جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

آيات وأحاديث العقيدة323


- 2016/11/04

عن عائشة رضي الله عنها قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم :(هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات وأخر متشابهات ) الآية , قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(إذا رأيتم الذيت يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم ) رواه مسلم : في كتاب العم , باب النهي عن متشابه القرآن .

دلت الآية على وجود آيات محكمات وآيات متشابهات وهنا بيان هذه الحقيقة :

 

بيان المحكم :

المحكم من الإحكام والاتقان

وذلك لظهور معناها

وهذا غالب على آيات القرآن الكريم فقد وصف بأنه محكم وأنه بيان وهدى قال تعالى ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) 

 

 

 المراد بالمتشابه

 

 المتشابه في اللغة :" أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر , والمعنيان مختلفان كقوله تعالى :{ وأتوا به متشابها } (البقرة/25) " (1) :

      للسلف الصالح أقوال في بيان المراد بالمتشابه في هذه الآية الكريمة وكلها لا تخرج عن هذين القولين :

 

      الأول : تحديد أمور معينة مما ورد في الشرع,  لكثرة الاختلاف الواقع بين الناس في المراد بها . وضربوا لذلك أمثلة منها الحروف المقطعة في أوائل السور.(2)وحقيقة ما أخبر الله تعالى به من أمور الغيب كالجنة والنار والميزان وما اتصف به من صفات , يشهد لهذا قول الإمام مالك ـ رحمه الله ـ : [ الكيف مجهول].

       وهذا مما اتفق السلف على أنه من المتشابه.(3)

 

       الثاني : القول بنسبية التشابه , بمعنى أنه قد يشتبه أمر على شخص دون آخر فكل من وقع في أمر التبس عليه فهو مشتبه بالنسبة له , وبهذا المعنى تكون آيات القرآن كلها من المحكم و إنما يقع الناس في الاشتباه نتيجة لاختلاف قدراتهم وما وصل إليهم من بيان المعنى المراد بالآيات الكريمة, من ذلك قول المصطفى عليه الصلاة و السلام : { الحلال بين و الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس }.(1) حيث لم يقطع بامتناع علمها لكل الناس فتحصل من ذلك أنها عدت من المتشابه لكونها مما لا يتأتى علمه لكل الناس .(2)

 

       وبناء على ما تقدم اختلفت مواقف السلف في مكان الوقف في الآية الكريمة . فمن اعتقد أن التشابه أمر نسبي ولا يلزم من وقوعه لبعض الناس أن يعمم حكمه فلا يعلم لأحد , قالوا بجواز الوقف على: { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} وكان هذا قول لابن عباس و مجاهد و الربيع بن أنس رضي الله عنهم أجمعين .

       ومن قال بتعيينه : أوجب الوقف على لفظ الجلالة :{الله} وقد قال به ابن عباس  ـ في أحد قوليه ـ وعائشة وابن مسعود وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنهم . (3)

       وعند تحليل الموقفين السابقين نصل إلى أن من أوجب الوقف على لفظ الجلالة فمنع بذلك علم المتشابه لأحد إلا الله تعالى حمل التشابه المذكور إلى المتعين على جهة بيان حقيقته  كأخبار الغيب من الجنة و النار وغير ذلك .

 

       أما من رأى الوقف على الراسخين في العلم  فنسب بذلك العلم بالمتشابه إليهم , فأنه قصد به المتشابه النسبي الذي يلتبس فهمه على بعض الناس دون البعض . وبهذا يتضح موقف حبر الأمة في كلا القولين . (4)

 

       وبهذا يعلم أن آيات الصفات لا تدخل في المتشابه  ـ إلا من حيث الكيفية والحقيقة أما من حيث المفهوم و المعنى فهي من المحكم الذي لا يلتبس فهمه على الراسخين في العلم وهذا ما قرره الإمام مالك ـ رحمه الله ـ, حيث قال :[ الاستواء معلوم ]  ولا يمكن بحال حمل الصفات على المتشابه المطلق الذي ذهب البعض إلى اشتمال القرآن عليه كالحروف المقطعة في أوائل السور .

       يقول شيخ الإسلام مؤيداً ما سبق حاكيا ً :" اتفاق الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه وأنه لا يسكت عن بيانه و تفسيره بل يبين و يفسر باتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه أو إلحاد في أسمائه وآياته ". (5)

 

       دل على هذه الحقيقة أمر الله تعالى عباده بتدبر آياته حيث قال : {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً}( النساء:82)

 

       ومقتضى الأمر من الشارع الحكيم ـ كما هو معلوم ـ أن يكون الامتثال في  مقدور المكلف , وعليه فإنه لا يمكن القول بأن صفاته تعالى مما لا يفهم له معنى وهذا ما كان عليه سلف الأمة الذين فسروا القرآن كله و لم يتوقفوا عند خبر من أخباره. (1)

 

 

قال  رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)[1]

   

فهذا حديث في النهي عن البدع , لأن الأمر هنا المراد به الدين

 

والبدعة في اللغة من مادة بدع ولها استعمالات معروفة من كلام العرب ؛ وهي ذات معان متقاربة جماعها في معنى الإحداث والابتداء .

   يقال: بدع الشيء أنشأه وابتدأه واستجده, فالبدعة هي الأمر المنشأ المبدوء الجديد, قال تعالى: (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ) [الأحقاف: 9]؛ أي ما كنت مبدعا, لم يسبقني رسول من البشر , فقد أرسل قبلي رسل كثير[2] .

 

 أما في الاصطلاح؛ فإن البدعة تقابل الشرعة, فكل مالم يشرعه الله ورسوله فهو بدعة, يقول الإمام :"البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية؛ فهو من الدين الذي شرعه الله"[3].

    وقد أوجز الإمام تعريفها بقوله :" وأما البدعة الشرعية؛ فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي". [4]

 

     فمن وقع في البدعة نقض أصل الاتباع في الدين ؛ فصار بها فعله مردود عليه يلحق به الذم بدلا عن المدح والثواب, وذلك أن الرسول طريق العباد إلى الله تعالى فدينه هو دين الله فلا يصح الخروج عنه بإدخال ما ليس منه فيه , لأن هذا مقارن للتفريط فيه فإن التحليل والتحريم في العادة والعبادة حق لله تعالى ولرسوله r المبلغ عنه فلا يشاكه فيه أحد .

 

 


[1] أخرجه البخاري , رقم , 2697.

[2]  المفردات : 39.

[3]  المجموع : (4/107ـ108) .

[4]  اقتضاء الصراط : (1/276) .

 


(1)       انظر : تأويل مشكل القرآن , لابن قتيبة :102.

(2)      انظر : تفسير القرآن العظيم  للإمام ابن كثير:(1/450).

(3)      مجموع الفتاوى : (17/379).

(1)     أخرجه البخاري في الصحيح  ـ كتاب الإيمان ـ باب فضل من استبرأ لدينه , برقم: 52. ورواه مسلم ـ كتاب المساقاة ـ باب أخذ الحلال و ترك الشبهات , برقم: 1599.  

(2)      انظر : فتاوى شيخ الإسلام : (17/380).:

(3)      جامع البيان في تفسير القرآن , للطبري : ( 3/ 185).

(4)     انظر مجموع الفتاوى :(5/347).

(5)      مجموع الفتاوى :(13/296).

(1)      المرجع السابق :(7/425).

ال تعالى :  (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)

 

تفسير قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"
1-أبو جعفر محمد بن جرير الطبري –رحمه الله- (ت: 310): 
قال -رحمه الله- في "جامع البيان" (4/150): "واختلف أهل التأويل في "أولي الأمر" الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية.
فقال بعضهم: هم الأمراء"، ثم ساق بسنده من قال ذلك؛ ومنهم: أبو هريرة، وابن عباس، وميمون بن مهران، وابن زيد، وغيرهم.
"وقال آخرون: هم أهل العلم والفقه"، ثم ذكر من قال ذلك؛ ومنهم: جابر، ومجاهد، وابن أبي نجيح، وابن عباس كذلك، وعطاء بن السائب، والحسن، وأبو العالية.
"وقال آخرون: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم"، وممن قال هذا: مجاهد.
"وقال آخرون: هم أبو بكر وعمر -رحمهما الله-"، وممن قال هذا: عكرمة.
"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة؛ لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله طاعة، وللمسلمين مصلحة"، ثم ساق بعض الأخبار في ذلك، ثم قال: "فإذ كان معلوما أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أورسوله، أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" بطاعة ذوي أمرنا، كان معلوما أن الذين أمر بطاعتهم تعالى ذكره من ذوي أمرنا هم الأئمة ومن وَلَّوْه المسلمين، دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضا القبول من كل من أمر بترك معصية الله ودعا إلى طاعة الله، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيما أمر ونهى فيما لم تقم به حجة وجوبه، إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده بطاعتهم فيما أمروا به رعيتهم مما هو مصلحة لعامة الرعية، فإن على من أمروه يذلك بطاعتهم، وكذلك في كل ما لم يكن لله معصية.
وإذ كان ذلك كذلك كان معلوما بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون غيره".


2- أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي –رحمه الله- (ت: ):
قال في "الجامع لأحكام القرآن" (3/1830) -بعد ذكر الخلاف-:"وأصح هذه الأقوال الأول والثاني [أي مذهب أبي هريرة، ومذهب جابر]؛ أما الأول فلأن أصل الأمر منهم والحكم إليهم، وروى الصحيحان عن ابن عباس قال: نزل "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية ...[وفيه قصة]... وأما القول الثاني فيدل على صحته قوله تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"، فأمر الله تعالى برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة، ويدل هذا على صحة كون سؤال العلماء واجبا، وامتثال فتواهم لازما، قال سهل بن عبد الله: لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين فسد دنياهم وأخراهم". 
3- أبو محمد الجسين بن مسعود البغوي –رحمه الله- (ت: 510): 
قال في "معالم التنزيل" (2/59): "اختلفوا في أولي الأمر، قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: هم الفقهاء والعلماء الذين يعلمون الناس معالم دينهم، وهو قول الحسن، والضحاك، ومجاهد، ودليله قوله: "ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم". وقال أبو هريرة: هم الأمراء والولاة، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا"، ثم ساق أدلة هذا القول.


4- شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- (ت: 728):
قال -رحمه الله- في "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" (2/238): "وأولوا الأمر هم: العلماء والأمراء، فإذا أمروا بما أمر الله به ورسوله وجبت طاعتهم وإن تنازع الناس في شيء وجب رده إلى الله والرسول، لا يرد إلى أحد دون الرسل الذين أرسلهم الله، كما قال في الآية الأخرى: "كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" [البقرة:213].
والتحقيق -كما قال ابن القيم -رحمه الله- "أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء". [ نقلا من "معاملة العلماء" (ص 3)].


5- أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي –رحمه الله- (ت: 774):
قال في "تفسير القرآن العظيم" (2/326) -بعد أن ساق أقوال أهل العلم وأدلتهم-: "والظاهر –والله أعلم- أنها عامة في أولي الأمر من الأمراء والعلماء كما تقدم، وقال تعالى: "لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت"، وقال تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، وفي الحديث الصحيح المتفق على صحته عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصا الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصا أميري فقد عصاني"، فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال تعالى: "أطيعوا الله" أي اتبعوا كتابه، "وأطيعوا الرسول" أي خذوا بسنته، "وأولي الأمر منكم" أي فيما أمروكم به من طاعة الله، لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما تقدم في الحديث الصحيح "إنما الطاعة في المعروف".


6- محمد بن علي الشوكاني –رحمه الله- (ت: 1250):
قال في "فتح القدير" (1/618) –بعد أن ذكر الخلاف-: "والراجح القول الأول". وهوقول أبي هريرة رضي الله عنه: هم الأمراء والولاة.
7- عبد الرحمن بن ناصر السعدي –رحمه الله- (ت: 1376):
قال في "تيسير الكريم الرحمن" (ص 183): "وأمر بطاعة أولي الأمر، وهم الولاة على الناس، من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم، طاعة لله ورغبة فيما عنده، ولكن بشرط أن لا يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".


8- عبد القادر بن شيبة الحمد –حفظه الله-: 
قال في "تهذيب التفسير وتجريد التأويل مما ألحق به من الأباطيل" (3/321): "ومعنى: "أولي الأمر منكم" أي وأطيعوا أمراءكم وعلماءكم الذين يستنبطون الأحكام الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن أصول الدين وقواعده".

 

 

 

 

وفي الحديث :(على المرء السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولاطاعة)

 

الجماعة نوعان:
- جماعَةٌ في الدين.
- وجماعَةُ في الأبدان والدنيا.
وأنَّ النصوص تشمل هذا وهذا، وأَنَّ من فَسَّرَ من السلف (الجَمَاعَةَ) بجماعة الدين فإنه -يعني من الصحابة والتابعين - تَفْسيرٌ للشيء ببعض أفراده، كما هو عادة السلف، ومن فَسَّرَهَا بأنها جماعة الأبدان والاجتماع على الإمام وولي الأمر فإنَّهُ يعني بها فرداً أو بعض أفراد الجماعة.


فالجماعة نوعان:


1 - أولاً: جماعةٌ في الدين: وهي الأساس الأعظم لما أنزل الله - عز وجل - به كتبه وأرسل به رسله، فإنَّ الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجل أن يجتمع الناس في دينهم، وهو توحيد الله - عز وجل -، عبادته وحده دون ما سواه والبراءة من الشرك وأهله، وطاعة رسوله الذي أرسله على الرسل صلوات الله وسلامه.
وهذا هو الذي جاء في نحو قوله - جل جلاله - في سورة الشورى {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}[الشورى:13] يعني واجتمعوا عليه، وهو المذكور في قوله {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ}[آل عمران:103].
وهذا الاجتماع في الدين هو أَعْظَمُ أَمْرٍ لأجله بُعِثَتْ الرسل وأُنْزِلَتْ الكتب، وهو الذي من أجله يجاهد المجاهد ويدعو الدَّاعِي، وهو الذي من أجله آتى الله - عز وجل - الرسل الآيات والبينات، أن يجتمعوا لأجل تحقيق الدين، لأجل ألا يفترق الناس في الالتزام بما يُرْضِي الله - عز وجل - فيما يستحقه في العبادة والطاعة له ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
فيدخل هنا في الاجتماع: الاجتماع في ملازمة الإسلام، والالتزام به، وألا نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعض، وأن يُدْخَلَ في الإسلام كافَّةْ دون تفريقٍ ما بين مسألة ومسألة -يعني من حيث الاعتقاد والإقرار والإذعان والالتزام-.


2 - ثانياً: جماعة الأبدان: يعني اجتماع الأبدان والدنيا بملازمة طاعة من وَلَّاهُ الله - عز وجل - الأمر، والسمع والطاعة في غير معصية الله - عز وجل -.
وهذا النوع وسيلة لتحقيق الأوَّلْ، فالأمْرُ به والنهي عن الخروج عن الولاة والأمْرْ بالاجتماع فيما أَحَبَّ الإنسان وكَرِهْ، كما جاء في الحديث «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره»(3)، هذا به يتحقق الاجتماع في الدين.


والتفريط في الأول أو في بعضه يُعَاقِبُ الله - عز وجل - به بالفرقة في الثاني أو بعضه -كما سيأتي بالبحث في الفُرْقَة-، وكذلك التفريط في الثاني وهو: السمع والطاعة لولاة الأمور في غير المعصية والاجتماع وعدم الخروج، التفريط في الثاني يُنْتِجُ التفريط في الأول أو في بعضه.

ولهذا ما مِنْ فُرْقَةٍ في الأبدان حصلت في الأمة إلا وكان معها وبعدها من الافتراق في العقائد ونفوذ البدع والمُحْدَثَات ما لا يدخل في حُسْبَان.
فالأمران مترابطان، والجماعة مطلوبَةٌ في هذا وهذا ومأمورٌ بها، وجماعة الدِّين واجتماع الناس في دينهم حقٌ وصواب، وإحداث المحدَثَات باطل وغلط وضلال، وكذلك الاجتماع في الأبدان والدنيا حقٌ وصواب وخلافه بالفُرْقَةْ والخروج باطلٌ وزيغٌ وضلال.

شرح العقيدة الطحاوية : صالح آل الشيخ

 

 

فأما قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } . وقوله تعالى بعدها : { فأولئك هم الظالمون } { فأولئك هم الفاسقون } .

 

 فاختلف العلماء فيمن نزلت على خمسة أقوال .

 

 

 

 

زاد المسير

أحدها : أنها نزلت في اليهود خاصة ، رواه عبيد بن عبد الله عن ابن عباس ، وبه قال قتادة .

والثاني : أنها نزلت في المسلمين ، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس نحو هذا المعنى .

والثالث : أنها عامّةٌ في اليهود ، وفي هذه الأمَّة ، قاله ابن مسعود ، والحسن ، والنخعي ، والسدي .

والرابع : أنها نزلت في اليهود والنصارى ، قاله أبو مجلز .

والخامس : أن الأولى في المسلمين ، والثانية في اليهود ، والثالثة في النصارى ، قاله الشعبي .

وفي المراد بالكفر المذكور في الآية الأولى قولان .

أحدهما : أنه الكفر بالله تعالى .

والثاني : أنه الكفر بذلك الحكم ، وليس بكفر ينقل عن الملّة .

وفصل الخطاب : أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً له ، وهو يعلم أن الله أنزله ، كما فعلت اليهود ، فهو كافر ، ومن لم يحكم به ميلاً إِلى الهوى من غير جحود ، فهو ظالم وفاسِق . وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومَن أقرَّ به ولم يحكم به فهو فاسق وظالم .

 

 

 

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" 4.


هذا الحديث نص في صدق خلافةالخلفاء الراشدين وأحقيتها ومرجعيتها وسنية هديها

 فقد أضافها إلى نبوته ونتعتها بها مما يدل على متزلتها التشريعية انعقادا وتطبيقا ,واقتداء وتأسيا

 وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ونصفا، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر،


فليس فيها خلاف أن خلافة الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور، وأنها هي خلافة النبوة؛ لما جاء في المسند والسنن وغيرها،

 من حديث سفينة مولى رسول الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً )،

 

 والثلاثون السنة تنتهي بانتهاء خلافة علي رضي الله عنه؛ لأن خلافة أبي بكر سنتان، و عمر عشر، و عثمان رضي الله عنه اثنتا عشرة سنة، ثم علي أربع سنوات،

ويبقى من الثلاثين قليل كملت بخلافة الحسن بن علي ستة أشهر، ثم بعد ذلك صارت ملكاً،

 

 فهذه هي المذكورة في حديث العرباض بن سارية حينما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي )،

فالخلفاء الراشدون هم هؤلاء بنص أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه عقيدة أهل الحق الذين يتبعون الكتاب والسنة، ومن خالف ذلك فهو من أهل الزيغ والضلال.

 

قال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: "فنفذ الوعد الصادق في قوله صلى الله عليه وسلم : "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم تعود ملكاً"

فكانت لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وللحسن منها ثمانية أشهر لا تزيد ولا تنقص يوماً فسبحان المحيط ـ

 

فلا ريب أن أهل السنّة وإن كانوا يقولون: إن النص على أن عليًا من الخلفاء الراشدين لقوله: (خلافة النبوة ثلاثون سنة)

فهم يروون النصوص الكثيرة في صحة خلافة غيره، وهذا أمر معلوم عند أهل الحديث، يروون في صحة خلافة الثلاثة نصوصًا كثيرة بخلاف خلافة علي، فإن نصوصها قليلة.

 


 (خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء)،

 وقد آتى الله الملك بعد مدة الخلفاء الراشدين معاوية بن أبي سفيان ، وهو خير وأول ملوك المسلمين؛ لأنه صحابي، والخلفاء الذين جاءوا بعده على مختلف العصور والدهور ليسوا من الصحابة، فهو أول الملوك وخير الملوك رضي الله عنه وأرضاه،

 وقد جاء إطلاق الخلافة على الخلفاء الراشدين وعلى ثمانية من بعدهم، وذلك في الحديث الصحيح الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)،

فإن هؤلاء الخلفاء هم الخلفاء الراشدون، وثمانية من خلفاء بني أمية.

و هذا الحد يث من دلائل نبوة المصطفى حيث الاخبار بالغيب ووقوعه كما نطق به وهو الصادق المصدوق

 

 

 

 

شرح العقيدة الواسطية - الغنيمان - (29 / 9)

عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام - (2 / 744)

شرح سنن أبي داود ـ عبد المحسن العباد - (23 / 481)

مختصر منهاج السنة - (1 / 66)

 

 

 

 

 عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضاً: الحكم، وآخرهن الصلاة))[2].

 

 


ومعناه ظاهر وهو: أن الإسلام كلما اشتدت غربته كثر المخالفون والناقضون لعراه يعني بذلك فرائضه وأوامره، فإن عرى الإسلام : هي حدوده وأوامره

كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء))أخرجه مسلم في صحيحه.
ومعنى قوله في الحديث: ((وأولها نقضاً الحكم)) معناه ظاهر وهو: عدم الحكم بشرع الله . ومعلوم أن الواجب هو الحكم بشريعة الله في كل شيء؛ لقوله سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}[3]، وقال سبحانه: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}[4]، وقال عز وجل: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[5]،{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[6]، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[7].
وقد أوضح العلماء رحمهم الله أن الواجب على حكام المسلمين أن يحكموا بشريعة الله في جميع شؤون المسلمين، وفي كل ما يتنازعون فيه، عملاً بهذه الآيات الكريمات،

  ولا شك أن في تحكيم الشريعة والتحاكم إليها، والعمل بها صلاح أمر الدنيا والآخرة وعز الدنيا والآخرة، والسلامة من مكائد الأعداء والإعانة على النصر عليهم، كما قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[8]، وقال سبحانه:{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}[9]، وقال عز وجل: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}[10]، وقال عز وجل: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}[11]والآيات في هذا المعنى كثيرة.

 


وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور: ((وآخرهن الصلاة)) فمعناه كثرة التاركين لها والمتخلفين عنها. وهذا هو الواقع اليوم في كثير من البلدان الإسلامية.
فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يوفقهم للثبات على دينه والاستقامة عليه، وأن يعينهم على إقامة الصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها في جماعة، في بيوت الله عز وجل، وهي المساجد التي قال فيها الله عز وجل: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ}[12].

  


والصلاة هي عمود الإسلام وهي الركن الثاني من أركانه العظام، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة))[13]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت))[14].

 


وقد أمر الله عز وجل بإقامتها والمحافظة عليها في كتابه الكريم، فقال عز وجل: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ}[15]، وقال سبحانه: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[16]، وقال عز وجل: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ}[17].
والوسطى: هي صلاة العصر، كما صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأوجب سبحانه المحافظة على الصلوات الخمس وإقامتها كما شرع الله، وخص الوسطى بمزيد التأكيد؛ ولعل الحكمة في ذلك أنها تقع في آخر النهار بعد مباشرة الناس للأعمال، وربما كسلوا عنها أو ناموا عنها بسبب تعب العمل، فحثهم الله سبحانه على المحافظة عليها وحذرهم من إضاعتها، وقال سبحانه: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}[18]، والآيات في شأن الصلاة كثيرة.

  


وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر))[19]أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن الأربع بإسناد صحيح، وقال عليه الصلاة والسلام: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة))[20] أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.


وقال عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل رضي الله عنه: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف)[21] أخرجه مسلم في صحيحه.


والأحاديث في شأن الصلاة والحث عليها والتحذير من تركها والتهاون بها كثيرة جداً، وقد أخبر الله سبحانه في كتابه العظيم أن التكاسل عنها من صفات المنافقين الموعودين بالدرك الأسفل من النار، كما قال الله عز وجل في سورة النساء: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}[22].


وقال سبحانه بشأن المنافقين في سورة التوبة: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ * فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}[23].


نسأل الله لنا ولجميع المسلمين العافية من صفات الكفار والمنافقين، ونسأله سبحانه أن يوفقنا وجميع المسلمين للثبات على دينه والاستقامة عليه والسلامة من أسباب غضبه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

 

 

 



[1] موقع عيون العرب

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :               (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)[1]

 

 

     تضمن هذا الحديث العظيم؛ أقسام المحبة المتعلقة بالذوات, وبين أن الإيمان لا يتحقق إلا ببلوغ محبته r أعلى مراتب هذه المحاب, فإن هذا الحديث:"من جوامع الكلم الذي أوتيه r لأنه قد جمع في هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة، لأن أقسام المحبة ثلاثة: محبة إجلال وعظمة كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد، ومحبة استحسان ومشاكلة؛ كمحبة سائر الناس، فحصر صنوف المحبة".[2]

 

    فليس بخفي ما تعلق به r من مصالح أخروية دينية عظيمة فهو r السبيل لمعرفة كمالات الله تعالى ومحامده وأوصافه سبحانه وتعالى وما يجب في حقه من تعظيم وإجلال, وبه عرفت الشرائع والأحكام التي ترتب على إقامتها خير الدنيا والآخرة.

 

   فهوr سببنا الأوحد في النجاة من النار ودخول الجنة؛ به قرعت أبواب الجنان فمالت أغصانها شوقا لأصحاب اليمين, وبه استقر الصالحون على الأرائك في جنات النعيم فسالت أنهار بعذب وأخرى بلبن وخمر لذة للشاربين, وبه خلص المقربون إلى مقاعد الصدق عند مليكهم يظلهم وينعم عليهم ويزيدهم يوم المزيد, وبه زحزحت النار عن أطراف الموحدين وحرمت عليها جباه المتطهرين, شفيعنا يوم العرض الأكبر, وقائد الغر المحجلين إليه تهادت أفواج المستشفعين فقام المقام المحمود الذي حمده عليه الأولين والآخرين, ومحامد رسولنا أحمد r عظيمة كثيرة وما هي إلا لفتات لبيان موجبات محبته r في قلوب المؤمنين.

 

   ولو تأملنا ما تحصل بإرسالهr من الإحسان للعباد بجلب المنافع ودفع المضار؛ لازددنا يقينا بكمال حقه r من المحبة الدينية الصادقة العالية التي تلي محبة الله تعالى شرعها الله وقدرها كونا تقديرا لحقه ومكانته؛ لما أتم لنا المولى تعالى على يديه من الفضل والإنعام فهو النعمة والمنة عليه أفضل الصلاة والسلام . 

   

   وكما استوجب فضله في الدين حبا خالصا وتقديرا وإكراما, فقد كانت صفاته وسيرته وأحواله الخاصة دوحا شدت أرجاؤه بمشاعر الحب والعطف والرحمة, فكان r محبوبا تقبله القلوب وتأنس له النفوس, أحبه القاصي والداني للين معشره وطيب خلقه, فما من وصف اقتضى ميلا في القلوب السوية لأحد من البشر إلا ولرسول الله r منه الحظ الأوفر, تكملت به الأخلاق فاكتمل بها وازدانت به المحامد فاعتلى أحمدها, محمد رسول الله r خير خلق الله وأكرمهم مقاما, صاحب الخلة أحبه الرحمن فأنزل محبته في القلوب إنعاما وإكراما, وقد جمع له إلى ذلك معاقد الجمال والحسن؛ فكان بهي الطلعة وضاء القسيمة, شبهه أصحابه y بالقمر بل هو أجمل وأوضأr؛ طربت لذكره أفئدة الناس وهامت بأوصافه قصائد الشعراء المؤمنين, قالت فيه زوجه البتول :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه      ثمال اليتامى عصمة للأرامل[3]

 

 

   لذلك كان له حق معلوم أن يحب وأن يؤثره العطشان بالماء والجائع بالطعام وأن يوقى بالأنفس والأموال , وبهذا تنزلت آي القرآن وألزمت أهل الإيمان قال تعالى : (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ) [التوبة: 120] "[4].

 

فإن الحب الصادق من أكمل علاماته  إيثار المحبوب بكل خير .

 

    وحقه r من الحب من ألزم الحقوق الإيمانية الواجبة له فعن أنسt عن النبي r أنه قال: ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)[5] .

 

    إذ جميع أنواع المحبة بعامة تعود في جملة أسبابها إلى طلب تحقيق النفع واللذة. سواء كانت هذه اللذة مادية أو معنوية عقلية أو وجدانية, ومحبة الرسول الكريم محمد r تحقق أكمل معاني النفع واللذة, فإنها من محبة الله تعالى وهذه المحبة دينية شرعية خالصة تراد لذاتها فمحبته التي يلزم عنها الاتباع أكمل الأسباب التي تحقق محبة الله تعالى وتوجبها؛ بما يترتب عليها من نفع عميم وخير عظيم في الدنيا والآخرة, قال تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ) [الأحزاب: 6].[6]

 

 

والولاية أصلها الحب وكل ما تعرف به فإنه دليل على الحب وعلامة له وبهذا كانت حقائق الحب وعلاماته ومظاهره ثابتة في حقوق المصطفى r على  آحاد الأمة تراد مرضاة للرب وحق لمن اصطفاه رحمة للعالمين .

 

 

%%%

 

 

 


[1]  تقدم تخريجه : 280.

[2]  شرح ابن بطال : (1/42) .

[3] انظر الشفا: (2/30ـ31) :"قَالَ الْحَلِيمِيّ أَصْل هَذَا الْبَاب أَنْ تَقِف عَلَى مَدَائِح رَسُول اللَّه r وَالْمَحَاسِن الثَّابِتَة لَهُ فِي نَفْسه ثُمَّ عَلَى حُسْن آثَاره فِي دِين اللَّه وَمَا يَجِب لَهُ مِنْ الْحَقّ عَلَى أُمَّته شَرْعًا وَعَادَة فَمَنْ أَحَاطَ بِذَلِكَ وَسَلَّمَ عَقْله عُلِمَ أَنَّهُ أَحَقّ بِالْمَحَبَّةِ مِنْ الْوَالِد الْفَاضِل فِي نَفْسه الْبِرّ الشَّفِيق عَلَى وَلَده" : حاشية السيوطي على سنن النسائي : (6/423) .

[4] الصارم المسلول : 421.

[5] أخرجه البخاري : باب حلاوة الإيمان , رقم : 16.

[6] انظر روضة المحبين: (1/276) . انظر الصفدية : (2/268).

ال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم أنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) [2].

 

    كل مؤمن فهو محب للرسول r معظم له؛ وبقدر ما أوتي من إيمان فإنه لا بد أن يظهر معالم محبة الرسول وتقديره؛ فإن المحب لا بد له من وصل محبوبه ومن قدر ولم يفعل بان زور دعواه في الحب, وهذا أمر لا إشكال فيه وإنما وقع طوائف من المسلمين في الضلال لما التمسوا طريقا إلى تحقيق محبته وتقديره r؛ لم يدل عليها الشارع الحكيم, بل ربما أنكرها وحذر منها ولكنها سنن الأولين, جاء في الحديث: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى إذا دخلوا جحر ضب لدخلتموه)[1] .

    فقد تجاوز الكثير ما شرع في حق المصطفى r من أنواع الصلة الواجبة والممدوحة المستحبة, إلى أنواع من الصلة الشركية أو البدعية التي تشبه فعل المحرفين لكتبهم وما جاءهم من ربهم؛ كاليهود والنصارى الذين أوقعهم الغلو بالكفر والشرك؛ إما جهلا أو تقليدا للمذاهب والرجال, أو اتباعا للهوى والظنون .

    وبهذا عرفت لمحبته وتقديره r مظاهر عدة؛ منها ما هو حق ومنها ما هو باطل, وجب بيانه لرده والتحذير منه, ولهذا كله تصدت جهود العلماء المشرقة التي بينت الحق بدليله ذبا, عما يجب له من حقوق r في ضوء القرآن الكريم, والسنة المطهرة, وفعل السلف الصالح في القرون المفضلة؛ الذين أحبوا رسول الله وعرفوا له حق قدره فوصلوه بالتصديق والطاعة والاتباع والنصرة, فكانت مهجهم وأرواحهم وأموالهم خير شاهد على هذه الحقائق الإيمانية, ومع هذا فلم يحملهم عظيم محبتهم وتقديرهم له r على الغلو والإفراط المنهي عنه لما امتثلوا أمره وانتهوا عما نهاهم عنه ,

 

ومكانة مدح النبي صلى الله عليه وسلم في الدين ظاهرة , فهو مما فضله الله تعالى به ,حتى قارن ذكره بذكره تعالى مدبجا بالمدح والثناء عليه r بأبي هو وأمي؛ في الكثير من شعائر الإسلام ظاهرا وباطنا," فلا يذكر الله سبحانه إلا ذكر معه, ولا تصح للأمة خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا أنه عبده ورسوله, وأوجب ذكره في كل خطبة, وفي الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام, وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام, وفي الصلاة التي هي عماد الدين؛ إلى غير ذلك من المواضع"؛ كما أشرت إلى ذلك سابقا.[1]

   وعليه فإن"قيام المدحة والثناء عليه والتعظيم والتوقير له؛ قيام الدين كله وسقوط ذلك سقوط الدين كله".[2]

   وبهذا الحق اعتنى فضلاء الأمة سابقا ولاحقا؛ فإلى جانب قيامهم بما شرع في حقه من المدحة والثناء التي تتضمنه أنواع العبادات الواجبة والمستحبة, فقد أظهروا الثناء عليه وأشادوا بذكر محاسنه وفضائله على تنوع المواقف واختلاف الأحوال .

   وقد شهد عهد المصطفى r أروع النماذج التي قدمها الصحب الكرام y في مدحه والثناء عليه قياما بالحق الذي هو أهل له بصدق ووفاء دون تكلف وتعمق, وهم من هم في الفصاحة والبيان والأدب .

    ولم تغب عنهم عناية المصطفى r في كل ذلك, يحدو بهم أحيانا للمزيد مؤيدا مسددا مرشدا, ويردهم إلى جادة الصدق عند الخوف عليهم من النزوع إلى الغلو المنافي لحقائق التوحيد .

    فهو الذي أصغى لشعر حسان بن ثابت t؛ وأثنى عليه قائلا: (إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله ) .

  وذلك حين امتدحه نصرة لدين الله تعالى  :

هجوت محمدا فأجبت عنه     وعند الله في ذاك الجزاء

هجوت محمدا برا تقيا           رسول الله شيمته الوفاء

 فإن أبي ووالده وعرضي      لعرض محمد منكم وقاء).[3]

     فحين حد من المديح والثناء عليه؛ لئلا يكون ذريعة للغلو والمهلكة؛ عن أنس t أن ناسا قالوا لرسول الله r: (يا خيرنا وابن خيرنا, ويا سيدنا وابن سيدنا, فقال رسول الله r: يا أيها الناس عليكم بقولكم, ولا يستهوينكم الشيطان, إني لا أريد أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله تعالى؛ أنا محمد بن عبد الله, عبده ورسوله).[4]

     وعلوم التاريخ منذ فجر الإسلام؛ تزخر بألوان الأدب الرفيع الذي علا ميدان النظم والنثر, يقدمه فحول الشعراء والأدباء, تغنوا بأوصافه وأثنوا عليه بما هو أهل له صلوات ربي وسلامه عليه؛ دعوة لدين الله تعالى أو ذبا عن شرفه , في مواجهة أعدائه وخصومه كما فعل الصحابي الجليل حسان بن ثابت .

 


[1] الصارم المسلول : (3/808) .

[2] الصارم المسلول : (2/397) .

[3] جزء مما أخرجه مسلم في الصحيح: باب فضائل حسان, رقم : 2490: (4/1936) .

[4]  رواه النسائي في السنن الكبرى, باب ذكر اختلاف الأخبار, رقم : 10078: (6/71) . انظر الأحاديث المختارة, رقم : 1626: وقال المقدسي : إسناده صحيح : (5/25) .

 

 


[1]  روي بألفاظ عدة متقاربة المعنى منها ما أخرجه الحاكم في المسترك ,رقم : 8448: وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه : (4/516), والطبراني في المعجم الكبير, رقم: 9882: (10/39), وأحمد في المسند, رقم:  17175: (4/125), وقال الهيثمي في رواية ابن عباس : رجاله ثقات : مجمع الزوائد :  (7/261) .

[2]  سبق تخريجه : 296.

عن عائشة رضي الله عنها قالت لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه , فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك : لعنة الله على اليهود والنصارى , اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا , ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا .

 

 

لقد اشتد حرص النبي أن لا يتخذ قبره من بعده وثنا , مبتهلا إلى الله تعالى بذلك فقال : ( اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ).[1]

 

 

    فيحذر من التمسح بالقبر  أو الحجرة لطلب البركة ؛ فإن هذه الأمور من البدع العالقة والتي تؤثر سلبا على نقاء المعتقد وتحقيق التوحيد .

    يقول الإمام : " واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقبله وهذا كله محافظة على التوحيد فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد".[2]

***

 

    ومن جملة الأعمال البدعية ؛ الصلاة إلى القبر مثلا , فمع جواز هذا العمل في حق آحاد الأمة من أهل الإسلام الذين ما توا ولم يصل عليهم من يود ذلك إلا أنه لا يجوز فعله في حق النبي لعلو قدره . ولأنها ذريعة لاتخاذ القبر عيدا وهذا مما نهى عنه نهيا شديدا .

   يقول الإمام : "واتفقوا على أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلى عليه كما لم يصلي عليه أحد من المسلمين بعد أن دفن فهذا لعلو قدره لا لخفضه عن غيره فانه قد شرع في حقه من الصلاة والسلام عليه في كل مكان ما هو أعظم من الصلاة عليه عند القبر والصلاة عليه عند القبر يخاف فيها أن يتخذ قبره وثنا وعيدا "[3].

***

 

   وكذلك  تخصيص القبر بالدعاء عنده , فإن الدعاء مما يشرع عند القبور عامة لأهلها ولكن قبر الرسول صلى الله عليه وسلم له خصوصية     

    فلا يصح الدعاء عنده , فلا هو محتاج لدعاء احد , ولا المكوث عند قبره سببا لإجابة الدعاء , فلا يظن خصوصية هنا فيتخذ قبره عيدا لذلك , يقول الإمام :" وقد نهى عن اتخاذ بيته عيدا لئلا يتخذ قبره وثنا ومسجدا بخلاف قبور سائر المؤمنين فانه إذا دعى لأحدهم عند قبره لم يفض ذلك إلى أن يتخذ وثنا ومسجدا إلا إذا اتخذ مسجدا فلهذا نهي عن اتخذا القبور قبور الأنبياء والصالحين مساجد "[4].

  ومنه التوجه إلى القبر بدلا من القبلة للدعاء فإن هذا الفعل مبتدع وهو مخالف لأجماع أهل العلم من مشروعية استقبال القبلة عند الدعاء فقط دون غيرها من الجهات .

 

 


[1] أخرجه الإمام مالك في الموطأ , رقم : 414, والإمام أحمد في المسند , رقم : 7054. وصححه الألباني في فقه السيرة : 53.

[2]   الرد على الأخنائي : 31.

[3]   الرد على الأخنائي : 20 .

[4]   الرد على الأخنائي  299 .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى)[1].

 

    "وقد ثبت عنه في الصحيح أن السفر الى مسجده مستحب وأن الصلاة فيه بألف صلاة واتفق المسلمون على ذلك وعلى أن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام وقال بعضهم أنه أفضل من المسجد الحرام ومسجده يستحب السفر إليه والصلاة فيه مفضلة لخصوص كونه مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بناه هو وأصحابه وكان يصلي فيه هو وأصحابه فهذه الفضيلة ثابتة للمسجد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يدفن في حجرة عائشة وكذلك هي ثابتة بعد موته "[2]0

 

مسألة قصد السفر لزيارة القبر النبوي

 

    الأقرب من هذا كله, أن شد الرحال إلى المسجد النبوي أمر مستحب مندوب إليه مشروع, والقبر كما هو معلوم ضمن المسجد, فإذا قصد المسافر المسجد ومن ثم نوى وزيارة القبر في أعماله هناك فلا حرج عليه.  لهذا قال الإمام :"وأما قبر النبي  صلى الله عليه وسلم؛ فالسفر إلى زيارته هو السفر إلى مسجده؛ والسفر إلى مسجده مستحب بالاجماع, ليس من مسائل النزاع , وكل من علم أنه إنما يصل إلى مسجده وعلم أنه مسجده الذي كان يصلي فيه هو وأصحابه, وأنه أفضل المساجد بعد المسجد الحرام أو مطلقا, وأنه  صلى الله عليه وسلم  جعل الصلاة فيه بألف صلاة, وأنه قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ونحو ذلك, وهو مؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ فلا بد أن يقصد إذا سافر إلى هناك؛ السفر إلى مسجده, لا يمكن مع علمه بذلك وإيمانه بالرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يقصد السفر إلى مسجده "[3].

*********

مسألة حكم السفر

 

   شد الرحال في أصله مشروع ما لم يكن سفرا في الحرام  كالضرب في الأرض أو السياحة أو طلب العلم , وهناك السفر للتعبد الذي يقتضي تعظيم البقعة المقصودة , فهذا الذي لا يشرع إلا للمسجد الثلاث [4] .

   وهذا مقتضى فهم الصحابة رضي الله عنهم للنهي, فـ" لم يعرف عنهم نزاع أن النهي متناول للسفر إلى البقاع المعظمة غير المساجد؛ سواء كان النهي عنها بطريق فحوى الخطاب؛ وأنه إذا نهى عن السفر إلى مسجد غير الثلاثة فالنهي عن السفر إلى ما ليس بمسجد أولى, أو كان بطريق شمول اللفظ".[5]

   وفي ذلك ما حدثنا به الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه حين قصد الطور مسافرا لزيارة, يقول:(فخرجت فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري, فقال: من أين جئت؟ قلت: من الطور, قال: لو لقيتك من قبل أن تأتيه لم تأته. قلت له: ولم؟ قال: إني سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام, ومسجدي, ومسجد بيت المقدس)[6].

 

مسألة حكم النذر

 

   ويدل عليه اتفاق أكثر الأئمة المتقدمين في نهيهم عن الوفاء بالنذر لمن نذر شد الرحال لزيارة ما سوى المساجد الثلاثة من المساجد والأماكن المعظمة؛ كما لو نذر بالسفر لزيارة قبر غيره من الأنبياء والصالحين. بخلاف ما لو نذر زيارة المسجد الحرام أو المسجد النبوي .[7]

   "كما قال مالك رضي الله عنه لمن سأله عمن نذر أن يأتي إلى قبر النبي  صلى الله عليه وسلم؛ إن كان أراد مسجد النبي  صلى الله عليه وسلم  فليأته وليصل فيه, وإن كان أراد القبر فلا يفعل للحديث الذي جاء لا يعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد"[8].

**********

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)

فيض القدير - (4 / 88)

(زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) فزيارتها مندوبة للرجال بهذا القصد والنهي منسوخ (1) وفي مسلم عن أبي هريرة أن المصطفى صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه أي في مذحج فبكى وأبكى من حوله وقال : استأذنت ربي أن أستغفر لهم فلم يأذن لي واستأذنت أن أزورها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت اه.

قالوا : ليس للقلوب سيما القاسية أنفع من زيارة القبور فزيارتها وذكر الموت يردع عن المعاصي ويلين القلب القاسي ويذهب الفرح بالدنيا ويهون المصائب وزيارة القبور تبلغ في دفع رين القلب واستحكام دواعي الذنب ما لا يبلغه غيرها فإنه وإن كان مشاهدة المحتضر تزعج أكثر لكنه غير ممكن في كل وقت وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في كل أسبوع بخلاف الزيارة ، وللزيارة آداب منها أن يحضر قلبه ولا يكون حظه التطوف على الأجداث فقط فإنها حالة تشاركه فيها البهائم بل يقصد بها وجه الله وإصلاح فساد قلبه ونفع الميت بما يتلوه من القرآن ولا يمشي على قبر ولا يقعد عليه ويخلع نعله ويسلم ويخاطبهم خطاب الحاضرين فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين .

 

(لعن الله زورات القبور والمتخذين عليها السرج)

 

تحفة الأحوذي - (4 / 136)

 

قال القارىء لعل المراد كثيرات الزيارة

 وقال القرطبي هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك فقد يقال إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الاذن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء انتهى

 قال الشوكاني في النيل وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر انتهى تحفة الأحوذي - (4 / 137)

 قوله وفي الباب عن بن عباس وحسان بن ثابت أما حديث بن عباس فأخرجه الترمذي وحسنه والنسائي وبن ماجه وبن حبان في صحيحه كلهم من رواية أبي صالح عن بن عباس ان رسول الله صلى الله عليه و سلم لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج كذا في الترغيب قال الحافظ في التلخيص أبو صالح هو مولى أم هانئ وهو ضعيف وأما حديث حسان بن ثابت فأخرجه أحمد وبن ماجه والحاكم

 قوله فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء قال الحافظ بن حجر وهو قول الأكثر ومحله ما إذا أمنت الفتنة ويؤيد الجواز حديث أنس قال مر النبي صلى الله عليه و سلم بامرأة تبكي عند قبر فقال اتقي الله واصبري الخ فإنه صلى الله عليه و سلم لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر وتقريره حجة وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة رضي الله عنها فروى الحاكم من طريق بن أبي مليكة أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن فقيل لها أليس قد نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك قالت نعم كان نهى ثم أمر بزيارتها انتهى قلت ويؤيد الجواز ما رواه مسلم من حديث عائشة قالت كيف اقول يا رسول الله تعني إذا زارت القبور قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين الحديث وقال بعضهم إنما كره أي النبي صلى الله عليه و سلم وروي بصيغة المجهول قاله القارىء واستدل من قال بالكراهة باحاديث الباب وبالأحاديث التي وردت في تحريم اتباع الجنائز للنساء كحديث أم عطية عند الشيخين قالت نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا وأجاب من قال بالجواز عن أحاديث الباب بأنها محمولة على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره قال القارىء في المرقاة بعد ذكر الأحاديث التي مرت في باب الرخصة في زيارة القبور ما لفظه هذه الأحاديث بتعليلاتها تدل على أن النساء كالرجال في حكم الزيارة إذا زرن بالشروط المعتبرة في حقهن واما خبر لعن الله زوارات القبور فمحمول على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره مما أعتدنه انتهى وقد تقدم قول القرطبي أن اللعن في حديث الباب للمكثرات من الزيارة وهذا هو الظاهر والله تعالى أعلم

 

 

 


[1]   أخرجه مسلم في صحيحه: باب فرض الحج, رقم: 827 .

[2]    الرد على الأخنائي : 17.

[3]   الرد على الأخنائي : (1/24) .

[4]  وهذا أحد قولي الإمام الشافعي وغيره من الفقهاء؛ انظر: المغني ,لابن قدامة: (6/256), والمجموع, للنووي: (8/475) وروضة الطالبين, للنووي : (1/396). انظر حاشية الجمل على شرح المنهل: (5/333) وشرح مختصر خليل : (3/93) .

[5]   الرد على الأخنائي : (1/14) .

[6]   أخرجه النسائي في السنن الصغرى , باب ذكر الساعة , رقم :1430:(3/114). ومالك في الموطأ, باب ما جاء في الساعة رقم : 241 : (1/109) .صححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي, رقم :1430: (4/74) .

[7] المجموع: (1/234). انظر روضة الطالبين, للنووي: (1/396), والمجموع, الشافعي :(8/475), وشرح ابن بطال: (5/195) .

[8]  الرد على الأخنائي : (1/16) .

قال تعالى : { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم ُ}(التوبة:100)

 

       ولما اقتضت حكمة العزيز أن كل ما في هذا الكون إنما يسير وفق سنن مطردة ثابتة , فليس ثمة أمر يقع من مقدور الله إلا وقد هيأ المولى له أسبابا ؛ يتأتى بها وقوعه وفق مشيئته سبحانه , وأن هذه السنن لا تخرق إلا لأمر عظيم , يرشد به المولى عباده لصدق نبيه , أما ما سوى ذلك , فلا يخرج عن هذه السنن , التي يكمن بتسخيرها المطرد عظمة الخالق عز وجل , وإحكامه في خلقه , ومن ذلك حفظه لهذا الدين القويم , بحفظ دستوره العظيم , وهو القرآن الكريم .

 

       فإن المولى تعالى لما قدر له البقاء والاستمرار , واختاره ليكون خاتم الدين المنزل , والمهيمن عليه , وفق لحفظه أسباباً ؛ هي محض كرمه تعالى وتوفيقه , يرفع بها من يشاء من عباده , فسخر له رجالاً كان لهم الفضل والسابقة في حفظه وتبليغه , بل والتفاني في الدفاع عنه , حتى اشتمل ذلك الاحتفاء البالغ به على فهم تفسيره بحفظ السنة المطهرة ـ المصدر الثاني من مصادر التشريع ـ  ، فبذلوا في سبيل القيام بهذه الأمور العظيمة النفس والنفيس , فكان لهم شرف الهجرة والجهاد ؛ إعلاءً لراية الدين عقيدة ومنهاجاً , حتى وجب لهم بذلك الحق الأرفع في توليهم , وتعظيمهم , وإظهار مكانتهم , والاعتراف بجميل فضلهم , والدعاء لهم بالترضي والاستغفار , وحفظ أعراضهم والذب عنهم , إلى غير ذلك مما يمليه واجب شكرهم

 

    كما أتى الأمر بذلك في صريح الكتاب ؛

 

      وقال تعالى:{ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيم ٌ}(الحشر:10)

       كما جاءت الأحاديث عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ تنوه بشرفهم وسابقتهم , ووجوب أداء حقهم , وتتوعد كل من حاد عن ولائهم وتلبس بعدائهم.

 

 

فإنه لا يخفى على المتبصر بأمر هذه الدين الحنيف ما للصحابة الكرام من الفضل في حفظه , وفي نشر تعاليمه , وهداية الناس له , إذاً فحقيقة الدفاع عنهم رضوان الله عليهم , دفاع عن الدين نفسه , كما أن الطعن فيهم طعن في الدين , ليس من جهة اشتماله على مدحهم والأمر بحفظ أعراضهم والترضي عنهم فحسب , بل من جهة كونهم القاعدة الرصينة التي أرسي عليها دعائم الإسلام , ولا يخفى على المتأمل ما تحمله كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يناجي ربه في أول عزوة في الإسلام , في معركة بدر : تلك المعركة التي احتدم فيها الصراع بين النور والظلام مؤذناً بغلبة النور واستعلائه , حيث قال عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم : ( اللهم ! إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ) . وأما إذا خلت المطالعة من اقتضاء هذه المصلحة المعتبرة , فمن المسلم عدم اعتبار شرعيته , وأن الأولى والأصوب هو التوقف عن مثل هذا العمل الذي لا نفع فيه , بل قد يلحق بصاحبه من المضار ما لا طاقة له بدفعه , فيتأثر بتلك الروايات والأكاذيب مما يؤدي به في نهاية المطاف إلى الطعن فيهم , والقدح في أعراضهم , فيخرج بذلك عن المنهج الذي خطه الشارع الحكيم لأتباع هذا الدين , حيال حملة أمانته , وحفظة كتابه وسنته ؛ الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين , وجمعنا بهم في مستقر رحمته , آمين . ومصداقا لهذا المعنى يقول العالم الجليل : العوام بن حوشب : " أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة , بعضهم يقول لبعض : اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأتلف عليه القلوب , ولا تذكروا ما شجر بينهم , فتحرشوا الناس عليهم

" . تفسير الألوسي - (7 / 391) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبيِّ وَالمُهَاجرينَ وَالأَنْصَار }

 قال أصحاب المعاني المراد ذكر التوبة على المهاجرين والأنصار إلا أنه جيء في ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم تشريفاً لهم وتعظيماً لقدرهم ، وهذا كما قالوا في ذكره تعالى في قوله سبحانه : { * } قال أصحاب المعاني المراد ذكر التوبة على المهاجرين والأنصار إلا أنه جيء في ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم تشريفاً لهم وتعظيماً لقدرهم ، وهذا كما قالوا في ذكره تعالى في قوله سبحانه : { فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } [ الأنفال : 41 ] الخ أي عفا سبحانه عن زلات سبقت منهم يوم أحد ويوم حنين ، وقيل : المراد ذكر التوبة عليه عليه الصلاة والسلام وعليهم ، والذنب بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم من باب خلاف الأولى نظراً إلى مقامه الجليل ، وفسر هنا على ما روي عن ابن عباس بالاذن للمنافقين في التخلف ، وبالنسبة إليهم رضي الله تعالى عنهم لا مانع من أن يكون حقيقياً إذ لا عصمة عندنا لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويفسر بما فسر أولا . وجوز أيضاً أن يكون من باب خلاف الأولى بناء على ما قيل : إن ذنبهم كان الميل إلى العقود عن غزوة تبوك حيث وقعت في وقت شديد ، وقد تفسر التوبة بالبراءة عن الذنب والصون عنه مجازاً حيث أنه لا مؤاخذة في كل ، وظاهر الإطلاق الحقيقة ، وفي الآية ما لا يخفى من التحريض والبعث على التوبة للناس كلهم { الذين اتبعوه } ولم يتخلفوا عنه صلى الله عليه وسلم { فِى سَاعَةِ العسرة } أي في وقت الشدة والضيق ، والتعبير عنه بالساعة لزيادة تعيينه وكانت تلك الشدة حالهم في غزوة تبوك فإنهم كانوا في شدة من الظهر يعتقب العشرة على بعير واحد وفي شدة من الزاد تزودوا التمر المدود والشعير المسوس والاهالة الزنخة وبلغت بهم الشدة أن قسم التمرة اثنان ، وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء كما روي عن قتادة ، وفي شدة من الماء حتى تحروا الإبل واعتصروا فروثها كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وفي شدة زمان من حمارة القيظ ومن الجدب والقحط ، ومن هنا قيل لتلك الغزوة غزوة العسرة ولجيشها جيش العسرة . ووصف المهاجرين والأنصار بالاتباع في هذه الساعة للإشارة إلى أنهم حريون بأن يتوب الله عليهم لذلك وفيه أيضاً تأكيد لأمر التحريض السابق { مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ } بيان لتناهي الشدة وبلوغها الغاية القصوى وهو إشراف بعضهم إلى أن يميلوا إلى التخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : هو إشراف بعضهم إلى أن يميلوا عن الثبات على الإيمان وحمل ذلك على مجرد الهم والوسوسة ، وقيل : كان ميلاً من ضعفائهم وحديثي عهدهم بالإسلام .

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :(كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي , أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان)

 

هذا الحديث العظيم فيه دلالة على عدة أمور:

 

ـ فضل هؤلاء الصحابة الكرام رضي الله عنهم على الأمة أجمع

ـ إجماع الصحابة رضي الله عنهم على فضيلة هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم ومكانتهم

ـ إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لفضيلة هؤلاءالصحابة الأجلاء

ـ ترتيبيهم في الأفضلية على  التوالي

ـ إقرار الأمة بخلافتهم على التوالي وإجماعهم على ذلك

 

 

 

روى الشيخان بسنديهما عن جبير بن مطعم قال : اتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم, فأمرها أن ترجع إليه, قالت: أرأيت إن جئتك فلم أجدك, كأنها تريد الموت, قال:(إن لم تجديني فأتي أبا بكر)

 

 

هذا الحديث عمدة في نصية السنة على خلافة الصديق رضي الله عنه

فيه رد على المخالفين من الشيعة وغيرهم الذين يطعنون في خلافة الصديق

شدة حرص المصطفى صلى الله عليه وسلم على الخير لأمته

بشرية الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام في عقيدة الصحابة رضي الله عنهم فلم يشكوا في كونه معرض للوفاة  

 

ـ قال رسول الله :(اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ).

 

ـ الأمر يدل على الوجوب وفي هذا دلالة على لزوم التمسك بسنة الخليفتين الراشدين

ـ بيان أن خلافتهما خلافة نبوة

ـ تقديم رأيهما على الغير عند الاختلاف

ـ شدة قربهما وصدق متابعتهما للنبي حتى الموافقة التي نجم عنها أحقية اتباعهما

تعميم هذه الحقيقة في كافة مجالات الاتباع العقدية والسلوكية والتشريعية

 

 

 

 

 

 

 

 

جار التحميل