جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

العقيدة 313


- 2016/11/04

مصادر العقيدة  في الأسماء والصفات لله تبارك وتعالى

 

 

      المنة بكمال الدين تعني أنه كافٍ في الدلالة على أصوله وفروعه , فإن اعتقاد عدم اشتمال الدين على أدلة هذه المسائل العظام , يعد طعناً في كماله وتمام بيانه , قال تعالى : {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً}( المائدة:3).

       ويرجع ذلك إلى أن الأصل في تلقي أصول الدين , والاستدلال عليها الكتاب والسنة , فبهما تحصل الهداية و الكفاية .

       وأدلة هذا الباب عظيمة وكثيرة , كلها تؤكد وحدة  مصدر التلقي , وأنه العمدة في الأخذ والرد , حيث تبنى الأصول ، وتقعد القواعد بناء عليه , ويرد النزاع الحاصل والشبه العارضة إليه , قال تعالى : {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}( النساء: 65).

 

       وكان هذا هو هدي صحابة رسول الله صلى الله عليه ورضي عنهم فهم أصحاب الفرقة الناجية الذين" لا ينصبون مقالة و يجعلونها من أصول دينهم , وجمل كلامهم , إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم , بل يجعلون ما بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم  من الكتاب والحكمة هو الأصل , الذي يعتقدونه و يعتمدونه , وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. يردونه إلى الله و رسوله ".[1]

       وبهذا يظهر ضلال من اعتقد أن ثمة حق ورشاد  لم يرد دليله في الكتاب والسنة ؛ لأن ذلك يلزم الطعن في مصدر الوحي , والمبلغ عنه , وفي حملة هذا الدين من بعده , وبطلان اللازم دليل على بطلان ملزومه .

       أما عن المصدر , فقد قال المولى عز وجل : {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ}(الحجر: 1.)

       واعتقاد بيانه يعني حصول أسباب الهدى والفلاح لمن تمسك به فلا يحتاج بعده أحداً .

       وقال عن المبلغ : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم }( النحل:44.)

       وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم  للقرآن ؛ يقتضي أن يكون  كلامه دالاً على أصول الشريعة كالدلالة على فروعها , وأن يكون مشتملاً على الأدلة العقلية التي بها يحصل برد اليقين ,  فما سكت عنه لا يمكن الحاجة إليه , ولو مع موافقته لما بين,  فكيف يكون الحال مع ما يقتضي معارضة بعض ما جاء به , بل ورده تأويلاً أو تفويضاً , كما هو حال هؤلاء المتكلمين مع أصولهم الفاسدة ,

 

 يقول شيخ الإسلام : " والرسول صلى الله عليه وسلم  بين الأدلة العقلية والسمعية التي يهتدي بها الناس إلى دينهم , وما فيه نجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة , وأن الذين ابتدعوا أصولاً تخالف بعض ما جاء به هي أصول دينهم , لا أصول دينه , وهي باطلة عقلاً وسمعاً".[2]    

       وقال عن حملة هذا الدين : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه}(آل عمران: 110).

       فقد وصفهم الله تعالى بالخيرية , وبين أنها تقتضي القيام بأشرف مهمة ميزها الله بها , وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ولنا أن نتساءل هل هناك معروف يؤمر به أعظم في الدين من الأمر بأصوله ؟

       فسكوت الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ عن الأدلة التي ابتدعها هؤلاء يعني عدم الحاجة إليها فضلاً عن اعتقاد تأصيلها لمسائل الدين .

 

 

********

 

 

 

أولا /  الاستدلال بالقرآن والسنة

 

       الاستدلال بالقرآن العظيم والسنة المطهرة منهج الإسلام وطريقته المعصومة فالكتاب والسنة محل الوحي ومنهله , أما عن كيفية الاستدلال بهما ذهذا مما يعرف من طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقة الصحابة الكرام النيرة , حيث اتفقت طريقتهم مع طريقة نبيهم في مسلك التلقي عن الوحي المطهر الكتاب والسنة

ويمكن إجمال هذا المسلك فيما يلي :

الأخذ بظاهر النص وأن النص مراد لذاته .

الجمع بين النصوص وعدم معارضة بعضها ببعص

التمسك بحقيقة النص وعدم تقديم أي رأي عليه

وبهذا فإن منهج المسلمين من بعدهم لا بد وأن يكون موافقا لطريقة ذلك الجيل الأول الذي من الله تعالى عليه بالتفضيل والعدالة التامة والموافقة الكاملة.

وكان هذا هو هدي السلف الصالح , فالتزموا لموافقتهم منهج التحقيق أولا في الإسناد فلا بد أن يكون ما بلغهم أولا من النص ثابت صحيح , وفي هذا ظهرت علومهم الفذة العميقة في باب الجرح والتعديل تحديدا في علم الحديث , وذلم لكمال حفظ القرآن العظيم , بحيث نقل كله بالتواتر .

وما دام أن النص قطعي الثبوت فلا بد أن يكون قطعي الدلالة , وهذا حق لم يمار أحد في جلائه عند السلف فكلام الله تعالى وكلام رسوله الثابت عنه قائم على كمال البلاغ , والبلاغ لا يوصف به إلا من أتقن البيان وأخلص النصح .     

     وهذا هو الأصل في أخذهم عن الكتاب والسنة فهما وحي من الله تعالى أراد به هداية البشر وإرشادهم لخير الدنيا والآخرة .

    واجتهد العلماء في ظلال هذه المعاني العظيمة القائمة على حسن التلقي عن الكتاب والسنة باعتقاد كفايتهما في إبلاغ المعنى عن المبنى , على أتم وجه وأبينه وأجزله تقسيم النصوص الشرعية مع تحقق الثبوت إلى نص وظاهر , وذلك حتى يتم لهم الجمع بين اعتقاد كفايتها في البيان مع عدم اعتقاد التناقض فيها .

وأرادوا بالنص ما دل على معناه دلالة صريحة واحدة  لا يمكن معها التخصيص أو التعميم .

والظاهر هو اللفظ الذي يرجح مادل عليه من المعنى , دون منع لإمكان تخصيصه عند وجود القرينة أو الدليل.

يقول الإمام الشنقيطي[3] رحمه الله : " اعلموا أن المقرر في الأصول أن الكلام إن دل على معنى لا يحتمل غيره فهو المسمى نصا , كقوله مثلا : { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ }(البقرة:196).

      فإذا كان يحتمل معنيين أو أكثر فلا يخلو من حالتين : إما أن يكون أظهر في أحد الاحتمالين من الآخر ,

     وإما أن يتساوى بينهما .

        فإن كان الاحتمال يتساوى بينهما فهذا الذي يسمى في الاصطلاح المجمل ، وحكم المجمل أن يتوقف عنه إلا بدليل على التفصيل .

       أما إذا كان نصا صريحا فالنص يعمل به ، ولا يعدل عنه إلا بثبوت النسخ .

        فإذا كان أظهر في أحد الاحتمالين فهو المسمى بالظاهر , ومقابله يسمى محتملا مرجوحا , والظاهر يجب الحمل عليه إلا لدليل صارف عنه . "[4]   

 

واشترطوا لذلك قوة الدليل وصحة القرينة , فلم يجوزوا إمكان معارضة معناه الظاهر منه تخصيا أو تأويلا إلا بدليل صريح صحيح . وقد أجمل شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ الشروط التي  يجب توفرها حتى يصح تأويل النص وفقاً لما ذهب إليه المتأول فيما يلي:

       ـ: " بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي ادعاه .

       ـ وبيان الدليل الموجب للصرف إليه عن المعنى الظاهر ".

 

 

موقف المتكلمين

 

       لقد واجه المتكلمون في تثبيت أصولهم القائمة على اعتماد العقل أساساً في العقائد الأصولية الكثير من المعارضات الشرعية.

      فحين بنى المتكلمون أصل اعتقادهم في إثبات وجود الله تعالى على دليل الحدوث المعروف ,التزموا للإبقاء على سلامته من المعارضة عددا من الثوابت العقلية ـ عندهم ـ اعتقدوا أنها من اليقينيات , ومع ذلك فقد كان في هذه الأصول العقلية المبتدعة ما يخالف الكثير من الأدلة الشرعية التي مبنى التصديق بها الإيمان بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن والسنة .

 

       وتماديا في التمسك بهذه الأصول المبتدعة , وإلحاحا في التأصيل لها , فقد قام المتكلمون بالطعن في الأدلة الشرعية التي تخالف ما ظنوه قواطع عقيلة , ولكن على هيئة يبقى بها الإيمان على ظاهره من التصديق الشامل لكل ما جاء به الكتاب والسنة , وكان لهم في ذلك سبيلان ؛

    الطعن في الثبوت والطعن في الدلالة .

    أما الطعن في الثبوت فقد راموا به إبطال المعارض الشرعي الذي لم يثبت بالطريق المتواتر , فكان حجتهم في عدم اعتماده في رد مسلماتهم العقلية كونه ظني الثبوت , فحكموا بعدم جواز الأخذ به في العقائد .

 

       وأما الطعن في الدلالة , فقد اعتقدوا أن دلالة النصوص الشرعية ظنية حتى يردوا منهما بالتأويل أو التفويض ما عارض منهما مسلماتهم العقلية ؛ إذ لا سبيل لهم إلى الطعن قي ثبوتهما قطعا , وكان حجتهم في ذلك ما اعتمدوه أساسا في تقرير العقائد من القطع بدلالة العقل وتقديمه على دلالة النقل .

 

     وإمعانا في إعمال هذا الأصل المبتدع ؛ فقد طعنوا حتى في مسالك البعض منهم حين انتهجوا مسلك الاستدلال بالشرع في تقرير بعض ما قد أقروا بوجوبه بطريق العقل من المسائل العقدية كوجوب النظر مثلا , يقول الإيجي : " أما أصحابنا فلهم في إثبات وجوب النظر المؤدي إلى المعرفة مسلكان : الأول : الاستدلال بالظواهر من الآيات والأحاديث الدالة على وجوب النظر في المعرفة , نحو قوله تعالى : {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ( يونس:101)

 

 

       وقوله تعالى : {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}(الروم:50).

       فقد أمر بالنظر في دليل الصانع وصفاته والأمر للوجوب كما هو الظاهر المتبادر منه.

       ولما نزل : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}(آل عمران:190).

 

       قال عليه الصلاة والسلام: (ويل لمن لاكها أي مضغها بين لحييه أي جانبي فمه ولم يتفكر فيها )[5] فقد أوعد بترك التفكر في دلائل المعرفة فهو واجب, إذ لا وعيد على ترك غير الواجب , وهذا المسلك لا يخرج عن كونه ظنيا غير قطعي   الدلالة, لاحتمال الأمر غير الوجوب , وكون الخبر المنقول من قبيل الآحاد "[6].   

       بل قد أدى بهم هذا الزعم إلى الجزم بأن جميع المسائل التي يرجع فيها إلى النقل عندهم ـ لعدم إمكان الاستدلال عليها بالعقل ـ دلالتها ظنية , حيث يستقل النقل بالدلالة عليها دون العقل ,

 

     يقول الإيجي : " واعلم أن مسألة الأفضلية لا مطمع فيها في الجزم واليقين ؛ إذ لا دلالة للعقل بطريق الاستقلال على الأفضلية بمعنى الأكثرية في الثواب ، بل مستندها النقل , وليست هذه المسألة مسألة يتعلق بها عمل فيكتفي فيها بالظن الذي هو كاف في الأحكام العملية , بل هي مسألة علمية يطلب فيها اليقين, والنصوص المذكورة من الطرفين بعد تعارضها لا تفيد القطع على ما لا يخفى على منصف ، لأنها بأسرها إما آحاد ، أو ظنية الدلالة مع كونها متعارضة أيضاً ".[7]

 

       ومن هذا النص المتقدم يتبين أنه لا سبيل عند المتكلمين إلى اعتقاد اليقين في المسائل الشرعية إلا بما يستدل له بطريق العقل , إما بالأصالة كمعرفة الله تعالى بصفاته , أو بالاعتضاد كأخبار اليوم الآخر , حيث علم بالعقل إمكانها , أما خلا ذلك فتبقى دلالتها ظنية ؛ إذ لا سبيل إلى العقل في إثباتها أو ردها .

       وببيان هذا الأصل الفاسد الذي اعتمده المتكلمون في الاستدلال بالأدلة  الشرعية يمكن فهم موقفهم من الألفاظ الشرعية من حيث دلالتها على المعاني العقدية:

أولاً : الاستدلال بالنص

النص في اللغة مأخوذ من الارتفاع , يقال : نص الحديث ينصه نصاً رفعه ، وكل ما أظهر فقد نص , و نصت الظبية جيدها  رفعته , والمنصة ما تظهر عليه العروس لترى . [8] 

       وفي الاصطلاح : ما ازداد وضوحاً على الظاهر لمعنى في المتكلم ، وهو سوق الكلام لأجل ذلك المعنى , فهو ما لا يحتمل إلا معنى واحداً , وبالتالي : فهو مما لا يحتمل التأويل . [9]

 

       كما يعرف بأنه : " ما لا يتطرق إليه احتمال يعضده دليل ، فإن تطرق إليه احتمال لا دليل عليه ؛ فلا يخرج عن كونه نصاً "[10]  .

 

       ولما كان التأويل عند المتكلمين مما يعم جميع النصوص الشرعية التي تدل على مخالفة ما ذهب إليه المتكلمون في القضايا الإلهية ؛ إذ المعول عليه في تلك المسائل هو العقل وليس النقل , فإن أيَّ آي من القرآن الكريم أو الحديث النبوي لا يستدل به على جهة القطع في الدلالة على مقتضى إعماله ؛ ما لم يدل على مقتضاه بدليل العقل.

 

 

       ومن هنا فإن المتكلمين لم يعملوا الدلالة النصية للكتاب الكريم ، والحديث الشريف على الأحكام العقدية إلا في السمعيات فقط ، أو أجازوه فيه , فليس للتفريق أساس بين الظاهر والنص من الأدلة الشرعية إلا ذلك التقسيم الآنف الذكر, ومع ما يدعيه المتكلمون من وجود القرائن والتي يرجعونها إلى قطعية الدلالة العقلية؛ فإن الصحيح فيها أنها ليست بدليل يمكن بها رد النص وتقديمه عليه ,

 

     وهذا يرجع إلى ما تقدم إجمال القول فيه من العلاقة بين النص الصحيح والعقل الصريح , ولعلي أذكر بعضاً من الأمثلة التي تدل على استدلال الأشاعرة بقطعية الدلالة عند عدم وجود المعارض العقلي على مذهبهم ,

 

    يقول الباقلاني[11] في حكم مرتكب الكبيرة في الآخر: " فإن قال :  فما تقولون في مذنبي أهل ملة الإسلام ، هل يجوز العفو عنهم حتى لا يعاقب الفاسق بما كان من ظلمه لنفسه أو غيره ,  قيل له : نعم  . فإن قال : فما الدليل على ذلك ؟   قيل له : ما قدمناه من حسن العفو من الله ومن غيره, ومع أن الله تعالى قد بين ذلك في نص كتابه فقال : "{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}(النساء:48).

 

        فاستثنى من المعاصي التي يجوز أن يغفرها الشرك   فألحقت الأمة به ما كان بمثابته من ضروب الكفر والشرك "[12] 

 

       وكذلك سائر مسائل الاعتقاد التي يستدل لها بنصوص الكتاب أو السنة كالإيمان باليوم الآخر والجنة والنار , وغير ذلك .

 

ثانياً: الاستدلال بالظاهر:

 

      " الظاهر هو اسم لكلام ظهر المراد منه للسامع بنفس الصيغة ويكون محتملا للتأويل والتخصيص , وما ظهر المراد منه للسامع بنفس الكلام , كقوله تعالى :{ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (البقرة:275)

       وقوله تعالى : {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ } (النساء:3) ".[13]  

       ويرى الأشاعرة بناء على ما تقدم أن كل دليل احتمل التأويل لوجود القرينة العقلية التي تقضي بمعارضة الأخذ بالظاهر عندهم وجب تأويله بما يدفع ذلك التعارض , مع محاولة عدم الخروج عن اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم .

 

       ويظهر هذا جليا في تأويلهم لظواهر الكتاب والسنة التي دلت على اتصاف المولى تعالى بالصفات سوى ما أثبتوه منها بدليل العقل ، وهي الصفات السبع المعروفة , وكانت القرينة العقلية التي اعتمدوها لصرف الدليل عن ظاهره ؛ هي اعتقاد أن في الأخذ بظواهر هذه الأدلة ما يقدح في أصل تنزيه المولى تعالى عن مشابهة الحوادث .

       وقد أدى هذا الاعتقاد الغالي في تقديم العقل على أدلة الشرع في معرفة الحقائق على جهة القطع ؛ إلى أن حكم بعض المتكلمين على عموم أدلة الكتاب والسنة بأنها ظواهر ، وليس فيها نصوص تفيد اليقين , كل ذلك لإمكان معارضتها بالدليل العقلي الذي اعتقدوا فيه اليقين ,

 

    يقول الآمدي[14] : " وعلى الجملة فلسنا نعتمد في هذه المسألة على غير المسلك العقلي الذي أوضحناه ، إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعية ، والاستبصارات العقلية ، وهى مما يتقاصر عن إفادة القطع واليقين , فلا يذكر إلا على سبيل التقريب ، واستدراج قانع بها إلى الاعتقاد الحقيقي "[15]

 

****

       وحتى يتم بيان أصل ضلال المتكلمين في عدم الأخذ بظواهر الكتاب والسنة لابد من الكشف عن أمرين :

الأول : حكم الأخذ بظواهر الكتاب والسنة .

الثاني : متى يصار إلى التأويل .

 

أما عن حكم الأخذ بالظاهر فإنه مما تقرر عند علماء الأصول وجوب الأخذ به, فإنه لا يسمى بذلك إلا لكون ظاهره مما يتبادر إلى الذهن في الدلالة على المعنى المراد حتى ظهر معناه للمخاطب , ولا يصار إلى ما يمكن أن يحتمله الدليل من المعنى المرجوح إلا لقرينة.

 

يقول الإمام الشنقيطي[16] رحمه الله : " اعلموا أن المقرر في الأصول أن الكلام إن دل على معنى لا يحتمل غيره فهو المسمى نصا , كقوله مثلا : { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ }(البقرة:196).

فإذا كان يحتمل معنيين أو أكثر فلا يخلو من حالتين : إما أن يكون أظهر في أحد الاحتمالين من الآخر ,

وإما أن يتساوى بينهما .

فإن كان الاحتمال يتساوى بينهما فهذا الذي يسمى في الاصطلاح المجمل ، وحكم المجمل أن يتوقف عنه إلا بدليل على التفصيل .

أما إذا كان نصا صريحا فالنص يعمل به ، ولا يعدل عنه إلا بثبوت النسخ .

فإذا كان أظهر في أحد الاحتمالين فهو المسمى بالظاهر , ومقابله يسمى محتملا مرجوحا , والظاهر يجب الحمل عليه إلا لدليل صارف عنه . " [17]

 

إذاً فالأصل في حكم الأخذ بالظاهر هو الوجوب , فأين منه هذه المقولة الظالمة التي جعلت الأصل في الأخذ به المنع الذي يقتضي الخروج من الدين بالكلية ؟ لا شك أن هذا إجحاف وضلال يطعن في أصل الإيمان بالأدلة الشرعية كتابا وسنة.

ومن العجب أن الصاوي عند بيان الآداب التي يجب التمسك بها في الأخذ عن الشيخ ؛ أوجب على التلميذ أن يحمل كلام الشيخ على ظاهره ، ولا يعمد إلى تأويله ، معللا ذلك بأنه أعلم بمراده من  كلامه , لقد كان هذا الأدب أولى مع كلام رب العالمين ، الذي وصفه المولى تبارك وتعالى بالحكمة ، والبيان ، والشفاء ، والتمام ، وأمر بتدبره ، وإقامة أمره ، وتصديق خبره قال تعالى : {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً}(الأنعام:115).

 

وقد رد عليه الإمام الشنقيطي رحمه الله مقولته تلك مبيناً ضلاله فيها, كما نبه إلى ما نتج عنها من انحراف الكثير ممن تأثر بالصاوي , كل ذلك بأسلوب شديد وحجة قوية رام بها هدم هذا الأصل المبتدع , الذي مؤداه الطعن في كلام رب العالمين, الذي قال فيه: {ألم .ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ}( البقرة:1ـ2).

وفيما يلي نص كلامه رحمه الله الذي شدد فيه محرجا على من ادعى الكفر بالأخذ بالظاهر في نصوص الصفات :" أما قوله إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر , فهذا أيضا من أشنع الباطل وأعظمه , وقائله من أعظم الناس انتهاكا لحرمة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , سبحانك هذا بهتان عظيم.

والتحقيق الذي لا شك فيه , وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعامة علماء المسلمين أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال من الأحوال بوجه من الوجوه , حتى يقوم دليل صحيح شرعي صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح .

 

والقول بأن العمل بظاهر الكتاب والسنة من أصول الكفر لا يصدر البتة عن عالم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , وإنما يصدر عمن لا علم له بالكتاب والسنة أصلا , لأنه لجهله بهما يعتقد ظاهرهما كفرا , والواقع في نفس الأمر أن ظاهرهما بعيد مما ظنه أشد من بعد الشمس من اللمس" إلى آخر ما ذكر رحمه الله[18] .

 

والمتكلمون لدفع هذا التعارض الذي يرونه بين ظاهر النص وما يجب أن يفسر بها اتباعا للعقل فإنهم يقررون مذهب التأويل أو التفويض , فمرة يوجبون تأويل النص بما يوافق مذهبه الأشعري , ومرة يوجبون التفويض بحيث يمتنع تعيين المعنى لمعارضته العقل المحكم في فهم النصوص المتعلقة بتوحيد الرب تعالى عنده . ولبيان هذا فإنه يتعين الحديث عن:

 

مسلك التأويل والتفويض :

 

الأصل المعتمد عند المتكلمين في انتهاج مسلك التأويل أو التفويض ـ كما سبقت الإشارة إليه ـ هو الوصول إلى معنى لا يعارض الأساس العقلي الذي تم به معرفة الله تعالى وهو تنزيهه عن مماثلة الحوادث

 

وهذا المعنى الذي فهموه من ظاهر نصوص الصفات لا يسلم لهم

فلم يؤثر عن السلف اعتقاد كون النصوص يقتضي ظاهرها التمثيل الذي توهمه هؤلاء؛ إذ هو مخالف لما هو معلوم من الدين بالضرورة من التسليم لدلالة النصوص و اعتقاد ظاهرها دون ميل عن التوسط والاعتدال, وهذا الأصل دل عليه قول المولى تعالى : {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى:11) .

فهذا إثبات للظاهر المعلوم من اللفظ , مع التحذير من التعمق الذي يؤدي إلى التكييف والتمثيل , يقول شيخ الإسلام :" ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهراً ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن كفراً وباطلاً والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال ". [19]

والحق أن السلف ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ إنما كانوا يفوضون في الكيف فقط , والعمدة في ذلك قول الإمام مالك  رحمه الله  : " الاستواء معلوم , والكيف مجهول , والإيمان به واجب , والسؤال عنه بدعة "[20]

 

والتفويض في الكيف كما هو صريح في كلام الإمام مالك لا يعني تفويض المعنى , بل المعنى مفهوم كما أقر به رضي الله عنه , ولكن الكيف هو الذي تفوض حقيقته لله تعالى ؛ لأنه سبحانه كما أن له ذاتا لا تماثل حقيقتها الذوات كذلك له صفات لا تماثلها الصفات.[21]

 

وهنا تجدر الإشارة إلى الآية الكريمة التي أمر بها الباري تعالى عباده في رد المتشابه إلى المحكم وإعاد فيها العلم بتأويله له تعالى على اختلاف بين المسفرين في جواز إضافة الراسخين بالعلم أو وجوب الوقوف على لفظ الجلالة.

 

 

 

وهذا يتبين بالتالي

 

ـ أولاً المراد بالمتشابه

 

المتشابه في اللغة :" أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر , والمعنيان مختلفان كقوله تعالى :{ وأتوا به متشابها } (البقرة/25) "[22]  :

 

للسلف الصالح أقوال في بيان المراد بالمتشابه في هذه الآية الكريمة وكلها لا تخرج عن هذين القولين :

 

الأول : تحديد أمور معينة مما ورد في الشرع قصر السلف وقوع التشابه عليها,  لكثرة الاختلاف الواقع بين الناس في المراد بها . وضربوا لذلك أمثلة منها الحروف المقطعة في أوائل السور.[23]

وحقيقة ما أخبر الله تعالى به من أمور الغيب كالجنة والنار والميزان وما اتصف به من صفات , يشهد لهذا قول الإمام مالك ـ رحمه الله ـ : [ الكيف مجهول].

وهذا مما اتفق السلف على أنه من المتشابه[24].

 

الثاني : القول بنسبية التشابه ,

بمعنى أنه قد يشتبه أمر على شخص دون آخر فكل من وقع في أمر التبس عليه فهو مشتبه بالنسبة له , وبهذا المعنى تكون آيات القرآن كلها من المحكم و إنما يقع الناس في الاشتباه نتيجة لاختلاف قدراتهم وما وصل إليهم من بيان المعنى المراد بالآيات الكريمة, من ذلك قول المصطفى عليه الصلاة و السلام : { الحلال بين و الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس }[25].حيث لم يقطع بامتناع علمها لكل الناس فتحصل من ذلك أنها عدت من المتشابه لكونها مما لا يتأتى علمه لكل الناس[26].

 

وبناء على ما تقدم اختلفت مواقف السلف في مكان الوقف في الآية الكريمة . فمن اعتقد أن التشابه أمر نسبي ولا يلزم من وقوعه لبعض الناس أن يعمم حكمه فلا يعلم لأحد , قالوا بجواز الوقف على: { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} وكان هذا قول لابن عباس و مجاهد و الربيع بن أنس رضي الله عنهم أجمعين .

ومن قال بتعيينه : أوجب الوقف على لفظ الجلالة :{الله} وقد قال به ابن عباس  ـ في أحد قوليه ـ وعائشة وابن مسعود وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنهم .[27]

وعند تحليل الموقفين السابقين نصل إلى أن من أوجب الوقف على لفظ الجلالة فمنع بذلك علم المتشابه لأحد إلا الله تعالى حمل التشابه المذكور إلى المتعين على جهة بيان حقيقته  كأخبار الغيب من الجنة و النار وغير ذلك .

 

أما من رأى الوقف على الراسخين في العلم  فنسب بذلك العلم بالمتشابه إليهم , فأنه قصد به المتشابه النسبي الذي يلتبس فهمه على بعض الناس دون البعض . وبهذا يتضح موقف حبر الأمة في كلا القولين [28].

 

وبهذا يعلم أن آيات الصفات لا تدخل في المتشابه ـ كما اعتقد المتكلمون ـ إلا من حيث الكيفية والحقيقة أما من حيث المفهوم و المعنى فهي من المحكم الذي لا يلتبس فهمه على الراسخين في العلم وهذا ما قرره الإمام مالك ـ رحمه الله ـ, حيث قال :[ الاستواء معلوم ]  ولا يمكن بحال حمل الصفات على المتشابه المطلق الذي ذهب البعض إلى اشتمال القرآن عليه كالحروف المقطعة في أوائل السور .

يقول شيخ الإسلام مؤيداً ما سبق حاكيا ً :" اتفاق الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه وأنه لا يسكت عن بيانه و تفسيره بل يبين و يفسر باتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه أو إلحاد في أسمائه وآياته ".[29]

 

دل على هذه الحقيقة أمر الله تعالى عباده بتدبر آياته حيث قال : {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً}( النساء:82)

 

ومقتضى الأمر من الشارع الحكيم ـ كما هو معلوم ـ أن يكون الامتثال في  مقدور المكلف , وعليه فإنه لا يمكن القول بأن صفاته تعالى مما لا يفهم له معنى وهذا ما كان عليه سلف الأمة الذين فسروا القرآن كله و لم يتوقفوا عند خبر من أخباره.

ـ ثانياً : المراد بالتأويل  :

 

يرجع التأويل في اللغة إلى : التفسير والبيان , والمرجع والمآل والحقيقة , والسياسة والإصلاح[30]

يرجع معنى التأويل في هذه الآية الكريمة إلى ما سبق بيانه من المراد بالمتشابه, فعلى القول بأن المراد به هو التشابه النسبي يكون معنى التأويل هنا هو: التفسير والبيان .

أما على القول بأن المتشابه المذكور في الآية هو ما يرجع إليه الأمر في حقيقته و مآله فيكون المراد بالتأويل هنا : الحقيقة والمآل[31] .

ومن هذا العرض المختصر لمعتقد أهل السنة و الجماعة في قضية الوقف في الآية الكريمة يتبين لنا ما هو أساس الخطأ في تصور المتكلمين

حيث ادعو أن منهج السلف قائم على التفويض بناء على لزوم الوقف على لفظ الجلالة فأعادوا اختلاف المنهج بين السلف والخلف من المتكلمين إلى مسألة الوقف , فجعلوا طريقة السلف هي الوقف على لفظ الجلالة ,

مع أن هذه المسألة قد اختلف فيها منذ عهد الصحابة الكرام ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ وكان منهم من رأى العطف ـ كما سبق بيانه ـ ومع ذلك لم يحمله هذا القول على انتهاج مسلك التأويل وفقاً لما ذهب إليه المتكلمون.

 

ومن جهة أخرى فإن جعل علم الراسخين موافقا لما ذهب إليه المتكلمون, مخالف للحقيقة الشرعية واللغوية للتأويل الذي ثبت حصوله لأهل العلم , إذ ينحصر مفهومه ـ عند السلف ـ في معرفة معنى النصوص الشرعية , لأنه قد أجمع ـ كما تقدم ـ على أن الحقيقة والمآل مما استأثر الله تعالى بعلمه فلا يدخل في علم الراسخين بحال .

ويتبين بهذا بطلان حمل التأويل المذكور في الآية الكريمة على ما هو معهود عند المتأخرين وهو : صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله لقرينة.[32]

 

فمعلوم أن هذا المفهوم مستحدث , وأنه ليس بعمدة في المسائل المتعلقة بأصل الاعتقاد , بل الواجب في مثل هذه المهمات هو الرجوع إلى أقوال الأئمة من السلف ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ والاكتفاء بما ذهبوا إليه , وذلك لاعتمادهم على ما أثر عن النبي صلى الله عليه و سلم , وأقوال الصحابة والتابعين , واللغة العربية , فلا يجوز الخروج عن أقوالهم قدر أنملة في هذه المسائل ؛ لأنها مبنية على الاتباع , فلا اجتهاد فيها بحال , وكل خروج عن ذلك هو في عداد البدع التي ذمها الشرع وحذر منها أيما تحذير.

هذا من حيث الجملة , وإلا فإنه ليس فيما أوردوه من النصوص ما يدل على وجوب صرفها عن ظاهرها على القول بالمجاز[33] ـ لأنهم اشترطوا وجود القرينة وليس ثمة قرينة إلا ما رأوه هم مما لا أصل له في الشرع يعتمد عليه في مثل هذه المهمات.

وقد أجمل شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ الشروط التي  يجب توفرها حتى يصح تأويل النص وفقاً لما ذهب إليه المتأول فيما يلي:

ـ: " بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي ادعاه .

ـ وبيان الدليل الموجب للصرف إليه عن المعنى الظاهر ". [34]

 

ولما كانت أدلة الأشاعرة لا تقوى على إثبات هذه الدعوى وتطرق إليها المنع لضعفها عن ذلك صارت مناقشتهم فيها من حيث التفصيل تتأتى من عدة اتجاهات,

وهذا سيتضح عند مناقشة الصاوي فيما أورده من شبه في صفات الله تعالى .

ويبقى هنا التأكيد على وجوب ملازمة النهج السوي في التمسك بالكتاب والسنة المطهرة ؛ اقتداء بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأطهار , إذ كل خروج عن طريقهم في هذا المسلك يؤدي إلى هدم الحقائق العقلية والدينية , لأنه إذا ثبت انتفاء المعارضة بينهما فقد تأكد وجود التلازم والارتباط , بحيث يصير مؤدى أي طعن في الدليل الشرعي طعنا بطريق أولى في الدليل العقلي الذي سلم له أولا.

وفي بيان مآل المتكلمين في هذه المسالك البدعية, يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :" فهؤلاء يخالفون أقوال الأنبياء , إما بالتكذيب وإما بالتحريف من التأويل وإما بالإعراض عنها وكتمانها , فإما أن لا يذكروها أو يذكروا ألفاظها ويقولون ليس لها معنى يعرفه مخلوق...

وكذلك هم مخالفون للأدلة العقلية فالأنبياء كملوا الفطرة , وبصروا الخلق , ومخالفوهم يفسدون الحس والعقل كما أفسدوا الأدلة السمعية والحس والعقل الذين بهما تعرف الأدلة , والطرق ثلاثة : الحس, والعقل, والخبر , فمخالفوا الأنبياء أفسدوا هذا وهذا وهذا و أما إفسادهم لما جاء عن الأنبياء فظاهر , وإما إفسادهم للحس والعقل , فإنهم قسمان : قسم أصحاب خوارق حسية كالسحرة والكهان وضلال العباد , وقسم أصحاب كلام واستدلال بالقياس والمعقول , وكل منهما يفسد الحس والعقل " [35] 

 

 

ثانيا : مكانة العقل في التلقي عند المتكلمين

 

      الأشاعرة يرون أن للعقل دورا أساسيا في تلقي أصول العقيدة , إلى جانب الكتاب والسنة , مصدر الوحي المعصوم .

 

       وكان ذلك بناء على التقسيم المشهور الذي عليه غالبهم ؛ حيث التمييز بين ما يدرك بالعقل عندهم , وبين ما يمكن فيه الاعتماد على العقل والسمع , وبين ما لا يمكن إلا بطريق السمع , وتبقى دلالة العقل عليه بالإمكان , فمعرفة الله تعالى والإيمان بصفاته عز وجل , وتصديق الرسول بالمعجز مما لا يمكن إدراكه إلا بالعقل , ويأتي النقل في ذلك تبعاً لما تقرر بدليل العقل .

 

       أما ما يجوز فيه المسلكان , فهو كل ما لا يتوقف التوحيد والنبوة على العلم به , كرؤية الباري تعالى للمؤمنين , وجواز المغفرة للمذنبين .

 

       أمَّا ما يستقل السمع بالدلالة عليه , فهو كل ما جوز العقل وقوعه , كاليوم الآخر وما يقع فيه , ومجمل مسائل الشرع , كقضايا التكليف ؛ من الوجوب والإباحة والحظر والمنع[36].

       ويستند وجوب الاستدلال العقلي عند المتكلمين في إثبات ما يجب في حق الله تعالى من الوجود , وغيره من مسائل الإلهيات ,إلى أصلين لا يكاد يخالف فيها أحد منهم :

 

      الأول : أن أصول الاعتقاد يتوقف على معرفتها النقل , وما توقف عليه النقل لا يمكن إثباته بدليل النقل , لما يلزم من الدور الباطل , يقول الإيجي[37] عند حصره لأقسام الدليل  : " الثاني : ما يتوقف عليه النقل مثل وجود الصانع و نبوة محمد , فهذا لا يثبت إلا بالعقل إذ لو أثبت بالنقل لزم الدور ".[38]  

 

       الثاني : أن إفادة الدليل العقلي قطعية , وإفادة الدليل السمعي ظنية , ولا يمكن أن يستدل على الأصول بدليل ظني , لأنه لا يمنع وجود المعارض العقلي , الذي يستحيل معه  تقديم الدليل السمعي , لأنه الأصل الذي دل على ثبوت الشرع , ويذكر الرازي[39] ذلك من ضمن  الشروط التي أوجب توفرها ؛ حتى تصبح إفادة الدليل يقينية ، فيقول : " وعدم المعارض العقلي الذي لو كان لرجح , إذ ترجيح النقل على العقل ؛ يقتضي القدح في العقل المستلزم للقدح في النقل ؛ لافتقاره إليه , وإذا كان المنتج ظنياً ؛ فما ظنك بالنتيجة "[40]  .

 

       فكانت القاعدة التي تأسست بناء على ما تقدم : أن الاستدلال للأصول لا يمكن إلا بطريق العقل , لأنه أصل السمع ، فيجب استقلاله بالاستدلال عليها , حتى ولو ترتب على ذلك لوازم فاسدة , ونتائج يقطع الشرع ببطلانها .

 

****

الرد

 

        إن أساس هذا المسلك هو ما درج على الاحتجاج به المتكلمون , من أن العقل هو الوسيلة الأولى التي يدرك بها صدق الرسول بمعرفة المعجز, وما كان بهذه المرتبة من الحجية فلا يمكن بحال تجاهله وإغفال مكانته , وعليه فإن أي مخالفة لما تقرر بطريقه فإنه يتعين رده بالتأويل أو التفويض .

      ومن هنا فليس يقتصر الأمر عند المتكلمين , على عد العقل أحد مصادر التلقي الأساسية في العقيدة , بل إن حجية الاستدلال به تقضي بتقديمه على غيره من مسالك الاستدلال , في المسائل التي يحجر الاستدلال به عليها.

 

      وعليه فإن ثمة انحراف ظاهر في المذهب الأشعري؛ نتج عن هذا المعتقد الخطير , يقطع بعدم اعتباره من المسالك الشرعية السنية , ويوجب رد كثير مما تأكد بطريقه ؛ لكونه من البدع التي أحدثها المهتدون بغير هدي السلف الصالح , من الصحابة والتابعين , ومن سار على هديهم إلى يوم الدين .

 

ثانيا : نقض دعاويهم في تقديم العقل

 

       أما ما ادعوه من أن العقل أصل في معرفة الشرع ؛ فلابد من تقديمه في الدلالة على ما علم بطريقه , وأن ادعاء كفاية الشرع في الدلالة على أصوله يؤدي إلى الدور , الذي يعني توقف معرفة الأدلة على صحة السمع بالسمع نفسه , هو باطل لوجوه منها :

     الأول : أن معرفة الله تعالى  رباً مستحقاً للكمال , أهلاً للعبادة , أمر قد فطر الناس عليه , وأدلته قد سبقت الإشارة إليها , ويحصل ذلك بالفطرة كما يحصل أيضاً بالإلهام , قال تعالى : { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}(المائدة: 111)

 

       فينتفي بذلك القول بأن أصل السمع هو العقل .

 

       الثاني : أن ادعاء  حصول الدور , يعني نفي اشتمال السمع على البراهين العقلية , التي تعمل الذهن للوصول إلى الحقائق الشرعية , بمعنى أنهم يجعلون دلالة السمع خبرية محضة , يجب تصديقها لأن العقل دل على صدقها , ولا يخفى ما في هذه المقولة من ضلال ؛ فإن الله تعالى قد بين اشتمال الكتاب على البرهان , قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً}(النساء:174)

 

        يقول شيخ الإسلام : " وكثير من أهل الكتاب يظن أن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط , وأن الكتاب والسنة لا يدلان إلا من هذا الوجه , ولهذا يجعلون أصول الدين نوعين : العقليات والسمعيات , ويجعلون القسم الأول مما لا يعلم بالكتاب والسنة .

       وهذا غلط منهم , بل القرآن دل على الأدلة العقلية , وبينها و نبه عليها , وإن كان من الأدلة العقلية ما يعلم بالعيان ولوازمه , كما قال تعالى : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } (فصلت:53.) ". [41]

 

       وبذلك يعلم الخطأ في مقابلة الدليل الشرعي بالعقلي ؛ فإن الدليل العقلي قد يكون شرعياً إذا دل عليه الشرع وأثبته أو أباحه وسكت عنه , مع عدم وجود ما يعارضه بطريقه " وهذا كالأدلة التي نبه الله تعالى عليها في كتابه العزيز , من الأمثلة المضروبة و غيرها , الدالة على توحيده و صدق رسله ".[42]

       وبهذا يعلم أن ما قابل الدليل الشرعي هو البدعي وليس العقلي ؛ لأن في ذلك تعميما لا يصدق , والبدعة مردها إلى الهوى , سواء توصل إليها بالعقل أم بغيره من آفات النفس بعيداً عن الشرع  " وإذا ثبت هذا , و أن الأمر دائر بين الشرع والهوى؛ تزلزلت قاعدة حكم العقل المجرد , فكأنه ليس للعقل في هذا الميدان مجال , إلا من تحت نظر الهوى , فهو إذاً اتباع الهوى بعينه ".[43]

     يقول الإمام ابن القيم :

لا يستقل العقل دون هداية        بالوحي تأصيلاً ولا تفصيلاً [44] .

       ومن أظهر الأدلة التي يتبين بها بطلان هذا المسلك ؛ ما نتج عنه من رد لنصوص الكتاب والسنة , وذلك بطريق التأويل الذي يعني صرف اللفظ عن معناه الظاهر لقرينة , أو التفويض الذي يعني رد المعنى الظاهر , دون إثبات معنى مقابل له , وسيأتي الحديث عنه.

 

 

 

ثالثا : حجية الإلهام عند المتكلمين .

 

       لقد كان لهذا الانحراف الخطير , الذي استقر عليه المنهج الأشعري , في الاعتماد على العقل والإعلاء من شأنه؛ أثر معاكس يمكن تصنيفه في جملة ردود الأفعال , التي تنتج عن عدم الاعتدال وانتهاج التوسط , والتزام الحجة الواضحة , فهؤلاء المتكلمون لما أغرقوا في اعتماد العقل , وقصروا تقييم النصوص من حيث القبول أو الرد على ما تقرر بطريقه ؛ أدى بهم ذلك إلى إحداث مصدر آخر, يكون في مقابل العقل , وبنفس الأهمية من حيث المرجعية في تقرير الحقائق الدينية , دون أن تحكمه تلك القوانين أو الأصول الوضعية , التي أعملوا دلالتها في المسلك العقلي , فكان ذلك هو مصدر الإلهام , الذي استلهم الصوفية تحكيمه في أجواء الهيمنة العقلية الجافة , التي كان يعيشها المتكلمون , ومن هنا نجد الغزالي بعد أن مر بالتجربة الصوفية , يقول : " ولا تنكرن درجات   الكشف , فإن البصيرة الباطنة كالبصر الظاهر , وفرق بين ما يتضح في وقت الإسفار , وبين ما يتضح ضحوة النهار "[45] .

 

       وفي إعمال الإلهام والكشف ؛ لاستنباط أصول الاعتقاد من الأدلة الشرعية , عند معارضتها للأصول الكلامية , التي لا يتم التسليم بصحتها , حيث خالفت صحيح الفطرة والشريعة , يقول الغزالي[46] في تقرير مسألة زيادة الإيمان ونقصانه : " فإن قلت :  فالإشكال قائم في أن التصديق كيف يزيد وينقص ، وهو خصلة واحدة ؟  فأقول : إذا تركنا المداهنة , ولم نكترث بتشغيب من تشغب , وكشفنا الغطاء ؛ ارتفع الإشكال ، .... ، فلذلك ترى علوم المكاشفة تتسلق كل ساعة على علوم المعاملة , إلى أن تنكشف عنها بالتكليف , فهذا وجه زيادة الإيمان بالطاعة "[47] .

 

 

الرد

 

       إن من أبين  أنواع التناقض التي ظهرت في مسلك الاستدلال بالعقل عند الصاوي , تقديم حجية الإلهام على حجية العقل , كما قرر ذلك في طرق معرفة الباري تعالى , ولا يخفى أن هذا كان منه نتيجة ؛ لمتابعة الأسلاف دون اقتناع كاف فيما تقرر لديهم ؛ لكونه مجانبا لحقيقة الإيمان الفطري , الذي جبلت عليه النفوس .

 

       ولا بد هنا من بيان أن اعتقاد حصول البيان التام بالشرع , لا يمنع الاستئناس بما يدل عليه ويوافقه من طريق النظر أو الكشف , وإنما يقع المحظور في اعتقاد أن ثمة هدى ونور, يستقل ببيانه دليل سوى دليل الشرع .

 


[1] مجموع فتاوى شيخ الإسلام :(3/347).

[2] مجموع الفتاوى :(16/124).

[3] هو الإمام الفقيه المفسر الأصولي محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد نوح  المختار الجكني الشنقيطي , من علماء موريتانيا , ولد رحمه الله سنة: 325هـ في شنقيط , انتقل إلى الحجاز ودرس في المسجد النبوي وفي الجامعة الإسلامية حتى وفاته تخرج على يديه الكثير من خيرة العلماء , واذكر منهم: سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله , والشيخ محمد بن صالح العثيمين , والشيخ عطية محمد سالم , اعتنى بالتأليف والتصنيف ومن أشهر مؤلفاته :أضواء البيان في تفسير القرآن , وآيات الأسماء والصفات .توفي سنة: 393هـ انظر ترجمته كتاب خصص في ذلك للشيخ عبد الرحمن السديس , و الأعلام:(6/45).

[4] الأسماء والصفات:41.

[5] أخرجه ابن حبان بنحوه في صحيحه عن عائشة , وفيه:(ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها): كتاب الرقائق ـ باب التوبة , رقم الحديث:620:(2/386).

[6] المواقف:(1/148).

[7] المواقف:(3/936).

[8] لسان العرب : (7/4441).

[9] التعريفات : 269, وانظر التعاريف : 699.

[10] روضة الناظر وجنة المناظر: (2/561).

[11] هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر البصري المالكي الأصولي المتكلم , صنف الباقلاني  تصانيف واسعة في الرد على الفرق المختلفة توفي سنة:403, انظر في ترجمته : وفيات الأعيان: (4/269). وشذرات الذهب : (3/168).

[12] التمهيد :403.

[13] التعريفات:186.

[14] هو سيف الدين أبو الحسن علي ابن أبي علي الحنبلي الشافعي المتكلم برع في الفقه وعلم الكلام والمنطق قال عنه سبط ابن الجوزي:لم يكن في زمانه من يجاريه في الأصلين وعلم الكلام توفي سنة:631:شذرات الذهب:(5/144).

[15] غاية المرام في علم الكلام , الآمدي:174.

[16] هو الإمام الفقيه المفسر الأصولي محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد نوح  المختار الجكني الشنقيطي , من علماء موريتانيا , ولد رحمه الله سنة: 325هـ في شنقيط , انتقل إلى الحجاز ودرس في المسجد النبوي وفي الجامعة الإسلامية حتى وفاته تخرج على يديه الكثير من خيرة العلماء , واذكر منهم: سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله , والشيخ محمد بن صالح العثيمين , والشيخ عطية محمد سالم , اعتنى بالتأليف والتصنيف ومن أشهر مؤلفاته :أضواء البيان في تفسير القرآن , وآيات الأسماء والصفات .توفي سنة: 393هـ انظر ترجمته كتاب خصص في ذلك للشيخ عبد الرحمن السديس , و الأعلام:(6/45).

[17] الأسماء والصفات:41.

[18] انظر الإقليد للأسماء والصفات والاجتهاد والتقليد, محمد الأمين المختار الشنقيطي:25. وانظر أضواء البيان:(7/438).

[19]   التدمرية : 69.

[20]   أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة:برقم:664:(3/398)

[21] (التدمرية : 43)

[22] انظر : تأويل مشكل القرآن , لابن قتيبة :102.

[23]  انظر : تفسير القرآن العظيم  للإمام ابن كثير:(1/450).

[24] مجموع الفتاوى : (17/379).

[25] أخرجه البخاري في الصحيح  ـ كتاب الإيمان ـ باب فضل من استبرأ لدينه , برقم: 52. ورواه مسلم ـ كتاب المساقاة ـ باب أخذ الحلال و ترك الشبهات , برقم: 1599.  

[26] انظر : فتاوى شيخ الإسلام : (17/380).:

[27] جامع البيان في تفسير القرآن , للطبري : ( 3/ 185).

[28] انظر مجموع الفتاوى :(5/347).

[29]    مجموع الفتاوى : (13/296) .

[30]   انظر : تاج العروس للزبيدي : (7/214) . و المفردات للأصفهاني  : 31.

[31]    انظر جامع البيان في تفسير القرآن , للطبري : (3/184) .

[32] انظر التعريفات للجرجاني : 77.

[33] المجاز و التأويل عند المتأخرين وجهان لعملة واحدة فكل منهما إنما نشأ في أحضان الفكر الاعتزالي نتيجة لاعتقاد تعارض النقل مع العقل حيث وجدوا فيهما ما يسوغ لهم التمسك بما اعتقدوه من اليقينيات العقلية مع محاولة التخفي بستار اللغة تحت هذه المسميات المحدثة , على الرغم من بعدها كل البعد عن صميم المبادئ و المسلمات العقدية التي صورها لنا سلف الأمة رضوان الله عليهم  بتسليمهم للنصوص الشرعية و إعمالها دون محاولة إيجاد مبررات للخروج عنها بلا أصل يرتكز على أساس من الشرع الحكيم وعليه فلا يمكن بحال الاستناد إلى مثل هذه المحدثات إلا بدليل قاطع يرجع الاعتماد عليه للتسليم بكل ما ورد في الكتاب و السنة فقط.    

[34] مجموع الفتاوى : (6/360).

[35]  النبوات:448.

[36] انظر الإرشاد للجويني :358.

[37] هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار , أبو الفضل الإيجي , من كبار الأشاعرة و محرري مذهبهم , تأثر كثيراً بالفلسفة وعلم الكلام  . توفي سنة: 756 هـ . انظر : طبقات الشافعية للسبكي :(6/108).

[38] المواقف : 39. و الإرشاد للجو يني : 359,358 .

[39] هو محمد بن عمر بن الحسن البكري , يعرف بابن الخطيب , يلقب بفخر الدين الرازي , من كبار الأشاعرة وقد خلط المذهب بالتقعيد للفلسفة حيث تأثر بها كثيراً توفي سنة : 606هـ . انظر ترجمته في : سير أعلام النبلاء (21/501,500).

[40] المحصل للرازي : 142. وانظر المواقف : 40.

[41] الدرء :(ا/175).

[42] المرجع السابق :(1/198).

[43] الاعتصام للشاطبي :(1/67).

[44] الصواعق المرسلة :(3/978).

[45] المقصد الأسنى:87.

[46] هو محمد بن أحمد الطوسي المعروف بالغزالي ولد سنة : وقد تتلمذ على كبار أهل العلم في عصره منهم إمام الحرمين الجويني 450فقيه أصولي متكلم صوفي, برع في هذه العلوم حتى صنف فيها عددا من المؤلفات , من أشهرها كتاب إحياء علوم الدين , توفي الغزالي سنة:505.انظر وفيات الأعيان:(4/216), وشذرات الذهب:(4/10).

 

[47] قواعد العقائد:265.

لإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته

 

أولا / تعريف الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته

 

        الإيمان بأسماء الله تعالى و صفاته الحسنى , يعني إثباته كما وردت في الكتاب والسنة , من غير تمثيل, ولا تعطيل, ولا تحريف, ولا تكييف.

 

     وهذا من أهم الأصول التي ينبني عليها معتقد أهل السنة والجماعة, فيما يجب في حق الله عز و جل.

 

    ويعبر عن هذه الأصول بأن يقال إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل

 

       فالإيمان بها يقتضي الإثبات , وهذا الإثبات لا بد فيه من التزام عدم الخروج عن مراد الرب تعالى في ما أثبته لنفسه من الصفات الحسنى بحيث يخرج المثبت إلى ضلال الممثلة فإن هذا مما حذر منه الرب تعالى.

      كما أن الإيمان بها يقتضي التنزيه الواجب في حق الباري تعالى الذي عز عن المثيل والنظير دون أن يكون مؤدى ذلك التنزيه اتلعطيل كما ضل في ذلك من ضل فإن الإيمان مبناه على الإثبات دون إخلال بما يجب لله تعالى من حقائق التنزيه ,

 يقول الإمام الشنقيطي رحمه الله في بيان أسس الإيمان بأسماء المولى جل وعلا  : " أحد هذه الأسس :

       ـ هو تنزيه الله جل وعلا على أن يشبه بشيء من صفاته شيئا من صفات المخلوقين , وهذا الأصل يدل عليه قوله تعالى : {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}(الشورى:11).....

 

       ـ الثاني من هذه الأسس هو الإيمان بما وصف الله به نفسه ؛ لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله :{أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ }(البقرة:140)

       والإيمان بما وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في حقه : {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى }(النجم:3ـ4)

       فيلزم كل مكلف أن يؤمن بما وصف الله تعالى به نفسه , أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم , وينزه ربه تعالى عن أن تشبه صفته صفة المخلوقين " .

 

 

        ومن هنا فإنه يجدر بيان كل ما يقدح بأصلي الإثبات والتنزيه الذين يقتضيهما الإيمان بأسمائه وصفاته :

فالذي يقدح في التنزيه هو التمثيل والتكييف .

 

والذي يقدح في الإثبات هو التعطييل والتحريف .

 

 وبيانها كالتالي :

 

        ـ يعرف التمثيل الذي يقدح في التنزيه ؛  اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين.

       وهذا الاعتقاد مما تبطله دلالة السمع والفطرة والعقل :

       ـ ففي دلالة السمع أتى  بما يدل على امتناع التمثيل ضرورة , قال تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}( الشورى:11)

 

       ـ وكانت الفطرة ظاهرة الدلالة , فلما استقر فيها من إثبات الكمال لله تعالى على جهة ينتفي منها كل ما يدل على النقص , إما من جهة التضمن أو الاستلزام , وقد علم تطرق النقص المضاد للكمال فى كل صفات المخلوقين , إما لطرو الأعراض المضادة للصفة المحمودة , أو لما تستلزمه من أنواع النقص , كما هو مشاهد ومعلوم ببداهة العقول.

       ـ وعن برهان العقل فلأنه قد علم بالضرورة بدلالة المخلوقات على وجود من أبدعها, مخالفة ذات الباري تعالى لذوات الخلق , فاقتضى ذلك الاختلاف فى الذات أن يكون أيضا فيما تتصف فيه الذات من الصفات , فالقول فى الصفات , كالقول فى الذات.

       ـ أما التكييف , الذي يقدح في أصل التنزيه فهو أن يقيد إثبات الصفة بمعرفة الكيف , فلا يثبت شيئا من الصفات إلا بتكييفها , ومن هنا فإن الفرق بينه وبين التمثيل أن يقيد المثبت الممثل كيفية الصفة بماثل , أما التكييف فلا يشترط فيه ذلك .

 

      وبطلان هذا الاعتقاد مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام كسابقه , فقد دل العقل والشرع على امتناعه .

       فدليل السمع قوله تعالى : {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الأنعام:103) , وقوله : {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} (طه:110)

       أما العقل فلما سبق بيانه من وجود التلازم بين الذات وصفاتها في الأحكام , فكل ما جاز على الذات جاز على ما اتصفت به , والعكس بالعكس , ومن هنا فإنه لما امتنع معرفة كيفية الذات امتنع معرفة كيفية ما تتصف به من الصفات.

       وهذا أصل عظيم يعلم به ضلال كل من منع أو أثبت بلا دليل من الكتاب والسنة , وهذا اصل امتناع الإمام مالك عن ذكر الكيفية , حيث قال : (الاستواء غير مجهول , والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)[1].

       ـ ويعرف التعطيل بأنه إثبات الصفة من جهة اللفظ مع نفي المعنى .

       ـ وأما التحريف فهو أن ينفي المثبت للصفة المعنى الحق ويثبت آخر باطلا , ليس له أساس يعتمد عليه فى ذلك الإثبات بعد النفي  [2] .  

 

       وكان الإيمان بالأسماء والصفات الحسنى بعيدا عن هذه الانحرافات أمرا مستقراً في نفوس سلف هذه الأمة ,ثابتاً في المبادئ والقيم , دون أن تؤثر في صفائه البدع , مستمداً ذلك الثبات من مقتضى الإيمان الذي اطمأنت قلوب أصحابه به.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثانيا / أهمية الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته

 

      وتستند أهمية الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته الحسنى, إلى كونها من صميم الإيمان به سبحانه , لذا كان التوسل بها من أعظم ما شرعه الله تعالى و تعبدنا به , قال تعالى :{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (الأعراف:108)

 

       كما أن معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى , وصفاته العلى , هي أساس ما يقوم بقلب العبد من عبودية لله تعالى , تقتضي إفراده سبحانه بالعبادة , ولعل هذا من أسرار ختم غالب آيات الكتاب الحكيم بذكر أسمائه جل شأنه.

 

       فإن العبد عند توجه الخطاب له بالتكليف , فالذي يحمله على الامتثال لمقتضى الخطاب من الترك إذا كان نهيا , أو الفعل إذا كان أمرا إنما يتحصل منه لما استقر فى فطرته من كونه تعالى عالما محصيا سميعا بصيرا بكل ما يصدر منه من صغير أو كبير , ومن هنا كانت أهمية الإيمان بهذه الأسماء وترتب الثواب الجزيل على إحصائها بدخول الجنة .

 

***** 

 

قواعد في العلم بأسماء الله تعالى

   الاسم في اللغة : مشتق من السمو , حذفت لامه و ألحقت همزة الوصل بدلاً منها , يقول الزجاج :[ معنى قولنا اسم : هو مشتق من السمو وهو الرفعة , و الأصل فيه سمو مثل: قنو و أقناء] , وقد عرفه الجرجاني بأنه : [ ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة ] .

وهذا هو الراجح في التعريف كما أن شيخ الإسلام قد وافق هذا الترجيح . [3]

    والله تبارك وتعالى له أسماء عظيمة دلت عليها نصوص الكتاب والسنة ولابد لمعرفتها على مراد الرب من إخبارنا بها من التزام عدد من  القواعد المستنبطة من دلائل الدين, هي معتقد أهل السنة والجماعة.

 

      أولا/  دلالة  أسماء الله تعالى على الصفة و العلمية :

 

    يوضح هذه الركيزة الإيمانية أن كل اسم من أسماء الله تعالى؛ علم يدل على الذات , قال تعالى : {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (الإسراء/110) يقول الإمام الدارمي[4] : "  فهذه كلها أسماء لم تزل له كما لم يزل , بأيها دعوت فإنما تدعو الله نفسه "[5].

 

      ومع دلالتها العلمية على الذات , فإن كل واحد منها يدل على صفة كمال لله تعالى , دل عليها اتصافها بالحسن على جهة التفضيل المطلق, إذ يقتضي ذلك كمال ما تضمنته من معان , و هذا من جهتين :

 

     الأولى : دلالتها على كل معنى يليق بجلال الله تعالى , وعظيم سلطانه .

       الثانية : تنوع تلك المعاني الكاملة و تعددها , فالغفور يدل على معنى مغاير للسميع , وما يدل عليه العظيم ليس هو ما يدل عليه البصير [6].

       كل هذا يؤكده اشتقاق الأسماء من معان , إذ موجب الاشتقاق وجود ما اشتق منه , وإلا كان ذلك الاشتقاق محال , قال في المراقي :

 

وعند فقد الوصف لا يشتق          و أعوز المعتزلي الحق .[7]

 

 ثانيا / أسماء الله تعالى كلها حسنى

 

      لله تعالى أسماء حسنى ووصفه تعالى لها بأنها حسنى يعني أنها بالغة في الحسن منتهاه , فالمراد منها إثبات الكمال الذي يستحقه تعالى دون ان يماثله فيه أحد.

       فمما يقتضيه وصف الله تعالى لأسمائه بأنها حسنى , أن تكون هذه الأسماء حقيقة في الخالق ـ جل في علاه ـ فلا يشاركه في معانيها أحد , فإن الصفة إذا أضيفت للمولى تعالى علم تنزهها عن المماثلة بصفات غيره , فإن القدر المشترك من صفة السمع مثلا ليس له وجود إلا في الذهن إما في الحقيقة فإنه لا يكون إلا مضافا ومتعلقا بموصوفه وحينها يأخذ حكمه من حيث وجود المماثل أو عدمه , ولما كانت ذاته تعالى ليس لها مثيل ولا نظير وقد أقر بذلك كافة أهل التنزيه كانت صفاته لها نفس الحكم , فالقول في الذات كالقول في الصفات.

 

    وهذا ما يقتضيه وصفها بالحسن , إذ يعني تنزيهها عن خصائص البشر .

    فإن أسماء الله تعالى وصفاته لا تنبغي لأحد سواه, ولم يأمر أحد من خلقه أن يقتدي به في ذلك , وإنما جعل الاقتداء ً فيما اتصف به النبي صلى الله عليه وسلم من صفات حميدة بلغ بها ذروة الكمال البشري , حتى امتدحه الله تعالى بقوله : {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4)

      لذا أمر المولى تعالى عباده بالاقتداء به , حيث قال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}  (الأحزاب:24)

       يوضح هذا أن الواجب في أسماء الله تعالى و صفاته إنما يستفاد من جهة الشارع الحكيم , فالله تعالى أعلم بما يجب في حقه, و نبيه أعلم بمراد ربه.

وأسماؤه تعالى حسنى تعبد الباري تعالى عباده بدعائه بها , وتوعد من مال عن هذا الحق العظيم , وبهذا فإن مما يتضمن وصفها بالحسنى انها تستدعي العبادة وتلزم النفس بالخضوع لمن تسمى بها وهو الباري تعالى بما لايكون بحال مع أي اسم مهما بلغ من الحسن في حق المخلوقين .

       يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : " وهذه طريقة الكمل من السائرين إلى الله . وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن, قال الله تعالى : {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}. والدعاء بها يتناول دعاء المسألة , ودعاء الثناء , ودعاء التعبد , وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته , ويثنوا عليه بها , ويأخذوا بحظهم من عبوديتها "[8].

       والله تعالى يحب أن يتصف العباد ببعض موجب أسمائه وصفاته , فهو حيي يحب الحياء , ستير يحب الستر , كريم يحب الكرم , جميل يحب الجمال , و لكن عند اتصاف العبد بهذه الصفة فإنها تصبح حقيقة فيه يختص بها لا علاقة لها بما اتصف به الرب , يقول شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ : فـ " العبد كلما ازداد تحقيقاً لهذا الفرق , ازدادت محبته لله وعبوديته له و طاعته له , وإعراضه عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره "[9] .

 

       فبعد أن بين تعالى الوجه المشروع تجاه أسمائه وصفاته الحسنى وهو دعاءه بها وفق ما أخبر سبحانه , نهى سبحانه عن كل انحراف يخرج عن هذه الدائرة , وسمى ذلك الانحراف إلحاداً وتوعد من وقع به بالجزاء التام وفق ما عمل: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون}َ.

 

       وبهذا يعلم أن الأسماء المتواطئة حقيقة في الخالق والمخلوق , فعند الإطلاق تدل على القدر المشترك وهو حكم كلي لا وجود له إلا في الذهن , أما عند التقييد فإنها تدل على ما يناسب موصوفها من الكمال أو النقص .

هذا من جهة الاسم المتواطىء , كالسميع والعليم , فإنه عند إضافته للمولى تعالى علم اختصاصه به فلا يشاركه فيه أحد لكمال موصوفه وتنزهه عن مقتضيات النقص  .

 

 أما ما ثبت انفراد تسمية المولى به عند إطلاقه بما عرف تقييده به : كالله والرحمن , فهذا مما لا ينبغي لأحد سواه .

 

       يقول شيخ الإسلام رحمه الله : " جميع أسماء الله و صفاته , يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق , ومنها ما دل عليه بالإضافة والتخصيص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه " [10].

 

       وإذا تحققت دلالة الأسماء الحسنى على الذات العلية والصفة, كما يليق بجلال الله تعالى وعظيم سلطانه , بقي معرفة طرق دلالتها على ما سبق , إذ دلالة الاسم على الذات تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام , ومثاله : اسم (الخالق) فإنه يدل على الذات وعلى صفة الخلق بالمطابقة , وهذه دلالة على تمام المعنى .

 

       أما دلالتها على ذات الرب وحده أو على صفة الخلق وحدها , فتكون بالتضمن وهي دلالة على جزء المعنى .

       وتكون دلالتها على صفة العلم والحياة والقدرة بالالتزام ؛ لأن هذه الصفات لابد من توفرها فيمن له القدرة على الخلق , وهذه  تسمى : دلالة اللفظ على معنى خارج عنه [11].

 

      ثالثا/ أسماء الله تعالى توقيفية

 

       ـ أما عن كونها توقيفية , فذلك لما ورد من النهي والتشديد في القول على الله بغير علم , قال تعالى : {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}(الأعراف:33) 

 

       ولا بد هنا من بيان الفرق بين تسمية المولى تعالى , والإخبار عنه , إذ يمنع من تسميته بغير ما ورد على جهة التحريم , أما عن الإخبار فيتوسع فيه بقدر الحاجة شريطة أن لا يخرج عن المعنى الصحيح الذي ورد به نص الكتاب والسنة

 

        " ويفرق بين دعائه والإخبار عنه فلا؛ يدعى إلا بالأسماء الحسنى, وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيء لكن قد يكون باسم حسن أو باسم ليس بسيئ وان لم يحكم بحسنه مثل اسم  شيء وذات وموجود إذا أريد به الثابت , وأما إذا أريد به الموجود عند الشدائد ؛ فهو من الأسماء الحسنى , وكذلك المريد والمتكلم ؛ فإن الإرادة والكلام تنقسم إلى محمود ومذموم , فليس ذلك من الأسماء الحسنى بخلاف الحكيم  والرحيم والصادق ونحو ذلك , فان ذلك لا يكون إلا محمودا ".[12] 

 

رابعا / أسماء الله تعالى لا تحد بعدد

 

      ـ أسماء الباري تعالى لا يقصرها عد ولا حد  فهي لا تحد بعدد, فقد ذكر جمع من العلماء  أن العدد المذكور في الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لله تسعة وتسعين اسماً ، مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة )[13]  

      ليس للحصر استدلالاً بحديث ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال : ( أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك , أو أنزلته في كتابك , أو علمته أحدا من خلقك , أو استأثرت به في علم الغيب عندك).

       يقول الإمام النووي[14] : " مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة , فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها , لا الإخبار بحصر الأسماء , ولهذا جاء في الحديث الآخر : ( أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك)[15] "[16]  .

 


[1] الأثر سبق تخريجه: 80 وانظر التدمرية لشيخ الإسلام : 43, والقواعد المثلى , للشيخ العثيمين : 36.

[2] الصواعق المرسلة : (1/296) وانظر : القواعد المثلى, للشيخ العثيمين : 36.

[3] لسان العرب , لابن منظور :(4/2109) : مادة : (سما). انظر : مجموع الفتاوى : ( 6/208). ولمعرفة باقي الأقوال و أدلتها يرجع إلى : اشتقاق أسماء الله الحسنى للزجاجي : 256,  ولسان العرب لابن منظور: (4/2107), والتعريفات : 46.

[4] هو الإمام العلامة الحافظ أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجستاني , له مسند كبير وجهود في دحض شبه المبتدعة , توفي سنة : 280هـ , انظر: شذرات الذهب:(2/176), وتذكرة الحفاظ:(2/622)

[5] نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي:(1/183).

[6] انظر الدرء :(5/53,52).

[7] مراقي السعود : (1/110).

[8] مدارج السالكين :(1/421,420).

 

[9] العبودية : 155.

[10] الرسالة التدمرية : 22.

[11] انظر : الفتاوى :(10/254). و انظر : مدارج السالكين :(1/ 418)

[12] انظر : الفتاوى :(6/142).

[13] أخرجه البخاري في صحيحه:كتاب الشروط ـ باب ما يجوز في الاشتراط, رقم الحديث:2736.

[14] الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الحوراني الشافعي ولد سنة:631هـ برع في علوم الشريعة واللغة وبرز في الحديث والفقه , ومن أعظم تصانيفه شرح صحيح مسلم , ورياض الصالحين والأذكار وغيرها , توفي سنة:676هـ انظر : تذكرة الحفاظ :(4/1470)وشذرات الذهب:(5/354).

[15] أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود , برقم:3712, وقال أحمد شاكر : إسناده صحيح :(3/558).وأخرجه ابن حبان في صحيحه:كتاب الرقائق ـ باب الأدعية , رقم الحديث:972:(3/253).

[16] الدرء : ( 3/ 333).

الإيمان بصفات الله تبارك وتعالى

تعريف الصفة لغة

 

    الصفة في اللغة تعني [ الحالة التي عليها الشيء من حليته و نعته ] :

    وعرفها الجرجاني بأنها : [ الصفة : هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات , و ذلك نحو طويل و قصير .. وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها ], [1]

    وصفات الله تعالى هي ما يعرف به الرب تبارك وتعالى , فلا يمكن معرفة ذاته تعالى إلا بها , وهي في الذهن مدركة على انها زائدة على الذات تعرف بها حقيقتها, أما في الواقع الخارجي فلا يصح الفصل بينهما .

    وفي الحقيقة لا يصح إطلاق القول بان صفات الله تعالى غيره ولا أنها ليست غيره , لأن هذا مما حصل فيه نزاع بين الفرق , فوجب فيه التفصيل لمحل الاشتباه .

   يقول ابن أبي العز :" لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْإِثْبَاتِ قَدْ يُشْعِرُ أَنَّ ذَلِكَ مُبَايِنٌ لَهُ ، وَإِطْلَاقَ النَّفْيِ قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ هُوَ ، إِذْ كَانَ لَفْظُ " الْغَيْرِ " فِيهِ إِجْمَالٌ ، فَلَا يُطْلَقُ إِلَّا مَعَ الْبَيَانِ وَالتَّفْصِيلِ : فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ هُنَاكَ ذَاتًا مُجَرَّدَةً قَائِمَةً بِنَفْسِهَا مُنْفَصِلَةً عَنِ الصِّفَاتِ الزَّائِدَةِ عَلَيْهَا - فَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ الصِّفَاتِ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْ مَعْنَاهَا غَيْرُ مَا يُفْهَمُ مِنْ مَعْنَى الصِّفَةِ - فَهَذَا حَقٌّ ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الصِّفَاتِ ، بَلِ الذَّاتُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الثَّابِتَةِ لَهَا لَا تَنْفَصِلُ عَنْهَا ، وَإِنَّمَا يَعْرِضُ للذِّهْنُ ذَات وَصِفَة ، كُلٌّ وَحْدَهُ ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ ذَاتٌ غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ ، فَإِنَّ هَذَا مُحَالٌ" [2].

 

 

 

أولا /  قواعد في الإيمان بصفات الله تعالى

 

    أشرت في أول الحديث إلى الأصل المجمع عليه في باب الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته وهو التزام ما جاء في الكتاب والسنة في إثباتها من دون تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف .

    يقول شيخ الإسلام رحمه الله "وَجِمَاعُ الْقَوْلِ فِي إثْبَاتِ الصِّفَاتِ هُوَ الْقَوْلُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَهُوَ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ وَيُصَانُ ذَلِكَ عَنْ التَّحْرِيفِ وَالتَّمْثِيلِ وَالتَّكْيِيفِ وَالتَّعْطِيلِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ"[3].

    وهنا يتأكد الحديث عن القواعد التي تعصم المؤمن من الزلل في الإيمان بصفات الله تعالى .

 

القاعدة الأولى : أن صفات الله تعالى كلها صفات كمال

     الله تعالى رب أحد صمد؛ ثبت له الكمال في كل ما اتصف به , فإن جميع ما صح وصف الله تعالى به فهو صفة كمال تليق به سبحانه .

    والكمال الثابت في حق الله تعالى هو الكمال المطلق الذي لا ينازعه شيء من مقتضيات النقص , فهذا الكمال هو واجب له سبحانه فلا يشاركه فيه أحد مهما عظم شأنه مما سواه فكل ما سوى الله تعالى فهو مخلوق له,  والخالق سبحانه منفرد بكل صفات الكمال التي بها يستحقها وحده دون خلقه أحدا صمدا .

   يقول الإمام ابن تيمية :" الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى يستحقه بنفسه المقدسة، وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه، فثبوت الحياة يستلزم نفي الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، وإن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع على ذلك"[4].

    وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه )  

    فإن كانت الآية الكريمة في وصف أسمائه تعالى بأنها حسنى وأسماء الله كلها أوصاف له, فإنه أيضا ما من وصف دلت عليه نصوص الكتاب والسنة إلا والباري تعالى متصف به على جهة الكمال المطلق فهو في ذاته كمال ومع أضافته للباري تتأكد فيه حقائق الكمال المطلق المنزه عن شوائب النقص .

    ودلالة هذا الأصل عقلية شرعية, يؤمن بها العقل وأثبتها الشرع , دلالة صريحة نيرة لا يستريب في حجيتها أحد .

    وكونها عقلية فهذا لأن الله تعالى معروف بالغريزة العقلية الأولية فهو سبحانه عرف عباده به وهم في عهد الذر فلا تزال عقولهم تهدي إلى العلم به , وإن كان في العقل ما يدل على معرفة الله تعالى فإن فيه ما يثبت معه احقيته للكمال المطلق الذي ينفرد به عن آحاد الكمال النسبي الثابتة في حق من سواه .

    بل إن معرفته تعالى مقرونة بإثبات هذا الكمال المستقر له سبحانه , فالعقل يعرفه ربا أحدا, والربوبية تدل على الكمال دلالة صريحة , فالرب صمد والرب غني والرب يحتاج إليه المربوب في كل تقلباته , فالربوبية الثابتة له عقلا تدل على إثبات الكمال المطلق دلالة صريحة كافية . وهذا كله ثابت له عقلا من حيث الأصل

    وهنا تأتي الدلالة الشرعية لتثبت هذا الأصل وتزيد العلم بتفاصيل هذا الكمال مما يغيب عن العقل إدراكه لغيبية الذات العلية .

    فالإيمان بالله تعالى إيمان بالغيب وكذا الإيمان بصفاته سبحانه .

    يقول الإمام :"ودلالة القرآن على الأمور نوعان (أحدهما) خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به (والثاني) دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية لدالة على المطلوب. فهذه دلالة شرعية عقلية، فهي شرعية لأن الشرع دل عليها، وأرشد إليها. وعقلية لأنها تعلم صحتها بالعقل. ولا يقال أنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر. وإذا أخبر الله بالشيء ودل عليه بالدلالات العقلية صار مدلولاً عليه بخبره، ومدلولاً عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتاً بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى الدلالة الشرعية"[5].

كما أن العلم بكمال الرب تعالى فطرة مغروسة في النفوس لا يستريب في حقيقتها إلا غافل منتكس الفطرة وهذا إنما تدل عليه الفطر السليمة , وحتى الفطر المريضة قد تظهر مكنونها عند غياب الحواجب في الشدائد , فتقر بكمال الرب حين تنزاح الشبه بنور الحق الذي يبلج معه اعتراف العبد بالتبرء من كل حول إلى كمال الرب وعظمته بكمال حلمه وعلمه وقوته وقدرته.

     يقول الإمام : " وهكذا سائر صفات الكمال ولم يعلم أحد من الأمة نازع في هذا المعنى، بل هذا المعنى مستقر في فطر الناس، بل هم مفطورون عليه، فإنهم كما أنهم مفطورون على الإقرار بالخالق، فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر وأعلى وأعلم وأكمل من كل شيء.وقد بينا في غير هذا الموضع أن الإقرار بالخالق وكماله يكون فطرياً ضرورياً في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها "[6].

     والأدلة الشرعية تدل على إثبات الكمال له سبحانه؛ من جهة ما تتضمنه نصوص الصفات من معاني الإثبات والنفي .

    أما الإثبات , فإن الصفات المثبتة لله تعالى دلالتها متنوعة في التعبير عن الكمال الواجب لله تعالى , فمنها مايدل على فرد من أفراد الكمال ومنها ما هو جامع في الدلالة عليه , والأول منها ظاهر في عامة ما يوصف به الله تعالى , كصفة العلم والقدرة والسمع والبصر .

    وأما النوع الثاني منها , فكصفة الصمدية لله تعالى وكذلك القيومية .

    وكذلك وصفه تعالى بتمام الحمد, وأنه تعالى له المثل الأعلى .

    يقول الأمام : " وثبوت معنى الكمال قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة دالة على معاني متضمنة لهذا المعنى. فما في القرآن من إثبات الحمد له وتفصيل محامده وأن له المثل الأعلى، وإثبات معاني أسمائه ونحو ذلك كله دال على هذا المعنى.وقد ثبت لفظ الكامل فيما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير (قل هو الله أحد، الله الصمد) أن الصمد المستحق للكمال، وهو السيد الذي كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحكم الذي قد كمل في حكمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الشريف الذي قد كمل في جميع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه وتعالى.

     وهذه صفة لا تنبغي إلا له، ليس له كفؤا ولا كمثله شيء"[7].

     وفي باب النفي فإن دلالته لا تقل ظهورا عن معاني الإثبات لأنه تعالى موصوف بالنفي المجمل , والنفي في حق الباري تعالى ليس عدما محضا بل هو نفي يستلزم من المعاني العظيمة المثبتة ما يدل على إثبات الكمال المنبغي له تعالى .

    فمن النفي المجمل التسبيح الواجب له تعالى فإنه يدل على نفي كل نقص لا ينبغي لله تعالى ليثبت ما يقابله من الكمال المطلق الذي ينبغي له وحده لا شريك له .

    وإذا اجتمع الإثبات المجمل مع النفي المجمل تعاظمت دلالتهما في تحقيق هذا المعنى وهنا يظهر سر تسبيح أفراد ملكوت السموات والأرض بحمده . (وإن من شيء إلا يسبح بحمده)

   فإن التسبيح تنزيه عن النقص إجمالا ظو والحمد استغراق أوصاف الكمال أيضا على جهة الإجمال .

القاعدة الثانية : أن صفات الله تعالى توقيفية

 

    الله تعالى معلوم للعباد بالفطرة وعظيم ما اتصف به من كذلك مركوز في الفطر كما تقدم إلا أن الفطرة معرضة للنكوص والتغيير فلا تملك أن تكون محلا لإقامة الحجة على العباد في أصول الإيمان بالله تعالى . 

    وكذلك العقل فهو وإن صح حجة في العلم بالله تعالى, يهدي صاحبه للإيمان بخالقه , فإن لهذا العقل حدودا لا يملك معها العلم بصفات باريه سبحانه علما كافيا كاملا , فالعقل ضعيف وقاصر وملكاته لا تملك الاستقلال عن عالم الحس فمنه يستقي علومه ومداركه , أما وأن الله تبارك وتعالى لا يرى في الحياة الدنيا فإن العلم بصفاته عز وجل لا يصح أبدا أن يستقل بإدراكها العقل فيكون حجة في الإيمان بها.

   قال تعالى : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار )

   نعم قد يهدي العقل للإيمان ببعض الصفات التي لا يمكن أن تدرك حقيقة الربوبية إلا بها , كصفة العلم والإرادة والحياة والقدرة إلا أن العلم بالعديد من الصفات قد يخفى فلا يدرك بالعقل مجردا كصفة استواء الله تعالى على عرشه.

     كما أن هذه الصفات ذاتها قد يؤمن بها العقل ولكن ليس على الصفة التي تنبغي للذات العية كما دلت عليها نصوص الكتاب والسنة , ولهذا شاهد من الحديث الذي رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن أحد بني إسرائيل الذي أدرك أن الله تعالى متصف بالقدرة على إعادته ولكنه ظن ان هذه القدرة قد تقصر عن إعادة المتفرق نتيجة الاحتراق .

   والحديث وإن دل على عذر ذلك الرجل فإن ذلك محمول على قبول العذر بالجهل.

   وإلا فإن العلم بصفات الله تبارك وتعالى واجب وحق وإنكارها كفر كما هو معلوم.

   والمراد هنا أن النصوص تقي العقل من زلات الضلال في هذا الباب وتفتح له من أبواب اليقين بما يجب لله تعالى من الصفات التي لا يعلم بها مستقلا , لهذا سميت بعص صفات الله تعالى بالصفات الخبرية .

   فإن العلماء ذكروا أنواعا من تقسيمات الصفات :

أنها تنقسم إلى صفات خبرية وأخرى عقلية

وكل منها  إلى صفات ذاتية وأخرى فعلية .

  وبهذا نخلص إلى أن القاعدة التي تحفظ حقائق الإيمان في هذا الأصل العظيم ان ما يوصف به الرب تعالى لا حتى نؤمن به ويصح اعتقاده لا بد وأن تدل عليه نصوص الكتاب والسنة المطهرة .

عن أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول: وقد سئل عن صفات الله وما يؤمن به؟ فقال: لله تعالى أسماء وصفات، جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحداً من خلق اللّه قامت عليه الحجة ردها لأن القرآن نزل بها، وصحّ عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم القول بها فيما روى عنه العدول، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر.[8]

 

القاعدة الثالثة : أن تثبت صفات الباري تعالى بلا تمثيل

   فيكون الإيمان بها قائم لى اعتقاد إثباتها للباري تعالى دون أن يماثله فيها أحد من خلقه , قال تعالى )ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )

فقوله تعالى : (ليس كمثله شيء) : منع من التمثيل

وقوله : (وهو السميع البصير)  : تحقيق للإثبات

  والقرآن العظيم يحكي حقيقة الإثبات في كثير من آياته الكريمة مبينا بيانا شافيا أن الله تعالى وهو موصوف بها لا يماثله فيها أحد من خلقه .

فكل من ادعى إثبات صفات الباري تعالى على جهة المماثلة فقد أبطل حقيقة الإيمان بها وهذا المعنى تؤكده القاعدة التالية :

   وَثَبَتَ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْت الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ؟ فَقَالَ : " حَرَامٌ عَلَى الْعُقُولِ أَنْ تُمَثِّلَ اللَّهَ تَعَالَى ؛ وَعَلَى الْأَوْهَامِ أَنْ تَحُدَّهُ وَعَلَى الظُّنُونِ أَنْ تَقْطَعَ ؛ وَعَلَى النُّفُوسِ أَنْ تُفَكِّرَ ؛ وَعَلَى الضَّمَائِرِ أَنْ تُعَمِّقَ وَعَلَى الْخَوَاطِرِ أَنْ تُحِيطَ وَعَلَى الْعُقُولِ أَنْ تَعْقِلَ إلَّا مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ "[9]

القاعدة الرابعة : تنزيه صفات الباري تعالى دون تعطيل

 

فإن المنع من التمثيل في الإثبات لا ينتهي إلى التعطيل عند المؤمن , فإنه التنزيه حق الباري تعالى ولكن لا بد أن يضبط بضابط يحفظ هذا الحق مما يناقضه أصلا , فإن التنزيه ملازم للإثبات لا معنى له إلا بتحقيق الإثبات أولا . أما من وقع في التعطيل فقد نافى حقيقة التنزيه أولا .

وإلى هذا المعنى بعينه دل قوله تعالى :

(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )

فقوله تعالى (ليس كمثله شيء) تنزيه للباري تعالى عن أوصاف الخلق

وقوله (وهو السميع البصير ) دليل على منع التعطيل بما يحقق الإثبات؟

 يقول الإمام رحمه الله : " فَمَنْ نَفَى صِفَاتِهِ كَانَ مُعَطِّلًا . وَمَنْ مَثَّلَ صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ مَخْلُوقَاتِهِ كَانَ مُمَثِّلًا وَالْوَاجِبُ إثْبَاتُ الصِّفَاتِ وَنَفْيُ مُمَاثَلَتِهَا لِصِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ إثْبَاتًا بِلَا تَشْبِيهٍ وَتَنْزِيهًا بِلَا تَعْطِيلٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } فَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْمُمَثِّلَةِ { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } رَدٌّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ فَالْمُمَثِّلُ يَعْبُدُ صَنَمًا وَالْمُعَطِّلُ يَعْبُدُ عَدَمًا "

وهذه هي طريقة الرسل فالتزام منهجهم مناط النجاة في الإيمان بصفات الله تبارك وتعالى .

    يقول الإمام ابن تيمية " وَمَذْهَبُ السَّلَفِ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ فَلَا يُمَثِّلُونَ صِفَاتِ اللَّهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ كَمَا لَا يُمَثِّلُونَ ذَاتَه بِذَاتِ خَلْقِهِ وَلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ . فَيُعَطِّلُوا أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَيُحَرِّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيُلْحِدُوا فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ".[10] .

 

القاعدة الخامسة : التفصيل في الإثبات

 

    لما كان العلم بصفات الله تعالى مصدره القرآن العظيم والسنة المطهرة لزم التمسك بهديهما في إثبات ما يجب لله تعالى, وقد نطقت نصوصهما بتفصيل الكمالات الثابتة لله تعالى والتي تدل بمجموعها على استغراق أوصاف الكمال للباري تعالى , وهذا مما يؤكد اهمية اعتقاد التفصيل في الإثبات كما لا يخفى فإنه تبارك وتعالى لا يحصى ثناء على ذاته الشريفة وإنما هو علم عباده ما ينجلي لهم من أوصافه الكثيرة وصفه بالكمال المطلق الذي لا ينبغي لأحد سواه .

     فإذا كان الحق اللازم اتباعه هو تحقيق الإيمان بالثابت من الصفات على جهة التفصيل, فإن الله تعالى له صفات كثيرة , فمع أن أسماءه الله تعالى كلها صفات ثابنة له لدلالة الاسم على الصفة , فإن هناك أيضا من الصفات ما يثبت له لدلالة النصوص عليها مع عدم صحة اشتقاق الاسم منها .

    وقد أتى الحديث الصحيح الذي سبق بيانه مثبتا هذا الحق العظيم لله تعالى وهو اعتقاد تنوع صفاته . حيث أثبت منها ما هو عائد إلى الأسماء تسعا وتسعين اسما , وبين ترتب الأجر العظيم على من أحصاها بدخول الجنة .

    عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدة ، من أحصاها دخل الجنة ، إنه وتر يحب الوتر - هو الله - الذي لا إله إلا هو الرحمن ، الرحيم الملك القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارئ ، المصور ، الغفار ، القهار ، الوهاب ، الرزاق ، الفتاح ، العليم ، القابض ، الباسط ، الخافض ، الرافع ، المعز ، المذل ، السميع ، البصير ، الحكم ، العدل ، اللطيف ، الخبير ، الحليم ، العظيم ، الغفور ، الشكور ، العلي ، الكبير ، الحفيظ ، المغيث » . وقال صفوان في حديثه : المقيت ، وإليه ذهب أبو بكر محمد بن إسحاق في مختصر الصحيح ، الحسيب ، الجليل ، الكريم ، الرقيب ، المجيب ، الواسع ، الحكيم ، الودود ، المجيد ، الباعث ، الشهيد ، الحق ، الوكيل ، القوي ، المتين ، الولي ، الحميد ، المحصي ، المبدي ، المعيد ، المحيي ، المميت ، الحي ، القيوم ، الواجد ، الماجد ، الواحد ، الصمد ، القادر ، المقتدر ، المقدم ، المؤخر ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، الوالي ، المتعالي ، البر ، التواب ، المنتقم ، العفو ، الرءوف ، مالك ، الملك ، ذو الجلال والإكرام ، المقسط ، الجامع ، الغني ، المغني ، المانع ، الضار ، النافع ، النور ، الهادي ، البديع ، الباقي ، الوارث ، الرشيد ، الصبور »[11]

     ولهذا شواهد عدة من آيات القرآن العظيم وإن لم تصل إلى هذا العدد فمثلا الآيات من آخر سورة الحشر قال تعالى : (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) إلا أن مجموع ما أتى في القرآن العظيم من الصفات المثبتة مجملا يدل على هذا الحق دلالة صريحة .

     يقول الإمام مفصلا إثبات هذا الأصل في عقائد الرسل والأنبياء الذين هم أعلم بالله تعالى وأدل إلى العلم به كما ينبغي له يقول: " طَرِيقَةُ الرُّسُلِ " - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - إثْبَاتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ لِلَّهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ وَتَنْزِيهُهُ بِالْقَوْلِ الْمُطْلَقِ عَنْ التَّمْثِيلِ فَطَرِيقَتُهُمْ : " إثْبَاتٌ مُفَصَّلٌ " وَ " نَفْيٌ مُجْمَلٌ " وَأَمَّا الْمَلَاحِدَةُ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْقَرَامِطَةِ والجهمية وَنَحْوِهِمْ : فَبِالْعَكْسِ ؛ نَفْيٌ مُفَصَّلٌ وَإِثْبَاتٌ مُجْمَلٌ . فَاَللَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ { إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } و { عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } وَأَنَّهُ { غَفُورٌ رَحِيمٌ } { عَزِيزٌ حَكِيمٌ } { سَمِيعٌ بَصِيرٌ } { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } وَأَنَّهُ { يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } وَيَرْضَى عَنْ الْمُؤْمِنِينَ وَيَغْضَبُ عَلَى الْكَافِرِينَ وَأَنَّهُ { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا وَنَادَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا وَأَنَّهُ يُنَادِي عِبَادَهُ فَيَقُولُ : { أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } وَأَمْثَالُ ذَلِكَ وَقَالَ تَعَالَى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } .

    فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَا مِثْلَ لَهُ وَلَا سَمِيَّ وَلَا كُفُوًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مُمَاثِلًا لِشَيْءِ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ مُكَافِئًا وَلَا مُسَامِيًا لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى "[12].

      وقد يأتي الإثبات مجملا في بعض الحالات مجوزا الاستثناء على الأصل فيه , وهذا لا يكون إلا لحكمة بيانية عظيمة تتاكد معها حقيقة وصف الله تعالى بالكمال المطلق الذي لا ينبغي إلا لذات الباري تبارك وتعالى .

   وذلك باستغراق أوصاف الكمال في لفظ يسير , قليل المبنى عظيم المعنى , كقوله تعالى ( الحمد لله رب العالمين ) فإن  الحمد يستغرق أوصاف الكمال التي تجب لله تعالى .

القاعدة السادسة : الإجمال في النفي

    وهذا هو الأصل في باب النفي , أن يكون النقص منفيا عن الله تعالى إجمالا , وفي ذلك ما تقدم من كلام الإمام : حيث يقول : " طَرِيقَةُ الرُّسُلِ " - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - إثْبَاتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ لِلَّهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ وَتَنْزِيهُهُ بِالْقَوْلِ الْمُطْلَقِ عَنْ التَّمْثِيلِ, فَطَرِيقَتُهُمْ " إثْبَاتٌ مُفَصَّلٌ " وَ " نَفْيٌ مُجْمَلٌ ".[13]

    وطريقة الرسل عليهم وعلى نبينا أتم السلام؛ إنما انتهجوها من هدي الوحي المطهر المنزل إليهم وقد أتى هذا الأصل صريحا في العديد من آيات القرآن العظيم.

    كقوله تعالى : (هل تعلم له سميا ), وقوله سبحانه: (سبحان الله عما يصفون)

    وقوله عز من قائل : ( ولم يكن له كفوا أحد )

    وهذا من تحقيق تنزيه الباري تعالى .

    فقد أفصح القرآن الكريم عن تحقيق الكمال لله تعالى بأتم المعاني وأبينها ,  بإثبات الصفات الحسنى تفصيلا ونفي النقائص إجمالا , ولا يخفى ما هذا النهج الرباني من حسن في تقريب معنى الكمال لله تعالى إلى النفس البشرية فهو يخاطبها حتى تعرف ربها بأبلغ ما لديها من ملكات بيانية؛ ربا موصفا بالكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه أحد .

    ويستثنى من عموم هذا الأصل بعض أوصاف النقص التي نفيت تفصيلا , ولكن لم يكن ذلك إلا لحكمة قرآنية عظيمة حيث دعى إلى ذلك منهج الرد وإبطال ضلالات الذين ألحدو في صفات الله تعالى , كاليهود مثلا في دعواهم الكاذبة التي أبطلها القرآن تفصيلا لما أعلنوها , قال تعالى :(وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء)

فإن صفة النقص هنا ذكرت تصريحا لأجل الرد , كما ان في نفيها إثباتا للصفة المقابلة لها من صفات الكمال .

فالنفي المحض عدم محض والعدم المحض لا يوصف به الرب تعالى , لذا لابد أن تعلم الحكمة من كل نفي كل صفة نقص عن الله تعالى إجمالا أو تفصيلا .

فإن كان النفي مجملا فإن فيه من إثبات الكمال المطلق ما لا يخفى

وإن كان النفي مفصلا فأنه يثبت كمالا مقابلا له على جهة التفصيل . 

القاعدة السابعة : صفات الله تعالى ليست كلها أسماء له:

 

     وهذه القاعدة متفرعة عن أصلين , أولهما أن أسماء الله تعالى توقيفية, فلا يسمى الله تعالى إلا بما علمنا إياه في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم .

 

القاعدة الثامنة / القول في الصفات كالقول في الذات :

 

    فكما أن حق الذات العلية أن يؤمن بها دون تعطيل لها أو تمثيل أو تكييف فكذا القول في صفاتها فإنها تعود لها وحكم الذات ثابت فيما اتصفت به , فليس من الإيمان باللله تعالى أن يؤمن بوجود ذاته مع احتراز عن تعطيلها وتمثيلها ثم يجحد هذا الحق فيما اتصفت به هذه الذات العلية من الصفات .

   وتحقيق هذا أن الإيمان بالله تعالى إيمان بالغيب فغيبية الذات لا بد أن تعود أحكامها على غيبية الصفات لأن جنس الإيمان بهما واحد فلا اعتبار للتفريق بينهما.

   وقد علمت احكام الإيمان بالذات من الوحي وكذلك الصفات فانتفى سبب التفريق تماما بينهما .

   فالمصدر بالعلم بهما واحد وهو الوحي

  وجنس العلم بهما واحد وهو الإيمان بالغيب

   فلا يملك بعد ذلك حق في ادعاء الفرق بينهما بأن تثبت الذات دون مماثلة وتعطيل لها مع الخلف في صفات هذه الذات

 

القاعدة التاسعة / القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر

 

   وهذا أصل عظيم يعصم من الضلال في هذا الباب فإن الصفة إذا ثبت وصف الباري تعالى بها فلا أن تثبت له على الوجه الذي يليق بجلاله دون تعطيل لها او تمثيل كما تقدم في بيان القواعد الأولى وهنا التنبيه ينصب على أهمية استصحاب هذا الأصل الواجب في كل صفات الله تعالى فر يفرق بينها لأي شبهة كانت , وهذا مما تفصيله على جهة الوضوح عند عرض الآراء المخالفة في إثبا تالصفات حيث أثبتت بعضها ونفت الآخر أو وقعت في تأويله , لهذا نبه الإمام إلى هذا الأصل في ثنايا ردوده على المخالفين في إثبات حقائق الصفات , يقول الأمام  :" فَالْقَوْلُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي بَعْضٍ . وَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ ؛ وَلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ . فَلَا يَجُوزُ نَفْيُ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ ؛ وَلَا يَجُوزُ تَمْثِيلُهَا بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ؛ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ . وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الخزاعي : مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَقَدْ كَفَرَ وَمَنْ جَحَدَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ وَلَيْسَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَرَسُولُهُ تَشْبِيهًا"[14].

 

 

 

 

 

 

 

 

 

معتقد  الأشاعرة

       يعد هذا المبحث عند المتكلمين من أعمق المباحث الإلهية و أطولها , ومع ذلك يمكن تحديد الخطوط العريضة التي لا يكاد يوجد خلاف فيها بينهم , حيث يجمع الأشاعرة على إثبات سبع صفات من الصفات الوجودية , وهي ما تسمى بالمعاني , وبيانها كالتالي : العلم والإرادة والقدرة والحياة والكلام والسمع والبصر.

 

       أما في باب النفي  فيثبتون خمس صفات سلبية يتم بها تنزيه المولى ـ عندهم ـ عن كل نقص , وهي إثبات : القدم والبقاء والوحدانية ومخالفة الحوادث والقيام بالنفس . [15]

       وهناك صفة نفسية , يعنون بها الوجود مع اختلاف وقع بينهم في تسمية المراد منها بذلك الاسم , يقول الجويني :" والوجه المرضي أن لا يعد الوجود من الصفات , فإن الوجود نفس الذات " [16].

       ولكن هذا التقسيم إنما تم بيانه على يد متأخري الأشاعرة , كاللقاني والدردير.

       وما خلا ذلك من الصفات , فإنهم يرجعونه إلى الأفعال والاختيارات , فلا يعتقدون فيها إثبات صفة على جهة الحقيقة ؛ لذا يعمد أكثرهم إلى تأويلها بما يعتقدون فيه تنزيه المولى عن صفات الحوادث [17].

       وقد فصل الغزالي حجتهم في نفي ما عدا هذه الصفات السبع بإرجاع ما أثبت فيه حقه تعالى إليها, فقال:" لعلك تقول: هذه أسماء كثيرة , وقد منعت الترادف فيها وأوجبت أن يتضمن كل واحد معنى آخر , فكيف يرجع جميعها إلى   سبع صفات؟   فاعلم أن الصفات إن كانت سبعاً , فالأفعال كثيرة , والإضافات كثيرة , والسلوب كثيرة , ويكاد يخرج جميع ذلك عن الحصر , ثم يمكن التركيب من مجموع صفتين أو صفة وإضافة أو صفة وسلب أو سلب وإضافة ,ويوضع بإزائه اسم , فتكثر الأسامي بذلك , وكان مجموعها يرجع إلى ما يدل منها على الذات, أو على الذات مع سلب , أو على الذات مع إضافة , أو على الذات مع سلب وإضافة , أو على واحد من الصفات السبع , أو على صفة وسلب , أو على صفة وإضافة , أو على صفة فعل , أو على صفة فعل وإضافة أو سلب , فهذه عشرة أقسام "[18] إلى آخر ما ذكر.

    وقد يقسم بعضهم الصفات المثبتة إلى صفات ذاتية وصفات فعلية , فتكون الصفات الذاتية هنا هي الصفات السبع , وما أرجعوه بالتأويل إليها كالرحمة والغضب , أما الصفات الفعلية فهي التي يرجعون متعلقها إلى الصفات الذاتية.

     ويفرق بين متقدمي الأشاعرة وبين متأخريهم في إثبات الصفات الخبرية , فالمتقدمون منهم يثبتون الصفات الذاتية الخبرية دون الفعلية , ويردون الفعلية إلى الصفات السبع , يقول الباقلاني وهو من متقدمي الأشاعرة في بيان ذلك : " فإن قال قائل: ففصلوا لي   صفات   ذاته , من   صفات أفعاله ؛ لأعرف ذلك.

       قيل له : صفات ذاته : هي التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها , كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان والغضب والرضى وهما الإرادة على ما وصفناه وهي الرحمة والسخط والولاية والعداوة والحب والإيثار والمشيئة وإدراكه تعالى لكل جنس يدركه الخلق .

       وصفات فعله : هي الخلق والرزق والعدل, ..،وكل صفة كان موجوداً قبل فعله لها "[19]

       أما المتأخرون فلا يثبتون شيئا من صفات الأخبار لا الذاتية ولا الفعلية على الحقيقة ويردونها إلى الصفات السبع التي قام دليلهم العقلي على إثباتها ورد ما عداها , يقول الآمدي في بيان هذا الأصل المعتمد عندهم في الرد والإثبات مقننا بالشبه العقلية :" وأما ما قيل بثبوته من باقي الصفات ؛  فالمستند فيها ليس إلا المسموع المنقول دون قضيات العقول , ...., واعلم أن هذه الظواهر وإن وقع الاغترار بها , بحيث يقال بمدلولاتها , ظاهر من جهة الوضع اللغوى , والعرف الاصطلاحي , فذلك لا محالة انخراط في سلك نظام التجسيم , ودخول في طرف دائرة التشبيه , وسنبين ما في ذلك من الضلال وفي طيه من المحال إن شاء الله بل الواجب أن يقال : {ِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

       فإن قيل بأن ما دلت عليه هذه الظواهر من المدلولات وأثبتناه بها من الصفات ليست على نحو صفاتنا , ولا على ما نتخيل من أحوال ذواتنا, بل مخالفة لصفاتنا كما أن ذاته مخالفة لذواتنا , وهذا مما لا يقود إلى التشبيه ولا يسوق إلى التجسيم , فهذا وإن كان في نفسه جائزا , لكن القول بإثباته من جملة الصفات يستدعى دليلا قطعيا , وهذه الظواهر وإن أمكن حملها على مثل هذه المدلولات فقد أمكن حملها على غيرها أيضا , ومع تعارض الاحتمالات وتعدد المدلولات فلا قطع , وما لا قطع عليه من الصفات , لا يصح إثباته للذات "[20]

      فهذا النص يبين منهجهم في سبيل إرجاع جميع الصفات الخبرية إلى ما تقدم من الصفات الذاتية , ولهم في ذلك حجج سبقت الإشارة إليها ولعلي أشير إلى أهمها هنا ؛ لمحل التلازم بين المنهج والنتيجة, حيث اعتقدوا في أن في إثباتها اعتقاد التمثيل الذي قام الدليل العقلي على منعه , فاعتمدوا منهج التأويل ، أو التفويض لدفع إثبات ما تقتضيه النصوص الشرعية التي تضمنت تلك الصفات .

 

 


[1]    المفردات للأصفهاني :525, التعريفات :173.

[2]    شرح الطحاوية : (1/192).

[3]  مجموع الفتاوى : (2/56) .

[4]   جامع الرسائل : (1/312).

[5]   المرجع السابق : (1/312).

[6]  المرجع السابق .

[7]  جامع الرسائل : (1/312) , انظر في تفسير الصمد جامع البيان :(

[8]   اجتماع الجيوش الإسلامية : (1/44) .

[9]   مجموع الفتاوى :(1/294).

[10]  مجموع الفتاوى :(1/407).

[11] أخرجه الحاكم في المستدرك , رقم : (1/45) .

[12]  مجموع الفتاوى : ( 2/ 56) .

[13]  مجموع الفتاوى :(2/65).

[14] المجموع :(1/447)

[15] الإرشاد للجويني :31ـ33ـ34ـ52.

[16] المرجع السابق :31.

[17] انظر : شرح المقاصد للتفتزاني :(4/69).

[18]  المقصد الأسنى:157.

[19] التمهيد:299.

[20] غاية المرام :136ـ137ـ138.

فسير الطبري - (ج 23 / ص 301)

قال تعالى :

(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22)

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23)

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24))

***

القول في تأويل قوله تعالى : { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) }

يقول تعالى ذكره: الذي يتصدّع من خشيته الجبل أيها الناس هو المعبود، الذي لا تنبغي العبادة والألوهية إلا له، عالم غيب السموات والأرض، وشاهد ما فيهما مما يرى ويحسّ( هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) يقول: هو رحمن الدنيا والآخرة، رحيم بأهل الإيمان به.

***

القول في تأويل قوله تعالى : { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) }

يقول تعالى ذكره: هو المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، الملك الذي لا ملك فوقه، ولا شيء إلا دونه، القدّوس، قيل: هو المبارك.

وقد بيَّنت فيما مضى قبل معنى التقديس بشواهده، وذكرت اختلاف المختلفين فيه بما أغنى عن إعادته.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة( الْقُدُّوسُ ): أي المبارك.

وقوله:( السَّلامَ ) يقول: هو الذي يسلم خلقه من ظلمه، وهو اسم من أسمائه.

كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمّر، عن قتادة( السَّلامَ ) : الله السلام.

حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله، يعني العَتكي، عن جابر بن زيد قوله:( السَّلامَ ) قال: هو الله، وقد ذكرت الرواية فيما مضى، وبيَّنت معناه بشواهده، فأعنى ذلك عن إعادته. وقوله:( الْمُؤْمِنُ ) يعني بالمؤمن: الذي يؤمن خلقه من ظلمه.

سعيد، عن قتادة( الْمُؤْمِنُ ): أمن بقوله أنه حقّ.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة( الْمُؤْمِنُ ): آمن بقوله أنه حقّ.

( الْمُؤْمِنُ ) قال: المصدق.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله:( الْمُؤْمِنُ ) قال: المؤمن: المصدّق الموقن، آمن الناس بربهم فسماهم مؤمنين، وآمن الربّ الكريم لهم بإيمانهم صدّقهم أن يسمى بذلك الاسم.

وقوله:( الْمُهَيْمِنُ ) اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: المهيمن الشهيد.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله:( الْمُهَيْمِنُ ) قال: الشهيد، وقال مرّة أخرى: الأمين.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:( الْمُهَيْمِنُ ) قال: الشهيد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:( الْمُهَيْمِنُ ) قال: أنزل الله عزّ وجلّ كتابًا فشهد عليه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة( الْمُهَيْمِنُ ) قال: الشهيد عليه.

وقال آخرون: المهيمن: الأمين.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جُويبر، عن الضحاك( الْمُهَيْمِنُ ) الأمين. وقال آخرون:( الْمُهَيْمِنُ ) : المصدّق.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله:( الْمُهَيْمِنُ ) قال: المصدق لكلّ ما حدّث، وقرأ( وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) قال: فالقرآن مصدّق على ما قبله من الكتب، والله مصدّق في كلّ ما حدّث عما مضى من الدنيا، وما بقي، وما حدّث عن الآخرة.

وقد بيَّنت أولى هذه الأقوال بالصواب فيما مضى قبل في سورة المائدة بالعلل الدالة على صحته، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقوله:( الْعَزِيزُ ) : الشديد في انتقامه ممن انتقم من أعدائه.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة( الْعَزِيزُ ) أي في نقمته إذا انتقم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة( الْعَزِيزُ ) في نقمته إذا انتقم.

وقوله:( الْجَبَّارُ ) يعني: المصلح أمور خلقه، المصرفهم فيما فيه صلاحهم. وكان قتادة يقول: جبر خلقه على ما يشاء من أمره.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة( الْجَبَّارُ ) قال: جَبَرَ خلقه على ما يشاء.

وقوله:( الْمُتَكَبِّرُ ) قيل: عُنِيَ به أنه تكبر عن كلّ شرّ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة( الْمُتَكَبِّرُ ) قال: تكبر عن كلّ شر.

قال: إن اسم الله الأعظم هو الله، ألم تسمع يقول:( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) يقول: تنزيهًا لله وتبرئة له عن شرك المشركين به.

***

القول في تأويل قوله تعالى : { هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24) }

يقول تعالى ذكره: هو المعبود الخالق، الذي لا معبود تصلح له العبادة غيره، ولا خالق سواه، البارئ الذي برأ الخلق، فأوجدهم بقدرته، المصوّر خلقه كيف شاء، وكيف يشاء.

قوله:( لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى ) يقول تعالى ذكره: لله الأسماء الحسنى، وهي هذه الأسماء التي سمى الله بها نفسه، التي ذكرها في هاتين الآيتين.( يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) يقول: يسبح له جميع ما في السموات والأرض، ويسجد له طوعًا وكرهًا

( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) يقول: وهو الشديد الانتقام من أعدائه

( الْحَكِيمُ ) في تدبيره خلقه، وصرفهم فيما فيه صلاحهم.

 

جار التحميل