جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

شرح المفضليات لأبي على المرزوقي - القسم الثاني -تحقيق ودراسة 5


- 2016/08/09

قائمة التنقل

(71)

وقال حاجبُ بنُ حَبِيبِ بنِ خالدِ بنِ نَضْلَةَ الأسديّ([1]) :

بَاتَتْ تَلُومُ عَلَى ثادقٍ
ألا إنَّ نَجْواكِ في ثَادِقٍ
وقَالَتْ : أَغِثْنا بِهِ إنَّنِي
فقلتُ : أَلَمْ تَعْلَمِي أنَّه
كُمَيْتٌ أُمِرَّ عَلَى زَفْرَةٍ
تَراهُ على الخَيْلِ ذا جُرْأةٍ
وَهُـنَّ  يَــرِدْنَ وُرُودَ القَطَــا

 

لِيُشْرَى فقد جَدَّ عِصْيانُها
سَوَاءٌ عليَّ وإِعلانُها
أَرَى الخَيْلَ قَدْ ثَابَ أَثْمانُها
كَرِيمُ المَكَبَّةِ مِبْدانُها
طَوِيلُ القوائِمِ عُرْيانُها
إذا ما تَقَطَّعَ أَقْرانُها
عُمَــانَ وقَــدْ سُـدَّ مُرَّانُـها

 

 

529/أ

/ ( ثادقٌ ) اسمُ فَرَسِهِ ، وكانتِ امرأتُهُ تلومُهُ على احتباسِهِ له ، وتَوَفُّرِهِ عليه ، وإيثارِهِ إيّاهُ ، فسامَتْهُ بَيْعَهُ ، وأساءَتْ عِشرتَهُ بسبِبِه ، فأخذَ يذكرُ قصّتَهُ معها .

ومعنى ( جَدَّ عِصْيانُها ) اشتدَّ عصياني إيّاها فيما تدعوني إليه ، والمصدرُ يُضافُ إلى المفعولِ كما يُضافُ إلى الفاعلِ . ولا يمتنعُ أن يكونَ العصيانُ منها مُرِيدةً رِياضَتَهُ .

ومعنى ( لِيُشْرَى ) ليُباعَ .

والنَّجوى : المُسارَّةُ . وقال : ( نَجْواكِ ) على الخطابِ ، ثم قال : ( وإِعلانُها ) على عادتِهم في التّحوُّلِ والافتنان ، والمرادُ : إعلانُكِ وإسرارُكِ في أمرِ ثادقٍ يستويانِ عندي . وكان يجبُ أن يقولَ : سواءٌ عليَّ هي وإعلانُها ؛ لأنَّ عَطْفَ الظّاهر على المضمرِ المرفوعِ ضعيفٌ حتّى يُؤكَّدَ .

وقولُهُ : ( أَغِثْنا بِهِ ) يريدُ حكايةَ قولِ المرأةِ ، والمعنى : أَمْدِدْنا بما تأخذُ من ثمنِهِ ، وأَمْطِرْنا بغَيْثِهِ ، ويُقالُ : غاثَهُ اللهُ وأغاثَهُ بمعنىً . وحُكِيَ عن الأصمعيِّ أنَّهُ قال : ما رأيتُ أفصحَ من أَمَةِ بني فلانٍ ، قلنا لها : كيفَ المطرُ عندكم ؟ فقالت : غِثْنا ما شِئْنا .

وقولُهُ : ( قَدْ ثَابَ أَثْمانُها ) أي : نُغالي بها لكثرةِ طُلاّبِها .

وقولُهُ : ( كَرِيمُ المَكَبَّةِ ) يريدُ : تَكْرُمُ كَبَّتُها على الأعداءِ ، ومنه : كبَّ اللهُ أعداءَهُ ، ومن كلامهم : حَمَلْتُ عليهِ في الكَبَّةِ ، وطَعَنْتُهُ في السَّبَّةِ ، وأخرجتُهُ من اللَّبَّةِ([2]) .

والمِبْدانُ : العَظِيمُ البدنِ .

ومعنى : ( أُمِرَّ عَلَى زَفْرَةٍ ) كقولِ الآخرِ :

369-

خِيْـطَ عَلَى  زَفْرَةٍ  فتمَّ ولَمْ

 

يَرْجِـعْ إلى دِقَّةٍ ولا هَضْمِ([3])

 

     كأنَّهُ زَفَرَ فَأُحْكِمَ فَتْلُهُ على ذلك ، وخُلِقَ عليه . ومثلُهُ :

370-

حُوْزِيَّةٌ طُوِيَتْ  عَلَى  زَفَراتِها

 

... ... ... ... ... ...([4])

 

وقولُهُ : ( طَوِيلُ القوائِمِ عُرْيانُها ) يريدُ أنَّه مُمَحَّصُ القوائمِ ، ليسَ بِرَهْلٍ([5]).

 

529/ب

وقولُهُ : ( تَراهُ على الخَيْلِ ذا جُرْأةٍ ) يريدُ : وإذا أُرسِلَتِ الخيلُ في الغارةِ فانبَتَّتْ قَرائِنُها ، وجالتْ طوائفُها ، / وتداعتِ الأبطالُ فيها دار معهم ، واجترأَ عليهم ، فلم يمتلكْهُ النِّفارُ ، ولم يدفعْهُ الخِلاطُ .

والأَقْرانُ جمعُ قَرَنٍ ، وهذا مثلٌ .

وقولُهُ : ( وَهُنَّ يَرِدْنَ وُرُودَ القَطَا ) يريدُ الوقتَ الذي تهيجُ فيه الأبطالُ ، فَوَرَدتْ شرائعَ الموتِ حائمةً حولها . وقال : ( وُرُودَ القَطَا ) لأنّها أهدى الطيرِ ، فلا يُخطئُ .

وقولُهُ : ( وقَدْ سُدَّ مُرَّانُها ) يريدُ أنّ الخيـلَ تَرِدُ([6]) عمانَ([7]) وقد سَدَّ مُرّانُها الأفُقَ بكثرتِها .

ويُروى : ( وقد سَدَّ مُرَّانُها ) وهي الرِّماحُ .

 

( [1] ) هكذا نُسِبَ هنا ، والذي في المصادر : حاجبُ بن حبيبِ بن خالدِ بنِ قيسِ بنِ المُضَلَّلِ الأسديّ ، أحدُ شعراءِ بني ثَعْلَبَةَ في الجاهلية . انظر : الأنباري : 721 ، والأعلام 2/152.

( [2] )  هذا من كلامِ ابن هِدْمٍ العبسيّ للنّعمانِ بنِ المنذرِ يصفُ به كيف قَتَلَ هُرَيمَ بنَ سِنان . انظر : الأغاني 15/342 ، واللسان 4/1910 ( س ب ب ) . والكَبَّةُ : الحَمْلةُ في الحربِ ، والسَّبَّةُ : الاستُ ، واللبَّةُ : المَنْحَرُ .

( [3] ) سبق تخريجه ص : 195 .

( [4] ) للراعي النميري ، ديوانه : 126 ، والرواية فيه : ( جوّابةٌ ) . وقد أورده المرزوقي في أماليه : 471 . وتمامه : ( طَيَّ القَنَاطِرِ قد بَزَلْنَ بُزُولا ) . والحُوْزِيَّةُ : النَّاقةُ المنحازةُ عن الإبلِ لا تخالطُها ، أو هي التي عندها سيرٌ مذخورٌ لا يدرك . التاج 8/57 ( ح و ز ) .

( [5] ) في الأصل : ( ليست برهلة ) . وانظر : الأنباري 3/1514 .

( [6] ) في الأصل : ( يرد ) ، وانظر : التبريزي 3/1514 .

( [7] ) ماتزال معروفةً بهذا الاسم ، وهي بلدٌ على بحرِ اليمنِ ، أكثر أهلها إباضيون . انظر : معجم البلدان 4/169 .

جار التحميل