قائمة الروابط

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هكذا ظهر جيل صلاح الدين 

 وهكذا عادت القدس

 

د. ماجد عرسان الكيلاني

 

مقدمه

إلى الذين يتطلعون إلى الصحوة الإسلاميّة الصحيحة ، ويقلّبون وجوههم في السماء متضرعين إلى الله ، لرؤيتها ، نقدم هذا الكتاب ... فهو دعوة إلى إعادة قراءة تاريخنا ، واستلهام نماذجه الناجحة ، ودعوة إلى فقه سنن التغيير ، وكيف أنّ ظاهرة صلاح الدين ليست ظاهرة بطوليّة فرديّة خارقة ، ولكنها خاتمة ونهاية ونتيجة مقدرة لعوامل التجديد ولجهود الأمّة المجتهدة ، وهي ثمرة مائة عام من محاولات التجديد والإصلاح ، وبذلك فهي نموذج قابل للتكرار في كل العصور.

تصدر هذه الطبعة في وقت تشن فيه الغارة على العالم الإسلامي من جديد ، ويُقام للمسلمين المسالخ البشرية التي تُسفك فيها الدماء ، وتُهتك الحرمات ، وتُدنس المقدسات ، وتُسلب المقدرات.

وحين تناقش هذا الهجوم الكبير في أروقة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات العالمية ، ومحافل السياسة الدولية يقلب باطل المعتدين حقاً ، وحق المعتدى عليهم باطلاً ، وتصدر قرارات هذه الهيئات آيات بيّنات للإعجاز المتضمن في قوله تعالى:

"كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون". ]التوبة: 8[

ويتلفت المسلمون من حولهم فلا يجدون نصيراً إلا أن يتمثلوا قوله تعالى:

"ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير".]  البقرة :107[ 

ومما يزيد في شدة المحنة أن الهجوم المشار إليه يخفي أهدافه الحقيقية بعدد من الذرائع والتبريرات التي اخترعتها مراكز "صنع الرأي" و "صنع القرار" الغربية والصهيونية في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين ، ثم سلّم بها العقل المسلم باعتبارها أسباباً حقيقية أفرزتها "حماقة المتطرفين" المسلمين ونفذتها أيديهم الخاطئة !! وترتب على هذه السذاجة العربية – الإسلامية أن صار ساسة المسلمين ومفكروهم وعلماؤهم وكُتّاب الزوايا والصفحات السياسية في صحافتهم والمعلقون والمنتدون في إعلامهم ، يقسمون في اليوم عشرات المرات أن الإسلام بريء مما اقترفه "المتطرفون الإرهابيون" ، وأنهم على استعداد لاستضافة مؤتمرات "حوار الحضارات" ويرجون العقل الغربي أن يتخلى عن القول ب "صراع الحضارات" وأن المسلمين مستعدون للتعاون للقضاء على "الإرهاب" وإغلاق كل الجمعيات الخيرية الإسلامية التي يشتبه بتمويلها للإرهاب ، غافلين عن الأسباب الحقيقية التي تتلخص في العمل على تفويض الجدار الإسلامي – مادياً وفكرياً – لأنه يشكل ملاذ المسلمين الباقي أمام المشروع الصهيوني – الاستعماري في مرحلته الحالية. بعد أن استهلكوا طاقاتهم في المشروعات القومية والاشتراكية والوطنية.

في هذا البلاء العظيم لم يبق أمام – المسلمين – إلا التوجه إلى الله وحده ليبصروا سننه في قوة المجتمعات وضعفها ، وفي انتصارها وهزيمتها فيهتدوا إلى "صواب" الإعداد والتخطيط والإدارة واستثمار الطاقات ومواجهة التحديات ، مطمئنين إلى وعده تعالى عند أمثال قوله:

" وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام "  ]ابراهيم 46-47[

" ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون " ]النمل 50-52[

" فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً استكباراً في الأرض ومكر السيء ولايحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلاً " ]فاطر 42-43[

وانطلاقاً من الثقة المطلقة بوعد الله وسننه التي يزخر بها تاريخ الأمة الإسلامية وعمل هذه السنن في الانتصارات والهزائم التي مر بها المسلمون ، أتقدم بهذه الطبعة من الكتاب لمختلف الفئات من الجماعات والقيادات:

لفقهاء الإسلام وعلمائهم ليتذكروا سنّة الله في – العلم والعلماء - فيزهدوا في المناصب والألقاب ويروا فيها كلها زينة وزخرفة يبتليهم الله بها كما ابتلى ابراهيم عليه السلام بكلمات فأتمهن فجعله للناس إماماً. وكلمات الله التي ابتلى – أي اختبر وامتحن – بها أبا الأنبياء هي: مدى استعداده للتضحية بنفسه وولده واستقراره في سبيل الله. وعندما نجح ابراهيم عليه السلام في الابتلاء كافأه الله برتبة الإمامة دعا ربه أن يجعلها أيضاً في ذريته فجاءه الجواب: لا ينال عهدي الظالمين. والظالمون من ذريته الذين حجب الله رتبة الإمامة عنهم هم الذين يفشلون في الابتلاءات الثلاثة ، ويشرون بآيات الله ثمناً قليلاً ، والثمن القليل – عند ابن عباس – هو الدنيا كلها ، ولن ينفع مع هذا الفشل حصول العالم على درجة الدكتوراه ومرتبة الأستاذية !! أو جوائز الدولة.

وهذا ما استلمته – قولاً وعملاً وحالاً – علماء حركة الإصلاح التي أخرجت جيل صلاح الدين من أمثال أبي حامد الغزالي ، والشيخ عبد القادر ، والشيخ عدي بن مسافر ، والشيخ رسلان الدمشقي ، والشيخ أبو مدين المغربي وآخرون.

للملوك والرؤساء والوزراء ليتبينوا سنّة الله في – العدل – الذي من أجله أرسل الله رسله وأنزل معهم: الكتاب ليشرح للناس أفعال العدل وتفصيلاته ، والميزان ليكون معياراً يزن الناس به درجة العدل ، وأنزل الحديد ليصنع الناس منه السلاح الذي يحمون به مؤسسات العدل ، ولتصنع منه التقنيات والأدوات النافعة للناس حين تقوم العلاقات المحلية والعالمية على العدل.

" لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز " ]الحديد 25[

والقسط في الآية: هو العدل الجميل – أي المصحوب بالأخلاق الحسنة والمساواة في المعاملة.

وإن من آثار هذه السنة الإلهية في العدل – كما يقول ابن تيمية - : إن الملك والإسلام مع الظلم لا يدوم ، وأن الملك والكفر مع العدل يدوم. والأمل كبير أن يتبين الملوك والرؤساء هذه السنة الإلهية فيسارعون إلى تزكية إداراتهم وسياساتهم بالعدل ، ويصدرون موازين القانون والدستور لنصرة العدل ، ويستعملون قوة الأسلحة والجيش والأمن لحماية الشورى والعدل ، لتكون مثوبتهم في الدنيا أن يستخلفهم الله في الأرض ، ويبدلن خوفهم أمناً ، وضعفهم قوة ، وذلهم عزاً ، وأخرى ينالونها في الآخرة حين يكونون – حسب المراسم والبروتوكولات الإلهية – أول السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله. وأول هؤلاء السبعة: "إمام عادل ... " كما ورد في الحديث المشهور.

 

لقادة الجماعات الإسلامية والأحزاب والمنظمات الوطنية ليتبينوا سنة الله في (العمل الصالح) فيسارعوا إلى تحري – الإخلاص والصواب – سواء. لأن اجتماع الصفتين – كما يقول الفضيل بن عياض – شرط في نجاح العمل في الدنيا وقبوله من الله في الآخرة. فإن وجد "إخلاص" ولم يجد "صواب" فإن العمل لا يفلح (أي لا يظفر بالمطلوب) ، وإن وجد صواب ولم يوجد إخلاص فإن العمل لا يُقبل ، وإن اجتمع الاثنان قُبل العمل وأفلح. وإلى هذه السنّة الإلهية يشير قوله تعالى : " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " ]فاطر 10[. والكلم الطيب في الآية يشير إلى (الصواب) بينما يشير العمل الصالح إلى (الإخلاص).

 

للتربيويين والمشرفين على مؤسسات التربية وإدارتها ليتبينوا سنّة الله في (التغيير) التي تتلو على أسماعهم صباح مساء: إن الله لا يغيّر ما بقوم من أحوال أسيفة حتى يغيروا ما بأنفسهم من معتقدات وأفكار ومفاهيم واتجاهات وطرائق تفكير وقيم ومعايير ، ويجسدون هذا التغيير في مراجعة مناهج التربية والتعليم وطرائقها وصفات العاملين فيها والقائمين عليها واستبدال ذلك كله بنماذج مختلفة قادرة على رد إنسانية الإنسان المسلم التي شوهتها مؤسسات تربوية أرسى أصولها ووضع مناهجها وتطبيقاتها بعوث وخبراء الاستعمار الثقافي ثم تابع التخريب ضحايا الاغتراب التربوي فكانت ثمرة تخريبهم إخراج أجيال لم تتقن إلا الهزيمة ، واستمراء الذل والتبعية ، والتثاقل إلى الأرض ، وترك الجهاد ، وعبادة المال وأربابه ، والركون إلى ثقافة الاستهلاك لمنتوجات يستوردونها ويتلفون الموارد المحلية من أجل تسويقها.

 

للعسكريين ليتبينوا سنة الله في – النصر والجهاد – فيعملون على إحياء – المدرسة العسكرية الإسلامية – بنظرياتها ومؤسساتها وتدريباتها التي تربي جندها على تعشق معاني "الله أكبر" و"أنا لا أقاتل من أجل عمر" وتستلهم برامج التوجيه المعنوي من قوله تعالى: " يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون ". ]الأنفال 45[

ثم يتوقفون عن التأسي بنموذج – المدرسة العسكرية المستوردة – التي تؤله القادة وترفع شعار "نفذ الأمر ثم اسأل بعد ذلك عن السبب" ، ويتولى إمامة التوجيه المعنوي فيها المغنون والمغنيات ، وتستبدل الذكر بالمعازف والقينات ، وتعد جيوشها للارتزاق وتأجير المهارات القتالية للقوى الكبرى الساعية في الأرض بالفتنة والفساد الكبير تحت ألوية "الشرعة الدولية" و"قوات حفظ السلام" ، و"محاربة الإرهاب" إلى غير ذلك من المسوغات والتبريرات.

 

للمؤرخين والقائمين على دوائر الثقافة والإعلام والفنون ليستلهموا سنّة الله في تزكية المجتمعات من التلوث الفكري وتطيبقاته الاجتماعية والفكرية والفنية وخطورة – تدسية – الحياة بهذه الملوثات ، ومصائر المجتمعات التي تشيع فيها ، والسدنة القائمة على تسويقها وإشاعتها.

 

للاقتصاديين ورجال الأعمال ليتبينوا سنّة الله في "اقتصاد الماعون" – أي الذين يعين الناس على إقامة دينهم ودنياهم -. وسنّته في "اقتصاد السحت" أي الذي يسحت – أي يستأصل – مقومات دينهم ودنياهم. ثم يتبينون كيف أن الله يربط بين المظالم الاقتصادية وهلاك المجتمعات. وكيف يضع المشتغلين في اقتصاد الماعون الذي يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ، في منزلة المجاهدين والشهداء لأنهم يوفرون للناس مقومات حياتهم كما يوفر المجاهدون سلامة نفوسهم وحرماتهم:

" علم أن لن تحصون فتاب عليكم فاقرأوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله " ]المزمل 20[

وفي المقابل يركس الله سبحانه المشتغلين باقتصاد السحت مع الهالكين من مرتكبي الإثم والعدوان ، لأن الفريقين يتظافران لتدمير مقومات الحياة الإنسانية: هؤلاء يشكلون الشركات عابرة القارات والمؤسسات المالية الدولية لامتصاص مقدرات الشعوب ، وأؤلئك يجندون الجيوش الغازية لتنفيذ مخططات هذه الشركات والمؤسسات.

" وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون " ]المائدة 62[

 

لدول الطوائف التي أقامها المستعمرون على أنقاض الدولة العثمانية طبقاً لمعاهدة سايكس- بيكو ومثيلاتها ، ثم استمرت مِزَقُ الأمة تفتخر بالانتماء إلى هذه الدول الممزقة وتدافع عنها ، لتتبين أن يد الله – أي عونه وعطاءه – إنما هي مع الجماعة ، وأن الوحدة سنة وجود تنظم عوالم الإنسان والحيوان والنبات والجماد , وأن الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق قانون إلهي من قوانين النصر والفلاح في كل مواجهة.

 

للرجال وللنساء في عامة الأمة ليتبينوا – سنّة الله في الزوجية – التي تنظم علاقة الجنسين على أساس التكامل بين المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي ، وأن الخروج على هذه السنّة يبعث الفوضى ويحدث الاضطراب في هذه العلاقة ويحيل عمل كل من الزوجين إلى – عمل غير صالح – ثمرته العقم الاجتماعي والضنك في المعيشة.

والأمل الكبير أن تعي جميع هذه الفئات من الجماعات والقيادات الإسلامية أهمية – السنّة الإلهية المتضمنة في قوله تعالى: " أقرأ باسم ربك الذي خلق " الذي يتضمن أول آية نزلت في غار حراء ، ثم يكون من نتائج هذا الوعي إدراك الحاجة الماسة إلى "قراءة" أحداث العصر ووقائع الغازة الجديدة على العالم الإسلامي وذلك لسببين:

الأول: أن العمل الناجح يولد ولادتين: ولادة نظرية ، وأخرى عملية ولا بد من الاثنتين وترتيب تتابعهما. والثاني: أننا أصبحنا نعيش في زمن احتلت المعرفة فيه مركز المحور من القوة ، ولذلك فإن الأمة التي تتفوق في – المعرفة – تتفوق في القوة – كما يقول ألفن توفللر في كتابه "تحول القوة". وهذا ما أدركته القوتان اللتان تقودان الغارة على العالم الإسلامي من جديد ، فراحتا تضاعفان مراكز البحث عن العالم الإسلامي لتدمير قوته واستغلال تناقضاته لإثارة الفتن فيه.

ولعل أوضح مثال لذلك هو الطريقة التي استقبلت بها القوى الطبعة الأولى من هذا الكتاب.

فقد نقل لي بعض المشاهدين أن – تلفاز إسرائيل – ناقش محتويات الكتاب باللغة العبرية لمدة ساعة كاملة ، وأن المناقشين استخلصوا في ضوء ما ورد فيه خطورة انبعاث الروح الإسلامية وأهمية التصدي ليقظة العالم الإسلامي كله تحت ذرائع – الإرهاب – وغيره من الذرائع.

وحمل لي طالب – أحترم "إخلاصه" وأدعو الله أن يلهمه "الصواب" في عمله – استبياناً مكتوباً باللغتين العربية والانكليزية. ولقد أعده لكتابة أطروحة الدكتوراه في جامعة – كاردين – البريطانية. ويبدأ الاستبيان بالقول:

" الدكتور ماجد الكيلاني أكد في كثير من كتبه أن المدرسة التي ظهرت وانتشرت في القرن الخامس والسادس الهجري لعبت دوراً هاماً وحاسماً في توحيد المسلمين آنذاك ودعمت موقفهم ضد – الصليبين – القادمين من الغرب ، وضد "المغول والتتار" القادمين من الشرق ".

ثم يستمر الاستبيان ليطرح عدداً غير قليل من الأسئلة – التي كان كان للدكتور المشرف أنتوني باكر الأثر الواضح في صياغتها – ومنها الأسئلة التالية:

"س: أولاً وقبل كل شيء لماذا – في نظرك – ظهرت المدرسة آنذاك ؟

س: هل توافق على رأي الدكتور الكيلاني بأن الحركة العلمية التي نجمت عن المدرسة كانت هي              حجر الزاوية في توحيد الأمة الإسلامية ؟

س: في اعتقادك ماهو الجديد في المدرسة ؟ وماالذي ميّزها عن المؤسسات التربوية السابقة كالمسجد        والكُتّاب (وكيف كان ذلك) ؟

س: بعض الكتاب يعتقدون أن الفلسفة المعاصرة التي تحكم التربية في أغلب البلاد الإسلامية هي            عامل هدم أكثر من كونها عامل بناء بسبب أن هذه الفلسفات إما تقليدية جامدة تقادم عليها الزمن        وضعفت علاقتها بالإسلام. وإما فلسفة مستوردة (عادة من الغرب العلماني) لا تراعي حاجات           الأمة الحقيقية.

-    أولاً: هل توافق على هذا الطرح ؟

-    ثانياً: لماذا تعتقد ذلك ؟

س: هل من الممكن إعطاء قائمة ببعض الأفكار أو الأشخاص أو المؤسسات التي ترى إعطاء (الفكر        والتطبيقات التربوية التي ظهرت مع حركة المدارس في القرن الخامس) الأولية في الدراسات          المستقبلية ؟

س: هل يتم تدريس تاريخ (حركة المدارس الإسلامية) بشكل كاف في جامعاتكم المحلية الآن ؟

س: هل قمت بنشر أية أبحاث في مجال إحياء الفكر التربوي التاريخي ؟ (ما هذه الأبحاث ولماذا             اخترتها بالذات ؟)

س: هل لديكم طموحات بحثية حول هذا الموضوع بالذات ؟ " انتهى كلام الاستبيان.

 

ويعلم الذين يعرفون كيف يصنع القرار في أمريكا وأوربا وإسرائيل أنّ الجامعات هناك لا تبحث عن العلم من أجل العلم ، ولا تبحث عن المعرفة من أجل الارتقاء بإنسانية الإنسان وشبكة علاقاته بالمنشأ والحياة والمصير ، وإنما يبحثون عن المعرفة والعلم باعتبارهما عنصراً من عناصر القوة اللازمة للنجاح في عملية الصراع الدولي على ثروات الأرض – كما تقرر فلسفة الدارونية الاجتماعية وكما كتب أخيراً – ألفن توفللر في كتابه "تحول القوة".

ولذلك يتكامل عندهم عمل الجماعات ومراكز البحوث مع عمل المؤسسات الاقتصادية والسياسية والعسكرية ، ومن قاعات هذه المعاهد العلمية تبدأ عملية – صنع القرار – حيث يتم جمع المعلومات من قبل الأساتذة والباحثين وتحليلها ومناقشتها من قبل مندوبين عن المؤسسات العلمية الاقتصادية والسياسية والعسكرية والتربوية ثم يقوم هؤلاء المندوبون بنقل المحصلة إلى – جماعات تخطيط السياسة ومنهم إلى مراكز صنع القرار ومنها إلى جماعات صنع الرأي حيث يتم صياغة الذرائع والتبريرات والشعارات والمصطلحات التي يراد إعلانها لتهيئة الرأي العام لدعم تنفيذ القرارات والالتفاف حولها في الداخل. وتبريرها وحشد الأنصار لها في الخارج ، ثم ينتقل القرار إلى دوائر صنع القانون لإعطائها السند القانوني ، وتتم هذه الخطوة من قبل رئاسة الدولة والبرلمان أو الكونغرس. وأخيراً إلى مؤسسات التنفيذ المباشر – التي تتكون في الغالب من ثلاث مؤسسات هي: المؤسسة السياسية ، والمؤسسة العسكرية ، والمؤسسسة التبشيرية – الخيرية ، حيث تقوم الأولى بوضع السياسات المرحلية وتنفيذها ، وتقوم الثانية بممارسة القوة لتفعيلها ، وتقوم الثالثة بتلطيف آثار العدوان والجراحات العملية لتغطية الآثار السلبية التي تحدثها المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية. أي أن القرار يبدأ – أفكاراً ومناقشات – وينتهي أعمالاً وممارسات تنفذ على المسرحين الداخلي والخارجي وبذلك يصبح العلم في عداد العلم الذي ينفع.

أما في الأقطار العربية والإسلامية فإن حال العلم والمعرفة كحال الذهب عند نساء هذه الأقطار ؛ يبقيان مجرد حلية يباهي بها الأفراد وحملة الشهادات بعضهم بعضاً في الداخل ، ويتنافسون ويتحاسدون للحصول بواسطتها على المال والمراكز. وتتجمل بها دول الطوائف القائمة أمام الدول العملاقة ، وتقام باسمهما الاحتفالات والمؤتمرات وتدبج الخطب وتكتب المقالات ثم يكون مصيرهما إما الارتكاس في مستودعات العلم الذي لا ينفع ولا يجد إلى التطبيق سبيلاً ، وإما أن تحمل مخطوطاته ورسائله ومطبوعاته – تحت ستار التبادل الثقافي – إلى مراكز البحوث والجامعات في الغرب ليصبح بعض المواد النافعة في صناعة القرارات المتعلقة بالمنطقة العربية-الإسلامية.

إن محور الأزمة في حياة الأجيال العربية والإسلامية الحاضرة هي – عدم النضج والبقاء نفسياً وعقلياً – في مرحلة الاعتماد على الغير. وعن هذه الحالة تنتج مضاعفات تتمثل في – عقدة الانبهار بالغرب وفقدان الاستقلالية في الفكر والتفكير – ومضاعفات ذلك في التبعية التي أزمنت – وما زالت تستعصي على العلاج. وهذه تبعية تفرز التناقض في سلوك الإنسان العربي المسلم المعصر في جميع أقواله وأفعاله. فهو من ناحية يضيق بالوجود العضوي للغربي المحتل ويمارس جميع أشكال الجهاد والكفاح ضده ، ولكنه من ناحية أخرى – إذا رحل الغازي المحتل – شد الرحال إليه واستورد من عنده غذاء جسده وثقافة عقله وإرادته إلى أن ينتهي الأمر بعودة الاحتلال العضوي مرة ثانية ويكون مثل العربي أو المسلم مثل الابن الذي يكره والده القاسي المتسلط ولكنه لا يستطيع التوقف عن تقبيل يديه والتماس رضاه والحصول منه على نفقته.

ويمارس الإنسان في المنطقة العربية والإسلامية هذه التبعية بأشكال مختلفة منها: ترديد ما ينتجه العقل الغربي والتسليم بالفرضية المتغطرسة التي تزعم أن الغربي ـ كان دوماً ـ منبع الحضارة ومنه يجري التاريخ وتخطط مساراته , وتصنع أحداثه ومنجزاته , وهو الآن يقرر نهاياته . ويتفرع عن هذه النقيصة الفكرية مضاعفات التسليم بإمامة الغربي واتخاذه قدوة في نشاطات الحياة اليومية الجارية ابتداء من إمامة السياسة والعسكر والفكر ومروراً بإمامة الثقافة والفن والتعليم والرياضة حتى مصممي الأزياء وحلاقة الشعر وتسريحاته .

ومن مظاهر التبعية المشار إليها تصنيف المختصين والعاملين في مؤسسات الأقطار العربية والإسلامية حسب الأمكنة التي جرى تعليمهم فيها بحيث يحتل خريجو المعاهد الغربية ـ مكانة وتوظيفاً ـ المنزلة الأولى ولو كانوا لا يحملون من العلم إلا "كرتونة الشهادة" .

ومنها تجاهل الواقع والأسباب المحلية , وتكلف الحل والمعالجة في ضوء النظريات والتطبيقات التي تطورت في بيئات الغرب ثم استيرادها واستيراد الخبراء لتطبيقها تطبيقاً يشوه خلاله الجسد العربي ليلائم اللباس الغربي !!

ومنها العجز عن استثمار موارد البيئة المحلية وتطويرها تطويراً يحفظ لها خصوصيتها وتمييزها ويلبي الحاجات المعاصرة , ثم التباهي بتحويلها إلى أسواق استهلاكية لمنتوجات الغرب الثقافية والسياسية والعسكرية والتربوية والاقتصادية والصحية والاجتماعية واعتبار ذلك نموذج الحياة المثلى بحيث صار ينطبق على المنطقة العربية والإسلامية الوصف النبوي القائل: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتم خلفهم !!

وكانت نتيجة ذلك كله أن تعطل العقل العربي والإسلامي عن التفكير وأصبحت أفعال ـ إنسان المنطقة ـ مجرد ردود فعل إشراطية , آنية , تلقائية لأفعال الغربي الماكر ـ المخطط , تثور الانفعالات لأيام أو ساعات ثم تنطفئ وتعود إلى (التفرج على ما يجري) وعدم المبالاة . وبسبب هذه الظاهرة تتحول جميع أشكال الجهاد والكفاح إلى إهدار مستمر للموارد والطاقات.

أنا لا أنكر أن في الأمة مقادير هائلة من مخزون "الإخلاص" الذي يكشف عن نفسه من آن لآخر ، ولكن أقولها بصراحة أن هناك جدب وقحط في معرفة "الصواب" الذي يقترن مع الإصلاح لينجبا ثماره النافعة. وأضرب لذلك مثلاً من مواقف رجال الإعلام وكتاب الصفحات السياسية في كبرى الصحف ، ومواقف المفتين والعلماء في الأقطار العربية والإسلامية. فهم – مثلاً – صدقوا المقولات التي طرحتها دوائر – صنع الرأي – الأمريكية والأوربية تحت عناوين "صراع الحضارات" و"مكافحة الإرهاب" و"التطرف الإسلامي" و"الأصولية الإسلامية" ، ثم انطلقوا يدبجون المقالات ويعقدون الندوات ، ويتحدثون في الفضائيات لإقناع الغرب ب "حوار الحضارات" بدل صراعها ، وتبرئة الإسلام من التطرف ، والدعوة لتحديد مصطلح الإرهاب ثم التعاون لمكافحته. ولو أنهم كانوا مستقلي التفكير ، راسخين – محيطين بالمحطات التي يمر بها "صنع القرار" الغربي لتوحدت أفهامهم ومواقفهم ، ولما أضاعوا طاقاتهم وأوقاتهم في محاولة إقناع الغرب ببراءتهم لأن الغرب لا يحتاج إلى أن يقدم – العرب والمسلمون – له شهادة حسن سلوك. لأن صانعي القرار فيه يعرفون أن ما طرحوه من اتهامات وأسباب مزعومة – إنما هو مجرد مسوغات وضعوها هم أنفسهم واستثمروا سذاجة العرب والمسلمين وجهلهم لتبرير الأساليب الرامية إلى تجفيف منابع القوة الإسلامية , والأسلحة الفتاكة التي تقوض بنيانهم وتشردهم وتفتك بأطفالهم ورجالهم ونسائهم في مرحلة – تنفيذ القرار-.

ولذلك فإن المواجهة الحقيقية التي يحتاجها – العالم العربي والإسلامي – هي التي تجري على مرحلتين: المرحلة الأولى ، مواجهة مع الذات – يقوم بها العلماء والساسة وعامة الأمة – بغية تحريرها من – التبعية الثقافية والاعتماد العقلي على الغير ، وتمكينها من اكتشاف الهوية وتحقيق الانتماء إلى ماضي الازدهار والمنعة , وتحليل الحاضر ، واستشراف مسارات المستقبل ودروبه. فإذا انتصرت الأمة في هذه المواجهة فستكون مؤهلة لبدء المواجهة الثانية مع الغير المتعدي بثقة واستقلالية وجدارة ، ولسوف تنتهي بها المعركة إلى النصر المادي والفتح الإسلامي.

هذه خطوط رئيسة في الاتجاهات التي استهدف هذا الكتاب لفت الانتباه إليها والله سبحانه هو القادر على فتح القلوب لها وتيسير الانتفاع بها ، لذلك أدعوه سبحانه فأقول:

 

إلهي! لقد قلت في محكم كتابك الكريم "ادعوني أستجب لكم". وها أنا أتوجه إليك متبرأً من حولي وطولي ، متضرعاً بأن تحيي قلوب أمتنا رجالاً ونساءً ، وشيباً وولداناً ، وقادةً ورعيةً ، وأن تجعل لهم نوراً يمشون به بين الأمم التي تمكر بهم وتتربص بهم وبدينهم الدوائر ، ويزينون لهم سوء ما يعملون ، ويسخرون من حالهم في كل هيئة ومؤتمر ، ويتندرون بمصائبهم في كل اجتماع.

 

اللهم إني لا أقنط من رحمتك لأنه لا يقنط من رحمتك إلا القوم الكافرون. ولأن من سنتك في العمل الصالح أن اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.

 

اللهم تولنا بولايتك ، إنك نعم المولى ونعم النصير.

 

أهمية هذا البحث

إنّ وقوفنا على تفاصيل هذا التغيير ، ومظاهره ومراحله يقدّم لنا الدرس المفيد في محنتنا التي نواجه ، إزاء عوامل الضعف التي تعمل في كياننا من داخل ، والأخطار التي تهددنا من خارج.

وكان لا بد من الإجابة على كثير من الأسئلة:

      س1: ماهي المفاهيم والتصورات والقيم السلبية التي كانت تسود الأمة؟

      س2: ما هو التغيير الذي حدث؟

      س3: من هم الذين حملوا مسؤولية هذا التغيير الإيجابي؟

      س4: هل كان صلاح الدين ظاهرة فردية ، أم كان عيّنة لجيل مثله؟

 

الباب الأول: التكوين الفكريّ للمجتمع الإسلاميّ قبيل الهجمات الصليبية 

 

 

مذهبية الفكر الإسلاميّ والصراع المذهبي 

 

أ. الطابع المذهبي للفكر الإسلاميّ:

لم يعدم المجتمع الإسلاميّ الذي عاصر الحملات الصليبية الأولى من المخلصين والدعاة العاملين ، أمثال الحنابله والأشاعرة والشافعيّة ، ولقد نشأت هذه الجماعات في الأصل كمدارس فكريّة لها تخصصات في إطار الرسالة الإسلاميّة الواحدة ، وكان أغلب رجالاتها قد تتلمذ على يد بعضهم البعض ، ولكن فيما بعد تطورت هذه المدارس الفكريّة إلى مذاهب تشبه الأحزاب أو الجماعات في زماننا ، ولقد كانت المشكلة الرئيسية التي تفرعت عنها سلبيات هذه المذاهب : أنّ كل جماعة منها اعتبرت نفسها صاحبة الحق الوحيد في التواجد على مسرح الحياة الإسلاميّة بسبب تاريخ أسلافها المجيد ...

 

 

 

ب. الآثار الفكريّة والتربويّة والاجتماعية والسياسيّة للصراع المذهبي:

1- الآثار الفكريّة:

تحددت أُطر الإنتاج الفكريّ في حدود المذهب ، وصارت المؤلفات إما اجتراراً وتكراراً لأفكار من سبقوا من رجال المذاهب ، أو إطراء وإشادة بهم ولكن أخطر الآثار الفكريّة: هو انقطاع أتباع المذهب عن الاتصال المباشر بالقرآن على أنها الفهم الصحيح المطلق للقرآن والسنّة.

وأدى هذا إلى تعطل الفكر الإسلاميّ عن الإبداع والاجتهاد ، لأن المختصين تحولوا من الاتصال المباشر بالكتاب والسنّة إلى الالتزام بكتابات الأئمة والانغلاق عن التفاعل مع الآخرين.

علماً بأن مصادر الاجتهاد :

1- الكتاب والسنّة : ومن مظاهر إعجازهما هو تجدد معانيهما بتجدد الأزمنة ، وتنوع الأمكنة.

2-                            الآفاق والأنفس: أي البيئة الطبيعية والاجتماعية.

 

2- الآثار التربويّة والتعليميّة:

انعكست آثار التعصب المذهبي على التعليم ومؤسساته بشكل خطير جداً تمثلت بمايلي:

1- فساد أهداف التعليم وغاياته: فقد أصبحت الأهداف تدور حول تأهيل الدارسين لمناصب الإفتاء والقضاء والأوقاف والتدريس في الجامعات والمدراس والحسبه.

2- ضاق مفهوم المنهاج الدراسي: فاقتصر على مباحث الفقه الخاصة بالعبادات والمعاملات التي تحددت بالأطر المذهبيّة ، ووقع الانشقاق بين الدراسات الإسلاميّة وبين العلوم الطبيعيّة.

3- تسرب المذهبيّة الحزبية إلى صفوف الطلبه: وإفساد روابطهم وعلاقاتهم ، وتدريبهم على الخصومات والصراعات التي كانت قائمة في المجتمع.

4- تسرب اتجاهات الانحلال والإقليمية إلى صفوف الطلبه: كثر تناول المسكرات والشغب والفوضى مما أدى إلى تدخل الشرطة وسجن عدد من الطلاب ، وإهانة بعض المدرسين.

 

 

3- الآثار الاجتماعيّة

أ. في حين كانت المدراس الفكريّة لا تضمّ إلاّ رجال الفكر وأئمة الفقه والمشتغلين بالعلم الذين تنظم علاقاتهم أخلاق العلماء وفضائل الدين ، صار المذهب يضم أخلاطاً من المشايخ والطلبه والتجّار والعوام الذين يريدون المذهب وسيلة لمنافعهم الخاصة.

ب. ونتيجة لذلك انقسم الناس على بعضهم وانصرفوا عن التحديات التي تهددهم من الداخل والخارج.

ج. ولم يقتصر هذا التفكك والتنافس على المذاهب بعضها مع بعض ، وإنّما امتدّ إلى صفوف المذهب الواحد نفسه ، فقد كان المتصدرون في المذهب يتنافسون فيما بينهم لتصدر الأَتباع ، وتمثيل المذهب في مناصب الدولة أو الأحفال.

 

4- الآثار السياسيّة: 

لقد أصبحت السّمة البارزة للنشاط السياسيّ لهذه المذاهب : هي انتهاء أهداف العمل الإسلاميّ عند مشاركة زعماء المذهب ورجالاته في إدارات الدولة.

ولقد أدى هذا الوضع إلى نتيجتين : الأولى : تنافس المتصدرين لهذه المذاهب في التقرب من السلاطين والقادة. الثانية : أنّ الانتهازيين – أصحاب المطامع الشخصيّة – وجدوا في الانتساب للمذاهب وسيلة لتحقيق مطامعهم.

ومن الآثار السياسيّة أنّ العلاقات بين المذاهب الإسلاميّة والحكومات القائمة ، صارت تتشكل حسب مواقف هذه الحكومات من تلك المذاهب ، وحسب استجابتها أو رفضها لأطماع هذا المذهب.

ونخلص من هذا كلّه إلى أنّه لم تكن لدى الفكر الإسلاميّ والمؤسسات التي تمثّله الأهداف والمفاهيم التي تتناسب والحاجات والتحدّيات القائمة ، ولم تكن هناك الاستراتيجيات التي تمكّن هذه المؤسسات من تحمل مسؤولياتها في المجتمعات الإسلاميّة المعاصرة.

 

 

انقسام الصوفيّة وانحرافها

 

الأصل في التصوف

أنّه نشأ كمدارس تربويّة هدفها تزكية النفس ، وصقل الأخلاق ، ولم تكن هذه المدارس تغلو في آرائها ، ولا تخرج عن قيد الشريعة في شيء كما فصّل ذلك ابن تيميّة في فتاويه. غير أنّ عوامل التطور عملت في هذه المدراس التربويّة فطورَّتها إلى طرق كما تطورت المدارس الفقهيّة إلى مذاهب .. وأول ماظهرت الصوفيّة في البصرة وأول من بنى دويره للصوفيّة بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد ، وهو من أهم أصحاب الحسن البصري والتصوف عندهم له حقائق معروفة قد تكلموا في حدوده وسيرته وأخلاقه. ومهما كان أمر التطور التاريخي للصوفيّة فقد انتهى في الفترة التي نتحدث عنها بانقسامه إلى ثلاثة اتجاهات هي:

 

1- الملامتيّة:

من أبرز روادها حمدون القصّار المتوفي عام 271 ه – 884 م ، وهو واحد من كبار شيوخ التصوّف السنّي ، ومن قوله : "الملامه هي ترك السلامه". وقد امتاز باليقظة الوجدانيّة ، والحذر من الرّياء في العلم والعمل ، ثم دفع بهم إلى التيّار السلبي محمد بن منازل ، فقد جعل دناءة النفس وتأصل الشر فيها قاعدة أصيلة .. وتمادوا في السلبية فصار احتقار الناس لهم مطلباً بحجّة أنّ الإخلاص لا يتحقق إلا إذا سقط العبد من عيون الخلق ؟! ثم آل أمرهم إلى فرقة خرجت عن تعاليم الشريعة واستباحت المحرمات ، وقالت: إن المراد خلوص القلب إلى الله ، أما التقيد بالشرع فهو رتبة القاصرين عن الفهم والمقلِّدين.

 

2- الحلوليون والخارجون على قواعد الشريعة:

                1.أتباع الحلاّج الذين تداعَوا لمناقشة القضايا التي صُلب من أجلها الحلاّج ومنهم مَنْ أنكر موت الحلاج ، وقال برفعه إلى السماء ، وأن الذي صُلب هو عدوه ألقى الله عليه شبهه ، وكانوا يقيمون في بغداد.

                2.ثم تطورت نظرية الحلول وبرزت طائفة تقول : إنّ الشريعة قيد للفرد في مقام العبودية ، وهو مقام الجهل بالله ، فإذا عرف الصوفيّ ربّه فقد تحلّى بالحرّية ، وسقطت عنه التكاليف. كما ظهرت طوائف تخلط النساء بالرجال.

                3.القلندرية: "أقوام ملكهم سكر طيبة قلوبهم" ولم يأتوا من العبادات إلاّ الفرائض وأخذوا بالرخص ولم يتحرَوْا الشبهات ، نشأت فرقتهم في دركّزين في همدان ثم زحفت نحو العراق.

 

3- انقسام التصوّف السنّي:

لقد تصدّى التصوّف السنّي لهذه التيارات المنحرفة ، ومثّل هذا التصدي مدرستان:

1. مدرسة نيسابور: التي قادها أبو النصر السراج ، وقام نشاطها على أمريْن :

   الأول : تدوين التراث الصوفيّ وصب مفاهيم التصوّف في قوالب تقيّدها بالشرع وتبعدها                    عما يفضي بها إلى الحلول والاتحاد.

         الثاني : إبراز التصوّف السنّي باعتباره عملية تزكية للنفس تدعم الإيمان والتوحيد.

   2. مدرسة بغداد: اعتمدت المنابر ومجالس الوعظ  ، وشيخها (جعفر بن محمد الخلدي) الذي                أصبح مرجعاً في علوم التصوّف بعد الجنيد.     

        وقد نجح التصوّف السنّي في مهمته الفكريّة ، ولكن الاضطراب الاجتماعي جعله يجنح إلى             العزلة ، كما قامت الخصومات بين الفقهاء والمتصوّفة ، إلى جانب الفتن المذهبيّة ،                       وانتشرت طوائف الجهلة والسطحيين من الصوفيّة ، ويذكر الهجويري أنّ كثيراً من                        الشيوخ أصبح همهم جمع المريدين ، وتصدر الأتباع طلباً للجاه والنّوال.

 

 

تحديات الفكر الباطني

 

لقد انتشر دعاة الباطنية في غرب العالم الإسلاميّ وشرقه ، وأخذوا يدعون إلى إسقاط الحكومات السنيّة ، وعلى رأسها الخلافة العباسيّة ، وقد استطاعوا من خلال ذلك أن يفسدوا عقائد الأمّة، وأن يثيروا الفتن والقلاقل ، ومَضَوْا يغتالون الشخصيّات المعارضة لهم من القادة والعلماء ونشروا الرعب في كلِّ مكان.

 

 

تحديات الفلسفة والفلاسفة

 

دخلت الفلسفة الحياة الفكريّة في العالم الإسلاميّ منذ القرن الثاني الهجريّ غير أنّ الفلسفة منذ القرن الرابع الهجري اتخذت طابعاً آخر تحدّى العقيدة وفكرة النبوَّة والرسالة في الإسلام ليعيد للأرستقراطيات هيمنتها بعد انهزامها أمام الفتح الإسلامي ، ومؤسسس هذا الاتجاه كان ابن سينا 370-428 ه.

كان ابن سينا تلميذاً لأرسطو ، ومتصوفاً ، وهذه الثنائية جعلته رجلاً تتناقض فيه الآراء .. فهو ذو اتجاهات دنيوية مشبوهة .. أسرف في الجنس ... إذ فرغ من دروس الطب أحضر الشراب والآلات الموسيقية ، وكان والده من جماعة الباطنيّة ويُعدُّ من الإسماعيلية، وصاحَبَ ابن سينا الكثير من الفلاسفة فأثّرت الفلسفة الباطنية تأثيراً كبيراً في تفكير ابن سينا ليتحدّى العقيدة الإسلاميّة ، وفي كتابه "نظرية المعرفة" يضع الفلاسفة على قدم سواء مع الأنبياء بل جعل الفيلسوف أعلى من العلماء الدينين والمجتهدين الفقهاء ، وفتح الباب إلى استنتاج وجوب تولّي الفلاسفة مراكز الإرشاد والتوجيه في المجتمعات ، طالما أنّ النبوُّة انتهت وختمت بنبيّ الإسلام. ولقد سحر علم المنطق المثقفين في تلك الفترة وممّا سهّل هيمنته وانتشاره أنّ الفكر الإسلامي الذي تمثل بالفقهاء وأمثالهم كان حبيس المذهبيّة والتقليد ، لذلك لم يستطيعوا الوقوف أمام تيّار الفلسفة التي أحدثت موجةً حادةً من القلق العقائديّ لدى المثقفين ، والاضطراب الاجتماعي لدى العامّة.

 

الباب الثاني: آثار اضطراب الحياة الفكريّة في المجتمعات الإسلاميّة

 

 

فساد الحياة الاقتصاديّة

 

إنّ الفساد أو التخلف الاقتصاديّيْن يعتمدان على التصوّر العقلي الذي يوجّه طرق الكسب وطرق الإنفاق ، ولم يقم هذا التصور في ذلك العصر على الكسب المشروع ، والإنفاق المشروع ، فلقد قامت وسائل الكسب في هذه الفترة على أسس غير مشروعه ، فالدولة تفننت في أنواع الضرائب ، وابتزاز الجُباة حتّى للحجاج... وتفنّن التجار برفع الأسعار ، أمّا وسائل الإنفاق فقد اقتصرت على شهوات الأغنياء والمترفين ، وقلّد السلاطين والولاة وكبار الموظفين بقية الأغنياء ، وكذلك وعاظ المذاهب...

أمّا المصالح العامّة فلم تنلْ شيئاً من الإنفاق ، وعانت جماهير المسلمين من ضروب الجوع ، كما عمّ الفقر ، وتحدَّرت المصائب والأمراض سنةً بعد سنةٍ ، وأصبحت سمةً ميّزت المجتمعات الإسلاميّة ، وأسهمت إسهاماً بالغاً في إضعافها أمام الأخطار التي جذبتها روائح الضعف من الخارج.

 

 

فساد الحياة الاجتماعية

 

لقد انهار مفهوم الأمّة الإسلاميّة وحلَّت محلَّه مفاهيم العصبيّة العشائريّة والإقليميّة والمذهبيّة ، فانتشر الشّغب والاضطراب مع مضاعفات في اللهو ومفاسد الأخلاق ، واقتصرت الممارسات الدينيّة على أداء الشعائر ، واختفت آثار التّوجيه الدّيني.

 

 

الانقسام السياسيّ والصراع السنّي الشّيعي

كانت وفاة السلطان ملكشاه عام 486 ه / 1092 م بداية لتفكك دولة السلاجقة ، وانقسمت الدولة إلى خمس ممالك متنافسة،

كما ظهرت في بلاد الشام وحدات سياسيّة عُرفت باسم الأتابكيات ، واستمرت علاقات الشك والريبة والطمع تحكم هذه الدويلات.

وفي داخل كلّ دولة من هذه الدويلات السياسيّة المجزّأة ، كان أمراء الجيش وكبار القادة يقودون الانقلابات والثورات ، ويبيعون ولاءهم للسلاطين حسب الأعطيات والهدايا.

وإلى جانب هذا التفكّك الداخلي ، دخلت هذه الدويلات مع الدولة الفاطميّة في صراع مرير ، استنفذ طاقاتها الماديّة والبشريّة، وكان هدفها تقويض الخلافة العباسيّة واجتثاث الفكر الإسلاميّ السنّي واستبداله بالفكر الشّيعي.

أمّا في الجانب الغربي – بلاد الشام – فقد استمر مؤيدو الباطنيّة يبثُّون الرُّعب ويحيكون مؤامرات الاغتيال ويعقدون المحالفات مع الصليبين ضدّ العالم السنّي.

وقاموا فيما بعد بمحاولتيْن لاغتيال السلطان صلاح الدين الأيوبي ، الذي نجا من المحاولة الثانية بأعجوبة.

 

 

ضعف العالم الإسلامي أمام الهجمات الصليبية

 

كانت المجتمعات الإسلاميّة تعاني من الضعف في ميادين الحياة المختلفة ، فدخل الصليبيون فأطاحوا بمُلك سلاجقة آسيا الوسطى ، ثم انحدروا إلى بلاد الشام ، فاضطر الأخوان رضوان في حلب ودقاق في الشام للدخول في طاعة الصليبين ، لإنقاذ الرعية ولرعاية حرمة الوطن الإسلامي ثم تزايدت هجمات الصليبين فاستولوا على أنطاكية ، ثم زحفوا إلى بيت المقدس الذي سقط في أيديهم عام 492ه / 1098م ، وفي كلّ مكان اقترفوا المذابح الوحشيّة ، والمسلمون يتلهّون في منازعاتهم وخصوماتهم ، ولم يقم السلاطين والأمراء بأيْ عمل لوقف هذا الزحف ، واستغاث أهل الشام بالخلافة العباسية بلا طائل ، وحرضوا الملوك على الجهاد فلم يفدْ شيئاً ، وفي نفس العام الذي نزلت فيه الكارثة بالمدينة المقدسة ، كان سلاطين السلاجقة الثلاثة أبناء ملكشاه يتحاربون من أجل النفوذ والسلطان.

 

الباب الثالث: المرحلة الأولى لحركة التجديد والإصلاح

 

اشتدّت الحاجة إلى تغيير الاتجاهات القائمة في المجتمع ومواجهة التحدّيات الزاحفة ، وصار العالم الإسلاميّ أمام مصيرين لا ثالث لهما:

إما أن يغيّر أوضاعه تغييراً جذرياً من داخله.

وإما أن يستسلم للتحدّيات التي تنذر بتدميره والإجهاز عليه.

وقد مرّت عملية التغيير بمرحلتيْن:

الأولى: اتّخذت طابعاً سياسيّاً ، قادتها حكومة السلاجقة ، ووجهتها جماعات الشافعيّة والأشاعرة.

الثانية: بدأت في ميدان القيم والمعتقدات وتطبيقاتها في الداخل بدل الانجرار وراء مضاعفات هذا الضعف في الخارج ، واستمرّت هذه المدرسة حتى بلغت مداها في إخراج أمّة مسلمة معافاة إلى حدِّ ما استطاعت دحضَ المحتلّين من الصليبين ، ودفع تحدّيات الباطنيّة ، وتحرير المقدسات ، وقد كان نجاح المرحلة الثانية يتوافق مع قوله تعالى:

" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " صدق الله العظيم.

 

 

المحاولات السياسيّة للإصلاح

 

عندما تسلّم السلاجقة مهام الإدارة في بغداد ، بدأت المحاولات الأولى التي قام بها الأشاعرة الشافعيّة في الإصلاح والتجديد ، وقد واجهوا التحدّي بوسيلتين:

الأولى: السلاح الفكري ونشر العقيدة.

الثانية: قيام المؤسسات التي تجسّد هذه العقيدة في واقع الحياة.

ولتنفيذ الأولى: أقيمت الجامعات والمدارس في المدن والقرى ؛ المدارس النظاميّة نسبةً للوزير نظام الملك الذي حكم ثلاثين عاماً تفانى خلالها في سبيل مبادئه ، وكان مجلسه حافلاً بالعلماء والفقهاء ، وكان متديناً مخلصاً ...

وإلى جانب نظام الملك كان هناك عشرات الأشاعرة الذين تولَوْا أمور الإدارة ، وآخرون تولَّوا أمور المدارس النظاميّة ، من أمثال الشيرازي والغزالي وغيرهم.

ولكن يبدو أنّ الأهداف الإسلاميّة للدولة السلجوقيّة كانت مقترنة بالخطر الفاطمي في بغداد ، فلمّا زال هذا الخطر ، أخذت أهدافهم تتحوّل من أهداف عقائديّة إلى أهداف دنيويّة ، وإزاء هذا التحوّل أخذت جهود نظام الملك وجماعته تصطدم بمعارضة السلطان ملكشاه لمشروعاتهم السياسيّة والإداريّة.

فلمّا أخذوا بتنفيذ متطلبات الوسيلة الثانية ، وصاروا يعينون العناصر التي نضجت وتأهلت لحمل مسؤولياتها في مختلف القيادات والإدارات أرسل ملك شاه إلى نظام الملك يعنّفه ويوبّخه.

منذ ذلك الوقت – أي منذ عام 470 ه – أخذت العلاقات تسوء بين السلاجقة والأشاعرة حتى انتهى الأمر بمقتل نظام الملك عام 485 واتهام ملكشاه بتدبير اغتياله.

وخلال هذه التطورات سيطر الاستياء على نفوس المخلصين ، منهم من اعتزل ينتظر القضاء الإلهي في الآخرة.

ومنهم من انسحب من بيئة الشبهات وانشغل "بخاصة النفس" لمراجعة وتجديد ما بها من أفكار ومناهج ثم "العودة" إلى المجتمع لاستئناف الإصلاح أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهذا الأسلوب الثاني هو الذي اختاره نفر على رأسهم حجة الإسلام (أبو حامد الغزالي) الذي استلهم منهاجه في الإصلاح من الأصول الإسلاميّة مباشرةً ، واستنار بخبراته الواسعة العميقة في تراث السلف الشامل.

 

 

دور مدرسة أبي حامد الغزالي في الإصلاح والتجديد

 

1) حياة الغزالي:

ولد أبو حامد محمد بن محمد الغزالي عام 450 ه ، أخذ علومه الأوليّة في بلدة طوس ، ثم رحل إلى نيسابور ، حيث تثقف على إمام الحرمين الجويني ، صنّف خلال هذه الفترة كتابه "المنخول".

برز الغزالي بين الأشاعرة ومازال يشتهر حتّى قرّبه الوزير نظام الملك ، وأسند إليه التدريس في المدرسة النظاميّة ، كذلك صار لرأي الغزالي مكانة عالية في إدارات الدولة وولايات السلاطين ، حيث قُبِلَ ما أفتى به من عدم تَوْلية محمود بن السلطان ملكشاه بعد وفاة والده نظراً لصغر سنه وتولّى بركيا روق.

ولكنّه رأى أنّ العقيدة أصبحت شعارات لصيد الجاه ، والإنتماء المذهبي أداة للمناصب والمكاسب ، فقرر الانسحاب من صفوف التنظيم المذهبي ، وبدأ الخطوة الأولى في الإصلاح ، ألا وهي الانسحاب من الاشتغال بالأمور العامّة ، والاشتغال بخاصة نفسه بغية تحقيق أمريْن:

الأول: مراجعة الأفكار والمعتقدات والتصورات المليئة بالمذاهب المتناحرة والفرق المختلفة ، ومارس نوعاً من الحِمية الفكريّة ، التي يعقبها اكتشاف الأفكار في ضوء الكتاب والسنّة.

الثاني: مراجعة الاتجاهات النفسية ، والأهداف الحقيقية التي اكتسبها خلال النشاط المذهبي فاشتغل بخاصة نفسه ومال إلى الزهد والتصوف وصحب الفضل بن محمد الفارمذي ، وترك جميع مناصبه ، وتوجه إلى الشام ، وبلور لنفسه منهاجاً خاصاً استنارت به بصيرته ، وكتب كتابه " المنقذ من الضلال".

ثم عاد إلى بغداد وعقد مجلس الوعظ والتدريس ، وحدّث بكتابه "الإحياء في علوم الدين". واتصل بالوزير فضل الملك بن نظام الملك وحَمَلهُ على التدريس في النظاميّة في نيسابور ثم عاد إلى طوس وابتنى مدرسة لتحقيق أمريْن اثنيْن:

الأول: إخراج جيل جديد من العلماء والقادة ، تتكامل جهودهم وتخلص غايتهم لله ، وبما يتفق مع الرسالة الإسلاميّة.

الثاني: هو التركيز على الأمراض الداخليّة التي تنخر في جسم الأمّة، بدل الاشتغال بالمضاعفات الناتجة عن هذه الأمراض ومنها الأخطار الخارجيّة.

استمرّ الغزالي يوزع أوقاته بين التعليم والتأليف والعبادة حتى وفاته يوم الاثنين في 14 جمادى الآخرة عام 505 ه / 1111 م.

 

2) منهج الغزالي في الإصلاح

قام منهجه على قواعد ثلاثة:

الأولى: ضرورة حمل رسالة الإسلام إلى العالم كلِّه ، فالأرض امتلاءت بالفتنة.

الثانية: من الواجب أن يجىي البحث عن أسباب قعود المسلمين عن حمل الرسالة من داخل أنفسهم.

الثالثة: وهذا البحث يجب أن يستهدف التشخيص ، وتقديم العلاج لا مجرد توترات سلبيّة ، تقوم على التلاوم وتبادل الاتهام.

 

صفات معالجات الغزالي لشؤون الإصلاح:

الصفة الأولى: خلو كتاباته من تحريض المسلمين على جهاد الصليبين أو المغول.

الصفة الثانية: هي اعتماد النقد الذاتي ، وعدم تلمس التبريرات لأنّ عوامل الضعف وقابلية الهزيمة هي السبب ، وهذا يتفق مع قوله تعالى "وماأصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم" الشورى.

عالج قابلية الهزيمة بدل التباكي على مظاهر الهزيمة ، فالمشكلة - كلّ المشكلة - حسب تصوّر الغزالي في فساد المحتويات الفكريّة والنفسيّة عند المسلمين في أمور العقيدة والاجتماع ، وما سوى ذلك هي مضاعفات تزول بزوال الحرص الأساسي.

الصفة الثالثة: انطلق من منطلق إسلاميّ أصيل ، وهذا مبدأ قرآني أصيل: "إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" الرعد.

بدأ بنفسه ، ثم بأنفس الآخرين ، واستمرّ أصحابه وتلامذته في تطبيق هذا المنهاج ، فكان من ثمار ذلك ظهور جيل نور الدين وصلاح الدين.

الصفة الرابعة: لم يعالج قضايا المسلمين باعتبارهم قوميةّ تصارع قوميّات أخرى ، وإنّما باعتبار هذه القضايا بعض مضاعفات قعود المسلمين ، وضرورة استئناف حمل رسالة الإسلام.

وهو لم ينغزل عن الأحداث الجارية ومظاهر ذلك (أي عدم سلبيته):

1- لأنه عاد إلى الحياة العامذة بعد أن غيّر ما بنفسه ، وأعاد تنظيم أفكاره وتصوراته.

2- عزم الغزالي على المضي إلى يوسف بن تاشفين ليحضّه على النهوض بدار الإسلام وحال                 موت يوسف بن تاشفين دون تحقيق ذلك.

3- أَثره في محمد بن تومرت مؤسس دولة الموحدين في المغرب ، الذي تتلمذ على يد الغزالي في بغداد واتصف الغزالي في تشخيص الأمراض بأمرين:

الأول: بحث عن جذور الانحراف في التراث ، ومحّص في التراث العقائدي والاجتماعي. فاستبعد الغريب الضّار ، واستبقى الأصيل النافع ، واجتثّ كل دخيل على الفكر الإسلاميّ خلال مسيرته التاريخية الطويلة ، وهذا ما فعله بالنسبة للأفكار الباطنية والفلسفيّة ، وانتشل ما رآه أصيلاً صائباً ، وهذا ما فعله بالنسبة للتصوف حيث قيّده بالسنّة ، وبعد ذلك كله أقام الغزالي من الأجزاء المنتقاة بناءً فكريّاً عقائدياً وتربويّاً ، استطاع من خلال (إحياء علوم الدين) ودفعها لتسري مرة ثانية في شرايين المجتمع الذي عاصره.

ولا بد من التنبيه: إلى أنّه من الخطورة أن يُعاد تفكيك البناء الفكريّ الذي ركّبه الغزالي ثم يُقْرأ قراءة جزئية حسب التخصصات أو الاتجاهات ، كان يقتطع الفقيه الجزء الخاص بالفقه ، والمتصوف الجزء الخاص بالتصوف ، والمشتغل بالفلسفة الجزء المتعلق بها وهكذا..

 

آراء علماء المسلمين فيه:

بعضهم يراه متصوفاً ، والبعض الآخر يراه فيلسوفاً ، وآخرون يرونه سلفياً حيث قيّد منهجه الصوفيّ بالسنّة ، ولو أن الغزالي وجد متسعاً من العمر لبرزت ثمار هذا الاتجاه السلفي الجديد ، كان صادقاً جسوراً في تحرّي الحقيقة لإصلاح الأمّة ، ومضحّياً ، وهذا ما جعل ابن تيميّة يحترمه ويتسامح إزاء ما عَلِقَ بمنهجه خلال عبوره محطات الفلسفة وعلم الكلام والصوفيّة.

 

 

 

 

 

3) ميادين الإصلاح عند الغزالي  

 

تشخيص الغزالي لأمراض المجتمع الإسلامي المعاصر

أ‌-  فساد رسالة العلماء

القاعدة الأساسية – عند الغزالي – في صلاح المجتمع الإسلاميّ وفساده ، هي نوع العلاقة القائمة بين العقيدة والسياسة والإجتماع ، فإذا كانت هناك عقيدة صافيّة راسخة يدور في فلكها كل من السياسة والإجتماع ، ارتقى العلماء واحتلوا المكانة الأولى في التوجيه وصلح المجتمع وانتظمت الحياة ، وإن حصل العكس فإنّ الخلل والفساد يتسربان إلى المجتمع إلى حتى ينتهيا به إلى الانهيار والسقوط ، وهذه القاعدة حكمت فترة الخلفاء الراشدين ثم تبدلت القاعدة فصارت العقيدة تدور في فلك السياسيّة ، وأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين ، وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين أصبحوا أذلة بالإقبال عليهم إلا من وفقه الله تعالى.

وخلص الغزالي إلى نعت معاصريه من العلماء ، بأنهم علماء دنيا لا علماء دين.

 

ب- آثار فساد رسالة العلماء وانتشار الشكلية في المجتمع الإسلامي

هذا الفساد في رسالة العلماء أفرز أمراضاً فكريّة ونفسيّة منها:

أولاً: البعد عن قضايا المجتمع ، والاشتغال بقضايا هامشيّة لا طائل تحتها:

فالعلماء لم يعالجوا مشكلات الحياة الواقعيّة ، وانحرفوا إلى قضايا شكليّة لا علاقة لها بحاجات العصر. ويرى الغزالي: أنّ هذا الفساد الذي أصاب أهداف التعليم والعلماء قد جذب الدارسين للتخصص في العلوم الفقهيّة المذهبيّة ، وإهمال ما عداها من العلوم التي يحتاجها المجتمع ، والتي هي كذلك فرض يفرضه الدين كالطب مثلاً.

 

ثانياً: التعصب المذهبي واختفاء الفضائل العلميّة:

من النتائج السلبيّة قيام الخلافات والخصومات المذهبيّة ، ويرى الغزالي أنّ ظهور هذه الخلافات أفسد الفضائل العلميّة ، وأقام الجفوة بين علماء التخصصات المختلفة ، ويقارنهم مع علماء السلف ، وراح يعدد آفات المناظرة والجدل بين رجال المذاهب.

ثالثاً: تفتيت وحدة الأمّة وظهور الجماعات والمذاهب:

التنابذ المذهبي وأخلاقه تفشى بين العلماء ، وأفرز جماعات مذهبيّة ، فتّتتْ وحدة الأمّة ، وامتداد المذهبيّة المتعصبة إلى طبقات المجتمع ، أدّى إلى حرمان الجماهير من الصلاح.

 

رابعاً: انتشار التدّين السطحي والفئات التي مثّلته:

يصنِّف الغزالي الفئات التي مثّلتْ هذا التديّن الشكلي كما يلي:

 

الفئة الأولى: فئة العلماء الذين فقدوا صفة العالم المسلم الحقيقي ، وينقسمون إلى أصناف:

الصنف الأول: سعى إلى التباري في تحصيل العلوم دون العناية بالتطبيق العملي.

الصنف الثاني: اتخذوا علمهم وعملهم سلماً للشهرة في البلاد وبين العباد.

الصنف الثالث: اتضعوا بالأخلاق الباطنة المذمومة : كالعجب – جمع شهوات الدنيا فهم يطلبون عزّ الإسلام بمظاهر الحياة الزائلة ، وينسون أنّ الإسلام قد عزّ زمن الرسول بالزهد وإعطاء الدنيا للناس ، وينسون قول سيدنا عمر: "إنّا قومٌ أعزّنا الله بالإسلام فلا نطلب العزّ في غيره".

الصنف الرابع: جاهدوا أنفسهم ، ولكن بقي فيها شهوة طلب الذكر ، وانتشار الصيت ، وطلب الثناء ، والمدح بالزهد والورع والعلم ، والتلذذ باجتماع المعجبين للإصغاء إليهم.

 

وهناك فريق من العلماء تركوا العلوم وانصرفوا إلى غيرها فتقصّروا عليها ، وصاروا مغترين بها لاستغنائهم عن أصل العلوم ، ويضمّ هذا الفريق الأصناف التالية:

الصنف الأول: وهم الذين اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات. وهؤلاء انصرفوا عن العلوم الأساسية التي تبلور العقيدة وترشد إلى الله.

الصنف الثاني: وهم الذين اشتغلوا بعلم الكلام والمجادلة في الأهواء والردّ على المخالفين.

الصنف الثالث: وهم الذين اشتغلوا بالوعظ والتّذكير بدافع العجب والرّياء وشدة الحرص على الدنيا.

الصنف الرابع: وهم الذين اشتغلوا في علم الحديث فسمعوه ، وجمعوا الروايات ، وطلبوا الأسانيد ، دون أن يهتموا بفهم معاني الحديث والعمل بها ، أو استخراج الحلول لمشكلات العصر.

الصنف الخامس: وهم الذين أفنوا أعمارهم في الاشتغال بالنحو وصناعة الشعر وغريب اللغة.

الصنف السادس: وهم المتعمقون في اختراع الحيل الفقهية والذين يبررون ظاهر العمل الشرعي دون ربطه بالنوايا.

 

الفئة الثانية: فئة أصحاب العبادة والعمل والمغرورن وهم أصناف:

منهم من أهملوا حقيقة الفرائض واشتغلوا بالفضائل والنوافل.

ومنهم من أهملوا حقيقة الصلاة وروحها واشتغلوا بالجدل حول حركاتها.

ومنهم من أهملوا فهم آيات القرآن في الصّلاة ، وما تدعو إليه هذه الآيات ، وغلبت عليهم وسوسة إخراج الحروف في الفاتحة.

ومنهم من اغترّوا بكثرة قراءة القرآن ، وربّما ختموه مرّة في الليل والنهار.

ومنهم من اغترّوا بالصوم وربما صاموا الدهر ، .. مع الغيبة .. والرياء .. والمال الحرام ..

ومنهم من اغتروا بالحج ، من غير خروج عن المظالم وقضاء الديون واسترضاء الوالديْن وطلب الزاد الحلال.

ومن هؤلاء من اقتنعوا بشكليات الوظائف الدينيّة ، وغفلوا عن محتواها.

ومن هؤلاء من اغتروا بمجاورة مكّة والمدينة ، ولم يراقبوا نواياهم ، وظلّت قلوبهم معلّقة ببلادهم.

ومن هؤلاء من زهدوا بالمال وقنعوا بالأدنى من اللباس والطعام والمسكن.

ومن هؤلاء من حرصوا على النوافل ، وتهاونوا بالفرائض ، ولم يلاحظوا أنّ ترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشّرور.

 

الفئة الثالثة: فئة المتصوفة

شدّد الغزالي في نقد هذه الفئة ، حرصاً على إفراد التصوّف السنّي الصحيح من ذلك الخليط المضّطرب الذي شاع في زمنه تحت شعار التصوّف ، والذي غلب الغرور على فرقة أكثر من أيّة فئةٍ أخرى ، ولقد صنّف الغزالي هذه الفئة إلى عشرة أصناف: لكل صنف منها شطط في ناحية ... الزيّ ، إدّعاء علم المعرفة ، رفض الأحكام والتسوية بين الحلال والحرام ... ترك الأعمال وتفقد القلب فقط ، طلب الحلال الخالص في أمر القوت ، وربما إهمال الحلال في المطعم والملبس والمسكن ، وربما ادّعوا حسن الخلق والتواضع لخدمة الصوفيّة وجمع المال ، .. والتعمق بالفحص عن عيوب النفس ومعرفة خدعها ... كلام نظري دون أن يصاحبه عمل ولا تطبيق : ومن انفتح عليهم باب المعرفة ، ظنّوا أنّهم بلغوا الكمال ، وأنّ لهم فضلاً على غيرهم ، ومنهم من قال: أنا الحق.

وبعد هذا التصنيف: لأصناف الصوفيّة في زمانه ، وصف الغزالي هذه الفئات المتصوفة جميعَها بأنها مجرد أشكال وهياكل فارغة ، وأنّه لا حظَّ لها من التصّوف الحقيقي أبداً ، وهي جميعَها إحدى مظاهر السلبية التي ضربت الحياة الاجتماعية ، ويضيف الغزالي: أنّ فرق الصوفيّة جميعَها في زمانه – إلا من رحم الله – قد جانبوا النهج الصحيح ، فاستبدلوا الأشعار بالقرآن والذكر بالشطح ، وأحدثوا في التصوف فأجنح به إلى دائرة العصيان والزندقة.

 

 

الفئة الرابعة: فئة أرباب المال

ويعني بهذه الفئة الأغنياء من المسلمين الذين يحرصون على التّدين والوصف بالصلاح دون أن يعرفوا الحكمة الأساسيّة من المال ، فهو يفضل:

سدّ حاجات الفقراء على بناء المساجد ، وعلى الحج ، وعلى النوافل ، كما ينتقد الفقراء الذين تقاعسوا عن العمل ، وارتكسوا في زوايا الذكر ، ينتظرون فتات صدقات الأغنياء ،

وقد رأى في هؤلاء المغرورين من أرباب الأموال: أنهم يبنون المساجد والمدارس من الرشاوي والظلم والنهب ، وربما من المال الحلال ، ولكنّ الغرور أصابهم ، فكان عملهم لمظاهر الحياة الدنيا .. ومنهم من ينفق أمواله في المحافل العامّة للشهرة ، وربمّا جمع بعضهم الأموال بكنزها بحكم البخل ، ثم يصومون ويقومون الليل ، ويختمون القرآن ، لأنّ هذا لا يحتاج للإنفاق وربما يؤدون الزكاة فقط من مال لا يرغبون فيه ، وإلى من يخدمهم من الفقراء ، ومنهم من اغترّ بحضور مجالس الذكر دون العمل والاتعاظ فاكتفوا بهذا ، وهم مغرورون.

 

4) ميادين الإصلاح عند الغزالي 

شخّص الأدواء لاستخلاص ميادين العلاج المشتملة على مايلي:

 

أولاً: العمل على إيجاد جيل جديد من العلماء والمربين:

ولدعم هذا المطلب راح الغزالي يلتمس شواهده في الواقع والسنّة والتاريخ.

من الواقع: الداء العضال فَقد ُ الطبيب ، فالأطباء هم العلماء ، وقد هلك الخلق لفقد الأطباء ، بل اشتغل الأطباء بفنون الإغواء ،

وأما السنّة: فمثلها ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنكم أصبحتم في زمن كثير فقهاؤه قليل قراؤه وخطباؤه قليل سائلوه كثير معطوه العمل فيه خير من العلم. وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه قليل معطوه كثير سائلوه العلم فيه خير من العمل" نقلاً عن الطبراني – حديث ضعيف.

وأمّا التاريخ: استعرض فيه التطور الذي أصاب منزلة العلماء ووظيفتهم ، وخلص إلى وجوب إيجاد هذا النوع من العلماء ، وتحديد وظيفتهم , وعلاقتهم بالسلاطين ،

وشروط العلماء الأطباء حددها الغزالي بمايلي:

1. أن لا يتطلب العالم الدنيا بعلمه

2. أن يطلب العلم النافع للدنيا والآخرة

3. ألا يكون مائلاً للترف ..

4. أن يبتعد عن السلاطين محترزاً منهم

5. ألا يسارع إلى الفُتْيَا بل يتحرز في ذلك

6. شديد العناية بتوبة اليقين

7. أن يكون أكثر بحثه في علم الأعمال وعما يفسدها ويشوش الشكوك ويثير الشرّ.

 

ثانياً: وضع منهاج جديد للتربية التعليم:

لقد هاجم الغزالي نظام التعليم القائم ، ووضع منهاجاً بديلاً غايته تخريج "علماء آخره" ، يخدمون أهداف الدين ، ويحملون رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واحتذته بقية المدارس المتأثرة به كالمدرسة القادريّة في بغداد.

 

فلسفة التعليم عند الغزالي:

تقوم على تحقيق السعادة الأخروية للإنسان ، ولبلوغ السعادة المنشودة لا بد من تضافر العلم والعمل ، بحيث يتنج عن هذا التضافر تغيير في السلوك ، ومالم يتغير السلوك لن تحصل هذه السعادة ، والسعادة الأخروية وثيقة الصلة بالحياة الدنيا ، وبالسياسات التي توجّه هذه الحياة ، وهي أربع:

سياسة الأنبياء

سياسيّة الخلفاء والولاة والسلاطين

سياسة العلماء والحكماء

سياسة الوعاظ والفقهاء

والثلاث الأخيرة لا بدّ من أن تبقى وثيقة الصلة بالسياسة الأولى (سياسة الأنبياء) لنحصل على إفادة العلم وتهذيب النفوس.

 

المنهاج عند الغزالي:

 لقد تكاملت في منهاج الغزالي العلوم الدينيّة كلها كالتوحيد والتصوف والفقه ، كذلك تكاملت فيه العلوم الدينيّة والمهن الدنيويّة ، فالعلوم عنده أي العلوم الدينية كلها ... شرعية أو غير الشرعية ، وهي ما أرشد إليها العقل كالطب والحساب وغير الشرعية وهي فرض كفاية.

وتتطابق ميادين المنهاج عند الغزالي مع الميادين التي حددتها الأصول التربويّة في القرآن والسنّة الشريفة ، وتدلّ مؤلفاته التي درّسها لطلابه أنّه قد صنّفها لتغطي الميادين الأربعة التالية:

الأول: بناء العقيدة الإسلاميّة ، والهدف منه تكوين عقيدة واضحة حيّة ، تكون بمثابة الأيدلوجية التي تحدد مسار السياسات المختلفة وتوجّهها ، وأوضح الكتب التي مثّلت ميدان بناء العقيدة هو كتاب "الحكمة من مخلوقات الله عزّ وجلّ" ، الذي اشتمل على أبواب معنونة ب (التفكير في خلق السماء وفي هذا العالم) (حكمة خلق الأرض) ....

الثاني: هو ميدان تهذيب النفس والإرادة ، وهدفه الارتقاء بالإنسان من مستوى الخضوع للشهوات والأهواء إلى مقام العبوديّة لله ، وطبّقه على نفسه واستقاه من القرآن والسنّة ، ثم طبّقه على تلاميذه عندما عاد لبلده ليشتغل بتعليم الآخرين.

الثالث: هو دراسة العلوم الفقهيّة ، وما اشتملت عليه من أنظمة ومبادئ تتطلبها المعاملات الجاريّة والقضايا الحياتية القائمة والمتجدّدة ، وهي دراسة متصلة مباشرة بالقرآن الكريم ، متحررة من التقليد المذهبي.

الرابع: هو ميدان الحكمة أو الإعداد الوظيفي ، ولقد أدرج الغزالي تحت هذا الميدان جميع السياسات والإدارات والمهن التي يحتاجها المجتمع المعاصر ، وكيفية توزيع الأفراد حسب استعداداتهم وقدراتهم ، وأشار إشارة صريحة إلى أنّ علوم هذا الميدان لا تقتصر على ما عرفه الإنسان وإنمّا سيبرز الكثير منها في المستقبل بسبب تطور الحياة وتجدد الحاجات. ومن جهوده في هذا المجال: كتاب "التبر المسبوك في نصيحة الملوك" وكتاب "سر العالمين" وخرّج أنماطاً من الرجال أسهموا فيما بعد في الحركة الإصلاحيّة إسهاماً فعالاً.

 

ثالثاً: إحياء رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الغزالي هو القطب الأعظم في الدين ، وهو المهمة التي بعث الله لها النبين جميعاً ، وإذا أهمل علمه وعمله تعطلت رسالة الأنبياء ، واضمحل الدين ، وفشت الضلالة ، وشاعت الجّهالة ، واستشرى الفساد ، وخربت البلاد ، وعندما غفل المجتمع عن هذه الوظيفة ، آل أمره إلى ماآل عليه من فساد وضعف.

ودوائر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تبدأ بدائرة النفس ، ثم الأهل ، فالجيران ، ثم أهل المحلة ، فأهل البلد ، ثم أهل المناطق الحضريّة في البلاد عامّة، فأهل البوادي ، وأخيراً الإنسانية.

إلى أن خلص من ذلك كله إلى القول إنّ واجب العالم أن يُقرِّع السلطان الظالم ، كقوله : ياظالم يامن لا يخاف الله ما يجري مجراه ..

وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراحل:

أولاها: التعريف بالتعليم

وثانيها: الوعظ

وثالثها: الزجر

ورابعها: المنع بالقهر.

 

الاعتراضات التي تُوجّه لأبي حامد الغزالي

1. أنّه ناقش في كتابه الرئيسي "إحياء علوم الدين" جميع الموضوعات ما عدا موضوع الجهاد؟!

2.   أنّه ما كان معزولاً عن الأخطار الخارجيّة التي تهدّد العالم الإسلامي آنذاك.

 

الردّ على هذه الاعتراضات

بالنسبة لموضوع الجهاد ؛ يلاحظ أنّ الغزالي تناول محتواه واسمه ضمن موضوع "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ، حيث اعتبره في أكثر من موضع أحد أشكال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والذي يبدو من معالجة الغزالي للقضايا الاجتماعيّة المختلفة أنّ موقفه من الجهاد اتّصف بأمريْن اثنين:

الأول: إنّ مفهوم الجهاد عند الغزالي – وهو مصيب في هذا الفهم – ليس دفاعاً عن أقوام وأوطان وممتلكات ، وإن كانت هذه بعض منافعه وثماره – بل هو وسيلة لحمل رسالة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ، التي هي السبب الحقيقي لإخراج الأمّة المسلمة إلى الوجود.

ومادام المجتمع الذي عاصره الغزالي قد توقف عن حمل هذه الرسالة ، فلا حاجة للجهاد العسكريّ ، فإن أية دعوة للجهاد العسكريّ لن تكون ذات فائدة ، إلاّ إذا سبقه جهاد نفسي يبدّل ما بأنفس القوم ، ويجعلهم يتذوقون معنى التضحية بالأنفس والأموال في سبيل الله.

الثاني: إن الغزالي كان واعياً بمفهوم الجهاد الشامل والمراحل التي تطبق فيها مظاهره:

فالجهاد له مظاهر ثلاث هي : الجهاد التربوي ، والجهاد التنظيمي والجهاد العسكري.

فالدعوة إلى الجهاد العسكري وندب العامّة له في أمّة متوفاة ستكون بمثابة استنفار الأموات الذين في القبور؟!!

والذي يبدو أنّ الغزالي كان يائساً من إصلاح مجتمع العراق الذي استمرّ في مفاسده واستعصى على كل دعوات الإصلاح حتى ذاق وبال أمره على يد المغول عام 656 ه / 1258 م.

ولذلك حاول الاتصال بيوسف بن تاشفين ، وشجّع محمد بن تومرت مؤسس دولة الموحدين ، ثم كان لجهود تلامذته والمتأثرين بمنهجه الأثر الكبير في إخراج (جيل صلاح الدين).

 

 

رابعاً: نقد السلاطين الظلمة

يكاد الغزالي أن يكون العالم الوحيد الذي تجرأ على الاعتراض على السياسات المالية الجائرة للسلاطين والحكام ، فقد اعتبر السلاطين والأمراء في عصره ظلمة متعدين لحدود الله ، يحرم على العلماء المخلصين الاختلاط بهم أو التعامل معهم حتى يفيئوا إلى شرع الله ، وأضاف أن أبرز مظاهر الظلم هو اغتصابهم الأموال ، وقيامهم بالمصادرات – من المسلمين والذمّة سواء ، ثم إنفاق ذلك في الحرام ، ودعا إلى ما يسمّى في العصر الحديث بالعصيان المدني – ومن آرائه:

1) تحريم التعامل مع السلاطين الظلمة: (فالمعاملة معهم حرام لأن أكثر مالهم حرام)؟!!

    فكلّ أعمال البيع والشراء والتعليم والأجرة ... حرام أو مكروه.

2) تحريم التجارة في الأسواق التي بناها السلاطين الظلمة:

    لأنها بُنيَتْ بمال حرام ، وللناس أن يشتروا منهم ، ولكن لو وجدوا سوقاً أخرى فالأولى            الشراء منها.

3) تحريم التعامل مع قضاة السلاطين الظلمة وخدمهم وشرطتهم:

ويبرِّر الغزالي تقريره هذا بأنّ معصية الولاة الظالمين والشرطة يتعدى أذاها إلى المسلمين ، لذلك  يجب أن يزداد المسلم منهم اجتناباً ، ومن معاملتهم احترازاً ،

4) تحريم الانتفاع بالمرافق والمؤسسات التي بناها السلاطين الظلمة:

     إلا مؤقتاً وعلى سبيل الحاجة الماسّة.

         ولم يقف الغزالي في معارضته لسياسات السلاطين الظلمة عند حد الكتابة والتدريس ، وإنّما             رفض التعاون معهم ، فقد اعتذر للسلطان ضياء الملك عن التدريس في المدرسة النظاميّة في              بغداد.

 

خامساً: محاربة المادية الجارفة والسلبيّة الدينيّة وتصحيح التصور السائد عن الدنيا والآخرة:

عالج الغزالي الماديّة والسلبيّة الدينيّة اللتين جرفتا العالم الإسلامي في زمانه بروح العالم الفقيه بأمر الدنيا والآخرة موضحاً مايلي:

هذه السلبيّة سببها سوء الفهم والجهل بالحكمة الإلهيّة من خلق الإنسان والدنيا والآخرة ، ويرى أنّ الله قد خلق الإنسان ليعبده ويعرفه ، وفي هذه العبادة يعبر الدنيا إلى الآخرة حيث الجزاء والمستقر.

وغموض منهج عهد النبوة وجيل الصحابة هو الذي أدّى إلى الوقوع في ظلمة المادية ،

والمخرج هو تبصيرها بحقيقة الدنيا ، والصورة التي يجب أن تكون عليها علاقة الإنسان بها.

ويفصّل: آثار نسيان هدف الرحلة الدنيويّة إلى الآخرة الذي ينعكس على البشر فينقسمون إلى قسمين:

القسم الأول: من نسوا الغاية من الرحلة إلى الآخرة واشتغلوا بمحطة الدنيا.

فمنهم من ظنّ أنّ السعادة في كثرة المال – وطائفة ظنّوا أنّ السعادة في الجاه وانقياد الخلق لهم بالتواضع والتوقير ، وآخرون ظنّوا أنّ السعادة في انطلاق الألسنة بمدحهم.

القسم الثاني: هم الذين نسوا الحكمة من محطة الدنيا ، وحاولوا الوصول إلى الآخرة دون عبور الدنيا ، فرأوا الدّنيا بلاءً ومحنة ، فقتلوا أنفسهم للوصول إلى دار السعادة – الآخرة – ومنهم من رأى أنّه لا بدّ أولاً من إماتة الصفات البشرية وقطعها عن النفس بالكليّة.

وطائفة: ظنّت أنّ المقصود من العبادات المجاهدة للوصول إلى معرفة الله ، ومن وصل استغنى عن الوسيلة ، فتركوا السعي والعبادة ، وزعموا أنّ التكاليف على عوام الخلق.

ومذاهب وضلالات أخرى والناجي من الخلق: فرقة واحدة وهي التي تسلك ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظلّ محافظاً على حد الاعتدال والتّوسط في الشهوات ، حتّى لا يجاوز حدود الورع والتقوى.

 

سادساً: الدعوة للعدالة والاجتماعية

ركّز الغزالي على الدّعوة للعدالة الاجتماعيّة بالقدر الذي ركّز على أمور العقيدة والدعوة للإصلاح.

وممّا قاله: على الغنيّ أن يعرف أنّ الفقير أفضل منه وصلحاء الأغنياء يدخلون الجنّة بعد الفقراء بخمسمائة عام.

وخلص لتقرير الأمور التالية:

في المال حق سوى الزكاة: وعلى الأغنياء أن يزيلوا دائماً حاجة الفقراء وأن لا يكون العطاء مباشرة وعلى الفقير أن يشكر من سعَوْا في سدّ حاجته ، وأن يبذل أقصى جهده للحصول على رزقه من العمل والوسائل الشريفة.

كذلك وضع كتاب "الحلال والحرام" أراد منه تحديد أنماط الحياة الاجتماعيّة ، وكيف ينقّي المجتمع من العادات المخالفة للإسلام في المعيشة والتكامل.

محاربة الاحتكار والكنز.

أفرد كتاباً في "حقوق الأخوّة والصحبة"

منع إنفاق المال في النافلة من العبادات بعد أداء الفرائض ودعا إلى إنفاقها على الفقراء.

 

سابعاً: محاربة التيارات الفكريّة المنحرفة:

تيار الباطنية وتيار الفلسفة: ولم يلجأ في تفنيدهما إلى الشتائم والقذف ، بل اعتمد الأسلوب العلمي القائم على الدراسة والإطّلاع إطّلاعاً يتفوق على أصحاب الفكر نفسه.

تفنيد الباطنيّة: بأنّهم وضعوا قاموساً لغوياً للمصطلحات الإسلاميّة يخرج هذه المصطلحات من مضامينها السليمة ، ويضعها في خدمة أهدافهم بغير دليل من القرآن أوالسنّة ، لتبطل الثقة بالألفاظ ، وتسقط منفعة كلام الله وكلام رسوله.

ولقد خصص الغزالي كتاباً خاصاً للردّ عليهم سمّاه "المستظهري أو فضائح الباطنية"

 

أما بالنسبة للفلسفة:

أظهر التناقض بين رأي مقدمهم (أرسطاليس) وبين من قام بالترجمة والنقل والتحقيق من المتفلسفة في الإسلام (الفارابي – ابن سينا) وأنّهم يشبهون الفكر المذهبي فكلاهما اعتمد على التقليد وكانت غاياته دنيويّة.

كذلك انتبه الغزالي إلى ظاهرة ترافق تقليد العقائد الوافدة الغريبة في كلّ زمان ومكان وأنّهم في مرتبة عليا لأنّّهم يستشهدون بتقدم العلوم الطبيعيّة والهندسيّة والطبيّة في مواطنها – ولم ينسَ الغزالي أنّ يحذر تلاميذه وعلماء المسلمين من الانزلاق العاطفي الذي قد يدفعهم لمهاجمة العلوم الطبيعية بسبب فساد عقيدة بعض العاملين في ميادينها. كذلك انتبه الغزالي إلى مشكلة نفسية ما زال العالم الإسلاميّ يواجهها حتّى الوقت الحاضر ، وهي أنّ الذين يقلّدون العقائد الغريبة المناقضة للإسلام إنّما يظنّون أنّهم يُصنّفون في عداد الصفوة المثقّفة. كذلك فنّد الغزالي الفكرة التي أشاعها الفلاسفة وهي أنّ قضايا العقيدة قضايا غامضة لا يفهمها إلاّ من أتقنوا علوم الرياضيات والهندسة والمنطق. ولقد خلص الغزالي: بعد مناقشة طويلة مفصّلة لاتجاهات الفلاسفة إلى القول أنّهم يصطدمون بالعقيدة الإسلاميّة بشكل أساسي وأنّ تكفيرهم لا بد منه في ثلاث مسائل: إحداهما: مسألة قدم العالم وقولهم إنّ الجواهر كلّها قديمة. والثانية: قولهم: إنّ الله لا يحيط علماً بالجزئيات الحادثة من الأشخاص. والثالثة: إنكارهم بعث الأجساد وحشرها.

 

أثر الغزالي

تحدث الغزالي عن آثاره وأثره ... ابن النجار – السبكي – أبو الحسن الفارسي .. ولكن أهم جوانب الأثر الذي تركه الغزالي تمثّل في أمريْن:

الأول: مبدأ "الانسحاب والعودة" الذي أصبح مثلاً احتذاه جمعٌ غفيرٌ من مختلف المذاهب والجماعات الإسلاميّة وبذلك برز بين الفقهاء والصوفيّة اتجاه قوي يؤمن بتكامل الجهود والاحتكام إلى القرآن والسنّة.

الثاني: أثره في انحسار التيارات الفكريّة المنحرفة.

وهكذا فجّر الغزالي حركة الإصلاح التي تتابعت حلقاتها بعده حتّى انتهت بدحر الغزاة الصليبين واسترجاع الأرض والمقدّسات.

 

الباب الرابع : انتشار حركة الإصلاح والتجديد

 

 

مدارس الإصلاح والتجديد

 

لقد كان من آثار مدرسة الغزالي ظهور نوع جديد من المدارس والمؤسسات التربويّة الخاصة التي استلهمت روح المنهاج التربويّ الذي بلوره الغزالي ، وانقسمت هذه المدارس إلى قسمين: قسم في بغداد ، لإعداد النابهين للمشيخات التربويّة ، والقيادات السياسيّة والاجتماعيّة ، وقسم ركّز على تربيّة الفلاحين والعامّةعلى أفكار الحركة الإصلاحيّة الجديدة.

وأهم هذه المدارس:

 

أولاً: المدرسة المركزيّة: المدرسة القادريّة

أ. سيرة عبد القادر الجيلاني

 1- مؤسّسها عبد القادر الجيلاني:

   ولد في جيلان عام 470 ه / 1077 م جنوب بحر قزوين ، ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي من              جهة  والده ، وإلى الحسين بن علي من جهة أمه ، والزهد هو الطابع والسمّة الغالبة على أصول       عبد القادر ، تلقّى عبد القادر علومه الأوليّة في جيلان ، وفي عام 488 ه غادر إلى بغداد لإكمال      دراسته ، وكانت الحياة السياسيّة والاجتماعيّة مضطربة فهي امتداد لما وضحناه في عصر الإمام      الغزالي ، أمّا في الميدان العلمي فكان الأفضل : دروس في محاضرات ومراكز علميّة ودعم من      الحلفاء لكلّ هذا والمذهب الجنيدي يدعم التصوف السنّي أمام الاتجاهات الصوفيّة المنحرفة.

   وحياته في بغداد تميّزت بأمريْن: الأول: الفقر والعوز. والثاني: اختلاطه بشيوخ الفقه والزهد           والطلاب الوافدين من مختلف العالم الإسلامي آنذاك.

 

 

 

2- دارسته العلميّة وسلوكه طريق الزهد:

درس الشيخ عبد القادر الفقه الحنبلي ، وبرز فيه ، ثم عمل في الوعظ والتدريس ، ثم سلك طريق الزهد وهو في الخمسين من عمره ، فجمع بين الفقه الحنبلي والزهد الصوفي ، ودفعه إلى ذلك سلوك الوعاظ الذي تحكمه دوافع شخصيّة لا علاقة لها بالدين أو الصالح العام ، وكذلك الفتن والنفاق.

ورأى أنّ على الفقهاء أن يسلكوا الطريق الذي يملأ قلوبهم بالتقوى ، ويوصلهم إلى مقام المعرفة.

والأمر الثاني: الذي أثّر في عبد القادر ودفعه إلى طريق الزهد هو المكانة التربويّة التي تسنمها التصوّف السنّي زمن عبد القادر بسبب جهود الغزالي في هذا الميدان : حيث طبّق مثله مبدأ الانسحاب والعودة ، ولكنّها مرحلة مؤقتة ، فقد مرّ بالمراحل التالية:

المرحلة الأولى: عندما استلهم منهاج الغزالي في الجمع بين الفقه والتصوّف.

المرحلة الثانية: حينما مارس تطبيقات السلوك الصوفيّ على كل من الدبّاس والمخرمي.

المرحلة الثالثة: عندما برز له طابعه الخاص ، وأحكم الجمع بين الفقه والتصوف.

وقد جاء تكامل الغزالي وعبد القادر مثلاً للفرق بين المذهبيّة الحزبيّة التي تسخّر الدين لأهدافها ، وبين التربية التي يوجهها أهداف الدين وصفاؤه.

5

 

ب: عبد القادر والدعوة إلى الإصلاح

لقد أمضى الشيخ عبد القادر في التدريس ثلاثاً وثلاثين سنّة بدأها عام 528 ه حتى وفاته عام 561 ه.

وقد بدأ دعوته إلى الإصلاح بأسلوب جديد يقوم على أمريْن:

الأول: اعتماد التعليم المنظّم والتربيّة الروحيّة المنظّمة.

الثاني: الوعظ والدعوة بين الجماهير.

 

1- التعليم والتربية:

أسس الشيخ أبو سعيد المخرمي مدرسة صغيرة في بغداد وبعد وفاته آلت إلى تلميذه عبد القادر ، الذي جعلها مركزاً لنشاطات: التدريس والإفتاء والوعظ ، وقام الأتْباع والأغنياء بالصرف على الطلاب ، وهذه المدرسة لعبت دوراً رئيسياً في إعداد جيل المواجهة للخطر الصليبي في البلاد الشاميّة ، وسوف نعرض لدور الخريجين وأمثالهم عند استعراض العلاقات بين الحركة القادريّة والحركة الجهاديّة التي كان يقودها نور الدين وصلاح الدين.

 

 

  أ. الإعداد الديني والثقافي:

درّس للكبار والعامّة عقيدة السنّة وفقه العبادات الذي تضمّنه كتابه "الغنية لطالبي طريق الحق" ، أما طلبة المدارس فكانوا يتلقّون إعداداً يتضمن ثلاثة عشر علماً دينياً مع استبعاد علم الكلام والفلسفة ، وكان الجمع بين الفقه والتصوف السنّي شرطاً أساسياً للمريدين.

 

 

  ب. الإعداد الروحي:

على المتعلم أن يلتزم السنّة في كلّ شيء ، وأنّ يتصف بصفات أساسها المجاهدة والتحلّي بأعمال أولي العزم ، وهي:

ألاّ يحلف بالله صادقاً ولا كاذباً عامداً ولاساهياً ، وأن يجتنب الكذب هازلاً أوجاداً ، وأن يفي بما وعد ، أن يتجنّب لعن شيء من الخلق ، أن يتجنب الدعاء على أحد ، ألاّ يشهد على أحد من أهل القبلة بشرك أو كفر أو نفاق ، أن يتجنب النظر إلى المعاصي ، وأن يتجنب الاعتماد على الخلق ، أن يقطع طمعه من الآدميين ، أن يتواضع وبه تعلو منزلة العابد.

 

   ج. الإعداد الاجتماعي:

شمل حياة المريد الخاصة وعلاقته مع الوالدين والأهل ، ثم آداب السفر وضرورة العمل ، وعلاقة الطالب بالشيخ ، وعلاقة المريد برفاقه ، ضمن أمور تشمل أحد عشر توجيهاً .. ، ثم نظّم علاقة الطلبة والمريدين بالمجتمع المحلّي.

 

2- الوعظ وموضوعاته:

كان شديد الحماسة للإسلام مشفقاً لما آلت إليه تعاليمه في حياة الناس ، ويودّ لو استطاع استنفار الخلق جميعاً لنصرة الإسلام ، وكان يرى أنّ صلاح دين الفرد لا يتمّ إلاّ بإصلاح القلب ، وفكّ إساره من حبّ الدنيا والأخلاق الذميمة. ومن الموضوعات التي عالجها: انتقاد العلماء – انتقاد الحكام – انتقاد الأخلاق الاجتماعية المعاصرة – الدعوة لإنصاف الفقراء والعامّة. ولن أفصِّل فيها لأنّه تنسّم فيها خط أبي حامد الغزالي فقد عاشا تقريباً في عصر واحد هو العصر الذي أعدّ فيما بعد نور الدين وصلاح الدين.

 

 

ج. التصدي للتطرف الشيعي الباطني والتيارات الفكريّة المنحرفة:

تميّزت مناقشته: باتّباع الأسلوب الموضوعي كما دلّت على اطّلاع واسع على عقائدهم وفرّق بين الشيعة المعتدلة ومن تستّر بالتّشيع وذكر أنّ للأخيرة جذوراً يهوديّة ولم تصل الانتقادات إلى حدّ الخصومات وكان علماء الشيعة يقصدون مجالسه ويناقشهم.

 

د. محاربة الخصومات المذهبية: 

هاجم عبد القادر التعصّب المذهبي ، ودعا الدعاة الى عدم التعرض للقضايا التي يدور حولها الاختلاف ، فاحتلّ المكانة العالية بين علماء المسلمين ومؤرخيهم باختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم ، فحصل له القبول التّام من النّاس .

 

ه. إصلاح التصوّف:

وذلك بما يلي:

أولاً: تنقيته مما طرأ عليه من انحرافات في الفكر والممارسة ، وردّه الى وظيفته كمدرسة تربويّة.

ثانياً: الحملة على المتطرفين من الصوفيّة ممن تلبّسوا بالتصوف وشوهوا معناه ، وانتقد كلّ أفعالهم التي لا تتفق مع الكتاب والسنّة …الرقص…الألحان…الصرّاخ…

 

و. تعاليم عبد القادر:

1- التوحيد:

     "من لاتوحيد له ولاإخلاص لاعمل له" وللتوحيد علاقة بالحياة الاجتماعية وضابط لتصرفات             الفرد … "وما أمروا إلا ليعبدوا اللَه مخلصين له الدين حنفاء"

 

2- القضاء والقدر:

      أن تكون عقيدة القضاء والقدر حافزاً لنصرة الخير ومقارعة الشرّ.

      وعلى الإنسان أن يعالج الأحوال خيرها وشرّها بالوسائل المشروعة مع الانتظار, وعالج المفاهيم       الخاطئة للشرّ. حيث ناصرته الفرق الباطنيّة أمّا جماهير الأمّة فاستسلموا له ولم يقاوموه…

 

3- الإيمان:

      له مضمونان: مضمون فكريّ وجداني يقتضي العمل والإخلاص ومضمون اجتماعي يقتضي           التكافل الإجتماعي وحسن توزيع الثروات وأنّ وظيفة الحاكم المسلم – إن كان مؤمناً حقاً- هي         السهر على تحقيق العدل في مجال الاقتصاد , وتوزيع الثروات.

 

4- النهوض لحمل رسالة الإصلاح , أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

1- يجب أن يكون القائم بالأمرعالماً , أحكم علوم الشريعة وسلوك الزهد.

2- أن يكون عالماً بالمنكر الذي ينهي عنه على وجه قطعيّ , خوف الوقوع في الظنون والإثم.

3- أن يكون قادراً على الأمر بالمعروف , دون أن يؤدي الى فسادٍ عظيم , أو ضرر في نفسه          وماله وذلك :

1) بأن تكون الغلبة لأهل الصلاح وعدل السلطان وإعانة أهل الخير.

2) وأن يكون من أهل العزيمة والصبر فمن اتّصف بهذه الصفة كان كالمجاهد في                  سبيل الله لاسيما اذا كانت كلمته عند سلطان جائر.

 

5- العمل والإخلاص:

      وذلك بإفراد القصد لله ، وإعزاز الدين دون رياء أو سمعة أوحميّة للنفس ، وأن يعمل بما يأمر   

      وينتهي عمّا ينهى عنه ، وتطالعنا في مجال الأمر بالمعروف: عدم الدعوة للجهاد العسكريّ لنفس            الأسباب التي ذكرناها في حديثنا عن الغزالي… ومع أنه لم يتحدث عن أخطار الصليبيين               وبشاعاتهم ، إلاّ أنّه وجّه ثمرات عمله وإصلاحه لمواجهة هذه الأخطار ومضاعفاتها.

 

6- منزلة الدنيا والآخرة:

     التّصور القادريّ للدنيا والآخرة يشابه تصوره للتوحيد والإيمان بمعنى أنه ذو مضمونيْن: اعتقادي       واجتماعي…

 

ز. الدعوة بين غير المسلمين:

لا نملك تفصيلات عن جهود عبد القادر في هذا المجال ، سوى ما تذكره المصادر عن نتائج هذا النشاط ، إذ يذكر سبط بن الجوزي والتادفي أنّه أسلم على يد عبد القادر معظم اليهود والنصارى في بغداد ، ويذكر التادفي أنّ عدداً من المسيحيين قدموا من اليمن ، وأسلموا على يد الشيخ عبد القادر لسماعهم بشهرته.

 

ثانياً: مدارس النواحي والأرياف والبوادي:

ذكر الكتاب ما يزيد عن أربع وعشرين مدرسةً لا تختلف عن بعضها سوى باسم مؤسسها:

 

مدارس النواحي و الأرياف والجبال

1- المدرسة العدويّة

2- المدرسة السهروديّة

3- المدرسة البيانيّة

4- مدرسة الشيخ رسلان الجعبري

5- مدرسة حياة بن قيس الحراني

6- مدرسة عقيل المنبجي

7- مدرسة الشيخ علي بن الهيتي

8- مدرسة الحسن بن مسلم

9- مدرسة الجوسقي

10- مدرسة الشيخ عبد الرحمن الطفسونجي

11- مدرسة موسى الزولي

12- مدرسة محمد بن عبد البصري

13- مدرسة جاكير الكردي

14- المدارس البطائحية – الرفاعية

15- مدرسة القيلوي

16- مدرسة علي بن وهب الربيعي

17- مدرسة الشيح بقابن بطو

18- مدرسة عثمان بن مرزوق القرشي

19- مدرسة الشيخ ماجد الكردي

20- مدرسة أبو مدين المغربي

21- مدرسة أبو السعود الحريمي

22- مدرسة ابن مكارم النعال

23- مدرسة عمر البزاز

24- مدرسة الجبائي

 

ومن أهمها:

المدرسة العدويّة: مؤسسها الشيخ عديّ بن مسافر: اجتمع بالشيخ عبد القادر في بغداد ، ثم استقرّ في منطقة "جبل هكار" في شمال العراق بين قبائل الأكراد والهكاريّة ، وأثّر بهم كثيراً ، ويذكر القادفي أنّ الشيخ عديّ كان عالماً مبتحراً في علوم الشريعة ، كان بالمستوى نفسه الذي تسنمه الغزالي وعبد القادر ، مع الإشارة إلى أنّ غالبيّة مشايخ مدارس الإصلاح التي نستعرضها هنا ركّزوا على التربية أكثر من التأليف ، وقد لعب أكراد هكار دوراً كبيراً فيما بعد في جيش صلاح الدين ، حيث شكلوا أهم فرقة ، واحتلّ عدد منهم منزلة الأمراء والقادة الذين حققوا الانتصارات وأنجزوا الفتوح.

ومن هذه المدارس – السهرورديّةالبيانيّة (ابن الحوراني) في دمشق – مدرسة رسلان الجعبريمدرسة حياة بن قيس الحرّاني: حيث كانت مدينة حرّان مركزاً للعلم والتربية حيث تخرج منها كبار العلماء والمربين كأسرة (ابن تيميّة) – مدرسة عقيل المنبجي - المدارس البطائحيّة الرفاعيّة: البطائح جنوب العراق: منصور البطائحي بعد أن توفي أوصى لابن أخته الشيخ أحمد الرفاعي الذي صادف حركة الإصلاح والتجديد فاشتهرت المدرسة فيما بعد باسمه ولقد استمرّ الشيخ أحمد الرفاعي في التدريس والتربية وكان له علاقات مع شيوخ مدارس الإصلاح والتجديد.

وممّا يكمل الصورة التي تناولها البحث أن نقول: إنّها كانت تطبق منهاجاً موحداً في التربية والتدريس ، يتطابق إلى حد كبير مع التفصيلات التي أوردناها عن مناهج المدرسة الغزالية والمدرسة القادريّة – السالف ذكرها – وأنّها كان لها امتدادات أصغر في الأرياف والجبال والبوادي بحيث يمكن القول أنّها بلغت المئات.

 

دور المرأة المسلمة في حركة التجديد والإصلاح

 

نهضت المرأة المسلمة لتحمل مسؤولياتها في حركة الإصلاح والتجديد التي أخرجت جيل نور وصلاح الدين ، ورغم المقتضب من الأنباء التي دُوِّنت حول هذا الموضوع ولكنه يقدم صورة واضحة عن جهود مسلمات تلك الفترة. 

1- من المنتسبات إلى المدرسة القادرية الشيخة عائشة بنت محمد البغدادي التي أجازها الشيخ                  عبد القادر الكيلاني ، وكرست وقتها لوعظ النساء ، وصارت من طلائع الوعد والإرشاد            والعبادة   والصلاح ، وعمّرت طويلاً حتى توفيت عام 641 ه.

2- الشيخة تاج النساء بنت فضائل بن علي التكريتي زوجة عبد الرزاق بن عبد القادر الكيلاني        صَحِبَتْ الشيخ عبد القادر ، ثم صارت من العالمات الواعظات المشهورات توفيت عام 613        ه.

3- من المنتسبات إلى المدرسة السهروردية الشيخة المعروفة باسم خاصة العلماء ، بنت               المبارك بن أحمد الأنصاري زوجة الشيخ أبي نجيب مؤسس المدرسة. بنت رباطاً خاصاً في        بغداد , ووعظت النساء وعلمت البنات ، توفيت عام 585 ه.

4- ومن أتباع المدرسة السهوردية أيضاً الشيخة شمس الضحى بنت محمد بن عبد الجليل توفيت      عام 588 ه.

5- الشيخة جوهرة بنت الحسن بن علي بن الدرامي: الزوجة الثانية بعد وفاة الأولى لمؤسس          المدرسة السهروردية توفيت عام 604 ه.

6- الشيخة صلف بنت أبي البركات ... توفيت عام 611 ه. تتبع المدرسة السهروردية.

7- الشيخة فاطمة بنت محمد علي البزازة البغدادية: درس عليها عدد كبير من خريجي المدرسة       القادرية ودرس عليها خلق كثير من الرجال والنساء .. حدث عنها كثيرون من مؤرخي تلك        الفترة توفيت عام 574 ه.

8- الشيخة شهدة بنت أحمد بن الفرج المعروفة ب(فخر النساء): درست على كبار العلماء              ودرس عليها خلق كثير من الرجال والنساء .. حدث عنها كثيرون من مؤرخي تلك الفترة.         توفيت عام 574 ه.

9- الشيخة زينب بنت أبي البركات البغدادية.

10- الشيخة جليلة بنت علي بن الحسن الشجري.

وغيرهن كثير.

ولم تكن هذه النماذج العالمة المصلحة من النساء المسلمات اللاتي اشتركن في حركة الإصلاح والتجديد والتي خرَّجت جيل صلاح الدين إلاّ عينة قليلة من جيل نسائي شمل الألوف اللواتي تواترت الكتابة عنهنّ في كتب طبقات المحدثين والفقهاء وكتب التاريخ المختلفة.

 

 

 

التنسيق بين مدراس الإصلاح وتوحيد مشيخاتها

في الفترة الواقعة بين عامَيْ 546 ه – 550 ه جرت حركة تنسيق واتصالات بين مدراس الإصلاح ، بهدف توحيد الجهود ، وتنظيم التعاون لإيجاد قيادة موحدة على مستوى العالم الإسلاميّ.

1- أول الاجتماعات في رباط المدرسة القادريّة في "الحلّة" في بغداد ، حضره مايزيد عن الخمسين         من شيوخ العراق وخارجه.

2- والاجتماع الثاني خلال موسم الحج ، حيث حضره شيوخ المدراس الإصلاحيّة من مختلف أرجاء       العالم الإسلاميّ.

3- ثم تلا ذلك اجتماع موسع وأهم نتائجه تكوين قيادة واحدة كالتالي:

     القطب الغوث – ثم يليه الأبدال – ثم الأوتاد والأولياء – فإذا توفي أحد الأبدال قام القطب الغوث       بتعيين من يحلّ محلّه. (وكان أول قطب غوث الشيخ عبد القادر الجيلاني).

     وقد ترتّب على هذا الاتحاد بين مدارس الإصلاح آثار هامّة منها:

    الأول: وحدة العمل لدى مدارس الإصلاح عامّة – اجتماعات – لقاءات.

    الثاني: إنّ المدارس والرباطات المختلفة أخذت ترسل إلى المدرسة القادريّة النابهين من طلابها                    والمتقدمين من مريديها ، الذين ترى فيهم مؤهلات المشيخه في المستقبل.

      الثالث: إنّ أحكام الربط بين تعليم الفقه وسلوك الزهد ، أدّى إلى خفة – بل ربما اختفاء معارضة                  الفقهاء ، وإلى التعاون بين الطرفين ، ورأى ابن تيميّة في قيادات هذه المدارس نماذج                    فريدة في الجمع بين الفقه والزهد فأسماهم "الشيوخ الكبار المتأخرين".

      الرابع (وهو الأهم): هو خروج الزهد من عزلته التي كان فيها في حالة التصوّف ، وإسهامه في               مواجهة التحديات التي تجابه العالم الإسلاميّ ، فقد توثقت الصلات بين نور الدين الزنكي                      في دمشق  وبين شيوخ مدارس الإصلاح في بغداد وحرّان وجبال هكار ودمشق ، ثم أعقب               ذلك تواعي هذه المدراس للعمل مع نور الدين ، فصلاح الدين ، واستمرّ هذا التعاون حيث               أولى السلطانان عنايتهما الفائقة بهذه المدارس ، وبَنَيا لها فروعاً جديدة ، أَوْقَفَا عليها                       الأوقاف ، في المقابل حملت هذه المدارس مسؤولياتِها , وأخذت دورَها في التوجيه المعنوي              للجهاد بطريقةٍ فعّالةٍ ناجحة.

 

الباب الخامس: الآثار العامّة لحركة الإصلاح والتجديد

 

 

إخراج أمّة المهجر ]الدولة الزنكية[ وسياساتها في الإصلاح

 

بدأت نواة هذه الدولة خلال حياة نظام الملك السالف ذكره ، حيث أشار على السلطان ملكشاه بتولية "آق سنقر قسيم الدولة" مدينة حلب وأعمالها وحماه ومنبج واللاذقية وما معها فكان من أحسن الناس سياسة للرعية ، ودفاعاً عن ديار المسلمين ، وفي عام 487 قُتل آق سنقر وخلفه ابن عماد الدين زنكي ، وفي عام 512 ه نشبت الفتنة بين السلطان والخليفة ، ثم تتالت الفتن فضرب اليأس النفوس والعناصر العسكريّة والفكريّة (أبي حامد الغزالي) فاتجه عماد الدين اتجاهاً جديداً...

وانتهى القائمون على الإصلاح والتجديد إلى التفكير في بناء أمّة إسلاميّة جديدة بدل الاستمرار في ترميم "أمةٍ" لفظت أنفاسها. فبدأ بتوطيد أركان دولته الجديدة ، فلمّا قضى شهيداً على أيدي المتآمرين خلفه ابنه نور الدين ، الذي أعطى الدولة الجديدة طابعها الإسلامي المميّز ، وهيأها لحمل رسالتها كاملةً ، وأصبحت دولة آل زنكي دار هجرة فتحت أبوابها لكل المخلصين ، ووزعت الأدوار بينهم.

والمؤرخون قديماً أهملوا دور العمل الجماعي ... حيث أبرزت قيادة نور الدين أثر التخطيط والتعاون الجماعي فكان وزير عماد الدين (مروان بن علي ... الطننري) أحد تلاميذة الغزالي قد ورد إلى بغداد وتفقّه على الغزالي والشادي ، ثم عاد إلى بلده ليدبر أمور الوزارة حتى وفاته ، عام 540 ه .

ولقد تميّزت سياسة الدولة الجديدة – خلال فترة نور الدين – بأمور ستة:

الأول: إعداد الشعب إعداداً إسلاميّاً ، وتطهير الحياة الدينيّة والثقافيّة من التيارات الفكريّة المنحرفة.

الثاني: صبغ الإدارة بالصبغة الإسلاميّة ، وشيوع العدل والتكافل الاجتماعي.

الثالث: نبذ الخصومات ، وتعبئة القوى ، وتنسيق جهودها ضمن منهاج عمل موحد.

الرابع: ازدهار الحياة الاقتصاديّة وإقامة المنشآت والمرافق العامّة.

الخامس: بناء القوّة العسكريّة ، والعناية بالصناعات الحربيّة.

السادس: القضاء على الدويلات المتناثرة في بلاد الشام ، وتحقيق الوحدة الإسلاميّة بين الشام ومصر والجزيرة العربية.

 

 

 

إعداد الشعب إعداداً إسلاميّاً وتكامل الجهود التربويّة

 

اعتبرت الدولة الجديدة الإنسان المسلم هو الدعامّة الرئيسية التي يقوم عليها بناء الأمّة الإسلاميّة ، فأعدّت خطة شاملة لإعداد الشعب تناولت التعليم – التوجيه والإرشاد – الإعداد العسكري.

 

1- دور التعليم ومؤسساته

بناء المدارس والمساجد ودور الحديث – مشاهير العلماء

المساجد تعدّ جيلاً جديداً ليحتلّ المرتبة الحقيقيّة للإنسان المسلم.

والمساجد كانت مراكز تعليميّة ركّزت على بثّ الروح الإسلاميّة من جديد وركّزت على تحقيق التعاليم والمذاهب الاسماعيليّة والفلسفيّة.

ولقد بلغ هذا الاهتمام بالتعليم أوجَهُ زمن نور الدين يقول أبو شامة: أنّ نور الدين أوجز هذه السياسة التعليميّة بقوله: "ما أردنا ببناء المدارس إلا نشر العلم ودحض البدع من هذه البلدة وإظهار الدين" وقد شملت الصفة الجماعية جميع أوجه النشاط التعليمي.

 

2- التوجيه والإرشاد الجماهيري:

استهدف جماهير المسلمين من التجار والعمال والمزارعين "تعليم الكبار" محو الأميّة مع الأخلاق والقيم والعقيدة ، تخصص به شيوخ التصوف بعد إصلاح التصوف على يد الشيخ عبد القادر وأصحابه ، وتزامن هذا مع جهود نور الدين التعليميّة والتربويّة.

 

3- الإعداد العسكري:

نشطت الدولة في تدريب كافة جماهير الأمّة تدريباً عسكريّاً وذلك بإعداد معنوي روحي ، ثم تدريب عسكري ، وألّف نور الدين كتاباً في الجهاد ، وتكاملت الجهود التعليميّة والتربويّة لتناقش كافة الموضوعات بروح علميّة متسامية ، وكان نور الدين نفسه يحضر هذه المجالس ويجلس أمام العلماء والشيوخ كما يجلس الأفراد العاديون ، وضم نور الدين مملكة دمشق إليه ، وتداعى الجميع إلى الدولة الجديدة دار الهجرة.

وهكذا حلّ الطابع الإسلامي الذي تجلّت من خلاله الروح الإسلاميّة التي هيّأَت المجتمع وأفراده ، وفي هذه الميادين كانت تربية الشابّ صلاح الدين ، ولقد ترتب على هذه الجهود التربويّة والتعليميّة لتغيير ما "بأنفس القوم" من أفكار وتصوّرات وقيم واتجاهات أن برز جيل مسلم يختلف عن الأجيال السابقة ... واللاحقة ..

 

حياة القائد صلاح الدين

وكان من أفراد هذا الجيل الجديد شاب يافع هو صلاح الدين بن يوسف الذي خلف نور الدين فيما بعد وتعتبر مسيرته معروفة باسم "المحاسن اليوسفيّة والنوادر السلطانيّة" ، من أوثق المصادر التي أرّخت لصلاح الدين ، وقد ألّفها ابن شداد ، وكان قاضياً لعسكر صلاح الدين ،

ُولِد صلاح الدين في قلعة "تكريت" ، ونشأ في الموصل وبعلبك في كنف والده الذي كان أحد ضباط نور الدين. وكان شاباً عادياً إلى أن خرج في جيش عمّه أسد الدين شيركوه إلى مصر ، وانضمّ إلى معسكر عقائدي يموج بالإعداد الفكري والروحي والعسكري ، فتبدّلت شخصيّة صلاح الدين بتأثير التوجيه الإسلاميّ الذي تعرّض له ، واتخذ موقعه في الحركة الإسلاميّة التي يقودها نور الدين ، ولا نخجل كما فعل البعض من إيراد سيرته في أول حياته ، وإن كره البعض هذا لأنّ ما استعرضناه إنّما هو مفخرة للإسلام في استمرار قدرته في إعادة صياغة البشر وإن سقطوا.

 

هذه هي الصورة التي يجب أن تُعرض حتى تكون أملاً وحافزاً للأجيال الحاضرة ، التي تفترسها تيارات الإحباط والفشل والانحلال ، فالإسلام الذي أعاد صياغة صلاح الدين وجيله قادر على إعادة صياغة من يوصمون بالانحلال والتمرد على القيم والأخلاق ، إذا برزت المؤسسات التربويّة الحكيمة الواعية - فهؤلاء الشباب هم المادّة الخام التي يجب العناية بها حتى يخرج من صفوفهم : "صلاح الدين الجديد" وأعوانه وأركان قيادته وإدارته ، إذا توفّر المنهاج التربوي المحكم ووجدوا "علماء الآخرة" الذين يفقهون تزكية النفوس ويحكمون صياغة السلوك والتفكير ، بدلاً من علماء الدنيا الذي يخطبون ويتكسبون بتتبع عورات الشباب ، والتشهير بأخطائهم فوق المنابر ، وفي ندوات التلفزيون ، وفي الأحفال العامّة، ويعيشون على إثارة الخصومات "الحزبيّة والمذهبيّة" بين الطلبة في الجامعات ودور العلم.

 

 

صبغ الإدارة بالصبغة الإسلاميّة وتكامل القيادات الفكريّة والسياسيّة

 

إنّ أغلبية عناصر هذه القيادات تخرجّت من مدارس الإصلاح مع شيءٍ من التوزيع والتخصص العام ، لذلك جاءت الصفات العامّة للدولة الجديدة وهي:

1- الصبغة الإسلاميّة للقيادات السياسيّة والإداريّة والعسكريّة:

حيث تميّزت هذه القيادات بالتزامها العقائدي في جيمع نشاطاتها ، وممارساتها ، والسبب في ذلك يعود إلى تربيتها الإسلاميّة – نور الدين – صلاح الدين - القاضي الفاضل وزير صلاح الدين ضياء بن عيسى الهكاري أكبر أمراء الجيش زمن صلاح الدين. بهاء الدين قراقوش وهو من أروع القادة وأشجعهم ، بنى سور القاهرة وقلعة الجبل فيها ... وقد أظهر هذا الرعيل من المهارات في التخطيط والتنفيذ وحشد مقدرات الأمّة ما هيأها لمجابهة التحدّيات في الداخل والخارج.

ومن هذه المزايا:

1. تكامل القيادات الفكريّة والعسكريّة.

2. اعتماد الشورى وعدم الانفراد باتخاذ القرارات.

3. غلبة المصلحة العامّة على الانفعلات والمصالح الشخصيّة في معالجة المشكلات التي تثور بين الأقران.

4. التفاني في أداء الواجب بتعاونٍ وتآخٍ.

ومما لاحظه الدكتور حسين مؤنس أنّ تعلقهم بالدين جعلهم يتخيرون أسماءهم على نحو يتفق مع هذه النزعة: عماد الدين – سيف الدين – نور الدين – صلاح الدين – أسد الدين – نجم الدين – زين الدين .. وهذا التعلق بالدين جعلهم يحرصون على الجهاد والاستشهاد.

 

2- الزهد والتعفف وبذل المال في الصالح العام:

تجلّت آثار التربيّة الإسلاميّة في مواقف رجال الدولة والإدارة من الثروات والسياسة الاقتصاديّة ، فقد زهدوا في المكاسب وعزفوا عن الاحتكار والترف ، وإليكم ما قاله نور الدين الذي عده المؤرخون سادس الخلفاء الراشدين عندما طلبت زوجته زيادة نفقتها فقال لأخيها: من أين أعطيها ما يكفيها؟ والله لا أخوض في نار جهنّم في هواها .. وما بيدي هي أموال المسلمين مرصدة لمصالحهم ، وأنا خازنها فلا أخونهم فيها!

وهذا ما فعله صلاح الدين ورجاله وقادته ونساؤهم . روح باذلة كما قال ابن جبير شملت الجميع.

 

3- توفر الأمن والعدل واحترام الحرمات العامّة:

 يقول ابن الأثير عن هذه الفترة:

"لقد طالعتُ تواريخ الملوك قبل الإسلام وبعده .. فلم أرَ فيه بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكاً أحسن سيرةً من الملك العادل نور الدين ، ولا أكثر تحرّياً للعدل والإنصاف منه .."

لم يعاقب على المظنّة والتهمة بل يطلب الشهود ويعاقب العقوبة الشرعيّة – اتخذ لنفسه مجلساً ليصل إليه كل واحد من المسلمين وأهل الذمّة ، وهو أول من ابتنى داراً للعدل وتولاّها بنفسه..

وهكذا تواترت أخبار الأمن والعدل ، واحترام الحرمات العامّة، كحرية الرأي ، والمحافظة على كرامّة الفرد ، وعلى هذه السيرة سار صلاح الدين .. ألاّ يظلم أحداً ، ولا يتعرض للضغط والأذى ، وتقبل النقد ، وهذا ما فعله نور الدين عندما أمر بإلغاء المكوس والضرائب بعد قصيدة أبي عثمان ، كما منع كل ما من شأنه أن ينمّي روح التزلف والنفاق للمسؤولين.

 

 

التعاون بين مدارس الإصلاح والدولة الزنكيّة – الأيوبيّة

 

من مظاهر هذا التعاون:

1) الإسهام في إعداد أبناء النازحين من مناطق الاحتلال الصليبي:

    بعد أن تستقدمهم كانت توفر لهم الإقامّة والتعليم ، ثم تعيدهم إلى مناطق الثغور والمرابطة ،            ويعرفون باسم المقادسة.

      يذكر بسيط ابن الجوزي في كتابه "مرآة الزمان" أنّ والد موفق الدين بن قدامه حين نزح من بلاده      إلى دمشق ، كان يقوم بنشاط دائب لحشد الطاقات في مواجهة الاحتلال الصليبي ، وأنّ داره في        دمشق كانت ملتقى القيادات الفكريّة والسياسيّة ، وأنّ نور الدين زنكي نفسه كان يداوم على              حضور هذه اللقاءات ، ويجلس كأحد الأفراد العاديين.

 

2) هجرة العلماء والعمل في المدارس النوريّة والصلاحيّة:

     تداعى العلماء وخريجو المدارس الإصلاحيّة من كل قطر للعمل في المدارس التي أنشأها نور          الدين وصلاح الدين ، من ذلك ما قام به خريجو المدارس القادرين ، حيث كان على رأس               المهاجرين إلى هناك موسى بن الشيخ عبد القادر ، الذي قدم إلى دمشق ، واشتغل بالتدريس حتى       وفاته عام 618 ه .

     وقد بنى نور الدين مدرسة في حرّان وأسلمها إلى أسعد بن المنجا بن بركات ، ومدرسة أخرى         أسلمها إلى حامد بن محمود ، وفي زمن صلاح الدين عمل في التدريس موفق الدين عبد الله بن        قدامه الذي تخرج من المدرسة القادريّة في بغداد ... ومن مشايخ الأكراد الشيخ عبد الرحمن بن        عثمان الصلاح والد المحدث المشهور الشهرزوري وغيرهم.

 

3) المشاركة في الجيش والجهاد العسكري:

     وأبرز المدارس التي رفدت هذا الميدان هي المدرسة العدويّة وفروعها التي أسسها الشيخ عدي بن      مسافر في جبال هكار ، حيث شكّل خريجو هذه المدارس من الأكراد الهكارية والرواديّة جمهرة       أمراء الجيش وقادة الفتح وجنوده ، ويأتي على رأس هذه الجماعات أسرة صلاح الدين الأيوبي ،       وهم من الأكراد الروادية ... وأصلهم من بلدة (دوين) ، خرجوا من بغداد ومن هناك نزلوا             (تكريت) حيث ولد صلاح الدين ، والتحق نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه بخدمة عماد الدين      زنكي ، أما الأكراد والهكاريّة فقد شكّلوا فيما بعد أمراء جيش صلاح الدين وقادته ، ومن أشهرهم      الأمير: سيف الدين  المشطوب وكذلك ضياء الدين عيسى بن محمد الهكاري الفقيه المحقق ، الذي      أصبح من كبار أمراء الدولة الصلاحيّة.

 

 

4) المشاركة في ميادين السياسة

     اشتغل نفر من تلاميذ المدرسة القادريّة مع نور الدين ثم صلاح الدين في السياسة ولعب بعض          أدواراً في غاية الخطورة ، منهم: أسعد بن المنجا بن بركات ، وأوفر المعلومات جاءت عن زين      الدين على بن نجا الوعظ الأنصاري الدمشقي: وهو من رجال صلاح الدين ومستشاريه ، روى        عنه التادفي رواية بسيطة لا تصدق عن اتصاله بالفاطميين وتحالفه معهم ، وحقيقة الأمر: أنّ لقاءه       مع "الغز" أي القيادة النوريّة ، ثم "الخليفة الفاطمي" إنّما كان بتوجيه الشيخ عبد القادر ، الذي كان       ينسِّق مع الشيخ عثمان بن مرزوق القرشي قائد المعارضة السنيّة وشيخ المدرسة الإصلاحيّة في       مصر ... وقد نسّق ابن نجا مع الشيخ عثمان قدوم أسد الدين شيركوه إلى مصر ، وخطوة ابن نجا      تجاه الفاطميين كانت تستهدف الإطلاع على مواطن الضعف والقوّة عندهم ، والتأثير في عملية         التعبئة الإعلاميّة التي كان يقودها أمثال الشيخ عثمان بن مرزوق ، ويضيف ابن رجب أنّ صلاح       الدين كان يسمي ابن نجا عمرو بن العاص ويعمل برأيه لسداد رأيه وسعة حيلته ، وعندما خرج        صلاح الدين لمحاربة الصليبين في بلاد الشام كان يكاتب زين الدين بن نجا بوقائعه ، وقد استمرّ       ابن نجا يعمل مع صلاح الدين حتّى دخل معه بيت المقدس فاتحاً ، وألقى في المسجد الأقصى أول      مجلس للوعظ  كما سنرى.

 

 

ازدهار الحياة الاقتصاديّة وإقامة المنشآت والمرافق العامّة

 

تبدّل التّصور الاقتصادي الذي يوجه طرق الكسب وطرق الإنفاق عند الجيل الجديد ، وصارت المفاهيم الاقتصاديّة العامة تقوم على أساس الكسب المشروع والإنفاق المشروع ،

ونتيجة لشيوع هذا المفهوم جاءت التطبيقات الاقتصاديّة كما يلي:

 

1- ازدهار الحياة الاقتصاديّة والعمل:

أولى كلّ من نور الدين وصلاح الدين عنايتهما للحياة الاقتصاديّة ، وأزالا كافة الضرائب والمكوس عن كافة البلاد ، وكان لهذه السياسة أثرها في تشجيع النموّ الاقتصاديّ ، وإقبال الناس على الإسلام في العمل والبناء ، وقد مضى كل من نور الدين وصلاح الدين في تشجيع الحياة الاقتصاديّة ، فأقيمت الخانات والفنادق على طرق القوافل بين المدن والمقاطعات ، وأجري فيها الماء والصهاريج ، وبُنيت الأسواق التجاريّة وازدهرت الصناعات المختلفة والزراعة الواسعة ، وإلى جانب فرص العمل كانت هناك فرص للتعليم الحرفي.

 

2- إقامة المنشآت والمرافق العامّة:

شملت الرعاية والعناية جميع نواحي البلاد من المدن والقرى وجميع ميادين الحياة فيها ، فلم تقتصر المساجد والمستشفيات والحمامات على جهة دون أخرى ، بنى نور الدين مشفى في دمشق ، وأمر بإصلاح المسجد الأموي ، وأصبحت دمشق مفخرة من مفاخر الإسلام ، ومن أحسن الدنيا منظراً ، كما أوقف نور الدين أوقافاً خاصة لسكان الحرميْن وأقطع أمراء العرب الإقطاعات حتّى لا يتعرّضوا لقوافل الحجاج ، وألغى صلاح الدين رسوم المرور التي كان الحجاج يدفعونها.

 

 

بناء القوة العسكريّة والصناعة والتحصينات الحربيّة

 

أولت الدولة بقيادة كلّ من نور الدين وصلاح الدين عناية فائقة لأمور الجيش ، وبناء القوة العسكريّة ، وإقامة التحصينات والقلاع ، والمصانع الحربيّة ، كما امتازت القيادة بمهارة فائقة. وكان نور الدين يتولّى بنفسه تفقد أحوال الجند وخيولهم وأسلحتهم.

كما بُنيت زمن نور الدين أسوار المدينة الشاميّة وقلاعها ، وكذلك الأبراج على الطرق بين المسلمين والفرنج.

وكان نور الدين يتحرّى السنن الإسلاميّة في الأمور العسكريّة.

أمّا - زمن قيادة صلاح الدين – فقد فاقت الوصفَ العنايةُ بالناحية العسكريّة ، بُني الكثير من التحصينات العسكريّة ، وأُنشئت فرق جديدة عرفت باسم "الفرق الصلاحيّة" ورُفع مستوى المهارات القتاليّة ، إلى درجة جعلت الجيش الإسلامي آنذاك على أرفع مستوى.

وكان هناك جيش دائم وفرق مساعدة غير نظاميّة لا تقلّ مهارة عن الجيش.

ولقد أنشاً صلاح الدين ديواناً خاصاً بالأسطول.

كذلك أقيمت المصانع الحربيّة التي تزوّد الجيش والأسطول بكلّ أنواع الأسلحة والذخائر المستعملة آنذاك.

 

 

 

بناء الوحدة الإسلاميّة وتحرير المقدسات والأراضي المحتلّة ومحاولة استئناف الفتوحات الإسلاميّة

 

كانت أولى بدايات الوحدة انضمام مملكة دمشق عام 545 ه / 1151 م ، بعدَ مناوآت طويلة من صاحبها ، عمد خلالها إلى معارضة الوحدة ، وإلى التحالف مع مملكة الصليبين في القدس ضد الدولة المسلمة الفتيّة. وازدادت جبهة الإسلام قوةً بدخول دمشق ورجالها وأنجادها في جبهة الجهاد والتحرير ، وانفتح الطريق إلى مصر.

كذلك قامت المواجهة مع دولة انفصاليّة أخرى هي دولة الفاطميين في مصر ، فعمد نور الدين إلى تصفية الجيوب الصليبية التي تقع بينه وبين مصر ، وأرسل إلى مصر الدعاة والوعاظ لتهيئة الرأي العام لاستقبال الفاتح المخلص وللانضمام إلى ركب الوحدة الإسلاميّة.

من هؤلاء الدعاة ابن نجا الواعظ – محمد بن الموفق الخبوشاني الذي شجّع صلاح الدين على غزو مصر.

وجاءت الفرصة عندما اختلف حكام مصر الظلمة: أمثال القائد ضرغام بن ثعلبة والوزير شاور – حول مصالحهم الشخصيّة ، واستنجادهم بالصليبين وبنور الدين ضد بعضهم البعض. فأرسل نور الدين حملة عام 562 ه / 1167 م بقيادة أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين ، فدخلت مصر ، فوجدت الصليبين قد أرسلوا حملةً أخرى ، ... وجرت مناورات ولم تستقرّ الأمور لنور الدين في مصر حتى عام 564 ه / 1169 م حين قَتل صلاح الدين شاور لخيانته للجبهة الإسلاميّة ومؤامراته مع الصليبين.

 

أثر دخول مصر إلى جبهة الجهاد

وكان لدخول مصر في دولة نور الدين دويّ بعيد لا في مملكة القدس الصليبيّة فحسب ، وإنّما في الغرب الأوربي كلّه ، حيث أخذوا يعدون العدّة لحملة صليبيّة جديدة على الشرق ، وقد أدى تطور الأحداث التي تلت إلى إلغاء الخلافة الفاطمية نهائياً ، وضمّ مصر إلى الدولة الإسلاميّة ، وبعد استرجاع نيفاً وخمسين مدينة من الصليبين ، عزم نور الدين على فتح بيت المقدس: وأعدّ منبراً جديداً للمسجد الأقصى ولكم المنيّة وافته عام 569 ه / 1169 م.

 

 

صلاح الدين وفتح بيت المقدس

آل الأمر بعد وفاة نور الدين إلى كبير رجاله وواليه على مصر صلاح الدين الأيوبي ، الذي مضى على الطريق نفسه لتحقيق الأهداف نفسها.

نازل المسلمون الصليبين حتى حان الوقت ، فراحوا يزحفون نحو القدس يضم جيشهم الأمراء والعلماء والفقهاء والصوفيّة بمختلف مذاهبهم وتخصصاتهم ، أمثال: موفق بن قدامه وأخوه محمد بن قدامه وابن نجا الواعظ...

(حاشية: جاء في الكتاب ص 305 مقتل شاور 564 ه / 1169 م ثم وفاة نور الدين عام 569 ه / 1169 م وكان يجب أن يكون 1174 م أرجو التحقق من ذلك.)

فتح بيت المقدس

 

التحم المسلمون بالمحتلين متدافعين للجنّة والاستشهاد ، ثم دخلوا المدينة المقدسّة (الله أكبر) مكبّرين مهلّلين ، وتوجّهت جموع الجماهير إلى الأقصى المحرر ، ونظّفوه ممّا تراكم فيه من أوساخ الصليبين المحتلين وقاذوراتهم ، وفي أول يوم جمعة أقيمت فيه (امتلاً الجامع وسالت لرقّة القلوب المدامع)

وكانت أول خطبة ألقاها ابن الزكي الشافعي.

وكان أول واعظ ابن نجا القادري الحنبلي ... وهكذا تكرر الوعظ في الجمعة الثانية ...

ويذكر ابن شداد أنّ السلطان صلاح الدين بعد أن فتح القدس ، أخبره بأنّ هدفه الآن أن يموت أشرف الميتات ، فلمّا سأله عن كيفية ذلك؟ أجابه: أنّه يرغب بأن يركب البحر ، ويغزو مواطن الفرنجة في أوربا لنشر الإسلام.!!

فاتّخذ الإجراءات الأوليّة لاستئناف الفتوحات الإسلاميّة ، وكان لا بدّ من تعاون دولة الشرق (دولته) ودولة الموحدين في الغرب ، حيث تتلمذ محمد بن تومرت على يد الأشاعرة الشافعيّة ، وقابل الغزالي واستلهم أفكاره.

أرسل صلاح الدين إلى سلطان الموحدين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وفداً برئاسة عبد الرحمن بن منقذ ، وأرسل معه رسالة في هذا الأمر ، ولم تفد المراسلة لأنّها لم تذكر اسم يعقوب باسم "أمير المؤمنين" ، ولم يكتبها صلاح الدين أي عبارة أمير المؤمنين خوفاً من إغضاب العباسيين ، ولقد ذاق الموحدون فيما بعد – نتائج قصر نظرهم.

فسقطت الأندلس ، وتعرّض المغرب لهجمات البرتغال والأسبان قروناً ، انتهت باحتلاله ومعاناته من الاستعمار الأوربي حتى العصر الحديث.

 

 

وفاة السلطان صلاح الدين الأيوبي

على أنّ صلاح الدين بعد ذلك سرعان ما ظهر عليه الإرهاق الجسدي ، وتناولت جسمه عدد من الأمراض ، إلى أن عاجلته المنيّة في دمشق ، حيث دُفن إلى جوار نور الدين عام 589 ه ، وبموته توقّف مشروع الفتوحات الإسلاميّة.

هذه الاستراتيجية التي عملت لمدّة نصف قرن كامل ، هيّأت المجتمع الإسلاميّ لمواجهة الأخطار التي أحاقت به – فكان نور الدين وصلاح الدين طليعة جيلٍ مرّ بعملية تغيير لكل الاتّجاهات والإدارات ، وانتهى ذلك كلّه إلى إحلال الوحدة محل الفرقة ، والقوّة محلّ الضّعف ، والاستقرار بدل الاضطراب ، والشعور بالمسؤوليّة بدل الأنانيّة ، والانتصار بدل الهزائم.

 

 

 

دور المرأة المسلمة في الدولة النورية الصلاحية

 

آتت حركة الإصلاح والتجديد التي قام بها جناح النساء المسلمات ثمارها ، وأفرزت جيلاً من النساء أسهم في حركة الجهاد التي قادها كلٌّ من عماد الدين زنكي وولده نور الدين وصلاح الدين.

ولقد ضمّ جيل الجهاد النسائي نساءً من كافة الطبقات ، ابتداء من نساء القيادة حتى نساء الطبقات الشعبيّة.

من نساء القيادات العليا:

 

1- السيدة زمرد خاتون بنت جاولي:

 عندما مَالأَ شمسُ الملوك اسماعيل الفرنج على المسلمين وهمّ بتسليم البلاد إليهم ، أمرت غلمانها بقتله عام 529 ه وأجلست أخاه شهاب الدين محمد الذي قُتل عام 533 ه ، فاتصلت بعماد الدين وتحالفت معه ثم تزوجته وبعد استشهاده عادت إلى دمشق ، وكرّست أوقاتها للإسهام في حركة الإصلاح والتجديد.

بنت المدرسة الخاتونيّة غربي دمشق وأوقفتها على الشيخ برهان الدين علي بن محمد البلخي ثم دخلت بغداد وسارت من بغداد إلى مكّة ثم أقامت بالمدينة المنَّورة حتى مماتها عام 588 ه.

 

 

 

2- السيدة عصمت الدين خاتون بنت معين الدين زوجة نور الدين الزنكي

فقيهة على مذهب أبي حنيفة ، وبعد وفاة نور الدين تزوجت صلاح الدين ، وكانت من أحسن النساء وأعفّهن وأكثرهنّ صدقة.

 

3- ست الشام زمرد خاتون بنت أيوب شقيقة صلاح الدين وزوجة ناصر الدين محمد بن شيركوه

بَنَت مدرستين الأولى باسمها والثانية باسم الحساميّة وأقامت مصنفاً للأدوية وصيدلية كبيرة تزود مستشفيات الجيش الصلاحي بالعلاج والدواء اللازم لجرحى الجهاد.

 

4- ربيعة خاتون بنت أيوب الأخت الثانية لصلاح الدين وزوجة مظفر الدين صاحب اربل

وصاحب الجهاد العظيم في معركة حطين ، بنت في دمشق المدرسة التي عرفت باسمها وأوقفتها على الحنابلة بسفح جبل قاسيون. توفيت بدمشق عام 643 ه.

 

5- وكذلك عذرا بنت شاهنشاه بن أيوب:

توفيت في دمشق عام 593 ه. 

 

6- ست العراق بنت أيوب

أوقفت سنة 574 ه بحلب خانقاهاً بذرب البنات.

 

كذلك سارت نساء عامة رجالات الدولة النوريّة – الصلاحيّة على نفس الطريق في المشاركة في الإصلاح والجهاد.

 

1. من ذلك ما قامت به الشيخة الجليلة أم عبد الكريم فاطمة بنت سعد الخير الأنصاري

    ولقد تزوجت الداعية المشهور زين الدين علي بن نجا الواعظ ، الذي تخرج من المدرسة           القادرية وصار مستشار صلاح الدين الذي يوصف بالدهاء وحنكة الرأي.

     ولقد شاركت الشيخة فاطمة زوجها هذا جهاده التربوي والسياسي وتنقلت معه في كل من           دمشق ومصر حيث ألقت الدروس والمواعظ. توفيت عام 600 ه.

 

2. الشيخة الصالحة المسندة عفيفة بنت أحمد الفارفانيّة

     حصلت على إجازات عالية من أصبهان وبغداد حتى وصل عدد الشيوخ الذين درست عليهم       أكثر من خمس مائة شيخ ثم جلست للتدريس وتوفيت عام 606 ه.

 

3. الشيخة فاطمة بنت محمد بن أحمد المسرقندي

      زوجة الكسائي – لها مؤلفات عديدة - وكانت تفتي وكان زوجها يحترمها ويكرمها. عالمة         فاضلة محدّثة ذات خط جميل ، وكانت من حسان نساء عصرها. توفيت بحلب.

 

 وغيرهن كثير ...

    وليست هذه النماذج النسائيّة إلا عيّنة قليلة لنساء الجهاد والإصلاح وقد أورد المنذري في كتابه          "التكملة لوفيات النقلة" عدداً وافراً من النساء المسلمات ... في المجلد الأول والمجلد الثاني                المجلد الأول:

1. الشيخة نور العين بنت أبي بكر بن أحمد المعروف بابن أبي الديات.

2. الشيخة ست الناس زينب ابنة الشيخ عبد الوهاب بن محمد بن الحسين الصابوني الحنبلي.

3. الشيخة ست الدار ابنة الشيخ عبد الرحمن بن علي المعروف بابن البرني.

4. الشيخة شمس النهار بنت أبي البركات بن كامل.

5. الشريفة فاطمة بنت عبد الواحد بن أبي السعادات أحمد.

6. الشيخة بلقيس ابنة سليمان بن أحمد بن الوزير نظام الملك المدعوة خاتون.

7. الشيخة تمني بنت عمر بن ابراهيم الطيبي البغدادي.

8. الشيخة أسماء بنت محمد بن الحسن بن طاهر الدمشقية.

9. الشيخة الصالحة فتون بنت أبي غالب بن سعود بن الحبوس البغدادية.

10.        الشيخة تمام بنت الحسين بن قنان الأنباري الواعظ.

11.        الشيخة زينب ابنة اسماعيل بن عوف القرشية.

12.        الشيخة عفيفة بنت طارق بن سنان القرشية.

13.        الشيخة كمال بنت أحمد بن القاسم.

14.        الشيخة شمائل ابنة الإمام موهوب بن أحمد الجواليقي.

 

المجلد الثاني:

1.   الشيخة رحمة بنت محمود بن نصر.

2.   الشيخة فاطمة بنت الشيخ عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الله الفارسي الصوفي.

3.   الشيخة الصالحة فارس بانويه بنت محمد بن أبرويه.

4.   الشيخة صفية بنت عبد الكريم بن شيخ الشيوخ أبي البركات إسماعيل.

5.   الشيخة محبوبة بنت الشيخ أبي المظفر المبارك بن محمد بن سكينة.

6.   الشيخة عفيفة بنت الشيخ المبارك بن محمد.

7.   الشيخة درة بنت عثمان منصور المعروف بابن قيّامة.

8.   الشيخة صفية بنت أحمد بن محمد بن ملاعب البغدادية.

9.   الشيخة فاطمة بنت عبد الله بن أحمد البغدادي المعروف بابن الطويرة.

10.  أم الحياة عفيفة ابنة الشيخ محمد بن عبد الله.

11.  الشيخة الصالحة عاتكة بنت الحافظ الحسن بن أحمد.

12.  الحاجة أم الفضل زينب ابنة الشيخ الفقيه ابراهيم بن محمد وزوجة الخطيب عبد الملك                 بن زيد الدولعي.

 

تقويم مدارس الإصلاح والتجديد والمصير الذي انتهت إليه

 

نجحت مدارس الإصلاح والتجديد في إخراج جيل )نور الدين وصلاح الدين( الذي استطاع مواجهة التحديات الصليبية و"إعادة القدس" لكن هذه المدارس لم تنجح في إمداد الأمّة الجديدة بما يحافظ على استمرار وحدتها ونمائها الحضاري ، وانتهى بها التخلف إلى ما عُرف بالطرق الصوفيّة المتمثلة بجماعات الدراويش المختلفة.

وقد ناقش ابن تيميّة هذا المصير السلبي الذي انتهت إليه مدارس الإصلاح سواء في "كتاب السلوك" أو "كتاب التصوف".

وهو يرى أنّ البدايات قامت على أصول سليمة تتفق مع القرآن والسنّة ، أما النهايات فقد نسيت تلك الأصول الشرقية ، فقال "فقد كان قدماء المشايخ أمثال: أبي الحسن القرشي وعدي بن مسافر الأيوبي فيهما من الفضل والدّين والإصلاح والاتّباع للسنّة ماعظّم الله به أقدارهم ورفع منازلهم".

وحينما سُئل ابن تيميّة عن البدع التي أحدثتها الطرق الصوفيّة أجاب:

"واتخاذ الضرب بالدَّفِّ والغناء والرقص عبادة هو من البدع التي لم يفعلها سلف الأمّة ولا أكابر شيوخها..."

وفي كل موضع يناقش ابن تيميّة محدثات الطرق الصوفيّة ، ينفي هذه المحدثات عن الشيوخ المؤسسين لمدارس الإصلاح .. أمثال الشيخ عبد القادر والشيخ عدي والشيخ أبي مدين ..

ولكن ابن تيميّة لا يحاول كشف المؤثرات والظروف التي انتهت بمدارس الإصلاح والتجديد إلى المصير الذي آلت إليه ،

وهذه نجدها في عوامل ثلاثة:

1- نقص الفقه الحركي الذي وجّه نشاطات هذه المدارس.

2- أثر قيم العصبيات الأسريّة والقبليّة في تنظيمها القيادي والإداري.

3- أثر سياسات السلطنة المملوكية المفرطة في الظلم.

 

1) لقد اكتفت هذه المدارس بفقه الآباء الذي يركّز على المظهر الديني للعبادة دون المظهر الاجتماعي ، ولم تفرز فقه الحكمة اللازم لتنظيم مؤسسات السياسة والإدارة والاقتصاد وتنظيم مسؤوليات العاملين فيه ، ولم تطرق الفقه المتعلق بالمظهر الكوني للعبادة والمؤدي إلى تطوير العلوم الطبيعية ، وتسخير تطيبقاتها في ميادين الحضارة المادية المختلفة ، مما أدّى إلى:

1. أن ارتدّ جيل الأبناء إلى تقاليد العصبيّة القبليّة والدم ،

2. كما أدّى إلى انفجار الفتن بين الملوك وأمراء الجيش.

والخلاصة: أنّ الجدب في الفقه السياسي والإداري ، أفرز بعد جيل صلاح الدين قيادات وإدارات متسلطة فرديّة ، ارتدّت لتحكم الأمّة بقيم "القوّة فوق الشريعة" و"الفردية بدل العمل الجماعي" ، و"التسلط بدل الشورى" ، و"الارتجال بدل التخطيط".

 

2) أمّا عن أثر العصبيّة الأسريّة ، فإنّها تسللت إلى مدارس الإصلاح نفسها ، فقد استلم الأبناء والأحفاد قيادات هذه المدارس ، دون أن يملكوا المؤهلات العلميّة والدينيّة والأخلاقيّة التي كانت لآبائهم.

3) وقد أدّى الرعب الذي أشاعته سياسات السلطنة المملوكية المفرطة في الظلم ، إلى انتحار المعارضة السياسيّة اجتماعياً ، واغترابها في عالم الرؤى والتصورات ، فظهرت الخوارق والكرامات والمبالغات.

وكان هذا الانتحار الاجتماعي تطوراً متخلفاً للمعارضة السلبية التي قادها الشيوخ المؤسسون ضد من أسموهم "بالسلاطين الظلمة" وحلفائهم من "علماء السوء" و"فقهاء الدنيا" وهي المعارضة التي قلنا: أنّها تشبه ما يسمّى بالعصيان المدني في الوقت الحاضر.

 

 

ماذا أفرزت هذه المعارضة السلبيّة – أو الانتحار الاجتماعي؟

1- فيض من المصطلحات: دولة الباطن ، دولة الظاهر ، الشيخ ، سلطان الوقت والمتصرف في الزمان ، وصاحب الفتح السنّي ، والمتمكن من الأحوال ،

فالشيخ عبد القادر: سلطان الأولياء ، والشيخ أحمد الرفاعي سلطان العارفين ، وآخر سلطان العلماء ، وملوك وسلاطين الدنيا حكّام على الأجساد.

2- أفرغت بعض المصطلحات: "القطب الأبدال الأوتاد ... من مضامينها الإداريّة والتنظيميّة ، وحلّ محلّها مضامين خوارقيّة خياليّة ، تجسّد الآمال المحبطة لدى المنتحرين اجتماعياً.

إنّ ظاهرة المقولات الخوارقيّة والكرامات المعجزة ، ليست مجرد بدع وضلالات ومبالغات ، وإنّما هي بمقياس المنهج التحليلي التشخيصي: إسقاطات نفسية لمعارضة سياسيّة شعبيّة مفرطة في السلبيّة ، يئست من عدالة الواقع ، فارتدّت تبحث عنها في دنيا الخيالات والرؤى.

فالانتصارات العسكريّة: لها ظاهر وباطن ، ظاهر مثلت فيه قيادات السلطنة العسكريّة – الدنيويّة في "دولة الظاهر" ، دور القفازات والأدوات التي استعملتها القيادات الروحيّة الخوارقيّة في "دولة الباطن" ومن أمثلة ذلك الرواية التي تقول: إنّ انسحاب إحدى زحوف المغول ، إنّما كان بسبب "باطن" التوجيه الروحي الذي مارسه "سلاطين الوقت وشيوخ الوقت وشيوخ العصر" ورواية ثانية تتحدث عن انتصار عسكري ضد الصليبين ، وأخرى ضد الإفرنج .. ، وهكذا دفع الظلم عامّة الجماهير من المتصوفة والدراويش إلى الاغتراب النفسي بحثاً عن العدل الاجتماعي ، ومساعدات الإغاثة التي يقدمّها "السلاطين الروحيّون" ، بدل المقاومة والمطالبة بالعدل وتساوي الفرص.

 

كيف نعالج المظاهر السلبية لظاهرة الطرق الصوفيّة؟

لقد أحسّ ابن تيميّة بالأسباب الرئيسية لظواهر الانحراف والاغتراب في المجتمع الإسلامي الذي عاصره ، وأدانها ، ولكن هذا لا يكفي.

وعلى المجتمعات الإسلاميّة الآن أن تتجاوز "الحس" الذي انتهى إليه ابن تيميّة ، إلى درجة "الوعي" الذي يشخص ظاهرة الطرق الصوفيّة ، ويعالج بدعها وضلالاتها ، بتجفيف المسببات الرئيسية لها: بدواء العدل ، وتوزيع الثروات ، وصيانة الحريات ، بدل التعامل معها بمنهج المحاكمة والإدانة الذي يدين "الضحية" ويتجاهل "الجاني".

إنّ ثمرات هذا الوعي ستؤدّي إلى بروز ثقافة إسلاميّة أصيلة، تستبدل التفكير الخوارقي بالتفكير السنني – القانوني ، وسوف تطرح مفهوماً مؤصلاً للكرامة والمعجزة يتطابق مع ما توجّه إليه الآية الكريمة: "ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرِّ والبحر ورزقناهم من الطيّبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً" ، الإسراء.

ف "الكرامة" تقوم على الاجتماع البشري حين يتعامل الناس بنعم الله في البرِّ والبحر بما يرضي الله ، و"المعجزة" تتمثل في القوانين والسنن التي يكشفها العالم في الآفاق والأنفس ، وتتجسد تطبيقاتها في تكنولوجيا تحولها التربيّة الصحيحة إلى شواهد وآيات ، تحقق في الإنسان قوله تعالى على لسان ابراهيم عليه السلام "لعلهم يشكرون".

وعندها سوف تنزل الجماهير الواعية إلى ساحات الحياة الواقعية لتقول للظالم: يا ظالم !! وللمحتكر: يامحتكر؟! وبذلك تحقق مراد الله ورسوله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله!!

 

الباب السادس: قوانين تاريخية وتطبيقات معاصرة

 

لست من المؤمنين بأنّ التاريخ يعيد نفسه ، فالتطور – أو الاستمرارية – سنة من سنن الله الكون "كلّ يوم هو في شأن" ، ولست من المؤمنين بأنّ في التاريخ عبرة ، فالتاريخ يقدّم لنا العديد من الأمثلة ، على أنّ الأسباب التي أودت بأممٍ سابقة تكررّت لتودي بأممٍ لاحقة ، دون أن تتعلم منها شيئاً. قال تعالى: "وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونُنَّ أهدى من إحدى الأمم فلمّا جاءهم نذير مازادهم إلاّ نفوراً ".

ولكن في التاريخ قوانين تحكم الأحداث والظواهر وتوجهها الوجهة التي يقضيها منطق القانون ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إنّكم في زمانٍ علماؤه كثير خطباؤه قليل ، من ترك فيه عشر ما يعلم هوى أو قال هلك. وسيأتي على النّاس زمانٌ يقلُّ علماؤه ويكثر خطباؤه من تمسك فيه بعشر ما يعلم نجا".

ولقد رأينا كيف تغلب (فقه) الرسول صلى الله عليه وسلم على (خطابة) أبي جهل ، وفي عام 1967 طبّقت إسرائيل شيئاً من فقه الرسول: المثل الأعلى – توحيد الصفوف – الإعداد والانتفاع بالمقدرات. وفي المقابل طبّق العرب ارتجالية أبي جهل ، فحرموا أمّتهم من "الأمثل الأعلى" وتركوها بلا روابط .. ، وحينما انطلق صوت النذير ، واستنفروا المغنين والمغنيات ، وألقوا خطباً ناريّة قالوا فيها: "والله لا نرجع حتى نهزم إسرائيل وَمَنْ وراء إسرائيل وندخل تل أبيب وتغنينا أم كلثوم".

فما هي هذه القوانين؟!

القانون الأول:

إنّ صحة المجتمعات ومرضها أساسهما صحة الفكر أو مرضه ، وهو ما تضمّنه قوله تعالى: "إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم".

وحين يكون الولاء (للأشخاص) هو المحور ، وتدور "الأفكار والأشياء" في فلك "الأشخاص" ، فإنّ السمة الغالبة للمجتمع تصبح هيمنة محبي الجاه والنفوذ وأصحاب القوّة ، لذا يجب أن يكون الولاء "للأفكار" فهو المحور الذي يتمركز حوله سلوك الأفراد وعلاقاتهم وسياسات المجتمع.

 

القانون الثاني:

 حين تفشل جميع محاولات الإصلاح ، وتتحوّل الجهود المبذولة إلى سلسلة من الإحباطات والانتكاسات المتلاحقة ، فإنّ المطلوب: هو القيام بمراجعة تربويّة شاملة جريئة وصريحة وفاعلة ، يكون من نتائجها إعادة النظر في كلّ الموروثات الثقافيّة التي تلي نصوص القرآن والحديث الصحيح ، وإعادة النظر في كلّ العملية التربويّة ، ابتداء من فلسفة التربيّة ، ومروراً بأهدافها ومناهجها ، وطرائقها ، ومؤسساتها ، وإداراتها ، والمربين ، العاملين فيها ، حتّى الانتهاء إلى تطبيقاتها السياسيّة والاجتماعيّة والإداريّة. والواقع أنّه ما كانت لتبرز تلك الإنجازات التاريخية المشرقة التي قام بها جيل صلاح الدين لولا تلك "التوبة النصوح" في الفكر والقيم والسلوك ، التي قام بها طلائع الإصلاح ورواده ، ونحن الآن بأمسّ الحاجة إلى مثل تلك التوبة النصوح.

 

القانون الثالث:

مع أنّ الإسلام هو العلاج المؤدي إلى صحة المجتمعات وقيام الراقي من الحضارات ، إلاّ أنّ الإسلام لا يؤدي هذا الدور الحضاري ، إلاّ إذا تولّى "فقهه" "أولو الألباب" النيّرة والإرادات العازمة النبيلة ، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في مواضع كثيرة , وهذا ما أشار إليه الشعبي حين قال: "إنّما كان يطلب هذا العلم منْ اجتمعت فيه خصلتان: العقل والنسك ، فإن كانْ ناسكاً ولم يكن عاقلاً وإنْ كان عاقلاً ولم يكن ناسكاً لم يطلبه ، فإنّ هذا الأمر لا يناله إلاّ النساك العقلاء ، والآن يطلبه من ليس فيه واحدة منهما لا عقل ولا نسك" ؟!!

 

إنّ المشكلة في العالم الإسلامي والعالم الثالث تتمثل في:

1-  إقصاء الموهوبين الأذكياء من كلّ جيل عن مؤسسات الإعداد للقيادة الفكريّة والسياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة ، ثم بعثرة أولئك الموهوبين وإهدارهم بوسيلتين: وسيلة داخلية: حين تتضافر أغلال الثقافة الخاطئة ، والتراث السلبي لإعاقة قسم كبير من الأذكياء الموهوبين عن تحمل مسؤولياتهم القيادية ، واغتصاب أدوراهم وتسليمها للأغبياء الذين يفسدون ولا يصلحون.                 

ووسيلة خارجية: تمارسها المؤسسات الأجنبية تحت عناوين المعونات الثقافية ، حيث تنصح بفرز النخبة الذكية من كلّ جيل ، ثم يجري تهجيرها إلى الخارج والأقطار الصناعيّة المتقدمة ، عن طريق البعثات الدراسيّة التي تقدمها الشركات الأجنبيّة حسب حاجاتها في الخبرات الصناعيّة والتقنيّة ، التي تفرزها خططها التنموية ، أو عن طريق التهجير القسري ، أو التهجير الطوعي تحت تأثير القيم الجديدة التي ترفع مكانة الدارسين والعلماء في العالم المتقدم.

والتوجه القرآني في كل دعوة للخير أو حضّ على الإنجاز والعمل الصالح إنّما هو لأولي الألباب أو قوم يعقلون ، كما أنّ التنديد القرآني بكل وقوع في الشر ، أو اقتراف للشح والعمل السيء ، إنّما هو للذين لهم قلوب لا يفقهون بها وآذان لا يحسنون الاستماع بها ، وأعين لا يحسنون الملاحظة والإبصار بها.

 

القانون الرابع:

مع أنّ الدين الإسلامي هو "الدين الصحيح" بين الأديان المعاصرة ، إنّه هو منهاج الحياة الراشدة الهانئة في الدنيا والآخرة ، إلاّ أنّه لا يقود إلى هذا النوع من الحياة إلاّ إذا أحكمت خطوات عرضه وتطبيقه حسب نظام خاص ومنهجية معينة.

وأول عناصر هذا النظام ، أنْ يبدأ التركيز على العنصر الأول من الشريعة الإسلاميّة وهو "القيم" قبل تطبيق العنصر الثاني "الحدود" وأنْ يجري تنمية هذه القيم المذكورة في حياة الداعين إلها قبل أنْ يطالبوا غيرهم بها ، والقرآن الكريم يجعل ذلك كلّه شرطاً في النجاح والمثوبة.

 

القانون الخامس:

تتحقق قوة المجتمعات من خلال نضج وتكامل عناصر القوة كلّها في دائرة فاعلة وتناسق صحيح ، وهذه العناصر هي: "المعرفة والثروة والقدرة القتالية".

وتتجسد المعرفة في العلماء المتخصصين والخبراء والثروة في الاقتصاديّين ، ورجال الأعمال والأغنياء ، بينما تتجسد القدرة القتالية في الجند والقادة العسكريّين ، ويجب أن تكون القدرة القتالية والثروة في فلك المعرفة ، لتكون السياسة الحكيمة والقيادة الناجحة ، كما في أميركا وإسرائيل. وفي البلاد العربية والإسلاميّة انتكست – من زمن – المؤسسات التي تخرِّج وتوظِّف المفكريّن والفقهاء الذين يحسنون اكتشاف وتطبيق القوانين التي تحكم الاجتماع والثقافة التربية والسياسة والاقتصاد.

عن ابن مسعود عن الرسول صلى الله عليه وسلم "في آخر الزمان يكثر الخطباء ويقلّ الفقهاء".

 

القانون السادس:

ما لم يتزاوج الإخلاص مع الاستراتيجية الصائبة في تعبئة الموارد والقوى البشرية في الأمّة ، فإنّ جميع الجهود والطاقات سوف تذهب هدراً على مذابح الصراعات الداخلية ، وتؤول إلى الإفلاس. ويتجسد هذا القانون من خلال نوعين من المؤسسات: مؤسسات تربويّة كالمدارس والجامعات ، ومؤسسات تخطيط وتنفيذ كالأحزاب والجماعات ، وتتكامل المؤسسات التربويّة والفكريّة مع مؤسسات التخطيط والتنفيذ تكاملاً محكماً ، بحيث يؤدي غياب إحداها إلى فساد عمل الأخرى.

ولذلك فإنّ محاولات العلاج للواقع الذي تعيشه الحركات والجماعات الإسلاميّة وغير الإسلاميّة ، تحتاج بشكل مُلحّ لأن تضع في قمة أولوياتها "إفراز المؤسسات التربويّة والفكريّة" ، التي تبدأ من رياض الأطفال حتى آخر مراحل التعليم الجامعي ، بغية إخراج "فقهاء" راسخين في ميادين الفكر والسياسة والاجتماع والاقتصاد والعسكريّة وسائر ميادين الحياة محيطين بعناصر القوة الثلاثة: القوة والمعرفة والقوة القتاليّة ، وبأساليب تكاملها وبنائها بغية إحلال الفقهاء المنشودين محل الخطباء القائمين ، وذلك لتحليل المشكلات ، ودراسة التحديات , وأن تبحث كذلك عن الموهوبين من الأجيال الناشئة وتنمية مواهبهم ، ورعايتها حتى تبرز القيادات الحكيمة ، التي ترشد الجماعات والأحزاب وتوصل الجسور المهدومة بينها ، وتيسر لصفوفها أن تجتمع ولأفكارها أن تتلاقى ، ولقلوبها أن تتآلف ، ثم تنظم العلاقات بين جميع الأطراف في إطار الأمّة الواحدة ، "إنّ العمل إن كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل" وأضيف هنا أنّ العمل إن لم يكن خالصاً وصواباً لم يثمر.

 

القانون السابع:

إنْ لم يقم الإصلاح على التدرج التخصص وتوزيع الأدوار ، فسوف ينتهي إلى الفشل والإحباط المدمِّر ،

وأهمية التدرج أنّ النهضات وحركات الإصلاح الناجحة تمرّ بثلاث مراحل:

 

1)   المرحلة الأولى:

     مرحلة الانتقال من الغياب إلى الحس الاجتماعي وهي المرحلة التي يشير إليها القرآن          عند قوله تعالى: "أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس" وفي هذه المرحلة نحتاج إلى العودة للماضي للتعرف على هويتها بعد الضياع في متاهات القبلية  والطائفية والإقليمية. ثم تبدأ

 

2)   المرحلة الثانية:

       مرحلة الانتقال من الحس إلى الوعي الاجتماعي ، ولا بدّ فيها من تضافر القوى              الثلاث: "المعرفة – القوة – القدرة القتالية"

        وإذا بلغت المرحلة الثانية حالة النضج ، قامت الحاجة إلى

 

3)   المرحلة الثالثة:

        مرحلة الانتقال من الوعي إلى التطبيق. وهذا ما يشير إليه القرآن الكريم باقتران              الإيمان بالعمل الصالح ، وذلك لتوفير الاستراتيجيات والوسائل اللازمة لدفع مسيرة            الحاضر عبر المستقبل ، وتكشف تجربة جيل نور الدين وصلاح الدين عن عمق              التدرج والتخصص ،

                     فقد مرّت بثلاثة أطوار:

                    الطور الأول: مرحلة الجهاد التربويّ أو التغيير الفكريّ (جهود المدارس                                     الإصلاحيّة).

                    الطور الثاني: مرحلة الجهاد التنظيمي ، وبناء المهجر الجديد الذي جسدته الدولة                           الزنكية ، وقاد العمل فيه نور الدين وأترابه.

                      والطور الثالث والأخير: هو مرحلة الجهاد العسكريّ ، الذي قاد ميادين العمل فيه                          صلاح الدين وأصحابه.

 

القانون الثامن:

إذا لم تترجم "أفكار" الإصلاح والوحدة إلى "أعمال وتطبيقات صائبة" ، فسوف تعمل هذه الأفكار على زيادة ضعف المجتمع وتعميق التخريب فيه ، يتسارع كتسارع الانشطارات النووية التي لا تتوقف عند حد.

وتكاد أحداث القرن الحالي الذي تعيشه الأقطار العربية والإسلاميّة أن تكون سلسلة من التطبيقات العملية لهذا القانون ، فهذه الأقطار تعيش هذا التناقض بين الفكر والعمل ، وتتوالى فيها سلسلات الانفجارات الفكريّة ، وتسارع التصدع والتخريب في جميع الميادين السياسيّة والاجتماعية والاقتصاديّة والعقائدية ، ولقد صاحب تدمير الأمّة هذا وتفكيك تاريخها المشترك تدميرٌ لشخصيّة الفرد نفسه ، وذلك من خلال الاستهانة بإنسانيته وكرامته ، وتدمير حريته.

 

القانون التاسع:

 "في استراتيجات الإصلاح والتجديد يتناسب مقدار النجاح بقدر مراعاة قوانين الأمن الجغرافي".

ومعنى هذا أنّ كل وحدة من الوحدات الجغرافية الرئيسة في الكرة الأرضية تنقسم إلى أقسام تمارس قانون التخصص والتكامل فهناك مناطق الاحتكاك مع الخارج وهي: موانئ تصدير الحضارة خلال فترات القوّة ، ومعابر تسلّل الغزاة خلال فترات الضعف ، وهناك العمق الجغرافي وهو مركز التفاعل الاجتماعي بجميع أشكاله.

والتخطيط السليم يراعي هذا التخصص والتنوع في الاستراتيجات العامّة ، والأمم التي لا تربض على بقعة تتوافر فيها هذه التخصصات ، تتحالف مع غيرها من الأمم من أجل غايات التكامل والتعاون ، والفقه الإسلامي قسّم دار الإسلام إلى "حواضر" وإلى "ثغور ورباط".

وعندما نطبق هذا القانون على العالم العربي والإسلامي ، نجد أنّ المنطقة الحساسة في مناطق الثغور والرباط كانت دائماً بلاد الشام ، وحين نزلت الرسالة الإسلاميّة جعلت "البيت الحرام" حاضرة الهداية ، و"المسجد الأقصى" ثغر الرباط ، واشترطت في الجماعة التي تقيم في هذا الثغر مواصفات إيمانية معينة ، فإنْ انحرفت هذه الجماعة عن هذه المواصفات ، بعث الله عليها عباداً له أولي بأس شديد ، فجاسوا خلال الديار ، ودمروا أعراض الدّنيا التي ألهتها عن رسالتها تدميراً.

والرسول صلى الله عليه وجّه لذلك ، وقرر في أحاديث عديدة أنّ بلاد الشام "رباط" المجاهدين ، وأنّ أهل الشام في جهاد دائم إلى قيام الساعة ، وهذا التوجيه النّبوي يمكن ربطه بتوجيه نبوي آخر هو قوله صلى الله عليه وسلم:

"فارس نطحة أو نطحتان ثم لا فارس بعد هذا ، والروم ذات القرون كلّما هلك قرن خلفه قرن ، أهل صبر وأهله أهل لآخر الدهر ، هم أصحابكم ما دام في العيش خير". وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس عليكم الروم وإنما هلكتهم مع الساعة" , والناظر في هذا التوجيه النّبوي يلاحظ أمريْن:

الأول: قوة الارتباط بين ما ذكرناه حول موقع بلاد الشام كرباط دائم للمجاهدين إلى يوم القيامة، وبين استمرار المواجهة مع الغرب "الروم" فالغرب هو التحدي الأكبر لدار الإسلام.

الثاني: هو إيجابية النظر في تحدي الغرب رغم عناده واستمراره "فهم أصحابكم ما دام في العيش خير" ، ولعلّ العيش المقصود هنا هو أسلوب الحياة في المجتمع الإسلامي ، فما دام هذا المجتمع يلتزم منهج الله في العيش وفي توفير أسباب المنعة ، فسوف يقدِّر الغربيون الخير في هذا المنهج ويَسْعَون لمصاحبة أهله , أمّا عندما ينتكس هذا المنهج في حياة المسلمين ، فسوف يُنظر إليهم نظرة استخفاف , ويعاملونهم بما يستحقون.

وحسم المواجهة مع الغرب: بإعداد ما يستطاع من قوة ، وحسن عرض الإسلام بالفكر والتطبيق ، وهو ما يتفق مع مستوى التفكير الغربي ، الذي يتمتع بكثير من الخصائص الإيجابية في هذا الميدان ، وإذا كان مفهوم الأسرة قد انهار في الغرب , فإنّ مفهوم الأمّة قد انهار عندنا , وأنّه إذا كانت نقطة الضعف في الغرب هي "ضعف المناعة الاجتماعية" ، فإنّ نقطة الضعف عندنا هي "ضعف المناعة السياسيّة" , وقابليّة التفتت إلى عصبيّات وإقليميّات وهو ما أشار إليه الحديث النبوي.

نخلص من ذلك أنّ بلاد الشام هي الحوض الذي تصبّ فيه روافد العالم الإسلامي والعربي حضارياً واجتماعياً ، وهي الرباط الذي تتجمع على ساحاته الطاقات المتدفقة من العالم الإسلاميّ كله ، وأنّه ما لم يحافظ على منعة هذا الرباط وذلك بتوحيده وتقويته وإقامة الحياة الراشدة فيه ، فسوف يكون الثغرة التي تنفذ منها الأخطار ، وسوف تذهب الروافد والطاقات التي ترِد من العالم العربي والإسلامي هدراً ، ثم ترتدّ إلى مصادرها شؤماً ومآسيَ ، وسوف يصاب باعثوها بالإحباط ، وتؤول جهودهم إلى الإنطواء على النفس والتقوقع إلى الوراء ، وفي العصر الحديث ، جرت تطبيقات جديدة لهذا المبدأ الجغرافي ، ولكنّها ذات طابع سلبي ، فحين أرادت قوى الاستعمار والصهيونية توفير أسباب النجاح لقيام إسرائيل وقوتها ، جرى التخطيط والتنفيذ لتجزئة بلاد الشام وإعادتها إلى الوضع الذي مهد لنجاح الحملات الصليبية الأولى ، حين خُرِبَ الميدان الشامي بمعاول الطائفيّة والمذهبيّة والتجزئة السياسيّة.

ولقد أوضح هذه المؤامرة "الضابط البريطاني لورنس" صديق العرب؟!!

وذلك أنّ المخططين الاستعماريين أعْطَوا وعد بلفور عام 1906م وليس في عام 1917 كما هو مشهور ، حين قرورا أنّه من الشروط التي يجب توفيرها لتحقيق هذا الوعد هو تقسيم بلاد الشام إلى دويلات ضعيفة ، تشكل جدراً واقية لإسرائيل من الشرق والشمال ، حتى يكتمل قيام إسرائيل على رقعة فلسطين كاملةً ، ثم تبتلع هذه الدويلات واحدة بعد الأخرى ،

وإذا كانت البشرى النبوية تقرر أنّ المسلمين سيقاتلون اليهود في بلاد الشام ، ويقتلونهم حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم ! يا عبد الله ! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله ، فإنّ تحقيق هذا البشرى يتطلب مقدمات من الإعداد ، وتوفير الأسباب. وأهم هذه الأسباب هي توحيد بلاد الشام ، وإعادة الصفاء الإسلامي إليها ، وتوفير المنعة وحشد الطاقات – كما فعل جيش نور الدين الزنكي وصلاح الدين الأيوبي.

هذا يعني أنّه إذا كانت بلاد الشام هي رباط المجاهدين الفاتحين المدافعين ، و"الثغر" الذي يتسلل منه الغزاة فإن "الهلال الأمني" المكوّن من بلاد الشام ومصر وشمال افريقيا وإضافة تركيا إن أمكن ، هو رباط المهاجمين الفاتحين ، أمّا ما وراء ذلك من العمق الجغرافي فهو مركز التفاعل الإسلامي ومركز الإمداد وروافد القوة.

وأخيراً هذه نماذج للقوانين التاريخية التي يجب أن تعززها هذه الدراسة التاريخية ، وتظلّ الحاجة الملحّة قائمة إلى الاستراتيجية الصائبة التي تنتقي المئات والألوف من أولي الألباب ، ممن يكونون من أوائل الصفوف الدراسيّة ، ويحصلون على مايزيد عن خمسةٍ وتسعين بالمئة في امتحان الثانوية ، ثم يجري إعدادهم وتربيتهم ليكونوا: فريقيْن: فريق يتسلم القيادة الفكريّة ويتجمع في مراكز الدراسات والبحوث ، ليتفكروا في مشكلات العالم الإسلامي ويبصروا قوانين الله في بناء المجتمعات وهدمها ، وفريق يتسلم القيادة السياسيّة ، ويحوّل هذه القوانين إلى سياسات وخطط واستراتيجيات ، وبذلك تتكامل الطاقات والمؤسسات ويظهر جيل صلاح الدين الجديد وتعود القدس.

 

إن شاء الله