جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

نحو نظرة جديدة لتاريخنا العربي القديم


- 2016/05/13

مقالات تاريخية

نحو نظرة جديدة لتاريخنا العربي القديم

 

بقلم / محمود عمر السباعي

إذا ألقينا نظرة على مصور طبيعي لشمال إفريقية وجنوب غرب آسية نرى شريطًا صحراويًّا يمتد من شواطئ موريتانيا على المحيط الأطلسي، ويخترق شمال إفريقية من الغرب إلى الشرق، مشكلاً الصحراء الإفريقية الكبرى، التي تشكل مصر جزءًا منها، لولا النيل الذي وهبها الحياة، فمصر هبة النيل كما قال هيرودوت، ثم يستمر الشريط الصحراوي في شبه الجزيرة العربية وبادية الشام، حتى تحتضنه جبال زاغروس ومياه الخليج العربي في شرقه.

على هذا الامتداد من شواطئ إفريقية الشمالية المطلة على المحيط الأطلسي غربًا، وحتى جبال زاغروس والخليج العربي شرقًا - تكوَّن الوطن العربي طبيعيًّا وبشريًّا، يحيط به من الشمال البحر المتوسط في إفريقية، وجبال طوروس في غربي آسية، ويحدُّه من الجنوب بحر العرب في آسية، والنهايات الجنوبية للصحراء الإفريقية الكبرى.

يقسم العلماء الجيولوجيُّون عمر الأرض إلى الأحقاب التالية: الحقب الأول، والحقب الثاني، والحقب الثالث، والحقب الرابع الذي نعيش فيه، ويقسمون الحقب الرابع إلى عصرين: (البليوستوسين) و(العصر الحديث) والعصر الحديث هو الاسم الجيولوجي للآلاف القليلة من السنين التي انقضت منذ نهاية (البليوستوسين).

وهذا الأخير شاهد بسبب التقلبات المناخية أربعة أدوار للزحف الجليدي، غطى فيها الجليد النصف الشمالي من الكرة الأرضية على مساحات واسعة، وبعد انحسار كلٍّ من تلك الأدوار الجليدية؛ كان يتلوه مرحلة جفاف تدعى (مرحلة ما بين الدورين) وقد مرت بالكرة الأرضية أربعة مراحل، كان متوسط الحرارة في بعضها أعلى مِمَّا هُوَ عليْهِ الآن، ونحن نعيش الآن المرحلة الرابعة منها؛ لذا يعتقد بعض العلماء أنه إذا استمرت الشروط والعوامل المؤثرة على ما هي عليه الآن؛ فإن نهاية المرحلة الرابعة التي نعيشُها ستنتهي في غضون خمسين ألف سنة، ويبدأ دور خامس للجليد.

ففي أثناء أدوار الجليد؛ كانت المناطق المحصورة بين درجتي عرض 50 شمالاً وجنوبًا من خط الاستواء بعيدة عن متناول الجليد، وكان مناخها مطيرًا،ولذلك كان الشريط الصحراوي الذي وصفناه آنفًا يمرُّ بفترات متعاقبة من الرطوبة والجفاف، بين الخصوبة والقحط، قبل أن يستقر على وضعه الحالي الصحراوي.

نخلص من ذلك كله إلى النتيجة التالية: إن هذا الشريط الصحراوي المذكور لم يكن صحراء في الدور الجليدي الرابع؛ بل كان مناخه معتدلاً رطبًا، يتلقى أمطارًا كافية لجعل أراضيه خصبة ممرعة، تُنبت المروج والنباتات البريَّة والأشجار، وتعيش فيها الحيوانات المختلفة والإنسان، بسبب الجليد الذي غطَّى أوروبا الوسطى، وما بدر منها شماليَّ درجة العرض 50 شمالاً، وعندما أخذ الجليد بالانحسار والتراجع رويدًا رويدًا؛ بدأ المناخ في هذا الشريط الصحراوي شمال إفريقية وغرب آسية يميل الجفاف شيئًا فشيئًا، حتى أصبح على ما هو عليه الآن، وأخذ الناس ضمن هذا الشريط يلتجؤون إلى مجاري الأنهار وضفاف الواحات، ليؤمِّنوا حياتهم، ونشأ نتيجةً لذلك نمطان للحياة: حياة الزراعة على ضفاف الواحات والأنهار، وحياة البداوة في البراري والقفار، ولا يزال هذان النظامان قائمين حتى الآن.

أطلق الأوربيون على سكان القسم الغربي من الوطن العربي في إفريقية اسم (بربر)، وهذه كلمة يونانية الأصل، أطلقها اليونان على كل الشعوب التي كانت خارج نطاق الحضارة اليونانيَّة؛ بمعنى: شعوب غير متحضرة! وانتقلت من اليونان إلى الرومان، وعن طريق لغتهم اللاتينيَّة تسرَّبت إلى اللغات الأوروبيَّة الأخرى.

والأصح من ذلك: أن ندعوهم بالاسم الذي يدعون به أنفسهم، وهو (أمازيغ)، وهي كلمة في لغتهم تعني (الرجل الحرَّ)(1).

استقر (الأمازيغ) في موطنهم شماليِّ إفريقية منذ عهد سحيق، وقد ذكرهم المؤرخون والجغرافيون الأوروبيُّون بأسماء متعدِّدة؛ فقالوا بأن (النسامينNassamous  ) و(البسبل psylle  ) يقطنون برقة وطرابلس الغرب، وأنَّ (الكرمانتس garamantis  ) يعيشون عيشة بدويَّة في الصحراء، و(الماكبل Malcyles  ) و(الماكسي maxis  ) على الساحل التونسي، والموسولان والنبوميدييِّن في المغرب الشرقي، و(الكبتول getules  ) على حدود الصحراء والهضاب المرتفعة، ويعيش (المور maures  ) في المغرب الأوسط والمغرب الأقصى، وأقدم الأخبار عنهم: تلك التي تذكر أن قبيلة (مشوشة) أغارت على مصر في حكم الأسرة التاسعة عشرة، وأن (المتريك) أغاروا على مصر قبل مجيء العرب المسلمين(2).

إنَّ تاريخ الأمازيغ في العصور القديمة غير واضح وغير مكتمل، والسبب في ذلك: أنَّ لهم لغة وليس لهم كتابة خاصة بهم، وبقوا كذلك حتى مجيء العرب المسلمين في أواخر القرن السابع الميلادي، فاقتبسوا خطهم وكتبوا به، وقبل ذلك: "بقيت لهجاتهم لهجات محليَّة، يُتكلم بها، ولكن لا تكتب"(3).

وعلى كلٍّ؛ فيمكن أن نلاحظ أنَّ هناك حادثين هامين في العصور القديمة؛ الأول منهما: مجيء الفينيقيين من الشرق عن طريق البحر المتوسط، وكانوا يتكلمون لغةً هي من المجموعة التي تنتمي إليها لغة الأمازيغ، ويبدو أنَّ هذا العامل جعل الأمازيغ يرحبون بهم، ويتعاملون معهم بكل أمانة وصدق، مما ساعد قرطاجة التي بناها الفينيقيون قرب تونس الحالية على الازدهار ازدهارًا رائعًا في القرن السادس ق.م: "وامتدت حدودها من حدود ليبية، إلى أعمدة (هيركويوليس)؛ أي: مضيق جبل طارق حاليًا، وضمَّت جزر الباليار ومالطة وسردينية، وبعض المواقع على إسبانيا والغال، وأدى ذلك التوسع إلى نزاعها مع رومة الآخذة بالظهور، حتى قيل للرومان بأنَّه لا يمكنهم غسل أيديهم في مياه البحر المتوسط بدون إذن قرطاجة"(4).

إنَّ الذين قضوا على قرطاجة واستأصلوا شأفتها وأحرقوا أرضها ليسوا الأمازيغ؛ بل الرومان القابعين على الشاطئ الشمالي للبحر المتوسط، والذين دامت حروبهم مع قرطاجة من (218 – 146 ق.م ) تلك الحروب المعروفة بالحروب البونيَّة، التي انتهت بانتصار الرومان، وحرق قرطاجة التي تُركت طعمةً للنيران لمدة سبعة عشر يومًا، حتى أخفت موقعها كومة من الرماد! ثم أعملوا المحراث فيها، ولعنوا أرضها إلى الأبد!!

إنَّ مثل تلك القسوة وذاك الكره لا يصدر إلا من الأجانب، لقد كان الرومان أجانب عن إفريقية، أمَّا القرطاجيون فلم يكونوا أجانب عن (الأمازيغ) الذين كانوا يحيطون بهم، والذين كانوا يعاملونهم بكل أمانة وصدق منذ القرن الثامن ق.م، وكانت هذه المعاملة مع الأمازيغ مظهرًا من مظاهر ازدهار قرطاجة حتى نهايتها على يد الرومان.

لقدِ احتلَّ الرومان شمالي إفريقية، ولكن ذهبوا وحل مكانهم العرب المسلمون الذين جاؤوا بعدهم، فلا يزال وجودهم الحضاري قائمًا منذ أربعة عشر قرنًا حتى الآن!!

أليس في ذلك ملاحظة يجدر التأمل فيها واستخلاص النتائج منها؟

أمَّا القِسْمُ الشرقيُّ من الوطن العربي؛ فقد مرَّ بالظروف المناخيَّة التي مرَّ بها القسم الغربيِّ؛ من حيث الخصوبة والجفاف؛ ففي أواخر الدور الجليدي الرابع، الذي كانت فيه معظم النواحي الأوروبية وشمالي آسية تغطي أراضيها الثلوج - كانت جزيرة العرب ذات جو معتدل وأمطار غزيرة وأشجار وزروع، وكانت هضبة إيران تكسوها الثلوج التي تحول دون تكوين مواطن صالحة للأحياء، وكانت الوديان الكبرى في الجزيرة العربية - وهي وادي العيون، ووادي الرُّمة، ووادي الدواسر، ووادي السرحان - أنهارًا تطفح بالماء المنحدر من المرتفعات والجبال التي تغذيها.

ثم أخذ الجو يتغير في شبه الجزيرة العربية بانحسار الجليد؛ ففقد رطوبته وسارت الجزيرة العربيَّة بصورة مستمرة وبطيئة نحو الجفاف منذ أكثر من (14) ألف سنة، وغاضت تلك الأنهار الفياضة؛ وتحولت إلى وديان جافة، واستحالت مروجها الفيحاء إلى صحاري قاحلة.

كان أول من قال بتغير مناخ الجزيرة العربية: المستشرق الإيطالي (كايتاني caitani   - 1869-1926)، الذي لفت أنظار العلماء إلى هذه الظاهرة المهمة، ظاهرة التغير الذي طرأ على مُناخ جزيرة العرب، والجفاف الذي حل َّ بها مع انحسار الدور الجليدي الرابع(5) .

لقد لاقت نظرية كايتاني تلك رواجًا بين عدد كبير من المستشرقين، وعدَّها السير (توماس آرنولد) من أهم النظريات التي اكتشفها المؤرخون الحديثون بالنسبة للتاريخ العربي، وكان على رأس معارضيها (لويس موزيل Loismusil  )، إلاَّ أن المكتشفات الحديثة والدراسات التي أجرتها البعثات الأثريَّة في شبه الجزيرة العربيَّة بعد الحرب العالمية الثانية أضفت المزيد من الثقة على نظرية كابتاني، وكان آخرها البعثة البلجيكية التي قامت برحلة علمية إلى السعودية عام 1951م، ولقيت من الحكومة السعودية كل مساعدة وترحيب، وقد انضم إليها مستشار الملك عبد العزيز بن سعود، الحاج عبد الله فيلبي، وهو أحسن من عرف الجزيرة من الأوربيين: "عثرت البعثة على آلاف النقوش في المنطقة الواقعة بين جدَّة ونجران بخط الكتابات اليمنية البدائية والسبئية، واستطاعت دراسة مخطط مدينة نجران، حيث قام قديمًا الملك اليمني ذو نواس باضطهاد سكانها النصارى والتنكيل بهم، وكشف اسمه الحقيقي بواسطة إحدى المخطوطات التي عثرت عليها، وهو (يوسف أسر)، ثم تحركت البعثة من نجران إلى الربع الخالي، فاكتشفت آثار مدن متهدَّمة وبعض الكتابات على الصخور وهي في الطريق إلى الرياض"(6).

- استنادًا إلى نظرية (كايتاني)؛ فإن الجفاف الذي أعقب انسحاب الجليد في الدور الرابع أثر في حياة سكان الجزيرة العربيَّة وحيواناتها ونبتاتها؛ فانقرض ما لم يتمكن من تكييف نفسه مع البيئة، أما الناس الذين كانوا يعيشون في شبه الجزيرة العربية؛ فمنهم مَنْ هاجر نحو الهلال الخصيب، ومنهم مَنْ تآلف مع تغيرات المناخ الطارئة؛ فنشأت الحياة البدوية وما فيها من ارتحال؛ طلبًا للماء، وانتجاعًا للكلأ والمرعى.

أولئك الناس هم الذين أطلق عليهم العلماء الغربيون اسم الساميين، فمن أين أتت تلك التسمية، وما مقدار صحتها؟

في العام (1781م) كان العالم الألماني (شلوتسر schlozer  ) يبحث في اللغات العربية والعبرية والسريانية والحبشية، فوجد وجه الشبه فيما بينها: من حيث الابتداء بالفعل، وطرق الاشتقاق، وتعدد الحروف الحلقية؛ مثل: العين والحاء والهاء والألف، ومن حيث اهتمامها بالأصوات الساكنة، ومن حيث الزمن؛ فالعربية - على سبيل المثال - ليس فيها إلا صيغتان للزمن؛ هما: الماضي والحاضر، أما الأمر فهو في الحاضر، وأما المستقبل فلا صيغة خاصة به، وإنما الحصول على المستقبل فسَبْق المضارع بالسِّين أو سوف، أما في اللغات الأوربية - كالفرنسية والانكليزية - فهناك صيغ لعشرة أزمنة أو أكثر.

وقد أراد (شلوتسر) أن يطلق اسمًا على مجموعة هذه اللغات؛ فرجع إلى التوراة، وانتزع اسم "سام" من الإصحاح العاشر من (سفر التكوين)، وأطلق على مجموعة اللغات التي كان يدرسها - وهي العربية والعبرية والسريانية والحبشية - التي كانت معروفة آنذاك، ثم أُضيف إليها لغات الهلال الخصيب القديمة بعد أن حُلَّت رموزها في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، وهي: الأكادية والأشورية، والآمورية والكنعانية، أضيف إليها منذ بضع أعوام اللغة الإبلائية، التي دلت دراسات المختصين على أنها: "أصل اللغة الفينيقية، التي تسبقها بألف عام"(7).

وعُرفت هذه اللغات حسب تسمية (شلوتسر) باللغات السامية، وأطلق الاسم فيما بعد على الشعوب التي تتكملَّها؛ فعرفت بـ(الشعوب السامية) ونحن لا نرضى بهذه التسمية، ونجدها غير علميَّة؛ للأسباب التالية:

1- لا يمكن أن نعد "العهد القديم" من "الكتاب المقدس" - أي "التوراة" - مصدرًا موثوقًا لتاريخ العرب القديم؛ لوجود أخطاء علمية بدأت تكشف عنها الدراسات التاريخية الحديثة، مما دفع كبار المؤرخين المختصين إلى الإشارة إليها.

فالدكتور فيليب حتي يقول في كتابه "تاريخ سورية ولبنان وفلسطين": "إنه ليتضح أنَّ الذي كتبه العبرانيون عما سبق الدور القبلي ليس بتاريخ! وليس من السهل استخلاص لب الحقائق التاريخية من المرويَّات التي تتعلق بالدور القبلي نفسه"(8) ويقول أيضًا: "إن التفسير التقليدي المألوف الذي يذهب إلى أن الساميين قد تحدَّروا من كبير أبناء نوح - لا تؤيده الأبحاث العلمية الحديثة"(9) .

ويقول الدكتور أنيس فريحة: "لم يستطع العبرانيون تثبيت أقدامهم شمالي جبل الشيخ؛ فإن (دان) منطقة الحولة كانت أقصى حدودهم الشماليَّة، وقد حاولوا في زمن النبي داود إخضاع آرام دمشق فلم يفلحوا"(10).

في أخبار "الأيام الثاني"، يرد في الإصحاح الثامن الآية الرابعة التي تقول عن سليمان: "بنى تدمر في البرية"، والواقع أن سليمان لم ير "تدمر"، ولم تطأ قدماه أرضها، وكانت حدود مملكته في أقصى اتساعها منطقة (دان) - أي الحولة - كما رأينا آنفًا.

نال الدكتور عدنان البني شهادة الدكتوراه من كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة القديس يوسف في بيروت، على رسالته "تدمر والتدمريُّون" بإشراف الدكتور نقولا زيادة، بتاريخ 17 آذار 1978، ناقشتها لجنة برئاسة الدكتور قسطنطين زريق، وعضوية الأستاذ الدكتور ديمتري برامكي، والأب الدكتور بوتريه، ونال عليها المؤلف مرتبة الشرف الأولى، يرد في الصفحة (68) من الكتاب: "ويرى جونز أن خطأ المؤلف "أخبار الأيام" بنسبة تأسيسها إلى سليمان - يدل على أنها كانت مركزًا هامًّا في أيامه في القرن الرابع ق.م على الأرجح"(11).

ولو كان هذا الكلام خطأً لاعترضت عليه لجنة المناقشة!!

كذلك ترد فيه بعض الأخطاء الناجمة عن فقدان الحس الزمني لدى كتاب الأسفار.

فقد ورد في الإصحاح العشرين من (سفر التكوين) الآية: "فأرسل إيمالك ملك جرار وأخذ سارة"، و(إيمالك) ليس اسم علم، وإنما هو لقب كان يطلق على كل واحد من الملوك الفلسطينيين - كفرعون مصر مثلاً - والفلسطينيون كما هو معلوم أتوا فلسطين في القرن الثالث عشر ق.م، بينما إبراهيم يجعل قاموس الكتاب المقدس ظهوره عام (1996 ق.م) - "وفقًا للتاريخ الذي حسبه الأسقف آرثر"(12)- أي في القرن العشرين ق.م، وبين التاريخين أكثر من سبعمائة سنة!!

كذلك يرد اسم (أور الكلدانيين) في (سفر التكوين) في الإصحاحات (28 - 31 - 51)، ومدينة أور مدينة سومرية تعود إلى الألف الرابع ق.م، والكلدانييون هم الذين قضوا على الإمبراطورية الآشورية؛ وأقاموا دولة بابل الثانية، ومنهم (بختنصَّر) الذي استولى على أورشاليم عاصمة يهوذا، وسبى اليهود إلى بابل عام 597 ق.م، أي بين السومريين وبين الكلدانيين أكثر من ثلاثة آلاف سنة!!

وأحدث الأمثلة جاء من مدينة أريحا:

سفر يشوع، سادس أسفار التوراة، وأول سفر بعد الأسفار الخمسة المعروفة بـ (أسفار موسى) أو (البنتاتوك pentateuque  )، وتهتم الآن إسرائيل بتدريسه من الصف الرابع الابتدائي إلى الصف الثامن في المدارس الثانوية العامَّة(13) لاحتوائه على وصف دخول بني إسرائيل إلى أرض فلسطين، وتوزيع الأرض على الأسباط.

إن أول مدينة بعد اجتياز الأردن هي (أريحا)، ويصف كاتب السفر في الإصحاح السادس حصار المدينة، ثم سقوطها بيد يشوع، وكيف كانوا يدورون حولها دورة كاملة في كل يوم، ويتكرر ذلك ستَّ مرات في ستة أيام، وفي اليوم السابع سقطت المدينة في أيديهم، بعد أن داروا حولها سبع مرات متتالية: "وكان حين سمع الشعب صوت البوق بأن هتف الشعب هتافًا عظيمًا، فسقط السور في مكانه، وصعد الشعب إلى المدينة، وكل رجل مع وجهه، وأخذوا المدينة، وحَزموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، ومن طفل وشيخ، حتى البقر والغنم - بحدِّ السيف"(14).

في العام 1949 م، أرسل معهد الآثار البريطاني في القدس بعثة تنقيب برئاسة (كاثلين كينون Kathleen Kenyon  ) إلى مدينة أريحا، لدراسة آثارها وتحديد عمر تلك الآثار؛ باستعمال طريقة جديدة، كانت هي أول من أدخلها إلى الشرق الأوسط(15) ، هي طريقة (الكربون المشع 14)، وتعد هذه الطريقة من أدق الطرق التي استعملت حتى الآن، وانتهت البعثة إلى النتيجة التالية:

"إن أريحا قد دُمِّرت في القرن الرابع عشر ق.م"؛ أي: كانت مقفرة في الوقت الذي قال فيه يشوع : إنه احتلها(16) على الصورة الواردة في سفره.

4- وجود تناقض في الرواية الواحدة بين سفرين؛ فمثلاً: إن (سفر القضاة) يناقض ما ذكره (سفر يشوع) من الدخول إلى أرض كنعان قبله، بعكس الصورة التي رأيناها في (سفر يشوع)، بأن القبائل الموحدة، في دولة واحدة، تحت إمرة قائد واحد - دخلت أرض كنعان، وقضت على السكان كافةً المتواجدين على طريق تقدمها، ويورد (سفر القضاة) سيرة عمليات تسلل بطيئة، يغلب عليها طابع المسالمة في معظم الأحيان؛ فقد ورد في (سفر القضاة): "وحارب بنو يهوذا أورشليم، وأخذوها وخربوها بحد السيف، وأشعلوا المدينة بالنار"(17) وفي الآية 21 من السفر نفسه: "وبنو بنيامين لم يطردوا اليبوسيين سكان أورشليم؛ فسكن اليبوسيون مع بني بنيامين في أورشليم إلى هذا اليوم".

إنَّ النَّصَّ التوراتي الموجود بين أيدي الناس ليس نص موسى من حيث زمن الكتابة؛ فالتوراة بدئ بتدوينها بعد السبي البابلي، ويروي لنا صاحب "قصة الحضارة" كيفية البدء بتدوينها على النحو التالي:

"لم يكن في وسع اليهود بعد عودتهم أن يقيموا لهم دولة حربية؛ ذلك أنهم لم يكن لهم من العدد ومن الثروة ما يمكنهم من إقامة هذه الدولة، ولما كانوا في حاجة إلى نوع من الإدارة يعترفون فيه بسيادة الفرس عليهم؛ ويهيئ لهم في الوقت نفسه سبيل الوحدة القومية والنظام؛ فقد تسرع الكهنة في وضع قواعد حكم ديني يقوم - كما كان يقوم ملكهم (لاشيا) - على المأثور من أقوال الكهنة وتقاليدهم، وعلى أوامر الله، وفي عام (444 ق.م) دعا عزرا - وهو كاهن عالم - اليهود إلى اجتماع خطير، وشرع يقرأ عليهم من مطلع النهار إلى منتصفه "سفر شريعة موسى، وظل هو وزملاؤه اللاويون سبعة أيام كاملة يقرؤون عليهم ما تختزنه لغات هذا السفر"(18) .

هكذا كانت بداية تدوين التوراة بعد السبي، وبين هذه البداية وبين موسى ثمانية قرون! لقد بدأ الكهان بتدوينها دون وجود حق سابق يعتمد عليه؛ بل تركوا العنان لأفكارهم ومخيلاتهم، تصف الحوادث وتؤلفها حسب أهوائهم، وهذا هو سبب الأخطاء والتناقضات التي أشرنا إليها.

لهذا كله؛ لا يمكن أن نعد العهد مصدرًا موثوقًا لتاريخ العرب القديم، وبالتالي التسمية التي اعتمدها (شلوتسر) وأطلقها المستشرقون على الشعوب القديمة التي سكنت الهلال الخصيب، وهي الشعوب الساميَّة، فماذا ندعو تلك الشعوب إذًا؟.

اعتمد (شلوتسر) في تسميته (الساميين) على القرابة، ولدينا من المسوغات أكثر مما كان لدى (شلوتسر) بأن ندعوهم (العرب القدماء)؛ لوحدة لأصل أولاً، والقرابة اللغوية ثانيًا، وقدم العرب ثالثًا.

فأما وحدة الأصل والمنشأ: فنعني بها أن أجداد هؤلاء العرب القدماء كانوا يقيمون أولاً في شبه الجزيرة العربية، وفي المناطق الداخلية منها، عندما كان مناخها لطيفًا وسماؤها مطيرة، تُنبت الأعشاب والأشجار، على الصورة التي ذكرها في مطلع هذا البحث، ثم تغير المناخ، وأخذ يميل نحو الجفاف شيئًا فشيئًا؛ حتى غاضت الأنهار، وتحولت إلى وديان جافة تحمل ضفافها آثار تلك الحياة.

إن (كايتاني caitani  ) أول من لفت أنظار العلماء إلى هذه الظاهرة المهمة، ظاهرة التغير الذي طرأ على جو البلاد في الجزيرة العربية والجفاف الذي بدأ يحل بها في أواخر الدور الجليدي الأخير، ففقد الجو فيها رطوبته، وسارت بصورة مستمرة وبطيئة نحو الجفاف منذ أكثر من أربعة عشر ألف سنة، فأثر ذلك بالطبع في حياة سكانها وحيواناتها ونباتاتها؛ فانقرض ما لم يتمكن من تكييف نفسه مع المحيط، وظهر نمط الحياة اليدوية الذي أدى بعد ذلك إلى حدوث هجرات من داخل الجزيرة العربية نحو أطراف الهلال الخصيب، كلما ضاقت الجزيرة بسكانها(19).

وقد قسم (كيتاني) شبه جزيرة العرب إلى قسمين؛ قسم غربي: وهو الممتد من فلسطين إلى اليمن وينتهي ببحر العرب، وتكون حدوده الشرقية السراة والغربية البحر الأحمر وباب المندب، وقسم شرقي: وهو ما وقع شرقي السراة إلى الخليج العربي، وقد ظهر الجفاف على رأيه في القسم الشرقي قبل الغربي، ولهذا صار سكانه يهاجرون منه بالتدريج إلى مواطن جديدة تكون صالحة للاستيطان؛ مثل العراق والشام، كما صار سببًا لظهور الصحاري الشاسعة في هذا القسم بصورة لا نعهدها في القسم الغربي"(20).

إذًا، من قلب الجزيرة العربية كانت تخرج تلك الهجرات العربية القديمة نحو أطراف الهلال الخصيب في العراق والشام، وهي على النحو التالي:

1- هجرة الأكاديين والآشوريين نحو الجزء الشرقي من الهلال الخصيب، بدأت منذ (3500 ق.م)، فسكن الآشوريون في القسم الشمالي من العراق، وسكن الأكاديون في القسم الجنوبي، حيث اختلطوا بالسومريين الذين كانوا سبقوهم إلى سكن المنطقة، فأخذوا منهم كتاباتهم المسمارية، وبعض مظاهر حضارتهم، ثم أسسوا دولة (أكاد) في عهد صارغون الأول (2584 - 2529)، التي كانت أول إمبراطورية عربية في التاريخ، امتدت من جبال زاغروس حتى البحر المتوسط.

2- هجرة الآموريين إلى القسم الغربي من العراق وبلاد الشام الداخلية (2500 ق.م).

3- هجرة الآراميين إلى القسم الداخلي من بلاد الشام (1500 ق.م).

4- هجرة الأنباط إلى جنوب بلاد الشام (500 ق.م).

5- هجرة المناذرة والغساسنة إلى جنوبي العراق وجنوبي الشام (150 م).

6- هجرة العرب المسلمين في منتصف القرن السابع للميلاد، الذين قضوا على الإمبراطورية الفارسية في الشرق، وقوضوا أركان الإمبراطورية البيزنطية في الغرب.

فمن الأمثلة على الهجرات في العصور الحديثة:

هجرة قبيلة كلاب في القرن العاشر الميلادي من نجد نحو شمالي الشام، التي دفعت بقبائل عقيل وعنيز وقشير إلى الجزيرة، وهؤلاء دفعوا بقايا تغلب نحو الشمال، وأكرهوهم على الدخول ضمن الحدود البيزنطية؛ حيث تنصروا واستقروا(21).

أما من حيث القرابة اللغوية: فكل تلك الأقوام التي ذكرناها من الأكاديين في القرن الرابع ق.م، إلى العرب المسلمين في منتصف القرن السابع بعد الميلاد - كانوا يتكلمون لغات متقاربة من بعضها بعضًا، وتشترك جميعها بالابتداء بالفعل، وبطرق الاشتقاق، وبوجود زمنين فقط لصيغة الفعل، ماض أو حاضر، والاهتمام بالأصوات الساكنة دون أحرف اللين، كما تتشابه في الضمائر؛ وهي طريقة اتصالها بالأسماء والأفعال والحروف، كما يشترك معظمها في المفردات الأساسية المتعلقة بأعضاء الجسم، مثل: (رأس، عين، أنف، فم، إذن، سِنْ، يد)، وفي أسماء الحيوانات والنباتات: (كلب، جمل، حمار، ذئب، قمح، زيتون)، وفي المفردات الدالة على صلات القرابة: (أب، أم، أخ، ابن، بعل)، وكلها تشير إلى بيئة واحدة عرفتها كل الشعوب العربية القديمة التي ذكرناها(22).

كلُّ ذلك دفع المستشرقين إلى افتراض وجود (لغة أم) اشتقت منها اللغات الأكاديَّة والآشوريَّة والكنعانيَّة والآراميَّة والنبطيَّة والعربيَّة، ويرى معظم المستشرقين أنَّ اللغة العربية التي نتكلمها الآن هي أقرب اللغات إلى (اللغة الأم)، ويقول فيليب حتي: "يجب أن ننظر إلى اللغات الآشوريَّة، والأكادية، والكنعانيَّة، والآراميَّة، والعربيَّة الجِنْوَيِيَّة، والحبشيَّة، والعربيَّة، على أنها لهجات تفرَّعت من لغة واحدة، هي اللغة الأم"(23).

ويذكر إسرائيل ولفنستون: " أنَّ اللغة العربيَّة تشتمل على عناصر لغوية قديمة جدًّا، بسبب وجودها في مناطق منعزلة عن العالم، بعيدة عما يتوارد عليه من تقلبات وتغيرات يكثر حدوثها وتختلف نتائجها اختلافًا مستمرًّا في البلدان العمرانيَّة"(24) .

ومن هذه العناصر - على سبيل المثال - أداة الاستفهام (مَنْ)؛ فهي في لغة (إيبلا): (مي mi)، وكذلك في الكنعانيَّة والأوغاريتيَّة ولغة ماري ما قبل الصارغونية، أمَّا في الأكاديَّة القديمة فهي (مَنْ)، وكذلك في الآموريَّة، ونجد عنصرًا آخر في لغة (إيبلا) لا يزال في اللغة العربيَّة، وهو (كَ ka  )، "ويعني في لغة (إيبلا): (مِثل)، كما في الاسم (مي كا إل) (MI – KA - IL  )، ومعناه (مَنْ  مثل إيل)"(25).

وفي اللغة العربية تكون (ك) حرف جر، وهي أحيانًا اسم بمعنى (مثل)، ويعرب الاسم بعدها مجرورًا بالإضافة إليها، كما قال المتنبي:

وَمَا قَتَلَ الأَحْرَارَ  كَالعَفْوِ  عَنْهُمُ        وَمَنْ لَكَ بِالحُرِّ الَّذِي يَحْفَظُ اليدا

فالكاف هنا بمعنى (مثل)، وتعرب فاعلاً لـ (قَتَلَ) و (العفوِ) مجرور بالإضافة إلى الكاف، وهذا الاسم تحوَّل في اليونانيَّة إلى (ميخائيل)، وفي الفرنسية إلى (ميشيل Michel  )، ويلفظ في الإنكليزيَّة (ميكائيل Michael  )، وكلُّ صوره في اللغات الأوروبيَّة تعود إلى أصله العربي القديم!!

"هذه القرابة اللغويَّة بين الشعوب التي تتكلَّم اللغات الأكاديَّة والآشوريَّة والآموريَّة والكنعانيَّة والآراميَّة والعربيَّة؛ تسوِّغ ضمَّهم تحت اسم واحد، ولكنَّها ليست الرابطة الوحيدة، فإذا ما قارنا مؤسساتهم الاجتماعيَّة، وقصائدهم الدينيَّة، وصفاتهم النفسية، وأوصافهم الطبيعية - انفتحت لنا نواحٍ هامة للتشابه، وعندئذ لا بدَّ من الاستنتاج: أنْ بعض أسلافهم كانوا - غالبًا - يشكِّلون جماعة واحدة قبل أن تحصل بينهم هذه الاختلافات، وأنَّ هذه الجماعة كانت تتكلم اللغة نفسها، وتعيش في المكان نفسه"(25) ؛ كما يقول فيليب حتي.

أمَّا قدم العرب أنفسهم:

"فإنَّ أول إشارة مدوَّنة في التاريخ إلى موضع معين في جزيرة العرب، وإلى قوم من العرب، ما ذكره (جوديا) السومري، حاكم مدينة (لاغاش)، نحو (2400 ق.م)، وأنَّه دبَّر حملة على (مغان) و(ملوخا) طلبًا للتجارة والخشب لبناء هيكله، وهما منطقتان في شرقي الجزيرة العربيَّة.

والإشارة التالية جاءت في كتابة على تمثال من حجر الديوريت لـ (نارام يس) - نحو (2300 ق.م) - حفيد صارغون الأول الأكادي، وهي تنص على أنه: "أخضع (مغان)، وغلب سيدها (مالتيوم)".

وأوَّل إشارة ثابتة إلى العرب، هي تلك التي وردت في نقش الملك الآشوري (شملنصر الثالث)، الذي قاد في السنة السادسة لملكه حملة على ملك دمشق الآرامي وحليفيه (آخاب) ملك إسرائيل، و(جندب) أحد مشايخ العرب، فاصطدم الجيشان في (قرقر) شمالي حماة، عام (854 ق.م)، وهذا هو نصه:

"قرقر عاصمته الملكية، أنا خرَّبتها، أنا دمرتها، أنا أحرقتها بالنار، 1200 مركبة، 1200 فارس، 20000 جندي لحدد عازر صاحب آرام (دمشق)، 1000 جمل لـ (جندب) العربي... هؤلاء الملوك الاثنا عشر الذين استقدمهم لمعونته برزوا إلى المعركة والقتال، تألبوا عليَّ".

ويعلق فيليب حتي على ذلك بقوله: "ومن بديع الاتفاق: أن اسم أول عربي يسجله التاريخ جاء مقرونًا باسم الجمل!"(27) .

بعد هذا كلِّه؛ أليس لدينا من المسوغات بإطلاق اسم (اللغات العربيَّة القديمة) على تلك اللغات التي اشتقت من (اللغة الأم)، أكثر مما كان لدى (شلوتسر) عندما أطلق عليها اسم (اللغات الساميَّة)، نسبةً إلى إنسان يُشكْ بوجوده؟

فنحن في تسميتنا (اللغات العربيَّة القديمة) نكون أقرب من (شلوتسر) إلى العقل، وأدنى إلى المنطق، وألصق بالعلم من تسميته تلك، وعندما نطلق على الأقوام التي تكلمت تلك اللغات اسم (الشعوب العربيَّة القديمة)؛ فإننا نتبع تقليدًا عربيًّا، هو تسمية الكل باسم الجزء، وهذا وارد في اللغة العربيَّة كما تعلمون، والقبائل الشماليَّة أو العدنانيَّة يطلق عليها أيضًا اسم (القبائل القيسيَّة)؛ نسبةً إلى (قيس)، وهي قبيلة عدنانية.

ولا تنفرد اللغة العربيَّة وحدها بهذا التقليد؛ بل نجده لدى الألمان؛ "فالألمان ليسوا إلاَّ إحدى القبائل الجرمانية التي تسكن ألمانية حاليًّا"(28) ومع ذلك أطلق اسمهم على الدولة كلها؛ بل على الإمبراطوريَّة الألمانية بعد إنشائها (1871)، وبقيت محتفظة بهذا الاسم حتى الآن.

جرت عادة المؤرخين الأوروبيين على تقسيم العصور التاريخية إلى العصور التالية:

1-العصور القديمة: تمتد من اكتشاف الكتابة (3500 ق.م)، إلى (476 ق.م - سقوط الإمبراطورية الرومانية).

2-العصور الوسطى: من (476 ق.م) إلى (1492 م - سقوط غرناطة، واكتشاف أمريكا).

3- العصور الحديثة: من (1492 م) حتى الوقت الحاضر.

هذا التقسيم لا ينطبق إلاَّ على تاريخ أوروبة الحالية فقط ؛ ولا ينطبق على تاريخ الصين مثلاً، ولا على تاريخ العالم الجديد في أستراليا والأمريكتين، ونقترح عوضًا عنه تقسيمًا آخر خاصًّا بالتاريخ العربي، على النحو التالي:

أ- تاريخ العرب القديم: (3500 ق.م) إلى (622 م - الهجرة النبويَّة إلى يثرب).

ب- تاريخ العرب الوسيط: من (622 م) إلى (1516 م - بداية الاحتلال العثماني للوطن العربي).

جـ- تاريخ العرب الحديث: (1516 م)، إلى (1916 م - قيام الثورة العربيَّة الكبرى).

د- تاريخ العرب المعاصر: (1916)، حتى الوقت الحاضر.

بهذا التقسيم نكون قد ضممنا تاريخ العرب كله في نظرة وحدوية أصيلة، وبدأنا بانتزاعه من هيمنة الآخرين عليه وتحكمهم به.

والخطوة الأخرى: هي تخليصه من (الإسرائيليات) التي تسربت إليه.

فمن المعروف أنَّ (الإسرائيليات) تغلغلت في الفكر العربي مع ظهور الإسلام ودخول بعض اليهود فيه؛ فاستغلوا معرفتهم بالتوراة وما سردته من أحداث وقصص تبدأ منذ الخليقة حتى تاريخ كتابتها، لتفسير ما جاء موجزًا في القرآن الكريم من الإشارة إلى بعض القصص القديمة، عن كيفية خلق السموات والأرض، ثم عن كيفية خلق الإنسان، ثم عن تكاثره وتشعبه إلى أمم وقبائل... الخ.

وأبرز الأشخاص الذين يعود إليهم أمر توفير المادة الإخبارية من (الإسرائيليات)، ومن عرب ما قبل الإسلام: كعب الأحبار، وعبيد بن شريَّة، ووهب بن منبه.

فكعب الأحبار: هو كعب بن ماتع، كان قبل الإسلام من كبار علماء اليهود في اليمن، أدرك النبيَّ، ولم يسلم إلا في زمن أبي بكر، وقدم المدينة في عهد عمر بن الخطاب؛ فأخذ عنه الصحابة وغيرهم من المسلمين كثيرًا من أخبار الأمم الماضية، وأخذ هو عنهم علم القرآن والسُّنة، وبعد اغتيال عمر أشارت إليه أصابع الاتهام بالتحريض على قتله، فخرج إلى الشام وسكن حمص، وتوفي فيها عام (652 م) عن مائة وأربع سنوات.

ويعدُ كعب الأحبار أول مَنْ روَّج بشكل كبير للإسرائيليات؛ ما دخل فكرها وتراثها، ونشره بين المسلمين، "وقد أخذ عنه اثنان، هما أكبر من نشر علمه: ابن عباس، وهذا يعلل ما في تفسيره من (إسرائيليات)، وأبو هريرة، ولم يؤثر عنه أنَّه ألف كما أُثر عن وهب بن منبه"(29) .

ووهب بن منبِّه: يجيء من أصل فارسي، وكان من أهل الكتاب الذين أسلموا، وله أخبار كثيرة وقصص تتعلق بأخبار الأول، ومبدأ العالم، وقصص الأنبياء، وكان يقول: "قرأتُ من كتب الله اثنين وسبعين كتابًا"(30) وتوفي سنة (732 م) بصنعاء.

أما عبيد بن شرية الجرهمي: فشخص شبه أسطوري، تروي المصادر أنه عمِّر بضعَ مئات من السنين، وكان في زمن معاوية، وأدرك النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم يسمع منه شيئًا، وكان في عهد معاوية بن أبي سفيان يسكن الرقة، فأرسل إليه معاوية بمشورة عمرو بن العاص ليحدثه عن أخبار الأمم القديمة، وقد عاش عبيد إلى أيام عبد الملك بن مروان، وينسب إليه كتاب "الأمثال"(31) .

وقد دخل على العرب المسلمين من هؤلاء وأمثالهم في عقيدتهم وعلمهم كثيرٌ، كان لهم فيهم أثر غير صالح.

وعند كتابة تاريخ العرب القديم؛ يجب الإصرار على توضيح الأمور التالية:

1-إن مفهوم لفظ العرب يشمل جميع الشعوب التي خرجت من الجزيرة العربية، وانساحت على شكل هجرات منذ الأكاديين والآشوريين في القرن الرابع قبل الميلاد، وحتى هجرتهم السادسة في منتصف القرن السابع الميلادي.

2- إبراز المآثر التي قدمها العرب بهذا المفهوم إلى الحضارة الإنسانية؛ ففي جنوب غربي آسية ومصر قامت ديانات التوحيد، وعلى الشواطئ الشرقية للمتوسط أوجد الفينيقيون اللون الأحمر؛ الذي دفع اليونان إلى تسميتهم (فونيكس)؛ أي: (الأرجوان)، أما اسمهم الأصيل فهو: (كنعانيو الساحل)، وهم الذين قدموا للبشرية النعم الحضارية الثلاث: الكتابة، والأبجدية، والزجاج، والوصول إلى غرب المحيط الأطلسي غربًا وأوربة، وقد وصف (جاك بيرين) وصولهم إلى غربي أوربا بقوله: "إن اكتشاف الغرب من قبل الفينيقيين في القرن الحادي عشر ق. م؛ كان بداية عصر جديد في التاريخ القديم، كما كان اكتشاف أمريكا في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي بداية العصور الحديثة في تاريخ أوربة"(32) .

كما أنَّ الفينيقيين قاموا برحلة حول إفريقية في عهد نجاد الثاني (609 - 594 ق.م)؛ فكانوا أوَّل مَنْ دار حول إفريقية من البشر، وسبقوا فاسكو دو غاما بـ(2000) سنة.

وإذا كان الفينيقيُّون سادة البحر المتوسط في القرن السادس قبل الميلاد؛ فإن الآراميين نشروا لغتهم باعتبارها لغة رسمية في أرجاء إمبراطورية (داريوس الكبير 528 – 486 ق.م)، وأصبحت الآرامية حتى فتوحات الإسكندر اللغة المتداولة في إمبراطورية تمتد من الهند إلى الحبشة، وإن مثل هذا الفوز الذي حققته لغة لا تدعمها سلطة إمبراطورية من أهلها، ليس له مثيل في التاريخ، وقد تم ذلك بسبب نفوذهم التجاري في المنطقة.

3- أن نرفض تسمية (الساميين)؛ لأنها دلالة على هيمنة الفكر اليهودي، ومظهر من مظاهر تسلطه، وقد عمدت وزارة التربية إلى تعديل كتب التاريخ في هذا الاتجاه، وذلك في التعديل الأخير للمناهج، وبقي أن تنتقل هذه المبادرة إلى المرحلة الجامعية؛ حتى لا يكون هناك تناقض بين ما يدرسه الطالب من التاريخ القديم في المرحلة الثانوية، وبين ما يدرسه بعد ذلك من التاريخ القديم في المرحلة الجامعية، وحتى لا تهدم وزارة التعليم العالي ما أسسته وزارة التربية.

إن تاريخ العرب القديم - بهذه النظرة التي عرضناها - سلاح فكري هام في مقاومة إدعاءات الصهاينة، الذين يبنونها على نظرات (قبلية)، لم تؤيدها البحوث العلمية أو المكتشفات الأثرية، من نص موثوق أو أثر ملموس، والبعض يعمد إلى تزوير قراءاته للنصوص القديمة، وعندما ينشرها لا يشير إلى الرقم المتحفي للأثر أو الرقيم؛ حتى لا يأتي من يفضح كذبه ويصحح خطأه، ويردَّهُ إلى جادة الصواب، كما حدث لنصوص ورقم (ماري) مع (أندريه ياروا)، الذي نصب من نفسه وصيًّا عليها، فراح يفسرها وفق فكره التوراتي، وقد شعر بسوء عمله الكثير من العلماء الأوروبيين؛ فامتنعوا عن دعوته لحضور المؤتمرات الدولية لعدم الثقة به"[33].

من كل ما مر بنا؛ ندرك الأهمية الفائقة لإيجاد جهاز مختص (بتاريخ العرب القديم)، يتقن أعضاؤه اللغات العربية القديمة، وتوضع على عواتقهم قراءة النصوص المكتشفة في بلادنا، ثم كتابة ذلك التاريخ استنادًا إليها، وبذلك نخلِّص تاريخنا من سيطرة الآخرين عليه وتحكمهم به، وهذه من أجلِّ الخدمات التي يمكن أن تقدم لهذا الوطن العربي الحبيب، ولهذه الأمة العربية الغالية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

- دائرة المعارف الإسلامية، الترجمة العربيَّة، المجلَّد الرابع، مادة ( أمزيغ ) ، ص ( 411 ) .

2  - المصدر نفسه.

3  - روم لاندو: تاريخ المغرب، ترجمة الدكتور نقولا زيادة، ص 105.

4- فيليب حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين: جـ (1)، ص 116.

5   - جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، جـ (1)، ص 159.

6   - أحمد إبراهيم هبُّو، تاريخ العرب قبل الإسلام، ص 33.

7   - س مازونب: مجلة "أكلس" باللغة الفرنسية، عدد تشرين الثاني، 1977، ص 49. 

8   - حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، جـ (1)، ص 192. 

9- حتي ورقاق: تاريخ العرب (مطوَّل)، جـ (1)، ص 9. 

10   - د. أنيس فريحة: أسماء المدن والقرى اللبنانية وتفسير معانيها، حاشية 49 من المقدمة. 

11   - د. عدنان البني: تدمر والتدمريون، ص 68. 

12   - قاموس الكتاب المقدس: ص 12. 

13   - روجيه غارودي: إسرائيل - الصهيونية السياسية، ترجمة اللواء جبرائيل بيطار، ص 77.

14   - يشوع: 6، 20 - 21.

15   - الحوليات الأثرية: المجلد الثالث والثلاثون، جـ (2)، تقرير السيد بيتر بار peterpar    في اللغة الإنكليزية عن مشروع تل النبي مند (the tell nabi mand project  )، ص 104.

16   - روجيه غارودي: المصدر المذكور سابقًا، ص 77. 

17   - قضاة: 1/8.

18   - ويل ديورانت: قصة الحضارة - الترجمة العربية، جـ (4)، ص 366.

19   - جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، جـ (1)، ص 163. 

20   - جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، جـ (1)، ص 163. 

21   - صبح الأعشى، جـ (1)، ص 340 - 343.

22   - د. أحمد إبراهيم  أهبو: المدخل إلى اللغة السريانية وآدابها، حلب، بدون تاريخ، ص 22 - 25. 

23- حتي: تاريخ العرب (مطوَّل) - الترجمة العربيّة، جـ (1)، ص 14. 

24   - تاريخ اللغات الساميَّة، ص 7.

25   - د. عيد مرعي: بعض الملاحظات حول اللغة الإملائية وقواعدها - (دراسات تاريخية) – العددان: (23 – 24)، ص 160. 

26   - تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، جـ (1)، ص 67.  

27   - تاريخ العرب (مطوَّل) - الترجمة العربية، جـ (1)، ص (43 – 45).

28   - أحمد إبراهيم أهبو: تاريخ العرب قبل الإسلام، ص 14، الحاشية رقم (1).

29   - أحمد أمين: فجر الإسلام، ص 160، 161.

30   - أحمد أمين: فجر الإسلام، ص 160، 161.

31   - أحمد أمين: فجر الإسلام، ص 167.

32   - gacquis piernne "les grands orients k flistene revivesselle ton 1p. 83

33   - تشرين: العدد (4170)، تاريخ 9 / 5 / 1988 م، ص 3. 

مصادر البحث

أ- العربية:

1- دائرة المعارف الإسلامية: الترجمة العربية، المجلد الرابع، القاهرة، بدون تاريخ.

2- روم لاندو: تاريخ المغرب، ترجمة الدكتور نقولا زيادة، دار الثقافة، بيروت، 1963 م.

3-فيليب حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، جـ (1)، ترجمة د. جورج حداد ورفاقه، دار الثقافة، بيروت، 1958 م.

4- جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، جـ (1)، بغداد، 1950 م.

5- د. أحمد إبراهيم أهبو: تاريخ العرب قبل الإسلام، ص 33، منشورات جامعة حلب، 1980 م.

6- حتي ورفاقه: تاريخ العرب (مطوَّل)، جـ (1)، بيروت، 1949 م، دار الكشاف.

7- د. أنيس فريحة: أسماء المدن والقرى اللبنانية وتفسير معانيها، بيروت، 1956 م.

8- د. عدنان البني: تدمر والتدمريون، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق 1978 م.

9- قاموس الكتاب المقدس: منشورات مكتبة المشعل، بيروت، 1981 م، الطبعة السادسة.

10- روجيه جارودي: إسرائيل - الصهيونية السياسية، ترجمة اللواء جبرائيل بيطار، دمشق،  1984 م.

11-الكتاب المقدس: بيروت، جـ (11)، 1904 م.

12- ويل ديورانت: قصة الحضارة - الترجمة العربية، جـ (2)، القاهرة، 1920 م، لجنة التأليف والترجمة والنشر.

13- صبح الأعشى: أبو العباس أحمد بن علي القلقشندي، القاهرة، 1963 م.

14- د. أحمد إبراهيم أهبو: المدخل إلى اللغة السريانية وآدابها، قلعة حلب، بدون تاريخ.

15-إسرائيل ولفنستون: تاريخ اللغات السامية، دار القلم، بيروت، 1980.

16- دراسات تاريخية: العددان (23 - 24)، 1986 م.

17- أحمد أمين: فجر الإسلام، القاهرة، 1945 م، مكتبة النهضة المصرية.

18-صحيفة تشرين، العدد (4170)، تاريخ 9 / 5 / 1988 م، تحقيق حول الآثار في حلب، ص 3.

ب- الأجنبية

  1-lauroosse encyclopedia of the earth: first edition، 1961، Paul Hamlyn  .

  2- stefonia mazzami: ebla، emprire disfarar defuis، 5000 aus aujand for mbouri، atlas November، 1977. 

المصدر : موقع الألوكة

جار التحميل