,: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ}( الأعراف:43) "[3]

 

ثانيا / حقيقة الرسالة

 

       ولما كانت للرسالة هذه المنزلة العظيمة ؛ بحيث تعلق بها المقصد الأسمى والغاية العظمى من إيجاد الثقلين الجن والأنس , وأنيط بها تحقيق العدل الذي قامت به السموات والأرض ؛ تولى المولى تعالى اختيار من هو أهل للقيام بأداء واجباتها من البشر , قد اصطفاهم ربنا تعالى لعلمه الذي وسع كل شيء , قال تعالى : {وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ}( ص:47)

 

وكان القول بأن النبوة محض اصطفاء من الله هو المعتمد عند سلف الأمة , خلافا لمن ادعى غير ذلك من الفلاسفة وغيرهم , يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله : " النبوة نعمة يمن الله بها على من يشاء , ولا يبلغها أحد بعلمه ولا كشفه, ولا يستحقها باستعداد ولايته , ومعناها الحقيقي شرعا : من حصلت له النبوة . وليست راجعة إلى جسم النبي ولا إلى عرض من أعراضه , بل ولا إلى علمه يكون نبيا , بل المرجع إلى إعلام الله له بأني نبأتك , أو جعلتك نبيا ".[4]

 

       وهذا الاصطفاء إنما يتأتى وفق حكمة الله تعالى وعلمه بخلقه .

 

      يقول شيخ الإسلام في بيان هذا الأصل عند أهل السنة : " وإذا عرفت حكمة الرب وعدله ؛ تبين أنه إنما يرسل من اصطفاه لرسالته واختاره له , كما قال تعالى : { اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }( الحج :75) "[5]

 

       وقال : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (آل عمران:164).

 

       وكان هذا الاعتقاد مبني على تعظيم الأنبياء والنبوة ؛ فالقول بخلافه يقلل من شأنهم , ويطعن في تمام منزلتهم , وما يترتب على ذلك من الاتباع المأمور به نحوهم , وكان هذا المعلم البارز في حقيقة النبوة من أهم ما يميزها عن باقي الأحوال البشرية التي يحصل بها خوارق العادات , يقول شيخ الإسلام : " فالنبوة لا تنال بكسب العبيد ولا آياتها تحصل بكسب العباد , وهذا من الفروق بين آيات الأنبياء وبين السحر والكهانة "[6]

 

 

 

ثالثا / أهمية الإيمان بالرسل صلوات الله عليهم

 

        الإيمان بالرسل صلوات الله عليهم ركنا عظيما من أركان الإيمان ؛ لا يقبل الله تعالى بدونه من أحد صرفاً ولا عدلاً , وأتى الأمر بذلك مؤكداً موثقاً بعدم التفريق في الإيمان بين أحد منهم , قال تعالى : {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}(البقرة:285)

 

 

رابعا / كيفية الإيمان بالرسل صلوات الله عليهم

 

 

 

   يجب الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام, وذلك لاتفاقهم في تحقق الرسالة لهم جميعا , ومع ذلك فإنه يفصل في كيفية الإيمان بهم ؛ تماما كصفة الإيمان بالكتب والملائكة , فثبوت مبدأ الإيمان في حقهم جميعا يقضي بعدم التفريق بينهم , لأن الكفر بواحد منهم يعني الكفر بالجميع ؛ فالكل رسل من عند المولى تعالى , قد ثبتت أدلة نبوتهم بالدليل القاطع الذي لا يمكن رده أو تأويله .

 

      أما ما يقتضيه الإيمان بهم أو ما يستلزمه هو ما يصح فيه التفصيل والبيان , فليس الإيمان بالرسل السابقين كالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ وذلك لأن الله تبارك وتعالى إنما تعبدنا بالاقتداء به في مباني العبادات دون غيره من الرسل ؛ حيث كانت شريعته ناسخة لما قبلها من الشرائع المنزلة على الأنبياء من قبل.

 

وهذا جانب عملي عظيم ينبني على أساس الإيمان بالتفاضل. بانتظام كافة الحقوق العملية للجناب النبوي المحمدي.

 

      ولهذا أصل من جهة الاعتقاد والتصديق, فليس اتفاقهم في الرسالة يعني تساويهم في الرتبة من حيث الأفضلية , فلابد من اعتقاد أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو خير الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم , ويليه أولو العزم من الرسل , وفي مقدمتهم الخليل إبراهيم عليه السلام , وبعد ذلك سائر الرسل والأنبياء صلى الله عليهم وسلم :

 

       قال تعالى : {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} البقرة:253)

 

 

****

       وفي الإجابة على الإشكال الذي قد يرد من نهي المصطفى عليه الصلاة والسلام في قوله : (لا تخيروني على موسى)[7]

 

     وقوله : (ولا تفضلوا بين الأنبياء)[8] فمعناه لا تخيروني تخييراً يقتضي نقص موسى عن مرتبته , كأن تقولوا مثلا : محمد نبي ورسول وحبيب وخليل دون موسى .

       أما قوله : (لا تفضلوني على يونس بن متى)[9] , فقيل معناه : لا تعتقدوا أني أقرب إلى الله في الحس منه , حيث ناجيت ربي فوق السموات السبع , وناجى ربه في بطن الحوت " [10]

 

       ويعضد قوله بأفضلية المصطفى صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق , بذكر صفاته الجامعة لمكارم أخلاق الأنبياء عليهم جميعا عليهم الصلاة والسلام , وذلك عند قوله تعالى : {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (الأنعام:90) , يقول موجهاً هذا الاستدلال : " وبيانه أن جميع خصال الكمال وصفات الشرف كانت متفرقة فيهم , فكان نوح صاحب احتمال أذى على قومه , وإبراهيم صاحب كرم وبذل ومجاهدة في سبيل الله عز وجل , واسحق ويعقوب وأيوب أصحاب صبر على البلاء والمحن, وداود وسليمان أصحاب شكر على النعم , ويوسف جمع بين الصبر والشكر , وموسى صاحب الشريعة الظاهرة والمعجزات الباهرة , وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في الدنيا , وإسماعيل صاحب صدق لوعد , ويونس صاحب تضرع وإخبات , ثم إن الله أمر نبيه أن يقتدي بهم في جميع تلك الخصال المحمودة المتفرقة فيهم , فثبت بهذا أنه أفضل الأنبياء لما اجتمع فيه من هذه الخصال والله أعلم " [11] .

 

مواقف الأتباع

     

    وقف أتباع الأنبياء عليهم الصلات والسلام أمام ذلك الصرح الإيماني العظيم , موقفاً يتغاير بين الإفراط والتفريط , بين الغلو والتقصير , والقليل هم الذين التزموا منهج الوسطية , الذي يمثل صورة الاعتدال المأمور بها في الإيمان بهم , صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين , فالإيمان بأنهم رسل من عند الله تعالى , قد اصطفاهم المولى تبارك وتعالى , وخصهم بالعصمة , وما انبنى عليها من وجوب الاتباع التام, حمل البعض من ضعاف البصيرة على الغلو في شأنهم ؛ حتى رفعوهم عن مرتبة البشر

    ولعل النصارى ومن شابههم من غلاة الصوفية , هم من مثلوا هذا الاتجاه المنحرف , والذي دفعهم إلى الوقوع في الشرك عند نهاية المطاف , قال تعالى مخبراً عن هذه الحقيقة : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً}(النساء:171)

 

       أما الذين مثلوا صورة التقصير المخل فهم اليهود لعائن الله عليهم , حيث كذبوا الرسل صلوات ربي وسلامه عليهم , حتى حملهم ذلك التكذيب والعداء على أن قاموا بقتلهم أو رميهم بأنواع التهم والقبائح والفواحش التي يترفع عنها أوساط الناس وأشرافهم (1), وهذا ما حدثتنا به آيات الكتاب العظيم , قال تعالى : {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً }(النساء:155).

  

     ولكل ما تقدم صار إيمان كثير ممن اتبعوا الأنبياء مشوبا بالنواقض القادحة في أصله , وفي هذا يقول الإمام الشوكاني عند تفسير قوله تعالى : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) : " الغلو : هو التجاوز في الحد , ومنه غلا السعر يغلو غلاءً ، وغلا الرجل في الأمر غلواً ، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها , والمراد بالآية نهيهم عن الإفراط تارة , والتفريط أخرى ، فمن الإفراط غلو النصارى في عيسى ؛ حتى جعلوه ربا ً، ومن التفريط غلو اليهود فيه عليه السلام ؛ حتى جعلوه لغير رشدة "[12].

 

       لذا أتى نهي النبي شديدا عن الاقتداء بأهل الكتاب ؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام : (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)

 

        فكان منهج التوسط والاعتدال هو خير الأمور , فالإيمان بهم وطاعتهم لا يخرج بالعبد عن اعتقاد بشريتهم , وأنهم رسل من عند الله ؛ طاعتهم لطاعة الله , ومحبتهم لمحبته , كما قال  تعالى : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم

 

مفهوم النبوة والرسالة

 

 

       أولا / تعريف النبوة والرسالة في اللغة

 

 

       تعرف النبوة في اللغة بأنها مشتقة من النبأ ؛ فيكون معناها الإخبار , قال تعالى         : {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ. عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ}(عم:1ـ2)

 

       كما تشتق من النبوة بمعنى الارتفاع ؛ فيكون معناها العلو والمكانة الرفيعة[13]

       وكل هذه المعاني مما يصح إرادتها في حق النبي ؛ فالنبي مخبر من المولى تبارك وتعالى , وهو ذو مكانة ورفعة , ويحصل بطريقته الاهتداء لأمر الله تعالى.

 

       أما الرسول لغة فمشتق من الإرسال , ويقصد به التوجيه والبعث[14] , قال تعالى في قصة ملكة سبأ : {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ}( النمل:35).

 

       وقد أطلق هذا المسمى على الرسل ؛ لأنهم موجهون من عند الله تعالى لهداية الناس , ودلالتهم على مسالك الخير .

 

 

ثانيا / تعريف النبوة والرسالة في الاصطلاح

 

 

      في تحديد المصطلح الشرعي لكل منهما للعلماء في ذلك أقوال متعددة , يرجع بيانها إلى تحديد العلاقة بين الرسول والنبي /

 

المذهب الأول

 

ـ  هناك من نفى وجود أي فارق بين النبي والرسول, وبالتالي فقد جعل التعدد في المسمى إما بالنبي أو الرسول  ليس من قبيل تغاير الذوات , وإنما من قبيل تعدد الأوصاف التي تقضي بتعدد الأسماء الدالة عليها , وبالتالي فتكون العلاقة بينهما هي التغاير في المفهوم , والاتحاد فيما صدق , فالنبي هو وصف من اصطفاه المولى للقيام بمهمة الرسالة بما يؤهله لها , حيث نبئ بالوحي ؛ فهو مأمور بإبلاغه لذلك .

       أما الرسول فهو وصف لذلك المصطفى بمقتضى المهمة التي كلف بها , وهي القيام بشؤون الإبلاغ وتكاليف الرسالة .

 

       وعليه فإن العطف الذي ورد في قوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} (الحج:52) ليس فيه دلالة على التباين بين المعطوف والمعطوف عليه , لأن التغاير مع التسليم بثبوته عند العطف لا يقضي بانتفاء العلاقة بينهما , فقد ينصرف إلى تغاير الصفات دون الذوات , فيفرق بين مطلق المغايرة والمغايرة المطلقة ؛ لأن لفظ التغاير إذا أطلق يحتمل كلا المعنيين , وهذا معروف في أدلة الشرع , كقوله تعالى : {أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ ولا نذير} (المائدة:19), فإنه ليس لأحد أن يحتج لمخالفة شخص النذير للبشير ؛ بوجود العطف الذي يقضي بالتغاير ؛ لأن التغاير كما سبق وأن أشرت لفظ مجمل يصدق فيه أدنى تغاير , ولو من جهة الأوصاف.[15]

 

الحكم على هذا المذهب

 

      وهذا القول الذي يقرر ترادفهما , مما ذكره القاضي عياض[16]عند عرضه للأقوال في هذه المسألة , وحكم بضعفه لمخالفته ما عليه عامة أهل العلم من وجود الفرق بينهما.

 

 

المذهب الثاني

 

      وهناك من جعل العلاقة بينهما عموما وخصوصا مطلقا ؛ فكل رسول نبي , وليس كل نبي رسولا ؛ فكان بذلك عدد الأنبياء أكثر من الرسول , وقد استدلوا لهذا بالحديث الشريف الذي أخبر فيه النبي أن عدة : (مائة ألف وأربعمائة وعشرون ألفا , والرسل من ذلك ثلاث مائة وخمسة عشر , جما غفيرا)[17]

 

       وكذلك استدلوا بالعطف الذي يدل على التغاير الوارد في قوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ }.

 

       وفي مفهوم هذا التغاير الذي ميز الرسول عن النبي فقلت له أعداد الرسل تعددت أقوال هذه الطائفة من العلماء :

 

الرأي الأول

 

       ـ فمنهم من ذهب إلى أن الرسول هو من أرسل بشرع جديد , أما النبي فهو الذي أرسل بشرع من قبله.

 

الحكم على هذا الرأي

  

     اعترض عليه بأن بعضا من الرسل كانوا على شريعة من قبلهم كـ داود وسليمان ؛ فقد كانا على شريعة التوراة , وكذلك يوسف فقد كان على شريعة إبراهيم عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم , قال تعالى : {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً}( النساء:163)

 

 الرأي الثاني

  

 ومنهم من ذهب إلى أن الرسول هو من أمر بالتبليغ , حيث وصف بالإرسال, الذي يدل على هذا المعنى, أما النبي فهو من لم يؤمر بالتبليغ ؛ حيث انتفى عنه التكليف لانعدام الوصف بالإرسال[18]

 

       وهذا المذهب لم يسلم من اعتراضات أوردها العلماء عليه ؛ وذلك لمخالفته صريح النص الدال على أن النبي والرسول كلاهما قد توجه إليه الإرسال , الذي يقضي بالتبليغ , قال تعالى :{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} (الحج:52)

 

 

      

الحكم على هذا الرأي

 

   القول أن الرسول هو من أوحي إليه بشرع جديد وأمر بتبليغه , وأن النبي من لم يؤمر بتبليغه , فدلالة النصوص صريحة في رده, وذلك أن منها ما يدل صراحة على أن الأنبياء كانت لهم مشاركة واسعة في ميادين التبليغ , وعلى رأسها الجهاد في سبيل الله تعالى , قال تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (البقرة:246). وغيره من ميادين التبليغ , كالحكم وإعمال شريعة الله تعالى بين الناس , يقول في كتابه الكريم : {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} (المائدة:44)

 

       وكذلك قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( عرضت علي الأمم ، فجعل يمر النبي معه الرجل ، والنبي معه الرجلان ، والنبي معه الرهط ، والنبي ليس معه أحد)[19] ففي هذا الحديث دلالة صريحة على أنه كان من الأنبياء تبليغ لأقوامهم , أشار إليه الإتباع الوارد في الحديث .

 

     هذا من جهة , ومن جهة أخرى فالتبليغ الذي حقيقته الدعوة إلى الله تعالى أمر قد أنيطت به الخيرية الموجبة لفلاح المؤمنين , وتقديمهم على سائر الأمم , قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}(آل عمران:110) حتى أن تخلي بني إسرائيل عن هذه المسؤولية العظيمة ؛ أدى إلى نزع التفضيل عنهم , ورفع الاصطفاء منهم , قال تعالى في بيان سبب استحقاقهم للعن والإبعاد عن رحمة الله : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون.كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (المائدة:75ـ76).

 

 

*****

 

      

المذهب الراجح

 

 

    فإذا ثبت ضعف هذه الأقوال واستبعاده عن جهة الصواب , فإن الراجح في المسألة هو ما نبه إليه شيخ الإسلام من أن ثمة زيادة في التكليف والإبلاغ يختص بها الرسول , وهو ما عبر عنه بالإرسال إلى القوم المخالفين , يقول رحمه الله : " النبي هو الذي ينبئه الله , وهو ينبئ بما أنبأ الله به , فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول , وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله , ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول "[20]

 

       فدائرة النبوة أكبر من دائرة الرسالة , وذلك من جهة أهلها , إذ يمكن تحديد العلاقة بينهما بالعموم والخصوص المطلق , فـ " الرسول أخص من النبي , فكل رسول نبي وليس كل نبي رسول , ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها , فالنبوة جزء من الرسالة , إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها , بخلاف الرسل , فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم , فالرسالة أعم من جهة نفسها , وأخص من جهة أهلها " [21]

 

ثالثا/  قيود في تعريف النبي

      

       النبي والرسول كلاهما : بشر, ذكر, حر , فالبشرية والذكورة والحرية في تعريف النبي قد دل على اعتبارها الكتاب والسنة .

 

     ـ فبشرية الرسل كانت لحكمة عظيمة قدرها المولى تعالى , حيث يتأتى الإتساء بهم , وتسهل بذلك معاشرتهم , وتلقي التكاليف البشرية عنهم , هذا إلى جانب أنه من نوع الابتلاء بهم .

 ففي الحديث القدسي فيما يخبر صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال : (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك )[22]

 

       قال تعالى : {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً . قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً} (الإسراء:94ـ95).

 

       ويندرج تحت مفهوم البشرية مفاهيم عدة , فالبشرية تعني العبودية وتعني الافتقار ؛ وتعني انتفاء الألوهية بشتى معالمها , وكثيرا ما يستدل القرآن الكريم على عبودية الرسل ؛ لإبطال المعتقدات الفاسدة المتعلقة بهم ؛ ببيان بشريتهم ، وما تقتضيه من ضعف ، وحاجة ،  وجهل بأمور الغيب , مما يبعد تلك المعتقدات عن التصور السليم غاية البعد , ويصحح المقاييس , ويضع كل شيء في محله , فالرسول بشر وعمله هداية البشر وإخراجهم من ظلمات الكفر , ومعجزاتهم ما هي إلا دليل على صدق ما أتوا به .  

 

       قال تعالى : {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ . كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ}(المائدة:75).

 

******

 

       ـ أما القيد الثاني في التعريف وهو ما عبر عنه بالذكورة ؛ فهذا ما دل عليه قوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ}( يوسف:109)

 

      واختصاص النبوة بجنس الرجال هو مقتضى القيومية التي خصهم الله تعالى بها دون النساء , ولا يخفى أن الرجل أقدر على أداء هذه المهمة العظيمة , وأجدر بالقيام بواجباتها وحقوقها من الجهاد والرئاسة والحكم , وغير ذلك كما لا يخفى [23].

 

 

       وكانت هذه المسألة مما تعددت فيها الأقوال , فالذين ذهبوا إلى نبوة النساء قالوا : لا حجة في الآية على منع النبوة , وإنما هي خاصة بالرسالة فقط .

 

      هذا ويستند القائلون بنبوة النساء , كما يقرر ذلك الإمام ابن حزم رحمه الله إلى ما ورد في حق مريم عليها السلام من إرسال الملك , وإعلامها بما سيكون من ولدها, وأمرها بالصلاة والإكثار من القربات , وكذلك ما ورد في حق أم موسى حتى بادرت بإلقاء ولدها في اليم لما أوحي لها بذلك , يقول : "  فأما أم موسى وأم عيسى وأم إسحاق فالقرآن قد جاء بمخاطبة الملائكة لبعضهن بالوحي , وإلى بعض منهن عن الله عز وجل بالإنباء بما يكون قبل أن يكون , وهذه النبوة نفسها التي لا نبوة غيرها ؛ فصحت نبوتهن بنص القرآن "[24]

 

       وكان هذا قول البعض من أهل العلم عد منهم الحافظ ابن حجر رحمه الله : الأشعري والقرطبي [25] إلى جانب ابن حزم رحمهم الله , وقد ذكر أدلة أخرى استدل بها القائلون بجواز نبوة النساء , منها ما أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم من حصول الكمال للبعض منهن , وما ورد في القرآن الكريم من اصطفاء مريم عليها السلام على نساء العالمين[26]

 

       يقول القرطبي رحمه الله في الاستدلال بالكمال على ثبوت النبوة : " الكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة , ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء , ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين , وإذا تقرر هذا فقد قيل : إن الكمال المذكور في الحديث يعنى به النبوة ؛ فيلزم عليه أن تكون مريم عليها السلام وآسية نبيتين ، وقد قيل بذلك , والصحيح أن مريم نبية ؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك , كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدم , ويأتي بيانه أيضاً في مريم , وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها " [27]

 

       والصحيح في المسألة أن الوحي قد يستعمل بمعناه العام ؛ فلا يكون الاحتجاج به كافياً في إثبات النبوة , فالوحي ـ كما سبقت الإشارة إليه ـ يعني : " الإشارة والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك "[28]

 

    وجاء في تهذيب اللغة أن أصل الوحي في اللغة : إعلام في خفاء ومنه سمي الإلهام وحيا ". كما في قوله تعالى : {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي }(المائدة:111) وما ورد في سورة النحل أيضا : {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ..} (النحل:68).

 

       يقول شيخ الإسلام رحمه الله مبيناً حقيقة الوحي : " الوحي هو الإعلام السريع الخفي , إما في اليقظة وإما في المنام , فإن رؤيا الأنبياء وحي , ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة , كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح.

       وقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه ويروي مرفوعا : (رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام ) وكذلك في اليقظة , فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (قد كان في الأمم قبلكم محدثون , فإن يكن في أمتي فعمر )[29] "[30]

 

       وبهذا المعنى فسر الإيحاء في حق أم موسى عليه السلام , والذي ورد ذكره في قوله تعالى : {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى}(القصص:7) , ذكر تفسيره به الإمام ابن جرير عن قتادة , حيث قال : " وحياً جاءها من الله فقذف في قلبها , وليس بوحي نبوة "[31]

 

       لذا فإن شيخ الإسلام قد ضعف القول بنبوة أم عيسى وموسى ؛ مستنداً إلى أن الوحي لا يكفي في الدلالة على النبوة , يقول : " وليس كل من أوحي إليه الوحي العام يكون نبياً ؛ فإنه قد يوحى إلى غير الناس , قال تعالى :{ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ.. } ، وقال : {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} ( القصص:7) " [32] .

 

      وكل ما استدل به القائلون بنبوة النساء ليس فيه مستند قوي يعتمد عليه في إثبات ذلك , فتكليف أم موسى بإلقاء ولدها عليه السلام في اليم ليس بكاف في إثبات نبوتها ؛ لأن حقيقة النبوة إرسال من الله يقتضي التكليف بالإبلاغ , كما سبق بيانه, فمن تمعن في حقيقة الإرسال الذي يعم الأنبياء والرسل وجده محصورا في الرجال فقط  ؛ لقوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ} (يوسف:109) وهذا كما هو معلوم على القول الراجح في أن الإرسال المقتضي للتبليغ يعم الأنبياء والرسل أجمعين .

 

       أما وصف بعض النساء بالكمال والاصطفاء فليس فيه ما يثبت لهن النبوة ؛ لأن الله تعالى أثبت الاصطفاء لبعض خلقه دون أن يكون في ذلك دلالة على إثبات النبوة , كما في قوله تعالى : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} (فاطر:32).

 

       أما عن الكمال المثبت لمن ورد ذكرهن في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران ، و خديجة بنت خويلد ) [33] . فإن الحافظ ابن حجر يورد اعتراضا يمنع الاستدلال به في حق من رأى نبوة النساء اعتمادا عليه , حاصله أنه قد يراد بالكمال كمال غير الأنبياء , يقول "  فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك  " .

 

      " وقد ذكر النووي في الأذكار عن إمام الحرمين أنه نقل الإجماع على أن مريم ليست نبية ، ونسبه في شرح المهذب لجماعة ، وجاء عن الحسن البصري ليس في النساء نبية ولا في الجن "[34]

 

       ولكل ما تقدم ؛ فإن شيخ الإسلام رحمه الله يرى شدة ضعف هذا القول حتى نعته بالشذوذ [35].

      

      

****

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صفات الرسل

 

       يقوم الإيمان بالرسل جميعا على أسس وقواعد لا يصح الإيمان إلا بتحققها في معتقد العبد , ومن تلك القواعد التي قام عليها الإيمان بهم :

اعتقاد أن نبوتهم هي محض فضل من الله تبارك وتعالى واصطفاء  .

 

       كما أن معرفتهم بما اتصفوا به من جميل الفعال , وكريم الخلال , في إطار المقدور البشري ,

 

    وما اختصوا به من مهام الدعوة كالبشارة والنذارة والتبليغ ,

 

    وما يقتضيه ذلك من اتصافهم بالعصمة في التشريع ,

      لتندرج في ضمن تلك الأسس التي يجب العلم بها ,

 

      وحديث القرآن في هذا الباب واسع , والأدلة على هذا كثيرة :

     

 ففي اعتقاد قيامهم بشؤون الدعوة من النذارة والبشارة , قوله تعالى : {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}(النساء:165).

 

     وقوله تعالى : {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ} (الأحزاب:39).

 

      وقوله : {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} النحل:36)

 

       أما عن الأدلة التي تضمنت بيان ما اتصفوا به فهي على نوعين ,

 

    منها ما يبين صفاتهم البشرية التي لا تخرجهم عن كونهم من جنس البشر ؛ حتى لا يؤدي الانبهار بعظيم ما اختصوا به إلى اعتقاد مغايرتهم لجنس البشر ,

 

    ومنها ما يظهر تميزهم عن سائر البشر , دون أن يؤثر في أصل انتمائهم إليهم[36]  , وهذا مما يقتضيه قيامهم بشؤون الرسالة .

 

       ففي تقرير بشريتهم , قوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون َ. وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} (الأنبياء:7ـ8) .

 

       وقوله تعالى : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} (الرعد:38)

 

       أما الأدلة في بيان عظيم ما اتصفوا من الصدق والأمانة والصبر والحلم فكثيرة جدا , وغالبا ما تأتي في بيان ما اتصف به آحادهم , كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين ,

 

     منها قوله تعالى : {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً}(مريم:54)

 

       وقوله تعالى في وصف موسى عليه السلام : { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}( القصص:26).

 

       وكل ذلك مما تضافرت النصوص الشرعية في الدلالة عليه , يقول العلامة السعدي مجملا تلك الأسس العظيمة : " وهذا الأصل ـ أي الإيمان بالأنبياء عليهم السلام ـ مبناه على أن يعترف ويعتقد بأن جميع الأنبياء قد اختصهم الله بوحيه وإرساله , وجعلهم وسائط بينه وبين خلقه في تبليغ شرعه ودينه , وأن الله أيدهم بالبراهين الدالة على صدقهم وصحة ما جاءوا به , وأنهم أكمل الخلق علماً وعملاً , وأصدقهم وأبرهم , وأكملهم أخلاقاً وأعمالاً , وأن الله خصهم بخصائص , وفضلهم بفضائل لا يلحقهم فيها أحد .

 

      وأن الله برأهم من كل خلق دنيء , وأنهم معصومون في كل ما يبلغونه عن الله , وأنه لا يستقر في خبرهم وتبليغهم إلا الحق والصواب ، وأنه يجب الإيمان بهم وبكل ما أتوه من الله , ومحبتهم وتعظيمهم " [37]

 

خصائص الرسل

أولا / الوحي

 

      

 

 

 

 

       أولا / الوحي في اللغة

 

 فيراد به أحد المعاني التالية : الإلهام , والكتابة , والرسالة , والإشارة , والكلام الخفي , وكل ما ألقيته لغيرك .   

       وفي لسان العرب : " أوحى إليه  ألهمه  وفي التنزيل العزيز : {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} (النحل:68) .

      كما قال تعالى : {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} قال بعضهم :  ألهمتهم , كما قال عز وجل : { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} وقال بعضهم :  أوحيت إلى الحواريين أمرتهم .

       ووحى في البيت بمعنى كتب .

       ووحى إليه وأوحى  كلمه بكلام يخفيه من غيره ، قال الله عز وجل : {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ } , معناه : يسر بعضهم إلى بعض .

       ووحى إليه ، و أوحى ؛  أومأ ,  وفي التنزيل العزيز : {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِياّ} " (مريم:11)

       وكلها ترجع إلى معنى الإعلام الخفي السريع مهما تعددت أسبابه[38].

 

       وهذا هو الوحي بمعناه العام الذي يشترك في إمكان حصوله الأنبياء وغيرهم , يقول شيخ الإسلام : " وليس كل ما أوحي إليه الوحي العام يكون نبيا , فإنه قد يوحي إلى غير الناس , قال تعالى : {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}.

      وقال تعالى : {وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا}(فصلت:12)

       وقال تعالى عن يوسف وهو صغير : {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ} (يوسف:15) .

       وقوله : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً} (الشورى:51) , يتناول وحي الأنبياء وغيرهم كالمحدثين الملهمين[39]

خصائص الوحي العام

      

        لا يعتمد على الإلهام الذي يقع لعامة المؤمنين في الأحكام التشريعية  فمع إمكان اشتمال الإلهام على الحكم التشريعي ؛ إلا أنه لا يصح استقلاله بالدلالة عليه ,

وذلك في مثل ما وقع للصحابة الكرام رضوان الله عليهم من سماع الأذان في المنام قبل تشريعه , فقد أخرج أبو داود في سننه عن أبي عبد الله بن زيد أن رسول الله قد أمره بالضرب في الناقوس للإعلام بالصلاة فرأى في المنام من يعلمه كلمات الأذان مرشدا إياه أن هذا خير مما كان يفعل ليؤذن الناس بالصلاة , فذهب ذلك الصحابي إلى رسول الله ليعلمه بالرؤيا فسمعه عمر بن الخطاب وأخبر بحصول ذلك له فأقر المصطفى صلى الله عليه وسلم ما كان في رؤيتهما وشرع الأذان لإعلان الناس بوقت الصلاة[40]

   ومعنى : أن لا يكون أصلاً له من حيث التشريع والحجية , أنه يجوز أن يكون موافقاً لما ورد مسبقاً من الأحكام التشريعية في الكتاب والسنة , فيفيد بذلك التأكيد والثبات , دون التأصيل والاستقلال .

       يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله مبيناً هذا الأصل في حجية الإلهام من غير الأنبياء : " المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء لعدم العصمة , وعدم الدليل على الاستدلال به , بل ولوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به ".

 

       وبهذا يتبين الفرق بين الإلهام الذي يكون للأنبياء , وبين ما يمكن أن يقع لغيرهم , حيث بين الصاوي أن إلهام الأنبياء معصوم فلا يمكن أن يداخله وهم أو وسوسة , أما إلهام غيرهم فليس له عصمة من ذلك بل يجوز عليه تلك الأحوال .

       يقول الإمام الشاطبي رحمه الله : " هذه الأمور لا يصح أن تراعى وتعتبر إلا بشرط ألا تخرم حكماً شرعياً ليس بحق في نفسه , بل هو إما خيال ووهم , وإما من إلقاء الشيطان "[41]

       وذلك لأن المولى تعالى إنما تعبدنا بكلام النبي المرسل , وجعل لذلك المعجزات والأدلة النيرات , وحماه بالعصمة من المضلات , فلو احتج بالإلهام لانفتح باب ليس له مرصاد , ولخالف ما تعبدنا به المولى من اتباع النبي والتأسي به في كل حال, وتحريم التقديم بين يديه .

       فكانت هذه الشروط التي استفيدت من أدلة الكتاب والسنة حتى تتحقق حقيقة الحفظ للدين المنزل , والتي نص عليها الكتاب العزيز بقوله تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } .

 

ثانيا / الوحي الخاص

 

       أما الوحي بمعناه الخاص , أو بمعناه الشرعي فهو ما يتعلق بالأنبياء عليهم السلام لإيصال الشرع إليهم , فلا يشاركهم أحد في هذه الخصيصة , قال تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ}  (يوسف:109) .

      فهذا الوحي يراد به ؛ إعلام الله تعالى من اصطفاه من عباده بالأحكام الشرعية.

وهذا الذي يغلب استعمال الوحي فيه فهو ما يلقى إلى الأنبياء خاصة .

      ومن أجمع ماعرف الوحي به في الاصطلاح تعريف الإمام ابن حجر رحمه الله , حيث قال : " الوحي شرعاً : الإعلام بالشرع , وقد يطلق الوحي ويراد به اسم المفعول منه ؛ أي الموحي , وهو كلام الله المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم "[42]

خصائص الوحي الخاص

 

       لقد كانت كلمة الشرع قيدا, خرج بها ما يلقى لغير الأنبياء بطريق الإلهام , لأنه لا تشريع فيه ولا أحكام .

 

 

ثالثا / أنواع الوحي

 

قال تعالى  : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} 

 

      إن هذه الآية الكريمة لتعد نصاً جامعاً لكل أقسام الوحي الذي يتعلق بالبشر , حيث بينت أن من الوحي ما يكون بلا واسطة ملك ومن وراء حجاب .

      ومنه ما يكون بالإلهام , فيكون الوحي هنا مستعملاً بمعناه اللغوي .

      ومنه ما يكون بواسطة ملك يبلغ الكلام إلى المرسل إليه, فلا يخرج عن هذه الأقسام نوع من الوحي[43]

      وعليه فإن هذه الآية الكريمة شملت حتى غير الأنبياء ممن أوحي إليهم وحي إلهام , كأم موسى عليهما السلام , والحواريين , وغيرهم من أهل الصلاح , فتكون بذلك مبينة لأقسام الوحي المتعلق بالبشر بمعناه الكلي العام وقد أشار الإمام ابن تيمية لهذا كما تقدم .

 

رابعا / هيئات الوحي الخاص

 

      لقد بين العلماء الهيئة التي كان يأتي بها الوحي ؛ استنادا لقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} 

       يقول السيوطي رحمه الله :

   

" قد ذكر العلماء للوحي كيفيات :

 

     أحدها : أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس كما في الصحيح [44].

       قال الخطابي : والمراد أنه صوت متدارك يسمعه و لا يثبته أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد .

       وقيل : هو صوت خفق أجنحة الملك , والحكمة في تقدمه أن يفرغ سمعه للوحي فلا يبقى فيه مكانا لغيره .

       الثانية : أن ينفث في روعه الكلام نفثا ً, كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن روح القدس نفث في روعي ، وأخبرني أنها لا تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها ، وإن أبطأ عنها ، فيا أيها الناس ! اتقوا الله وأجملوا في الطلب ، ولا يحملن أحدكم استبطاء رزقه أن يخرج إلى ما حرم الله عليه ، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته)[45] .

      الثالثة : أن يأتيه في صورة الرجل فيكلمه .

      الرابعة : أن يأتيه الملك في النوم .

      الخامسة : أن يكلمه الله إما في اليقظة , كما في ليلة الإسراء , أو في النوم , كما في الحديث : ( أتاني ربي , فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى )[46]

 الحديث , وليس في القرآن من هذا النوع شيء فيما أعلم "[47] .

 

 

ـ ثانيا عصمة الأنبياء

 

      لاشك أن الأنبياء قد بلغوا ذروة الكمال البشري من حيث امتثالهم لأوامر الله تعالى , وإعمالهم للوحي المنزل عليهم , وأنهم موصوفون بالعصمة التي تقضي بالتزامهم أوامر الله تعالى والابتعاد عن مناهيه ,

 

 ولكن هذا لا يمنع من وقوعهم في بعض الصغائر التي تدل على بشريتهم , وليس فيه ما ينقص من كمالهم الواجب لهم, فالعصمة في حقهم تكون ملازمة لهم على جهة الكمال فيما يتعلق بتبليغ الوحي والرسالة , أما ما خلا ذلك فلا يمتنع عنهم الوقوع في بعض الصغائر , التي يظهر لهم مخالفتها ؛ فيرجعون عنها على جهة الفور ,

 

  وبهذا تنتفي حجة كون جواز وقوعهم في الذنب تشريعاً له , فإن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء , وقد جاءت الأدلة على استغفارهم من الذنب بعد ارتكابهم إياه , كما حصل لآدم عليه السلام , قال تعالى : {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}( طه:121).

 

       وموسى عليه السلام حين وكز الرجل القبطي ؛ نصرة للذي من شيعته فوقع ميتاً :{ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ.قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(القصص:15ـ16)

 

       وكذلك ما كان من نوح عليه السلام حين سأل الله تعالى وعده بنجاة أهله بعد غرق ولده : {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(هود:47)

 

وغيره مما لا مجال لحصره الآن .

 

       ومن كل ما سبق علم أن الخطأ ولو حصل وقوعه منهم  فإنه يبين ولا يقر عليه بحال , ومن المعلوم  أن الإتباع يكون فيما حصل عليه الإقرار , أو تأتى له الثبات دون المنسوخ أو المبين خطؤه بالاستغفار منه , وعليه فإن العصمة التي تكون للأنبياء في حال تبليغهم عن الله تعالى تقتضي أن لا يقر أحدهم على خطأ مهما كان , لا أن يمتنع عن أحدهم الخطأ ؛ لأن هذا مما لا يمكن في أحوال البشر ," فإن من جوز الصغائر ومن نفاها عن نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم مجمعون على أنه لا يقر على منكر من قول أو فعل " [48]

 

      يقول شيخ الإسلام في هذا الجانب : " والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة , فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين " [49] 

 

       فإن " اليقين التام وانتفاء الوساوس هو الغالب على أنبياء الله سبحانه , وحصوله موهبة من الله تعالى , ويندر خلاف ذلك منهم ؛ لحكمة الله تعالى , لو لم يكن إلا لتأسي المؤمنين بهم , وعدم انكسار نفوسهم "[50]

   

       أما امتناع مواقعة الكبائر في حقهم ؛ فهذا مما أجمعت عليه طوائف المسلمين , يقول في ذلك شيخ الإسلام : " هذا والقول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف , حتى أنه قول أكثر أهل العلم  وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء , بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول " [51]

 

******

 

ثالثا : ما يتعلق بالأحوال البشرية  

 

     الجمهور في جواز النسيان والسهو على الرسل وأنه ليس في ذلك ما يلزم منه النقص المحال في حقهم , بل قد يراد لحكمة تشريعية , كـ" إفادة علم وتقرير شرع " [52] , كما قال عليه الصلاة والسلام : (إني لأنسى أو أنسى لأسن).[53]

 

      وذلك كالسهو الذي حصل له عليه الصلاة والسلام في الصلاة حيث صلى ركعتين في رباعية , فقد كان ذلك النسيان منه عليه أفضل الصلاة والتسليم سبباً لمشروعية سجود السهو , كما وردت بذلك الروايات الصحيحة المتفق عليها[54].

 

    وفيما روي عنه إقرار منه  عليه الصلاة والسلام بجواز السهو عليه , قال عليه الصلاة والسلام : (إنما أنا بشر مثلكم ، أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني ، وإذا شك أحدكم في صلاته ، فليتحر الصواب فليتم عليه ، ثم ليسلم ، ثم يسجد سجدتين )[55] .

 

       ويفرق بين الأقوال والأفعال التبليغية بمنع النسيان في الأقوال دون الأفعال ؛ فقد نقل الإجماع على ذلك الإمام النووي في شرحه لمسلم كما نقله القاضي عياض  ,

 

      يقول : " وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة في الأفعال البلاغية والأحكام الشرعية سهواً وعن غير قصد جائز عليه كما تقرر في أحاديث السهو في الصلاة , وفرقوا بين ذلك وبين الأقوال البلاغية ؛ لقيام المعجزة على الصدق في القول ومخالفة ذلك تناقضها , وأما السهو في الأفعال فغير مناقض لها ولا قادح في النبوة " [56].

 

       وأما حصره لوقوع السهو بما بعد التبليغ , فقد يسلم له ولكن لا يمتنع مع هذا وقوعه قبله ؛ لأن من قال بجوازه فإنه يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط بل ينبهون عليه ويعرفون حكمه بالفور " [57] ؛ وذلك لوجوب اتصافهم بالعصمة , كما تقدم , وأنها تتأكد عند ذلك على جهة الكمال .

 

 

 

 

 

 

 

 

خاتم الأنبياء وعموم رسالته

 

 أسماؤه الشريفة

 

       قال المصطفى عليه الصلاة والسلام ( لي خمسة أسماء : أنا محمد ، وأحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب ) .

 

       فصلى الله عليه وسلم ما أعظم تواضعه ووقوفه عند حدود ما أنزل الله , فلم يسم نفسه إلا بما هو متصف به حقيقة , وقد ورد في القرآن تسميته بالرؤوف الرحيم وكان معروف بالصادق الأمين قبل البعثة إلى غير هذه الأسماء التي وردت .

 

 

حقيقة الإيمان بالمصطفى عليه الصلاة والسلام

 

       الإيمان بالمصطفى صلى الله عليه وسلم أصل عظيم من أصول الإيمان , فقد قرنت الشهادة بنبوته بشهادة توحيد الباري تعالى .

 

 

وهذا الأصل العظيم يعتمد على أربع أركان , لا يتم له القيام إلا بحصولها منه وهي :" طاعته فيما أمر , وتصديقه فيما أخبر, واجتناب ما نهى عنه وزجر , وأن لا يعبد الله إلا بما شرع " [58].

 

     وتمثل هذه الأركان البراهين التي بها يتم اعتماد صدق الإيمان به عليه الصلاة والسلام.

 

أولا حق التصديق

 

       يقوم هذا الحق على اعتقاد حصول المصطفى صلى الله عليه وسلم على درجة الكمال البشري التي لم تتأت لأحد من الخلق سواه بما تتضمنه هذه المنزلة من اعتقاد تخصيصه بالرسالة والنبوة والخلة والتكليم والشفاعة والمقام المحمود وغيرها من عظيم الخلال والفضائل التي لم تجتمع لأحد من الأنبياء فضلا عن عامة البشر .

 

إلى جانب معرفة ما تحلى به عليه الصلاة والسلام من جميل الأخلاق الخلقية والخلقية , كل ذلك مما يزيد في تحقيق الإيمان بالمصطفى كحقيقة إيمانية عظيمة, ويوثقها في قلب العبد المؤمن .

 

فمعرفته حق المعرفة تستوجب من تمام الإيمان به والثبات عليه والزيادة منه ؛ ما يؤكد على أهمية تقصي أسبابها , وذلك بالنهل من كل ما يقرب العبد من معرفة نبيه صلى الله عليه وسلم , لذا كانت معرفته عليه الصلاة والسلام المعرفة المقتضية لتمام تصديقه من الأصول التي يقوم عليها الدين.

 

       أما عن حقيقة هذه المعرفة ؛ فهي معرفته صلى الله عليه وسلم بما يحصل به تمام العلم بنبوته ورسالته الموجبة لاتباعه والسير على خطاه , وهذه بدورها تقوم على ثلاثة ركائز :

 

       أولا : التأمل في دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم , وعلى رأسها القرآن الكريم.

 

       ثانيا : مطالعة سيرته وأحواله بين صحبه عليه الصلاة والسلام , فإنها وإن كانت مما يمكن إدراجه تحت الركيزة الأولى , إلا أن في تخصيصها للإشادة بها زيادة في إرادة معنى التوسع والتفصيل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون حياته , حيث أنيط تحقق المبتغى من رضوان الله تعالى في الاقتداء به والتأسي , قال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرا} (الأحزاب:21) .

 

       ثالثا : معرفة ما ورد من نصوص الشرع كتابا وسنة ؛ إذ مصدر العلم بهما إنما تحصل بطريقه عليه الصلاة والسلام , فإن من أعظم ما توجبه معرفته معرفة ما أتى به المعرفة التي يتحقق مقتضاها من الالتزام التام والرضى والقبول .

 

 

قضية التفضيل

 

       ومن القضايا المهمة التي تتعلق بشأن التصديق بنبوة المصطفى عليه الصلاة والسلام قضية التفضيل , وفي الجمع بين ما تواترت الأخبار في تفضيله على سائر الرسل , وبين ما ورد من نهيه عليه الصلاة والسلام وتحذيره من تفضيله على موسى عليه السلام , أو تفضيل أحد على يونس بن متى :

 

 أن النهي عن المفاضلة كان قبل أن يوحى إليه عليه الصلاة والسلام بالتفضيل أما وقد أوحي إليه فلا يبعد أن يكون النهي في باب المنسوخ من الأحكام ومن المعلوم أن النسخ جائز فيها.

 

       ويرى الإمام ابن قتيبة أن هذا النهي الوارد منه عليه الصلاة والسلام كان من باب التواضع مع علمه السابق بتفضيله على سائر الأنبياء , كما ورد في الحديث : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) [59].

       يقول ابن قتيبة في ذلك : " وإنما أراد أنه سيد ولد آدم يوم القيامة ؛ لأنه الشافع يومئذ , والشهيد , وله لواء الحمد والحوض , وهو أول من تنشق عنه الأرض , وأراد بقوله : (لا تفضلوني على يونس) من طريق التواضع "[60].

 

       وكان لبعضهم توجيها آخر للنهي الوارد وذلك ما ذكره الإمام القرطبي في التفسير , يقول بعد عرضه الأقوال السابقة الذكر " قلت : وأحسن من هذا قول من قال : إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها ، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات ، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها ولذلك منهم رسل وأولو عزم ، ومنهم من اتخذ خليلاً ، ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ، قال الله تعالى : {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً} (الإسراء:55) ، وقال : {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ}(البقرة:253).

 

       وفي المسألة أقوال متعددة أوردها الحافظ ابن حجر في كتابه وفي كل منها ما له وجه يقتضي إمكان إرادته وكان من أفضلها في اعتقادي أن النهي مراد لعدم التنقص والوقوع في المنهي عنه من قلة احترام الأنبياء والتقليل من شأنهم فكان الواجب التزام الأدب في تعظيمهم وهذا لا يمنع ـ كما ذكر أهل العلم ـ من اعتقاد تفضيل الرسول عليه الصلاة والسلام, كما لا يخفى من الأدلة الصحيحة.[61]

    

       وكان الاستدلال على هذه الأفضلية بما اختص به عليه الصلاة والسلام من مزايا كعموم رسالته لا مراء فيه وقد ذكر الاحتجاج به دون أن يعزو ذلك والصحيح أن هذا كان مستند ابن عباس رضي الله عنهما في تفضيله عليه الصلاة والسلام على غيره من الأنبياء , فقد روي عن ابن عباس أنه قال : " إن الله فضل محمداً صلى الله عليه وسلم على الأنبياء وعلى أهل السماء . فقالوا : يا ابن عباس , بم فضل على أهل السماء ؟ قال : إن الله قال لأهل السماء : {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} (الأنبياء:29).

       وقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً.لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً } (الفتح:1ـ2)

 

       قالوا :  فما فضله على الأنبياء ؟ قال : قال الله عز وجل : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (إبراهيم:4)

       وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } (سبأ :28) فأرسله إلى الجن والإنس )[62]

 

       يقول القاضي عياض : " قال أهل التفسير أراد بقوله ـ تعالى ـ : {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} (البقرة:253) محمداً صلى الله عليه وسلم , لأنه بعث إلى الأحمر والأسود وأحلت له الغنائم وظهرت على يديه المعجزات وليس أحد من الأنبياء أعطي فضيلة أو كرامة إلا وقد أعطي محمد صلى الله عليه وسلم مثلها ....."[63]

 

       قال صلى الله عليه وسلم : ( فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلم , ونصرت بالرعب , وأحلت لي الغنائم , وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون ) [64]

       وخصائصه عليه الصلاة والسلام كثيرة عظيمة وكلها " تدل على علو مرتبته , إذ لا معنى للتفضيل إلا التخصيص بالمناقب والمراتب "[65]  .

 

ثالثا حق المحبة والتقدير

 

       ـ المحبة الصادقة ميل بالقلب يلزم عنه المتابعة وإذا خالف العبد فقد أخل بمقتضى التعظيم والإجلال الواجبين في حق الله تعالى وحق رسوله عليه الصلاة والسلام , فالطريق إلى الله تعالى واحد لا سبيل إليه سواه , وهو عبادته بإخلاص ومتابعة , قال عز وجل : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56) وإنما عرف تعالى عباده بأسمائه وصفاته حتى يعرفوه فيعبدوه حق عبادته .

 

       قال تعالى : ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(الأعراف:180) وإلا فإن معرفة الله تعالى بماله من الكمال المطلق مما فطر العباد عليه وإنما أتي العبد من جانب ما تقتضيه هذه المعرفة .

 

       وكذلك الطريق إلى محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم لا تسلك إلا بصدق المتابعة والتقرب إلى الله تعالى , قال الصحابي الجليل عبد الله ابن مسعود : (لا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله) فإن " من أحب شيئا آثره وآثر موافقته , وإلا لم يكن صادقا في حبه وكان مدعيا , فالصادق في حب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه , وأولها : الاقتداء به, واستعمال سنته , واتباع أقواله وأفعاله , وامتثال أوامره واجتناب نواهيه , والتأدب بآدابه, وشاهد هذا قوله تعالى : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ }" [66]

 

       ويقول الإمام ابن القيم في بيان حقيقة محبته عليه الصلاة والسلام : " إن تعظيم الرسول وإجلاله ومحبته تابع لتعظيم مرسله سبحانه وإجلاله ومحبته وطاعته , فمحال أن تثبت المحبة والطاعة والتعظيم والإجلال للرسول صلى الله عليه وسلم دون مرسله , بل إنما يثبت ذلك له تبعاً لمحبة الله وتعظيمه وإجلاله , ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة الله , فمن يطع الرسول فقد أطاع الله , ومحبته محبة لله .." [67]

 

       كما أن تقديم العمل بسنته على هوى النفس وآراء الرجال من براهين صدق مدعي محبته عليه الصلاة والسلام , لذا علق المولى تعالى صدق الإيمان بالتحاكم لشرعه : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (الأحزاب:36)

 

فإن صدق الاتباع أعدل الشهود, وأقواهم بينة على محبة من اتصف به , وقد كان القرآن الكريم يتعهد دوماً من تربى في مدرسة النبوة بغرس فضيلة الأدب معه عليه الصلاة والسلام , فمرة يوجههم إلى وجوب اتباعه , ومرة يخصص من هذا الاتباع أولوية التحاكم لشرعه المطهر ,  والتسليم لما يقضي به بينهم , ومرة يحذرهم من مغبة الالتفات عن أمره , كما قال : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (النور:63)

 

       إن النداء الرباني لأهل الإيمان حقيقة باقية تهيب بكل من دخل في عموم هذا الجمع بأن يحسنوا اتباعهم له , وأن لا يقدموا شيئا على سنته مهما حسنته العقول والأهواء أو ارتأت أولويته .

       وقد كان حال الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ مع عظيم محبتهم له عليه الصلاة والسلام, لأعظم شاهد , فهذا الصحابي الجليل الذي يطلب مصاحبة الرسول في الجنة , يحثه عليه الصلاة والسلام على كثرة السجود , ففي الحديث الصحيح أن ربيعة بن كعب الأسلمي  ، قال : كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فآتيه بوضوئه وحاجته ، فقال لي :  سل  . فقلت : أسألك مرافقتك في الجنة ، قال :  أو غير ذلك ؟  قلت : هو ذاك . قال : فأعني على نفسك بكثرة السجود)[68]

 

       وكانت الصلاة عليه من جملة الأعمال الموجبة لنيل القرب منه عليه الصلاة والسلام , فقد ورد في الحديث الشريف أنه قال : (أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي الصلاة)[69]

 

       ـ وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال : (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته حتى دخل نخلا فسجد فأطال السجود حتى خفت أو خشيت أن يكون الله قد توفاه أو قبضه قال : فجئت أنظر فرفع رأسه فقال : مالك يا عبد الرحمن ؟  قال فذكرت ذلك له . قال : فقال : (إن جبريل قال لي ألا أبشرك ؟ إن الله عز وجل يقول : من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه ) [70].

 

       ومنها أنه كان عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يحض أصحابه على الإكثار من الصلاة عليه بمالهم من الأجر , والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .

 

       ومع ظهور الإرجاء في المجتمع المسلم , وتفشيه في الأوساط المختلفة , وانحلال عرى التمسك بدين الله تعالى , والبحث عن الحد الأدنى لإثبات وصف الإسلام على الفرد , تغيرت المفاهيم المرتبطة بهذه الحقيقة الإيمانية , وصار دليل محبة الرسول عليه الصلاة والإيمان به هو التغني بصفاته وأخلاقه عليه الصلاة والسلام , والإشادة بفضائله عن طريف اجتماعات معروفة تعقد في يوم ولادته , وليتها تتوقف على ذلك بل ويصاحبها الكثير من مظاهر الغلو المنهي عنها شرعا , والتي قد تتعدى في كثير من الأحيان لتعبر عن شرك صريح ومبالغة ممقوتة , قد عظم تحذير النبي صلى الله عليه وسلم منها.

 

       وقد أصبحت محبته بهذه الصورة هي الحقيقة المزعومة التي يبرهن بها ضعاف العزيمة على الإيمان به وإجلاله وتعظيمه , وبالتالي فكل من يظهر خلاف ذلك يرمى بأقبح التهم كباغض الرسول وشاتمه , إلى غير ذلك من ألوان التعدي ظلما وعدوانا بلا أدنى دليل وبرهان .

 

       وهذا التيار المخالف لهدي السلف في الواجب نحو الرسول عليه الصلاة والسلام وما ينبغي لتحقيق الإيمان به , كان منشؤه منذ المبدأ الأوساط الصوفية التي حادت بما ظهر فيها من بدع , وتوجه منحرف في مصادر التلقي عن التصور السليم لحقيقة الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم , فظنوا أن محبته لا تتأتى إلا عن طريق هذه المبتدعات في القول والاعتقاد والسلوك , وظهر هذا في الكثير من أقوالهم وأشعارهم , وما زالت هذه الأفكار في رواج مع ما يصب فيها من روافد فاسدة لأديان سابقة , حتى تبلورت أخيرا بما يعرف بالحقيقة المحمدية

 

ومما قاله الصحابة رضوان الله عليهم في حبه وتقديره

 

أغــــر عليه للنبوة خاــــــــتم        من الله مشهود يلوح ويشــــــهد

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه   إذا قال في الخمس المؤذن أشــــهد

وشق له من اسمه ليجـــــــــله     فذو العرش محمود وهذا محمــــد

نبي أتانا بعد يأس وفــــــــترة    من الرسل والأوثان في الأرض تعبد

فأمسى سراجا مستنيرا وهاديا     يلوح كما لاح الصقيل المــــــــهند

وأنذرنا نارا وبشر جنـــــــــة    وعلمنا الإسلام فالله نحـــــــــــــــمد

وأنت إله الخلق ربي وخالقي       بذلك ما عمرت في الناس أشـــــهد

تعاليت إله الناس عن قول من دعا   سواك إلها أنت أعلى وأمــــــجد

لك الخلق والنعماء والأمر كله     فإياك نستهدي وإياك نــــــــــــعبد(3)

 

 

 

ثالثا / حق الإتباع

 

    لا سبيل لعبادة الرب تعالى إلا بما جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم من الله تعالى , وفي ذلك إشارة إلى أن الإيمان بالله تعالى لا يتوجه له القبول الشرعي إلا إذا اقترن باتباعه صلى الله عليه و سلم , وقد جاء هذا الأصل مبينا في الإرشاد إلى الطريق الموصل لنيل محبة الله تعالى : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ

 

وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (آل عمران:31)

 

     وحقيقة هذا الاتباع الذي أنيط به تحقيق المقصد الأسمى من رضا الله ومغفرة الذنوب قد بين في الآية التي تليه : {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (آل عمران:32)

 

     فطاعته صلى الله عليه وسلم بما جاء به هي اتباعه المأمور به , يقول الشيخ السعدي : " فمن فعل ذلك ـ أي اتباعه عليه الصلاة والسلام ـ أحبه الله وجازاه جزاء المحبين وغفر له ذنوبه وستر عليه عيوبه , فكأنه قيل : ومع ذلك فما حقيقة اتباع الرسول وصفتها ؟  فأجاب بقوله : { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} بامتثال الأمر , واجتناب النهي , وتصديق الخبر "[71]

 

       والأدلة في هذا كثيرة , قال تعالى : {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(النساء:65)

 

       يقول الإمام ابن كثير رحمه الله في بيان دلالة هذه الآية على وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم : " يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور , فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً ؛ ولهذا قال : { ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به , وينقادون له في الظاهر والباطن , فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة " [72]

 

       ومنها قوله تعالى : { َفَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ ا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً} (الأحزاب:36)

 

       فقد دلت الآية على أن الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة النبي صلى الله عليه يقتضي وجوب الالتزام ؛ وذلك لأمرين :

 

       الأول : نفي التخيير المعارض لمقتضى الأمر .

 

       ثانيا : ترتب الضلال المبين على معارضة الامتثال بالمعصية.

 

       يقول الإمام القرطبي في معنى ذلك : "  توعد تعالى وأخبر أن من يعص الله ورسوله فقد ضل , وهذا أدل دليل على ما ذهب إليه الجمهور من فقهائنا ، وفقهاء أصحاب الإمام الشافعي وبعض الأصوليين ، من أن صيغة أفعل للوجوب في أصل وضعها ؛ لأن الله تبارك وتعالى نفى خيرة المكلف عند سماع أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم أطلق على من بقيت له خيرة عند صدور الأمر اسم المعصية ، ثم علق على المعصية بذلك الضلال ، فلزم حمل الأمر على الوجوب"[73].

 

رابعا / حق النصرة والتعزير

 

في عصر الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن يعرف معنى الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا بنصرته وتعزيره بكل ما يمكن أن يكون معبيرا عن مقام التصديق الإيماني الباطن , وقد فاق أهل المدينة غيرهم بما قدموه من ه\ه المعاني الإيمانية العظيمة فسموا أنصارا ل\لك واستحقوا شرف المنزلة العلية التي بها فضلهم المصطفى على غيرهم وأحبهم واختارهم لصحبته حتى وفاته

 

والأدلة في وجوب نصرة الرؤسول كثيرة ومتنوعة الدلالة اذكر منها "

وبه أمر الله تعالى عباده المؤمنين إيمانا برسالته وتصديقا له, قال تعالى:  (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) [الفتح: 9].

 

     وقال تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

 

     فالتعزير المشروع في حق المصطفى r:" اسم جامع لنصره وتأييده, ومنعه من كل ما يؤذيه".[74]

 

     ونصرته r؛ اسم جامع لكل ما يقوم به النصر إيمانا به؛ من العون والإمداد والمنع والذب[75].

 

 

 

 

 

 

 

 

    

 

 

 

 

 

دلائل النبوة

 

 

أهمية دلائل النبوة

 

 

       تبين مما سبق أن من أعظم أهداف الرسالة السعي إلى تحقيق الغاية من خلق الثقلين , ألا وهي عبادة الله وحده لا شريك له , فإنه  لا يمكن أن يعرف طريقها المرضي إلا عن طريق ما جاءت به الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام , الذين قاموا بأداء الرسالة إلى البشرية , فحملوا على عاتقهم مهمة التبليغ بالنذارة والبشارة إلى الصراط المستقيم.

 

       ومع وضوح هذه الحقيقة الربانية المتمثلة باصطفاء الرسل و التي قد اختارها المولى تعالى طريقا لهداية العباد والتي تتجلى في الكثير مما يرتبط بها ارتباطا وثيقا كتحقيق الأهداف ووضوح المبادئ وثبات النتائج , إلا أن حكمة المولى عز وجل اقتضت أن يؤيد رسله بالبينات والأدلة والبراهين التي لا يملك من أوتي سلامة الأدوات إلا الإقرار برسالة من هيئت له تصديقاً و تأييداً.

 

 

       ولم تكن هذه الآيات بمعزل عن الغاية التي هيئت لها , وإنما كانت تتفق مع حقيقة الرسالة قلبا وقالبا , كمعلم من أبرز معالم الهداية إلى الإيمان بالرسالة ومرسلها , ومن هنا تبدو المعجزة كأعظم دلائل النبوة دون أن تكون هي المنفردة بهذه المهمة , وهذا هو المعتمد في عقيدة أهل السنة والجماعة حول أهمية المعجزة ومكانتها من الدلالة على صدق الرسالة .

 

*****

 

     

 

 

أولاً : طريق الاستدلال بالمعجزات والبراهين :

 

      لا شك أن هذا الطريق فيه تمام الكفاية على إثبات صدق الرسول في دعوته , فإن في سنة الله تعالى الجارية  بتأييده لأنبيائه ورسله بالمعجزات ؛ لأكبر شاهد على أهمية المعجزة وكونها من أوضح البراهين الهادية للإيمان بالرسل.

 

حقيقة المعجزة :

 

 

فالصحيح إذا أن تعرف المعجزة بأنها الأمر الخارق لعادة الخلق أجمعين

 

ويرى الإمام أن إطلاق لفظ الآية أدل في تعريفها وحرزها عن غيرها

 

 

 

 

 

المعجزة عند المتكلمين

 

     تعرف المعجزة بأنها:"  الأمر الخارق للعادة , الواقع على يد مدعي النبوة المقرون بالتحدي مع عدم المعارضة "[76].

 

       وقد اشتمل التعريف على سبعة أمور :

 

أولاً : أن تكون فعلاً لله أو تركاً , فالأول : كنبع الماء من بين الأصابع.

       والثاني : كعدم الإحراق لإبراهيم عليه السلام .

ثانياً : أن يكون خارقاً للعادة لا أن يكون معتاداً.

ثالثاً : أن يكون على يد مدعي النبوة ؛ لأنها إن كانت على يد غيره فلا تسمى معجزة".      

رابعاً : أن تكون مقارنة للدعوى حقيقة أو حكماً .

خامساً : أن تكون موافقة للدعوى , فالمخالفة كفلق الجبل عند قول مدعي النبوة : آيتي فلق البحر , فلا تعد معجزة .

سادسا : أن لا تكون مكذبة إن كان ممن يعتبر تكذيبه, كقوله: آيتي نطق الجماد فنطق بأنه كذاب , فلا تعد معجزة, وإما إن كان مما لا يعتبر تكذيبه , كما إذا قال : آيتي إحياء هذا الميت مثلا, فأحيي ونطق بأنه كذاب فإحياؤه كاف في المعجزة ولا يلتفت لتكذيبه لاتهامه بعد ذلك بالأغراض .

سابعاً : أن تتعذر معارضته إلا من نبي مثله , فالسحر ونحوه لا يعد معجزة.

ثامنا : أن لا يكون الخارق في زمن خرق العادات , كقرب الساعة ".

 

الرد

 

تعرف المعجزة بأنها الأمر الخارق للعادة .

       إلا أن جعل هذا القيد في التعريف قدر مشترك بينها وبين غيرها , كالسحر والكرامة ؛ لا يحصل به التمييز إلا بإضافة قيود أخرى تمنع من دخول غير أفراد المعرف فيه .

    فإن إطلاقه غير صحيح ؛ لأنه يقضي باتحاد الماهية وأعني بها الجنس الذي يشمل المعرف وغيره لاتفاقه معه من جهة الذاتيات المشتركة , ولو مع إثبات تغايرهما من جهة الذاتيات المميزة .

 

       وذلك لأنه لا يمكن بحال الجمع بين هذه الحقائق المختلفة تحت جنس واحد؛ لوجود المغايرة التامة في جميع أجزاء الماهية .

 

       يقرب هذا أن حقيقة الخرق للعادة في كل ما سوى المعجز عند التحقق لا يعد خارقاً في الأصل من كل الجهات , فالسحر والكهانة وهما أشد ما يكون غرابة ومخالفة للمعهود عند عامة الناس" أمور معتادة معروفة لأصحابها ليست خارقة لعاداتهم , وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم ولمن تبعهم "كما أن "الكهانة والسحر يناله الإنسان بتعلمه وسعيه واكتسابه , وهذا مجرب عند الناس , بخلاف النبوة ؛ فإنه لا ينالها أحد باكتسابه"[77]

 

       ومن كل ما سبق يتبين أن خرق العادة حقيقة لا تكون إلا للمعجزة , أما غيرها وإن شوهد مخالفته للمعهود إلا أن هذه المخالفة لا تخرج عن كونها نسبية إضافية لا تستحق إطلاق لفظ الخارق عليها, والذي يوحي بمجانسته لجنس المعجزات من هذا الوجه وهذا المعنى هو مصداق قوله تعالى : {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} (الإسراء:88).

*******

    

    وما ذكر المتكلمون من الفوارق بين المعجزة وغيرها وهي صحيحة  كقولهم أن المعجزة هي الأمرالخارق للعادة الواقع على يد مدعي النبوة السالم من المعارضة المقرون بالتحدي .

    ولكنهم لما جعلوها من جنس واحد ضعفوا هذه المفارقات .

ـ     والحق أنها ليست من جنس واحد أبدا فالمعجزة حقيقة في الخارق لمقدور الثقلين .

  وهذا لا يخفى على ذي لب ولهذا كان إيمان عامة الناس بها لأنها تخالف ما يبهر البداهة مما يعرفه الناس فلم يحتج غالبهم إلى معرفة مثل هذه القيود لتمييزها كما تقدم .

ـ كما أن بعض المعجزات قد يقع بلا دعوى التحدي وهذا معلوم من سير الأنبياء فهبل تخرج هذه ا\لأحوال عن كونها معجزات .

ـ وكونها سالمة من المعارضة شرح وتوضيح لحقيقة الخرق للعادة لذا عده الإمام شرطا وليس شطرا في التعريف .

ـ  وقد أشار شيخ الإسلام رحمه الله  في معرض بيان ما يفرق به بين السحر والمعجزة إلى كثير من الفروق الأخرى المهمة والتي تمثل في الحقيقة أسس الاختلاف بينهما فلايحصل معها الوهم لأولي الألباب,

    فكان الاستدلال بحال الرسل عليهم الصلاة والسلام وما يدعون إليه أكبر ما يفرق به بين ما يدعيه أولئك الدجاجلة وبين ما يؤيد الله تعالى به رسله من المعجزات , وكان ما ذكرته في حقيقة المعجزة من عدم إمكان اكتسابها ومن كونها خارجة عن مقدور جميع الجن والإنس هو الفارق الجوهري الذي يخرج المعجزة عما يمكن أن يلتبس بها على بعض ضعاف العقول .[78]

 

 أما الخوارق التي هي فعل لله تعالى وتقع لغير الأنبياء فإن تميزها عن المعجزات بين من حيث قدرها ودلالتها على النبوة بحيث يرد على بعضها المعارضة فيضعف وجه الإعجاز بها لكل أحد .

وهي كالتالي :

الإرهاص

وهو الخارق للعادة على يد نبي قبل ادعائها .

كما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم من شق صدره وإخراج حظ الشيطان منه مثلا.

وهي تغاير المعجزة في القدر بلا ريب كما أنها فهي تمثل نوع تمهيد لها .

 

أو كرامة :

وهي الخارق للعادة على يد ظاهر الصلاح .

ومغايرتها للمعجزة من حيثيات عدة , يقول الإمام :

      " أما كرامات الصالحين فهي من آيات الأنبياء , ولكن ليست من آياتهم الكبرى

 ولا يتوقف إثبات النبوة عليها ,

وليست خارقة لعادة الصالحين ,

 بل هي معتادة في الصالحين من أهل الملل في أهل الكتاب والمسلمين "[79]

       كما أنها مما يتأتى بطرق الاكتساب الشرعية فليست في معنى المعجزة من حيث إنها محض فضل من الله يؤيد به من أرسلهم هداية للعالمين .

 أو معونة :

 وهي ما كان على يد مستور الحال .

أو استدراجاً :

وهو ما كان على يد فاسق على طبق مراده كما يقع مثلا للمسيح الدجال

 أو إهانة

وهو ما كان على غير مراده ".

 

أهمية المعجزة

المعجزة أمرها عظيم تحدث القرآن الكريم عنها كثيرا في قصص الأنبياء وبها آمن عامة الناس وحق القول عليهم , فأقيم بها البرهان الرباني على العباد

فلا يمكن لأحد أن يقلل من أهميتها أو يحد من مكانتها

ويرجع هذا إلى عظمها وعلو قدرها ومخالفتها للمعلوم المعهود بداهة بحيث لا يملك من أوتي سلامة الأدوات إلا الإقرار بأنها معلم يدل على ربوبية الله وتخصيصه لمن وقعت على يديه بالنبوة

     وتحقيق هذا أن المعجزة  خرق للعادات الجارية بالسنن الكونية بما يحصل التحدي به  بحيث يخرج موجبها المقتضي لتحققها عن مقدور البشر فتصبح بذلك آية واضحة تستند في وضوحها إلى المسلمات الفطرية من وسائل الإدراك الحسية التي لا يمكن بحال التردد في مصداقية ما تتوصل إليه من نتائج  دالة على كونها مرادة لتأييد من أجريت على يديه .

       يقول ابن الوزير[80] في هذه الحقيقة :" فالنظر في المعجزات الواضحات والخوارق الباهرات كان به إيمان عامة أهل الإسلام في زمن الرسول عليه السلام , وبه كان إيمان السحرة في زمن موسى عليه السلام "[81].

 

     وهذا الأصل في إثبات الرسالة لا يمكن التشكيك في أهميته , ومع هذا فالغلو في حصر الدلالة به غير مسلم , فأمر الرسالة من العظم بمكان ؛ بحيث لا يمكن أن يكون طريق العلم بها محصورا في دليل بعينه , وهذا ما نبه إليه شيخ الإسلام في كثير من مؤلفاته القيمة .

 

     وفي بيان الحكمة من اختيار نوع المعجزة لكل نبي فإنه يوضح مدى العلاقة الوثيقة بين نوعها وبين ما برع في أهل زمان ذلك النبي ؛ حتى يتحقق الإعجاز ويظهر كأقوى ما يكون , فيعلل الصاوي ما أيد به عيسى عليه السلام من إحياء الموتى وإبراء المرضي بقوله :" فإن معجزة كل نبي على شكل أهل زمانه , كموسى عليه السلام فإنه بعث في زمن كثرت فيه السحرة ؛ فأعياهم بالعصا واليد البيضاء , وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه بعث في زمن العرب البلغاء ؛ فأعياهم بالقرآن"[82].

 

 

مكانة المعجزة عند المتكلمين

 

 

       ومع نشوء الخلاف بين الفرق الإسلامية ؛ تعددت الآراء حول هذه القضية وكان المعتمد عند غالب المتكلمين أن المعجزة هي البرهان الأوحد على صدق الرسول , وحجتهم في ذلك أن ما سواها غير متعذر معارضته , والمعتزلة هم أول من تبنى هذا المعتقد ووصفوا المعجز بأنه الدليل الأوحد على صدق النبوة , يعرف القاضي عبد الجبار المعجز بأنه : " الفعل الذي يدل على صدق المدعي للنبوة "[83] .

 

       وامتدادا لذلك الفكر فقد صار الاستدلال بالمعجز على صدق الرسول هو المسلك المعتمد عند غالب الأشاعرة , يقول الإيجي في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم:

 

       : "المسلك الأول ـ وهو العمدة ـ أنه ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يده"[84] .

 

       وهذا أمام الحرمين الجويني يعقد فصلاً في تقرير أنه لا دليل على صدق النبي غير المعجزة , ويبرهن لذلك بأنه الدليل الوحيد الذي يتحقق فيه الإعجاز والتحدي وما سواه فقد " يستوي فيه البر والفاجر , فيستحيل لذلك كونه دليلاً "[85] .

 

      وكذلك الآمدي المتكلم المعروف يسير على خطا سابقيه في تقرير الدليل , يقول: " والذي يدل على كونه رسولا من عند الله تعالى أن نقول : إن محمدا كان موجودا , وأنه ادعى الرسالة عن الله عز وجل , وأنه ظهرت المعجزات على يده , وأنه تحدى بها ولم يوجد لها معارض ؛ فكان رسولا "[86] .

 

 

       ولم يكن هذا القول مع الصدارة الفكرية التي كانت له في المذهب الأشعري محل إجماع , بل خالف فيه بعض كبار منظري المذهب الأشعري كالغزالي والرازي ؛ إتباعاً للمنهج القويم المستمد من الكتاب والسنة , فهذا الغزالي يطيل النفس في تقرير دليل النبوة بعيدا عن منهج المتكلمين , يقول :" ومن نظر في أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ورد من الأخبار في اهتمامه بإرشاد الخلق وتلطفه في حق الناس بأنواع اللين واللطف إلى تحسين الأخلاق وإصلاح ذات البين , وبالجملة إلى ما يصلح به دينهم ودنياهم ؛ حصل له علم ضروري بأن شفقته على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده , وإذا نظر إلى عجائب ما ظهر عليه من الأفعال وإلى عجائب الغيب التي أخبر عنها في القرآن على لسانه وفي الأخبار وإلى ما ذكره في آخر الزمان وظهر ذلك كما ذكره ؛ علم علما ضروريا أنه بلغ الطور الذي وراء العقل وانفتحت له العين التي ينكشف منها الغيب , والخواص والأمور التي لا يدركها العقل , وهذا هو منهاج يحصل به العلم الضروري بصدق النبي صلى الله عليه وسلم "[87] .

       وممن تأثر بما ذهب إليه الغزالي الرازي , فعند الاستدلال على نبوة المصطفى عليه الصلاة والسلام يذكر إلى جانب الاستدلال بالمعجز :" إثبات نبوته عليه السلام بالاستدلال بأخلاقه وأفعاله وأحكامه وسيره , فإن كل واحد منها وإن كان لا يدل على النبوة لكن مجموعها مما يعلم قطعا أنه لا يحصل إلا للأنبياء "[88] .

 

 

*****************

     

 ثانياً: الاستدلال بحال الرسول عليه الصلاة والسلام فيما اتصف به من صدق ورجاحة عقل وعدالة مشهود لها في قومه,

 

 وتقوم هذه الدلالة على استقراء مجموع أحواله قبل البعثة وبعدها مما يصل بالمستبين إلى درجة اليقين من استحالة كذب من استقامت أحواله بالصدق التام والعقل الراجح والخلق العظيم , فالصدق وهو أعظم ما يبحث عنه من أحوال مدعي النبوة تتأتى طرق معرفته من جهات متعددة بحيث يسهل التمييز في شأن من ادعاه كذبا وزورا ممن قامت أحواله به حتى استحق الاتصاف به على جهة العلمية كما كان شأن المصطفى عليه الصلاة والسلام.

 

      هذا والقرآن الكريم في كثير من المواضع يلفت أنظار الممترين إلى كثير من الحقائق المعهودة في أحوال الرسل والتي امتزجت بها شخصيته عليه الصلاة والسلام , مما لا يدع لهم مجالاً للشك والتمادي في طرق الغواية بعيداً عن الاعتراف بهذه الحقيقة الإيمانية , وفي ذلك كان قول حسان بن ثابت رضي الله عنه :

 

لو لم تكن فيه آيات مبينة       كانت بديهته تأتيك بالخبر[89]

 

       ثم إن في صفات الرسول الأخرى , كالخلق الرفيع والأمانة والنزاهة وإرادة الخير والبعد عن مواقع الريبة ما يجزم بصدقه فيما ادعاه , وبهذا استدلت السيدة خديجة رضي الله عنها على نبوته عليه الصلاة والسلام وردت عنه ما خالجه من ريبة في أمره , حيث قالت : " فقالت  خديجة  : كلا والله ما يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق "[90]

       يقول شيخ الإسلام في تعليقه على هذه المقولة العظيمة : " وقد علم من سنة الله أن من جبله الله على الأخلاق المحمودة , ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه , وأيضاً فالنبوة في الآدميين هي من عهد آدم عليه السلام فإنه كان نبياً وكان بنوه يعلمون نبوته وأحواله بالاضطرار , وقد علم جنس ما يدعو إليه الرسل وجنس أحوالهم , فالمدعي للرسالة في زمن الإمكان إذا أتى بما ظهر به مخالفته للرسل علم أنه ليس منهم , وإذا أتى بما هو من خصائص الرسل علم أنه منهم لاسيما إذا علم أنه لابد من رسول منتظر , وعلم أن لذلك الرسول صفات متعددة تميزه عمن سواه , فهذا قد يبلغ بصاحبه إلى العلم الضروري بأن هذا هو الرسول المنتظر , ولهذا قال تعالى : {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهو يعلمون} (البقرة:146) "[91]

       وهذا هو مصداق قوله تعالى : {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (الأنعام:124) فإنه عز وجل قد هيأ لأمر الرسالة من علت أحوالهم البشرية حتى وصلوا إلى ذروة الكمال الممكن لها ؛ وذلك بما اتصفوا به من عظيم الخلق وجمال الخلق , وقد             قال تعالى في معرض امتنانه على أشرف خلقه : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}  (آل عمران:159).

 

        ومعلوم أن في انفضاض الناس عن المرسل ما يقضي بانتفاء الغاية التي من أجلها كانت الرسالة ؛ إذا فانتفاء هذا الحال عنه فيه إشارة إلى أن أحوال الرسل محض عناية من الله تعالى , إذ يتوقف عليها القيام بأمر الرسالة من حيث التحمل والأداء , وعليه فإن انتظام هذه المقامات العالية في شخص ما مع ادعائه للنبوة في وقت إمكانها ليقضي بصدقه فيما ادعاه كما تقرر ذلك من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام[92].

       ولا شك أن في انضمام هذا المسلك إلى المسلك الذي قبله ما يصل بالمتأمل فيهما إلى درجة اليقين , يقول الإمام ابن الوزير :" إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة أوصافه , وقرائن أحواله لتفيد العلم الضروري العادي وحدها , فإذا انضمت إلى المعجز محت الوسواس وأطفأته , كما يطفئ الماء النار "[93]

 

 

 

 ثالثاً : الاستدلال بحال الدعوة نفسها

وهو في الحقيقة استدلال بالركائز التي يقوم عليها أمر الدعوة وما يترتب عليها  من نتائج فعالة على الفرد والمجتمع , فإنه مما علم ضرورة من حال الأنبياء في دعوتهم الأمم العناية بأمر التوحيد ونبذ الشرك وأهله , وأيضاً الاهتمام بمصالح الأفراد وذلك  بالحث على التمسك بفضائل الأعمال والأقوال , وكان هذا المسلك في تقرير النبوة هو حقيقة ما استند إليه النجاشي في التصديق برسالة النبي صلى الله عليه وسلم ,حيث قال : [إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ].[94]

       وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام " وقد علم جنس ما جاءت به الأنبياء والمرسلون وما كانوا يدعون إليه ويأمرون به , ولم تزل آثار المرسلين في الأرض ولم يزل عند الناس من آثار الرسل ما يعرفون به جنس ما جاءت به الرسل ويفرقون به بين الرسل وغير الرسل "[95]

 

       وإن مما يتعلق بشأن الدعوة ما يترتب عليها من نتائج تظهر محكمة في حال المدعويين , فإنه من أصدق ما يستدل به على صدق مدعي الرسالة استمرار شأنها بعلو أتباعها ونصرتهم  وخذلان أعدائها وضعتهم  , قال تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ} (يوسف:109)

 

       يقول شيخ الإسلام رحمه الله ؛ استدلالا بهذه الآية الكريمة على هذا المسلك:" ومثل هذا في القرآن متعدد , ففي غير موضع يذكر الله تعالى قصص رسله ومن آمن بهم وما حصل لهم من النصر والسعادة وحسن العاقبة , وقصص من كفر بهم وكذبهم وما حصل لهم من البلاء والعذاب وسوء العاقبة , وهذا من أعظم الأدلة والبراهين على صدق الرسل وبرهم , وكذب من خالفهم وفجوره ..كمن شاهد أصحاب الفيل وما أحاط بهم ومن شاهد آثارهم بأرض الشام واليمن والحجاز وغير ذلك"[96]

       وقد جمع الاستدلال بهذين المسلكين : حال المرسل والمرسل به هرقل ملك الروم , وذلك حين أرسل إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام يدعوه إلى الإسلام وأبو سفيان في بعض أسفاره في الشام مع بعض أصحابه فاستدعاه هرقل وسأله عن بعض ما يمكنه من معرفة مدى صدق الرسول فيما دعاه إليه , فجعل يسأله وأمر من معه أن يصدقوه أو يكذبوه فيما يجيب به سؤاله ,قال أبو سفيان حاكياً قصة الحوار الذي دار بينهما :" ثم كان أول ما سألني عنه أن قال : كيف نسبه فيكم ؟ قلت : هو فينا ذو نسب .

       قال : فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله ؟  قلت : لا .

       قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟  قلت : لا .

       قال : فأشراف الناس يبتعونه أم ضعفاؤهم ؟  فقلت : بل ضعفاؤهم .

       قال : أيزيدون أم ينقصون ؟  قلت : بل يزيدون .

       قال : فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟  قلت : لا .

       قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟  قلت : لا .

       قال : فهل يغدر ؟  قلت : لا ، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها , قال :  ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذا الكلمة .

       قال :  فهل قاتلتموه ؟  قلت : نعم . قال : فكيف كان قتالكم إياه ؟  قلت : الحرب بيننا وبينه سجال ، ينال منا وننال منه .

       قال : ماذا يأمركم ؟  قلت : يقول : اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.

 

       فقال للترجمان : قل له : سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب ، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها .

       وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول ، فذكرت أن لا ، فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله ، لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله .

       وسألتك هل كان من آبائه من ملك ، فذكرت أن لا ، قلت : فلو كان من آبائه من ملك ، قلت : رجل يطلب ملك أبيه .

       وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ، فذكرت أن لا ، فقد أعرف عنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله .

       وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ، فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه ، وهم أتباع الرسل .

       وسألتك أيزيدون أم ينقصون ، فذكرت أنهم يزيدون ، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم .

       وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ، فذكرت أن لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب .

       وسألتك هل يغدر ، فذكرت أن لا ، وكذلك الرسل لا تغدر .

       وسألتك بما يأمركم ، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وينهاكم عن عبادة الأوثان ، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف ، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، لم أكن أظن أنه منكم ، فلو أني أعلم أني أخلص إليه ، لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه"[97].

 

       إن الإستدلال بالقرآن العظيم  على صدق النبوة جمع بين الاستدلال بالمعجز وبين الاستدلال بحال الدعوة , أي بما تضمنه من أخبار وعلوم حوت مبادئ الدين الذي أنزل ليكون دستورا له حافظا لمقومات بقائه من الأصول والمباني التي لا قوام له إلا بها , مع كونه قد حصل به الإعجاز التام وذلك من عدة  جهات, أولها  النظم فقد تحدى المولى به على أقصر سورة منه ,قال تعالى : {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} (الإسراء:88)

دلالة القرآن العظيم على النبوة

       كما أن القرآن العظيم يحوي من الأخبار والعلوم  الشاهدة والغائبة ما يحيل إمكان نسبته لبشر مهما بلغ من العلم والعقل, وقد شهد بهذا أعتى من استنكف عن الاستسلام لمقتضى الإقرار بإعجازه ودلالته على صدق من أتى على يده , ويحكي لنا القرآن في ذلك موقف الوليد وكيف أنه تبين له الحق ولكن كفره وبغيه حال دون الإيمان برسالة المصطفى عليه السلام .

       ومن هذا المنطلق في الفهم لحقيقة الاستدلال بالقرآن العظيم على نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم يتبين لنا أن الإعجاز الحاصل بطريقه  حاله ليس كحال باقي المعجزات الحاصلة على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام , إذ أن اتحاد عدد من الأدلة في دليل واحد يقضي بقوته واستعلائه على غيره .

 

      هذا من جهة ومن جهة أخرى , فإن استقلال المدعو له بالدلالة على صدقه ليقضي باستحقاقه الكافي في الاستغناء عما سواه ؛ مما يشهد بصدقه كدليل خارج عنه, فدلالته عندئذ تكون مرتبطة به بحيث لا يمكن بحال الفصل بين حقيقة الدليل والمستدل له , مما يحمل على الجزم بتصديقه دون أدنى ارتياب في أمره, فـ" القرآن هو بنفسه الوحي المدعى , وهو الخارق المعجز , فشاهده في عينه , ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي , فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه ".[98]

       وهذا ما وصفه به الرب تعالى إذ قال في محكم التنزيل : { ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ}.

       والحديث في أوجه إعجاز القرآن الكريم حديث متصل العظمة , مستجمع أقطاب الكمال , إذ تقصي مكامن علوه وهيمنته ليعد في حقيقة الأمر ضرباً من المحال , ويكفي في الإشارة إلى ذلك بيان حقيقة القرآن من حيث إنه كلام الله تعالى خرج منه وإليه يعود , ففضل كلامه تعالى على كلام خلقه كفضله هو سبحانه على سائر خلقه , ومن هنا أتى معجز الألفاظ , تقاصرت عن محاكاته همم البلغاء من أهل الفصاحة والبيان , فالتحدي به باق إلى قيام الساعة .

 

أنواع المعجزات النبوية

       المؤلفات عديدة في بيان كثرة معجزات الرسول عليه الصلاة والسلام, ولم يرد دليل يعتمد عليه في حدها بعدد معين. [99]

      ومن أعظم معجزات المصطفى صلى الله عليه وسلم : حادثة انشقاق القمر , ففي صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله تعالى : {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} قال : (قد كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ,انشق القمر فلقتين , فلقة من دون الجبل وفلقة من خلف الجبل , فقال رسول الله :(اللهم اشهد)"[100]

 

       كذلك حادثة الإسراء والمعراج فقد نطق الكتاب العزيز بهذا كما تواترت به الأحاديث بما لا يشك فيه وعليه فلا ينكر هذا إلا زنديق لا يعول على كلامه.

 

      وكانت حادثة نبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام من معجزاته , فقد ورد في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بإناء من ماء ، فأتي بقدح رحراح ، فيه شيء من ماء ، فوضع أصابعه فيه ، قال  أنس  : فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه ، قال  أنس  : فحزرت من توضأ ، ما بين السبعين إلى الثمانين)[101]

 

       ومعجزاته كما وردت في الصحاح كثيرة لا مجال لحصرها هنا ويكفي العلم بأن الله تعالى قد خص نبينا بالكثير من المعجزات الدالة على تأييد الله تعالى له وكان أعظمها المعجزة الخالدة  معجزة القرآن العظيم التي تحدى الله تعالى بها الأمم إلى قيام الساعة .

 

******

 

الإيمان بالكتب المنزلة

 

أولا / مكانة الإيمان بالكتب      

 

    الإيمان بالكتب المنزلة على الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام حقيقة دعا إليها الدين الحنيف معظما شأنها قد أناط بتحقيقها ثبوت الإيمان الشرعي , فلا يتأتى لمعرض عنها نجاة من الكفر الموجب للخلود في النار, ويأتي الأمر بالإيمان بها تبعاً للإيمان بالمرسلين عليهم الصلات والسلام , وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة في قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ } (النساء:136) .

       يقول الشيخ السعدي رحمه الله منبها إلى هذه الحقيقة : " ويدخل في الإيمان بالرسل الإيمان بالكتب , فالإيمان بمحمد يقتضي الإيمان بكل ما جاء به من الكتاب والسنة ألفاظها ومعانيها , فلا يتم الإيمان إلا بذلك "[102]

 

       والأدلة في وجوب الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء جميعا كثيرة كلها تؤكد وجوب عدم التفريق في الإيمان بما أنزل على المصطفى صلى الله عليه وسلم وما أنزل على الأنبياء , قال تعالى : {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ }(البقرة:136)

 

ثانيا / كيفية الإيمان بالكتب

 

       ومع وجوب التزام هذا الأصل الإيماني العظيم في حق الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم , إلا أنه يتفاوت من حيث  ما يقتضيه ذلك الالتزام , فليس الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء السابقين مماثلا للإيمان بما أنزل على المصطفى صلى الله عليه وسلم , إذ يكفي في الإيمان بها الإيمان الجملي الذي يقضي بتصديق كونها من عند الله تعالى على جهة الإجمال لا التفاصيل , وذلك لأسباب سيأتي بيانها , أما الإيمان بالكتاب المنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم ؛  فإنه يوجب الإيمان بكل ما ورد فيه حتى أنه من أنكر حرفا منه قد أجمع عليه فقد كفر.

       ومن هنا شرع التفصيل في كيفية الإيمان بالكتب بتقسيمه على نوعين :

 

الإيمان المجمل ، و الإيمان المفصل :

       أما الإيمان المجمل ؛

فهو الإيمان الذي يتعلق بالكتب السابقة ، وحقيقته ؛ أنه  إيمان يقوم على التصديق بأن هذه الكتب بأسمائها قد أنزلها المولى تبارك وتعالى على أنبياء معينين بأسمائهم , وأنها قد احتوت على أصول الإيمان المعروفة , كالإيمان بالله ، وأسمائه وصفاته ، وتوحيده ، والإيمان بالرسل ، والملائكة ، و أن كل ما فيها فهو خير ، أنزله المولى تعالى رحمة وهداية للمرسل إليهم .

 

       وفي الدلالة على ما احتوته تلك الكتب من توحيد الله تعالى من أصول الإيمان , ثبوت ذلك بالدليل القطعي من القرآن والسنة , قال : {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}(الشورى :13) .

      وهذا المعنى العظيم الذي يتعلق باحتواء الكتب السابقة على حقائق الإيمان الكبرى أتى  صريحاً في قوله تعالى : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} المائدة:66).

      

فإن جل الحكمة من الأمر بإقامة التوراة والإنجيل والعمل بمقتضى أخبارها هو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وطاعته والدخول في دينه , بما يتحقق معه التزام حقائق الدين , فقد نبه القرآن الكريم إلى وضوح معالم شخصية النبي المنتظر وانطباقها تماماً على شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في كتبهم حتى قال عز من قائل : {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة:146) .

 

       يقول شيخ الإسلام رحمه الله مبينا حقيقة الأمر بإقامة الكتاب : " فإن إقامة الكتاب : العمل بما أمر الله به في الكتاب , من التصديق بما أخبر به على لسان الرسول , وما كتبه الذين نسخوه من بعد وفاة الرسول ومقدار عمره ونحو ذلك ليس هو مما أنزله الله على الرسول ولا مما أمر به ولا أخبر به وقد يقع مثل هذا في الكتب المصنفة, يصنف الشخص كتاباً فيذكر ناسخه في آخره : عمر المصنف , ونسبه , وسنه, ونحو ذلك مما ليس هو من كلام المصنف ولهذا أمر الصحابة والعلماء بتجريد القرآن , وأن لا يكتب في المصحف غير القرآن, فلا يكتب أسماء السور ولا التخميس ."[103]

 

       وعليه فإن أي أمر لم يثبت وجوده في الكتب السابقة بطريق الوحي المعصوم فلا يلزم الإيمان به ؛ ولو مع عدم مخالفته لما تقرر من الشريعة المحفوظة , دل على ذلك الحديث الصحيح , فعن  أبي هريرة  قال : كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا : { آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم })[104].

       وأساس ذلك التفريق في كيفية الإيمان بتلك الكتب ما دلت عليه النصوص الشرعية في إثبات حصول التحريف لتلك الكتب , حيث داخلها الكثير من النصوص البشرية الصادرة عن أيد مغرضة , تبغي الحياة الدنيا بالآخرة , فكان هذا الإجمال حتى لا يداخل المعتقد ما ليس بحق .

       قال تعالى في بيان ما أصيبت به الكتب السابقة من تحريف : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} (المائدة: 41 ) .     

 

       أما الإيمان المفصل ؛

 

فهو الذي يتعلق بالقرآن الكريم لفظاً ومعنى , فقد تعبدنا المولى تبارك وتعالى بالإيمان بكل حرف في هذا القرآن , قال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:89) .

       فالحديث عن القرآن , حديث عظيم يتصل بالحديث عن عظمة المولى تبارك وتعالى , إذ حقيقة الإيمان به نابعة من التصديق بصفة من صفاته عز وجل ؛ وهي صفة الكلام ,مع تكفل المولى بحفظه من مشوبات التغيير والتحريف كما دلت على ذلك الآية الكريمة .

       ولكل هذا فإنه مما عُلم من الدين بالضرورة أن من أنكر حرفاً من القرآن العظيم فقد كفر .

       وليس يقف الأمر عند التصديق بألفاظه ومبانيه ؛ بل لابد من إتمام مقتضيات الإيمان به على جهة التفصيل , فيتحتم التسليم لكل ما أتى به من الأخبار والأحكام, وفقاً لما فهمه الصحابة الكرام, إذ الأخذ عنهم لا يتوقف على اللفظ فقط ,وإنما ينسحب حكمه أيضاً على كل ما يتعلق به من الفهم والاستنباط حتى تبقى حقيقة الحفظ التي أخبر عنها المولى تبارك وتعالى حية يعمل بها كل مؤمن يعلم صدق ما أخبر به عز وجل.

       وعلى هذه الحقائق الإيمانية المتعلقة بالكتاب العظيم دلت السنة المطهرة مؤكدة مفسرة مبينة , مفصلة ما أجمل , مصدقة بما أخبر, تقضي بوجوب العمل به والإنكار على من تأوله بالباطل قولاً أو عملاً .

 

 

 

 

 

 

 

ثالثا / نماذج تفصيلة عن الإيمان بالكتب المنزلة

 

أولا /الإيمان بالقرآن الكريم

 

القرآن لغة :

       يرجع معنى القرآن في اللغة إلى القرء وهو الجمع , فقد سمي قرآنا لأنه يجمع السور فيضم بعضها إلى بعض , قال تعالى : {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}   (القيامة:17).

 

       وجاء في لسان العرب ؛ " الأصل في هذه اللفظة الجمع , وكل شيء جمعته فقد قرأته , وسمي القرآن لأنه جمع القصص ، والأمر ،  والنهي ، والوعد ، والوعيد ، والآيات والسور بعضها إلى بعض ؛ وهو مصدر كالغفران ، والكفران " [105].

 

القرآن اصطلاحا

       والقرآن هو الكلام المعجز المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم للتحدي , المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته.

والقرآن مكتوب ، ومسموع ، ومحفوظ هو كلام الله , قال : {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ}

       وقال : {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}  ( العنكبوت:49).

 

       قد أنزله المولى تبارك وتعالى على قلب النبي بواسطة الملك جبريل : {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} (الشعراء:193ـ 194).

     

كيفية نزول القرآن الكريم    

 

   أما عن كيفية ذلك النزول فقد ورد أنه أنزل جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء , وهذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما, حيث قال : ( فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل عليه السلام ينزله على النبي صلى الله عليه و سلم و يرتله ترتيلاً)[106]

       وكان وقت نزوله جملة في رمضان ليلة القدر, قال تعالى : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن}( البقرة:185) , وقال : {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}.[107]

       وعند نزوله على قلب النبي فقد كان ينزل منجما بحسب ما تقتضيه حكمة المولى , قال تعالى : {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً}( الإسراء:106).

 

       وقد بين الشارع  جانبا من حكمة ذلك التنجيم , حيث قال : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}( الفرقان:32).

 

مكانة القرآن الكريم من الكتب السابقة

 

         ـ ولعظمة هذا الكتاب واشتماله على أنواع الهداية التي احتوتها كل الكتب السابقة , فقد تمت له الهيمنة عليها , فكان خاتمها والباقي إلى يوم القيامة , فعلاقته بها علاقة تصديق وهيمنة , ولبيان هذه العلاقة فإن شيخ الإسلام رحمه الله يعقد مقارنة بين الكتب المنزلة , وذلك في ضوء الآيات المتتالية في سورة المائدة من قوله تعالى : {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ}إلى قوله : {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } (المائدة:48)

 

       وقوله تعالى : {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ} (آل عمران:3) , يقول : " فهذا وما أشبهه مما فيه اقتران التوراة بالقرآن وتخصيصها بالذكر, يبين ما ذكروه من أن التوراة هي الأصل والإنجيل تبع لها في كثير من الأحكام وإن كان مغايراً لبعضها, فلهذا يذكر الإنجيل مع التوراة والقرآن, في مثل قوله : {وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ}( التوبة:111) , فيذكر الثلاثة تارة , ويذكر القرآن مع التوراة وحدها تارة لسر , وهو أن الإنجيل من وجه أصل , ومن وجه  تبع , بخلاف القرآن مع التوراة , فإنه أصل من كل وجه , بل هو مهيمن على ما بين يديه من الكتاب , وإن كان موافقاً للتوراة في أصول الدين "[108]

 

        فقد بين رحمه الله أن وجه المغايرة بينهما هو اختلاف الأحكام الشرعية على جهة التفصيل , كما أشار إلى أن مكمن الاتفاق بينهما هو اتحادهما في الدلالة على أصول الدين .

      وهذا الاعتقاد مبني قي حقيقته على أن النسخ في الأخبار ممنوع تماما في حق المولى تعالى ؛ لأنه خبر , والخبر : إما صدق وإما كذب , والله عز وجل منزه عن الكذب بأي صورة منه , بل وموصوف بأتم صفات الصدق وأكملها , قال تعالى : {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }(الأنعام: 115) , قال المفسرون : " صدقا في الأخبار وعدلا في الأحكام ".

       أما نسخ الأحكام , فجائز لما يقتضيه كمال عدله سبحانه , قال تعالى : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}( المائدة:48).

******

الإعجاز في القرآن الكريم   

 

 الحديث في عظمة القرآن وأنواع الإعجاز فيه ذو شجون , ويمكن إيجاز القول فيه بأن الإعجاز في القرآن الكريم على ضربين , فقد أعجز لفظاً ومعنى , ولكن الكلام في ما اشتمل عليه ذلك اللفظ والمعنى من أنواع الإعجاز, فقد أحار الأولين والآخرين في الإحاطة به ,

وقد تناول الزركشي أقوال العلماء في بيان أنواعه : حيث البلاغة من جهة تفاوتها واستمرارها في كل ألفاظه , وعدم إمكان التعبير عنه بنفس المراد مهما بذل من جهد , ومن جهة نظمه وتأليفه ,ومن جهة سلامته مع غرابة أسلوبه , ومن جهة ما تضمنه من أخبار الأولين والآخرين , ومن جهة حديثه عن الغيب , وغير ذلك مما يعجز المقام عن التفصيل فيما أشار إليه رحمه الله  حتى قال في الوجه الثاني عشر : " قول أهل التحقيق : إن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال , لا بكل واحد على انفراده , فإنه جميع ذلك كله , فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع , بل وغير ذلك مما لم يسبق , فمنها الروعة التي في قلوب السامعين وأسماعهم .

 

  ومنها أنه لم يزل ولا يزال غضا طريا في أسماع السامعين , وعلى ألسنة القارئين .

 ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة , وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبا في كلام البشر"[109] ، إلى غير ذلك من المعاني التي استرسل في بيانها رحمه الله .

 

      هذا وقد جد في العصر الحاضر حديث آخر عن أوجه إعجاز هذا الكتاب العظيم , ألا وهو الإعجاز العلمي , فقد أقيمت الكثير من الأبحاث والدراسات لتكشف عن شيء من عظمة إعجازه في هذه الجوانب الحسية التجريبية , وهذا كله فيه مصداق لقول الحق جل في علاه : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }( فصلت:53).

 

قواعد في فهم القرآن الكريم

     

       تجدر الإشارة إلى الطريقة المثلى التي سار عليها أئمة السلف في تفسير القرآن الكريم , إذ الأصل المعتمد الذي تقوم عليه الطريقة الصحيحة هو : التفسير إما بنقل ثابت , أو رأي صائب , وما سواهما فباطل.

       ويرجع هذا الأصل من حيث المستند إلى ما تواتر من دلائل الكتاب والسنة وأقوال السلف .

      هذا ويندرج تحت ذلك الأصل عدد من القواعد المتعلقة بأنواع النقل وترتيبها حسب الأهمية , فلا تصح مجاوزة قول النبي إلى قول غيره مع التيقن من صحته , كما لا يعدل عن القول الصحابي إلى من هو دونه مع وجوده , وإذا اختلف في المسألة على قولين ينظر في أدلة كل منهما وثبوتها من حيث السند , إلى غير ذلك .

 

       ومع عدم وجود تفسير للنص من الأحاديث والأخبار والآثار ؛ فإنه يرجع إلى تفسير القرآن باللغة التي نزل بها ، ومن هنا يكون مدخل الرأي الصائب ؛ حيث يعمل دلالة اللغة إلى أقرب معنى ، وأصحه ، وأفصحه من معاني اللغة العربية في ضوء ما يرتبط به من نصوص فسرت بالنقل الصحيح . فلا يخرج عن معهود الشارع في مراده من النصوص في الغالب .

       يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في وجوب إعمال الأصل السابق , وذلك في حديثه عن حقيقة الرأي الصائب : " أن يكون ـ أي الرأي المحمود ـ بعد طلب علم الواقعة من القرآن , فإن لم يجدها في القرآن , ففي السنة , فإن لم يجدها في السنة , فبما قضى به الخلفاء الراشدون , أو اثنان منهم , أو واحد , فإن لم يجده , فبما قاله واحد من الصحابة رضي الله عنهم فإن لم يجده , اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب الله وسنة رسوله  صلى الله عليه وسلم وأقضية أصحابه , فهذا هو الرأي الذي سوغه الصحابة , واستعملوه , وأقر بعضهم بعضاً عليه "[110]

 

وهذا هو التفسير بالمأثور حقيقة فإن قورن بالرأي المبرهن بقواعده كان رأيا محمودا صحيحا , وإلا بأن خرج عن هذه الضوابط فإنه مما يستحق الذم .

 

       إذاً فالرأي المذموم الذي أتى فيه الوعيد ؛ هو " رأي مجرد لا دليل عليه , بل هو خرص وتخمين " .

 

       أما الرأي المحمود ، والذي لا مندوحة عنه للمفسر العالم  في كثير من الأحيان ؛ فهو الذي يستند " إلى استدلال ، واستنباط من النص وحده ، أو من نص آخر معه "

 

       ومن هنا نعلم حقيقة ما أثر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في التوقف عن التقول في كتاب الله برأيه , فإنه رضي الله عنه سئل عن معنى : {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} , فقال : ( أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأي)[111] .

       فالدافع إلى توقفه رضي الله عنه ؛ هو عدم علمه بما يستند إليه في تفسيره لهذه الكلمة .

 

التفسير الباطن والتفسير الإشاري

 

       إذا تبين هذا ، وعلم أن الرأي لا يكون صائباً إلا إذا استند إلى حقائق شرعية لغوية , وأنه قد أثر توقف كبار الصحابة عن تفسير القرآن بالرأي المحض ؛ علم ضلال القائل باختصاص أهل الولاية في فهم المعاني الإشارية دون غيرهم من أهل العلم بالشريعة التي يطلق عليه الصوفية "علم الظاهر".

 

       وهذا يستند إلى عدد من الشبهات عند هذه الطائفة :

 

      أولها : اعتقاد أن للقرآن الكريم ظاهرا وباطنا , وأنه لا دلالة واضحة من ظاهره لباطنه ؛ بل قد يخالفه تماما ، بحيث يتأتى للمقتصر على فهم القرآن بظاهر ألفاظه الوقوع في الخطأ المبين إذا أراد أن يستوحي باطن اللفظ , فيقع في الإثم المبين .

 

      ثانيها : تقسيم العلم إلى علم مكتسب وعلم لدني , وأن من كان علمه مكتسباً لا يتصور منه استنباط الإشارات الباطنية , لأنها لا تتأتى بطريق الاكتساب , بل هي محض فضل من الله تعالى , قد ينال بنوع اجتهاد , ولكنه لا يرجع إلى نحو الأسباب التي يتأتى بها العلم المكتسب .

 

        ثالثها : التفريق بين العوام والخواص , وجعل طبقة علماء الظاهر من جملة العوام الذين ليس لهم اجتهاد في فهم الإشارات اللدنية , وإرجاع فهم الحقائق إلى أهل الولاية وهم من يسميهم بالخواص .

 

       ـ أما المسألة الأولى ؛ وهي اعتقاد أن للقرآن ظاهرا وباطنا ,  فهذا ما عليه غالب أهل التصوف , وقد نشأ من هذا الاعتقاد ما يسمى بالتفسير الإشاري عند الصوفية , حيث يتوسط في مكانته بين التفسير بالمأثور وبين التفسير الباطني المعتمد عند أهل الباطن , فنجد هذا النوع من التفسير عند بعض المتصوفة يأخذ طابع العمق حتى يخرج به عن التفسير المعهود .

 

       وقد يقع في التأويل الباطني المنحرف بأقصى درجات الانحراف , وقد ينحو به نحو الاعتدال ، وهذا ما عليه الغالب , إلا أنه قد يقع في كثير من التخليط فيبعد عن النص بتأويلات بعيدة , لا يدل عليها من قريب ، أو بعيد.

 

       وقد يقرب ببعضهم حتى لا يكاد يبعد عن تفسير أهل السنة المعتاد[112]

 

 

       والحق في هذه المسألة أن التفريق بين الظاهر والباطن من محدثات الأهواء والبدع , فإن علاقة الباطن بالظاهر علاقة ملازمة , لا يمكن بحال الفصل بينهما , فلا يستدل بالنص على أمر لا يدل ظاهره عليه مفهوما أو منطوقا , ولعلي أشير إلى بعض المعاني التي قد تكون صحيحة في نفس الأمر إلا أن علاقتها بالنص تكاد توسم بالبتر, حيث يضرب الإمام الشاطبي مثلاًَ لذلك الانحراف في الفهم .

 

        فيقول :" لو فسر قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}(النساء:43) : " بأن السكر هو سكر الغفلة والشهوة وحب الدنيا المانع من قبول العبادة في اعتبار التقوى , كما منع سكر الشراب من الجواز في صلب الفقه , وأن الجنابة المراد بها التضمخ بدنس الذنوب , والاغتسال هو التوبة , لكان هذا التفسير غير معتبر ، لأن العرب لم تستعمل مثله في مثل هذا الموضع ، ولا عهد لها به , لأنها لا تفهم من الجنابة ، والاغتسال إلا الحقيقة ".

 

       كما يشير إلى ضرب آخر لا حقيقة له في الأصل ولا علاقة له بالنص على الإطلاق , فصلته بالمعنى المراد مبتورة تماما " ومثله قول من زعم أن النعلين في قوله تعالى : {فَاخْلَعْ نَعْلَيْك}(طه:12) إشارة إلى خلع الكونين , فهذا على ظاهره لا تعرفه العرب لا في حقائقها المستعملة ولا في مجازاتها ".

 

       ثم يبين وجه القطع بعدم إرادة مثل هذه المعاني , يقول : " فلا يصح استعمال الأدلة الشرعية في مثله , وأول قاطع فيه أن القرآن أنزل عربيا وبلسان العرب , وكذلك السنة إنما جاءت على ما هو معهود لهم , وهذا الاستعمال خرج عنه "[113]

 

      إذاً حقيقة الفصل بين الظاهر والباطن وهم لا أساس له , بل هو أساس لكل باطل من التفسير بالرأي الذي يحرم اعتماده في حق من تصدى لتفسير القرآن الكريم .

 

       وعلم أيضاً ضلال من قدم أهل الولاية كما يسمون عند المتصوفة على أهل العلم بالحقائق الشرعية المكتسبة من الطرق اليقينية.

 

       وعلم أيضاً ضلال من خرج عن هدي الصحابة الكرام في توقفهم عن تفسير كتاب الله بغير مستند شرعي ؛ مع ثبوت الرفعة لمكانتهم عند الله , وخيريتهم على سائر القرون .

       بل وعلم ضلال الصوفية أيضاً في تقديم خواصهم على ما أثر عن الصحابة لمعرفة ما يسمى بعلم الإشارات , الذي كثيراً ما يخرج بصاحبه إلى التقول على الله بغير علم ، وإلى الابتداع المنهي عنه , وقد يقع به أيضا في الكفر والعياذ بالله .

 

       ونقل عن ابن الصلاح[114] أنه قال في فتاويه عن تفاسير هؤلاء : "  الظن بمن يوثق به منهم إذا قال شيئا من أمثال ذلك أنه لم يذكره تفسيرا , ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة في القرآن العظيم , فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية , وإنما ذلك منهم ذكر لنظير ما ورد به القرآن , فإن النظير يذكر بالنظير , فمن ذلك قول بعضهم فى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَة}( التوبة:123) :  إن المراد النفس , فأمرنا بقتال من يلينا ،  ,لأنها أقرب شيء إلينا

 وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه.

     فكأنه قال : أمرنا بقتال النفس ومن يلينا من الكفار, ومع ذلك فياليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك , لما فيه من الإبهام والالتباس  .انتهى من كلامه رحمه الله [115].

 

      فهل بعد هذا التقول على كتاب الله بغير علم من ضلال ؟

     

      ـ  وبهذا يتبين أن تقسيم السابق للعلوم من حيث طرق تحصيلها إلى مكتسب ولدني, وأن معرفة الإشارات لا تتأتى لأحد من أهل العلم المكتسب, لا حقيقة له , بل هو محض وهم .

      ومبنى هذا التصور أن الإلهام مصدر من مصادر التلقي التي يستند إليها في فهم الكتاب العظيم , وقد تقدم بطلان هذا وبيان أن الإلهامات لا يستند إليها فيما يتعلق بفهم نصوص الشرع, إذ ليس لأهل الولاية عصمة من وساوس الشيطان وتضليله , وإنما ترجع في حجيتها إلى موافقتها لمصدر التلقي اليقيني : الكتاب والسنة , فما وافقهما قبل , وإلا فلا اعتداد به البتة في أي استنباط لا استناد له إلى قواعد التفسير المسبقة .

       وليس في هذا ما يناقض اعتقاد أن للتوفيق والهداية والولاية دور كبير في فهم القرآن الكريم والوقوف على معانيه وإدراك مغازيه , في ضوء التزام القواعد المسبقة , فـ " إن هذا الكتاب هدى للمؤمنين وشفاء , فقلوب المؤمنين هي التي تدرك طبيعته وحقيقته , فتهتدي به وتشتفي .

 

       فأما الذين لا يؤمنون فقلوبهم مطموسة , لا تخالطها بشاشة هذا الكتاب , فهو وقر في آذانهم , وعمى في قلوبهم , وهم لا يتبينون شيئا لأنهم بعيدون جدا عن طبيعة هذا الكتاب وهواتفه {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} (فصلت:44).

 

      ويجد الإنسان مصداق هذا القول في كل زمان وفي كل بيئة .

      فناس يثقل هذا القرآن على آذانهم وعلى قلوبهم , ولا يزيدها إلا صمماً وعمى , وما تغير القرآن , ولكن تغيرت القلوب وصدق الله العظيم"[116] 

 

*******

 

ثانيا / التوراة

التوراة هي كتاب الله تعالى أنزله على موسى عليه السلام مرسلا إلى بني إسرائيل ’ وقد اشتمل هذا الكتاب على أنواع الهداية التي تحقق الخير للمرسل إليهم

يقول تعالى : {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ}( المائدة:44) ه "[117].

       الآية الكريمة بينت ما اشتملت عليه التوراة من أنواع الهداية , قال تعالى :{إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} ,

   فقد وصفها المولى تعالى بالهدى والنور , وفيه ما يدل على احتوائها كل ما يحصل به الاهتداء والنجاة , يقول البقاعي رحمه الله في معنى الهدى :" أي كلام يهدي بما يدعو إليه إلى طريق الجنة , ونور أي بيان لا يدع لبسا "[118]

       ويقول الشيخ سيد قطب رحمه الله :"فالتوراة كما أنزلها الله ـ كتاب الله الذي جاء لهداية بني إسرائيل , وإنارة طريقهم إلى الله وطريقهم في الحياة  وقد جاءت تحمل عقيدة التوحيد , وتحمل شعائر تعبدية شتى , وتحمل كذلك شريعة : "يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء "[119] .

       وقد علم بالضرورة أن مقومات الهداية الدلالية هي البيان والتذكير والإرشاد والوعظ , فلا يمكن أن تتحقق الهداية إلا بهذه الأصول , وهذا معلوم من دعوة الأنبياء عليهم السلام لأممهم , فالإنذار والتبشير بالحكمة والموعظة الحسنة هي مهمة الأنبياء الأولى في دعوة الأمم إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة .

 

وقد دلت الآيات على وجود ألواح نزلت إلى موسى عليه السلام وأن هذه الألواح مشملة على تفصيل الحق ,وكمال الموعظة

     

     قال تعالى : { وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين}  (الأعراف:144)

      وقال تعالى :{ ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه} (الأعراف:150)

 

     وقد تعددت الروايات المفسرة في بيان صفة الألواح وعلاقتها بالتوراة.

      أما القول بأن التوراة والألواح شيء واحد ؛ فإنه لم يرد دليل يستند إليه في الجزم بذلك ولكن لا يوجد أيضا ما يمنعه لما وصفت به الألواح من تمام الخير .

     وهناك من المفسرين من ذهب إلى أن الألواح مغايرة لها , ومنهم من ذهب إلى أن الألواح مشتملة على التوراة مع زيادة عليها , ولكنه لما انعدم ما يستند إليه في القطع بأحد هذه الأقوال حسن التوقف وعدم الجزم بأحدها والإيمان بأن الألواح التي اشتملت على الموعظة والبيان قد أوتيت لموسى عليه السلام كما هو ظاهر الآية الكريمة . كما أنه أوتي التوراة

 وهذا ما دل عليه كلام الإمام ابن كثير رحمه الله , إذ يقول:" قيل : كانت الألواح من جوهر وإن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكاما مفصلة مبينة للحلال والحرام , وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله تعالى فيها :{ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس}(القصص: 43) .

       وقيل الألواح أعطيها موسى قبل التوراة والله أعلم , وعلى كل تقدير فكانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منها والله أعلم "[120].

 

      وليس في الآية التي دلت على تعرض الألواح للإلقاء ما يدل على زوالها ورفعها حتى يستدل به على مخالفتها للتوراة أو موافقتها, وكل ما ورد في ذلك من الأخبار فإنه لا يصح سندا , ففي تفسير ما أصيبت به الألواح من الإلقاء؛ أخرج الطبري روايتين[121], لا تخلو أسانيدها من مقال فلا يصح اعتمادها في مثل هذه الأمور الغيبية ؛

الأولى عن ابن عباس , وفيها حجاج بن محمد ثقة ولكنه اختلط عند نزوله بغداد[122] , ومفادها أن موسى عليه السلام ألقى الألواح فتكسرت , فرفعت إلا سدسها .

      أما الرواية الثانية التي أخرجها الطبري عن مجاهد فتفيد أن الألواح لما تكسرت بقي الهدى والرحمة , وذهب التفصيل , وهي ضعيفة أيضا لضعف خصيف بن عبد الرحمن فهو صدوق سيئ الحفظ[123]  .    

      

        ويقول الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية ذاكرا ما قيل فيها دون الجزم:" يقول كثير من المفسرين إنها لما ألقاها تكسرت ثم جمعها بعد ذلك , ولهذا قال بعض السلف فوجد فيها هدى ورحمة , وأما التفصيل فذهب , وزعموا أن رضاضها لم يزل موجودا في خزائن الملوك لبني إسرائيل إلى الدولة الإسلامية , والله أعلم بصحة هذا "[124] .

 

       والذي نخلص إليه هنا أنه لم يرد ما يدل من أقوال المعصوم على أي أمر خارج عن دلالة الآيات الكريمة نفسها , لا في حقيقة الألواح ولا في علاقتها بالتوراة ولا في ما أصابها بعد إلقائه لها , يقول الشيخ أبو شهبة رحمه الله :" فكل هذه الروايات المتضاربة التي يرد بعضها بعضا مما نحيل أن يكون مرجعها المعصوم صلى الله عليه وسلم , وإنما هي من إسرائيليات بني إسرائيل حملها عنهم بعض الصحابة والتابعين بحسن نية , وليس تفسير الآية متوقفا على كل هذا الذي رووه , والذي يجب أن نؤمن به أن الله أنزل الألواح على موسى ,...,أما هذه الألواح مم صنعت؟ وما طولها وما عرضها؟ وكيف كتبت ؟ فهذا لا يجب علينا الإيمان به

*****

كتاب الزبور

 قال تعالى :{ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد}( سبأ:10)

 يقول الإمام ابن جرير رحمه الله في بيان معنى التأويب للجبال والطير :" يقول تعالى ذكره: ولقد أعطينا داود منا فضلاً، وقلنا للجبال " أوبي معه ": سبحي معه إذا سبح " وقد عزا هذا التفسير لكثير من أئمة السلف كابن عباس , ومجاهد وقتادة والضحاك "[125].

    

أثبتت هذه الآية الكريمة تسمية كتاب داود بالزبور , فيجب الإيمان به مجملا , أما عن الهيئة في استماع المخلوقات لقراءة داود عليه السلام ؛ فإن المعتمد أن لا تثبت صفة بعينها لقراءته الزبور وإنصات المخلوقات له لعدم وجود ما يدعم هذه الهيئة, وكان الثابت في هذه المسألة ما دلت عليه الآيات الكريمة من استماع المخلوقات لتسبيح داود عليه السلام وترجيعها معه امتثالا لأمر ربها تبارك وتعالى , قال تعالى :{ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق} (ص:18) .

 

 

رابعا / التحريف في الكتب السابقة

 

       لقد سبق الحديث عما يجب أن يقوم عليه الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء عليهم السلام , إلا أن الحديث هنا يتوجه إلى الكتب السابقة على وجه الخصوص , فمع وجوب الإيمان بإنزالها على الأنبياء والتصديق بأنها من عند الله تعالى ، وأنها قد اشتملت على أصول الإيمان كما تقدم بيانه إلا أن ما أصيبت به من التحريف والتغيير على أيدي من أنيط بهم القيام بحفظها ، قصر الإيمان على التسليم بما جاء فيها على جهة الإجمال دون ما ورد فيها من تفاصيل الأحكام , فهي بهذا منسوخة التشريع لا يؤخذ بما ورد فيها من تشريعات لم يرد الدلالة عليها في الإسلام , قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}.

 

       ولبيان هذا الأصل القائم على التفصيل بين الإيمان المطلق الممنوع في حقها ؛ والذي يعني التسليم بكل ما وجدناه في تلك الكتب  ، ومطلق الإيمان المساوي للإيمان الجملي ، والذي أنيط بتحقيقه مقتضى الأمر للإيمان بها , يتجه الحديث إلى

     أنواع التحريف الذي أصيبت به الكتب المقدسة ,

 

فعند تتبع الآيات والأحاديث التي ورد فيها تبديل أهل الكتاب لما أنزل إليهم من ربهم وجدنا أنها تشير إلى ثلاث أنواع من التحريف :

1ـ تحريف المعنى مع بقاء اللفظ على ما هو عليه .

2ـ التحريف بالتغيير والتبديل.

3ـ التحريف بالكتمان .

       ـ ومن أمثلة النوع الأول ؛ والذي يعني التحريف بلازم الحكم وما يقتضيه إثبات اللفظ المنزل  , تأويل النواهي التي في التوراة بكونها مخصصة في حق اليهود من بعضهم البعض دون غيرهم , فقد ورد في الإصحاح الثالث والعشرون , من سفر الخروج :" لا تقبل خبرا كاذبا , ولا تضع يدك مع المنافق لتكون شاهد ظلم , لا تتبع الكثيرين إلى فعل الشر ,... ,لا تقتل البريء والبار , لأني لا أبرر المذنب . ولا تأخذ رشوة . لأن الرشوة تعمي المبصرين " إلى غير ذلك من الأحكام التي أطلقت ولم تقيد , وهذا ما شهده عليهم كتابنا العزيز , قال تعالى :{ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل}(آل عمران:)

       أما التحريف بالتغيير سواء بالزيادة أو النقصان أو التبديل , فالأمثلة في الدلالة عليه كثيرة , ومن ذلك قصة الذبيح إسماعيل عليه السلام , فإن أهل الكتاب حرفوا القصة ونسبوها إلى إسحاق من ولد إبراهيم عليه السلام , وهذا مما علم مناقضته بالضرورة للحقيقة التي نزل بها القرآن الكريم من أن الذبيح هو إسماعيل , ومع ذلك فإن في نفس التوراة ما يدل على هذا التحريف بالتبديل , فقد ورد في الإصحاح الثاني والعشرين ما نصه:"وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم . فقال له : يا إبراهيم . فقال ها أنذا . فقال خذ ابنك ووحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك"الإصحاح الثاني والعشرون من سفر التكوين. إلى آخر القصة التي نعرفها من أمره بذبح ابنه ومن ثم فديته بالكبش .

   والشاهد من النص أنه يقول له خذ ابن ووحيدك , وقد كرر هذا الوصف في نفس القصة إذ ورد فيها بعد افتدائه بالكبش :" ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء . وقال بذاتي أقسمت يقول الرب . إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة"

      ومعلوم أن إسماعيل هو الابن الأكبر , فقد ولد له وكان عمره : ستا وثمانين سنة , بنص التوراة : في الإصحاح السادس عشر من سفر التكوين .

    أما إسحاق فقد ولد له وهو ابن مائة سنة : الإصحاح الحادي والعشرون , من سفر التكوين .

     وهذا يفيد أن الابن الذي كان وحيدا لإبراهيم مدة أربعة عشر عاما كان إسماعيل ولم يكن إسحاق بنص التوراة المحرفة .

 

       ومن أعظم التحريف بالزيادة والتبديل , ما أحدثه النصارى في عيسى عليه السلام حيث ادعوا أنه ابن الله تعالى الله عن قولهم, فقد ورد في إنجيل لوقا في الإصحاح الأول ما نصه:"الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله . وهوذا إليصابات نسيبتك ـ أراد بها زوجة زكريا عليها السلام ـ  هي أيضا حبلى بابن في شيخوختها وهذا هو الشهر السادس لتلك المدعوة عاقرا . لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله"

       فالنص مع أنه ظاهر التحريف لأن هذه المقولة مناقضة لعقيدة التوحيد التي بعث بها الأنبياء من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم , إلا أن في النص ذاته ما يبين كذبهم وافتراءهم بالقول ببنوة عيسى لكونه أتى من غير أب , فقد نبهها الملك عند تعجبها وخوفها بمقارنة حالها بحال المرأة التي عرفت بالعاقر , وذكرها بأن كل ذلك يرجع إلى قدرة الله التي لا يعجزها شيء , فأي افتراء وكذب في دعوى النصارى بالبنوة .

      وقد رد المولى دعواهم وأبطلها وبين مناقضتها للحق الذي قامت به السموات والأرض :{ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا . أن دعوا للرحمن ولدا . وما ينبغي للرحمن أن يتخذا ولدا . إن كل من في السموات والأرض إلا أتي الرحمن عبدا } ( مريم:88ـ92)

 

       أما التحريف بالكتمان فقد أخبرنا القرآن الكريم عن بعض صوره , حيث كتم أهل الكتاب تصديق بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فعصوا أمر الله بذلك , قال تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } (البقرة:146) .

 

  أسباب التحريف والتبديل

     الحديث عن التحريف مستندا إلى نصوص الكتاب والسنة , فقد شاء الله تعالى لحكمته أن تتعرض هذه الكتب التي أنزلت على الرسل السابقين للتحريف والتزوير , وكان لذلك حكمة قدرها في كل ما يقضيه من أمر , وقد تجلت في إرادته تعالى البقاء والهيمنة والرفعة للقرآن الكريم , دستور الإسلام, وكتابه العظيم .

 

      هذا وأسباب ذلك التحريف والتزوير في تلك الكتب كثيرة أشير إلى أهمها في النقاط التالية :

 

     ـ أولاً : أن الله تعالى أوكل حفظها إلى القدرات البشرية مع علمه سبحانه بضعفها ومحدوديتها , يقول تعالى : {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ}( المائدة:44) بينما نجد أن حفظ القرآن قد أوكله تعالى إلى نفسه , حيث قال : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .

 

      ثانياً : ما لحق ببني إسرائيل من الاضطهادات المتعددة والمتلاحقة , فقد كان لهذا أثر بالغ في ضياع كتبهم , سيما وأنهم لم يؤمروا باستظهارها غيباً ؛ مما أدى إلى وقوع الاضطراب بسبب انقطاع السند .

 

        يقول الإمام ابن القيم في ذلك : " ولم يكن حفظ التوراة  فرضاً عليهم ولا سنة, بل كان كل واحد منهم  يحفظ فصلاً من التوراة , فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم وزالت دولتهم وتفرق جمعهم ورفع كتابهم جمع من محفوظاته , ومن الفصول التي يحفظها الكهنة , ما اجتمعت منه هذه التوراة التي بأيديهم . ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة , فزعموا أن النور الآن يظهر على قبره وهو عند بطائح العراق لأنه جمع لهم ما يحفظ دينهم "[126]

 

      وإلى هذا المعنى يشير ابن تيمية في حديثه عن تحريف الأناجيل , وانقطاع سندها , يقول : " وأما الإنجيل الذي بأيديهم فإنهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح عليه السلام ولا أملاه على من كتبه , وإنما أملاه بعد رفع المسيح : متى ويوحنا وكانا قد صحبا المسيح , ولم يحفظه خلق كثير يبلغون عدد التواتر "[127] .

 

      ثالثاً : صفات علمائهم الذميمة , فإن آيات الكتاب الكريم كثيراً ما تتحدث عن أخلاقهم السيئة فتسمهم بأشنع الصفات وأبغضها , فمحبة الدنيا والتفاني في اكتسابها وجمع حطامها من أبرز الصفات التي تخلقوا بها , قال تعالى : {َلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}(البقرة:96) .

       ويصور تحريفهم وتحريهم الكذب والإصرار عليه , يقول عز من قائل :{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران:78).

      وقال : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} ( البقرة:174) .

       وقد قادهم تعلقهم بالفانية إلى البخل والحسد , يقول شيخ الإسلام : " ذم الله اليهود على ما حسدوا المؤمنين على الهدى والعلم ..

       فوصفهم بالبخل الذي هو البخل بالعلم, والبخل بالمال ..

      وكذلك وصفهم بكتمان العلم في غير آية, قال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}  ( البقرة:159)

      وقال : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ}

      وقال : {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (البقرة:76)

      فكانت هذه الصفات الذميمة هي حقيقة الدافع لهم إلى تزوير الحق ورده , يقول ـ رحمه الله  ـ متمماً كلامه : " فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم : تارة بخلاً به , وتارة اعتياضاً عن إظهاره بالدنيا , وتارة خوفاًَ أن يحتج عليهم بما أظهروه منه " [128]

 

*******

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] زاد المعاد ,لابن القيم :(1/69) .

[2] تيسير الكريم الرحمن:468.

[3] تفسير القرآن العظيم بتصرف يسير  :(4/401).

[4] فتح الباري:(6/361).

[5]   النبوات :387.

[6] النبوات:439.

[7]   أخرجه البخاري في : كتاب الخصومات ـ باب ما يذكر في الأشخاص والملازمة والخصومة بين المسلم واليهود , رقم الحديث:2411

[8]   أخرجه البخاري في : كتاب الأنبياء ـ باب قول الله تعالى : (وأن يونس لمن المرسلين), رقم الحديث :3414

[9] و نص الحديث هو : (ولا أقول : إن أحدا أفضل من يونس بن متى عليه السلام).  أخرجه البخاري : كتاب الأنبياء ـ باب قول الله تعالى : (وإن يونس لمن المرسلين) , رقم الحديث : 3416..

[10]   حاشية الجوهرة  : 45.

[11]   حاشية الجلالين : (2/28).

(1)      انظر على سبيل المثال : العهد القديم : صموئيل الثاني , الإصحاح الثالث عشر في كلامهم عن سيدنا داود عليه السلام في التوراة المحرفة .

[12] فتح القدير : (1/807).بتصرف يسير

[13] انظر لسان العرب ,لابن منظور : مادة نبأ :(7/4315).

[14] المرجع السابق : مادة رسل (3/1643). وانظر الشفا للقاضي عياض في معنى النبي والرسول في اللغة : (2/726ـ728).

[15] انظر كتاب الإيمان لشيخ الإسلام في بيان التغاير الذي وردت به ألفاظ الكتاب والسنة: 163.

[16] هو القاضي العلامة عياض بن موسى اليحصبي السبتي , ولد بسبته سنة: 476هـ قال عنه ابن بشكوال: هو من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم استقضى بسبة مدى طويلة , له كتاب الشفاء في شرف المصطفى , وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك , وغير ذلك , توفي سنة:544هـ .انظر وفيات الأعيان:(4/1304).

[17] أخرجه أحمد في مسنده , من حديث أبي أمامة الباهلي, رقم الحديث:21785:(6/355).

[18] وانظر في هذه الأقوال المتعددة كتاب شرح الشفا للقاضي عياض:(2/729ـ731).

[19] أخرجه البخاري في : كتاب الطب ـ باب من لم يرق , رقم الحديث :5752.

[20] كتاب النبوات:255.

[21] شرح العقيدة الطحاوية:158.

[22] أخرجه مسلم في : كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ـ باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار :(17/198) .

[23] انظر: لوامع الأنوار للسفاريني : (2/266).

[24] الفصل في الملل : (4/11).

[25] هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي , من كبار المفسرين , صالح متعبد من أهل قرطبة ,من كتبه الجامع في أحكام القرآن , والأسنى في أسماء الله الحسنى , والتذكرة بأحوال الموتى وأحوال الآخرة , توفي سنة:671هـ :شذرات الذهب : (5/335) ,  والأعلام : (5/322).

[26] انظر فتح الباري : (6/447ـ448ـ470ـ471).

[27] تفسير القرطبي :(4/83).

[28] لسان العرب لابن منظور:(8/4787).

[29] أخرجه البخاري : كتاب فضائل الصحابة ـ مناقب عمر بن الخطاب , حديث رقم:3689. وأخرجه مسلم في : كتاب فضائل الصحابة .

[30] مجموع الفتاوى:(12/398).

[31] تفسير الطبري :(20/29).

[32] النبوات:272.

 

[33]   أخرجه البخاري في: كتاب فضائل الصحابة ـ باب فضل عائشة رضي الله عنها  رقم الحديث : 3769 , ومسلم في فضائل الصحابة .

[34]   فتح الباري : (6/470) .

[35]   انظر الفتاوى : (4/396) .

[36] وهذا ما يسمى بالمقسم في علم المنطق, يعني أنه يفيد إظهار قسم من أقسام الأفراد الذين يندرجون تحت نوع واحد ببيان ما اختصوا به من صفات.

[37] الفتاوى السعدية:14.

[38] فتح الباري :1/9.

[39]   النبوات : 178.

[40] أنظر : كتاب الصلاة ـ باب كيف الأذان , رقم الحديث:500:(1/387).صححه الألباني في صحيح ابي داود وقال: حسن صحيح,برقم:469:(1/98) وغيرها من الأحداث ولكن لم يكن لذلك المنام أن يستفاد منه حكما شرعيا لولا إقرار النبي له وإعلامه إياهم أنها رؤيا صالحة .

[41] الموافقات , للشاطبي:(2/266).وقد قدمت الحديث عن هذه المسألة في مبحث المعرفة فليطالع , كما أنصح بالرجوع إلى كتاب المعرفة في الإسلام لشيخنا الفاضل :عبد الله القرني :72.

[42] فتح الباري:(1/9).

[43] انظر ما نقله الإمام ابن تيمية عن الإمام الزهري في الفتاوى : (12/397).

[44] فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها ,أن الحارث بن هشام ,سأل النبي صلى الله عليه وسلم : كيف يأتيك الوحي؟ قال : (كل ذاك ,يأتي الملك أحيانا في مثل صلصلة الجرس , فيفصم عني وقد وعيت ما قال , وهو أشده عليه , ويتمثل لي الملك أحيانا رجلا فيكلمني فأعي ما يقول): كتاب بدء الخلق ـ باب ذكر الملائكة , رقم الحديث:3215.

[45] مصنف عبد الرزاق : كتاب الجامع ـ باب القدر, رقم الحديث:20100: (11/125).

[46] أخرجه الترمذي في سننه من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه : كتاب تفسير القرآن عن رسول الله ـ من سورة ص, رقم الحديث:3235: وقال الترمذي : حديث حسن صحيح : (5/343).

[47] الإتقان في علوم القرآن, بتصرف يسير:(1/59ـ60).

[48] الشفا للقاضي عياض : (4/241).

[49] مجموع الفتاوى:(10/290).

[50] العواصم والقواصم , لابن الوزير:(1/213).بتصرف يسير

[51] مجموع الفتاوى : (4/319). وانظر : الشفا للقاضي عياض:(4/230).

[52]   الشفا للقاضي عياض:(4/263)وانظر فتاوى شيخ الإسلام :(35/101).

[53]   أخرجه الإمام مالك في الموطأ : كتاب السهو ـ باب العمل في السهو, وقال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث روي عن النبي مسندا ولا مقطوعا من غير هذا الوجه, ومعناه صحيح في الأصول:(1/100).

[54]   أخرجه البخاري في كتاب الأذان ـ باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس , رقم الحديث:714..

[55]   أخرجه البخاري في : كتاب الصلاة ـ باب التوجه نحو القبلة , رقم الحديث :401.

[56]   الشفا للقاضي عياض:(4/263).

[57]   المرجع السابق : (4/265)  .

[58] شرح ثلاثة أصول للإمام محمد بن عبد الوهاب لفضيلة الشيخ محمد العثيمين رحمه الله :71.

[59]       أخرجه مسلم في : كتاب الفضائل ـ باب تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم : (15/37).

[60]     تأويل مختلف الحديث :132.

[61] التفسير:(3/249).وانظر ما ذكره الحافظ من هذه الأقوال في الفتح :(6/514). وانظر كتاب الشفا للقاضي عياض في ذكر هذه الأقوال  :(2/618)

[62] أخرجه الدارمي في مسنده :باب ما أعطي النبي من الفضل , رقمه:46:(1/23), وقال الهيثمي في مجمع الزوائد:"رواه الطبراني ورجاله رجال الثقات غير الحكم بن أبان وهو ثقة :(8/255).

[63] الشفا للقاضي عياض:(1/264).

[64] أخرجه مسلم في صحيحه : كتاب المساجد ومواضع الصلاة :(5/5).

[65] بداية السول في تفضيل الرسول ,للعلامة العز بن عبد العزيز بن عبد السلام السلمي , تحقيق : العلامة محمد ناصر الدين الألباني:35. وانظر في بيان خصائصه على جهة التوسع : غاية السول في خصائص الرسول لابن الملقن , تحقيق : عبد الله بحر الدين. 

[66] الشفا للقاضي عياض:(3/561).

[67] جلاء الأفهام :304.

[68] أخرجه مسلم في : كتاب الصلاة ـ باب فضل السجود والحث عليه :(4/206).

[69] أخرجه الترمذي في : كتاب الوتر ـ باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم , رقم الحديث:484وقال :حديث حسن غريب:(2/354).

[70] أخرجه أحمد في المسند من حديث عبد الرحمن بن عوف, رقمه:1662.وقال أحمد شاكر:إسناده صحيح :(2/308).

 

(3)     ديوان حسان بن ثابت رضي الله عنه :47.

[71]      تيسير الكريم الرحمن:118.

[72]    تفسير القرآن العظيم , لابن كير : (1/680) .

[73]      الجامع لأحكام القرآن:(14/187).

[74]  الصارم المسلول: (3/803) . المجموع: (1/66) .

[75]  انظر الصارم المسلول: (2/369) (2/394) .

[76] حاشية الخريدة :4. وحاشية الصلوات :55.

[77] النبوات , لشيخ الإسلام : 215.

[78]  انظر النبوات : 439 .

[79] المرجع السابق : 443 .

[80] هو الإمام العلامة محمد بن إبراهيم بن علي المرتضي الحسني القاسمي , من أعيان اليمن قال عنه الحافظ ابن حجر :كان مقبلا على الاشتغال بالحديث شديد الميل إلى السنة , له مصنفات نفيسة منها:العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم , وتنقيح  الأنظار في علوم الآثار , والروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم , توفي سنة:840هـ :الأعلام للزركلي :(5/300). ومقدمة كتاب العواصم:(1/5).

[81] العواصم والقواصم:(1/206).

[82] حاشية الجلالين:(1/146).

[83] شرح الأصول الخمسة :568.

[84] المواقف:349.

[85] الإرشاد:331.

[86] أبكار الأفكار في أصول الدين:(4/68).

[87] الأصفهانية:199.

[88] المحصل :208.

[89] ديوان حسان بن ثابت:1/482.

[90] أخرجه البخاري في صحيحه : كتاب بدأ الوحي ـ باب كيف كان بدأ الوحي, رقم الحديث:3.

[91] الأصفهانية: 162.

[92] انظر : منهاج السنة :(2/419ـ420).

[93] العواصم والقواصم , لابن الوزير :(1/207).

 

[94]     رواه أحمد في المسند من حديث جعفر بن أبي طالب, رقمه :1740, وقال عنه الشيخ أحمد شاكر:" إسناده صحيح" : (2/354).

[95]    الأصفهانية : 159.

[96]    الأصفهانية:176. وانظر النبوات:37.

[97]   أخرجه البخاري في صحيحه : كتاب بدء الوحي ـ كيف كان بدأ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , رقم الحديث :7.

[98] مقدمة ابن خلدون : 95, ولمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى : مبحث الأدلة العقلية للنبوة , من رسالة: المعرفة في الإسلام , لفضيلة الشيخ د/عبد الله القرني :120.

[99] انظر في هذا الباب كتاب : دلائل النبوة للإمام إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني , تحقيق:مساعد الراشد الحمديد .

[100]   أخرجه مسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنارـ باب انشقاق القمر:(17/144)..

[101] أخرجه البخاري في كتاب الوضوء ـ باب الوضوء من التور , رقم الحديث :200

[102] الفتاوى السعدية:15.

[103] مجموع الفتاوى : (13/105).

[104] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الاعتصام بالسنةـ باب قول النبي : (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء), رقم الحديث :7362.

[105] لسان العرب:(1/128). أخرجه الحاكم في مستدركه : كتاب التفسير ,  وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه , ووافقه

[106] أخرجه الحاكم في مستدركه : كتاب التفسير ,  وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه , ووافقه

[107] ذكره السيوطي في : كيفية النزول :من كتاب التحرير من علم التفسير:116.

[108] مجموع الفتوى : (16/45).

[109]  البرهان في علوم القرآن:(2/106).

[110] إعلام الموقعين:(1/85).

[111] الجامع لشعب الإيمان: فصل في ترك التفسير بالظن, رقم الحديث:2082:(5/228)..وانظر إعلام الموقعين:(1/54).

[112] انظر : التفسير والمفسرون للذهبي , مبحث : أهم كتب التفسير الإشاري:379

[113] الموافقات:(3/250).لمزيد من التوسع يوصى بالرجوع إلى كتاب: قواعد التفسير, للدكتور:خالد عثمان السبت , وبحوث في أصول التفسير , للدكتور:محمد لطفي الصباغ. 

[114] هو أبو عمر عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي الشهرزوري المعروف بابن الصلاح , الفيه الشافعي , برز في في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال , وكانت له مشاركات في فنون عديدة , صنف في علوم الحديث كتابا نافعا , وكذلك في مناسك الحج , وجمعت له فتاوى في مؤلف , وغير ذلك من المصنفات  توفي رحمه الله سنة :643هـ بدمشق . انظر ترجمته في : وفيات الأعيان:(3/243) , وطبقات السبكي :(8/327)

[115]  البرهان في علوم القرآن , للزركشي , بتصرف يسير : (2/170).

 

[116] في ظلال القرآن : (5/3128).

[117] الإسرائليات والموضوعات في كتب التفسير : 202.

[118] نظم الدرر :(6/144) .

[119] في ظلال القرآن :(2/896).

[120]    تفسير القرآن العظيم:(2/329).

[121] جامع البيان :(9/66).

[122] حجاج بن محمد المصيصي الأعور أبو محمد ترمذي الأصل نزل بغداد ثم المصيصة ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته من التاسعة مات ببغداد سنة ست ومائتين : تقريب التهذيب : 153.

[123]   خصيف بن عبد الرحمن الجزري أبو عون  مولى بني أمية، عن  سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعنه  سفيان ، و ابن فضيل ، صدوق، سيئ الحفظ، ضعفه،  أحمد ، توفي سنة 136, الكاشف للذهبي :280.

[124] تفسير القرآن العظيم:(2/332).

[125] جامع البيان:(22/65).

[126] إغاثة اللهفان : (2/359). مع تصرف يسير

 

[127] الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح:(1/356).

[128] اقتضاء الصراط المستقيم : (1/71ـ 72ـ73).

جار التحميل