جامعة أم القرى

جامعة أم القرى

الصَّرْفُ والمعجمُ العربيّ


- 2016/08/10

الصَّرْفُ والمعجمُ العربيّ

 

أولا : منزلة الصرف في المعجم العربي

إنّ أدلّ دليل على منزلة الصرف في المعجم العربي أن كل المعاجم القديمة بنيت على الجذور . وإرجاعُ المشتقات إلى جذورها مسألة صرفية خالصة .

وسوف نرى عند الحديث عن أثر الصرف في منهجية ترتيب المعاجم مصداق هذه الحقيقة .

وثم صورة ثانية تدل على منزلة الصرف في المعاجم العربية هي مقدار ما احتوته هذه المعاجم من مسائل صرفية . وهذا كثير جدا ، ولو جمعت ما في المعاجم من مسائل الصرف لخرج لك علم كامل قد يغنيك درسه عن مراجعة كتب الصرف المتخصصة ، بل إنك تجد بعض المعاجم مصدرة بمباحث صرفية موسعة كما تراه في شمس العلوم لنشوان الحميري ، وتجد في بعضها من دقائق الصرف ما لاتجده في كتب الفن المتخصصة .

وسأكتفي هنا بالإشارة إلى طائفة من المسائل الصرفية في معجمين من أهم المعاجم العربية .

** المخصص[1]

1ـ الإبدال : عقد ابنُ سيده باباً للبدل  تحدّث فيه عن حروف الإبدال الثلاثةَ عشرَ [ 13/267 ] ، وباباً لحروف البدل من غير أن تُدغم حرفاً في حرف وترفعَ لسانك من موضع واحد [ 13/269 ] ، وباباً للحرف الذي يضارَع به حرفٌ من موضعه ، والحرف الذي يضارَع به ذلك الحرف وليس من موضعه .

2ـ صيغ المبالغة : وقد تحدث عنها [ 15/69 ] وذكـر منـها صيغة ( مِفْعيل )  [ 12/286 ] .

3ـ المحول من المضاعف : تحدث عن نحو تسرّيتُ وتظنّيتُ التي أُبدل مكان لامها ياء كراهية التضعيف [ 13/288 ] .

4ـ عقد بابا واسعا للمقصور تحدث فيه عن اسميّته ووصفيّته وأبنيته واستقصى في ذلك استقصاء بالغا [ 15/95ـ211 ، 16/2ـ78 ] .

5ـ الممدود : تحدث عن أبنيته ومقاييسه ، وما يمد ويقصر منه ، وما ليس له مقصور من لفظه ، واستدرك على سيبويه جملة من المقاييس للمقصور والممدود ، وما يختلف معناه بالقصر والمد ... الخ [ 15/95_211 ] .

6ـ النسب : ولابن سيده في المخصص كلام طويل في هذا الباب حيث تحدث عن معدول النسب [ 5/26 ] ، وعن صيغتي فاعل وفعال [ 5/69 ] وعن النسب إلى المركب المزجي والإضافي والإسنادي والجمع 13/242ـ 246 ] ، وعن النسب إلى ما آخره تاء البدل وما آخره تاء التأنيث [ 17/88 ، 89 ] ، وعن النسب إلى العدد        [ 17/118 ، 119 ] .

**  تاج العروس

1ـ اسم الآلة : وقد ذكر أمثلة شاذة مثل ( الوقيعة ) لمطرقة ، والمُدُقّ ، ونقل قول سيبويه : " هو أحد ماجاء من الأدوات التي يعتمل بها على مُفْعُل بالضم " .

2ـ اسم الفاعل : قال الزبيدي : " ألفج الرجل فهو مُلْفَج بفتح الفاء ، نادر مخالف للقياس الموضوع ، قاله ابن دريد ؛ لأن اسم الفاعل فيه ورد على صيغة اسم المفعول . ونقل الجوهري عن ابن الأعرابي : كلام العرب أفعلَ فهو مفعِل إلا ثلاثة أحرف : ألفج فهو ملفَج ، وأسهب في الكلام فهو مسهَب ، وأحصن فهو محصَن ، فهذه الثلاثة جاءت بالفتح نوادر " [ التاج 3/475 ل ف ج ] .

3ـ زيادة التاء في أول الكلمة : في مثل تخربوت[ 1/321 ت خ ر ب ]

4ـ التصغير : وقد تحدث الزبيدي عما يجوز تصغيره من الأفعال [ م ل ح ] وعما يصغر من الجموع [ أ ص ل / ج م ح / ع ن ك ب ] وعما صغر على وجه الشذوذ كتصغير بحر على أبيحر [ ب ح ر ] ، وعما ورد بصيغة التصغير وليس مصغرا كالمبيطر والمسيطر والمهيمن والمبيقر والمهينم [ ذكر ذلك كله في مادة ب ط ر 6/98 ] ، واشار لمسيطر في [ س ط ر 6/520 ] ، وتصغير ما حذف منه حرف كتصغير أم على أميمة [ أ م م ] ، وتصغير ما كان على خمسة أحرف ، وما فيه زيادة كفرزدق والمقعنسس وقلنسوة و قرعْبلانة ونحوه [ ف ر ز د ق / ق ع س / ق ل س / ق ر ع ب ل ] ، وتصغير المؤنث الذي لا علامة فيه وأن تاءه ترد إليه إلا ماشذ كحرب وقوس  [ انظر التاج ح ر ب / ق و س 8/430 ] .

5ـ النسبة إلى الجمع : حيث ذكر مايشبه أن يكون تجويزا للنسبة إلى الجمع ، قال رحمه الله  : " والنسبة إلى الجمع نسبة إلى الواحد ؛ لأن الغرض الدلالة على الجنس ، والواحد يكفي في ذلك [ ص ح ف 12/315 ] ، و نقل عن شيخه ابن الطيب جواز قول الفقهاء ( آفاقي ) نسبة إلى آفاق قياسا على أنصاري مع كونها ليست علما [ أ ف ق 13/6 ] . وإن كان قد قرر القاعدة المشتهرة عند حديث عن ( قُفيّ ) في النسبة إلى قِفاف  [ ق ف ف 12/442 ] .

ثانيا : مفهوم الاشتقاق عند المعجميين

هل الاشتقاق هو علم الصرف ؟ أم هو جزء منه ؟ أم هو علم آخر مستقل ؟

قضية طال فيها الجدل وكثر الخلاف ، وللأستاذ الدكتور محمد البنا في هذا مقالة لطيفة قرر فيها أن الصرف في أول أمره لم يكن يعدو مسائل التمارين ، وأن تبني من أصل على وزان كلمة أخرى . ومهما يكن من أمر فقد استقر الأمر بأخرة على أن تكون مباحث الاشتقاق ضمن مباحث علم الصرف ، وعليه فإن الحديث عنه هو جزء من موضوع هذه الورقة[2] .

ويمكننا أن نتلمس أربعة مفاهيم للاشتقاق[3] من خلال طبيعة العلاقة بين المشتق وما اشتق منه ، وهذه المفاهيم مستنبطة من الجانب التطبيقي لأصحاب كل فن من فنون العربية :

1ـ مفهوم النحاة : الاتفاق مع المأخوذ منه في الأصل والمعنى وفق أوزان محددة ، مع الدلالة على ذات مبهمة .

يدلك على ذلك أنهم عدو المشتقات خمسة : اسم الفاعل ، واسم المفعول ، والصفة المشبهة ، صيغة المبالغة ، وأفعل التفضيل . وكل هذه الخمسة تدل على ذوات مبهمة ، فالقائم قد يكون جدارا وقد يكون إنسانا وقد يكون حيوانا .

ولا يشكل على هذا إلا رأي الكوفيين بأن المصدر مشتق من الفعل ، لأن المصدر لا دلالة فيه على ذات البتة .

2ـ مفهوم الصرفيين : الاتفاق مع المأخوذ منه في الأصل والمعنى وفق أوزان محددة ، مع الدلالة على ذات .

ويدلك على ذلك أنهم أضافوا للمشتقات اسم الزمان واسم المكان واسم الآلة .

3ـ مفهوم اللغويين : الاتفاق مع المأخوذ منه في الأصل والمعنى .

ويدلك على ذلك ما تجده في مثل كتاب الاشتقاق لابن دريد من كلمات عدة مشتقة وهي غير جارية على الأوزان المعروفة المحددة ، كقوله : (( واسم حمير العرنْجـج ، وليست النون فيه زائدة ، وهو من قولهم : اعرنجج الرجل في أمره ، إذا جد فيه ، كأنه افعنعل )) [ ص : 362 ] .

وعلى هذا الوجه كان رأي إبراهيم بن سهل الزجاج الذي كان يرى أن الرجُل مشتق من الرِّجْـل ، وأن الثور سمي ثورا لأنه يثير الأرض ، وأن الجرجير سمي بذلك لأن الريح تجره [ انظر معجم الأدباء 1/144 ] .

والفارق الرئيس بين هذا المفهوم وسابقه ـ فيما أحسب ـ هو عدم اشتراط الأوزان المحددة . على أن الصرفيين يغلب عليهم الاهتمام في المشتقات بالهيئة ( الوزن ) ، واللغويون يغلب اهتمامهم بالمعنى[4] .

4ـ مفهوم المعجميين : الاتفاق مع المأخوذ منه في الأصل .

" وهو ما يمكن أن نسميه الاشتقاق الصوري أو اللفظي ، وهو ما تبنى عليه مداخل المعاجم ، فاملادة اللغوية المجردة من الزوائد ( الجذور ) تشتمل على عدة معان لا يربط بينها إلا الأصـل اللفظي "[5] .

وبيان ذلك أنك ترى المعجميين يدرجون تحت جذر المادة عشرات الكلمات التي تتفق معها في الأصل مع تباين معانيها ، وتباعد مدلولاتها . فنجد في القاموس المحيط مثلا تحت الجذر [ أ ب ط ] : " الإبط ما رقَّ من الرمل ... وباطن المنكب ... وائتبط : اطمأن واستوى ، وائتبطت النفس : ثقلت وخثرت . واستأبط : حفر حفرة ضيق رأسه ووسع أسفلها " .

ولعل كتابتهم الجذور مفرقة [ ض ر ب ] أو [ ق ر أ ] إشعار منهم بنفي اتكائهم على الجوانب المعنوية الناشئة من تألف هذه الحروف ، وإنما مقصدهم اتفاق ماتحتها معها في الجوهر والترتيب فحسب .

فكأن المعجميين أجروا ( الاشتقاق ) على عموم معناه اللغوي " واشتقاق الحرف من الحرف أخذه منه "[6] . وتأمل ماقاله الجوهري في صحاحه : " الأخذ في الكلام وفي الخصومة يمينا وشمالا ، مع ترك القصد "[7] " ومنه سمي أخذ الكلمة من الكلمة اشتقاقا "[8] . فكأن الاشتقاق اللغوي أن تأخذ من الأصل كما تشاء دونما أوزان محددة وإنما هو كما اتفق يمينا وشمالا .

وهذا المفهوم للاشتقاق هو الذي حصر المداخل وقللها ، ولو جرى المعجميون على ماجرى عليه بقية أصحاب الفنون من اشتراط العلاقة المعنوية بين المشتق والمشتق منه لتضاعف عدد المداخل أضعافا مضاعفة .

ثالثا : من مظاهر تأثير الصرف في المعجم العربي

1ـ التأثير في منهجية الترتيب والتصنيف

ولهذا التأثير ثلاث صور

الصورة الأولى : في ترتيب المداخل

ولهذه الصورة ثلاثة مظاهر :

المظهر الأول : عد الجذور الأصول هي المداخل ، ثم ترتيبها ترتيبا صوتيا أو ألفبائيا . ورجع الكلمة إلى جذورها كما أسلفت مسألة صرفية محضة . وتنبغي الإشارة هنا إلى صنيع الجوهري بجعله الواوي واليائي كتابا واحدا ، هذا الصنيع الذي عدل عنه الفيروزابادي ففصل بينهما . والحق أن صنيع الجوهري دال على حذق وبصيرة ومكنة ، وأقل ماهنالك أنه استطاع بهذه الطريقة أن يتغلب على مشكلة الأفعال التي سمعت يائية وواوية كقليت وقلوت .

المظهر الثاني : ترتيب المداخل تحت كل حرف ، فترتيب مداخل حرف العين أو الغين أو غيرهما خضع في بعض المعاجم إلى أصول صرفية ، ومن ذلك ما في كتاب العين ، فإنه رتب مداخل كل حرف مبتدئا بالثنائي ثم الثلاثي الصحيح ، ثم الثلاثي المعتل ثم اللفيف ثم الرباعي ثم الخماسي ثم المعتل . وكذلك فعل الأزهري حين جعل الحروف أبوابا والأبنية كتبا ، وجعل الأبنية ستة : الثنائي المضعف ، والثلاثي الصحيح ، والثلاثي المهموز ، والثلاثي المعتل ، والرباعي ، والخماسي . وقل مثل ذلك في البارع والمحكم والجمهرة .

ومن هذا الباب ماقادت إليه نظرية ابن فارس في النحت [ سيرد الحديث عنها ] من إفراده بابا في نهاية كل حرف عنوانه ( باب ما جاء على أكثر من ثلاثة أوله ... ) ، وتضمن هذا الباب الرباعي غير الموضوع أصالة على أربعة أحرف ـ كما يرى ابن فارس ـ  والخماسي .

ومما قد يلحق بهذا المظهر ما يلحظه الناظر في مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني من أنه يقدم المضعف فيجعل ( برّ ) قبل ( برج ) ، و ( عرّ ) قبل ( عرب ) ، و ( مس ) قبل ( مسح ) وهكذا . وكان رأي الأب أنستاس الكرملي أن هذا صريح الدلالة على إيمان الراغب بالنظرية الثنائية " أي أنه إذا أرد ذكر مدّ يمدّ مدّا مثلا ذكرها كأنها مركبة من مادة ( مدْ ) أي ميم ودال ساكنة ، ولا يلتفت أبدا إلى أنها من ثلاثة أحرف "[9] . وإذا سلمنا برأي الكرملي ـ وهو محل نظر ـ فإننا سنكون أما تأثير واضح لنظرية صرفية في ترتيب مداخل الحرف الواحد .

المظهر الثالث : جعل الأبنية أصلا في بناء المعجم ، وأول من فعل ذلك الفارابي في ديوان الأدب ، حيث قسم كتابه ستة أقسام سماها كتبا وهي : كتاب السالم ، وكتاب المضاعف ، وكتاب المثال ، وكتاب ذوات الثلاثة ( يقصد الأجوف ) ، وكتاب ذوات الأربعة ( يقصد الناقص ) ، وكتاب المهموز . ثم جعل كل كتاب من هذه الكتب شطريـن : أسماء وأفعال ، وقدم الأسماء في كل كتاب على الأفعال ، ثم قسم كل شطر منهما بحسب التجرد والزيادة ، ففي الأسماء : الثلاثي المجرد ، ثم ما لحقته الزيادة في أوله ، ثم المثقل الحشو وهو عين الفعل ، ثم ما لحقته الزيادة بين الفاء منه والعين ، ثم ما لحقته الزيادة بين العين منه واللام ، ثم ما لحقته الزيادة بعد اللام ، ثم الرباعي وما ألحق به ، ثم الخماسي وما ألحق به . وفي الأفعال رتب كما يلي : الثلاثي المجرد ، ثم ما لحقته الزيادة في أوله ، ثم المثقل الحشو ، ثم ما لحقته الزيادة بين الفاء منه والعين ، ثم الأبواب الثلاثة التي في أولها ألف وصل مما له في الثلاثي أصل ، ثم ما لحقته الزيادة في أوله وهي التاء مع تثقيل حشوه ، ثم ما لحقته الزيادة في أوله وهي التاء مع زيادة بين الفاء منه والعين ، ثم بابا الألوان وما أشبه ذلك ، ثم أبواب الرباعي وما ألحق به أو زيد فيه . ثم هو في كل صنف مما سبق يراعي الحركات فيقدم المفتوح الأول فالمضموم فالمكسور ، ويقدم ساكن الحشو على متحركه ، ويقدم ياء التأنيث على همزة التأنيث ، ويقدم همزة التأنيث على النون[10] .

وتلحق بديوان الأدب معاجم أخرى كان أثر مراعاة الأبنية فيها واضحا كالأفعال للسرقسطي ولابن القطاع والمصادر للزوزني . وكشمس العلوم لنشوان .

 

 

الصورة الثانية : في ترتيب المادة العلمية في كل مدخل

فقد اتكأت بعض المعاجم في ترتيب المفردات في كل مدخل على أصول صرفية ، ومن ذلك مانراه في المعجم الوسيط ، حيث نص واضعوه في مقدمته على المنهج الذي نهجوه في ترتيب مواد المعجم ، ومن ملامح هذا المنهج :

ـ تقديم الأفعال على الأسماء .

ـ تقديم المجرد على المزيد من الأفعال .

ـ تقديم الفعل اللازم على المتعدي .

ـ ترتيب الفعل الثلاثي المجرد بحسب الأبواب الصرفية الستة المعروفة .

ـ ترتيب الفعل المزيد بحسب الزيادة : الثلاثي المزيد بحرف فالمزيد بحرين فالمزيد بثلاثة أحرف ، ثم الرباعي المزيد بحرف[11] .

وكل ماسبق أصول صرفية كما ترى .

وترى مثل ذلك فيما سبقت الإشارة إليه من ترتيب ديوان الأدب .

وقد كان من أهم صور النقد للمعاجم العربية القديمة أن بعضها لم يعن بترتيب الكلمات في كل مدخل ترتيبا صرفيا دقيقا[12] .

الصورة الثالثة : في تداخل الأصول

والمراد به أن يتوارد على الكلمة الواحدة أصلان أو أكثر ؛ فيحتمل رجوعها إلى كل منهما[13] ، ومنه أن " تجد الثلاثي على أصلين متقاربين والمعنى واحد ، فهاهنا يتداخلان ، ويوهم كل منهما كثيرا من الناس أنه من أصل صاحبه ، وهو في الحقيقة من أصل غيره ، وذلك كقولهم : شيء رخو ورِخْودّ ... وإنما تركيب رخو من ( ر خ و ) وتركيب رخْودّ من ( ر خ د ) "[14] .

وأثر هذا التداخل في الترتيب يظهر في ثلاثة أمور[15] :

أولها : ورود الكلمة في غير موضعها

ومما وقفت عليه من ذلك :

ـ الأباءة

أوردها الجوهري في [ أ ب ا ] وقال : " الأباء بالفتح والمد : القصب ، الواحدة أباءة . ويقال هو أجمة الحلفاء " [ 6/2259 ] .

وأنكر عليه صاحب القاموس ، حيث أوردها في [ أ ب أ ] وقال : " هذا موضع ذكره كما حكاه ابن جني عن سيبويه ، لا في المعتل كما توهمه الجوهري وغيره " [ ص : 41] " وإنما حمل أبا بكر على هذا الاعتقاد في أباءة أنها من الياء واصلها أبياة المعنى الذي وجده في أباءة من أبيت ، وذلك أن الأباءة هي الأجمة ، وهي القصبة ، والجمع بينها وبين أيت أن الأجمة ممتنعة بما ينبت فيها من القصب وغيره ... فكأنها أبت وامتنعت على سالكها " [ التاج أ ب أ 1/103 ] .

والعجيب بعد هذا أن الفيرزابادي ذكرها أيضا في المعتل ، فقال في [ أ ب ى ] : " والأباء كسحاب : البردية أو الأجمة أو هي من الحلفاء لأن الأجمة تمنع ، والقصب "  [ ص : 1623 ] .

ثانيها : اختلاف المعاجم في موطن الكلمة

ومن أمثلة ذلك :

ـ الأشاء

أوردها الجوهري في [ أ ش ا ] وقال : " الأشاء بالتفح والمد : صغار النخل ، الواحدة أشاءة ، والهمزة فيه منقلبة من الياء ، لأن تصغيرها أشي ... ولو كانت الهمزة أصلية لقال : أشيء ، وهو واد باليمامة فيه نخيل " [ 6/2269 ] .

بينما أوردها الفيروزابادي في [ أ ش أ ] وقال : " الأشاء كسحاب : صغار النخل ، قال ابن القطاع : همزته أصلية عن سيبويه ، فهذا موضعه لا كما توهم الجوهري " [ ص : 41 ] .

والعجيب مرة أخرى أن الفيروزابادي أورد الكلمة في [ أ ش ا ] وقال هناك :" وأشاء النخل صغاره أو عامته الواحدة أشاءة " [ ص : 1626 ] .

ثالثها : تكرر الكلمة في موضعين أو أكثر

وقد مثل له فأحسن وأكثر د. الصاعدي ومما ذكره :

ـ السنة واحدة السنين ومنه قولهم : أسنتوا أي أصابتهم السنة وهي الجدب .

فقد ذكرها الفيروزابادي في : ( س ن ت ) و ( س ن هـ ) و ( س ن ي ) و ( س ن و )[16] .

2ـ التأثير في المادة العلمية

يبرز تأثير الصرف في المادة العلمية التي تضمنتها المعاجم في عدة صور ، من أهمها :

الصورة الأولى : شرح الصيغ الصرفية

والمعاجم بهذا لا تقدم دلالة جديدة للمادة ، وإنما تشرح الصيغة بعد تلبسها بالمادة ، وكان حق مثل هذا ألا يكون في المعاجم ، وإنما في كتب الاشتقاق والصرف ، ودونك أمثلة لهذا :

ـ " ومما يستدرك عليه : أرض مألاة : كثيرة الألاء " [ التاج ( أ ل أ ) 1/107 ] .

ـ " وأرض مَسْبَعة كمرحلة : كثيرته " ( أي السبع ) [ المحيط ( س ب ع ) ص : 938 ] .

الصورة الثانية : النظريات الصرفية التي اعتمدها بعض أصحاب المعاجم

فبعض المعاجم التي قامت على نظريات صرفية خاصة أفضت إلى إضافة دلالات جديدة نوعا ما ، وسأشير هنا إلى نظريتين صرفيتين مبينا أثرها في مادة المعجم :

1ـ نظرية ابن فارس في معجمه مقاييس اللغة

حيث ذهب كما هومعروف إلى أن لكل جذر أصلا أو أكثر تدور حوله معاني المشتقات ، ومن ثم فقد صدر كل فصل " بأصله الذي يتفرع منه مسائله "[17] .

وأثر هذه النظرية على المادة المعجمة يبدو في وجهين :

أولهما : إغفال كثير من دلالات الجذر التي لا تتفق مع الأصل أو الأصول المذكورة .

ثانيهما : التوسع في تعليل التسميات ربطا لها بالأصل ولو على وجه الاعتساف .

وسوف نتبين هذه الوجوه الثلاثة من خلال الموازنة بين معالجة ابن فارس لمادة ( ب ح ر ) ومعالجة معجم موجز هو القاموس المحيط للمادة نفسها . وقد جعل ابن فارس للمادة أصلين : الانبساط والسعة ، وداء بعينه .

ومن هذه الموازنة نجد ما يلي :

1ـ أغفل ابن فارس دلالات كثيرة مثل : ( البحر : الريف ) ، و ( الباحر : المبهوت ) ، و ( بَحِر : تحيّر من الفزع ) ، و ( الباحور : القمر ) ، و ( الباحرة من النوق : الصفية ) ، و ( الباحور وباحوراء : شدة الحر في تموز ) ، ( والبحرة : المنخفض من الأرض ) .

2ـ تمحل ابن فارس في تعليل قول العرب للرجل إذا أصابه سلال : رجل بحِر ، فقال رابطا لهذا المعنى بالأصل الأول : " فإن قال قائل : أين هذا من الأصل الذي ذكرتموه في الاتساع والانبساط ؟ قيل له : كله محمول على لابحر ؛ لأن ماء البحر لا يشرب ، فإن شرب أورث داء ، كذلك كل ماء ملح وإن لم يكن ماء بحر " .

وقال في تفسير سبب تسمية الأحمق باحرا : " ذلك أنه يتسع بجهله فيما لا يتسع فيه العاقل "[18] .

2ـ نظرية ابن فارس في مازاد عن الثلاثي

قال رحمه الله : " اعلم أن للرباعي والخماسي مذهبا في القياس يستنبطه النظر الدقيق ، وذلك أن أكثر ماتراه منه منحوت ، ومعنى النحت أن تؤخذ كلمتان وتنحت منهما كلمة تكون آخذة منهما جميعا بحظ "[19] .

ولهذه النظرية أثر في ترتيب المعجم سبقت الإشارة إليه . ولها أثر كذلك في المادة العلمية للمعجم تجلى في تقديمها تفسيرات جديدة لدلالات الألفاظ والمفردات كما يظهر من المثال التالي :

" ومن ذلك البرقش وهو طائر ، وهو من كلمتين : من رقشت الشيء وهو كالنقش ، ومن البرش وهو اختلاف اللونين " [ 1/331 ] 

3ـ النظرية الثنائية

وتقوم هذه النظرية على افتراض أن الأصل الثنائي ذو دلالة عامة تخصصها الحروف التي تأتي بعد ذلك . وعليه فإن الكلمات التي تشترك في الحرفين الأولين يكون بينهم قدر مشترك من الدلالة[20] .

وهذه الفكرة قد أشار إليها من قبل ابن جني رحمه الله ، وأنت تلمحها لمحا في قوله :  " ومن ذلك قرَدْتُ الدم ، وقرِد الشيء ، وتقرّد ، وقرَط يقرُط ، فالتاء أخفت الثلاثة فاستعملوها في الدم إذا جف ؛ لأنه قصد ومستخف في الحس عن القردد الذي هو النباك في الأرض ونحوها ، وجعلوا الطاء التي هي أعلى الثلاثة صوتا للقرط الذي يسمع "[21]

وابن جني ساق كلامه هذا في معرض تدليله على أثر صوت الحرف في المعنى ، ولكن الأمثلة التي ساقها واضحة الدلالة على فكرة الثنائية .

وابن فارس رحمه الله أفضت طريقته في تصنيف معجمه إلى إبراز فكرة الثنائية وإن لم يصرح بها أيضا ، ولنتأمل مايلي :

( قط ) : القاف والطاء أصل صحيح يدل على قطع الشيء بسرعة عرضا [ 5/12 ]

( قطع ) : القاف والطاء والعين أصل واحد يدل على صرم وإبانة عن شيء [ 5/101 ] .

( قطف ) : القاف والطاء والفاء أصل صحيح يدل على أخذ ثمرة من شجرة [ 5/103 ] .

( قطل ) القاف والطاء واللام أصل صحيح يدل على قطع الشيء [ 5/103 ] .

( قطم ) القاف والطاء والميم أصل صحيح يدل على قطع الشيء [ 5/103 ] .

فاشتراك هذه الكلمات في أول حرفين أورثها معنى متقاربا .

وليس من شأن الورقة هنا أن تناقش فكرة الثنائية ومدى إمكانية قبولها ، ولكن الشأن هو أثرها في مادة المعجم العربي . وقد تجلى هذا الأثر أوضح مايكون في تلك المعاجم التي بنيت على نظرية الثنائية ، وأشهرها وأولها ( سر الليال في القلب والإبدال ) لأحمد فارس الشدياق . حيث بذل الشدياق وسعه في أن يعيد كل المواد التي اتفق حرفاها الأولان إلى معنى مشترك يعبر عنه الحرفان في المضعف[22] .

ومثل هذا الجهد أفضى كذلك إلى شيء من تحريك دلالات الألفاظ والمفردات مما يعد تأثيرا ظاهرا في المادة العلمية للمعجم .

وبعــــد ،،،

فإن الحديث عن علاقة الصرف بالمعجم العربي حديث ذو شجون ، وحسب هذه الورقة أنه أشارت إلى نبذ منه ، وأثارت بعض مسائله .

والله الموفق

 

 

 

1  تعمدت اختيار المخصص لأدل على أن معاجم المعاني لم تكن أقل عناية بالصرف ومسائله من معاجم الألفاظ .

[2]  من المستحسن هنا الرجوع إلى ما نقله صديق خان من تعريفات للاشتقاق ، وإلى محاولته التفريق بينه وبين الصرف واللغة في كتابه العلم الخفاق ص : 65ـ76 .

[3]  لانتحدث هنا عن الاشتقاق الذي لا يراعي ترتيب الحروف أو اتفاقها كالاشتقاق الكبير و الكبار .

[4]  انظر في هذا السياق كلاما حسنا في العلم الخفاق لصديق حسن خان ص : 67 ، 68 .

[5]  مقدمة الأستاذ الدكتور سليمان بن إبراهيم العايد لكتاب : تداخل الأصول اللغوية للدكتور عبد الرزاق الصاعدي ص : 13 .

[6]  اللسان [ ش ق ق ] 4/3202 .

[7]  التاج [ ش ق ق ] 4/1503 .

[8]  تاج العروس [ ش ق ق ] 13/251 .

[9]  نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها للكرملي ص : 20 ، نقلا عن مصطلح المعجمية العربية للدكتور أنطوان عبدو ص : 91 .

[10]  انظر في تفصيل طريق الفارابي في ترتيب معجمه : معاجم الأبنية للدكتور أحمد مختار عمر ص : 49ـ58 .

[11]  انظر مقدمة الوسيط 1/14 ، 15 .

[12] انظر ما سطره الشدياق في كتابه الجاسوس ص : 10 .

[13] يرى د.العايد أن الاحتمال ليس من باب التداخل [ مقدمة تداخل الأصول اللغوية ص : 14 ] ، وجرت المقالة على اعتباره لأنه أعظم أثرا في ترتيب المعاجم .

[14] الخصائص 2/46 .

[15] انظر تداخل الأصول اللغوية 2/749 .

[16]  انظر تداخل الأصول 2/822 .

[17]  مقاييس اللغة 1/3 .

[18]  وازن هذا بما جاء في التاج لتدرك أثر هذه النظرية في تعليل الاشتقاقات وإرجاع الدلالات لأصلها ، قال الزبيدي : " والباحر : الأحمق الذي إذا كُلِّم بحِرَ وبقي كالمبهوت ، وقيل هو الذي لا يتمالك حمقا " [ التاج ( ب ح ر ) 6/53 ] .

[19] مقاييس اللغة 1/329 .

[20] انظر في بيان أسس هذه النظرية والمآخذ عليها البحث الذي كتبه رمزي البعلبكي بعنوان : نظرية الشدياق الاشتقاقية ، وقد نشر في كتاب : في المعجمية العربية المعاصرة ص : 27ـ 65 .

[21]  الخصائص 2/160 .

[22] انظر مصطلح المعجمية المعاصرة للدكتور أنطوان عبدو ص :  86ـ90

جار التحميل