قائمة الروابط

بسم الله الرحمن الرحيم

 

,  منارات الهدى في الأرض  ,

مقدمة:

المساجد منارات الهدى في الأرض لبني البشر، ويكفيها شرفاً ومنزلة أن الله سبحانه وتعالى أضافها إلى نفسه وذاته العلية، ليكتسب بنّاؤها وعمّارها عظيم ثناء الله عليهم، ويوصف ـ من وجه آخر ـ خرّابها وهدّامها بأشنع الصفات وأقبحها.

قال الله تعالى مادحاً الأولين :{ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } التوبة/18، وقال سبحانه ذاماً الآخرين { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم }. البقرة/144.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " المساجد بيوت الله تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض ".

وقد أولى القرآن الكريم للمساجد عناية كبيرة من وجود شيء حتى تكرر ذكر المسجد أو المساجد والمسجد الحرام بألفاظها فيه ثانياً وعشرين مرة إضافة إلى ورود الإشارة إلى البيت الحرام ـ وهو أبو المساجد وأولها ـ بلفظ سبع عشرة مرة كما وردت الإشارة إلى المساجد بلفظ البيوت مرة واحدة .

المساجد ...أهداف وآداب

وإذا كان المسجد - من حيث الإشتقاق اللغوي - يرجع إلى مادة سجد ،التي يصرفها

القرآن حصراً على وجه التعظيم والعبادة بالسجود لله، وإذا كان الهدف الأساسي والمقصد الوحيد لخلق الانسان ـ كما صرح به القرآن ـ هو عبادة الله في قوله سبحانه { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ... إذاً كان هذا وذاك ...عرفنا الارتباط الوثيق بين أعظم هدف لخلق الانسان وأعظم مكان لممارسة ذلك الهدف في صورته الدينية السامية الراقية... فما المساجد إلا الأماكن التي بنيت لتوحيد الله والصلاة له وذكره ودعائه ودعوة الخلق إليه { في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله }. النور/36 ـ 38 .

والمساجد كذلك أماكن لإقامة الوجوه لله الواحد القيوم { قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون } الأعراف /29.

وهي وإن كانت تبنى من قبل البشر فإنهم لا يملكونها ،ولا يجوز أن تصرف في مختلف وجوه استعمالاتها إلا في ابتغاء مرضاة الله مصداقاً لقوله سبحانه { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً }.

ولم يكن الحديث الشريف ـ وهو رديف القرآن ومفسره ـ بأقل اهتماماً أو عناية بالمساجد...بل تضافرت الأحاديث الجمة وتوالت فيه مشيدة بالمساجد ،فدعت إلى بنائها وتعظيمها روى  ابن ماجة عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتاً في الجنة " وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب ).

ودعت الأحاديث كذلك إلى خصها بنوع من التحية يناسبها ،وذلك بابتداء دخولها بالدعاء الخاص بدخول المسجد ،ثم بركعتين يقال لهما تحية المسجد. فقد روى مسلم وأحمد عن أبي

 

حميد وأبي أسيد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا دخل أحدكم

المسجد فليصل على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليسلم على النبي وليقل: الله إني أسألك من فضلك " كما روى الشيخان وأحمد عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ".

ودعت الأحاديث النبوية أيضاً إلى اجتناب فعل ما لا يليق بالمسجد فيه ،كإشهار السلاح ورفع الصوت بالحديث الدنيوي ومخاصمة الخصوم والبيع والشراء. روى ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " خصال لا تبتغى في المسجد: لا يُتخذ طريقاً ،ولا يشهر فيه سلاح ولا ينبض فيه بقوس ،ولا ينثر فيه نبل ،ولا يمر فيه بلحم نيء ،ولا يضرب فيه حد ،ولا يقتضى فيه من أحد ،ولا يتخذ سوقاً "، وروى الطبراني عن ثوبان رضي الله عنه قال:" من رأيتموه ينشد شعراً في المسجد فقولوا له: فضّ الله فاك ثلاث مرات ،ومن رأيتموه ينشد ضالة في المسجد فقولوا له: لا وجدتها ثلاث مرات ومن رأيتموه يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا له: لا أربح الله تجارتك" قال ثوبان: كذلك قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ودعت الأحاديث - فيما دعت إليه من تعظيم المساجد - إلى تعلق القلوب بها ،وارتباط الأنفس بصورتها ومضمونها ،حتى تكون مهوى قلوب المؤمنين وأماكن طواف أرواحهم ففي الحديث الصحيح عند الشيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل ،وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد ،ورجلان تحابا في الله فاجتمعا عليه وافترقا عليه ،ورجل ذكر الله كثيراً حتى فاضت عيناه ،ورجل دعته ذات منصب وجمال فقال :إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه "

ملاحظات عامة بين يدي البحث

ونستطيع القول بعد تمعن وتدبر، ونحن نفتتح الحديث عن أشهر المساجد في دنيا الإسلام ،أن نشير إلى نقاط مهمة وذات دلالات بعيدة في هذا المجال، وهي كما يلي:

دور المساجد الاجتماعي

أولا: المساجد هي مراكز ترابط الجماعة في الأمة المسلمة ،يتلاقى المسلمون فيها للصلاة وتبادل الآراء والوقوف على أخبار الحياة ،ويمتزج فيها جميع أفراد المجتمع من جميع المستويات ،ويتعملون كيفية توحيد السلوك ،وفهم الأمور وإحياء التراث وشحن العواطف... وبذلك يغدو المسجد الهيكل المادي الملموس للجماعة المسلمة أياّ كانت كما يغدو ضرورة دينية وضرورة سياسية بالنسبة لكل مسلم على حدة وبالنسبة لجماعة المسلمين جملة.

مكانة المساجد في المدن الإسلامية

ثانيا: حظيت المساجد الجامعة بالاهتمام الأوفر في اختيار موضعها عند بناء المدن وتخطيطها، فكان المسجد الجامع مع دار الإمارة في معظم الأحيان يشغلان بؤرة المدينة الإسلامية ومركز الحياة والحركة فيها، حيث في هذا المسجد يلتقي الأمير بالمسلمين عموماً، ليس في أوقات الصلاة فقط ولكن في العديد من المناسبات الدينية، لذا حافظ المسجد الجامع في كل بلد إسلامي على مكانته الكبيرة في النفوس، كما حافظ على توسط مركزه في المدينة الإسلامية مهما توسعت رقعتها وامتدت أطرافها خارج أسوارها.

وقد أشار إلى ذلك المؤرخ القدسي في كتابه أحسن التقاسيم (ص255) عندما زار القيروان فقال واصفاً المسجد الجامع فيها: إنه كان بموضع يسمى السماط الكبير وسط الأسواق في سرة البلد.

 

جمال المساجد:

ثالثاً: اتصفت المساجد عموماً في جميع بلاد المسلمين بطابع جمالي أخاذ، رغم اختلاف أشكالها من بلد إلى بلد ،ومن شعب إلى شعب، ومن عرق إلى عرق ،إلا أنها في جملتها أجمل

ما تقع عليه عين الإنسان في عالم الإسلام ،كما يقول الدكتور حسين مؤنس في كتابه المساجد (ص 31) ويضيف قائلا : فسواءً أكنت في قرية صغيرة خافية في بطن الريف ،أو مستكنة خلف كثبان الرمال في الصحراء ,أو راقدة في لحف جبل ،أو كنت في عاصمة كبيرة مترامية الأرجاء، متدفقة الحركة ،عامرة بالعمائر الشاهقة، فإن المساجد بمآذنها الدقيقة المنسرحة الذاهبة في الجو مشيرة إلى السماء ،وقبابها الأنيقة، تضيف إلى المنظر عنصراً من الجلال والجمال الروحي لا يتأتى له بدونها ،فهي تزيل الوحشة عن تواضع مباني القرية وصغرها، وتنفي الجمود عن مباني العواصم... ويتجلى لك ذلك في أصفى صورة ساعة المغيب حيث تضفي المساجد بمآذنها وقبابها ظلالاً جميلة على الشفق الدامي من ورائها... إنه جمال يحس به قلبك أكثر مما تراه عيناك.

بساطة واضحة:

رابعاً:  ورغم الطابع الأخاذ للمساجد إلا أنها اتصفت دائما بالبساطة والتواضع ،لأن طبيعتها وما بنيت له من عبادة الله بقلوب واجفة تتنافى مع الفخامة والاسراف في الزينة، ولو قارنا المساجد الفخمة في الإسلام ـ كمبان وكتل حجرية وجدران وارتفاعات ـ بالمباني التي شيدها المسيحيون أو اليهود أو الهندوس أو البوذيون لوجدنا أن أضخم المساجد وأعظمها في الدنيا كمسجد قرطبة الجامع، أو مسجد السلطان حسن في القاهرة ،أو مسجد السليمانية في الآستانة ،أو منار قطب في دلهي ، فانه لا يقاس أضخمها بكنيسة كانتر بري في لندن أو النوتردام في باريس أو القديس بطرس في روما، حتى قال بعض الباحثين: لو أخذنا الحجر الذي بنيت به كنيسة نوتردام لوجدناه وزناً وحجماً يعدل أربعة أو خمسة من مساجد الإسلام الكبرى... إن

المساجد تمثل أماكن ربط بين الخالق والمخلوق بأبسط أسلوب وأعمق تأثير وأعظم وسيلة... لذلك رأيناها أماكن جمعت الجمال والتواضع والابداع والبساطة.

الدور الحضاري:

خامساً: قامت المساجد خلال تاريخ المسلمين الطويل بعدة أدوار حضارية، كان أهمها في

مجال التعليم والتوعية، حتى أصبح التعليم بمختلف مناهجه ومراحله جزءاً لا يتجزأ من رسالة المسجد في كل عصر ومكان... بل نستطيع القول: إن المدارس النظامية ما هي إلا ربيبة المساجد ورضيعة المحاريب. ومنذ أن تحلق الصحابة الكرام حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده الشريف يستمعون خطبه البليغة، ويصغون إلى أحاديثه الجامعة ،ويتلقون دروسه ومواعظه المعبرة... منذ ذلك الحين انطلقت رسالة التعليم داخل المسجد ،وحملت المحاريب تلك الراية في شتى مجالات العلوم: في الفقه والأصول والحديث والتفسير واللغة والأدب والتاريخ وغير ذلك، إلى أن خرّجت تلك المساجد ألوف النابغين ومئات الأئمة وأفواج المبدعين.

عناية فائقة:

سادساً: ولا عجب بعد ذلك أن نقول إن عناية المسلمين جملة بمساجدهم فاقت عناية كل الأمم بأماكن عبادتها: من حيث العدد الكبير للمساجد، والارتباط الشديد بها، والنظافة التامة ،والفائدة العامة ،والأثر الباقي، فالمساجد بنيت وعمرت منذ الماضي ولا زالت حتى الآن تتابع مسيرتها في ثقة وتتابع... حتى لا تكاد توجد جماعة من المسلمين- تجاراً أو طلاباً أو مهاجرين - في بقعة من بقاع الأرض وإلا وكان الهاجس الأول لهم إنشاء مسجد يضم شتاتهم ،ويوحد كلمتهم، ويشعرهم بوجودهم.

 

ختاما:

وما حديثنا في هذا الكتاب عن المساجد إلا محاولة لتذكير الغافلين وتنبيه الشاردين إلى أهمية المساجد في حياتنا وعظيم أثرها في تاريخنا إضافة إلى لفت الأنظار إلى ما قدمه الأجداد العظماء من تجار وبنائين وحكام وخلفاء وشيوخ وعامة من جهود بارزة للعيان في خدمة الإسلام عن طريق تقوية قواعده الأساسية وقلاعه الحصينة المتمثلة في بيوت الله في الأرض...

 


 

 

المسجد الحرام بمكة المكرمة (1)

فضائله ومزاياه

 

الكعبة قديماً:

كانت الكعبة المعظمة في مبدأ الأمر أرضاً فسيحةً ليس حولها دور أو جُدُر، وذلك لأن القبائل التي قطنت مكة حينذاك كانت تسكن في شعاب مكة تاركة ما جاور الكعبة المعظمة خلاءً لا يرتادونه إلا لتعظيم الكعبة والإلمام بها. وبقي الحال كذلك إلى أن جمع قصي بن كلاب قومه وأشار عليهم بالسكن حول البيت حتى تهابهم العرب ولا تستحل قتالهم أو الهجوم عليهم. ومنذ ذلك الحين بدأت بيوت مكة تنسج للكعبة مساحة محددة بجدران البيوت المحيطة بها. وكان العرب في تلك الساحة  الفضاء حول الكعبة يطوف الطائفون منهم، وتجلس قريش صباحاً ومساء في أطرافها... هكذا كان الوضع قبل البعثة النبوية الشريفة في المسجد الحرام.

المسجد الحرام... قبل الاسلام:

ولم تتح الفرصة للمسلمين لأداء الصلاة في المسجد الحرام قبل الهجرة إلا نادراً، وفي حالات خاصة سواء قبل الهجرة أوبعدها، سواء قبل الهجرة ام بعدها. فقد كانت قريش تمنعهم من الصلاة فيه بشكل عام، إلى أن كان يوم الفتح سنة ثمان للهجرة عندما دخل المسلمون المنتصرون ـ وقد دانت لهم مكة واستسلمت ـ الى المسجد الحرام الذي يتجهون إليه في صلواتهم أينما كانوا، لا يمنعهم عن الصلاة في بيت الله عدو أو خصم.

وكان المسجد الحرام قبل الإسلام يطلق عليه اسم البيت حتى سماه القرآن الكريم ـ إضافة إلى ذلك ـ المسجد الحرام، وذلك في قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى } وقوله: { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينّك قبلة ترضاها فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام}... كما سماه الله حرماً آمناً، وسماه البيت العتيق، وأضافه إلى نفسه في قوله: { أنْ طهرا بيتي} إضافة تشريف للبيت وتكريم.

ومن الصعب جداً أن يحصر المرء ما يتعلق بالمسجد الحرام من وجوه متعددة وضعاً وأحكاماً وخواطر وآداب وصفا وأحكاما وخواطر وآداب - في عجالة سريعة...

إلا أننا سنتحدث عن المسجد الحرام من زاويتين:

أولاهما: عن منزلته وخصائصه وفضائله، وما يتبع ذلك من أمور خاصة بالحرم المكي دون سواه من سائر المساجد.

وثانيتهما: عن بنائه وترميمه وتجديده وتوسعته والعناية به وما يتعلق بذلك من أول أمره إلى زمننا هذا...

وإذن فلنبدأ بالحديث عن أولى الزاويتين.

قدسية البيت العتيق:

إن تعظيم البيت العتيق ليس بدعاً في الإسلام ولم يكن فيه ابتداء، بل قد روي عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أن الله تعالى وضع تحت العرش بيتاً وهو البيت المعمور وأمر الملائكة أن يطوفوا به ثم أمر الملائكة الذين في الأرض أن يبنوا بيتاً في الأرض على مثاله وقدره فبنوا هذا البيت، وأمر من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.

كما روي أن الملائكة كانت تحجه قبل خلق آدم بأمد بعيد. فلما حجه آدم عليه السلام بعد نزوله إلى الأرض تلقته الملائكة قائلة: بَرّ حجك يا آدم. لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.

ومن هذا القبيل ما أخبر الله سبحانه عن أمره لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن يرفعا قواعد البيت وأن يطهراه للطائفين والعاكفين والركع السجود.

وقد درج العرب في جاهليتهم على ذلك التعظيم للكعبة المشرفة واحترام أهلها فكانوا من جميع أطراف الجزيرة العربية يحجون البيت في الموسم، ويوقفون القتال لإفساح المجال أمام موكب الحجاج ليصل من أطراف الجزيرة سالماً ذهاباً وعودة، كما كانوا يتناسون ثاراتهم ودماءهم داخل الحرم التابع للكعبة المعظمة. هذا عدا ما كانوا يهدونه إلى الكعبة من الهدايا النفيسة، وكانوا كذلك لا يستحلون الطواف إلا بثياب جديدة، أو بثياب أهل الحرم التي بظنهم لا تعلق الذنوب بثيابها.

وقد من الله سبحانه وتعالى على قريش بهذه المزية في بيتهم، وذكرهم بها أكثر من مرة مما أعظم شأنهم في عيون العرب والقبائل المحيطة فلم تكن تجسر أو تتجرأ على منازعتهم أو العدوان عليهم. قال تعالى: { أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم}.

وتلك لعمري حقيقة واقعة لا تنكر خاصة إذا أضفنا إليها أن الله سبحانه وتعالى كان بالمرصاد للطاغية الحبشي أبرهة عندما جاء بجيش لَجِبٍ لا طاقة للعرب به وزوده بالعتاد والسلاح والفيلة فارتدت العرب عن طريقه، وعجزت عن ملاقاته، حتى إذا كاد أن يبلغ مراده من هدم الحرم وتسويته بالأرض وصرف الناس عنه إلى معبده ( القليس) فقد أرسل عليه من جند من السماء طيراً يجوب السماء فوق جيشه في جماعات تحمل الموت الزؤام، بما تلقيه عليه مناقيرها وأقدامها من حجارة معدة للعذاب، مسومة عند ربك للمسرفين. {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول}.

فكيف يجرؤ بعد ذلك أحد على العدوان على الحرم وأهله والله له بالمرصاد.

 

الإسلام والبيت الحرام:

ولما جاء الإسلام احتلت الكعبة المشرفة والمسجد الحرام في مكة من القلوب أعلى منازلها، وأعطيت من الفضائل أغلى دررها، وليس ذلك بكثير على البيت الأول لله في الأرض الذي قال الله سبحانه فيه: { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد} كما قال فيه: { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين}.

هذا ونستطيع أن نجعل فضائل البيت الحرام في النقاط التالية:

 

التوجه في الصلاة:

1ًـ إن صلاة المسلمين في أنحاء الأرض كلها، وبجميع أقسامها المفروضة والمسنونة والعامة والخاصة، يشترط فيها التوجه إلى الكعبة المشرفة في المسجد الحرام عياناً في حالة القرب، وإلى جهتها في حالة البعد بعد أن أقر الله عين نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة. { قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث كنتم فولوا وجوهكم شطره}. فالمسجد الحرام يمثل أعظم عامل موحد للمسلمين في بقاع الدنيا يجمعهم حوله خمس مرات كل يوم على أقل احتمال.

 

الحج إلى بيت الله الحرام:

2ًـ إن الحج ـ وهو ركن من أركان الإسلام ـ فرض عين على كل مسلم يستطيع الوصول إليه، مرة واحدة في العمر كحد أدنى { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}... وإذا كانت الصلاة تجمع المسلمين بوجوههم ونياتهم وقلوبهم حول المسجد الحرام فإن الحج يجمع المسلمين بأبدانهم وأجسادهم في جمع واحد يؤم البيت العتيق من كل حدب وصوب { وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فجّ عميق}. وهذا الجمع المادي لأفراد الأمة الواحدة يجعل المسجد الحرام أداة تذويب للفوارق، الشكلية والحواجز الدنيوية، والسلوكيات الاجتهادية للمسلمين، ليحُل مكانها الألفةَ والمودةَ والإخاء والتعاون والتعارف.

 

الكعبة... داخل المسجد الحرام:

3ـ ويكفي المسجد الحرام شرفاً لا ينازعه فيه ولا يدانيه مسجد آخر في الدنيا وجود الكعبة المشرفة فيه، فهي عموده الفقري وتاجه اللؤلؤي ودرته النفيسة. والمسلم يرى أن القلم أعجز من أن يصف ما تستحقه الكعبة من إجلال وإعظام، فهو يعتقد أن النظر إليها وتكحيل العين برؤياها عبادة يثاب عليها. لما رواه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يُنزِل اللهُ على أهل المسجد مسجد مكة كل يوم عشرين ومئة رحمة، ستين منها للطائفين، وأربعين منها للمصلين، وعشرين منها للناظرين).

كما يعتقد أن دخول بنيتها دخول في رحمة الله لما رواه البيهقي والطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة، وخرج مغفوراً له) هذا عدا عن أن الدعاء عند النظر إليها مجاب كما رود في سنن البيهقي عن أبي إمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(تفتح أبواب السماء، ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف، ونزول الغيث وإقامة الصلاة، ورؤية الكعبة).

وفوق ذلك كله ففي الكعبة الحجر الأسود الذي هو يمين الله في الأرض، وهو شاهد على الخلق يوم القيامة وهو قطعة من الجنة وكان أبيض فأسودّ من خطايا بني آدم، وعنده تسكب عبرات المحبين الصادقين لربهم التائبين من ذنوبهم، العائدين إلى الله. روى الحاكم وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل الحجر ووضع شفتيه عليه يبكي طويلاً، ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب رضي الله عنه يبكي فقال: "يا عمر هاهنا تسكب العبرات".

وتقبيل الحجر الأسود ووضع الخد عليه "إذا أمكن دون مزاحمة ولا مشقة" سنة...

وقد جاء في بعض الراويات أن الشيطان لا يتمثل بالكعبة في المنام لما روى الطبراني في معجمه من طريق عبد الرزاق عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من رآني في منامه فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي ولا بالكعبة).

 

تحية المسجد الحرام:

4ـ وللبيت المعظم في مكة تحية خاصة به ليست كتحية باقي المساجد، فتحيته الخاصة به الطواف به سبعة أشواط حين الدخول إليه قبل كل شيء، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم أول شيء بدأ به الطواف. كما أن هذه التحية مأمور بها ثانية عند مغادرة البلد الحرام مكة المكرمة، فتجب على كل من خرج من مكة مسافراً منها، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت).

 

مضاعفة الصلاة:

5ـ والصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه من المساجد، لما رواه أحمد والبزار في مسنديهما وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة) وعند البزار في مسنده عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره بمائة ألف صلاة ).        وتضعيف الصلاة فيه ـ كما يقول الزركشي ـ في كتابه المرجع: إعلام الساجد ـ لا تختص بالفريضة،  بل تعم النفل والفرض، وإن التضعيف لا يختص بالصلاة بل وسائر أنواع الطاعات كذلك قياسا.

       كما حذر المقيم في المسجد الحرام من السيآت التي تضاعف هناك لحرمة المسجد الحرام فيشتد أخذ الله بها. قال الله تعالى: { ومن يرد فيه بإلحادٍ بظلمٍ نذقْه من عذاب أليم}.

 

اخراج الكافرين منه، وشد رحال المؤمنين إليه:

6ـ  وقد أمر الله سبحانه وتعالى بإبعاد الكفرة الملحدين عن المسجد الحرام وإخراجهم إلى مناطق بعيدة عنه نائية حتى لا يدنسوه. قال تعالى: { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} في الوقت الذي جعل شد رحال المؤمنين إليه لحجه أو الاعتمار فيه أو الصلاة أو أداء العبادات أو الاعتكاف أو المجاورة قربة مسنونة (لا تشد الرحال إلا ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى).

 

مقام إبراهيم عليه السلام:

7ـ وفي المسجد الحرام بمكة ـ حرسها الله ـ آياتُُ بينات، منها مقام إبراهيم، وهو الحجر المعروف قرب الكعبة، الذي كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه ليرفع بناء جدار الكعبة قال تعالى: { فيه آيات بينات مقام إبراهيم}. وقال تعالى: { واتخِذوا من مقام إبراهيم مصلى}.

 

زمزم... ماء مبارك:

8ـ ومن الآيات البينات في المسجد الحرام عين ماء زمزم التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ كما في الصحيح ـ "إنها مباركة". وقد روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم فيه طعام من الطعم وشفاء من السقم". وقد ذكر انها من عيون الجنة، وأن مياه الأرض العذبة ترفع قبل يوم القيامة غير زمزم.

 

احترام كبير، ولو من بعيد:

9ـ ومن تعظيم المسجد الحرام أنه يحرم على المسلم استقبال الكعبة المعظمة واستدبارها بالبول والغائط في الصحراء، وفي البنيان عند كثير من العلماء أينما كان المسلم. نقل الزركشي أنه روي في حديث سراقة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله ولا يستقبل القبلة).

 

لا أوقات لكراهة الصلاة فيه: 

10ـ ومن فضائل المسجد الحرام أن للصلاة فيه وضعاً خاصاً، فهي لا تحرم ولا تكره في أي وقت من أوقات النهار أو الليل كما هو الحال في خارجه حيث تحرم بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، وعند طلوع الشمس وعند غروبها وعند استوائها. ففي السنن الأربعة من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار).

كما أن المرور بين يدي المصلي لا يكره في المسجد الحرام، فعن عبد الرزاق عن المطلب بن أبي وداعة قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في المسجد الحرام والناس يطوفون بالبيت بينه وبين القبلة بين يديه ليس بينه وبينهم سترة).

وكذلك فإن صفوف الصلاة في كل مساجد الأرض مستقيمة في اتجاه واحد نحو الكعبة إلا في المسجد الحرام فهي ملتفة حول الكعبة لا يضر تقدم المأموم على الإمام فيها ما دام ليس في جهته، بل المشروط فيها فقط أن يكون الإمام أقرب من المأموم إلى الكعبة.

هذه نبذة مختصرة مجملة من فضائل المسجد الحرام، في البلد الحرام نقدمها بين يدي حديثنا عن تاريخ بنائه وتجديده وتوسعته ووصفه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المسجد الحرام بمكة المكرمة (2)

المسجد الحرام.... بناؤه وتاريخه

 

مقدمة:

والحديث فيما سبق تناول فضائل المسجد الحرام وما أعطاه الله وخصه به من المزايا العظيمة التي جعلته عند المسلمين قدس الأقداس ودرة من المساجد وأعظم المعابد، مما يستدعي الاهتمام به، ومراعاة أحواله، وتوسيع بنائه، وترميم أطرافه، ورد عوادي الزمن عنه ومواكبة تطور الحياة في أجزائه وأجهزته، والإنفاق بسخاء على حاجاته، والعناية بشدة بتزيينه وإجلاله وإعظامه . وذلك ما يستحقه المسجد الأول في الأرض، المضاف إلى ذات الله، المرفوعة قواعده بيد أبي الأنبياء إبراهيم وابنه الذبيح إسماعيل عليهما السلام، والذي في جواره ولد المصطفى عليه السلام، وإليه تهفو نفوس المسلمين إلى يوم الدين.

 

سجل تاريخي مفتوح: 

ونستطيع القول جازمين أن تاريخ بناء وتوسعة وتجديد الحرم المكي يمثل تاريخ الإسلام السياسي والإجتماعي والعمراني.. فليس هناك من خليفة أو ملك، أو أمة أو شعب، أو عصر أو جيل من المسلمين، إلا وله في المسجد الحرام بصمات أو موقع، سواء بقي من ذلك شيء إلى الآن ماثلاً وشاهدا أم زال أمام سيل الإضافات والتجديدات والتوسعات التي ما توقفت منذ أيام الخلافة الراشدة حتى يومنا هذا، ليصبح المسجد الحرام في كل عصر وزمن أجمل المساجد وأوسع المساجد وأعظم المساجد وأطيب المساجد.

 

البناء القديم:

ويبدأ تاريخ المسجد بتاريخ بناء الكعبة المشرفة،

وقد ذكر العلامة الألوسي أنها بنيت من قبل خمس مرات.

الأولى: بناء الملائكة عليهم السلام قبل آدم عليه السلام، وكانت من ياقوته حمراء، ثم رفع ذلك البناء إلى السماء أيام الطوفان.

الثانية: بناء إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السلام.

والثالثة : بناء قريش في الجاهلية، وقد حضره النبي صلى الله عليه وسلم، وكان شاباً ابن خمس وثلاثين سنة وشارك بنفسه الشريفة أعمامه في العمل، ولما أرادت قريش في هذا البناء أن ترفع الحجر الأسود لتضعه في مكانه اختصمت فيما بينها، حتى كانت تقع الحرب، ثم اصطلحوا على أن يحكم بينهم أول رجل يخرج من عليهم من هذه السكة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خرج فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر الأسود في مرط ( أي كساء) ثم يرفعه زعماء القبائل فرفعوه ثم ارتقى عليه السلام فوضعه بيده الشريفة مكانه،

والرابعة: بناء عبد الله بن الزبير الذي بناها حسبما بلغه من خالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن رغبة النبي صلى الله عليه وسلم فجعل لها بابين لاصقين في الأرض: باباً للدخول والآخر للخروج، وضم حجر إسماعيل إليها.

والخامسة: بناء الحجاج بن يوسف الثقفي الذي غير ما فعله ابن الزبير بعد مقتله...

وقد أضاف بعض المؤرخين إلى تلك المرات الخمس المعلومات عن بناء الكعبة مرة أخرى: إذ بنيت الكعبة أيام قصي بن كلاب أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم وزعيم مكة في حينه، وذكر أن أول من سقف الكعبة المعظمة قصي بن كلاب، سقفها بخشب الدوم وجريد النخيل.

كما أن من الثابت المؤكد تاريخياً أن قريشاً لما بنت الكعبة المعظمة قصرت بها النفقة الحلال الصرف عن استكمال البناء، فتركوا من البيت مقدار ستة أذرع وشبر، وبنوا دونه جدار الكعبة، ولئلا يضيع ما أخرجوه منها أداروا عليه جداراً قصيراً بارزاً.. فهو المسمى اليوم حجر إسماعيل، قال الزركشي نقلاً عن الأزرق في تاريخ مكة: جعل ابراهيم صلى الله عليه وسلم طول بناء الكعبة في السماء سبعة أذرع (3.5م) وطولها في الأرض ثلاثين ذراعاً (15م) وعرضها في الأرض اثنين وعشرين ذراعاً (11م)، وكانت بغير سقف، ولما بنتها قريش جعلوا طولها ثماني عشرة ذراعاً في السماء (9م) .. ولما بناها ابن الزبير جعل طولها في السماء سبعة وعشرين ذراعاً (13.5م) وجعل عرض جدارها ذراعين (1م)، وجعل فيها ثلاث دعائم، وأرسل إلى صنعاء فأتي من رخام بها، وجعل لبابها مصراعين وللباب الآخر مثله وجعل بها، ميزابها يسكب في الحجر، وجعل لها درج في بطنها من خشب معرجة يصعد فيها إلى ظهرها، وذلك سنة 64هـ. كما ضم الزبير حجر اسماعيل إليها.

وإذا تابعنا تاريخ الكعبة المعظمة من حيث البناء، نجد أن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي بعد مقتل ابن الزبير أعادها إلى ما كانت عليه قبل عبد الله بن الزبير، فجعل بها باباً واحداً مرتفعاً عن الأرض وأخرج منها الحجر ثانية، وقد ندم بعد ذلك على ما فعل.

ولما كان هارون الرشيد الخليفة العباسي إراد أن يرد بناء الكعبة على ما فعله ابن الزبير واستشار الإمام مال بن أنس في ذلك فقال له: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس. فترك ما هم به.

ويضيف الزركشي ( في إعلام الساجد) قائلاً: فاستحسن الناس هذا من مالك، وعملوا عليه، فصار هذا كالاجماع على أنه لا يجوز التعرض له ( أي البيت) بهدم أو تغيير والله أعلم.

 

إصلاحات وترميمات:

ولكن خلال السنين المتعاقبة منذ ذلك الحين جرت اصلاحات وترميمات وتجديدات كثيرة للكعبة المعظمة. فمن ذلك أنه في عام 542هـ عمّر سقفها الخليفة العباسي المقتفي لأمر الله.

وفي سنة (550) تم ترميم رخامها

وفي سنة (559هـ) جرت تقوية الركن اليماني بشدّهِ عند ما تضعضع وذلك أيام المستنجد بالله.

وفي سنة (720هـ) أمر الناصر محمد بن قلاوون بتعمير رخام الحجر

وفي سنة (917هـ) أمر الملك قانصوه الغوري من المماليك بنقض الحجر الأسود وبناه من جديد برخام استقدمه من مصر.

وفي سنة (1010هـ) أمر السلطان الثاني العثماني محمد الثالث بأن يجدد الشاذروان الملاصق لجدار الكعبة، وجعلوا حجارته من المرمر.

كذلك وفي سنة (1019هـ) أمر السلطان العثماني أحمد بأن تحزّم الكعبة بزنار من نحاس غلفه بالذهب الخالص لتعضيد جدارها الشمالي المتصدع.

وفي عام (1039هـ) وأثر هطول مطر شديد تصدعت جدرانها، فبادر السلطان مراد بإعادة بناء الكعبة وصنع لها باباً جديداً فخماً، وقد انفلق الحجر الأسود في هذا البناء إلى أربع شظايا، فأعيد جمعه وعولج بحيث لا يتفت ثانية.

وفي عام (1073هـ) أيام السلطان العثماني محمد الرابع جرى تعمير سقف الكعبة وجعلوا له إفريزاً.

وقد جدد السقف ثانية عام (1100هـ) في عهد السلطان مصطفى الثاني

وجرت كذلك بعض الترميمات أيام السلطان أحمد الثالث المتوفى عام 1149هـ.

وفي عام 1276هـ أهدى السلطان عبد المجيد إلى الكعبة ميزاباً مصفحاً بنحو خمسين رطلاً من الذهب الخالص وهو لا يزال إلى اليوم.

وفي عام 1331هـ أمر السلطان محمد رشاد ( محمد الخامس ) أن يحاط الحجر الأسود في الكعبة المشرفة  بطوق من الفضة الخالصة.

وفي عام 1377هـ تم إعادة بناء سقف الكعبة وإصلاح الجدران المتصدعة، وترميم الكسوة الرخامية من الداخل التي على الجدران من الداخل .

ومما يذكر أن باب الكعبة من الذهب الخالص المنقوش بالزخارف والآيات الكريمة.

 

كسوة الكعبة:

هذا عن بناء الكعبة، أما عن كسوتها فقد قيل: إن تبعاً ملك اليمن في الجاهلية هو أول من كسى الكعبة، وذلك قبل الإسلام بسبعمائة عام. وقد كساها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثياب القباطي، وكان عمر رضي الله عنه يفعله في خلافته، وكساها كذلك معاوية وابن الزبير الديباج الأحمر. يقول الأزرقي: وكانت تكسى يوم عاشوراء، ثم صار معاوية يكسوها مرتين، والمأمون يكسوها ثلاثاً: الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطي هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان المعظم، ثم كساها الديباج الأسود الخليفة الناصر العباسي، فهي تكسى بالأسود إلى اليوم.

ومازالت كسوة الكعبة سنة متبعة يتباهى بها الملوك طوال الزمن حتى استقر أمرها منذ سنة 743هـ إلى أمد قريب في مصر، فكانت تصنع فيها، ثم يعد لها موكب عظيم يحملها بكل اجلال إلى البلد الحرام، حتى إذا كان عام (      ) هـ استحدث في مكة مصنع خاص لكسوة الكعبة المعظمة، مجهز بكل الوسائل الحديثة، التي تهيء للكعبة ثوباً من أفخر النسيج ونفيس القماش ورائع النقش وبديع الخط، تكسئ به صبيحة يوم النحر من كل عام، في موكب مهيب يحف بها ويعظمها فتبدو كعروس تجلى بأبهى ثيابها.

 

وللمسجد الحرام تاريخ ومجد:

أما المسجد الحرام من حول الكعبة المعظمة فتاريخه أيضاً حافل بالبناء والتجديد والتوسعة، حتى كأنه انشودة الدول والممالك، وسفر الخلفاء والعظماء.

وقد كان المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا جدار يحيط به ولا باب يغلق عليه، وبقي الحال كذلك مدة خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولم تكن بالناس حينذاك حاجة إلى توسعته لقلتهم وانشغالهم بالفتوح، فلما استخلف عمر رضي الله عنه وسع المسجد واشترى دوراً فهدمها وأدخلها فيه، ثم أحاط عليه جداراً قصيراً دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه. ثم لما استخلف عثمان رضي الله عنه اشترى دوراً أيضاً ووسع بها وبنى المسجد والأروقة حوله، ثم إن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه زاد سنة بضع وستين..

للهجرة في المسجد زيادة كثيرة في خلافته، ثم عمره بعد ذلك عبد الملك بن مروان ولم يزد فيه ولكمنا رفع جدار المسجد، وحمل إليه أعمدة الحجارة الرخام، وسقفه بالساج، وزين اسطواناته بالذهب، فجعل على رأس كل واحدة منها خمسين مثقالاً من الذهب. ولما كان ابنه الوليد جعل سنة 91هـ للمسجد بناء محكماً فوق العقود المزخرفة بالفسيفساء من جهة شرقي الكعبة، ثم إن المنصور العباسي زاد في شقة المقابل لبناء الوليد رواقاً محمولاً على عمد الرخام، كما اشترى المساكن الملاصقة للمسجد من جهتيه، الشمالية والغربية، وهدمها وأدخلها في ساحة المسجد فتضاعفت مساحة المسجد، وقد استغرقت أعماله ثلاث سنين من عام 137هـ إلى 140هـ. ويقال: إن أول مآذن الحرم المكي بنيت في عهده.

ثم زاد في المسجد الحرام الخليفة العباسي المهدي مرتين ( 160و 164هـ) وكانت الكعبة في جانب المسجد فأحب أن تكون في الوسط، فاشترى دورأ لتكون الكعبة متوسطة فيما حولها، وعمر المسجد الحرام، ودعم بناءه بأعمدة الرخام، وأنفق أموالاً عظيمة (قرابة 4.5 مليون دينار ذهبي) وكانت عمارته هذه من المتانة بحيث تحملت عوامل الزمن لمدة ناهزت ثمانية قرون، وقد بلغت مساحة الحرم في عهد المهدي 30240متراً مربعاً.

وفي عام 281هـ أمر الخليفة المعتضد بضم دار الندوة إلى المسجد، وأن يعمر المسجد بالأساطين والطاقات والأروقة المسقفة بالساج المزخرف كما فتح في جدار المسجد اثني عشر باباً بعقود ستة كبار، وبينهم ست صغار، وبنى منارة.

وفي عام 306هـ أمر الخليفة جعفر المقتدر أن تضم دارا زبيدة زوجة هارون الرشيد إلى مساحة المسجد، وبهذه الزيادة انتهت مساحة المسجد إلى ما يعرف في أيامنا الحاضرة بصحن الطواف الحالي.

وفي عام 736 هـ تم بأمر الناصر محمد بن قلاوون تعمير الأساطين التي حول المطاف في المسجد، فجعل بعضها من حجارة منحوتة بدقة، وبعضها من الأجر المجصص، ووضع بين كل أسطوانتين عارضة من الخشب لتعلق فيها القناديل.

وفي عام 802هـ حدث بأحد رباطات المسجد حريق دمرّ بعض سقف المسجد وأروقته، فتم تغيير الأسطوانات القديمة واستبدلت بأخرى جديدة من جبال مكة.

ثم لما جاء العثمانيون تعاقب خلفاؤهم على ترميم المسجد الحرام والعناية به.

ففي عام 979هـ أمر السلطان سليم ببناء المسجد بكامله بناءً محكماً، وأن يجعل سقف جميعه قباباً عوضاً عن الأخشاب، وقد استكمل هذا العمل السطان مراد الثالث، وفي عام 1003هـ أمر السلطان بجعل حجارة المطاف من المرمر.

وفي عام 1039هـ أمر السلطان مراد الرابع بإعادة بناء المسجد من جديد بعد تأثره بمطر وسيول شديدة. وفي عام 1259هـ أهدت والدة السلطان عبد الحميد الثاني للمسجد الحرام سته أعمدة، في رأس كل عمود نخلة من معدن أصفر تناط بفروعها المدلاة ستة قناديل وقد وزعت في أنحاء المسجد.  

وفي عام 1266هـ، وبأمر من السلطان عبد المجيد الثاني أجريت إصلاحات عامة في المسحد، ورصفت الردهة الداخلية لباب السلام بالمرمر.

وفي عام 1301هـ أزيل الحاجز الذي كان يفصل بين الرجال والنساء أثناء الصلاة.

ويذكر المؤرخون للمسجد الحرام أن عدد أسطوانات الحرم الرخامية بلغ بعد بناء السلطان سليم العثماني ثلاثمائة وسبعون عمواداً، وعدد القباب مائة واثنان وخمسون قبة، وعدد الأبواب ستة وعشرون باباً موزعة على الجهات الأربع.

 

منبر المسجد الحرام:

وأول من أحدث المنبر في المسجد الحرام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وكان على ثلاث درجات، وبقي علىذلك إلى أن حج هارون الرشيد فأهدى للمسجد منبراً منقوشاً عظيماً في تسع درجات، ثم أمر الواثق العباسي بعمل منبر بمكة وآخر بمنى وثالث بعرفة. واستمر صنع الخلفاء للمنابر النفيسة من الخشب للمسجد الحرام إلى أن كان عهد السلطان سليمان بن سليم الثاني فبعث بمنبر من الرخام المرمر البراق الناصع البياض يصل ارتفاعه إلىحوال اثني عشر مترا.

 

منارات الحرم:

أما منارات الحرم فإن أبا جعفر المنصور بنى أول منارة على باب العمرة، ثم جاء ابنه المهدي فأنشأ ثلاث مآذن فصارت أربعاً، ثم ضم إليها المعتضد العباسي منارة خامسة، ثم أضاف السلطان قايتباي من ملوك المماليك سادسة. ثم في عهد السلطان سليمان بن سليم أضيفت منارة سابعة، ثم بعد الزيادة الأخيرة في أيامنا بلغت منارات الحرم المكي تسعاً في غاية الروعة والجمال يصل ارتفاعها إلى 89 متراً.

 

إنارة المسجد الحرام:

وابتداء من عهد معاوية أخذت القناديل تزهر في الحرم ثم لا زالت في ازدياد مع مرور الزمن وتوسع المسجد وتعاقب المهتمين بذلك حتى بلغ عددها عام 1335هـ ألفاً ومئتين واثنين وعشرين قنديلاً، ثم أنير المسجد بالكهرباء للمرة الأولى عام 1354هـ ومنذ ذلك الحين وإنارة المسجد الحرام مثار إعجاب ومضرب مثل في شدتها وجمالها وتوزيعها.

وفي عام 1345هـ بلغ عدد الحجاج قرابة 400ألف وهو عدد مهول في حينه مما دفع حكومة الملك عبد العزيز بن سعود رحمه الله إلىالشروع في التوسعة السعودية الأولى عام 1375هـ باضافة دور علوي للمطاف والمسعى مع تجديد الحوائط والأروقة والأعمدة والسقف والنوافذ والأبواب، وإعادة نقوشها وزخرقتها، وزيادة الأروقة، وإعادة بناء سبع منارات رائعة التصميم حول المسجد، فبلغت مساحة الحرم 193000 متر مربع، وأما التكلفة فبلغت 180 مليون ريال سعودي، واستمرت نحو ست سنين، ونفذت على ثلاث مراحل.

وفي عام 1409هـ بوشر في التوسعة السعودية الأخيرة والتي لم يشهد لها تاريخ المسجد الحرام من قبل مثيلاً سعةً وفخامة واتقاناً.

فقد أصبحت مساحة المسجد بعدها مع الأسطح وكامل الساحات 328.000 متر مربع تتسع لحوالي مليون مصل في المواسم، وتشمل إضافة مئذنتين (89م) واستحداث أنظمة جديدة في السلالم المتحركة وتوزيع شبكة الصوت والإنارة وجميع الخدمات الخاصة بضيوف الرحمن مما سيبقى خالداً في سجل الذين قاموا به إلى يوم الدين. فهذه التوسعة والإضافات والتجديدات فيها تحتاج إلى سفر خاص وكتاب كامل... إنها بحق مفخرة من مفاخر المملكة سعودية.

ولا بد من الاعتذار أخيراً عن تجاوز كثير من المعلومات المتعلقة بالحرم المكي ... الذي هو في الحقيقة سجل كامل للتاريخ الإسلامي.

 

 

 

 

 

 

 

 

المسجد النبوي في المدينة (1)

فضائله ومكانته

مقدمة: 

يذهب كثير من المفسرين إلى أن المسجد المذكور في قوله تعالى في سورة التوبة {لمسجد أُسِّسَ على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه. فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} إنما هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ويستدلون لذلك بما رواه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم؟ فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو مسجدي)... وهذا ولا شك شرف كبير ومنزلة عظيمة لهذا المسجد الذي يحتل من القداسة والمكانة العظيمة في قلوب المسلمين ما لا مزيد عليه إلا للكعبة المعظمة والمسجد الحرام...

وسوف يتشعب الحديث عن المسجد النبوي إلى شعبتين ـ كما سبق بالنسبة للحرم المكي ـ الشعبة الأولى منهما عن فضائله ومزاياه، والثانية عن تاريخ بنائه وتجديده وترميمه ووصفه.

 

الفضائل والمزايا:

وسنبدأ بذكر فضائل المسجد النبوي الشريف على ساكنه أفضل الصلاة وأتم التسليم. فنقول: إن فضائل المسجد النبوي كثيرة تكاد لا تحصى، وبعضها جاء منصوصاً عليه صراحة، وبعضها الآخر استنبطه العلماء استنباطاً وفهموه فهماً... وهم في غمرة سردهم في هذا وذاك ساعون للتعبير عما تكنه صدورهم وتجيش به عواطفهم تجاه المسجد النبوي الذي أصبح رمزاً من رموز الإسلام ومعلماً من معالم الإيمان ومداراً من مدارات الحب والولاء لله ولرسوله وإليكم بعض تلك الفضائل والمزايا:

 

بناه الرسول(ص) والصحابه:

1ـ من أعظم مزايا مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أنه بني واختيرت أرضه ووضع أساسه وتم تحديد قبلته بإشراف ومشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه المهاجرين والأنصار فكان بُناتُه وعماله والساعون في تأسيسه خير الأنبياء مع خير الناس... ولنا أن نتصور جموع الصحابة وهي تمضي جيئة وذهاباً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعمل معهم كواحد منهم بجد ونشاط، ينقلون اللبن، ويحملون الطين، ويرفعون الجدر، ويرتجزون بقولهم: لئن قعدنا والنبي يعمل   ...   لذاك منا العمل المضلل.

        فيرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم مباركاً عملهم منشطاً همتهم بقوله: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة   ...   فارحم الأنصار والمهاجرة.

قال الزركشي: انشأ أصل مسجد المدينة على يد سيد المرسلين المهاجرون الأولون، والأنصار المتقدمون، خيار هذه الأمة، وفي ذلك من مزيد الشرف على غيره ما لا يخفي.

 

الإشادة به دائماً:

2ـ كان النبي صلى الله عليه وسلم ينوه دائماً بفضله، ويشير إلى مزاياه وذلك ببيان فضل الصلاة فيه وزيادة ثوابها على غيرها فيما سواه ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام). وفي بعض الآثار عند الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك رضي الله

عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من صلى في مسجدي أربعين صلاة لا تفوته صلاة كتبت له براءة من النار ونجاة يوم القيامة).

أو ببيان فضل من أتاه قاصداً التعلم في جوانبه أو التماس العلم في حلقة ففي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه، فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاءه لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره).

ومن أجل الفوائد الكثيرة التي فيه استحب الرسول صلى الله عليه وسلم شد الرحال لزيارة المسجد النبوي من الأماكن البعيدة النائية، ولو بلغت المشقة بالراحلين إليه مبلغها فالشوق إليه يذلل الصعاب ويهون الآلام. روي البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى).

 

الحجرة النبوية الشريفة:

3ـ ومن فضائل المسجد النبوي الشريف وجود جسده صلى الله عليه وسلم غضاً طرياً في قبره، وقد اتفق العلماء على أن أفضل بقاع الأرض تلك البقعة التي ضمت جسده الشريف ودفن فيها، حكى الاجماع على ذلك القاضي عياض وغيره، خاصة إذا علمنا يقيناً أنه صلى الله عليه وسلم قد صح عنه قوله: (إن الله حرم على الأرض أجساد الانبياء) فهو عليه الصلاة والسلام بعد وفاته موجود بجسده الشريف الطاهر في المسجد النبوي لم تنل الأرض منه كما تنال من أجساد بني آدم.

وهذا المعنى هو الذي يهيج النفوس ويحركها نحو قبره الشريف، عدا ما جاء عن فضل زيارته في قبره، وقصده بعد موته من أحاديث تتقوى ببعضها وبعمل الأمة بها، من مِثْل قوله عليه السلام: (من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي) وقوله: ( من حج فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي).

وقد ذكر العلماء أن زيارته في قبره صلى الله عليه وسلم من أفضل القرب وأرجى العبادات. صرح بذلك القاضي عياض والإمام النووي والإمام ابن الهمام والعلامة السندي وغيرهم.

ويزيد ويؤكد مزية زيارته صلى الله عليه وسلم شوقاً في قلوب المؤمنين زيارة صاحبيه المجاورين، الملازمين له حياً وميتاً، وهما شيخا المسلمين أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فقبراهما يجاوران قبره ويستظلان به.

 

روضة من رياض الجنة:

4ـ ومن فضائل المسجد النبوي تلك البقعة الطاهرة الطيبة التي تقع بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره الشريف، وهي من بقع الجنة في الأرض، وقد خص المسجد النبوي بها، ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة) وفي لفظ (ما بين بيتي ومنبري) وفي لفظ الطبراني (ما بين حجرتي ومصلاي).

 

مساكن النبي صلى الله عليه وسلم:

5ـ ومن فضائل المسجد النبوي وجود بيوت وحجر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بعد ضمها إليه وتلك الحجر بناها رسول الله صلى الله عليه وسلم لازواجه شرقي المسجد، وكان فيها مقامه ومآواه، وفيها مبيته وطعامه ومنامه.

قال الحسن البصري: (كنت أدخل بيوت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلام مراهق وأنال السقف بيدي. وكان لكل بيت حجرة، وكانت حجره من أكسية من شعر مربوطة في خشب عرعر، ولم يكن لبابه حلق، بل كان يقرع بالأظافر) فلما توفي أزواجه رضي الله عنهن خلطت البيوت والحجر بالمسجد، وذلك في زمن عبد الملك بن مروان.

 

الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:

6ـ ومن فضائل المسجد النبوي كراهة رفع الصوت فيه بغير صلاة أو خطبة أو درس فقد روي عن الإمام مالك إمام دار الهجرة أنه كان لا يرفع صوته في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: حرمة الرسول صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً سواء، وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض}.

 

لا يجتهد في محرابه:

7ـ ومن فضائل المسجد النبوي أنه لا يجتهد في محرابه، أي لا يشك في صحة توجهه إلى القبلة، ولا يجوز تعديله عما هو عليه، قال الزركشي: لا يجتهد في محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه صواب قطعاً، إذ لا يقر على خطأ، فلا مجال للاجتهاد فيه، حتى لا يجتهد فيه باليمنة واليسرة، بخلاف محاريب المسلمين.

والمراد بمحرابه صلى الله عليه وسلم مصلاه، فإنه لم يكن في زمنه عليه السلام محراب.

 

تعويضات مجزية:

8ـ ومن فضائل المسجد النبوي أن الله سبحانه وتعالى عوض قاصده وزائره عن عبادتي الحج والعمرة بأمرين اثنين، ثابتين بنصوص صريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وُعد عليهما ذلك الثواب.

أما الحج، فذكر ابن الجوزي عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه، كان بمنزلة حجة).

وأما العمرة، فيحصل أجرها بزيارة مسجد قباء القريب من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيح.. (صلاة في مسجد قباء كعمرة) وروى ابن النجار في تاريخ المدينة عن سهل بن حنيف رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من توضأ فأسبغ الوضوء وجاء مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له أجر عمرة). ذكر ذلك الفضل لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الإمام محمد بن عبد الله الزركشي في كتابه أعلام الساجد.

 

لا يخرج منه بعد النداء:

9ـ ومن فضائل المسجد النبوي النهي الوارد بخصوصه هو ـ وبعموم المساجد من بعده ـ فلا يجوز لأحد سمع فيه النداء للصلاة ـ وقد علمنا فضلها فيه ـ أن يخرج منه قبل أن يصلي، ففي معجم الطبراني الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق) وهذا كما قلنا إن كان عاماً في كل المساجد، فهو أولى وأخص وآثر في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

 

شاهد عيان صادق:

10ـ ومن فضائل النبي صلى الله عليه وسلم أنه شهد معظم أحداث السيرة النبوية التي هي جوهر الدين وأس بنائه وأصل نشأته، ففي هذا المسجد الكريم كانت خطب النبي صلى الله عليه وسلم البليغة الموجزة المؤثرة المعبرة، وفي هذا المسجد الكريم كانت إمامته بصلاة المسلمين ليلاً ونهاراً يقوم لله خاشعاً عابداً متبتلاً، وفي هذا المسجد الكريم كانت الوفود الكثيرة التي وفدت على النبي صلى الله عليه وسلم لإعلان الإسلام، أو للمفاوضة في أمر، أو المناقشة حول قضية. وفي هذا المسجد الكريم حصلت معجزات كثيرة نطقت بلا ريب بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كحنين الجذع إليه فيه بعد تحوله عليه السلام إلى المنبر، وكإخباره عليه السلام، عن كثير من المغيبات الحاضرة أوالمستقبلية فيه، وفي هذا المسجد الكريم نزل جبريل الأمين بالوحي أكثر من أي مكان آخر يلقي في روع النبي صلى الله عليه وسلم وقلبه كلامَ الله تعالى وأوامره ونواهيه وأحكامه، وفي هذا المسجد الكريم عقدت ألوية كثيرة للجهاد،

وطرحت قضايا مصيرية للمسلمين، وقضي في أمور خطيرة وخلافات مهمة، وتجلت أخلاق النبوة وسجايا الصحابة ونفحات الله... إن السيرة النبوية بكل مفرادتها وحوادثها تدور حول محور أساسي هو المسجد النبوي الطاهر.

 

المدينة طيبة مباركة:

11ـ ومن فضائل المسجد النبوي أن المدينة المنورة التي تضمه من أفضل بلاد الله وأحبها إليه وأطهرها عنده.

وقد جاء في بيان شرفها ومزاياها كثير من النصوص الصحيحة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن ذلك أنها بلد حرام كمكة البلد الحرام، حرّم الله صيدها وشجرها على الحلال والمحرم كمكة سواء بسواء، فقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لا بتيها، لا يقطع عضاها ولا يصاد صيدها   ومن ذلك أنه يستحب المجاورة فيها لما يحصل من ذلك من البركات والنفحات الالهية روى مسلم عن ابي هريرة وأبي سعيد وابن عمر رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من صبر على لأواء المدينة وشدتها كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة). ولهذا يستحب المكث بها حتى الموت، كما كان يتمنى ذلك كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح البخاري عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: (اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك). وروى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من استطاع أن يموت في المدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها).

ومن فضائل المدينة المنورة ـ أرضِ المسجد النبوي ـ أن الدجال لا يدخلها. قد حرمها الله عليه، بل إنها تخرج كل خبيث ومنافق منها، ففي الصحيحين من حديث أنس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم (إن الدجال لا يطأ مكة ولا المدينة، وأنه يجيء حتى ينزل في ناحية المدينة، فترجف ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق). وفي صحيح مسلم ( لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد).

 

شوق وحنين... وتخوف دفين:

هذا كله ـ وغيره كثير ـ شيء من الحديث عن فضل المسجد النبوي وما جعل الله سبحانه له من المزايا والخصال والفضائل... كيف لا وهو أبو المساجد في الإسلام، ومنبع اليقين، ومهوى أفئدة المؤمنين، ومرقد سيد المرسلين، ومزار خليفتي رسول رب العالمين...

وإن مما نحذر منه أشد التحذير في هذا المقام ما نراه فاشياً بين كثير من المسلمين من تهاونهم في زيارة المسجد النبوي، وشد الرحال إليه، وفتور الشوق لزيارة الحبيب المصطفى عليه أزكى السلام والتحية، وذلك بحجج واهية ومزاعم باطلة... لا تصح لدى المؤمنين، لا يأبه لها المحبون... أيعقل أن تكون النفقة المادية البسيطة، أو مشاغل الحياة الزائفة، أو مجرد استكمال مناسك الحج المفروضة عذراً كافياً للحيلولة دون الزيارة المستحبة واللقاء المنتظر بين المؤمن ورسول الله ‍ ‍.

إننا نلمح ونصرح إلى ما دأب عليه البعض من استعجالهم ـ بعد مناسك الحج أو العمرة دون سبب ملزم أو عذر صحيح ـ طي الخيام دونه وردّ المطايا عنه، كأنه لا يعنيهم في شيء، أو لا يرمز عندهم إلى معنى...

أنطوي الفيافي والقفار والبراري والبحار حتى إذا كنا بمحاذاة منزل سيد الأبرار ومسجد النبي المختار تكاسلنا وتراخينا، واستكثرنا قليل النفقة واستثقلنا قريب الأسفار... فما أقس القلوب وأقصر الهم وأشد الشح.

ويبقى الحديث عن تاريخه وبنائه... ولذلك موقف آخر إن شاء الله تعالى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المسجد النبوي في المدينة (2)

تاريخه وبناؤه

 

مقدمة:

المسجد النبوي هو أبو المساجد في الإسلام، شرع الرسول صلى الله عليه وسلم في إنشائه لبضعة شهور من هجرته إلى المدينة المنورة، ولم يستغرق إنشاؤه وقتاً طويلا، فتم في نحو شهرين في العام الأول للهجرة.

ولاختيار الأرض التي بني عليها هذا المسجد المعظم وكيفية بدء البناء ننقل عن الإمام الزهري قوله: بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موضع مسجده، وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين، وكان مربداً ( موضعاً لتجفيف التمر) لسهل وسهيل، غلامين يتيمين من الأنصار، كانا في حجراً سعد بن زرارة، فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله. فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير...

وكان الذي يؤم جماعة المسلمين فيها قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسعد بن زرارة، وكان فيه شجر غدق ونخل وقبور للمشركين، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت، وبالنخيل والشجر فقطعت وصفت في قبلة المسجد.

 

صفة المسجد النبوي الأول

وجُعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع (نحو 70 مترا) وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه (63م)، وجعل أساسه قريبا من ثلاثة أذرع (1.5م) ثم بناه باللبن، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني معهم، وينقل اللبن والحجارة بنفسه، ويقول: الله لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة، وجعل قبلته إلى بيت المقدس.

قال الذهبي: هذه القبلة كانت في شمال المسجد، فلما حولت القبلة بقي حائط القبلة الأولى مكان أهل الصفة. وجعل له ثلاثة أبواب: باباً في مؤخّرة، وباباً يقال باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجعل عمده الجذوع وسقفه بالجريد.

وسَقَف جزءين منه بجذوع النخل: الأول: كان عريشاً في المقدمة للصلاة، حيث وضع صفين موازيين من جذوع النخل لجدار القبلة، في كل صف ستة جذوع تقوم مقام الاساطين، والثاني: عريش أهل الصفة وهو مساوٍ لعريش القبلة في الهيئة والمقياس.

ولم يكن أول الأمر في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم منبر يقف عليه، بل كان يستند إلى جذع شجرة، حتى كانت سنة 6هـ أو ما بعدها صنع له غلام رومي اسمه باخوم منبراً من خشب له درجتان ومقعد.

وقد زاد النبي صلى الله عليه وسلم في بنائه فيما بعد: عشرة أذرع في الشرق، وعشرين ذراعاً في الغرب، مع زيادة جذوع النخل واحداً في الشرق واثنين في الغرب.

وغدت مساحة المسجد في السنوات الأخيرة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم نحواً من ثلاثة آلاف وخمسمائة متر مربع (3500م2).

كما لم يكن للمسجد مئذنة، بل كان المؤذن يرتفع فوق بيت عال بجوار المسجد لينادي للصلاة.

 

بيوت الزوجات الطاهرات

وقد بنى بيوتا إلى جانبه، ولما فرغ من بنائه بنى بعائشة رضي الله عنها في البيت الذي بناه لها شرقي المسجد، وهو مكان حجرته اليوم. وكانت تلك البيوت في منتهى البساطة والتواضع، كما أشار إلى ذلك الحسن البصري عندما ذكر أنه كان ينال سقفها بيده وهو مراهق.

التجديدات والترميمات:     

وقد جدد بناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خلافته سنة 12هـ، لكنه لم يزد فيه شيئاً، واستبدل بجذوع النخل القديمة جذوعاً جديدة.

ثم قام بتجديده عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته سنة 17هـ، وزاد في مساحته ووسعه، فغدا طول المسجد (130) ذراعاً وعرضه (120) ذراعاً، واستبدل بجذوع النخل أساطين من لبن، وسقف العريشين الذين كانا فيه بخشب، وأوصى البنائين أن لا يحمروا أو يصفروا حتى لا يفتتن الناس.

ثم إن عثمان  بن عفان رضي الله عنه جدد بناءه تجديداً كاملاً في خلافته سنة 29هـ، زاد في المسجد النبوي حتى صار طوله 160 ذراعاً وعرضه 130 ذراعاً، بنى جداره بالحجارة المنحوته، طلى الجدران بالقصة (الجبس)، جعل أعمدته من الحجارة بدلاً من اللبن، رفع جدرانه، وفتح في أعلاها نوافذ قرب السقف عن اليمين والشمال في بيت الصلاة، وولي الاشراف على هذه الزيادة الكبيرة الصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه.

 

الدور الأموي:

وفي سنة 88هـ كتب الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك إلى واليه على المدينة عمر بن

عبد العزيز يأمره بإعادة بنائه، كما يأمره بإدخال حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، وأن يشتري ما في نواحيه حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع، ويقول له: قدم القبلة إن قدرت ( أي أصنع لها محراباً). وأرسل إليه العمال من الشام.

وبعث الوليد إلى ملك الروم يعلمه أنه قد هدم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ليعمره، فبعث إليه ملك الروم مائة ألف مثقال ذهب ومائة عامل، وبعث إليه من الفسيفساء بأربعين جملاً فوضعوا أساسه وابتدءوا بعمارته. كما ذكر ذلك ابن الاثير.

ولم يكن تجديد الوليد للمسجد النبوي متضمناً توسعة كبيرة إلا أن البناء زاد متانة وجمالاً وكانت هيئته نفس الهيئة التي بناه عليها الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان المشرف على الهدم صالح بن كيسان، وقد ذكر أنه استحدث في هذا التجديد لأول مرة ـ المحراب في جدار القبلة ـ كما وضعت للمسجد مئذنة. وتقدر توسعة الوليد بنحو 2369م2 ضمت للمسجد النبوي.

الدور العباسي:

وقد أعاد بناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم سنة (160هـ) ثالث الخلفاء العباسيين المهدي، فوضعه على جانب من الفخامة، والمتانة وزخرف المجنبة الخلفية المقابلة لبيت الصلاة بالفسيفساء، وزاد فيه من جهة الشمال نحو 65 ذراعاً عرضاً، وقد أورد ابن جبير وصفاً له بعد زيارته فأفاد بأن له صحناً واسعاً يحيط به بيت صلاة من ناحية القبلة، ومجنبات ثلاث: شرقية وغربية وخلفية، وأن بيت الصلاة عمقه (5) أساكيب ( مجموعة عقود) وعرضه 18 بلاطة تقوم على (17) صفا من الأعمدة عددها 290 عموداً...

الدور المملوكي:

وبقي هذا البناء على حاله طيلة خمسة قرون، حتى تعرض لحريق عام 654هـ أيام السلطان الظاهر بيبرس، فأعاد بناءه على نفس النمط السابق الذي كان عليه. واستمرت العناية به أيام المماليك فجدد أكثر من مرة، كما عينت إدارة خاصة بالحرمين الشريفين.

وكان آخر تجديد للمسجد النبوي في عهد المماليك بعد بيبرس اعادة بنائه من قبل سلطان مصر المملوكي سيف الدين لاشين عام 868هـ.

الدور العثماني:

ولما تولى الأمر سلاطين آل عثمان بدأت حقبة جديدة من ترميم وتجديد المسجد النبوي، ،وذلك ابتداء من السلطان سليمان القانوني الذي جدد الحرمين كليهما سنة (940هـ)، وكان من مآثره في المسجد النبوي أن أهدى إليه منبراً من أفخم المنابر الخشبية وأكثرها إتقاناً وجمالا وزخرفة. ولا تزال كثير من آثار ذلك التجديد باقية إلى اليوم عند باب السلام في الواجهة الغربية.

كما صنع العثمانيون للمسجد في العام 1196 محراباً جديداً من المرمر الملون البديع ونصبت فوقه قبه جميلة رائعة.

وفي عام 1266 هـ أعيد بناء المسجد بأكمله بأمر من والي مصر محمد على باشا وبمشاركة مهندسين من مصر وتركيا، وعلى رأسهم مشاهير مهندسي ذلك العصر، كالمهندس حليم باشا مهندس قصور العثمانيين في الأستانة، والمعلم ابراهيم كبير البنائين المصريين، والخطاط التركي المشهرة شكر الله ـ كما أوردهم الدكتور حسين مؤنس ـ  وكان المشرف على البناء إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا. وفي هذا التجديد بنيت القبة الخضراء الجميلة التي لا تزال رابضة فوق سطح المسجد النبوي إلى يومنا هذا، بعد أن كان بناها لأول مرة السلطان قايتباي، ثم جددها السلطان محمود الثاني. وقد عني معلم البناء إبراهيم بأن يعيد بناء المسجد بالحجارة القديمة التي كانت فيه من بناء الظاهر بيبرس قبل أن يستخدم غيرها.

ولم يمر طويل عهد حتى كسى السلطانُ العثماني عبد الحميد الأول (ت 1277هـ) كل جدران المسجد من الداخل بالرخام الوردي الذي أضفى على المسجد جمالاً ورونقاً بديعين حتى أطلق على المسجد النبوي اسم المسجد الوردي ولم يبخل السلطان في عمله هذا بمال، بل أنفق بسخاء وكان دائم الاستفسار عن تنفيذ العمل، حتى وهو على فراش الموت.

ويقال: بأنه مات قرير العين وهو ابن تسع وثلاثين عاماً بعد أن أبلغوه بتمام العمل وانجازه.

وقد أعاد السلطان العثماني عبد المجيد الأول بناء المسجد النبوي بعد هدمه كلية باستثناء الحجرة النبوية الشريفة، وتضمنت هذه العمارة مساحة إضافية ( 1293م2) وسع بها المسجد، وكانت آخر توسعة للمسجد النبوي قبل التوسعة السعودية الأولى، وفيها تجلى والاتقان والجمال والمهارة الفنية بأبهى صورها، سواء في الخطوط أو النقوش أو الألوان أو الزخرفة.

 

التوسعة السعودية الأولى

ولما تولى الملك عبد العزيز بن سعود عرش المملكة لاحظ ضيق المسجد النبوي الشريف بالزائرين والمصليين، كما بلغه أن بعض الأعمدة والجدران في المسجد قد اعتورها الخراب والتصدع فأصدر ـ يرحمه الله ـ  أمراً بتوسعة الحرم النبوي وبدأ في عام 1370هـ 1951م العمل بذلك واستمر حتى عام 1375هـ 1955م فأضيفت للمسجد مساحة كبيرة في الجهة الشمالية منه بلغت أكثر من ستة آلاف متر مربع لترتفع المساحة الكلية للمسجد النبوي إلى مايزيد على 160 آلف متر مربع تتسع لأكثر من 300 ألف مصل في وقت واحد.

وقد حافظت التوسعة السعودية على العمارة العثمانية وما حوته من بعض العمارة

المملوكية، فلم تمسها بتعديل أو تبديل، بل رممتها وزينتها،هذا سوى ما أضافته للمسجد الشريف من أبواب ضخمة توصل إلى بيت الصلاة الواسع الذي تنتشر فيه أعمدة الرخام الفخمة التي ترتفع فوق الأرض المكسية بالمرمر.

وبلغ عدد الأعمدة الجديدة في التوسعة السعودية الأولى 232 عموداً. كما بنيت للمسجد واجهة في غاية الحسن والجمال، وعلى جانبيها مئذنتان سامقتان في السماء ترتفعان (75) متراً فأصبح بذلك عدد المآذن في المسجد تسعاً وقد عرفت تلك الواجهة بواجهة الملك عبد العزيز.

خطوة عظيمة نحو المستقبل:

ومع الزيادة المضطردة في أعداد الحجاج والزوار، والتي بلغت في السنين الأخيرة أكثر من مليون مسلم في الوقت الواحد لم يكن هناك بد ولا مفر من إعادة النظر في مساحة المسجد النبوي ومرافقه وخدماته وطرقه الموصلة إليه وساحاته التي حوله، لذا فقد أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود أوامره عام 1985م للبدء في توسعة كبرى شاملة للمسجد ومرافقه وساحاته وأجهزته وكل ما يتصل به بعد رضع كافة الإمكانات الكبيرة مالياً وفنياً مما أفاء الله على  المملكة العربية السعودية. وقد بدأ العمل عام 1986م وتكاد تكون التوسعة الآن منتهية بعد سنين طويلة من الدراسات والتخطيط والعمل المتواصل الدؤوب ليلاً ونهاراً.

وقد غدا المسجد النبوي بعد هذه التوسعة أضخم مسجد في الدنيا بعد المسجد الحرام، إذ بلغت مساحة المسجد بعد التوسعة 98.000م2 ومساحة سطح التوسعة المعد للاستخدام للصلاة

67.000م2 ،ومساحة الساحات الخارجية المحيطة به 235.000م2 أي ما مجموعه ( داخلاً وخارجاً وسطحاً) 400 ألف متر مربع تتسع في أوقات المواسم والزحام لما لا يقل عن مليون مصل في وقت واحد.

ويحتاج الحديث المفصل عن هذه التوسعة الكبيرة إلى وقفة طويلة، إلا أننا نقول عنها باختصار شديد ووصف عابر:

وصف التوسعة الجديدة

إن مبناها الجديد يحيط بالمسجد، ويتصل به من الشرق والشمال والغرب، وفي وسط هذا المبنى من الناحية الشمالية يوجد مدخل الملك فهد بن عبد العزيز وهو المدخل الرئيسي للتوسعة، وتعلوه سبع قباب، ويحده من كل جانب مئذنة بارتفاع (104م) وبذلك يكون للمسجد مع التوسعة الأخيرة عشر مآذن، ست منها جديدة بارتفاع (104) م، وتتوزع هذه الست ـ إضافة إلى جانبي المدخل الرئيسي ـ على الأركان الأربعة.

وهناك للتوسعة الجديدة سبعة مداخل رئيسية بالجهات الثلاث الشرقية والشمالية والغربية وهذه المداخل الرئيسية يحتوي كل منها على ثلاثة بوابات متجاورة هذا بالاضافة إلى عشر بوابات جانبية، واثنتي عشرة بوابة أخرى لمداخل ومخارج السلالم الكهربائية المتحركة، التى تخدم سطح التوسعة المغطى بالرخام ويرتفع السقف في التوسعة أكثر من 12.5متراً ويبلغ عدد الأعمدة فيها 2015 عموداً تشكل فيما بينها أروقة وأفنية داخلية وتحت التوسعة يوجد دور سفلي معد للخدمات بارتفاع (4) أمتار توجد فيه أجهزة التكييف والتبريد والخدمات الأخرى.

ومن حول التوسعة ساحات كبيرة غطيت أرضيتها بالرخام والجرانيت وفق أشكال هندسية بطرز اسلامية وألوان متعددة، ويمكن استخدام جزء كبير منها للصلاة وقت الحاجة، وتضم هذه الساحات مداخل للمواضئ بها 6800 وحدة وضوء، و2500 دورة مياه، و 560 نافورة ماء للشرب، وأماكن لاستراحة الزوار وتضاء بوحدات اضاءة خاصة مثبتة على 120 عموداً رخامياً.

وتحت تلك الساحات مواقف للسيارات من دورين تكفي لاستيعاب 4163 سيارة.

قباب وظلال:

وقد زود المسجد في التوسعة الجديدة بسبع وعشرين قبة متحركة. زنة الواحدة منها 80 طناً، تغطي كل واحة مساحة (324) م2، ويتم فتحها وغلقها كهربائياً بالتحكم عن بعد، وذلك للاستفادة من التهوية الطبيعية عندما يسمح الجو بذلك، أما في أوقات الحر ـ وبلاد الحجاز حارة عموماً ـ فقد صممت أعمال تلطيف الهواء بحيث يهدفع الهواء البارد من قواعد الأعمدة الجديدة بواسطة الفتحات المغطاة بالنحاس، كما تمت أعمال تلطيف الهواء في المبنى القديم للمسجد النبوي بطريقة لا يحتاج معها ازالة أي جزء فيه أو تعديله.. وتمت تغطية الساحة الواقعة بين المسجد بشقه العثماني والتوسعة السعودية الأولى باثنتي عشرة مظلة ضخمة بنفس ارتفاع السقف، تظلل كل واحدة منها مساحة (306) م2 ويتم فتحها وغلقها أوتوماتيكياً، وذلك للحماية من أشعة الشمس أو المطر مع امكان الاستفادة من الجو الطبيعي المعتدل، وهذه المظلات تضفي مسحة جمالية رائعة عند فتحها فتؤدي بذلك دوراً مزدوجاً في آن واحد.

 

الزخرفة والنقش:

أما أعمال الزخرفة فقد صممت بحيث تتناسب وتنسجم مع أعمال الزخرفة التي في التوسعة السعودية الأولى، ويشمل ذلك أعمال الجليات والزخارف، والكرانيش لتجميل الحوائط، والكمرات والكينارات والمآذن، وأعمال الحديد المشغول كالمشربيات والشبابيك والدربزينات، والأبواب الخشبية المطعمة بالنحاس، وتيجان الأعمدة، والثريات المطلية بالذهب، وأعمال التكسية بالرخام المزخرف على كامل الجدران الداخلية للتوسعة، والأعمدة المكسوة بالرخام  المستدير وقواعدها أيضاً مكسوة برخام مزخرف بأشكال هندسية جميلة، وبها تجويفات خاصة لوضع المصاحف الشريفة بطريقة منظمة هذا غيض من فيض الحديث عن أعظم الأعمال المسجلة في تاريخ المسجد النبوي الشريف وهي مفخرة ومأثرة، وتوفيق من الله عظيم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المسجد الأقصى 

تمهيد:

يقع المسجد الأقصى في مدينة القدس في فلسطين والقدس مدينة مشهورة ذات تاريخ حضاري مشترك بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، وقد شهدت كثيراً من الغزاة والطامعين في الحروب الطاحنة كما حظيت بكثير من العلماء النابغين والعباد المنقطعين المشهورين.

وإنما سمي الأقصى بمعنى البعيد لأنه لم يكن وراءه مسجد آخر في الأرض، وكان في أبعد الأماكن التي وصل إلها العرب في رحلاتهم إلى الشام قبل الإسلام، وقد سمي بهذا الإسم في قوله تعالى عند ذكر قصة الإسراء: { سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع العليم }.

وقد جمع بعضهم كالزركشي في كتابه أعلام المساجد ــ أسماء المسجد الأقصى وأهمها: المسجد الأقصى ومسجد إيلياء بيت المقدس والبيت المقدس وبيت القدس وغير ذلك.

والحديث عن المسجد الأقصى يتناول النقاط التالية:

فضائله الدينية الكثيرة:

أولاً: فضائل المسجد الأقصى كثيرة ومشهورة: منها كان قبلة ومتوجهاً للأنبياء السابقين قبل الإسلام في الصلاة، كما صلى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه طيلة مقامهم في

مكة عشر سنين، ثم صلوا إليه بعد هجرتهم إلى المدينة قرابة ثمانية عشر شهراً قبل أن يؤمروا

بالتحول إلى الكعبة، وقد أشار الله سبحانه إلى صلاتهم تجاه قبلة بيت المقدس في قوله: { سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } يقصدون بذلك بيت المقدس.

ومنها أيضاً: أن الإسراء بروح النبي صلى الله عليه وسلم وجسده قبيل الهجرة قد تم  ووقع من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلي المسجد الأقصى يقظة لامناماً، على ما ثبت في الآية الشريفة والحديث الصحيح وفي هذا المسجد في الإسراء اجتمع النبي صلى الله عليه وسلم بإخوانه الأنبياء السابقين، وقام فيهم خطيباً، وقدموه فصلى بهم ركعتين تكريماً له وتشريفاً، وعندما عاد عليه السلام إلى مكة وكذبته قريش، اقترح أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يصف النبي صلى الله عليه وسلم لقريش المسجد الأقصى ـ وكان قد دخله ليلاً ـ فرفعه الله له حتى وصفه لهم باباً باباً ونافذة نافذة فكان ذلك من آيات نبوته.

ومن فضائل المسجد الأقصى: أنه أقدم المساجد التي عمرت لعبادة الله وحده بعد المسجد الحرام، كما جاء في الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يارسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أيّ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون سنة" ولذلك فقد كثر تردد الأنبياء عليه وصلاتهم فيه منذ القديم. فعن عطاء الخرساني قال: بيت المقدس بنته الأنبياء، ووالله ما فيه موضع شبر إلى وقد سجد فيه نبي!!! وأثر مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما.

ومن فضائل المسجد الأقصى: أن الصلاة فيه مضاعفة الأجر بمقدار خمسمائة ضعف، وقيل أكثر من ذلك، فعند البزار بإسناد حسن عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" الصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة ".

ومن فضائله: استحباب شد المطايا والسفر إليه لزيارته حباً له وإكراماً، ففي الصحيحين

عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى "، ومن فضائله ما وضع إليه من البركة حوله لأجله تلك البركة التي تمثلت في كثرة الأنبياء الذين أقاموا حوله وماتوا ودفنوا هناك وفي كثرة الأنهار والثمار والخيرات العديدة.

ومن فضائله: تحريم استقباله بالبول والغائط ـ تنزيهاً لمقامه ـ وكذلك استدباره بهما كالحال بالنسبة للكعبة المشرفة. وله فضائل أخرى يجدها الباحث عنها في مظانها.

 

البناء الأول في التاريخ القديم:

ثانياً: أما ما يتعلق ببناء المسجد الأقصى أولَّ ما ُبني، فقد روى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أبي بن كعب قال : إن الله عز وجل أمر عبده ونبيه داود عليه السلام أن يبني له بيتاً فقال: أي رب وأين هذا البيت؟ فقال : حيث ترى المَلَك شاهراً سيفه. فرآه على الصخرة، وإذا ما هناك يومئذ أندر لغلام من بني اسرائيل، فأتاه داود، فقال: إني أُمرت أن أبني هذا المكان بيتاً لله عز وجل فقال له الفتى: الله أمرك أن تأخذها بغير رضاي. قال : لا. فأوحى الله إلى داود عليه السلام إني قد جعلت في يديك خزائن الأرض فأرضه. فأتاه داود فقال: إني أُمرت برضاك ولك بها قطار من ذهب فقال: قد قبلت ياداود، وهي خير أم القنطار؟ قال: بل هي خير. قال: فأرضني  قال فلك بها ثلاثة قناطير، فلم يزل يشدد على داود حتى رضي منه بتسع قناطير .

ونقل الطبراني في الكبير عن رافع بن عمير عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سليمان عليه السلام أخذ بعد ما مات داود عليه السلام في بنائه، فلما تم قربّ القرابين وذبح الذبائح وجمع بني اسرائيل، فأوحى الله إليه: قد أرى سرورك ببنيان بيني فسلني أعطك. قال: أسألك

ثلاث خصال: حكماً يصادف حكمك ـ أي يوافقه ـ وملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه، خرج من ذنوبة كيوم ولدته أمه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أما اثنتين فأعطيها، وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة.

وقد روي عن كعب الأحبار أن سليمان بنى البيت المقدس على أساس قديم  كان أسسه سام بن نوح.

وقد ما دمر ما بناه سليمان عليه السلام في غزو بختضر لبيت المقدس وسبي بني اسرائيل، وهو ما أشارت إلية الآية الكريمة { فإذا جارو عن أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً }.

أما بدايات المسجد الأقصى الموجود حالياً فهي ترجع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أمر ببناء مسجد في الحرم القدسي غير بعيد عن الصخرة، ولاتزودنا المصادر التي

بين أيدينا عن بناء تلك الفترة بشئ من التفاصيل إلا أنه كان مكاناً بسيطاً عبارة عن سقف أنشئ بواسطة وضع كَمَرات خشبية ضخمة على حوائط تأخذ الشكل الرباعي، ولكنه كان يتسع لثلاثة آلاف مصل تقريباً، وكان المسلمون بمن فيهم بعض الصحابة والتابعين يترددون عليه للصلاة فيه.

وبقي الحال هكذا إلى أن جاء عبد الملك وابنه الوليد فكان الإنشاء الحديث الأول للمسجد وذلك سنة 97هـ، وهو انشاء ولا شك يتناسب مع المسجد ومكانته في الإسلام من جهة، ومع ما عرف عن الوليد من اهتمام بالمساجد وعناية فائقة بها... ولم يبق الآن من عمارة الوليد شاهداً على ذلك إلا العقود القائمة على أعمدة من الرخام على يمين القبة الصغيرة عند المدخل ويسارها، وارتفاع تلك الأعمدة مع تيجانها خمسة أمتار، أما ارتفاع قمة العقد فيبلغ أكثر من سته أمتار، وفوق كل ثلاثة عقود خمس فتحات، وكان طول الجدار من الشمال إلى الجنوب قرابة 51 متراً، فإذا افترضنا أن عرضه كان مثله ـ وليس بين أيدينا مصدر يحدد ذلك ــ فإن مساحة المسجد آنذاك لا تقل عن 2500 متر مربع وكان على جانب من الفخامة بحيث أن أبوابه صفحت بالذهب.

   ·   الدور العباسي:

وقد أعاد الخليفة المنصور عام 140هـ بناء المسجد الأقصى وأنفق عليه نفقة كبيرة: بعضها منه، وباقيها من ألواح الذهب التي كانت على الأبواب من قبل، ولما انتهى سار إلى بيت المقدس فصلى في المسجد، وشكر الله على إتمامه وكان ذلك عام 141هـ .

وفي عهد الخليفة المهدي أمر بإعادة بنائه، بعد أن تهدم وهجره الناس، فأعيد بناؤه على نحو أقوى وأضخم، وترك الجزء القديم فيه كجانب جمالي وأثري. وصار للمسجد ست وعشرون باباً، سُمي الباب الأوسط المواجه للمحراب ـ وهو الرئيسي ـ بالباب النحاسي الكبير، بينما كان على يمينه سبعة أبواب وعلى يساره سبعة، أي أن الحائط الشمالي كان يحوي خمسة عشر باباً، بينما كانت الأبواب الأحد عشر الأخرى في الحائط الشرقي منه. هذا وقد انتصبت فوق المحراب قبة من الخشب جلدت من الخارج بأفرخ من الرصاص، وكانت أعمدة المسجد

كلها من البناء لا من الحجر الرخام، وبذلك أمكن التفريق بينها وبين الأعمدة القديمة. وبلغ طول المسجد حينذاك 103 مترا وعرضه 69 متراً.

وفي مطلع القرن الثالث الهجري تعرض المسجد الأقصى لزلزال ضرب المنطقة، فأمر الخليفة المأمون أمراء الأطراف أن يتولى كل منهم بناء رواق من المسجد على نفقته، وجعل المشرف على ذلك عبد الله بن طاهر، فتم للمأمون ما أراد عام 210هـ.

وقد وصف المقدسي جانباً من المسجد في رحلتة إليه فقال: إن بيت الصلاة (القبلية)، كان يتكون من ستة وعشرين رواقاً، تشرع كلها من جدار القبلة إلى العمق، أما أبواب المسجد فكانت سبعاً: أكبرها الأوسط الذي تغطيه طبقة من النحاس الأصفر اللماع.

   ·   الدور الفاطمي:

وفي زلزال عام 424هـ تضرر المسجد الأقصى تضرراً كبيراً، فجدد إنشاؤه للمرة الخامسة، وذلك في عهد الخليفة الفاطمي الزاهر سنة 426 هـ، وقد عمل الظاهر على تصغير مساحة المسجد، مع احتفاظه بنفس النمط المعماري العباسي كما بناه المهدي.

وقد تعرض المسجد الأقصى بعد ذلك لكثير من النهب والإصابات نتيجة الحملات الصليبة التي كانت القدس محورها وهدفها فذهب جزء كبير من بناء الظاهر الفاطمي ولكن بقي منه الهيكل العام المكون من سبعة أروقة عمودية على القبلة، وجوف بيت الصلاة المكون من 11 صفاً من العقود الموازية لجدار القبلة. والرواق الأوسط أو المجاز الأعظم مساحته ضعف مساحة بقية الأروقة، وتقوم فوق البلاطة الأخيرة منه ـ أي المربع بين الأعمدة ـ قبة صغيرة فوق المدخل مباشرة، وهناك قبة أخرى أكبر من هذه فوق البلاطة المؤدية للمحراب.

 

الجهود المتتابعة بعد ذلك :

ولا يزال المسجد إلى اليوم يحتفظ بمجمل هيئته السابقة، إلا أنه لقي عناية كبيرة في عموم مراحل التاريخ الاسلامي بعد الفاطميين كأيام المماليك والعثمانيين، خاصة وأن العثمانيين قد بذلوا في سبيل تجميله وتحليته جهوداً كبيرة، وإليهم يرجع الفضل فيما يمتاز به المسجد اليوم من منظر بديع.

وعلى سبيل المثال: فإذا وقفت في الرواق الأوسط في اتجاه القبلة، فسترى المربع الجميل الذي يحمل القبة الكبرى مرفوعاً على أعمدة رخامية شاهقة الارتفاع، تعلوها عقود تقوم على أرجل يعدل ارتفاعها ارتفاع العمد، بينما الجدار الحامل للقبة فوق العقود مزين بنوافذ صغيرة... ويلاحظ الناظر كذلك أن المعماري قد ربط بين الأعمدة بأوتاد خشبية سميكة في

وسط الأعمدة، وذلك لشدة ارتفاعها، حتى تمنع تلك الأربطة انطلاق هذه العقود للخارج بفعل تأثير الثقل الموجود فوقها.

 

جمال وجلال:

والمسجد الأقصى الحالي في نظر المختصين عمل معماري يجمع بين البساطة والجلال، في صورة تندر في غيره من المساجد، فعلى الرغم من أن بناء جدرانه ليس من السماكة بمكان، وخاصة تلك الحاملة للقبة الكبرى، إلا أن جزءاً كبيراً من فخامة المسجد يرجع إلى سعة بيت الصلاة، بحيث تمتلىء النفس مهابة واجلالاً، وهذه السعة هي التي جعلت المعماري يسقفه بالخشب القوي فقط.

بينما يرجع الجزء الآخر من الجمال إلى طبيعة الزخرفة المنتشرة في المسجد بكثرة وشمول، فالفسيفساء ـ وهي في الأصل فن بيزنطي شهير ـ تنتشر على الحوائط والقبة من الداخل، بينما يغطي القاشاني المزخرف جدران المسجد إلى ارتفاع المحراب فيضيف ذلك جمالاً بديعاً، في الوقت الذي تحتل فيه التفريعات النباتية الخارجة من المزهريات ثم بعد خروجها تنثني وتلتوي حتى تأخذ أحياناً شكلاً حلزونياً جانباً هاماً من الزخرفة، هذا إلى جانب الزخرفة بأوراق الاكنتس.

أما الزخرفة الكتابية ـ وهي جزء مشترك بين زخرفة جميع المساجد ـ فإنها تغطي مساحات لا بأس بها من جدران المسجد الأقصى بخطوط من أجمل الخطوط العربية، سواء ما كان منها بالقلم الكوفي أو النسخي، حتى تكوّن تلك الخطوط أشرطة ناطقة بالجمال الحسي والمعنوي في آن واحد لما تتضمن من عميق المعاني وبديع الصورة.

أهوال ومخاطر محدقة:

ولا يفوتنا ونحن نفتح صفحات تاريخ المسجد الأقصى ـ بناء وفضلاً أن نذكر ما يتهدده من الخطر اليهودي في هذا العصر. وهذا الخطر يتمثل في خطين متوازيين يسيران معاً ويتقدمان ويحدقان به يوماً بعد يوم:

الأول: المحاولات المتكررة لحرق المسجد الأقصى، والتي كان أشهرها محاولة عام 1971م حيث أضمرة فيه النيران عن عمد حتى أتت على جانب كبير منه.

والثاني: الحفريات الدائبة حوله وفي نواحيه، مما يهدد بنيانه وأساساته واليهود في هذين المسارين على دأب عظيم .

 

صرخات استغاثة:

وإذا كان عمر رضي الله عنه قد ابتدأ تاريخ المسجد الأقصى بالبناء، وجاء بعده صلاح الدين فأعاد إليه شبابه ونضارته وكبرياءه بطرد الصليبيين وكنس آثارهم، فمن للمسجد الأقصى اليوم ليخلصه من براثن اليهود المجرمين.

روى الطبراني عن أبي إمامه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم" قيل: فأين هم يا رسول الله؟ قال: "ببيت المقدس أو بأكناف بيت المقدس".

 

 

 

منارات الهدى في الأرض

مسجد قباء 

تمهيد:

ورد في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء راكبا وماشياً فيصلي فيه ركعتين"، وفي رواية "كان يتيه كل سبت".

روى ابن النجار في تاريخ المدينة المنورة ـ على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ عن أبي إمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من توضأ فأسبغ الوضوء، وجاء مسجد قباء فصلى فيه ركعتين، كان له أجر عمرة"...

قرية قباء...

وقباء هذه ضاحية من ضواحي المدينة المنورة، تقع في الجهة الجنوبية الغربية الموالية لمكة المكرمة، على طريقها المسمى طريق الهجرة، وهو الطريق الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج من مكة، واتجه صوب المدينة مهاجراً إليها وبرفقته أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

وهي منطقة مشهورة ببساتينها ونخيلها وحدائقها الغناء، وكانت تبعد قرابة 5 كم وقد شملها البنيان فألحقها صفحة بيضاء قديمة بالمدينة المنورة حالياً...

وقد كان جمهور الأنصار من أهل المدينة (والذين بلغ عددهم قرابة خمسمائة مسلم كما تذكر ذلك بعض الروايات) قد تلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظاهر المدينة في الحرة فرحين به، مسلمين عليه وعلى صاحبه، فعدل صلى الله عليه وسلم ذات اليمين حتى نزل بقباء، في دار بني عمرو بن عوف، وذلك في يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وكان نزوله عند كلثوم بن الهدم شيخ بني عمرو بن عوف، ومكث عنده أربعة أيام ـ وقيل بضع عشرة ليلة ـ أسس خلالها بقباء المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى وصلى فيه.

ويبدو أن هذا المسجد كان موضع صلاة المسلمين قبلَ وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء. فقد نقل السمهودي في كتابه "وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى" صلى الله عليه وسلم أنه قيل: "كان المتقدمون في الهجرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنصار بقباء قد بنوا مسجداً يصلون فيه يعني هذا المسجد.

ونستطيع أن نجمل المزايا الدينية لهذا المسجد في النقاط التالية:

المسجد الأول في الإسلام

1ـ يعتبر مسجد قباء أول مسجد بني في الإسلام على وجه الأرض، فسواء كان الذين اختاروا موضعه ابتداء هم المهاجرون والأنصار قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم أم كان الذي اختار موضعه هو النبي صلى الله عليه وسلم قبيل دخوله المدينة المنورة لأول الهجرة ـ على المشهورـ فإن ذلك لا يغير من كونه أول مسجد بني في الإسلام، ولذلك دلالته الكبرى التي لا تنكر.

إشراف ومباشرة من قبل الرسول ( ص)

2ـ حاز مسجد قباء شرف وضع النبي صلى الله عليه وسلم لأساسه، والمشاركة الشخصية منه عليه السلام في بنائه، ومسارعة الصحابة: المهاجرون منهم والأنصار في إعماره، حتى قامت بنيته وعلا كعبه.

روى ابن زُبالة وغيره أنه كان لكلثوم بن الهدم بقباء مِرْبد (والمربد: الموضع الذي يبسط فيه التمر لييبس) فأخذه منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسسه وبناه مسجداً...

وروى يونس بن بُكير في زيادات المغازي عن المسعودي عن الحكم بن عتيبة قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم فنزل بقباء قال عمار بن ياسر: ما لرسول صلى الله عليه وسلم بُدُّ من أن يجعل له مكاناً يستظل  به إذا استيقظ  ويصلي فيه، فجمع حجارة  فبنى مسجد قباء فهو أول مسجد بني.

قال السمهودي: وهو في التحقيق أول مسجد صلى فيه بأصحابه جماعة ظاهرا.

وفي المعجم الكبير للطبراني عن جابر بن سمرة قال: لما سأل أهل قباء النبي صلى الله عليه وسلم أن يبني لهم مسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليقم بعضكم فيركب الناقة " (أي ناقته التي هاجر عليها) فقام أبو بكر رضي الله عنه فركبها فحركها فلم تنبعث، فرجع، فقام عمر رضي الله عنه فركبها فلم تنبعث، فرجع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:" ليقم بعضكم فيركب الناقة " فقام علي رضي الله عنه فلما وضع رجله في غرزالركاب وثبت به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أرخِ زمامها، وابنوا على مدارها، فإنها مأمورة ".

 

تفاصيل البناء الأول:

وعن الصورة المفصلة لوضع أساس المسجد روى الطبراني عن جابر رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال لأصحابه: "انطلقوا بنا إلى أهل قباء نسلم عليهم فأتاهم فسلم عليهم، فرحبوا به. ثم قال: يا أهل قباء ائتوني بأحجار من هذه الحرة، فجمعت عنده أحجار كثيرة ومعه عنزة له ( وهي عصا مثل نصف الرمح لها سنان مثل سنانه) فخط قبلتهم، فأخذ حجراً فوضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أبابكر خذ حجراً فضعه إلى حجري، ثم قال: يا عمر خذ حجراً فضعه إلى جنب حجر أبي بكر، ثم قال: يا عثمان خذ حجراً فضعه إلى جنب حجر عمر، ثم التفت إلى الناس فقال: ليضع كل رجل حجره حيث أحب على ذلك الخط...

كما روى الطبراني في الكبير عن الشموس بنت النعمان قالت: نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم وأُنزل، وأسس هذا المسجد مسجد قباء، فرأيته يأخذ الحجر أو الصخرة حتى يهصره الحجر (أي يقيمه ويضمه إليه لثقله) وأنظر إلى بياض التراب على بطنه أو سُرّته، فيأتي الرجل من أصحابه ويقول: بأبي وأمي يا رسول الله أعطني أَكْفِك فيقول: ل،ا خذ مثله... حتى أسسه ويقول إن جبريل عليه السلام هو يؤم الكعبة. قالت: فكان يقال: إنه أقوم مسجد قبلةً.

وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يسارعون في بناء مسجد قباء ويرتجزون شعراً ينشطون به همهم. روى ابن شبّه أن عبد الله بن رواحة كان يقول، وهم يبنون مسجد قباء: افلح من يعالج المساجدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المساجدا. فقال عبدالله: ويقرأ القرآن قائماً وقاعدا. فقال عليه السلام: وقاعدا. فقال عبدالله: ولا يبيت الليل عنه راقدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: راقدا.

 

رجال يحبون أن يتطهروا:

3ـ امتدح الله سبحانه وتعالى هذا المسجد وأهله والقيام فيه وشهد له بأنه مسجد أسس على التقوى والإيمان لا الرياء والمفاخرة أو الإضرار. قال الله تعالى: (لمسجدٌ أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه. فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) والجمهور من المفسرين على أن المراد في الآية مسجد قباء، ولا ينافيه قوله صلى الله عليه وسلم لمسجد المدينة (هو مسجدكم هذا) إذ كل منهما ـ كما يقول السمهودي ـ أسس على التقوى.

قال الشيخ أحمد زيني دحلان في السيرة النبوية: لما نزل قوله تعالى (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألهم عن ذلك فقال:" ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به. فقالوا: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة إلى الغائط إلا غسل فرجه أي بعد الاستنجاء بالأحجار ـ وفي رواية: نتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء. فقال: هو هذا. زاد في رواية: ولا ننام الليل كله على الجنابة".

وقد سبق معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يداوم على زيارته كل سبت، وكان يحض أصحابه على قصده بعد التطهر في البيوت لأجل صلاة ركعتين فيه تعدلان أجر ومثوبة عمرة إلى البيت الحرام.

هذه لمحة عابرة عن فضل مسجد قباء ومزيته الدينية.

بناء بسيط متواضع

ونكاد نجزم بما توفر لدينا من معلومات حول ذلك على قلتها بأن بناء رسول الله صلى الله عليه وسلم له كان بناء أولياً في منتهى البساطة والتواضع، إلا أنه كان من حجر، ولعله اتخذ له في قبلته سقفاً على جذوع النخل يقي المصلين حر الشمس ومطر الشتاء، كما فعل صلى الله عليه وسلم في مسجده الشريف في المدينة المنورة.

إلا أنه لم تكن له مئذنة ولا محراب، لأنهما لم يعرفا حينذاك بعد كما.

لم يكن فيه منبر لعدم إقامة صلاة الجمعة فيه طيلة عهد النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان مسجده الشريف مجمعاً للمسلمين يوم الجمعة والعيد، يأتون إليه من ضواحي المدينة وأطرافها.

التجديد الأول... أيام عثمان( رضي الله عنه)

ولما كانت خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه جدد قباء، وزاد فيه وحسنه، وذلك أسوة بما فعله بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم. إلا أنه لم يخرجه عن صورته البسيطة التي كان عليها في بنائه الأول.

الدور الأموي: 

وبقي الحال هكذا حتى  كانت أيام الوليد بن عبد الملك الأموي ـ الذي قام بعمارة العديد من المساجد والآثار الإسلامية، وكان مولعاً بذلك ناشطاً فيهاـ فأوعز إلي وإليه على المدينة المنورة ابن عمه عمر بن عبد العزيز الذي تولى إمارتها (87 ـ 93هـ) بأن يجدد بناء مسجد قباء وأن يعني به، فقام عمر بن عبدالعزيز بتنفيذ تلك التعليمات، فبالغ  في تنميقه وتوسعته، وهو أول من عمل له مئذنة وجعل له رحبة وأروقة حول صحن المسجد تقوم  على أعمدة حجرية. وقد جاءت زيادة الوليد في مسجد قباء من جهة القبلة.

وفي سنة 435هـ عمره الشريف الحسيني أبو يعلي أحمد بن الحسن، كما كان مسجلاً في حجر منقوش بالخط الكوفي القديم موضوع فوق محراب فيه.

ثم جرى تجديده من قبل جمال الدين الأصفهاني ـ بأني رباط العجم قرب باب جبريل في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ـ  وذلك عام 555هـ

ثم جرت بعد ذلك عدة تجديدات  لمسجد عام قباء عام 671هـ وعام 733هـ وعام 840 هـ  وعام 881هـ.

وقد نقل لنا وصف مبسط عن بناء المسجد في تلك الفترة، فقد ذكر الإمام الحربي في كتابه ( مناسك الحج ) قال: حدثني أبو تربة عن سليمان عن أبيه قال: ذرع مسجد قباء ست وثلاثون ذراعاً وشبر (18) مترا تقريباً في مثله، وعرضه وطوله سواء، وهو مربع. وطول جداره في السماء تسع عشرة ذراعاً (9 أمتار)

وطول رحبته التي في جوفه (أي صحن المسجد) خمسون ذراعاً (25 مترا) وعرضها وعشرون ذراعاً (13مترا). وطول منارة المسجد حينذاك خمسون ذراعاً (25) مترا، وعرضها تسعة أذرع وشبر (4.5 متر) في تسع أذرع. وفيه ثلاثة أبواب. وفيه تسع وثلاثون أسطوانة (عمودا)...

ويبدو أن السلطان قايتباي الذي جدد بناء المسجد النبوي، قد اعتنى كذلك عناية خاصة بمسجد قباء، فجدد بناءه، وأضاف إليه محراباً جديداً من الرخام.

وقد بقيت صورة المسجد على ما بناه قايتباي، رغم التجديدات المتكررة التي كانت بعده، ومنها عمارة حدثت في عهد السلطان محمود الثاني سنة 1245هـ وابنه السلطان عبدالمجيد.

وعندما أهدى السلطان العثماني مراد للمسجد النبوي منبراً فخماً عام 998هـ  نقل  المنبر القديم الذي صنع في تجديد قايتباي من المسجد النبوي ووضع في مسجد قباء... ويبدو أن السلطان محمود الثاني قد بنى لمسجد قباء منارة بديعة الحسن أكملت في أيام ولده عبدالمجيد

كما ذكر أن لأروقته  وهي ستة أروقة قبايا، وفي الرواقتين اللذين بمؤخره غرفة لوضع أمتعة المسجد وفرشه.

وداخل صحن مسجد قباء كانت ثمة قبة يقال: إن بها مبرك ناقة النبي صلى الله عليه وسلم.

كما كان في ذلك الصحن بئر ماء عذب.

تمهيد الطريق:

وقد كان طريق مسجد قباء طريقاً وعراً ضيقاً معوجاً، كما يقول الاستاذ عبدالقدوس الأنصاري في كتابه " آثار المدينة المنورة " وعلى جانبيه نخل يضايق بسعفه المارين، إلى أن شق فخري باشا عام 1336هـ طريقا مستقيماً واسعاً إلى مسجد قباء، وقد جدد هذا الطريق ثانية عام 1351هـ وكيل أمير المدينة الأمير عبدالعزيز إبراهيم، بعد ان أشترى ست عشرة قطعة من الأراضي من ماله، وجعلها وقفاً لله تعالى، وأزال الحواجز، وبنى بجانبها أعلاماً لتحديد الطريق وحفظهاحتى لاتندرس أو يطغى عليها أحد

 

الجهود السعودية المبذولة والمميزة:

وفي عام 1388 في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله جدد بناء مسجد قباء تجديداً قيماً وبخاصة في جدرانه الخارجية، وزيد فيه رواق من ناحيته الشمالية الموالية للمدينة المنورة مع مدخل خاص للنساء، وأدخلت المئذنةفي نطاق المسجد بعدأن كانتمنفصلة عنه في الركن الشمالي الغربي ، وقد كلف ذلك التجديد قرابة 800 ألف ريال، فأصبح بعد ذلك مربع الشكل، طوله وعرضه 40مترا.

هذا وقد تم إعادة بناء مسجد قباء أخيراً عام 1410هـ في عهد الملك فهد بن عبد العزيز جزاه الله خيرا وروعي في البناء الجديد ان يكون قريبا من تصميمه القديم فبني على شكل رواق جنوبي وآخر شمالي تفصل بينهما ساحة مكشوفة، ويتصل الرواقان شرقا وغربا برواقين طويلين . وابقي على المنبر والمحراب والمعالم القديمة بعد تجديدها .

وفي هذه الإعادة الأخيرة للبناء ضوعفت مساحة مسجد قباء خمسة أضعاف المساحة السبقة  ليصبح (6000م2) تستوعب (9000)مصل في وقت واحد ، كما ألحقت به ساحات خارجية لاتقل عن (4100م2) وشرفة لصلاة النساء مساحتها(750م2)تتسع ل(1000)مصلية ، وفوق بنائه الضخم ترتفع ست قباب كبيرة تحف بها قباب صغيرة عددها (56)قبة. بينما تشمخ في أركانه الأربع منارات أربع متطابقة مع بعض طول كا منها (47)مترا ، وتحت المنارتين من الناحية الشمالية سردابان ... وفي داخل بيت الصلاة الضخم استخدم الرخام للأرضية والحوائط حتى أفريز الجدار ، كما فرشت حميع القبب والعمدان بالرخام حتى الرواسخ المتدلية من الأقواس ، وكذلك زينت القباب وزخرفت بمواد من الجبس على شكل قطع وشرائح.

وأضيف للمسجد خزان ماء أرضي ضخم سعيه(1000م3)من الماء مع خزان علوي يسع (270م3) ، وأضيف كذلك نظام تكييف للهواء.

ووسط المسجد مكشوف تحيط به أروقة واسعة من الجهات الثلاث ، وله مداخل واسعة تؤدي إليها.
وبذلك يغدو مسجد قباء من المساجد الضخمة المشهودة المتميزة بمتانتها وسعتها وجمالها، ليتبوأ ما يستحق من مكانة دينية في سلك درر المساجد، ويرتفع إلى المستوى اللائق به كأول مسجد بني في الإسلام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المسجد الكبير في الكويت

منارات الهدى في الكويت:

الحديث عن المساجد في الكويت شيق وجذاب ،،،، فالمساجد في هذه الدولة الخليجية الفتية تحظى باهتمام خاص قل نظيره على كافة المستويات في شتى النواحي ، حتى أصبحت الكويت مثالا يقتدى به وذات خبرة عريقة في العناية بالمساجد: بناء وإدارة وصيانة وتنظيما وتخطيطا.

وأكبر المساجد في الكويت على الاطلاق ، وأكثرها أناقة وجمالا ، وأشملها نشاطا وخدمات، وأوسعها امكانيات وطموحا مسجد الدولة الكبير !!!!! الذي يعتبر بحق معلما اسلاميا رائعا في قلب كويت الخير ، وصفحة مضيئة في سجل القائمين عليه والمسئولين عنه.

المسجد الكبير... لماذا؟[@1]  

ولقد بدأت الانظار تتجه الى بناء مسجد ضخم يناسب التطور العمراني الصاعد، الذي شهدته الكويت في الآونة الاخيرة ، ويناسب مكانتها بين الدول ، وامكاناتها المادية الضخمة ، ويستوعب أيضا الاعداد الكبيرة والجموع الحاشدة التي كانت تحضر في مسجد السوق الكبير ويغص بها بناؤه وصحنه، حينما يحضر سمو الأمير صلاة العيــد أو تكون بعض المناسبات،  كما يحقق الطموحات الواسعة والاماني الجميلة التي يحلم بها كل مسلم في بيوت الله .

مواصفات قياسية، وبيانات عامة:

وفي أواخر عام 1979 م وبعد سنوات من الدراسة والتخطيط بدأت الاعمال الأولية لبناء المسجد الكبير في الكويت.

وقد خصصت أرض فضاء مساحتها 000 ر45 م2 لهذا الصرح الكبير الذي استمر العمل فيه قرابة ست سنين ، وشغل البناء مساحة 000 ر20 م2، إلى أن تم افتتاحه في عام 1986 م بعد أن أنفق عليه في بنائه وتجهيزه حوالي 14 مليون دينار كويتي ، أي قرابة 43 مليون دولار أمريكي ، أي ما يقارب قيمة خمسة آلاف كغم من الذهب الخالص.

هذا عدا ما لا يمكن تقديره بثمن من جهود المتابعة والسهر على انتظام العمل فيه، حتى غدا آية من آيات الفن المعماري في منطقة الخليج ، ودرة عقد المساجد في الكويت.

ولا عجب في ذلك فقد اجتمع على بنائه من خيرة المهندسين ومساعديهم وعمالهم فقط في موقع العمل خمسمائة شخص ، المهندسون منهم لا يقلون عن خمسين فردا ، كانوا كخلية النحل خلال سنوات البناء الست، لا يتوقف عملهم ولا يني... ولا يدخل في هذا العدد بالطبع الخبراء والمختصون والعمال الذين استعين بهم من خارج ال  في بلاد شتى : من الهند وسوريا وايطاليا والمغرب وتركيا ومصر، في اعمال تمت هناك ، ثم حملت الى الكويــت لتستقر في جنبات هذا الصرح الاسلامي الفريد.

موقع ممتاز في قلب الكويت:

ونستطيع القول إن موقع المسجد الكبير في الكويت يمثل مركز الصدارة أو القلب أو إنسان العين في هذه الدولة المسلمة ، ففي جوار قصر الحكم ( قصر السيف العامر ومجلس الوزراء) وبالقرب من أقدم مسجد في الكويت ( مسجد الخليفة ) وعلى بعد أمتار من أسواق الكويت التجارية ( سوق البورصــة ، وسوق الذهــب ، وأسواق النوفوتيه والبنوك وغيرها ) وخلف وزارة التخطيط (القلب النابض للجهاز الاداري في الدولة ) يتربع المسجد الكبير على مفترق طرق رئيسية ، مطلا بشموخ ووقار على مياه الخليج الدافئة .

***

ويتكون المسجد الكبير من اجزاء عديدة تؤدي دورها بتناسق وايقاع ، فهي من جهة مجموعة لا تكاد توجد في مسجد آخر الا في النادر من مساجد العالم ، كما أنها من جهة أخرى تمثل عدة مدارس معمارية قديمة أصيلة وحديثة مبدعة ، مع تميزها ببعض اللمسات المحلية المعبرة عن المعدن الطيب والتدين العميق في شعب الكويت.

بيوت الصلاة الثلاث:

ويتميز المسجد الكبير بوجود ثلاثة بيوت للصلاة : البيت الرئيسي ، والمصلى اليومي ، ومصلى النساء .

المصلى الرئيسي:

فأما المصلى الرئيسي ( أو القاعة الرئيسية ) فمربعة الشكل طول ضلعها 72 مترا،  ومساحتها 5184 مترا مربعا ، وبذلك تتسع لاكثر من عشرة آلاف مصل ، وهي مخصصة لصلاة العيدين والجمع والمناسبات الدينية حيث تتجمع الحشود الضخمة.

القبة الضخمة:    

وترتفع وسط هذه القاعة الرئيسية القبة الضخمة التي تضارع أضخم قباب المساجد الفخمة في الدنيا ، فارتفاعها عن ارض المسجد يصل اعلاه الى 43 مترا ، وقطرها 26 مترا، ويحيط بها من جوانبها مئة واربع واربعون نافذة ، وتحملها أعمدة أربعة طول كل منها اثنان وعشرون مترا.

وتتغلغل اشعة الشمس من خلال الجبس المفرغ المعشق بالزجاج الابيض الذي يغطي فتحات الشبابيك الخلفية، فتلقى بظلال رائعة في الحسن ، متعددة في الالوان ، تنضم الى ما في القبة من خطوط كتبت بقلم الثلث على السيراميك الاصفهاني الذي يغلب عليه اللون الازرق المعشق باللازورد.

وفي سرة القبة جرى قلم الخطاط الشهير محمد الحداد - الذي خط جميع كتابات المسجد الكبير - على شكل قرص الشمس بأسماء الله الحسنى بالخط الكوفي المورق باللون الابيض على أرضية سيراميكية زرقاء اللون كزرقة البحر الساحر.

وتحف بالقبة أربع قباب صغيرة من الجوانب الاربعة منقوشة بالجبس المغربي ، تتدلى منها أربعة ثريات من الكريستال والنحاس المطلي بالذهب ، وهي ايطالية الصنع، وتحتوي كل ثريا على أكثر من مئة مصباح وطولها 5ر7 مترا وعرضها 3.5م ووزنها 1000 كغم .....

ولا تقتصر اضاءة بيت الصلاة الرئيسي على هذه الثريات الاربع الكبيرة ، بل هناك ثمانون ثريا حائطية وسقفية المانية الصنع زجاجها من الكريستال ، تنتشر في ارجاء القاعة، كأنها مع الثريات الكبرى الكواكب السابحة حول النجوم النيرة في جو السماء.

المحراب والمنبر البديعان:

ويلفت النظر في القاعة الرئيسية في المسجد الكبير في الكويت المحراب الرئيسي ، وهو أوسط سبعة محاريب تتصدر جدار قبلة الصلاة، وتغلب عليه الألوان المستوحاة من البيئة الكويتية وهي الازرق والاصفر ، وهو مكسو من الداخل بمسطح من الزليج المغربي منقوش بنقوش هندسية اسلامية ، وتبرز فوقه آية كتبت بخط الثلث باللون الازرق على ارضية صفراء، يحيط بها آية أخرى بالخط الكوفي على الحجر الطبيعي الباكستاني ، فيما يظهر تحت البرواز عمودان من رخام يوناني أبيض صاف تنتشر فيهما الزخرفة بالاشكال الهندسية.

أما المنبر فهو من خشب الساج المتين ومدخله من يسار المحراب، ودرجاته الدائرية الأربع عشرة مخفية خلف المحراب داخل جدار القبلة، وارتفاعه قرابة مترين وفيه نقوش وأشكال بديعة حفرت على الخشب البني اللون بأيد ماهرة دقيقة.

أبواب وقباب:

وعدد أبواب المسجد الكبير في الكويت واحد وعشرون بابا : منها أربعة عشر باباً من ناحية الشرق، وأربعة في الجهة الجنوبية ، وثلاثة في الجهة الشمالية.

وجميع تلك الابواب من خشب الساج الهندي الذي صنع وحفرت عليه الآيات القرآنية بالخطوط المتنوعة والزخارف الهندسية والنباتية المورقة بمهارة عالية في الهند.

وشمال وجنوب بيت الصلاة وضعت قبب في السقف من مادة الفيبر جلاس الذي يسمح بالاضاءة ويعزل الحرارة في نفس الوقت وعددها ( 44 ) قبة، وهي مع الاضاءة تؤدي دورا جماليا في البناء.

المصلى اليومي:

أما المصلى اليومي فهو خلف المصلى الرئيسي من جهة الشرق متصل به في البناء، ومساحته تتسع لخمسمئة مصل في وقت واحد، ويستخدم لأداء الصلوات الخمس اليومية والدروس الدورية العادية، المنتشرة في معظم مساجد الكويت عقب بعض الصلوات، حسبما يراه الامام ويناسب المصلين.

وفي هذا المصلى اليومي محراب خاص من خشب الساج، وحوائطه على شكل اقواس من الديكور والزليج المغربي، وتتدلى من سقفه تسع ثريات المانية بديعة الجمال...

وثمة مصلى خاص بالنساء فوق المصلى اليومي، وهو متصل ايضا في بنائه بالقاعة الرئيسية ويشرف عليها من جهتها الشرقية.

ومصلى النساء هذا يتسع لألف مسلمة ، وحائطه القبلي المشرف على المصلى الرئيسي مكون من أحد عشر مشربية رائعة الشكل والزخرفة تسمح بسماع صوت الامام والخطيب، ولا تتيح المجال لظهور النساء من خلفها.

ومما يذكر أن في هذا المصلى ( 18) ثريا للانارة، وحوائطه على شكل بواكي قوسية ملبسة بالسيراميك الاصفهاني الملون ، ولهذا المصلى الخاص بالنساء مدخل مستقل من الجهة الجنوبية للمسجد ، وله أيضا مرافق للوضوء والطهارة ملحقة به .

المنارة الشامخة:

ومنارة المسجد الكبير في الكويت تمتد في السماء كالسهم ، وهي في الجهة الغربية الشمالية منه تحف بها أعمدة من أعمدة الأروقة ترتبط بقاعدتها الضخمة كأنها الحرس المحيط بالعلم.

وارتفاعها كلها 72 مترا ، وبعد أكثر من ثلثيها يرتفع بيت المؤذن المحاط بأعمدة تحمل سقفا له، ومن وسط سقف بيت المؤذن تستمر المنارة في الارتفاع بقطر يقل عن نصف قطرها الاساسي حتى تختتم بقبة صغيرة تعتّم بها.

ويزينها فوق قبتها هذه هلال ضخم يرتفع فوق عمود من النحاس...

والمنارة مضلعة الشكل عدد أضلاعها اثنا عشر ضلعا وهي مكسوة بالحجر السوري الجيد المجلوب من طرطوس.

وفي داخل المنارة استخدم مصعد كهربائي يصل الى اعلاها، عوضا عن الدرج المعهود في المآذن الأخرى....

واذا ما نظرت الى المنارة في الليل أخذت بلبك الأنوار المسلطة عليها من كل جانب ، حتى اذا كادت تختفي أشعة تلك الكشافات المضيئة تحت بيت المؤذن انطلقت اضواء أخرى أشد لمعانا فأنارت القسم العلوي من المنارة ببريق يخطف الابصار.

 

أروقة وليوان:

وفي الجهة الشرقية من المسجد الكبير في الكويت صحن المسجد الرئيسي الفسيح الواسع، الذي تحف به الاروقة من جوانبه الثلاث ، وهي ترتفع على أعمدة مسافة ثمانية أمتار، وتتدلى من سقفها فوانيس حديثة الصنع قديمة الشكل.

وطول تلك الاروقة 760 مترا وهي تقي من الشمس والمطر ، وتستخدم للصلاة أحيانا، وحوائطها من السيراميك الجميل.

أما الليوان الواقع شرق بيت الصلاة مباشرة فهو امتداد للأروقة، إلا أنه تتدلى من سقفه ثلاث وعشرون ثريا من الثريات الدمشقية المصنوعة من النحاس المؤكسد، على شكل قناديل تتميز بألوانها الهادئة وأنوارها الملونة الجميلة.

وللمسجد صحنان آخران أصغر من هذا.

ومساحة تلك الصحون كلها 8053 م2.

وقد استخدم في ارضيتها حجر الكوتا الهندي بألوانه الطبيعية التي تقارب ألوان البيئة الكويتية القديمة.

 

خدمات متنوعة:

وفي الجهة الشمالية والجنوبية من الصحن الشرقي بنيت دورات المياه، وهي تضم 133 ميضأة و78 حماما ، وحوائـط تلك الميضآت من السيراميك الاصفهاني ، ومقاعد الوضوء فيها من الرخام الكرارة الايطالي، وفي حوائطها نوافذ واسعة للإضاءة الطبيعية وتجديد الهواء.

وتحت صحن المسجد حفر في باطن الارض موقف للسيارات ضخم مكون من خمسة أدوار، يتسع لـ 550 سيارة، وله مصاعد في جوانبه توصل الناس الى الصحن والاروقة

وتلحق من الجهة الغربية الشمالية بالمصلى الرئيسي من طرف جهة القبلة القاعة الأميرية، وهي قاعة فخمة مؤثثة بأرفع أنواع الآثاث ، ومزخرفة بأجمل الزخارف من الزليج والجبس المغربي ، وهي تخص سمو الأمير الذي يدخل من باب في جدار القبلة يؤدي الى هذه القاعة المتخذة له للاستراحة والعيش في اجواء المسجد ، ولاستقبال كبار الضيوف وتقبل السلام على سموه، بعد حضور المناسبات الدينية.

 

الفتوى الهاتفية:

وأهم ما ينبغي أن لا يفوتنا الحديث عنه في المسجد الكبير كونه مركزا متطورا لا ثاني له في العالم الاسلامي للفتوى الهاتفية ، حيث خصص جناح مستقل لعدد من العلماء الأكفاء ، وجهز هذا الجناح بهواتف خاصة يتصل بهم بواسطتها المستفتون عن شئون دينهم في الليل أو النهار ، فيجيبونهم مباشرة فيما يعلمون ، أو يحيلونهم الى لجنة الفتوى في وزارة الاوقاف فيما يستحق الاحالة من اسئلة عويصة أو مشكلة....

وهذا النوع من النشاط لقي رواجا كبيرا بين الناس في الكويت وخارجها، وحل كثيرا من المشاكل في ساعتها.

 

ويكفي أن نعلم أن أكثر من (160 ) ألف استفسار وسؤال سجل خلال السنوات الثلاث الأولى، أي أن رنين الهاتف وسيل الاسئلة لا ينقطع ولا يفتر.

وقد خصص رقم خاص مباشر للفتوى الهاتفية وهو (149).

 

المكتبة والقاعة والانترنت:

وفي المسجد الكبير في الكويت مكتبتان:

الأولى مكتبة شرعية ضخمة للمختصين من أهل العلم واصحاب الدراسات والبحوث ، وفيها خلوات خاصة للقراءة والمطالعة.

ومكتبة أخرى في لغات عالمية شتى غير العربية ، تحوي العديد من الكتب والاشرطة وخلافها عن الاسلام ، ليتسنى لزوار المسجد غير المسلمين أو غير العرب من المسلمين فرصة الاطلاع على حقائق الاسلام ومبادئه الراقية وهذه المكتبة الثانية توزع كتبها بالمجان على الزوار، فيظهر أثرها بإسلام بعضهم لله رب العالمين.

والى جوار المكتبتين توجد قاعة من دورين تستوعب 250 شخصا ، يتم فيها تنظيم وإلقاء المحاضرات العلمية والندوات الخاصة ، وتقام فيها البرامج التعريفية بالمسجد اضافة إلى الأنشطة العلمية والثقافية الاخرى مما ينفرد به المسجد الكبير دون غيره، وهذا يجعل من زيارته متعة وفائدة... وللعلم فإن جدول الزيارات دائماً وأبداً مزدحم ومليء، والفوز بموعد قريب للزيارة أمل وحلم عزيز المنال.

ويرتبط المسجد الكبير بشبكة الانترنت العالمية للمعلومات والبريد الألكتروني، ويستفيد من هذه الشبكة في العالم كله أكثر من 40 مليون مشترك، يستطيعون الاطلاع على معالم المسجد وهم في أماكنهم. كما تصل منهم إلى إدارة المسجد الكبير رسائل الكترونية للاستفسار أو الاعجاب أو الاقتراحات... وقد قام المسجد الكبير في السنوات الأخيرة ببث صلاة قيام الليل في ليلة القدر وبث كلمات هادفة في هذه المناسبة على هذه الشبكة العالمية.

 

إدارة متدربة ونشطة:

وللمسجد الكبير ادارة خاصة تابعة لوزارة الاوقاف وهي تضم مديرا ومساعدين وإماما ومؤذنا وموظفي المكتبة والعلاقات العامة ومشايخ الفتوى وعمال النظافة والخدمات والزراعة والأمن، وأعضاء الادارة هؤلاء ـ وهم قرابة المئة ـ يبذلون جهودا حثيثة لخدمة زوار المسجد من مصلين ومتعلمين وسائحين ويتمتعون بأخلاق عالية وحرص على الاسلام ظاهر.

 

ساحات وزهور:

وتحيط بالمسجد الكبير في الكويت الحدائق الغناء بما تحويه من زهور ندية بهيجة ، وأشجار نخل باسقة وغيرها ، ومروج خضراء فسيحة ممتدة ، ومساحة تلك الحدائق 15 ألف مترا مربعا، وتوجد خلال تلك المساحات تسع نوافير للماء وثلاث شلالات،

وإن من اللفتات الكريمة لإدارة المسجد الكبير أن تقوم بتوزيع ثمار شجر النخيل من الرطب الطيب المبارك على الاسر الفقيرة المتعففة سنوياً بالتعاون مع بيت الزكاة.

والمسجد الكبير في الكويت شأنه شأن سائر مساجد الكويت : مبرد الهواء بأجهزة تقهر حر الصيف اللاهب، فلا تحس وأنت في داخله الا بالنسمات العليلة الباردة تداعب خديك في هذا الجو الايماني الفسيح، لتحفز النفس على التفكر والتدبر والتوبة والرجوع الى الله.

 

 

 

 

 

 

 

 

مسجد الملك الحسن الثاني

تمهيد:

بني المسجد حديثاً.. ولكنه بحق أحد المعالم البارزة للعمارة الإسلامية في العصر الحديث، لقد تبارت الصحف والمجلات وأرباب الأقلام في التعبير عنه بجمل فخمة وتعابير رائعة تدل على الاعجاب والانبهار مما بلغه هذا الصرح الإسلامي من درجات  الأبهة والكمال والفخامة.

أهداف إيمانية:

ولقد حدد ملك المغرب الملك الحسن ـ الذي أطلق على المسجد اسمه ـ حدد المستوى الذي يريد أن يصل إليه مسجده، فقال:

أريد معلمة فنية شامخة يمكن أن تفخر بها الدار البيضاء إلى الأبد، أريد أن يشيد على حافة البحر صرح عظيم لعبادة الله، مسجد تهدى مئذنته جميع السفن القادمة من الغرب إلى طريق الخلاص، الذي هو طريق إلى الله...

وقال كذلك: أريد أن أبني المسجد على الماء { وكان عرشه على الماء }، كما أردت أن يكون المصلي فيه والداعي والذاكر والشاكر والراكع والساجد محمولاً على الأرض، ولكن أينما نظر يجد  سماء ربه وبحر ربه.

أرقام مذهلة:

وهكذا ففي منتصف عام 1986م بدأت ورشة عمل ضخمة قل مثيلها في المشاريع المعمارية، ضمت  حتى نهاية العمل عام 1993م أكثر من 35000 عامل، منهم 90 مهندساً، و10 آلاف صانع تقليدي ، يتناوبون العمل ليلاً ونهاراً، واستخدمت هذه الورشة الضخمة في عملها هذا /300/ ألف متر مكعب خرسانة، و /40/ ألف طن من الصلب والحديد، و/220/ ألف متر مربع من الرخام، و/30/ ألف متر جبس، و /40/ ألف متر مكعب من الخشب  مع صباغتها ونحتها، و/65/ ألف متر من الحجر الإيطالي.

وأنفق في سبيل هذا المسجد حتى اكتمل أكثر من خمسة مليارات درهم مغربي.

وقد ورث مسجد الملك الحسن الثاني الهندسة المعمارية الأصيلة، المتمثلة في آثار المغرب العربي الإسلامي منذ أيام  الأدارسة والمرابطين والموحدين والعلويين، والتي اشتهرت بضخامة المباني ومتانتها وتناسق أجزائها والزخرفة الخاصة بها، والتي هي بدورها وليدة حضارة إسلامية أشمل وأعم.

حاجز بحري مؤقت:

وعندما ابتدأ العمل في مسجد الحسن الثاني في المغرب على شاطىء المحيط احتاج العمل فيه إلى اقامة حاجز بحري مؤقت، يمنع مياه البحر من غمر منطقة العمل، وكان هذا الحاجز بطول 800 متر وعرض 50 متر، وارتفاع عشرة أمتار. فلما تم بناء المسجد وانتهى العمل فيه أزيل الحاجز، وجاءت مياه المحيط تغمر المنطقة وتحيط بالمسجد من جهته الجنوبية، حيث الواجهة الرئيسية له، الأمر الذي حقق  الأمنية الكبرى لملك المغرب ببناء مسجد ضخم يعطي انطباعاً بأنه قائم على صفحة الماء، وذلك استلهاماً للآية الكريمة: { وكان عرشه على الماء}.

الوصف التفصيلي:

وكما في كل المساجد المنتشرة فوق الأرض فإن مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء يمكن وصفه على النحو التالي:

الواجهات الرئيسة:

وهي الواجهة الشمالية المطلة على البحر، وتشتمل على تسعة أبواب زجاجية ذات أقواس منكسرة، وفي كل باب نوافذ زجاجية تعلوها أقواس مزينة بزخارف الزليج الأخضر....

ومرصعة بالنجوم السداسية، أما الباب الأوسط فيحيط به المرمر وزخرفته تشابه زخرفة الخشب المعروفة بالمشربية، وتنتصب أمام هذه الواجهة الشمالية عشر نافورات مماثلة لتلك التي تزين الواجهات الأخرى.

وأما الواجهة الجنوبية ـ وهي الرئيسة بالنسبة للزائر ـ فتنقسم إلى قسمين ترتفع بينهما المئذنة الشامخة وفي كل قسم بوابة كبيرة تشتمل على بوابتين أقل حجما وهما بدورهما تشتملان على بابين آخرين صغيرين لكل منهما، وقد اتقن البناؤون النقش الدقيق الذي تحمله الأبواب الرئيسية والثانوية والمطعم بأشكال نجمية زادها  بريق معدنها رونقاً، هذا إضافة إلى تزيين الحائط في هذه الواجهة بزليج يغلب عليه اللونان الأخضر والأبيض موزعٍ على حاشيتين مزخرفتين بنجوم ثمانية وأشكال هندسية متتابعة للوحات نافوراتٍ على شكل سلسلة أقواس مكسورة فيها نجمة ذات ستة عشر جناحا... وأمام كل قسم من هذه الواجهة قامت على الأرض نافورة ملونـة بألوان بديعة.

وأما الواجهة الغربية ففيها ثلاثة أبواب، خصص الأوسط منها ليتمكن الملك من الالتحاق بالمحراب مباشرة، وقد خص الباب الملكي هذا برسم وردي ذي أربع وعشرين حلقة، وعلى جانبي الواجهة وضعت لوحتان تذكاريتان منقوشتان بأحرف ذهبية فيهما تاريـــخ بدء العمل وتاريخ انتهائه.

وتتميز الواجهة الشرقية بشكل نصف دائري يضم المدرسة القرآنية المقامة على أعمدة صغيرة من مرمر أسود اللون، بينما غلفت قاعدة بابها بزليج أصفر ـ برتقالي بديع.

قاعة الصلاة الواسعة:

وقاعة الصلاة في مسجد الحسن الثاني واسعة فسيحة مستطيلة الشكل، أبعادها 200 متر طولاً ومئة متر عرضا، تستوعب قرابة /25/ ألف مصل، وقد بني الجزء الكبير منها  فوق المحيط، وفيها سقف متحرك مساحته /330/ مترا مربعاً، ينفتح آليا في ظرف /3/ دقائق،.....

لتصبح القاعة صحناً واسعاً مفتوحاً على السماء يغمره ضياء الشمس من كل جانب، إضافة إلى

أن تلك القاعة تتلقي الاضاءة عبر الأبواب الزجاجية والشمسيات المرمرية الفخمة.

ومما يزيد من ضخامة بيت الصلاة ارتفاع أعمدتها إلى /13/ متراً مع وفرة القباب.

ويخترق قاعة الصلاة من الشرق والغرب صحن مركزي عريض، وصحنان جانبيان، كما أنها مزينة بأقواس متعددة الفصوص (الحنيات) وتتميز بجدرانها العالية وأعمدتها من الغرانيت القوي.

ويبلغ ارتفاع الصحن الأوسط في أعلى منطقة فيه ثمانية وثلاثين متراً، وتزينه سلسلة من القباب المتنوعة التي  علقت فيها ثريات من البلور، بينما يبلغ ارتفاع الصحنين الجانبيين 27 متراً.

وأقيمت في جانبي القاعة هذه شرفتان معلقتان مخصصتان للنساء تحميهما مشربيات من خشب الأرز المنقوش تساوي مساحتهما 3550 م،2 ويمكن الصعود إليهما من قاعة الوضوء النسائية بسلالم آلية خاصة.

وجملة حوائط وأعمدة قاعة الصلاة الضخمة مكسوة بزليج فاقعةٍ ألوانه، وبجبس منحوت مستمدة زينته من أنواع الزهور والهندسة والخط الدلالي والمرمر، وأيضاً مـن الخشب المصبوغ والمنقوش، ممــا جعلـها قاعـة فريدة من نوعها في الفخامة والجمـال بما يتخللها من أقواس متعددة الفصوص( الحنيات) أو أقواس صغيرة الحجم مقرنصة الشكل مستندة إلى دعامتين متقاربتين.

المحراب والمنبر:

وتتميز قاعة الصلاة إضافة إلى مامرّ: بالمحراب المكون على شكل حنية مكسرة عمقها 4 أمتار وارتفاعها 10 أمتار، وتنفتح إلى جانبها بوابتان تؤديان إلى قاعة الجنائز وكذا إلى المدرسة والمحلات المخصصة لكبار الزوار،

وقد استعمل في تزيين المحراب طين ممزوج بطلاء زجاجي ذي ألوان عديدة من الأحمر إلى الأزرق والأخضر، كما غـلف بالزليـج الأخضر والأبيـض فـي شكل نجمـة كبيرة ذات اثنـى عشـر ضلعا، تحدها ببراعة نجمة ثمانية الأضلاع تسمى بالمثمن .

أما المنبر فقد صنع من خشب الأكاجو والزان، وجمع بطريقة التربيعات، ودرجاته ذات زخرفة مخرمة وبقية أجزائه مطعم بالعاج ومزينة بالنجوم ، مما يجعله في مصاف المنابر الرائعة الحسن والبهاء.

الصومعة الفريدة:

وإذا ما أردنا الحديث عن أبرز المعالم الخارجية لمسجد الحسن الثاني، فإن الصومعة  تلوح في الأفق في عنان السماء كأنها السهم المنطلق إلى الأعلى، حاملاً روح التحدي الحضاري، فعلى قاعدة تبلغ 625 متراً مربعا ترتفع تلك المئذنة بطول 200 متر، وعرض يبلغ الضلع الواحد منه 25 متراً، وبذلك تكون أعلى مئذنة في العالم وقد زودت في أعلاها بجامور ( عمود ضخم ذي كرات متراكبة) كالفانوس يصل علوه إلى 15 متراً ووزنه ثلاثة أطنان، مجهز بأشعة  الليزر، تحدد القبلة لمن حولها حتى يهتدى إلى القبلة بشعاعها من مسافة 30 كيلو متراً.

والمنارة مزخرفة من أسفلها إلى أعلاها بشكل ملفت للنظر.

وفي أعلاها رواق ترتفع من وسطه بقية الصومعة لتختتم أخيراً بقبة مغطاه بالنحاس الأصفر المنقوش الذي كتب عليه : { لاغالب إلا الله } بينمـا يتكـرر استعمـال الزليج فـي شـكل مغلوق فــي الأقواس التي تعلو مجموعة نوافذ الصومعة، كما يظهر على شكل افريز مربع أفقي شبيه بما أنجز على ذروة صومعة حسان في القرن الثاني عشر للميلاد.

وفي داخل الصومعة سلم تقليدي ومصعد يرقى إلى أعلاها.

طوابق تحت الأرض:

ويتبع مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء طابقان: أرضي وتحت الأرضي.

أما الطابق الأرضي: فيضم قاعة الوضوء والحمامات والمسبح بمساحة مقدارها 18800م2 ، وفي تلك القاعة: ثلاث نافورات مركزية كبيرة، وست وثلاثون نافورة صغيرة، و 299 حنفية، وأحواضٌ مهيأة للوضوء، ويمكن أن تستقبل ألفي شخص في وقت واحد، وبجانبها حمامات ومسابح.

كل هذا مع زخرفة تشد الناظر وتريح البال.

ومساحة تلك القاعة وملحقاتها ستة آلاف متر مربع.

كما يضم الطابق تحت الأرضي هذا مواقف للسيارات على شطرين، وتبلغ مساحته 38000 متر مربع، وبذلك يتسع لنحو 1100 سيارة.

المدرسة القرآنية:

وفي الجهة الشرقية من هذا الجامع الفريد تقع المدرسة القرآنية وملحقاتها، وهي مشيدة على مساحة 4840 م2 بشكل نصف دائري حول المحراب مستندة إلى جدار القبلة وتتكون من طابق تحت  أرضي من مستويين.

وهذه المدرسة مع احتفاظها ببنية (المسيد) الذي هو المدرسة القرآنية (الكتاب) وبطابع التعليم الديني الدارج، تتوفر فيها للطلبة الوسائل التربوية الحديثة كالمكتبة المتخصصة في العلوم الإسلامية المتنوعة من فقه وحديث وتفسير وأصول وسيرة وتاريخ وغيرها.

كما توفر في المدرسة القرآنية القاعات التي تنظم بها المحاضرات والمناظرات والندوات العلمية وهذه القاعات مجهزة بأحدث الوسائل السمعية والبصرية.

كما تتواصل المكتبة في المدرسة القرآنية في مسجد الحسن الثاني بواسطة الأقمار الصناعية بكبريات المكتبات العالمية في أنحاء الدنيا.

وإضافة إلى ذلك تضم المدرسة القرآنية كذلك خزانة كتب ومتحفاً مغربياً مستقلاً... كل ذلك وغيره يجعل هذه المدرسة الملحقة بالجامع درة ثمينة نفيسة في عقد لؤلؤ هذا الصرح العظيم.

ساحات، ومصلون:

وتمتد حول مسجد الحسن الثاني الساحات الخارجية الملحقة به إلى مسافات كبيرة، الأمر الذي يجعله يستوعب ـ اضافة إلــى مصلى القاعة الرئيسية البالغ عددهــم /25/ ألفاً ـ عدداً أكبر من ذلك بكثير، إذ يصل العدد الكلي للذين يتسع لهم إلى 105 آلاف مصل بزيادة قدرها ثمانون ألف مصل عما في القاعة الرئيسية.

 

الالوان... والذوق الراقي:

ولقد كان في اختيار اللونين الغالبين على المظهر الخارجي للجامع ـ وهما الأبيض والأخضرـ إشارةٌ ما يرمزان إليه لدى المسلمين من تسامح وسلام، وهذان اللونان إضافة إلى المظهر الخارجي يدخلان في النوافذ المذهبة كألوان للزليج، يبرز جمال تلك النوافذ، ويتناسب مع لون المرمر المنقوش على الجدران.. وفي قاعة الصلاة تم تغليب اللون العسلي ليتحقق الانسجام بين كل المكونات الأخرى.

أما المدرسة القرآنية فقد اختير لها اللون البرتقالي / الأصفر لينضم إلى الأخضر فيشكل تميزاً لها عن الأجزاء الأخرى في الجامع، وأما في قاعة الوضوء فالأعمدة والرواقات مزينة بالزليج ذي اللــون الأخـضر والأزرق والأصـفر، وهــي ألـوان بتمازجها البديــع تشكل أنشودة تتغنى بالماء والنور خاصة إذا انضم إليها ضياء النهار الذي يملؤها، عندما ينفتح سقف قاعة الصلاة الأوتوماتيكي الذي يهيمن عليه اللون الأحمر بدرجاته المتنوعة.

ولما كانت مساحة جامع الحسن الثاني في الدار البيضاء كبيرة جدا، فقد قامت الجهة المنفذة للمبنى بدراسات أمكنتها من الوصول إلى صنع قرميد متين وقوي من ألمنيوم مسبوك، لتحقق تخفيضاً في وزن السقف الكبير المحمول يصل إلى 65% بالمقارنة مع القرميد التقليدي.

وكنوع من التمسك ببيوت الله وتعلق القلوب بها فقد تم إفساح المجال لجميع المسلمين في المملكة المغربية للمشاركة في تمويل هذا الصرح الحضاري الفريد من نوعه، بعد توجيه نداء من قبل الملك الحسن الثاني، فكانت المشاركة المالية من العامة تزيد على ماخصص من ميزانية ملكية رسمية لهذا الجامع الضخم الكبير، الذي لايفوقه في الفخامة إلا الحرمان الشريفان في مكة والمدينة المنورة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مسجد عمرو بن العاص

 

تمهيد:

إذا ذكرت المساجد في مصرـ وما أكثرها ـ فهذا أول مسجد بني هناك بعد مسجد المدينة والكوفة والبصرة ، وهو في نفس الوقت رابع مسجد في الإسلام.

وإذا ذكرت محاريب المساجد فيها فمحراب هذا المسجد أول محراب من نوعه في مصر.

وإذا ذكر أسماء الخلفاء والولاة والعلماء ، الذين نسبت إليهم المساجد فهذا المسجد ينسب إلى أول فاتح مسلم وطئت قدمه أرض(الكنانة) مصر. إنه عمرو بن العاص.

فاتح مصر الأول:

كان عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي رضي الله عنه صحابياً جليلاً ذا خبرة بشئون الحرب والجيوش ، عهد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بإمرة الجيش في غزوة ذات السلاسل مع وجود أبي بكر وعمر رضي الله عنهما..

وهو وإن جاء إسلامة متأخراً بعض الشئ ـ إذ لم يسلم إلا يوم الهدنة أو بعد الحديبية ـ إلا أنه كان من الصحابة المقدمين والرجال البارزين ، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فكان صادق الإيمان عظيم اليقين..

وقد دخل عمرو بن العاص المعترك السياسي منذ شبابه قبل الإسلام ، عندما أرسلته قريش لرد المهاجرين إلى الحبشة محملاً بهداياها إلى النجاشي ، وقد ولاه ـ بعد الاسلام ـ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إمرة غزو الشام، ثم اتجه بجيشه نحو مصر ، فافتتحها عام 20 للهجرة ، وولاه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إمارتها وظل بها في خلافة عثمان رضي الله عنه إلى أن عزله عنها ، ثم عاد إليها في خلافة معاوية رضي الله عنه سنة 38 هـ ، وبقي أميراً على مصر حتى توفي ليلة عيد الفطر سنة 43 هـ ،  ودفن بالقرافة الكبرى.

المسجد … أول الأعمال بعد الفتح :

ولقد كان من أوائل أعمال عمرو بن العاص رضي الله عنه، بعد الفراغ من فتح الإسكندرية عام 20 هـ ، أن جمع كبار الصحابة الكرام الذين كانوا معه في جيشه ، واختار ناحية مشرفة على النيل ، ثم وقف مع تلك الثلة الكريمة على تحديد اتجاه القبلة للمكان الذي أصبح أول جامع للصلاة في مصر ، بل في أفريقيا كلها.

البناء الاول المتواضع:

وقد كان بناء المسجد ذاك بناء متواضعاً بسيطاً ، إذ لم يجعل له في أول الأمر محراب مجوف ، ولا منارة سامقة ، ولا فرش ولا حصير ، بل كانت مساحته وقت إنشائه 50 ذراعاً في 30 ذراعاً مغطاة بالخشب وسعف النخيل ، وأعمدته من جذوع النخل، وكانت جدرانه العارية من النقوش ثلاثة جدران فقط ، أما جهة النيل ـ وهي الجهة الشمالية ـ فلم يكن فيها جدار..

ويقال: إن عدد الصحابة الذين اجتمعوا على إقامة محرابة بلغوا ثمانين رجلاً، وكان الطريق يحيط به من كل جانب ، وله بابان في الجهة البحرية ، ومثلهما في الجهة الغربية ، وآخران من الجهة الجنوبية مواجهان لدار عمرو بن العاص الأمير نفسه.

ويقال أيضاً إن عمرو بن العاص اتخذ فيه منبراً للخطبة عليه ، فأنكر ذلك الخليفة عمر رضي الله عنه وكتب إليه يأمره بكسره ، وعّنفه بقوله: أما يكفيك أن تقوم قائماً والمسلمون جلوس تحت عقبيك .. فكسره عمرو امتثالاً لأمر عمر رضثي الله عنه.

وجاء في بعض الروايات أنه أعاده بعد وفاته.

الدور الأموي:

وقد انصب اهتمام الأمراء والخلفاء في بادئ الأمر على توسعة هذا المسجد والإضافة فيه مع تجميله وتحسينه وذلك لكونه المسجد الوحيد الذي تقام فيه الجمعة ثمة ، مما يجعل المصلين فيه يزيدون دائماً على كل اضافة وزيادة وتوسعة.

ففي سنة 53 هـ في خلافة معاوية بن أبي سفيان ، قام والي مصر مسلمة بن مخلد بإزالته وإنشاؤه من جديد ، بعد أن ضاعف حجم مساحته وجعل له سوراً من الآجر وجعل له صحناً مكشوفاً ، وزخرف جدرانه وسقوفه ، وأنشأ في جوانبه الأربعة منائر أو صوامع للمؤذنين ، ونقش اسمه عليها ، وأمر بفرش المسجد بالحصر بدل الحصباء. ويقال: إن تلك المآذن كانت أقدم المـآذن التي أقيمت في الإسلام ، حيث لم تكن للمساجد بعد في تلك العصور مآذن مرتفعة فوق البنيان.

وفي سنة 79 هـ قام عبد العزيز بن مروان والي مصر بتوسعته وتجديد بنائه...وفي خلافة الوليد بن عبد الملك ـ الذي اشتهر بالاهتمام بالعمارة عموماً والمساجد خصوصاً ـ قام واليه على مصر قرة بن شريك العبسي عام 93 هـ بهدمه بأمر الخليفة الوليد ، ثم أعاد بناءه من جديد ، مع زيادة مساحته.

وكان من إضافاته فيه: محراب مجوف في جهة القبلة ، ومنبر خشبي جميل ، ومقصورة ( وهي المكان المخصص داخل بيت الصلاة لصلاة الأمير وحاشيته )

وعمد قُرّة إلى أربعة أعمدة تجاه المحراب ، فطلى بالذهب تيجانها ، ونتيجة الإتساع الواضح في مسجد عمرو ـ بعد الإضافة ـ فقد جعل له أربعة أبواب في جهته الشرقية والغربية ، وثلاثة أبواب في جهته البحرية.

الدور العباسي:

ولقي جامع عمرو بن العاص اهتمام الدولة العباسية ، فقد قام والي مصر صالح بن علي ( وهو عم الخليفة أبي جعفر المنصور ) عام 133 هـ بزيادة جزء في الجامع في المؤخرة ، وأصلح واجهته ، وكان عمله هذا إتماماً لعمل قرة بن شريك.

ثم في عام 175هـ ـ في خلافة هارون الرشيد ـ زاد فيه موسى بن عيسى أمير مصر من الناحية البحرية فضم إلى المسجد ساحة ملاصقة له تعرف برحبة أبي أيوب.

وفي عهد الخليفة المأمون تولى مصر عبد الله بن طاهر ، فأولى الجامع شديد اهتمامه ، فأمر بتوسعة المسجد وذلك بإضافة أرض تساوي جميع مساحته السابقة ، فزيد فيه من الجهة القبلية زيادة كبيرة ، حتى بلغت أبعاد المسجد 120 متراً طولاً و 112.5 عرضاً ، أي أن مساحته الكلية بلغت على وجه التقريب ( 15 ) ألف متر مربع. وبهذه الزيادة بلغ مسجد عمرو بن العاص أقصاه من حيث المساحة.

ويجتهد المهتمون اليوم بالمحافظة على تلك المساحة الشاسعة لهذا المسجد الرائع القديم.

وإذا كانت مساحته لم تتعد ما زاده عبد الله طاهر العباسي ، فإنه فيما بعد ذلك من السنين لقي مسجد عمرو بن العاص في مصر اهتماماً كبيراً بالتجديد والتحسين والتزيين من قبل عدد كبير من الأمراء والولاة والخلفاء. 

الطولونيون والأخشيديون والفاطميون:

فبعد الحريق المروع الذي أتى على جزء كبير من المسجد عام 275 هـ ، قام خماروية بن أحمد بن طولون بعمارته كله على وجه متقن جميل.

ثم قام في عام 324هـ محمد بن طنج الأخشيد فأدخل زخارف جميلة في المسجد ، ونقش أكثر أعمدة المسجد ، وطوقها بالأطواق المعدنية اللماعة.

وتوالت أعمال التجميل فيه إلى الحال الذي بدأ فيه ينافس المساجد العظام في العالم الإسلامي في حينه. يصفه حينذاك الرحالة محمد بن أحمد المقدسي البشاري بعد أن زاره قبل عام 375هـ بقوله: ( إنه حسن البناء ، وفي حيطانه شيء من الفسيفساء على أعمدة رخام ، أكبر من جامع دمشق ، وهو أعمر موضع بمصر).

ودأب الفاطميون على العناية بهذا المسجد ، فهذا الحاكم بأمر الله يهدي للمسجد مصاحف حسنة الخط وربعات كثيرة ، ويجري فيه عمارة حسنة ، ويهدي إليه تنوراً ( أي ثريا ضخمة ) من الفضة.

وهذا المنتصر بالله يأمر بتلبيس صدر المحراب وأعلى العمودين اللذين على جانبيه بالفضة المنقوشة ، مع العناية التامة بالمسجد...

بل إن المسجد شهد مبكراً ظهور المحاريب والمقاصير المتنقلة ، فقد عملت عام 442هـ للإمام مقصورة خشبية من خشب الساج منقوش بعمودين من الصندل، توضع أيام الصيف في صحن المسجد طلباً لبرودة الهواء الطلق ، وترفع شتاء حيث يصلىفي داخل بيت الصلاة.

شهادات تاريخية:

ويبدي اعجابه بمسجد عمرو بن العاص في تلك الفترة العامة الرحالة الشهير ناصر خسرو عندما زاره عام 439هـ ، بما سطره في رحلته عنه ، يقول: ( هذا المسجد العتيق يقوم على (400) عمود من الرخام ، وجدار المحراب كله مغطى بالرخام الأبيض ، كتبت عليه آيات القرآن بخط جميل ، يضيئه بالليل من الداخل تنور أهداه إليه الخليفة الحاكم بأمر الله وزنه سبعة قناطير من الفضة ، بالإضافة إلى أكثر من 700 قنديل، وكان المسجد مفروشاً بعشر طبقات من الحصير الملون بعضها فوق بعض.

ويضيف الرحالة ناصر خسرو عنه قوله: إنه كان من أعمر المساجد بالناس والحركة ، وهو مكان اجتماع سكان المدينة الكبيرة ، ولا يقل الموجودون فيه ـ من الصباح إلى صلاة العشاء ـ عن خمسة آلاف من طلاب العلم والغرباء والكتّاب الذين يحررون الصكوك ، أي أن جامع عمرو بن العاص كان مركزاً علمياً رائداً يجتمع فيه الشيوخ والأساتذة بالطلبة من جميع الأنحاء والأرجاء ، كما يؤمه الغرباء للقاء من يبحثون عنهم من أهل مصر ، وهو إضافة لذلك مقر مهم لكثير من المعاملات والعقود والمبادلات ، التي كانت تتم بشكل عفوي بين الناس عن طريق العقود وموثّقيها.

كارثة متعمدة:

وفي عام 564هـ ابان الحملة الصليبية على بلاد المسلمين ، تخوف المسلمون من احتلال مدينة الفسطاط التي فيها جامع عمرو بن العاص ، فعمد الوزير الضعيف شاور إلى اشعال النيران فيها ، لعجزه عن الدفاع عنها ، فاحترقت المدينة، وتخرب جامع عمرو بن العاص ، وتشعث ، بعد أن استمرت النيران 45 يوماً تتأجج في الفسطاط وتأتي على ما فيه. 

 

عودة ثانية إلى الوجود:

إلا أن بطل تحرير بلاد المسلمين من الصليبيين صلاح الدين الأيوبي ، بدأ مرحلة إعمار المسجد من جديد بعد تلك النكبة المهولة ، فأصلح منه عام 568هـ  كثيراً ، وأعاد بناء صدر الجامع والحراب الكبير ، وكساه بالرخام ، ونقش عليه نقوشاً حسنة منها اسمه.

ثم تابع ترميمه الظاهر بيبرس البند قداري القائد المملوكي الفذ عام 666هـ .

ثم من بعده جاء المنصور قلاوون فأصلحه سنة 687هـ ، ومثله فعل الأمير سلار سنة 703هـ ، وبمثل ذلك قام رئيس التجار برهان الدين إبراهيم عمر ، والسلطان قايتباي.

وكانت معظم تلك الترميمات تتم بالجص المنقوش بالكتابات النسخية الرائعة. مما أضفى على المسجد جمالاً فريداً ومنظراً بديعاً.

الدورالعثماني:

وفي1212 في عهد العثمانيين قام الأمير مراد بك بإعادة بناءِ داخلِ الجامع بعد هدمه ، إثر سقوط إيوانه وميل عُمُده ، إلا أن القائمين على البناء لم يكونوا بمستوى العمل الكبير والمهمة العظيمة لمثل هذه المساجد الضخمة ، فكان ترميم مراد بك غير منتظم ولا متناسق ،  غير أنه بنى بالمسجد منارتين هما الباقيتان إلى الآن.

ووافق الفراغ من ترميم مراد بك لمسجد عمر بن العاص آخر جمعة من شهر رمضان ، فاحتفل بافتتاحه ، وأثبت تاريخ هذه العمارة في ألواح تاريخية فوق الأبواب الغربية وفوق المحرابين : الكبير والصغير.

وقد اتخذت عادة الاحتفال الشعبي الكبير بآخر جمعة في رمضان في هذا المسجد بصلاة الأمراء والملوك فيه منذ ذلك الحين.

وقد قام محمد علي باشا بإصلاحه وتجديد سقفه وتقويم مبانيه عام 1317هـ.

محكمة ، وبيت مال اليتامي:

ويشير بعض الدارسين والمهتمين بمسجد عمرو بن العاص إلى أنه كانت فيه محكمة لفض المنازعات الدينية والمدنية ، وكانت تعقد جلساتها في الجانب الغربي منه.

كما أن مسجد عمرو في الفسطاط كان به بيت المال ، فقد وصف بيت الرحالة الرحالة ابن رسته بأنه كان موجوداً أمام المنبر على شكل قبة عليها أبواب من حديد. ويرى بعض هؤلاء الدارسين أن بيت المال هذا ، ليس هو بيت المال الرئيسي الخاص بالدولة ، بل أنما هو بيت مال اليتامى.

حلقات ودوروس وعلماء:

ولا يفوتنا أن نشير إلى الدور العلمي الرائد الذي قام به جامع عمرو بن العاص طيلة قرون وقرون .

ويكفيه فخراً أن الإمام الشافعي ألقى فيه دروسه.

كما يكفيه فخراً أن حلقات الدرس فيه في البداية كانت سنة 326هـ (33) حلقة منها (15) حلقة للشافعيين و (15) حلقة للمالكيين و(3) حلقات للأحناف ثم ارتفع العدد إلى (110) حلقات. فإذا قدرنا أن كل حلقى بها (20) مستمعاً فلا أقل من أن يكون مجموع طلاب العلم في جامع عمرو بن العاص حينذاك أكثر من ألفي طالب...

بل كان في المسجد عام 415هـ حلقة درس ووعظ للسيدات ، تقوم عليها إحدى النساء الشهيرات في زمانها ، وهي أم الخير الحجازية...

ومن تلك الحلقات / وبأسماء مدرسيها وعلمائها ، سميت في المسجد زوايا بأسماء بعض الرجال ، مثل الزاوية المجدية، والزاوية الصباحية، والزاوية الكمالية وغيرها.

ورحم الله ابن دقماق المؤرخ ، حيث يصف جامع عمرو بن العاص بقوله: (إمام المساجد ومقدم المعابد ، قطب سماء الجوامع ، ومطِلع الأنوار اللوامع ، وموطن أولياء الله وحزبه...).

 

 

 

 

 

المسجد الأموي بدمشق

 

تمهيد:

تبارى الواصفون والشعراء في ذكر محاسن المسجد الأموي بدمشق الفيحاء.

يقول ابن بدران ـ في منادمة الأطلال ـ عنه: هو أعظم جوامع دمشق، وللناس فيه قصائد وأقوال يضيق عنها الحصر.

ويقول عنه ياقوت ـ في معجم البلدان ـ في مبالغة ظاهرة: لو عاش الإنسان ألف سنة، وجعل يتردد كل يوم من أيامها إلى الجامع، لكان يرى في اليوم ما لا يراه في أمسه.

ويقول أحد الشعراء عن الجامع الأموي:

وانزلْ دمشقَ وسل صخراً بمسجدها              عمن بناه لعل الصخر ينعاه 
                          

البداية الأولى... هموم خليفة:

ولمبدأ بناء هذا المسجد قصة طريفة رواها الأكفاني، فقال:

إن الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي اغتم يوماً، فدخل عليه المغيرة بن الوليد ( ولده ) فقال: ماغمك؟ فلم يخبره فألح عليه فذكر له أن النصارى أبوا عن بذل الكنيسة ( يقصد بذلك الكنيسة التي كانت لهم في دمشق بطرف معبد روماني كبير مهجور) فقال له المغيرة: لا تهتم إن خالد بن الوليد قد دخل ( دمشق ) من الباب الشرقي بالسيف، ودخل أبو عبيدة من باب الجابية بالأمان، فنحن نماسحهم إلى الموضع الذي وصل إليه السيف، فما كان لنا به حق أخذناه، وإلا داريناهم  فأخذنا الكنيسة بالرضا. فقال له والده الخليفة: فرّجت عني، فتولّ هذا الأمر.

قال: فتولاه، فبلغت المساحة إلى سوق الريحان، حتى حاذى القنطرة الكبيرة أربعة أذرع بالذراع الهاشمي فقالوا: قد قطعتنا كنائس، وبذلت لنا من المال كذا وكذا  ( لما كان  وعدهم به من قبل مقابل تنازلهم عن المعبد) فإن رأيت أن تتفضل علينا فعلت، فامتنع منهم أولاً، ثم أعطاهم أربع كنائس.

 

المعبد الروماني... وإشاعات باطلة:

ويرى بعض الباحثين أن مسجد دمشق الأموي أُنشئ في جزء من معبد كان هناك للاله الروماني ( جوبتر ) الذي كان المسيحيون فيما بعد قد أقاموا فيه مصلى أو كنيسة، ونسبوه إلى القديس يوحنا، فلما جاء المسلمون ورأوا سعة هذا المعبد المهجور في معظم أجزائه، رغبوا في الإستفادة من الأحجار والرخام والأرض المبلطة لهذا المبنى القديم، فتراضوا مع النصارى على تعويضهم عن مصلاهم الصغير بتعويض كبير، أنشأوا  به مصلى جديداً في موضع آخر.

وقد حاول بعض المغرضين من غير المسلمين أن يخوف الوليد بن عبد الملك من هدم المعبد ويرهبه، فقال له: إن له شأنا، فمن هدمه جُنّ أو أصابته عاهة، فحنق من قولهم ودعا بمعول فأخذه بيده، وأخذ يهدم الحيطان، فاقتدى به الفعلة، ولم يُصَبْ أحد منهم بسوء.

 

اكتشافات تحت المعبد:

وعند ابتداء العمل في بناء المسجد الأموي في دمشق أمر الوليد بإزالة جميع الأبنية داخل سور المعبد القديم، ثم عمد إلى تلك الأسوار المحيطة فزاد في سمكها، وفيما كان العمال يزيلون الأنقاض اكتشفوا مغارة قديمة.

روى ابن عساكر عن زيد بن واقد قال: وكلني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق، فبينما نحن في العمل إذ وجدنا مغارة، فعرّفنا الوليد ذلك. فلما كان الليل وافى وبين يدية

الشموع، فنزل فإذا هي كنيسة لطيفة ثلاثة أذرع ( أي حجرة صغيرة) وإذ فيها صندوق، ففتح

فإذا فيه سفط وفي السفط رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام قا ل: فرُدّ إلى مكانه بأمر الوليد وقال: اجعلوا العمود الذي فوقه مغيراً عن بقية الأعمدة، فجعل عليه عمود مسفَّط الرأس.

 

الوصف العام لبناء الوليد:

       ولما كان الجدار الطولي للمعبد يتجه إلى الجنوب ـ أي نحو مكة المكرمة ـ فقد جعله البناؤون جدار القبلة، وكان طويلاً جداً بالنسبة لعرض بيت الصلاة، ولذلك فإن رواق القبلة في المسجد الأموي ـ وهو أحد أروقة أربعة يتكون منها المسجد ـ يتمز بزيادة الطول فيه على  العرض بنسبة 3 إلى 1 تقريباً، فطوله يبلغ أكثر من 136 متراً، في حين أن عرضه لا يزيد على 37 متراً، وبذلك يتسع بيت الصلاة لأعداد كبيرة جداً ، وبيت الصلاة هذا جعل له المهندسون باباً فخماً يؤدي إلى الصحن المكشوف كأنه باب مسجد كامل، كما أنه يتكون من  ثلاثة بائكات ( البائكة مجموعة عقود مبنية على اتجاه واحد ) موازية لحائط القبلة، يقطعها مجاز قاطع منحرف قليلاً إلى الغرب، الأمر الذي يقسم هذه البائكات إلى جزئين متساويين في كل جزء ثلاث بوائك، وكل بائكة تتكون من 11 عقداً. وتقف هذه العقود على أعمدة رخامية لها كراسي أسفل قواعدها.

 

       وأما الأروقة الثلاثة الأخري في الشرق والشمال والغرب، فكل منها عبارة عن صف من الأعمدة ( بائكة واحده ) تكون بلاطة واحدة لكلٍ وقد استخدمت الأعمدة والدعائم بالتبادل فيها وفوق كل عقد شباكان.

وأما الجدار الفاصل بين بيت الصلاة ( القبلية ) وبين الصحن فإنه

يتكون من سلسلة من العقود، وعددها عدد البلاطات وهي عقود مستديرة، وفوقها (أعلى الجدار) سلسلة من نوافذ ذات عقود مستديرة أيضاً، وكل اثنتين من النوافذ تقومان فوق عقد من العقود. ويبلغ عدد النوافذ في حائط القبلة وحده (44) شباكاً.

وسقف بيت الصلاة ـ المركب مجنبتاه على ثلاثة مجموعة من العقود الحجرية ومجازه الأوسط القاطع على ثلاثة عقود أيضاً ـ مبني على شكل جمالون أو مثلث أو هرم ضلعاه

يستندان إلى مجموعتي العقود، وعدد جمالونات السقف ثلاثة، والسقف من الخشب المصبوب فوقه رصاص، وهو محكم الصنع يقي المسجد ويحميه من أمطار الشام الغزيرة. وترتفع في وسطه قبة يقال قبة النسر.

 

مآذن المسجد الأموي:

وتمت في الجامع الأموي أول محاولة لإقامة المآذن في الشام.

وقد كان في ركني المعبد القديم الذي بني عليه المسجد، في الجانبين الجنوبيين الغربي والشرق، برجان مربعان أعاد الوليد بن عبد الملك بناءهما ورفعهما، ليكون من فوقهما الآذان بل يذكر بعضهم أنه أعاد بناء الأبراج الأربعة في أركان وزوايا المسجد.

إلا أنه لم يبق منهما إلى الآن إلا ما يسمى المئذنة الغربية على البرج الغربي الجنوبي، وقد بناها قايتباي، وهي الأجمل والأرشق.

وثمة أضافة إلى تلك المئذنة الغربية مئذنتان أخريان، أولاهما: مئذنة عيسى، وتقع في الركن الجنوبي الشرقي، وترجع إلى القرن الرابع عشر الميلادي. والثانية: مئذنة العروس، وتقع في منتصف الحائط الشمالي المواجه لرواق بيت الصلاة.

 

أعمال الزخرفة والفسيفساء:

واعتنى الوليد بزخرفة المسجد الأموي في دمشق عناية فائقة ، فجعل أرضه رخاماً أبيضاً مفروشاً ، ومن هذا الرخام جلدت حوائطه بارتفاع ضعف قامة الإنسان ، وفوق ذلك على الجدار شريط من الترابيع الرخامية ، ثم ترتفع بعد ذلك الفسيفساء حتى السقف ، وهي متعددة الألوان ومذهبة ومملوءة بالزخارف.

والأساطين ( الأعمدة ) رخامية تعلوها تيجان مذهبة.

والسقف كله مكتّب بأجمل أنواع الخطوط ومذهب وملون.

أما المحراب فمن المحاريب الجميلة الباهرة المرصعة بالجواهر.

ويوجد في جدار القبلة شريط من أوله إلى آخره من الفسيفساء يسمى شريط الكرمة ( أي كرمة العنب ) وتشبه زخارفه زخارف قبة الضخرة في بيت المقدس.

ويقال بأن الوليد صرف في بناء المسجد الأموي وزخرفته وإظهاره في أبهي حلله خراج دمشق خمس سنين، وكان خراجها آنذاك أعظم خراج الأقاليم في الدنيا.

لوحة بردى:

ومن أروع ما في المسجد الأموي اللوحة المعروفة بلوحة بردى ( اسم النهر الذي يروي دمشق وما حولها ) وهي لوحة كبيرة موجودة بالركن الجنوبي الغربي من المسجد تمثل منظر نهر بردى وهو يخترق الفوطة الغناء ، ويدخل دمشق فتحف به البساتين من كل جانب ، وتطل عليه القصور وما فيها من أشجار ونباتات وزهور.

ويبلغ طول تلك اللوحة الفريدة من الفسيفساء قرابة 38 متر وارتفاعها 7 أمتار ، وهي أكبر مسطح من الفسيفساء وجد حتى الآن.

ساقية، وأبواب، وساعات:

ولحاجة المصلين في المسجد إلى ماء الوضوء والطهارة فقد جعل للمسجد ساقية ماء تدور على أركانه الأربعة بالسواء.

وللمسجد أربعة أبواب هي : باب البريد ( الغربي) وباب جيرون (الشرقي) وباب (الشمالي) وباب رابع في بيت الصلاة ( جدار القبلة) يؤدي إلى خارجه.

روى ابن عساكر عن محمد بن أحمد القاضي أنه قال: إنما سمي باب الساعات لساعات يعلم بها كل ساعة تمضي من النهار ، عليها عصافير من نحاس وحية منه وغراب ، فإذا تمت الساعة: خرجت الحية فصفّرت العصافير وصاح الغراب وسقطت حصاة. وقد صنع تلك

الساعات رضوان بن محمد بن رستم الشهير بابن الساعاتي وقد وضعها عند باب الجامع أيام الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي وكان لابن الساعاتي من نور الدين العطايا والهبات الدائمة لملازمة الساعات.

حرائق عديدة:

وقد تعرض المسجد للحريق خمس مرات في تاريخه.

أولها: عام 461هـ ، في النصف من شعبان ، من حرب وقعت هناك ضربت فيها دار مجاورة للجامع فامتدت إليه ألسنة النيران ، فالتهمت وقضت على محاسنه وآثاره ، فأعيد ثانية وجمل وزين.

ثم في عام 740هـ وقع حريق عظيم في دمشق احترقت فيه المنارة الشرقية من الجامع ، وأعيد بناؤها وترميمها .

وفي عام 803 هـ احترقت دمشق كلها أيام فتنة تيمور لنك ، واحترق المسجد الأموي معها ، ثم عمر بعد ذلك .

وفي عام 884هـ ذكر ابن طولون أن المسجد احترق واحترق ما حوله من الأسواق الشامية الشهيرة.

وآخر تلك الحوادث المؤسفة الحريق الذي وقع عام 1311هـ أيام السلطان عبد الحميد الثاني ، الذي أعاد بناءه أيضاً.

والبناء الحالي بشكله وأعمدته وأبوابه يعود إلى عهد هذا السلطان.

على أن جميع الترميمات التي توالت على هذا الجامع حافظت على مخططه المعماري الأول ، وعلى هندسته الأموية دون تعديل. 

مدارس وحلقات علمية :

ويذكر أن الجامع الأموي كان طيلة تاريخه مركزاً من مراكز العلم الشهيرة، يقول ابن بدران: وكان في هذا الجامع من المدارس: الغزالية ، والأسدية ، والمنجائية ، والقوصية ،

والسيفية ، والمقصورة الكبرى ، والزواوية والشيخية ، وكان له تسعة أئمة وأربعة وعشرون سَبُعاً ( نقطة يخرج منها الماء على شكل رأس سبع ) وكان فيه احدى عشرة حلقة للتدريس في الفنون ، ولها مقررات من مال المصالح ، وكان به ثلاث حلقات للاشتغال بالحديث.

وعلى سبيل المثال: فوظيفة التدريس تحت قبة النسر رتبها بهرام والد السلطان إبراهيم وبنى السوق الجديد والخان قرب باب الجابية لأجلها ، وعين للمدرس ستين قرشاً ، وللمعيد ثلاثين ، ولقارئ العشر عشرة قروش ، ودرس بهذه الوظيفة الشيخ سعودي ، ثم تاج الدين بن أحمد المحاسني الدمشقي.

وفي الجامع بيت الخطابة، وكان فيه خزانة كتب منها ما وقفه على الدفتري ، وكان عالماً جليلاً استودعت كتبه بيت الخطابة بالقرب من المقصورة بالجامع الأموي.

اهتمام.. واهمال:

وتفاوتت همم الملوك والأفراد في العناية بهذا المسجد العظيم ، حتى كان يهمل أحياناً فيغدو كأنه مباح لكل الناس ، يعملون فيه ما يشؤون ، ولكنه ما يلبث أن تعود إليه نضارته ثانية بهمة الغيورين على الإسلام ومساجده.

يذكر بعض المؤرخين أن المسجد عام 668 هـ تحول إلى ما يشبه الخان ، لكثرة من ينام فيه من الناس ويقيم ، وكان لكل مقيم به موضع أفرده واقتطعه وعمل فيه صندوقاً وأحاطه بمقصورة ، حتى كان فيه ما يقارب من ثلاثمائة خزانة ومقصورة ، فأزال الملك الظاهر ركن الدين جميع ذلك ، ونظف المسجد وفرشه بالحصر والبسط ، وغسل رخامة وحسنه ، وكان بصحن الجامع أيضاً حواصل ( مخازن) للمنجنيقات وحواصل للأمراء وغيرهم من خيم وشبهها ، فأزالها أيضاً ، ورتب أوقافه للمستحقين ، وفتش على كتب الوقف التي كانت له ، فجمعها من المختلسين ورتبها وجلدها وأتقنها.

مشاهير الموقتين:

واشتهر بعض الموقتين في مسجد بني أميه الدمشقي. والموقتون: هم الذين يضبطون أوقات الصلاة بناء على حركة الشمس وساعات النهار.

ومن هؤلاء المشاهير: محمد بن نصر المعروف بابن القيسراني توفي عام 548 هـ ، وكان من جملة ما أتقنه من العلوم: الهندسة والحساب والنجوم.

ومنهم علي بن إبراهيم المعروف بابن الشاطر ، كان رئيس المؤذنين ، وكان لديه في منزلة آلة أقرب ما تكون إلى الساعة التي نعرفها ، حتى إن ابن بدران يقول عنه: إنه هو المخترع لهذا النوع العظيم الفائدة ، إلا أن أهل بلادنا أهملوه واختراعه ، حتى ظفر بنخب أفكاره الإفرنج وكانت له اختراعات هندسية كثيرة تدل عليها كتبه العديدة.

ومن هؤلاء أيضاً: مؤيد الدين أحمد بن عبد الكريم الحارتي الشهير بالمهندس ، قام بإصلاح الساعات التي في الجامع الأموي ، وكان له على مراعاتها وتفقدها جامكية ( أي راتب) يأخذها.

عروس دمشق المعاصرة:

وتقوم حالياً هيئة الآثار في سوريا بعمل جليل ضخم لترميم المسجد الأموي ، واظهار محاسنه وإحياء مآثره من جديد . فالأموي عروس دمشق ، وفيه مَجْلَى حسنها الأصيل.

 

 

 

 

 

الجامع الأزهر

 

تمهيد:

يستطيع المؤرخ الدقيق من حين بناء الجامع الأزهر أن يربط بين تاريخ مصر وتاريخ هذا الجامع، إذ من النادر أن يكون قد وقع في مصر حادث له شأن وأهمية إلا كان في الجامع الأزهر مبتدأه أو منتهاه.

نعم إن الأزهر وجه مصر وكتابها المفتوح. حتى إن الدكتور البحاثة حسين مؤنس ليقول :وإذا أنت دخلت الجامع اليوم من بابيه الكبيرين المتجاورين المعروفين ببابي المزينين ـ في ميدان الأزهر ـ وطفت بأرجاء الجامع حتى تخرج من باب الجوهرية، في الضلع الشمالي للجامع الذي ينفتح على شارع الشنواني خلف المسجد، فإنك تكون قد مررت بألف سنة من تاريخ مصر.

 

بداية فاطمية.. قصور فخمة:

وإذا أردنا أن نبدأ بالحديث عن نشأة الجامع الأزهر وبنائه: فإن الخليفة الفاطمي المعز لدين الله المقيم في المغرب، أرسل قائده جوهراً الصقلي لاحتلال القاهرة على أن يلحق به فيما بعد. فدخلها جوهر بدون عناء عام 358هـ.

وفيما كان المعز لدين الله يعد العدة للوصول إلى مصر، كان جوهر مشغولاً بوضع اللمسات الأخيرة على القصر الكبير المؤنَّق المزخرف الذي بالغ في تزيينه وتفخيمه حتى جعل فيه سريراً للخليفة مذهباً من أعجب الأسرة، مع ما في خزائن القصر من تحف وطرائف ونفائس يكاد العقل لا يصدقها.

 

أول مسجد في القاهرة:

وفي أثناء بنائه القصر الجديد، بنى جوهر لسيده مسجداً جامعاً سماه الجامع الأزهر، هو أول مسجد أسس في القاهرة المعدة لتكون مقراً لخلافة الفاطميين، وذلك على طراز المساجد الأولية السابقة كجامع عمرو بن العاص في الفسطاط، وجامع أحمد بن طولون في القطائع.

وقد أقيمت أول جمعة في الجامع الأزهر في 7 رمضان عام 361هـ، وذلك قبل وصول الخليفة الفاطمي بسنة كاملة. وبوصوله إليها تحولت القاهرة من دار إمارة عباسية إلى دار خلافة فاطمية.

 
أهداف مذهبية:

ومن حين نشأة الأزهر كان القصد من انشائه أن يكون مركزاً علمياً عدا كونه مسجداً للعبادة، وقد أعده جوهر الصقلي منذ البداية لفئة معينة من الطلاب هم طلاب المذهب الشيعي الذين يتلقون ثم ينشرون الفقه الإسماعيلي.

وكان أول الأساتذة الذين تولوا التدريس فيه القاضي أبو الحسن بن النعمان بن محمد المتوفى عام 374هـ، وكان فقيهاً متمكناً في مذهبه وأديباً بارعاً ـ كما كان أبوه من قبل ومثله أخوه محمد بن النعمان ـ كما درس في تلك الفترة الأولى المؤرخ محمد بن عبدالله المعروف بالمسبحي توفى عام 420هـ،.....والمؤرخ القناعي الذي أخذ عنه المقريزي وكان أول من كتب في خطط مصر وغيرهم.

ولم يقتصر المدرسون الأولون على العلوم الدينية بل أضافوا إلى ذلك تدريس العلوم الكونية، وعلى سبيل المثال فإن الحسن بن خطير الفارسي درس الرياضيات فيه، وكان هذا الرجل من أبرز علمائها حينذاك.

 
وصف الأزهر القديم:

والمسجد الأزهر اليوم بعد اضافات كثير من الملوك والخلفاء ـ يساوي ضعف مساحته حين انشائه، فقد زيد فيه وضم إليه وتبعه كثير من الأبنية والمنشآت، حتى تحول إلى ما يشبه مدينة قائمة بذاتها، أو معرضاً واسعاً للفن الإسلامي المعماري في مصر.

وكان المبنى الأول للجامع الأزهر ـ كما أنشأه جوهر ـ يتكون من ثلاثة أيوانات حول الحصن المكشوف الحالي. الشرقي منها ـ وفيه بيت الصلاة ـ مكون من خمسة أروقة، وبكل من الجانبين القبلي والبحري ثلاثة أروقة أما الحد الغربي فلا أروقة فيه، ويتوسطه الباب العمومي الذي كانت تعلوه المنارة، هذا إضافة إلى بابين آخرين في الجهة القبلية والغربية.

وقد فتحت بأعلى الجدران شبابيك جصية مفرغة بأشكال هندسية تتخللها مضاهيات مزخرفة أحيطت بكتابات من الآيات الكريمة بالخط الكوفي الجميل.

ويشطر الأيوان الشرقي ـ بيت الصلاة ـ مجاز مباشرة إلى المحراب، وهذ المجاز مرتفع العقود والسقف عن مستوى ارتفاع الأيوان كله، وقد حليت حافات العقود بآيات من الخط الكوفي، إضافة إلى تحلية جوانيها بزخارف نباتية مورقة.

وكان فوق المحراب قبة بارزة جميلة.

 
الدور الفاطمي:

وقد لقي الأزهر من عناية الفاطميين الكثير، فقد جدد العزيز بالله بن المعز، كما جدده الحاكم بأمر الله، وخصص له تنورين (ثريتين كبيرتين) وسبعة عشر قنديلا من فضة للإضاءة في رمضان. كما اعتنى به المنتصر بالله والآمر بأحكام الله، ثم جاء الحافظ لدين الله فزاد فيه رواقاً من جهاته الأربع وقبة على رأس المجاز، حفلت جوانبها وقطبها بالزخارف والكتابات الكوفية المزخرفة.

ويقال إن الوزير أبا الفرج يعقوب بن يوسف طلب من العزيز بالله أن يصل رزق جماعة من الفقهاء (أي يعين لهم رواتب ثابتة) فقرر لهم مرتبات وأعد داراً لسكناهم بجانب الأزهر، وأمرهم من ضمن برنامجهم أن يرتبوا دروساً وحلقات بعد الجمعة إلى العصر، وكان عددهم خمسة وثلاثين فقيها.

 
الأيوبيون والمماليك

وإذا كان الايوبيون لم يولوا الأزهر جل اهتمامهم، فإنما كان ذلك لمؤازرة صلاح الدين الأيوبي المذهب السني، مذهب مصر من قبل الفاطميين ومن بعدهم، إلا أن المسجد الأزهر في عهدهم استفاد زيادة في بنائه عام 590هـ.

وفي أيام المماليك البحرية والجراكة انصب كثير من الجهد على الأزهر تحسيناً وتوسعة وترميما.

فهذا الأمير عزالدين ايد مر الحلي ـ وكان ساكنا بجوار الأزهر ـ يستأذن السلطان بيبرس بعمارة الأزهر عام 665 هـ ، فلما أذن له، قام بتبليطه وتبييض جدرانه واصلاح ما وهى منه، وعمل له منبراً خشبياً مزخرفاً.

كما تبرع الأمير بيليك الخازندار بعمل مقصورة كبيرة لبعض الفقهاء الشافعية وبعض المحدثين.

كما عني الأمير سلام بعمارة الجامع بعد زلزال عام 702هـ .

وكذلك أصلحه محتسب القاهرة القاضي الاسعردي سنة 725هـ.

أما الأمير سعدالدين بشير الجامدار فقد أقدم على إزالة الصناديق والخزائن التي أحدثها الناس في المسجد فشوهته، كما جعل على بابه الرئيسي سبيلاً للماء العذب، وكتاباً لتعليم القرآن، وذلك سنة 761هـ.

 
قايتباي... والأزهر
وأهم العمارات التي أجريت على الأزهر في عهد السلطان قايتباي سنة 873هـ فقد أعاد بناء بابه الغربي الكبير، وأقام على يمينه منارة رشيقة، وزينها بنقوش وكتابات كوفية مزخرفة، وكانت تلك المنارة مكونة من ثلاث دورات، مع دقة الصنع وجمال الشكل، حتى كانت مع الباب الباقي إلى اليوم من طرف بدائع العمارة الإسلامية...

وفي سنة 915 أمر السلطان قانصوه الغوري ببناء منارة للجامع، فبنيت المنارة الضخمة المزدوجة الرأس، ولبست بالقاشاني، وكانت من أجمل المنارات التي عرفتها المساجد.

 

المدارس الملحقة بالأزهر:

وقد شهد الأزهر في عصر المماليك والجراكة منشآت أخرى ألحقت به وزيدت فيه وهي ثلاث مدارس كاملة:

اولاها: المدرسة الطيبرسية التي بنيت عام 709هـ على يمين الداخل إلى الجامع، وفيها مسجد ملاصق للجامع الأزهر، وقرر بانيها الأمير علاء الدين طيبرس الخازنداري فيها دروساً للشافعية، وألحق بها  ميضأة وحوضاً لسقي الدواب، وبالغ الطيبرسي في العناية برخام مدرسته، حتى أن المقريزي يقول: إن أحداً لا يمكنه محاكاة ما فيها من صناعة الرخام، فإن جميعه اشكال محاريب، وألحق بها مكتبة، وبالغ في تذهيب السقوف.

ويذكر المؤرخون عن الأمير طيبرس هذا أنه بعد الفراغ من بنائها، احضر إليه المشرفون على عمارتها من كتّابه حسابات نفقاتها، مؤكدين أنها استهلكت كل تلك المبالغ، فاستدعى طستاً فيه ماء، وغسل أوراق الحساب كلها دون نظر فيها، وقال: شيء اخرجنا منه لله تعالى لا نحاسب عليه.

وثاني المدارس التي ألحقت بالأزهر في تلك الفترة المدرسة الأقبغاوية، نسبة الى منشئها الأمير علاء الدين أقبغا عبد الواحد، وذلك سنة 740هـ ،وكان المشرف عليها ابن السيوفي رئيس المهندسين أيام محمد بن قلاوون، وهي أصبحت تضم أخيراً مكتبة الأزهر.

وثالث المدارس: المدرسة الجوهرية نسبة إلى صاحبها الأمير جوهر القنقبائي خازندار الملك الأشرف برسبابي، بناها قبيل وفاته عام 844هـ ، وقد اشتملت على أربعة ايوانات يتوسطها صحن مفروش بالرخام الملون، وكذلك كان رخام الايوانات كلها، وكانت من أجمل المدارس واتقنها على الرغم من صغرها.

وبوجود هذه المدارس الملحقة بالأزهر، مع ما ضمه في جنباته من حلقات علمية تحول الجامع الأزهر إلى جامعة حقيقية، بما فيها من مدرسين ومعيدين، وطلبة وعلوم، ونفقات ومبان.

الأزهر في العصر العثماني:

وشهد عهد العثمانيين التفاتاً كبيراً نحو الاهتمام بالأزهر، فقد توالى على عمارته واصلاحه محمد علي باشا عام 1004هـ ، ثم الوزير حسن باشا 1014هـ، ثم الأمير اسماعيل بك 1136هـ .

ثم جاء كتخدا، فقام بأوسع الأعمال في الأزهر وأكثرها... وعلى سبيل المثال انشأ زاوية للعميان خارج الأزهر، وعمر رواق الأتراك فيه، ورواق السليمانية (الافغانيين) وزاد في رواق الشوام، وجدد واجهة المدرسة الطيبرسية، وانشأ الباب

الغربي الكبير الرئيسي، وزاد في الجامع زيادة كبيرة بإضافة الأروقة التي كانت خلف المحراب، وحجم هذه الزيادة أكثر من نصف حجم الجامع الأصلي، وهي بيت صلاة كامل بقبلته ومحرابه يقوم على خمسين عمودا، وجعل إلى جوار المحراب محراباً أصغر منه يسمى محراب الدردير، ثم محراب آخر حديث الصنع.

وللأزهر اليوم خمس مآذن مختلفة الطراز، منها اثنتان من انشاء عبدالرحمن كتخدا، وواحدة تنسب إلى قايتباي وهي ذات جوسقين وعمامتين، وواحدة تنسب إلى النوري.

وكان للجامع كذلك ثلاثة عشر محرابا الباقي منها إلى اليوم ستة فقط.

وله ثلاث قباب، أجملها تلك التي فوق المدرسة الجوهرية.

 
الرواقات .. وأماكن المبيت

وقد شهد الأزهر في هذه الفترة كثرة الرواقات التي ألحقت به، والتي خصصت لأبناء البلدان الإسلامية، أو لطلاب المذاهب الفقهية، مثل رواق الأكراد، ورواق الهنود، ورواق الجاوية، ورواق الصعايدة، ورواق الشوام، ورواق الفيومية، ورواق الحنفية، ورواق الحنابلة...

وكان الرواق غير مخصص للنوم، بل هو أشبه ما يكون بالسكرتاريا والمكتبة، وفيه خزائن مخصصة للمنتفعين فيه.

وأشهر الأرووقة الرواق العباسي نسبة إلى خديو مصر عباس حلمي، وهو الذي فيه إدارة الأزهر ومشيخته وطبيبه ومحفوظاته. وقد افتتح عام 1915م...

أما أماكن نوم الطلبة الغرباء فإنها كانت في حارات حول الأزهر خصصت لهم، وعددها ثلاث عشرة، مثل حارة العفيفي والزرانة والبشاشة والسليمانية والجيزاوية وغيرها.

 
مكتبة نفيسة

وفي عهد الخديوي عباس حلمي أُنشئت مكتبة الأزهر الحديثة، فاختيرت المدرسة الاقبغاوية لذلك، وبلغت نفقات المكتبة 1600 جنيه في حينها، وقد بلغ ما فيها من كتب نحو مئة ألف مجلد، بعضها من أنفس الكتب وأندر المخطوطات.

وقد وصلت تلك المراجع إلى مكتبة الأزهر من جهات شتى، من أبرزها وقف مكتبات كثير من الشخصيات العلمية على الأزهر، كمكتبة سليمان باشا أباظة، ومكتبة أحمد راشد، ومكتبة مختار الغازي.

وفي عهد الملك فؤاد انشئت في الأزهر كليات أصول الدين الشريعة واللغة العربية عام 1930 كما انشئت مساكن الطلبة والإدارة العامة للمعاهد الدينية.

 
طور جديد حالياً 
وفي عام 1961 دخل الأزهر في طور جديد من تاريخه، فقد صدر القانون الذي حوله إلى جامعة حديثة تدرس مع العلوم الدينية العلوم الكونية.

وليس ثمة مثل الأزهر ـ لا يوم أن كان جامعاً ولا بعد أن تحول إلى جامعة ـ معهد علمي ديني في الدنيا يضارعه في مجموع الخدمات التي قام بها، فقد تردد عليه ابناء العالم الإسلامي من كل قطر وفوداً وفودا للمجاورة والتعليم، فمنهم من يعود إلى وطنه وهم الأكثر، ومنهم من يتخذ مصر مقاماً له، ومن مشاهير هؤلاء نفر اعتمدت عليهم النهضة الفكرية في مصر والعالم الإسلامي مثل، عبدالرحمن الجبرتي ورفاعة الطهطاوي ورشيد رضا وأحمد حسن الزيات ومصطفى لطفي المنفلوطي ومحمد مصطفى المراغي ومحمد عبده وغيرهم كثير.

ولم يخل تاريخ الأزهر من تردد غير المسلمين عليه للدراسة والاطلاع على الإسلام وحضارته .. وكان في مثل هؤلاء المستشرقين الدارسين واضحاً بيناً.

 
شيخ الجامع الأزهر:

ويتمتع شيخ الأزهر في العالم الإسلامي بمكانة عظيمة في قلوب المسلمين، لأنه يمثل في منصبه أكبر صرح إسلامي شامخ، وأرفع منصب ديني سامٍ، وإليه يرجع في كثير من الأمور الدينية والاجتماعية والعامة.

وقد تعاقب على مشيخة الأزهر رجال شهد لهم العلماء بالفضل والمواقف المشرفة. كالشيخ الباجوري والشيخ المراغي والشيخ الشرقاوي والشيخ عبدالحليم محمود وغيرهم من أعلام الإسلام.

                                                             

 

جامع عقبة بن نافع

 

تمهيد:

عقبة بن نافع الفهري قائد أموي فذ. وتابعي جليل، سار بالمسلمين مجاهداً في أفريقية. في الساحل المحاذي للبحر الأبيض المتوسط وأوغل فيها، وكانت له أياد بيضاء في تثبيت قواعد الإسلام في تلك البلاد المضطربة..

مدينة للدفاع عن دين الله:

وقد لاحظ عقبة أن شعوب البربر ومن معهم تكرر منهم شق عصا الطاعة على المسلمين ونقضهم العهود التي يصالحون عليها، فوقف في جيشه يقول: " إن أفرقية إذا دخلها إمام أجابوه إلى الإسلام، فإذا خرج منها رجع من كان أجاب منهم لدين الله إلى الكفر، فأرى لكم يامعشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة تكون عزاً للإسلام إلى آخر الدهر".

هكذا نشأت فكرة مدينة القيروان التي يعتبرها بعض الباحثين من ( مدن المعسكرات ) ،وقد مثلت في بدايتها قاعدة عسكرية تنطلق منها الجيوش لمواجهة التهديد الخارجي، ولمتابعة الفتوح، ولتثيت الإسلام، ثم تحولت إلى مراكز استيطان للجنود وأسرهم وأهليهم، فيها كل ما في المدن الحضارية الأخرى من أسواق ومهن، وخدمات ومزايال وأقسام، وانتاج واستهلاك.

 

المسجد أولاً:

       وكما جرت العادة في المدن التي اختطها المسلمون، فقد بدأ عقبة نافع القائد المجاهد بتخطيط مدينة القيروان ـ ومعناها المعسكر الأمامي أو المتقدم ـ فجعل مسجدها الجامع ودار الإمارة مركزاً للتخطيط، ثم أوعز إلى الجند باتخاذ المساكن حول ذلك المركز، كل قبيلة في    ناحية.

 

مشكلة .. وحل:

وكانت المشكلة الكبرى التي أهمت عقبة وأصحابه وولدت الجدل بينهم تحديد القبلة بشكل دقيق، في قت لم تتوفر فيه الوسائل المرشدة إليها، مما جعله يتريث قليلاً قبل إقامة جدارن ذلك المسجد الذي سيكون قدوة لجميع مساجد المغرب الإسلامي فيما بعد، وبقي الخلاف بينهم في ذلك أياماً، حتى حدث ما لم يكن بالحسبان.

وينقل لنا صاحب البيان المغرب (المؤرخ ابن عذاري) رواية لطيفة عن قبلة جامع القيروان فيقول:

رأى عقبة في منامه من يحدثه قائلاً : إذا أصبحتَ فخذ اللواء في يدك، واجعله على عنقك، فإنك تسمع بين يديك تكبيراً لا يسمعه أحد من المسلمين غيرُك، فانظر الموضع الذي ينقطع عنك فيه التكبير فهو قبلتك ومحرابك.

فهبّ القائد من نومه فزعاً جزعاً ، فتوضأ وذهب إلى مكان المسجد مع بعض الخاصة من أصحابه، فصلى بهم ركعتين فلما شق ضوء الفجر أستار الظلام وانبلج الصبح أقبل عليه جنده فصلى بهم ركعتي الصبح، وإذا بالتكبير يملأ سمعيه، فسأل أصحابه إن كانوا يسمعون شيئاً؟ فأجابوه بالنفي فعلم أن الأمر من  عند الله عز وجل، فحمل اللواء كما أُمر في رؤياه وسار يتبع الصوت، حتى بلغ موضعاً معيناً من أرض المسجد توقف عنده التكبير، فركز فيه

اللواء، وقال لأصحابه: ( هذا محرابكم ) فأقبلوا بحماس واندفاع شديدين دون كلل أو ملل يضعون قواعد البناء ويقيمون جدران المسجد بعد عرفوا موضع قبلة واتجاهها، وكان ذلك سنة 50 للهجرة النبوية الشريفة.

وكان جامع عقبة حين انشائه على أغلب الظن بسيطاً صغير المساحة تستند أسقفه على الأعمدة مباشرة، دون عقود تصل بين الأعمدة والسقف، بل لنا أن نتصوره أشبه ما يكون بعريش يستند إلى جذوع نخل، مع توفر صحن مكشوف قريب المساحة من السقوف.

وقد حرص الذين جددوا بناءه فيما بعد على شيئين اثنين فيه: أولهما هيئته العامة، وثانيهما قبلته ومحرابه ، على الرغم من أنه زيد فيه مساحات كثيرة ولقي عناية كثير من الأمراء والملوك والعلماء في شتى مراحل التاريخ الإسلامي، حتى أصبح معلماً  تاريخياً بارزاً ومهما.

 
تجديدات وترميمات.. أولها الدور الأموي:

       وخلال المئتي العام التالية لبنائه جدد ورمم خمس مرات وكان أول الذين فعلوا ذلك حسان بن النعمان الغساني الذي هدمه ـ حاشا المحراب ـ عام 80 هـ، ثم أعاده بناءه بعد أن زاد في أروقة الجامع وقوى بناينه.

ثم في عام 105 هـ أوعز الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك إلى واليه على القيروان بشربن صفران بزيادة المسجد وتوسعته، فاشترى أرضاً شمالي المسجد وضمها إليه، وبنى في صحن المسجد حوض ماء يسميه المغاربة ( ماجلاً) كما بني مئذنة للمسجد في منتصف جداره الشمالي على بئر تعرف ببئر الجنان.

وفي سنة 155 هـ قام      يزيد بن حاتم عامل الخليفة العباسي المنصور على افريقية بإصلاح وتجديد زخارف المسجد.

وبقي المسجد هكذا إلى أن جاء ثاني أمراء الأسرة الأغلبية زيادة الله بن الأغلب ـ وكان تولى إمارة افريقية ـ فأخذ سنة 221هـ في هدم أجزاء كثيرة من المسجد بما فيها أسقف الجامع، ثم أقامها من جديد بعد أن رفعها عما كانت عليه، وبني على اسطوانة المحراب قبة زخرفها، وجعلها لوحات رخامية رائعة، ولما أراد أن يهدم المحراب عارضه الفقهاء، وقالوا: إن  من تقدمك توقفوا عن ذلك لماّ كان واضعه عقبة بن نافع ومن كان معه. وقال له بعض البنائين: أنا أدخله بين حائطين فيبقى دون أن يظهر في الجامع أثر لغيرك، فاستحسن ذلك، وبنى المحراب الجديد بالرخام الأبيض المخرم الذي يطل منه الناظر على محراب عقبة الأساسي.

وقد أكثر من العناية بالمسجد حتى قيل: إنه أنفق عليه 180 ألف مثقال غير نادم ولا مستكثر. بل كان يقول: ما أبالي ما قدمت على ربي يوم القيامة وفي صحيفتي أربع حسنات: بنياني المسجد الجامع بالقيروان، وبنياني قنطرة أبي الربيع، وبنياني حصن مدينة سوسه، وتوليتي أحمد بن محرز قاضي أفريقية.

وفي بيت الصلاة في مسجد عقبة بن نافع 414 عموداً من الرخام تحمل عقود أروقته السبعة عشر.أما الساريتان (العمودان) الحمراوان اللتان كانتا زينة مسجد يزيد بن حاتم فقد وضعتا أمام المحراب وما زالتا باقيتين إلى اليوم.

وفي عام 248هـ قام أحمد بن محمد أبو ابراهيم الأغلبي بتزيين جدران المحراب بالقراميد الخزفية واللوحات الرخامية، وكذلك فعل بالمنبر.

ثم في عام 261هـ قام هذا الأمير نفسه فزاد في طول الجامع، وبنى القبة المعروفة بباب البهو، وأقام المجنبات التي تدور حول الصحن. وبذلك وصل الجامع إلى أوج جماله.

وفي عام 441هـ أعاد  المعز بن باديس بن زيربى السني تجديد المسجد وترميمه، وصنع له المقصورة الخشبية التي لا تزال منصوبة إلى اليوم بجوار المحراب.

    كما أن الحفصيين أعادوا أيضاً تجديده بعد الغزوة الهلالية.

 
مقاييس المسجد:

ولا يزال مسجد عقبة بن نافع في القيروان إلى اليوم محتفظاً بمقاييسه الأولى التي كان عليها أيام ابراهيم بن أحمد الاغلبي، وهو من أكبر المساجد الجامعة الباقية في الإسلام وأعظمها مظهرا.

إذ يبلغ طوله (126) متراً وعرضه (77) مترا.

وطول بيت الصلاة (القبلية) فيه (70) مترا وعرضه حوالي (38) مترا.

وصحنه المكشوف واسع فسيح طوله (67) وعرضه (56) مترا.

ولهذا الصحن مجنبات عرض كل منها نحو ستة أمتار وربع المتر، وتنقسم المجنبة إلى رواقين.

أما بيت الصلاة فعميق يغطي نصف مساحة المسجد تقريبا، وهو يمتاز بالضوء الذي يفيض فيه، والاحساس القوي الذي يأسر الإنسان إذا وقف تحت قبة المحراب وتأمل العقودَ الجميلة والجدرانَ الرخامية المزينة من أعلى بوحدات زخرفية في غاية الجمال.

 
ركائز جمالية:

ويدعم جدران المسجد الشرقية والغربية من الخارج ركائز ضخمة ملاصقة للجدران، وظيفتها ليس كما يتبادر إلى الذهن دعم البناء وتحمل الضغط التي تمارسه عقود بيت الصلاة، لأن هذه الركائز أقيمت في مواضع بعيدة عن نقط امتداد العقود ومراكز اندفاعها، وأنما الغرض منها ـ يضيف الاستاذ السيد عبدالعزيز سالم ـ أن تتمشى في مظهرها مع الدعائم البارزة التي تكتنف أبواب المسجد، فتضفي عليه جمالا، لأن هذه الدعائم لو تركت بمفردها لظهرت كأنها زيادات منفرة تشوه المظهر الجمالي للمسجد من الخارج.

 

المئذنة الفريدة:

ويتميز جامع عقبة بن نافع بمئذنته الفريدة التي تعتبر من نوادر المآذن وأجملها. بل إن  المآذن التي بنيت بعدها في المغرب المسلم شاكلتها واقتدت بها، كمئذنة جامع سفاقس، ومآذن جوامع تلمسان واغادير والرباط والقرويين، عدا عن مآذن بعض المساجد في الشرق كمئذنة مسجد الجيوشي في مصر.

وتتكون هذه المئذنة الرائعة من ثلاث طبقات كلها مربعة الشكل، إلا أن الطبقة الثانية أصغر من الأولى، والثالثة أصغر من الثانية، وفوق هذه الطبقات الثلاثَ التي يصل ارتفاعها الكلي إلى 5،31 متراً تربض قبة مفصصة، حتى يخيل إلى الناظر أن المنارة ليست سوى برج ضخم عال جميل...

وهذه المئذنة تقع في الحائط المقابل لجدار القبلة آخر الصحن المكشوف، وضلع طبقتها الأولى المربعة من أسفل يزيد على 5،10 متر مع ارتفاع يقارب( 19 ) مترا، وقد بنيت الأمتار الثلاثة والنصف الأولى منه بقطع حجرية ضخمة مصقولة، بينما شيد بقية جسم المئذنة بقطع حجرية مستطيلة الشكل كقوالب الأجر.

ولها باب عرضه متر وارتفاعه (85،1)م.

وتزدان جدران الطابق الثاني من مئذنة عقبة بطاقات ثلاث مسدودة ومعقودة في كل وجه من أوجه المئذنة، في حين يزدان كل وجه من أوجه الطابق الأعلى بنافذة حولها طاقتان مسدودتان، ويعلو الجدار الأعلى من كل طابق شرفات على هيئة عقود متصلة ومفرغة وسطها.

وللمئذنة فتحات تظهر ضيقة من الخارج متسعة من الداخل للإنارة والتهوية، وتعلوها  من خارج المئذنة عقود تشبه حدوة الفرس لتخفيف الضغط.

ويدور بداخلها سلم ضيق يرتفع مع ارتفاع البناء ويتناسب مع حجمه، فكلما ارتفع ضاق.

ويرى بعض الأثر بين أن هذه المنارة الضخمة لم تبن دفعة واحدة، بل إن الجزء الأول منها "وهو الأضخم" بني في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك أيام واليه على القيروان بشر بن صفوان، ثم بعد فترة طويلة بني الجزءان الثاني والثالث فوق تلك القاعدة الضخمة.

 
ست قباب:

وفي مسجد عقبة بن نافع ست قباب:

الأولى: قبة المحراب، وهي أقدم قبة في المغرب كله، وقد تجلت فيها قدرة البناء المغربي المسلم على الابداع والزخرفة والنقش.

والثانية: قبة باب البهو على مدخل البلاط الأوسط من جهة الصحن، وفيها من العناية الشيء الكثير، كما أنها أضفت جمالاً وتوازناً على بيت الصلاة، حتى أصبح بناء القبتين في بيت الصلاة قاعدة ثابتة لدى المغاربة.

والثالثة والرابعة: قبتان تعلوان مدخل بيت الصلاة شرقاً وغرباً.

والخامسة : قبة تعلو المجنبة الغربية للمسجد.

والسادسة : تعلو فوق البرج الثالث من المئذنة.

 

زخارف في كل جزء:

وقد ازدانت بعض أجزاء المسجد بزخارف في قمة الأناقة والجمال، كزخارف المحراب والقبة التي فوقه.

       فالمحراب تكسوه زخارف نباتية نقشت على الرخام، وفرّغ ما بين رسوماتها ليترك
المجال لتسرب الضوء من بين الخروم، واللوحات الرخامية تتابع صفوفاً أربعة، في كل صف
 سبع حشوات، عرض كل منها 14سم، ويزدان ما بين صفوفها بكتابة كوفية منقوشة.

كذلك في الرخام نقرأ فيها ( بسم الله الرحمن الرحيم. قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم).

والمنبر كذلك يعتبر من أروع الأمثلة على الاتقان الذي بلغه في الحفر على الخشب في المغرب وفيه زخارف هندسية ونباتية، ويعود عهده إلى عام 248هـ.

وزخارف القبة نباتية بشكل عام، تتمثل في ساق متوسطة أو فروع متموجة، تتدلى منها أوراق العنب وعناقيده.

إن الناظر إلى المسجد من الخارج تتبادر إلى ذهنه صور الحصون الضخمة القديمة. فالجدران عالية سميكة مشدودة بدعامات واضحة، وفوق هذا البناء العملاق يرتفع برج المئذنة الشامخ، كأنه العين الساهرة التي تراقب المغرب وترفع فيه صوت الإسلام ... الله أكبر الله أكبر.

 

 

 

 

 

جامع القرويين بفاس

 

تمهيد:

فاس... مدينتان ملتحمتان:

مدينة فاس مدينة مغربية متميزة ذات شخصية خاصة ينطق بها كل جزء فيها، ابتداء من المساجد والأسواق والساحات العامة، وانتهاء بالبيوت والاحياء والأزياء والعادات.

وهي في الأصل مدينتان، انشأ أولاهما الأمير إدريس بن عبدالله الحسني عام 172هـ، بينما أنشأ الثانية منهما ابنه إدريس الثاني بن ادريس الأول عام 192هـ، وسماها أولاً العالية قبل أن يغلب عليها اسم فاس.

ثم بعد مرور الزمن واتساع البنيان وكثرة السكان اتصلت المدينتان لتصبحا مدينة واحدة ذات عَدْوتين(أي جانبين) عدوة الأندلسيين نسبة إلى جالية اندلسية سكنتها، وعدوة القرويين نسبة إلى جالية من أهل القيروان.

جامع الشرفاء... من قبل:

وجامع القرويين في فاس ـ كغيره من بيوت الله التي تملأ طباق الأرض ـ يقدم لنا صفحات مطوية من التاريخ السياسي والاجتماعي والديني للجماعات التي مرت عليه.

وأول من بنى جامع القرويين هو ادريس الثاني عندما تحول إلى فاس من مدينة(وليلى) ليتخذ فاس عاصمة له ومركزاً لجماعته، وذلك عام 192هـ.

وكان جامع القرويين في نشأته صغيراً بسيطاً اطلق عليه أولاً اسم جامع الشرفاء.

وكان موقعه في عدوة القرويين، في مقابل جامع الاشياخ الموجود في عدوة الأندلسيين من مدينة فاس...

وليس بين أيدينا معلومات أكثر عن هذا المسجد في مرحلته الأولى هذه... فقد قفزت المراجع التي أرخت لجامع القرويين مباشرة إلىعام 245هـ لتذكر لنا أن مدينة فاس شهدت مع المغرب العربي إذ ذاك رخاء اقتصادياً واستقراراً سياسياً في أوج الدولة الادريسية، فاتسعت رقعتها، ووفد إليها الناس من عرب وبربر من كل فج عميق، مما أدى إلى تزاحم الناس في جامع القرويين، وحاجتهم الماسة إلى توسعته ليتناسب والأعداد الوفيرة التي تؤمه كل جمعة وعيد ومناسبة.

 

فاطمة بنت محمد بن عبدالله الفهري:

وكان من ضمن هؤلاء المهاجرين إلى فاس رجل عربي من القيروان اسمه محمد بن عبدالله الفهري، كان ذا مال عريض وثروة طائلة، ولم يكن له من الأولاد سوى بنتين هما: فاطمة ومريم، أحسن تربيتهما واعتنى بهما حتى كبرتا، فلما مات ورثته ابنتاه ورأتا ضيق المسجد بالمصلين أحبتا أن تخلدا ذكر والديهما بخير ما درج عليه المسلمون باتخاذ المساجد سلماً للمجد. عمدت فاطمة بنت محمد بن عبدالله الفهري إلى مسجد القرويين فأعادت بناءه مما ورثته من أبيها عام 245هـ، وضاعفت حجمه بشراء الحقل المحيط به من رجل من هوّارة، وضمت أرضه إلى المسجد، وبذلت مالاً جسيماً برغبة صادقة حتى اكتمل بناؤه في صورة بهية وحلية رصنية.

 

صورة مفصلة لعمل جليل:

وينقل لنا الجزنائي شيئاً عن العمل في ذلك فيقول: فَحُفر في أرضه، وأخذ منها التراب والكذان لبنائه، وحفر بها بئر لأخذ الماء لبنائه، ونصبت قبلته على نحو قبلة جامع الشرفاء الذي أسسه الإمام ادريس.

ويصفه لنا الدكتور السيد عبدالعزيز سالم فيقول: وكان هذا الجامع الأول يتألف من قسمين: بيت الصلاة والصحن.

وكان بيت الصلاة يشتمل على أربع بلاطات عرضية تمتد من الشرق إلى الغرب، تتوسطها بلاطة وسطى أكثر ارتفاعاً من البلاطات العرضية الأخرى.

وكان طول بيت الصلاة من الشرق إلى الغرب حوالي 30 مترا.

ويقول الدكتور حسين مؤنس: فتضاعف حجمه، وزاد بيت الصلاة عمقاً بما أضيف إليه من العقود الجديدة ( الاساكيب) ووسع الصحن أيضاً، وأعيد بناء المجنبات.

وأنشىء للجامع محراب ومنبر جديدان.

وبنيت المئذنة التي ما زالت تستوقف الأنظار ـ إلى اليوم ـ بارتفاعها الشامخ وخطوطها الهندسية الرائعة.

 

مريم... أخت فاطمة:

وقبل أن نستطرد في سرد تاريخ جامع القرويين لنا وقفة عابرة مع شقيقة فاطمة الفهرية (مريم) فإنها لم تكن بأقل من أختها ديانة وبراً بوالدها.

فكما عنيت فاطمة بجامع القرويين خير عناية فقد عنيت الأخيرة بالجامع الآخر لفاس (جامع الاشياخ) فجددت عمارته، وأنفقت عليه من إرثها من أبيها الشيء الكثير، لتبرهن على أصالة المرأة المسلمة وثمار حسن تربيتها اليافعة.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).

 

في أيام بني زناته:  

وظل جامع القرويين بفاس على ما بنته السيدة فاطمة الفهرية، ردحاً من الزمن إلى أن زالت دولة الادارسة من المغرب، وقامت دولة بني زناتة، وتوطد حكمهم، فكان مما عملوه أن الأمير  أحمد ابن أبي بكر وسع الجامع من الشرق مسافة خمسة عقود، ومن الشمال مسافة أربعة عقود  فأعطت هذه الزيادة لجامع القرويين مزيداً من الاتساع والجمال.

إضافة إلى أن هذا الأمير أعاد بناء المئذنة الجميلة فأصبح كل ضلع من أضلاعها نحو خمسة أمتار، وارتفاعها أربعة أمثال قاعدتها أي حوالي عشرين مترا، وجعل بابها من جهة الجنوب، وبناها من الحجر المنحوت المحكم وركب على رأسها فوق القبة التي تختم المئذنة تفاحات حجرية صغيرةً مموهة بالذهب تنتهي تبركاً بسيف الإمام ادريس الثاني الذي أنشأ عدوة القرويين وكساها بالقاشاني فاكتسبت جمالاً يأخذ بالألباب.

 

الدور المريني:

وقد أعيد ترميم هذه المئذنة وتجديدها عام 688هـ على يد السلطان المريني أبي يعقوب يوسف بن عبدالحق، الذي أمر قاضيه على فاس أبا عبدالله بن أبي الصبر بإصلاحها وتبييضها من أموال أعشار الروم، فأتقن هذا القاضي كسوتها بالجص والجيار وسمر المسامير الكبيرة بين أحجارها ليثبت التلبيس والبناء، ثم صقلها بعد ذلك حتى أصبحت كالمرآة المصقولة لمعاناً وملاسة.

كما أتقن نوافذ المئذنة المتخذة فيها لإنارة داخلها، وزينها بشرافات على هيئة الأهرام حتى غدت عروساً مجلية على علو شاهق وسط فاس الجميلة.

 

وجهود طيبة للمرابطين:

أما جامع فاس نفسه فإنه عانى من الضيق بالناس مرة أخرى أيام دولة المرابطين، حتى كان الناس يصلون في الأسواق والشوارع والطرق المحيطة بالجامع، وكانوا يعانون من الحر صيفاً والبرد شتاء، فأمر الأمير علي بن يوسف قاضي القضاة عبدالحق بن عبدالله بن معيشة الغرناطي أن يزيد في المسجد، ويعتني به بنفسه.  فأضاف إلى المسجد عام 528هـ ثلاث بلاطات فأصبحت بلاطات، بيت الصلاة عشرا، وزود المسجد بمحراب ومنبر جديدين منقوشين في غاية الاتقان، وأعاد بناء الباب الغربي الكبير المعروف بباب الفخارين (وهو الذي يسمى اليوم باب الشماعين) وبنى على الباب قبة بداخلها نقش جميل بديع، وكسى جميع أبواب المسجد بالنحاس الأصفر، وجعل فوق كل باب قبة، إضافة إلى قبة فوق المحراب زينت بنقوش الذهب واللازورد، وأضاف الأصبغة، فبهرت الناس بحسنها ولألائها، وركب في شماسات القبة (شبابيكها المزخرفة) اشكالاً رائعة من الزجاج الملون...

وقد استغرق بناء المنبر مدة طويلة من الزمن، فلم يتم في عهد القاضي عبد الحق بل أتمه من بعده القاضي عبدالملك القيسي، وقد تولى صناعته وتركيبه الشيخ أبو يحيى العتاد من عود الصندل والأبنوس والنارنج والعناب، ويعتبر هذا المنبر من أجمل منابر الإسلام، ويرتفع بمقدار تسع درجات، وتزين جانبيه تشابكات رائعة متعددة الضلوع قوامها أشكال نجمية ذات رؤوس ثمانية.

وذكر المؤرخون أن الفقيه أبا عبدالله بن داود فرش صحن الجامع واعتنى به، وصنع بكراً وأشرطة غليظة ركبها في قلاع من شقاق الكتان في سعة الصحن، فإذا اشتدت حرارة الصيف شدت البكرات، فنصبت القلاع وظللت الصحن كله.

وقد اشترك في الأعمال المعمارية في جامع القرويين معماريون ومزخرفون استقدموا من الأندلس قبل سقوطه.

 

خوف من الموحدين... واخفاء للزخرفة:

ولا يفوتنا أن نورد هنا حالة خاصة لجامع القرويين في فاس تولدت من خوف أهل فاس على جامعهم من تشدد الموحدين، الذين لا يرون تزويق المساجد ولا زخرفتها ـ كما هو الأصل المطلوب في الإسلام ـ

فإن الموحدين لما دخلوا فاس عام 540هـ خاف فقهاء المدينة وأشياخها أن يأخذ الموحدون عليهم هذا الاسراف في النقش والزخرفة والتذهيب بالمحراب والقباب،.فأتى الحمامون وعمال البناء الجامع تلك الليلة على عجل، فنصبوا على ذلك النقش والتذهيب الذي فوق المحراب وحوله بالكاغيد، ثم لبسوا عليه بالجص وغسل عليه بالبياض ودلك حتى أخفت تلك الطبقة المصطنعة وراءها كل الزخارف والتنميقات فنجت من أيدي الموحدين، وحُفظت للأجيال من بعدهم، وقد أزيلت تلك الطبقة عام 1949 أي بعد حوالي ثمانمائة عام ونصف فظهرت النقوش والزخارف الزاهية كأنها رسمت بالأمس.

 

أرقام ومعلومات:

ومن المفيد أن ننقل هنا عن الحسن الوزان ـ أحد مؤرخي المغرب ـ ما ذكره عن مسجد القرويين. قال:

ومساحته نحو ميل ونصف باعتبار اضافة أبنية الطلاب الملحقة به، وله ثلاثة عشر باباً ضخمة البناء، ويبلغ طول الجزء السقوف من المسجد مئة وخمسين ذراعاً، ولا يقل عرضه عن ثمانين ذراعا.

وتحيط بالجامع من الشرق والغرب والشمال أروقة ذات أقواس عرض كل منها ثلاثون ذراعاً وطوله أربعون ذراعاً وفي أسفلها (أي أسفل الأروقة خزائن يودع فيها الزيت والمصابيح والحصر وغيرها.

وتوقد في الجامع في كل ليلة تسعمائة مصباح على كل قوس منها مصباح. وفوق الأقواس التي تشق وسط الجامع قبالة المحراب مائة وخمسون مصباحاً، وهناك ثريات من النحاس تسع ألفاً وخمسمائة مصباح اتخذت من نواقيس نقلها بعض ملوك فاس من كنائس النصارى.

 

مركز اشعاع علمي رائد:

ويضيف الدكتور حسن الإبراهيم  واصفاً الدورالعلمي الكبير لجامع القرويين في بث العلم ونشر المعرفة وإحياء الدين فيقول: وحول حيطان الجامع كراسي منصوبة مختلفة الأشكال، يجلس عليها العلماء المدرسون، الذين يعلمون الناس أمور دينهم ودنياهم، ويبدءون دروسهم قبل طلوع الشمس بساعة وينتهون في الساعة الواحدة بعد الزوال، وفي الصيف يبدءون في الساعة الثامنة مساء وينتهون في  الساعة الواحدة والنصف صباحا.  ويقومون بتدريس العلوم الدينية والعقلية والاجتماعية ويتقاضون رواتب عالية فوق ما يصرف لهم من الكتب والشمع للقراءة ليلا.

لقد غدا مسجد القرويين بما درج عليه منذ القديم من طرق التدريس المنهجية، ومراحل التعليم المتدرجة، وتخصيص كراسي الاستاذية، وشروط التعيين في وظائف التدريس، ومراسيم تعيين العلماء، ودرجات كل منهم، وما يمنحونه للطلبة من اجازات، مع ماحواه مسجد القرويين من مساكن للطلبة والأساتذة، وما في جوانبه من مكتبات ومراجع، وما دأب عليه من عادات وحفلات التخرج وابتداء التدريس، غدا بذلك كله جامعة حضارية عملية منذ تأسيس، قبل أن يتحول إلى جامعة دينية حديثة في الآونة الأخيرة لها نشاطها البارز المميز.

 

 

 

 

 

 

 

 

جامع قرطبة

تمهيد :

ليس لهذا المسجد ميزة دينية زائدة على أمثاله من سائر بيوت الله.. إلا أنه لقي من اهتمام أمراء الأندلس وخلفائها ما لم يلقه غيره من مساجد الدنيا.. اللهم إلا الحرمين الشريفين من مساجد الدنيا.

كما كتب عنه المؤرخون، ونعته الوصافون بما لم يكتب وينعت به مسجداً آخر في الدنيا، إلى الحد الذي كدنا لانصدق ماقيل، أو أن نعتبره مبالغة واضحة، لولا أن هذا المسجد لايزال ماثلاً للعيان شاهداً على صدق ماقيل عنه..

إنه المسجد الجامع في قرطبة، قمة من قمم الفن المعماري العالمي على مر العصور، وأروع الآثار الإسلامية الباقية على الإطلاق.

 

مسيرة طويلة... قبل الكمال:

ولقد استغرق بناء مسجد قرطبة حتى وصل إلى أوج كماله أكثر من قرنين ونصف القرن من الزمان، فقد بدىء في إنشائه على صورته الحالية أيام عبدالرحمن

الداخل سنة /170/ هـ واستغرقت المرحلة الأولى منه سبع سنين، بينما تمت المرحلة السادسة والأخيرة من بنائه أيام المنصور عام 377 هـ أي بعد مئتي عام.

فإذا علمنا أنه كان مسجداً قائما من قبل منذ أيام فتح الأندلس عام 92هـ، وأنه لم يفت أميراً في قرطبة توسيعُه والزيادة فيه إلى أيام المنصور، كان ماقلناه عن عمر بنائه حقيقة لاخيالا.

 

أسباب وجيهة وراء الاهتمام البالغ:

وكان مبعث اهتمام أهل الأندلس بجامع قرطبة وتعظيمهم له أن ثلة من خيار التابعين من رواد الفتح الأول للأندلس، وعلى رأسهم حنش الصنعائي التابعي الجليل،

هم الذين اختطوا المسجد، ووقفوا على تحديد قبلته باتجاه الكعبة المشرفة، بعد أن شاطروا النصارى نصف كنيستهم التي كانت في موقعه، والتي كات تسمى ( شَنْت بَنْجنت ) أي القديس منصور، فأخذوا نصفها وأبقوا لهم نصفها الآخر،  وكان المسجد في تلك المرحلة في منتهى البساطة.

ولما كثر المسلمون في قرطبة، ونزل فيها أمراء العرب من جند الشام ضاق بهم مسجد قرطبة، وجعلوا يعلقون منه سقيفة بعد سقيفة، ليؤمنوا للناس مكاناً مظللاً للصلاة فيه إلا أن مجموع تلك السقائف قد ضايق المصلين، وشوه المنظر، لتلاصقها وقصر أبوابها وتطامن سقفها، حتى مايمكن أكثر المصلين من القيام على اعتدالٍ لتقارب سقفها من الأرض.

 

الخطوات الأولى في الصرح المشيد:

وبقي الأمر هكذا طيلة ثمانين عاماً، إلى أن كانت إمارة عبد الرحمن بن معاوية المرواني المسمى بالداخل، بعد سقوط الخلافة الأموية في المشرق، فاشترى من النصارى النصف الآخر من كنيستهم، وهدم البناء القديم للمسجد، ورفع مكانه بناء جديداً، وصرف همته ليكون هذا المسجد الجديد الجامع في حاضرة ملكه (قرطبة)...تحفة فريدة من حيث بهاؤه ودقة زخارفه ورواء منظره.

فأرسل في طلب الأعمدة اللازمة له من قرطاجنة وايطاليا، كما طلب الرخام الموشى من أريوله واشبيلية في الأندلس ومن مدينة قسطنطينية، حتى اجتمع له الرخام الأبيض مع المرمر الشفاف الوردي أو الأخضر، حتى بلغ ما أنفقه ثمانين ألف دينار ذهبية،  غير مادفعه للنصارى ثمن كنيستهم وهو مئة ألف دينار.

 

مساحات وأبعاد البناء الأول:

وكان بيت الصلاة في مسجد قرطبة في بنائه الأول هذا يبلغ 75 متراً طولاً و65 عرضاً، يضاف إليه صحن فسيح  تعدل مساحته مساحة بيت الصلاة تقريباً.

وكان بيت الصلاة مكونا من 12 رواقاً موازيا لجدار المحراب وتسع أروقة عمودية على جدار القبلة وكان الرواق الأوسط أوسع من بقية الأروقة...

وقد عهد عبد الرحمن الداخل إلى عبد الله صعصة بن سلام ـ صاحب الصلاة في المسجد ـ بفرش صحن المسجد الجامع بالأشجار، حتى جاء بناء هذه المرحلة من المسجد رائعاً جميلاً، نتيجة تعدد ألوان الأعمدة والعقود، من جهة وارتفاع السقف فوق الأعمدة مع مانقش على الخشب الملبس على السقف من أيات قرآنية ورسوم زاهة بألوان بديعة... وقد استغرقت المرحة الأولى من جامع قرطبة ثلاث سنين.

 

تتابع الجهود بعد المرحلة الأولى:

وفي سنة172 هـ توفي عبد الرحمن الداخل فخلفه ولده هشام، فزاد في المسجد  صومعة ( منارة) بلغ ارتفاعها أربعين ذراعاً إلى وقوف المؤذن للأذان.

كما بنى بآخر المسجد سقائف لصلاة النساء وأمر ببناء الميضأة بشرقي الجامع..

ثم لما كانت خلافة عبد الرحمن الأوسط ـ رابع خلفاء بني أمية الأندلسيين ـ زاد فيه زيادتين: الأولى بسيطة، والثانية عام 234هـ عندما ضاق بالناس المسجد، وأخل كثير منهم بشهود الجمعة، فأمر بتوسعته من جهة القبلة بزيادة بهوين مسقوفين إلى ابهاء المسجد التسعة الأولى، وصيّر سعة كل بهو من هذين المزيدين تسعة أذرع ونصف.

وفتح في هذين البهوين بابين بسور المشرق والمغرب للمسجد فكملت أبواب الجامع السبع.

وصارت مقاييسه بعد ذلك 130متراً طولاً و75 متراً عرضاً بما في ذلك الصحن، كما صارت سواريه المضافة فقط ثمانين وصنع للمسجد محراباً جميلاً.

كما ابتنى في مؤخر صحن المسجد سقيفة شمالية لها ثلاث وعشرون سارية ليوسع بها مصلى النساء...

وقد قام ولده محمد بن عبد الرحمن من بعده باستكمال هذه التوسعة وزخرفة المسجد، وأضاف إليها المقصورة إلى يمين المحراب، والقنطرة العليا (الممر الخاص) فوق الشارع الرئيسي بين القصر والجامع، ليسلكها إلى المسجد  دون مرور في الشارع.

 

المنارة البديعة:

وفي سنة 340هـ بنى عبد الرحمن الناصر المئذنة الحالية محل المئذنة القديمة التي بناها من قبل هشام بن عبد الرحمن الداخل، وكانت هذه المنارة منذ القديم ولاتزال ـ من بدائع المنارات وغرائبها، ويقال لها: المنار الأعظم بقرطبة.

وقد حفر أساسها فبلغ به الماء،  ثم ارتفع في البناء على هيئة برج ضخم يرتفع حوالي خمسة وثلاثين متراً في الهواء، وعرض كل جانت من جوانبه 5ر8 متراً، وعدد أدراجها مئة وسبع أدراج، وأعجب مافيها أن نظام بنائها يقوم على أساس كتلتين من الحجارة، يتلف حول كل كتلة درج مستقل، لايرى من يرتقيه الآخرين على الدرج الثاني فيها، ولكل درج باب مستقل، فهي من الخارج منارة، ومن الداخل منارتان، يجمع بين درجيها بيت المؤذن في أعلى المنارة ، فكان المؤذن يدخل من باب الطريق، فيرقى المنارة ويؤذن، ثم ينزل من الدرج المفضي إلى داخل المسجد.

وفي أعلا المنارة سفود ركبت فيه ثلاثة تفاحات أو شمسات: ثنتان من ذهب خالص، والثالثة من فضة  اكسير، فإذا سطعت الشمس عكست التفاحات الثلاث أشعتها بقوة تُغشي النواظر، وتخطف ببريقها الأبصار.

كما أمر الناصر بعمل الظلة على صحن الجامع بقرطبة، وقاية للناس من حر الشمس، وأمر بترميم الجامع والعناية به عناية فائقة، حتى قال المقري نقلا عن ابن بشكوال بلغت النفقة في جامع قرطبة أيام الناصر إلى مائتي ألف دينار، وكان الذي يشرف على هذه الأعمال ابنه وولي عهده الحَكَم الملقب بالمستنصر، وقاضي الجماعة بقرطبة المنذر ابن سعيد، أما الذي نفذها فهو سعيد بن أيوب صاحب مباني الخليفة.

 

جامع قرطبة... أول قرارات المستنصر:

وبعد أن تولى الخلافة الحكم المستنصر عام 350هـ رأى مايعانيه المصلون من ضيق مسجد قرطبة ـ  على سعته بهم ـ

يقول ابن عذارى المراكشي: وافتتح خلافته بالنظر في المسجد الجامع بقرطبة، وهو أول عهد ( قرار سلطاني ) أنفذه، وقلد ذلك (أمر به) حاجبه وسيف دولته جعفر بن عبد الله الصقلبي، وذلك لأربع خلون من رمضان من سنة 350هـ وهو اليوم الثاني من يوم خلافته، وكان قطر قرطبة (محيطها) قد كثر به الناس، فضاق الجامع عن حملهم، ونالهم التعب في ازدحامهم، فسارع المستنصر إلى الزيادة فيه، فخرج لتقديرها وتفصيل بنيانها، وأحضر لها الأشياخ والمهندسين، فحدوا هذه الزيادة من قبلة المسجد إلى آخر الفضاء ماداً بالطول لاثني عشر عقدا، وكانت كل هذه الزيادة من الشمال إلى الجنوب خمسة وتسعين ذراعا ( حوالي 40 متراً) وعرضها من الشرق إلى الغرب مثل عرض الجامع سواء.

وقطع من هذا ساباط القصر ( القنطرة) المتخذ لخروج الخليفة إلى الصلاة إلى جانب المنبر بداخل المقصورة، فجاءت هذه الزيادة أحسن مازيد في المسجد قبل، وأشده واتقنه... وبهذه الزيادة وصل الجامع إلى ضفة النهر.

 

محراب قرطبة... لا نظير له:

وقد أضاف المستنصر إلى جامع قرطبة محراباً أجمع كل المؤرخين على أنه أجمل مافي مسجد قرطبة الجميل بل أجمعوا أنه أجمل محاريب الدنيا...

يقول المقري: والجامع الذي ليس في معمور الأرض مثله، فيه من النقوش والرقوم مالايقدر أحد على وصفه، وبقبلته صناعات تدهش العقول، وعلى فرجة المحراب سبع قسيّ قائمة على عمد، طول كل قوس فوق القامة، قد تحير الروم والمسلمون من حسن وضعها، وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة اثنان لازورديان وليس لهما قيمة لنفاستها.

ويتابع المقري واصفاً منبر جامع قرطبة فيقول: وبه منبر ليس على معمور الأرض أنفس منه ولا مثله في حسن صنعته، وخشبه ساج وأبنوس وبقم وعمود باقلّي، وقد استغرق صنعه سبع سنين.

وفوق المنبر شيد المستنصر قبة ضخمة جعلت فوق المنبر، وزخرفت بالفسيفساء الجميلة التي قام بها عمار مهرة متخصصون، أرسلهم قيصر القسطنطينية رومانوس الثاني كنوع من التودد والتقرب للمستنصر وشعبه، وهي واحدة من ثلاث قباب رائعة في بيت الصلاة.

قال لسان الدين الخطيب: إن المستنصر زين الجامع بالفسيفساء المجتلبة من قبل ملك القسطنطينية مع الصناع المحكمين لذلك، محاذياً  بفعله مافعله الوليد بن عبد الملك بمسجد دمشق، ففاق خدمُه ومماليكه في تعلم ذلك (صنعة وتركيب الفسيفساء) وبرعوا فيه إلى أن كمل ما أراده.

 

قنوات ماء... ومقاصير للخدمات العامة:

كما أضاف المستنصر إلى جامع قرطبة القنوات التي مدّ فيها الماء إلى السقايات والميضآت التي بناها ، وقد أوصل الماء إلى المسجد عبر قناة مدها من سفح جبل العروس قرب قرطبة، ليجري فيها الماء محفوظاً من كل دنس كما يفعل اليوم في مجاري مغلقة، ويقول فيها الشاعر محمد بن شخيص:

وقد خرقت بطون الأرض عن نطف        من أعذب الماء نحو البيت تجريها

وأضاف المستنصر كذلك عدداً من المقاصير، منها: مقصورة دار الصدقة غربي الجامع، وهي أشبه ماتكون بمركز لتوزيع الصدقات، ومقصورة أخرى قبالة الباب الغربي كان الفقراء يتخذونها مسكناً لهم،  ومقصورة ثالثة جعلها مكتباً لخطباء وواعظي الجامع وعماله.

وجعل حول الجامع ثلاثة مكاتب لمعلمي أولاد الفقراء، وبالغ في إكرام أولئك المؤذنين، وحبّس حوانيت السراجين بقرطبة عليهم  ليضمن دوام مرتباتهم.

وقد بلغت مساحة الزيادة المستنصرية ثلث المساحة الاجمالية للجامع، واستمرت قرابة أربع سنين من عام 351 ـ 355هـ.

 

آخر الزيادات في التحفة القرطبية:

وآخر الزيادات في جامع قرطبة العظيم زيادة المنصور ابن أبي عامر، فقد أولى هذه الرجل جامع قرطبة عناية خاصة فوق ماكان يحظى به من عناية أسلافه، حتى أطلق عليه بعض العلماء اسم جامع المنصور، وقد كان يشترك أحياناً بنفسه في أعمال البناء.

وقد تمت هذه الزيادة سنة 377هـ، وكانت بطول المسجد كله من ناحية الشرق، وتحرى فيها المنصور أن تتفق في الهيئة والروح العام من بقية بنيان المسجد فأعطت المسجد، عمقاً وسعة وجلالا، بعد أن بلغت أروقة المسجد الذاهبة إلى جدار القبلة 19 رواقاً وأصبح عدد أروقته الموازية لجدار القبلة 35 رواقاً، وأصبحت مقاييس المسجد 125 × 180 متراً أي 22.500 متراً مربعا، يشغل بيت الصلاة وحده منها أكثر من نصفها وهذا أضخم بيت صلاة بني في الإسلام.

وقد بلغت الأعمدة التي زادها المنصور وحده في جامع قرطبة 345 عموداً، أما مافي جميع المسجد فكان ألفاً ومائتين  وثلاثة وتسعين عموداً، من الرخام الجميل..

وأضاف المنصور إلى أعماله تلك تجديد الإنارة في الجامع، حتى بلغت الثريات التي تسرج داخل البلاطات ـ سوى مامنها على الأبواب ـ مائتان وأربع وعشرون ثريا، منها أربع معلقة في البلاط، أكبرها الثريا الضخمة المعلقة في القبة الكبرى التي فيها المصاحف حيال المقصورة، زعموا أن فيها وحدها ألفاً وأربعة وخمسون سراجا فقط.. كما وسع المنصور صحن المسجد بمقدار الثلث.

 

نشاط علمي رائد:

ولايفوتنا أبداً أن ننوه بوضوح إلى الدور العلمي والفكري الذي قام به جامع قرطبة في الأندلس في مختلف عصوره، حتى تحول إلى جامعة حقيقية يتحدث عن نشاطها علماء المسلمين وغيرهم، ومن هؤلاء المستشرق الهولندي دوزي الذي أطلق على الجامع اسم جامعة قرطبة، وأشاد برعاية المستنصر للعلماء من مختلف  الملل والنحل مسلمين وغير مسلمين وبيّن هذا المستشرق أن اغداقه على العلماء الأسبان ـ يعني المسلمين الأندلسيين ـ والأجانب ـ يعني النصارى ـ لم يعرف حدا، بل كان يشجع الجميع بمن فيهم الفلاسفة الذين طرحوا آراءهم  بكل حرية وجرأة.

وقال أيضا: أما جامعة قرطبة فقد كانت يومئذ أشهر جامعات العالم، وكان مركزها المسجد الجامع، وتدرس في حلقاتها مختلف العلوم، وكان يدرس الحديث أبو بكر بن معاوية القرشي، ويملي أبو علي القالي دروسه عن العرب قبل الإسلام وعن لغتهم وأمثالهم، وكان ابن القوطية يدرس النحو، وكان الطلبة يفدون بالآلاف.

وكان عدد العاملين في جامع قرطبة والمتصرفين فيه (أي عدد الإداريين والعلميين) من أئمة  وخطباء ومقرئين ومؤذين وسدنة وموقدين وخدم مائة وتسعة وخمسين شخصا.

 

الأسبان... يعاقبون جامع قرطبة:

ولايفوتنا ونحن نختم الحديث عن أروع قطعة فنية معمارية تركها المسلمون شاهدة على مدى حضارتهم وتقدمهم، أن نذكر بكل أسى وحسرة أن الأسبان عندما دخلوا قرطبة غالبين عليها،  ألقوا القبض على جامع قرطبة بتهمة التوحيد والعبادة، فحولوا بعض أجزائه بصورة شاذة، إلى كاتدرائية، كما عاقبوا منارته الرائعة البديعة على تهمة الأذان والتكبير فحولوها إلى برج للنواقيس، كما بالغوا في تتبع نشاطه العلمي الفكري فألغوا كل حلقة علمية، وطاردوا كل مدرس مختص، وأغلقوا كل كتاب مفتوح فيه.. وتلك لعمري شواهد إثبات على الهمجية والحقد.

وما يزال مسجد قرطبة الجميل حبيس آسريه، يذرف الدمع ويفجره في مقلة كل مسلم.. لقد كان بمساحاته وأعمدته، وقبابه ومنارته، وزخارفه ورسوماته، وكل الأعمال المدهشة التي فيه، يستحق من الوصف أكثر مما قاله فيه الكاتبون والمؤرخون، وهذا يدل على أن يد البناء المسلم وهي تطوّع الحجر الأصم أقدر من لسان الكاتب البليغ وقلمه وهو ينسخ حروف الكلمات وتراكيبها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مسجد قبة الصخرة

تمهيد :

ليس للصخرة المشهودة في بيت المقدس (القدس) ميزة دينية محضة، سوى ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما عرج به إلى السماء من بيت المقدس ابتدأ معراجه منها، فهي لهذا بقعة طاهرة مباركة، شأنها في ذلك شأن كثير من الآثار الإسلامية الطيبة التي ذكرت في السيرة النبوية العطرة، كغار حراء وغار ثور، أو ذكرت في سيرة الأنبياء السابقين، كمقام إبراهيم  الذي في جوار الكعبة المشرفة.

وليس معنى أنه لا مزية دينيةً لها أنها لا تستحق الاهتمام والعناية‍. كلا، فلقد كان عهدنا دائماً وأبداً بالأمة الإسلامية الالتفات إلى الآثار الباقية من الرجال الصالحين أو الأيام الصالحة، لتبقى منها العبرة حية والذكرى قائمة..

وأكبر دليل على ذلك ما ذكر، ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أول من فكر في حماية الصخرة التي ذكر أن معراج رسول الله صلى الله عليه وسلم كان منها، فأمر بإنشاء ظلة من الخشب فوقها، وأن هذه الظلة بقيت في مكانها حتى جاء عبد الملك بن مروان، فرأى أن يستبدل بها عملاً فنياً معمارياً يتناسب مع ما للصخرة في قلوب المسلمين من  مقام .

 

شبهات باطلة مردودة:    

ويؤكد الدكتور حسين مؤنس أن موضع الصخرة لم يكن من قبل مكاناً لكنيس
يهودي، فإن هذه الصخرة نفسها قمة بارزة في أعلى جبل موريا، وسطح هذا الجبل هو الحرم القدسي الشريف، الذي يضم المسجد الأقصى وقبة الصخرة ومشاهد اسلامية أخرى..

كما يؤكد أنه ليس هناك ما يثبت أن موضع الصخرة يبين مشهد شروع إبراهيم عليه السلام في التضحية بابنه إسماعيل عليه السلام. وفداء الله إياه بكبش عظيم..

كذلك ـ يتابع قوله ـ ليس بصحيح ما يقال من أن عبد الملك بن مروان أنشأ القبة ليجعلها موضعاً لحج المسلمين عوضاً عن الكعبة المشرفة، وذلك لأنه من غير المعقول أن يقوم خليفة مثل عبد الملك، في علمه ودينه، بتحويل الحج الذي هو ركن من أركان الإسلام جاء النص فيه صريحاً في القرآن الكريم في كيفيته وأمكنته!!. ثم لمَ يفعلُ ذلك وقد آل أمر مكة المكرمة بعد مقتل عبد الله بن الزبير وبسط سيطرته عليها إليه؟!.

 

دوافع الاهتمام الزائد... ومظاهره:

ولكننا مع ذلك لا ننكر ما أورده المقدسي ـ وهو غير بعيد عن الصحة ـ في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم  قال:

إن عبد الملك عندما رأى قبة القيامة التي يحج إليها النصارى، خشي أن تؤثر ضخامة هذه الكنيسة في قلوب المسلمين، فاعتزم أن يبني قبة مثلها وأحسن منها، ونصب على الصخرة قبة كما ترى ..

والحقيقة الواقعة هي أن عبد الملك أحاط الصخرة ومبناها الجديد الرائع بعدما انتهى منه بهالة وإطار من المظاهر والطقوس عززت مقام الصخرة في قلوب الناس، وأكدت معاني كثيرة تنمو على سطح النفوس العامية الساذجة.

ذكر صاحب كتاب مثير الغرام في فضائل القدس والشام: أن القائمين على بناء قبة الصخرة عندما بنوها كانوا في كل اثنين وخميس يطحنون الزعفران ويمزجونه بالمسك والعنبر والماورد الجوري، ويخمرّون هذا المزيج ليلاً، وفي الغداة يأمرون الخدم فيد خل هؤلاء الحمام، فيغتسلون ويتطهرون، ثم يرتدون الثياب النظيفة، ويأتون إلى مسجد الصخرة حاملين ما تخمر بالأمس، وبعد أن يغسلوا الصخرة يأتون بجامر من الذهب والفضة فيها العود والند الممزوج بالمسك والعنبر فيرفعون الستور حول الأعمدة كلها، ثم يحملون البخور ويدورون حول الصخرة، ثم ينادي المنادي في صف البزازين (أي في السوق): ألا أن الصخرة قد فتحتت للناس، فمن أراد أن يأتي فيها فليأت، وكان يقف على كل باب من أبواب المسجد عشرة من الحجاب، ومتى دخله المصلون شموا رائحة البخور والمسك والعنبر..

بل أكثر من ذلك: كان عبد الملك الخليفة الأكبر يحمل عماله ( ولاته ) إلى الصخرة ليحلفوا عندها، قبل أن يباشروا أعمال ولاياتهم كأنه يريد بذلك أن يضمن ولائهم وأمانتهم.

 

معلم حضاري إسلامي:

ومنذ أن إنشئ مسجد قبة الصخرة كان عملاً فنياً مميزاً فريداً من نوعه، زائداً على أمثاله في الفخامة والبهرجة والاتقان. حتى توالت فيه كلمات المؤرخين.

فمنهم من يقول عنه هذا مبنى مساجدي فريد من بابه في عالم الإسلام.

ومنهم من يقول عنه: إنه دُرة الفن المعماري الأموي وأبدع آثاره، وهي أيضاً احدى درر الفنون الإسلامية.

ويقول عنها آخر: لم أر في الإسلام، ولا سمعت أن في الشرق مثل هذه القبة.

بل قال المستشرق الانجليزي ( هايتر لويس ) في كتابه ( الأماكن المقدسة ) إن مسجد الصخرة بلا شك أجمل الأبنية الموجود فوق هذه البسيطة ، لا بل إنه أجمل الآثار التي خلدها التاريخ.

 

البداية الأولى... مع رجاء ويزيد:

بدأ بناء مسجد الصخرة سنة 66 هـ بأمر من الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وقد عهد بمباشرة العمل إلى عالمين جليلين، من ذوي الخبرة في هندسة البناء إضافة إلى خبرتهما وعلمهما الديني هما رجاء بن حيوة من بيسان شمالي فلسطين، ويزيد بن سلاّم من أهالي القدس، فقاما أول الأمر بتصميم المبنى... ويؤثر عن بعض الكاتبين أن عبد الملك أعطى تصوراته وتخيلاته للمهندسين المذكورين، فصنعا له نموذجاً بحجم كبير (مجسماً) في مكان يقال له السلسلة، فلما أعجب به عبد الملك نفذ المبنى على نمط ذلك المجسم.

ولأن الخليفة يعلم كم تكلف مطالبه في فخامة المبنى ودقة اشغاله من أموال فقد رصد خراج مصر لمدة سبع سنوات على هذا المشروع.

وهكذا استمر العمل فيه من عام 66هـ إلى عام 72هـ، ويؤكد هذا ما نقش على إحدى قناطر القبة من كتابة تقول ( بنى هذه القبة عبد الله عبد الملك به مروان أمير المؤمنين في سنة اثنين وسبعين تقبل الله منه ورضى عنه. آمين.

 

شكل الصخرة المشرفة:

أما الصخرة التي أقيم المبنى حولها والتي منها بدأ معراج النبي صلىالله عليه وسلم إلى السماء، فهي شكل غير منتظم من الحجر قريب من نصف دائرة، أطوالها 56 قدماً طولاً 42 قدماً عرضاً، ومن أسفلها يوجد كهف مربع تقريباً طول ضلعه 4.5 متر بعمق 1.5 متراً، ويوجد في سقف هذا الكهف ثقب أو فتحة قطرها متر واحد تقريباً.

المبنى يتمحور حول الصخرة:

ونستطيع ابتداء من الصخرة المشرفة هذه، أن نسجل وصفاً للمبنى الذي يتمحور حولها من الداخل.

إذ تقوم دائرة  اسطوانية الشكل من البوائك ( صف من العقود المحمولة على أعمدة رخامية عددها 16 عموداً وأربعة دعائم، تلتف حول الصخرة، ثم ترتفع في الهواء، لتحمل رقبة من البناء بها 16 شباكاً.

وهذه الرقبة جدار مستدير مرتقع مجصص،  ومزين بنقوش وزخارف بيزنطية الطابع، وزجاج شماساته ملون، والفراغات بين الشبابيك مغطاة بالزخارف، والقبة تقدم فوق ذلك كله..

وإذن فالقبة لا تعتمد على الجدار الخارجي لمسجد الصخرة كما هو معروف في عامة المساجد، بل إن عقود الأعمدة ( البائكة المستديرة ) هي الحاملة للقبة.. وتدور ما بين الأعمدة فوق الأرض ستارة من الخشب الملبس بالنحاس تحول بين الناس والصخرة.

 

المطاف الداخلي... والمطاف الخارجي:

ويوجد بين الأعمدة المحيطة بالصخرة وجدار المسجد مسافة واسعة نسبياً تلتف حول الصخرة بشكل دائري، لتفسح المجال لمن أراد النظر إليها أن يلم بها من جميع أطرافها، ويسمى المطاف الداخلي.

وخلف هذه الفسحة المحيطة بالصخرة مجموعة أخرى من العقود والدعائم، وعددها 24 عقداً، محمولة فوق ثمانية دعائم وستة عشر عموداً، بواقع عمودين بين كل دعامتين تحيط بالبائكة الأولى، لتشكل خلفها بائكة أخرى مثمنة الشكل،، متوسطة في ساحة المسجد دائرة حول الأعمدة المحيطة بالصخرة، لتكون المطاف الخارجي.

 

مسجد مثمن الشكل فريد:

ويحمل هذا المطاف سقفاً جمالونياً يميل قليلاً إلى الخارج. ومن وراء تلك البائكة تأتي جدران مسجد الصخرة، وهي المسماة بالمثمن الخارجي، ويعتبر في ذلك الشكل مسجداً فريداً من نوعه بين المساجد.

وطول كل ضلع من تلك الأضلع الثمانية 20.5 متراً، وارتفاعها 9.5 متراً، وسمكها 1.30 متراً.

ويحمل هذا الجدار الخارجي في أعلاه سقفاً خشبياً مسطحاً تقريباً، يميل إلى الخارج بميل يتماشى مع ميل جمالون المطاف السابق. وتغطي السقف الخشبي طبقة من الرصاص.

وبواسطة الميلان يتم تصريف مياه الأمطار التي تتجمع على السطح، وذلك من خلال 48 ميزاباً ( سته في كل ضلع من الأضلاع الثمانية ) وهذه الميازيب موجودة داخل سور السطح الذي يرتفع قرابة 2.6 متراً .

 

أبواب ومداخل جميلة:

ويوجد في الجدار الخارجي المثمن أربعة أبواب في الاتجاهات الأصلية، وأمام كل باب هناك مدخل مكون من سقفية ذات سقف برميلي في الوسط، وأجناب السقفية مسطحة، وفتحات الأبواب مسافاتها 2.6 متر عرضاً، و4.3 متر أرتفاعاً، ولها عتبات  من الخشب المجلد بالبرونز.

والأبواب كانت من حشوات خشبية مشغولة بأنواع جميلة من الزخرفة. وأسماء تلك الأبواب: باب القبلي، وباب اسرائيل، وباب الصور، وباب النساء وهو إلى الغرب.

وجميع تلك الأبواب مذهبة وكانت قد أمرت بهن أم المقتدر بالله العباسي فصنعن بأمرها.

 

القبة الشهيرة والهلال الضخم:

وأما قبة مسجد الصخرة وهي أكثر الأشياء لفتاً للنظر من الخارج. فهي مصنوعة من الخشب.

وهي قبة مزدوجة أي عبارة عن قبتين متراكبتين: داخلية وخارجية، يتكون كل منهما من 32 ضلعاً من الخشب على شكل القوس أو فص البرتقال، ويربط أضلاع كل قبة منهما قرص من أعلى.

وهناك مسافة بين القبتين تسمح بمرور انسان، ليسهل التنظيف بواسطة باب القبة الداخلية وللقبة من الخارج مجراة لتصريف مياه الأمطار.

وتغطي القبة الخارجية ألواح من الرصاص، ثم ألواح من النحاس الأصفر اللماع، فإذا بزغت عليها الشمس أشرقت القبة وتلألأت المنطقة ورأيت شيئاً عجيباً.

وقطر قبر مسجد الصخرة من الداخل 20متراً و 30 سم وارتفاعها 20متراً و50 سم.

والقبة الحالية ليست هي التي بناها عبد الملك بن مروان مؤسس بناء مسجد الصخرة، بل يرجع تاريخها إلى سنة 413هـ، عندما رممها وأعاد تجديد هيكلها الخشبي الخليفة الفاطمي الظاهر. وفوق القبة يرتفع هلال ضخم كان الصلبيون قد استبدلوا بصليب خلال فترة احتلالهم للقدس في العصور الوسطى بعد أن حولوا مسجد الصخرة كله عام 493هـ إلى كنسية، وبنوا على الصخرة مذبحاً باسم هيكل السيد العظيم.

 

جهود الخلفاء على مر العصور:

وقد توالت عناية الخلفاء والأمراء والملوك على مسجد الصخرة منذ بنائه حتى الآن.

ففي السنة السادسة والثمانين للهجرة استخرج الوليد بن عبد الملك ما على القبة من ذهب وسكه نقوداً، أنفقت على ترميم المسجد وقبته. ثم في سنة 216هـ رممه الخليفة المأمون بعد زيارته له.

وفي سنة 301هـ أمرت أم الخليفة المقتدر بصنع الأبواب الجميلة الرائعة.

وفي سنة 413هـ رممه الظاهر لإعزاز دين الله.

وفي سنة 669هـ  وما بعدها توالى على عناية العناية بنقش قبة وزخرفتها ملوك الأيوبين.

وفي عام 789هـ أمر الملك الظاهر برقوق نائبه على القدس بتجديد السدة، وأوقف عليه.

وكذلك أوقف عليه الأمير أرقماز عام 836هـ.

وفي عام 872هـ أمر الملك الأشرف قايتباي المحمودي بصنع الأبواب النحاسية.

وفي سنة 945هـ أمر السلطان العثماني سليمان بعمارة الباب الشمالي. وصنع له 26 نافذة من الذهب، و3 أبواب من النحاس.

وهكذا حصل في أيام السلطان أحمد سنة 1020هـ حيث وضع قنديلين منقوشين رائعين، معلقين بسلاسل الذهب الخالص في القبة. ويستمر الترميم إلى سنة 1958م عندما قامت لجنة كونها الملك حسين ملك الأردن بترميم القبة وتجديد خشبها، واستبدلت بالرصاص القديم ألواحاً من الألمونيوم المذهب والبلاتين، وقامت كذلك بتقوية أساسات المسجد ونزعت الأعمدة التالفة ووضعت مكانها أعمدة جديدة.

 

الزخرفة التي لا مثيل لها داخلياً وخارجياً:

والحديث عن زخرفة مسجد الصخرة يطول ويطول... فلا تكاد ترى فيه سقفاً أو عموداً أو حائطاً أو عقداً أو تاجاً أو شبراً في أي مكان إلا وهو ينطق بالابداع، ويفصح عن المدى العظيم الذي بلغه البناء والفنان المسلم.

وعلى سبيل المثال فالجدران الخارجية كلها ملبسة بالرخام الأبيض اللامع إلىارتفاع النوافذ، ثم تغطى بعد ذلك بترابيع الفسيفساء ذات البريق الزجاجي والقاشاني التركي الذي يرجع إلى سنة 1554م.

أما من الداخل فيصفها الأستاذ عبد الغني محمد عبد الله يقول: كل حوائط المثمن ودعائم وأعمدة المثمن الأوسط والأسطوانة مجلدة بالرخام، ومزخرفة من فوق ذلك بالفسيفساء الملونة والتي تجمع كثيراً من الألوان: البنفسجي، الأسود، الأحمر، الرمادي، الأزرق، الأخضر، الفضي، والذهبي، مكونة أشكالاً مختلفة من الأوراق النباتية والثمار والأشجار والعناقيد وأوراق (الاكنتس) وفروع تلتلوي وتنثني حلزونية، مما دعا البروفيسور (بريش) إلىأن يتساءل مندهشاً بدقتها وجمالها عما إذا ما كان الفنان المسلم قد قصد بها تصوير الجنة...

ومع هذه النقوش هناك ايضاً رسوم ونقوش على شكل آنية الزهور وقرون الحياة ورسوم الأهلة والزهور والحلي مع أشرطة كتابات وزخارف هندسية ذلك كله في تناسق بديع وتجانس في الألوان رائع.

 

تعفف ومروءة:

ولا يسعنا إلا أن نذكر أن الخليفة عبد الملك بن مروان الباني الأول لمسجد الصخرة استبقى من المال المخصص لبناء مسجد الصخرة عشرة آلا ف دينا ر (ويقال مئة ألف دينار ) جائزة لمصممي ومنفذي مسجد الصخرة رجاء بن حيوة، ويزيد بن سلام، إلا أنهما رفضا ذلك، ورداه متعففين عن أخذ شئ بنياه لله، فأمر بسبك الدنانير ذهباً خالصاً وزين بها القبة والأبواب.

 

 

 

 

جامع الكتبية بمراكش

 

تمهيد :

استطاع الموحدون أن يحاصروا مراكش مركز المرابطين وعاصمتهم، وبعد سبعة أشهر من الحصار الشديد والمنازلة العنيفة ــ        وفي أعقاب خيانة فرقة الروم إحدي فرق المرابطين  ــ سقطت البلدة بأيدي الموحدين، وسقطت معها دولة المرابطين.

 

من أجمل مدن الدنيا:

وابتدأ في عام 541 هـ عهد الموحدين بقيادة عبد المؤمن بن علي أول خلفاء الموحدين عصر جديد لمراكش .. أجمل مدن المغرب بل أجمل مدن الدنيا .

ويؤكد على ذلك العالم البحاثة الدكتور حسين مؤنس مبرراً ذلك بقوله: ( فهي تقوم في وسط سهل صحراوي وكأنها واحة حضارية وسط السكون المترامي من حولها. ومبانيها التي يغلب عليها اللون الأحمر البرتقالي ـ تترك في النفس وقعاً لا يمحى، وشوارعها واسعة مشرقة تشرح النفس، والخضرة تطل عليك في كل مكان ، فتبدو وسْط المباني البرتقالية أشد خضرة وأزهى ألواناً .

ومراكش تمتاز بمساجدها ومدارسها وروضاتها الأثرية، ثم القطع الباقية من أسوارها القديمة. ولكن درتها الكبرى هي مسجد الكتبية الذي يكاد أن يكون مدرسة للفن أو متحفاً للابتكار المعماري جمع كل عجيبة.

 

لاتدخلوا مراكش حتى تطهروها:

وتبدأ قصة بناء مسجد الكتبية منذ الأيام الأولى لانتصار الموحدين على المرابطين.

فقد أبى كثير من الموحدين دخول البلدة أو الاستقرار فيها بمعنى أدق. لأنهم كانوا يسمعون مؤسس دولتهم المهدي ( ابن تومرت ) يقول لهم دائماً:

لا تدخلوا مراكش حتى تطهروها .

ولما التمسوا معنى تطهيرها لدى فقهائهم أجابوهم: إن مساجد مراكش فيها انحراف قليل في القبلة عن الجهة الصحيحة، فعليكم أن تبنوا مسجداً دقيق الاتجاه، صحيح القبلة فيها.

 

واحد من ثلاثة آثار خالدة:

وهكذا قام عبدالمؤمن بن علي أمير المرابطين بهدم مسجد قصر الحجر ذي القبلة الخطأ، وهدم الجامع الذي كان قد بناه علي بن يوسف بأدنى المدينة، ثم شرع في بناء جامع عظيم مكانه . هذا الجامع أطلق عليه اسم جامع الكتيبة.

وجامع الكتبية الذي ابتدأ بناؤه عام 548هـ يعتبر واحد ثلاثة آثار معمارية كبرى في دولة الموحدين... وهذه الآثار هي: رباط تازا، وجامع تيمنلل، وجامع الكتبية.

وإذا كان رباط تازا متقدماً في زمن بنائه فإن جامع تينملل وجامع الكتيبة أنشآ في وقت متقارب إلى حد بعيد.

 

 

فروا من الخطأ.. وفيه وقعوا:

ويذهب بعض الباحثين إلى أن الموحدين وقعوا أول الأمرــ رغم  حرصهم ــ في نفس خطأ المرابطين، حيث لم يصوبوا مسجدهم الجديد نحو القبلة بالدقة التي كانوا يرجونها، مما حملهم على بناء جامع آخر إلى جواره صحيح المحراب دقيق الاتجاه .

ولهذا فجامع الكتبية انشئ في ظن هؤلاء مرتين لا مرة واحدة..

يقول الدكتور السيد عبد العزيز سالم في كتابة القيم (المغرب الإسلامي): ويغلب على الظن أن الجامع الأول كانت قبلته منحرفة عن الاتجاه الصحيح نحو مكة. فكانت تميل كثيراً إلى الشرق، فاضطر عبد المؤمن إلى بناء جامع آخر صحيح القبلة إلى الجنوب من الجامع الأول، وبطبيعة الحال أمر بهدم الجامع الأول فيما بعد عندما أتم بناء الجامع الثاني.

وما تزال آثار الجامع الأول ظاهرة، وزخارف محراب هذا الجامع الأول تشبه كل الشبه زخارف محراب جامع تيمنلل.

 

أروع مآذن الإسلام:

ويحق لنا أن نبدأ الحديث عن وصف جامع الكتبية بما اتفقت عليه كلمة المؤرخين للمساجد، من أن أجمل ما في هذا الجامع  ــ بل أروع ما بقي لنا من مآذن المساجد القديمة كلها ــ مئذنة جامع الكتبية، وهي فعلاً من روائع الفن المعماري الإسلامي، وكانت في عصرها تمثل ما يشبه ناطحات السحاب في أيامنا.

فهي( أي المنارة ) عبارة عن بناء ضخم مربع الأضلاع، تتكون قاعدتها من ست طوابق من الغرف المقوسة أو الحنايا، يصل بينها درج لا مرقاة بها.

ومثل هذا الأسلوب من البناء ملاحظ في أكثر من مكان من آثار المغرب، كمنارة مسجد حسان بالرباط، وبرج مرض الخالدة في مدينة أشبيلية الأندلسية حيث يصعد فيه إلى أعلى أرض الدرج.. المائلة إلى الأعلى، وهي سهلة دون وجودٍ للدرج فيها.

وهذا الوضع المميز لدرج المنارة ما يساعد على استخدام الدواب في رفع الطين والآجر والجص وجميع ما يحتاجه البناؤون إلى أعلاها.

ومجموع ارتفاع المنارة إلى أعلى تفاحات ثلاثة تتوج قبتها يصل إلى 67.5 متراً، أي مايوازي عمارة من عشرين طابقاً. فيما طول كل جانب منها ـ وهي كما قدمنا مربعة ـ يبلع 12.5 مترا.

وجدرانها مطلية كلها بالجص الأبيض المائل إلى الأصفر الذي ينتشر في أبنية مدينة مراكش إلى اليوم.

وللمئذنة نوافذ وفتحات أملى توزيعها في جدران المئذنة تدرج السلم الداخلي، ومتابعة الصعود إلى أعلاها.

والنوافذ هذه ذات عقود من كل صنف ويدل تنوعها ــ من عقود منفوخة، إلى عقود مفصصة، إلى عقود مقربصة، إلى متقاطعة فيما بينها لتكون شبكة مُعينات في صحن المنارة (بيت المؤذن ) ــ يدل ذلك على عبقرية وأفق البنائين الذين خططوا ونفذوا تلك العقود.

أما زخرفة جدران المئذنة فيختلف من وجة لى آخر، وهي مغطاة بأفاريز متوالية من الزخرفة الدقيقة على شكل الأزهار وسعف النخيل، وهي في جمالها ودقتها تحير الألباب إلى الحد الذي دفع العالم الأثري الفرنسي هنري تيراس إلى القول بعد دراسة مستفيضة لتلك المئذنة .قال: إن نقوشها ونوافذها وزخارفها جديرة بأن تنشر في كتاب على حدة..

وفي أعلى مئذنة مسجد الكتيبة فوق القسم المنطلق من بيت المؤذن قبة مثمنة الشكل ذات أضلاع مقرنصات تكون مجموعة هندسية بديعة.

 

في بيت الصلاة.. قباب وأروقة:

       ولن يشعلنا الحديث عن المنارة الرائعة الحسن، البديعة المنظر، عن الحديث عن بيت الصلاة في مسجد الكتبية في مراكش ..

يقول الدكتور السيد عبد العزيز سالم: وجامع الكتيبة الحالي ضخم المساحة وهو مستطيل الشكل، جانبه الشمالي المشترك مع الجدار القبلي لجامع الكتبية الأول منحرف إلى الشمال الشرقي، وتصميم الجامع هو تطور منطقي ومتناسق لتصميم جامعي تازي وتيمنلل. فعلى جانبي بلاط المحراب نجد عدداً من البلاطات يعادل ضعف عدد بلاطات هذين الجامعين، ويعلو أسكوب المحراب خمس قباب مبنية من قطع الحجارة: واحدة أمـام المحـراب، واثنتـان علـى كل من الإسطوان الرابع التالي على يمين اسطوان المحراب ويساره، قبتان تعلوان الأسطوانين المتطرفين في نهاية أسكوب المحراب شرقاً وغرباً ويفصل بلاطات الجامع التسعة عن الزيادة الجانبية دعائم مصلبة الشكل تحدد تخطيط بيت الصلاة.

ويذكر الدكتور يوسف شكري فرحان أن عدد أروقة بيت الصلاة سبعة عشر رواقاً، منها ستة مغطاة بسقوف قرميدية، وتحدد الأروقة عقود على شكل نعل الفرس، وبعض العقود مسننة ، وهي ترتكر على أعمدة ضخمة.

إلا أن الدكتور حسين مؤنس ينبه إلى أن أروقة بيت الصلاة كانت في الأصل تسعاً عمودية على جدار المحراب. والرواق الأوسط ـ أو البلاطة الوسطى أو رواق المحراب ـ آية في الروعة والجمال... ومن الخصائص المعمارية التي اتبعت في بعض المساجد ــ وتبرز في

مسجد الكتبية في مراكش ــ ارتفاع الرواق الأوسط عن سائر الأروقة. وكذلك الرواق المستعرض الموازي لجدار القبة.

وكما أن فوق اسكوب المحراب خمس قباب، فإن في بيت الصالة فوق رواق المحراب ست قباب صغيرة في هذا الجامع مبنية من الآجر، فيكون مجموعها أحد عشر قبة مزينة في داخلها بالمقرنصات والزخارف من كل نوع... فالزخرفة عنصر رئيسي وملفت للنظر في جامع الكتبية الجميل.

 

المنبر الجميل في جامع الكتبية:

ومنبر الجامع رائع جداً، ويرجع بناؤه إلى عهد عبد المؤمن، ولا يزال محافظاً إلى الآن على كثير من جماله ونضارته رغم أن بعض أطرافه كبت من طول السنين...

وقد بهر هذا المنبر المستشرق تيراس فوصفه بأنه أجمل منبر في الغرب، بل إنه أروع منبر في العالم الإسلامي كله.

وقد صنع هذا المنبر في الأندلس من العود والصندل الأحمر والأصفر وكانت له صفائح

من الذهب والفضة.

وخلف بيت الصلاة يقع صحن المسجد، وله مجنبات أو رواقات تحيط به من جوانبه الثلاث، وتتميز الدعائم التي ترتكز عليها عقود تلك المجنبات بأنها مسننة لها زاويتان قائمتان على جانبي وجهها البارز المطل على الصحن. شأنها في ذلك شأن الدعائم المحيطة بصحون جامع تينملل واأشبيلية.

ومع أن معظم عناصر جامع الكتبية وأجزاءه من جدران وقباب مشيدة بقطع الحجارة غير المحددة بتناسق أحجامها ..رغم هذا فإن أبواب الجامع في الجهة الشرقية مبنية بالآجر، أما الأبواب الغربية فتختلط فيها قطع الحجارة بالآجر. والجدار الشرقي للجامع مشيد بقطع حجرية مصفوفة تصفيفاً رائعاً. وينتهي البناء من أعلى بصفوف من الآجر وكذلك دعائم بيت الصلاة، والصحن والعقود كلها مشيدة بالآجر.

 

ساباط ومقصورة الأمير عبدالمؤمن:

وكان مقر عبدالمؤمن بجوار مسجد الكتبية فاتخذ لنفسه ساباطاً ـ أي ممراً مسقوفاً ممتداً فوق الشارع ـ يصل قصره بالجامع، ليتردد بينهما دون حاجة إلى قطع الشارع والتضييق على الناس.

كما جعل عبدالمؤمن الموحدي في بيت الصلاة مقصورة من الخشب مزخرفة وجميلة، ولم تكن تلك المقصورة مربعة كما هو المعهود في مقاصير المساجد الأخرى بل جعلها ذات اضلاع ستة، ووسعها حتى تتسع لأكثر من ألف رجل فلاتضيق به ولا بحاشيته ومن لحق بهم وكان معهم...

وكان الذي تولى صنع المقصورة والمنبر رجل من مالقه يقال له الحاج يعيش المالقي.

 

الدور العلمي المجهول:

ولم تتحفنا المصادر التي بين أيدينا بكثير من الأخبار عن النشاط العلمي في جامع الكتبية بشكل مفصل، ولكننا لا نشك في أن هذا الجامع لم يلق كل تلك العناية لكونه رمزاً مهماً من رموز الدولة الموحدية في المغرب فقط، بل لكونه مناراً من منارات العلم ومجمعاً من مجامع الفكر وملتقى من ملتقيات الرأي والنقاش، يدلنا على ذلك أنه ما سمي بجامع الكتبية إلا لما كان حوله من سوق تروج فيها الكتب من كل صنف، بيعاً وشراء وكتابة ونسخا، أو لما حوى في جنباته من مكتبة زخرت بكثير من الكتب في أنواع العلوم والفنون.

إن جامع الكتبية في مراكش أروع جامع بناه ملوك الموحدين في المغرب وهو لجدة أسلوبه وما فيه من ابداع ودقة يعادل أكبر الجوامع الأندلسية وأعظمها...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مسجد السلطان أحمد ( الأزرق)

 

تمهيد

أصبحت استنبول بعد الفتح الإسلامي لها على أيدي العثمانيين عام 1453هـ متحفاً واسعاً للمساجد الفخمة النادرة المثال. تلك المساجد التي لا يزال معظمها شامخاً في سماء استنبول بمآذنة الرشيقة العالية وقبابه الفخمة الواسعة، والملاحق والساحات التابعة له مما يأخذ بألباب الناظرين من جهة ويشهد ببراعة المعماريين المسلمين من جهة أخرى..

نعم إن استانبول عاصمة الخلافة الإسلامية خير شاهد على قدرات وابداع المهندس المسلم، وجمعه بين الجمال والمهابة، وقدرته على التجديد مع الأصالة ، ومزجه أطراف الدين بالحياة المتطورة، والتعبير بالبناء  والحجر والطين عما يعجز القلم عن وصفه والإحاطة به بالحرف والكلمة والعبارة.

 

كنيسة آيا صوفيا... وآثار خالدة:

وإذا كانت استنبول تفخر ـ قبل الفتح الإسامي لها على يد السلطان محمد الفاتح ـ بأعظم كنيسة بنتها الأيدي البشرية على الأرض، وهي كنيسة آيا صوفيا ( بنيت في قمة روعتها عام 537 م) في عهد الامبراطور جوستيان، بعد أن جمع لها ورثة الامبراطورية الرومانية كافة، من معماريين وآثار وأموال. فاستقدم آرتموس أحسن معماري آسيا من أهالي تريللس، وايسادور من ميلانو، وهما أشهر معماريي عهدهما وأذكاهما وجلب الأحجار والأعمدة والرخام من مصر وبعلبك وأوبْوا وأثينا وروما، وأنفق عليها 360 مليون فرنك ذهبي واستخدم فيها 10.000 عامل، حتى قيل: إن هذه البناية لم يشهد مثلها منذ آدم، ولا يمكن تشييدها بعد الآن.

أقول: إذا كانت استنبول قبل الإسلام تفتخر بآيا صوفيا، فإن الخلفاء العثمانيين والأمة الإسلامية نجحت في تحدي الامبراطورية الرومانية، وجوستيان بالذات فأقامت على أرض استنبول روائع أكبر وأعظم وأبقى من آيا صوفيا مثل مسجد السلطان أحمد، ومسجد السليمانية، ومسجد الفاتح وغيرها من آثار مدهشة باهرة فاقت آيا صوفيا سعة ورقة ودقة وزخرفة وفنا. على الرغم من تحويل كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد بعد الفتح.

ولنشرح تلك الحقيقة من خلال الحديث عن مسجد السلطان أحمد المعروف بالمسجد الأزرق في استانبول .

 

لكل خليفة مسجد يخلده:

بعد وفاة السلطان العثماني مراد الثالث عام 1603م، تولى السلطنة من بعده السلطان أحمد الأول ( 1603 ـ 1617 م) وكأسالفة الذين سبقوه فقد أمر ببناء مسجد يضم مجمعاً كبيراً للخدمات المدنية والعلمية والاجتماعية في عاصمته، يُجمع فيه أقصى ما يمكن من الفخامة الخارجية والداخلية، بحيث ينافس آيا صوفيا ويزيد عليها.

فاشترى قطعة أرض كبيرة بمبلغ ضخم من صاحبها، بعد أن أعجبه فيها قربها من قصر الخلافة ( طوب قباي ) وإشرافها الرائع على البحر، وكلف أشهر مهندس عصره المهندس محمد آغا، الذي تلقى تدريبه على يد أكبر بناء في التاريخ الإسلامي العثماني ( سنان باشا ) وعلى يد المهندس الكبير ( داود آغا ) وأمره أن يضع بين يديه تصوراته الفنية الممكنة لهذا العمل الفريد المتميز...

وكان المهندس محمد آغا قبل ذلك قد بدأ هواياته بتعلم الموسيقى فأتقتها، وأتقن معها فن التطعيم بالصدف، وبلغ فيه درجة عالية من المهارة، مما كان له أثر واضح في رقة أعماله وجمالها وتناسقها.

 

ست مآذن شاهقة... ومئذنة للحرم:

وأراد اسلطان أحمد أن يبالغ في تعظيم شأن مسجده فأمر ببناء ست مآذن له تناطح السحاب، وكإشارة منه على تواضعه أمام بيت الله الحرام في مكة المكرمة ـ الذي كانت فيه ست مآذن حينذاك ـ ورغبة منه في أن تتميز الكعبة الشريفة وحدها دون سواها على مسجده، فقد أمر أن يضاف إلى مآذن المسجد الحرام البديعة مئذنة سابعة هدية منه لبيت الله المعظم، كما أمر بكسوة الكعبة بصفائح من الذهب، وركب لسطح الكعبة ميزاباً من الذهب وأحاط أعمدة الحرم بحلقات مذهبة، ورمم جميع قباب المسجد الحرام وعددها آنذاك 260 قبة.

الصورة العامة، وسبع سنين من العمل المتواصل:

بدأ العمل في مسجد السلطان أحمد في استنابول عام 1609م، واستمر طيلة سبع سنين إلى أن انتهى وافتتح عام 1616م، قبيل وفاة السلطان أحمد بعام واحد، وأصبح معلماً من معالم العمارة الإسلامية، يلوح في الأفق بمآذنه الرشيقة للناظرين من بعيد، خاصة القادمين على سطح بحر مرمرة أو مضيق البوسفور كأوسع مجمعات استنابول الإسلامية، وأرحب ما انشئ من المساجد السلطانية وأكثرها مآذنا،

ويشبه هذا المسجد مسجد شهزاده، والمسجد الجديد ( يني جامع ) الذين بناهما المهندس داود آغا من قبل.

والصورة العامة لمسجد السلطان أحمد: قاعة للصلاة يسبقها صحن من حوله أروقة من ثلاث جهات.

وتحيط بالمسجد هذا أبنية ملحقة به منها مدرسه للتعليم الإبتدائي ( الأولي ) ومستشفى متخصصاً في علاج الأمراض، وسوق وقسيارية، ودارٌ للمرق ( أي مطعماً) للفقراء، وسبيلُ ماء للعطاش، ومحلاتٌ تدرّ ريعا ومورداً ما لياً للمسجد، وضريح السلطان أحمد يرقد فيه إلى يوم الدين .. هذا كله وسط حديقة غناء تغمر أرضها الخضرة وتظللها الأشجار الباسقة وتزينها الورود الملونة.

 

قاعة الصلاة ومعالم رائعة:

فأما قاعة الصلاة في مسجد السلطان أحمد ( أو المسجد الأزرق ) فمساحتها مستطيلة قريبة من التربيع، إذ أن طولها 72 متراً وعرضها 64 متراً، وهي بذلك من أوسع قاعات الصلاة، ويدخل إليها من صحن المسجد ( الفناء الخارجي ) بواسطة ثلاثة أبواب برونزية، الأوسط منها هو الأوسع، وهي ثلاثتها صنعها المعلم زكي شلبي في قمة الإبداع الفني، ولها عتبات رخامية مرمرية.

وترتفع وسط بيت الصلاة القبة الفخمة التي أراد لها السلطان أحمد أن تزيد على قبة آيا صوفيا فكان قطرها 33.5 متراً. بزيادة عليها قدرها متران ونصف تقريباً وهذه التي ترتفع 43 متراً على أربعة قناطر ( عقود ) كبيرة تتكئ على أربعة أكتاف ضخمة يطلقون عليها اسم ( أرجل الفيل ) يبلغ قطر الواحدة منها خمسة أمتار، وتلتف حولها جدران المسجد.

ويحف بالقبة الكبيرة أربعة أنصاف قباب، وقد أضفى استخدام أنصاف القباب حول القبة الكبرى على داخل المبنى احساساً بالانطلاق والإنسيابية حتى أصبحت الرحابة ـ وهي ذات منهج وتأثير أخاذ ـ صفة من صفات المهندس محمد آغا، استطاع أن يطور أفكار أستاذه العظيم سنان باشا في الجمع بين سلاسة الداخل وجمال المظهر الخارجي، بما نثره حول القبة الكبرى والقباب الصغرى من نوافذ، أحسن صنعها وأتقن عقودها وقدر نِسَبها وأبعادها، فأصبح المسجد يتلألأ بالضوء من خلال 260 نافذه موزعة على خمسة صفوف ومحلاة بالزجاج الملون، حتى ترى  المسجد وكأنه القصر الذي يتحلى بأبدع الزخرف.

خاصة إذا علمنا أن نور تلك النوافذ ينسكب على 21043 بلاطة خزفية لماعة، تجمع أكثر من خمسين  تصميماً، منها تصاميم زهور التوليب والقرنفل والفروع النباتية، وهي تغطى الجدارن بلونيها الأزرق والأخضر، كما تغطى ثلث  كل عمود إلى ارتفاع الممرات.

وقد قام على صناعة تلك البلاطات الخزفية المعلم الخزاف (حسين) وهي تعتبر من أغنى مجموعات الخزف التي ما تزال في أماكنها، بعد تلك الموجودة في القصر الملكي العثماني طوب قابي سراي.

ومن النماذج التي لا نظير لها في المسجد أيضاً البلاطات الفيروزية اللون ذات الكتابات القرآنية المذهبة التي تزين الجناح السلطاني في المقصورة، وهذه الكتابات من ابداع الخطاط أحمد غباري.

وكذا الزخارف المتعددة الألوان الموجودة أسفل تلك الكتابات، وتشغل الزخارف المدهونة كل جزء من أجزار المبنى ، سواء في ذلك الدعائم المصبعة أو القباب.

وقد اضفى لونها الأزرق على المسجد من الداخل احساساً قوياً  لسيطرة هذا اللون مما دفع الناس إلى تسميته بالجامع الأزرق.

ونلمح فوق ذلك ابداعت من روائع المهندس المشرف على المسجد (محمد آغا) الذي هو في الأصل متخصص في الصدف، فيما هنالك من تطعيم بالصدف على كل الأبواب ومصاريع النوافذ.

 

منبر ومحراب من مرمر نفيس:

ويلفت النظر في مسجد السلطان أحمد ( المسجد الأزرق ) في قاعة الصلاة المنبر المتصدر لجدار القبلة مع المحراب المجاور له/ وهما من المرمر النفيس، ويمثلان قمة الجمال والإبداع في الزخارف والنقوش المغطية لهما، ويحف بالمحراب شمعدانان كبيران.

 

المقصورة السلطانية :

كما تلفت النظر في قاعة الصلاة مقصورة السلطان الواقعة في الزاوية اليسرى من قاعة الصلاة . ولها محراب خاص بها، مزخرف بأعمال الموزاييك، ومطعم بالأحجار الكريمة.

وباب تلك المقصورة من نوع فريد يقال له عرق اللؤلؤ، وهو مطعم بأعمال خزفية مكسوة بالذهب.

أما الحواجز المرمرية المؤدية إلى المقصورة ففيها من أعمال النحت والنقش ما يمكن أن يضرب به المثل في روعة أعمال الإبداع البشري على صفحات الحجر الإصم .     

 

صحن فسيح واسع:

وأما صحن المسجد فهو فناء كبير تحيط به أروقة أربعة فيها صف من البوائك محمول على 26 عموداً من الغرانيت ولهذا الأعمدة تيجان من الرخام تزخرفها مقرنصات وتحمل بوائك الأروقة 30 قبة تدور حول صحن المسجد.

كما تتوسط صحن  المسجد ميضأة سداسية الشكل تقوم على سته أعمدة رخامية في زواياها الستة وفيها نماذج من النقش جميلة .

وتتضمن المسجد ثماينة أبواب من جهاته الثلاث.

 

المآذن العثمانية الشهيرة :

ولا تستطيع العين أن تتجاهل منظر المآذن الست المنتشرة في أطراف المسجد أربعة منها في زوايا قاعة الصلاة، واثنتان في زاويتي صحن المسجد، وهي تشبه السهم الصاعد إلى السماء، أو قلم الرصاص المبري جيداً . وتلك صفة عامة في المآذن العثمانية.

وفي كل من  المنارات الأربع المحيطة ببيت الصلاة ثلاث شرفات، أو ثلاث مواقف للمؤذنين، بينما في كل من الاثنتين اللتين في ركني صحن المسجد موقفان أو شرفتان فقط..

وإذا كانت الدعوة إلى الصلاة اليوم تتم من خلال مكبرات الصوت، فإنه في الماضي كان المؤذنون يصعدون على الشرفات الستة عشر خمسَ مرات كل يوم.

 

مجمع متكامل لا مسجد فقط:

وليس صحن المسجد مع بيت الصلاة مع المنائر ليس هذا كله جميع مسجد السلطان أحمد .. ذلك أن هذا السلطان بنى مجمعا كاملاً يؤدي غرضاً دينيا ًواجتماعياً  واقتصادياً وحضارياً. في قالب جمالي آسر، جعل من المسجد الأزرق ( مسجد السلطان أحمد ) أجمل جوامع استانبول بلا ريب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجامع الأموي/ في حلب

 

تمهيد

حلب مدينة قديمة جدا، اشتهرت بآثارها التاريخية الكثيرة، التي أشهرها على الاطلاق قلعة حلب أكبر قلعة باقية حتى الآن...

وقد اختلف المؤرخون في بداية ونشأة حلب، حتى أوصلها بعضهم إلى أيام الخليل إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام، بل عدها آخرون أقدم مدينة في التاريخ !!

وبعد القلعة الشهيرة في حلب يأتي في المقام الثاني شهرة وضخامة وقِدَما الجامع الكبير المعروف بالجامع الأموي أو جامع بني أمية، وهو مَعْلم تاريخي مهم جداً لما يحكيه للمهتمين بتاريخ المساجد وعمارتها وأشكالها وأنماطها من فوائد جمة وذكريات غالية... وهو يقع قريباً من القلعة الشهيرة إلى الغرب منها قليلا.

 
أثر أموي خالد:

ولقد خاض القدماء من المؤرخين في جامع حلب الكبير، وسطروا لنا كيف كانت الأرض التي بني عليها بستاناً للحلوية، فلما فتح المسلمون حلب صالحوا أهلها على موضع الجامع، كما صالحوهم على المقبرة الموجودة في الجهة الشمالية منه وذلك قبل أن تبدأ أعمال البناء فيه...

كما خاض المؤرخون في أول من بناه،  فقيل: إنه الوليد بن عبد الملك، بناه ضمن سلسلة الأبنية الرائعة التي قام بها في أيام خلافته، كالمسجد الأموي في دمشق وغيره، مما خلــد ذكـره على مر التاريخ، ويستدل هؤلاء على ما يزعمونه بما كان في الجامع الأموي في حلب من زخارف ونقوش وفسيفساء ورخام لا نظير له إلا في مسجد دمشق.

وقال بعض المؤرخين: إن الذي بنى جامع حلب الكبير إنما هو سليمان بن عبدالملك شقيق الوليد لاالوليد نفسه، وإنما أراد سليمان أن ينافس أخاه في أعماله العمرانية، فأولى هذا الجامع عناية فائقة، وأنفق عليه أموالاً ضخمة، وجعله تحفية فنية رائعة في جمالها وسعتها واتقانها.

وتذكر بعض المراجع أن عمر بن عبدالعزيز كان المشرف المكلف بمتابعة عماله وعمارته.

ومما قيل في معرض إبراز ماكلفه بناء جامع بني أمية في حلب: انه استعين فيه بأحجار كنيسة كبيرة متهدمة مهجورة، كانت في مدينة كورش التي ازدهرت في العهدين الروماني والبيزنطي، فلما علم ملك الروم بما يفعله المسلمون طلب أن يتركوا أعمدة الكنيسة الرئيسة الثلاثة، أو أن يرسلوها إليه، في مقابل سبعين الف دينار، فلم يسمح الوليد بن عبدالملك له بذلك.

 
إهمال وتخريب مؤسف:

وبقي المسجد في أبهى صورته وأجملها حتى آلت الخلافة إلى بني العباس، الذين في مبدأ أمرهم حرصوا كل الحرص على ملاحقة الأمويين، ومحو آثارهم بكل الوسائل وفي كل الميادين.

فنال جامع بني أمية من ذلك الضرر البالغ الكبير، إذ نقضت منه الزخارف والزينات والآلات ونقلت  ـ كما يقول الشيخ كامل الغزي في نهر الذهب ـ إلى جامع الانبار في العراق...

وصار حال الجامع كئيباً مهمل،اً لا يلفت نظر سوى أهله وجيرانه الذين لم يزيدوا على شيء من العناية به قليل.

 
نقفور .. وسيف الدولة الحمداني:

حتى كانت سنة 351هـ، حينما دخل ملك الروم نقفور مدينة حلب على غفلة من أهلها، فعاث فساداً فيها فأحرقها، وعمد إلى الجامع الأموي فيها فأحرقه كذلك، حتى عاد يبابا ثم رحل عن حلب مخلفاً وراءه الخراب والدمار فيها. إلا أن سيف الدولة الحمداني عاد إليها ـ وكانت عاصمة دولته ـ فقام بترميم بعض المسجد المذكور على عجلة من الأمر...

ثم في عهد ولده سعد الدولة الحمداني اهتم غلامه قرعويه باستكمال ترميم المسجد ،وأضاف إليه قبة الفوارة التي في وسط صحنه، وهي قبة قائمة على أعمدة، كل عمود منها سبعة أشبار، وفيها جرن رخام أبيض في غاية الكبر والحسن، وفي حافته مكتوب (هذا ما أمر بعمله قرعويه غلام سيف الدولة ابن حمدان في سنة 354هـ).

 
منارة جامع حلب ... من أروع المنارات:

وكان في المسجد منارة قديمة، إلا أنها لم تكن تناسب ضخامته، وآلت مع الزمن إلى التصدع ، فقام القاضي أبو الحسن محمد بن يحيى بن محمد الخشاب ببناء المنارة الحالية، التي تعتبر من

روائع المنارات في العالم الإسلامي، وقد عمد المعمار الذي بناها ـ وهومن قرية سرمين قرب حلب ـ إلى حفر أساسات عميقة، وصل بها إلى الماء، ثم جعل اساساتها من الحجر المترابط بعضه مع بعض بواسطة كلاليب الحديد والرصاص، ثم ارتفع بها في الهواء قرابة 30 مترا ، وجعل لها مائة وأربعة وسبعين درجة، وهي مربعة الشكل يبلغ طول الضلع الواحد  فيها قرابة ثلاثة أمتار، وفي أعلاها موقف للمؤذن، ثم تعاود الارتفاع حتى تختم بقبة.

وعلى المنارة من كل الجهات الأربع نقوش حجرية بديعة الصنع مقسمة إلى مربعات ، تتخللها زخارف هلالية تقوم على أعمدة.

 
حرائق ... وأحداث في تاريخ الجامع الأموي:

ويذكر أنه في شوال عام 564هـ قام الفاطميون بإجراق الجامع الكبير في حلب حينما أخذوها من نور الدين زنكي الملقب بالشهيد، فلما استعادها منهم اجتهد في عمارة هذا المسجد ، وقطع الأعمدة الصفر من بعادين، ونقل إليه عمد سورقنسرين، وزاد في مساحة المسجد من جهة الشرق بإضافة سوق إلى جواره موقوفة عليه، حتى صار المسجد مربعاً في شكله حسناً في مرآه وحاله.

وتعرض مسجد بني أمية في حلب للاحراق مرة أخرى عام 679هـ ، حينما أحرقه ملك سيس أحد ملوك الأرمن، فلما تولى نيابة حلب قراسنقر أمر القاضي شمس الدين صقر الحلبي بعمارته وتجميله، ففرغ من ذلك عام 684 هـ.

وفي سنة 834هـ وقعت الواجهة الغربية للجامع وكان سقفها جملوناً من خشب، فقام الأمير يشبك اليوسفي نائب حلب بإحداث قبو تحت تلك الجهة للانتفاع  به في مصالح المسجد ، ثم رفع فوق القبو المجنبة الغربية منه، مع اعتناء زائد واتقان جميل.

 
فاعل خير مجهول يتبرع بخزان ماء ضخم:

ومما يذكر من مزايا مسجد بن أمية في حلب أنه كان فيه تحت صحنه خزان ماء كبير جداً، يكفي أهل المدينة إذا طرقهم العدو ـ وما أكثر ما يحدث ذلك ـ فقام متولي أوقاف الجامع ابن الأيسر بعمارة ذلك المصنع، الذي تتجمع فيه المياه العذبة من قناة حلب الشهيرة، فجاء مصنعاً (خزان ماء) واسعاً متقناً، يكفي السقائين والناس ولا يفرغ من الماء.

وقد تبرع ببنائه فاعل خير مجهول طرق الباب على ابن الأيسر ليل،اً ودفع إليه ـ على مرتين ـ ألفي دينار ذهباً دون أن يعرفه بنفسه، سوى أنه يريد فعل الخيرعلى يديه دون ضحة، فالله أعلم به.

 
بيت الصلاة مهيب واسع:

وطول المسجد قرابة مئة وخمسين مترا، وعرضه حوالي مئة متر تقريبا، وله أربعة أبواب تفضي إلى مجموعة كبيرة من أسواق حلب التجارية الأثرية، وجدرانه سميكة جداً تبلغ أقل من مترين، وارتفاعها قرابة تسعة أمتار.

وبيت الصلاة قائم على ثمانين عضادة ثخينة، موزعة على أربعة صفوف موازية لجدار القبلة، في كل صف عشرون عضادة، وبين كل عضادتين من كل جهة قرابة أربعة أمتار، مما يجعل بيت الصلاة واسعاً مهيباً يوحي بالجلال والرهبة...

 
منبر نفيس قل نظيره:

        ويلفت النظر في بيت الصلاة في الجامع الأموي في حلب امران اثنان: أولهما: المنبر الذي يصفه الشيخ كامل الغزي بقوله:

وهو من الخشب المصنع الجميل العديم النظير في مساجد حلب، قد اشتمل على رقاع مخمسة مسدسة بديعة الصنعة، قد نزّل فيها قطع رقاق من العاج والصفر الذي يلمع كأنه الذهب، ومن جملة خشب هذا المبنر الابنوس الشهير، وارتفاعه عن أرض القبلية إلى كرسيه الذي هو يعد آخر درجة منه أقل من ثلاثة أمتار، ثم تكون قبة.

وقد خط عليه اسم عامله ومتوليه ومن أمر به والسلطان الذي كان عصرهُ.

وكان هذا المنبر صنع مع منبر نظير له حمل إلى بيت المقدس بعد أن فتحت القدس على يد المرحوم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب.

ويلي المنبر المحراب الكبير وهو من الحجر الأصفر البعاديني الفخم.

 
قبر سيدنا زكريا عليه السلام:

وثاني الأشياء التي تلفت النظر في بيت الصلاة: حجرة مربعة في جدار القبلة بجوار المحراب، يصعد إليها بدرجة واحدة، سقفها قبة لها على سطح الجامع، وجدرانها الثلاثة : الجنوبي والشرقي والغربي، مبنية بأنواع من أجمل الخزف القاشاني الملون، وباب هذه الحجرة ــ وهو الجهة الرابعة منها ـ عليه قنطرة عالية ارتفاعها ستة أمتار،  وحجارتها سود وصفر محمولة على عمودين عظيمين، وعلى هذه القنطرة مع العمودين الحاملين لها نحاس أصفر مشبك على شكل مربعات من رأس العمودين إلى أرض الحجرة، ذو مصراعين يفتح ويغلق،

وفي جانب كل من العمودين زخرفة من القاشاني البديع، وهذه الغرفة تعرف باسم مزار سيدنا زكريا..

وقد نقل ابن شداد وابن الشحنة وابن الخطيب  ــ       وكل منهم تكلم في تاريخ حلب ــ نقلوا عن ابن العظيمي أنه في سنة 435هـ ظهر ببعلبك في حجر منقور رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام، فنقل إلى حمص ثم منها إلى مدينة حلب في هذه السنة، ودفن في قلعتها في مكان يعرف بالمقام، ثم لما احترق المقام في القلعة في حادثة التتار سنة 659هـ، عمد أبو بكر ابن ايليا الناظر... على الذخائر وأبو حامد بن النجيب الدمشقي الأصل الحلبي المولد إلى رأس زكريا عليه السلام فنقلاه من القلعة إلى المسجد الجامع بحلب، ودفناه قرب ما هو المنبر، وعمل له مقصورة وهو يزار...

وعلى أرض تلك الغرفة يرتفع تابوت ضخم، مغطى بكسوة نفيسة من مخمل مزركش بالفضة فيه بعض سورة مريم، كان أرسلها السلطان العثماني عبدالعزيز خان عام 1291هـ .. وفي الغرفة أيضاً مصحف أثري قديم وبعض الهدايا النفيسة.

وفي بيت الصلاة ـ سوى المنبر والمزار ـ كثير من الآثار:

منها مقصورة قديمة مجددة كان يستخدمها بعض الولاة.

ومنها خزائن كتب نفيسة ومنها كتابات تسطر اأسماء وعصور من أحدثوا في هذا المسجد أعمالاً ترميمية أو اصلاحية أو اضافية، وعلى الأخص السدة المواجهة لقبلة الجامع.

 
صحن المسجد ورواقاته :

وصحن الجامع كبير جداً فرش كله بالرخام الأصفر الذي تتخلله بلاطات سود على صفة جميلة من النقش إذا نظرت إليه أول وهلة حسبت تلك الزخرفة كتابة كوفية، وليست كذلك.

وحوله من الجوانب الثلاث: الشرقية والشمالية والغربية رواقات ثلاث مفروشة بالبلاط الأصفر فقط، وقد تبرع بهذا البلاط عام 1042هـ رجل من الأعيان اسمه زين الدين بك.

وفي صحن المسجد محراب صغير يقف فيه الإمام لأداء الصلوات الجهرية أيام الصيف ،وتجاهه مصطبة لوقوف المؤذنين عوضاً عن السدة التي بداخل بيت الصلاة.

ويشتمل صحن الجامع على بسيط لمعرفة وقت الظهر والعصر صنع سنة 1300هـ.

كما يشتمل الصحن على بئر كبيرة معطلة حالياً، ويشتمل كذلك على حوض مدور عليه قبة محمولة على ستة عواميدن وفي وسط هذا الحوض جرن مرمر مضلع مدور، وهذه القبة هي التي تعرف باسم الفوارة.

وفيه أيضاً عمود من الحجر الأسود ارتفاعه 4 أمتار، وفي رأسه شبه قفص من اطواق الحديد، كانت تعلق بها القناديل... ويقال: بأن نورالدين زنكي ـ وهو أحد الذين جددوا عمارة مسجد بني أمية في حلب ـ كان يحرق به العود البخور في المواسم الدينية ليتضوع في أرجاء المسجد.

 

علامة وقت الصلاة ... والموقتون:

وبما أن صحن المسجد دون ارتفاع ارض الأروقة المحيطة به، فإنه توجد ثلاثة درجات في مختلف النواحي للصعود إلى الأروقة، منها ثلاث درجات في الزاوية الشمالية الشرقية ، والثانية من تلك الدرجات الثلاثة محزوزة حزاً مستقيماً من جنوبيها إلى شماليها، فمتى بلغت الشمس هذا الحز أذن المؤذن للظهر، والذي حز تلك الدرجة هو عبد الله بن عبد الرحمن الحنبلي الميقاتي...

وقد عرفت وظيفة المؤقت في هذا المسجد الكبير الذي تقتدي به مساجد حلب كلها في الأذان، وكان آخر الموقتين الشيخ الزاهد يس موقت رحمه الله.

وقد أعدت إدارة الأوقاف حالياً فوق المنارة كرة كبيرة مفرغة الداخل ملونة بلون أحمر واضح للعيان فإذا حان وقت أذان الظهر أو العصر رفعها المؤذن وهو في غرفة الأذان أسفل المنارة، بواسطة آلة خاصة، فتعرف مساجد حلب حلول الوقت، فتؤذن تبعاً لذلك فورا. أما في الليل فإن في رأس المنارة كشافاً كبيراً مميزاً يضيء عند حلول أوقات الصلاة.

 
منار علمي قديم:

ولا يفوتنا أن نذكر النشاط العلمي القديم لجامع بني أمية في حلب، فقد أورد الغزي في نهر الذهب صورة عن ذلك، ومن ذلك أن عدد مدرسي الجامع اثنى عشر مدرساً ، وعدد المحدثين ستة وعشرون، وعدد القراء والحفظة سبعة، عشر وعدد الأئمة أحد عشر، وعدد الخطباء سبعة، وعدد المؤذنين أربعة عشر، وعدد خدمة الجامعثلاثون، تصرف لكل منهم مقدرات ثابتة تأتي عن طريق الوقف، ويشكلون خلية نشاط دائمة الحركة في المسجد.

أما في رمضان فللجامع نفقات خاصة زائدة عما في سائر العام.. وكذلك في أيام المولد النبوي الشريف.

وتلك النفقات تشمل تنوير المسجد وتنظيفه، وإيقاد الشمع العسلي فيه، وتشمل أجرة قارىء القرآن والمولد ومنشد القصيدة وأجرة الحلاوي الذي يقوم بتوزيع الأشربة الحلوة على الحضور.

 
أوقاف واسعة... ومدارس مجاورة:

وللجامع الأموي الكبير هذا من الأوقاف الشيء الكثير الواسع الذي يشمل اراضٍ ودوراً ودكاكين في حلب وحواليها، بل وقرى بأكملها تبلغ نيفاً وعشرين  قرية...

وعلى سبيل المثال فأن جميع الأسواق المحيطة بالجامع، وكثيراً من أسواق المدينة القريبة منه وقف عليه، كسوق الصاغة وسوق الحبالين وسوق الطواقين وغيرها...

ويذكر أن بعض المدارس الشرعية بنيت بجوار جامع بني أمية في حلب، ملاصقة أو قريبة،  لتمثل ملحقات به تحتمي في ظلاله منها المدرسة الشرفية التي أنشأها الإمام عبدالرحمن العجمي وزوجته وأقاربه، وكانت مدة عمارتها أربعين سنة، ووقف لها أوقافاً عظيمة، وتخرج بها أئمة كبار مثل شيخ الإسلام ابن حجر وشمس الدين ابن ناصر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجامع المنصوري في طرابلس

 
تمهيد :

طرابلس مدينة لبنانية تقع في الشمال اللبناني على ساحل البحر المتوسط، ولها أهمية استراتيجية كميناء وكمدخل إلى المنطقة كانت منذ الفتح الإسلامي لها عام 25 هـ على يد سفيان بن مجيب الأزدي حاضرة في الذاكرة الإسلامية، لقيت من الفاتحين المسلمين الأوائل كل عناية وإعمار وتطوير، شأنها في ذلك شأن عموم المدن التي رفرفت فوقها راية التوحيد..

وقد شهدت طرابلس تقلبات الزمن وتغير الدول الحاكمة وتوالي الملوك السلاطين، منذ الفتح الإسلامي إلى أن سقطت بأيدي الصليبيين عام 502هـ، عندما غلبت جموع الغازين الهائجة مقاومة أهلها الضعيفة، فتعرض بعض المدينة إذ ذاك للدمار، وبعضها للإحراق، على يد كل من ( برتراند ) الابن الأكبر (لريمون) الصنجيلي و( وليم غوردن ) ابن أخت ريمون المذكور و( تنكر يد ) أمير أنطاكية واللاذقية، وغدت بعد ذلك عاصمة للامارة الصليبية الرابعة في الشرق المسلم..

واستمرت كذلك طيلة 180عاماً تعاني من كابوس المحتلين الذين بالتأكيد لم يتركوا أثراً يدل على الإسلام إلا وتعقبوه بكل ما عرف عنهم من بطش وجبروت وعنجهية متناهية، بل إنهم إمعاناً في الغيّ أطلقوا على طرابلس أيام احتلالها اسم ( مدينة الكنائس ).

 

الفرج القريبة.. والسلطان قلاوون الناصري:

ولما جاء عام 688 هـ جاء الفرج معه لهذه المدينة المسلمة، فما كاد يصل إلى سمع الناصر قلاوون أحد أشهر سلاطين المماليك تولى السلطة عام 678هـ ، أن الفرنج في طرابلس نقضوا الهدنة، وأخذوا جماعة من التجار وغيرهم، وصار بأيديهم عدة أسرى، حتى صمم على فتح طرابلس وتخليصها من الأسر مهما كلفه ذلك من ثمن، وهكذا سار إليها، فحاصرها بجيش لجب مجهز أحسن تجهيز ودك حصونها خلال 34 يوماً، ثم أقتحمها يوم الثلاثاء في الرابع من شهر ربيع الثاني سنة 688هـ ليعيدها إلى المسلمين إلى يوم الدين.

وكان فتحها حدثاً مدوياً ترك أثراً طيباً في نفوس المسلمين.

وإذا كان المنصور قلاوون قد أمر بإعادة بناء مدينة طربلس عقب فتحها بعد أن دمرتها في الحرب، فإن مسجد طرابلس الكبير، المعروف باسم الجامع المنصوري، ينسب إليه وإن كان الذي أمر ببنائه السلطان خليل ابن قلاوون وهوالملقب بالأشرف، وقد نسب الجامع إلى المنصور لما كان لفتح طرابلس الذي تم على يديه من وقع عظيم وبشارة طيبة. ومن هنا كانت نسبة الجامع إليه اعترافاً بفضله وتخليداً لذكره لذا يقال له الجامع المنصوري الكبير.

 

البداية الأولى... أرض منخفضة:

وقد استغرق بناء هذا الجامع قرابة أربع سنين، من عام 689هـ إلى عام 693هـ، وكان الانتهاء منه في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون شقيق السلطان خليل بن قلاوون.

وقد اختيرت له بقعة من الأرض منبسطة ومنخفضة قليلاً عما جاورها من المناطق، حتى إن الداخل إليه يحتاج إلى النزول بالدرج ليصل إلى أرضه.. وهو ـ أي الجامع المنصوري في طرابلس ـ أكبر جوامع البلدة على الإطلاق، كما أنه أقدم جامع بناه المماليك في طرابلس...

وقد أقيم في الأصل على انقاض كنيسة تعرف باسم كنيسة القديسة (ماري دي لاتور) أصابها الدمار بسبب زلزال ضرب طرابلس عام 552هـ، ثم عاودها ثانية في عام 597هـ، وثالثة عام 687هـ، كما تضررت بواقيها بحصار وضرب أسوار المدينة قبل فتحها.

لذلك فإنه لم يبق من الكنيسة بعد كل تلك الحوادث مما بني عليه المسجد إلا القليل وهو الباب الشمالي الرئيسي للجامع والمئذنة.

 

الباب الرئيسي للكنيسة السابقة:

أما الباب الرئيسي للجامع، والذي قدمنا أنه من بقايا الكنيسة الخربة، فقد أبقى عليه المماليك عند بناء المسجد مع الجدار الشمالي الواقع فيه.

ويرجح الدكتور سالم (في كتابه طرابلس الشام) أن الباب نقل من مدخل الكنيسة، ووضع في مدخل الجامع، ليسجل للتاريخ انتصار المسلمين على الصلبيين.

وقد فعل مثل ذلك الإشرف خليل حينما نقل بوابة كنيسة سان جان بعكا إلى القاهرة، حيث نصبت في مدرسة زين الدين كتبغا..

وتوجد فوق عتبة باب المسجد المنصوري في طرابلس كتابة عثمانية نصها الشهادتان :( لا إله إلا الله محمد رسول الله ). كما أن على جانبي الباب نفسه عمودان من رخام تتوجهما زخرفة قوطية، وتشكل الأفاريز والخطوط أقواساً فوق البوابة.

هذا وتوجد اللوحة التاريخية لبناء الجامع فوق الباب بطول 260سم وعرض 39 سم وترتكز على  افريزين ناتئين.

 

المئذنة التاريخية:

وأما مئذنة الجامع المنصوري في طرابلس ـ وهي ايضاً من بقايا الكنيسة القديمة ـ فإنها كما جاء في كتاب تاريخ وآثار مساجد ومدارس طربلس للأستاذ عمر عبد السلام التدمري تتكون حالياً من أربعة طوابق:

الطابق الأول خال من النوافذ، أما الطابق الثاني فله نافذتان في جهاته الأربع، والطابق الثالث به عشرة نوافذ: ثلاثة منها في الجهة القبلية، وثلاثة في الجهة الشمالية، وفي كل من الجهتين الشرقية والغربية نافذتان، وكذلك في الطابق الرابع.

والمئذنة في هذا المسجد ليست مربعة كما يخيل للناظر بل هلي مستطيلة نوعا ما، وقمة المئذنة تأخذ شكلاً يشبه القمع في أسفله دائرة تحيط بالبرج الأسطواني الذي يعلوه الشكل القمعي، وهذا القسم حديث البناء.

 

غرفة المؤقت (المؤذن):

ويوجد جنوبي المئذنة فوق الأروقة الشمالية غرفة صغيرة، تعلوها قبة صغيرة أيضاً، وعلى يمينها على أعلى واجهة الأروقة الشمالية المطلة على حصن الجامع لوحة بها خطوط تمثل ساعة شمسية، وإذا ربطنا بين تلك الغرف وهذه الساعة أمكن القول: إن من المرجح أن تلك الغرفة كانت مخصصة لمؤقت الجامع المكلف بضبط أوقات الأذان، حسبما يراه من ظل الشمس على اللوحة المصنوعة.

       وبيت الصلاة في الجامع المنصوري بطرابلس يبلغ طوله 51.50 متراً وعرضه 11.5 متراً.

        وينقسم إلى ثلاثة أقسام: وسط منخفض بمستوى أرض صحن الجامع، وجانبان مرتفعان،     وتتكون واجهة بيت الصلاة التي تطل على صحن المسجد من سبعة عقود، تحتها سبعة أبواب، منها خمسة تفضي إلى الصحن وواحد يؤدي إلى الرواق الشرقي، وآخر اقيمت عنده غرفة تعرف بغرفة الأثر الشريف..

       ويتكون سقف بيت الصلاة من 14 اسطوان، واسطوان المحراب منها تعلوه قبة قائمة على مقرنصات مقوسة.

 

محرابان في بيت الصلاة ومنبر:

وفي منتصف جدار القبلة يقع المحراب الذي يوجد على جانبيه عمودان رخاميان مزخرفان بزخرفة نباتية كأنها النبات الشوكي وفوق المحراب دائرة أحيطت بثلاثة خطوط دائرية متعرجة، كأنها مع الدائرة الغائرة في وسطها زهرة دوار الشمس المعروفة.

وفي الجامع أيضاً محارب آخر في الجانب الشرقي من الرخام وفوقه حجارة سود وبيض على شكل قوس وفي أعلاه لوحة من رخام أبيض فيها بيان صانعه تاريخه.

أما منبر الجامع فهو قديم يقارب تاريخ بناء الجامع نفسه، فقد عمل سنة 726هـ وهو من خشب مزين بهندسة دقيقة، وله جمال وبهاء لزخرفته وأناقته، وهذا ما هو المنبر من خشب طوله ثلاثة أمتار، وعرضه متر واحد، وعلى مصراعي الباب نقش تاريخ صنعه، كما حفرت صورة تقريبية للكعبة المشرفة.

صحن المسجد ورواقاته وأبوابه:

وصحن المسجد تتوسطه بركة ماء تستخدم للوضوء، وفوقها قبة محمولة على أربعة أعمدة ضحمة، وهذه البركة من الرخام الأبيض وفي وسطها نافذة من طبقات ثلاث.

وتحيط بصحن المسجد رواقات بناها السلطان محمد بن قلاوون عام 715هـ.

وللروان الشمالي منها 8 عضادات، فوقها سبعة عقود.

أما الرواقان الشرقي والغربي فلكل منها خمسة عقود. وعلى إحدى عضادات الرواق الشرقي نقشت لوحة فيها خطوط منحنية لمعرفة وقت آذان العصر، وإلى يمنيها لوحة سطر فيها بالخط النسخي المملوكي تاريخ عمارة الأروقة واسم السلطان واسم المهندس المباشر.

ولصحن المنصوري في طرابلس من جهة الشرق بابان: أحدهما يفضي إلى بيت الصلاة، والآخر إلى صحن المسجد.

وفوق الأول المؤدي إلى حرم المسجد لوحة نقش عليها مرسوم السلطان المؤيد شيخ المحمودي في سنة 817هـ، يقضي برفع ما أحدث على أهل طرابلس من مظالم تشمل أنواعاً من القوت، كاللحم والقمح والخبز وغير ذلك.

وفوق الباب الثاني المؤدي إلى صحن المسجد لوحة مماثلة كتبت عام 908هـ، وفيها أيضاً الإعلان عن رفع عدة مظالم عن أهالي البلدة، مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن جامع المنصوري في طرابلس كان من أعظم وسائل إعلان الأوامر والتعليمات وتعميمها على السكان.

 

خيانة عظمى لم تتم ‍:

ويذكر مؤرخو هذا الجامع أنه سنة 793هـ حاول الأمير اياس الجرجاوي ـ لعنه الله ـ الاستيلاء على الجامع المنصوري، وتسليمه للفرنجة ليعيدوه كنيسة لقاء إشباع طمعه ونهمه من الذهب الكثير الذي وعد به من قبلهم، فتصدى له قضاة المدينة (قاضي الشافعية المعري، وقاضي الأحناف الجمال محمود العجمي) مع كبار البلد والعامة من الشعب وحاصروه، وأرادوا أن يرجموه فبلغ ذلك السلطان الظاهر برقوق، فأمر بعزله ونقله إلى دمشق على الفور، ثم نقله إلى القاهرة وصادر أمواله وأهانه، حتى مات ذليلاً سنة 799هـ.

 

فتنة داخلية طائشة:

وقد شهد الجامع المنصوري في طرابلس فتنة كبرى عام 802هـ راح ضحيتها مئات القتلى وعدد لا يحصى من المصابين.

وكان بين القتلى بعض قضاة المدينة وأعيانها. وقد وقعت هذه الفتنة الطائشة في عهد السلطان فرج بن برقوق في السنة الأولى لحكمه وكان نائبه على طرابلس الأمير يونس بلطا الرماح.

 

الجامع المنصوري مركز علمي رائد: 

ولا يفوتنا أن نذكر هنا ما للجامع المنصوري في طرابلس من دور علمي وأثر في نشر المعرفة واشاعة العلم.

ويدلنا على ذلك أن خطباءه خلال فترات طويلة كانوا من أجلة علماء العلوم... فمن خطبائه: ابن المقري المتوفى سنة 784هـ، ويستدل من النقول التاريخية أنه كان يلقي دروس الحديث في الجامع المذكور.

ومن خطبائه: الشمس ابن زهرة محمد بن يحيى توفي سنة 848هـ وكان فقيهاً شافعياً انتفع به خلق كثير، وتولى قضاء الشافعية فترة من الزمن، ودفن في جوار المسجد، ومن خطبائه أيضاً: الشيخ محمد بن هبة الله العالم الحنفي الذي كان أيضاً مفتي طرابلس في حوالي عام 1112هـ، وكان يتناوب خطبة الجامع المنصوري فيها مع الشيخ مصطفى الشافعي... وغير هؤلاء كثير.

وقد نقل لنا أسماء كثير ممن قاموا بالتدريس ورواية الحديث في الجامع المنصوري في طرابلس.

فمنهم الشيخ محمد بن مشرّف بن بيان الأنصاري الدمشقي روى الصحيح غير مرة، وروى عنه كثير منهم الصلاح العلائي وتقي الدين السبكي وخليل بن كيكلدي.

ومن محدثي الجامع سيف الدين بهادر القرمي.

ومنهم الشيخ ابراهيم بن عمر بن ابراهيم المعروف بالبرهان السوبيني نسبة إلى سوبين (قرية من نواحي حماه) وله مؤلفات كثيرة، كشرح فرائض المنهاج، والكامل في شرح الشامل في الجبر والمقابلة.

ومن المدرسين الشيخ عمر بن مصطفى المعروف بابن كرامة توفي بعد عام 1160هـ، كان مفتي طرابلسي، وله مؤلفات منها نظم متن السراجية.

ومن المدرسين الشيخ عبدالقادر الرافعي، كان من أكابر العلماء شاعراً متصوفاً أديباً. ومن المدرسين كذلك الشيخ محمود بن محمد بن عبدالدائم نشابة، من العلماء الأعلام، له حاشية على متن البيقونية في مصطلح الحديث وغيرها.

 

الموقتون للصلوات:

كما ذكر المؤرخون بعض من اشتغلوا في الجامع المنصوري بطرابلس بحفظ مواقيت الصلاة، وتحديد مواعيد الأذان، لإعطاء الإشارة للمؤذن برفع الأذان.

وكانت وسيلة الإعلام بدخول الوقت هي رفع العلم على السارية المثبتة في رأس المئذنة.

ولم يكن يتولى مهمة التوقيت إلا شيوخ عرفوا بأبناء الميقاتي، وجدهم الأعلى هو الشيخ محمد الميقاتي، أحضره السلطان قلاوون من مصر، وعهد إليه بجميع وظائف الجامع لعلمه وشهرته في الفضل ثم تتابع أبناؤه من بعده في ذلك...

ويذكر أنه كان بالجامع المنصوري إثنا عشر مؤذناً يتناوبون الأوقات والأيام فيما بينهم. ويذكر من غريب ما وقع في طرابلس أنه ألمّ بها قحط في أوائل هذا القرن، فضج الناس لانحباس المطر، وعندما طالت مدته ـ يضيف الاستاذ عمر التدمري ـ صعد المئذنة 40 رجلاً، كان اسم كل واحد منهم "محمد"، ورفعوا الأذان لصلاة العصر، ثم صلى بهم الإمام صلاة الاستسقاء بعد العصر، وابتهلوا إلى الله أن يسقيهم، فلم يأت المغرب حتى مطروا وسقي الناس.

 

غرفة الأثر النبوي الشريف:

       وأخيراً فإن في الجامع المنصوري الكبير في طرابلس غرفة في الجهة الجنوبية من الرواق الغربي، سعتها 7.30 طولاً و4.30 متراً عرضا، تعرف باسم غرفة الأثر الشريف، تضم شعرتين من أثر الرسول صلى الله عليه وسلم أهداهما إلى طرابلس السلطان العثمان عبدالحميد في علبة من الذهب الخالص، وأرسلهما إليها مع أحد الباشوات في فرقاطة خاصة...     ويحتفل في هذا الجامع كل سنة مرتان بخصوص زيارة هذا الأثر.

       الأولى: خلال شهر رمضان يوم الجمعة الأخيرة منه بعد صلاة العصر.

والثانية: بعد صلاة الصبح من اليوم السابع والعشرين منه في ليلة القدر، ويجري الاحتفال بحضور عامة أهل البلد وعلمائها وكبرائها.

 

 

 

 

جامع أحمد بن طولون

تمهيد :

ولد أحمد بن طولون في بغداد عام 220هـ لأب مملوك أصله من الأتراك المنغوليين، واشتغل في الجيش العباسي، وترقى في رتبه حتى عهد إليه سنة 254هـ بنيابة مصر، فسار إليها ومازال فيها والياً مطلق الصلاحيات حتى توفي عام 270هـ، بعد أن دانت مصر له ولذريته من بعده مدة ثمان وثلاثين عاماً.

وقد أنشأ خلال حكمه دولة ذات سمعة قوية وامكانيات ضخمة فاقت امكانيات الخلافة نفسها.

ومن منشآت ابن طولون في مصر مدينة القطائع التي جعلها مقراً له ومعسكراً لجنده، ومكانها اليوم شرق حي السيدة زينب جنوب القاهرة.

 

جامع كالقلاع ضخامة وارتفاعاً:

وبعد أن فرغ من بناء القصر في القطائع والميدان، شرع في بناء الجامع سنة 263هـ، واستمر العمل في البناء سنتين كاملتين، ووضع تصاميمه على مثال المساجد الجامعة: من الصحن الكبير المكشوف، والأروقة المحمولة على العقود التي تحيط به من جوانبه كلها.

إلا أنه في ضخامة أسواره وارتفاعها شابه الحصون المنيعة إلى حد بعيد.

ومثل هذه الأسوار الحصينة نجدها في مسجد آخر في العراق هو مسجد مدينة سرمن ر أي ( سامراء ) الذي يتشابه معه مسجد ابن طولون كذلك في مئذنته الملوية.

أقيم المسجد في قطائع ابن طولون على تل مرتفع نسبياً يقال له: جبل يشكر، وهذا لاتل حفظه من عبث الناس واستغلالهم خلال القرون الماضية، فاحتفظ مسجد ابن طولون بهيئته التي كان عليها رغم أعمال التجديد والترميم التي توالت عليه.

وقد كان المسجد بناء مربع الشكل، طول ضلعه 162 متراً مع الزيادات المسورة غير المسقوفة التي أضيفت إليه، والتي نسميها اليوم بالساحات المجاورة، أي أن مساحته تصل إلى 26.143 متراً مربعاً وهي مساحة ترفعه إلى مستوى أضخم المساجد تقريباً ، ومن تلك المساحة صحن مكشوف تربيعه 92 متراً في مثلها، طولاً وعرضاً.

الوصف العام لبيت الصلاة:

وبيت الصلاة في مسجد ابن طولون فسيح واسع ذو جمال خاص، فهو يتكون من خمسة أساكيب تقوم على عقود مدببة من الحجر الآجر، أما عدد أروقته فسبعة عشر رواقاً من صحن المسجد إلى جدار القبلة.

وقد غطيت دعامات العقود بزخارف من الجص على شكل نباتات جميلة.

وكانت تلك الدعامات ضخمة نتيجة كونها مبنية بالطوب، فقد عَدَل بنّاء هذا الجامع عن اللجوء إلى الأعمدة الرخامية، وذلك لعدم تناسقها أحياناً في الألوان أو الأحجام من جهة، ولكي ينفذ رغبة ابن طولون في التورع عن أخذ أعمدة الكنائس والأديرة الخربة المهجورة كما فعل غيره.

 

المحاريب المتعددة:

وفي بيت الصلاة في مسجد ابن طولون محاريب متعددة كما هو معروف في الكثير من المساجد الكبرى كالجامع الأزهر والمسجد الأموي وبعض المساجد من أيام المماليك.

وتعددها يرجع إلى تعدد الدول والولاه الذين اعتنوا بالمسجد وجددوه غالباً، كما يرجع أحياناً قليلة إلى تعدد مذاهب المصلين والعلماء الذين درسوا فيه..

وعدد محاريب مسجد ابن طولون خمسة، أكبرها وأهمها الأوسط، وهو محراب مجوف عمل أيام السلطان المملوكي سيف الدين لاجين سنة 696هـ، وقد زخرف هذا المحراب بالفسيفساء الزجاجية المذهبة الملونة، كما نقشت فيه الشهادتان، وله قبة مصنوعة من الخشب المزخرف بالألوان.

وكان هذا المحراب وقبته من صنع أو فى السلطان لاجين الذي نذر عندما اختفى في منارة مسجد ابن طولون أيام فتنة قتل الأشرف خليل بن المنصور قلاوون، فانه نذر إن نجاه الله من خصومه الذين يتتبعونه ليعيدن بناء هذا السمجد الذي عفا على كثير من معالمه الزمن، وفعلاً فإنه أصلحه إصلاحاً شاملاً، وأصلح شبابيكه، وعمل القبة أعلى المحراب.

وإضافة إلى ذلك فإنه عمل المنبر والمنارة والقبة بوسط الصحن، وعمل سبيل الماء الملاصق للجامع..

كما يوجد على يسار المحراب الكبير في جامع ابن طولون محراب جصي جميل حافل بالزخارف والكتابات الكوفية النسخية البديعة يرجع تاريخه إلى منتصف القرن السابع الهجري.

 

المنبر البديع:

ومنبر جامع ابن طولون القديم نقل إلى الجامع الظاهري الذي تلاشى حالياً..

ولكن لمسجد ابن طولون حالياً منبر من عمل السلطان لاجين سنة 696هـ،  وهو منبر خشبي جميل اتخذت حشواته من خشب الساج الهندي والأبنوس، وقد نقشت عليه نقوش مورقة في نهاية الدقة تدل عل مهارة الصانع ورفيع ذوقه.

كما كتب على بابه كالمعتاد في مثل هذه الأعمال اسم السلطان الذي أمر بعمله وتاريخ صنعه.

 

زخارف تغطي الجدران الداخلية:

وبيت الصلاة في المسجد يزين جدرانه إزرار خشبي يحيط بأروقة الجامع، مكتوب فيه بالخط الكوفي البارز سورتا البقرة وآل عمران...

وتتخلل الجدران الداخلية للمسجد نوافذ ذات عقود مدببة مغطاة بالجص المزين بالنقوش المتنوعة. وعدد هذه النوافذ ثمانون نافذة، منها أربعة من طراز خاص قوام رسمها دوائر متشابكة، يعتقد بأنها ترجع إلى زمن ابن طولون القديم..

أما عدد النوافذ في الجدران الأربعة كلها في مسجد ابن طولون فيبلغ مئة وتسعاً وعشرين نافذة تنوعت أشكال تفريعها الهندسية والنباتية، إلا أنها احتفظت بزخارف أطرها الخارجية .

ويضيف الأستاذ حسن عبد الوهاب في كتابه (تاريخ المساجد الأثرية في القاهرة) قوله عن بيت الصلاة في مسجد ابن طولون: ( وعلى يمين المنبر باب كان يؤدي إلى دار الإمارة التي أنشأها أحمد ابن طولون، وأثثها بالفرش والستور، وكانت مخصصة لنزوله حينما يذهب إلى صلاة الجمعة، فيجلس فيها ويجدد وضوءه، ثم يدخل منها إلى مقصورة المسجد (وهي أشبه ماتكون بالاستراحة الخاصة في المسجد).

وقد ذهبت هذه الدار، ولم يبق منها سوى مدخلها وبه بقايا كوابيل للسقف تمثل رأس فيل بنابيه، وهي طرفة نادرة.

وزخارف على عقود البوائك:

أما صحن مسجد بن طولون ففسيح واسع يملأ النفس روعة وإجلالاً، ويزيد في روعته الجدران العالية المحيطة به كالأسوار، وتطل عليه البوائك من كل جانب من جوانبة الأربعة : فبيت الصلاة في وجهه، وله مجنبتان يمنى ويسرى من حواليه، وخلفه مجنبة رابعة، وتقوم المجنبات تلك على عقود وأيوانات حلي باطنها بزخارف جصية تكشف لنا عن عبقرية الصانع التي تجلت فيها .

ويقول: حسن عبد الوهاب في كتابه القيم (تاريخ المساجد الأثرية) إن تلك الزخارف مكونة من خطوط متقاطعة بداخلها زخارف مورقة، تنوعت إلى درجة أنها اختلفت في كل عقد منها.

ولم تقف عبقرية الصناع عند هذا الحد، بل شملت زخارف الجامع بأكمله حتى اشتمل هذا الجامع على أغنى مجموعة وأقدمها من الزخارف الجصية..

ثم ينقل مضمون لوحة تذكارية لإنشاء المسجد بالخط الكوفي البسيط وجدت على احدى دعائم الإيوان الشرقي، وفيها بعد آية الكرسي وآيات أخرى مختارة النص التالي: أمر الأمير أبو العباس أحمد بن طولون.. ببناء هذا المسجد المبارك الميمون من خالص ما أفاء الله به عليه، وطيّبه لجماعة المسلمين، ابتغاء رضوان الله والدار الآخرة، وإيثاراً لما فيه تسنية الدين وأُلفة المؤمنين ورغبة في عمارة بيت الله وأداء فرضه وتلاوة كتابه ومداومة ذكره... إلى آخر الوثيقة الرائعة.

 

صحن المسجد والقبة فيه:

ويحيط بالمسجد من جهاته الثلاث ـ سوى جهة القبلة ـ أروقة غير مسقوفة، تسمى الزيادات، من ورائها أسوار الجامع العالية...

وتتخلل تلك الأسوار أبواب عددها واحد وعشرون باباً بعدد أبواب الجامع.

وتتوسط صحن المسجد الفسيح حالياً قبة كبيرة يعود تاريخها إلى السلطان المنصور لاجين، وهي بناء ضخم طوله 14متراً وعرضه 13 متراً تقريباً، محمولة على أربعة عقود، ولها سلم معمول في سمك جدارها يوصل إلى سطحها المربع، وفي السطح هذا علامات الزوال لمعرفة أوقات الصلاة.

وقد زخرفت القبة من الداخل بآيات قرآنية، بينما حليت شبابيكها من الخارج بزخارف وكتابات كوفيه، وفي وسط القبة فسقية ( بركة ماء ) للوضوء .

وقد كان مكانها قبة قديمة بناها ابن طولون منشئ المسجد، وكانت تلك القبة الطولوينة مشبكة من جميع جوانبها، وعلى جوانبها عشرة أعمدة من رخام فوقها قبة مذهبة بينما يحيط بها سته عشر عموداً في جوانبها وتحت القبة قصعة رخامية مربعة الشكل في وسطها فوارة يتدفق منها الماء.

إلا أن تلك القبة احترقت عام 376هـ،  فأنشأ العزيز بالله قبة ثانية مكانها عام 385هـ، إلا أن المنصور لاجين في زيادته الشهيرة وعمارته للمسجد أقام القبة الحالية محل قبة العزيز بالله.

 

المنارة الملوية الفريدة:

ولمسجد ابن طولون منارة ليس لها سابق ولا مثيل في المساجد التاريخية المعروفة، إلا في مسجد سامراء، وتسمى هذه المنارة بالملوية.

وموقعها في حائط الزيادة الغربية، مستقلة عن المسجد، وهي مبنية من الحجر، وتقوم على قاعدة طولها 13.5 متراً، ولها سلم خارجي يدور حول بدنها حتى أعلاها، وهي المنارة الوحيدة بهذا السلم في مصر.

وهي تتكون كما يقول الأستاذ حسين مؤنس من أربع طبقات:

الأولى مربعة الأضلاع، والثانية مثمنة الأضلاع، والثالثة مثمنة كذلك، والرابعة على نفس الهيئة كشكل مبخرة فوقها قبة صغيرة.

وقد انشأ هذه المنارة ابن طولون، ثم لما اختفى فيها ااسلطان المنصور لاجين ـ وكانت متخربة ـ قام بتجديدها فيما قام به من أعمال في مسجد ابن طولون بعد نجاته.

 

الجهود المتتابعة في خدمة المسجد:

ويذكر المؤرخون لمسجد ابن طولون أن أول من رمم المسجد بدر الجمالي الوزير الفاطمي، بعد حريق ألمّ به، وكان ترميم الجمالي له عام 470هـ، ثم عمره الخليفة الحافظ لدين الله عام 526هـ.

وكان حجاج المغرب قد اتخذوه نادياً لهم ينزلون فيه عند مرورهم بمصر للحج مما حدا بكثير من أهل الصناعات والبيوعات إلى استغلال أجزاء منه، قبل أن يأتي السلطان حسام الدين لاجين ـ كما قدمنا ـ عام 696هـ فيصرف على عمارته من خالص ماله 20 ألف دينار.

هذا، عدا ما ابتاعه من أراض زراعية في الجيزة، ثم وقفها على المدرسين والمشتغلين والموظفين بالجامع، بعد أن رتب فيه دروساً للحديث والتفسير و الفقه على المذاهب الأربعة، كما رتب فيه مدرساً للطب، وبنى مكتباً لتحفيظ الأولاد القرآن الكريم وسبيلاً لسقاية العطشى.

وفي أيام محمد بن قلاوون بنى فيه ناظر المسجد القاضي كريم الدين الكبير منارتين اسطوانيتين على طرفي جداره الشرقي، إلا أنهما هدمتا في القرن الماضي لظهور خلل فيهما.

وفي سنة 792هـ أدخل فيه كبير التجار عبيد بن محمد البازدرا رواقاً بجوار المنارة وزاد فيه ميضأة.. وقد زالتا.

كما زالت التربة والمصلى اللتان أنشأهما عام 930هـ الشيخ شرف الدين المديني.

وقد بقي المسجد مهملاً، بل تعرض للتخريب، حتى بدأت الجهات المختصة بالآثار بالاهتمام به، وترميمه على مراحل، ابتداء من عام 1882 م وحتى يومنا هذا.

 

أمنية الأثر الخالد تحققت في المسجد:

إن مسجد ابن طولون هو ثالث جامع انشئ للجمعة والجماعة في مصر، وقد كان مركز الدولة الطولونية الديني والإجتماعي وحصنها الحصين، وبقي حتى اليوم شاهداً على مدى اهتمام المسلمين بتوسعة مساجدهم والعناية بها واجلالها...

لقد كان حلم أحمد بن طولون أن يبقى هذا المسجد ويبقى معه اسمه وسيرته وفعلاً كان له ما أراد.

جاء في خطط المقريزي إن ابن طولون عندما أراد أن يبني مسجده قال: أريد أن أبني بناء أن احترقت مصر بقي وإن غرقت بقي، فأشاروا عليه أن يبنيه بالجير والرماد والآجر الأحمر، ولا يجعل منه أساطين رخام، لأنه لاصبر له على النار فاستجاب ابن طولون للرأي، وبني في مؤخرة المسجد ميضأة، وخزانة شراب فيها جميع الأشربة والأدوية، وعليها خدم، وفيها طبيب جالس يوم الجمعة لحادث يحدث للمحاضرين للصلاة ( أي للطوارئ) فكان المسجد الضخم وما ألحق به من المرافق من المساجد الجامعة الأولى في عالم الإسلام، التي تميزت بتقديم الخدمات الطبية للمصلين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مسجد لندن

 

تمهيد :

تضم مدينة لندن من المسلمين ما لا تضمة أن عاصمة أخرى في أوربا الغربية.

ويرجع تاريخ المسلمين في بريطانيا عموماً إلى أخريات القرن التاسع عشر، حين اعتنق الإسلام اللورد استانلي أوف الدرلي أحد نبلاء الانجليز، وكان سفير بريطانيا في الآستانه،وقد سمى نفسه عبد الرحمن.

ثم تبعه  إلى الإسلام بعد ذلك المستر كويليام أحد أعيان ليفربول، وسمى نفسه عبد الله ، وكان متكلماً فصيحاً، مما لفت إليه السلطان العثماني عبد الحيمد، الذي استدعاه إلى تركيا وعينه شيخاً للاسلام في بريطانيا، فرجع عبد الله إليها، وحول قسماً من بيته إلى مسجد،وأصبحت داره وملتقى لمحبي المدنية الإسلامية، ثم أصدر جريدتين إسلاميتين أخذ ينشر فيهما آراءه، ويدعو إلى الإسلام من خلالهما.

وإذا كانت هذه هي بداية الوجود الإسلامي في (لندن) عاصمة الضباب، فإن الوضع اليوم يختلف كلياً عما سبق، حيث هناك ما لا يقل عن (...,...,1) مليون مسلم، يكونون جالية لها وزن ووجود، وتستطيع ــ لو أنها توحدت ونسقت أعمالها ــ أن يكون لها تأثير أكبر في المجتمع البريطاني من جهة، وأن تكسب المزيد من الحقوق الاجتماعية من جهة أخرى.

 

المسجد الأول في بريطانيا:

وقبل أن نخوض في الحديث عن أضخم وأهم مسجد للمسلمين في بريطانيا، نذكّر أنفسنا بأن أول مسجد بني فيها ــ حسبما ذكر ريتشارد اتنجهاوزن في مقال  عن الفنون الآثار الإسلامية ــ مسجد بناه المعماري الإنجليزي سير دبليام تشامبرز واضع تصميمات الحدائق والميادين ببلدة كيو في اقليم صرى قرب لندن.

وقد بنى هذا المسجد ضمن مجموعة تلك المباني المختلفة على الطراز العثماني.. وبالطبع فإن هذا المسجد لم يكن مقصوداً ببنائه إقامة الصلاة واجتماع المسلمي، بل بني كمجرد نموذج معماري غريب لأمم الشرق المتمدنة.

 

الامبراطورية البريطانية والمسلمون:

والحقيقة هي أن الاهتمام بتأسيس مسجد في لندن بدأ في أوائل هذا القرن، حينما كانت بريطانيا امبراطورية متسلطة على كثير من المناطق في العالم، وكان يزيد إذ ذاك عدد المسلمين بين رعاياها على عدد المسيحيين، الأمر الذي أثاربناء مسجد على شكل اقتراحات يقصد بها مجاملة المسلمين في عاصمة الامبراطورية، وقد حمل الحماس لهذه الفكرة سلطان حيدر آباد المسلم على أن رصد مبلغاً من المال لهذا الهدف النبيل، ولكن الأمر لم يحمل على محمل الجد لدى الإنكليز آنذاك، إذ لم يكن الأمر لديهم أكثر من فكرة تروق للتابعين المستعبدين من الرعية دون سادتهم.

 

السفير (حسن) واللورد (لويد) والرئيس (وتشمبرين):

وبقي الحلم نائما،ً حتى بدأت في عام 1940 مرحلة أخرى أكثر نشاطاً وفاعلية، يرجع الفضل فيها إلى سفير مصر لدى بريطانيا آنذاك حسن نشأت باشا.

فقد استطاع هذا المسلم بما له من علاقات وطيدة مع لورد (لويد) رئيس المجلس النيابي البريطاني، والمندوب السامي لبريطانيا في مصر قبل ذلك، أن يقنعه بأهمية تشييد مسجد للمسلمين في لندن، وأن ذلك سيلقى استحسانا طيباً لدى جميع المسلمين، وخاصة رعايا الدولة البريطانية التي لا تجهل أهمية العالم الإسلامي لديها.

فقام على أثر ذلك اللورد (لويد) بإثارة الموضوع مع رئيس الوزراء البريطاني (نيفل تشمبرين) مذكراً إياه بالإضافة إلى ما سبق بأن الحكومة المصرية سبق لها أن تبرعت قبل ذلك بسنوات بأرض في قلب القاهرة للجالية البريطانية في مصر، لتقيم عليها كنيسة خاصة بها ، وهي التي تقع حاليا على النيل بشارع الكورنيش قرب ميدان التحرير وفندق هيلتون.

وقد لقي اقتراح (لويد) استجابة فورية إذ ذاك، وزادت الحكومة البريطانية على ذلك، بتقديم مبلغ (100) ألف جنيه من الخزانة البريطانية لهذا الهدف.

وسرعان ما شكل المسلمون لجنة من سفراء الدول الإسلامية التي لها تمثيل سياسي في انكلترا في ذلك الوقت وهي (مصر والسعودية وإيران وتركيا) وقامت تلك اللجنة بشراء قصر من قصور ملك بريطانيا إذ ذاك (جورج السادس) يقع في حي ريجنت لودج في قلب لندن، ويضم القصر المذكور إضافة إلى المبنى أرضاً مساحتها فدانان وثلاثة أعشار الفدان، تشكل حديقة من أروع حدائق لندن.

وقامت هذه اللجنة بتسلم الموقع كاملاً رسمياً من مفوض أملاك التاج البريطاني ، واجتهدت في تحويل القصر القديم إلى مسجد فكان أن أخذ المبنى صورة امسجد من الهند بعد اجراء بعض التعديلات عليه، وأقيم إلى جانبه في نفس المبنى المركز الثقافي الإسلامي الذي يعرف كل زوار لندن من المسلمين.

 

تقليد طيب ، وعضوية شاملة:

ومنذ ذلك الحين جرى العرف والتقليد على أن يعتبر سفير أي دولة مسلمة عضواً في مجلس أمناء يمثل السلطة النهائية المسؤولة عن تنفيذ مشروعات المركز والمسجد ورعايتها، وقد بلغ أعضاء مجلس الأمناء هذا ما يزيد على تسعة وعشرين عضواً.

وعادة ما يكون أقدم السفراء رئيس المجلس، يعاونه نائبان يليانه في الأقدمية، ويختار سكرتير للمجلس من بين السفراء .

والمفروض تبعاً لذلك أن تسهم كل دولة بنصيب من نفقات المركز كل عام.

 

المسجد القديم ... وامكانيات محدودة:

وفي الفترة الأولى من تأسيس المركز، كانت ردهة المدخل مصلى، وكانت تضم إليها بعض القاعات عندما تشتد الحاجة لاستيعاب الاعداد الكبيرة من المصلين، التي قد تصل في بعض المناسبات إلى ألف مصل.

بينما تم تخصيص بقية أجزاء المبنى لأعمال المعهد الثقافي الإسلامي، الذي نهض بإنشاء مكتبة فخمة تضم آلاف الكتب، كما قام بإعداد إصدار مجلة دينية ثقافية باللغة الانجليزية تصدر بانتظام، وقد عهد بتحريرها إذ ذاك إلى الشيخ علي عبدالقادر سكرتير المعهد المذكور... وبذلك كان هذا المركز في حينه خلية عمل متواصل في بلاد بعيدة نائية.

 

الحاجة الماسة.. والمعوقات الكثيرة:

وقد اتجه الجهد الأكبر لمجلس أمناء مسجد لندن ـ بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ـ إلى محاولة إقامة مسجد يمثل العالم الإسلامي أجمع.

وقد صادف بناء المسجد عقبات لم تكن بالحسبان، فقد أعد تصميم للبناء المقترح قدمه المهندس المصري المشهور رمزي عمر، وقدرت تكاليف البناء حينذاك بربع مليون جنيه ، وأرسي حجر الأساس فعلاً عام ،1954 ولم يبدأ التنفيذ نظراً لعدم توافر الأموال اللازمة.

ثم حدثت حرب السويس عام 1956 فأطالت أمد التأخير فترة أخرى، واضطر القائمون على أمور مسجد لندن ومركزه الثقافي إلى الانتظار حتى عام ،1959 عندما أبدوا استعدادهم للبدء في التنفيذ.

وهنا حدثت مشكلة أخرى، فقد رفضت بلدية لندن ولجنة الفنون الجميلة ـ التي من اختصاصاتها المحافظة على الهيئة العامة للمدينة ـ التصميم الذي قدمه المهندس رمزي عمر ،بحجة عدم انسجامه مع الطراز المعماري مع المباني المحيطة به في حي وحديقة ريجنت ، وخاصة مجموعة البيوت ذات الطراز الاغريقي.

وكان رفض المخطط في حينه ضربة قاسيةثبطت همة أعضاء أمناء المسجد والمركز لفترة طويلة، لأنها أشعرتهم بأن هناك تعمداً في عرقلة الترخيص أوتأخيره والتشدد معه.

 

آمال منعشة وخطوات عملية:

وهكذا، فلم تتخذ أية خطوة حاسمة للبدء في تنفيذ المشروع حتى عام ،1969 عندما أعاد سفراء الدول الإسلامية المحاولة ثانية ـ وخاصة سفراء مصر والكويت والسعودية وباكستان ولبنان ـ فطرح بناء المسجد على شكل مسابقة، تقدم إليها اثنان وخمسون تصميما،ً فاز منها التصميم الذي قدمه المهندس البريطاني المعروف السير فرديريك جِبَرت، وكان تصميمه مشروعاً أنيقاً بديعاً اختارته لجنة تحكيم محايدة تضم ثلاثة أعضاء مختصين بينهم مسلم واحد.. وأجرت عليه بعض التعديلات الطفيفة.

وتم بعد أخذ ورد وجهود حثيثة الحصول على التصريح بالبناء عام 1973.

ولم يكد يطل عام 1974 حتى بدأ العمل الفعلي في البناء، وكانت تقديرات التكلفة وقتها ثلاثة ملايين ونصف المليون من الجنيهات. ولكن وصلت التكلفة النهائية إلى ستة ملايين، أمكن تدبيرها بفضل الله، ثم بفضل سخاء وبعد نظر العديد من الحكومات الإسلامية، التي تعلم جيداً الأهمية الحضارية والثقافية والدينية لمثل هذا المسجد الكبير في لندن عاصمة الامبراطورية البريطانية السابقة.

 

أربع وحدات.. أهمها المسجد ( بيت الصلاة):

ويتكون المبنى في مسجد لندن من أربع وحدات رئيسية هي: السمجد، والمركز الإسلامي، ومباني السكن، ووحدة الخدمات.

ويتكون المسجد من طابقين، وبكل طابق قاعة كبرى للصلاة. فأما الطابق الأعلى منهما فهو مبنى المسجد، ويقوم بصفة أساسية على أربعة أعمدة توجد ظاهرة بالقاعة الكبرى بالطابق الأسفل، وقطر كل منها ثلاثة أقدام وربع قدم ترتكز على قواعد تمتد سبعين قدما تحت الأرض ، وهي يتناقص قطرها في الأعلى ليغدو عشرين بوصة تقريباً.

        وعلى الأعمدة في أعلاها شيدت قواعد أشبه بالعمائم المخروطة الشكل تحت السقف. وتنار هذه القاعة بثريا ضخمة تتدلى من السقف، كما تزين النوافذ فيها بسواتر خشبية محفورة بزخارف إسلامية.

       وتستخدم هذه السواتر كذلك أمام شرفة السيدات.

 

القبة الجميلة الضخمة:     

وتعلو بيت الصلاة  في مسجد لندن قبة كبيرة مغطاة بالنحاس الأصفر اللماع، وفوق الطبقة النحاسية طبقة من البلاستيك لوقاية القبة من تأثيرات الجو. كما أن هيكلها كله محاط بوحدات وعوارض واقية ضد ضغط الرياح.

والقبة هذه ترتكز على سور دائري من الأسمنت المسلح وسط السقف ترتكز عليه قاعدة القبة، التي هي عبارة عن هيكل معدني خفيف ذو جوانب أربعة تشبه الحوائط المحدبة.

ويرتفع فوق القبة الهلال الإسلامي شامخاً على عمود من النحاس فيه ثلاث كرات نحاسية متتابعة.

ولأجل إضفاء لمسات من الفن الإسلامي، فقد عمدت الشركة المنفذة للمبنى (وهي شركة انجليزية شهيرة) إلى جلب مربعات القاشاني المحلى بالفسيفساء من تركيا لتزين بها اطار القبة السفلي من الداخل، كما عهدت بأعمال الزخرفة على الجدران والأخشاب إلى متخصصين من مصر والمغرب الجزائر وتونس.

وبداخل بيت الصلاة الرئيسي هذا شرفة أنيقة لصلوات السيدات.

 

القاعة السفلى تحت المسجد:

وتحت هذه القاعة الرئيسية للصلاة طابق أسفل مقسم إلى حجرات للمحاضرات والاجتماعات والفصول الدراسية.

ويمكن إزالة الحواجز الفاصلة بينها لتستخدم مكاناً للصلاة في الأعياد والمناسبات المماثلة.

وبالقرب منها دورات المياه والحمامات وميضأة للرجال وحجرة كبيرة للملابس وأخرى تستخدم مخزنا.

 

المنارة الشامخة:

أما المنارة فهي أكثر أجزاء المسجد لفتاً للأنظار خاصة في تلك البلاد التي تشعر فيها المساجد بالغربة والوحشة.

ويبلغ ارتفاع مئذنة مسجد لندن 141 قدما (نحو 50 مترا) وهي مقامة على 28 عموداً مجوفاً، ويوجد بها سلم حلزوني ومصعد كهربائي في الوسط.

وتعلو المئذنة شرفة الأذان التقليدية، وهي ذات اثنى عشر جانبا.

وقد تم طلاء المئذنة بلون أبيض ثابت، استخدم فيه رش مادة الراتنج لتثبيت طبقة رملية خشنة ذات لون أبيض.

وفوق المنارة يتربع هلال كبير يحي في النفس دلالات اسلامية كثيرة.

 

صحن المسجد والرواقات:

وصحن مسجد لندن فسيح مغطى بمربعات من الرخام الصناعي، وينفتح بيت الصلاة في هذا المسجد على صحن الجامع بصف من البوائك تشكل رواقاً يعيد إلى الأذهان رواقات المساجد القديمة، مع ملاحظة أن المبنى في مسجد لندن مركب من قطع مسبقة الصنع، لذلك فهي فقيرة في التعبير الفني والايحاء، الذي تتميز به سائر المساجد في عالمنا الإسلامي.

ولاشك أن عوامل السرعة ونقص التمويل حملا منشئي المسجد على ذلك.

 

المرافق  الملحقة والمكتبة:

وهناك مرافق كثيرة ملحقة بالمسجد، مثل جناح السكن المكون من ثلاث طوابق تضم أربع شقق، ومثل موقف السيارات المسقوف الذي يتسع لستين سيارة، وإلى جانبه حجرات لتجهيز الموتى، وحجرات للمعدات الآلية المخصصة لتكييف الهواء والتدفئة ومقاومة الحريق وغير ذلك.

إلا أن أهم الملحقات المكتبة الضخمة التي فيها أكثر من خمسة عشر ألف كتاب في شتى العلوم الإسلامية، وهي تخطط لاستيعاب خمسين ألف مجلد، وبها حجرة للمطالعة تتسع لأكثر من مائة قارىء، وخدماتها للمختصين والباحثين ومحبي الثقافة وراغبي المعرفة لا تخفى.

ولا يفوتنا أن ننوه إلى النشاط الواسع الذي يقوم به المركز الإسلامي أو مسجد لندن خاصة إذا علمنا أنه ليس مسجداً فقط للعبادة كما نعرفه عن مساجدنا في بلادنا.

بل يقوم بأدوار اجتماعية وثقافية وتعليمية وأسرية.

وبالطبع فإن أهم النشاطات ما يتعلق بالعبادات والتوجيه الديني، فهو يفتح أبوابه من طلوع الفجر إلى ما بعد صلاة العشاء  لتأدية الصلوات الخمس، وفي يوم الجمعة يزدحم بمئات المصلين الذي يرتفع عددهم في الصيف إلى آلاف. أما في عيدي الفطر والأضحى فيشارك في الصلاة أكثر من خمسة عشر ألفاً يؤدون الصلاة في جماعات متتابعة.

وتؤدى في المسجد صلاة الجنازة على من مات من المسلمين هناك.

كما تنظم احتفالات بالمناسبات الدينية كالهجرة وميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، والإسراء والمعراج.

ولرمضان نصيب كبير خاص من الاجتماعات واللقاءات والدروس والمسابقات.

 

الخدمات الاجتماعية والأسرية:

كما يقوم مسجد لندن باجراء عقود الزواج بين المسلمين، ويحتفظ بسجلات خاصة بذلك ، ويتدخل لنصح الأزواج وتسوية الخلافات داخل الأسر، فإذا لم يتمكن من الاصلاح فيمكن أن تسجل فيه حالات الطلاق.

ويتعهد المساجين من المسلمين ويحاول تخفيف المصاب عنهم، وكثيراً ما تتم زيارة المرضى بالمستشفيات واهداؤهم المصاحف والكتب الدينية.

ويحتفظ كذلك بعناوين المحلات التي يتوفر فيها اللحم الحلال، إضافة إلى قائمة بعناوين المساجد والهيئات الدينية في كثير من مدن بريطانيا والعالم.

 

الدور التعليمي والثقافي:

وينظم مسجد مركز لندن الإسلامي فصولا دراسية في عطلة نهاية الأسبوع، كما يدعو كبار المفكرين والعلماء المسلمين لإلقاء محاضرات وعقد ندوات.

وقد نظم عدة اجتماعات بشأن توحيد الاحتفال بالأعياد وتوحيد بدء ونهاية رمضان حتى تكونت لجنة تدعى لجنة رؤية الهلال تجتمع دورياً بالمركز.

ويتمتع المركز الإسلامي في لندن بصلات وثيقة مع الهيئات والمؤسسات الثقافية الإسلامية في البلاد الإسلامية وغيرها.

ويجمع التبرعات والمساعدات للمنكوبين من المسلمين.

ويقوم بدور جيد في ايجاد علاقات طيبة بين الجاليات الإسلامية والسلطات والمجتمع البريطاني

ويسجل حالات إشهار إسلام المهتدين الجدد وغير ذلك من الأنشطة التي نراها نحن  في بلاد المسلمين متفرقة في جهات دينية متعددة  بين إدارات الأوقاف والشئون الإسلامية والعدل والبلدية وغيرها، ويقوم بها المركز الإسلامي في لندن مجتمعة على حد سواء.

وتصدر عن المركز مجلة فصلية باللغة الانكليزية لها وزن لدى الهيئات العلمية. كما يصدر إخبارية عن المسلمين ونشاطات المركز وبعض الفتاوى والتوجيهات.

وقد نشر المركز كتباً عدة عن فلسطين والصلاة والحج والصيام وقانون الأسرة وحقوق الإنسان في الإسلام ومواقيت الصلاة وامساكية لشهر رمضان...

إنه مسجد لا كالمساجد...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جامع الإمام الأعظم

 

تمهيد :

كنيته أبو حنيفه، واسمه النعمان بن ثابت، غلبت كنية اسمه حتى كان أشهر من نار على علم، فهو إمام الأئمة وفقيه الفقهاء وعلم الأعلام.

ولد عام 80هـ، وتوفي عام 150هـ عن عمر يناهز السبعين.

كان آية من آيات الله في الذكاء والحفظ والاستنباط، نشأ في الكوفة في بيت يسار ودين، أخذ العلم عن فحول العلماء كعاصم الشعبي وحماد وغيرهم، وأخذ عنه كثيرون ممن نبغوا في العلم عامة "والفقه خاصة" كمحمد بن الحسن وزفر وأبو يوسف وآخرون... بلغ عدد المتفوقين منهم سته وثلاثين رجلاً.. له مذهب فقهي معروف باسم المذهب الحنفي  يتبعه أكثر مسلمي العالم.

توفي في بغداد أيام المنصور. وكانت له جنازة حاشدة قلّ نظيرها. ودفن في مقبرة الخيرزان في جانب الرصافة.

 

قبة بيضاء سامية:

ولم يكن عنده قبره رحمه الله مسجد أول الأمر، حيث كان ما حوله مقبرة لعموم المسلمين، إلا أن بعض المراجع ـ كالمقدسي ـ ذكرت أن أبا جعفر الزمام بنى على قبره رواقاً عام 379هـ، ولعل ذلك بعد أن هجرت المقبرة وتحول الناس عنها.

وفي عام 459 هـ بنى الملك أبو سعيد محمد بن منصور الخوارزمي "من ملوك السلاجقة" مشهداً أو قبة على قبره، وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنفية. وقد وصف ابن جبر عام 5870 هـ ذلك البناء وصفاً مجملاً فقال: (وفي تلك المحلة مشهد حفيل البنيان، له قبة بيضاء سامية في الهواء فيه قبر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وبه تعرف المحلة ( أي محلة أبي حنيفة).

 

أهمية كبيرة... وتغيرات كثيرة:

وإذا أردنا أن نتحدث عن جامع الإمام أبي حنيفة ومدرسته ( أو جامعته على الصواب ) وهما الآن من أهم الآثار والمساجد التاريخية في عالم الإسلام، بسبب ما للإمام وتلامذته ومذهبه من فضل كبير ومنة عظيمة على جميع المسلمين ـ فإننا نستطيع القول إن هذا الجامع وما حوله قد تغيرت صورته أكثر من مرة عما كان عليه أولاً، لما قام به الكثير من الملوك والأمراء ونظار الوقف، من إحداث ترميمات أو تجديد بناء أو إضافة مرافق أو استحداث بدائع.

 

العثمانيون أكثر الناس اهتماما:

ويبدو أن العثمانيين كانوا أكثر الناس اهتماماً بمسجد ومدرسة الإمام أبي حنيفة، فعندما دخل السلطان سليمان القانوني عام 941هـ بغداد، وطرد الفرس الذين احتلوها إذ ذاك فترة من الزمن، باشر بإصلاح وتعمير ما خربوه، وإقامة بناء ما هدموه، فأقام مسجد الإمام ومشهده، وبنى له منارة، وأعاد بناء المدرسة المجاورة له.

ذكر ذلك العزاوي فقال: إنه بنى قبة لا يستطيع اللسان وصفها، وبنى المدرسة وعمر في أطرافها قلعة واتخذ جامعاً ودار ضيافة وحماماً، ونحو 50 دكاناً، وعين للقلعة دزدار (مسئولاً) وجنداً لحراستها يبلغون مئة وخمسين.

وقد فعل السلطان العثماني مرادخان الرابع عام 1048هـ مثل ما فعله سلفه سليمان القانوني، فأخرج الفرس من المدينة ثانية، وأعاد بناء الجامع واعتنى بالقبة ـ وهي التي فوق المشهد الآن ـ وجاء بقسم من قبيلة العبيد فأسكنهم حول الجامع وهم آل بوعلي وآل بوحسن.

كما أعاد بناء المدرسة الملحقة بجامع الامام أبي حنيفة، وعين فيها مدرسين وطلاباً، وأجرى لهم مايكفيهم ويكفي المترددين على المسجد، وأمر بإقامة الجمعة في المسجد إضافة إلى الصلوات الخمس.

وكان مما زين به تلك الأبنية قناديل من ذهب وفضة، وبالغ في تزيين الجامع والمشهد، حتى صار كجنة الفردوس كما عبر عنهما بعض الكاتبين.

وفي عام 1080هـ زاد فيه أخ الوزير محمد بك الدفتري رواقاً، كما أن عمر باشا والي بغداد في عام 1090هـ اعتنى بحديقته فجعلها بهجة للناظرين، وفي عام 1217 هـ رمم مسجد الامام الأعظم الوالي سليمان باشا، وزوّق المئذنة بأنواع الزخارف، وحلى رأسها بالذهب، وفي عام 1231هـ بنى داود باشا المصلى.

 

نذر أم السلطان (برتونيال):

وقد أعيد بناء الجامع كاملاً إلا المنارة والقبة سنة 1288هـ بأمر من السلطان العثماني عبدالعزيز فقد أصاب أم السلطان عبدالعزيز مرض كادت أن تهلك فيه فنذرت لئن شفاها الله لتجددن مسجد الامام أبي حنيفة فشفيت بإذن الله. ولما أمر ولدها السلطان عبدالعزيز بتجديد المبنى خصصت هذه السيدة الشريفة واسمها( برتونيال) مبلغ ثمانين ألف ليرة عثمانية من الذهب وكان مبلغاً خيالياً في حينه، وقد دفعتها خلال سنوات بناء المسجد الخمسة.

وكان المباشر للبناء ( اسطه كرز) أشهر معمار في زمنه، وقد اشتملت الخارطة التي رفعها إلى أم السلطان عن البناء المزمع إقامته على حرم ( بيت الصلاة) ورواقين، وغرف من جهة الجنوب والشرق والشمال محيطة بصحن واسع، كما اشتملت مخططات المسجد على حديقة ومصلى صيفي وساحة كبيرة ومدرسة للقرآن الكريم.

وفي عام 1328 هـ قام السلطان العثماني عبد الحميد بتجديد سور الجامع من جهة القبلة وبنى فيه غرفاً للطلاب والغرباء وبنى دوراً ثانياً فوق الغرف الجنوبية..

وتتابع الترميم والتجديد في عامي 1354هـ  و1355هـ.

ثم دعّم البناء عام 1367 هـ بإسناد الرواقين القديمين في جامع الامام بطارمة أمامية تحيط بهما. وأعيد وضع سورة الفتح التي خطها الخطاط الشهير عبدالحميد حمدي من قبلُ على القاشاني الملون البديع على افريز، فتوّجت بها بعد أن كانت فوق الرواق من الجهة الخارجية.

 

آخر التوسعات وأهمها:

وأهم التوسعات والتجديدات ما حدث في مسجد الامام الأعظم سنة 1391هـ ( 1971م) فإن الجامع على سعته ـ كما يقول الأستاذ يونس السامرائي ـ وسع مرة أخرى إلى ضعف المساحة.

فقد كانت له قبتان: إحداهما فوق المسجد، والأخرى فوق موقد الامام أبي حنيفة رحمه الله، ومنارة من الجهة الشرقية، فأضيفت إليه قبتان أخريان ومنارة من الجهة الغربية، كما جدد السياج الخارجي بالطابوق الأصفر المطعم بالكاشي الكربلائي الأزرق المنقوش بزخارف متنوعة كتب في بعضها أسماء الله الحسنى.

 

بيت الصلاة فخم واسع:

ويصف لنا الشيخ هاشم الأعظمي جامع الامام إلي حنيفة فيقول:

إنه فخم رحب الفناء (صحن المسجد) واسع المصلى مشيد الأركان محكم القواعد، على مصلاة ( بيت الصلاة) بنيت قبة عظيمة على سوار من أعمدة الرخام الضخم الموصلّي. وحول بيت الصلاة رواقان في الجهة الشرقية والشمالية.

وتتدلى من القبة الكبيرة في بيت الصلاة سلسلة حديدية ضخمة أعدت لحمل الثريا مع المشكاوات الزجاجية، وهي قبة عالية واسعة يبلغ قطرها 15 مترا، وتحيط بها مجموعة من القباب من جهاتها الثلاث.

وقد نقشت قبة الحرم بنقوش دقيقة، وزخرفت بزخارف جصية جاءت آية في الفن والجمال مدهشة للغاية، كما نقشت جدران الحرم وتيجان الأعمدة.

وقد تمت تلك الزخارف الأندلسية بأيدي عمال مغاربة مدربين مهرة.

وقد الأروقة المحيطة بالمسجد قباب أخرى جميلة اتكأت على أعمدة، وقد بلغ عدد القباب ـ كما يقول الأستاذ هاشم الأعظمي ـ ستاً وعشرين قبة.

 

مشهد أبي حنيفة النعمان:

ومشهد أبي حنيفة يقع في الجهة الشرقية متصل بالمصلى، له باب عن يسار المستقبل لها.

وقد نقشت آية الكرسي على قبة المشهد من الجهة الخارجية بحروف كبيرة على شكل حزام، وأحيط المحراب البديع بإفريز من الكاشاني كتب فوقه قول الله عز وجل:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب}... إلى قوله بغير حساب).

ويضم هذا المشهد هدايا ثمينة، منها 32 قنديلاً ذهبياً بعضها كبير  وبعضها صغير وكما تضم مصحفاً ثميناً غلافه من الذهب المرصع بالجواهر، وقنديلاً ذهبياً كبيراً أهدته بنت السلطان مرادخان الرابع ـ واسمها قيا اسميخان ـ وغيرها من النفائس والشمعدان...

وقد كان للمشهد أوقاف منذ القديم يطعم منها كل زوار ومقيمو المسجد والمنقطعون للعبادة.

وفي جهة الشمال غرف ذات طابقين ومن جهة الشرق غرف ذات طابق واحد .

وخلف المصلى والمنارة المدرسة العلمية "وقد جددت وسميت كلية الشريعة" وفيها غرف كثيرة.

 

المحراب والمنبر البديعان:

وكان في الحرم محرابان واحد في وسطه، والآخر قرب الزاوية الشمالية، وقد ترك هذا الأخير وهجر، بينما حظي المحراب الرئيسي بعناية شديدة، فله عضادتان من كل جانب من الرخام الجميل، ثم نصف قبة المحراب مخروطة الشكل يعلوها هلال أنيق التي تزخرفها المقرنصات المتشابكة يحيط بها مستطيل مشحون بالنقوش توج بلفظ الجلالة ( الله ) المكتوب بحروف بارزة.

وكان لمسجد أبي حنيفة رحمه الله منبر قديم مبني بالجص والطابوق ومبلط بالمرمر الموصلي يبعد عن المحراب متر ونصف.

وقد هدم وشيد مكانه منبراً آخر يبعد عن المحراب بحوالي مترين، ورفع إلى 14 درجة، ولبّس بالمرمر الإيطالي الأبيض الأسود.

وللمسجد ثلاثة أبواب كبيرة رئيسية، خصص أحدها لكبار الزوار، وجعل فيه سلم يصل الصاعد فيه إلى مقصورة معدة للضيوف.

وكان في المسجد أيضاً غرف كثيرة بلغت أحياناً أكثر من 34 غرفة، يسكنها طلاب العلم والغرباء وبعض المنقطعين للعبادة، وأمام كل غرفة ايوان.

 

بناء متداخل... قديم وحديث:

ويتداخل البناء القديم في مسجد أبي حنيفة بجدرانه البالغة سمك مترين مع البناء الحديث المتخذ من الأسمنت المسلح بالحديد.

فعلى سبيل المثال هدم اثنان من الأبواب الرئيسية عند تجديد السور وبني الباب المسمى بباب بغداد، على شكل أقواس أربعة ذات أبواب حديدية، وطعمت الأقواس بالفسيفساء الايطالي، كما وضعت داخل الأبواب كواكب نحاسية للتزيين.

وأما السور فقد رفع إلى طول مترين، ووضعت فيه شبابيك حديدية داخل زخرفتها نجوم نحاسية جميلة.

وفي بيت الصلاة وسط قبة المحراب في جامع الإمام أبي حنيفة تتدلى ثريا ضخمة تزين وتنور المكان بما حوته من 400 مصباح، وقطرها ثلاثة أمتار وارتفاعها متر ونصف، وكأنها  وهي تزهر بالقناديل مجرة في كبد السماء.

وقد فرش بيت الصلاة عام 1288هـ بالسجاد الإيراني الثمين الفاخر، وقد كانت فيه سجادة كبيرة مساحتها 120م2 قدمت هدية إلى الجامع من قبل صانعيها من تلامذة أبي حنيفة ومحبيه.

 

كلية الإمام الأعظم العلمية:

وتبلغ مساحة الجامع بما فيها من ساحات وصحن للمسجد اكثر من (15) ألف متر مربع من ضمنها كلية الشريعة الملحقة بالجامع.

وقد كانت في أول الأمر مدرسة ذات مدرسين وحلقات وترتيب خاص على النمط القديم المتبع في حينه، وكانت تلك المدرسة موطن العلماء ومآب الساعين من طلاب العلم في شتى فنونه، حتى حمل التاريخ اسماء ثلة من مدرسيها وطلابها، أمثال أبي القاسم الزيني وابي الفضل شجاع وأبي الحسن اليزدي وتاج الدين السباك.

إلا أنه في عام 1328هـ ـ في عهد السلطان محمد رشاد ـ أعيد تنظيم المدرسة، وأدخلت فيها العلوم الحديثة إضافة إلى العلوم الدينية، وسميت كلية الإمام الأعظم.

وفي عام 1352هـ أبدل اسمها إلى دار العلوم، وكان من أشهر مدرائها في تلك الفترة الشيخ سعيد النقشبندي والشيخ نوري الشيرواني والحاج نعمان الأعظمي

وفي عام 1365هـ أعيد النظر في أنظمة تلك الكلية، وأدخلت عليها بعض التعديلات، وسميت كلية الشريعة، وعين عميداً لها الشيخ العلامة حمدي الأعظمي، وهو من المتميزين بالعلم والإدارة.

وقد تخرج بهذه المدرسة أو الكلية أو الجامعة في مختلف مراحل تطورها الحديث قوافل من الدارسين شهد لهم العلماء بالفضل والسبق وكانوا خيرة قومهم علماً ومسلكاً، وأصبحت النسبة إلى الجامعة الأعظمية وسام شرف يحملونه فيقال فلان بن فلان الأعظمي، أي من خريجي كلية الإمام الأعظم.

 

 

 

 

 

 

 

 

_ جامع الزيتونة _

 

تمهيد :

تعددت أقوال الذين أرخوا لجامع تونس ـ المعروف باسم جامع الزيتونة ـ فيمن بناه أول مرة، ولكنا نأخذ بقول من قال: إن حسان بن النعمان الغساني القائد الأموي الشهير اختطه في مدينة تونس عام 80هـ بعيد دخوله بجيشه منتصرا.

إلا أن من المتفق عليه أنه كان بسيطا جداً إذ ذاك، فلما جاء القائد الأموي الآخر عبيدالله بن الحبحاب عام 116هـ أعاد بناءه على وجه أحسن وأتقن وأكمل حتى نسب إليه أنه أول من بناه...

 

شيدوا مسجداً... عوضاً عن الصومعة:

ومن طرف آخر فإن المؤرخ محمد بن أبي القاسم الرعيني القيرواني أورد في كتابه (المؤنس في أخبار إفريقية وتونس) قصة توضح سبب اختيار موقع الجامع الذي لم يأت عبثاً  بل لسبب وجيه.

ذلك أن راهباً نصرانياً أشار على المسلمين عند احتلالهم لتونس أن يشيدوا جامعهم في مكان الصومعة التي كان يتعبد فيها. ولما سألوه عن الحكمة في تلك النصيحة قال: إنه يرى في هذا المكان نوراً يتألق أثناء الليل، لذا فهو حقيق بأن يتخذ مسجداً لله...

وهذه القصة مع ما توصل إليه الأثريون الباحثون تشير إلى أن الجامع بني على أطلال كنيسة أو صومعة أو ما يشبه ذلك من بيوت العبادة الصغيرة.

 

الزيتونة... أكثر من جامع:

وإنما سمي الجامع بالزيتونة نسبة إلى شجرة زيتونة كانت بجنبه عند انشائه.

ومعلوم أن شجرة الزيتونة شجرة مباركة ورد ذكرها في كتاب الله مع وصفها بذلك، فمن هنا اطلق اسمها على المسجد الجامع في تونس إذ ذاك...

وفي الحقيقة فإن مسجد الزيتونة اسم سمي به أكثر من مسجد في المشرق والمغرب، منها مسجد الزيتونة بالقيروان في تونس نفسها، ومنها ثلاثة مساجد في دمشق تعرف بـ مسجد الزيتونة ذكرها يوسف بن عبدالهادي في كتابه (ثمار المقاصد)...

إلا أن هذا الاسم إذا اطلق فأول ما يتبادر إلى الذهن المسجد الجامع في مدينة تونس. وهو محل حديثنا.

 

سجل مفتوح للأسر الحاكمة في تونس:

ونستطيع القول بارتياح إن معظم الأسر التي تداولت الحكم في تونس أولت مسجد الزيتونة مزيداً من العناية والاهتمام فما تكاد تذكر تاريخ وال شهير وأسرة حاكمة هناك إلا ووجدت شيئاً ما في هذا المسجد يخلدها ويجري ذكرها منقوشاً مؤرخا.

يقول الاستاذ طه الولي في كتابه القيم: المساجد في الإسلام: ومن حسن الحظ أن جامع الزيتونة احتفظ بعمارته التي بدأت واستمرت قائمة منذ انشائه قبل حوالي أحد عشر قرنا إلى أيامنا، مما أتاح لنا مرافقة نقائشه التي رقمت فيه، وفيها تاريخ هذا الجامع وتاريخ تونس بالذات، وفي نفس الوقت اتاحت لنا هذه النقائش دراسة تطور الخط العربي من عصر إلى عصر.

 

الأغالبة والصنهاجيون والخراسانيون... الخ:

وأول من نسبت إليه الزيادة والتجديد في جامع الزيتونة أحمد بن محمد بن الأغلب الذي عاجلته المنية، فأتم أخوه من بعده زيادة الله الثاني الأغلبي والي تونس بعده ما كان بدأه من عناية بالمسجد وزيادة ثلاثة اساكيب (عقود) في بيت الصلاة، وإقامة قبة أمام المحراب.

       ثم في عام 381هـ في أيام أبي الفتح المنصور بن أبي الفتوح يوسف بن زيري ثاني ثاني الملوك الصنهاجيين تم ترميم قبة البهو في جامع الزيتونة حتى غدت في قمة الجمال والروعة.        ثم جاء بنو خراسان فيما بين القرنين الخامس والسادس للهجرة فقام أمراؤهم لا سيما عبدالعزيز بن عبد الحق بن عبدالعزيز بن خراسان بآثار خالدة في جامع الزيتونة منها زيادة أبواب الجامع من ستة إلى اثني عشر بابا منها الباب الضخم المفتوح على سوق القماش الحالي، كما أعادوا بناء السور الخارجي للجامع.

 

       وأما محمد بن يحيى الذي حكم تونس ما بين سنتي 647 و675هـ فقد استفاد هذا الحاكم من القناطر الرومانية القديمة التي طولها 90كم فجلب فيها مياهاً للمسجد من زاغون، واستحدث الخزانات المملوءة ماء ليزود المسجد بالماء الطهور بشكل دائم، وفي عام 676هـ كسي الجامع وزين بأمر من يحيى بن المنتصر من الحفصيين.

وفي عام 716هـ أمر السلطان زكريا الحفصي بصنع أبواب خشبية وعوارض خشبية مزخرفة في بيت الصلاة.

وفي عهد السلطان ابي عبدالله الحفصي بنى بالمسجد المقصورة التي بابها مما يلي صحن الجنائز، وبني السبيل الذي تحتها.

وفي أوائل العقد الثالث من القرن الحادي عشر الهجري تولى إمامة المسجد عدد من العلماء من الأسرة البكرية منهم تاج العارفين الشيخ محمد الذي بنى في صحن مسجد الزيتونة الرواق الشرقي، وأدخل على الجامع ترميمات واسعة، ونقشت في عهده على واجهة المحراب وأعالي السواري تيجان بديعة من الجبس هي الأجمل من نوعها في بلاد تونس.

 

المئذنة والقبتان:

ومن ناحية أخرى فإن المئذنة التي بنيت مع البناء الأولى للجامع تداعت للسقوط عام 1309هـ فأمر حاكم تونس الباري علي باشا بهدمها وإعادة بنائها مع الاتقان والاهتمام.

فأعيد بناؤها ثانية بارتفاع 43متراً، بعد أن كانت من قبل لا تزيد على ثلاثين مترا. وجرى يوم الاحتفال باتمامها حفل ديني رائع.

ولمسجد الزيتونة قبتان: واحدة أمام المحراب، والثانية على مدخل البلاط الأوسط مما يلي الصحن. ويحمل قبة المحراب اثنان وثلاثون عوداً، تتخللها طاقات مفتوحة ومغلقة متعاقبة في المحيط الدائري لعنق القبة.

أما قبة البهو التي أقيمت عام 381هـ فتعد من أروع القباب التونسية جميعا، لما فيها من تناسق الزخرفة واتقان المعمار وتوافق النسب.

 

معالم رئيسية مهمة:

ويتميز مسجد الزيتونة بأنه يحتوي على أجمل ختمة للقرآن الكريم كتبت في البلاد التونسية، وقد تم الانتهاء منها وإهداؤها للمسجد أيام الشيخ تاج الدين البكري بأواخر القرن الثاني عشر الهجري.

كما يتميز بوجود مزْولة لضبط أوقات الصلاة حسب الفصول السنوية، وقد تم الاستغناء عنها اليوم بوجود الساعات الدقيقة، إلا أنها (المزولة) كانت من قبل من أتقن الصناعات واضبطها للأوقات.

كما يتميز بزخرفة فريدة تقوم على تناوب اللونين الأبيض والرمادي في كتل الحجارة التي تؤلف سنج العقود أو مداميك البناء داخل قبة المحراب، ولعل مهندس جامع الزيتونة قد استلهم فكر وتناوب اللونين من عقود جامع قرطبة التي فيها حجارة ذات ألوان عديدة.

وبجامع الزيتونة منبر خشبي بديع يعود صنعه إلى عام 250هـ، وهو قريب الشبه بمنبر جامع القيروان وإن كان أصغر منه، إذ فيه اثنتان وعشرون حشوة مستطيلة الشكل في كل من الكتفين، مع أن كل حشوة تنفرد عن أخواتها ولا تشابهها. وتزدان هذه الحشوات بزخارف هندسية على شكل مربعات ودوائر ومعينات محفورة بمهارة في الخشب حفراً غائراً مفرغا، لتضفي على المنبر جمالاً ورونقاً، بل وإجلالاً ومهابة حتى زعم بعض أهل تونس ـ ولهم جميعاً تعلق شديد بهذا المسجد ـ أن الدعاء بين حافتي المنبر مستجاب.

 

أوقاف كثيرة خاصة:

ولكي يستمر جامع الزيتونة في أداء المهام الكثيرة التي يقوم بها من إقامة الصلوات ورفع تكبيرات المؤذنين وإحياء الأوقات الفاضلة بالقرآن والحديث والدعاء والعلم كثرت أوقاف أهل الخير من المسلمين من أمراء وأغنياء وغيرهم عليه.

يقول الحشائشي في كتابه(تاريخ جامع الزيتونة) ولأهل هذه الحاضرة ـ تونس ـ عمرها الله تعالى ـ تعلق شديد بهذا البيت ـ مسجد الزيتونة ـ وتشبث عظيم بلوحاته. حتى أنك تراه مرجعاً لغالب أوقافهم ولهم في ذلك المنازع الغريبة، فمنهم من يوقف على الإمام، ومنهم على القارىء، أو المؤذن، ومنهم من يوقف على الحمام الوحشي ـ أي البري ـ الذي يأوي إليه.

وعلى سبيل المثال فحاكم تونس المتوفى عام 893هـ (عثمان المنصور الحفصي) بنى ميضأة في المسجد ـ وهي التي عرفت فيما بعد باسم ميضة السلطان ـ وأوقف عليها أوقافاً كثيرة، وكان يسخن بها الماء زمن الشتاء.

وعلى سبيل المثال أيضاً فإن قرابة ثلاثمائة قارىء كانوا يتسلمون معاشات من ريع أوقاف أهل الخير في مقابل مداومتهم على قراءة أحزاب مقررة من القرآن الكريم لكل منهم، فكانوا يتناوبون القراءة في المسجد في حلقات قد تبلغ خمسين حلقة، وربما كان لهم بين الظهرين دوي كدوي النحل.

 

نشاط علمي رائد... وعادات أصيلة راسخة:

ونقل لنا الحشائشي في تاريخه صوراً من النشاط الديني والعلمي داخل مسجد الزيتونة قديماً فيقول: ومن ذلك قراءة "الترهيب والترغيب" بعد العصر، ورواية الصحيحين بين الظهرين ـ الظهر والعصر، وهي منقبة ابتدأها أبو فارس عبدالعزيز من العائلة الحفصية.

وصفتها الجارية الآن ـ أي في أيامه أوائل القرن الحالي ـ يجلس الأئمة الثلاثة بباب الشفاء، فيبتدىء الإمام الأكبر برواية صحيح البخاري برهة من الزمان، ثم يتلوه الإمام الثاني برواية صحيح مسلم، ثم يعقبه الإمام الثالث برواية شفاء القاضي عياض، وهذا المجلس تحضره أمم لا تحصى على اختلاف طبقاتهم...

أما في رمضان فالعمل في مسجد الزيتونة جار على قدم وساق ـ كباقي مساجد الدنيا ـ فبعد صلاة العصر من السادس والعشرين من شهر رمضان يبتدىء الإمام الثالث رواية الشفاء للقاضي عياض، ثم يتلوه الإمام الثاني برواية مسلم، ثم يختم الإمام الأول برواية صحيح البخاري، وذلك بمحضر أمير العصر ووزرائه والعلماء، والجامع غاص على اتساعه بالمسلمين.

وفي الليل يقع ختم القرآن العظيم بصلاة التراويح، والناس يزدحمون على أبوابه، ويتبركون بعُلى أعتابه.

 

البداية والتطور الشكلي:

وإذا كانت مهمة التعليم الديني العالي التي اضطلع بها مسجد الزيتونة سنين طويلة قد ختمت بإنشاء جامعة الزيتونة عام 1961م، وفيها كليتا الشريعة وأصول الدين، فإن بداية التعليم فيه تعود إلى أوائل القرن الثالث الهجري حينما يتردد على أسماعنا اسم أبي البشر زيد بن بشر الأزدي أحد العلماء المحدثين من أبناء تونس.

كما أنه لكن في عهد بني حفص تبدل حال التعليم من نظام قديم يعتمد على المبادرة الشخصية للعلماء والرغبة القوية عند الطلبة، إلى نظام متطور يلتزم به المدرسون والدارسون  التزاماً تاماً، فقد فرضت الدولة الحفصية على العاملين في جامع الزيتونة قوانين تعليمية ملزمة، وجعلت له أوقافاً مجزية، مستفيدة من الظروف التاريخية التي ألجأت الكثير من العلماء والنابهين الأندلسيين ـ بعد سقوط الأندلس ـ إلى اللجوء إلى تونس حتى غدا مسجد الزيتونة منذ ذلك الحين المركز العلمي الذي تدرس فيه العلوم الإسلامية على اختلاف أصولها وفروعها مع علوم الطب والهندسة والرياضيات، عرف الجامع إذ ذاك ثلة كريمة من العلماء المتفردين  في علومهم أمثال ابن عصفور والقاضي ابن عبد السلام وابن عرفة وابن خلدون والبرزلي والآبي وابن ناجي وغيرهم.

 

أقدم جامعة في العالم:

ومما يدلنا على بعض تلك التقاليد العلمية والأنظمة الإدارية أن الباي المشير أحمد باشا

أصدر سنة 1258هـ أمراً بانتخاب 15 عالماً من الأحناف، ومثل عددهم من الموالك، يقوم كل واحد منهم بإعطاء درسين مما يطلب منه من العلوم.

وخَصص لكل واحد من هؤلاء العلماء راتباً شهرياً يبلغ 60 ريالاً يحرم منها من يتخلف عن التدريس لغير عذر شرعي...

ونتيجة استمرار التعليم في جامع الزيتونة على نظام معين، واعتماده الشمولية والتعددية في العلوم والفنون ووجود طرق محددة لامتحان الطلبة وتخريجهم، ووجود الموارد المالية الكافية لذلك منذ القديم يذهب البعض إلى أن جامع الزيتونة ـ بحق ـ هو أقدم جامعة في العالم.

وكان المتخرجون من جامع الزيتونة يطلق عليهم لقب (الزيتوني).

والزيتوني في المجتمع التونسي كان يتمتع بمقام مرموق لأنه أعَدْل القرية التي هو فيها، وهو الذي يبرم عقود البيع والشراء والإجارة والأنكحة، إضافة إلى كونه إمام المسجد والمدرس والواعظ وكاتب الرسائل الخاصة... وهو أيضاً العالم الشاعر الأديب... الخ.

 

المكتبة القيمة:

ولا ننسى أن ننوه باعجاب إلى مكتبة جامع الزيتونة التي كانت عامرة منذ القديم، حتى وصل ما فيها إلى ما يزيد على مئتي ألف مجلد في قمة مجدها.

وقد حفظ لنا التاريخ أن أبا فارس عبدالعزيز الحفصي أنشأ عام 696هـ خزانة (مكتبة) الكتب التي بلغت مجلداتها في أيامه ماينيف على ثلاثين ألف مجلد، زين بها صدر الجامع، وأوقفها على العلماء والمتعلمين، وحبس (أي أوقف) عليها ما تحتاجه ومن يعمل فيها للاستمرار.

كما يذكر التاريخ في هذا المجال السلطان عثمان بن محمد المنصور الذي جمع سنة 839هـ

مكتبة أخرى:

في مسجد الزيتونة تقارب المكتبة السابقة، وبنى لها مقصورة واسعة عرفت باسم مقصورة الكتب.

ومثل هذين الأميرين فعل السلطان محمد بن الحسن سنة 899هـ

إلا أن ما لا ينسى بخصوص مكتبة جامع الزيتونة تلك الجريمة الحضارية النكراء التي ارتكبها جنود الاسبان سنة 970، عندما استباحوا حرمة مسجد الزيتونة ضمن هياج عام لهم في تونس، فأطلقوا أيديهم في اتلافها، حتى صارت نفائس الكتب ملقاة في الطرق تدوسها خيلهم بأرجلها.

كما قاموا بسرقة كثير منها ونقله إلى أسبانيا أو إلى مكتبة البابا... ولا تزال خطوط وقفها على مسجد الزيتونة مثبتة عليها إلى اليوم. تنعي الاسبان جريمتهم وتثبت للمسلمين حقهم.

واستمرت دموع مسجد الزيتونة تبكي مكتبته المنكوبة ردحاً من الزمن حتى كان عهد أبي العباس أحمد باي من الملوك الحسنيين فأعاد لها نضارتها وجددها واعتنى بها، فعرفت المكتبة الموجودة هناك باسم المكتبة الأحمدية نسبة إليه.

 

 

 

W المسجد الجامع في عمّان (الحسيني الكبير)W

 

 

تمهيد :

لم تسعفنا المراجع التاريخية القديمة ولا الحديثة بحديث مسهب عن المسجد الجامع في عمان والذي يطلق عليه بعضهم المسجد الأموي، بينما يسميه آخرون المسجد الجامع، وسماه بعضهم المسجد العمري، واسمه المتفق عليه حالياً المسجد الحسيني الكبير نسبة إلى الشريف حسين بن عون جد الأسرة الهاشمية الحاكمة حالياً في الأردن.

وأول أشارة لهذا الجامع نقلها المؤرخ القدسي في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم فقد ورد عندما تحدث عن مدينة عمان قوله:

       وبها جامع ظريف بطرف الصحن وقد قلنا إنه يشبه مكة أي شبيه بالحرم المكي. ولا ندري بالتحديد ماذا أراد بهذه العبارة: هل قصد سعة المسجد؟ أم جمال بنيانه أم غير ذلك؟ ويبدو أن ياقوت الحموي المؤرخ الجغرافي كرر نفس العبارة نقلاً عن المقدسي في معرض حديثه المسهب عن مدينة عمان وتاريخها وآثارها، ولما وصل إلى جامعها وصفه بقوله:

       ولها جامع ظريف في طرف السوق مغسس الصحن شبه مكة.

 

وصف الرحالة كوندر... والخطأ التاريخي:

وقد نقل لنا الكابتن كوندر في كتابه (بحث عن فلسطين الشرقية) THE SURVEY OF EASTERN PALESTINE وصفاً مفصلاً لهذا المسجد القديم في عام 1881م، فكان مما قاله:

وصلنا إلى الواجهة الشمالية ـ وقد رأيت عليها سمات لعشائر العربان التي ترد إلى عمان، ولكل عشيرة سمة خاصة...

وبعد حديثه عن المسجد، رجح ـ خطأ ـ أن يكون بناء مسجد عمان من عمل أحد خلفاء العباسيين في القرن الأول من دولتهم، بل مال إلى أن الخليفة المأمون قد يكون هو بانيه، حيث انشئت في عهده أبنية كثيرة في القدس، كما ينسب إليه القصر العربي في قلعة عمان...

وقد وقع في هذا الخطأ لأنه رأى أقواس مسجد عمان مدببة وهو يظن أن الأقواس المدببة لم تظهر إلا في أبنية القرن التاسع الميلادي كمسجد ابن طولون.

والحقيقة هي ـ كما يظهرها كتاب الأمانة العامة لعمان الكبرى، وهو من تقديم عبد الرؤوف الروايده ـ أن القوس المدبب ظهر في القرن السادس الميلادي في قصر ابن وردان في سوريا، ثم في قصرعَمْره وحمام الصراح، وكلاهما من العصر الأموي... وهذا ما يؤكد أن مسجد عمان ذي الأقواس المدببة أموي قديم.

 

الصورة القديمة... مسجد جامع:

ونستطيع أن نضع صورة كاملة لمسجد عمان (المسجد الحسيني الكبير) قبل بنائه الحالي على النحو التالي:

يتبع نظام بناء هذا الجامع النظام القديم للمساجد الجامعة في الإسلام، فهو يشتمل على صحن مستطيل يدور حوله ثلاث مجنبات من الشرق والغرب.

وهو مبني من الحجارة المنحوته المشهرة.

 

بيت الصلاة والقبة والمنبر والمحراب:

فأما بيت الصلاة فيه فله ثلاثة أبواب في الجدار الشمالي، ويعتبر الأوسط منها المدخل الرئيسي له، وفوقه عتب مستقيم يعلوه عقد منبطح من صنجات معشقة، وارتفاع هذا الباب 16 قدماً وعرضه عشرة أقدام.

وأما البابان الآخران فهما على جانبي الباب الرئيسي وكلاهما على شكل مستطيل، فالباب الغربي فتحته تبلغ سبعة أقدام ويعلوه عقد مدبب، أما الباب الشرقي فتبلغ فتحته سبعة أقدام أيضاً، ولكن يعلوه عتب مستقيم طوله تسعة أقدام وفوقه عقد مدبب...

وطول بيت الصلاة 120 قدما وعرضه 37 قدما ويتكون من سبع بلاطات عمودية على جدار القبلة، والملاحظ أن البلاطة الوسطى تمتد عمودية من الباب الأوسط الرئيسي على المحراب وهي كبيرة تقوم فوقها قبة المحراب.

ويقوم سقف بيت الصلاة في مسجد عمان الجامع على دعائم تتعامد مع جدار القبلة، وقد تدلى من هذه الدعائم عقود مدببة، ويستند العقد الأخير في كل الجهات الأربع على دعامة ملتصقة بالجدار نفسه.

وقد روعي في بناء بيت الصلاة أن يتلاءم مع المناخ الشتوي البارد لمدينة عمان، لذلك فهو أقرب إلى الانغلاق حيث لا توجد نوافذ إلا أربع نوافذ في الجدار الشمالي المواجه لجدار القبلة، وهذه النوافذ موزعة بين الأبواب الثلاثة، وتعلوها عقود نصف دائرية.

أما المحراب فيتوسط جدار القبلة في مواجهة قبة المحراب. وهو مجوف يبلغ اتساعه 12 قدما، وقد بني في داخل تجويفة المحراب محراب آخر أصغر منه.

وبالطبع فإن المنبر يقع إلى جواره، وهو يضفي على المسجد عموماً بجماله ووقاره هيبة وبهاء.

 

صحن المسجد ورواقاته:

وصحن المسجد الجامع بعمان مستطيل مكشوف كباقي صحون المساجد القديمة، واتساعه 135 قدماً طولاً و120 قدماً عرضاً، وله ثلاثة أبواب في الجانب الشمالي منه، يبلغ اتساع كل منها قرابة سبعة أقدام، وقد زين هذا الصحن بالفسيفساء ذات الرسوم الجميلة.

وتدول حول الصحن رواقات من جهاته الثلاث.

ومن المعهود في المساجد القديمة أن تكون الميضأة في أحدها، بينما تتوسط الصحن نفسه نافورة أو فوارة للوضوء تعلوها قبة.

 

المئذنة الحجرية:

ومئذنة المسجد الجامع القديم في عمان (المسمى حالياً الحسيني الكبير) كانت تنتصب في الركن الشمالي  الغربي لبيت الصلاة، وقد بنيت هذه المئذنة من الحجر المشهر ولكنه أصغر حجماً من تلك الحجارة التي بني منها الجامع نفسه.

والمئذنة مربعة الشكل، وتعتبر من أقدم المآذن التي بنيت في الأردن، ويدور بداخلها درج عدد درجاته 33 درجة، ترتفع كل واحدة عن الأخرى نحو قدمين.

وفي أعلى المئذنة شرفة بارزة عن بنائها ترتكز على كوابل حجرية تقوم مقام المقرنصات. وهذه الشرفة يقال لها: بيت المؤذن، أو بيت الأذان، كان يقف فوقها المؤذنون ويدورون حولها وهم يجهرون بالدعوة إلى الصلاة، وحول هذه الشرفة جدار من الحجارة المحفورة تحف به (كالدرابزين) ارتفاعها نحو متر.

وينفتح في جدار الصومعة تحت الشرفة أربع نوافذ معقودة بعقود نصف دائرية.

وفوق بيت الأذان هذا ترتفع طاقية المئذنة أو تاجها المرفوع نحو ثمانية أقدام على مقرنصات بارزة مثمنة الزوايا...

وفي أسفل المئذنة من جهة الشرق باب صغير مستطيل يعلوه عتب مستقيم، وفوقه كتابة عربية قديمة فيها الشهادتان: لا اله إلا الله محمد رسول الله.

وقد كان هذا المسجد يتزود بالماء من نهير عمان كبقية المنشآت العامة في المدينة القديمة.

وقد أشار الرحالة كوندر إلى أنه عندما مر بمسجد عمان الجامع أواخر القرن التاسع عشر لم تكن فيه عناية أو اهتمام، بل كانت بعض أجزائه قريبة من الهدم، ومع ذلك فقد قدم له وصفاً شاملاً كما رأينا.

وقد استعنا بالدكتور يوسف غوانمة في كتابه (عمان حضارتها وتاريخها) للوصول إلى تلك الصورة المفصلة.

 

الشريف عبدالله بن حسين... وإمارة عمان:

وظل مسجد عمان الكبير قائماً على حاله تلك، حتى جاء الشراكسة إلى عمان، وأخذوا يقيمون الصلاة فيه ويولونه اهتمامهم، ويقومون ببعض الإصلاحات فيه.

واستمر الوضع على هذه الحال حتى مجيء الأمير عبدالله بن الشريف حسين واتخاذه عمان عاصمة للإمارة الاردنية، وقد وجد أن من الواجب أن يجدد بناء هذا المسجد فأمر عام 1341هـ ( 1922م) بهدم البناء القديم وبناء مسجد جديد محل المسجد القديم، واطلاق اسم (الجامع الحسيني الكبير) عليه. واستمر العمل نحو عامين حتى أنتهى سنة 1924م.

 

المسجد الجديد الحالي:

وبالرجوع إلى مقال للدكتور عبدالاله عابدين بعنوان (الطابع المعماري الإسلامي في مدينة عمان) نرى وصفاً كاملاً للمسجد الحسيني المقام على انقاض المسجد العمري أو المسجد الأموي في عمان. وذلك على النحو التالي:

تبلغ مساحة المسجد الحسيني نحو (2000)م2، ويتكون من صحن رئيسي مساحة 360م2 تتوسطه ميضأة رئيسية على شكل مثمن، مغطاة بقبة على شكل قطع ناقص، محمولةٍ على عشرة أعمدة. ويحيط بصحن المسجد ثلاثة أروقة.

وبيت الصلاة واسع نسبياً تبلغ مساحته 630م2، ويتوسط بيت الصلاة من جهة القبلة منبر رائع ومحراب بديع. ويقوم سقف بيت الصلاة ـ المتضمن قبة واسعة ـ على صفين من الأعمدة الحجرية.

 

الواجهة والمئذنتان:

وواجهة المسجد الحسيني الرئيسية جميلة جداً وهي مبنية من الحجر المنحوت بشكل متناظر، وطولها 43 متراً.

ويتوسطها المدخل الرئيسي للمسجد، والذي يبلغ عرض فتحته ثلاثة أمتار، ويحيط به وعلى جانبيه عمودان منحوتان بشكل لولبي جميل، وتعلو ثلاثة أقواس فوق هذا المدخل على شكل متدرج تعطي المدخل عمقاً جميلا وتصل هذه الأقواس إلى ارتفاع الواجهة الكلي.

وفي الجزء العلوي من الواجهة توجد أربع فتحات مشابهة للفتحات السفلية للأبواب الجانبية وتقع فوقها مباشرة.       إضافة إلى وجود أربع فتحات دائرية تقع فوق الأبواب.

ويعلو الواجهة شريط من المقرنصات على شكل أقواس نصف دائرية محلاة بزخارف مشغولة بشكل جيد...

وقد وضعت فوق المدخل الرئيسي لوحة من الرخام نقشت عليها أبيات تسجل تاريخ البناء هذا.

وللمسجد الحسيني في عمان مئذنتان مختلفتا الطراز ومختلفتا الارتفاع، فأما المئذنة الشرقية فيبلغ ارتفاعها 25متراً، وأما الغربية فيبلغ ارتفاعها 46متراً، وكلا المئذنتين محلى بزخارف جميلة خاصة عند شرفة الأذان.

وقد أجريت أعمال اصلاحات وتجديدات واسعة في المسجد خلال عامي 1986 ـ 1987م.

ويؤمل أن تظهر للوجود الدراسة التي أعدتها أمانة عمان لترميم المسجد وازالة المحلات والأبنية الملاصقة لواجهات المسجد الثلاث ومن ثم تأمين مساحة حول المسجد مبلطة ومناطق خضراء تعطي المسجد مكانة رفيعة ومظهراً لائقاً يناسب القيمة التاريخية والدينية لهذا الأثر الضارب في جذور التاريخ.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

% مسجد السليمانية في استانبول %

 

تمهيد :

تنافس الخلفاء العثمانيون في بناء المساجد الضخمة، حتى أصبح من الأعراف المتداولة أن ينشىء كل خليفة يتولى سدة الحكم مسجداً باسمه. وغالباً ما كانت هذه المساجد في أفضل بقاع المنطقة التي تختار للبناء فيها بما يدل على مزيد من الاهتمام والعناية...

فهذا محمد الفاتح (1463 ـ 1470) قاهر استانبول ينشىء مسجد الفاتح  (المحمدية) في استانبول، وهذا السلطان مراد الثاني يبني مسجده المعروف باسمه أو باسم مسجد الاجنحة، وهذا السلطان بايزيد (1501 ـ 1507) يبني مسجده (مسجد بايزيد)، وأما السلطان سليم (1570 ـ 1574) فقد بنى مسجد السليمية في أدرنه، وأما السلطان أحمد (1605) فقد شيد المسجد المشهور باسم المسجد الأزرق، بينما بنى السلطان محمود الأول (1748) مسجده (نور عثمانية) الذي مات قبل افتتاحه، فجاء مِنْ بعده السلطان عثمان الثالث (1755) فاستكمله. وهذا هو السلطان مصطفى الثالث (1759 ـ 1763) يسمي مسجده ( لا له لي)...

وهكذا أصبحت المساجد ـ بناء وتوسعة وعناية ـ رمزاً من رموز الخلفاء العثمانيين وباب تنافس في الخير بينهم، بل وبين ولاتهم ووجهائهم في كل أرجاء المملكة، مما أورث الأمة المسلمة والحضارة الإسلامية مجموعة كبيرة من بيوت الله تعتبر مضرب المثل في الجمال والإبداع.

 

سليمان الكبير... وسنان المعمار:

ومن تلك المساجد الرائعة التي حفلت بها مدينة استانبول عاصمة الخلافة الإسلامية مسجد (السليمانية)، الذي يعتبر بحق أجمل بناء إسلامي في تلك المدينة أعظم عواصم الدنيا في يومها. كما يعتبر ذا شهرة عالمية بما ضم تحت جناحيه من مؤسسات اجتماعية وثقافية، وبما حواه من إبداع الفن الإسلامي التركي الذي بلغ عصره الذهبي ذلك الحين.

بني مسجد السليمانية بناء على رغبة سامية للسلطان سليمان الكبير (1520 ـ 1566).       وقد بوشر بالعمل به ابتداء من سنة (1550م) واستمر حتى عام (1557) أي أن بناءه استغرق سبع سنين أنجز بعدها المعمار (سنان)... وهو أشهر معمار في تاريخ العثمانيين بل يكاد يكون أشهر معمار في تاريخ المساجد الإسلامية... انجز هذا الصرح الكبير.

وكان (سنان) قبل بدء العمل قد أعد الخرائط والتصاميم والأفكار والنماذج، ووضعها بين يدي السلطان نفسه فأعجب بها وأعطى موافقته عليها، وفتح باب خزانته لتنفيذها بلا حساب، مما كان له أعظم الأثر في إطلاق العنان لخيال وخبرة المهندس المعماري الفنان سنان لانجاز مسجد طالما افتخر به وقال عنه: إن هذا المسجد هو أعظم إنجازاتي.

موقع مميز... على مضيق البوسفور:

وقد اختيرت أفضل البقاع من حيث الجمال والبروز لتكون مقراً لمسجد السليمانية.

فعلى تلة مرتفعة تطل على مضيق البوسفوروالقرن الذهبي، وبجوار مبنى قديم بنيت مكانه اليوم جامعة استانبول في منطقة بيازت، ووسط مساحات كبيرة من المروج الخضراء والأشجار الكثيفة، ينتصب هذا المسجد بمآذنه الأربع العالية، تتوسطها قبة ضخمة كادت أن تصل إلى ارتفاع المآذن، بينما تحف بها قباب أصغر فأصغر تعم أرجاء المسجد وجوانبه ومرافقه بشكل متناسق ومنتظم وذي مدلولات كثيرة.

 

مشاركة واسعة، واستعداد ضخم:

وقبل أن يبدأ (سنان) بعملية البناء تم استدعاء مشاهير الحرفيين والمهندسين المعماريين والعمال الفنيين من أطراف المملكة العثمانية للمشاركة في هذا الصرح الكبير، حتى بلغ عددهم عدة آلاف، مما تطلب انشاء مقر خاص لهم للسكن والتخطيط والآلات، فكان هذا المقر الخاص بالقائمين على العمل يضم قاعات متعددة الأهداف، وغرفاً للطعام، وأخرى لمبيت الغرباء منهم القادمين من خارج استانبول، وكان بجوار  تلك الغرف الحمامات وسائر الخدمات الأخرى.

ويقال بأن الاساسات قد استنفذت وقتاً طويلاً، بل أخرت العمل قليلاً، وذلك لعمل الترتيبات لمقاومة المطر والثلج والمؤثرات الطبيعية القاسية التي تشتهر بها استنابول ولهذا الغرض فقد استخدم بياض البيض في خلطات الملاط بدلاً من الماء، الأمر الذي أدى إلى استهلاك كميات كبيرة منه كانت تحضر بصناديق خاصة من بلاد الأناضول بأعداد لاحصر لها.

بيت الصلاة... نضج وبساطة:

يتكون مسجد السليمانية من عدة أجزاء أولها بيت الصلاة.

وهو مستطيل قريب إلى المربع، حيث طوله 69م وعرضه 63مترا، ويتسع لنحو خمسة آلاف مصل.

وبدلاً من الزخارف والنقوش المبالغ فيها في كثير من المساجد العثمانية فإننا نلاحظ النضج والبساطة التي تدهش العين.

وهذا لا يعني أننا ننسى البلاط التركي المصقول، والتصاميم ذات الصقل المظلل المؤلفة من سبعة ألوان بما في ذلك اللون الأحمر الارجواني مع خطوط بيضاء وسوداء، واللون الأزرق الفائق، والتي تكسو الجدران الداخلية لبيت الصلاة بزخارفها التي جاءت على شكل زهور التوليب والقرنفل والجوري والبنفسج والاقحوان وأوراق العنب وأشجار التفاح والسرو.

 

القبة الضخمة والنوافذ الكثيرة:

والقبة الرئيسية القائمة فوق وسط بيت الصلاة قبة ضخمة محمولة على أربعة أعمدة بشكل أقدام الفيل متمركزة قرب الجدران، طول كل قطر فيها 7.5م، ووزن الواحد منها 60 طنا. ويبلغ ارتفاع القبة 53 متراً، وقطرها 27.25م.

ويحف بها في محيطها الأسطواني 32 نافذة بأقواس مستديرة. وهي تنضم إلى أكثر من مئة نافذة أخرى موزعة على جدران ونواحيه لتؤمن للمسجد اضاءة جيدة وانعكاسات للألوان من خلال زجاج النوافذ الملون لا مثيل له.

وقد صنعت النوافذ من قبل كبير حرفيي المهنة واسمه سرحوس ابراهيم... وأغطية هذه النوافذ مع الأبواب مصنوعة من خشب الجوز وخشب الابنوس، وهي رائعة جداً.

ولا تخطىء العين جمال النقوش الموجودة على القبة من داخلها، وهذه النقوش من أعظم آثار الخطاط التركي أحمد سمستين الذي فقد بصره آخر أيامه، فقام غلامه حسن شلبي بتكملتها.

كما لا تخطىء العين الأساليب الفنية التي استخدمت في الديكورات الداخلية للمسجد مثل الحفر على الخشب والتطعيم العاجي وعرق اللؤلؤ وغيرها من الأعمال البديعة.

وليست القبة الكبيرة في بيت الصلاة وحيدة فيه، بل حولها ست قباب من جانبها حجمها متوسط، وهناك فوق الاركان الأربعة أربعة قباب أخرى ذات حجم صغير، ولعل هذه القباب العشر المحيطة بالقبة الكبرى، وما فيها من دقة فنية وأبعاد محسوبة بعناية، هي التي ساعدت على النظام الصوتي الفريد في هذا الجامع...

 

المحراب والمنبر والمقصورة:

أما المحراب والمنبر فمصنوعان من المرمر المحفور.

ومنبر الواعظ  ـ وهو غير منبر الخطيب ـ من الخشب المحفور وفي زوايا المحراب تشاهد نقوشاً محفورة لأوراق ذهبية...

وفي بيت الصلاة في مسجد السليمانية بنى السلطان سليمان مقصورة له قائمة على أعمدة من رخام، وفيها أعمال نقش جميلة جداً على قضبان المرمر المحيطة بها، وللمؤذن فيها مقعد مرمر أيضاً.

وكما كان النظام الصوتي متقناً فنياً، فإن نظام التهوية ليس بأقل اتقاناً. بل هو مهيئاً من خلال منافذ خاصة بعضها يفتح للداخل وبعضها يفتح للخارج لتنقية الهواء بسرعة وسهولة. وقد عمد المهندس الشهير سنان إلى عمل فتحات صغيرة تحت القبة في اتجاهات متنوعة ليضمن تياراً صاعداً يجذب وراءه الدخان المتصاعد من  لمبات الزيت المستخدمة بكثرة لإضاءة المسجد الكبير...

وبذلك تجاوز مشكلة عانت منها المساجد كثيراً، وهي تكاثف سواد الدخان وتغطيته لرسومات القباب فيها، خاصة إذا علمنا أن المسافر التركي الشهير ايفليا شلبي كتب ذات مرة: أنه استلزم استخدام ما يقارب من عشرين ألف لمبة في الثريات المختلفة الموزعة في أرجاء المسجد. وقد كان السَخَم المتجمع على أطراف فتحات التهوية يجمع ويعطي لصانعي الحبر لاستخدامه في صنعتهم.

 

صحن المسجد وبواباته ونافورته:

وخلف بيت الصلاة في مسجد السليمانية يقع صحن المسجد أو الساحة الداخلية، وهي مستطيلة الشكل.

وأرضية تلك الساحة مغطاة بألواح كبيرة من المرمر، ولها بوابتان على جانبيها، وبوابة في الوسط، وهذه البوابة الوسطى لها شكل باب أثري ذي تاج، وتعد عملاً معمارياً فريداً ومهما وهي مثال رائع للفن السلجوقي وقد نقش بالذهب وبشكل بارز فوقها شهادة (لا اله إلا الله محمد رسول الله).

ويحيط بهذه الساحة أو بصحن المسجد ممر أو رواق من جهاتها الثلاث تعلوه (28) قبة ترتكز على (24) عمودا وترتبط بأقواس صغيرة، ومن تلك الأعمدة اثنان من الرخام حول البوابة الوسطى، وعشرة من المرمر الأبيض، واثنا عشر من الغرانيت.

وهذه الأعمدة تزينها رواسب كلسية ورؤوس من المرمر منحوتة في أعلاها من حجر واحد. وجدران تلك الساحة المحيطة بالممر فيها صفان من النوافذ.

وفي وسط الساحة هذه توجد نافورة الوضوء شكلها مستطيل، وهي تستحق الاهتمام، فقد نحتت نقوشها بشكل بديع وزينت بقضبان برونزية جميلة.

 

المآذن الأربعة السامقة:

وعلى أطراف الساحة الداخلية هذه ترتفع في وسط السماء أربع مآذن، اثنتان منها ـ وهما اللتان تليان بيت الصلاة ـ أعلى ارتفاعاً من (74م)، ولكل مئذنة من هاتين المئذنتين ثلاث شرفات أما المئذنتان الأخريان فلكل واحدة منهما شرفتان فقط.

وقد قيل: إن المهندس سنان أراد أن يشير بالمآذن الأربع الى أن السلطان سليمان هو رابع سلطان عثماني بعد فتح القسطنطينة كما أشار بالشرفات العشر الموجودة على المآذن الأربع إلى أن السلطان سليمان هو العاشر من سلاطين بني عثمان...

 

الساحة الخارجية... ومرافق كثيرة:

ومن خلف الساحة الداخلية تقع الساحة الخارجية الكبرى التي لها أحد عشر باباً، وهي كالسور المحيط بالبلدة.

ويتضمن جامع السليمانية ثاني أكبر مجمع عمراني بعد مجمع الفاتح.

ويتألف هذا المجمع من أربع مدارس: مدرسة طبية، ومدرسة للقائم مقامين، ومدرسة دينية للعلوم الشرعية، ومدرسة ابتدائية.

هذا اضافة إلى مستشفى ودار للضيافة ومطعم للفقراء وحمام تركي وسوق حول المسجد.

 

متابعة مباشرة من السلطان سليمان:

وقد كان السلطان سليمان الكبير يراقب العمل في مسجده عن كثب، وقد اعتاد زيارة المسجد باستمرار ليقف على تطورات البناء وهو ينتظر الانتهاء منه بفارغ الصبر، وقد وشى بعض المغرضين إلى السلطان أن المعمار سنان باشا عاجز عن انهاء البناء، وأنه أطال مدته أكثر مما ينبغي، فاستدعى (سنان) وطلب منه أن يحدد له موعداً قريباً لنهاية العمل، فأخبره بأن ذلك ممكن بعد شهرين.

وكان هذا تحدياً كبيراً لإدارة سنان دفعه إلى تشغيل طاقم العمال ليلاً ونهاراً، مع الاستعانة بكل ما يستطيع من عمال العاصمة وفنييها حتى وفى للسلطان بوعده، وحمل إليه مفاتيح المسجد في موعده ولكن السلطان أعادها إليه قائلا:

إنه من الأنسب أن تقوم أنت بفتح المسجد الذي عملته لي...

وهكذا قام سنان في حفل الافتتاح بفتح أبواب المسجد بيديه ـ بعد أن بلغ من العمر 67 سنة ـ يملؤه الافتخار بهذا العمل الفريد.

 

جواهر الشاه... ورد السلطان:

ومما يذكر عن بناء مسجد السليمانية في استانبول أن شاه إيران (تاهما سب) بعث مع أحد سفرائه صندوقاً من الجواهر، ورسالة يقول فيها للسلطان:

إنه سمع بأن عملية البناء توقفت بسبب قلة المال، لذا أرسل لكم صندوقاً مليئاً بالمجوهرات والألماس والزمرد.

وقد اعترى السلطان غم لهذه الرسالة، فاستدعى المعمار سنان، واعطاه المجوهرات قائلاً هذه الأحجار لا تساوي شيئاً بالمقارنة مع أحجار مسجدي، لذا خذها وضعها مع باقي الأحجار، واستخدمها في البناء.

ويذكر بعض الكتاب: أن هذه الأحجار قد وضعت بشكل فني دقيق ضمن أحجار المآذن، لذا فهي تشع بقوة تحت أشعة الشمس ومن هنا سميت بالمآذن المجوهرة... وهكذا قبلت هدية الشاه ولم تستخدم في تمويل المسجد.

 

المعرض السلطاني الجميل:

       ولا ننسى أن نشير إلى أن السلطان سليمان الكبير دفن في ضريح أمام المحراب ،      والضريح مثمن الأطراف، ومحاط بممر ذي أعمدة من 28 عمودا، وأمام الباب هناك رواق ذو أربع أعمدة، والجدران على طرفي الباب مغطاة بالآجر، والباب مصنوع من الأبنوس المرصع بالعاج.

        وفوق القبر قبة مزخرفة بدقة، ترفعها أعمدة بيضاء ووردية.

        والزخرفة الداخلية للضريح رائعة جداً.

       وخلف الأعمدة الحاملة للقبة تقع الخزائن التي هي أكبر دليل على المستوى الرفيع الذي وصلت إليه زخرفة وحفر الخشب...

       وبجوار قبر السلطان سليمان قبر زوجته أيضا، كما يرقد سلاطين آخرون من آل عثمان مع زوجاتهم بجوار السلطان سليمان وزوجته.

 

ومدفن لسنان المهندس:

وعند المدخل الخلفي للمسجد توجد نافورة لمياه الشرب، وضريح صغير للمهندس الشهير (سنان باشا) وقد عبر عن قبر سنان المجاور لأعظم أعماله المسجد السليماني المدير السابق لمتحف قصر توبكاي تحسين اوزباي بقوله:

إنه مثل توقيع صغير وضع في زاوية تحفة فنية رائعة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المساجد الهندية

 

تمهيد :

ليست الهند إلا مجموعة بلدان تتعدد في لغاتها وشعوبها وأديانها، لذلك يطلق عليها جغرافياً اسم شبه القارة الهندية.

وقد امتدت إليها الفتوحات الإسلامية منذ فجر الإسلام، فكان محمد بن القاسم أول قائد مسلم تطأ راياته أطراف وحوافّ الهند وهي البلاد المسماة قديماً بالسند، والمعروفة حديثاً باسم باكستان...

إلا أن فتح الهند الفتح العام الشامل لم يتم إلا في عهد الأمير الغزنوي الشهير سبكتكين وابنه محمود (977 ـ 997) فبعد هذين السلطانين المسلمين أضحت الهند على سعتها بلداً مسلماً، إن لم يكن في جميع سكانه ففي الغالبية العظمى لأقاليمه.

واستمرت تلك السيادة الإسلامية قرابة ألف عام إلى أن كانت سنة 1877م عندما بسط الانكليز سيطرتهم ونفوذهم التام على الهند، ونصبوا ملكتهم فيكتوريا امبراطورة عليها، وأزاحوا آخر ملوك المغول المسلمين بعد مقاومة عنيدة وطويلة.

بين الهند والأندلس:

ويحلو لبعض الكتاب أن يقرن بين الهند والأندلس ( أسبانيا حالياً).

فالهند شبه جزيرة خرجت من أيدي المسلمين بعد قرابة ألف عام من السيادة الإسلامية لتعود إليها السيادة البوذية ثانية وكذلك شبه الجزيرة الايبيرية (الأندلس) تقلبت في نعيم الإسلام فترة من الزمن قرابة سبعمائة عام، ثم انقضت عليها جيوش النصرانية، فأخرجت المسلمين منها وأعادتها قسراً إلى حظيرة الصليب.

إلا أن الفارق بين هذين الموقعين (اسبانيا والهند) هو أن الإسلام في اسبانيا انتهى سياسيا ودينياً وحضاريا، بينما لا يزال في الهند قوة دينية وحضارية لا يستهان بها وإن أبعد عن سدة الحكم.

 

مساجد الهند، وخصوصياتها:

وينظر الباحثون في تاريخ المساجد إلى المساجد المقامة في الهند على أسس معمارية خاصة بها، تولدت ونشأت من مجموعة عوامل أثرت فيها تأثيراً كبيراً ومباشراً.

وتلك العوامل هي

أولاً: ما قصده الفاتحون من المسلمون من الغزنويين أول الأمر من إزالة المعابد البوذية والهندوكية، واستخدام أعمدتها وحجارتها وأمكنتها أحياناً في إنشاء المساجد وإشادتها وعمارتها. وثانياً: بناء المساجد على شاكلة الحصون والقلاع التي تحتمي وراء أسوارها الجماعة المسلمة الناشئة في ساعة الخطر.

وثالثاً: إقامة المساجد على شكل صروح معمارية ضخمة تبهر أنظار الهنود وتجتذبهم إلى الدين الجديد، بعد أن تعودوا أن يروا مباني أديانهم السابقة في أعلى قدر من الفخامة والضخامة.

 

شح في المراجع، وقلة في المعلومات:

وقد كان بودي لو تمكنت من الحصول على مراجع بالعربية تتحدث عن المساجد في الهند بإسهاب، لأقوم بتقديم نماذج منها بما تستحق من اهتمام بالتفاصيل والدقائق، كما سبق معنا في المساجد الأخرى...

إلا أن المكتبة العربية لم تسعفني بشيء كما أتمنى. مما دفعني إلى الكتابة عن مجموعة من المساجد الإسلامية في الهند في فصل واحد، مع يقيني أن كل مسجد من هذه المساجد يستحق ـ لما فيه من الابداع والجمال، وما حفل فيه من المزايا والعجائب ـ أن يفرد في فصل خاص، وأن يسطر تاريخه على انفراد!!.

كيف لا، ونحن في شبه الجزيرة الهندية أمام طراز مبتكر حقاً للمساجد يختلف كل الاختلاف عما رأيناه من طرزها المعمارية الأخرى.

لقد استطاع المهندسون الهنود المسلمون أن يجمعوا ـ على نحو يدعو إلى الاعجاب حقاً ـ بين تقاليد بلادهم الاصلية في العمارة وبين نظام المساجد في الإسلام.

وسوف نعول في معظم هذه الوقفة على ما كتبه الدكتور حسين مؤنس في كتابه (المساجد) وما نقل عنه ـ فيما نظن ـ الدكتور يوسف فرحات في كتابه (المساجد التاريخية الكبرى) مع مصادر أخرى..

1ـ مسجد قوة الإسلام في دلهي:

انشىء هذا المسجد الجامع الضخم في عهد أول سلاطين مماليك الهند قطب الدين أيبك ولذلك تنسب إليه منارته الفريدة (قطب منار).

ففي سنة 1200م بني الجزء الأول من المسجد وكان عبارة عن مساحة مسورة مستطيلة، يتجه جدار القبلة فيها إلى الكعبة. وهذا الجدار مع الجدر الثلاث الأخرى يشكل مجموعة جدران عالية ضخمة، تقويها من الداخل مجنبات يتكون كل منها من رواقين في الجانبين، وثلاثة أروقة في الخلف.

أما بيت الصلاة الأمامي فيتميز عن ذلك كله بعمقه، وبقيامه على أعمدة ضخمة...

وفي هذه المرحلة بنيت المئذنة الشهيرة المعروفة بالقطب، والتي هي أهم رموز هذا المسجد الكبير، وهي مئذنة هائلة الارتفاع، خاصة في ذلك الزمان ـ إذ يصل ارتفاعها إلى نحو 72.5 مترا، وقطر قاعدتها يزيد على (15) مترا، وهي أشبه ما تكون بنصب تذكاري رائع، وكلما ارتفعت فيها ضاق قطرها حتى يصل إلى ثلاثة أمتار فقط.

والمئذنة هذه مضلعة تبدو أضلاعها وكأنها أعمدة متلاصقة.

وللمنارة ثلاثة شرفات للأذان، تقوم كل شرفة منها على مقرنصات بالغ المهندسون في إتقانها وتنميقها. وتعتبر من أضخم المآذن في المساجد القديمة.

 

تجديدات وإضافات:

وقد وسعت مساحة هذا المسجد وجدد مرات عدة، فما بين عامي 1210 ـ 1220 زيد في مساحة الجامع زيادة ضخمة ضاعفت مساحة أكثر من ثلاث مرات، مع زيادة العناية به وتجميله ثم من عام 1295م وحتى عام 1313م زيدت مساحة الجامع مرة ثانية، فانتهى طوله إلى 225 مترا وعرضه إلى 150 مترا، لتصبح مساحته نحو (34) ألف متر مربع، أي ما يتسع لنحو سبعين ألف مصل دفعة واحدة.

وقد اختار السلطان الهندي المسلم علاءالدين ايلتوتميش لنفسه قبراً (وتسمى عند التفاؤل بها روضة) بجواره، وبنى عام 1236 لأجل ذلك بناء جميلاً أنيقاً خاصاً به، تربض فوقه قبة مسدسة الاضلاع، تقوم على رقبة فيها  أربع قمريات. وأما المنبر في ذلك المسجد فقد كان  كله من الحجر الجيري والرخام.

 

المصليات الصغيرة الأربع:

ثم استمرت التجديدات فيه، خاصة عام 1305هـ، عندما فتحت في جدار سور المسجد أبواب جعل كل منها في صورة مصلى صغير، تقوم فوقه قبة.

وعدد تلك المصليات المنسوبة إلى السلطان علاء الدين أربع: أثنتان في الجدار الخلفي المقابل لجدار القبلة، وواحدة في شرق الجدار الأيمن، ورابعة في الأيسر.

وقد اعتنى السلطان علاء الدين بزخرفة تلك الأبواب أو البوابات ومصلياتها. وتعرف اليوم باسم ألاي علائي دروازة.

وفي عام 1310م انشئت في جانب من الصحن الفسيح مئذنة يبدو أن منشئها أراد منافسة منار قطب إلا أنها لم تتم.

2ـ مسجد دلهي الجامع:
ويرجع تاريخ بناء هذا المسجد في العصر المغولي إلى عام 1644م (1504هـ) وقد استغرق بناؤه أربعة عشر عاماً ( إلى عام 1658م) 1069هـ، ويعرف كذلك بالمسجد الملكي لشاه جيهان باد.

وشاه جيهان هذا (1627 ـ 1658) ملك مسلم عظيم تعتبر منشآته في الهند من آيات الفن لا في تاريخ العمارة الإسلامية بل في تاريخ العمارة العالمية، مع تمتع عصره بالرفاهية والرخاء... ولذلك فهو يقارن بالوليد بن عبدالملك وعبدالرحمن الناصر وسليمان القانوني الذين ترك كل منهم بصماته واضحة في الآثار الإسلامية المعمارية.

 

الطابع الخاص والمساحات الواسعة:

ويعتبر مسجد دلهي الجامع أكبر مساجد الهند المحاطة بفناء على الاطلاق، ويرتفع على هضبة عالية.

ويعتبر بعد ـ مسجد فاتح بورسيكري ـ محاولة ثانية وخطوة أخرى نحو انشاء مساجد ذات طابع هندي محلي.

وهو مسجد ضخم يتكون من ثلاثة أواوين متجاورة:

الأوسط منها إيوان المدخل من صحن المسجد، وله مدخل فخم تزينه بوابة ذات عقد مدبب، ومن هذه البوابة يدخل إلى بيت الصلاة المكون من الأواوين الثلاثة: الأوسط وهو ايوان القبلة وهو أصغرها، وفيه محراب المسجد الجميل، وفوقه تقوم القبة الرئيسية للجامع وهي بصلية الشكل.

وعلى اليمين واليسار يقوم الايوانان الثاني والثالث، وهما قاعتان فخمتان تقومان على دعائم حجرية وعقود مدببة، وفوقهما قبتان بصليتان أصغر من القبة الوسطى.

وتنتشر في تلك الأواوين الثلاثة زخارف الاربسك البسيطة الجميلة المنثورة على الرخام الابيض في حوائط من الطوب الرملي الأحمر. وهو يرتفع على الجدران حتى ثلاثة اذرع... وفي بيت الصلاة هذا منبر من حجر المرمر الأبيض الناصع.

 

المئذنتان والصحن وقباب الواجهات:

وترتفع على جانبي واجهة المسجد مئذنتان عاليتان تبلغان نيفاً وأربعين مترا، وهما رفيعتان، ولهما أربع طوابق، وتختم كل منهما بجوسق ثم عمامة بصلية الشكل أيضا.

أما الصحن فمساحته شاسعة تحيط البوائك بها المكونة من طبقتين من كل جهة، وله مدخل رائع مرتفع عن الأرض بسلم عظيم يقوم في الجهة الشرقية المقابلة لجدار المسجد، وهذا المدخل مبنى مربع ذو ثلاثة أدوار، تزينه النوافذ الزخرفية ذات العقود المدببة.

كما أن للصحن بوابتان تتوسطان الجانبين الشمالي والجنوبي، وهما أصغر حجماً من بوابة المدخل الشرقي إلا أنهما تماثلانها...

وعلى اركان الصحن وجدار المسجد كله تقوم أربعة أبراج على هيئة جواسق في منتهى الجمال والروعة. وتتصل الأعمدة المزدوجة التي تتكون منها ومن العقود الفسطونية البواكي المفتوحة، وهي متصلة بالبوابات والابراج.

وقباب الواجهات مغطاة بالرخام الأبيض، ومزينة بخطوط من الحجر الرملي الأحمر، وترتفع على طبلة اسطوانية الشكل.

وفي وسط الصحن حوض كبير للوضوء.

 

أمراء الأقاليم يشاركون بحماس:

وعندما بدء العمل في مسجد دلهي الجامع، استعان شاه جهان بأمرائه المنصوبين على الأقاليم التابعة له، ليقدموا ما بأيديهم من امكانات في البناء الذي كلف في ذلك الوقت مليون روبية. فسارع كل منهم بارسال ما يستطيع من أحجار ورخام وأدوات بناء وفنيين وغير ذلك حتى استوى المسجد وافتتح للصلاة فيه أول مرة بصلاة عيد الفطر في موكب ملكي حاشد.

 

من لم تفته صلاة الليل فليتقدم:

وتروى قصص عجيبة عن وضع حجر أساس هذا المسجد، تدل على شدة ورع شاه جهان ومواظبة على صلاة التهجد بالليل...

فيقال: إنه عند البدء بوضع الأساس جمع حاشيته ووزراءه وقضاته والعلماء الملتفين حوله، ثم طلب ممن لم يفته قيام الليل مرة واحدة أن يتقدم لوضع حجر الأساس فأمسكوا وتوقفوا... فما كان منه إلى أن تقدم شاكراً الله على نعمته عليه أن لم تفته صلاة الليل ولا مرة.

 

العداء الصليبي السافر:

ومما يذكره التاريخ لمسجد دلهي الجامع أنه كان معقلا للثوار المسلمين عام 1857م ضد الانكليز، وبعد إخماد الثورة بوحشيتة فظيعة منع الانكليز المسلمين من الصلاة فيه فظل مغلقا حتى عام 1862م.

ولم يكتف الانكليز بإغلاق المسجد في حينه، بل نهبوا الأوقاف الكثيرة التابعة للمسجد، ولم يتركوا أثراً للمدرسة الملحقة به عند الباب الجنوبي، وهي التي كانت تسمى دار البقاء، وكذلك فعلوا بالمستشفى الملكي المقام عند الباب الشمالي للمسجد، وقد كان يعالج المرضى بالمجان.

 
3ـ مسجد تاج محل:

وأجمل ما خلف شاه جيهان من آثار معمارية ما يعتبر أحد غرائب الدنيا أو عجائب الدنيا السبع وهو مسجد تاج محل الذي بناه في الأصل عام 1630م ليكون قبراً لزوجته ممتاز محل بعد أن توفيت وهي في ريعان شبابها، فأراد أن يخلد ذكرها، فأنشأ لها خلال عامين مبنى لا تصوره الكلمات ـ كما يقول الدكتور مؤنس ـ بل الرسوم، فانظر إليه ترى عجباً من الجمال والإيمان.

 

أشهر المهندسين... ومسجد غريب الشكل:

وقد استعان شاه جيهان في بناء تاج محل بأشهر مهندسي عصره: مرشد الشيرازي ومير عبدالكريم وغيرهما، بينما كان وزيره آصاف خان هو المشرف على العمل ومتابعته حتى النهاية.

والجزء الرئيسي من تاج محل بيت صلاة قسم إلى اواوين ثلاثة:

الأول ويقع علىاليسار، وفيه المسجد، وقبلته تتجه إلى الكعبة المشرفة.

والثاني وهو الأوسط وفيه قبر ممتاز محل والثالث بقية بيت الصلاة ويقع إلى يمين القبر وهذا الجزء من المبنى مسجد دون جدال في مدخله ومحرابه، إلا أنه أخذ صورة المسجد الهندي، فصاغه المهندسون الهنود المسلمون على طريقتهم بروح إسلامية خالصة.

وفوق المبنى تربض قبة ضخمة من الطراز المغولي تحف بها أربع قباب صغيرة في الجوانب الأربعة...

بينما ترتفع حول المسجد وفي الفناء المحيط به أربع مآذن شامخة.

وجدران المبنى قطع من الرخام الأملس الصافي الذي لا تشوبه الرسوم، إلا بعض الزخرفة.

بينما تحف بالمسجد حدائق أُتقن تنسيقها لتغدو فتنة تضاف إلى فتنة البناء، خاصة وهي يتخللها نهر الجمنا.

وقد نقلت ممتاز محل من قبرها العادي المؤقت على ضفة نهير التابني، لتستقر في تاج محل الذي وصفه بعضهم بأنه قصيدة منحوتة من الحجر رثى بها شاه جهان زوجته، بما تعجز الوصول إليه كلمات الشعراء وقصائدهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مسجد صنعاء الجامع

 

تمهيد :

صنعاء مدينة تاريخية قديمة كادت تكون أقدم مدن التاريخ. أكثر المؤرخون من امتداحها وذكر محاسنها، فها هو ياقوت الحموي يقول :

وصنعاء قصبة اليمن وأحسن بلادها تشبه بدمشق لكثرة فواكهها وتدفق مياهها فيما قبل.

وهذا عمارة بن الحسن يقول: ليس بجميع اليمن أكبر ولا أكثر مرافق وأهلاً من صنعاء، وهو بلد في خط الاستواء وهي من الاعتدال بحيث لا يتحول الإنسان من مكان طول عمره صيفاً ولا شتاء.

 
الإسلام واليمن ... علاقة قديمة:

وصلة الإسلام باليمن عموماً صلة ترجع إلى الأيام الأولى فيه، فقد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم من نجران اليمن وفدُُ وهو في مكة قبل أن يهاجر، فاستمع إليه وأعجب به، ومال إلى تصديقه، حتى نقم عليهم مشركو مكة، وتعرضوا لهم بقبيح الكلام، فقالوا لهم بكل أدب وهدوء: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين...

كما أن أكثر من وفد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن بعد الهجرة خاصة بعد خيبر سنة (6هـ)، ومن تلك الوفود أبو موسى الأشعري وقومه، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم  ـ كما جاء عند الإمامين أحمد وعبدالرزاق ـ  عن أبي هريرة رضي الله عنه: " أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوبا وأرق أفئدة. الايمان يمان، والحكمة يمانية والجفاء والقسوة والغلظ غلظ القلوب في الفدادين من أهل العرب ".

 

مسجد صنعاء.. ودعاة الإسلام:

ولذلك فلا عجب إذا علمنا أن مسجد صنعاء الجامع هو من أقدم المساجد في الإسلام، فقد بني في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبأمره.

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عدة من أصحابه إلى اليمن، منهم معاذ بن جبل وأبان بن سعيد وفروة مُسَيك ووبر بن يحنس وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين... أرسلهم دعاة وهداة.

وورد عن كثير منهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يبني مسجداً، إلا أن غالبية المؤرخين يميلون إلى ان مسجد صنعاء بني على يد أحد رجلين: إما وبر بن يحنس الأنصاري أو فروة بن مسيك المرادي... روى عبد الرزاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر وبر بن يحنس الأنصاري حين أرسله إلى صنعاء والياً عليها فقال: " ادعهم إلى الإيمان، فإن أطاعوا لك به، فاشرع الصلاة، فإذا أطاعوا لك بها فمر ببناء المسجد لهم في بستان باذان، من الصخرة التي في أصل غمدان، واستقبل بها الجبل الذي يقال له: (ضِيْن).

وفي تاريخ مدينة صنعاء للرازي: روي عن بعضهم قال: وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فروة بن مسيك المرادي إلى صنعاء ومخاليفها وحضرموت، وأمره أن يبني مسجد صنعاء ما بين القلعة الململمة الخضراء إلى غمدان، فبناه.

وذكر الرازي أيضاً عن محمد بن داود بن قيس: بُني مسجد صنعاء قبل مسجد الجنة بستة أشهر بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أفضل منه لقدمه عليه.

والذي يرجحه أكثر المؤرخين أن يكون المسجد قد وضعت اساساته على يد الصحابي الجليل وبر بن يحنس. ولعل معاذ بن جبل رضي الله عنه لما جاء مرسلاً من قبل النبي صلى الله عليه وسلم اعتنى بالمسجد ووسعه.

وليست بين أيدينا معلومات واسعة عن صفة المسجد الذي بني في صنعاء بأيدي اولئك الصحابة الأول، سوى ما قيل من أن مساحته آنذاك لم تكن واسعة، بل كان مربع الشكل، طول ضلعه اثنا عشر متراً تقريباً، وفي أساساته بعض أحجار يرجح أنها أخذت من أقفاص قصر غمدان.

 
مسجد صنعاء في العهد الأموي:

وقد ذكر أن الوليد بن عبدالملك الخليفة الأموي المعروف باهتمامه بالمباني والمساجد، قد أمر واليه على اليمن أن يعيد بناءه.

قال الرازي: ولما أفضت الخلافة إلى الوليد بن عبدالملك كتب إلى أيوب بن يحيى الثقفي بالولاية على صنعاء واليمن، وأمره أن يزيد في مسجد صنعاء ويبنيه بناء جيداً محكماً.

فبناه أيوب بن يحيى، وزاد فيه من نحو قبلته الأولى إلى موضع قبلته اليوم، وحضر وهب منبه ذلك فقال لهم: إن أردتم أن تنصبوا قبلته فاستقبلوا به ضينا.

ونقل لنا أنه كان للمسجد حينذاك ثلاثة أروقة محيطة بصحنه، وفيه اثنا عشر عمودا، وفيه محراب من الجص الذي اشتهرت به اليمن وله باب واحد من الجهة الجنوبية.

وقد ذكر أبو نواس (الحسن بن هاني) في إحدى قصائده يصف تطييب المسجد الجامع في صنعاء بقوله:

بل نحن أرباب ناعطٍ ولنا          صنعاءُ والمسك في محرابها     

وذلك أنهم كانوا في أيام بني أمية يخضبون محاريب المساجد بالخلوق والطيب، فلم يزل ذلك في أيامهم.

 
العباسيون.. ودور نشط:

ثم انقطع ذلك الطيب من المساجد لما قدم عمر بن عبدالحميد، وكان أول من ولي صنعاء لبني العباس. وهو أول من وضع الأبواب لمسجد صنعاء لأول مرة في تاريخه. قال الكشوري: حدثني أحمد بن دامرو قال: عمر بن عبدالحميد أول من ولي صنعاء لبني العباس وهو أول من بوب أبواب المسجد الجامع. وكان لا بأس به.

كما جدد مسجد صنعاء الجامع مرة أخرى في أيام العباسيين سنة 136هـ، على يد علي بن الربيع المداين الحارثي أحد ولاة العباسيين علىاليمن. أفاد ذلك النقش المزبور بالخط الكوفي والمثبت حديثاً في جدار الجامع. ويبدو أن هذا التجديد قد أدخل الكثير من التزويقات والزخرفة عليه. قال الرازي: كان في المحراب نقوش وتزويقات وصنعة عجيبة حسنة بالجص عملاً معجزا.

 
محمد بن يعفر الحوالي.. وتجديد كبير:

وفي عام 265هـ نزل سيل عظيم جارف خرب الجامع وضعضعه، فقام أمير اليمن وملكها آنذاك محمد بن يعفر الحوالي بعمارته وتجديده وتوسعته، واستمر العمل في ذلك حتى عام 269هـ، وكانت تلك أبرز العمارات في مسجد صنعاء الجامع لمدة طويلة، فقد اتقن سقوفه وزخرفته، وجلب له الخشب الساج والعدني، وجعل نقوشه قريبة من السقف.

ويظن أنه هو الذي أحدث له الباب المجاور للمحراب الذي عليه نقوش صميرية بارزة، ويقال: إنه أحد أبواب قصر غمدان الشهير، وقد خصص هذا الباب لدخول الولاة والأئمة والملوك. كما أوقف له أوقافا جسيمة في صنع وغسيل الرسة التي تدر عليه بالخيرات، وسجل اسمه على جنباته وأحجاره.

 
القرامطة يخربون مسجد صنعاء:

ولم يأت عام 293هـ حتى دخل القرامطة إلى صنعاء واستباحوها، بقيادة داعيتهم علي بن الفضل القرمطي، وهدموا جوانب من مسجد صنعاء، بل حاولوا إسقاط سقفه كله، وذلك بأن سدوا ميازيب سطح المسجد في فصل الخريف الممطر حتى امتلأ سطحه ماء، وكاد يقع لولا لطف الله، وزادوا على ذلك ـ كما يرويه الرازي ـ بأن شربوا الخمر في المسج، وذبحوا فيه كثيراً من الخلق.

ثم إن الأمير أسعد بن يعفر صار إلى صنعاء وأخرج منها علي بن الفضل القرمطي ،وعضد جدران المسجد بالحجارة المقوية، وأصلح سقوف المسجد المتضررة، واعتنى بالمسجد خير عناية، وجمّله وزخرفه، وأعاد له شبابه ونضارته.

حتى جاء بعض القضاة وهو  قاضي صنعاء يحيى بن عبد الله بن كليب المتوفى عام 341هـ فأمر بهدم تلك النقوش التي كانت في المحراب، وجصصه بجص عادي خال منها متعللاً بقوله: إن ذلك لم يكن جائزاً.

كما عمد إلى ما كان من الزخرفة في الأحجار الخارجية للجامع فشوه صورتها.

 

أروى بنت أحمد الصليحي.. ونقطة مضيئة:

وتوالت عمليات التجديد في مسجد صنعاء. فقد جدده سليمان بن محمد عام 388هـ وجدده كذلك محمد بن حسين عام 407هـ ثم كانت واحدة من التجديدات والتوسعات الشاملة فيه عام 525هـ وهي التي قامت بها المرأة الفاضلة أروى بنت أحمد الصليحي التي زادت في المسجد الجناح الشرقي فيه، اضافة إلى عمارة المسجد كله، حتى أصبح ينسب إليها المسجد، فيقال له : مسجد أروى...

مئذنتان.. شرقية وغربية:

وقد علم من تتبع الروايات أن كان لمسجد صنعاء في هذه المرحلة مئذنتان إلا أن احداهما ـ وهي ـ  تصدعت وانهارت عام 594هـ، بينما كانت الغربية الأخرى قد تصدعت بعدها. لذلك فإن الأمير الأيوبي الكردي الأصل وردسار بن بيامي الشانكاني أعاد بناء هاتين المنارتين عام 602هـ وابتدأ بالشرقية منهما.

يقول الرازي: ثم إن هذا الأمير أمر بعمارة هذه المنارة، فجهز لها البنائين والجعلاء وحمالة تحمل الجص من المحاجر، حتى إذا وصلت العمارة إلى موضع الدرابزين أمر بعمل شرفة الأذان من ألواح جيدة حسنة مزوقة من الساج، وسمرت بالمسامير الحديد البليغة الغليظة، وأحكمت صنعته، وكان ذلك أول درابزين عمل في مئذنة في اليمن كلها، وقد نقل ذلك وردسار من مآذن الشام.

ثم بنيت المنارة من الدرابزين إلى موضع القبة مثمنة الاضلاع، وعمل تحت القبة موضع بالسكارج الخضر، ثم عملت القبة صنعة محكمة، وعمل في رأسها ثلاث جوزات من نحاس، ورأسها هلال من نحاس، وألصق إلى القبة، وجصص أسفله وأحكم.

وفي خلال مدة ذلك نقضت المنارة الغريبة إلى غاية أسفلها، ثم عمل أساسها على الأرض المسواة، ثم جعل فيه أحجاراً قوية فيها مماسك قوية للأحجار التي توضع فوقها، ثم أتم بناءها الأعلى بالآجر، وجصص المنارة كلها ونقشها، وصنع لها أيضا شرفة للأذان جميلة، مثل تلك التي في المنارة الأخرى.

ثم بنى هذه المنارة من شرفة الأذان إلى القبة مسدسة الاضلاع، وركب في رأس قبتها صورة سفينة من نحاس على عمود من حديد.

وقد كتب اسم هذا الأمير على حجر من مرمر ووضع في جدار المنارة الشرقية..\

وتم عمله هذا مع إصلاح عمارة المسجد عموماً وإضافة منبر جميل مزين بقطع من الفضة المسبوكة على شكل آيات قرآنية في سنة 603هـ في منتصف رمضان.

وقد أوقف هذا الأمير الأموي الأيوبي أوقافاً جزيلة على مسجد صنعاء ومن فيه من عالم ومتعلم وعابد وناظر وقف،ٍ وكان ناظره على الوقف عبدالرحمن المعروف بإقبال الحبشي.

 

ماء مبرد بالثلج.. في الصيف:

هذا ويذكر أن جامع صنعاء كان فيه بركة ماء وميضأة ومطاهر بناها سري بن إبراهيم بن أبي بكر سنة 606هـ.

كما كان يوضع فيه في الصيف ماء مبرد بالثلج المختزن من الشتاء، ذكر الرازي أنه قال له أبو محمد الجرحاني ـ وقد رآه يشرب ماء بارداً بالثلج في مسجد صنعاء ـ فقال له:

قد طفت الدنيا قطعة قطعة فما رأيت مثل صنعاء في طيب هواها في هذا الوقت (اي حزيران) ولا يقدر أحد على هذه الشربة من الماء.

ولمحت بعض الروايات إلى أن في مكان مسجد صنعاء قبر نبي فعن مطرف بن أيوب قال: في مسجد صنعاء قبر نبي يسمى حنظله.

 
مشاهير العلماء وإمامة المسجد:

وقد تول الإمامة في مسجد صنعاء الجامع عدد كبير من العلماء والصلحاء منهم محمد بن عمر بن أبي مسلم السمسار، وكان المقدم في مسجد الجماعة في صنعاء على غيره في شهر رمضان لجودة قراءته.

ومنهم عبدالله بن محمد يوسف القطراني، ولاه أسعد بن أبي يعفر الإمامة في مسجد الجماعة بصنعاء في المدة التي دخل فيها القرامطة صنعاء وأفسدوا فيها.

وقد جاء بعد وفاته إماماً لمسجد صنعاء أبو بكر محمد بن المعان البعادي، وبقي كذلك قرابة عشرين عاما، ثم جاءه محمد بن أحمد النقوي.

كما تولى الأذان فيه صلحاء الرجال، مثل إبراهيم بن خالد من أصحاب معمر المحدث الذي أذن فيه سبعين سنة حتى مات.

ولمسجد صنعاء باب في الجهة الغربية يقال له باب بني ثمامة نسبة إلى ثمامة الذي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم واتبعه وأخذ عنه سورة يس قبل رحيله إلى بلاده اليمن.

 
مسجد صنعاء الحالي:

ويصف الدكتور عباس فاضل السعدي في كتابه (مدينة صنعاء) مسجد صنعاء الجامع حالياً فيقول:

أما تخطيطه الحالي فهو على شكل مستطيل طوله من الجنوب إلى الشمال 84.5 مترا،ً وعرضه من الشرق إلى الغرب 69.5 مترا، وله 183عموداً، و12 باباً، وصحن الجامع من الداخل على شكل مربع مساحة نحو(4000م2) ويتسع صحن الصلاة فيه لحوالي ألفي مصل، وتتوسطه قبة ارتفاعها عن السطح نحو ستة أمتار تقوم على قاعدة دائرية قطرها 14 مترا...

ويتوج المسجد مئذنتان بارتفاع 17 متراً من الطراز اليمني التقليدي المتأثر بالطراز العثماني، وأحدى المنارين شرقية والأخرى غربية ولكل منهما قاعدة مربعة يقوم عليها بدن مستدير تعلوه شرفة الأذان، ثم يرتفع بدن المئذنة مسدس الشكل إلى أن تتوجه قبة صغيرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Wمسجد واشنطنW

 

تمهيد :

المسلمون في الولايات المتحدة الأميركية مسألة معقدة ومهمة، والملف الخاص بهم يشمل عدة قضايا بالغة الدقة والتشابك...

فهم من حيث التاريخ تمتد جذورهم القديمة إلى عام 1539م، عندما وصل أول مسلم من المورسكيين أمثال استفانكو وغيره ممن انضموا إلى المستكشفين الأوائل للأرض الجديدة... وهم من حيث العدد تتراوح تقديرات أعدادهم ما بين ثلاثة وخمسة ملايين مسلم... أو يزيد وهم من حيث توزعهم الجغرافي في الولايات المتحدة الواسعة ينتشرون في أرجاء معظم الأرض الأميركية من الغرب إلى الشرق.

وهم من حيث التنوع العرقي تتعدد أصولهم من زنوج إلى شرق أوسطيين إلى ألبانيين وأتراك وباكستانيين وهنود...

وهم من حيث أفكارهم ومذاهبهم يتأرجحون بين الانحلال والتفلت، والتشدد والتطرف، والجهل والأمية، واللامبالاة والذوبان إضافة إلى وجود فئات كثيرة واعية بصيرة راشدة... إنهم قضية شائكة ومعقدة لم يكتب لها إلى اليوم من يقوم بشئونها وشجونها ومسؤولياتها الكبيرة.

 

منارات الهدى في أميركا:

وإذا كنا اليوم نستطيع القول إن عدد المساجد في أمريكا ـ كما يقدره بعض الباحثين ـ يصل إلى قرابة ألف مسجد ما بين مسجد ضخم مشهور ومصلى صغير مغمور، فإن هذا الكم الكبير كان في الماضي متواضعاً جداً في عدده أو حاله.

يقول الدكتور حسين مؤنس: كان في واشنطن وغيرها من كبريات بلاد الولايات المتحدة وكندا وأمريكا الوسطى والجنوبية مساجد صغيرة، هي في الغالب شقة في بيت أو قاعة في مطعم أو مخزن أو(جراج) تؤجر لهذا الغرض. وفي العادة تلجأ الجاليات الإسلامية الكبيرة الحجم إلى استئجار قاعة واسعة في أحد المطاعم، أو المنشآت المخصصة للحفلات، لتقيم فيها صلاة الجمعة، وخاصة صلاة العيدين.

 

صرخة استغاثة وتخوف:

بل إن مما يحزن أشد الحزن وأبلغه ما أطلقه السيد قطبي مهدي أحمد قبل مدة غلب عليه التشاؤم فيها ـ وهو من زعماء المسلمين في أمريكا ـ من صرخة عبرت عن الخوف على مستقبل المساجد الإسلامية في ديار الغرب، بسبب فقدان المسلمين لشخصيتهم الإسلامية بمرور الزمن، مما يؤدي إلى خراب بنيان المساجد أو تعطلها وبيعها...

يقول: وكثير من هذه الجمعيات الإسلامية لم يعد لها وجود، بعد أن انتقلت إلى أبناء المؤسسين. فقد هدم أقدم مسجد في أمريكا في مدينة روس بولاية داكوتا الشمالية عام 1979، وتحول مسجد آخر في هاي بارك بولاية ميتشجان إلى كنيسة، وتم بيع الكثير من المساجد الأخرى، أو تحولت إلى مطاعم، واستخدمت في أغراض أخرى. أما المساجد التي بقيت فإنها لم تعد تدار بالأسلوب التقليدي كمساجد حقيقية، وتراجَعَ الاهتمام بالصلوات اليومية. وصلاة الجمعة لم تعد تقام، أو تقام شعائرها أيام الآحاد... الخ (المسلمون في أمريكا ـ ايفون يزبك حداد ص24).

ولكن الصورة الكئيبة للمسلمين في أميركا تنجلي وتزهو، وتعيد للنفس الثقة والطمأنينة ببعض المساجد والمراكز الإسلامية التي انشئت حديثاً على أفخم طراز وأبهى منظر، خاصة إذا علمنا أن خدماتها ونشاطها لم يقف عند حد ايجاد المكان الصالح لأداء العبادة في يسر واطمئنان، بل زاد وامتد إلى ما هو أبعد من ذلك، مما يحقق مصالح المسلمين هناك، ويحفظ كيانهم، ويدفع عنهم بؤس الغربة وخطر الذوبان...

ومن تلك المساجد الكبرى ذات الأهمية البالغة لمسلمي امريكا: مسجد واشنطن مع المركز الإسلامي الملتف حوله.

 

مسجد واشنطن... وقصة البداية:

وإذا ما قورن مسجد واشنطن بالمساجد الشهيرة الأخرى في أمريكا، فإنه أجملها ولا شك، وأهميته تنبع من كونه في العاصمة الأمريكية، وكونه يضم مجلس سفراء الدول الإسلامية، وكونه على اتصال واسع مع أطراف دولية كثيرة متنوعة.

ويذكرنا الدكتور مؤنس بقصة انشاء المسجد فيقول: وكما كان لكل من مسجدي لندن القديم والجديد ومسجد باريس قصة، فلنقف بمسجد واشنطن الجامع وهو أكبر مساجد العالم الجديد هنيهة نقص فيها خبره.

فقد وقع حادث في سنة 1945م نبّه مسلمي واشنطن القليليين نسبياً إلى ضرورة انشاء مسجد في العاصمة الأمريكية، إذ توفي السفير التركي فجأة، وتحير المسلمون في أمر إقامة صلاة الجنازة عليه وتقبل العزاء فيه.

فتحرك محمود حسن سفير مصر في واشنطن إذ ذاك، واتصل بمقاول مسلم أمريكي من اصل لبناني هو أحمد يوسف حوار، واتفقا على ضروة تحقيق مشروع المسجد، ووعد السيد حوار بتحمل جانب كبير من نفقات البناء، وجرت اتصالات كثيرة بين سفراء البلاد الإسلامية التي كانت ممثلة في واشنطن في ذلك الحين وعددها إحدى وعشرون دولة.

ونتيجة الجهود الحثيثة لدى الحكومة الأميركية ـ والحق أنها أكثر انفتاحاً من غيرها من الحكومات الغربية، فقد تبرعت الحكومة الأمريكية بقطعة أرض تبلغ مساحتها 30.000 قدماً مربعاً، يقدر ثمنها آنذاك بنحو مائة ألف دولار، وقد اختيرت الأرض في شارع من أجمل شوارع واشنطن، وهو زاوية شارع بلمونت وماساشوسيت.

 

الخطوات الأولى للتنفيذ:

واحتاج المسجد إلى أربع سنوات لوضع رسمه، وقد قامت وزارة الأوقاف المصرية بعمل الرسوم والتصميمات بالأسلوب المعماري المعروف في القرن الثاني عشر، وقامت بتنفيذ المشروع شركة ايرفنج وبورتر وأولاده، كما شارك المكتب الهندسي للسيد حوار بوضع الرسوم على نحو إسلامي خالص، مراعياً الاتفاق في الشكل العام مع العمارة الأميركية، التي تميل إلى المداخل الواسعة ذات الأعمدة الرفيعة الذرى محاكاة للعمارة الأغريقية...

وتطوع بالاشراف على العمل مجاناً في مراحله كلها المهندس حوار نفسه (فلسطيني الأصل اسمه السيد محمد يوسف أبو الهدى) وكانت هذه إحدى مساعداته القيمة، فضلاً عما قدمه من المساعدات الأخرى كالنافورة البديعة التي وضعت في صحن المسجد.

وبلغت تكاليف البناء وحده 1.250.000 دولاراً أمريكياً، لم يكن من ضمنها ثمن القطع الفنية الكثيرة النفيسة التي شاركت بتقديمها مجاناً كثير من الدول الإسلامية.

 

الافتتاح الكبير... وتحية من ايزنهاور:

واستغرق الانشاء سبع سنوات وتم افتتاح المسجد والمركز الإسلامي في الثامن والعشرين من شهر يونيو (حزيران) عام 1957 بحضور الرئيس دوايت ايزنهاور الذي افتتح الاحتفال بخطاب مناسب حيا فيه مسلمي العالم الإسلامي واشار إلى ما كان للحضارة الإسلامية من آثار عميقة بين الحضارات المتعاقبة ولا سيما الغربية.

ويذكر أنه بالنسبة لمسجد واشنطن فقد قطعت حجارته من جبال ألباما، وهي جبال ذات حجارة بيضاء صافية البياض، وكان الذين قطعوها وأعدوها للبناء بناؤون مهرة من عمال مصر والشام احضروا خاصة لذلك...

وتولى تحديد اتجاه القبلة بشكل فني دقيق أحد أعضاء الجمعية الجغرافية الامريكية ويسمى هلمان تشيمبرلين... وإضافة إلى العمال الفنيين الذين استقدموا من مصر والشام للعمل في المسجد، فقد استعين أيضا بعمال من تركيا وإيران والسعودية.

 

المعالم الرئيسية ـ بيت الصلاة:

والمسجد كله ـ كما يقول الدكتور مؤنس ـ بيت صلاة فسيح رفيعُ الذرى، يقوم سقفه على أعمدة ضخمة من الرخام، تحمل فوقها بوائك عالية من الطراز الذي استحدثه ماريو روسي في جامع أبي العباس المرسي في الأسكندرية، وتكرر بعد ذلك كثيراً في مساجد عديدة أعظمها المسجد النبوي المكرم في المدينة.

وقد شاع استعمال هذا الطراز الجميل من العقود لأنه يتيح للمعماري رفع السقف إلى أعلى مستوى يستطيعه، عن طريق تلك العقود المرتفعة التجويف السميكة الطبقات تبعاً لذلك، وتمتاز عقود مسجد واشنطن بأنها مفصصة كبيرة الفصوص.

ولبيت الصلاة في مسجد واشنطن أربعة أبواب لها ستائر من المخمل الأخضر وموشاة بالذهب والفضة، وقد كانت أهدت المسجد تلك الستائر سفيرة باكستان في هولندا عام 58/59 وهي زوجة الزعيم الباكستاني الشهير لياقت علي خان....

 

المنبر الجميل، والمحراب البديع، والمدخل الواسع:

وفي بيت الصلاة هذا منبر جميل بديع، على طراز منبر جامع محمد علي في القاهرة، وبلغت قطعه التي ركب منها اثني عشر ألف قطعة من الأبنوس، صنعت كلها في مصر، ثم ركبت على الهيكل الخشبي...

والمنبر هذا قدمته هدية للمسجد الحكومة المصرية، التي قدمت أيضاً ألف كتاب نفيس في مختلف العلوم الشرعية والعربية والكونية، لتكون نواة للمكتبة النفيسة التي يعتز بها المركز الإسلامي الثقافي المجاور للمسجد.

كما قدمت مصر أيضاً الثريا المركزية البرونزية الرائعة التي تزن طنين وهي تتوسط القبة الصغيرة في بيت الصلاة كأنها العروس الفاتنة...

ويلحظ الناظر في بيت الصلاة في مسجد واشنطن كذلك المحراب المجوف الذي يتوسط جدار القبلة وهو يشابه محراب مسجد الإمام الرفاعي في القاهرة من حيث النقش والفخامة، وله وقع في النفس كبير، وتزينه رسومات نباتية وآيات صنعت فوق القاشاني الملون، كما لا تخطىء العين في بيت الصلاة هناك منظر الآيات القرآنية الكريمة وأسماء الله الحسنى التي نقشت بخطوط عربية متقنة ومزخرفة على الجدران، وعلى أطراف السقف، حتى غدا بيت الصلاة تحفة فنية رائعة.

ومدخل بيت الصلاة من الجمال والفخامة بمكان، فهو واسع تتقدمه أربعة أعمدة رخامية تحمل خمسة عقود على شكل قناطر، ومن فوقها واجهة زينت على ضخامتها بقول الحق سبحانه { في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه}.      

وأمام المدخل المرتفع قليلاً عن الأرض سلم حجري عريض من الرخام الأملس.

 

المئذنة السامقة والهلال الشامخ:

أما مئذنة مسجد واشنطن فيبلغ ارتفاعها نحو 160 قدما.

وهي مكونة من جزئين:

الأسفل منهما مربع الشكل تتوسط كل ضلع فيه نافذة طولية، وضع أسفلها مقرنصات حجرية، بينما تعلو تلك النافذة المغطاة بأحجار مخرمة نافذة أخرى مغلقة ترتكز عليها. وينتهي هذا الجزء المربع من بدن المنارة بشرفة الأذان الكبرى، المحلاة بنقوش عربية إسلامية.

ومن وسطها ترتفع بقية المئذنة مدورة الشكل، إلى أن تختم بشرفة أخرى أصغر.

وفوق تلك الشرفة قبة تعلوها عرموطة حجرية، ترفع عموداً ضخماً من النحاس، يحمل فوقه الهلال الإسلامي الشامخ شموخ الأذان المنطلق عبر الأجواء من هذه المنارة.

والمئذنة كلها مبنية في وضع يتخيل الناظر إليها وكأنها قائمة فوق المدخل الرئيسي.

 

هدايا نفيسة من كل العالم الإسلامي:

وقد شاركت كثير من الدول الإسلامية بهداياها النفيسة للمسجد...

فأهدت تركيا القاشاني الأبيض والأزرق الذي حليت به جدران المسجد الداخلية على ارتفاع ستة أقدام، مما أضفى على بيت الصلاة جمالاً أخاذاً فاتنا.

كما قدمت إيران مجموعة رائعة من السجاد الفاخر، من بينها سجادة ضخمة لا تقدر بثمن، مقاييسها 20 قدما في 40 قدما، أي بمساحة مربعة تصل إلى قرابة مئتين وخمسين متراً مربعا.

المركز الإسلامي رديف المسجد:

ولا يسعنا أن نغفل الإشارة إلى المركز الإسلامي التابع لمسجد واشنطن، وهو الذي بدأت أعماله ـ كما يقول الدكتور عبدالرحمن زكي ـ عام 1949.

وهو يتألف من جناحين حول المسجد، خصص أحدهما لمعهد يضم قاعة كبيرة للمحاضرات ومكتبة تحتوي على الآلاف من الكتب القيمة جمعت من شتى أنحاء العالم الإسلامي، بينما خصص الجناح الآخر لسكن المدير والمكاتب التابعة للمعهد.

وقد تولى إدارة المركز أولاً الدكتور محمود حب الله وهو من علماء الأزهر الشريف، ثم من بعده الدكتور محمود بيصار استاذ الفلسفة والدين بالأزهر.

وقد تأخر بناء المركز عن بناء المسجد فلم تنته أعمال بناء المركز الإسلامي في واشنطن إلا في خريف عام 1955م، بعد أن شاركت في بنائه وتمويله أحد عشر دولة إسلامية.

 

خدمات متعددة للمركز النشط:

ويقصد مسجد واشنطن آلاف الناس باستمرار.

فأما المسلمون فيقصدونه على اختلاف طبقاتهم للصلاة، وطلب العلم والتزود بالمعرفة، وللتباحث فيما يهمهم في حياتهم من أمور، ولحل بعض مشاكلهم، أو استيضاح أحكام دينهم. ولكن المسجد أيضاً يجذب إليه ـ بحكم موقعه وجمال بنائه ـ الكثير من الأمريكيين الذين يحبون جمال البناء أو يودون التعرف على أسرار الإسلام، أو يريدون إشباع فضولهم عن الحضارة الإسلامية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-8-

 

 

, منارات الهدى في الأرض ,

 

W آراء واقتراحات تتعلق بالمساجد W

 

تمهيد :

بعد الانتهاء من هذه الجولة الواسعة في رحاب بيوت الله، التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وبعد أن غصنا في أعماق التاريخ وصولاً إلى السنوات الأولى لكل مسجد عرّجنا على ذكره، وبعد أن وقفنا على كثير من المهام والمسؤوليات التي تحملها بيوت الله على كاهلها في المجتمعات المسلمة وغيرها... بعد هذا كله لنا وقفة أخيرة هي مسك الختام في هذا البحث الطيب المبارك.

الوقفة الأخيرة... والنظرة الشمولية:

ووقفتنا الأخيرة هذه هي خلاصة النظرة الشمولية لتاريخ المساجد قديماً ولواقعها وأعمالها حديثاً ولآمالها وواجباتها مستقبلاً...

ذلك أن المساجد تتغير بعض وظائفها أو تختلف كثير من مسؤولياتها تبعاً للزمن أو الحاجة أو الإمكانيات.

فقد كان المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المركز الوحيد للأمة كلها، تؤدي فيه عبادتها، وتتعلم فيه أمور دينها، وتنشر فيه أخبارها، وتحاجج فيه خصومها، وتستقبل فيه زوارها، وتتشاور فيه فيما يهمها، وتقرر فيه حربها وسلمها وتعقد فيه ألوية كتائبها وتحجز فيه أسراها، وتقضي فيه بين متخاصميها، وتخزن فيه أموالها، وغير هذا وذاك من شئون حياتها...

كان المسجد حينذاك المؤسسة الوحيدة في الدولة الوليدة، يمثل ببساطته بساطة المجتمع وحداثته، فلا قفل ولا أبواب، ولا سور ولا حجاب. وإنما هو مركز المدينة المنورة وقطب الرحى في مدار الحياة كلها.

ولادة مؤسسات الدولة تدريجياً:

ومع مرور الزمن وتوسع الحياة واختلاف المفاهيم، بدأت تنافس المسجد وتزاحمه في تلك المهام مؤسسات إدارية وتنظيمية أخرى.

فاتخذ المسلمون منذ القديم داراً للخلافة، وبيتاً للمال، ومقراً للقضاء، ومعسكرات للجنود، ومخازن للأسلحة، ومنازل للوفود، وملاجىء للعجزة، وأوقافاً للفقراء، وكثيراً من المراكز والإدارات التي تقوم بحاجات المجتمع وتتفرغ لشأن معين تتخصص به وتتحمل أعباءه فيه، وتستعد الاستعداد الكافي الشامل لذلك...

وهذا لعمري ليس انتقاصاً من دور المسجد، ولا تقليلاً لأهميته، بل هو تجاوب طبيعي للدور الكلي الشامل الذي بدأه المسجد وقام به في العصر النبوي الأول، فكان المسجد أباً شرعياً، ومرجعاً طبيعياً، وموجهاً دائماً لكل تلك المؤسسات والإدارات، يقوم بدور الرقيب المباشر والعضد الأمين، بعد أن بارك ولادتها ودعم مسيرتها.

وظائف المسجد الأساسية: 

إلا أن المهمة الكبرى التي ارتبطت ردحاً طويلاً من الزمن بالمساجد أكثر من غيرها، وبقيت مرهونة ولائذة به، وكانت عنصراً واضحاً في عمارته وتكوينه، إنما هي مهمة التعليم بكل فنونه ومراحله وأساليبه ومفاهيمه.

فابتداء من دروس الوعظ والارشاد وخطب الجمعة والمناسبات، وانتقالاً إلى الحلقات العلمية لكبار العلماء حول أساطين المساجد وفي زواياها، ومروراً بالمذاهب الفقهية أو العقائدية أو اللغوية، وانتهاء بالمدارس والمراكز العلمية الكبرى أو ما دونها...فقد رأينا ـ وحتى وقت قريب جداً ـ أن ذلك النشاط التعليمي الفكري كله كان يتمحور حول المسجد، ويسبح في فلكه، ويدور حوله، غير راغب في التحول عنه، أوالخروج عليه أو البعد عنه...

فصل التعليم عن المساجد:

واستمر الحال هكذا إلى أن جاء نظام التعليم الحديث الذي ولد في الغرب بعيداً عن الكنيسة شكلاً وموضوعاً، ثم انتقل إلينا بقلبه وقالبه، ففصل بين مدارسنا ومساجدنا، وبين ديننا ودنيانا، وكانت الطامة الكبرى في سلب المسجد مهمة التعليم والتربية، وإبعاده عن زرع الأفكار الدينية الأولى في أذهان الأبناء الناشئين...

وتبع ذلك أن لم نعد نرى إلا فيما ندر مدارس حول المساجد، ولا حلقات علمية في جنبات بيوت الله، ولا مفكرين أو مناقشين أو باحثين داخل أطراف المحاريب وتحت عباءة المآذن.

التصور الواقعي للرسالة السامية:

وإذا كان بعض المتحمسين للمساجد ـ وكلنا والحمد لله غيور عليها ـ يطالب بإحياء مهمة المسجد التي كانت أيام الرسالة الأولى، فإن من غير الممكن أو الواقعي أن نتصور المسجد ـ أي مسجد كان ـ يستطيع القيام بكل تلك الأعباء المعقدة المتباينة في هذا العصر... اللهم إلا على وجه الرمزية والاشارات...   نعم لا نستطيع أن نحول المسجد اليوم إلى ثكنة للجنود، ولا مخزن للسلاح، ولا إدارة للصحة، ولا مقر للسياسة الخارجية أو الداخلية، ولا منزل للوفود الرسمية... الخ بعد أن أصبح لكل من هذه النشاطات إدارات ووزارات، وهيئات ومؤسسات، وقوانين ولوائح... وأصبح المجتمع منذ زمن بعيد يقر بانفصالها عن بعضها البعض، فكيف بدمجها داخل أسوار المساجد...

إن من الممكن افتتاح مؤتمرات لتلك الأنشطة في المساجد، ومن الممكن مرور الوفور والمسؤولين بها على سبل الاجراءات الرمزية والشكليات المبسطة وجعل المسجد محجة لكل مسؤول، ومقرأ لكل خطب جلل، ومناراً في الملمات والمهمات.

إلا أننا ينبغي من وجه آخر أن نلاحظ أن هناك أحوالاً خاصة لا بد للمسجد فيها أن يتحول إلى القيام بكثير من المهام والمسئوليات الدينية والتعليمية بل والسياسية عندما تدعو الحاجة ويفتقد البديل... واتعهد بذلك على وجه التحديد عالم الأقليات والجاليات الإسلامية التي يغدو المسجد بالنسبة لها كل شيء على الاطلاق.

أفكار وعبارات:

وبناء على تلك المقدمة... وقبل أن نشرع في بيان الاقترحات المتعلقة ببناء وإعداد المساجد في عصرنا هذا من الناحية الموضوعية البحتة، لا من الناحية المعمارية الإنشائية أو الجمالية الإبداعية، فتلك تخصصات يسبقنا إليها المهندسون والنباءون المسلمون...

قبل ذلك ننقل عن الدكتور حسين مؤنس من كتابه (المساجد) بعض الأفكار والعبارات الشاملة اللطيفة في هذا الشأن، أوردها في ختام كتابه (المساجد).

يقول: "ولكننا نعتقد أنه ينبغي التفكير في طراز آخر من المساجد للقرى والجماعات الإسلامية خارج عالم الإسلام، بحيث لا يصبح المسجد مكاناً للصلاة وبعض الدروس الدينية فحسب، بل يعود إلى بعض وظائفه التي كان يقوم بها في العصور الإسلامية الأولى. يصبح مركزا ثقافيا واجتماعياً، ولا بأس من أن يضاف إلى مبانيه جزء يمكنه من أن يقوم ببعض الوظائف الضرورية للجماعة الإسلامية الصغيرة المتفردة بنفسها في وسط غير مسلم، مثل اجراءات إعلان الدخول في الإسلام، وتسجيل الزواج بين المسلمين، وتسجيل المواليد لرعايتهم إسلامياً عندما يبلغون سن الإدراك، وهذا سيقضي بقيام منشآت معمارية إسلامية من طراز جديد يقوم عليها رجال مكونون تكويناً جديداً، يمكنهم من القيام بدور الإمام الديني والاجتماعي للجماعة.

فمن الممكن أن يكون هناك بيت الصلاة والصحن. وعلى جانبي الصحن بدلاً من المجنبات يمكن انشاء المركز الثقافي والمركز الاجتماعي ومن الممكن أن يتضمن أي من المبنيين قسماً خاصاً بالأطفال والصبيان، فيه قاعتان أو أكثر لدروس الدين واللغة العربية التي يتلقونها، وقاعة واسعة لاجتماع الصغار ولعبهم حتى يألفوا مبنى المسجد ويحبوه وتعتاد أقدامهم على التردد عليه، ولا بد أن تكون الواجهة إسلامية الطابع، ويمكن استخدام هذه الواجهة لأغراض الجماعة إذا نشئت على هيئة مبنى فيه غرف وقاعات، وهنا يمكن أن يكون مكان الوضوء. وإذا أردنا أنشأنا مستشفى أو عيادة خارجية في مساجد البلاد الأفريقية والآسيوية أو أمريكا اللاتينية.

الاكتفاء الذاتي... حماية وقوة:

ولا بد مع كثرة نفقات المساجد ونظافتها وصيانتها من أن يكون المسجد قائماً بنفسه اقتصاديا أو قائما على الأقل بجانب كبير من هذه النفقات. إذ في حالات كثيرة جداً لا يتيسر رواتب القائمين بالعمل في المسجد بصورة منتظمة وليس من اللائق أن نكلهم في ذلك إلى ما يشبه الصدقات.

إننا لن ننسى أبداً آبائنا الأقدمين الذين كانوا مع بناء المسجد يلتزمون غالباً بتخصيص بعض الموارد المالية الضرورية لتسيير أعمال المسجد، على شكل أوقاف ثابتة دائمة ذات مردود مادي مجز وكاف... من دور ودكاكين وأراض وبساتين وغيرها...

وفي تقديري أن كلام "مؤنس" كما ينطبق على المساجد الخاصة بالجاليات أو الأقليات الإسلامية خارج العالم الإسلامي، ينطبق في بعض جوانبه على كثير من مساجد القرى، بل والمدن في العالم الإسلامي أحياناً.

الاقتراحات الخاصة بالمساجد:

وقبل أن نختم بحثنا عن المساجد الكبرى أو التاريخية في الإسلام ـ ونحن نعلم أننا لم نوفها حقها لا حصراً ولا تعريفاً ـ نعرض بعض الاقتراحات المتعلقة بالمساجد عموماً... وذلك على النحو التالي:

المحافظة على المساجد القديمة وجوداً وترميماً:

1ـ   من الواجب على المسلمين إحياء المساجد القديمة ذات التاريخ، وترميمها بين الحين والآخر وعدم التفريط بها مهما كانت الضغوط، لما لوجودها من أثر كبير في تأكيد صلة الأرض بالإسلام، فالمساجد هي الشواهد الحية على الاحقاب الطويلة التي مرت والإسلام راسخ الجذور في هذه الأرض وهي أيضاً اللسان الناطق والكتاب المفتوح والتاريخ المتطور

       إن من المحزن أن تدخل بلداً وخاصة إذا مرت مخططات التنظيم الحديثة فيه تستبدل كل قديم بحديث دون مراعاة لآثاره وأوابده ـ فلا ترى فيه إلا مساجد حديثة بنيت قبل عشر سنين أو زهاءها، كأن الإسلام نبت غريب أو زائر حديث.

أما إذا دخلت بلداً آخر فرأيت فيه المساجد الأموية، وإلى جوارها المساجد العباسية، فالمملوكية والعثمانية، فإنك تقرأ في ثناياها شهادات التاريخ، وتشم عبقه وعطره، وتزهو بأمجاد الآباء والإسلاف الغابرين.

الاعتناء بالوقف التابع للمساجد:

2ـ   ومن المحافظة على المساجد القديمة المحافظة على ما وقفه الأجداد السابقون من أراض وعقارات وكتب وشروط على تلك المساجد، فالوقف هو رديف المسجد وعضده، وبالمحافظة الشديدة عليه ـ كأمانات استرعانا عليها القدماء ـ نضمن أن نصون المساجد ونرممها ونجددها كلما عدا عليها الزمن، كما نضمن وجود القائمين بأمورها وشئونها نشيطين غير متكاسلين عاملين غير خاملين... وإن للوقف في الشريعة الإسلامية أحكاماً دقيقة، لو طبقت بحذافيرها لحافظنا على الأصول الثابتة، واستفدنا من الثمرة المتجددة، وضربنا أروع الأمثلة في ربط الماضي بالحاضر والفكر بالواقع والإيمان بالعمل.

البلاد الفقيرة... والجاليات البعيدة:

3ـ   ينبغي الالتفات والانتباه إلى البلاد المسلمة الفقيرة التي لا تسعفها الإمكانيات للتوسع في بناء المساجد في مدنها وقراها.

كما ينبغي الاهتمام بالأقليات المسلمة في البلاد غير الإسلامية، والتي غالباً ما تكون أقليات تعيش على حافة الفقر أو جانبه.

ففي كلا الحالتين: حالة البلاد المسلمة الفقيرة وحالة الأقليات المسلمة الفقيرة، من الضروري والمهم جداً أن يكون هناك بين المسلمين المقتدرين إحساس بالمسؤولية تجاه هؤلاء المسلمين وتلك الحالات... 

ومن المعلوم أن درهماً تنفقه في موطن الحاجة أيا كانت أعظم عند الله أجراً وأكثر نفعاً عند الخلق من درهم تضعه في غير الحاجة... إن كثيراً من بلدان المسلمين لا تزيد المساجد فيها على كونها أكواخاً، أو أبنية قصيرة العمر، أو سريعة التداعي أمام مؤثرات الأيام...

ونحن من جانب آخر قد لا نستطيع مجاراة المبشرين بالأديان الأخرى في فخامة البنيان والمبالغة في الزخرفة إلا أن من الواجب علينا أن نكثر من بيوت الله في أرض الله لتبقى إلى ماشاء الله.

فالبنيان شاهد لا تمحوه الأيام، ولا تسطو عليه العوادي، ولولا بقايا الحضارات الأخرى القديمة من فرعونية وآشورية وبابلية وإغريقية وفينقية لما جرى لها عند الناس ذكر، ولا عرف لها أثر.

عناصر المسجد كاملة تامة:

4ـ   ومن المفيد بل من الواجب أن ننبه ونلفت أنظار الذين يكرمهم الله سبحانه بالقيام ببناء المساجد، أن لا يغفلوا ولا يهملوا أي عنصر من عناصر المسجد الرئيسية التي يتكون منها، مثل المئذنة أو القبة أو المحراب، وأن يلاحظوا في بناء المسجد الطراز الإسلامي أيا كان... فمن المؤسف أن بعض المساجد لم ترفع لها مئذنة، أو توضع فوقها قبة أو تميز بشيء مما تتميز به المساجد عادة عما حولها من البنيان، فكأنها صالات مجهولة الانتماء، غير ناطقة بالخصوصية. والفرق كبير بين مسجد شامخ يغيظ الكفار ويؤنس وحشة المؤمنين بمئذنته وقبته وهلاله، وبين مسجد صامت باهت شاحب.

 

 

الأماكن المخصصة للمساجد في الأحياء الحديثة:

5ـ   ويلاحظ أحياناً كثيرة أنه عند إحداث أحياء جديدة، أو التخطيط لمدن حديثة، لا يلتفت إلى اختيار أماكن كافية ومناسبة لبناء المساجد فيها، وغالباً ما يترك ذلك إلى جهود الغيورين على الإسلام ونشاطهم، دون أن تحتل المساجد المكانة والمركز اللائقين بهما في التخطيط الرسمي للمساكن أو المراكز السكانية...

       وفي أحيان كثيرة تدور مساجلات أو مفاوضات طويلة مضنية قبل الحصول على قطعة أرض لمسجد... ويكون الأمر أشبه ما يكون بتطفل أو تجاوز على المخططات والرسوم التي اهملت مواقع المساجد الرئيسية ومرابضها  العظيمة، والواجب فوق ذلك أن يلاحظ عدد السكان مقروناً بعدد المساجد حتى لا تشهد المساجد القليلة اختناقات وزحاماً لا داعي لهما، عندما يقل عدد المساجد عن حاجة الأعداد الكبيرة للمسلمين.

 

مسجد رئيسي جامع في كل بلد:

6ـ   ويفضل في كل بلد مسلم أن يكون هناك مسجد رئيسي جمع مخصص للمناسبات والحضور الرسمي لرجالات الدولة ولشهود المناسبات المهمة.

وهذا العمري مما التفت إليه المسلمون قديماً، عندما كان المسجد الجامع في كل بلد مركز أهم أنشطتها العلمية والاجتماعية والرسمية، وكان لإمامه وشيخه تميز في المكانة العلمية، والامكانيات المادية، والمنزلة الاجتماعية.

جمال المساجد... سحر متواصل:

7ـ   ومن الضروري جداً ملاحظة الجانب الجمالي في بناء المساجد، فذلك لعمري من تعظيم شعائر الله { ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}.

وليست الناحية الجمالية مكروهة في الإسلام بل هي مستحسنة ومحببة (إن الله جميل يحب الجمال)... إنما كره الإسلام الزخرفة والمغالاة في الأبهة والفخامة اللتين لا داعي لهما ويمكن الاستغناء عنهما...

ودائماً فالخلود في الزمن للجمال لا للمبالغة في الانفاق أو الاسراف في البذخ... ومن الناحية الجمالية للمساجد بل ان من أهم وجوه الجمال أن تكون دائما مضرب المثل في النظافة وحسن الترتيب، حتى تكون شامخة بين الناس، وقد باشر النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه الشريفة تنظيف المسجد وتجنيبه ما يشين جماله ويذْهب بحسنه.

العاملون في المساجد...

8ـ   وكثيراً ما تحس النفس المسلمة بحسرة من تردي الأحوال المعيشية للعاملين في المساجد  أو المستويات العلمية أو الإدارية...

ومن حق بيوت الله علينا إكرام القائمين عليها إكراماً حضارياً ليس عن طريق الصدقة والعطايا التي تميت الحس بالكرامة والشعور بالأفضلية... بل عن طريق دمجهم في السلك الوظيفي للعاملين في الدولة إن لم يكونوا داخلين فيه، أو عن طريق تعويضهم عن تفرغهم للعمل في المساجد طيلة أيام الأسبوع، وقلة إجازاتهم وعظم مسؤولياتهم، أو عن طريق تشجيع الأبناء على الانخراط في العمل في المساجد والابداع فيها وحسن رعايتها. أو غير هذا وذاك.

في الختام:

هنا يتوقف القلم ويرسو في ميناء الراحة بعد أن طوف في أرجاء المعمورة وهو يرسم صورة منارات الهدى في أرض الله الواسعة.

وأنا على يقين بأنني لم أوف المساجد بيوت الله كامل حقها وجميع واجبها... بل لا يزال الطريق طويلا... إنني في عملي هذا أسدد بعض ديوت بيوت الله في عنقي، وأرد لها بعض الجميل الذي طوقتني به، عندما احتضتني طالباً وعرفتني إماماً ورقيت منابرها خطيبا لمدة لا تقل عن سنوات العمر إلا بما لا يزيد على أصابع الكف الواحد من السنوات.

اللهم بارك لي في عملي، واكتبه لي في صحيفتي، وتقبل من صالحه وطيبه...

والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

 

أجزاء المسجد المعمارية

,  المئذنة ,  

 

مقدمة:

تميزت المآذن الإسلامية بالأناقة والأصالة، وقد أضاف الإسلام إليها زيادة على حضارة البناء عنصراً روحانياً ذا مدلولات كثيرة حتى أصبحت ظاهرة معمارية فريدة تميزت بها العمارة الإسلامية دون سواها.

وقد ارتبطت المآذن بالمساجد ارتباطاً قوياً جعل منها قطعة معمارية مبتكرة ملحقة ببيوت الله دون غيرها ...

بل انها أضافت إلى المساجد جمالاً ورقة يتجليان للرائي من بعيد خاصة إذا نظر إليها عند الغروب، أو ضمن مجموعة البيوت العربية المتناسقة... بعد أن عرف المعماريون المسلمون كيف يصنعون منها أشكالاً فنية هي الغاية والمنتهى في أعمال الابداع.

ما هي المئذنة:

المئذنة هي بناء مرتفع فوق مستوى بناء المسجد كان يرقى إليه المؤذن عند دخول وقت الصلاة ليرفع صوته بألفاظ الأذان في جهات المئذنة المختلفة، فيدعو المسلمين إلى أداء الصلوات الخمس مستفيداً من علو بناء المئذنة في ايصال صوته إلى أبعد نقطة ممكنة...

وقد أصبحت اليوم بعد اختراع مكبرات الصوت مستقراً لابواق تلك الأجهزة الصادحة بكلمات التوحيد بكرة وعشية.

فالمئذنة مكان التأذين، والتأذين هو الجهر بالأذان... والأذان هو النداء للصلوات الخمس، في أوقات مرتبطة بالشمس، تبدأ عند الفجر وتنتهي عند العشاء.

الأذان... دعوة وشعار:

وقد أوردت لنا كتب الحديث والسيرة قصة بدء الآذان وكيف استقر أمر المسلمين عليه بعد أن هاجروا إلى المدينة وكثرت أعدادهم فيها... قال ابن سعد في طبقاته: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يجعل شيئا يجمع به الناس للصلاة، فذكر عنده البوق وأهله (وهم اليهود) فكرهه، وذكر عنده الناقوس وأهله (وهم النصارى) فكرهه، فجاءه عبدالله بن زيد الخزرجي وقال له: رأيت في النوم أن رجلا وعليه ثوبان أخضران وفي يده ناقوس. فقلت: أتبيع الناقوس؟ فقال: ماذا تريد به؟ فقلت: أريد أن أبتاعه لكي أضرب به للصلاة لجماعة الناس. فقال: فأنا أحدثك بخير لكم من ذلك! تقول: الله أكبر. أشهد أن لا اله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله. حي على الصلاة. حي على الفلاح. الله أكبر. لا اله إلا الله.

فأتى عبدالله بن زيد (وقد سُمي فيما بعد بصاحب الآذان) رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له: (قم مع بلال فألق عليه ما قيل لك وليؤذن بذلك). وفي رواية (فإنه أندى منك صوتا).

وإذا كان الهدف الأساسي من الأذان دعوة المسلمين للصلاة، فإنه من طرف آخر يلاحظ فيه الجهر بالتوحيد على الملأ وإظهار شعار هذه الملة مكرراً خمس مرات فوق كل صوت، ورفع شأن الصلاة وجماعتها، وتعويد الأذن المسلمة على الإنصات والاستجابة قولاً وعملاً لذكر الله في كل حين...

هذا عدا عما يرافق ذلك كله من تقسيم ساعات الليل إلى أجزاء محسوبة بدقة، تصلح لأن ترتبط بها مواعيد الحياة وأحداثها من طعام وشراب وعمل ونوم ومذاكرة وتعلم...

إن حياة المسلمين يومياً ترتبط إلى حد بعيد بالآذان ومواعيده.

 

أول المؤذنين الأوائل:

وأول المؤذنين على الاطلاق هو الصحابي الجليل بلال بن أبي رباح الحبشي رضي الله عنه، فهو شيخ المؤذنين وعمدتهم، إلا أنه شاركه في الآذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد آخرون، مثل عبدالله بن أم مكتوم، وسعد القرظ، وأبو محذورة، وزياد بن الحارث الصدائي، وعبدالعزيز بن الأصم رضي الله عنهم.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الاهتمام بالآذان والمؤذنين... فكان كثيراً ما يبين لأصحابه منزلة الأذان العظيمة عند الله فيقول ( المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة) أو يقول: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن) أو غير ذلك، كما كان يحرص على توجيه المؤذنين إلى مراعاة دقة الوقت ورفع الصوت وتحسينه، والحرص على الآذان وتعظيمه.

أين كان يؤذن قبل استحداث المآذن:

لم تكن المآذن معروفة في أيام النبي صلى الله عليه وسلم كبناء مميز في المسجد... بل كان بلال رضي الله عنه (أول المؤذنين) إذا أراد الأذان ارتقى مكاناً عالياً فوق أحد الدور المجاورة للمسجد فرفع فوقه الآذان...

وقد ذكر أن دار عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ـ أو دار اخته حفصة بنت عمر وكانت في قبلة المسجد ـ كان فوقها اسطوانة ـ أي ما يشبه العمود ـ فكان بلال يصعد فوق تلك الاسطوانة للأذان...

كما نقل عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قوله: كان بيتي أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن من فوقه، إلى أن بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده ـ أي وسعه ورممه ـ فكان بلال يؤذن على ظهره وقد رفع له شيء فوق ظهره، أي جعل له مكان بارز عال فوق سطح المسجد لذلك...

وقد بقي الحال على ذلك في عموم مساجد المسلمين حتى نهاية أيام الخلفاء الراشدين.

أول المآذن في الإسلام:

بناء المساجد سبق بناء المآذن... ومن المؤكد ـ حسب ما تنطق به كتب التاريخ ـ أن أول مئذنة بنيت كانت عام 45هـ بناها زياد بن ابيه عامل معاوية بن ابي سفيان في البصرة وكانت من الحجر.

ثم بنيت أربع مآذن في جامع عمرو بن العاص في الفسطاط عام 53هـ في أركان الجامع الأربعة بناها مسلمة بن مخلد الذي كان عامل معاوية بن أبي سفيان على مصر.

ثم تتابع بناء المآذن، سواء على شكل منارات عالية نسبياً، أو أبراج ضخمة قليلة الارتفاع، توضع فوقها مظلات خشبية يستظل بها المؤذنون عندما يرفعون الأذان.

وليس بين أيدينا ماثلة أي من تلك المآذن القديمة الأولى... بل إن أقدم ما بقي لدينا رغم عوادي الزمن من المنارات منارة جامع عقبة في القيروان... وهي التي بناها عامل بني امية على القيروان بشر بن صفوان ما بين سنة 105هـ و109هـ (742 ـ 729م) وتليها في القدم منارة قصر الحير الشرقي في الشام ويرجع انشاؤها إلى حوالي سنة 110هـ (730م).

أشكال المآذن:

تميز كل عصر من العصور الإسلامية بأسلوب خاص في بناء المآذن وهذا التميز ولّد التعدد في أشكال المآذن تبعاً لاختلاف الأمم التي شادتها، والزمن الذي شيدت فيه، وأحياناً تبعاً لمذهب بانيها...

وعلى وجه العموم فإن الإشكال العامة للمآذن انحصرت فيما يلي:

1ـ المآذن المربعة الشكل ذات الأضلاع الرباعية. وهذه المآذن تدل على العهود الإسلامية الأولى وعلى وجه الخصوص عهود الأمويين في الشرق العربي والمغرب العربي والأندلس، كمآذن الزيتونة والكتبية وبرج حسان في الرباط ومئذنة الجامع الأعظم في اشبيلية (الخيرالدا)...

بل أصبحت المآذن المربعة النموذج المختار الغالب للمآذن في المغرب بأسره حتى يومنا هذا... وأكثرالمآذن المربعة أقيم مستقلاً عن بيت الصلاة، كما أن ضخامتها وسماكة جدرانها ملفتة للنظر. وقبل ان تبلغ المآذن المربعة ارتفاعات عالية.

2ـ المآذن المدورة الأسطوانية ذات المسقط الدائري وهذا النمط يشمل مآذن العراق والجانب الشرقي من بلاد الإسلام، ونرى فيها أحياناً شرفة أولى تعود بعدها المئذنة إلى الارتفاع ثانية في صورة أسطوانة ملساء أو مزينة بالنقوش أقل قطراً.

وقد تنتهي المئذنة عند هذا الارتفاع الثاني بشرفة يعلوها جوسق يختم المئذنة من أعلى، وهذا النوع يعد من العصور العثمانية الأولى.

3ـ المآذن الأسطوانية ذات الهامة المخروطية، التي شبهت برؤوس أقلام الرصاص المبرية، أو الأسهم الذاهبة نحو السماء.

وهذا النوع انتشر على أيدي العثمانيين في كل بلاد شرق أوروبا التي حكموها، وانتقل منها إلى الشام ومصر، وأصبح النموذج المختار لدى العثمانيين أخيراً إلى يومنا هذا.

ومن أجمل نماذج هذا النوع مآذن مسجد السلطان أحمد في استانبول ومآذن جامع محمد علي في قلعة القاهرة.

4ـ المآذن ذات الأضلاع المتعددة (المضلعة) على شكل مسدس أو مثمن وقد نجح في ذلك المعماريون ابتداء من العهد الفاطمي ثم الأيوبي ثم المملوكي نجاحاً أفضى بهم إلى تصغير بدن المئذنة مع إتقان وصقل البناء، ليكون ذلك أعون على ثبات المئذنة.

وكانوا تبعاً لذلك يتنافسون في رفع بدن المئذنة إلى أعلى ارتفاع ممكن مضيفين إليها شرفات عدة من الحجر المخرم المفرغ، يعلوها جوسق هو في كثير من الأحيان على شكل كرسي صغير يستند إلى قوائم من الرخام، ثم يتوج البناء كله بقبة زخرفية صغيرة أو بكرة في هيئة عمامة...

ومثال هذا النوع معظم مآذن مصر الفاطمية والمملوكة وكذلك مآذن بلاد الشام العائدة إلى ذلك العصر.

5ـ مآذن ذات طراز خاص يطلق عليه اسم الملويات والمعروف منها ثلاث: مئذنة مسجد سامراء (الملوية) 234 ـ 238هـ ( 248 ـ 852م)، ومئذنة مسجد أبي دلف شمالي سامراء (245 ـ 247هـ) ( 859 ـ 861م)، ومئذنة مسجد ابن طولون (266هـ ـ 879م).

وهذه المآذن شبه مخروطة يدور السلم من الخارج على بدنها الملآن...

 

أجزاء المئذنة:

تتكون المئذنة عادة من عدة أجزاء هي:

1ـ بدن المئذنة أو قاعدتها. وهي في بداية عهد بناء المآذن كانت مربعة أول الأمر لأنها أقيمت فوق أنقاض أبراج معابد رومانية قديمة حولت قبل الفتوح الإسلامية إلى كنائس ثم بعد الفتح تحولت إلى مساجد ثم مع مرور الزمن انتقل خلال العصور الإسلامية من التربيع إلى صورة مسدس أو مثمن ثم دائرة كاملة ملساء...

ويلاحظ ان هذا البدن كان يزداد ارتفاعا ورقة كلما اتجه من التربيع نحو التدوير كما  يلاحظ أنه كثيراً ما يكون منقسماً إلى جزئين الأعلى منهما أرق وأنحف من الأدنى.

2ـ الدرج: درج الصعود إلى المئذنة عادة ما يكون حلزونياً داخلياً يدور حول محور المئذنة وغالباً ما تكون في المئذنة فتحات مطلة على الدرج للإنارة وللتهوية.

وهناك بعض المآذن كان لها درجان واحد لصعود المؤذن بابه من خارج المسجد، وآخر لنزوله وبابه إلى داخل المسجد.

وقد يصبح الدرج خارجياً في الشرفات العليا... وففي بعض المنارات يتم الصعود إلى أعلى المنارة على طريق صاعد ممهد ليس فيه مقاطع الدرج...

ولوحظ أخيراً في بعض المآذن الحديثة تزويدها بمصعد كهربائي إضافة إلى الدرج الاعتيادي.

3ـ الشرفة: وهي المكان المرتفع الذي يصل إليه الدرج حيث يقف المؤذن ليرفع الآذان وعادة ما تكون محيطة ببدن المئذنة لتمكن المؤذن من التوجه إلى جميع الجهات بالدوران حول المئذنة، وقد جرت العادة بأن تكون هذه الشرفة مسقوفة بما يسمى (الظلة) وكانت في القديم تتخذ من الخشب، ثم أدخلت عليه الزخرفة، وجعل في بعض المآذن من البناء الحكم... مع استخدام الزخرفة في حاجز الشرفة الحافظ لمن فيها من السقوط.

وفي بعض المآذن بنيت أكثر من شرفة لإضفاء طابع أكثر جمالاً، ومن الطبيعي أن تكون الشرفات العلوية أصغر حجماً من السفلية...

ويذكر هنا أن بعض الشرفات وضعت قريباً من أسفل بدن المئذنة مع وضع شرفة أخرى في نهايتها كما يرى في مآذن الحرم المكي الشريف.

4ـ الجوسق: وهو القسم الذي يلي الشرفة الأخيرة، ومن بعده قبة المئذنة أو خاتمتها التي تعلوها التفاحات المعدنية البسيطة أو المذهبة أو الحجرية أو الطينية.

وربما كان الجوسق في بعض الأحيان ذا أرجل عديدة يقوم عليها. وربما ختمت المئذنة بأكثر من جوسق كما هو الحال في مئذنة الأزهر الشريف.

5ـ الهلال: وهو شعار المسلمين الذين اتخذوه رمزاً لهم، وعادة ما يرفع فوق المآذن، وهو إما أن يكون من معدن أصفر لماع أو من ذهب براق، أو ربما اتخذه البعض فوق المآذن من الأضواء الخضراء أو الصفراء وهو يتجه بفتحته نحو القبلة...

وكانت مئذنة مسجد أحمد بن طولون مزودة بخوذة على شكل سفن النيل التي تسمى (عشاري) تدور مع الشمس أو مع الهواء، كما زودت مئذنة جامع القرويين في فاس بسيف نادر غرس فوقها هو سيف الإمام ادريس الثاني.

وتزود رؤوس أكثر المآذن اليوم بساري اتقاء للصواعق.

وكانت بعض المآذن في المساجد الرئيسية وقت الآذان ترفع راية على سارية ليراها مؤذنو باقي المساجد فيقتدوا بها في الأذان هذا في النهار، أما في الليل فتشير إلى بدء الآذان ودخول الوقت بايقاد مصباح كهربائي كبير فوق قمة المئذنة...

ودرجت بعض المآذن قديماً على رفع علم كتب فوقه لا اله إلا الله محمد رسول الله، أثناء الآذان...

أشهر المآذن:

1ـ مئذنة عقبة بن نافع بالقيروان: بنيت لأول مرة عام 57هـ، وجدد بشر بن صفوان حاكم أفريقية بناءها عام 105هـ (724م) ثم جددها ثانية زيادة الله بن الأغلب عام 221هـ (836م)...

وهي بهذا أقدم المآذن الباقية على حالها حتى اليوم. مربعة طول ضلعها حوالي 10.5 متر وارتفاعها 35مترا. واسعة من جهة القاعدة ضيقة من جهة الهامة. يصعد إلى سطحها بسلم يتألف من 128 درجة وينفذ إلى داخلها من باب له شكل حدوة الحصان. تعرضت نقوشها إلى تخريب أيام الدولة الفاطمية في المغرب. تعتبر نموذجا رائداً للمآذن في بلاد المغرب والأندلس.

2ـ مئذنة اشبيلية: بدأ العمل بها عام 580هـ (1184م) بأمر من السلطان يوسف بن عبدالمؤمن الموحدي وقام العريف أحمد بن بلسه بوضع حجر الأساس لها، وتم بناؤها في عهد يعقوب بن يوسف الموحدي عام 594هـ (1196م).

رفع فوقها عند اتمام البناء عمود يحمل تفافيح معدنية مطلية بالذهب الخالص، وكان آنذاك يوماً مشهوداً على مستوى الأندلس كلها، زخرفت واجهاتها بالنقوش العربية على الطراز المغربي الجميل، سمك جدرانها حوالي المترين وثلث المتر وهي مربعة الشكل ارتفاعها حوالي مئة متر.

سقطت مع سقوط مدينة اشبيلية في يد الأسبان عام 646 (1248م) فرفعوا فوقها الصليب، وحولوها فيما بعد إلى برج لكنيسة (سان سلفادور) التي بنيت على أنقاض جامع اشبيلية، ويطلق عليها حالياً اسم (الخبرالرا) أي الدوارة نسبة إلى الصليب الكبير الدوار في أعلاها.

تعتبر من أروع الآثار الإسلامية الباقية في الأندلس رغم ما أصابها من تشويه واهمال.

3ـ صومعة حسان بالرباط: يرجع تاريخها إلى 595هـ، مربعة الشكل طول ضلعها 16.4 متر، وارتفاعها 44 متر، وسماكة جدرانها 2.5 متر، يقال: إنها كانت أطول من طولها الحالي بكثير لكنها بعد زلزال ألم بها بقيت كما هي.

4ـ منارة الكتبية في مراكش: بنيت عام 594 في عهد يعقوب بن يوسف الموحدي ، طول ضلعها 12.80 مترا، وارتفاعها حوالي 80 مترا، وهي رائعة في تناسقها، بنيت بالحجر المراكشي الأحمر وكانت مقاطعها على غير شكل واحد. داخلها مكون من سبعة أدوار يربط بينها درج يمتد صعوداً إلى القبة الجميلة التي تزينها. خلد بناؤها انتصار الموحدين على الأسبان في معركة الأراك.

5ـ مئذنة أحمد بن طولون في القاهرة: بناها أحمد بن طولون حاكم مصر، ما بين عام 263هـ و265هـ، وهي مبنية على نسق ملوية سامراء (مخروطية الشكل) يبلغ ارتفاعها إلى قمتها 29 متراً، ليس لها سلم داخلي، بل يرقى إليها بواسطة درج يلفها من خارجها بشكل حلزوني، جرت عليها ترميمات عدة قديمة، أهمها سنة 696هـ (1296م) على يد السلطان حسام الدين لاجين المملوكي.

تتكون من ثلاث طبقات: الأولى مربعة، والثانية اسطوانة، والثالثة مثمنة، الشكل فوقها قبة مضلعة على شكل خوذة.

6ـ المئذنة الملوية في سامراء بالعراق: تعتبر من أهم الآثار العباسية الباقية حتى اليوم، بناها مع جامع سامراء الفخم المتوكل على الله ما بين (232 ـ 238هـ) ( 896 ـ 852م) وهي على شكل مخروطي، قاعدتها مربعة الشكل طول حدها 32 متراً، ترتفع حوالي 52 متراً، يصعد إلى أعلاها بواسطة سلم حلزوني يدور حول أضلاعها من الخارج باتجاه عكس حركة عقارب الساعة، وتتكون من خمس طبقات. لها في قمتها غرفة صغيرة للمؤذن.

7ـ المئذنة الحدباء في الموصل: وهي مئذنة الجامع النوري، بنيت مع الجامع سنة 569هـ (1170م) ارتفاعها يصل إلى 65متراً سميت الحدباء لميل واضح فيها، وهي أحد أثرين مائلين في العالم، والثاني برج بيزا في ايطاليا.

محطات سريعة:

1ـ تعددت المآذن في بعض المساجد تعدداً زاد المساجد جمالاً وبهجة، حتى بلغت مآذن المسجد النبوي على سبيل المثال عشر مآذن. بينما مسجد السلطان أحمد في استانبول له ست مآذن.

2ـ جرى العرف قديماً على اختيار مؤذنين مكفوفي البصر ليأمن الناس عند صعودهم المآذن للأذان من الاطلاع على البيوت.

3ـ امتاز كثير من المؤذنين بالصوت الحسن الجميل، بل نقل أنه كانت هناك بعض الجهات المدربة لهم على حسن الصوت وطبقاته وأنغامه في بعض الاحايين.

4ـ توجد في بعض المآذن غرف ملحقة بها تسمى الخلوات تستخدم إما للاعتكاف أو لضبط وقت الأذان.

5ـ اطلقت على المئذنة عدة أسماء منها المنارة والميذنة والصومعة والمنار.

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

,  المنبر,

 

مقدمة:

تفنن المسلمون في صنع المنابر وأبدعوا، حتى كانت المنابر إحدى المجالات التي أظهرت تذوقهم الجمالي وقدرتهم على الابداع بكل قوة.

إن تاريخ المنابر يشهد أنها بدأت بداية بسيطة جداً ومتواضعة جدا... إلا أنها لم تلبث أن انطلقت سريعاً ـ مع عصر المساجد الكبرى في المدن الرئيسية ـ حتى غدت معلماً بارزاً من معالم المسجد أينما كان، بل ومحط اعجاب الدارسين لعناصره، المتتبعين لفن العمارة الإسلامية...

إن المنابر لم تعد أماكن للحديث والخطابة فقط... بل تعددت وظيفتها الأولية إلى مدى أبعد... إنها مظهر من مظاهر السيادة والقيادة وعلامة من علامات الغنى والذوق ومقام رفيع سام لا يتعلق به إلا أهل العلم والدعوة والأهداف الواضحة في الفكر والحياة.

ما هو المنبر:

يلاحظ أن المؤرخين اختلفوا في كلمة (منبر) هل هي دخيلة على اللغة العربية من جهة الحبشة ثم عربت واستعملها العرب؟ أم إنها عربية أصيلة مشتقة من " نبر"؟.

وعلى القول الأول فإنها في الحبشة كانت أصلاً (ونبر) بمعنى كرسي أو سدة كبيرة لكرسي الملك أو رئيس الديوان. ثم حولت الواو إلى ميم فأصبحت (منبر) وهي لا تزال مستعملة في لغة الأحباش إلى يومنا هذا.

أما على القول الآخر فإن (نَبَر) معناها رفع، ومن نبر شيئاً فقد رفعه، وهكذا فالمنبر مرقاة الخاطب، سمي منبراً لارتفاعه وعلوه، وانتبر الأمير: ارتفع فوق المنبر.

 

أول المنابر في الإسلام:

كان عليه الصلاة والسلام إذا قام يوم الجمعة خطيباً وقف مستنداً إلى جذع من جذوع النخل التي تحمل السقف، وهو مما يلي قبلة المسجد، ويتوجه بالكلام مقبلا على المصلين معتمداً على عصا يمسكها بيده.

واستمر إلى هكذا إلى السنة السابعة بعد الهجرة.

وقد اتفقت كلمة رجال السيرة على أن المنبر الأول المصنوع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان من خشب وأنه كان مؤلفاً من درجتين فوقهما ثالثة للقعود.

روى البخاري عن جابر بن عبدالله أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاماً نجاراً؟ قال: إن شئت. فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع له... قال ابن بشكوال: اسم هذا الغلام أمينا.

ولا تعارض بين هذا الحديث وأحاديث أخرى أشارت إلى آخرين عملوا المنبر، فلعل المنبر الأول لم يستقم طويلاً فقد أشير في بعض الروايات إلى أن المنبر صنع سنة ثمان للهجرة على يد غلام آخر، وباقتراح العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بإشارة تميم الداري بعد أن رأى منابر الكنائس في الشام.

ولعل بعض المنافقين غمز في حينه من شأن المنبر الذي لم يكن معروفاً من قبل للعرب. فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: إن اتخذ منبراً فقد أتخذه أبي ابراهيم صلى الله عليه وسلم، وإن اتخذ عصا فقد اتخذها أبي ابراهيم صلى الله عليه وسلم.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ المنبر ـ بعد صنعه ـ أحياناً لتعليم الناس هيئة الصلاة... فقد ذكرت الأحاديث أنه لما وضع المنبر جلس عليه أول مرة وكبر، فكبر الناس خلفه، ثم ركع وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من صلاته... ثم قال: (أيها الناس إني صنعت هذا لتأتموا بي، ولتتعملوا صلاتي...).

 

 

فضل منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وردت في فضل منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث عدة يستفاد منها شرفه ومكانته العظيمة وحرمته العالية... ولم لا فهو أول منبر صنع في الإسلام وهو مقام الدعوة إلى الحق وهداية الخلق إلى الله...

روى ابن سعد أنه بعد أن انتهى النجار من صنعته جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقام عليه، وقال: (منبري هذا على ترعة من ترع الجنة، وقوائم منبري رواتب في الجنة).     وقال في حديث آخر(منبري على حوضي) وقال: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة). وحذر من الحلف تحته كاذباً فقال: ( لا يحلف أحد عند هذا المنبر ـ أو عند منبري ـ على يمين آثمة ولو على سواك رطب إلا وجبت له النار).

وإذا كانت هذه الأحاديث واردة في فضل منبره صلى الله عليه وسلم فإنها تشير من باب التبعية والإلحاق "ولو على وجه أخف وأقل" إلى فضل المنابر عموماً في المساجد ومنزلتها، لاشتراكها مع المنبر الأول المعظم في الهدف والغاية والاستخدام.

المنابر الأولى في المساجد:

ربما كان أول منبر نقل لنا خبره "فيما بعد المنبر الأول" منبر عمرو بن العاص رضي الله عنه الذي بناه في مدينة الفسطاط بعد فتح مصر.

يذكر المقريزي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه أن عمرو بن العاص اتخذ في مسجده بفسطاط مصر، وهو المسمى (بتاج الجوامع)، منبراً من خشب، فكتب إليه عمر رقعة قال فيها: أما بِحَسْبِك أن تقوم قائماً والمسلمون جلوس تحت عقبيك، فعزمت عليك إلا كسرته، فامتثل عمرو لأمر عمر فكسره.

وقيل: إن قرة بن شريك جدد المنبر في جامع عمرو بن العاص بعد ذلك عام 92هـ بأمر الوليد بن عبد الملك.

ثم لما كانت ولاية مروان بن محمد سنة 132هـ، أمر واليه على مصر موسى بن نصير اللخمي أن تتخذ المنابر في القرى( أي المدن الكبرى).

وكما كان الحال في مصر، فقد بدأت المنابر تدخل المساجد وتتخذ فيها في العهود المبكرة الأولى للأمويين في الشام والعراق والحجاز، فقد كان الحجاج بن يوسف الثقفي يخطب على منبر الكوفة، وكان لمعاوية بن أبي سفيان منبر في الشام حمله معه إلى مكة فكان أول من خطب  على المنبر بجواز الكعبة المشرفة،  كذلك ذكر أن يزيد بن معاوية الذي تولى الخلافة بعد أبيه أنشأ في جند قنسرين مسجداً له منبر.

   ·   أنواع المنابر:

ـ     تنقسم المنابر من حيث مادة صناعتها إلى: منابر خشبية، ومنابر حجرية.

ـ     كما تنقسم من حيث ثباتها وحركتها إلى: منابر ثابتة، ومنابر متنقلة.

ـ     كما تنقسم من حيث أشكالها إلى: منابر قديمة تقليدية، ومنابر حديثة.

 

أ  ــ المنابر الخشبية:

الخشب هو المادة الأولى التي صنع منها المنبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم درج الناس على ذلك، إلا أنهم مع تطور الحياة وتعقدها واهتمام الناس بالمظاهر والزخرفة، وبناءهم المساجد الفخمة المكلفة للأموال الكثيرة، وتفننهم في كل شيء فيها، فقد برز اهتمام الصناع بمنابر الخشب، مما حدا بهم إلى اختيارأنواع خاصة من الخشب المعمر أوالنفيس، كالأبنوس والجندل والجوز والزان وغير ذلك من أنوع الخشب القوي الفاخر، كما درجوا على تطعيم بعض المنابر بقطع من الفسيفساء  والعود، أو القيام بحفر بعض الآيات أو الأحاديث وأسماء الولاة والسلاطين وأسماء صناع المنابر وتاريخها عليها، وتزيينها وزخرفتها بالزخارف الإسلامية المعروفة، كالنجوم المتعددة الأضلاع، أو الخطوط العربية الشهيرة، أو نحو ذلك من فنون الأرابيسك... فغدت المنابر في كثير من الأحيان قطعاً فنية نفيسة رائعة تدل على الملك الواسع الاهتمام الشديد والصنعة الفائقة... إن المنبر الخشبي بحق سيد المنابر.

 

ب ــ المنابرالحجرية:

وهي منابر بدأت بالظهور بشكل عام في عهد المماليك ثم في أيام العثمانيين، ولئن كان الحجر أقسى من الخشب إلا أن يد المعمار المسلم لم تعجز عن تطويعه لمبدأ الاهتمام بالمنابر وزخرفتها وتزيينها والكتابة عليها، بل أبدعت في ذلك إبداعات فائقة لم تسبق إليها، حتى غدا الحجر ناطقاً بقدرة بانيه على التعبير عن أعلى درجات المشاعر والتعظيم لمقام منابر الجمعة..

ج ــ المنابر النقالة:

الغالب في المنابر أن تكون ثابتة، سواء كانت خشبية أم حجرية، وأنها توضع غالباً بجوار المنبر على يمين المتجه إليه... إلا أننا رأينا بعض المنابر ــ على قلة ـ لم تكن ثابتة، بل لكي لاتشغل حيزاً من المسجد يقطع الصف الأول أو الثاني، فقد صممت لتلك المنابر عجلات تدفع فوقها لتوضع بعد الخطبة في غرف خاصة بها في جوار القبلة، إلى أن تخرج ثانية لخطبة الجمعة التالية،  وهكذا...

وعلى هذا درجت بعض المساجد في الأندلس وشمال افريقية.. ثم انتقلت تلك العادة إلى بعض مساجد مصر. نرى هذا في مرحلة ما في جامع الزيتونة وصفاقس والمنستير ومنبر الجامع الأزهر وغيرها.

كما أنه كان في الحرم المكي ولا يزال منبر نقال يوضع مقابل باب الكعبة عند الخطبة، ثم يحرك إلى مكان بعيد، كي لايعيق الطواف حول الكعبة...

والمنبر النقال في مكة حرسها الله قديم جداً، ذكر عن معاوية أنه اصطحب معه منبره من الشام إلى مكة ليخطب عليه، كما ذكر ابن بطوطة أنه رأى المنبر النقال في مكة.

د  ــ المنبر التقليدي:
وهوالمنبر ذو المسقط المتعامد على جدار القبلة والصف الأول، الممتد قاطعاً الصفوف بحسب طوله، المرتفع فوق رؤوس المصلين، المزود بباب وراءه ستارة، وبدرج ودرابزين على جانبيه ومجلس للخطيب في آخره العلوي، والذي يعلوه جوسق فوقه قبة صغيرة.

وهذه الصورة للمنبر هي الصورة التقليدية للمنابر عموماً... سواء كانت خشبية أم حجرية، وهي الغالبة على المساجد القديمة المبنية في العهود الإسلامية... ابتداء من أيام الأمويين إلى مابعد سقوط الدولة العثمانية.

هـ  ــ المنابرالحديثة:

وهي صور متعددة مبتكرة في الكيفية التي يمكن أن تؤدي غرض المنبر الأساسي من حيث رفعه للخطيب، ليظهر للملأ ويبصر البعيد والقريب، مع استحداث هيآت لم تكن معروفه من قبل.

ـ     فبعض المنابر ـ وهو كثير غالب ـ غدا جزءاً من المحراب، يدخل إليه من داخل تجويف المحراب، ثم يرتفع مقدار درجتين أو ثلاثاً لا أكثر، ليصل إلى شرفة داخل جدار القبلة لها درابزين من خشب محفور، ومثل هذه المنابر تكون غالباً ذات شرفتين على جانبي المحراب.

ـ     وبعض المنابر يكون ذا باب في جدار القبلة، يدخل منه إلى درج خفي خلف ذلك الجدار، يرتفع عدة درجات يصل بعضها إلى عشر أو أكثر، ثم يطل الخطيب على المصلين من شرفة علوية قد تكون إلى جانب المحراب أو ربما فوقه مباشرة، ومثل هذه الشرفات تمتاز بالارتفاع فوق رؤوس المصلين ارتفاعاً بينا.

ـ     وبعض المنابر ابتكر على هيئة درج  ظاهر مجاور لجدار القبلة يرتفع مائلاً صوب المحراب لينتهي إلى مايشبه المنصة المجاورة للمحراب.

وبعض تلك المنابرالحديث بني على شكل هلال مقلوب أحد رأسيه في الأرض والرأس الآخر تحت أقدام الخطيب.

وفي كل يوم تتفق أذهان المهندسين المعماريين المسلمين عن أفكار جديدة، بعضها مستوحى من القديم وامتداد له، وبعضها مبتكر جديد، لكنها جميعاً تتفق في الهدف والمضمون، وإن اختلفت في الشكل والمظهر.

 

   ·   المنابر الثانوية ( تعدد المنابر):

ليس من المعهود أن يكون في المسجد الواحد إلا منبر واحد، ولكن لابد لكل قاعدة من استثناء، فقد نقل أبو الفرج ابن الجوزي أنه كان في جامع دار السلطان ببغداد منبران.

ولئن كان وجود منبرين في مسجد واحد شاذاً، لأنه لايعقل أن يقوم عليهما في وقت واحد خطيبان معاً، فإن ذلك لم يمنع من وجود مايمكن أن نسميه منابر ثانوية،  كمنبر للواعظ أقل ارتفاعاً وأناقة من منبر الخطيب، ويستخدم عادة لالقاء درس في أيام الأسبوع أو قبيل خطبة الجمعة، وربما كان منبر الواعظ متحركاً يمكن حمله وتحويله، وربما كان أشبه مايكون بكرسي خاص فيه عناية واضحة، ووجود مثل هذه المنابر ( الصغيرة) معهود في كثير من المساجد بحسب أهمية الدرس أو المدرس أوالواعظ أو فخامة المسجد... الخ.

 

   ·   دور المنبر:

لم ينحصر دور المنبر في يوم الجمعة لإلقاء خطبة الجمعة من فوقه، بل كان له دور أوسع وأشمل منذ أيام النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت الخطب الأخرى في المناسبات عموماً تلقى من فوقه... وتلك المناسبات بعضها ديني أو سياسي أو اجتماعي أو حربي، أو غير ذلك.

وقد كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطب عديدة غير خطبة الجمعة في أوقات مختلفة.

وأهم دور للمنبر ـ  عدا خطبة الجمعة ـ أنه كان في الصدر الأول مكاناً لمبايعة الخلفاء      عند توليهم أمور المسلمين، إذ بويع من فوقه الخلفاء الراشدون والأمويون والعباسيون     وغيرهم.

 

   ·   تقاليد المنبر:

       تختلف عادات الناس في حياتهم باختلاف أجيالهم وشعوبهم، وبالنسبة للمنبر فقد رافقته بعض التقاليد منذ القديم بعضها انقرض وبعضها لايزال باقياً.

1 ــ عدد درجات المنبر بقيت ردحاً طويلاً من الزمن لاتزيد على تسع درجات، ابتداء من أيام     مروان بن الحكم حين زاد درجات منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تسع، إلا      أننا في زمن المنابر الحديثة شهدنا ظهور المنابر التي لاتتقيد بعدد معين في درجات   المنبر،.....بل ربما زادت أو نقصت على العرف القديم.

2 ــ درج خطباء المنابر على حمل سيف أثناء خطبة الجمعة في البلاد التي فتحت عنوة     وقسرا، بينما يتوكأون على عصا في البلاد التي فتحت سلماً وعهدا.

3 ــ لم يزل خطباء الجمعة مواظبين على الدعاء بعد خطبة الجمعة لخلفاء المسلمين وسلاطينهم بأسمائهم وأشخاصهم، حتى أصبح ذلك عرفاً شائعاً دارجاً، بلا علامة من علامات الطاعة والبيعة، فإذا ماقطع خطيب الدعاء لسلطان ما دل ذلك على النقمة عليه        والاستياء منه،أو حتى الخروج عليه.

4 ــ لمدة طويلة كان يتم رفع الاعلام على جوانب المنبر، ويبدو أن هذه العادة بدأت عندما كان الخلفاء يتولون بأنفسهم الخطابة على المنابر، وقد اشتد بها اهتمام الفاطميين من حكام مصر.

5 ــ  لبعض المنابر أبواب خاصة تفتح للخطيب فقط دون سواه وتكون تلك الأبواب عادة خلف المنبر في جدار القبلة، وتستعمل وقت الخطبة لئلا يحتاج الخطيب إلى تخطي رقاب المصلين    من الأبواب العادية إلى المحراب.

 

   ·   أشهر المنابر:

بعض المنابر قطع فنية نادرة لدقة زخرفتها، أو قدم صنعها، أو جمال شكلها، أو نفاسة أخشابها ومعدنها،

ومن تلك المنابر الشهيرة التي طار صيتها: منبر جامع قرطبة الذي بناه الحكم المستنصر، واستغرق بناؤه سبع سنين، ووصف بأنه ليس فوق الأرض مثيل له، ومنها منبر المسجد الأقصى الذي أمر بصنعه قبل طرد الصليبيين نور الدين زنكي، وبقي في حلب حيث صنع عشرين سنة، حتى حرر صلاح الدين  الأيوبي القدس، فحمله إلىالمسجد الأقصى ووضعه فيه تحقيقاً لحلم نور الدين المجاهد الكبير وكان آية في الجمال والاتقان، ومنها منبر مسجد السلطان أحمد في تركيا المصنوع من المرمر النفيس.

ومن المنابر الحديثة الشهيرة: منبر جامع  الملك الحسن الثاني في الرباط، ومنبر جامع الروضة في حلب الشهباء.

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

,  المنبر,

 

مقدمة:

تفنن المسلمون في صنع المنابر وأبدعوا، حتى كانت المنابر إحدى المجالات التي أظهرت تذوقهم الجمالي وقدرتهم على الابداع بكل قوة.

إن تاريخ المنابر يشهد أنها بدأت بداية بسيطة جداً ومتواضعة جدا... إلا أنها لم تلبث أن انطلقت سريعاً ـ مع عصر المساجد الكبرى في المدن الرئيسية ـ حتى غدت معلماً بارزاً من معالم المسجد أينما كان، بل ومحط اعجاب الدارسين لعناصره، المتتبعين لفن العمارة الإسلامية...

إن المنابر لم تعد أماكن للحديث والخطابة فقط... بل تعددت وظيفتها الأولية إلى مدى أبعد... إنها مظهر من مظاهر السيادة والقيادة وعلامة من علامات الغنى والذوق ومقام رفيع سام لا يتعلق به إلا أهل العلم والدعوة والأهداف الواضحة في الفكر والحياة.

ما هو المنبر:

المنبر بوضعه النهائي التقليدي: منصة مرتفعة من حجر أو خشب تتسع لوقوف وجلوس الخطيب، ويقع في المسجد قرب المحراب عن يمين المتوجه إليه، تعلوه قبة صغيرة أو جوسق، يصعد إليه بدرج له درابزين عن جانبيه وباب بمصراعين في الأسفل. ويقطع رواق القبلة.

 

-1-

وهذا التعريف يشمل معظم المنابر الدارجة في المساجد القديمة أو المساجد التي لجأت إلى المنبر التقليدي المعروف...

ويلاحظ أن المؤرخين اختلفوا في كلمة (منبر) هل هي دخيلة على اللغة العربية من جهة الحبشة ثم عربت واستعملها العرب؟ أم إنها عربية أصيلة مشتقة من " نبر"؟.

وعلى القول الأول فإنها في الحبشة كانت أصلاً (ونبر) بمعنى كرسي أو سدة كبيرة لكرسي الملك أو رئيس الديوان. ثم حولت الواو إلى ميم فأصبحت (منبر) وهي لا تزال مستعملة في لغة الأحباش إلى يومنا هذا.

أما على القول الآخر فإن (نَبَر) معناها رفع، ومن نبر شيئاً فقد رفعه، وهكذا فالمنبر مرقاة الخاطب، سمي منبراً لارتفاعه وعلوه، وانتبر الأمير: ارتفع فوق المنبر.

أول المنابر في الإسلام:

لم يكن لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة حين بنائه منبر، على الرغم من اقامة صلاة الجمعة وخطبتها فيه، وعلى الرغم من وقوع خطب أخرى غير الجمعة فيه...   وكان عليه الصلاة والسلام إذا قام يوم الجمعة خطيباً وقف مستنداً إلى جذع من جذوع النخل التي تحمل السقف، وهو مما يلي قبلة المسجد، ويتوجه بالكلام مقبلا على المصلين معتمداً على عصا يمسكها بيده.

واستمر إلى هكذا إلى السنة السابعة بعد الهجرة، عندما اقترح عليه بعض الصحابة الكرام أن يصنعوا له المنبر، ليقف عليه حين الخطبة، ويجلس فوقه مستريحاً بين الخطبتين، فذلك أبرز له للناس الذين كثروا، وأرفق به من حيث تقدمه عليه السلام في السن.

 

-2-

وقد اتفقت كلمة المؤرخين ورجال السيرة على أن المنبر الأول المصنوع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان من خشب وأن ذلك الخشب قطع من الأثل من طرفاء الغابة في جانب من جوانب المدينة المنورة، وأنه كان مؤلفاً من درجتين فوقهما ثالثة للقعود، وأنه كان من صنعة غلام حبشي مولى لأحد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

روى البخاري عن جابر بن عبدالله أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاماً نجاراً؟ قال: إن شئت. فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع له... قال ابن بشكوال: اسم هذا الغلام أمينا.

ولا تعارض بين هذا الحديث وأحاديث أخرى أشارت إلى آخرين عملوا المنبر، فلعل المنبر الأول لم يستقم طويلاً فقد أشير في بعض الروايات إلى أن المنبر صنع سنة ثمان للهجرة على يد غلام آخر، وباقتراح العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بإشارة تميم الداري بعد أن رأى منابر الكنائس في الشام.

وكان ارتفاع منبر النبي صلى الله عليه وسلم ذراعين وثلاثة أصابع (قرابة المتر) وعرضه ذراع راجح ( قرابة نصف متر) وعلى جانبيه ومن خلفه خمسة أعواد، وفي طرفية مما يلي مكان القعود في أعلاه (رمانتان) من نفس خشبه سميتا (الصلعاء) أي البسيطة الخالية من الزخرفة.

ذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا إذا خلا المسجد أخذوا برمانة المنبر الصلعاء التي تلي القبر بميامنهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون.

ولعل بعض المنافقين غمز في حينه من شأن المنبر الذي لم يكن معروفاً من قبل للعرب. فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: إن اتخذ منبراً فقد أتخذه أبي ابراهيم صلى الله عليه وسلم، وإن اتخذ عصا فقد اتخذها أبي ابراهيم صلى الله عليه وسلم.

-3-

ولا يغيب عن بالنا أن نذكر ما أثر عن أن موقفاً مرتفعاً من الطين إلى جوار جذع النخل  في المسجد كان محل قيام النبي صلى الله عليه وسلم للخطابة قبل صنع المنبر له. كما أنه صلى الله عليه وسلم خطب في الحج خطبة الوداع الشهيرة في منى راكباً على بغلة شهباء...

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ المنبر ـ بعد صنعه ـ أحياناً لتعليم الناس هيئة الصلاة... فقد ذكرت الأحاديث أنه لما وضع المنبر جلس عليه أول مرة وكبر، فكبر الناس خلفه، ثم ركع وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من صلاته... ثم قال: (أيها الناس إني صنعت هذا لتأتموا بي، ولتتعملوا صلاتي...).

وقد ثبت في بعض الأحاديث حنين جذع النخل بعد مفارقة رسول الله صلى الله عليه وسلم له إلى المنبر، وسماع الصحابة لذلك الحنين، إلى أن نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فضمه إليه حتى سكت.

فضل منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وردت في فضل منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث عدة يستفاد منها شرفه ومكانته العظيمة وحرمته العالية... ولم لا فهو أول منبر صنع في الإسلام وهو مقام الدعوة إلى الحق وهداية الخلق إلى الله...

روي ابن سعد أنه بعد أن انتهى النجار من صنعته جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقام عليه، وقال: (منبري هذا على ترعة من ترع الجنة، وقوائم منبري رواتب في الجنة).     وقال في حديث آخر(منبري على حوضي) وقال: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة). وحذر من الحلف تحته كاذباً فقال: ( لا يحلف أحد عند هذا المنبر ـ أو عند منبري ـ على يمين آثمة ولو على سواك رطب إلا وجبت له النار).

 

 

-4-

وإذا كانت هذه الأحاديث واردة في فضل منبره صلى الله عليه وسلم فإنها تشير من باب التبعية والإلحاق "ولو على وجه أخف وأقل" إلى فضل المنابر عموماً في المساجد ومنزلتها، لاشتراكها مع المنبر الأول المعظم في الهدف والغاية والاستخدام.

تاريخ المنبر الشريف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كان الخلفاء الراشدون إذا خطبوا بالمسلمين الجمعة قاموا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلا أنهم تأدباً معه كانوا ينزلون عن مقامه عليه درجة... بينما لم تكن ثمة منابر للخطب في المساجد الأخرى التي بنيت في صدر الإسلام في مختلف المدن.

وقد زاد أمير المدينة مروان بن الحكم على درجات المنبر الشريف الثلاث ستَّ درجات أخرى فوقها في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فصارت درجاته تسعا، وأصبح طوله أربعة أذرع وشبرا.

ثم لما حج المهدي ابن المنصور العباسي سنة 161هـ أراد أن يعيد المنبر الشريف إلى ما كان عليه في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، ويزيل منه الزيادة المضافة إليه. إلا أن الإمام مالكاً رحمه الله أشار عليه بتركه كما هو، خشية أن يصبح ملعبة للملوك، فتركه.

وتؤكد روايات التاريخ أن المنبر الشريف بقي موجوداً في المسجد النبوي إلى عام 654هـ. ففي أول ليلة من رمضان في تلك السنة احترق المسجد النبوي في حادثة مروعة مفاجئة ذهب نتيجتها "قبل التمكن من اطفاء النار فيما ذهب" المنبر الشريف وغدا رمادا...

المنابر الأولى في المساجد:

ربما كان أول منبر نقل لنا خبره "فيما بعد المنبر الأول" منبر عمرو بن العاص رضي الله عنه الذي بناه في مدينة الفسطاط بعد فتح مصر، وكان عمرو والياً عليها من  طرف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وكان عمل عمرو هذا دون استشارة الخليفة مما حمله على الأمر بإزالته.

-5-

يذكر المقريزي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه أن عمرو بن العاص اتخذ في مسجده بفسطاط مصر، وهو المسمى (بتاج الجوامع)، منبراً من خشب، فكتب إليه عمر رقعة قال فيها: أما بِحَسْبِك أن تقوم قائماً والمسلمون جلوس تحت عقبيك، فعزمت عليك إلا كسرته، فامتثل عمرو لأمر عمر فكسره.

ولا يبعد أن يكون عمرو قد استأذن الخليفة عثمان رضي الله عنه فيما بعد، شارحاً له حاجة المسجد إلى المنبر، مما اتاح له فرصة إعادة المنبر إلى الجامع بعد وفاة عمر رضي الله عنه.

وقيل: إن قرة بن شريك جدد المنبر في جامع عمرو بن العاص بعد ذلك عام 92هـ بأمر الوليد بن عبد الملك.

ثم لما كانت ولاية مروان بن محمد سنة 132هـ، أمر واليه على مصر موسى بن نصير اللخمي أن تتخذ المنابر في القرى( أي المدن الكبرى).

وكما كان الحال في مصر، فقد بدأت المنابر تدخل المساجد وتتخذ فيها في العهود المبكرة الأولى للأمويين في الشام والعراق والحجاز، فقد كان الحجاج بن يوسف الثقفي يخطب على منبر الكوفة، وكان لمعاوية بن أبي سفيان منبر في الشام حمله معه إلى مكة فكان أول من خطب  على المنبر بجواز الكعبة المشرفة،  كذلك ذكر أن يزيد بن معاوية الذي تولى الخلافة بعد أبيه أنشأ في جند قنسرين مسجداً له منبر.

ولايفوتنا هنا ننوه إلى أن حسان بن ثابت رضي الله عنه الصحابي الجليل شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينصب له منبر في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إبّان حياته عند إنشاده قصائد مديح النبي صلى الله عليه وسلم وهجاء قريش، قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصب لحسان منبراًفي المسجد فيقوم عليه يهجوالكفار.

-6-

   ·   أنواع المنابر:

ـ     تنقسم المنابر من حيث مادة صناعتها إلى: منابر خشبية، ومنابر حجرية.

ـ     كما تنقسم من حيث ثباتها وحركتها إلى: منابر ثابتة، ومنابر متنقلة.

ـ     كما تنقسم من حيث أشكالها إلى: منابر قديمة تقليدية، ومنابر حديثة.

 

أ  ــ المنابر الخشبية:

الخشب هو المادة الأولى التي صنع منها المنبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم درج الناس على ذلك، إلا أنهم مع تطور الحياة وتعقدها واهتمام الناس بالمظاهر والزخرفة، وبناءهم المساجد الفخمة المكلفة للأموال الكثيرة، وتفننهم في كل شيء فيها، فقد برز اهتمام الصناع بمنابر الخشب، مما حدا بهم إلى اختيارأنواع خاصة من الخشب المعمر أوالنفيس، كالأبنوس والجندل والجوز والزان وغير ذلك من أنوع الخشب القوي الفاخر، كما درجوا على تطعيم بعض المنابر بقطع من الفسيفساء  والعود، أو القيام بحفر بعض الآيات أو الأحاديث وأسماء الولاة والسلاطين وأسماء صناع المنابر وتاريخها عليها، وتزيينها وزخرفتها بالزخارف الإسلامية المعروفة، كالنجوم المتعددة الأضلاع، أو الخطوط العربية الشهيرة، أو نحو ذلك من فنون الأرابيسك... فغدت المنابر في كثير من الأحيان قطعاً فنية نفيسة رائعة تدل على الملك الواسع الاهتمام الشديد والصنعة الفائقة... إن المنبر الخشبي بحق سيد المنابر.

ب ــ المنابرالحجرية:

وهي منابر بدأت بالظهور بشكل عام في عهد المماليك ثم في أيام العثمانيين، ولئن كان الحجر أقسى من الخشب إلا أن يد المعمار المسلم لم تعجز عن تطويعه لمبدأ الاهتمام بالمنابر وزخرفتها وتزيينها والكتابة عليها، بل أبدعت في ذلك إبداعات فائقة لم تسبق إليها، حتى غدا الحجر ناطقاً بقدرة بانيه على التعبير عن أعلى درجات المشاعر والتعظيم لمقام منابر الجمعة..

 

-7-

على أننا لا نفعل إشارة متقدمة إلى المنابر الحجرية، فقد ذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء أن عمر بن عبد العزيز خطب بالشام على منبر من طين، ومنابر الطين ولاشك بدايات المنابر الحجرية.

ج ــ المنابر النقالة:

الغالب في المنابر أن تكون ثابتة، سواء كانت خشبية أم حجرية، وأنها توضع غالباً بجوار المنبر على يمين المتجه إليه... إلا أننا رأينا بعض المنابر ــ على قلة ـ لم تكن ثابتة، بل لكي لاتشغل حيزاً من المسجد يقطع الصف الأول أو الثاني، فقد صممت لتلك المنابر عجلات تدفع فوقها لتوضع بعد الخطبة في غرف خاصة بها في جوار القبلة، إلى أن تخرج ثانية لخطبة الجمعة التالية،  وهكذا...

وعلى هذا درجت بعض المساجد في الأندلس وشمال افريقية.. ثم انتقلت تلك العادة إلى بعض مساجد مصر. نرى هذا في مرحلة ما في جامع الزيتونة وصفاقس والمنستير ومنبر الجامع الأزهر وغيرها.

كما أنه كان في الحرم المكي ولا يزال منبر نقال يوضع مقابل باب الكعبة عند الخطبة، ثم يحرك إلى مكان بعيد، كي لايعيق الطواف حول الكعبة...

والمنبر النقال في مكة حرسها الله قديم جداً، ذكر عن معاوية أنه اصطحب معه منبره من الشام إلى مكة ليخطب عليه، كما ذكر ابن بطوطة أنه رأى المنبر النقال في مكة.

على أننا نؤكد أن المنابرالنقالة لم تكن قاعدة مضطردة، بل أمراً قليل الحدوث.

د  ــ المنبر التقليدي:

وهوالمنبر ذو المسقط المتعامد على جدار القبلة والصف الأول، الممتد قاطعاً الصفوف بحسب طوله، المرتفع فوق رؤوس المصلين، المزود بباب وراءه ستارة، وبدرج ودرابزين على جانبيه ومجلس للخطيب في آخره العلوي، والذي يعلوه جوسق فوقه قبة صغيرة.

-8-

وهذه الصورة للمنبر هي الصورة التقليدية للمنابر عموماً... سواء كانت خشبية أم حجرية، وهي الغالبة على المساجد القديمة المبنية في العهود الإسلامية... ابتداء من أيام الأمويين إلى مابعد سقوط الدولة العثمانية.

هـ  ــ المنابرالحديثة:

وهي صور متعددة مبتكرة في الكيفية التي يمكن أن تؤدي غرض المنبر الأساسي من حيث رفعه للخطيب، ليظهر للملأ ويبصر البعيد والقريب، مع استحداث هيآت لم تكن معروفه من قبل.

ـ     فبعض المنابر ـ وهو كثير غالب ـ غدا جزءاً من المحراب، يدخل إليه من داخل تجويف المحراب، ثم يرتفع مقدار درجتين أو ثلاثاً لا أكثر، ليصل إلى شرفة داخل جدار القبلة لها درابزين من خشب محفور، ومثل هذه المنابر تكون غالباً ذات شرفتين على جانبي المحراب.

 

ـ     وبعض المنابر يكون ذا باب في جدار القبلة، يدخل منه إلى درج خفي خلف ذلك الجدار، يرتفع عدة درجات يصل بعضها إلى عشر أو أكثر، ثم يطل الخطيب على المصلين من شرفة علوية قد تكون إلى جانب المحراب أو ربما فوقه مباشرة، ومثل هذه الشرفات تمتاز بالارتفاع فوق رؤوس المصلين ارتفاعاً بينا.

 

ـ     وبعض المنابر ابتكر على هيئة درج  مجاور لجدار القبلة يرتفع مائلاً صوب المحراب لينتهي إلى مايشبه المنصة المجاورة للمحراب.

وبعض تلك المنابرالحديث بني على شكل هلال مقلوب أحد رأسيه في الأرض والرأس الآخر تحت أقدام الخطيب.

وفي كل يوم تتفق أذهان المهندسين المعماريين المسلمين عن أفكار جديدة، بعضها مستوحى من القديم وامتداد له، وبعضها مبتكر جديد، لكنها جميعاً تتفق في الهدف والمضمون، وإن اختلفت في الشكل والمظهر.

-9-

   ·   المنابر الثانوية ( تعدد المنابر):

ليس من المعهود أن يكون في المسجد الواحد إلا منبر واحد، ولكن لكل قاعدة من استثناء، فقد نقل أبو الفرج ابن الجوزي أنه كان في جامع دار السلطان ببغداد منبران.

ولئن كان وجود منبرين في مسجد واحد شاذاً، لأنه لايعقل أن يقوم عليهما في وقت واحد خطيبان معاً، فإن ذلك لم يمنع من وجود مايمكن أن نسميه منابر ثانوية،  كمنبر للواعظ أقل ارتفاعاً وأناقة من منبر الخطيب، ويستخدم عادة لالقاء درس في أيام الأسبوع أو قبيل خطبة الجمعة، وربما كان منبر الواعظ متحركاً يمكن حمله وتحويله، وربما كان أشبه مايكون بكرسي خاص فيه عناية واضحة، ووجود مثل هذه المنابر ( الصغيرة) معهود في كثير من المساجد بحسب أهمية الدرس أو المدرس أوالواعظ أو فخامة المسجد... الخ.

وقد جاء في الحديث أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب عن بعض مسائل دينية، فنزل عن منبره، وترك خطبته حتى انتهى إليه، فأتي بكرسي قوائمه من حديد، فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلمه، ثم عاد إلى منبرة ليكمل خطبته.

وقد شاع في المساجد الحديثة ذات المنابر المشبهة للشرفات المفتوحة في جدار القبلة، أن يتخذ المهندس شرفتين متناظرتين، كأنهما لتشابههما منبران  متساويان حجماً وارتفاعا وشكلا، وربما استخدم البعض أحدهما للمؤذن إضافة إلى استمال الآخر للخطيب.

   ·   دور المنبر:

لم ينحصر دور المنبر في يوم الجمعة لإلقاء خطبة الجمعة من فوقه، بل كان له دور أوسع وأشمل منذ أيام النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت الخطب الأخرى في المناسبات عموماً تلقى من فوقه... وتلك المناسبات بعضها ديني أو سياسي أو اجتماعي أو حربي، أو غير ذلك.

وقد كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطب عديدة غير خطبة الجمعة في أوقات مختلفة .

-10-

وأهم دور للمنبر ـ  عدا خطبة الجمعة ـ أنه كان في الصدر الأول مكاناً لمبايعة الخلفاء عند توليهم أمور المسلمين، إذ بويع من فوقه الخلفاء الراشدون والأمويون والعباسيون وغيرهم.

   ·   تقاليد المنبر:

تختلف عادات الناس في حياتهم باختلاف أجيالهم وشعوبهم، وبالنسبة للمنبر فقد رافقته بعض التقاليد منذ القديم بعضها انقرض وبعضها لايزال باقياً.

1 ــ عدد درجات المنبر بقيت ردحاً طويلاً من الزمن لاتزيد على تسع درجات، ابتداء من أيام      مروان بن الحكم حين زاد درجات منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تسع، إلا      أننا في زمن المنابر الحديثة شهدنا ظهور المنابر التي لاتتقيد بعدد معين في درجات   المنبر، بل ربما زادت أو نقصت على العرف القديم.

 

2 ــ درج خطباء المنابر على حمل سيف أثناء خطبة الجمعة في البلاد التي فتحت عنوة     وقسرا، بينما يتوكأون على عصا في البلاد التي فتحت سلماً وعهدا، وكان من عادة العرب   إذا خطب أحدهم اتكأ على عصا يستعين بها مادام واقفا، وقد أثر مثل ذلك عن النبي       صلى الله عليه وسلم.

      

3 ــ لم يزل خطباء الجمعة مواظبين على الدعاء بعد خطبة الجمعة لخلفاء المسلمين وسلاطينهم بأسمائهم وأشخاصهم، حتى أصبح ذلك عرفاً شائعاً دارجاً، بلا علامة من علامات الطاعة      والبيعة، فإذا ماقطع خطيب الدعاء لسلطان ما دل ذلك على النقمة عليه        والاستياء منه، أو حتى الخروج عليه.

 

 

 

-11-

4 ــ لمدة طويلة كان يتم رفع الاعلام على جوانب المنبر، ويبدو أن هذه العادة بدأت عندما كان     الخلفاء يتولون بأنفسهم الخطابة على المنابر، وقد اشتد بها اهتمام الفاطميين من حكام مصر، وربما كانوا يرفعون أمام الخطيب في المنبر ستارة أثناء الخطبة، كأنه يحتجب عن الجمهور فلا يسمعون إلا صوته.

 

5 ــ  لبعض المنابر أبوب خاصة تفتح للخطيب فقط دون سواه وتكون تلك الأبواب عادة خلف     المنبر في جدار القبلة، وتستعمل وقت الخطبة لئلا يحتاج الخطيب إلى تخطي المصلين     من الأبواب العادية إلى المحراب.

 

   ·   أشهر المنابر:

بعض المنابر قطع فنية نادرة لدقة زخرفتها، أو قدم صنعها، أو جمال شكلها، أو نفاسة أخشابها ومعدنها،

ومن تلك المنابر الشهيرة التي طار صيتها: منبر جامع قرطبة الذي بناه الحكم المستنصر، واستغرق بناؤه سبع سنين، ووصف بأنه ليس فوق الأرض مثيل له، ومنها منبر المسجد الأقصى الذي أمر بصنعه قبل طرد الصليبيين نور الدين زنكي، وبقي في حلب حيث صنع عشرين سنة، حتى حرر صلاح الدين  الأيوبي القدس، فحمله إلىالمسجد الأقصى ووضعه فيه تحقيقاً لحلم نور الدين المجاهد الكبير وكان آية في الجمال والاتقان، ومنها منبر مسجد السلطان أحمد في تركيا المصنوع من المرمر النفيس.

ومن المنابر الحديثة الشهيرة: منبر جامع  الملك الحسن الثاني في الرباط، ومنبر جامع الروضة في حلب الشهباء.

عبدالله نجيب سالم

 

 

 

-12-

 

 , المحراب,

 

مقدمة:

       ارتبطت كلمة المحراب دائماً بمعاني السمو والرفعة والشرف ،سواء بالنسبة للمكان أو للإنسان أو للحيوان، لذلك كان من معانيها في لغة العرب: المكان المفضل في البيت ، أو الغرفة العالية، أو القصر، أو التجويف المخصص لوضع التحف الفنية، أو المجلس المخصص لمهمات الأمور، أو عرين الأسد، أو غير ذلك.

       وقد تكرر ذكر المحراب في القرآن الكريم أربع مرات للدلالة على المكان الرفيع المشيد، أو الجزء المقدم في البيت، أو حجرة العبادة والاختلاء، قال تعالى: { كلما دخل عليها ذكريا المحراب وجد عندها رزقا } آل عمران/37، وقال سبحانه: { فخرج على قومه  من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وغشيا } مريم/5.

       إن المحراب هو ابتكار إسلامي بحت من حيث الشكل المعماري الفريد الذي أخذه ،ومن جهة المدلول الديني الخاص الذي رمز إليه.

 

   ·   التعريف:

       المحراب : هو الحَنِيّة المجوّفة التي تكون في حائط المسجد لجهة القبلة المخصصة لإمام الجماعة أثناء الصلاة.

    ويحتل المحراب عادة وسط جدار القبلة.

       هذا هو المعنى الاصطلاحي للمحراب كمصطلح مساجدي... وهو بهذا المعني لم يرد في ألفاظ القرآن الكريم ولا في شيء من كلام النبي صلى الله عليه وسلم... إلا أن كتب الحديث والتفسير تكررت فيها الإشارة إلى المحراب، كلما كان الموضوع يتعلق بمكان صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، أو كان يتعلق بمكان الإمام في صلاة الجماعة في المسجد.

ويلاحظ أن علماء اللغة ربطوا بين معنى ( حَرَب) والمحراب، من حيث أن المصلي يحارب الشيطان والهوى في صلاته، فهو في حرابةٍ معه مادام في محرابه.

 

   ·   العلاقة بين المحراب والقبلة:

القبلة: هي الجهة والوجهة، وعندما تطلق(القبلة) يراد بها الجهة المعينة التي  يتوجه إليها المسلمون عند أدائهم صلاتهم،     وهي جهة الكعبة المشرفة في حالة البعد، وعين الكعبة عند مواجهتها.

        قال الله تعالى: { فولِّ  وجهك شطر المسجد الحرام } ، وقال: { وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره }.

       وليس في الديانات الأخرى ـ سوى الإسلام ـ مبدأ التوجه إلى مكان معين في الصلاة، لذلك فقد عرف المسلمون من بين أهل الديانات باسم [ أهل القبلة ].

       والقبلة في الإسلام ليست عبادة للكعبة،     بل هي رمز لوحدة الجماعة الإسلامية، وهي أيضاً نقطة ارتباط كافة المساجد في أنحاء الأرض بالمسجد الحرام.

       وقد كانت الصلاة في مبدأ الإسلام باتجاه بيت المقدس ،حتى حولت إلى الكعبة المشرفة بعد الهجرة بسنة ونصف.

       وقد أصبحت المحاريب في الإسلام إشارات محددة بدقة لاتجاه الكعبة، فهي في كل مسجد علامة واضحة موضوعة على أسس علمية تدل كل مصل على الوجهة الصحيحة الواجبة عليه في صلاته.

 

   ·   أول محراب في الإسلام:

لم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمسجده عند بنائه محراباً على الوجه المعروف اليوم، ولم ينقل لنا أنه اتخذ مكاناً خاصاً لايتعداه الإمام.

       وهناك من يزعم ـ كابن بطوطة دون تأكيد واضح ـ أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أول من صنع للمسجد النبوي محرابا  ،بل استنتج بعضهم من روايات مستبعدة أنه كان لمسجد أبي بكر رضي الله عنه محراب...

      كما يزعم آخرون أن المحراب عرف في القيروان في مسجد عقبة بن نافع في عمارته الأولى عام 50هـ، وقال غيرهم: بل في السنة 72هـ في الضلع الجنوبي  لمثمن قبة الصخرة أيام خلافة عبد الملك بن مروان، ومال آخرون إلى اعتبار جامع عمرو بن العاص في الفسطاط أول مسجد ظهر فيه المحراب سنة 53هـ أيام ولاية مسلمة بن مخلد، أو عام 79 أيام ولاية عبدالعزيز بن مروان.

وأول محراب عرف في الإسلام على وجه اليقين المحراب الذي أدخله في المسجد النبوي عند تجديده عمر بن عبد العزيز أثناء ولايته على المدينة المنورة أيام الخليفة الوليد بن عبدالملك عام (90 هـ).

 

   ·   تعدد المحاريب في المسجد الواحد:

     لايحتوي المسجد الواحد في العادة على أكثر من محراب واحد لجميع المصلين، إلا أن بعض المساجد وجد فيها أكثر من محراب في وقت واحد، وذلك لأسباب عدة منها:

       ـ تعدد مذاهب المصلين من حنفي إلى مالكي أو شافعي أو حنبلي، فلربما أنشئت بعض المحاريب لأتباع مذهب معين يقيمون فيه صلاتهم بعد صلاة غيرهم في محرابه، أو يقوم فيه إمامهم بالتناوب بينه وبين أئمة المذاهب الأخرى في إمامة المصلين، وقد انقرضت هذه الظاهرة.

    ـ ومن أسباب تعدد المحاريب في المسجد الواحد تزيين جدار القبلة بها، أوالرغبة في تخليد اسم مجدد المسجد أو موسعه، أو تخليد شخصيات ذات صلة به...وقد زين جدار القبلة في المسجد الكبير في الكويت بستة محاريب جانبية تجميلية يتوسطها المحراب الأساسي الكبير للصلاة .

        ـ ومن أسباب تعدد المحاريب في المسجد تعدد خلوات الصلاة فيه فيكون لكل بيت للصلاة محراب في مقدمه.

         ومن المساجد التي تعددت فيها المحاريب الجامع الأزهر، وجامع السلطان حسن، وجامع المؤيد شيخ. وجميعها في القاهرة.

       وكذلك تعددت المحاريب في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة حتى وصلت إلى ستة محاريب.

 

   ·   مسجد لامحراب له:

       ومن الأمور الطريفة اللطيفة في موضوع المحراب أن المساجد كلها تتجه صوب الكعبة المشرفة في المسجد الحرام في مكة المكرمة.. إلا أن المسجد الحرام نفسه لامحراب له، وهذا أمر مرئي مشاهد، وذلك لأن الكعبة في وسطه والمصلون يلتفون حولها من كل اتجاه في صلاتهم، بينما اعتاد الإمام الوقوف قبالة باب الكعبة إذا صلى في صحن الطواف، أو اعتاد الوقوف تحت أحد الرواقات في أوقات الحر أو المطر أو نحو ذلك متجها إلى الكعبة المشرفة ذاتها من أي طرف فيها..

       وبذلك يكون المسجد الذي تتجه إليه كل المحاريب في الأرض ليس له محراب معين، لأن كل نقطة فيه تصلح محرابا تجاه الكعبة.

   ·    

   ·   أنواع المحاريب: 

ــ   المحاريب من حيث مادتها: بعضها خشبي، وبعضها حجري.

ــ   وهي من حيث ثباتها منها ماهو ثابت لايتحرك، ومنها ماهو نقال متحرك.

ــ   وهي من حيث الجزم بصحة اتجاهها: منها ماهو مقطوع بصحة اتجاهه، ولايجتهد فيه،       ومنها ماهو خاضع للتعديل إذا ثبت خطؤه .

 

   ·   أولا:  المحاريب الحجرية.

أول محراب اشتهر في مساجد المسلمين (تجويفاً في جدار القبلة ) كان من الحجر، وهو محراب عمر بن عبد العزيز في المسجد النبوي، وكان ولاشك إذ ذاك في منتهى البساطة.

       ثم تطورت المحاريب الحجرية نحو الأجمل والأرقى: في نوع الحجارة ونقشها ونحتها ،حتى وصلت درجات من الدقة والزخرفة تبهر الأبصار وتحير العقول... كما اختيرت أنواع من الرخام الأبيض أوالملون لانظير لها.، وكانت بعض المحاريب قطعة رخامية واحدة منحوتة.

       وربما كان المحراب الحجري من صنعة الجص أو الطابوق، فقد كانت هذه المواد معروفة في العصور الإسلامية الأولى واستخدمت في البناء، وعرفت فيها الزخرفة.

 

ثانياً : المحاريب الخشبية:

       وهي التي اتخذت الخشب مادة لصنعها، والحقيقة أن الخشب من أطوع المواد لفكر الإنسان وألصقها به.

       ويستطيع المرء أن يرى في المتحف الإسلامي بالقاهرة عدداً من المحاريب الخشبية ، كمحراب الجامع الأزهر الذي يرجع تاريخه إلى 519هـ (1125م) أيام الآمر بأحكام الله الفاطمي، وقد أمر ذلك الحاكم بأن يزخرف بالنقش، وبطرفيه عمودان رشيقان وعظمه من خشب تركي، وتجويفه من فَلَق، وتواشيحه من خشب جميز، والحشوات من خشب نبق، وفيه كتابة كوفية.

        ومن المحاريب الخشبية محراب السيدة نفيسة 535هـ (1144م)، ومحراب السيدة رقية الذي يعتبر من الناحية الفنية من أجمل وأروع ماصنعته يد إنسان، ويرجع تاريخه إلى منتصف القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي).

       ويذكر نقلاً عن بعض المختصين أن أقدم المحاريب الخشبية وجد في جامع القيروان بتونس.

 

ثالثاً: المحاريب النقالة:

       وهي بالطبع محاريب خشبية غير مثبتة في جدار القبلة تصنع بصورة تقبل معها النقل إلى خارج المسجد، كنقلها إلى مصليات الأعياد، أو أماكن اجتماع الناس في الساحات، وربما نقلت من صدر الجامع إلى باحته المكشوفة عند صلاة الإمام في صحن المسجد طلباً  للتبرد في ليالي الصيف.

 

   ·   المحاريب المقطوع بصحتها:

       اتفقت كلمة المسلمين على أن أصح المحاريب المتجهة صوب الكعبة إنما هو محراب مسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي وضع في جدار  قبلة ذلك المسجد الشريف، ولذلك فلا يجوز الاجتهاد فيه باليمنة ولا باليسرة، وإنما جُزم بصحة توجهه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدد القبلة فيه بنفسه، ولايكون ذلك إلا صواب، وإلا لكان الوحي قد صوبه.

       وهناك محاريب أخرى جرى الجزم والقطع بصحة اتجاهها ومضت على ذلك الأمة المسلمة، كالمحاريب التي في المساجد الكبرى في العواصم الإسلامية القديمة، مثل محراب  المسجد الأموي في دمشق، ومحراب المسجد الأقصى ومحراب جامع عمرو بن العاص ونحوها.

 

   ·   أشكال المحاريب:

    المحاريب نوعان: مسطح ومجوف:

       والمسطح غير داخل في الجدار، بل هو إما أن يكون  دهناً بالألوان، أو أن يكون حفراً في حجر جدار القبلة، أو أن يكون رسماً بالخزف الملون المطبوخ، أو أن يكون تنزيلا بالرخام أو أن يكون نقشاً على الخشب .

       والمجوف هو الذي يدخل في الجدار على شكل  طاق أصم، أو كوة غير نافذة، تغور في الحائط ابتداء من الأرض وترتفع فوق القامة بقليل.

       والمجوفة أنواع بعضه مسقطه دائري، ومقطعه عقد مكسور، أو حدوي، أو كامل تعلوه نصف قبة.

    وبعضه مسقطه مستطيل يشكل عرضه عمق الجدار وتعلوه نصف قبة.

    وبعضه مسقطه مستطيل ولكن لاقبة له.

       وبعضه يتداخل فيه محرابان أو أكثر، وتحيط فيه الأقواس المختلفة بالأطر المستطيلة.

       والعناصر الزخرفية الداخلة في المحاريب عموماً هي المقرنصات وفقرات العقود المتداخلة، والأطر والحليات، والرسوم الهندسية والتوريقية والكتابية، وصور الأشجار ، والأعمدة والقناديل والصدف.. وتجد في معظم المحاريب زاويتين غائرتين في جانبي المحراب يقوم فيهما عمودان تزيينيان.

 

   ·   أشهر المحاريب:

اشتهرت بعض المحاريب بسبب الجمال الباهر الذي بلغته، أو بسبب الظروف التاريخية التي أحاطت بها، أو بسبب الأشخاص المرموقين الذين شادوها.. وأشهر تلك المحاريب:

1 ـ  محراب المسجد الأقصى، ويكاد يكون أشهر محراب بعد محراب المسجد النبوي، وقد أمر     صلاح الدين الأيوب بتجديده بعد طرد الصليبين، فاهتم به صانعوه ـ وهو من الخشب النفيس ـ حتى أصبح تحفة فنية نادرة.. ولكن الحريق الاسرائيلي المتعمد للأقصى عام 1969م ( 1389 هـ) ذهب به.

2 ــ محراب مسجد وضريح السلطان المملوكي قايتباي، وهو يرجع إلى سنة 877 ـ 879 (1472 ـ 1474م) ويعد نموذجاً للمحراب الذي تجمعت فيه دقة الصناعة وجمال التصميم وروعة الزخرفة والنقش، وللأسف فإن الانكلير إبان حكمهم لمصر سرقوه   وأودعوه متحف( سوث كتسنجون) بمدينة لوندرا.

3 ــ محراب جامع قرطبة الذي صار مضرب المثل في فخامته وأبهته وبهائه، وكان ذرعه عمقاً في جدار القبلة ثمانية أذرع ونصف( قرابة 4 أمتار) وعرضه من الشرق إلى     الغرب سبعة أذرع ونصف( قرابة 3 أمتار وزيادة) وارتفاعه ثلاثة عشر ذراعاً ونصف

       ( 12 متراً).

4 ــ محراب جامع الخاصكي، وهو محراب الخليفة العباسي المنصور في جامعه الذي بناه   ببغداد، ويعتبر تحفة نادرة وثمينة وذات قيمة أثرية، صنع من كتلة رخام واحدة، على   هيئة   محارة جميلة فوق عمودين، بحلزونات دائرة على البدن، يتوسطها شريط زخرفي      أشبه   بما في واجهة قصر المشتى المعاصر له.

5 ــ محراب مسجد مدينة بيكند في بلاد ماوراء النهر بآسيا الوسطى وصف من قبل الرحالة       بأنه: لاأحسن منه زخرفة، تمتع بدقة فنية وهندسية وزخارف جميلة فريدة.

6 ــ محراب جامع عقبة بن نافع، ولهذا المحراب قداسة وهيبة في نظر السابقين من أهل    المغرب، من حيث روايتهم أن أصل تحديده كان بواسطة رؤيا صادقة للقائد الإسلامي      والتابعي الجليل عقبة بن نافع عندما خط مدينة القيروان، فقد أثر عنه أنه اهتدى إلى القبلة   بعد سماعه أصوات التكبير عقب صلاة الصبح في جهة مازال يتتبعها والراية معه، حتى    ركزها حيث انقطع عنه التكبير.. وذلك عام 51هـ.

7 ــ محراب جامع عمرو بن العاص بالقاهرة، وهو على رأي البعض أول محراب في      الإسلام، وقد وقف على توجيهه أكثر من ثمانين صحابيا، وكان محط اهتمام كبير على      مر العصور.

 

   ·   أهداف اتخاذ المحاريب في المساجد:

       الهدف الإسلامي للمحراب هو تحديد جهة القبلة في المسجد تحديداً دقيقاً يراه المصلون فيتجهون في صلاتهم الوجهة الصحيحة.

       على أن المحراب ـ  كتجويف في داخل جدار القبلة ـ استفيد منه من جهة التوسعة على المصلين الذين لابد أن يتأخروا عن محاذاة الإمام، فلو لم يكن التجويف الذي يقف فيه الإمام ، لاضطر المصلون إلى الرجوع عن الصف الأول إلى الصف الثاني، ليقف الإمام وحده في الصف الأول كاملاً، مما يقلل العدد الذي يمكن للمسجد استيعابه.

       ولاننسى أن من الأهداف الجانبية للمحراب في المسجد أن يقوم بتضخيم صوت الإمام الذي يقوم مواجهاً له، فيعكس المحراب صوته إلى جهة المصلين مضخماً.

       هذا كله إضافة إلى مايسبقه المحراب من جمال على جدار القبلة في المسجد، وتناسق مع المنبر الذي إن رمز المحراب إلى خضوع العابد وتذلله ونكرانه لذاته، أشارالمنبر المجاور له إلى رفعة المنزلة وعلو المكانة وشموخ المؤمن في الوقت نفسه..

 

   ·   تطييب المحاريب:

       كان لبعض المحاريب مزيد اهتمام  فوق الزخرفة والنقش فقد وصل ذلك إلى درجة تطييب المحراب، واشتهر تطييب المحاريب في أيام الأمويين على وجه الخصوص.

يقول الحسن بن هانىء ( أبو نواس) في احدى قصائده يصف تطييب المسجد الجامع في صنعاء باليمن.

بلى نحن أرباب ناعط ولنا       صنعاء والمسك في محرابها

 

   ·   محاريب في غير المسجد:

       وجدت محاريب في أماكن سوى المساجد والجوامع، وذلك في الأماكن التي تصطبغ بصبغة دينية، مثل مشاهد ومزارات المنسوبين إلى البيت النبوي الشريف رجالاً ونساءً، ومثل مدافن الصالحين من الزهاد والعلماء، ومثل الزوايا والرباطات والخانقاه والمدارس وبعض الجبانات  (المقابر) كالقرافة الكبرى.

       وقد بنيت محاريب هذه الأماكن تبركاً بمجاوريها من الصالحين، أو إشارة إلى مزيد من تقديرهم واحترامهم، أو اتاحةً للمجال أمام من يرغب بالصلاة قريبا منهم.

عبد الله نجيب سالم

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

,  الـــرواق,  

     مقـدمـة

       الرواق أحد العناصر المعمارية التي يتألف منها المسجد، وهو ككثير من العناصر المساجدية الأخرى مر بأطوار وأدوار مختلفة حتى غدا جزءاً لا يتجزأ من المسجد ومعلماً من معالم الحضارة الإسلامية ومحطة من محطات التأمل والدراسة والمقارنة لدى الباحثين المهتمين.

       وإذا كان كل جزء في المسجد يؤدي دوراً مميزاً ويرمز إلى معنى خاص فإن الرواق ارتبط بمعان سامية عدة لا تخرج عن معاني التعبد والتعلم الملازمة لبيت الصلاة في المسجد، الملتفة حوله، فالأروقة حول كل مسجد كأنها سياج حام أو حرس مصطف أو بوابة موصلة إلى الحرم المهيب... انها تمنح المسجد بعداً أفقياً، وهالة تقديسية.

 

ما هـو الـرواق؟

       الرواق في اللغة بكسر الراء وضمها: بيت كالفسطاط يحمل على عمود واحد طويل، ورواق البيت: مقدمه، ورواق الليل: مقدمه وجانبه، ورواق العين: حاجبها، والرّوْق من القوم السيد المقدم فيهم، ويقال ضرب فلان روقه ورواقه: أي نزل وبنى بيته، وفي هذا المعنى جاء الحديث الذي روته السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (ضرب الشيطان روقه ومدّ أطنابه) أي استحوذ وتمكن..

       ويقال ـ على ندرة ـ رأيت من السحاب رواقاً: أي مقدما وطرفا... كما يقال: روّق البيت: أي جعل له رواقاً، وجمع الرواق أروقة ورُوْق.

        ويطلق الرواق على سقيفة للدراسة في مسجد أو معبد أو غيرهما كما يطلق على ركن في ندوة أو منظمة للتلاقي والتشاور. ..كل ذلك من معاني الرواق اللغوية.

       أما الرواق كمصطلح مساجدي فإنه يعني الأجنحة التي تحاذي جنبات صحن المسجد أي أنها بناء يضاف إلى جوانب المسجد مما يلي صحنه، وعادة يكون ذلك البناء تحت قباب مرفوعة على أعمدة عالية أو أسقف ممتدة، وقد تشمل بهذا العموم أجزاء مما يسمى (بيت الصلاة) أو الحرم الداخلي للمسجد.

       وقد لجأ المسلمون إلى بناء الرواقات عند إرادة توسعة المساجد وإضافة مساحات زائدة إليها، مع رغبتهم في إيجاد الظروف المناسبة لبعض الخدمات والأنشطة التي يقوم بها المسجد أو يحتضنها.

 

الـرواق... وتاريخ سابق على المسجد:

       اشتهرت حضارة اليونان بفلاسفتها الذين كانوا يعلمون الناس وينشرون فيهم مذاهبهم، ومن أولئك الفلاسفة (زينون) فقد انصرف إلى التعليم والتدريس في أحد أروقة ميادين أثينا الكبرى، وكان هذا الرواق لما يحتويه من صور شهيرة يسمى (الرواق المزدان بالصور) وكان (زينون) يسير في التعليم على طريقة الفيلسوف ارسطو الذي علم تلاميذه وهو يتمشى ذاهباً عائداً بينما كانوا يتحلقون حوله ماشين بجواره مستمعين إليه محاورين له... ولذلك نسب زينون إلى الرواق، ونسب إليه تلاميذه الذين حافظوا على طريقته في التعليم في أروقة المعابد والهياكل الدينية القائمة آنذاك فقيل لهم (الرواقيون)...

       وهذا يدل على أن المسلمين ربما أخذوا فكرة بناء الرواق في المساجد عن غيرهم من الأمم السابقة.

       وما على المسلمين من حرج في التأثر بأروقة اليونان شكلاً واستفادة فيما لا يتعارض مع روح الإسلام وتشريعه... ولذلك فإنهم كما نظن لم يمتنعوا عن الاقتباس من اليونان أو غيرهم في بعض الأمور التي دخلت الحضارة الإسلامية وأصبحت جزءاً منها وشأن المسلمين في ذلك شأن سائر الأمم التي أثرت وتأثرت بالحضارات الإنسانية الأخرى.

 

 الأروقة والمساجد...البداية:

       تعددت أسماء الأجزاء المظللة في المساجد أول نشأتها خاصة تلك الأجزاء الجانبية أو الخلفية، لكنها لم تعرف في البداية باسم الأروقة أو الرواق، وإنما عرفت باسم المجنّبات أو المواخير أو السقيفة أو الصفة، أما سبب تسميتها كذلك فلكونها في الجوانب أو في المؤخرة أو لكونها مسقوفة بالخشب أو جريد النخل أو مظللة به أو لكونها مرتفعة قليلاً عن الأرض... يقول الدكتور أحمد فكري (كان لمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ظلتان: ظلة القبلة وظلة الشام، وبينهما رحبة المسجد، وليس اتصال الظلتين بمجنبتين واحدة إلى الشرق وواحدة إلى الغرب غريباً عن نظام المسجد فما المجنبتان إلا ظلتان ضيقتان تحيطان بالصحن على نفس النمط الذي كانت تحيط به الظلتان الأوليان).

       ومع هذا فإذا لم نجد في ظلتي المسجد النبوي حين بنائه الأول معاني الأروقة المتعارف عليها أخيراً، فإن البلاذري في فتوح البلدان ينقل أن عثمان بن عفان رضي الله عنه هو أول من اتخذ للمسجد(النبوي) الأروقة واتخذها حين وسعه، وقد تحدث البلاذري والطبري عن مسجد الكوفة المنشأ عام (       ) بقولهما: إن له ظلة في مقدمه (بيت الصلاة) ليست لها مجنبات ولا مواخير.

       وكذلك تحدث المؤرخون عن مسجد القيروان الذي بناه عقبة بن نافع (50هـ) بقولهم: ولم يكن لمسجد القيروان مجنبات قبل زيادة إبراهيم بن الأغلب، ولكن له صحن على نموذج مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.

       يقول المؤرخ طه الولي في كتابه (المساجد في الإسلام): بعد أن استقر الحكم للمسلمين في البلدان والامصار وتعاقبت دولهم وملوكهم أخذ الناس يوسعون المساجد القائمة بإضافة الأروقة في جنباتها،وكل ملك أو سلطان يبني الرواق كان يرقم اسمه وتاريخ بنائه في رخامة يثبتها على بعض السواري التي تحمل القبة فوق الرواق، وما تزال المساجد القديمة حتى اليوم تحمل أسماء الذين بنوا مثل هذه الأروقة، وهي أكثر من أن تعد وتحصى.

 

 تطور الأروقة ... استخداماً وبناء:

       واضح أن الأروقة أو المجنبات كما استفيد منها في إضافة مساحات أخرى للمسجد للتوسعة، فإنها كذلك أضفت على بناء المسجد مسحة جمالية لا تتوفر له بدونها فالأروقة حول المسجد بعد أفقي وهالة جمالية واطار متمم للصورة المتكاملة للمسجد من الناحية المعمارية.

       وواضح كذلك أن الأروقة ـ مع ذلك كله ـ  قد استغلت أحسن استغلال في القيام بالدور التعليمي في احتضان حلقات الدروس التي تقام في المسجد، وذلك لأن الأروقة مسقوفة تقي من الشمس، وهي بعيدة نسبياً عن بيت الصلاة (حرم المسجد) الذي يشغله المصلون فلا يشوش عليهم المتعلمون فيها، كما أنها تتميز بالهواء الطلق المتجدد، وبالإشراف على صحن المسجد الذي قد تزينه ميضأة أو أشجار أو غير ذلك... ولعل هذه الحيثيات جميعاً جعلت الأروقة تحظى بالاهتمام الواضح في معظم المساجد القديمة الكبرى في المدن الإسلامية في فترة تضخم المدن وتوسعها وتطورها.

 

 أشهر الأروقة القديمة:

       ويشير الدكتور حسين مؤنس في كتابه (المساجد في الإسلام) إلى أن الأروقة المحيطة بصحن المسجد عن يمينه ويساره وخلفه تكاد تكون محصورة في مساجد مصر وشرق العالم الإسلامي دون غيره، وأوضح مثال لذلك ـ يضيف ـ جامع أحمد بن طولون في القاهرة فقد اتبع فيه هذا النظام بغاية الدقة.

        أما في الجناح الغربي لمملكة الإسلام فقد جرت العادة بأن يمتد بيت الصلاة حتى يشمل نصف مساحة المسجد أو أكثر، وفي هذه الحالة تلغى المجنبات (الأروقة)، فيبدو الصحن وكأنه فناء فسيح في مؤخرة المسجد وإن دار عليه السور.

       ومن أقدم الرواقات التي نقل تاريخها إلينا رواقات الحرمين الشريفين في مكة والمدينة ، وقد جرى تجديد تلك الأروقة مع كل توسعة تقريباً، ولا تزال أروقة الحرمين الشريفين مع القباب التي بنيت فوقها في عهد العثمانيين إلى اليوم باقية لم تفقد بريقها وجمالها، ويذكر أن أول من زادها في المسجدين الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما وسع الحرمين وأضاف إليهما دوراً من حولهما.

       كما أن المؤرخين ذكروا أن مسجد قباء عرف الأروقة في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك الذي أمر واليه على المدينة عمر بن عبدالعزيز ما بين (87 ـ 93هـ) أن يجدده ويعتني به فعمل له مئذنة وجعل له رحبة وأروقة حول صحن المسجد تقوم على أعمدة حجرية.

       وقد ذكر الحسن الوزان عن مسجد القرويين الذي بناه عقبة بن نافع (50هـ) أنه تحيط به، من الشرق والغرب والشمال أروقة خلفه ذات أقواس عرض كل منها ثلاثون ذراعاً وطوله أربعون ذراعاً، وفي أسفلها (أي أسفل الأروقة) خزائن يودع فيها الزيت والمصابيح والحصر وغيرها.

 

 الرواق الأوسط...

تطلق الأروقة على المجنبات المحيطة بصحن المسجد ، كما تطلق على بيت الصلاة الرئيسي وتقسيماته الداخلية، من حيث أنه مجموعة أروقة

       ارتبطت الأروقة بالأعمدة التي تحملها وتحدد أبعادها، والأعمدة تنتهي بالعقود أو الأقواس التي يتوزع فوقها ثقل البناء (السطح).

        وأكثر ما تكون تلك الأعمدة الحاملة في المسجد في بيت الصلاة، أو ما نسميه (القبلية)، أو جوف المسجد، وبواسطة صفوف الأعمدة ـ يقول د. حسين مؤنس ـ ينقسم بيت الصلاة إلى أروقة رأسية: تبدأ من الباب الرئيسي للمسجد وتنتهي بجدار القبلة وأخرى عرضية موازية لجدار القبلة... وفي العادة يكون الرواق الأوسط المؤدي إلى المحراب (وهو من الأروقة الرأسية المتجهة صوب جدار القبلة) أوسع من سائر الأروقة... ويسمى بالرواق الأوسط، أو الرئيسي، أو المجاز القاطع.

       والرواق الأوسط غالباً في المساجد القديمة الكبرى مميز عن غيره فالرواق الأوسط في مسجد الكتبية بمراكش آية في الروعة والجمال، وهو مرتفع عن سائر الأروقة، وفوقه ست قباب مبنية من الآجر...

       أما مسجد قرطبة فكان بيت الصلاة مكوناً من 12 رواقاً (عرضياً) موازياً لجدار المحراب وتسع أروقة عمودية على جدار القبلة (رأسية) وكان الرواق الأوسط أوسع من بقية الأروقة...

       وفي المسجد الأقصى يتكون بيت الصلاة من 11 صفاً موازياً من العقود الموازية لجدار القبلة والرواق الأوسط أو المجاز الأعظم مساحته ضعف مساحة الأروقة، وتقوم فوق البلاطة الأخيرة منه ( البلاطة: المربع بين الأعمدة) قبة صغيرة فوق المدخل مباشرة وهناك قبة أخرى أكبر من هذه فوق البلاطة المؤدية للمحراب.

 

الأروقة في المفهوم الأزهري:

       كان طلبة العلم ينتشرون بكثرة في المساجد الكبرى، يتلقون العلوم الإسلامية المتعددة في مواضيعها على أيدي مشاهير العلماء، وكانت أروقة المساجد أفضل الأماكن لهم، سواء في الاستماع إلى درس أو في استذكار محفوظ، أو تجميع الأمتعة الخاصة بهم، أو المبيت... فكان هؤلاء الطلبة هم شاغلو تلك الأروقة التي تراها زاخرة بهم...

 وفي مبدأ الأمر ضمت تلك الأروقة خزائن أو دواليب أو صناديق لأولئك الطلبة يضعون فيها حاجياتهم العلمية من كتب ودفاتر وغيرها.

       ثم تطور الحال إلى تقسيم الأروقة إلى حارات، بها مسئولون عن أهلها، يتولون تنظيم أمورهم ورعايتها، ويلقبون في نفس الوقت بمسميات مميزة. فلكل حارة ـ كما يقول طه الولي ـ شيخ ونقيب ومخزن ومرتبات، ويبدو أن هذا التطور ـ أي تحول الأروقة إلى أماكن للإقامة لطلبة العلم ـ قد انتقل إلى مصر من المغرب.

       وتطورت الأروقة فيما بعد إلى أن غدت ـ كما هي في المفهوم الأزهري ـ أبنية تسكن كلاً منها جماعة من الطلبة متحدو الجنس والمذهب. كرواق الأتراك والمغاربة والشوام... وكانت تلك الأبنية تقام بأموال المتبرعين الراغبين في تيسير طلب العلم ودعم أهله... حتى أصبحت تلك الأروقة الأزهيرية من حول الأزهر الشريف تشبه مدينة كاملة قائمة بذاتها، لم تكن مخصصة للنوم أصلاً، بل كانت أشبه ما تكون بسكرتارية ومكتبة وخزائن كتب تخص كل مجموعة من الطلبة على حدة... أما الطلبة الغرباء الذين يحتاجون إلى المبيت والطبخ فلهم حارات حول الأزهر خصصت لهم، وقد بلغ عددها ثلاث عشرة حارة... مثل حارة العفيفي والزرافة والبشاشة والسليمانية وغيرها.

 

أشهر الأروقة الأزهرية:

       ضم الأزهر إلى جواره عدداً كبيراً من الأروقة التي كانت بكثرتها تدل على النشاط العلمي الواسع الذي اضطلع بمسئوليته ذلك المركز الحضاري (الأزهر) كمؤسسة إسلامية تعليمية عالمية... وقد بلغت تلك الأروقة في فترة من الفترات قرابة الـ (30) رواقا. أشهرها:

       رواق الطيبرسيه: نسبة إلى علاءالدين طيبرس الخازن نقيب الجيوش في مصر، جعله مؤسسه (709هـ) للفقهاء الشافعية، وبجواره ميضأة وسبيل ماء للدواب، وقد حول عام 1314هـ إلى مكتبة للأزهر في عهد الخديوي عباس باشا الثاني وسمي (كتبخانه).

       الرواق العباسي: نسبة إلى بانيه خديوي مصر عباس حلمي الثاني  (1897م ـ 1315هـ) وكانت فيه ما نسميه إدارة الأزهر ومشيخته ومكتبته وطبيبه ومحفوظاته مع طلبة يسكنون جوانب منه، وهو يشتمل على ثلاثة أدوار، وهو قطعة معمارية فنية جميلة من العمارة والفن الإسلاميين.

       الرواق التركي: أو رواق الأتراك بناه السلطان قايتباي، ويستحق أوقافه كل مجاور من بلاد الأتراك وكان طلابه 50 طالباً.

       رواق المغاربة: وكان فيه أكثر من مئة طالب.

       رواق الصعايدة: وهو من أشهر الأروقة الأزهرية وتدل جرايته (الطعام الموزع على طلابه) على كثرة من كان فيه، فقد بلغت ألف رغيف لكل يومين. وهو من انشاء الأمير عبدالرحمن كتخدا وله أوقاف عظيمة.

       رواق الحنابلة: بناه الأمير عثمان كتخدا، وأهله كانوا قليلين، ورواتبهم مرتفعة، وكان يقع بجوار رواق زاوية العميان.

       رواق الحنفية: وهو من أوسع الأروقة، به 13 غرفة للمجاورين، انشأه الأمير راتب باشا الكبير سنة (1279هـ ـ 1862م).

 

نظام الحياة في الأروقة:

       يصف لنا المقريزي جانباً من الحياة في الأروقة الأزهرية فيقول: لم يزل في هذا الجامع (أي الأزهر) منذ بني عدة من الفقراء يلازمون الإقامة فيه، وبلغت عدتهم في هذه الأيام (818هـ ـ 1514م) سبعمائة وخمسين رجلاً، ما بين عجم وزيالعة ومن أهل ريف مصر ومغاربه ولكل طائفة رواق يعرف بهم، فلا يزال الجامع عامراً بتلاوة القرآن ودراسته وتلقينه والاشتغال بأنواع العلوم والفقه والحديث والتفسير والنحو ومجالس الوعظ وحِلَق الذكر، فيجد الإنسان إذا دخل هذا الجامع من الأنس بالله والارتياح وترويح النفس مالا يجده في غيره، وصار أرباب الأموال يقصدون هذا الجامع بأنواع البر من الذهب والفضه والفلوس إعانة للمجاورين فيه على عبادة الله تعالى، وكل قليل تحمل إليهم أنواع الأطعمة والخبز والحلاوات لا سيما في المواسم.

       وقد أصدر السلطان المملوكي برقوق مرسوماً ـ عندما تولى نظارة الأزهر الأمير الطواشي بهادر المقدم على المماليك السلطانية ـ باستحداث بعض الأنظمة الاستثنائية الخاصة بالمجاورين في الرواقات الذين يتوفون ولا وارث لهم من عصبة أو رحم، فأمر بأن يأخذ أموالهم زملاؤهم المجاورون في نفس الجامع، ونقش ذلك على حجر عند الباب الكبير البحري ( من جهة الشمال).

 

مصير الأروقة الأزهرية... وعودة الرواق المسجدي:

       بقي المجاورون في الأزهر على ما هم عليه من حال قديم دراسةً وإدارة وانتفاعا، وكان  يستحدث لهم بين الحين والآخر من طرف الدولة أو إدارة الأزهر من تحسينات وتعديلات في فترات متباعدة، إلى أن جاءت سنة 1372هـ ـ 1952م، وفيها افتتحت مدينة البعوث التي ضمت بين جدرانها جميع مجاوري الأزهر وغيرهم من مختلف  جنسيات العالم الإسلامي، وقد بلغ عددهم آنذاك خمسة آلاف طالب يقدم لهم السكن والطعام وسائر الخدمات المجانية التي تناسب العصر الحديث... وجاء ذلك في غمرة نقل الأزهر من جامع ذي نظام إداري وتعليمي قديم إلى جامعة ذات نظام حديث.

       ومع زوال الأروقة من الجامع الأزهر بمفهومها التعليمي السابق وزوال بعض مبانيها وأطرافها، بقيت الأروقة في الأزهر جزءا من النظام المعماري الخاص بالأزهر كمسجد يشابه في هذا المجال معظم مساجد مصر والشرق الإسلامي...

       وعاد الرواق بمفهومه المسجدي (التقليدي) اطاراً محيطاً بإجلال، ومعلماً من الصورة الكاملة للمساجد الكبرى...

       وأبرز مثال على الرواقات الحديثة النشأة رواقات مسجد الدولة الكبير في دولة الكويت، ففي الجهة الشرقية منه صحن المسجد الرئيسي الفسيح الواسع، الذي تحف به الاروقة من جوانبه الثلاث ، وهي ترتفع على أعمدة مسافة ثمانية أمتار، وتتدلى من سقفها فوانيس حديثة الصنع قديمة الشكل.

       وطول تلك الاروقة 760 مترا وهي تقي من الشمس والمطر ، وتستخدم للصلاة أحيانا، وحوائطها من السيراميك الجميل.

       أما الليوان الواقع شرق بيت الصلاة مباشرة في المسجد الكبير فهو امتداد للأروقة، إلا أنه تتدلى من سقفه ثلاث وعشرون ثريا من الثريات الدمشقية المصنوعة من النحاس المؤكسد، على شكل قناديل تتميز بألوانها الهادئة وأنوارها الملونة الجميلة.

 

عبدالله نجيب سالم

 

 

,  القبــــــــة,

     *مقدمة

       للقباب في المساجد دور جمالي رائع لاتكاد العين تخطؤه من الوهلة الأولى، فإذا ضممنا

القبة إلى المئذنة ـ وهما دائماً متلازمتان في المساجد ـ تكونت امامنا صورة  جمالة تضفي على المسجد توازناً في الشكل يرتاح إليه النظر... وما ذلك إلا دليل واضح على تمكن المهندسين المسلمين من رسم لوحة متكاملة للمسجد تشكل ابداعاً معمارياً فتاناً يطغى على الكتلة الحجرية الجامدة.

       وإذا كانت القبة خارج المسجد توحي وكأنها متجهة إلى أسفل في رمز لتواضع المؤمن بين يدي ربه ، فإنها من الداخل تعطي انطباعاً عكسياً يعبر عن التصاعد والحركة الرأسية لأعلى، حتى يكون المؤمن وهو يعيش جو العبادة عملياً داخل المسجد محاطاً بالإيحاء بالارتقاء والسمو والتعالي.

       إن القبة في المسجد أكثر من ظاهرة معمارية استخدمت لأهداف عدة.. إنها رمز لقبة السماء العليا التي ترنو نحوها الأبصار، وتتحرك باتجاهها القلوب، في مزيج من الأمل والخوف والحب والإجلال.

 

*  التعريف:

       القبة بناء دائري المسقط، مقعر من الداخل، مقبب من الخارج، يتألف من دوران قوس على محور عمودي ليصبح نصف كرة تقريبا، تقام فوق السطح مباشرة، أو ترتفع على رقبة مضلعة أو دائرية، أو على حنايا ركنية، أو مثلثات كروية، أو مقرنصات.

 

*  تاريخ  القبة:

       ظهرت القباب في المباني عموماً أول الأمر في آسيا، ثم انتقلت إلى الفرس واليونان فالرومان قبل ان يتلقاها المسلمون ، ولايخلو طراز من  طرز الفنون الإنسانية الكبرى من القباب إلا الطراز المصري القديم.

     وأول قبة عرفت في الإسلام قبة الصخرة المشرفة التي بناها عبد الملك بن مروان في بي المقدس في فلسطين مابين عام 69هـ 72 هـ (688 ـ 691م).

       ثم بعد قبة الصخرة بنى الوليد بن عبد الملك المسجد الأموي بدمشق، وفيه قبة النسر الشهيرة وذلك عام 132 ـ 133هـ ( 750م).

       ثم توالت القباب في المساجد حتى ندر أن نرى مسجداً له مئذنة دون قبة.. بل إن القباب قد زادت على المآذن من حيث استخدامها في غير المساجد كالقصور والأضرحة وغيرها.

       ونقطة البداية في عمل القبة هي ابتكار العقد أو القوس، وأصل ذلك من ابتكار آسيوي، ولكنه تطور على أيدي الفرس والرومان تطوراً واسعاً، ثم جاء المسلمون فساروا بالعقود مدى أبعد وأكثر تنوعا... والملاحظ في  العقود أن  قوة الدافع الحادثة من ضغط الأحجار بعضها  على بعض، وكذلك من وزن البناء الذي سيحمل على العقد، تتوزع في العقود على قطع العقد وأرجله بصورة كاملة التوازن تنتهي باتجاه عمودي نحو الأرض.

       وهكذا فالقبة تنشأ من عقود متقاطعة في مركز واحد، هو المفتاح الرئيسي الأعلى للقبة

كلها، وقد لجأ المعماريون المسلمون لإقامة القباب الى العقود فقط لأن سقف المسجد لايحمل في العادة إلا القبة فقط.

 

 أنواع القباب:

       يمكن تقسيم القباب إلى أنواع كثيرة بحسب اعتبارات عديدة.

 

*    فمن حيث مادة الصنع:

       ـ هناك القباب الخشبية، وهي التي وجدت في بداية الأمر كقبة الصخرة في القدس (72هـ)، وكذلك كانت قبة الإمام الشافعي (608هـ) الأولى خشبية، وقبة جامع بيبرس (655 ـ 667هـ) وقبة مدرسة السلطان حسن بالقاهرة (757هـ) وغيرها.

      ولاشك أن استخدام الخشب أسهل عند بناء القبة من استخدام الحجر، إلا أنه أضعف منه.

ومن الطبيعي ان القباب الخشبية تكسى عادة من الخارج بطبقة من صفائح الرصاص للحماية من العوامل الجوية بينما تكسى من الداخل بطبقة من الجص كبياض داخلي عليه زخارف متنوعة.

       ــ  وهناك القباب الحجرية، أوالمصنوعة من القرميد(الطوب) وهي كثيرة، ومنها قبة مسجد الغوري بالمنشية (909هـ) وقبة خانقاه فرج بن برقوق (801هـ)، وقبة أروقة الجامع الأقمر (519هـ)، وقبة مسجد السلطان سليمان (  1609م ) باستانبول،  بل إن معظم القباب القديمة إما حجرية أو قرميدية.

    وبحكم ثقل الحجر فقد كانت قبابه عموماً أصغر من القباب القرميدية...

    وقد لجأ المعماري المسلم لحل المعضلة الهندسية ـ المتمثلة في الانتقال من المربع الى المدورـ إلى استعمال العقود المتقاطعة لإقامة القباب، ومن هنا كانت الحلول المستعملة لتحويل المبني المربع الشكل أوالمستطيل إلى دائرة عن طريق مايسمى المثلثات الكروية ( وهي طريقة رومانية) أوحنية الأركان ( وهي طريقة فارسية) أو تحويل الحافة المربعة للجدران إلى هيئة مثمنة، ثم إقامة أعمدة تعتمد على الاكتاف الثمانية وتتلاقى في نقطة واحدة ( وهي طريقة إسلامية مبتكرة)... وهكذا كان الشأن في عامة القباب الحجرية أو القرميدية القديمة.

       ــ أما القباب الحديثة فهي بوجه عام تقوم على هيكل حديدي ( أسياخ معدنية متشابكة) يصب فوقه الأسمنت المخلوط بالجص، فإذا جف بلغ الغاية في المتانة والتماسك.. وبواسطة هذه القوالب التي يصب فيها الأسمنت لصنع القبة أمكن التحكم في حجم القبة وشكلها ومتانتها إلى حد بعيد.

       ـ  وثمة قباب حديثة بدأت تظهر منافسة لقباب الحديد والأسمنت، وهي القباب المصنوعة من مادة الفيبر جلاس والخيوط الزجاجية، وميزتها أنها تسمج بنفاذ الضوء إلى باطن القبة دون أن تسمح لحرارة الجو أو برودته بالنفوذ، إضافة إلى خفة الوزن مع متانة الصنع والقدرة على اختيار الشكل المختار بحرية تامة.

 

*  أما من حيث الشكل العام للقبة:

       ــ فقد تنوعت إلى قبة ملساء أومضلعة أو قبة بصلية أو مخروطجية الشكل ، والقباب البصلية ترى واضحة في المساجد الهندية، والقباب الطويلة العنق ترى في المساجد السلجوقية، والقباب المدورة ترى في عموم المساجد، خاصة الأيوبية والمملوكية والفاطمية.

 

*  أما من حيث الثبات والحركة:

        فإن الأصل في القباب (كالمآذن) أن تكون ثابتة فون سطح المسجد، إلا أن التقنيات الحديثة مكنت المعماريين من ابتكار القباب المتحركة التي تتحرك على سكة، ويتحكم بها بواسطة آلات يحركها مفتاح آلي ( مباشر أو ريمونت كنترول).

        ومثل هذه القباب المتحركة عرفت في المساجد الحديثة الضخمة، كمسجد الملك الحسن الثاني بالرباط، والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة في التوسعة الأخيرة (وزن القبة 80 طناً).

        وبذلك استفيد من تحريك القبة في تجديد هواء المسجد، وفي إنارته، وفي التمتع بالحو الطبيعي المناسب..

       بل استخدمت القباب المتحركة على سكة عالية ـ وهي مرفوعة على جدران تحتها فوق السطح استخدمت في تظليل جزء لايستهان به من السطح يكون موائما للصلاة فيه، وهذا مايراه الحاج في أسطح المسجد النبوي الشريف.

 

*  أجزاء القبة:

       تبدو القبة للوهلة الأولى وكأنها قطعة واحدة إلا أن المتمعن فيها يستطيع رؤية أجزائها التالية:

1 ــ قاعدة القبة: وهي منطلق تحول مسقط البناء من المربع إلى المدور، وقد تكون قاعدتها       على   هيئة مسدس أو مثمن.

2 ــ رقبة القبة: ويسمى بالطنبور وفيه تجد أحياناً كثيرة نوافذ تجهز بقمريات بالزجاح الملون،     وقد يفصل بين كل نافذة وأخرى قوصرة وفي نهاية الطمبور فوق النوافذ في الخارج       يوجد أحياناً نص قرآني على سطح يرتد عن سطح الحائط يعمل بالجص على القباب   القرميدية، أو ينحت  نحتاً في القباب الحجرية أو يكتب بالقاشاني أو غيره.

               وبعض القباب تمتاز برقابها الطويلة التي تشبه عنق الزجاجة.

3 ــ جسم القبة: وهو يكون مدوراً أملساً،  أو مدوراً مضلعاً، أو مخروطيا منتفخ البطن منقبض    مافوق الرقبة تحته.

4 ــ خاتمة القبة: وهي ذروتها العليا، وقد رأينا بعض القباب تختم بمنور مكون من طاسة فيها    نوافذ متناظرة ترفع فوق جسم القبة، كما اشتهرت القباب الهندية بخاتمتها العليا الشبيهة       ببصلة مقلوبة إلى أسفل .

 

*  تزيين القبة:

       اشتهرت القباب بدورها الجمالي أساساً.. وقد تفنن المعماريون المسلمون في إبراز جمال القبة ـ إضافة إلى شكلها المميز عن البناء وذلك باستخدام عناصر التجميل الأخرى، سواء داخل القبة أو خارجها.

       أما من الخارج: فقد استعملت زخارف دائرية القطاع (فصوص) بينها مثلث وذلك  في القباب المتخذة من الطوب، أما بالنسبة للقباب الحجرية فقد استعملت دالات ( زخرفة متتابعة على شكل حرف الدال) كما في قبة المدفن بجامع المؤيد ، وقبة خانقاه فرج بن برقوق، وقبة بيبرس الخياط، كما استخدمت أشكال هندسية أو زخارف بنائية مجتمعة، أو كل على حدة، كما في قبة المدرسة الجوهرية بالأزهر، وقبة مدرسة قايتباي بالقرافة الشرقية، ووجدت كتابات بالقاشاني على مثل قبة  أسلم السلحدار، بل إن  قباب المساجد في الشرق (ايران على وجه الخصوص) لم تترك مجالاً للمنافسة في تزيين القباب بالقاشاني الأزرق التقليدي ( مسجد شاه عباس في أصفهان) أو الوردي (مسجد الشيخ لطف الله في أصفهان).

       ولاننسى أن بعض القباب  تم تزيينها من الخارج بألواح من الذهب الخالص ( كما كان في قبة الصخرة وبعض المساجد الأخرى حالياً في العراق)، كما أن بعض القباب اشتهرت بلون خاص بها( كالقبة الخضراء فوق الروضة الشريفة في الحرم المدني).

 

وأما تزيين القبة من الداخل:

        فزينت بعض القباب بالرخام الملون الذي ينتهي من أعلى بطراز،  كما تحدد المنطقة السفلى من القبة (العنق) في أغلب الأحيان بكورنيش.

       كما استخدم الجص المصنوع على  أشكال ترينية شتى في القباب من الداخل.

       وقد اشتهر العثمانيون بالتأنق في استخدام الألوان واختيار النصوص المزينة للقباب من الداخل إلى درجة لامزيد عليها، كما اشتهرت القباب في العراق وايران بالنقوش والزخرفة والجمال الباهر.

       ومما لاشك فيه أن المبالغة أحيانا في تزيين باطن القبة جاء تعويضاً عن البساطة الملحوظة في تزيين بيت الصلاة في المساجد... فتزيين القبة لايشغل المصلي، على العكس من تزيين بيت الصلاة.

       ويدخل في تزيين القبة الهلال الذي يرتفع دائما فوقها ومن تحته تفاحات معدنية، فيتولد بذلك منظر متكامل رائع.

 

*  فوائد القبة:

       مما لاشك فيه أن القباب قامت بأكثر من دور وأعطت أكثر من فائدة للمسجد.

       فإضافة إلى الدور الجمالي في كسر جمود المبني الكبير في بيت الصلاة وتخفيف حدة الكتل الضخمة الصامتة، فللقبة فوق ذلك دور مهم في إيصال الإنارة إلى قلب بيت الصلاة عن طريق الشمس المتغلغلة من النوافذ الكثيرة المحيطة برقبة القبة، حتى قيل: إن نوافذ قباب بعض المساجد صممت لتدخل الشمس كل يوم من طاقة في القبة حسب مطالع شروقها أوغروبها على مدار السنة... وبذلك كان قلب المساجد مضاءً دائماً متسماً، بالوضوح عكس معابد الأديان الأخرى.

       ومع الإنارة يأتي دور التهوية، فعندما تغطي القبة بيت الصلاة بالمسجد تسحب الهواء الساخن الذي يرتفع إلى أعلى ،فيخرج من النوافذ المطلة على الناحية المشمسة، أما النوافذ التي في الناحية الظليلة، فيدخل منها الهواء الرطب البارد مما يفسح المجال أمام التيارات الهوائية الصحية الصافية للتردد على جنبات المسجد طاردة الهواء الفاسد إلى الخارج..

       بل إن التحكم بالتهوية والاستفادة من حركة الهواء من خلال نوافذ القباب أوجد الحلول لبعض المشاكل الناتجة عن دخان قناديل الإنارة الليلية في المساجد قديما، فقد استحدث المعماري التركي الشهر سنان في مسجد السليمانية باستانبول فتحات صغيرة تحت القبة في اتجاهات متنوعة ليضمن تياراً صاعداً يجذب وراءه الدخان المتصاعد من لبمات الزيت المستخدمة بكثرة للاضاءة... وبذلك حلت مشكلة تراكم (السخام) على النقوش العليا، بل واستفيد من تجميعه عبر الفتحات في صناعة الحبر.

       ولايفوتنا أن ننوه إلى دور القبة في تضخيم الصوت في بيت الصلاة، حتى إن بعض المساجد إذا وقفت في وسطها تحت القبة، وتكلمت بصوت عادي سُمع صوتك بوضوح في جميع أرجاء بيت الصلاة على سعته.. وهذا مالحظه المهندسون في مساجد عديدة شهيرة منها مسجد طوبى بكراتشي، الذي تتجلي فيه هذه الظاهرة بوضوح لكون سطحه كله قبة واحدة.

 

أشهر القباب في الإسلام:

1 ــ قبة الصخرة في القدس:

       تعتبر قبة الصخرة أقدم قبة إسلامية إذ يرجع تاريخها إلى عام (66 ـ 72هـ) أيام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي رصد لبناء مسجد قبة الصخرة خراج مصر سبع سنين حتى استوى له عملاً فنياً فريداً من نوعه زائداً على أمثاله في الفخامة والبهرجة والاتقان، مما حمل جميع الذين اعتنوا بدراسته من المختصين إلى اطرائه اطراء كبيراً.

       قال المستشرق الانجليزي ( هاتير لويس): إن مسجد الصخرة بلاشك أجمل الأبنية الموجودة فوق هذه البسيطة، لا بل إنه أجمل الآثار التي خلدها التاريخ.

       صمم ونفذ مسجد قبة الصخرة العالم المسلم رجاء بن حيوة، وهي لاتعتمد على الجدار الخارجي للمسجد، بل إن عقود الأعمدة (البائكة المستديرة) في قلب المسجد هي الحاملة للقبة، وعدد تلك العقود 16 عموداً وأربعة دعائم.

       وقبة الصخرة قبة خشبية مزدوجة أي هي عبارة عن قبتين متراكبتين: داخلية وخارجية، يتكون كل منهما من 32 ضلعاً من الخشب على شكل القوس أو فص البرتقال، وهناك مسافة بين القبتين تسمح بمرور انسان للخدمة.. وتغطي القبة الخارجية ألواح من الرصاص، ثم ألواح من النحاس الأصفر اللماع، الذي يتلألأ وينعكس تحت أشعة الشمس على المنطقة من حوله بمنظر غاية في الجمال.

       قطر قبة الصخرة من الداخل 20 متراً و30سم، وارتفاعها 20 متراً و50سم،وفوقها يرتفع هلال ضخم جميل، والقبة الحالية ترجع إلى عهد الخليفة الفاطمي الزاهر الذي جددها عام 413هـ.

       وقد ذكر التاريخ أن رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام ـ وهما اللذان أشرفا على بناء القبة ـ رفضا قبول أجر على عملهما هذا، فأمر عبد الملك بن مروان أن تسبك الدنانير (10 آلاف دينار) صفائح تزين بها القبة.

       وفي قبة الصخرة من الزخرفة داخلياً مايعجز اللسان عن وصفه والقلم عن الاحاطة به.

 

2 ــ قبة النسر في الجامع الأموي في دمشق:

       سميت قبة جامع بني أمية في دمشق بقبة النسر تشبيهاً لها بالطائر المعروف،

       يقول ابن جبير عنها: فإذا استقبلتها أبصرت منظراً رائعاً، ومرأى هائلاً يشبهه الناس بنسر طائر كأن القبة رأسه، والغارب جؤجؤه، ونصف جدار البلاط عن يمين ونصف الثاني عن شمال جناحاه، وسعة  هذا الغارب من جهة الصحن ثلاثون خطوة، ومن أي جهة استقبلت البلد ترى القبة في الهواء منيفة على كل علو كأنها معلقة من الجو.

       وقبة النسر من الأعمال التي تمت في عهد الوليد بن عبد الملك ضمن عمارته للمسجد الأموي، وقد قيل: إنها سقطت أول مابنيت فشق ذلك على الوليد، فجاءه بناء شامي ماهر لفت نظره إلى هبوط التربة، مما جعله يعيد بناءها ثانية على أساس قوي متين.

       يبغ قطر قبة النسر 5ر16 مترا، وارتفاعها مع الرقبة 5ر17 مترا، وارتفاعها من ذروتها حتى أرض الحرم 43 متراً.

       وتقوم قبة النسر على جملون معترض (سقف مثلث).

 

3 ــ قبة مسجد السلطان أحمد (المسجد الأزرق) في استانبول:

       وهذه القبة أنشئت  بأمر السلطان العثماني الرابع أحمد الأول عام 1609 ـ 1616م رداً على تحدي القبة العظيمة لكنيسة (أيا صوفيا) الرومانية  التي بنيت في عهد الامبراطور جوستنيان  537م، وقيل: إنها من عجائب الدنيا، ولايمكن مضاهاتها، لذلك أمر السلطان أحمد المهندسَ الكبير محمد آغا تلميذ سنان باشا أن يبني له مسجداً، يضم فيما يضم من الروائع: قبة

 أعظم من قبة أيا صوفيا، فجاءت قبة مسجد السلطان أحمد (المعروف بالمسجد الأزرق) أعظم قطراً منها: 5ر33 م ( آيا صوفيا 31 متراً) وهي ترتفع عن الأرض 43 متراً، وتقوم على أربعة قناطر (عقود) كبيرة، تتكىء على أربعة أكتاف ضخمة، يطلقون عليها أرجل الفيل، يبلغ قطر الواحد منها خمسة أمتار.

       ويحف بالقبة في المسجد الأزرق أربعة أنصاف قباب أعطت المبني إحساساً بالانطلاق والانسيابية، وقد نثر المهندس محمد آغا حول القبة الكبرى والقباب الصغرى المحيطة بها نوافذ أحسن صنعها، وأتقن عقودها، وقدر نسبها وأبعادها، فأصبح المسجد يتلألأ بالضوء من خلال (260) نافذة موزعة على خمسة صفوف ومحلاة بالزجاج الملون.

       إن قبة مسجد السلطان أحمد (المسجد الأزرق) واحدة من أعظم القباب في تاريخ المساجد ضخامة وزخرفة وإتقانا.

 

4 ــ القبة الخضراء في المسجد النبوي الشريف:

       اشتهرت القبة الخضراء الشامخة فوق الروضة الشريفة ( الحجرة النبوية) التي تضم جسد خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام ومعه صاحباه المخلصان المؤمنان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما... اشتهرت شهرة لامزيد عليها، لشرف مكانها وتعلق قلوب المسلمين بمسجدها، حتى أصبحت مغنى للشعراء، وملهمة للأدباء، ومثيرة للغرام، وعلامة من علامات دار السلام، قال أحدهم:

       سألت الهي قبل موتي زيارة       

                                                       إلى الروضة الفيحاء والقبة الخضرا.

       وقد جددت هذه القبة الخضراء الموجودة حاليا عام 1266هـ على يد المهندس  حليم باشا مهندس قصور العثمانيين في الآستانة ومعه المعلم إبراهيم باشا كبير البنائين المصريين، وشارك في تزيينها من الداخل بأبهى أنواع النقش الخطاطُ التركي المشهور شكر الله، وكان المشرف على البناء إبراهيم باشا ابن محمد على باشا.

       ويذكر أن الذي بناها لأول مرة السلطان المملوكي قايتباي ثم جددها من بعده السلطان العثماني محمود الثاني .

 

كلمة أخيرة :

       وإذا كنا لانحبذ من منطق ديني بحت الاغراق في زخرفة القباب، والاسراف في تنميقها، بل ولا نحبذ بناءها على القبور بشكل عام، إلا أننا ننوه هنا إلى توجه شاذ ـ معمارياً على الأقل ـ ظهر في الآونة الأخيرة في بناء المسجد، حيث بنيت بعض المساجد دون قباب فظهرت وكأنها مخازن أو صالات كبيرة جامدة.

       إن للقباب موقعاً في المسجد لايمكن تجاهله أو نكرانه، ومن التشويه لجمال المسجد أن  نرفع فوقه مئذنة سامقة لاتجاورها قبة تمهد لامتداد المئذنة في السماء.

 

                                                                           عبد الله سالم

 

 

 

 

 


 

المراجع العلمية

 

1ـ المساجد                                                         د.حسين مؤنس

2ـ إعلام الساجد بأحكام المساجد                                       الزركشي

3ـ تاريخ المساجد الأثرية                                            حسن عبدالوهاب

4ـ منادمة الأطلال                                                  ابن بدران   

5ـ تاريخ عمارة المسجد الحرام                                      با سلامة    

6ـ مجلة الوعي الإسلامي                                            الأوقاف/ الكويت    

7ـ مجلة عالم الفكر                                                 الإعلام/ الكويت

8ـ تاريخ المغرب الكبير                                                    سيد عبدالعزيز سالم

9ـ المساجد والقصور في الأندلس                                    سيد عبدالعزيز سالم

10ـ المساجد في الإسلام                                           طه الولي

11ـ المساجد التاريخية الكبرى                                        يوسف فرحات

12ـ تاريخ الإسلام                                                  حسن إبراهيم

13ـ تاريخ وآثار مساجد ومدارس طرابلس                             عمر عبدالسلام

14ـ نهر الذهب في تاريخ حلب                                        كامل الغزي

15ـ تاريخ آثار ومساجد طرابلس                                     عمر التدمري

16ـ أشهر المساجد في تركيا                                           نعمت البيرق

17ـ آثار المدينة المنورة                                              عبدالقدوس الأنصاري     

18ـ عمارة المساجد/ النموذج السعودي لبناء بيوت الله                 وزارة الإعلام السعودية

19ـ تاريخ المساجد الأثرية                                            حسن عبد الوهاب

20ـ تاريخ عمارة المسجد الحرام                                       باسلامة

21ـ مجلة الوعي الإسلامي                                            الأوقاف ـ الكويت

22 ـ مجلة عالم الفكر                                                الإعلام ـ الكويت

23 ـ المساجد والقصور في الأندلس                                  سيد عبد العزيز سالم

24 ـ المساجد في الإسلام                                           طه الولي

25 ـ المساجد التاريخية الكبرى                                      يوسف فرحات

26 ـ تاريخ الاسلام                                                 حسن ابراهيم

27 ـ تاريخ وآثار مساجد ومدارس طرابلس                           عمر التدمري

28ـ أشهر المساجد في تركيا                                        نعمت البيرق

29ـ آثار المدينةالمنورة                                              عبد القدوس الأنصاري

30ـ الخطط المقريزية                                              المقريزي (تقي الدين احمد بن علي)

31ـ  ـ                                                                  هاشم الأعظمي

 

32 ـ ـ                                                                       العزاوي

33 ـ تاريخ مساجد بغداد                                                 يوسف ابن الشيخ ابراهيم السامرائي

34 ـ المؤنس في أبار افريقية وتونس                                            محمد بن ابي القاسم القيرواني

35المساجد في الإسلام                                                        طه الولي

36 ـ تمار القصائد في ذكر المساجد                                          يوسف بن عبد الهادي

37 ـ تاريخ جامع الزيتونة                                                   الحشائشي

38 الأمانة العامة لعمان الكبرى                                              عبد الرؤوف الروابدة

39 ـ عمان حضارتها وتاريخها                                            د. يوسف غوانمه

40 ـ الطابع المعماري الإسلامي في مدينة عمان                               د. عبد الله عابدين

41 ـ تاريخ مدينة صنعاء                                                          اسماعيل الاكوع

42 ـ مدينة صنعاء                                                         عباس فاضل السعدي

43 ـ المسلمون في امريكا                                                  ايفون يزبك حداد

44 ـ المسلمون في العالم                                                   عبد الرحمن التركي

45 ـ فتوح البلدان                                                          البلاذي (أبو الحسن)

46 الأعلاق النفسية                                                               ابن رسته

47 ـ المساجد في الاسلام                                                 الموسوعة الفقهية

48ـ النهج الواحد في عمارة المساجد                                         وليد الفاضل

49ـ استانبول                                                                منذر غنام

50 ـ المسجد مرآة الاسلام ـ الجارودي                                            الموسوعة الفقهية

51 ـ الحفاظ على التراث المعماري الاسلامي                                       منظمة المدن العربية

52 ـ المدينة العربية                                                          منظمة المدن العربية

53 ـ مجلة آرت ـ عدوان                                                          علي البراح

54ـ الفن الإسلامي ـ سمير الصايغ                                                 كمال صفاوي

55 ـ الفن الاسلامي ـ عفيف البهنسي                                               علي براح

56 ـ دليل المساجد في سلطنة عمان                                                وليد الفاضل

57ـ قصة مدينة (دليل طرابلس السياحي)                                     منظمة المدن العربية

58 ـ فنون الترك وعمائرهم                                                    علي براح

 

حكايتي مع صور هذا الكتاب

 

وإنما أسرد للقراء طرفاً من هذا الموضوع لأهداف عدة.. أهمها: ماعانيته من اليأس والرجاء والصبر والحيرة والفرحة والأمل .. وجملة هذه المعاني تولدت من الإصرار والعزيمة والرغبة الملحة في الوصول الى أفضل ما يمكن.

  لقد كنت في البداية أظن أن من السهولة بمكان الحصول على الصور الخاصة بكل مسجد من هذه المساجد، وذلك لشهرتها وانتشار صورها، وتناول كثير من المراجع المختصة لها، بل ووجود المجلات  والصحف الإسلامية المهتمة بهذا الجانب من الصور عموما فكانت البداية سهلة موطّأة: صورة من هنا وأخرى من هناك وثالثة بينهما ..

   إلا أنني عندما بدأت في تصنيف تلك الصور وتخصيص كل منها بمسجدها، فوجئت بأن كثيرا منها مكرر، أو ليس هو موضوع الحديث ،أو غير صالح فنياً للطباعة، أو لايفي بالغرض المطلوب عدداً ونوعاً.

 ولقد كنت وضعت في ذهني منذ أن بدأت في تجميع الصور: أن تكون أولا واضحة نقية ،وأن تكون متنوعة شاملة، وأن تكون ملونة جديدة ،وأن تكون نادرة غير كثيرة التداول، وأن تكون كثيرة العدد ما أمكن ،ومن هنا فإن توفر كل هذه الأمور في صور كل المساجد كان ضربا من المعاناة والمكابدة.

 لم أظفر لبعض المساجد أولاً ولا على صورة واحدة، وظفرت لبعض المساجد على صور متكررة لمنظر واحد أو متقارب، ووجدت بعض الصور الباهتة القديمة ..هكذا كان الشأن العام ، إلا انني بعد أن بدأت قررت الاستمرار وطرق الأبواب الممكنة في سبيل الهدف الجميل، فاستنفزت كافة قواي واستنهضت همم كل من أعرف ،وألححت على من حولي من قريب أو بعيد.

  لقد استعنت بنسخة شبه كاملة ـ كانت لدي أثيرة وعزيزة ـ من الوعي الاسلامي أقدمت على قرضها وقص صورها منها ، واستنجدت بمكتبة منظمة المدن العربية للوصول الى بعض ما أريد، وأضفت إليها اللجوء الى أصدقاء في الصفحة الدينية في جريدة الأنباء الكويتية، وتصفحت الأرشيف الخاص بصور مجلة الوعي الإسلامي الكويتية ، واستعرت بعض المراجع من مكتبة الموسوعة الفقهية، واستعرضت مطبوعات كثيرة من قبل الملحق الثقافي السعودي في الكويت تخص الحرمين الشريفين، وزودني الأستاذ محمد عامر الحمصي بأعداد خاصة من مجلة (عمار) الهندسية، وتبعه الاستاذ الشاب منذر غنام بمنشورعن مدينة استانبول ومعالمها وصور أخرى، وأما الأستاذ ناظم الحراكي فإنه أهداني كتيباًعن الجامع الأموي في حلب، وشاركت السيدة الشيخة حصة الصباح السالم مديرة دار الآثار الإسلامية في الكويت فأرسلت  اليّ كتابا فيه صور لمسجد صنعاء، وحمل البريد اليّ رسالة من الأستاذ المهندس حسان سالم فيها صور لمسجد الروضة بحلب ،وقدم الي الاستاذ كمال صفا المخرج الفني للكتاب هذا مرجعا أو اكثر في الآثار الاسلامية.

  كل هذا كان غيضاً من فيض ولفيفاً من فريق كبير، فإن أبرز المشاركين في تجميع الصور وأكثرهم حرصاً ودأباً كان الاستاذ وليد الفاضل مدير المسجد الكبير في الكويت الذي شكل مع الاستاذين الكبيرين النشيطين: علي البداح وفهد البناي، لجنة خاصة لاستكمال النواقص من الصور مهما كلف ذلك من ثمن وجهد، ولم يرض إلا أن تكون تلك الصور في أجمل وضع وأبهى منظر، فكان ـ  إضافة الى وضع جميع صور المسجد الكبير تحت تصرفي لاختيار ماأريد  منها ـ  قد كلف مصورين خاصين بأجر لالتقاط صور رائعة للجامع الأزهر ومسجدي عمرو بن العاص وأحمد بن طولون ، وأضاف مع أخويه الكريمين في اللجنة الخاصة بالصور فأوعز الى مصور يقوم بتصوير الجامع المنصوري بطرابلس، وكلف من يتصل بواشنطن للحصول على صور خاصة لمسجدها ...رغم أن هذه المهمات كلفت كثيرا من المال مالي به من طاقة، وكثيرا من الجهد والصبر ماكنت بمفردي قادراً على بذله،  فإن أفلام صور بعض المساجد كلف أحيانا مئة دينار كويتي، أي ما يعادل 300 دولار أمريكيا للمسجد الواحد، لأقوم بانتقاء ستة أو سبعة  صور منها، ولم يبخل الاستاذ علي البداح بكل مالديه  من مراجع ومجلات وصور عن كثير من المساجد  والآثار الاسلامية ...لقد استغرقت رحلة الحصول على هذه الصور واختيارها قرابة العام الكامل...فألف ألف شكر للجميع بلا استثناء .

 ومع كل هذا الجهد والحرص بقيت بعض المساجد  ـ كمسجد الامام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله ـ قليلة الصور من جهة وقديمة من جهة أخرى، كما ان هناك بعض الصور اضطررنا لوضعها كما هي إما غير ملونة أو غير نقية تماما كما نريد ... وفي صدر القراء الواسع ، وأريحيتهم النبيلة نجد لنا ملجأ وملاذاً.

 

عبد الله نجيب سالم


 [@1]