البذور وإنباتها

 

البذرة هي بويضة مخصبة تكونت من مبيض زهرة نبات ، وهي أساس التكاثر في النباتات الراقية وتبدأ منها حياة جيل جديد . ويمكن تعريف البذرة على أنها نبات جنيني صغير في حالة السكون ، وتتكون البذرة من الجنين الذي يحاط بغلاف يسمى القصرة ، ومن كمية من الغذاء المدخر إما أن يكون مختزن في بعض أجزاء الجنين ، أو منفصلاً عنه في نسيج خاص يسمى الإندوسبيرم ، وتوصف البذرة في الحالة الأولى بأنها لا إندوسبيرمية ، وفي الحالة الثانية بأنها إندوسبيرمية ، وفي البذرة اللاإندوسبيرمية يتم أختزان المواد الغذائية غالباً في الفلقات التي تبدو ممتلئة ضخمة متشحمة.

        أما الجنين فيتركب من نفس الأعضاء الأساسية التي يتركب منها النبات البالغ، وهي الجذر والساق ولأوراق ، ولكن في صورة مصغرة غاية التصغير ، فيسمى الجذر الجنيني بالجذير ، والساق الجنينية بالريشة ، والأوراق الجنينية فلقات ويختلف عدد الفلقات في النباتات مغطاة البذور فهي واحدة في ذوات الفلقة الواحدة مثال ذلك : القمح ، الذرة ، الشعير ، النخيل ، البلح .

        وإثنتان في ذوات الفلقتين مثال ذلك : الفول ، العدس ، الفاصوليا ، الخروع ، القطن .... الخ.

 

الشروط اللازمة للإنبات :

لا تستطيع البذور الإنبات إلا إذا توافرت لها شروط معينة أهمها :

1- وفرة المياه :

        الماء ضروري للحياة ، قال الله تعالى ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) . فبدون الماء لا تحدث التغيرات المختلفة التي تصاحب عملية الإنبات والدليل على ذلك أنه إذا تركت البذرة جافة فإنها  لا تنبت ، أما إذا بللت التربة بالماء فإن الإنبات يحدث سريعاً إذا توافرت بقية الشروط .

2- حيوية الجنين:

        يجب أن يكون الجنين حياً كي تنبت البذرة ، فالبذرة المتعفنة أو تلك التي تتلفها الحشرات كالسوس لتأكل أجنتها لا تستطيع الإنبات ، وكذلك البذور التي إحترقت أجنتها بالتأكسد البطيء لطول إختزانها ، كتلك التي وجدت في قبور الفراعنة إذا أخذت وتوافرت لها جميع شروط الإنبات فإنها لا تنبت .

3- وفرة الأكسجين :

        الأكسجين ضروري لتنفس البذور أثناء عملية الإنبات ، إذ أن الجنين كائن حي يتنفس كما في الكائنات الحية ، وإذا طرد الهواء من التربة وحل محله الماء وتركت التربة مشبعة بالماء ، فلن تنبت البذور لنقص الهواء داخل التربة .

 

4- درجة حرارة ملائمة :

        لكل نوع من أنواع النبات درجة حرارة مناسبة لإنبات بذوره : فنباتات المناطق الباردة مثلاً تنبت في درجات حرارة منخفضة ، أما نباتات المناطق الحارة فلا تنبت إلا في درجات الحرارة العالية . ولكل نوع من الأنواع النباتية حدان من درجات الحرارة لا تستطيع البذور الإنبات إلا بينهما ، ويختلف هذان الحدان باختلاف الأنواع النباتية وقد أثبتت الدراسات العملية على كثير من البذور أن زيادة درجات الحرارة إلى أكثر من 40 5 م له تأثير ضار بالمادة الحية ( البروتوبلازم ) ، مما يؤدي إلى إقلال نشاطها ثم تتجمد وتموت البذور ويتوقف الإنبات .

5- فترة السكون :

        تحتاج بعض البذور إلى قضاء فترة سكون أو سبات بعد نضج الثمرة، قبل عملية الإنبات ، هذه الفترة قد تطول أو تقصر وذلك حسب النوع النباتي  ، على أن البذور إذا تركت دون إستنبات فترة طويلة قد يتعرض أجنتها لفقدان حيويتها ولا تصلح للإنبات كما أن هناك بعض الشروط الخاصة تقتصر على بعض النباتات دون البعض الأخر ، مثال ذلك : يتعين وجود نسبة من الأحماض أو القلويات المخففة لكي تنبت البذور التي قد لا تستطيع الإنبات في الماء الصافي ، وتستخدم هذه الطريقة في البذور ذوات القصرات الصلبة والتي يراد تليينها قبل إنباتها ، كذلك في حالات أخرى يلزم تعريض البذرة فترة من الزمن لدرجة حرارة مرتفعة أو منخفضة قبل إستعمالها ، وقد لوحظ في بعض النباتات أنه إذا تعرضت بذورها لدرجة حرارة منخفضة قبل زراعتها يؤدي إلى تقصير دورة الحياة ومن ثم زيادة إنتاجها ، وتعرف هذه الظاهرة بالإرتباع ، كما أن هناك بذور تحتاج للتعرض للضوء قبل الإنبات ، وأنواع أخرى تصاب بضرر لدى تعرضها للضوء.

 

التغيرات التي تحدث للبذور أثناء الإنبات :

تطرأ على البذرة عند إنباتها ثلاثة أنواع من التغيرات هي :

1- تغيرات فيزيائية ( طبيعية ) :

وهي تحدث في كل البذور عند نقعها في الماء أو عند وضعها في تربة رطبة وتشمل امتصاص البذرة للماء ، انتفاخها ، زيادة حجمها ، وما يلي ذلك من زوال التجعدات بالقصرة حتى تصبح ملساء ثم تمزقها بعد ذلك نتيجة ازدياد الضغط عليها من الداخل .

2- تغيرات كيميائية :

        ويقصد بها تحول المواد الغذائية المختزنة من صورة غير ذائبة إلى صورة ذائبة ليمتصها الجنين ، فيتغذى وينمو ويكبر ، ويحدث هذا التحول الغذائي بواسطة مواد خاصة تسمى إنزيمات تقوم بتكوينها المادة الحية في أنسجة الفلقات أو غيرها من أجزاء البذرة الحية ، تلك الأجزاء تنشط نشاطاً ملحوظاً بعد إمتصاصها للماء . وأهم المواد الغذائية هي النشاء الذي يحتاج إلى أنزيم الدياستيز ليتحول إلى سكر أحادي ( جلوكوز ) ، والمواد البروتينية تحتاج إلى أنزيم البروتييز لكي تتحول إلى أحماض أمينية ، أما الدهون والزيوت فتحتاج إلى أنزيم الليبيز لكي يتم تحويلها إلى صورة بسيطة على شكل جليسيرين وأحماض دهنية ويوجد النشاء في الحبوب كالقمح والشعير والذرة ، والبروتين في بذور الفول والترمس والفاصوليا أما الزيوت فتوجد في بذور السمسم والخروع والقطن .

3- تغيرات أحيائية :

        وهي تعتبر أهم أنواع التغيرات جميعاً وهي تعقب النوعان الآخران ، تنشط فيها الخلايا الإنشائية التي يتكون منها الجنين ، فتنقسم ، ثم تزداد الخلايا الناتجة في الحجم ، ونتيجة لهذا النمو يضرب الجذير في باطن الأرض وتخترق الريشة سطح الأرض لتنمو فوقه وبذلك تتحول البذرة إلى ما يعرف بالبادرة ، وتكبر البادرة وتكون أوراق خضراء وتتحول تدريجياً إلى النبات الكامل الذي يعتمد على نفسه في بناء غذائه .

 

أولاً: دراسة بعض الأمثلة لإنبات بذور ذوات الفلقتين :

        لتوضيح طرق الإنبات وأطواره في نباتات ذوات الفلقتين ، سندرس على سبيل المثال خطوات إنبات بذرتي الفول والفاصولياء .

1- بذرة الفول :

        بذرة الفول مستطيلة قليلاً ومفلطحة ، لها وجهان عريضان وجانبان ضيقان وهي بذرة لاإندوسبيرمية ، وتتكون البذرة من جنين تحيط به قصرة جلدية لونها بني ، وبأحد طرفيها ندبة سوداء مستطيلة تعرف بالسرة ، تحدد موضع اتصال البذرة بجدار الثمرة عن طريق الحبل السري ، ويوجد على أحد الجانبين الضيقين بقرب السرة انتفاخ مثلث الشكل يحدد موضع الجذير تحت السرة ويسمى بالجيب الجذيري .

        وإذا نقعت البذرة الجافة في الماء وقتاً كافياً ، إمتصته وانتفخت ، فزاد حجمها وأصبحت قصرتها طرية ملساء يسهل نزعها . وإذا ضغطنا على البذرة المنقوعة لوحظ خروج الماء من ثقب ضيق جداً في قمة جيب الجذير، ويعرف بالنقير ، وهو يقع بين قمة الجذير وطرف السرة ولا يرى بالعين المجردة وإنما يستدل عليه بخروج الماء منه في البذرة المنقوعة .

        وإذا نزعت القصرة عن البذرة المنقوعة إنكشف الجنين ، وظهرت الفلقتان لحميتين مليئتين بالمواد الغذائية ، معظمها من المواد النشوية والبروتينية وبينها تختبىء الريشة بينما يبقى الجذير ظاهراً خارجها.

        وباستمرار انتفاخ البذرة المنقوعة تتمزق القصرة ، ويبدأ التمزق عادة فوق الجذير عند النقير وسبب ذلك أن الجذير هو أكثر أعضاء الجنين امتصاصاً للماء لقربه من النقير ، وبتمزق القصرة يبرز الجذير إلى الخارج وينمو في التربة بسرعة متجهاً إلى الأسفل بتأثير الجاذبية الأرضية ، ثم يستطيل عنقاً الفلقتين وينفرجان قليلاً فتتحرر الريشة من مكمنها بينهما وتبدأ في الإستطالة والخروج من البذرة وتكون الريشة في البادرة الصغيرة مقوسة بحيث تنحني قمتها النامية إلى أسفل وذلك لكي لا تتعرض للتمزق بسبب الإحتكاك بالتربة أثناء إختراقها لها . ويستمر نمو الريشة حتى تبلغ سطح الأرض وعندئذ تبدأ ساقها في الإعتدال ويختفي التقوس بالتدريج ، ولا يلبث أن تعطى أوراقاً خضراء وتتحول من بادرة إلى مجموع خضري مكون من ساق وأوراق وبراعم .

        وتعرف الورقتان اللتان تكونهما البادرة في أول تكشفهما بالورقتان الأوليتان وهما يختلفان عن بقية الأوراق التي تتكون بعد ذلك من حيث الحجم والتركيب .

        وكما لاحظنا فهذا النوع من الإنبات تظل الفلقتان تحت سطح الأرض ولذلك يسمى هذا النوع من الإنبات بالإنبات الأرضي ، وتسمى المسافة بين الفلقتين والجذير بالسويقة تحت الفلقة ، وهي قصيرة في الفول وهي جميع حالات الإنبات الأرضي ، أما الجزء الواقع بين الفلقتين والورقة الأولية السفلى فيعرف بالسويقة فوق فلقية ، ويفيد الغذاء المختزن في الفلقتين تدريجياً في تغذية الجنين أثناء الإنبات ، وأخيراً تضمر وتذبل عندما يصبح الجذر قادراً على الامتصاص والأوراق قادرة على التمثيل .

2- بذرة الفاصولياء :

        بيضاء كلوية الشكل ،مغطاة بقصرة جلدية ، لها وجهان عريضان ، وجانبان ضيقان وفي وسط احدهما توجد السرة ، وعند أحد طرفي السرة يوجد إنتفاخ صغير مثلث الشكل يدل على موضع الجذير ، وفي رأس هذا المثلث يوجد النقير .

        إذا نقعت بذرة الفاصوليا الجافة في الماء ، إمتصته وانتفخت وزاد حجمها وأصبحت لينة ملساء وزال ما بها من تجعدات ، وإذا نزعت القصرة عن البذرة المنقوعة وجد الجنين وحده بداخلها . مما يدل على أن البذرة ( لااندوسبيرمية ) . ويتكون الجنين هنا كما في الفول من فلقتين متشحمتين لإختزانهما المواد الغذائية ، ومن ريشة صغيرة مختبئة بين الفلقتين ، وجذير رفيع مدبب الطرف خارجهما .

        وإذا استنبتت البذرة تمزقت القصرة بالقرب من الجذير نتيجة لإنتفاخ الجنين وضغطه عليها ، يستطيل الجذير ويمتد في التربة إلى الأسفل وفي نفس الوقت تنمو السويقة تحت الفلقية سريعاً إلى الأعلى حاملة معها الفلقتين والريشة ، وتكون تلك السويقة في بادئ الأمر منحنية إلى الأسفل لتحمي الريشة من الإحتكاك المباشر بحبيبات التربة ، ثم لا تلبث الفلقتان أن تظهرا فوق سطح الأرض ، وينفرجا وتستقيم السويقة فتتعرض الريشة للضوء والهواء ، وتضمر الفلقتان شيأً فشيأً ثم يسقطا بعد أن يستنفذ ما بهما من غذاء مدخر أثناء الأطوار الأولى للإنبات وفي نفس الوقت تخضر الريشة وتكبر وتتميز فيها الساق والأوراق الخضراء وتتحول من بادرة إلى مجموع خضري ، كما يتفرع الجذير تحت سطح الأرض ويتحول إلى مجموع جذري ويطلق على إنبات الفاصوليا إنبات هوائي لأن الفلقتين تظهران فوق سطح التربة .