قائمة الروابط

الجوانب التعليمية والتدريبية للعلوم الثانوية:

المقدمة:

 تمثل تكنولوجيا النانو أحد أهم الاتجاهات المعاصرة في العلوم و التكنولوجيا المتقدمة في العالم. حيث تسيطر كل من الولايات المتحدة الأمريكية، واليابان ، ودول الاتحاد الأوروبي على مجال تقنية النانو من حيث توجه الأبحاث القائمة نحو تكنولوجيا النانو، حجم الإنفاق، عدد المبادرات لتطوير تكنولوجيا النانو، عدد مراكز الأبحاث الجامعية والحكومية، تطور البرامج التعليمية والتدريبية ، مستوى الإنجاز والتقدم في مجال العلوم النانوية وتكنولوجيا النانو، كذلك النمو الاقتصادي( بوترألسكا وآخرين، 2007) Poteralska et al..

وخلال العقدين الماضين خطت الدول الصناعية أشواطا هامة في هذا المجال. فقد وظفت الى 14 دولة صناعية ما يقرب من 5,5 مليار دولاراً عام 2003. وتتصدر اليوم مؤسسات عالمية ثلاث البحوث حول تكنولوجيا النانو الأولى مقرها لوس أنجلس والثانية في اليابان والثالثة في فرنسا( بسباس،2007).  ويشير روكو (2003) Roco  إلى توقع المنظمة العلمية الأمريكية NSF)) The National Science Foundation أن يزيد الإنتاج الصناعي السنوي في قطاع تكنولوجيا النانو خلال 10 إلى 15 سنة ليصل إلى تريليون دولار أنه بحلول عام 2015، كما توقعت أن ينمو الاحتياج العالمي للعالمين في مجال تكنولوجيا النانو والعلوم النانوية لمليوني عامل ، إضافة لخمسة ملايين عامل في الخدمات المساندة .

 وقد أشير بشكل واضح لحجم هذا التحدي المتعلق بالحاجة للقوى العاملة المدربة في مجال تكنولوجيا النانو والعلوم النانوية لمقابلة الاحتياج المتنامي في هذا المجال وعلى وجه الخصوص في الدول الرائدة في تكنولوجيا النانو في كل من الولايات المتحدة واليابان ودول الاتحاد الأوروبي في تقرير أمريكا المبدعة (2004) Innovative America Report .  ولا تزال أهمية اقتصاد العلوم النانوية وتكنولوجيا النانو لم تدرك تماما من قبل الكثير من الدول كما أشارتا إلى ذلك هلي و بالما  (2007)  Healy and Palma، إلا أن هناك أكثر من 40 دولة حول العالم اليوم لها مبادرات وطنية في مجال العلوم النانوية وهندسة النانو كما أكدتا أيضاً أنه يتعين على الحكومات والجامعات وقطاع الصناعة دعم تعليم العلوم النانوية لمقابلة الاحتياجات المستقبلية للقوى العاملة والمدربة في تكنولوجيا النانو .

 وهنا لا يفوتنا أن ننوه للتوجه الذي اختطته المملكة العربية السعودية مؤخرا في هذا المجال بإنشاء معهد الملك عبد الله لتكنولوجيا وعلوم النانو في جامعة الملك سعود تماشيا مع الاتجاه العالمي نحو توطين تكنولوجيا وعلوم النانو . كما يؤكد كيلي (2005) Kiely أن النمو المطرد في تكنولوجيا النانو يمثل تحديا حقيقا للأوساط العلمية المتمثلة في الجامعات والكليات التقنية لأعداد القوى العاملة للفرص الوظيفية المتعددة التي تتيحها تكنولوجيا النانو ،إلا أن تفاعلها مع هذا التحدي لا يزال بطيئا.

وفي نفس السياق يشير سلامة(2008) إلى أهمية وضرورة تعليم وتدريس ونشر ثقافة تكنولوجيا النانو في المدارس والجامعات خصوصا في الدول النامية ، وتدريب المعلمين وخاصة معلمي العلوم، على كيفية تدريس علوم وأبحاث تكنولوجيا النانو، على اعتبار أن برامج التوعية العلمية بتكنولوجيا النانو والتواصل مع العامة أصبحت حاليا ضرورة عالمية مهمة تسير جنبا إلى جنب مع السياسات العلمية والتكنولوجية للدول . كما يتحتم إقامة ورش عمل للمعلمين والمختصين بالشؤون العلمية والمراكز العلمية وواضعوا السياسات تعرض فيها لتجارب وأساليب الدول المتقدمة في توصيل وتعريف عامة الناس على نطاق واسع بمفهوم النانو. ومن خلال هذا الحراك المتنامي في تكنولوجيا النانو والعلوم النانوية والسباق المحموم في هذا المضار عالمياً، تسعى هذه الورقة الإجابة علي الأسئلة التالية:

س1/ ما المقصود بتكنولوجيا النانو؟

س2/ ما دور التعليم العام في تعليم ونشر ثقافة العلوم النانوية؟

س3/ ما واقع الجوانب التدريبية للعلوم النانوية؟

س4/ ما دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تعزيز الجوانب التعليمة والتدريبية لتكنولوجيا النانو والعلوم النانوية؟

 وترمي الإجابة على هذه الأسئلة إلى معرفة مستوى البرامج التعليمية والتدريبية المقدمة من المؤسسات التعليمية المختلفة في إعداد القوى العاملة في مجال تكنولوجيا النانو، ومن ثم معرفة درجة مقابلتها للاحتياج العالمي للقوى العاملة والمدربة في مجال تكنولوجيا النانو والعلوم النانوية، و أخيراً معرفة موقع الدول النامية بين الدول الرائدة في مجال تكنولوجيا النانو وما الذي ينبغي عليها للحاق بركب الدول المتقدمة من حيث تعليم وتوطين تكنولوجيا النانو.

1/  تكنولوجيا النانو:

تعد تكنولوجيا النانو تكنولوجيا المستقبل كما اتفق عليه غالبية المختصين والخبراء. ونشأت فكرة النانو منذ عقود خلت عندما خامرت فكرة التحكم بذرات المادة من حيث فصلها وتجميعها في أشكال مختلفة علماء الفيزياء والرياضيات والكيمياء. وتهدف تكنولوجيا النانو لصنع آلات وأدوات ومواد في سمك النانو متر أي جزء من مليار متر. حيث يمكن تركيب وتجميع ما يقرب عن الثمانية ذرات وبطرق مختلفة – يبلغ النانو متر جزاء من 70 ألف من قطر الشعرة. وبشكل أساسي تستند تكنولوجيا النانو إلى التنسيق بين علوم مختلفة هي علوم الرياضيات، والفيزياء، والبيو تكنولوجيا ، والكيمياء .وتتلخص تكنولوجيا النانو بالتحكم في الذرات والإمساك بها ثم تجميعها وفق برنامج محدد ثم يتبع ذلك استنساخ الأجهزة والأدوات النانوية. ولم تكتمل فصول التكنولوجيا النانوية بعد، لكنها تستند إلى كل ما وصلت إليه تكنولوجيات اليوم والعلوم ذات الصلة. تُعد تكنولوجيا التصنيع المجهرية دليل عمل لتوضيح موقع هذه العلوم بين العلوم التكنولوجية الأخرى. وتتطلب  تكنولوجيا النانو للمبادئ الأساسية التالية لتصنيع الآلات النانوية :

  • ·       ـ الحاجة إلى مكان لتخزين مجموعة من الذرات.
  • ·       ـ منهجية تسمح بتسليم ذرة أو جزيء إلى مكان التصنيع.
  • ·       ـ آلات خاصة بتجميع مختلف الجزيئات.
  • ·       ـ طريقة للتحكم بهذه العمليات تضمن أن كمية الجزيئات الصحيحة هي في مكانها الصحيح في الوقت الصحيح.

 وعندما تتحقق المبادئ السابقة يمكن بناء أنظمة تعمل معاً لتؤكد أن كل ذرة وضعت في مكانها الصحيح، وبذلك يمكن تصنيع منتجات عالية الجودة والدقة. ومن هنا اقترح  دريكسلر(2000)  Drexler، بناء على هذه المعطيات، استخدام جهاز يدعى المجمع، وهو جهاز ينبغي أن يكون أولاً أكبر قليلاً من ذراع روبرت تحت مجهري submicroscopic robotic arm. بفرض إمكانية بناء مثل هذه الذراع والتحكم بها، يجب استعماله لتثبيت وتوضيع المركّبات بهدف التوجه إلى المكان المحدد الذي تحدث عنده التفاعلات الكيمائية. يجب أن تسمح هذه الطريقة العامة ببناء أشياء عدة بالدقة الذرية عن طريق إطلاق سلسلة من التفاعلات الكيمائية المتحكم بها. وبهدف أن تجري تلك التفاعلات، يتطلب كل مجمع نظاماً لاستقبال وتنفيذ مجموعة من التعليمات التي تملي عليه ما ينبغي أن يفعله.

 يشكّل الكمبيوتر مثالاً على هذه الأنظمة، فتكامل تكنولوجيا الكمبيوتر مع التكنولوجيا النانوية تؤلف نموذجاً يسمح بهذا التصنيع المقترح. كما ينبغي أن تتضمن الآلات الجزيئية ـ عاجلاً أم آجلاً ـ ذاكرات ذات نفاذ عشوائي random access memories (RAM) عالية السرعة وأخرى أبطأ لكنها أكثر سعة وأن يكون لديها إمكانية الاتصال، وأن تكون مزودة بالطبع بوحدة تغذية مناسبة. وعلى مستوى المجمع نفسه ينبغي تطوير رؤوس توضع على نهايات أذرع المجمع وأن تكون قابلة للتبديل مما يسمح بتوسيع الوظائف التي يمكن القيام بها.

بفرض أن مجمعاً وحيداً سيستعمل لإنتاج قطعة ما يمكن الإمساك بها باليد، فيجب الانتظار مدة طويلة كي ينتهي تصنيع تلك القطعة. لذلك من البديهي التفكير بشبكة كبيرة من المجمعات التي تعمل معاً لبناء المنتجات. بلغت المعرفة الإنسانية اليوم فهم كيفية عمل الآلات الشبكية networking machinery وتزداد تلك المعرفة للقضايا الملحقة بها عبر السنين. إذا كانت شبكات الكمبيوتر الصناعية دليل عمل مقنع، فيجب القيام بجهد واسع لتحقيق التوصيلات بين تجهيزات التكنولوجيا النانوية.

هناك العديد من التطبيقات الأساسية المستقبلية الممكن تحقيقها باستعمال التكنولوجيا النانوية. وستكون بعض أهم التغييرات المذهلة المتوقعة في عالم الطب.                يتصور العلماء إيجاد آلات دقيقة قادرة على الحركة في جهاز الدوران منظفة الشرايين التي تعبرها، ومطلقة أعداداً هائلة أخرى لتعقب أثر الخلايا السرطانية لإزالتها وإزالة الأورام الخبيثة، وكذلك القدرة على إصلاح الأنسجة المخدوشة في مواقع الجروح.كما تدخل في صلب موضوع استبدال الأطراف المفقودة والأعضاء المعطوبة، ويُتوقع اتساع نطاق أنظمة الإصلاح الطبية نظراً للأثر التراكمي الحاصل في هذا المجال. كما من المتوقع أن تلامس التكنولوجيا النانوية أيضاً كل منحىً من مناحي الحياة بدءاً من الماء اللازم للشرب وحتى الهواء الضروري للتنفس. في الوقت الذي يمكن فيه الإمساك بالجزيء وتغيير تشكيله، فإنه يمكن بناء أنظمة تنقية تخلص البيئة من السموم المبثوثة في الهواء ومن الميكروبات الموجودة في مياه الشرب.

كما يتوقع  أن تفتح في عالم الفضاء أيضاً طرقاً جديدة. إذ إن كلفة نقل كيلو غرام واحد عبر الفضاء تبلغ اليوم نحو عشرين ألف دولار. ستساعد التكنولوجيا النانوية على السماح بتسليم آلات أكثر بأبعاد أصغر وبوظائف أوسع لإرسالها عبر الفضاء، وتعبيد الطريق للخروج من نطاق الأنظمة الشمسية. كما يتوقع  أن تسمح تطبيقات التكنولوجيا النانوية الطبية بالذهاب أبعد من ذلك بحيث تمكّن من تأقلم جسم الإنسان للعيش في الفضاء والعوالم الأخرى. مع أن الطريق طويلة بالتأكيد إلا أن ملامحها توحي أن التكنولوجيا النانوية ستمكّن من التحكم الشامل، وتسمح مستقبلاً بتصنيع الأشياء بدءاً من الذرة باستعمال الآلات الجزيئية، بحيث يمكن مثلاً إعادة ترتيب ذرات الفحم لإنتاج الألماس، وإعادة ترتيب ذرات الرمل (مع إضافة ذرات مادة أخرى) لإنتاج كسرات الحواسيب. وستنعكس نتائج ذلك على مختلف مناحي الحياة وستفتح آفاقاً جديدة في مجالات العلوم كلها.

2/ دور التعليم العام في تعليم ونشر ثقافة العلوم  النانوية:

تكنولوجيا النانو تمثل أرضية مشتركة لعلوم الهندسة ، والأحياء، والفيزياء ، والطب، والكيمياء, ولقد بدأ توظيف واستخدام تكنولوجيا النانو في تطوير هذه العلوم واستخدام عناصر هذه المجالات في بناء العلوم الدقيقة والتطبيقية برؤية جديدة تمثل نقلة نوعية في العلوم النانوية وما يتصل بها من علوم أخرى. ولكي تبلغ تكنولوجيا النانو أقصى قدراتها الكامنة لتسهم في بناء المجتمعات الحديثة تحتاج للقوى العاملة والمدربة في أبحاث النانو وتطوير الصناعات المتصلة بها. لكن إعداد وتوفير الموارد البشرية في مجال تكنولوجيا النانو ، والتعليم والتدريب المستمر يواجه صعوبات وتحديات متعددة، يلخصها  فوناش (2001) Fonash بأن التحدي الأول يمثل ببساطة القدرة على جذب الطلاب للبرامج التعليمية والتدريبية المتعلقة بتكنولوجيا وعلوم النانو- التي توصف بأنها في طور الولادة ولازالت تمر بمرحلة التطوير لتمثل الثورة الصناعية القادمة.

 والتحدي الثاني يتمثل في تصميم البرامج التعليمة والتدريبية المطلوبة في مجال تكنولوجيا النانو. وفي ذات السياق يلفت النظر وبشكل مركز إلى أن المكونات الأساسية الضرورية لتهيئة القوى العاملة في تكنولوجيا النانو هي معرفة المعلمين والطلاب وأولياء أمورهم على حد سواء ماذا يجرى خلف التطبيقات التكنولوجية المختلفة مثل الكمبيوتر والهاتف النقال كيف تعمل من الناحية التكنولوجية؟ ليس  كيفية استخدامها فحسب، إضافة إلى معرفة الدور الذي ستلعبه تكنولوجيا النانو في المستقبل ولتحقيق ذلك لابد من إعادة صياغة وتطوير النظام التعليمي خصوصا التعليم العام.

لذا يتضح أن أي مبادرة تسعى جادة لتطوير الجوانب التعليمية والتدريبية لتكنولوجيا النانو لابد أن تجعل من التعليم قاعدة أساسية للانطلاق وتحديداً التعليم الثانوي الذي تتشكل فيه اتجاهات الطلاب عادة نحو التعليم الجامعي، هذا من جهة ومن جهة أخرى رفع مستوى الوعي العام وثقافة المجتمع بماهية تكنولوجيا النانو وما ستتيحه من فرص متعددة على كافة المستويات وخصوصا بناء الاقتصاد المعرفي وتعزيز حضوض الدول النامية في عصر العولمة و التنافسية الاقتصادية.

  وفي محاولة تطوير وإصلاح التعليم لمواكبة الثورة النانوية ومواجهة التحديات المستقبلية في إعداد الموارد البشرية التي تلبى احتياجات متطلبات العرض المتنامي للقوى العاملة عالية الكفاءة والتدريب في مجال تكنولوجيا النانو، لابد من اتخاذ تدريس العلوم ركيزة محورية لإحداث النقلة النوعية المأمولة. وفي هذا الإطار يشير ستيفينز وآخرين( 2007) Stevens et al. أن بنية مواد العلوم التي تدرس حاليا غير جاهزة لدمج وتكامل مواد تكنولوجيا النانو علاوة على عدم فاعلية طرق التدريس في نقل المعارف المتعلقة بها، كما أن نموذج المنهج التتابعي في تدريس العلوم غير ملائم  وغير مثالي أيضاً لدمج مجال متعدد التخصصات مثل تكنولوجيا النانو. لذلك يرون أن مكونات تعليم العلوم النانوية يرتكز بشكل رئيسي على إدخال مفهوم جديد لتدريس العلوم تتضمن توظيف التكنولوجيا باستخدام أسلوب النمذجة والمحاكاة، كذلك تطبيقات أسلوب حل المشكلات، بالإضافة للتقويم التفاعلي لتعلم الطلاب هذه المفاهيم مجتمعة ستؤثر في كيفية تعليم ونقل تجارب العلوم النانوية  مما سيسهم في إعداد الطلاب لتطبيق هذه المعارف في حياتهم العملية.

وامتدادا للرؤية الجديدة لما ينبغي أن تكون عليه طرق تدريس العلوم وما تضمنته من مفاهيم جديدة ترتكز على تكنولوجيا التعليم وتعزيز التعلم الذاتي وتنمية مهارات التعلم القائمة على أسلوب حل المشكلات والتفكير الإبداعي الناقد . لابد من الإشارة لبنية مقررات العلوم الحالية في المرحلة الثانوية وخصوصا الرياضيات ، والفيزياء، والكيمياء، والأحياء التي عادة ما تقدم وتدرس بشكل مواد تخصصية منفصلة لا تربطها أسس ومفاهيم مشتركة الأمر الذي يتنافي مع النظرة الحديثة القائمة على دمج وتكامل هذه العلوم تمهيدا لتدريس وتعليم العلوم النانوية الذي يرتكز على أنه مجال يجمع فروع العلوم المختلفة بشكل متكامل. وهذا ما أكده ستيفنز وآخرين (2007) Stevens et al. بأن دمج مفهوم العلوم النانوية مع مفاهيم فروع العلوم الطبيعية الأخرى سيعزز من فهم  وتعليم العلوم النانوية لطلاب المرحلة الثانوية، كما أشاروا للدور الذي تبناه المركز الوطني للتعليم والتدريب في مجال العلوم النانوية National Center for Learning and Teaching In      nano-scale Sciences(NCLT)  حيث تركز دوره في تأهيل وتدريب طلاب المرحلة المتوسطة والثانوية كذلك المرحلة الجامعية بهدف توطين المفاهيم النانوية في الفصول الدراسية. وفي ذات الوقت أصبح من الأهمية بما كان تكامل التعليم والبحث في إعداد أجيال الباحثين القادمة للتعاون في كافة التخصصات والثقافات، ومن هنا نشأ برنامج جديد يعرف بالمدرسة العالمية للدراسات المتقدمة في تكنولوجيا النانو(2006) (GSAS) Global School for Advanced Studies،ويهدف البرنامج لبناء شراكة قوية بين الباحثين الجدد وتطوير مهارات القيادة مبكراً في حياتهم المهنية. وحتماً أن أي مبادرة لتطوير تدريس العلوم وفق هذه الرؤية تعتمد بشكل جوهري على تطوير وتدريب المعلمين جنباً إلى جنب مع النظرة التكاملية لتدريس فروع العلوم الطبيعية كوحدة متكاملة في إطار دمج العلوم النانوية وتهيئة الطلاب في مرحلة ما قبل التعليم الجامعي وهذا ما أكدته توصيات الاتحاد الأوربي (2005) من خلال ورش العمل والأبحاث التي قدمت في تطوير الموارد البشرية في تكنولوجيا النانو ،بضرورة تدريب المعلمين في مجال تكنولوجيا النانو وتنمية خلفيتهم العلمية فيما يتعلق بالعلوم النانوية .

3/ واقع الجوانب التدريبية والتعليمة للعلوم النانوية:

شهد العالم في العقد الماضي حراكاً متنامياً وثورة حقيقة في تكنولوجيا النانو وما يتصل بها من العلوم النانوية وعلى وجه التحديد يقود هذا التوجه الجديد كل من الولايات المتحدة الأمريكية التي تستثمر ما يقارب المليار دولار سنويا في تكنولوجيا النانو لتحقيق التنمية المستدامة والتنافسية الاقتصادية ( هيلي و بالما، 2007) Healy and Palma، إضافة لليابان ودول الاتحاد الأوربي. وتركزت جل هذه المبادرات في العديد من الدراسات التي تناولت واقع الجوانب التعليمية والتدريبية لتكنولوجيا النانو والعلوم النانوية التي شخصت الواقع وحددت معالم المستقبل لما ينبغي عليه جانب التعليم والتدريب وما يعول عليه في إعداد الموارد البشرية التي تلبي الاحتياج المتزايد في هذا المجال على مختلف الأصعدة بدءاً بالتعليم الثانوي ، والباحثين ، والتقنيين ، والقوى العاملة في القطاع الصناعي.

          وتبنت الولايات المتحدة الأمريكية في عام(2000) المبادرة الوطنية لتكنولوجيا النانو National Nanotechnology Initiative (NNI)، والذي تركز أحد أهدافها على بناء قاعدة قوية لمصادر التعلم المتعلقة بتكنولوجيا النانو والعلوم النانوية. كما تبنت أيضاً برنامج تحت رعاية (NSF) National Sciences Foundation ، المعروف ببرنامج شبكة البنية التحتية الوطنية للتعليم  لتكنولوجيا النانو(NNIN)( The National Nanotechnology Infrastructure Network- Education Programs. (2007) ومن خلال هذا البرنامج تربط هذه الشبكة أكثر من ثلاثين جامعة حول أمريكا ويركز البرنامج لتطوير القوى العاملة لمقابلة الاحتياج المتنامي في مجال تكنولوجيا النانو إضافة لتثقيف العامة بما يعرف بالتنور النانويnano-literate  . كما تضمنت هذه المبادرات مبادرة أخرى تعرف بالتعليم في الوقت المحدد(2006) (JITE)  Just in-time educationكما أشار إلي ذلك لاختاكيا  ويهدف لدمج العلوم التكنولوجية والإنسانية في مرحلة ما قبل التعليم الجامعي بغية تطوير مفاهيم مشتركة بين المختصين في العلوم التكنولوجية و والعلوم النانوية في المستقبل وذلك بتكوين لغة مشتركة تتعامل مع المواضيع الاجتماعية، والأخلاقية ، والقانونية، والسياسية التي تتكشف عن تطوير تكنولوجيا النانو. وغير بعيد عن هذه المبادرات عقدت المنظمة الأوروبية European Commission  ورشة عمل في (2005) لبحث مبادرة لتطوير الموارد البشرية في تكنولوجيا النانو والعلوم النانوية حيث حددت المواضيع التدريبية والبحثية لتطوير تصور لإمكانية متابعة المبادرة على مستوى الاتحاد الأوربي وخلصت إلى توصيات مهمة تلخصت بشكل مركز في أن الجوانب التدريبية لتكنولوجيا النانو متعددة التخصصات ليس متعلقة بالعلوم الطبيعية فحسب بل تتطلب مهارات في العلوم الإنسانية والفلسفية لذا تطوير الموارد البشرية بحاجة لنطاق واسع من التدريب في جميع التخصصات المشار إليها.     ورغم هذه المبادرات والجهود الجادة في مواكبة ثورة تكنولوجيا النانو والعلوم النانوية، إلا إن الدراسة التي أجراها بوترألسكا وآخرين (2007) Poteralska et al. حول تطوير نظام التعليم والتدريب قي مجال تكنولوجيا النانو أشارت للحقائق التالية:

  • ·       المناهج التعليمية المختارة والمقدمة في تكنولوجيا النانو في كل من الولايات المتحدة واليابان ودول الاتحاد الأوروبي لا تتضمن جميع مجالات النانو.
  • ·        عدم وجود تعاون وتنسيق بين مراكز أبحاث تكنولوجيا النانو والقطاع الصناعي في إعداد التقنيين والمختصين في مجال تكنولوجيا النانو بما يلبي حاجة سوق العمل.
  • ·       الرؤية التعليمية التي تدمج بين العلوم النانوية وتقنية النانو مقتصرة فقط على دراسات مرحلة الدكتوراه.
  • ·       النقص الملحوظ في المختصين كذلك الجامعات المتخصصة في مجال تكنولوجيا النانو.

وهذا يؤكد بأن الجوانب التعليمية والتدريبية في مجال تكنولوجيا النانو والعلوم النانوية رغم الجهود الحثيثة التي تبنتها الدول الرائدة في هذا المجال لم ترقى للطموح ولازالت بحاجة للمزيد من الجهود، وبات من الضروري أن تتزامن وتتضافر المبادرات التعليمية مع آليات الدعم والتمويل المالي بالإضافة إلى إنشاء مؤسسات بحثية بشراكة مع قطاع الصناعة لضمان تماشي المبادرات التعليمية مع التطبيقات الصناعية في مجال تكنولوجيا النانو. وفي هذا الإطار عكفت دول الاتحاد الأوربي على وضع إستراتيجية طموحة للتعليم والتدريب في تكنولوجيا النانو والعلوم النانوية (2007) مثلت خارطة طريق لتحديد الاحتياجات التدريبية المستقبلية لتكنولوجيا النانوية لتوجيه مسار الأنشطة التدريبية وتطوير التدريب، وتتمحور هذه الإستراتيجية  حول زيادة الوعي العام من خلال زيادة كفاءة فاعلية التدريب وتعزيز التعاون بين مراكز الأبحاث، كذلك تقديم برامج قصيرة تلبي الاحتياج الصناعي إضافة لدمج التكنولوجيا الإلكترونية مع تكنولوجيا النانو في البرامج التدريبية.

ولتحقيق أقصى ما يمكن من فاعلية للجوانب التدريبية والتعليمية لتكنولوجيا النانو والعلوم النانوية لابد من تضافر الجهود والمبادرات العالمية لاسيما من الدول الرائدة في هذا المجال ، وذلك بتكثيف التعاون العالمي على كافة المستويات لتحديد التحديات المهمة في تعليم تكنولوجيا النانو والعلوم النانوية وذلك بتطوير منظور جديد لتطوير وتصميم أدوات تعليمية لمفهوم العلوم النانوية متعددة التخصصات.

4/ دور تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات في تعزيز الجوانب التعليمة والتدريبية لتكنولوجيا النانو والعلوم النانوية:

يحتل الفضاء المعلوماتي دوراً بارزاً ومحوريا في عصر العولمة والاقتصاد المعرفي، فتكنولوجيا المعلومات والاتصالات أصبحت واقعا ملموسا في كافة جوانب الحياة .

وتلعب البيئة الافتراضية دورا حاسما في عملية التعليم والتعلم في وقتنا الحاضر حيث اتسعت مجالات وتطبيقات التعليم الافتراضي، والتعليم عن بعد ، والتعليم الإلكتروني في مجال التعليم والتدريب على كافة المستويات حيث تجاوزت حدود الزمان والمكان وعززت فرص التعليم المستمر. ولعل من أبرز التحديات التي تواجه التعليم والتدريب في مجال تكنولوجيا النانو والعلوم النانوية أن جوانبها النظرية والعملية بالغة التعقيد وتتطلب أجهزة وأدوات باهظة التكاليف  التي لا تتوفر في كل مكان، ويصف جستشيكي و ثومسن (2007) Jeschke and Thomsen  هذه الحقيقة بأنها تمثل عنق الزجاجة لتطوير التعليم والبحث في مجال تكنولوجيا النانو كما يضيفان إن زيادة فاعلية التعليم والتدريب والأبحاث في مجال تكنولوجيا النانو وتحقيق النمو الاقتصادي المستقبلي يعتمد بشكل أساسي على القدرة على توفير تواصل واسع للباحثين والمطورين في تكنولوجيا النانو من خلال توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتعزيز التواصل في مجال العلوم النانوية وهذا يقتضي جهود تعاونية لتعزيز تطبيقات تكنولوجيا النانو والعلوم النانوية وضمان نجاحها.

وفي هذا المضمار تأتي تطبيقات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات خياراً هاماً ومتميزاً لتجاوز الصعوبات المشار إليها في ما يعرف بالمعمل النانويNanoLab  جستشيكي و ثومسن (2007) Jeschke and Thomsen  حيث تعتمد منظومة المعمل النانوي تهيئة بيئة تعاونية بين الباحثين بتوظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تبادل المعرفة بغض النظر عن الموقع الجغرافي لمصدر المعرفة كذلك الباحث عنها، وستستهدف هذه البيئة الافتراضية التعاونية تعزيز العملية التعليمية، كذلك العملية البحثية، إضافة التطبيقات الصناعية. ويخلق المعمل الافتراضي والتجارب عن بعد فضاء معرفي مناسب في أبحاث النانو وتعليمها يحقق الفهم العميق لمفاهيم التعليم والتدريب في تكنولوجيا النانو والعلوم النانوية. إضافة لذلك سيحقق التواصل الإلكتروني لعلوم وتكنولوجيا النانو المبني على البيئة الافتراضية التعاونية نقل الخبرات التخصصية وكذلك التجهيزات بالغة الدقة وباهظة التكاليف في علوم النانو المتوفرة في الدول الرائدة للمهتمين في أنحاء العالم من خلال الشبكة العالمية للبحث والتعليم. كما ستتيح البيئة الافتراضية إضافة للتعاون توفير قاعدة معلومات تسهم في تشكيل سلسلة تكوين المعرفة في مجال العلوم النانوية في شتى المراحل بدءاً باكتشاف المعرفة ، وتبادلها ، ونشرها، وتطويرها. ولاشك أن تحقيق هذه البيئة الافتراضية سيعزز من تطوير واتساع وانتشار العلوم النانوية وتطبيقاتها التكنولوجية .

 الخاتمة:

رغم ما ستحققه تكنولوجيا النانو من تقدم وتطور ورفاهية للإنسانية إلا أنها تمثل تحدياً حقيقاً للأنظمة التعليمية في الدول الرائدة في هذا المجال كذلك الدول التي لازالت في بداية الطريق ولاشك أن تطوير وإصلاح التعليم يعد أولوية قصوى وذلك بإحداث نقلة نوعية وحقيقة في طرق واستراتيجيات تعليم العلوم والرياضيات خصوصا في المرحلة الثانوية وذلك بتبني المفهوم التكاملي للعلوم والرياضيات وتعزيز تعليم المفاهيم المشتركة بينها ودمجها تماشيا مع المنظور الحديث للعلوم النانوية متعددة التخصصات. توظيف تكنولوجيا التعليم واستثمارها بشكل كبير في تعليم العلوم والمفاهيم النانوية وتقريب مفاهيمها بالاعتماد على أسلوب النمذجة والمحاكاة. وعلى الجانب الآخر والذي لا يقل أهمية عن سابقها تثقيف العامة وتوطين العلوم النانوية على كافة الأصعدة مما سينمي ويجذب الأجيال القادمة نحو تعلم العلوم النانوية. كما يجب التنويه لأهمية دور القطاع الصناعي وما يجب أن يضطلع به من دور في عقد شراكات مع المراكز البحثية والتخصصية والاستثمار وتمويل الأبحاث في مجال تكنولوجيا النانو كذلك البرامج التعليمية والتدريبية المبنية على احتياج القطاع الصناعي. كما يجب على التعليم الجامعي التوسع في تقديم البرامج التعليمية والتدريبية في شتى مجالات النانو وتقديم الدرجات العلمية التخصصية وتبني الشراكات مع المؤسسات التعليمية الرائدة كوسيلة هامة في استقطاب الخبرات العالمية.

المراجع:

سلامة، صفات (2008) ضرورة تعليم وتدريس تكنولوجيا النانو. صحيفة الشرق الأوسط العدد( 10957).

 

Drexler, K. (2000) Molecular engineering: an approach to the development of general capabilities for molecular manipulation. Proc. Natl. Acad. Sci. USA.

European Commission (2005) Communication from the commission: Towards a European Strategy for Nanotechnology, European Commission: Available http://www.cordis.Iu/nanotechnology.

Fonash, S. (2001) Education and training of nanotechnology workforce. Journal of Nanoparticle Research. 3, pp. 79-82.

Global School of Advanced  Studies (2006) Available: inwww.globalnanotechnologynetwork.org.

Healy, N. and Palma, D.(2007) Development and Implementation of a Comprehensive Nano-education Program. International Conference on Engineering Education. Coimbra, Portugal, 3-7 September 2007.

Jeschke, S. and Thomsen, C. (2006) Collaborative Working Environment for Virtual and Remote Experiments in Nanoscience and Nanotechnology. IMCL Conforance.    

Lakhtakia, A. (2006) Priming Pre-University education for nanotechnology. Current Science, 90(1), pp.37-40.

National nanotechnology Initiative (2000) The initiative and its Implementation Plane. National Science and Technology Council Committee on Technology, Subcommittee on Nanoscale Science, Engineering and Technology.

Poteralska, B., Zielinska, J. and Mazurkiewicz, A. (2007) The Development of Education and Training Systems in The Field of Nanotechnology. Journal of College Teaching and Learning. 4(6), pp. 7-16.

Principals Committee (2004) Innovative America: Thriving in a world of challenge and change. Competitiveness, pp.98.

Roco, M. (2003) Converging science and technology at the nanoscale: opportunities for education and training. Nature Biotechnology, 21 (3). Pp 1-3.

Steven, S., Shank, P., Sutherland, L., and Krajcik , J. (2007) Big Ideas in Nanoscience .Unpublished document, University of Michigan, http://www.hice.org/project/nano/index.html.

The National Infrastructure Network-Education programs(2007) Available: www.education.nnin.org.

Vision 2020-Nanoelectronics at the center of change(2007) A farsighted strategy for Europe: Report of high level Group : available www.eniac.eu.