قائمة الروابط
التمهيد : في تقدم العرب في مجال الأرقام وتطور أذهانهم
لقد فتق الإسلام عبقربية العرب وغيرهم من أتباعه في ميادين المعرفة ، فلم يرض لهم الركون إلى مضمار واحد من تلك المضامير ، بل جعلهم يتطلعون دائما نحو الأفضل والأكمل .
ولا شك أن مرور الزمان وسيره وما يجدّ فيه ، يستدعي تطورا وتوسعا يتناسب مع تلك المستجدات ، فسذاجة الأوائل أدت إلى سذاجة الوسائل ، وأما ما يجري من تقدم في أساليب الحضارة المادية فإنه لابد وأن تواكبه وسائل دقيقة ومركبة ومعقدة ، ومن السنن المعهودة أن الأشياء تبدأ صغيرة ثم تكبر ، وقليلة ثم تكثر .
فبعض السابقين الذين كان الواحد منهم لا يحتاج في شهره إلى أكثر من درهمين أو ثلاثة ، قد يضن أن الألف نهاية العدد ، لكنه كلما ازداد إنفاقه اتسع أفقه ، وتفتقت مداركه في هذا الأمر .
وتقدم أن العرب - في الحجاز وغيره – رمزوا للأرقام بحروف أبجديتهم ، ولكنهم وجدوا عند بعض الحضارات المجاورة نضاما آخر يفصل بين الحروف والأرقام ويختار للأرقام أشكالا خاصة بها يمكن إدراجها في منازل تكتسب منها قيمتها . فكتبوا بتلك الأرقام أعدادهم واستخدموها في حسابهم ، مع تهذيبها وتطويرها وتوحيدها وحسن تصويرها .
قال الأستاذ قدري حافظ طوقان : "وعلى ذكر الأرقام العربية (أو الأرقام الهندية) نقول: أن لهذه الأرقام مزايا عديدة ، منها : تقتصر على عشرة أشكال بما فيها الصفر . ومن هذه الأشكال يمكن تركيب أي عدد مهما كان كبيرا ، بينما نجد أن الأرقام الرومانية تحتاج إلى أشكال عديدة وتشتمل على أشكال جديدة للدلالة على بعض الأعداد ، أما الأرقام اليونانية والعربية القديمة القائمة على حساب الجمّـل فإن عددها كان بقدر حروف الهجاء" .
وكان العامة يستعملون حساب اليد الذي يتطلب جهدا ذهنيا كبيرا ، فوجد علماء الحساب المسلمون أن الحساب الهندي يخفف عنهم هذا العناء والجهد ، وييسر عليهم عمليات الحساب التي تعتمد على أعداد كبيرة ، لكنهم وجدوا أن طريقة الهنود في حسابهم عليها مآخذ ، وفيها عيوب؛ وذلك أن الهنود يجرون حسابهم على اللوح والتراب ، وقد تطمس الريح آثار الأرقام في ذاك التراب ، فعدلوا ذلك باستعمالهم الحبر بدل التراب ؛ فمكنهم ذلك من الكتابة على الورق ، وأكسبهم فائدة أخرى تحجبهم عن عيب آخر في الحساب الهندي ، وهو أن عمليات الحساب الهندي تقوم على محو المراحل المتقدمة التي يقوم بها الحاسب حتى لا يبقى على لوحة سوى النتيجة.
بل إنهم هم الذين نوّهوا بحساب الهند (حساب الغبار) الذي لم يكن يعرفه الناس فضلاً عن الكثير من الهنود ، حيث كان معروفا في الهند لدى طوائف التجار دون غيرهم من أهل الحساب والفلك ، فهذبه المسلمون وطوروه وأعلنوه ووحدوه (قد أشرنا أعلاه إلى الحساب لصلته الوثيقة بالأرقام ، ولأن العرب المسلمين كانت لهم أياد جليلة في تطوير هذا العلم وتعديله وتحقيقه ومدّه ، مما كان له الأثر الباهر في الحضارة المادية المعاصرة . وقامت المصادر السابقة ضمن هذا التعليق بتوضيح هذا الأمر في مواضع كثيرة ، ونخص منها كتب العلامة الدكتور أحمد سليم سعيدان رحمه الله تعالى) .
وإن قواعد البحث العلمي تستجوب الوقوف عند الأرقام المستعملة في ديار العرب ؛ لاستكشاف أصلها عن طريق الحجة والبرهان ، دون تقليد وترديد لما كُتب .








