قائمة الروابط

http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة 

 

 اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى

 

الكتاب : اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى
المؤلف : ابن رجب الحنبلي
مصدر الكتاب : موقع الوراق
http://www.alwarraq.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى

ابن رجب الحنبلي

(/)


بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
خرّج الإمام أحمد رحمه الله من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: احتُبِس عنا رسول الله ( ذات غداة في صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج رسول الله( سريعاً فثوّب بالصلاة وصلى وتجوّز في صلاته، فلما سلم قال: " كما أنتم على مصافكم " . ثم أقبل إلينا فقال: " إن سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة، فقال: يا محمد! فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟. قلت: لا أدري رب. قال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟. قلت: لا أدري رب. قال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟. قلت: لا أدري رب. فرأيته وضع كفّه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله في صدري، وتجلّى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟. قلت: في الكفّارات والدرجات. قال: وما الكفارات؟. قلت: نقل الأقدام إلى الجمعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء على الكريهات. فقال: وما الدرجات؟. قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سلْ. قلت: " اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر أي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفَّني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك " . وقال رسول الله(: " إنها حقّ، فادرسوها وتعلموها " .
وخرّجه الترمذي، وقال: " حديث حسن صحيح " ، قال: وسألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا، فقال: " هذا حديث حسن صحيح " .
قلت: وفي إسناده اختلاف، وله طرق متعددة، وفي بعضها زيادة وفي بعضها نقصان، وقد ذكرت عامة أسانيده وبعض ألفاظه المختلفة في كتاب شرح الترمذي.
وفي بعض ألفاظه عند الإمام أحمد والترمذي أيضاً: " المشي على الأقدام إلى الجماعات " بدل " الجمعات " ، وفيه أيضاً عندهما بعد ذكر الكفارات زيادة: " ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه " ، وفيه أيضاً عندهما: " والدرجات: إفشاء السلام... " بدل " لين الكلام " .
وفي بعض رواياته: " ...فعلمت ما في السماء والأرض " . ثم تلى: (وكذلك نُري إبراهيمَ ملكوتَ السموات والأرضِ وليمونَ من المُوقِنينَ). وفي رواية أخرى: " ...فتجلّى له ما بين السماء والأرض " ، وفي رواية: " ...ما بين المشرق والمغرب " .
وفي بعضها زيادة في الدعاء، وهي: " ...وتتوب عليّ " ، وفي بعضها: " إسباغ الوضوء في السبرات " ، وفي بعضها: " وقال: يا محمد! إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات... " فذكره.
والمقصود هنا: شرح الحديث وما يستنبط منه من المعارف والأحكام وغير ذلك.
ففي الحديث دلالة على أن النبي( لم يكن من عادته تأخير صلاة الصبح إلى قريب طلوع الشمس، وإنما كانت عادته التغليس بها، وكان أحياناً يسفر بها عند انتشار الضوء على وجه الأرض، وأما تأخيرها إلى قريب طلوع الشمس فلم يكن من عادته، ولهذا اعتذر عنهم في هذا الحديث.
وقد قيل: إن تأخيرها إلى هذا الإسفار الفاحش لا يجوز لغير عذر، وأنه وقت ضرورة كتأخير العصر إلى بعد اصفرار الشمس، وهو قول القاضي من أصحابنا في بعض كتبه، وقد أومأ إليه الإمام أحمد، وقال: " هذه صلاة مفرِّط، إنما الإسفار أن ينتشر الضوء على الأرض " .
وفي الحديث: دلالة على أن من أخر الصلاة إلى آخر الوقت لعذر أو غيره وخاف خروج الوقت في الصلاة إن طوّلها أن يخففها حتى يدركها كلها في الوقت.
وأما قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما طوّل في صلاة الفجر و قرأ بالبقرة فقيل له: كادت الشمس أن تطلع! فقال: " لو طلعت لم تجدنا غافلين " . فإن أبا بكر رضي الله عنه لم يعتمد التأخير إلى طلوع الشمس ولا أن يمدها ويطيلها حتى تطلع الشمس لأنه دخل فيها يغلس، وأطال القراءة وربما كان قد استغرق في تلاوته فلو طلعت الشمس حينئذ لم يضره لأنه لم يكن متعمداً لذلك. وهذا يرى على أنه كان يرى صحة الصلاة لمن طلعت عليه الشمس وهو في صلاته كما أمر النبي ( من طلعت عليه الشمس وقد صلى ركعة من الفجر أن يضيف إليها أخرى.

(1/1)


وفي حديث معاذ: دليل على أن من رأى رؤيا تسره فإنه يقصها على أصحابه وإخوانه المحبين له، ولا سيما إن تضمنت رؤياه بشارة لهم، وتعليماً لما ينفعهم، وقد كان النبي ( إذا صلى الفجر يقول لأصحابه: " من رأى منكم الليلة رؤيا؟ " .
وفيه أيضاً: أن من استثقل نومه في تهجده بالليل حتى رأى رؤيا تسره فإن في ذلك بشرى له، وفي مراسيل الحسن: " إذا نام العبد وهو ساجد باهى الله به الملائكة، يقول: (يا ملائكتي انظروا إلى عبدي: جسده في طاعتي وروحه عندي).
وفيه دلالة على شرف النبي (وتفضيله بتعليمه ما في السموات والأرض، وتجلى ذلك له مما تختصم فيه الملائكة في السماء وغير ذلك، كما أري إبراهيم ملكوت السموات ولأرض وقد ورد في غير حديث مرفوعاً وموقوفاً أنه (أُعطي علم كل شيء خلا مفاتيح الغيب الخمس التي اختص الله عز وجل بعلمها، وهي المذكورة في قوله عز وجل: (إن الله عندَه علمُ الساعَةِ ويُنزِّلُ الغيثَ ويعلمُ ما في الأرحامِ وما تدري نفسٌ ماذا تكسبُ غداً وما تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموتُ إن الله عليمٌ خبيرٌ).
وأما وصف النبي ( لربه عز وجل بما وصفه به فكل ما وصف النبي ( به ربه عز وجل فهو حق وصدق يجب الإيمان والتصديق به كما وصف الله عز وجل به نفسه مع نهي التمثيل عنه، ومن أشكل عليه فهم شيء من ذلك واستبه عليه فليقل كما مدح الله تعالى به الراسخين في العلم وأخبر عنهم أنه يقولون عند المتشابه: (آمنّا به كُلٌّ من عند ربِّنا) وكما قال النبي ( في القرآن: " وما جهلتهم منه فكلوه إلى عالمه " . خرجه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما، ولا يتكلف ما لا علم له فإنه يُخشى عليه من ذلك الهلكة.
سمع ابن عباس يوماً من يروي عن النبي( شيئاً من هذه الأحاديث فانتفض رجل استنكاراً لذلك، فقال ابن عباس: " ما فرق هؤلاء؟! يجدون رقةً عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه! " خرجه عبد الرزاق في كتابه عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباسرضي الله عنهما.
فكلما سمع المؤمنون شيئاً من هذا الكلام قالوا: هذا ما أخبرنا الله ورسوله (وصدقَ الله ورسولُه وما زادَهُم إلاّ إيماناً وتسليماً).
وفيه دلالة على أن الملأ الأعلى وهم الملائكة أو المقربون منهم يختصمون فيما بينهم، ويتراجعون القول في الأعمال التي تقرّب بني آدم إلى الله عز وجل وتكفّر بها عنهم خطاياهم، وقد أخبر الله عنهم بأنهم يستغفرون للذين آمنوا ويدعون لهم.
وفي الحديث الصحيح: " إن الله إذا أحب عبداً نادى: " يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه " ، فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه. فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض " .
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: " إذا مات ابن آدم قال الناس: ما خلّف؟. وقالت الملائكة: ما قدّم؟ " .
فالملائكة يسألون عن أعمال بني آدم ولهم اعتناء بذلك واهتمام به.
وبقي الكلام على المقصود من الحديث، وهو: ذكر الكفارات والدرجات والدعوات، ونعقد لكل واحدة منها فصلاً منفرداً.

(1/2)


الفصل الأول في ذكر الكفّارات
وهي إسباغ الوضوء في الكريهات، ونقل الأقدام إلى الجُمُعات أو الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات. وسميت هذه كفارات لأنها تكفر الخطايا والسيئات، ولذلك جاء في بعض الروايات: " من فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه " . وهذه الخصال المذكورة الأغلب عليها تكفير السيئات، ويحصل بها أيضاً رفع الدرجات كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ( قال: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟! " . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: " إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط " .
وقد روي في هذا المعنى عن النبي ( من وجوه متعددة. فهذه ثلاثة أسباب تكفر بها الذنوب، أحدها: الوضوء، وقد دلّ القرآن على تكفيره الذنوب في قوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا إذا قُمْتُم إلى الصلاةِ فاغسِلوا وُجوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ وامسحوا برؤوسِكُمْ وأرجُلَكُمْ إلى الكعبين) إلى قوله: (ما يُريدُ الله ليجعلَ عليكم من حَرَجٍ ولكن يُريدُ ليُطَهِّرَكم وليُتِمَّ نعمتَهُ عليكُم) فقوله تعالى: (ليُطَهِّركُم) يشمل طهارة ظاهر البدن بالماء، وطهارة الباطن من الذنوب والخطايا، وإتمام النعمة إنما يحصل بمغفرة الذنوب والخطايا وتكفيرها، كما قال تعالى لنبيه(: (ليغفرَ لك الله ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر ويُتِمَّ نعمتَه عليك)، وقد استنبط هذا المعنى محمد بن كعب القرظي، ويشهد له الحديث الذي خرجه الترمذي وغيره عن معاذ أن النبي ( سمع رجلاً يدعو، يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة. فقال له: " أتدري ما تمام النعمة؟ " . قال:دعوةٌ دعوت بها، أرجو بها الخير. فقال النبي(: " إن تمام النعمة: النجاة من النار، ودخول الجنة " . فلا تتم نعمة الله على عبده إلا بتكفير سيئاته.

وقد تكاثرت النصوص عن النبي ( بتكفير الخطايا بالوضوء كما في صحيح مسلم عن عثمان رضي الله عنه أنه توضأ ثم قال: رأيت رسول الله ( توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: " من توضأ هكذا غُفر له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة " .
وفيه أيضاً عن النبي ( قال: " من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره " .
وفيه أيضاً عن أبي هريرة عن النبي ( قال: " إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يديه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب " . وفيه أيضاً عن عمرو بن عنبسة عن النبي ( قال: " ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرّت خطاياه وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل وفرّغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه " .
وفي الموطأ ومسند الإمام أحمد وسنن النسائي وابن ماجة عن الصُّنابحيّ عن النبي ( قال: " إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له.
وفي المسند عن أبي أمامة عن النبي ( قال: " ما من مسلم يتوضأ فيغسل يديه ويمضمض فاه ويتوضأ كما أمر إلا حطّ الله عنه ما أصاب يومئذ: ما نطق به فمه، وما مس بيده، وما مشى إليه، حتى إن الخطايا تحاذر من أطرافه، ثم هو إذا مشى إلى المسجد فرجل تكتب حسنة، وأخرى تمحو سيئة " .
وفيه أيضاً عن النبي ( قال: " أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفيه، نزلت خطيئته من كفيه مع أول قطرة، فإذا مضمض واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرة، فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من سمعه وبصره مع أول قطرة، فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلم من كل ذنب هو له، وكان من لك خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه، فإذا قام إلى الصلاة رفع الله بها درجته، وإن قعد قعد سالماً " .
وفي المعنى أحاديث أخر، وفيما ذكرناه كفاية ولله الحمد والمنة. وقد وردت النصوص أيضاً بحصول الثواب على الوضوء، وهذا زيادة على تكفير السيئات به:

(1/3)


ففي صحيح مسلم عن عمر رضي الله عنه عن النبي ( قال: " من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله " ، فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء " .
وفيه أيضاً: عن أبي هريرة عن النبي (: " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " .
وفيه أيضاً: عن أبي هريرة عن النبي ( قال: " أنتم الغرّ المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء " .
وخرجه البخاري، ولفظه: " إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجّلين من آثار الوضوء " .
واعلم أن حديث معاذ بن جبل في المنام إنما فيه ذكر إسباغ الوضوء على الكريهات، وكذا في حديث أبي هريرة المبدوء بذكره في هذا الفصل، فها هنا أمران: أحدهما: إسباغ الوضوء، وهو إتمامه وإبلاغه مواضعه الشرعية كالثوب السابغ المُغطي للبدن كله، وفي مسند الزّار عن عثمان مرفوعاً: " من توضأ فأسبغ الوضوء غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " . وإسناده لا بأس به، وأخرجه ابن عاصم من وجهٍ آخر عن عثمان.
وخرج النسائي وابن ماجة من حديث أبي مالك الأشعري عن النبي ( قال: " إسباغ الوضوء شطر الإيمان " ، وخرجه مسلم، ولفظه: " الطهور شطر الإيمان " .
وثانيهما: أن يكون إسباغه على الكريهات، والمراد أن يكون على حالةٍ تكره النفس فيها الوضوء، وقد فسر بحال نزول المصائب فإن النفس حينئذ تطلب الجزع فالاشتغال عنه بالصبر والمبادرة إلى الوضوء والصلاة من علامة الإيمان كما قال عز وجل: (استعينوا بالصبر والصلاة وإنَّها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين) وقال تعالى (يا أيُّها الذين آمنوا استعينوا بالصبرِ والصلاةِ إن الله مع الصابرين)، والوضوء مفتاح الصلاة، وقد يطفأ به حرارة القلب الناشئة عن ألم المصائب، كما يؤمر من غضب بإطفاء غضبه بالوضوء.
وفسرت الكريهات بالبرد الشديد، ويشهد له أن في بعض روايات حديث معاذ: " ...إسباغ الوضوء على السبرات " ، والسبرة: شدة البرد، ولا ريب أن إسباغ الوضوء في شدة البرد يشق على النفس وتتألم به، وكل ما يؤلم النفس ويشق عليها فإنه كفارة للذنوب وإن لم يكن للإنسان فيه صنع ولا تسبب كالمرض ونحوه كما دلت النصوص الكثيرة على ذلك.
وأما إن كان ناشئاً عن فعل هو طاعة لله فإنه يكتب لصاحبه به أجر، وترفع به درجاته كالألم الحاصل للمجاهد في سبيل الله تعالى، قال الله عز وجل: (ذلك بأنَّهم لا يُصيبُهُم ظَمأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سبيل الله ولا يَطئُون مَوطِئاً يَغيظُ الكُفّارَ ولا يَنالون من عدوٍّ نَيلاً إلا كُتِبَ لهم به عملٌ صالحٌ إنَّ الله لا يُضِيعُ أجرَ المحسنين)، وكذلك ألم الجوع والعطش الذي يحصل للصائم، فكذا التألم بإسباغ الوضوء في البرد. ويجب الصبر على الألم بذلك، فإن حصل به رضىً فذلك مقام خواص العارفين المحبين، وينشأ الرضى بذلك عن ملاحظة أمور: أحدها: تذكر فضل الوضوء من حطّه الخطايا، ورفعه للدرجات وحصول الغرّة والتحجيل به، وبلوغ الحلية في الجنة إلى حيث يبلغ، وهذا كما انكسر ظفر بعض الصالحات من عثرةٍ عثرتها فضحكت وقالت: أنساني حلاوة ثوابه مرارة وجعه. وقال بعض العارفين: من لم يعرف ثواب الأعمال ثقلت عليه في جميع الأحوال.
الثاني: تذكر ما أعده الله عز وجل لمن عصاه بالبرد والزمهرير، فإن شدة برد الدنيا يذكر بزمهرير جهنم، وفي الحديث الصحيح: " إن أشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم " ، فملاحظة هذا الألم الموعود يهوّن الإحساس بألم برد الماء كما روي عن زُبيد اليامي أنه قام ليلة للتهجد، وكان البرد شديداً، فلما أدخل يده في الإناء وجد شدة برده فذكر زمهرير جهنم فلم يشعر ببرد الماء بعد ذلك، وبقيت يده في الماء حتى أصبح، فقالت له جاريته: مالك لم تصل الليلة كما كنت تصلي؟!. فقال: إن لما وجدت شدة برد الماء ذكرت زمهرير جهنم فما شعرت به حتى أصبحت، فلا تخبري بهذا أحداً ما دمت حياً.
الثالث: ملاحظة جلال من أمر بالوضوء، ومطالعة عظمته وكبريائه، وتذكر التهيؤ للقيام بين يديه ومناجاته في الصلاة فذلك يهون كل ألم ينال العبد في طلب مرضاته من برد الماء وغيره، وربما لم يشعر بالماء بالكلية كما قال بعض العارفين: بالمعرفة هانت على العاملين العبادة.

(1/4)


قال سعيد بن عامر: بلغني إن إبراهيم الخليل ( كان إذا توضأ سُمع لعظامه قعقعة. وكان علي بن الحسين إذا توضأ اصفرّ، فيقال له: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟!. فيقول أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم له؟.
وكان منصور بن زاذان إذا فرغ من وضوئه يبكي حتى يرتفع صوته، فقيل له: ما شأنك؟! فقال: وأي شيء أعظم من شأني، إني أريد أن أقوم بين يدي من لا تأخذه سنة ولا نوم، فلعله يرضى عني. وكان عطاء السليمي إذا فرغ من وضوئه ارتعد وانتفض وبكى بكاءً شديداً، فقيل له في ذلك، فقال: إني أريد أن أتقدم إلى أمر عظيم: إني أريد أن أقوم بين يدي الله عز وجل.
الرابع: استحضار اطلاع الله عز وجل على عبده في حال العمل له، وتحمل المشاق لأجله، فمن تيقنّ أن البلاء بعين من يحبه هان عليه الألم كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله عز وجل لنبيه (: (واصبر لحُكمِ ربِّكَ فإنَّكَ بأعْيُنِنا)، وقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: (لا تخافآ إنَّني مَعَكُمآ أسمعُ وأرى)، وقال (: " اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك " . قال أبو سليمان: قرأت في بعض الكتب: يقول الله عز وجل: " بعيني ما تحمل المتحملون من أجلي وكابد المتكبدون في طلب مرضاتي، فكيف بهم وقد صاروا في جواري، وتبحبحوا في رياض خُلدي؟ فهنالك فليبشر المصفُّون لله أعمالهم بالمنظر العجيب من الحبيب القريب، أترون أني أضيع لهم عملاً؟ فكيف وأنا أجود على المولين عني، فكيف بالمُقبلين عليّ؟! " .
فإسباغ الوضوء في البرد لا سيما في الليل يطلع الله عليه، ويرضى به، ويباهي به الملائكة، فاستحضار ذلك يهون ألم برد الماء، وفي المسند وصحيح ابن حبان عن عقبة بن عامر عن النبي ( قال: " رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطهور وعليه عُقد فيتوضأ، فإذا وضّأ يديه انحلت عقدة، وإذا وضأ وجهه انحلّت عقدة، وإذا مسح برأسه انحلّت عقدة، وإذا وضّأ رجليه انحلّت عُقدة، فيقول الرب عز وجل للذي وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه يسألني، ما سألني عبدي هذا فهو له... " وذكر بقية الحديث.
وروى عطية عن أبي سعيد عن النبي (: " إن الله يضحك إلى ثلاثة نفر: رجل قام من جوف الليل فأحسن الطهور... " وذكر الحديث. وكان بعض السلف له ورد بالليل ففتر عنه، فهتف به هاتف: بعين الله في الليل لما يصنع خُدّامه، إذا قاموا وحثّتهم على الخدمة أحكامه.
الخامس: الاستغراق من أمر بمحبة هذه الطاعة، وأنه يرضى بها ويحبها كما قال تعالى (إنَّ الله يُحِبُّ التَّوابينَ و يُحِبُّ المُتطهِّرينَ)، فمن امتلأ قلبه من محبة الله عز وجل أحب ما يحبه وإن شق على النفس وتألمت به، كما يقال: المحبة تهوّن الأثقال. وقال بعض السلف في مرضه: أحبه إليّ أَحبه إليه؟ وكما قيل: " فما الجرح إذا أرضاكم ألم " وكما قيل أيضاً:
في حُبِّكم يهونُ ما قدْ ألقى ... يسعدُ بالنعيمِ منْ لا يشقى
من خدم من يحب تلذذ بشقائه في خدمته. وقال بعضهم: القلب المحب لله يحب النصب له. وقال عبد الصمد: أوجد لهم في عذابه عذوبةً.
إسباغ الوضوء على المكاره من علامات المحبين كما في كتاب الزهد للإمام أحمد عن عطاء بن يسار قال: " قال موسى عليه السلام: يارب! من أهلك الذين هم أهلك، الذين تُظلهم في ظلّ عرشك!. قال: هم البرية أيديهم، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون بجلالي، الذين إذا ذُكرت ذُكروا بي، وإذا ذكروا ذكرت بذكرهم، الذين يسبغون الوضوء في المكاره، وينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى أوكارها، ويكْلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حُرِب " .
وقد يخرق الله العادة لبعض المحبين له فلا يجد ألم برد الماء، كما كان بعض السلف قد دعا الله أن يهون عليه الطهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء وله بخار، وربما سُلب بعض الإحساس في الحر والبرد مطلقاً، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهب الله عنه الحر والبرد، فكان يلبس في الصيف لباس الشتاء، وفي الشتاء لباس الصيف، وقال النبي ( فيه: " إنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله " .

(1/5)


ورأى أبو سليمان الداراني في طريق الحج في شدة برد الشتاء شيخاً عليه أخلاق رثّةً وهو يرشح عرقاً، فسأله عن حاله، فقال: إنما الحر والبرد خلقان لله عز وجل، فإن أمرهما أن يغشيان أصاباني، وإن أمرهما أن يتركاني تركاني. وقال: أنا في هذه البرية منذ ثلاثين سنة يُلبسُني في البرد فيحاً من محبته، ويلبسني في الصيف برداً من محبته. وقيل لآخر وعليه خرقتان في برد شديد: لو استترت في موضع يُكِّنُك من البرد!... فأنشد:
ويُحسنُ ظني أنني في فنائِه ... وهل أحدٌ في كُنِّه يجِدُ البردا؟.

" السبب الثاني من مُكفِّرات الذنوب " : المشي على الأقدام إلى الجماعات وإلى الجمعات، ولا سيما إن توضأ الرجل في بيته ثم خرج إلى المسجد لا يريد بخروجه إلا الصلاة فيه كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ( قال: " صلاة الرجل في الجماعة تَضْعُف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسةً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخطُ خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاّه: " اللهم صلي عليه، اللهم ارحمه " ، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة " .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ( قال: " من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه: إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة " .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ( قال: " كل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة " .
وفي المسند وصحيح ابن حبان عن عقبة بن عامر عن النبي ( قال: " إذا تطهر الرجل ثم أتى المسجد يرعى الصلاة كتب له كاتباه بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات " .
وفيهما أيضاً عن عبد الله بن عمرو عن النبي ( قال: " مَن راح إلى مسجد جماعة فخطوتاه: خطوة تمحو سيئة، وخطوة تكتب حسنة ذاهباً وراجعاً " .
وفي سنن أبي داود عن أبي أمامة عن النبي( قال: " من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاجّ المحرم " .
وفيه أيضاً عن رجل من الأنصار عن النبي ( قال: " من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة، لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له بها حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حطَّ الله عنه بها خطيئة، فليقرب أو ليبعد، فإن أتى المسجد فصلى في جماعة غُفر له " .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً.
فالمشي إلى الجمعات له مزيد فضل، لا سيما إن كان بعد الاغتسال، كما في السنن عن أبي أوس عن النبي ( قال: " من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة أجر سنة: صيامها وقيامها " .
وكلما بعد المكان الذي يمشي منه إلى المسجد كان المشي منه أفضل لكثرة الخطا، وفي صحيح مسلم عن جابر قال: كانت دارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقرب من المسجد، فنهانا رسول الله ( وقال: " إن لكم بكل خطوة حسنة " .
وفي صحيح البخاري عن أنس أن النبي ( قال: " يا بني سلمة! ألا تحسبون آثاركم؟! " . وفي الصحيحين عن أبي موسى أن النبي( قال: " إن أعظم الناس أجراً في الصلاة: أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم " .
ومع هذا فنفس الدار القريبة من المسجد أفضل من الدار البعيدة عنه، لكن المشي من الدار البعيدة أفضل، ففي المسند عن حذيفة عن النبي ( قال: " فضل الدار القريبة من المسجد على الدار البعيدة الشاسعة كفضل الغازي على القاعد " وإسناده منقطع.
والمشي إلى المسجد أفضل من الركوب كما تقدم في حديث أوس في الجُمع، ولهذا جاء في حديث معاذ ذكر المشي على الأقدام، وكان النبي ( لا يخرج إلى الصلاة إلا ماشياً حتى العيد يخرج إلى المصلى ماشياً، فإن الآتي للمسجد زائر لله، والزيارة على الأقدام أقرب إلى الخضوع والتذلل كما قيل:
لو جئتكم زائراً أسعى على بصري ... لم أَدِّ حقاً وأيُّ الحقِّ أدَّيتُ؟!
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ( قال: " من غدا إلى المسجد أو راح أعدَّ الله له منزلاً في الجنة كلما غدا أو راح " . والنُّزُل: هو ما يُعدُّ للزائر عند قدومه. وفي الطبراني من حديث سلمان مرفوعاً: " من توضأ في بيته فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد فهو زائر الله تعالى، وحق على المزور أن يكرم الزائر " .

(1/6)


وفي صحيح مسلم عن أبي بن كعب قال: كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة في المسجد، قال: فقيل له أو قلت له: لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء وفي الرمضاء. فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يُكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي. فقال رسول الله (: " قد جمع الله لك ذلك كله " .
وكلما شق المشي إلى المسجد كان أفضل، ولهذا فُضل المشي إلى صلاة العشاء وصلاة الصبح، وعُدل بقيام الليل كله كما في صحيح مسلم عن عثمان عن النبي ( قال: " من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله " .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ( قال: " أثقل صلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حبواً " . وإنما ثقلت هاتان الصلاتان على المنافقين لأن المنافق لا ينشط للصلاة إلا إذا رآه الناس كما قال تعالى: (وإذا قامُوآ إلى الصلاةِ قاموا كُسالى يُرآءون الناسَ ولا يذكُرُونَ الله إلا قليلاً) وصلاة العشاء والصبح يقعان في ظلمةٍ، فلا ينشط للمشي إليهما إلا كل مخلص يكتفي برؤية الله عز وجل وحده لعلمه به.
وثواب المشي إلى الصلاة في الظُّلَم: النور التام في ظلم يوم القيامة كما في سنن أبي داود والترمذي عن بُريدة عن النبي ( قال: " بَشِّر المشَّائينَ في الظُّلَم إلى المساجدِ بالنُّورِ التّام يومَ القيامة " وخرجه ابن ماجه من حديث سهل بن سعد، وقد رُوي من وجه كثيرة.
وفي بعضها زيادة: " يفزع الناس ولا يفزعون " . قال النخعي: وكانوا يرون أن المشي في الليلة الظلماء إلى الصلاة موجبة. يعني توجب المغفرة. وروينا عن الحسن قال: أهل التوحيد في النار لا يُقيدون، فيقول الخزنة بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء لا يقيدون وهؤلاء يقيدون؟! فيناديهم منادٍ: إن هؤلاء كانوا يمشون في ظلم الليل إلى المساجد.
كما أن مواضع السجود عن عصاة الموحدين في النار لا تأكلها النار، فكذلك الأقدام التي تمشي إلى المساجد في الظلم لا تقيد في النار، ولا يسوي في العذاب بين من خدمه وبين من لم يخدمه وإن عذبه:
ومَنْ كانَ في سُخطه محسناً ... فكيف يكونُ إذا ما رضي؟!
لما كانت الصلاة صلة بين العبد وربه، ومناجاة تظهر فيها آثار تجليه لقلوب العارفين وقربه، شرع قبل الدخول فيها الطهارة، فإنه لا يصلح للوقوف بين يدي الله عز وجل والخلوة بمناجاته إلا طاهر، فأما المتلوث بالأوساخ الظاهرة والباطنة فلا يصلح للقرب، فشرع الله عز وجل للمصلي غسل أعضائه بالماء، ورتب عليها طهارة الذنوب وتكفيرها، حتى يجتمع لمن يريد المناجاة طهارة ظاهره وباطنه، ثم شرع المشي إلى المساجد، وفيه أيضاً تكفير الخطايا حتى تكمل طهارة الذنوب إن بقي منها شيء بعد الوضوء، حتى لا يقف العبد في مقام المناجاة إلا بعد كمال طهارة ظاهره وباطنه من درن الأوساخ والذنوب، ولهذا شرع له تجديد التوبة والاستغفار عقيب كل وضوء حتى تكمل طهارة ذنوبه كما خرج النسائي من حديث أبي سعيد مرفوعاً وموقوفاً: " من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم قال عند فراغه من وضوئه: " سبحانك اللهم وبحمدك، استغفرك وأتوب إليك " خُتم عليها بخاتم، فوُضعت تحت العرش فلم يكسر إلى يوم القيامة " .
ومتى اجتهد العبد على تكميل طهارته ومشيه إلى المسجد ولم يقوَ ذلك على تكفير ذنوبه فإن الصلاة يكمل بها التكفير، كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ( قال: " أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ " . قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: " فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا " . وإن قوي الوضوء وحده على تكفير الخطايا فالمشي إلى المسجد والصلاة بعده تكون زيادة حسنات، وهذا هو المراد من قول النبي ( في حديث عثمان والصُّنابحي: " ...وكان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة " ، وقد سبق ذكر الحديثين.
واعلم أن جمهور العلماء على أن هذه الأسباب كلها إنما تكفر الصغائر دون الكبائر، وقد استدل بذلك عطاء وغيره من السلف في الوضوء، وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: الوضوء يكفر الجراحات الصغار، والمشي إلى المسجد يكفر أكثر من ذلك، والصلاة تكفر أكثر من ذلك. خرجه محمد بن نصر المروزي.

(1/7)


ويُدلّ على أن الكبائر لا تكفر بذلك ما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ( قال: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتُنِبَت الكبائر " .
وفي صحيح مسلم عن عثمان عن النبي ( قال: " ما من امرئٍ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها وسجودها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله " .
فانظر إلى كم تُيَسر لك أسباب تكفير الخطايا لعلك تطهر منها قبل الموت فتلقاه طاهراً، فتصلح لمجاورته في دار السلام، وأنت تأبى إلا أن تموت على خبث الذنوب فتحتاج إلى تطهيرها في كير جهنم. يا هذا! أما علمت أنه لا يصلح لقربنا إلا طاهر؟! فإن أردت قربنا ومناجاتنا اليوم فطهر ظاهرك وباطنك لتصلح لذلك، وإن أردت قربنا ومناجاتنا غداً فطهر قلبك من سوانا لتصلح لمجاورتنا (يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بَنُونَ " إلا مَنْ أتى الله بقلبٍ سليمٍ)، القلب السليم الذي ليس فيه غير محبة الله، ومحبة يحبه الله، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، فما كل أحد يصلح لمجاورة الله تعالى غداً، ولا كل أحد يصلح لمناجاة الله اليوم، ولا على كل الحالات تحسن المناجاة:
الناسُ من الهوى على أصنافِ ... هذا نقضَ العهدَ وهذا وافي
هيهاتَ مِنَ الكدورِ تبغي الصافي ... ما يصلِحُ للحضرةِ قلبٌ جافي

" السبب الثالث من مكفرات الذنوب " : الجلوس في المساجد بعد الصلوات، والمراد بهذا الجلوس انتظار صلاة أخرى كما في حديث أبي هريرة: " ... وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط " . فجعل هذا من الرباط في سبيل الله عز وجل، وهذا أفضل من الجلوس قبل الصلاة لانتظارها، فإن الجالس لانتظار الصلاة ليؤديها ثم يذهب تقصر مدة انتظاره، بخلاف من صلى صلاة ثم جلس ينتظر أخرى فإن مدته تطول، فإن كان كلما صلى صلاة جلس ينتظر ما بعدها استغرق عمره بالطاعة، وكان ذلك بمنزلة الرباط في سبيل الله عز وجل.
وفي المسند وسنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال: صليت مع رسول الله ( المغرب، فرجع من رجع، وعقب من عقب، فجاء رسول الله ( مسرعاً قد حَفَزه النفَس، وقد حسر عن ركبته فقال: " أبشروا! هذا ربكم قد فتح عليكم باباً من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى " .
وفي المسند عن أبي هريرة عن النبي ( قال: " منتظر الصلاة بعد الصلاة كفارس اشتد به فرسه في سبيل الله على كَشْحِهِ، تُصلي عليه ملائكة الله ما لم يحدث أو يقوم، وهو في الرباط الأكبر " .
ويدخل في قوله: " والجلوس في المساجد بعد الصلوات " : الجلوس للذكر والقراءة وسماع العلم وتعليمه ونحو ذلك، لا سيما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، فإن النصوص قد وردت بفضل ذلك، وهو شبيهٌ بمن جلس ينتظر صلاة أخرى، لأنه قد قضى ما جاء المسجد لأجله من الصلاة وجلس ينتظر طاعة أخرى.
وفي الصحيح عن النبي ( قال: " وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده " .
وأما الجالس قبل الصلاة في المسجد لانتظار تلك الصلاة خاصةً فهو في صلاة حتى يصلي، وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ( أنه لما أخّر صلاة العشاء الآخرة ثم خرج فصلى بهم: قال لهم: " إنكم لم تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة " .
وفيهما أيضاً عن أبي هريرة عن النبي ( قال: " الملائكة تصلي عل أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. ولا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة " . وفي رواية لمسلم: " ما لم يؤذِ فيه، ما لم يحدث فيه " .
وهذا يدل على أن المراد بالحدث: حدث اللسان ونحوه، وفسره أبو هريرة بحدث الفرج، وقيل إنه يشمل الحدثين.
وفي المسند عن عقبة بن عامر عن النبي ( قال: " القاعد يرعى الصلاة كالقانت، ويُكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع إليه " . وفي رواية له: " فإذا صلى في المسجد ثم قعد فيه كان كالصائم القانت حتى يرجع " . وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة.

(1/8)


وبالجملة فالجلوس في المسجد للطاعات له فضل عظيم، وفي حديث أبي هريرة عن النبي ( قال: " لا يوطن رجل المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله عز وجل كما يتبشبش أهل الغائب إذا قدم عليهم غائبهم " .
وروى دراج عن أبي الهيثم عن أبي سع عن النبي ( قال: " من ألف المسجد ألفه الله " . وقال سعيد بن المسيب: من جلس في المسجد فإنما يجالس الله عز وجل وصحّ عن النبي ( أنه عدّ من السبعة الذين يظلهم الله في ظلّه يوم لا ظل إلا ظله: " رجل قلبه معلّق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود " .
وإنما كان ملازمة المسجد مكفراً للذنوب لأن فيه مجاهدة للنفس، وكفّاً لها عن أهوائها فإنها لا تميل إلا إلى الإنتشار في الأرض لابتغاء الكسب أو لمجالسة الناس ومحادثتهم أو للتنزه في الدور الأنيقة والمساكن الحسنة ومواطن النّزه ونحو ذلك، فمن حبس نفسه في المساجد على الطاعة فهو مرابط لها في سبيل الله، مخالف لهواها وذلك من أفضل أنواع الصبر والجهاد.
وهذا الجنس أعني ما يؤلم النفس ويخالف هواها فيه كفارة للذنوب وإن كان لا صنع فيه للعبد كالمرض ونحوه، فكيف بما كان حاصلاً عن فعل العبد واختياره إذا قصد به التقرب إلى الله عز وجل ؟! فإن هذا من نوع الجهاد في سبيل الله الذي يقتضي تكفير الذنوب كلها.
ولهذا المعنى كان المشي إلى المساجد كفارة للذنوب أيضاً، وهو نوع من الجهاد في سبيل الله أيضاً، كما خرجه الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي (: " الغدوّ والرواح إلى المساجد من الجهاد في سبيل الله عز وجل " .
كان زياد مولى ابن عباس أحد العباد الصالحين، وكان يلازم مسجد المدينة، فسمعوه يوماً يعاتب نفسه ويقول لها: " أين تريدين أن تذهبي؟! إلى أحسن من هذا المسجد!! تريدين أن تبصري دار فلان ودار فلان! " .
لما كانت المساجد في الأرض بيوت الله أضافها الله إلى نفسه تشريفاً لها، وتعلقت قلوب المحبين لله عز وجل بها، لنسبتها إلى محبوبهم، وانقطعت إلى ملازمتها لإظهار ذكره فيها (في بُيُوتٍ أذِنَ الله أنْ تُرفَع ويُذْكَرَ فيها اسمُهُ يُسبِّحُ لهُ فيها بالغُدُوِّ والأَصَالِ " رجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكرِ الله وإقامِ الصلاة وإيتآءِ الزكاة يخافونَ يوماً تتقلّبُ فيه القلوبُ والأبْصارُ).
أين يذهب المحبون عن بيوت مولاهم؟! قلوب المحبين ببيوت محبوبهم متعلّقة، وأقدام العابدين إلى بيوت معبودهم مترددة:
يا حبّذا العرعرُ النجدي والبان ... ودارُ قومٍ بأكناف الحِمى بانوا
وأطيبُ الأرضٍ ما للقلبِ فيه هوى ... سَمُّ الخَياط مع المحبوبِ ميدانُ
لا يُذكرُ الرَّملُ إلا حَنَّ مُغتربٌ ... له بذي الرمل أوطارٌ وأوطانُ
يهفو إلى البان من قلبي نوازعُه ... وما بيَ البانُ بل مَن دارهُ البانُ

(1/9)


الفصل الثاني في ذكر الدرجات المذكورة في حديث معاذ
وهي ثلاث، أحدها: إطعام الطعام، وقد جعله الله في كتابه من الأسباب الموجبة للجنة ونعيمها، قال الله عز وجل: (ويُطعِمون الطعامَ على حبِّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً " إنَّما نُطْعِمُكُم لوجهِ الله لا نُريدُ منكم جزآءً ولا شُكوراً " إنّا نخافُ من ربِّنا يوماً عبوساً قَمطريراً " فوقاهُمُ الله شرَّ ذلك اليومِ ولقّاهُمْ نَضْرةً وسُروراً " وجزاهُم بما صَبروا جنَّةً وحريراً " مُتَّكِئينَ فيها على الأرآئكِ لا يرونَ فيها شمساً ولا زَمْهريراً " ودانيةً عليهم ظِلالُها وذُلِّلتْ قُطُوفُها تذليلاً " ويُطافُ عليهم بآنيةٍ من فِضَّةٍ وأكوابٍ كانت قواريراً " قواريراً من فِضَّةٍ قدَّروهَا تقديراً " ويُسقَون فيها كأساً كان مِزاجُها زنجبيلاً " عيناً فيها تُسمَّى سَلْسَبِيلاً " ) إلى قوله (وسقاهم ربُّهم شراباً طَهُوراً). فوصف فاكهتهم وشرابهم جزاءً لإطعامهم الطعام، وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ( قال: " أيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمناً على ظمأٍ سقاه الله من الرحيق المختوم " .
وفي المسند والترمذي عن علي عن النبي ( قال: " إن في الجنة غرفاً يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها " . قالوا: لمن هي يا رسول الله؟. قال: " لمن أطعم الطعام، وأطاب الكلام، وصلى بالليل والناس نيام " .
وفي حديث عبد الله بن سلام الذي خرجه أهل السنن أنه سمع النبي ( أول قدومه المدينة يقول: " أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام " .
وفي حديث عبادة عن النبي ( أنه سئل: أي الأعمال أفضل؟. قال: " إيمان بالله وجهاد في سبيله وحج مبرور، وأهون من ذلك: إطعام الطعام، ولين الكلام " . خرّجه الإمام أحمد. وفي حديث هانئ بن يزيد أن رجلاً قال: يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟. قال: " تطعم الطعام، وتُفشي السلام " . وفي حديث حذيفة عن النبي ( قال: " من خُتم له بإطعام مسكين دخل الجنة " .
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو أن رجلاً قال: يا رسول الله! أي الإسلام خير؟. قال: " تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " . وفي حديث صُهيب عن النبي ( قال: " خيركم من أطعم الطعام " .
فإطعام الطعام يوجب دخول الجنة، ويُباعد من النار ويُنجي منها كما قال تعالى: (فلا اقْتَحَمَ العَقَبةَ " ومآ أدْراك ما العقبةُ " فَكُّ رقَبةٍ " أو إطعامٌ في يومٍ ذي مسْغَبةٍ " يتيماً ذا مقربةٍ " أو مِسكيناً ذا مَتربةٍ " ). وفي هذا الحديث الصحيح عن النبي (: " اتقوا النار ولو بشق تمرة " .
وكان أبو موسى الأشعري يقول لولده: " اذكروا صاحب الرغيف " . ثم ذكر أن رجلاً من بني إسرائيل عبدَ الله سبعين سنة، ثم إن الشيطان حسَّن في عينيه امرأة فأقام معها سبعة أيامٍ، ثم خرج هارباً فأقام مع مساكين فتُصُدِّق عليه برغيف كان بعض أولئك المساكين يريده، فآثره به ثم مات، فوِزن عبادته بالسبعة الأيام التي مع المرأة فرجحت الأيام السبعة بعبادته، ثوم وُزن الرغيف بالسبعة الأيام فرجح بها.
ويتأكد إطعام الطعام للجائع وللجيران خصوصاً، وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري عن النبي ( قال: " أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفُكّوا العاني " . وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي ( قال له: " يا أبا ذر! إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعهد جيرانك " . وفي المسند وصحيح الحاكم عن عمر عن النبي ( قال: " أيما أهل عرضه أصبح فيهم امرؤٌ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله عز وجل " . وقال (: " لا يشبع المؤمن دون جاره " . وفي صحيح الحاكم عن ابن عباس عن النبي ( قال: " ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع " . وفي رواية: " ما آمن من بات شبعاناً، وجاره طاوياً " .
فأفضل أنواع إطعام الطعام: الإيثار مع الحاجة كما وصفه الله تعالى بذلك الأنصار رضي الله عنهم فقال: (ويُؤثِرونَ على أَنْفُسِهم ولو كانَ بهمْ خَصَاصَةٌ)، وقد صح أن سبب نزولها أن رجلاً منهم أخذ ضيفاً من عند النبي ( يُضيفه، فلم يجد عنده إلا قوت صبيانه، فاحتال هو وامرأته حتى نوّما صبيانهما، وقام إلى السراج كأنه يصلحه فأطفأه، ثم جلس مع الضيف يريه أنه يأكل معه ولم يأكل، فلما غدا على رسول الله( قال له: " عجب الله من صنيعكما الليلة " . ونزلت الآية.
وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم ويُصبح صائماً، منهم: عبد الله بن عمررضي الله عنهما وداود الطائي، وعبد العزيز بن سليمان، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل وغيرهم. وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه فلم يفطر في تلك الليلة.
ومنهم من كان لا يأكل إلا مع ضيف له، قال أبو السوار العدوي: كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس، وأكل الناس معه.
وكان منهم من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم، ويجلس يخدمهم ويروحهم منهم الحسن وابن المبارك، وكان ابن المبارك ربما يشتهي الشيء فلا يصنعه إلا لضيف ينزل به فيأكله مع ضيفه، وكان كثير منهم يفضل إطعام الإخوان على الصدقة على المساكين، وقد روي في هذا المعنى مرفوعاً من حديث أنس بإسناد ضعيف، ولا سيما إن كان الإخوان لا يجدون مثل ذلك الطعام. كان بعضهم يعمل الأطعمة الفاخرة ثم يطعمها إخوانه الفقراء، ويقول: إنهم لا يجدونها. وبعضهم يصنع له طعاماً ولا يأكل، ويقول: إني لا أشتهيه، وإنما صنعته لأجلكم. وبعضهم اتخذ حلاوة فأطعمها المعتوه، فقال له أهله: إن هذا لا يدري!. فقال: لكن الله يدري.

(1/10)


واشتهى الربيع بن خيثم حلواء، فلما صنعت له دعا بالفقراء فأكلوا، فقال له أهله: أتعبتنا ولم تأكل!. غفال: ومن أكله غيري!. وقال آخر منهم وجرى له نحو من ذلك: إذا أكلته كان في الحش، وإذا أطعمته كان عند الله مذخوراً. وروي عن علي قال: لأن أجمع أناساً من إخواني على صاع من طعام، أحب إليّ من أن أدخل سوقكم هذا فأبتاع نسمةً فأعتقها. وعن أبي جعفر محمد بن علي قال: لأن أدعو عشرة من أصحابي فأطعمهم طعاماً يشتهونه أحب إلي من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل.
أأصف الإيثار لمن يبخل بأداء الحقوق الواجبة عليه؟! أأطلب الشجاعة من الجبان، وأستشهد على رؤية الهلال من هو من جملة العميان؟! كم بين من قيل فيه: (فلمآ آتاهم من فضلِه بَخِلوا به) وبين من قيل فيه: (ويُؤثرون على أنفسِهم ولو كان بهم خَصاصَةٌ).؟! بيننا وبين القوم كما بين لبيقظة والنوم:
لا تَعْرِضَنَّ لذكرنا في ذكرهم ... ليس الصحيحُ إذا مشى كالمقعد
فيا من يطمع في علو الدرجات من غير عمل صالح هيهات هيهات! (أَمْ حَسِبَ الذين اجْتَرحوا السيئاتِ أن نجعلَهم كالذين آمنوا وعَمِلوا الصالحاتِ):
نزلوا بمكة في قبائلَ نوفلِ ... ونزلتُ بالبيداء أبعدَ منزل

" الثاني من الدرجات " : لين الكلام، وفي رواية: " إفشاء السلام " . وهو داخل في لين الكلام، وقد قال الله عز وجل: (وقُولوا للناس حُسناً)، وقال تعالى: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسنُ)، وقال تعالى: (ادفع بالتي هي أحسنُ فإذا الذي بينَكَ وبَينَهُ عداوةٌ كأَنَّهُ وليٌّ حميم " وما يُلقّاها إلا الذين صبروا وما يُلقّاهآ إلا ذُو حظٍّ عظيمٍ)، وقال تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسنُ)، وقال تعالى: (ولا تُجادِلوآ أهلَ الكتابِ إلا بالتي هيَ أحسنُ إلا الذين ظلموا منهم)، ولما قال النبي (: " الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " قالوا له: وما الحج المبرور يا رسول الله؟ قال: " إطعام الطعام، ولين الكلام " . خرجه الإمام أحمد، وقد تقدم في ذكر إطعام الطعام أحاديث أخر في طيب الكلام، وفي حديث الصحيح عن النبي (: " والكلمة الطيبة صدقة " ، وفيه أيضاً: " اتقوا النار ولو بشقّ تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة " .
وأما إفشاء السلام فمن موجبات الجنة، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ( قال: " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم " . وخرّج أبو داود من حديث أبي أمامة عن النبي ( قال: " إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام " . ويروى من حديث ابن مسعود مرفوعاً وموقوفاً: " إذا مرّ الرجل بالقوم فسلّم عليهم فردّوا عليه كان له عليهم فضل درجة لأنه ذكرهم بالسلام، وإن لم يردوا عليه ردّ عليه ملأٌ خير منهم وأطيب " .
وقد روي من حديث عمران بن حصين وغيره أن رجلاً دخل على النبي ( فقال: السلام عليكم. فقال النبي(: " عشرٌ " ، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله. فقال رسول الله (: " عشرون " ، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال رسول الله (: " ثلاثون " . خرجه الترمذي وغيره، وخرجه أبو داود، وزاد: ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته. فقال النبي (: " أربعون " ثم قال: " هكذا تكون الفضائل " .
وقد سبق حديث: " أن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " وفي حديث ابن مسعود مرفوعاً: " من أشراط الساعة: السلام بالمعرفة " . خرجه الإمام أحمد.
وإنما جمع بين إطعام الطعام ولين الكلام ليكمل بذلك الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل، فلا يتم الإحسان بإطعام الطعام إلا بلين الكلام وإفشاء السلام، فإن أساء بالقول بطل الإحسان بالفعل من الإطعام وغيره كما قال تعالى: (يآ أيُّها الذين آمنوا لا تُبطِلوا صدقاتِكم بالمنِّ والأذى)، وربما كان معاملة الناس بالقول الحسن أحب إليهم من الإحسان بإعطاء المال كما قال لقمان لابنه: يا بنيّ! لتكن كلمتك طيبة، ووجهك منبسطاً، تكن أحب إلى الناس ممن يُعطيهم الذهب والفضة. وقد كان النبي ( يلين القول لمن يشهد له بالشر فينتفي بذلك شرّه، وكان ( لا يواجه أحداً بما يكره في وجهه ولم يكن ( فاحشاً ولا متفحشاً.
وروي عن ابن عمر أنه كان ينشد:
بنيَّ إنّ البرَّ شيءٌ هيِّنٌ ... :وجهٌ طليقٌ وكلامٌ ليِّنٌ

(1/11)


ولبعضهم:
خُذ العفو وأمر بعرف كما ... أُمِرتَ وأعرضْ عن الجاهلينْ
ولِنْ في الكلام لكلِّ الأنامِ ... فمُستحسَنُ من ذوي الجاهِ لينْ
وقد وصف الله عز وجل في كتابه أهل الجنة بمعاملة الخلق بالإحسان بالمال واحتمال الأذى، فقال تعالى: (وسارعوآ إلى مغفرةٍ من ربِّكم وجَنَّةٍ عرضُها السمواتُ والأرضُ أُعِدَّتْ للمتقين " الذين يُنفقون في السرَّآء والضرَّآء والكاظمين الغيظَ والعافين عن الناسِ والله يُحِبُّ المُحسنين) فالإنفاق في السراء والضراء يقتضي غاية الإحسان بالمال من الكثرة والقلة، وكظم الغيظ والعفو عن الناس يقتضي عدم المقابلة على السيئة من قول وفعل، وذلك يتضمن إلانة القول، واجتناب الفحش والإغلاظ في المقال ولو كان مباحاً، وهذا نهاية الإحسان، فلهذا قال تعالى: (والله يحبُّ المحسنين).
ومن هذا قول بعضهم وقد سُئل عن حسن الخلق، فقال: بذل الندى وكف الأذى. وهذا الوصف المذكور في القرآن أكمل من هذا، لأنه وصفهم ببذل الندى، واحتمال الأذى. وحسن الخلق يبلغ به العبد درجات المجتهدين في العبادة، كما قال النبي (: " إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم النهار، القائم الليل " . ورؤي بعض السلف في المنام فسئل عن بعض إخوانه الصالحين، فقال: وأين ذلك؟! رُفع في الجنة بحُسن خلقه.
ومما يُندب إلى إلانة القول فيه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون برفق كما قال تعالى في حق الكفار: (وجادِلهم بالتي هيَ أحسنُ)، قال بعض السلف: ما أغضبت أحداً فقبل منك. وكان أصحاب ابن مسعود إذا رأوا قوماً على ما يُكره يقولون لهم: مهلاً مهلاً بارك الله فيكم. ورأى بعض التابعين رجلاً واقفاً مع امرأة فقال لهما: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما. ودُعي الحسن إلى دعوة، فجيء بآنيةٍ فضةٍ فيها حلواء، فأخذ الحسن الحلواء فقلبها على رغيف وأكل منها، فقال بعض من حضر: هذا نهيٌ في سكون.
ورأى الفضيل رجلاً يعبث في صلاته فزبره، فقال له الرجل: يا هذا! ينبغي لمن يقوم لله أن يكون ذليلاً، فبكى الفضيل، وقال له: صدقت. قال شعيب بن حرب: ربما مر سفيان الثوري بقوم يلعبون الشطرنج، فيقول: ما يصنع هؤلاء؟ فيقال له: يا أبا عبد الله ينظرون في كتاب. فيُطأطيء رأسه ويمضي، وإنما يريد بذلك ليُعلم أنه قد أنكر. وقال سفيان: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى. وقال الإمام أحمد: الناس يحتاجون إلى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجلاً معلناً بالفسق فإنه لا حرمة له.
وكان كثير من السلف لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا سراً فيما بينه وبين من يأمره وينهاه. وقالت أم الدرداء: من وعظ أخاه سراً فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه.
وكذلك مقابلة الأذى بإلانة القول كما قال تعالى: (ادفعْ بالتي هيَ أحسنُ)، وقال تعالى: (ويدرَؤُن بالحسنةِ السيئةَ أولئك لهم عُقْبى الدارِ)، قال بعض السلف: هو الرجل يسبه الرجل فيقول له: إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك. قال رجل لسالم بن عبد الله وقد زحمت راحلتُه راحلتَه في سفر: ما أراك إلا رجل سوء. فقال له سالم: ما أراك أبعدت.
وقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مُرائي!. قال: متى عرفت اسمي؟! ما عرفه أحد من أهل البصرة غيرك. ومر بعضهم على صبيان يلعبون بجوز، فوطئ على بعض الجوز بغير اختياره فكسره، فقال له الصبي: يا شيخ النار! فجلس الشيخ يبكي ويقول: ما عرفني غيره. ومر بعضهم مع أصحابه في طريق فرموا عليهم رماداً، فقال الشيخ لأصحابه: من يستحق النار فصالحوه على الرماد؟! يعني فهو رابح.
ورأى جندب إبراهيم بن أدهم خارج البلد فسأله عن العمران، فأشار له إلى القبور، فضرب رأسه ومضى، فقيل له إنه إبراهيم بن أدهم! فرجع يعتذر إليه، فقال له إبراهيم: الرأي الذي يحتاج إلى اعتذارك تركته ببلخ. ومر به جندي آخر وهو ينظر بستاناً لقوم بأجرة، فسأله أن يناوله شيئاً فلم يفعل وقال: إن أصحابه لم يأذنوا لي في ذلك. فضرب رأسه، فجعل إبراهيم يطأطئ رأسه وهو يقول: اضرب رأساً طالما عصا الله.
من أجلك قد جعلتُ خدِّي أرضاً ... للشامت والحسود حتى ترضى

(1/12)


" الثالث من الدرجات " :الصلاة بالليل والناس نيام
فالصلاة بالليل من موجبات الجنة كما سبق ذكره في غير حديث، وقد دل عليه قول الله عز وجل: (إنَّ المتقين في جناتٍ وعُيونٍ " آخذين مآ آتاهم ربُّهم إنهم كانوا قبلَ ذلك مُحسنين " كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون " وبالأسحارِ هم يستغفرون " وفي أموالِهم حقٌ للسائلِ والمحرومِ)، فوصفهم بالتيقظ بالليل، والاستغفار بالأسحار، وبالإنفاق من أموالهم.
وكان بعض السلف نائماً فأتاه آتٍ في منامه فقال له: قم فصلِّ، أما علمت أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل، هم خزانها هم خزّانها.
وقيام الليل يوجب علوّ الدرجات في الجنة، قال الله تعالى لنبيه (: (ومن الليل فتهجَّدْ به نافلةً لك عسى أنْ يبعَثك ربُّك مقاماً محموداً)، فجعل جزاءه على التهجد بالقرآن بالليل أن يبعثه المقام المحمود، وهو أعلى درجاته (.
قال عون بن عبد الله: " إن الله يدخل الجنة أقواماً فيعطيهم حتى يملّوا، وفوقهم ناس في الدرجات العُلى، فلما نظروا إليهم عرفوهم، فقالوا: ربنا إخواننا كنا معهم، فبم فضلتهم علينا؟ فيقول: هيهات هيهات! إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمئون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويشخصون حين تخفضون " .
ويوجب أيضاً نعيم الجنة ما لم يطلع عليه العباد في الدنيا، قال الله عز وجل: (تَتَجافى جُنُوبُهُم عن المضاجع يدعون ربَّهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم يُنفقون " فلا تعلم نفسٌ مآ أُخفِيَ لهم من قُرَّة أَعْيُنٍ جزآءً بما كانوا يعملون). وفي الصحيح عن النبي ( قال: " يقول الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. اقرءوا إن شئتم: (فلا تعلمُ نفسٌ ما أُخفِي لهم من قُرَّةِ أعيُنٍ جزاءً بما كانوا يعملون) " . قال بعض السلف: أخفوا لله العمل فأخفى الله لهم الجزاء، فلو قدموا عليه لأقرّ تلك الأعين عنده.
ومما يجزي به المتهجدين في الليل: كثرة الأزواج من الحور العين في الجنة، فإن المتهجد قد ترك لذة النوم ولذة التمتع بأزواجه طلباً لما عند الله عز وجل، فعوضه الله تعالى خيراً مما تركه وهو الحور العين في الجنة، ومن هنا قال بعض السلف: طول التهجد مهور الحور العين في الجنة. وكان بعض السلف يحيي الليل بالصلاة ففتر عن ذلك، فأتاه آتٍ في منامه فقال له: قد كنت يا فلان تدأب في الخطبة، فما الذي قصر بك عن ذلك؟. قال: وما ذلك؟. قال: كنت تقوم من الليل، أوَ ما علمت أن المتهجد إذا قام إلى التهجد قالت الملائكة: قد قام الخاطب إلى خطبته؟! ورأى بعضهم في منامه امرأة لا تشبه نساء الدنيا فقال لها: من أنت؟ قالت: حوراء أمة الله. فقال لها: زوجيني نفسك. قالت: اخطبني إلى سيدي وامهرني. قال: وما مهرك؟ قالت: طول التهجد.
نام بعض المتهجدين ذات ليلة فرأى في منامه حوراء تنشد:
أتخطبُ مثلي وعنِّي تنام ... ونومُ المحبين عنَّا حرام
لأنّا خُلِقنا لكلِ امرئٍ ... كثير الصلاة براه الصيام
وكان لبعض السلف ورد من الليل فنام عنه ليلة، فرأى في منامه جارية كأن وجهها القمر ومعها رقٌ فيه كتاب، فقالت: أتقرأ؟.قال: نعم. فأعطته إياه ففتحه فإذا فيه مكتوب:
أألهتك لذةُ نَومةٍ عن خير عيشٍ ... مع الخيرات في غُرَفِ الجنان
تعيش مخلّداً لا موتَ فيه ... وتنعُمُ في الجنان مع الحِسان
تيَقّظ من منامك إن خيراً ... من النوم التهجُّدُ بالقرآن
فاستيقظ، قال: فوالله ما ذكرتها إلا ذهب عني النوم.
كان بعض الصالحين له ورد فنام عنه، فوقف عليه فتى في منامه فقال له بصوت محزون:
تيقّظ لساعاتٍ من الليل يا فتى ... لعلك تحظى في الجِنان بحورها
فتنعُمَ في دارٍ يدومُ نعيمُها ... محمدٌ فيها والخليلُ يزورها
فقمْ فتيقظْ ساعةً بعد ساعةٍ ... عساك تُوفِّي ما بقى من مهورها
كان بعض السلف الصالحين كثير التعبد، وبكى شوقاً إلى الله ستين سنة، فرأى في منامه كأنه على ضفة نهر يجري بالمسك، حافتاه شجر لؤلؤ ونبت من قضبان الذهب، فإذا بجوارٍ مزينات يقلن بصوتٍ واحد:

(1/13)


ذرانا إلهُ الناس ربُّ محمدٍ ... لقومٍ على الأقدام بالليل قُوَّمُ
يناجُون ربَّ العالمين إلهم ... وتسري همومُ القومِ والناسُ نُوَّمُ
فقال: بخ بخ لهؤلاء! من هم؟! لقد أقرّ الله أعينهم بكُن. فقلن: أوما تعرفهم؟! قال: لا. فقلن: بلا هؤلاء المتهجدون أصحاب القرآن والسهر.
وكان بعض الصالحين ربما نام في تهجده فتوقظه الحوراء في منامه فيستيقظ بإيقاظها، وروي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: ذهب بي النوم ذات ليلة في صلاتي، فإذا بها يعني: الحوراء تنبهني وتقول: يا أبا سليمان! أترقد وأنا أربي لك في الخدر منذ خمسمائة سنة؟!. وفي رواية عنه أنه نام ليلة في سجوده قال: فإذا بها ركضتني برجلها وقالت: حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم؟ بؤساً لعين آثرت لذة نومٍ على مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ، ولقي المحبون بعضهم بعضاً، فما هذا الرقاد يا حبيبي وقرة عيني؟ أترقد عيناك وأنا أربي لك في الخدور منذ خمسمائة عام؟ فوثب فزعاً من توبيخها له، قال: وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي.
وكان أبو سليمان يقول: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وقال يزيد الرقاشي لحبيب العجمي: ما أعلم شيئاً أقر لعيون العابدين في الدنيا من التهجد في ظلمة الليل، وما أعلم شيئاً من نعيم الجنان وسرورها ألذّ عند العابدين ولا أقرّ لعيونهم من النظر إلى ذي الكبرياء العظيم إذا رفعت تلك الحجب وتجلى لهم الكريم. فصاح حبيب عند ذلك وخرّ مغشياً عليه.
وكان السري يقول: رأيت الفوائد ترد في ظلام الليل. وقال أبو سليمان: إذا جن الليل وخلا كل جبيب بحبيبه، افترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم على خدودهم، أشرف الجليل جل جلاله فنادى؛ يا جبريل! بعيني من تلذذ بكلامي، واستروح إلى مناجاتي، ناد فيهم يا جبريل: ما هذا البكاء؟! عل رأيتم حبيباً يعذب أحباءه؟ أم كيف يجمُل بي أن أعذب قوماً إذا جنّهم الليل تملقوني؟ فبي حلفت إذا قدموا عليّ يوم القيامة لأكشفنّ لهم عن وجهي ينظرون إليّ وأنظر إليهم.
وسئل الحسن: لم كان المتهجدون أحسن الناس وجوهاً؟ قال: لإنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نوراً من نوره. رأت امرأة من الصالحات في منامها كأن حُللاً قد فُرقت على أهل مسجد محمد بن جُحادة، فلما انتهى الذي يفرقها إليه دعا بسفطٍ مختوم فأخرج منه حُلةً صفراء، قالت: فلم يقم لها بصري، فكساه إياها، وقال: هذه لك بطول السهر. قالت: فوالله لقد كنت أراهتعني: محمد بن جحادة بعد ذلك فأتخايلها عليه. تعني تلك الحلة.
قال كرز بن وبرة: بلغني أن كعباً قال: إن الملائكة ينظرون من السماء إلى الذين يتهجدون بالليل كما تنظرون أنتم إلى نجوم السماء.
يا نفسُ فازَ الصالحون بالتُّقى ... وأبصرُوا الحقَّ وقلبي قد عُمي
يا حسنهُم والليل قد جنَّهم ... ونورهم يفوقُ نورَ الأنجُمِ
ترنّموا بالذكر في ليلهم ... فعيشهم قد طاب بالترنُّمِ
قلوبهم للذكر قد تفرّغت ... دموعهم كلؤلؤٍ مُنظَّمِ
أسحارهم بهم لهم قد أشرقت ... وخِلعُ الغفران خيرُ القِسَمِ
في بعض الآثار يقول الله عز وجل كل ليلة: يا جبريل أقم فلاناً وأنم فلاناً. قام بعض الصالحين في ليلة باردة، وكان عليه خلقان رثّة فضربه البرد فبكى، فسمع هاتفاً يقول: أقمناك وأنمناهم، ثم تبكي!.
تنبّهوا يا أهلَ وادي المنحنى ... كم ذا الكرى، هبّ نسيمُ وجدي
كم بين خالٍ وجَوّ وساهرٍ ... وراقدٍ وكاتمٍ ومُبدي
قيل لابن مسعود: ما نستطيع قيام الليل. قال: أبعدتكم ذنوبكم.
وقيل للحسن: أعجزنا قيام الليل. قال: قيدتكم خطاياكم. إنما يؤهل الملوك للخلوة ومخاطبتهم من يخلص في ودادهم ومعاملتهم، فأما من كان من أهل مخالفتهم فلا يرضونه لذلك:
الليلُ لي ولأحبابي أُحادِثُهم ... قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويَعُوا
لهم قلوبٌ بإسرارٍ لها مُلئت ... على وِدادي وإرشادي لهم طُبِعوا
قد أثمرت شجراتُ الفهمِ عندَهم ... فما جَنوا إذ جَنَوا مما به ارتفعوا
سُرُّوا فما وهِنوا عجزاً وما ضَعُفُوا ... وواصَلُوا حبلَ تقريبي فما انقطعوا

(1/14)


الفصل الثالث في ذكر الدعوات المذكورة في هذا الحديث
وهي: " اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يبلغني حبك " . فقال النبي (: " تعلموهن وادرسوهن فإنهن حق " .
هذا دعاء عظيم من أجمع الأدعية وأكملها، فقوله (: " أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات " . يتضمن طلب كل خير وترك كل شر، فإن الخيرات تجمع كل ما يحبه الله تعالى ويقرب منه من الأعمال والأقوال من الواجبات والمستحبات، والمنكرات تشمل كل ما يكرهه الله تعالى ويباعد منه من الأقوال والأعمال، فمن حصل له هذا المطلوب حصل له خير الدنيا والآخرة، وقد كان النبي ( يستحب مثل هذه الأدعية الجامعة، قالت عائشة: كان النبي ( يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك. خرجه أبو داود.
وقوله: " حب المساكين " . هذا قد يقال أنه من جملة فعل الخيرات، وأفرده بالذكر لشرفه وقوة الاهتمام به، كما أفرد أيضاً ذكر حب الله تعالى وحب من يحبه وحب عمل يبلغه إلى حبه، وذلك أصل فعل الخيرات كلها، وقد يقال أنه طلب من الله عز وجل أن يرزقه أعمال الطاعات بالجوارح وترك المنكرات بالجوارح، وأن يرزقه ما يوجب له ذلك، وهو حبه وحب من يحبه وحب عمل يبلغه حبه، فهذه المحبة بالقلب موجبة لفعل الخيرات بالجوارح ولترك المنكرات بالجوارح، وسأل الله تعالى أن يرزقه المحبة فيه. فقد تضمن هذا الدعاء سؤال حب الله عز وجل وحب أحبابه وحب الأعمال التي تقرب من حبه والحب فيه، وذلك مقتض فعل الخيرات كلها. وتضمن ترك المنكرات والسلامة من الفتن، وذلك يتضمن اجتناب الشر كله، فجمع هذا الدعاء طلب خير الدنيا، وتضمن سؤال المغفرة والرحمة، وذلك يجمع خير الآخرة كله، فجمع هذا الدعاء خير الدنيا والآخرة.
والمقصود أن حب المساكين أصل الحب في الله تعالى، لأن المساكين ليس عندهم من الدنيا ما يوجب محبتهم لأجله، فلا يحبون إلا لله عز وجل و " الحب في الله من أوثق عرى الإيمان " ، و " من علامات ذوي حلاوة الإيمان " ، وهو " صريح الإيمان " ، وهو " أفضل الإيمان " ، وهذا كله مروي عن النبي ( أنه وصف به الحب في الله تعالى، وروي عن ابن عباس أنه قال: " به تنال ولاية الله، وبه يوجد طعم الإيمان " .
وحب المساكين قد وصى به النبي ( غير واحد من أصحابه، قال أبو ذر: أوصاني رسول الله ( أن أحب المساكين، وأن أدنو منهم. خرجه الإمام أحمد، وخرج الترمذي عن عائشة أن النبي ( قال لها: " يا عائشة! أحبي المساكين وقربيهم فإن الله يقربك يوم القيامة " .
ويروى أن داود عليه السلام كان يجالس المساكين، ويقول: يا رب مسكين بين مساكين. ولم يزل السلف الصالح يوصون بحبح المساكين، كتب سفيان الثوري إلى بعض إخوانه: " عليك بالفقراء والمساكين والدنو منهم، فإن رسول الله ( كان يسأل ربه حب المساكين " .
وحب المساكين مستلزم لإخلاص العمل لله تعالى، والإخلاص هو أساس الأعمال الذي لا تثبت الأعمال إلا عليه، فإن حب المساكين يقتضي إسداء النفع إليهم بما يمكن من منافع الدين والدنيا، فإذا حصل إسداء النفع إليهم حباً لهم والإحسان إليهم كان هذا العمل خالصاً، وقد دل القرآن على ذلك، قال عز وجل: (ويُطعِمون الطعام على حُبِّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً " إنما نُطعمكم لوجهِ الله لا نريدُ منكم جزآءً ولا شُكوراً) الإنسان: 8،9،وقال عز وجل: (ولا تطرُدِ الذين يدعون ربَّهم بالغَداةِ والعَشيِّ يُريدون وجهَهُ ما عليك من حِسابِهم من شيءٍ وما مِنْ حِسَابِك عليهم مِنْ شيءٍ مع الذين يدعون ربَّهم بالغداةِ والعَشي يريدون وجهَه ولا تعدُ عيناك عنهم تريدُ زينةَ الحياة الدنيا) الكهف: 28.
قال سعد بن أبي وقاص: نزلت هذه الآية في ستة: فيّ وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال، قالت قريش لرسول الله (: إنا لا نرضى أن نكون أتباعاً لهم فاطردهم عنك. فأنزل الله عز وجل: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) الآية.

(1/15)


وقال خباب بن الأرت في هذه الآية: جاء الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فوجدوا رسول الله ( مع صهيب وعمار وبلال وخباب قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ( حقروهم، فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: نعم. قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً. قال: فدعا بصحيفة، ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبريل عليه السلام فقال: (ولا تطرد الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعَشيِّ يُريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيءٍ وما من حسابك عليهم من شيءٍ فتطردَهم فتكون من الظالمين) ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة ابن حصين فقال: (وكذلك فتنَّا بعضهم ببعضٍ ليقولوآ أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا أليسَ الله بأعلَم بالشاكرين) النعام: 53 ثم قال: (وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فَقُلْ سلامٌ عليكم كتبَ ربُّكم على نفسه الرحمة) الأنعام: 54. قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبتيه، وكان رسول الله ( يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله عز وجل: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربَّهم بالغداةِ والعَشيِّ يُريدون وجهَه ولا تعدُ عيناك عنهم) ولا تجالس الأشراف، (ولا تُطِعْ مَنْ أغفلنا قلبَهُ عن ذِكرِنا) الكهف: 28 يعني: عيينة والأقرع. قال خباب: فكنا نقعد مع النبي ( فإذا بلغنا الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم. خرجه ابن ماجه وغيره.
وكان النبي ( يعود المرضى من مساكين أهل المدينة ويشيع جنائزهم، " وكان لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين حتى يقضي حاجتهما " ، وعلى هذا الهدي كان أصحابه من بعده والتابعون لهم بإحسان.
وروي عن أبي هريرة قال: كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين ويجلس إليهم، ويحدثهم ويحدثونه، وكان النبي ( يكنيه: أبا المساكين. وفي رواية: أنه كان يطعمهم، وربما أخرج لهم عكة فيها العسل فشقوها ولعقوها.
وكانت زينب بنت خزيمة أم المؤمنين تسمى أم المساكين لكثرة إحسانها إليهم، وقد توفيت في حياة النبي (. وقال ضرار بن مرة في وصف علي بن أبي طالب في أيام خلافته: كان يعظم أهل الدين، ويحب المساكين. ومر ابنه الحسن رضي الله عنهما على مساكين يأكلون، فدعوه فأجابهم وأكل معهم، وتلا: (إنَّه لا يُحبُّ المُستكبرين) النحل: 23 ثم دعاهم إلى منزله فأطعمهم وأكرمهم. وكان ابن عمر لا يأكل غالباً إلا مع المساكين، ويقول: لعل بعض هؤلاء أن يكون ملكاً يوم القيامة.
وجاء مسكين أعمى إلى ابن مسعود وقد ازدحم الناس عنده فناداه: يا أبا عبد الرحمن! آويت أرباب الخز واليمنية وأقصيتني لأجل أني مسكين. فقال له: أدنه. فلم يزل يدنيه حتى أجلسه بجانبه أو بقربه. وكان مطرف بن عبد الله يلبس الثياب الحسنة ثم يأتي المساكين ويجالسهم. وكان سفيان الثوري يعظم المساكين ويجفو أهل الدنيا، فكان الفقراء في مجلسه هم الأغنياء، والأغنياء هم الفقراء. وقال سليمان التيمي: كنا إذا طلبنا علية أصحابنا وجدناهم عند الفقراء والمساكين. وقال الفضيل: من أراد عز الآخرة فليكن مجلسه مع المساكين.
ومن فضائل المساكين أنهم أكثر أهل الجنة كما قال النبي (: " قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين " وقال (: " تحاجت الجنة والنار، فقالت الجنة: لا يدخلني إلا الضعفاء والمساكين " وسئل النبي ( عن أهل الجنة، فقال: " كل ضعيف متضعف " .
وهم أول الناس دخولاً كما صح عنه (: " أن الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة بأربعين عاماً " . وفي رواية: " أنهم يدخلون الجنة بنصف يوم، وهو خمسمائة سنة " .
وهم أول الناس إجازة على الصراط كما صح عنه ( أنه سئل: من أول الناس غجازة على الصراط؟ فقال: " فقراء المهاجرين " .
وهم أول الناس وروداً الحوض كما قال (: " أول الناس وروداً عليه: فقراء المهاجرين، الدنس الثياب والشعث رؤوساً، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد " .

(1/16)


وهم أتباع الرسل كما أخبر الله تعالى عن نوح عليه السلام أن قومه عيروه باتباع الضعفاء له فقالوا: (أنؤمنُ لك واتَّبعكَ الأرْذَلون) الشعراء: 111، وكذلك قال هرقل لأبي سفيان لما سأله النبي (: وهل يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاءهم. قال هرقل: هم اتباع الرسل.
وهم أفضل من الأغنياء عند كثير من العلماء أو أكثرهم، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة، منها قول النبي ( حين مر به الغني والمسكين في المسجد: " هذا يعني: المسكين خير من ملء الأرض من مثل هذا يعني: الغني " . وقد خرجه البخاري وغيره.
ومنهم من لو أقسم على الله لأبره كما في الصحيح عن النبي ( أنه قال في أهل الجنة: " كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره " . وفي رواية: " أشعث ذو طمرين " ، وفي رواية خرجها ابن ماجة: " أنهم ملوك الجنة " ، وفي الحديث المشهور: " رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره " خرجه الحاكم وغيره.
رُبَّ ذي طمرين نِضْوٍ ... يأمَنُ العَالَمُ شَرَّهُ
لا يُرى إلاّ غنياً ... وهو لا يملكُ ذَرَّهْ
ثم لو أقسمَ في شيءٍ ... على اللهِ أَبَرَّهْ
قال ابن مسعود: كونوا جدد القلوب، خلقان الثياب، سرج الليل، مصابيح الظلام، تعرفون في أهل السماء، وتخفون على أهل الأرض.
طوبى لعبدٍ بحبلِ الله مُعْتَصَمُه ... على صراطٍ سَويٍّ ثابتٍ قدمُه
رثّ اللباس جديدِ القلب مُستترٍ ... في الأرض مشتهرٍ فوقَ السما وَسْمُه
ما زال يستحقرُ الأُولَى بِهمَّته ... حتى ترقّى إلى الأخرى به هِمَمُه
فداك أعظمُ من التاج مُتّكئاً ... على النمارق مُحتفّاً به خَدَمُه
واعلم أن محبة المساكين لها فوائد كثيرة، منها: أنها توجب إخلاص العمل لله عز وجل، لأن الإحسان إليهم لمحبتهم لا يكون إلا لله عز وجل، لأن نفعهم لا يرجى غالباً. فأما من أحسن إليهم ليمدح بذلك فمل أحسن إليهم حباً لهم بل حباً لأهل الدنيا، وطلباً لمدحهم له بحب المساكين.
ومنها: أنها تزيل الكبر، فإن المستكبر لا يرضى مجالسة المساكين كما سبق عن رؤساء قريش والأعراب ومن حذا حذوهم من هذه الأمة ممن تشبه بهم، حتى إن بعض علماء السوء كان لا يشهد الصلاة في جماعة خشية أن تزاحمه المساكين في الصف.
ويمتنع بسبب هذا الكبر خير كثير جداً، فإن مجالسة الذكر والعلم يقع فيها كثيراً مجالسة المساكين، فإنهم أكثر هذه المجالس، فيمتنع المتكبر من هذه المجالس بتكبره، وربما كان المسموع منه الذكر والعلم من جملة المساكين، فيأنف أهل الكبر من التردد إلى مجلسه كذلك يفوتهم خير كثير. وقد أخبر الله تعالى عن المشركين أنهم قالوا: (لولا نُزِّلَ هذا القرآنُ على رجلٍ من القريتين عظيم) الزخرف: 31 يشيرون إلى عظماء مكة والطائف كعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة ونحوهما من صناديد قريش وثقيف ذوي الأموال والشرف فيهم ممن كان أكثر مالاً من محمد ( وأعظم رياسة عندهم، ورد عليهم سبحانه بأنه يقسم رحمته كما يشاء، وأنه كما رفع درجات بعضهم على بعض في الدنيا فكذلك يرفعها في الآخرة، وأن رحمته بالنبوة والعلم والإيمان خير مما يجمعونه من الأموال التي تفنى، فهو يخص بهذه الرحمة الدينية من يشاء ويرفعه على أهل النعم الدنيوية، وقد خص محمداً ( بما لم يشركه غيره من هذه النعم كما قال تعالى: (وأنزل الله عليك الكتابَ والحكمةَ وعلَّمكَ ما لم تكنْ تعلمُ وكانَ فضلُ الله عليك عظيماً) النساء: 113.
وقد كان علي بن الحسين يجلس في مجلس زيد بن أسلم فيعاتب على ذلك فيقول: إنما يجلس المرء حيث يكون له فيه نفع. أو كما قال: يشير إلى أنه ينتفع بسماع ما لم يسمعه من العلم والحكمة، وزيد بن أسلم أبوه مولى لعمر، وعلي بن الحسين سيد بني هاشم وشريفهم.

(1/17)


ولما اجتمع الزهري وأبو حازم الزاهد بالمدينة عند بعض بني أمية لما حجّ وسمع الزهري كلام أبي حازم وحكمته أعجبه ذلك، وقال: هو جاري منذ كذا وكذا، وما جالسته وما عرفت أن هذا عنده!. فقال له أبو حازم: أجل إني من المساكين، ولو كنت من الأغنياء لعرفتني فوبخه بذلك. وفي رواية عنه أنه قال له: لو أحببت الله أحببتني، ولكنك نسيت الله فنسيتني. يشير إلى أن من أحب الله تعالى أحب المساكين من أهل العلم والحكمة لأجل محبته لله تعالى، ومن غفل عن الله تعالى غفل عن أوليائه من المساكين فلم يرفع بهم رأساً، ولم ينتفع بما اختصهم الله عز وجل به من الحكمة والعلوم النافعة التي لا توجد عند غيرهم من أهل الدنيا.
وقد كان علماء السلف يأخذون العلم عن أهله والغالب عليهم المسكنة وعدم المال والرفعة في الدنيا، ويدعون أهل الرياسات والولايات فلا يأخذون عنهم ما عندهم من العلم بالكلية.
ومنها: أنه يوجب صلاح القلب وخشوعه، وفي المسند عن أبي هريرة أن رجلاً شكى إلى رسول الله ( قسوة قلبه، فقال له: " إن أحببت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم " .
ومنها: أن مجالسة المساكين توجب رضى من يجالسهم برزق الله عز وجل، وتعظم عنده نعمة الله عز وجل عليه بنظره في الدنيا إلى من دونه. ومجالسة الأغنياء توجي السخط بالرزق، ومد العين إلى زينتهم وما هم فيه، وقد نهى الله عز وجل نبيه ( عن ذلك فقال تعالى: (ولا تَمُدَّنَّ عينيك إلى ما متَّعنا به أزواجاً منهم زَهْرَةَ الحياةِ الدنيا لنفتِنَهم فيه ورزقُ ربِّك خيرٌ وأبقى) طه: 131، وقال النبي (: " انظروا إلى من دونكم ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم " . قال أبو ذر: أوصاني رسول الله ( أن أنظر إلى من دوني ولا أنظر إلى من فوقي، وأوصاني أن أحب المساكين وأن أدنو منهم.
وكان عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يجالس الأغنياء فلا يزال في غمّ، لأنه لا يزال يرى من هو أحسن منه لباساً ومركباً ومسكناً ومطعماً، فتركهم وجالس المساكين فاستراح من ذلك.
وقد روي عن النبي ( أنه نهى عائشة من مخالطة الأغنياء. وقال عمر: إياكم والدخول على أهل السعة فإنه مسخطة للرزق.
واعلم أن المسكين إذا أطلق يراد به غالباً من لا مال له يكفيه، فإن الحاجة توجب السكون والتواضع، بخلاف الغني فإنه يوجب الطغيان، ولهذا ذم الفقير المختال وعظم وعيده لأنه عصى بما ينافي فقره، وهو الاختيال والزهو والكبر.
ولما كان المسكين عند الإطلاق لا ينصرف إلا إلى من لا كفاية له من المال وصى الله تعالى بإيثار المساكين وإطعامهم الطعام، ومدح من يطعمهم، وذم من لا يحض على إطعامهم، وجعل لهم حقاً في أموال الصدقات والفئ وخمس الغنائم وحضور قسمة الأموال.
وهؤلاء المساكين على قسمين: أحدهما: من هو محتاج في الباطن وقد أظهر حاجته للناس، والثاني: من يكتم حاجته ويظهر للناس أنه غني فهذا أشرف القسمين، وقد مدح الله عز وجل هذا في قوله تعالى: (للفقرآءِ الذين أُحْصِروا في سبيلِ الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسَبُهم الجاهلُ أغنيآءَ من التَّعفُّفِ تعرفُهم بسيماهم لا يسألون الناسَ إلحافاً) البقرة: 273، وقال النبي (: " ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين من لا يجد ما يغنيه، ولا يُفطن له فيُتصدق عليه " . وقال بعضهم: هذا المحروم المذكور في قوله عز وجل: (للسآئلِ والمحرومِ) الذاريات: 19، فأخبر النبي ( أن من كتم حاجته فلم يفطن له أحق باسم المسكين من الذي أظهر حاجته بالسؤال، وأنه أحق بالبر منه، وهذا يدل على أنهم كانوا لا يعرفون من المساكين إلا من أظهر حاجته بالسؤال، وبهذا فرق طائفة من العلماء بين الفقير والمسكين، فقالوا: من أظهر حاجته فهو مسكين، ومن كتمها فهو فقير. وفي كلام الإمام أحمد إيماء إلى ذلك، وإن كان المشهور عنه أن التفريق بينهما بكثرة الحاجة وقلتها كقول كثير من الفقهاء، وهذا حيث جمع بين ذكر الفقير والمسكين كما في آية الصدقات، وأما إن أفرد أحد الاسمين دخل فيه الآخر عند الأكثرين.
وقد كان كثير من السلف يكتم حاجته ويظهر الغنى تعففاً وتكرماً، منهم: إبراهيم النخعي كان يلبس ثياباً حسناء، ويخرج إلى الناس وهم يرون أنه تحل له الميتة من الحاجة.

(1/18)


وكان بعض الصالحين يلبس الثياب الجميلة وفي كمه مفتاح دار كبيرة ولا مأوى له إلا المساجد،وكان آخر لا يلبس جبة في الشتاء لفقره، ويقول: بي علة تمنعني من لبس المحشو. وإنما يعني به الفقر شعر:
أن الكريم ليُخفي عنك عُسرته ... حتى تراه غنياً وهو مجهود
وكان بعكس هؤلاء من يلبس ثياب المساكين مع الغنى تواضعاً لله عز وجل، وبعداً من الكبر كما كان يفعله الخلفاء الراشدون الأربعة وبعدهم عمر بن عبد العزيز، وكذلك كان جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما رضي الله عنهم، وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان ينشد:
إذا أردت شريفَ الناس كُلِّهمُ ... فانظُر إلى ملكٍ في زِيِّ مسكين
ذاك الذي حَسُنت في الناس سيرتُه ... وذاك يصلحُ للدُّنيا وللدين
وكان علي رضي الله عنه يعاتب على لباسه فيقول: هو أبعد من الكبر، وأجدر أن يقتدي بي المسلم. وعوتب عمر بن عبد العزيز على ذلك فقال: إن أفضل القصد عند الجدة. يعني: أفضل ما اقتصد الرجل في لباسه مع قدرته ووجدانه.
وفي سنن أبي داود وغيره عن النبي ( أنه قال: " البذاذة من الإيمان " يعني: التقشف. وفي الترمذي عن النبي (: " من ترك اللباس تواضعاً لله عز وجل وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها " . وخرجه أبو داود من وجه آخر ولفظه: " من ترك ثوب جمال أحسبه قال: تواضعاً كساه الله حلة الكرامة " .
وإنما يذم من ترك اللباس مع قدرته عليه بخلاً على نفسه، أو كتماناً لنعمة الله عز وجل، وفي هذا جاء الحديث المشهور: " إن الله إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته على عبده " . ومن لبس لباساً حسناً إظهاراً لنعمة الله ولم يفعله اختيالاً كان حسناً.
وكان كثير من الصحابة والتابعين يلبسون لباساً حسناً، منهم: ابن عباس، والحسن البصري. وقد صح عن النبي ( أنه سئل عن الرجل يحب أن يكون لباسه حسناً ونعله حسناً؟ قال: " ليس ذلك بالكبر، إنما الكبر بطر الحق وغمط الناس " . يعني: التكبر عن قبول الحق والانقياد له، واحتقار الناس وازدراءهم فهذا هو الكبر، فأما مجرد اللباس الحسن الخالي عن الخيلاء فليس بكبر، واحتقار الناس مع رثاثة اللباس كبر. وقد روي عن النبي ( أنه كان ماشياً في طريق، وهناك أمة سوداء، فقال لها رجل: الطريق! الطريق! للنبي (. فقالت: الطريق يمنة ويسرة!. فقال النبي (: " دعوها فإنها جبارة " . خرجه النسائي وغيره، وفي رواية للطبراني وغيره: قالوا: يا رسول الله! إنها. يعني: مسكينة. قال: " إن ذاك في قلبها " . يعني أن الكبر في قلبها وإن كان لباسها لباس المساكين. وقال الحسن إن قوماً جعلوا التواضع في لباسهم والكبر في صدورهم، إن أحدهم أشد كبراً بمدرعته من صاحب السرير بسريره، وصاحب المنبر بمنبره. قال أحمد ابن أبي الحواري: قال لي سليمان بن أبي سليمان وكان يعدل بأبيه: أي شيء أرادوا بثياب الصوف؟. قلت: التواضع. قال: وما يتكبر أحدهم إلا إذا لبس الصوف!.
وقال أبو سليمان: يكون ظاهرك قطنياً وباطنك صوفياً. قال أبو الحسين بن بشار: صوف قلبك، والبس القوهي على القوهي. يعني: رفيع الثياب. فمتى أظهر الإنسان لباس المساكين لدعوى الصلاح ليشتهر بذلك عند الناس كان ذلك كبراً ورياء، ومن هنا ترك كثير من السلف المخلصين اللباس المختص بالفقراء والصالحين، وقالوا: إنه شهرة. ولما قدم سيار أبو الحكم البصرة لزيارة مالك بن دينار لبس ثياباً حسنة ثم دخل المسجد فصلى صلاة حسنة، فرآه مالك ولم يعرفه فقال له: يا شيخ! إني أرغب بك عن هذه الثياب مع هذه الصلاة. فقال له: يا مالك! ثيابي هذه تضعني عندك أم ترفعني؟! قال: بل تضعك. فقال: نعم الثوب ثوب يضع صاحبه عند الناس، ولكن انظر يا مالك لعل ثوبيك هذين يعني: الصوف أنزلاك عند الناس ما لم ينزلاك من الله. فبكى مالك وقام إليه واعتنقه، وقال له: أنشدك الله أنت سيار أبو الحكم؟ قال: نعم.

(1/19)


فلهذا كره من كره من السلف كابن سيرين وغيره لباس الصوف حيث صار شعار الزاهدين، فيكون لباسه إشهاراً للنفس، وإظهاراً للزهد، وأما النبي ( فكان يلبس ما وجد، فتارة يلبس لباس الأغنياء من حلل اليمن وثياب الشام ونحوها، وتارة يلبس لباس المساكين فيلبس جبة من صوف أحياناً، وأحياناً يتزر بعباءة ويهيئ إبل الصدقة، يعني أنه يطلبها بيده ويصلحها كما يفعل أرباب الإبل بها، ولم يبعث الله نبياً من أهل الكبر، ونما بعث من لا كبر عنده، ولا يتكبر عن معالجة الأشياء التي يأنف منها المتكبرون كرعاية الإبل والغنم، وإجارة نفسه عند الحاجة إلى الاكتساب. ومن أعطاه الله منهم ملكاً فإنه لم يزل دأبه تواضعاً لله عز وجل كداود وسليمان ومحمد. صلى الله عليهم وسلم تسليماً كثيراً.
وقد يطلق اسم المسكين ويراد به من استكان قلبه لله عز وجل، وانكسر له وتواضع لجلاله وكبريائه وعظمته وخشيته ومحبته ومهابته، وعلى هذا المعنى حمل بعضهم الحديث المروي عن النبي ( أنه قال: " اللهم أحييني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين " . خرجه الترمذي من حديث أنس، وخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس، وفي حمله على ذلك نظر لأن في تمام حديثيهما ما يدل على أن المراد به المساكين من المال، لأنه ذكر سبقهم الأغنياء إلى الجنة، مع أن في إسناد الحديثين ضعفاً.
وقد خير النبي ( بين أن يكون نبياً ملكاً أو عبداً رسولاً، فأشار إليه جبريل أن تواضع. فقال: " بل عبداً رسولاً " . وكان بعد ذلك لا يأكل متكئاً، ويقول: " آكل كما يأكل العبد. وأجلس كما يجلس العبد " . قال الحسن: قال رسول الله (: " فأعطاني الله لذلك أن جعلني شيد ولد آدم، وأول شافع، وأول مشفع، وأول من تنشق عنه الأرض " . وصح عنه ( أنه قال: " إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله " . فأشرف أسمائه: عبد الله، ولهذا سمي بهذا الاسم في القرآن في أفخر مقاماته، فلما حقق (عبوديته لربه حصلت له السيادة على جميع الخلق.
كان كثير من العارفين في مناجاته لربه: كفى بي فخراً أني لك عبد، وكفى بي شرفاً أنك لي رب. وكان بعضهم يقول: كلما ذكرت أنه ربي وأنا عبده حصل لي من السرور ما يصلح به بدني:
شرفُ النفوس دخولها في رقِّهم ... والعبدُ يحوي الفخر بالمُتملِّك
وكان أبو زيد البسطامي ينشد:
يا ليتني صِرت شيئاً ... من غير شيء أُعدُّ
أصبحت للكل مولى ... لأنني لك عبدُ
فمن انكسر قلبه لله عز وجل واستكان وخشع وتواضع جبره الله عز وجل، ورفعه بقدر ذلك، وفي الأثر المشهور: أن الله عز وجل قال لموسى على نبينا وعليه السلام حين سأله: أين أجدك؟. قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، فإني أدنو منهم كل يوم باعاً ولولا ذلك لانهدموا. وروي عن عبد الله بن سلام أنه فسره، فقال: هم المنكسرة قلوبهم بحب الله عن حب غيره. وفي الحديث المشهور المرفوع: " إن الله تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له، فإذا تجلى لقلوب العارفين عظمة الله وجلاله وكبرياؤه اندكت قلوبهم من هيبته، وخشعت وانكسرت من محبته ومخافته " .
شعر:
مساكين أهل الحب حتى قبورهم ... عليها تراب الذُّلِّ بين المقابر
فالمسكين في الحقيقة من استكان قلبه لربه وخشع من خشيته ومحبته، ولا يكون المسكين ممدوحاً بدون هذه الصفة، فإن من لم يخشع قلبه مع فقره وحاجته فهو جبار كتلك الأمة السوداء التي قال فيها النبي (: " إنها جبارة " . وهو إما عائل مستكبر أو فقير مختال، وكلاهما لا ينظر اله إليه يوم القيامة، فالمؤمن من يستكين قلبه لربه ويخشع له ويتواضع، ويظهر مسكنته وفاقته إليه في الشدة والرخاء، أما في حالة الرخاء فإظهار الشكر، وأما في حال الشدة فإظهار الذل والعبودية والفاقة والحاجة إلى كشف الضر، قال تعالى: (ولقد أخذناهُم بالعذابِ فما استكانوا لربِّهم وما يتضرَّعُون) المؤمنون: 76، فذم من لا يستكين لربه عند الشدة، وكان النبي ( يخرج عند الاستسقاء متواضعاً متخشعاً متمسكناً. وحبس لمطرف بن عبد الله قريب له فلبس خلقان ثيابه، وأخذ بيده قصبة، وقال: أتمسكن لربي لعله يشفعني فيه.

(1/20)


ومما يشرع فيه التمسكن لله عز وجل حال الصلاة كما في حديث الفضل بن عباس عن النبي ( قال: " الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع، وتضرع، وتمسكن، وتقنع يديك يقول: ترفعهما،ويقول: يا رب ثلاثاً، فمن لم يفعل ذلك فهي خداج " . خرجه الترمذي وغيره.
وكذلك يشرع إظهار المسكنة في الدعاء، وخرج الطبراني من حديث ابن عباس قال: رأيت النبي ( يدعو بعرفة، ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين. ومن حديثه أيضاً أن النبي ( قال في دعائه عشية عرفة: " أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليه ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير " .
وكان بعض السلف يجلس بالليل مطرقاً رأسه، ويمد يديه وهو ساكت كحال المسكين المستعطي. وقال طاوس: دخل علي بن الحسين الحجر ليلة فصلى، فسمعته يقول في سجوده: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك. قال طاوس: فحفظتهن، فما دعت بهن في كرب إلا فرج عني. وكان بعض العباد قد حج ثمانين حجة على قدميه، فبينما هو في الطواف وهو يقول: يا حبيبي! يا حبيبي!. فهتف هاتف: ليس ترضى أن تكون مسكيناً حتى تكون حبيباً! فكان بعد ذلك يقول: مسكينك مسكينك.
شعر لابن تيمية رحمه الله:
أنا الفقيرُ إلى ربِّ السموات ... أنا المُسَيْكينُ في مجموع حالاتي
أنا الظَّلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إنْ جاءها من عندِه يأتي
قوله (: " وأن تغفر لي وترحمني " : المغفرة والرحمة يجمعان خير الآخرة كله، لأن المغفرة ستر الذنب مع وقاية شره، وقد قيل: إنه لا تجتمع المغفرة مع عقوبة عليه، ولذلك سمي المغفر مغفراً، لأنه يستر الرأس ويقيه الأذى، وهذا بخلاف العفو، فإنه يكون تارة قبل العقوبة وتارة بعدها.
وأما الرحمة فهي دخول الجنة وعلو درجاتها، وجميع ما في الجنة من النعيم بالمخلوقات، ومن رضى الله عز وجل وقربه ومشاهدته وزيارته فإنه من رحمة الله تعالى، وفي الحديث الصحيح: " إن الله عز وجل يقول للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي " . فكل ما في الجنة فهو من رحمة الله عز وجل، وإنما تنال برحمته لا بالعمل كما قال (: " لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله " . قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟!. قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " .
قوله (: " وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون " : المقصود من هذا الدعاء سلامة العبد من فتن الدنيا مدة حياته، فإن قدر الله عز وجل على عباده فتنة قبض عبده إليه قبل وقوعها، وهذا من أهم الأدعية فإن المؤمن إذا عاش سليماً من الفتن ثم قبضه الله تعالى إليه قبل وقوعها وحصول الناس فيها كان في ذلك نجاة له من الشر كله، وقد أمر النبي ( أصحابه أن يتعوذوا بالله من الفتن ما ظهر وما بطن. وفي حديث آخر: " وجنبنا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن " . وكان يخص بعض الفتن العظيمة بالذكر، فكان يتعوذ بالله في صلاته من أربع، ويأمر بالتعوذ منها: " أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال " .
ففتنة المحيا تدخل فيها فتن الدين والدنيا كلها، كالكفر والبدع والفسوق والعصيان. وفتنة الممات يدخل فيها سوء الخاتمة وفتنة الملكين في القبر، فإن الناس يفتنون في قبورهم مثل أو قريباً من فتنة الدجال. ثم خص فتنة الدجال بالذكر لعظم موقعها، فإنه لم يكن في الدنيا فتنة قبل يوم القيامة أعظم منها، وكلما قرب الزمان من الساعة كثرت الفتن.
وفي حديث معاوية عن النبي ( أنه قال: " إنه لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة " . وقد أخبر النبي ( عن الفتن التي كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا.

(1/21)


وكان أول هذه الفتن ما حدث بعد عمر رضي الله عنه، ونشأ من تلم قتل عثمان رضي الله عنه، وما ترتب عليه من إراقة الدماء وتفرق القلوب وظهور فتن الدين كبدع الخوارج المارقين من الدين وإظهارهم ما أظهروا، ثم ظهور بدع أهل القدر والرفض ونحوهم، وهذه هي الفتن التي تموج كموج البحر المذكورة في حديث حذيفة المشهور حين سأله عنها عمر، وكان حذيفة رضي الله عنه من أكثر الناس سؤالاً للنبي ( عن الفتن خوفاً من الوقوع فيها. ولما حضره الموت قال: حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم! الحمد لله الذي سبق بي الفتنة! قادتها وعلوجها. وكان موته قبل قتل عثمان رضي الله عنه بنحو من أربعين يوماً، وقيل: بل مات بعد قتل عثمان. وكان في تلك الأيام رجل من الصحابة نائماً، فآتاه آتٍ في منامه فقال له: قم! فاسأل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام فتوضأ وصلى، ثم اشتكى ومات بعد قليل.
وقد روي عن النبي ( أنه قال لرجل: " إذا مت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان فإن استطعت أن تموت فمت " ، وهذا إشارة إلى هذه الفتن التي وقعت بمقتل عثمان رضي الله عنه.
والدعاء بالموت خشية الفتنة في الدين جائز، وقد دعا به الصحابة والصالحون بعدهم، ولما حج عمر رضي الله عنه آخر حجة حجها استلقى بالأبطح ثم رفع يديه وقال: اللهم إنه قد كبرت سني، ورق عظمي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفتون. ثم رجع إلى المدينة فما انسلخ الشهر حتى قتل رضي الله عنه.
ودعا علي ربه أن يريحه من رعيته حيث سئم منهم فقتل عن قريب. ودعت زينب بنت جحش لما جاءها عطاء عمر من المال فاستكثرته وقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعدها. فماتت قبل العطاء الثاني. ولما ضجر عمر بن العزيز من رعيته حيث ثقل عليهم قيامه فيهم بالحق طلب من رجل كان معروفاً بإجابة الدعوة أن يدعو له بالموت، فدعا له ولنفسه بالموت فماتا. ودعي طائفة من السلف الصالح إلى ولاية القضاء، فاستمهلوا ثلاثة أيام فدعوا لأنفسهم بالموت فماتوا.
واطلع على حال بعض الصالحين ومعاملاته التي كانت سراً بينه وبين ربه، فدعا الله أن يقبضه إليه خوفاً من فتنة الاشتهار فمات. فإن الشهرة بالخير فتنة كما جاء في الحديث: " كفى بالمرء فتنة أن يشار إليه بالأصابع، فإنها فتنة " .
وكان سفيان الثوري يتمنى الموت كثيراً فسئل عن ذلك، فقال: ما يدريني! لعلي أدخل في بدعة، لعلي أدخل فيما لا يحل لي، لعلي أدخل في فتنة، أكون قد مت فسبقت هذا.
واعلم أن الإنسان لا يخلو من فتنة، قال ابن مسعود: لا يقل أحدكم: أعوذ بالله من الفتن، ولكن ليقل: أعوذ بالله من مضلات الفتن. ثم تلا قوله تعالى: (إنّمآ أموالُكم وأولادكم فتنة) التغابن: 15. يشير إلى أنه لا يستعاذ من المال والولد وهما فتنة، وفي المسند أن النبي ( أمر أم سلمة أن تقول: " اللهم رب محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أبقيتني " .
وقد جعل النبي ( النساء والأموال فتنة، ففي الصحيح عنه ( قال: " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " . وفيه أيضاً أنه ( قال: " والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم " .

(1/22)


وفي صحيح مسلم عنه ( قال: " اتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء " . وفي الترمذي أنه ( قال: " لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال " . وقد قال الله عز وجل: (وجعلنا بعضَكم لبعض فتنةً أتصبرون وكان ربُّك بصيراً) الفرقان: 20، فالرجل فتنة للمرأة، والمرأة فتنة للرجل، والغني فتنة للفقير، والفقير فتنة للغني، والفاجر فتنة للبر، والبر فتنة للفاجر، والكافر فتنة للمؤمن، والمؤمن فتنة للكافر كما قال تعالى: (وكذلك فَتَنّا بعضَهم ببعضٍ ليقولوآ منَّ الله عليهم من بيننا أليسَ الله بأعلمِ بالشاكرين) الأنعام: 53، وقال عز وجل: (ونبلوكم بالشرِّ والخير فتنةً) الأنبياء: 35، فجعل كل ما يصيب الإنسان من شر أو خير فتنة، يعني أنه محنة يمتحن بها، فإن أصيب بخير امتحن به شكره، وإن أصيب بشر امتحن به صبره. وفتنة السراء أشد من فتنة الضراء، وقال عبد الرحمن بن عوفرضي الله عنه: بلينا بفتنة الضراء فصبرنا، وبلينا بفتنة السراء فلم نصبر. وقال بعضهم: فتنة الضراء يصبر عليها البر والفاجر، ولا يصبر على فتنة السراء إلا صديق.
ولما ابتلي الإمام أحمد بفتنة الضراء صبر ولم يجزع، وقال: كانت زيادة في إيماني. فلما ابتلي بفتنة السراء جزع وتمنى الموت صباحاً ومساءاً، وخشي أن يكون نقصاً في دينه. ثم أن المؤمن لا بد أن يفتن بشيء من الفتن المؤلمة الشاقة عليه ليمتحن إيمانه كما قال الله تعالى: (ألم " أحَسِبَ الناسُ أن يُتركوآ أن يقولوآ آمنّآ وهم لا يُفتَنُون " ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمَنَّ الله الذين صدقوا ولَيعلمَنَّ الكاذبين " ) العنكبوت: 13، ولكن الله يلطف بعباده المؤمنين في هذه الفتن، ويصبرهم عليها ويثبتهم فيها، ولا يلقيهم في فتنة مهلكة مضلة تذهب بدينهم، بل تمر عليهم الفتن وهم منها في عافية.
وأخرج ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر مرفوعاً: " إن لله ضنائن من عباده يغذوهم في رحمته، ويحييهم في عافية، ويتوفاهم إلى جنته، أولئك الذين تمر عليهم الفتن كقطع الليل المظلم، وهم منها في عافية " .
والفتن الصغار التي يبتلى بها المرء في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الطاعات من الصلاة والصيام والصدقة كذا جاء في حديث حذيفة، وروي عنه أنه سأل النبي (، قال: إن في لساني ذرباً، وإن عامة ذلك على أهلي. فقال له: " أين أنت من الإستغفار؟! " .
وأما الفتن المضلة التي يخشى منها فساد الدين فهي التي يستعاذ منها، ويسأل الموت قبلها، فمن مات قبل وقوعه في شيء من هذه الفتن فقد حفظه الله تعالى وحماه، وفي المسند عن محمود بن لبيد عن النبي ( قال: " اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، والموت خير للمؤمن من الفتن، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب " .
قوله (: " وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يبلغني حبك " . هذا الدعاء يجمع كل خير، فإن الأفعال الاختيارية من العباد إنما تنشأ عن محبة وإرادة، فإن كانت محبة الله ثابتة في قلب العبد نشأت عنها حركات الجوارح فكانت بحسب ما يحبه الله ويرتضيه، فأحب ما يحبه الله عز وجل من الأعمال والأقوال كلها، ففعل حينئذ الخيرات كلها وترك المنكرات كلها، وأحب من يحبه الله من خلقه، وهذا الدعاء كانت الأنبياء عليهم السلام يدعون به كما في الترمذي عن النبي ( أن داود عليه السلام كان يقول: " اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يبلغني إلى حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد " . وفيه أيضاً أن النبي ( كان يدعو: " اللهم ارزقني حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يبلغني إلى حبك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب " . وفي حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا وغيره أن النبي ( كان يقول: " اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إلي، وخشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقرر عيني من عبادتك " .

(1/23)


ومن كان همه طلب محبة الله عز وجل أعطاه الله فوق ما يريده من الدنيا تبعاً، قال بعض السلف: لما توفي داود عليه السلام أرسل الله عز وجل إلى سليمان عليه السلام: ألك حاجة تسألني إياها؟. فقال سليمان: أسأل الله أن يجعل قلبي يحبه كما كان قلب أبي داود يحبه، وأن يجعل قلبي يخشاه كما كان قلب أبي داود يخشاه. فشكر الله له ذلك وأعطاه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده.
ومحبة الله تعالى على درجتين: إحداهما: واجبة، وهي المحبة التي توجب للعبد محبة ما يحبه الله من الواجبات، وكراهة ما يكرهه من المحرمات، فإن المحبة التامة تقتضي الموافقة لمن يحبه في محبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه خصوصاً فيما يحبه ويكرهه من المحب نفسه فلا تصح المحبة بدون فعل ما يحبه المحبوب من محبة، وكراهة ما يكرهه المحبوب من محبة. وسئل بعض العارفين عن المحبة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال. وأنشد:
ولو قلتَ لي: مُتْ. مُتْ سمعاً وطاعة ... وقلتُ لداعي الموت: أهلاً ومرحبا
وأنشد بعضهم:
تعصى الإلهَ وتزعُمُ حبَّه ... هذا لعمري في القياسِ شنيعُ
لو كان حبُّك صادقاً لأطعته ... إن المحبَّ لمن يحبُّ مُطيعُ
ومتى أخل العبد ببعض الواجبات، أو ارتكب بعض المحرمات فمحبته لربه غير تامة، فالواجب عليه المبادرة بالتوبة، والاجتهاد في تكميل المحبة المفضية لفعل الواجبات كلها واجتناب المحرمات كلها، وهذا معنى قول النبي (: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " . فإن الإيمان الكامل يقتضي محبة ما يحبه الله، وكراهة ما يكرهه الله عز وجل والعمل بمقتضى ذلك، فلا يرتكب أحد شيئاً من المحرمات أو يخل بشيء من الواجبات إلا لتقديم هوى النفس المقتضي لارتكاب ذلك على محبة الله تعالى المقتضية لخلافه.
الدرجة الثانية من المحبة: درجة المقربين، وهي أن يمتلئ القلب بمحبة الله تعالى حتى توجب له محبة النوافل، والاجتهاد فيها، وكراهة المكروهات، والانكفاف عنها، والرضا بالأقضية والأقدار المؤلمة للنفوس لصدورها عن المحبوب، كما قال عامر بن قيس: أحببت الله حباً هوّن علي كل مصيبة، ورضاني بكل بلية، فلا أبالي مع حبي إياه على ما أصبحت عليه ولا على ما أمسيت. وقال عمر بن عبد العزيز لما مات ولده الصالح: إن الله أحب قبضه، وإني أعوذ بالله أن يكون لي محبة في شيء من الأمور يخالف محبة الله. وكان يقول: إذا أصبحت فمالي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر..
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وِجدَانُنا كلَّ شيءٍ بعدَكم عدمُ
إن كان سرَّكم ما قد بُليت به ... فما لجرحٍ إذا أرضاكُمُ ألمُ
وحسب سلطان الهوى أن يلذّ فيه كل ما يؤلم.
كان عمار بن ياسر رضي الله عنه يقول: اللهم لو أعلم أنه أرضى لك عني أن أرمي بنفسي من هذا الجبل فأتردى فأسقط فعلت، ولو أعلم أنه أرضى لك أن أوقد ناراً عظيمة فأقع فيها فعلت، ولو أعلم أنه أرضى لك عني أن ألقي نفسي في الماء فأغرق نفسي فعلت، ولا أقول هذا إلا وأريد وجهك، وأنا أرجو أن لا تخيبني وأنا أريد وجهك.
وقتل لبعض الصحابة ولدان في الجهاد، فعزاه الناس فيهما فبكى وقال: ما أبكي لفقدهما، إنما أبكاني كيف كان رضاهما عن الله حيث أخذتهما السيوف. وكان بعض العارفين يطوف بالبيت، فهجمت القرامطة على الناس فقتلوهم في الطواف، فوصلوا إليه فلم يقطع الطواف حتى سقط من ضرب السيوف صريعاً وأنشد:
ترى المحبين صرعى في ديارهم ... كفتيةِ الكهف لا يدرون كم لبِثُوا
أقل ثمن المحبة بذل الروح:
بدمِ المحبِّ يُباع وصلُهُم ... فمن ذا الذي يبتاعُ بالثمنِ
قال بعض العارفين: إن كنت تسمح ببذل روحك في هذه الطريق، وإلا فلا تشتغل بالترهات:
خاطر بروحك في هوانا واسترح ... إن شئت تحظى بالمحلِّ الأعظمِ
لا يشغُلَنَّك شاغلٌ عن وَصْلِنا ... وانهض على قدمِ الرجاء وقدّمِ

(1/24)


ولما كانت محبة الله عز وجل لها لوازم، وهي محبة ما يحبه الله عز وجل من الأشخاص والأعمال، وكراهة ما يكرهه من ذلك، سأل النبي ( الله تعالى مع محبته محبة شيئين آخرين، أحدهما: محبة من يحب ما يحبه الله تعالى، فإن من أحب الله أحب أحباءه فيه ووالاهم، وأبغض أعداءه وعاداهم كما قال النبي (: " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله... " الحديث.
وأعظم من تجب محبته في الله تعالى أنبياؤه ورسله، وأعظمهم نبيه محمد ( الذي افترض الله على الخلق كلهم متابعته، وجعل متابعته علامة لصحة محبته كما قال تعالى: (قُلْ إنْ كنتم تُحِبُّون الله فاتَّبِعوني يُحبِبْكُم الله ويغفرْ لكم ذُنُوبَكم) آل عمران: 31، وتوعد من قدم محبة شيء من المخلوقين على محبته ومحبة رسوله ومحبة الجهاد في سبيله في قوله تعالى: (قل إن كان آبآؤكم وأبنآؤكم وإخوآنُكم وأزوآجُكم وعشيرتُكم وأموالٌ اقترفْتُموها وتجارةٌ تخشَون كسادَها ومساكنُ ترضَونهآ أحبَّ إليكم من الله ورسولهِ وجهادٍ في سبيلهِ فتربَّصوا) التوبة: 24.
ووصف المحبين له باللين للمؤمنين: من الرأفة بهم والرحمة والمحبة لهم، والشدة على الكافرين: من البغض لهم والجهاد في سبيله، فقال تعالى: (فسوفَ يأتي الله بقومٍ يُحبُّهم ويُحبُّونَه أذِلَّةٍ على المؤمنينَ أعِزَّةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيلِ الله ولا يخافون لومة لآئم) المائدة: 54.
والثاني: محبة ما يحبه الله تعالى من الأعمال وبها يبلغ إلى حبه، وفي هذا إشارة إلى أن درجة المحبة لله تعالى إنما تنال بطاعته وبفعل ما يحبه، فإذا امتثل العبد لأوامر مولاه وفعل ما يحبه أحبه الله تعالى ورقاه إلى درجة محبته كما في الحديث الإلهي الذي خرجه البخاري: " وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عندي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه " . فأفضل ما تستجلب به محبة الله عز وجل فعل الواجبات، وترك المحرمات، ولهذا جعل النبي ( من علامات وجدان حلاوة الإيمان أن يكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار. وسئل ذو النون: متى أحب ربي؟. قال: إذا كان ما يكرهه عندك أمر من الصبر. ثم بعد ذلك الاجتهاد في نوافل الطاعات، وترك دقائق المكروهات والمشتبهات.
ومن أعظم ما تحصل به محبة الله تعالى من النوافل: تلاوة القرآن، وخصوصاً مع التدبر، قال ابن مسعود: لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن، فمن أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله. ولهذا قال النبي ( لمن قال: إني أحب سورة (قل هو الله أحد) لأنها صفة الرحمن. فقال: " أخبروه أن الله يحبه " . وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: لما قدم النبي ( المدينة خطب، فقال في خطبته: " إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من الأحاديث، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا من أحب الله، وأحبوا الله من كل قلوبكم " .
وكان بعضهم يكثر تلاوة القرآن ثم فتر عن ذلك فرأى في المنام قائلاً يقول له:
إن كنت تزعم حُبِّي ... فلِمَ جفوت كتابي
أما تدبّرت ما في ... ه من لطيف عتابي
فاستيقظ وعاد إلى تلاوته.
ومن الأعمال التي توصل إلى محبة الله تعالى وهي من أعظم علامات المحبين: كثرة ذكر الله عز وجل بالقلب واللسان، قال بعضهم: ما أدمن أحد ذكر الله إلا وأفاد منه محبة الله تعالى. وقال ذو النون: من أدمن ذكر الله قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه. وقال بعض التابعين: علامة حب الله كثرة ذكره، فإنك لن تحب شيئاً إلا أكثرت ذكره. وقال فتح الموصلي: المحب لله لا يجد مع حب الله للدنيا لذة، ولا يغفل عن ذكر الله طرفة عين. المحبون إن نطقوا نطقوا بالذكر، وإن سكتوا اشتغلوا بالفكر:
فإن نطقتُ فلم ألفظ بغيركم ... وإن سكتُّ فأنتم عند إضماري
ومن علامات المحبين لله وهو ما يحصل به المحبة أيضاً حب الخلوة بمناجاة الله تعالى، وخصوصاً في ظلمة الليل:
الليلُ لي ولأحبابي أسامرهم ... قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا

(1/25)


قال الفضيل: يقول الله عز وجل: كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني، أليس كل حبيب يجب الخلوة بحبيبه، ها أنا مطلع على أحبابي إذا جنهم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم، ومثلت نفسي بين أعينهم، فخاطبوني على المشاهدة، وكلموني على حضوري، غداً أقر عين أحبابي في جنتي:
تنامُ عيناك وتشكو الهوى ... لو كنت صَبّاً لم تكن نائماً
قلوب المحبين جمرة تحت فحمة الليل، كلما هبّ عليها نسيم السحر التهبت، وأنشد:
يذكرني مَرُّ النسيم عهودَكم ... فأزدادُ شوقاً كلما هبت الريحُ
أراني إذا ما أظلمَ الليلُ أشرقت ... بقلبيَ من نارِ الغرام مصابيحُ
كلما جن الغاسق حن العاشق:
لو أنك أبصرت أهل الهوى ... إذا غابت الأنجُمُ الطُلَّعُ
فهذا ينوح على ذنبه ... وهذا يُصلي وذا يركعُ
من لم يكن له مثل تقواهم لم يدر ما الذي أبكاهم، ومن لم يشاهد جمال يوسف لم يدر ما الذي آلم قلب يعقوب. وسئل السري السقطي عن حاله فأنشد:
من لم يَبِت والحبُّ حشوُ فؤادِه ... لم يدرِ كيف تُفتَّتُ الأكباد
أين رجال الليل؟! أين ابن أدهم والفضيل! ذهب الأبطال وبقي كل بطال، يا من رضي من الزهد بالزي، ومن الفقر بالاسم، ومن التصوف بالصوف، ومن التسبيح بالسبح، أين فضل " الفضيل " ؟! أين جد " الجنيد " ؟! أين سر " السري " ؟! أين بشر " بشر " ؟! أين همة " ابن أدهم " ؟! ويحك إن لم تقدر على معرفة " معروف " فاندب على ربع " رابعة " وأنشد:
هاتيك رُبُوعهم وفيها كانوا ... بانوا عنها فليتَهم ما بانوا
ناديتُ وفي حشاشتي نيرانُ: ... يا دارُ متى تحوَّلَ السكانُ؟!
يا من كان له قلب فانقلب، يا من كان له وقت مع الله فذهب، قيام الأسحار يستوحش لك، صيام النهار يسأل عنك، ليالي الوصال تعاتبك على انقطاعك:
تشاغلتم عنّا بصُحبةِ غيرنا ... وأظهرتم الهُجران ما هكذا كُنَّا
وأقسمتُمُ أن لا تحولوا عن الهوى ... فقد وحياةِ حِلتم وما حِلنا
لياليَ كنا نجتني من ثماركم ... فقلبي إلى تلك الليالي لقد حنّا
إخواني! مجالس الذكر شراب المحبين، وترياق المذنبين (قد عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مشربَهم) البقرة: 60، مجالس الذكر مآتم الأحزان، فهذا يبكي لذنوبه، وهذا يندب لعيوبه، وهذا يتأسف على فوات مطلوبه، وهذا يتلهف لإعراض محبوبه، وهذا يبوح بوجده، وهذا ينوح على فقده، وأنشد:
ما أذكرُ عيشنا الذي قد سلفا ... إلا وجفَ القلبُ وكم قد وجفا
واهاً لزماننا الذي كان صفا ... بل واأسفاً لفقده واأسفا
غيره:
يا ليتنا بزمزم والحِجْرِ ... يا جيرتنا قُبيلَ يوم النَّفْرِ
فهل يعود ما مضى من عُمُري ... ما كنت أدري يا ليتني لا أدري
كأني أرى الخلع خلعت على المقبولين، كأني أرى الملائكة تصافح التائبين، تعالوا نبكي على المطرودين:
ما زلتُ دهراً لِلِّقَا مُتعرِّضاً ... ولطالما قد كُنتُ عنّا مُعرِضا
جانَبْتَنا دهراً فلما لم تجدْ ... عِوضاً سوانا صِرتَ تبكي ما مضى
لو كنت لازمت الوقوفَ ببابنا ... لَلبستَ من إحسانِنا خِلَع الرضا
لكن تركتَ حقوقَنا وهجرتنا ... فلذاك ضاقَ عليكَ مُتَّسَعُ الفَضا

تم بحمد الله وحسن توفيقه.

(1/26)