قائمة الروابط

http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة

 

 

 

الكتاب : السيرة النبوية دروس وعبر

وخرج أبو سفيان يقود جيش المشركين، ولكنه خاف من مواجهة المسلمين فعاد بجيشه إلى مكة بحجة أن هذا العام لا مطر فيه، وقد أجدبت الأرض، والوقت غير مناسب للحرب، أما المسلمون فظلوا هناك ثمانية أيام، عادوا بعدها إلى المدينة وقد سمعت القبائل بما حدث من انسحاب المشركين.
ــــــــــــــــــ

غزوة دومة الجندل

جاءت أخبار إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن القبائل العربية التي تقيم حول دومة الجندل تقطع طريق المارين عليها، وتنهب أموالهم، وأنهم قد احتشدوا لمهاجمة المدينة، فخرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ألف من المسلمين إلى دومة الجندل ، وكان يسير بالجيش ليلا فقط حتى يفاجئ أعداءه، ووصل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى مكان الأعداء فجأة، ففرت الجيوش من أمامه، وغنم المسلمون كل ما تركه الأعداء خلفهم، وفر كذلك أهل دومة الجندل ، فأقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - هناك أيامًا يرسل السرايا في كل ناحية، فلم يثبت أمام المسلمين أحد، وبعدها عاد المسلمون إلى المدينة.
ــــــــــــــــــ

دومة الجندل خطر من الشمال

(الشبكة الإسلامية)
خلال السنين الخمس التي قضاها المسلمون في المدينة النبوية ، تحقّقت العديد من النتائج المهمّة ، فعلى الصعيد الداخلي تحدّدت معالم دولتهم الناشئة وتأسّست أركانها ، وعلى الصعيد الخارجي ظلّت حركة الدعوة والتوجيه مستمرّة بين القبائل طوال تلك المدّة ، في الوقت الذي أثبت المسلمون فيه كفاءتهم الحربية وقدراتهم العسكرية من خلال المعارك التي دارت بينهم وبين المشركين ، حتى استطاعوا فرض سيطرتهم على المناطق المحيطة بهم .
وفي هذه الظروف ظهر خطرٌ جديد من جهة الشمال ، في منطقة قريبة من الشام يُقال لها " دومة الجندل " ، وهي تبعد عن يثرب مسيرة ستة عشر يوما – حوالي أربعمائة وخمسين كيلومتراً - ، وتحوي على سوق كبير يقصده الناس من كلّ مكان .

(2/214)


وكان لموقعها أهميةٌ كبرى ، وذلك لقربها من دولة الغساسنة الموالية للروم من جهة ، ووقوعها في طريق القوافل التجارية من جهة أخرى ، مما يتيح لأهلها فرصة التّعرّض لقوافل المسلمين والاستيلاء عليها ، في ظلّ توفّر الحماية العربية والمساندة الرومية ، وما قد يترتّب عليه من زيادة الأعباء الاقتصادية لدولة المسلمين الناشئة .
وفي شهر ربيع الأوّل من السنة الخامسة للهجرة ، وصلت الأخبار إلى المدينة بتجمّع القبائل في تلك المنطقة ، واستعدادهم لمحاربة النبي – - صلى الله عليه وسلم - – والقضاء على دولته ، وهنا أحسّ النبي – - صلى الله عليه وسلم - – ببوادر فتنةٍ جديدةٍ ، فكان لابدّ من إطفائها من البداية قبل أن يعظُم خطرها .
فنادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - – الناس ، وحرّضهم على القتال في سبيل الله ، مذكّرا إياهم بما أعدّه الله تعالى للمؤمنين ، فتجهّزوا للغزو ، حتى بلغ عددهم ألف مقاتلٍ، وعيّن على المدينة رجلاً لم يكن من أهلها ، وهو سباع بن عرفطة الغفاري رضي الله عنه ، وذلك لمعرفته عليه الصلاة والسلام بكفاءته وقدرته على إدارة الأمور ، ولتربية الصحابة على السمع والطاعة للأمير أيّاً كان شأنه ونسبه .
وتحرّك الجيش قاصداً " دومة الجندل " ، ومستعيناً بدليلٍ ماهرٍ يُقال له مذكور ، وطلب منه النبي - صلى الله عليه وسلم - – اختيار أسلم الطرق وأبعدها عن مراقبة العدو .
وتبدو عظمة القيادة النبويّة في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - – للجيش بالمسير طوال الليل ، والتوقّف في النهار ، من أجل مفاجأة الأعداء وهم على حين غفلة .

(2/215)


وفوجيء المشركون بخبر وصول المسلمين ، وكان وقعه شديداً عليهم ؛ فلم يكونوا يتصوّرون أن يبادرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - – بالقدوم في الوقت الذي كانوا يخطّطون فيه لمهاجمة المدينة واستباحتها ، فأصابهم الخوف الشديد ، وبلغت قواهم المعنويّة أدنى مستوى ، مما دفعهم إلى الهروب تاركين وراءهم ديارهم وأمتعتهم .
ولم يجد المسلمون فيها أحداً سوى عددٍ قليل من الرّعاة مع ماشيتهم ، فأصابوها غنيمة سهلة
لكنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - – لم يكتف بهذا النصر ، بل بعث السرايا لتتبّع القوم ، فلم يجدوا سوى رجل ، فأسره المسلمون وأحضروه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - – فسأله عن قومه ، فأخبره بهروبهم ، وعرض عليه - صلى الله عليه وسلم - الإسلام ، فأسلم وحسُن إسلامه .
وبقي الجيش هناك عدّة أيّامٍ ثم عاد إلى المدينة ، وفي طريق عودته التقى عيينة بن حصن الفزاري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - – ، فاستأذنه بأن يرعى غنمه وإبله في مناطق المسلمين فأذن له .
وهكذا نجح النبي - صلى الله عليه وسلم - – في هذه الغزوة ، واستطاع أن يحقّق عدداً من الأهداف المهمة ، فإضافةً إلى القضاء على شرّ أولئك الأعراب ، وحماية المدينة من الأخطار المحتملة ، كانت هذه الغزوة فرصةً للاطّلاع على طبيعة المناطق العربية في الشمال ، ومعرفة المواطن التي يمكن أن تشكّل تهديداً مستقبليّاً ، كما أنها فرصة كذلك لحرمان قريش من أيّ جهة قد تمدّ لها يد العون والمساعدة لاحقاٍ ، إضافةً إلى ما تحمله هذه المواجهة من رسالةٍ واضحةٍ إلى الروم بمدى قوّة المسلمين وقدرتهم على المواجهة .
ــــــــــــــــــ

غزوة بني المصطلق

(2/216)


كانت العيون تأتي بالأخبار للمسلمين عن العرب جميعًا، يراقبونهم حتى لا يفاجئوهم بحرب أو خيانة، وعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن زعيم بني المصطلق -وهم من اليهود- يجهز قومه للهجوم على المدينة، ولما تأكد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذه الأنباء جهز جيشه، وغزا بني المصطلق، واتخذهم أسارى وسبايا، وكان في السبي جويرية بنت الحارث -بنت سيد بني المصطلق- فأعتقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتزوجها، ولما انتشر الخبر بين الناس، قالوا: أصهار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأعتقوا مائة أهل بيت من بني المصطلق إكرامًا لمصاهرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم، فكانت أكبر نعمة عليهم إلى جانب نعمة مصاهرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم.
المنافقون في هذه الغزوة:
ظهرت طبيعة المنافقين في هذه الغزوة، فبينما المسلمون يسقون من بئر تزاحم على الماء جهجاه بن مسعود -غلام عمر بن الخطاب- مع رجل من الأنصار اسمه سنان بن وبرة حليف الخزرج، وتضاربا، وكاد الخلاف يتحول إلى معركة فقد اختلف المهاجرون والأنصار، فهدأهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأطاعوه، وانتهى الخلاف، ولكن المنافق عبد الله بن أُبي اتخذ هذه الواقعة فرصة لتقوية الخلاف بين المهاجرين والأنصار، فقال: أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سَمِّن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

(2/217)


وأراد ابن سلول طرد الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين من المدينة، وأخذ يحرِّض الناس على المهاجرين، ويأمرهم بعدم التعاون معهم أو الإحسان إليهم حتى يتركوا المدينة ويرحلوا عنها، وسمع زيد بن أرقم كلام عبد الله، وكان زيد غلامًا صغيرًا، فأسرع إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأخبره بما قاله عبدالله بن أُبي، فغضب عمر -رضي الله عنه- وطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقتل هذا المنافق، لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (كيف يا عمر إذا تحدث الناس إن محمدًا يقتل أصحابه) _[ابن سعد].
وعندما علم أسيد بن حضير بما قاله عبد الله بن أبي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : فأنت يا رسول الله تخرجه منها إن شئت، هو -والله- الذليل وأنت العزيز، ثم قال : يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون -يعدون- له الخرز (فصوصًا من الجواهر) ليتوجوه، فإنه يرى أنك قد سلبته ملكه.
وعلم عبد الله بن أبي أن زيدًا أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما قاله، فأسرع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحلف له كذبًا أنه ما قال شيئًا، ودافع بعض الحاضرين عنه، فقالوا: عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل، وإذا بالقرآن ينزل فيفضح المنافق عبد الله بن أُبي ويصدق زيد بن أرقم قال تعالى: {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون . يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} [المنافقون: 7-8].

(2/218)


وكان للمنافق عبد الله بن أبي ابن مؤمن مخلص في إيمانه اسمه عبد الله أيضًا، فلما علم بذلك تبرأ من أبيه، ووقف على أبواب المدينة يرفع سيفه، ويمنع أباه من دخولها، ويقول لأبيه: إن رسول الله هو العزيز وأنت الذليل، ولن تدخل حتى يأذن في دخولك، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن له ورفض أن يقتل عبد الله والده، وقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : (بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا).
حادثة الإفك:
بعد غزوة بني المصطلق، وفي طريق العودة، استراح الجيش بعض الوقت، وبعد فترة استعدوا للرحيل، وبدأ الرجال يرحلون، وذهب بعض المسلمين إلى هودج السيدة عائشة زوج الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وهو خباء يوضع على البعير فحملوه على بعيرها، وهم يظنون أنها بداخله، ولكنه كان خاليًا، فقد ذهبت السيدة عائشة -رضي الله عنهما- تبحث عن عقد فقدته، فلما رجعت وجدت المكان خاليا وقد رحل القوم، فجلست وحدها تنتظر، وكان في مؤخرة الجيش الصحابي صفوان بن المعطل -رضي الله عنه- وكان يتأخر ليجمع ما يقع من الجنود، فلما مر بالمكان وجد السيدة عائشة جالسة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون .. ثم أناخ الجمل، وأدار ظهره حتى ركبت السيدة عائشة، وانطلق يقود الجمل حتى لحق بالمسلمين.
ووجد المنافقون فرصتهم الكبيرة في التشنيع على أم المؤمنين والنيل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأشاعوا أن صفوان بن المعطل اعتدى على السيدة عائشة واتهموهما بالفاحشة، وهكذا روَّج المنافق عبدالله بن أُبي وآخرون معه هذا الكلام البذيء، حتى صدقه بعض الناس، وأراد الله تعالى أن يختبر المؤمنين، وأن يعلمهم درسًا عمليًّا في عدم تصديق الشائعات.

(2/219)


فلم ينزل الوحي بهذا الشأن شهرًا كاملا، وظل خلاله الرسول - صلى الله عليه وسلم - حزينًا، وأبو بكر لا يدري ما يصنع، أما السيدة عائشة فقد عادت مريضة من الغزوة، ولزمت الفراش، ولم تعلم بما يقوله الناس، فلما علمت ظلت تبكي ليل نهار، وعندما اشتد بها المرض استأذنت من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذهبت إلى بيت أبيها فجاءها الرسول - صلى الله عليه وسلم - يطلب منها أن تستغفر الله إن كانت فعلت ذنبًا، وإن كانت بريئة فسوف يبرئها الله، فسكتت السيدة عائشة عن البكاء، وقالت: لو قلت لكم إني مذنبة صدقتموني، وإن قلت لكم بريئة لم تصدقوا، والله يعلم أني بريئة، ولا أقول سوى ما قال أبو يوسف: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18].
ونزل الوحي يبين أن السيدة عائشة -رضي الله عنها- بريئة من هذه التهمة، قال تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم . لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفك مبين . لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون . ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم . إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم . ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم . يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدًا إن كنتم مؤمنين . ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم . إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون . ولولا فضل الله عليكم ورحمته وإن الله رءوف رحيم} [النور: 11-20].

(2/220)


وعادت الفرحة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين جميعًا، وعاقب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذين اتهموا السيدة عائشة بالفاحشة، وكانوا يروجون هذا الكلام الكاذب، فأقام عليهم حد القذف ثمانين جلدة، وكان منهم مسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر، وكان أبو بكر ينفق عليه لفقره وحاجته فأقسم ألا يعطيه درهمًا واحدًا بعد ما قاله في حق ابنته، ولكن الله -تعالى- أراد أن يستمر عطاء أبي بكر، وإحسانه إلى مسطح، فكفَّر أبو بكر عن يمينه، وأعطى ابن خالته ما كان يعطيه.
ــــــــــــــــــ

حادثة الإفك .. ومنهج المواجهة

الدكتور سعد بن عبد الله الحميد

(2/221)


إنَّ الله - سبحانه وتعالى - إذا أحبَّ عبده ابتلاه، ويختلفُ البلاءَ من شخصٍ لآخر، ويتفاوتُ الصبر من فردٍ لآخر، وأخير من صبر على البلاء هُم الأنبياءُ والرسل، وفي القرآن الكريم سورةً كاملةً نزلت بنورِ الحقيقة، وبيانها للمسلمين كافة، فكانت سورة النور، وقد نزلت هذه السورة لتبرئَ السيدة عائشة- رضي الله عنها- من التهمة التي ألصقها بها أعداءُ الله من المنافقين، وكلُنا سمعَ عن حديث الإفك، ورمي عائشة- رضي الله عنها- بالفاحشة، وتبرئةَ الله - جل وعلا - لها في كتابه، وأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته، وأبا بكرٍ- رضي الله عنه- وأهل بيته، وصفوان- رضي لله عنه- والمسلمين جميعاً، عاشوا هذا الشهر كلهِ في مثل هذا الجو الخانق، وفي ظلِ تلك الآلام الهائلة، بسببِ هذا الحديث.

(2/222)


وحقاً إنَّ الإنسان ليقفُ متململاً أمام هذه الصورة الفظيعة، لتلك الفترة الأليمة في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأمام تلك الآلام العميقة لعائشة- رضي الله عنها- وهي زوجته المقربة، وهي فتاةٌ صغيرة في نحو السادسةَ عشر من عمرها، وترمى في شرفها الذي تعتزُّ به، وهي ابنة الصديق الناشئة في العش الطاهرِ الرفيع، وترمى في أمانتها، وهي زوجُ محمد بن عبد الله- عليه الصلاة والسلام -، وقد عاشت معهُ منذُ سنَّ التاسعة، هاهي ذي ترمى وهي بريئة، لا تحتاطُ الشيء، ولا تتوقعُ شيئاً، فلا تجدُ ما يبرئها إلاَّ أن ترجوا من الله وترقب أن يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رؤيا تبرئها مما رُميت به، ولكن الوحي يتلبثُ لحكمةٍ يريدها الله شهراً كاملاً، وهي في مثل هذا العذاب، فما أشدَّها من لحظاتٍ وهي تفاجأُ بالخبرِ من أمِّ مسطح، وهي مهدودةً من المرض، فتعاودها الحمى وهي تقولُ لأمها في حزنٍ وأسى: (سبحان الله، وقد تحدث الناس بهذا؟ فتجيبها أمها: نعم، وتقول: وقد علم به أبي فتجيبها أمها: بنعم، فتقول: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فتجيبها كذلك: نعم).ويالهُ من حزنٍ حين تجد نبيها الذي تؤمنُ به، ورجلها الذي تحبهُ يقول لها: ((أمَّا بعد فإنَّهُ بلغني عن كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيبرئك الله - تعالى -، وإن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري الله - تعالى -وتوبي إليه، فإنَّ العبدَ إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه)).

(2/223)


فتعلم أنَّهُ شاك فيها، لا يستيقنُ من طهارتها، ولا يقضي في تهمتها، وربُّه لم يخبرهُ بعد، ولم يكشف له عن براءتها، وهاهو ذا أبو بكرٍ الصديق- رضي الله عنه- في وقارهِ، وطيبِ نفسه، يلدغهُ الألم، وهو يرمى في عرضه، في ابنته زوج محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وصاحبه الذي يحبهُ ويطمئنُ إليه، فإذا الألمُ يفيضُ على لسانه، وهو الصابرُ المحتسبُ القوي على الألم، فيقول حينما سمع الخبر: (والله ما رُمينا بهذا في جاهلية أفنرمى به في الإسلام؟) وهي كلمةُ تحمل من المرارةِ ما تحمل، حتى إذا قالت لهُ ابنته المريضة المعذبة: (أجب عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )، قال في مرارة هامدة: (والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ).
وأمَّ رومان زوج أبي بكر وأم عائشة، وهي تتماسكُ أمام ابنتها المفجعة المريضة التي تبكي، حتى تظنَّ أنَّ البكاءَ فالقٌ كبدها، فتقول لها: (يا بنيَّة هوِّني على نفسك الشأن، فو الله لقلَّما كانت امرأةٌ قط وضيئةً عند رجلٍ يُحبها ولها ضرائر، إلاَّ أكثرن عليها)، ولكن هذا التماسك يزولُ حينما قالت لها عائشة- رضي الله عنها-: (أجيبي عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )، فتقول كما قال زوجها: (والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ).

(2/224)


والرجل المسلمُ الطيبُ الطاهر، المجاهدُ في سبيل الله صفوان بن المعطل، وهو يُرمى بخيانةِ نبيهِ - صلى الله عليه وسلم - في زوجه، فيُرمى بذلك في إسلامه، وفي أمانته، وفي شرفه، وفي حميَّته، وفي كلِّ ما يعتزُّ به صحابي، وهو من ذلك كلهِ بريء، فيفاجأ بهذا الاتهامِ الظالم، فيقول: (سبحان الله، والله ما كشفتُ كنفَ أنثى قط)، ويعلمُ أنَّ حسان بن ثابت يروجُ لهذا الإفك، فلا يملكُ أن يضربهُ بالسيفِ على رأسهِ ضربةً تكاد تودي به، وما دفعهُ إلى رفعِ سيفهِ على امرئٍ مسلم وهو منهي عنهُ إلاَّ أن الألم قد تجاوز به طاقته، فلم يملك زمام نفسهِ عن ما فعل.

(2/225)


وأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقل ما شئت عن مبلغِ الألم منه - صلى الله عليه وسلم - وهو صفوةُ الخلق، وفي الذروةِ من بني هاشم، ويرمى في بيته، وفي من؟ في عائشة التي حلَّت من قلبه محلاً ليس لبقيةِ نسائه، فيُرمى - صلى الله عليه وسلم - في طهارةِ فراشه، وهو الطاهرُ المطهر، ويُرمى في صيانةِ حرمته، وهو القائمُ على الحرمات في أمته، ويُرمى في حياطةِ ربِّهِ له، وهو الرسولُ المعصومُ من كل سؤ، فيُرمى - صلى الله عليه وسلم - في كلِّ ما يعتزُّ به نبي، وما يعتزُّ له مسلم، وما يعتزُّ له عربي، فيُرمى في فراشهِ وعرضهِ ورسالته، ويتحدثُ الناسُ به في المدينة شهراً كاملاً، ولا يستطيعُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يضعَ لهذا كلهُ حداً، والله - سبحانه - يُريد لحكمةٍ بالغةٍ أن يدع هذا الأمر شهراً كاملاً يخوضُ الناسُ فيه، لا ينزلُ فيه وحيٌّ ولا يبين فيه بياناً، وهو - صلى الله عليه وسلم - يُعاني من العارِ ما يعاني منه، فيزدادُ عليه الأمر حين يحتجبُ عنه الوحي شهراً كاملاً؛ فيُعاني من الوحشةِ ما يُعاني حين يحتجبُ عنهُ ذلك النورُ الذي اعتاد أن ينيرَ له الطريق، ومع وجود القرائنَ الكثيرةِ على براءةِ أهله إلاَّ أنَّ الشك يعملُ في قلبه - صلى الله عليه وسلم - من أثرِ هذه الفرية التي تفوحُ في المدينة، فيصل به الأمرُ إلى أن يشاور في تطليقِ عائشةَ ومفارقتها؛ لأنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بشرٌ ينفعلُ في هذه الأمور انفعالاتِ البشر، فيبعثُ - صلى الله عليه وسلم - إلى أسامة بن زيد- رضي الله عنه-حبِّه القريب إلى قلبه، ويبعثُ إلى علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- ابن عمه وسنده، يستشيرهما في خاصةِ أمره.

(2/226)


أمَّا عليٌّ- رضي الله عنه- فهو من عصبةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وابن عمه وكافله، فهو يشيرُ بأنَّ اللهَ لم يُضيق عليه، ويشيرُ مع هذا بالتثبتِ من الجاريةِ ليُطمئِن قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويستقرُ على قرار.
وأمَّا أُسامة فيدركُ ما بقلبِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الودِّ لأهله، فيشيرُ بما يعلمهُ من طهارةِ أم المؤمنين وكذب المفترين الأفاكين، ويستمدُ - صلى الله عليه وسلم - من حديثِ أسامة، ومن شهادةِ الجاريةِ مدداً وقوةً يواجهُ بهما القومَ في المسجد، فيتعذرُ ممن نالوا عرضهُ ورموا أهلهُ، ورموا رجلاً من فضلاءِ المسلمين، لا يعلمُ عليه أحدٌ من سوء، فيقعُ بين الأوس والخزرج ما يقعُ من تشاورٍ وهمٍ في المسجد، وفي حضرةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ذلك الجو الذي كان يسودُ المسلمين في تلك الفترة الغريبة، فيحزُّ جميع ذلك في نفسِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
فيذهبُ إلى عائشة يصارحها بما يقولُ الناس عنها، ويطلبُ منها البيان الشافي. وعندما تصلُ الآلام إلى ذروتها على هذا النحو، تنزلُ الرحمةَ من المولى - سبحانه -، فينزلُ الوحي ببراءةِ عائشة- رضي الله عنها-، وبراءةِ بيتِ النبوةِ الطيبِ الرفيع، ويكشفُ المنافقين الذين حاكوا هذا الإفك، ويرسم الطريق المستقيم للمسلمين في مواجهةِ مثل هذا الشأن العظيم. وقد قالت عائشة -رضي الله عنها- عن هذا القرآن الذي نزل: (وأنِّي والله أعلم حينئذٍ أنِّي بريئة، وأنَّ الله - تعالى -مبرئي ببراءتي، ولكنِّي واللهِ ما كنت أظنُ أن ينزلَ الله - تعالى -في شأني وحياً يُتلى، وبشأني في نفسي كان أحقرُ من أن يتكلم اللهُ فيه بأمرٍ يُتلى، ولكن كنتُ أرجو أن يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم رؤيا يبرئني الله - تعالى -بها).

(2/227)


ولكن الأمرّ لم يكن أمر عائشة- رضي الله عنها- ولا قاصراً على شخصها، بل لقد تجاوز إلى شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومكانتهِ بين أصحابه، بل تجاوزهُ إلى صلته بربهِ ورسالته كلها، وما كان حديثُ الإفك رميةً لعائشة وحدها، وإنما رميةً للعقيدة في شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أجل ذلك أنزل الله القرآن ليفصلَ في القضية، ويرد المكيدةَ المدبرة، ويتولى المعركة الدائرةَ ضد الإسلام، ورسول الإسلام، ويكشفُ - سبحانه - عن الحكمة وراءِ ذلك.
يحثُّ ديننا الإسلامي إلى إحسانِ الظن بأنفسنا وغيرنا، لما في ذلك من أبعادٍ خطيرةٍ لا تتجلى إلاَّ بعد فوات الأوان.
يقولُ الله - تعالى -في محكم التنزيل: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)) (سورة الحجرات: 6).
وهذا ما نجدهُ واضحاً في عديدٍ من القصص والآيات القرآنية، وبالرغم من أنَّ بعض الحوادث تكونُ مؤلمةً، إلاَّ أنَّ فيها من الخيرِ ما يحمدُ معه الألم، والذي حصل في حديث الإفكِ هو تقديرٌ من العزيز الحكيم، الذي يضعُ الأمورَ في مواضعها، فبرغم ما حصلَ من البلاء للرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن تعلق بالحادث، إلاَّ أنَّ الخير الذي حصلَ بعدهُ أنساهم تلك الآلام التي عاشوها، ولذا يقول الرب - سبحانه - في مستهلِ الحديث عن الإفك: ((إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) (سورة النور: 11).

(2/228)


إنَّهم ليسوا فرداً ولا أفراداً، وإنَّما هم عصبةً متجمعةً ذات هدفٍ واحد، ولم يكن عبد الله بن أبي بن سلول وحدهُ هو الذي أطلق ذلك الإفك، إنَّما هو الذي تولى معظمه، وهو يمثلُ عصبةَ اليهود أو المنافقين الذين عجزوا عن حرب الإسلام جهاراً، فتواروا خلف الستار ليكيدوا للإسلام خفيةً، وكان حديثُ الإفك إحدى مكائدهم القاتلة، ثُمَّ خُدع فيها من خدع من المسلمين؛ فخاض منهم من خاض في حديث الإفك، كحمنة بنت جحش، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثه، لاعن كيدٍ منهم للإسلام، وإنَّما انخداعٌ بتلك المؤامرة، فأصلُ التدبير عند تلك العصبة، وعلى رأسها ابن سلول الحذر الماكر، الذي لم يظهر بشخصهِ في المعركة، ولم يقل علانية ما يؤخذُ به فيقاد إلى الحد، إنَّما كان يهمسُ به بين ملئهِ الذين يطمئنُ إليهم ولا يشهدوا عليه، وهكذا بدأ سياقُ هذه الآيات التي تتحدثُ عن الإفك ببيان تلك الحقيقة، ليكشف عن ضخامةِ الحادث، وعمق جذورهِ، وما وراءهُ من عصبةٍ تكيدُ للإسلام والمسلمين هذا الكيد الدقيق اللئيم.
((لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)).
ومن خير يتهِ أنَّه كشف عن الكائدين للإسلام في شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته، ويكشفُ للمسلمين عن ضرورة تحريم القذف، وأخذ القاذفين بالحد الذي فرضه الله، وبيَّن مدى الأخطار التي تحيقُ بجماعة المسلمين لو أطلقت فيها الألسنة، تقذفُ المحصناتِ الغافلات المؤمنات.
وهو خيرٌ أن يكشف الله للمسلمين عن المنهج القويم، في مواجهة مثل هذا الأمر العظيم، وأمَّا الآلام التي عاناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيتهِ والمسلمين كلهم، فهي ثمنُ التجربة، أمَّا الذين خاضوا في الإفك، فلكلِّ منهم بقدر نصيبه من تلك الخطيئة، وذلك الذنب، ((لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ)). ((وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)).

(2/229)


يناسبُ نصيبه من ذلك الجرم العظيم. والذي تولى كبره، وقاد حملته، هو عبد الله بن أبي سلول رأس النفاق، وحاملُ لواءِ الكيد، ولقد عرف الخبيثُ كيف يختار مقتلاً لولا أنَّ الله كان من ورائه محيطاً، وكان لدينهِ حافظاً، ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - عاصماً.
فلمَّا مرَّ صفوان بعائشة وابن سلول في قومه، قال: (من هذه؟ فقالوا: عائشة، فقال: والله ما نجت منهُ ولا نجا منها، وقال: امرأةُ نبيكم باتت مع رجلٍ حتى أصبحت، ثم جاءَ يقودها).
وهي مقولةٌ خبيثة راح يذيعها عن طريق عصبةِ النفاق، بخبثٍ ودهاء، ووسائل مكتوبة، بلغ من خبثها أن تموجَ بها المدينة، وتلوكها ألسنة المسلمين غير متحرجين، وإنَّ الإنسانَ ليدهشُ كيف أمكن أن تروج هذه الفرية الساقطة في المسلمين آنذاك، بحيثُ لو استشار كل مسلمٍ قلبه يومها لأفتاه، ولو عاد إلى منطق الفطرة لهداه، والربُّ - سبحانه - يدل المسلمين إلى هذا المنهج في مواجهة الأمور، ((لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ)) (سورة النور: 12).
فكان هذا هو الأولى أن يظنَّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً، وأن يستبعدوا سقوطَ أنفسهم في مثلِ هذه الحماقة، وامرأةُ نبيهم الطاهرة وأخوهم الصحابي المجاهد، هما من أنفسهم، فظن الخيرُ بهما أولى، فإنَّ ما لا يليقُ بهم لا يليق بزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يليقُ بصاحبهِ الذي لم يعلم عنه إلاَّ خيراً، وهذا الذي يروى عن أبي أيوب وامرأته- رضي الله عنهما-، أنَّ أبا أيوب قالت له امرأتهُ أم أيوب: (يا أبا أيوب: أما تسمعُ ما يقولُ الناس في عائشة- رضي الله عنها -؟ قال: نعم، وذلك الكذب، أكنت فاعلةً ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله، ما كنتُ لأفعله، قال: فعائشة والله خيرٌ منك.

(2/230)


ويروى: أنَّ أبا أيوب قال: لأمِّ أيوب: ألا ترين ما يُقال؟ فقالت: لو كنتَ بدل صفوان، أكنت تظنُّ بحرمةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سوءاً؟ قال: لا. قالت: ولو كنتُ أنا بدل عائشة- رضي الله عنها- ما خنتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فعائشة خيرٌ مني، وصفوان خيرٌ منك).
فهذه هي الخطوةُ الأولى في المنهج الذي يعرضهُ القرآن لمواجهة الأمور، إحسانُ الظنِّ بالمسلمين، ومراجعةُ النفس وحملُ ما يحصلُ على أحسنِ المحامل.
21/5/1426 هـ
28/6/2005م
http://www.islamlight.net المصدر:
ــــــــــــــــــ

غزوة بني المصطلق

إذاعة طريق القرآن

(2/231)


لما أصاب المسلمين ما أصابهم في غزوة أحد، تجرأت عليهم قبائل العرب المحيطة بالمدينة، وقد بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الحارث بن ضرار المصطلقي أخذ يجمع الجموع لحرب المسلمين، ويؤلب عليهم القبائل المجاورة، وقد سبق أن أعان الحارث وقبيلته قريشا على النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة أحد، فلما تأكد للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن بني المصطلق يجمعون لقتاله، جهز جيشه وخرج في شعبان من السنة الخامسة للهجرة وقيل السادسة، وأغار عليهم وهم غارون، وأنعامهم تستقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وكان في السبي من نساء المشركين: برة بنت الحارث سيد القوم، وقد أخذ من قومها مئتا أهل بيت أسرى، وزعت على المسلمين، وهنا يظهر حسن سياسة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعظم كرمه، فإن هذه القبيلة من أعز قبائل العرب فأسر نسائهم بهذه الحال يصعب جداً على نفوسهم، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل المسلمين يمنون على النساء بالحرية من تلقاء أنفسهم، فتزوج برة بنت الحارث وسماها جويرية، وجعل عتقها صداقها، فقال المسلمون: أصهار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينبغي أسرهم في أيدينا: فمنوا عليهم بالعتق، فكانت جويرية أيمن امرأة على قومها، تقول عائشة رضي الله عنها، فما كانت امرأة أعظم بركة منها! وكان لزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جويرية وإطلاق السبي أثر بالغ في تأليف قلوبهم ، فبدؤوا عهداً جديداً من المشاركة في الجهاد ذودا عن الإسلام، ومن الطاعة لله، والإنقياد لأحكامه، وتسبب هذا الكرم العظيم، وهذه المعاملة الجليلة أن أسلم بنو المصطلق عن بكرة أبيهم.

(2/232)


وكان يمكن لهذه الغزوة أن تنتهى بهذا النصر الميسر ويعود المسلمون دون كبير تعب لولا ما وقع فيها من الأحداث الخطيرة التي سببها خروج المنافقين مع المسلمين على غير عادتهم، وإنما خرجوا هذه المرة لثقتهم بانتصار المسلمين فرغبوا أن يصيبوا من عرض الدنيا، والمنافقون شؤم كما وصفهم الله تعالى: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَة}[التوبة:47]، فكان من الفتن التي وقعت واستغلها المنافقون لإثارة الشقاق بين المسلمين ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله وهو من شهد هذه الغزوة، قال: " كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ـ يعنى ضرب دبره برجله أو بيده ـ فقال الأنصارى: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين: فسمع ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما بال دعوى الجاهلية ؟ وأنا بين أظهركم ؟ قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار! فقال: (دعوها فإنها منتنة) ! فسمع ذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها! يعنى المهاجرين: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل! فسمع ذلك غلام من الأنصار فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (دعه! لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) "، فهذا الذي وقع بين الرجلين من الخلاف وأدى إلى قولهما: يا للأنصار ويا للمهاجرين سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - دعوى الجاهلية، رغم شرف اسم المهاجرين والأنصار، وإقرار الله تعالى لهذه التسميه وثنائه عليها بقوله: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ}[التوبة:100]، إلا أن استغلال الرجلين لهذه التسميات الشريفة بحيث تستعمل استعمالاً خاطئاً يفرق بين المسلمين ويحيى عصبياتهم

(2/233)


الجاهلية التي قضى عليها الإسلام، هو الذي جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ينكر عليهم ذلك ويقول: (دعوها فإنها منتنة): أى قبيحة أو خبيثة، وسماها دعوة الجاهلية، ولا شك أنه يلتحق بهذا كل دعوة إلى العصبية لغير منهج الإسلام كالتعصب للأحزاب أو الفرق أو الجماعات والموالاة والمعاداة فيها وفي أشخاصها على حساب المنهج الذي يجتمع عليه المسلمون وألا يتفرقوا، فكيف إذا أصبح المسلمون يتعصبون إلى أسماء غير شريفة ومعان تافهة غير محمودة كمن يتعصبون إلى الأجناس والأعراق والقوميات، أو يتعصبون لمناهج الغرب التي صاغها من لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة،وكل حمية لغير الله ودينه ورسوله داخلة في دعوى الجاهلية ومن ذلك الحمية لمجرد اللهو واللعب، والموالاة أوالمعاداة على الألعاب المختلفة كالكرة وغيرها بحيث تخرج من حد اللعب إلى حد الجد، لتصبح من الحمية الجاهلية التي هي من سمات الكافرين كما قال تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ}[الفتح:26]، وقد استغل رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول هذه المخالفة التي وقعت من الرجلين، وأراد أن يوقع الفتنة بين الأنصار ـ أهل المدينة ـ وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين من خارج المدينة، فقال كلمته الشنعاء ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) ، فجعلها الله عليه عاراً وشنارا حيث أنزل الله سورة المنافقين تفضح أفعالهم وتكشف نواياهم، وترد الأمور إلى نصابها فتجعل العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، والذل والصغار للمنافقين، ولا أذل لعبد الله بن أبي من قول ابنه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبي، فإن كنت تريد قتله فمرني بقتله، فوالله إن أمرتني بقتله لأقتلنه، وكان باراً بأبيه، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له بر أباك ولا يرى منك إلا خيراً، فلما رجع المسلمون

(2/234)


إلى المدينة وقف له ولده على الطريق وقال له: والله لا تدخل المدينة حتى يأذن لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالدخول، فأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدخوله، فتبين بذلك من العزيز ومن الذليل، وإنما تحمل النبي - صلى الله عليه وسلم - دسائس هذا المنافق وصبر على غدارته دفعاً ومنعاً للمفسدة الأكبر، أن يتحدث الناس ـ وفيهم من ليس من أهل الإسلام ممن لم يطلع على حقيقة النفاق والمنافقين ـ أن يتحدثوا أن محمداً يقتل أصحابه.
لقد أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يؤصل للمسلمين قاعدة هامة جداً، ما أحوج الدعاة التي تفهمها، والتأدب بأدبها، فكثيراً ما تتعارض المصالح في الموقف الواحد، فواجب الداعية أن يكون حكيماً ذا بصيرة كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيحرص على تحقيق أعلى المصلحتين الشرعيتين ولو بتفويت إحداهما إذا تعذر الجمع بينهما، كما يحرص على دفع أقوى المفسدتين الشرعيتين ولو بارتكاب أدناهما لدفع المفسدة الأكبر، وذلك إذا عجز عن دفعهما معاً، إن هذا مقتضى حكمة النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته.
وخلاصة درسه الذي نتعلمه من صنيعه مع المنافقين أن نقول :

(2/235)


لقد استحق ابن أبيٍّ القتل بسبب نفاقه وكيده للإسلام، وقتلُهُ مصلحة عظيمة وردع لأمثاله، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى أن هذه المصلحة تفوت مصلحة أخرى أعظم منها وهي الحاجة إلى أن يظهر المسلمون كالجسد الواحد، مجتمعين حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومتفقين على منهج الإسلام، فلو قتل ابنَ أبيٍّ لتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ولكان في هذا صرف للناس عن الإسلام وصد لهم عن سبيله، ولظهر المسلمون بصورة منفرة لتنازعهم وشقاقهم وخلافاتهم، بينما لو تحمل النبي - صلى الله عليه وسلم - مرارة أفعال المنافقين كابن أبي وأمثاله، وصبر على مكايدهم، ورأى الناس علو أمر الإسلام لدخلوا في دين الله أفواجا، وهذا هو المقصد الصحيح للدعاة، ولن يضر المنافقون إلا أنفسهم، ومثل هذا الدرس يكرره لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة أخرى حين يقول لعائشة: (لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم ) أي أنه كان يجب أن يعيد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم وهذه مصلحة، لكن تحصيلها سيؤدى إلى مفسدة أكبر حين لا يحسن حدثاء العهد بالإسلام فهم هذا الموقف على حقيقته ولا يتحملون رؤية الكعبة وهي تهدم وتسؤ بهم الظنون
ــــــــــــــــــ

غزوة بني المصطلق (المريسيع)

(الشبكة الإسلامية)

(2/236)


جرت أحداث هذه الغزوة في شهر شعبان من السنة الخامسة للهجرة، وسببها أنه لما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الحارث بن أبي ضرار -رأس وسيد بني المصطلق- سار في قومه وبعض من حالفه من العرب، يريدون حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد ابتاعوا خيلاً وسلاحاً، وتهيّأوا للخروج، حينها بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بريدة بن الحصيب الأسلمي ، ليستطلع له خبر القوم، فأتاهم حتى ورد عليهم مائهم، وقد تألبوا وجمعوا الجموع، ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه، ورجع إلى رسول الله فأخبره خبرهم، فندب رسول الله الناس، فأسرعوا في الخروج، وخرج معه سبعمائة مقاتل وثلاثون فرساً، وكان منهم جماعة من المنافقين، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة .
وبلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله إليه، فخافوا خوفاً شديداً، وتفرق عنهم من كان معهم من العرب، وانتهى رسول الله إلى المريسيع وهو مكان الماء، فضرب عليه قبته، ومعه عائشة و أم سلمة ، وتهيأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لملاقاة القوم .
وجعل راية المهاجرين مع أبي بكر الصديق ، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة ، ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فنادى في الناس: قولوا لا إله إلا الله ، تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم .
والصحيح من روايات هذه الغزوة كما يذكر الإمام ابن القيم وأهل السير أنه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغاروا عليهم عند الماء، وسبوا ذراريهم، وأموالهم، ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أغار على بني المصطلق وهم غارّون- أي غافلون- وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية ) رواه البخاري و مسلم .
وتزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - جويرية بنت الحارث ، وهي بنت خمس وعشرين سنة.

(2/237)


وكان السبب في زواجه منها أنه لما قسم عليه الصلاة والسلام السبايا، وقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس ، وأرادت جويرية من رسول الله أن يقضي عنها مكاتبتها، ففعل ذلك رسول الله وتزوجها، وبسببها فك المسلمون أسراهم من قومها
وكانت رضي الله عنها ذات صبر وعبادة، فعن ابن عباس قال: ( خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند جويرية وكان اسمها برة ، فحول اسمها (إلى جويرية )، فخرج وهي في مصلاها ورجع وهي في مصلاها فقال: لم تزالي في مصلاكِ هذا، قالت: نعم، قال: قد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت لوزنتهن، سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته ) رواه أبو داود .
وكان الهدف من زواج رسول الله من جويرية بنت الحارث الطمع في إسلام قومها، وقد تحقق هذا الهدف السامي، فأعز الله المسلمين بإسلام قومها.

(2/238)


وكشفت هذه الغزوة حقد المنافقين على الفئة المؤمنة، فما إن علموا بأن المسلمين انتصروا في المريسيع، حتى سعوا في إثارة العصبية بين المهاجرين والأنصار، ومن تلك المواقف التي اشتهرت ما رواه جابر رضي الله عنه، حيث قال: (كنا في غزاة فكسع -وهو ضرب دبر غيره بيده أو رجله- رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمعها الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال: ما هذا؟ فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : دعوها فإنها منتنة، قال جابر وكانت الأنصار حين قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر ثم كثر المهاجرون بعد، فقال عبد الله بن أبي أو قد فعلوا، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ) رواه البخاري .وقد باءت محاولتهم الدنيئة هذه بالفشل، فلم يتمكنوا من فعل ما أرادوا.
ثم سعوا إلى إيذاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفسه وأهل بيته، فشنوا حرباً نفسية مريرة من خلال حادثة الإفك التي اختلقوها على أهل بيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وقد تحدثنا عن تفاصيل هذه الحادثة في مقال مستقل.

(2/239)


ولنا أن نستفيد من هذه الغزوة دروساً وعظات، نستخلصها من الحوادث المصاحبة لهذه الغزوة، وخاصة حادثة الإفك التي أظهرت خطر المنافقين وجرأتهم، حتى نالوا من عرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم ما ينبغي على المؤمن فعله عند سماع الشائعات من حفظ اللسان وعدم الخوض فيها ، يضاف إلى ذلك الصبر، وعدم التعجل في الأمور عند الابتلاء، أسوة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، كما برز في هذه الغزوة خلق العفو والتسامح، وتجسد ذلك في موقفه مع اليهود وخاصة مع رأس المنافقين أبي بن سلول .
ومما يشار إليه في أحداث هذه الغزوة نزول سورة المنافقون، التي كشفت أخبار المنافقين، وأشارت إلى بعض الحوادث والأقوال التي وقعت منهم، وفضحت أكاذيبهم.
ــــــــــــــــــ

غزوة بني المصطلق

في السنة الخامسة من الهجرة النبوية المباركة وفي طريق عودة جيش المسلمين من غزوة بني المصطلق بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطلق المنافقون ألسنتهم المسمومة في عرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، واتهموا الطاهرة المطهرة أمنا عائشة حبيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شرفها :
ومع ذلك فقد تلبث الوحي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهراً كاملاً لتنقية الصف المسلم وتصفيته من الدخلاء ، ثم تنزّل الوحي بعد ذلك زاجراً ومتوعداً من تعرض لجناب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وفي ذلك يقول الزمخشري في الكشاف : ( ولو فلّيتَ القرآن كله وفتّشتَ عما أوعد به العُصاة لم تر الله تعالى قد غلَّظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها ... ، وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ، ومن أراد أن يتحقق عظمة شأنه - صلى الله عليه وسلم - ... ، فليتلق ذلك من آيات الإفك وليتأمل كيف غضب الله له في حرمته وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه ).

(2/240)


وفي هذه الأيام يتعرض الحبيب - صلى الله عليه وسلم - لإفك جديد عبر حملة صليبية مسعورة ، وبنكهة صهيونية واضحة ، انطلقت شرارتها من مملكة الدنمرك ، ويؤكد ذلك ما كشفه الأستاذ فادي ماضي ، رئيس المؤتمر العربي الإسلامي الأوربي في رسالته إلى منظمة المؤتمر الإسلامي ومفادها أن رئيسي الصحيفتين الدنمركية والنرويجية اللتين كانتا أول من نشر الرسوم الدنسة ، ما هما إلا عضوان في المؤتمر اليهودي العالمي ومن ممولي ومصدّري معلومات قسم الدراسات والأبحاث في معهد سايمون فايزينتال اليهودي الذي يهدد مصالح العرب والمسلمين في كل أنحاء العالم بحجة دفاعه عن السامية .
وبالمناسبة فإن رسام الصحيفة الدنمركية أعطي من جهة عمله إجازة مفتوحة أشبه بالفصل لأنه مازح صحفياً تحداه أن ينشر رسوماً ينتقد فيها اليهود ، واضطرت صحيفته بعد ذلك أن تنشر اعتذاراً رسمياً لليهود في صفحتها الأولى بسبب قبول رسامها ذلك التحدي!

(2/241)


وعلى أية حال فإن هذه الجريمة لا يُستغرب صدورها من أصحاب الجحيم . ولكن الذي يستغرب هو قيام بعض أبناء الأمة المسلمة بالتباكي على الدنمرك والاستماتة في الدفاع عنها والتماس الأعذار لها وكأن شعبها قد شهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة بدر أو بيعة الرضوان ، ومن ذلك قولهم : لماذا نكثر أعداءنا ؟ ، وزعمهم أن القضية تتعلق بحرية التعبير، وأن الشعب الدنمركي مولع بحرية التعبير ، ومن ذلك قولهم : إن الدنمرك من خير بلاد أوربا تسامحاً وحباً للعرب ، مع أن النسبة العظمى من الشعب الدنمركي تؤيد الحكومة والصحيفة في رفضهما الاعتذار للمسلمين ، كما أن أكبر أحزاب المعارضة يحذر من الاعتذار ويصفه بالخيانة ، بل وأخطر من ذلك ما سبق أن صرحت به ملكة الدنمرك لصحيفة الديلي تلقراف البريطانية ، حيث تقول : "إن دين الإسلام عقبة في طريقنا هذه السنين ، محلياً و عالمياً. لقد تركنا الموضوع يتفاقم لأننا متسامحون و كسولون. مهما قال عنا الناس فيجب علينا مقاومة دين الإسلام لأن هناك أشياءً يجب عدم التسامح معها (أي الإسلام)".
ومن هؤلاء الكتاب من يسخر بأمته المسلمة وأنها عالة على الأمم الأخرى ولن تستطيع المضي في طريق المقاطعة ، وتناسوا قوله تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ( التوبة : 28 ).
ويزداد التعجب أكثر وأكثر عندما تلهث بعض الصحف العربية والمحلية التي لا تزال تحبو في بلاط الصحافة خلف الإثارة الرخيصة وتعيد نشر الجريمة الدنمركية ، التي لا يجوز للمسلم إعادة نشرها، لما فيها من اعتداء على جناب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - .

(2/242)


إن ما أقدمت عليه تلك الأقلام سيكون عليهم حسرة وندامة يوم القيامة عندما يرون الحبيب - صلى الله عليه وسلم - فرحاً مستبشراً بحزبه الذي نصره في الدنيا ، ومعرضاً عمن ترك نصرته وآثر الحياة الدنيا ، بحجة الإثارة الصحفية ، أو التقرب من الآخر إلى درجة الانبطاح والذيلية
فيا من بطَّأ به قلمه عن اللحاق بحزب محمد - صلى الله عليه وسلم - تذكر غيرة الجبار سبحانه وتعالى على جناب نبيه - صلى الله عليه وسلم - في حادثة الإفك وأدرك نفسك مادمت في زمن الإمكان ، والحق بركب الإيمان الذين قال عنهم الله سبحانه وتعالى : (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) ( آل عمران : 110).
واحذر أن تكون ممن قال فيهم الحق سبحانه وتعالى : (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (الكهف :104).
والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم .
د.خالد محمد الغيث
ــــــــــــــــــ

غزوة الخندق

لما أجلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يهود بني النضير، خرج بعض زعمائهم وذهبوا إلى مكة، فدعوا قريشًا إلى حرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وقالوا: سنكون معكم حتى نستأصله ونقضي عليه، وقالوا لهم إن ما أنتم عليه خير من دين محمد، وفيهم نزل قول الله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً . أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرًا} [النساء: 51-52].

(2/243)


ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا قبيلة غطفان فدعوهم إلى مثل ما دعوا قريشًا إليه، ولم يزالوا بهم حتى وافقوهم على ذلك ثم التقوا ببني فزارة، وبني مرَّة، واستطاعت قريش واليهود أن يجمعوا جيشًا ضخمًا يبلغ عشرة آلاف مقاتل، واتجهوا إلى المدينة ليقضوا على المسلمين.
ووصلت الأخبار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يرسل بعض المسلمين ليعرفوا أخبار الكفار، فجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين ليتشاوروا في الأمر، فأشار الصحابي الجليل سلمان الفارسي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفر خندق حول المدينة ليمنع دخول الكفار إليها، فقد كانوا يفعلون ذلك في بلاد فارس، وسيكون ذلك مفاجأة أمام كفار مكة وحلفائهم؛ لأنهم لا يعرفون هذه الحيل الحربية.
نظر المسلمون إلى مدينتهم، فوجدوها محاطة بالجبال والحصون والدور من كل جانب ما عدا الجانب الشمالي فقط، وهو الذي سيدخل منه الكفار، فحددوا مكان الحفر في ذلك الجانب، وبدأ المسلمون في حفر الخندق، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشاركهم العمل، وانتهى المسلمون من حفر الخندق قبل أن تصل إليهم جيوش الكفار، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو لهم، متمثلا ببيت من الشعر لعبد الله بن رواحة يقول:
اللهم إن العيشَ عيشُ الآخرة فاغفر للأنصارِ والمهَاجِرة
فيجيبه المسلمون بحماس منشدين:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدا
وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ينقل التراب معهم من الخندق حتى أثر في بطنه، فقال بعض أبيات من شعر ابن رواحة -رضي الله عنه:
اللهمَّ لولا أنتَ ما اهْتَدينَا ولا تصَدَّقْنا ولا صَلَّينا
فأنزلنْ سكينةً علينا وثبِّت الأقدامَ إن لاقينا
إن الألى قد بَغَوا علينا إذا أرادوا فتنةً أبينا
[متفق عليه].

(2/244)


وأثناء ذلك العمل الصعب نظر الصحابي الجليل جابر بن عبدالله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فرآه يربط على بطنه حجرين ليخفف عنه ألم الجوع ويعمل، ويحمل التراب، فأسرع جابر إلى امرأته يسألها: إن كان عندها طعام فذبحت شاة صغيرة عندها، وطحنت كل ما عندها من الشعير، فكان مقدارًا صغيرًا يكفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وبعض أصحابه، وجاء جابر إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، يدعوه سرًّا إلى بيته، وإذا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو معه المسلمين، فيذهب ألف رجل إلى بيت جابر!! والطعام لا يكفي سوى عدد قليل، فمن أين سيأكل كل هذا العدد؟!
لقد وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده الشريفة في الطعام، فبارك الله فيه فأكل جميع المسلمين، وبقي طعام كثير لأهل البيت. _[البخاري] وهكذا كان المسلمون يتعبون ويصبرون، وعناية الله تعالى تؤيدهم وتحرسهم، وبينما هم يحفرون وجدوا صخرة شديدة لم يستطع أحد أن يحطمها، فلجئوا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فتناول المعول وضرب الصخرة ضربة فكسر ثلثها، وقال: (الله أكبر أعطيتُ مفاتيح الشام، والله إني أبصر قصورها الحمر الساعة) ثم ضرب الثانية، فكسر الثلث الآخر، فقال: (الله أكبر أعطيتُ مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض) ثم ضرب الثالثة وقال: (باسم الله) فقطع بقية الحجر فقال: (الله أكبر أعطيتُ مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة). _[أحمد وابن جرير].

(2/245)


وقد تحققت نبوءة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ودخل الإسلام هذه البلاد، واستمر العمل دون تراخٍ أو كسل حتى تحقق الأمل، وانتهى المسلمون من عملهم قبل أن يصل المشركون، واقترب جيش المشركين من المدينة، ووقفوا أمام الخندق متعجبين، وصدموا به، فهذه أول مرة يستعمل فيها العرب مثل هذه الحيل الحربية، وشعروا بالخيبة، فقد انقلبت حساباتهم، وأصبحت أعدادهم الكبيرة لا قيمة لها، وهي تقف أمام الخندق عاجزة حائرة يكاد الغيظ
يفتك بها، وهم يقولون: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.
ومن مكان ضيق في الخندق حاول المشركون أن يقتحموه، ولكن سهام المسلمين انهالت عليهم كالسيل، فارتدوا خائبين، وخرج عمرو بن عبد ود من صفوف المشركين وقال: من يبارز؟ وكان عمرو بن عبد ود فارسًا قويا شجاعًا، لا يستطيع أحد أن يقف أمامه أو يبارزه؛ فلم يقف أحد لمبارزته سوى على بن أبي طالب الذي قام وقال: أنا أبارزه يا رسول الله، فأعطاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - سيفه، وعمَّمَه، ودعا له، ولما شاهده عمرو استصغر سنه، وقال له: لِمَ يابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك.
فرد علي عليه: لكني والله أحب أن أقتلك، فغضب عمرو ونزل عن فرسه، وقتل الفرس، وبارز عليًّا، وظلا يتبارزان، وثار الغبار فلم ير أحد منهما، وضربه على فقتله، وكبَّر، فعلم المسلمون أن عليا قتله، وظل المسلمون والمشركون يتراشقون بالسهام والنبال، فقتل عدد قليل من المشركين، واستشهد بعض المسلمين.

(2/246)


وحدث أمر خطير للمسلمين لم يضعوه في حسبانهم، ففي جنوب المدينة اتفق يهود بني قريظة مع الكفار أن يفتحوا لهم المدينة من ناحيتهم؛ كي يضربوا ظهور المسلمين ويأسروا نساءهم وأبناءهم، وقد شعر المسلمون بهذه الخيانة، فأرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعض المسلمين ليتأكدوا من الخبر، ولما تأكدوا من صحته أسرعوا في مجموعات لحماية المدينة من الداخل وحماية الأطفال من غدر اليهود وعدوانهم، وحاولت قريش أن تقتحم الخندق؛ لتنفذ منه إلى قلب المدينة، فوقف المسلمون لهم بالمرصاد.
وكانت السيدة عائشة تقف مع أم سعد -رضي الله عنهما- فمر عليهما سعد بن معاذ وعليه درع لا تستر ذراعيه كليهما، وفي يده حربته، فقالت له أمه: الحق يا بني فقد -والله- تأخرت، فقالت السيدة عائشة لها: يا أم سعد، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ (أطول) مما هي عليه، ورُمِي سعد بن معاذ بسهم قطع منه الأكحل (عرق في وسط الذراع) فدفعه إيمانه أن يدعو الله قائلا: (اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك، وكذبوه، وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة) _[متفق عليه].
لقد ارتبك المسلمون من خيانة بني قريظة التي قد تمكن الكفار منهم، وأخذوا ينظرون إلى أنفسهم وقلوبهم متعلقة بالله -تعالى- وقد صور القرآن ذلك الموقف فقال تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا} [_الأحزاب: 10].

(2/247)


وقد أحاط المشركون بالمسلمين، فحاصروهم قريبًا من عشرين ليلة، وأخذوا بكل ناحية، ووجهوا نحو منزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتيبة غليظة، فقاتلها المسلمون يومًا إلى الليل، فلما حانت صلاة العصر، لم يقدر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من الصحابة أن يصلوا العصر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) _[مسلم].
ونظر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين، فوجدهم كثيرين، فأراد أن يخفف الحصار عن المسلمين، فعرض على المسلمين أن يتفق مع قبيلة غطفان على أن يأخذوا ثلث ثمار المدينة؛ وينسحبوا من المعركة، وبعد ذلك يتفرغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقتال قريش، واستشار في ذلك الأمر سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وأخبرهما أن ذلك ليس أمرًا من الله تعالى يجب تنفيذه، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله، وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قِرًي (ضيافة) أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟! والله ما لنا بهذا من حاجة، ولا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
فوافق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، بعدما وجد من أصحابه الرغبة في الصمود أمام أعدائه مهما كانت قوتهم، والثقة في نصر الله تعالى، وأثبت المسلمون وهم في هذا الموقف الصعب أنهم يستحقون نصر الله لهم، لقد سلموا أمرهم إلى ربهم، وفعلوا كل ما يقدرون عليه، فاستحقوا نصر الله لهم.
إسلام نعيم بن مسعود:

(2/248)


ألقى الله الإيمان في قلب نعيم بن مسعود الغطفاني وكان مع المشركين، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له: إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لنعيم: (إنما أنت فينا رجل واحد فَخَذِّل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة) _[ابن إسحاق].
طلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من نعيم أن يظل في قومه ويستخدم ذكاءه في صرفهم عن المسلمين، فذهب نعيم إلى يهود بني قريظة، وكان صديقًا لهم في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم.
فقال لهم: إن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم (ناصرتموهم) عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة (فرصة) أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدًا حتى تناجزوه (تقاتلوه). فقالوا له: لقد أشرت بالرأي.
ثم توجه إلى قريش، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدًا، وإنه قد بلغني أمر رأيت على حقًّا أن أبلغكموه نصحًا لكم، فاكتموا عني، فقالوا: نفعل. قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم.

(2/249)


فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنًا من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدًا، ثم توجه إلى قبيلة غطفان، فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلي وعشيرتي، وأحبُّ الناس إلي، ولا أراكم تتهمونني. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم. قال: فاكتموا عني. قالوا: نفعل، فما أمرك؟ فقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم مما حذرهم. وذهب المشركون يطلبون من اليهود أن يقاتلوا معهم المسلمين، فطلب اليهود عددًا من الرهائن، وهنا تأكد لكل منهم صدق نعيم بن مسعود في نصحه لهم، فرفض الكفار إعطاء الرهائن، وامتنع اليهود عن الحرب معهم، وهكذا استطاع مسلم واحد بإرادة الله تعالى وتوفيقه أن يشتت شمل الكفار واليهود بعدما كانوا مجتمعين ضد المسلمين.
هزيمة الأحزاب:
ونعود إلى داخل المدينة، فالمسلمون مجتمعون حول نبيهم، يتضرعون إلى الله -تعالى- أن يذْهِبَ عنهم هؤلاء الأحزاب الذين تجمعوا لهدم دينه، ويقولون: (اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم) _[البخاري].
فاستجاب الله تعالى لهم، وإذا بريح شديدة في ليلة شاتية باردة تقتلع خيام المشركين، وتقلب قدور وأواني الطعام والشراب، وكأن الكون كله يحاربهم فامتلأت قلوبهم بالرعب، وأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يطلع على أحوال المشركين وأخبارهم، فالتفت إلى المسلمين وقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة؟) فلم يقم أحد من المسلمين من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد.

(2/250)


فلما لم يقم أحد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابي حذيفة بن اليمان لهذه المهمة، فقام حذيفة طاعة لأمر الله ورسوله حتى دخل معسكر المشركين، وسمع أبا سفيان يدعوهم إلى الرحيل، ويقول لهم: يا معشر قريش، لينظر كل امرئ مَنْ جليسه؟ فأخذ حذيفة بيد الرجل الذي كان إلى جانبه، فقال له: من أنت؟ قال: فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكُرَاعُ (الخيل)، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر (آنية طعام) ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، وكان ذلك في شوال من السنة الخامسة للهجرة.
ورجع حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يقص عليه ما رأى، وطلع النهار، وارتحلت الأحزاب، وانفك الحصار، وعاد الأمن ونجح المسلمون في الخروج بسلام من هذه المحنة، قال تعالى: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا} [_الأحزاب: 25] وهتف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، غلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده) _[البخاري] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد انصراف الأحزاب: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا) [البخاري].
ــــــــــــــــــ

غزوة الأحزاب

(2/251)


لم يفق اليهود من غيهم، ولم يتعظوا بما أصابهم من إجلاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم نتيجة غدرهم وتآمرهم، وآلمهم استقرار أمر المسلمين وبسط نفوذ وتوطد سلطانهم، فشرعوا يخططون للتآمر على المسلمين، وأجمعوا على تأليب قبائل العرب ضد المسلمين كى يرموهم عن قوس واحدة، وقد خرج وفد من قادة بني النضير إلى قريش يحرضونهم على حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال أحبارهم إن قتال محمد حق ! واسئتصاله أرضى لله، لأن دين قريش أفضل من دينه، وتقاليد الجاهلية أفضل من تعاليم القرآن ! مما أسعد قريشاً وزادهم إصراراً على العدوان، وفي هذا أنزل الله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلن تَجِدَ لَهُ نَصِيراًَ }[النساء:51-52] ثم ارتحل هؤلاء اليهود إلى غطفان فعقدوا معهم حلفاً مشابها ضد المسلمين، وهكذا استطاع أولئك النفر من اليهود أن يجمعوا الأحزاب المختلفة من قريش، وغطفان، وفزارة، وأشجع، وبنى مرة، وبنى أسد، وبني سليم، وتحرك هؤلاء جميعاً بعد أن تواعدوا على الزمان والمكان وبلغ عدد جيوشهم عشرة آلاف مقاتل وقائدهم العام أبو سفيان بن حرب القرشي.
وسارع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عقد مجلس الشورى مع أصحابه كعادته في مهمات الأمور فأشار عليه سليمان الفارسي بحفر الخندق، وهي وسيلة حربية لم تكن العرب تعرفها قبل ذلك، وتم الاتفاق على هذه الخطة بالإجماع، حيث سيشكل الخندق حاجزاً يمنع الالتحام المباشر مع الغزاة ويمنع اقتحام المدينة، ويوفر للمسلمين الذين لا يزيد عددهم عن ثلاثة آلاف موقعاً دفاعياً جديداً، يمكنهم من رش الغزاة بالسهام من وراء الخندق.

(2/252)


وبدأ المسلمون يحفرون الخندق في جد بالغ، وتلاحم بديع، رغم برودة الجو والمجاعة التي أصابت المدينة في ذلك الوقت، لكن حرارة الإيمان طغت على آثار البرد، ولذة اليقين أنستهم ألم الجوع، واستمر المسلمون يحفرون الخندق ويحملون الأتربة، وهم يرددون الأهازيج في غاية الحماس، ويردد معهم النبي - صلى الله عليه وسلم - شعر ابن رواحة:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأُلى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنه أبينا
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحفر معهم كأحدهم وينقل التراب حتى اغبر بطنه ووارى التراب جلده، وشد على بطنه حجراً لفرط الجوع، ولم يكن حفره معهم تمثيلاً ولا موقفاً إعلاميا كما يفعله كثير من القادة الآن، وإنما كان يتحمل كأحدهم، بل كان يتحمل أكثر مما يتحملون، فقد كانوا إذا أعجزتهم صخرة لجئوا إليه فيأخد المعْول فيفتتها بعد ثلاث ضربات، يضرب الأولى ويقول: الله أكبر ! أعطيت مفاتيح الشام، والله إنى لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم يضرب الثانية ويقول الله أكبر ! أعطيت مفاتيح فارس ! والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثم يضرب الثالثة ويقول الله أكبر ! أعطيت مفاتيح اليمن ! والله إني لأبصر بوابة صنعاء من مكاني هذه الساعة ! وهكذا يبشرهم بما سيكون من فتوح لهذه البلدان مما أخبره الله بالوحي تسلية لهم وحفزاً لهمهم، رغم ما هم فيه من الخوف والبرد والجوع.

(2/253)


أما المؤمنون فلا ينتابهم شك في وعد الله ورسوله: { قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً }[الأحزاب:22]، وأما المنافقون فقد سخروا من هذه البشارة وقالوا:{ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً }[الأحزاب:12] وقالوا أيضاً: { يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً }[الأحزاب:13] فما أجبن المنافقين، وما أقل ثقتهم بربهم وما أضعف إيمانهم، وأما المؤمنون فما أوفر إيمانهم وما أوثقهم بما عند ربهم وتصديقهم به.
فحسبكم هذا التفاوت بينكم وكل إناء بما فيه ينضح

(2/254)


ورغم تخذيل المنافقين وإرجافهم وظروف المجاعة وشدة البرد، مضى المسلمون في تنفيذ مهامهم، وإكمال خطة الدفاع عن المدينة، وقد أراهم الله عدة آيات من أعلام النبوة تثبيتاً لهم وتأنيساً لقلبهم وتسلية لنفوسهم، فمن ذلك أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه رأى ما بالنبي - صلى الله عليه وسلم - من شدة الجوع فلم يتحمل ذلك، فاستأذن وذهب إلى أهله وذبح شاة صغيرة وطحنت امرأته صاعاً من الشعير ثم عاد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له سراً: طعيَمّ لى فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كم هو ؟ فذكرت له، قال: كثير طيب ! فصاح النبي - صلى الله عليه وسلم - يا أهل الخندق ! ـ وكانوا ألفا ـ إن جابر صنع سوارا ـ يعنى مائدة أو وليمة ـ فحيهلا ! فلما دخل جابر على امرأته قال: ويحك ! جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمهاجرين والأنصار ومن معهم ! قالت: هل سألك كم طعامك ؟ قال نعم قالت: الله ورسوله أعلم، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل أصحابه فوجاً فوجاً ويبرك على الطعام، يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويغرف لهم، حتى أكلوا جميعاً وبقيت بقية ! فقال: كلى هذا وأهدى، فإن الناس أصابتهم مجاعة، قال جابر: فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوا، وانصرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو! " أخرجه البخارى".
وأتم الله للمسلمين حفر الخندق ووضعوا نسائهم وأطفالهم في حصن فارس وهو أقوى حصون المدينة، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة آلاف من أصحابه وجعلوا ظهورهم إلى سلع فتحصنوا به.

(2/255)


وجعلوا الخندق بينهم وبين الكفار، الذين أقبلوا في كتائب منظمة، عشرة آلاف بخيلهم ومقاتلهم ودروعهم على أكمل ما يكونون إستعداداً، لكنهم فوجئوا برؤية الخندق ! واحتاروا في كيفية اقتحامه، وكلما حاولوا أمطرهم المسلمون بالسهام، وقد تغيظ بعض فرسان قريش أن يقفوا مكتوفى الأيدى أمام الخندق، فاختاروا مكاناً ضيقاً من الخندق وتمكنوا من اقتحامه، وكان فيهم عمرو بن عبد ود، وهو فارس شجاع معلم، فأسرع بعض فرسان المسلمين لسد هذه الثغرة وإنقاذ الموقف، ودعا على بن أبي طالب عمرو للمبارزة فقال عمرو: ولم يا ابن أخى؟ فوالله ما أحب أن أقتلك ـ استصغاراً لشأنه ـ قال على: لكنى والله أحب أن أقتلك، فحمى عمرو وأقبل على علىّ فتنازلا وتجاولا، فقتله على رضى الله عنه.
خرجت خيل المشركين من الخندق منهزمة حتى اقتحمته هاربة، وبقى المشركون يحاصرون الخندق قريباً من الشهر.
وقد اشتد الخطب على المسلمين عندما بلغهم أن حلفائهم الذين يساكنونهم المدينة، يهود بنى قريظة، قد نكثوا العهد وغدروا بهم، فخافوا على نسائهم وأطفالهم أن ينالهم اليهود بسوء، وبلغ بهم البلاء منتهاه كما قال تعالى: { إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً }[الأحزاب:10-11] لكن الإيمان العميق والتربية الجادة التي رباهم عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعلتهم ينزلون حاجتهم بالله ويلجئون إليه، مع حرصهم على الأخذ بالأسباب الشرعية المستطاعة، فكان من شأن الله معهم أن أجرى عادته مع المؤمنين في مثل هذه المواطن: { حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا }[يوسف:110].

(2/256)


لقد أحدث الله لهم من الأقدار ما نصرهم به، وخلق لهم من جنوده ماهزم به أعدائهم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا }[الأحزاب:9].
لقد نصر الله المسلمين بريح الصبا، التي جعلت تقتلع خيام المشركين، وتكفئ قدورهم، وتطفىء نيرانهم وتدفن رحالهم، ونصر الله جنده بالملائكة تقاتل عن المسلمين، وزرع الشك في نفوس المشركين واليهود بعضهم من بعض، فنادى فيهم أبو سفيان بالرحيل، وأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا من أصحابه يأتيه بخبر القوم واشترط له الجنة ! فذهب ورجع وبشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما أصاب المشركين من الكرب و التفريق والهزيمة، وهكذا انفك الحصار عن المدينة، وعاد الأمن، وصدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده !
ــــــــــــــــــ

غزوة الأحزاب دلائل ودروس وعبر

الشيخ. عقيل بن محمد بن زيد المقطري
المنافقون ودورهم يوم الأحزاب
حزب النفاق لم يكن في المرحلة المكية؛ لأن الإسلام لم يكن قوياً فكان الظهور للشرك ولكنه ظهر في الفترة المدنية لما قوي الإسلام.
بداية التجمع:
من دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوه بدر لم يكن النفاق قد ظهر فكان معسكر الشرك واضحاً بزعامة عبدالله بن أبي نفسه، وكان يطالب من النبي - صلى الله عليه وسلم - بجرأة واضحة أن يكف عن الدعوة إلى الله.
وكان معسكر اليهود واضحاً، كذلك الأفراد منهم أظهروا الإسلام وهم في الحقيقة جواسيس على المسلمين وقد ذكر الله - عز وجل - هذا النموذج بقوله: [وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] {آل عمران: 72}.

(2/257)


برز النفاق بعد الانتصار الحاسم في غزوة بدر، وكان الخزرج يعدون لتتويج عبدالله بن أبي بن سلول، وكانت عقدة الزعامة والمنصب تأكل قلبه. وما من غزوة ألا وكان لهم دور في التجسس والتخذيل.
دورهم في غزوة الأحزاب
حديث القرآن عن المنافقين يوم الأحزاب كان طويلاً لحد ما (تسع آيات) إذ قيس بما ذكر عن غزوه الأحزاب ومواقف المسلمين منها، يقول الله عنهم: [وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا] {الأحزاب: 12} ولو أمعنا النظر بهذه الآيات نجد ما يلي:
1- الفريق الأول: يقولون ما وعدنا الله ورسوله ألا غروراً؛ فهم قد حضروا المعركة، وأمام هول الصدمة وعنف المحنة انهار إيمانهم، وهذا القول منقول في كتاب السيرة عن معتب بن قشير، إذ قال في ساعات الخوف والزلزلة بعد أن سمع بشريات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالفتح المبين لهذا الدين في أقطار الأرض، وهذا القول يوحي بأنه صدر ممن صدر مع حشرجة في الصدر، وتحدث بخفوت صوت وفي الخفاء ومع أناس موثوق بهم عند المتحدث، وكانوا يظنون أن هذا الكلام لن يصل إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - ولكن الله كان لهم بالمرصاد فكشف حالهم إلى النبي - عليه الصلاة والسلام -.
2- الفريق الثاني: قوم تذكر كتب السيرة أنهم بنو حارثه وهى أحد الطائفتين اللتين همتا أن تفشلا يوم أحد فلقد قالوا للنبي - عليه الصلاة والسلام -: "إن بيوتنا عورة وليس دار من الأنصار مثل دارنا ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا لنمنع ذرارينا ونسائنا" فأذن لهم - صلى الله عليه وسلم - ، فبلغ سعد بن معاذ ذلك، فقال: يا رسول الله لا تأذن لهم أنا والله ما أصابنا وإياهم شدة إلا صنعوا هكذا، فالقرآن ذكر جبنهم وهلعهم في أربع آيات تؤكد ما قاله سعد بن معاذ:

(2/258)


1- يريدون الفرار من المعركة: [قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَوِ القَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا] {الأحزاب: 16}.
2- لو وطئ العدو أرضهم لأجابوه للفتنه عن دينهم والتخلي عن عقيدتهم: [وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا] {الأحزاب: 14}.
3- خوفهم من الموت أن يصيبهم في أرض المعركة.
4- تزعزع عقيدتهم ووهنها هو الذي يدفعهم إلى هذا الموقف: [وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا] {الأحزاب: 12}.
والحقيقة أن النفع والضر بيد الله والفرار لن يحول بينهم وبين الموت.
إن المؤمن الصادق يوقن بأن النصر بيد الله والنفع والضر بيد الله والموت والحياة بيد الله، وهؤلاء ليسوا من هذا الصنف.
3- الفريق الثالث: وهم المعوقون: [قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ البَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا] {الأحزاب: 18}، الذين كانوا يخذلون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العاكفون في جحورهم في المدينة وهم جبناء مثل أسلافهم، لكنهم لخذلانهم وتخاذلهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصبح مهوى قلبهم مع العدو، لذا وصفهم القرآن بقوله: [فَإِذَا جَاءَ الخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ] {الأحزاب: 19}، وقد حكى عليهم القرآن بأنهم غير مؤمنين: [أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا] {الأحزاب: 19}.

(2/259)


إن مواصفات هذا المعسكر استغرقت آيات كثيرة أمام حجمهم الضئيل، رغم أن الفرصة سانحة لبروزهم من أوكارهم خصوصاً عند اشتداد المحنه، وليست المشكلة الخوف إنما المشكلة بواعث هذا الخوف، إن المحنة تمحص القلوب وتكشف ما في الصدور من إيمان ونفاق أو كفر.
أن المؤمن قد يتزلزل لكنه لا يفقد إيمانه، قد يفقد شجاعته وثباته لكن إيمانه لا يتزلزل أبدا، أما ضعيف الإيمان فينهار إيمانه أمام الحادثات.
من ثمار غزوة الأحزاب
جلاء يهود بني قريضة نتيجة غدرهم، وذلك هو طبع اليهود، وكان الدور الأكبر في ذلك لزعيمهم المنهزم حيي بن أخطب سيد بني النضير الذي أجلي إلى خيبر، وعاد إلى مكة يشعل النار فيها لتغزوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - في عقر داره، حيث خرج سلام بن أبي الحقيق وحيي بن اخطب ببضع عشر رجلاً إلى مكة ودعوا قريشاً إلى حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرحبوا بهم وفرحوا أشد الفرح وهم لا يزالون يتذكرون قتالهم في المعارك السابقة -بدر وأحد مثلا- خرجت قريش وغطفان، فجاء جبريل - عليه السلام - وقال: يا محمد أوقد وضعت سلاحك قال: نعم قال: فما وضعت الملائكة سلاحها، فنادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريضة » وكانت الغزوة وكان فيها ما كان.
المحنة في يوم الأحزاب

(2/260)


تحركت قريش وكنانة وحلفاؤهم من أهل تهامة وقائدهم أبو سفيان في أربعه آلاف، ووافاهم بنو سليم بمر الظهران وخرجت من المشرق قبائل غطفان، واجتمعت كلها على أبواب المدينة بعشرة آلاف يقاتل هذا الجيش العرمرم والبحر الطامي الذي يريد استئصال الموحدين، فلو جاء هؤلاء بغتة لفتكوا بمن في المدينة واستأصلوهم لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - سارع إلى عقد مجلس الشورى وتشاور معهم حول موضوع خطه الدفاع عن المدينة، وبعد مداولات وافق المجلس على اقتراح قدمه الصحابي الجليل سلمان الفارسي، حيث قال: يا رسول الله إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، وكانت خطة حكيمة لم تكن العرب تعرفها قبل ذلك، فأسرع النبي - عليه الصلاة والسلام - في تنفيذ هذه الخطة فوكل إلى كل عشره حفر أربعين ذراعاً -طول الخندق خمسة آلاف ذراع وعرضه تسعة أذرع وعمقه من سبعه إلى عشره-، كان حفره في مدة مابين ست أيام إلى أربعة وعشرين، وأخذ المشركون يدورون مغضبين علهم يجدون نقطة ضعيفة لينحدروا منها، وأخذ المسلمون يراقبون المشركين ويرشقونهم بالنبل حتى لا يجرؤا على الاقتراب ولا اقتحام الخندق ولا دفنه وبناء طريق للعبور، لكن المؤمنون كافحوا مكافحة مجيدة، ورشقوهم بالنبل وناضلوهم أشد النضال حتى فشل المشركون في محاولتهم، ولأجل الاشتغال بمثل هذا الكفاح شغل رسول الله والمسلمون عن الصلاة الوسطى فقال: « شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا ».

(2/261)


وقد أستمر هذا الوضع أياماً إلا إن الخندق كان حائلاً بين الجيشين، وبينما كان المسلمون يواجهون هذه الشدائد على جبهة المعركة كانت أفاعي الدرس تتحرك، فانطلق كبير مجرمي بني النضير حيي بن اخطب فأتى كعب بن أسد القرظي سيد قريظة فلم يزل به حتى نقض العهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أحرج موقف يقفه المسلمون فلم يكن يحول بينهم وبين قريظة شيء يمنعهم من ضربهم من الخلف بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم يكونوا يستطيعون الانصراف عنه، وكانت نساؤهم وذراريهم بمقربه هؤلاء الغادرين من غير منعة وحفظ، وصاروا كما قال الله - تعالى -: [وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا(10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11)] {الأحزاب}، وبرز حينئذً النفاق فقال قائلهم: محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، أما رسول الله فتقنع ثوبه حين أتاه غدر بني قريظة فاضطجع ومكث طويلاً حتى اشتد على الناس البلاء، ثم غلبه روح الأمل فنهض يقول: الله أكبر استبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره.
كانت غزوة الأحزاب سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين، وأقام المشركون محاصرين للمسلمين شهراً أو قريباً من الشهر، وكانت المعركة معركة أعصاب لم يجر فيها قتال مرير إلا أنها كانت من أحسم المعارك في تاريخ الإسلام تمخضت عن تخاذل في المشركين وأفادت أن أية قوة من قوات العرب لا تستطيع استئصال القوة الصغيرة التي تنمو في المدينة؛ لأن العرب لم تكن تستطيع أن تأتي بجمع أقوى مما أتت به في الأحزاب لذلك قال - عليه الصلاة والسلام -: « الآن نغزوهم ولا يغزونا ».
طبيعة المرحلة

(2/262)


1- كانت للمسلمين سمعة ضخمة بعد انتصار بدر والانتصارات على بني قينقاع، ثم تدهورت هذه السمعة وذلك لما تجمع العرب مع اليهود بذلك العدد الضخم للإجهاز على المسلمين مع الحقد الدفين.
2- كانت تحركات المسلمين خلال هذه المرحلة تعتمد على الهجوم كأقوى وسيله من وسائل الدفاع، وهو هجوم مركز مدروس مخطط له مهمته أن يضرب العدو قبل أن يتحرك نحوه.
3- كان المسلمون يتذكرون دائماً أنهم الهدف الأول للعدو، ولم يكونوا يألون جهداً إذا وجدوا فرصة سانحة للدعوة أن يرسلوا بالدعاة، وما المصيبتان العظيمتان اللتان أصابتا المسلمين في الرجيع وبئر معونة إلا بسبب ذلك، فاكتساب أرض جديدة وأنصار جدد مما يعزز قوة المسلمين.
4- كان الواقع العملي على غير ما خطط له رسول الله - عليه الصلاة والسلام - فقد غدر بالقراء جميعاً واستشهدوا رضوان الله عليهم، ولم يملك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم سوى الدعاء والدعاء على الغادرين بهم شهراً في صلاته.
5- لم يتزعزع صف المسلمين من قيادتهم وذلك لمتانة التربية خلافاً لما هو حاصل اليوم، فمثل هذه الفاجعة قد تؤدي إلى أن فقدان الثقة بالقيادة والخروج عليها وزعزعة الصف المسلم.
6- صبر وثبات الشباب على هول المحنة وضخامتها، فبالرغم من مرور سنتين متواليتين بالمحن دون تحقيق نصر ما فت في عضد المسلمين، ولم يتخلف أحد في تنفيذ ما يوكل الله سواء كان وحده أو كان في سرية، بل كانت صفة الالتزام والطاعة هي السمة الأساسية في قلب هذه المحنة، وما قصة حذيفة عنا بعبيدة حين أرسله - عليه الصلاة والسلام - ليأتي بخبر الأحزاب.
7- التحرك العسكري خلال سنتين لم يرافقه مواجهة للعدو، بل كان فضاً لبعض التجمعات أو محاصرة موقع مثل غزوة بني النضير.
8- يقظة القيادة الدائم لتحرك العداء ومراقبتهم في جميع الاتجاهات وكان يباغت أي تحرك نحو المدينة قبل انطلاقه وملاحقته مما يجعل العدو يفقد أعصاب.

(2/263)


9- كانت هذه الغزوة نهاية التحديد الزمني للانتقال من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: « الآن نغزهم ولا يغزونا ».
10- رغم هول المحنة لم يستعن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمشرك مع عرض أنفسهم ورغم توقيع المعاهدات معهم إلا أن هذه المعاهدات لم تتعد ولم تتجاوز الجانب السياسي.
مخابرات النبي - عليه الصلاة والسلام -
في غزوة الخندق كانت خزاعة عندما خرجت من مكة أتى ركبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أربع ليال حتى أخبروه فندب الناس وأخبرهم خبر عددهم.
الثبات يوم الخندق
1- ندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم وشاورهم أيبرز من المدينة أم يكون فيها، ويخندق عليها أم يكون قريباً والجبل من ورائهم؟
2- استقر الرأي على البقاء في المدينة وحفر الخندق.
3- جاء عمر بخبر مفاده أن بني قريظة نقضوا العهد وأرسل الزبير، ثم بعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسيد ابن حضير وطلب منهم أن يلحنوا (أي يلغزوا).
4- أقام - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه محصورين بضع عشرة ليلة حتى أشتد الكرب مما جعل النبي - عليه الصلاة والسلام - يفاوض عيينة بن حصن، والحارث بن عوف -وهما رئيسا غطفان- أن يجعل لها ثلث ثمار المدينة فطلبا النصف فأبى إلا الثلث فرضيا ثم دعا سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة فاستشارهما فقالا: والله ما كنا لنعطيهما ذلك ونحن في الجاهلية والله لا نعطيهما ونحن في الإسلام.
وأسلم نعيم ابن مسعود وكان صديقاً لبني قريضة فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخذل الناس وأذن له أن يقول.
وهنا لك ثلاث نقاط غيرت مجرى الأحداث في هذه الغزوة:
1- حفر الخندق.
2 - حصر خسائر المسلمين في ستة قتلى.
3- الثبات عند خبر بني قريظة.
هذه الأمور رفعت معنويات الجيش.
وفي هذه الغزوة أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمارا أنه تقتله الفئة الباغية.
الدلالات والعبر
1- يدل على أن ملة الكفر واحدة.

(2/264)


2- يدل على حقد كل من كان خارجاً عن الدين لهذا الدين وأهله.
3- يدل على أن الاعتصام بحبل الله والتوكل عليه قوة لا تقهر.
4- يدل على أهمية القيادة الحازمة الملتزمة بأمر الله.
5- يدل على أن السمع والطاعة له دوره الكبير في وحدة الصف والكلمة.
6- يدل على أن التخطيط والتهديف أمر ضروري لازم.
7- يدل على أن التربية السليمة تعصم الأفراد من التذمر وتحليهم بالصبر على كل حال، فالصحابة أصابهم من الجوع الشيء الكثير وأصابهم الخوف والهلع الشديد، لكن التربية السليمة عصمتهم من التمرد والتذمر.
8- الثقة بالقيادة أمر مهم، والرضا والتسليم بالقرارات وتنفيذها يلم الشمل، فلم يتذمر أحدهم من قرارات النبي - عليه الصلاة والسلام - إلا أهل النفاق والزيغ وهم قله لا يذكرون، أما المؤمنون فكانوا محل المشاورة والتسليم.
9- إن الفرج بعد الشدة.
10- أن التحلي بالتفاؤل بنصر الله من الخصال الحميدة.
11- صحة نقل الأخبار المنقولة للقيادة حتى يتم التخطيط وفق ذلك.
12- غدر اليهود ونقضهم للمواثيق.
13- أهميه الشورى في الإسلام.
14- أهمية نزول القائد الميداني والمشاركة مع الإفراد (حفر الخندق ومشاركته - عليه الصلاة والسلام -).
15- مشاركة الملائكة في الغزوة بل الريح وهي من جند الله.
16- اختيار أهل الفطنة والذكاء لتنفيذ المهمات الصعبة.
17- تدل على أهميه تماسك الجماعة.
18- تحفيز المنفذين للأوامر بالقول وغيره (إن لكل نبي حواري وحواريي الزبير).
19- جواز استخدام المعاريض (ورائنا عضل والقارة) كناية عن غدر اليهود كما غدرت عضل القارة.
20- الأخبار المزعجة صحيحة كانت أو كاذبة سبب في اهتزاز الصفوف (إلحنا) وجواز الكذب على العدو.
ولهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسيد بن حضير أن ينظروا في أمر بني قريظة ثم يأتونه بالخبر وطلب منهم التورية.
21- أهميه السرية في الإسلام.

(2/265)


22- حب الشهادة في سبيل الله، والنظر لهذه الحياة بأنها حياة حقيرة، قول سعد: (اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة).
32- جواز الكذب على الأعداء وجواز الاندساس في صفوفهم للتعرف على ما عندهم والتخذيل عن المسلمين بزرع الخلاف بين قوى الشر.
24- جواز كتم المندس لإسلامه حتى لا يفقد ثقة الأعداء.
25- فقه الصحابة ودهاؤهم العسكري.
26- جواز التعاهد مع بعض الأعداء مرحلياً إذا رأى القائد ضعف المسلمين وكان في ذلك مصلحة للمسلمين، مثل: خلخلة صفوف الأعداء وإضعاف من يتبقى منهم وإفقادهم الثقة بأنفسهم وتقليل الجبهات المواجهة ضد المسلمين، مثل ما حصل في بداية الأمر من النبي - عليه الصلاة والسلام - مع قبيلة غطفان.
27- يدل على أنه ليست العبرة بالعدد: [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ] {البقرة: 249}، يوم بدر، يوم أحد، يوم الخندق.
28- توالي الضربات على الأعداء، وتوالي الانتصارات للمسلمين يهز ثقة الأعداء بأنفسهم ويرعبهم رعباً شديدا إذا تحرك المسلمون.
29- بدء المسلمين للكفار بالغزو والانتقال من مقام (الدفاع) إلى مقام (المواجهة) يرعب الأعداء ويضعف شوكتهم ويشعرهم بقوة المسلمين (الآن نغزوهم ولا يغرونا).
30- عدم الغرور وإظهار الضعف والانكسار والتواضع بين يد الله من أسباب تنزل النصر خلافاً لما حصل بعد في (غزوة حنين).
31- مكانة العبادة والطاعة واهتمام الجماعة المسلمة بذلك والتحسر إذا فات شيء من ذلك والخوف من حصول معصية؛ لأن المعاصي من أسباب الهزيمة.
32- خطر المندسين في الصفوف من منافقين ومتجسسين ومصلحيين وذلك بالتخذيل والانسحاب والاعتذار بقصد الهروب كما قالت بنو حارثة: (إن بيوتنا عورة) قال سعد بن معاذ: يا رسول الله ما أصابنا وإياهم شدة إلا صنعوا هكذا.

(2/266)


33- المعجزات التي حصلت في هذه الغزوة:
1- كان يرى النصر في ومضات الصخور.
2- تفتيته - عليه الصلاة والسلام - للصخرة المستعصية.
3- الريح.
4- طعام جابر بن عبدالله.
5- قتال الملائكة قال جبريل: كنا نطردهم.
34- ثقة القيادة بنصر الله حيث كان - عليه الصلاة والسلام - يرى ما سيفتح الله عليه في ومضات الصخور.
35- أهمية العمل الجماعي الدءوب في حفر الخندق.
36- أهمية توحيد المنهج وأن الإنسان لا يصلح له أن يتجه إلى أكثر من أفق، ولا أن يتبع أكثر من منهج (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه).
37- تحالف أهل الشرك ضد الإسلام وأهله.
38- تأكيد أحبار التوراة لعبدة الأوثان أن قتال النبي - عليه الصلاة والسلام - حق، وأن استئصاله أرضى لله، وأن دين قريش أفضل من دين محمد، وأن تقاليد الجاهلية أفضل من تعاليم الإسلام، واليوم يؤكد اليهود والصليبيون أن ما عليه العلمانيون حق، وأن تقاليدهم أفضل من تعاليم الإسلام، وأن محاربة بل وقتل الإسلاميين حق: [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا] {النساء: 51}.
39- أهمية الحصار واستخدامه من وسائل الضغط والتركيع.
40- جواز الإنشاد والتسلية على النفس بالمباح أثناء الكرب والمحن.
41- قول سعد: (اللهم أبقني حتى أجاهد قريشاً...... ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريضة) يظهر مبلغ ما انطوت عليه قلوب المسلمين من غيظ خيانة اليهود للعهود والمواثيق، واليوم هرولة وبكاء عليهم.
42- الدعاء مع عمل الأسباب: (اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم).

(2/267)


هذه بعض الفوائد التي استنبطتها من هذه الغزوة، وإن كان فيها الكثير مما لم أذكره لكنها كانت خواطر ألقيتها في محاضرة واختصرت سرد الغزوة لاقتضاء المقام، أما الفوائد فقد حاولت الاستقصاء لأهمها أسأل الله - تعالى -أن يكتب الأجر والثواب إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
http://olamaa-yemen.net/olamaa/index.php?ola=akeel&baner=akeel.jpg&o=b7&id=6
ــــــــــــــــــ

غزوة الخندق ... وعبقرية التفكير

" حم، لا يُنصرون " كان ذلك هو شعار المسلمين في غزوةٍ فريدة في أحداثها ووقائعها، وفي الأطراف التي شاركت فيها، وفي النتائج التي خرجت بها، فهي الغزوة التي استخدم فيها المسلمون خندقاً لحماية المدينة، وشهدت تحالفاً قويّاً بين المكر اليهوديّ والطغيان القرشيّ، وواجه المسلمون فيها أكبر تجمّعٍ لأهل مكة ومن جاورها من القبائل العربيّة.
وقعت أحداث هذه الغزوة في شهر ذي القعدة من السنة الخامسة للهجرة، وكان المحرّك لها يهود بني النضير بعد إجبار المسلمين لهم على الخروج من المدينة ليسكنوا أرض خيبر عقاباً على خيانتهم وغدرهم، مما أثار في قلوبهم مشاعر الحقد والغيظ، فأخذوا يحيكون المؤامرات والدسائس للقضاء على المسلمين، وإنهاء سيطرتهم على المدينة.

(2/268)


وكان أوّل ما خطر ببالهم الاستعانة بأهل مكّة؛ لعلمهم بإمكاناتهم العسكريّة وعلاقاتهم الواسعة بمن جاورهم من القبائل، فانطلق وفدٌ منهم بقيادة سلام بن أبي الحقيق، وحييّ بن أخطب، وأبي عمّار الوائلي، وغيرهم من قيادات اليهود، وقاموا بتحريض قريشٍ على قتال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ووعدوهم بالنصرة والمساندة، وبالغوا في مدحهم ومجاملتهم على حساب الدين حتى شهدوا بأنّ ما عليه قريش من الشرك والضلال خيرٌ وأهدى سبيلاً مما عليه المؤمنون، فنزل القرآن مبيّناً أمرهم في قوله - سبحانه -: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} (النساء: 51).
ووافق تحريض اليهود هوىً في نفوس أهل مكّة، ورغبةً في القضاء على الوجود الإسلاميّ في المدينة، والخروج من الضائقة الاقتصاديّة التي أصابتهم بفعل التعرّض المستمرّ لقوافلهم التجاريّة على يد الصحابة، إضافةً إلى أنهم وجدوا في ذلك فرصةً للإيفاء بالوعد الذي قطعوه يوم أحدٍ بالعودة لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وهكذا التقت مصالح الفريقين، وقامت قريش بمراسلة حلفائها من بني أسد وبني سليم وكنانة وغطفان وغيرها، فاجتمع جيشٌ قوامه عشرة آلاف مقاتل، وعاد الوفد اليهوديّ مسروراً بهذه الأعداد الهائلة التي سارت متّجهةً صوب المدينة.

(2/269)


وجاءت الأخبار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باقتراب الأحزاب من المدينة، فعقد اجتماعاً عاجلاً مع كبار المهاجرين والأنصار لمناقشة ما ينبغي فعله لصدّ العدوان، فاتفقت آراؤهم على ضرورة الخروج إلى تلك القوّات ومنعها من الوصول، لكنّ سلمان الفارسيّ - رضي الله عنه - كان له رأيٌ آخر، حيث أشار على النبي - صلى الله عليه وسلم - بحفر خندقٍ كبير كما كانوا يفعلونه في أرض فارس، فأُعجب النبي - صلى الله عليه وسلم - بفكرته، وأمر بحفر الخندق في شمال المدينة، وذلك لأنّ بقيّة الجهات كانت محصّنةً بالبيوت المتقاربة والأشجار المتشابكة، والأراضي الصخريّة، التي تحول دون دخول المشركين وتقدّمهم.
وتمّ تقسيم المسؤولية بين الصحابة بحيث تولّى كل عشرةٍ منهم حفر أربعين ذراعاً، ثم بدأ العمل بهمّة وعزيمة على الرغم من برودة الجوّ وقلة الطعام، وزاد من حماسهم مشاركة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحفر ونقل التراب.
وكان الصحابة - رضوان الله عليهم- يقضون الأوقات بترديد الأشعار المختلفة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يشاركهم في ذلك، فكانوا يقولون:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبداً
هو يجيبهم بقوله:
اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة
وكان - صلى الله عليه وسلم - يردّد أبيات عبد الله بن أبي رواحة - رضي الله عنه -:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا * * * ولا تصدقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا * * * وثبّت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا * * * وإن أرادوا فتنة أبينا

(2/270)


وقد شهدت تلك الأيام كثيراً من المعجزات، كإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأمور الغيبيّة، وذلك عندما واجه الصحابة أثناء الحفر صخرةً عظيمةً لم يتمكّنوا من كسرها، فضربها النبي - صلى الله عليه وسلم - بفأسه وقال: (بسم الله)، فسطع منها وميضٌ قويٌّ وانكسر ثلثها، فقال - عليه الصلاة والسلام -: (الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا)، ثم ضربها مرّة أخرى فسطع منها الوميض مرّةً أخرى وانكسر ثلثها الثاني، فقال: (الله أكبر، أُعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأُبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا)، وعلى إثر الضربة الثالة تحوّلت تلك الصخرة إلى فتات، وبشّر النبي - صلى الله عليه وسلم - بوصول دعوته إلى اليمن، وجاءت أيّام الفتح الإسلامي لتشهد على صدق تلك البشارات النبويّة.
ومن هذا الباب أيضاً، إخباره - صلى الله عليه وسلم - بمقتل عمّار بن ياسر - رضي الله عنه -، فقد ورد في صحيح البخاري وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ويح عمّار؛ تقتله الفئة الباغية)، وقُتل - رضي الله عنه - أيّام خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.

(2/271)


ووقف الصحابة رضوان الله عليهم أيضاً على معجزاتٍ أخرى، كان فيها تخفيفٌ للشدّة والجوع الذي شهدوه، فبعد مرور ثلاثة أيّام في الحفر ونقل الحجارة وشدّة الجوع، حتى ربط النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة الحجارة على بطونهم من شدّة الجوع، رأى جابر المعاناة في وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - فعظُم عليه ذلك، واستأذنه في الذهاب إلى البيت، فقصّ على زوجته ما رآه، وطلب منها أن تصنع الطعام لضيافة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأخذت الشعير الذي ادّخرته فطحنته وصنعت منه طعاماً، وذبح جابر - رضي الله عنه - عنزة كانت لديه وجعلها في القدر، ولما نضج اللحم انطلق إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلّمه سرّاً بالحضور مع رجلٍ أو رجلين على الأكثر نظراً لقلّة الطعام، فإذا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يصيح بأعلى صوته داعياً كل من كان في الخندق للحضور معه، ثم أمر جابراً بعدم المساس بالطعام.
ورأت زوجة جابر جموع المهاجرين والأنصار وهي مقبلة فعاتبت زوجها، فأخبرها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو من قام بدعوتهم، ودخل الصحابة بيت جابر - رضي الله عنه -، والنبي - عليه الصلاة والسلام - يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ثم يغطّي القدر، ولم يزل كذلك حتى أكلوا جميعاً وشبعوا، وبقي شيءٌ من الطعام في القدر فكان من نصيب أهل جابر.
واكتمل بناء الخندق خلال عشرين يوماً، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - النساء والصبيان في إحدى حصون بني حارثة لحمايتهم، ثم أمر بتنظيم دوريّاتٍ لحراسة المدينة من جميع الجهات، وعيّن سلمة بن أسلم الدوسي - رضي الله عنه - لتولّي الحراسة عند الخندق، وأرسل مع زيد بن حارثة - رضي الله عنه - مائتي رجل لمراقبة الجهة الجنوبية.

(2/272)


وفي تلك الأثناء كان حيي بن أخطب من بني النضير يقوم بمهمّة خطيرة، فقد ذهب إلى بني قريظة ليضمّهم إلى معسكره ضدّ المسلمين، مستفيداً من موقعهم المتميّز في جنوب المدينة، واستطاع بعد محاولات كثيرة إقناعهم في نقض عهدهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بعد أن أغراهم بكثرة الأحزاب وقوّتها، ووعدهم بالحماية بعد انتهاء الحرب ورحيل الجيوش.
ولما وصلت الأخبار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بنقض بني قريظة للعهد، أرسل سعد بن معاذ و سعد بن عبادة ومعهما عبد الله بن رواحة و خوات بن جبير - رضي الله عنهم - للوقوف على حقيقة الأمر، والتأكّد من صحّة الخبر، ولما دنوا منهم وجدوا أنّهم قد نقضوا العهد ومزّقوا الوثيقة، وجاهروا بالسبّ والعداوة، وأظهروا استعدادهم للحرب، فعاد الصحابة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤكّدين له غدرهم وخيانتهم.
وانتشر الخبر بين المسلمين فعظم عليهم البلاء، وأصابهم الكرب الشديد، فقد كانت المدينة مكشوفةً من الجنوب على بني قريظة، وزاد من خوفهم وجود بعض النساء والذراري في حصون اليهود، وقد وصف الله - تعالى -تلك اللحظات العصيبة بقوله: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} (الأحزاب: 10 11).
وكان للمنافقين دورٌ في زيادة المحنة، وذلك بالسخرية من المؤمنين وبثّ روح الهزمية والتخذيل فيهم، كما قال - تعالى -: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} (الأحزاب: 12)، واستأذن كثير منهم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في العودة إلى ديارهم بحجّة أنها مكشوفة للأعداء، وغرضهم في الحقيقة إنما هو الفرار من أرض المعركة.

(2/273)


وأمام هذه الضغوط المتزايدة، أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعقد مصالحة مع غطفان للعدول عن الحرب مقابل أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة؛ فاستشار زعيمي الأوس والخزرج سعد بن معاذ وسعد بن عبادة - رضي الله عنهما -، فقالا: " لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف "، فاستحسن النبي - صلى الله عليه وسلم - قولهما، وتراجع عن رأيه.
ووصلت جموع الأحزاب إلى المدينة، ليفاجؤوا بوجود خندقٍ يحول بينهم وبين اقتحامها، فلم يكن أمامهم سوى ضرب الحصار على المسلمين، والبحث عن فرجةٍ تمكنهم من الدخول، لكنّ المسلمين كانوا يقظين لمحاولاتهم، فكانوا يرمونهم بالسهام لمنعهم من الاقتراب.
واستمرّت المناوشات بين الفريقين طيلة أيام الحصار، تمكّن خلالها خمسةٌ من المشركين من اقتحام الخندق، فقُتل منهم اثنان وفرّ الباقون، واستُشهد بعض المسلمين، كان منهم سعد بن معاذ - رضي الله عنه - الذي أُصيب في ذراعه، فدعا الله –عزوجل- أن يطيل في حياته حتى يقرّ عينه في بني قريظة، فاستجاب الله دعاءه ومات بعد أن حكم فيهم بحكم الله.
ونظراً للضربات المتواصلة من المشركين، اضطر المسلمون في بعض الأحيان إلى تأخير الصلاة، وربما فاتهم وقتها بالكلّية، حتى دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم بقوله: (ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة حتى غابت الشمس) رواه البخاري.

(2/274)


وطال الحصار، واشتدّ البلاء، فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه إلى السماء وقال: (اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم)، فاستجاب الله دعاء نبيّه، وساق له الفرج من حيث لا يحتسب، فأقبل نعيم بن مسعود الغطفاني معلناً إسلامه واستعداده لخدمة المسلمين، وقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (إنما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنّا إن استطعت؛ فإن الحرب خدعة)، فذهب نعيم إلى بني قريظة واستطاع إقناعهم بضرورة أخذ رهائن من قريشِ وحلفائها تحسّباً لأي انسحابٍ مفاجيءٍ منهم، وبذلك يضمنون استمرار الحرب، ثم ذهب إلى قريشٍ وغطفان وأظهر لهم إخلاصه ونصحه، وأخبرهم بندم اليهود على ما كان منهم من نقض للعهد، وإبلاغهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعزم على أخذ رهائن من قريشٍ ودفعها إليه إظهاراً لحسن نيّتهم، وهكذا استطاع أن يزرع الشكوك بين الأطراف المتحالفة، مما أدّى إلى تفرّق كلمتهم، وضعف عزيمتهم.
وتم النصر للمؤمنين عندما هبّت عواصفُ شديدة اقتلعت خيام الكفّار وأطفأت نيرانهم وقلبت قدورهم، وأنزل الله الملائكة تزلزلهم، وتُلقي الرعب في قلوبهم، كما قال - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا} (الأحزاب: 9).
وأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - يستطلع الأخبار، فرأى أبا سفيان وهو ينادي الناس بالرحيل، فعاد حذيفة يُبشّر النبي - صلى الله عليه وسلم - بانسحاب الكفّار، ففرح المسلمون بذلك فرحاً عظيماً، وحمد النبي - صلى الله عليه وسلم - ربّه وقال: (لا إله إلا الله وحده أعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده).

(2/275)


وانتهت المعركة بانتصار المسلمين على الرغم من كثرة عدوّهم، ودخل اليأس في قلوب كفّار مكّة من القضاء على دولة الإسلام، وكشفت الغزوة عن حقيقة اليهود وحقدهم، ومكر المنافقين وخبثهم، وكانت سبباً في تحوّل موقف المسلمين من الدفاع إلى الهجوم حتى استطاعوا خلال سنين قليلة من فتح مكة، وتوحيد العرب تحت راية الإسلام.
http://www.islamweb.net المصدر:
ــــــــــــــــــ

الدروس والعبر

وفي غزوة أحد دروس وعبر كثيرة منها :
*- تذكير المؤمنين بالسنن ودعوتهم للعلو الإيماني:
قال تعالى: ( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ - هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ - وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ) [آل عمران: 137-139].
إن المتأمل في هذه الآيات الكريمة يجد أن الله سبحانه وتعالى لم يترك المسلمين لوساوس الشيطان في محنة غزوة بدر، بل خاطبهم بهذه الآيات التي بعث بها الأمل في قلوبهم، وأرشدهم إلى ما يقويهم ويثبتهم، ويمسح بتوجيهاته دموعهم ويخفف عنهم آلامهم (1) .
قال القرطبي: هو تسلية من الله تعالى للمؤمنين (2) .
__________
(1) - انظر: حديث القرآن الكريم عن غزوات الرسول (1/190).
(2) - انظر: تفسير القرطبي (4/216).

(2/276)


ففي الآيات السابقة دعوة للتأمل في مصير الأمم السابقة التي كذبت بدعوة الله تعالى، وكيف جرت فيهم سنته على حسب عادته، وهي الإهلاك والدمار بسبب كفرهم وظلمهم وفسوقهم على أمره. وجاء التعبير بلفظ كيف الدال على الاستفهام، المقصود به تصوير حالة هؤلاء المكذبين التي تدعو إلى التعجب، وتثير الاستغراب، وتغرس الاعتبار والاتعاظ في قلوب المؤمنين؛ لأن هؤلاء المكذبين مكن الله لهم في الأرض ومنحهم الكثير من نعمه، ولكنهم لم يشكروه عليها، فأهلكهم بسبب طغيانهم (1) .
وفي قوله تعالى: ( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ) دعاهم إلى ترك الضعف، ومحاربة الجبن، والتخلص من الوهن، وعدم الحزن؛ لأنهم هم الأعلون بسبب إيمانهم.
*- تسلية المؤمنين وبيان حكمة الله فيما وقع يوم أحد:
قال تعالى: ( إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ - وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ - أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ - وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) [آل عمران: 140-143].
__________
(1) - انظر: حديث القرآن الكريم عن غزوات الرسول (1/191).

(2/277)


إنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جِرَاحٌ ، وَقُتِلَ مِنْكُمْ رِجَالٌ يَوْمَ أحُدٍ ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِمَّا أَصَابَكُمْ ، فَلاَ يَنْبَغِي لَكُمْ أنْ تَقْعُدُوا وَتَتَقَاعَسُوا عَنِ الجِهَادِ بِسَبَبِ مَا أَصَابَكُمْ ، فَالمُشْرِكُونَ قَدْ سَبَقَ أنْ أَصَابَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَ مَا أَصَابَكُمْ أَنْتُمْ فِي أحُدٍ ، فَلَمْ يَتَقَاعَسُوا ، وَلَمْ يَقْعُدُوا عَنِ الإِعْدَادِ لِلْحَرْبِ وَمُبَاشَرَتِهَا ، وَهُمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ ، فَكَيْفَ تَتَرَدَّدُونَ وَأَنْتُمْ عَلَى حَقٍّ ، وَاللهُ وَعَدَكُمْ نَصْرَهُ ، وَجَعَلَ العَاقِبَةَ لَكُمْ؟ وَمِنْ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى مُدَاوَلَةُ الأَيَّامِ بَيْنَ النَّاسِ ، فَمَرَّةً تَكُونُ الغَلبَةُ لِلْبَاطِلِ عَلَى الحَقِّ ، إذَا أَعَدَّ لَهُ أَهْلُهُ وَاحْتَاطُوا ، وَتَرَاخَى أَهْلُ الحَقِّ ، وَمَرَّةً تَكُونُ الغَلَبَةُ لِلْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ . وَلَكِنَّ العَاقِبَةَ تَكُونُ دَائِماً لِلْحَقِّ وَأَهْلِهِ . وَاللهُ تَعَالَى يَبْتَلِي المُؤْمِنينَ لِيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ الصَّادِقِينَ مِنْهُمْ ، وَلِيَتّخِذَ مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالاً يُكْرِمُهُمْ بِالشَّهَادَةِ .
يُدَاوِلُ اللهُ الأيَّامَ بَيْنَ النَّاسِ لِيَمِيزَ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ ، مِنَ المُنَافِقِينَ ، وَلِتَطْهُرَ نُفُوسُ بَعْضِ ضُعَفَاءِ المُؤْمِنِينَ مِن كُدُورَتِهَا ، فَتَصْفُوَ مِمَّا شَابَهَا وَخَالَطَهَا ، وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إلا بِالتَّجَارِبِ الكَثِيرَةِ ، وَالامْتِحَانِ بِالشَّدَائِدِ ، وَلِيَكُونَ الجِهَادُ وَالحَرْبُ فِي سَبيلِ اللهِ وَسِيلةً لِتَدْمِيرِ الكَافِرِينَ الذِينَ إذا ظَفِرُوا بَغَوا وَبَطِرُوا .

(2/278)


وَلاَ تَحْسَبُوا أَنَّكُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَبِرَكُمُ اللهُ تَعَالَى وَيُمَحِّصَكُمْ فِي الشَّدَائِدِ وَالجِهَادِ لِيَرَى صِدْقَ إيمَانِكُمْ ، وَيَرَى مَنْ يَسْتَجِيبُ للهِ ، وَيُخْلِصُ فِي طَاعَتِهِ ، وَقِتَالِ أًَعْدَائِهِ ، وَيَصْبِرُ عَلَى مَكَارِهِ الحُرُوبِ .
يُخَاطِبُ اللهُ تَعَالَى مَنْ شَهِدَ وَقْعَةِ أحُدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْراً ، وَكَانُوا يَتَحَرَّقُونَ شَوْقاً لِلْقِتَالِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِيَكُونَ لَهُمْ يَومٌ كَيَوْمِ بَدْرٍ ، وَقَدْ أَلَحُّوا عَلَى الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الخُرُوجِ إلَى أحُدٍ لِيُقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ . وَيَقُولُ تَعَالَى لِهَؤُلاءِ : لَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ قَبْلَ أنْ تُلاَقُوا القَوْمَ فِي مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ ، فَهَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْنَ فَمَا بَالُكُمْ دَهِشْتُمْ عِنْدَمَا وَقَعَ المَوْتُ فِيكُمْ؟ وَمَا بَالُكُمْ تَحْزَنُونَ وَتَضْعُفُونَ عَنْ لِقَاءِ مَا كُنْتُمْ تُحِبُّونَ وَتَتَمَنَّوْنَ؟ (1)
*-ضرب المثل بالمجاهدين السابقين:
__________
(1) - انظر: تفسير الرازي (9/14). (4) انظر: تفسير الكشاف (1/465) وأيسر التفاسير لأسعد حومد - (ج 1 / ص 434-436)

(2/279)


قال تعالى: ( وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ - فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآَخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) [آل عمران: 146-148].
فِي هَذِهِ الآيَةِ يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَمَّا وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ يَوْمَ أحُدٍ ، فَقَالَ لَهُمْ : كَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ وَهُوَ يُقَاتِلُ ، وَكَانَ مَعَه جَمَاعَاتٍ كَثِيرَةٌ ( رِبِّيُّونَ ) مِمَّنْ آمَنُوا بِهِ ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ ، فَمَا وَهِنُوا ، وَمَا ضَعُفُوا بَعْدَ قَتْلِ النَّبِيِّ ، وَمَا اسْتَكَانُوا ، وَمَا اسَتَذَلُّوا لِمَا أصَابَهُمْ فِي الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَفِي سَبِيلِ إِعْلاَءِ دِينِهِ ، وَإِنَّمَا صَبَرُوا عَلَى قِتَالِ الأَعْدَاءِ ، وَلَمْ يَهْرُبُوا مُوَلِّينَ الأَدْبَارَ ، لأنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ فِي سَبِيلِ نَبِيِّهِمْ ، فَعَلَيْكُمْ أيُّهَا المُسْلِمُونَ أنْ تَعْتَبِرُوا بِأولَئِكَ الرِّبِّيِّينَ ، وَتَصْبِرُوا كَمَا صَبَرُوا فَإنَّ دِينَ اللهِ وَاحِدٌ ، وَسُنَّتَهُ فِي خَلْقِهِ وَاحِدَةٌ .

(2/280)


فَاحْتَسَبَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ ( الرِّبِّيُّونَ ) اللهَ عِنْدَ اشْتِدَادِ الخَطْبِ ، وَهُمْ يُقَاتِلُونَ أَعْدَاءَهُمْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ قَوْلٍ عِنْدَ نُزُولِ الكَوَارِث إلاَ الدُّعَاءُ إلَى اللهِ أنْ يَغْفِرَ لَهُمْ بِجِهَادِهِمْ مَا كَانُوا ألمُّوا بِهِ مِنْ ذنُوبٍ ، وَتَجَاوُزَوا فِيهِ حُدُودَ الشَّرائعِ ، وَأن يُثَبِّتَ أقْدَامَهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ القَوِيمِ ، حَتَّى لا تُزَحْزِحَهُم الفِتَنُ ، وَلاَ يَعْرُوهُمُ الفَشَلُ حِينَ مُقَابَلَةِ الأعْدَاءِ فِي سَاحَةِ الحَرْبِ .
فَآتَاهُمُ اللهُ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ عَلَى الأَعْدَاءِ ، وَهُمَا ثَوَابُ الدُّنْيا ، وَجَمَعَ لَهُمْ ، إلَى ذَلِكَ الظَّفَرِ ، حُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ ، وَهُوَ الفَوْزُ بِرُضْوَانِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ ، وَاللهُ يُحِبُّ الذِينَ يُحْسِنُونَ العَمَلَ ، لأَنَّهُمْ يُقِيمُونَ سُنَّتَهُ فِي أَرْضِهِ ، وَيُظْهِرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ أَنَّهُمْ جَدِيرُونَ بِخِلاَفَةِ اللهِ فِيهَا .
*- خطورة إيثار الدنيا على الآخرة:
وردت نصوص عديدة من آيات وأحاديث تبين منزلة الدنيا عند الله وتصف زخارفها وأثرها على فتنة الإنسان، وتحذر من الحرص عليها، قال تعالى: ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) [آل عمران: 14].

(2/281)


وقال تعالى في شأن هزيمة أحد : {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } (152) سورة آل عمران

(2/282)


لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَالمُسْلِمُونَ إلَى المَدِينَةِ بَعْدَ مَعْرَكَةِ أحُدٍ قَالَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ : مِنْ أَيْنََ أَصَابَنَا هَذا وَقَدْ وَعَدَنَا اللهُ تَعَالَى النَّصْرَ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ وَفِيها يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ : إِنَّهُ صَدَقَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ بِهِ مِنْ نَصْر ، فَكُنْتُمْ تَقْتُلُونَهُمْ قَتْلاً ذَرِيعاً بِإذْنِ اللهِ ، وَسَلَّطَكُمْ عَلَيهِمْ ، حَتَّى إذَا أَصَابَكُمُ الضَّعْفُ وَالفَشَلُ ، وَعَصَيْتُمْ أمْرَ الرَّسُولِ ، وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ ، ( وَهُوَ مَا وَقَع لِلرُّمَاةِ الذِينَ أَمَرَهُمُ الرَّسُولُ أنْ يَلْزَمُوا مَوَاقِعَهُمْ فَتَخَلَّوا عَنْهَا ) ، وَكَانَ اللهُ قَدْ أَرَاكُمُ الظَّفَرَ ، وَهُوَ مَا تُحِبُّونَهُ ، فَكَانَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنيا ، وَيَطْمَعُ فِي المَغْنَمِ ، حِينَ رَأَوْا هَزِيمَةَ المُشْرِكِينَ ، فَتَرَكُوا مَوَاقِعَهُمْ عَلَى الجَبَلِ ، وَمِنْكُمْ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الآخِرَةَ فِي قِتَالِهِ المُشْرِكِينَ لاَ يَلْتَفِتُ إلَى المَغْنَمِ ، فَثَبَتَ مَكَانَهُ وَقَاتَلَ ، ثُمَّ أدَالَ اللهُ المُشْرِكِينَ عَلَيكُمْ ، وَجَعَلَ لَهُمُ الغَلَبَةَ عَلَيْكُمْ لِيَخْتَبِرَكُمْ ، وَيَمْتَحِنَ ثَبَاتَكُمْ عَلَى الإيمان ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكُمْ ذَلِكَ الفِعْلَ ، وَهُوَ عِصْيَانُ أَمْرِ الرَّسُولِ ، وَالهَرَبُ مِنَ المَعْرَكَةِ ، وَمَحَا أَثَرَهُ مِنْ نُفُوسِكُمْ ، حِينَمَا أَظْهَرْتُمُ النَّدَمَ ، وَرَجَعْتُمْ إلَى اللهِ ، حَتَّى صِرْتُمْ وَكَأَنَّكُمْ لَمْ تَفُشَلُوا . وَلَمْ يَسْمَحِ اللهُ باسْتِئْصَالِكُمْ لأَنَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ .
*- التعلق والارتباط بالدين وليس بالأشخاص

(2/283)


قال تعالى :{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} (144) سورة آل عمران
لَمَّا انْهَزَمَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ أحُدٍ ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ ، أُشِيعَ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ قُتِلَ ، فَحَصَلَ ضَعْفٌ فِي صُفُوفِ المُسْلِمِينَ ، وَتَأَخُّرٌ عَنِ القِتَالِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيةَ ، وَفِيهَا يُذَكِّرُ المُسْلِمِينَ بِأَنَّ مُحَمَّداً بَشَرٌ قَدْ سَبَقَتُهُ رُسُلٌ ، مِنْهُمْ مَنْ مَاتَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ ، ثُمَّ يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ ضَعُفَ مِنْهُمْ ، حِينَ سَمَاعِ إِشَاعَةِ قَتْلِ الرَّسُولِ ، ضَعْفَهُ ، فَقَالَ لَهُمْ : أَفَإِنْ مَاتَ مُحَمَّدٌ ، أوْ قُتِلَ ، تَرَاجَعْتُمْ وَنَكَصْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ؟ وَمَنْ يَتَرَاجَعُ وَيَنْكُصْ عَلَى عَقِبَيْهِ ، فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيئاً ، لأنَّ اللهَ غَنِيٌ عَنِ العَالَمِينَ ، أمّا الذِينَ امْتَثَلُوا لأمْرِ اللهِ ، وَقَاتَلُوا عَنْ دِينِهِ ، وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ ، فَهَؤُلاءِ هُمُ الشَّاكِرُونَ ، وَسَيَجْزِيهِمْ رَبُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ .

(2/284)


لقد كان من أسباب البلاء والمصائب التي حدثت للمسلمين يوم أحد أنهم ربطوا إيمانهم وعقيدتهم ودعوتهم إلى الله لإعلاء كلمته بشخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا الربط بين عقيدة الإيمان بالله ربًا معبودًا وحده وبين بقاء شخص النبي - صلى الله عليه وسلم - خالدًا فيهم خالطه الحب المغلوب بالعاطفة، الربط بين الرسالة الخالدة وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - البشر الذي يلحقه الموت كان من أسباب ما نال الصحابة -رضي الله عنهم- من الفوضى والدهشة والاستغراب، ومتابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أساس وجوب التأسي به في الصبر على المكاره، والعمل الدائب على نشر الرسالة، وتبليغ الدعوة ونصرة الحق، وهذا التأسي هو الجانب الأغرّ من جوانب منهج رسالة الإسلام؛ لأنه الدعامة الأولى في بناء مسيرة الدعوة لإعلاء كلمة الله ونشرها في آفاق الأرض، وعدم ربط بقاء الدين واستمرار الجهاد في سبيله ببقاء شخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الدنيا . (1)
ــــــــــــــــــ

غزوة الأحزاب مواقف وعبر

الكاتب : عبدالملك القاسم
بعد غزوة أحد أظلت المدينة سحابة حزن لفقد الأحبة شهداء في سبيل الله.. وخيم السكون حيناً على الجزيرة العربية. ولم يكن ذلك الهدوء الذي أظل المدينة إلا بداية لتحزب الأحزاب من ملل الكفر والشرك، يتحينون الفرص ويسابقون إلى العداوة! فلا يهنأ لهم بال ولا يقر لهم قرار حتى يكون معقل الإسلام ومدينته تحت أيديهم يجوسون فيها تقتيلاً وإفساداً. وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:10].
في السنة الخامسة للهجرة خرجت شرذمة من اليهود نحو كفار مكة ليأنبوهم ويحرضوهم على غزو المدينة، ومحاولة استئصال شأفة الإسلام، وقتل محمد ، والتنكيل بأصحابة! ثم خرج الرهط يحمل الحقد والكراهية للمسلمين نحو غطفان ليكتمل عقد الأحزاب.
__________
(1) - انظر: محمد رسول الله، صادق عرجون (3/616).

(2/285)


وتداعت الجموع وأقبل الشر بخيله ورجله، فخرجت من الجنوب قريش وكنانة وأهل تهامة، ووافاهم بنو سليم وخرجت من الشرق قبائل غطفان وكذلك خرجت بنو أسد. واتجهت الأحزاب الكافرة صوب المدينة حتى تجمع حولها جيش عرمرم يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل! جيش يزيد عدده على سكان المدينة رجالاً ونساءاً، صغاراً وكباراً! في جوع منهم شديد، وبرد وزمهرير، وعدة قليلة، وما عند الله خير وأبقى!
إجتمع الأحزاب حول المدينة لسبب واحد لا غير وإن اختلفت الألسن وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ [البقرة:217].
وفي هذا الجو المكفهر والكرب الشديد إنقسم أهل المدينة إلى قسمين: قسم آمن بوعد الله وصدق بنصر رسالته وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب:22].

(2/286)


فشدوا للقتال وقدموا المهج والأرواح وبذلوا الأسباب بحفر الخندق وحراسة المدينة ليل نهار مع ما أصابهم من الجوع والفاقه، فقد كان طعام الجيش قليلاً من الشعير يخلط بدهن سنخ متغير الرائحة لقدمه، ويطبخ فيأكلونه رغم طعمه الكرية ورائحته المنتنة لفرط الجوع، وأحياناً لا يجدون سوى التمر وقد يلبثون ثلاثة أيام لا يذوقون طعاماً! وكان أشد أمر عليهم نجم النفاق وفشل الناس وعظم البلاء واشتداد الخوف وخيف على الذراري والنساء فقد أحاطوا بالجميع وادلهم الخطب بالأمة إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ [الأحزاب:10]، وكان النبي في هذا الوقت العصيب يبشرهم بأمر عظيم! قال البراء: لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول ، فجاء وأخذ المعول فقال: { بسم الله، ثم ضرب ضربة، وقال: الله كبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر إلى قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع آخر، فقال: الله كبر، أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الآن، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتح اليمن، والله إني لأبصر صنعاء من مكاني }.
والنبي يبشر ويرفع من عزائم الصحابة وكان أحدهم من شدة الجوع يرفع عن بطنه الحجر فرفع رسول الله عن بطنه الشريف حجرين!

(2/287)


وأما أهل النفاق وضعفاء النفوس ممن أثّر فيهم الإرجاف فقد تزعزعت قلوبهم وانخلعت صدورهم لرؤية الجموع والعدد والعدة وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب:13]. وقال المنافقون في ما بشر النبي من خزائن كسرى وقيصر: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وقالوا تنصلاً من الجهاد وهرباً منه: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً [الأحزاب:113].
واشتغل النبي وأصحابه بمقارعة العدو وأخذ العدة وحفر الخندق حتى فاتت المسلمين بعض الصلوات، ففي الصحيحين أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش، فقال: يا رسول الله! ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال النبي : { والله ما صليت } وقد أهم النبي فوات الصلاة فدعا عليهم { ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس }، وبقيت الساعات العصيبة أياما وليال وزادها سوء نقض بني قريظة العهد مع الرسول فاكتمل عقد الأحزاب حول المدينة الصامدة! ولما بلغ رسول الله غدر بني قريظة تقنع بثوبه واضطجع ومكث طويلا حتى اشتد على الناس البلاء ثم نهض يقول: { الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره }! وسعى النبي لمجابهة الظرف العصيب وأن يفرق جمعهم فأراد أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة حتى ينصرفوا وتخف الوطأة على المسلمين فيلحقوا بقريش الهزيمة.

(2/288)


واستشار سعد بن معاذ وسعد بن عباده رضي الله عنهما في الأمر، فقالا: يا رسول الله؛ إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً لله وطاعة، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعاً، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك تعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف. فصوب رأيهما وقال: { إنما هو شيء أصنعه لكم، لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة }.
وكان النبي في تلك الأيام الصعبة يبعث الحرس إلى المدينة لئلا تؤتى الذراري والنساء على حين غرّه! فالأمر مهول والأحزاب تسمع أصواتهم، والنبال تصل إلى خيل المسلمين! وقد وصف الله عز وجل تلك الساعات العصيبة بوصف عجيب كأن العين تراهم، فقال تعالى: وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً [الأحزاب:10- 11].
ولما أمر الله عز وجل بانجلاء الغمة وتفريج الكربة صنع أمراً من عنده، خذل به العدو وهزم جموعهم وفل حدهم، وساق نعيم بن مسعود للتفريق بينهم! والنبي يرفع يديه إلى السماء { اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم } وكان المسلمون يدعون ربهم "اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا".
فاستجاب الله الدعاء وبلغ الأمل وأذن بالنصر، و أرسل جنوداً من الرعب والريح قلبت قلوبهم وقدورهم، وقوضت قوتهم وخيامهم ودفنت رحالهم وآمالهم، فلم تدع قدراً إلا كفأتها ولا طنباً إلا قلعته! ولا قلباً إلا أهلعته وأرعبته.

(2/289)


وبعد معركة الأحزاب أزفت البشائر وأشرقت المدينة، بقول النبي : { الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم }، وفي اجتماع الأحزاب في أزمنة متفرقة ومرات عديدة خلال العصور، حكمة بالغة في الرجوع إلى الله، وصدق التوكل عليه، والإنابة والذل وإظهار الحاجة، وبذل الغالي لهذا الدين، قال تعالى: يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32]. قال ابن القيم رحمه الله: "ومن ظن إزالة أهل الكفر على أهل الإسلام إزالة تامة فقد ظن بالله السوء". وعلى مر العصور وتقلب الدهور قول الصادق { بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والتمكين }، لكن الأمر مشروط بشروطه، ومقيد بقيوده إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:17].
عبدالملك القاسم
ــــــــــــــــــ

غزوة بني قريظة

رحل الكفار بهزيمتهم، وبقي بنو قريظة بخيانتهم للمسلمين، وقبل أن يستريح المسلمون من غزوة الأحزاب، وقبل أن يلتقطوا أنفاسهم، جاء جبريل -عليه السلام- إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وقال له: أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم. فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد .. وإن الله -عز وجل- يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد (ذاهب) إليهم فمزلزل بهم. فأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - مناديًا ينادي في الناس: (لا يصلِّينَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة) _[البخاري].

(2/290)


فأسرع ثلاثة آلاف مقاتل من المسلمين إلى يهود بني قريظة، وحاصروهم في حصونهم، فلم يجد اليهود مفرًّا من المسلمين؛ ولم يجدوا ما يعتذرون به عن خيانتهم التي كادت تهلك المسلمين، لولا توفيق الله لنعيم بن مسعود، وحاصر المسلمون حصون بني قريظة، فملأ الرعب قلوبهم، وطلبوا أبا لبابة بن عبد المنذر لما بينهم وبينه من صلة، يستشيرونه أينزلون على حكم محمد؟! فقال لهم: نعم وأشار إلى حلقه، كأنه ينبههم إلى أنه الذبح، ثم أدرك أنه أفشى سرًّا من أسرار المسلمين، وأنه قد خان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأسرع إلى مسجد المدينة، وربط نفسه إلى عمود فيه، وحلف ألا يفك منها حتى يتوب الله عليه فقبل الله توبته؛ وعفا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنه.
واستمر الحصار خمسًا وعشرين ليلة، فلما رأى اليهود عزم المسلمين على اقتحام حصن بني قريظة، قالوا: يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ، وكان سعد سيد الأوس، وهم حلفاء بني قريظة في الجاهلية، وقد توقع اليهود أن هذه الصلة تنفعهم، وتوقع الأوس أيضًا أن زعيمهم سوف يتساهل مع حلفائهم السابقين.
وكان سعد مصابًا في غزوة الخندق، فحملوه راكبًا إلى بني قريظة، وجاء إليه قومه يوصونه بالإحسان إلى بني قريظة، فقال قولته الشهيرة: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، فعلم قومه أنه سيأمر بقتلهم، فنظر سعد إلى اليهود وتذكر خيانتهم للعهد الذي بينهم وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فأعلن حكمه عليهم، بأن يقتل رجالهم، وتسبي نساؤهم وأبناؤهم، وتقسم أموالهم على المسلمين، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : (لقد حكمت فيهم يا سعد بحكم الله من فوق سبع سماوات) _[متفق عليه].

(2/291)


وهكذا كان حب سعد لدينه ونبيه أكبر مما كان بينه وبين اليهود من مودة في الجاهلية، وهكذا انتهت غزوة بني قريظة، ونزل قوله تعالى: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا . وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقًا تقتلون وتأسرون فريقًا . وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم تطئووها وكان الله على كل شيء قديرًا} [الأحزاب: 25-27].
زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسيدة (زينب بنت جحش):
تبنى الرسول - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة، وزوجه بنت عمته زينب بنت جحش، وكان الابن بالتبني له نفس حقوق الابن الأصلي، فله حق الميراث، وزوجته تحرم على أبيه الذي تبناه، فأراد الله أن يمنع تلك العادة، وأن ينسب الابن إلى أبيه، فشاء الله -سبحانه- ألا تستمر الحياة الزوجية بين زيد والسيدة زينب -رضي الله عنهما- فوقعت بينهما جفوة وشقاق، وكلما هم زيد بتطليقها نهاه - صلى الله عليه وسلم - ، وقال له: أمسك عليك زوجك. ثم طلقها زيد، ثم أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوج السيدة زينب -رضي الله عنها- وبذلك بطلت عادة التبني، وما كان ينتج عنها من أمور تخالف الدين، قال تعالى: {إذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولاً . ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرًا مقدورًا . الذين يبلغون رسالات ربهم ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله وكفي بالله حسيبًا . ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً} [الأحزاب: 37-40].
ــــــــــــــــــ

(2/292)


غزوة بني قريظة

كان يهود بني قريظة في عهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند مجيء الأحزاب، وكانت ديارهم في عوالى المدينة، وكان هذا العهد يلزمهم أن يكونوا أعواناً للمسلمين على أعدائهم، لكن حيى بن الأخطب زعيم بني النضير والذي سبق وحرض قريشاً وقبائل العرب على غزو المسلمين جاء إلى كعب بن أسد القرظي يحثه على نقض العهد، ويغريه بقوة الأحزاب، ويمنّيه بالقضاء على المسلمين، ويطمئنه بأنه سيدخل معه حصنه إن رجع الأحزاب وما زال به حتى نقضت قريظة عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يتعظوا مما نزل ببنى النضير، ومن قبلهم بني قينقاع، فهذه طبيعة اليهود التي لا ينفكون عنها، ولا يستطيعون التخلص منها.
إن مسلكهم بإزاء المعاهدات التي أمضوها قديماً وحديثاً يجعلنا نجزم أن القوم لا يدعون خستهم أبداً، وأنهم يرعون المواثيق متمشية مع أطماعهم ومكاسبهم وشهواتهم، ولو تركت الحمير نهيقها والأفاعي لدغها ترك اليهود نقضهم للعهود.
وقد نبه القرآن إلى هذه الخصلة الشنعاء في بنى إسرائيل فقال: { إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ }[الأنفال:55-56] لكن الله تعالى نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد انصراف الأحزاب إلى بيته، ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل فقال: قد وضعت السلاح ! والله ما وضعناه ! فاخرج إليهم، قال: فإلى أين ؟ قال: هاهنا، وأشار إلى قريظة، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤذنا في الناس : من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأعطى رايته لعلى بن أبي طالب رضي الله عنه.

(2/293)


وإنما تعجل النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة للخروج قبل أن يتحصنوا بالحصون ويأخذوا العدة لذلك، وقد أدرك جماعة من الصحابة صلاة العصر في الطريق، حاملين أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعدم صلاتهم على قصد السرعة، ولم يصلها الآخرون إلا في بني قريظة بعد مضى وقتها حاملين الأمر على حقيقته، فلم يعنف أحد الفريقين لأن كلا عمل باجتهاده، فلا يأثم وقد بذل وسعه، لأن لكل مجتهد نصيب، فالحق واحد لا يتعدد.

(2/294)


وتلاحق جيش المسلمين الذي كان قوامه ثلاثة آلاف إلى ديار بني قريظة، وحاصروهم في حصونهم خمسة وعشرين ليلة، وألقى الله الرعب في قلوبهم، فحاولوا أن يفاوضوا المسلمين وطلبوا منهم أن ينزلوا على ما نزل عليه بنو النضير من الجلاء بالأموال وترك السلاح، فلم يقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، فطلبوا الجلاء بأنفسهم من غير مال ولا سلاح، فلم يرض أيضاً، بل قال: لابد من النزول والرضا بما يحكم عليهم، خيراً كان أو شراً، فقالوا له: أرسل لنا أبا لبابة نستشيره، وكان حليفاً لهم، وكانت أمواله وأولاده في منطقتهم، وكان من نقباء الأوس رضي الله عنه، فلما توجه إليهم استشاروه في النزول على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، يريد أنه الذبح ! ثم انتبه من فوره أنه خان الله ورسوله فمضى على وجهه ولم يرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حياء وخجلاً من مقابلته، وأتى المسجد النبوى وربط نفسه في سارية من سوارى المسجد حتى يقضى الله فيه أمراً، وحلف ألا يحله إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبدا، ولما بلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أما إنه لو جاءنى لأستغفرت له وأما وقد فعل ما فعل فأتركه حتى يقضي الله فيه، وقد نزل بعد أيام قوله تعالى: { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ }[التوبة:102]

(2/295)


ثم إن اليهود انهارت معنوياتهم ودب الرعب في نفوسهم وهم في حصونهم المنيعة فبادروا إلى النزول على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقام رجال من الأوس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعامل قريظة كما عامل بني قينقاع حلفاء الخزرج، فقال لهم: ألا يرضيكم أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ فقالوا: بلى، قال: فذاك سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سعد بن معاذ رضي الله عنه ، وكان بالمدينة ولم يخرج معهم للجرح الذي أصابه يوم الأحزاب ، فأتى به على حمار قد حمل عليه وصف به قومه وقالوا له يا أبا عمرو ! حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت ! فلم يرجع إليهم شيئا ولم يلتفت إليهم ، فلما أكثروا عليه قال : لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم ، ولما انتهى سعد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له قومه : يا سعد إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك ، قال : وحكمي نافذ عليهم ؟ قالوا : نعم ، قال : وعلى المسلمين ؟ قالوا : نعم ، قال : وعلى من هاهنا ؟ وأعرض بوجهه وأشار إلى ناحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إجلالاً له وتعظيماً قال : نعم ، قال : فإني أحكم فيهم أن يقتل مقاتلهم ، وتسبى ذراريهم ، وتقسم أموالهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لقد حكمت فيهم بحكم الله ورسوله ! وكان سعد في غاية الإنصاف.

(2/296)


فإن بني قريظة بالإضافة لما ارتكبوه من الغدر الشنيع ونقضهم للعهد، وما استقبلوه به يوم الأحزاب يوم أن ذهب يناشدهم الوفاء فأفحشوا له القول، كانوا قد جمعوا لإبادة المسلمين من الأسلحة ما تعجب المسلمون منه وهم يجمعونه بعد نزولهم من حصنهم، ثم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتنفيذ حكم سعد فيهم، وهكذا تم استئصال أفاعى الغدر والخيانة الذين نقضوا الميثاق، وأعانوا الأحزاب على إبادة المسلمين في أحرج ساعة مرت عليهم، فصاروا من أكابر مجرمي الحروب الذين يستحقون المحاكمة والإعدام، وقتل معهم شيطان بني النضير، وجرثومة هذه الفتن: حيى بن أخطب، الذى أغراهم بنقض العهد، ووعدهم أن يكون معهم في حصنهم إن تخلى عنهم الأحزاب، وقد كان ! والعجب من جلد هذا الكافر إلى آخر رمق ! حيث جيء به ليقتل أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أما والله ما لمت نفسى في معاداتك ! ولكن من يغالب الله يُغلب ! ثم قال: أيها الناس لا بأس بأمر الله ! كتاب وقدر، وملحمة كتبها الله على بنى إسرائيل، ثم جلس فضرب عنقه ! وفي بني قريظة أنزل الله عز وجل: { وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً }[الأحزاب:25-26].
وكان سعد بن معاذ رضى الله عنه قد دعا ربه يوم أن أصابه السهم قبل رحيل الأحزاب فقال: " اللهم لا تمتنى قبل أن تقر عينى من بني قريظة " فلما أقر الله عينه من بني قريظة، دعا ربه فقال: " الله إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئاً فأبقنى لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينها فاقبضنى إليك " ! فانفجر جرحه وكان قد برأ فلم يلبث أن مات رضي الله عنه !

(2/297)


لقد كان دعا ربه أن يبقيه على قيد الحياة من أجل مواصلة طريق الجهاد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - . أكرم بها من أنفس ! تلك التي لا تقر إلا بالإيمان، أكرم بها من أنفس ! تلك التي لا تقر إلا بالجهاد ! بتحمل المسئولية وحمل الأمانة، وما أكثر الذين يتمنون طول الحياة لتقر أعينهم من اللذات والرغبات ! { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }[الحجر:3]، { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً }[الفرقان:44]
كان سعد بن معاذ في الأنصار كأبي بكر في المهاجرين، ولما حملت جنازته قال المنافقون: ما أخف جنازته ! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الملائكة كانت تحمله ! وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ ! واهتزازه فرحاً واستبشارا وسروراً بقدوم روحه، لقد كان له العزم الثابت في جميع المشاهد التي تقدمت الخندق، وكان - صلى الله عليه وسلم - يحبه كثيراً ويبشره بالجنة على عظيم أعماله، وقد أهديت للنبي - صلى الله عليه وسلم - حلة حرير فجعل أصحابه يمسونها ويعجبون من لينها، فقال أتعجبون من لين هذه ؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها أو ألين. { رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ }[البينة:8]
أولئك آبائى فجئنى بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
ــــــــــــــــــ

الجلاء الثالث لليهود عن المدينة ( بني قريظة )

(الشبكة الإسلامية)
الغدر ونقض العهود والمواثيق خلق مشين ، نشأ عليه اليهود ، فلا يستطيعون فراقه ، فهم كما وصفهم الله عز وجل: { أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون } (البقرة : 100)، ومن كانت هذه حاله يصعب التعامل معه ، وبالتالي لا بد من استئصاله والتخلص منه بالقتل أو النفي ، حتى يبقى المجتمع نظيفاً آمناً .

(2/298)


وبنو قريظة صنف من اليهود كغيرهم ممن نقضوا العهود ، وخانوا المسلمين في أصعب الظروف ، وتآمروا مع الأحزاب ضدهم غير مكترثين بما اتفقوا عليه مع المسلمين .
فبعد انتهاء غزوة الأحزاب ورجوع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ، وفي نفس اليوم يأتيه الأمر من جبريل بالسير إلى بني قريظة ، وهو معهم في موكب من الملائكة لزلزلة حصونهم وقذف الرعب في قلوبهم ، فنادى النبي في أصحابه: ( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) رواه البخاري .
وأعطى الرسول الراية لعلي بن أبي طالب وقدمه على الجيش ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وخرج الرسول مع المهاجرين والأنصار ، وتحرك الجيش الإسلامي وقد بلغ ثلاثة آلاف ، والخيل ثلاثين فرساً ، وفرضوا الحصار على بني قريظة في حصونهم . وقد جرت أحداث هذه الغزوة في السنة الخامسة من الهجرة
واشتد الحصار عليهم ، ونصحهم رئيسهم كعب بن أسد بأمور منها الإسلام فلم يقبلوا منه ، ثم بعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريدون أبا لبابة رضي الله عنه يستشيرونه ، وقد كان حليفاً لهم ، فنصحهم بالنزول على حكم الرسول . فاستسلموا وأذعنوا وقبلوا بحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر باعتقال الرجال ، وجمع النساء والذراري ، ولما طالبت الأوس بالإحسان إليهم ، حكّم فيهم رجلاً منهم وهو سعد بن معاذ الذي أصدر حكمه بأن يقتل الرجال ، وتسبى النساء ، وتقسم الأموال ، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (لقد حكمت فيهم بحكم الله ) متفق عليه .
وأمر رسول الله فحبست النساء ، وحفرت الخنادق للرجال الذين ضُربت أعناقهم ، وقد بلغوا من الستمائة إلى السبعمائة ، وقتل من النساء واحدة لقتلها رجلاً من المسلمين ، ولم يقتل من المسلمين غيره .
وأسلم من اليهود نفرٌ قبل النزول ، فحقنوا دمائهم وأموالهم وذراريهم . وقسم الرسول أموال بني قريظة بعد إخراج الخمس .

(2/299)


وبذلك تم الجلاء الثالث لليهود ، ولكنه يختلف عن سابقيه ، فقد تم جلاؤهم هذه المرة إلى الخنادق استئصالاً للغدر وأهله ، وإبعاداً للخيانة وأصحابها ، وهكذا تكون نهاية الظالمين الخائنين .
ومما يستفاد من هذه الغزوة سرعة استجابة أصحاب النبي لأمره بالخروج إلى بني قريظة . إضافة إلى عدم المعاتبة عند الاختلاف إذا كان النص يحتمل أكثر من معنى ؛ حيث إن بعض الصحابة صلى العصر في الطريق ، لأنه فهم من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - رغبته في المبادرة لا حقيقة إيقاع صلاة العصر في بني قريظة ، بينما صلى بعض الصحابة العصر في بني قريظة تمسكاً بظاهر النص ، ولم يعنف النبي - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء ولا هؤلاء.
الرد الشافي على اعتراض المغرضين حول قتل المقاتلة من يهود بني قريظة تاريخ الفتوى : 19 ذو الحجة 1422 / 04-03-2002 السؤال
1-بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين.
شاهدت في قناة تلفزونية فرنسية آرتي
ARTE فيلم وثائقي حول حياة الرسول عليه الصلاة و السلام وعرف من أقوال بعض المحدثين أن في حيا ة الرسول عليه الصلاة و السلام قتل ( برفع القاف) 900 يهوديا بعد حصار وانتصار المسلمين في وقت واحد وأسر نساءهم وأسر أبناءهم كغنيمة حرب. هل من صحة في ذلك؟
الفتوى
الحمد لله والصلاة السلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فقد عاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يهود بني قريظة، لكنهم نقضوا العهد وتمالؤوا مع المشركين في غزوة الخندق، فلما رد الله كيد الأحزاب ورجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بيته، ونزع عنه لباس الحرب، أتاه جبريل عليه السلام، وأمره أن يسير إلى بني قريظة.

(2/300)


ففي الصحيحين -وهذا لفظ مسلم-"فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخندق وضع السلاح فاغتسل، فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار فقال: وضعت السلاح؟! والله ما وضعناه، اخرج إليهم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فأين؟ فأشار إلى بني قريظة، فقاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فنزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحكم فيهم إلى سعد (بن معاذ) قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى الذرية والنساء، وتقسم الأموال" وفي مسند الإمام أحمد "فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة" وقد سار جبريل عليه السلام مع موكب من الملائكة لقتال بني قريظة، كما في صحيح البخاري وغيره عن أنس قال: (كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في زقاق بني غنم موكب جبريل صلوات الله عليه، حين سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني قريظة) وقد اختلف في عدد من قتل من رجال بني قريظة، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (فعن ابن إسحاق أنهم كانوا ستمائة، وبه جزم أبو عمر (ابن عبد البر) في ترجمة سعد بن معاذ، وعن ابن عائذ في مرسل قتادة "كانوا سبعمائة".
وقال السهيلي: المكثر يقول: إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة. وفي حديث جابر عن الترمذي، والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل في طريق الجمع أن يقال: إن الباقين كانوا أتباعاً، وقد حكى ابن إسحاق أنه قيل إنهم كانوا تسعمائة. انتهى كلام الحافظ.
وقد يتكئ بعض النصارى أو اليهود على هذه الواقعة ليتهموا الإسلام بالوحشية أو الدموية، فخير جواب لهؤلاء أن يذكَّروا بما في كتابهم المقدس من وقائع تم فيها قتل بني إسرائيل للآلاف من أعدائهم.

(2/301)


ففي سفر صموئيل 102/18 (وفي الحديث عن داود عليه السلام: (واجتاز نهر الأردن حتى قدم إلى حيلام، فالتقى الجيشان في حرب ضروس، وما لبث الآراميون أن اندحروا أمام الإسرائليين، فقتلت قوات رجال داود سبع مائة مركبة وأربعين ألف فارس) وفي سفر التثنية 20/10-18 (وحين تتقدمون لمحاربة مدينة فادعوها للصلح أولا، فإن أجابتكم إلى الصلح واستسلمت لكم، فكل الشعب الساكن فيها يصبح عبيداً لكم، وإن أبت الصلح وحاربتكم فحاصروها. فإذا أسقطها الرب إلهكم في أيديكم، فاقتلوا جميع ذكورها بحد السيف.
وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة من أسلاب فاغنموها لأنفسكم، وتمتعوا بغنائم أعدائكم التي وهبها الرب إلهكم لكم. هكذا تفعلون بكل المدن النائية عنكم التي ليست من مدن الأمم القاطنة هنا. أما مدن الشعوب التي يهبها الرب إلهكم لكم ميراثاً فلا تستبقوا فيها نسمة حية، بل دمروها عن بكرة أبيها، كمدن الحثيين والآموريين والكنعانيين والفرزيين والحيويون واليبوسيون ... ولكن هذا ما تفعلونه بهم: اهدموا مذابحهم، وحطموا أصنامهم، وقطعوا سواريهم وأحرقوا تماثيلهم.
وقد قدر العلامة رحمة الله الهندي في كتابه (إظهار الحق) أهل هذه القبائل بما يزيد على المليون والنصف، بناء على الإحصاءات الواردة في العهد القديم.
ومما لا يخفى أن العهد القديم يقدسه اليهود والنصارى معاً، وفيه عشرات الوقائع المشابهة لما ذكرنا.
وعليه، فلا مجال لاعتراضهم على ما جاءت به شريعة الإسلام من قتل الكافرين المعاندين وناقضي العهود، مع امتياز هذه الشريعة السمحة بالكف عن قتل النساء والصبيان والرهبان، ومن لا قدرة له على القتال، ولا رأي له فيه. والله أعلم.
ــــــــــــــــــ

غزوة الأحزاب..ما أشبه الليلة بالبارحة

عبد العزيز بن عبد الله الحسيني
بسم الله الرحمن الرحيم

(2/302)


اجتمع نفر من اليهود منهم سلام النضري وحيي بن أخطب وهوذة بن قيس وغيرهم من بني النظير وبني وائل وخرجوا إلى قريش في مكة فدعوهم إلى حرب النبي - صلى الله عليه وسلم - ..فسر قريش لهذه الدعوة فاجتمعوا وتواعدوا على الحرب..ثم ذهب أولئك اليهود إلى غطفان فدعوهم إلى حرب النبي - صلى الله عليه وسلم -
وأخبروهم أنهم سيكونون معهم وأن قريشا معهم فوافقت غطفان واجتمعت القبائل ..
الله أكبر إن هذا يشبه الآن ما فعله بوش قاتله الله من تحزيبه الأحزاب فوافق البريطانيون ثم وافق الاستراليون وأيدت اليابان والفلبين وفتحت دول كثيرة أراضيها ووو....حتى اجتمع عدد من أحزاب الكفر وتواعدوا على ضرب العراق ليكون أول السلسلة الطويلة التي يريدون من ورائها تدمير الأمة وكبت الصحوة الإسلامية وحماية اليهود..
الله أكبر ما أشبه الليلة بالبارحة..
رجت قريش وقائدها أبو سفيان وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن وخرجت بني مرة وخرجت أشجع..فلما سمع بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما أجمعوا عليه جمع الصحابة لا ستشارتهم في هذه النازلة العظيمة وهذا الخطب الجلل..فكان كل واحد من الصحابة يشير برأي حتى أشار عليهم سلمان الفارسي بحيلة كانوا يصنعونها أوقات الحروب في فارس ألا وهي حفر الخندق..فوافق النبي - صلى الله عليه وسلم -
وبدأ المسلمون بالاستعداد والحفر حول المدينة وكانوا يجتهدون في الحفر طول النهار ..وهنا يظهر المنافقون
وهم دوما يظهرون على حقيقتهم أوقات الفتن والأزمات فتخلفوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعلوا يتسللون إلى أهليهم بغير علم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا إذن منه فأنزل الله تعالى ((إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ))
وأخبر عن المنافقين ((قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم))

(2/303)


فلما انتهى النبي عليه السلام من حفر الخندق أقبلت قريش حتى نزلت قريبا من المدينة وأقبلت القبائل من بني كنانة وأهل تهامة وغطفان نجد واليهود فانظمت إليهم..وكانت جموع الأحزاب ما يقرب من عشرة آلاف..
وما أشبه هذا بقوات التحالف الصليبية اليوم حينما كانوا في الفترة السابقة يتجهزون ويجمعون قواتهم في الخليج والأردن استعدادا للحرب..
وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في 3000 من المسلمين يعني ثلث الجيوش الكافرة الغازية للمدينة فقط..وكان الخندق بين المسلمين وبين الكفار ..
ثم لم يكتف الكفار بأحزابهم تلك بل خرج حيي بن أخطب وجاء إلى سعد القرظي من يهود المدينة من بني قريظة وكان بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد..فلما جاءه حيي بن أخطب أغلق كعب دونه الباب وحاول حيي أن يكلمه فأبي ....في قصة طويلة حتى فتح له كعب الباب فقال حيي بن أخطب :ويحك يا كعب لقد جئتك بعز الدهر جئتك بقريش وبغطفان ..جئتك بالقبائل وقد عاهدوني ألا يغادروا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه..فلم يزل به حيي بن أخطب حتى نقض كعب العهد الذي بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ..
الآن موقف عصيب على النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه فالأحزاب من أمامهم وهؤلاء اليهود الغدرة من خلفهم ولا يدرون من أين يؤتون!!
فلما وصل الخبر بنقض العهد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعث بعض أصحابه ليستطلعوا صحة الخبر..فرجعوا وأخبروه بأن كعبا بالفعل قد نقض العهد !!
الآن ماذا نتوقع أن يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ..لقد جاء موقفه عليه السلام مخالفا لكل ما يتوقع منه لقد جاء على عكس التوقعات تماما!
إذا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما سمع خبر نقض كعب للعهد يقول : الله أكبر..أبشروا يا معشر المسلمين..
الله أكبر.. أبشروا يا معشر المسلمين.!!

(2/304)


بأبي هو وأمي أعظم صانع للأمل في النفوس..وأحذق من يطمئن القلوب..ينظر المسلمون إلى ثباته ورباطة جأشه في أحلك المواقف وأصعب الظروف..فيزدادون ثباتا ويقينا بنصر الله وصدق موعوده بالنصر لعباده..
فصلى الله وسلم عليه ما ذكره الذاكرون الأبرار وصلى الله عليه ما غردت على الأيك الأطيار وصلى الله وسلم بارك عليه ما تعاقب الليل والنهار..
وما أشبه الليلة بالبارحة عندما تغدر الدول من تركيا وغيرها ويتعاونون مع قوات الصليب ويغدرون بإخوانهم المسلمين طلبا لحظوظ من حظوظ الدنيا الزائلة..
نعم والله ما أشبه الليلة بالبارحة!!
وفي الأحزاب دروس وعبر
عاش المسلمون في غزوة الأحزاب أوقاتاً كانت غاية في الشدة، فحينما وصل خبر تحزّب الأحزاب واجتماع القبائل العربية لحرب المسلمين في المدينة، أصيب المسلمون بشيء من الرعب والهلع والخوف والفزع، إذ كان عدد الجيش الذي جاء لغزوهم لا يقل عن عشرة آلاف مقاتل، بينما لا يزيد جيش المسلمين - في أكثر تقدير- عن ثلاثة آلاف(1)أضف إلى ذلك أن المسلمين كانوا يمرون بعام مجاعة، حتى إن معظمهم كانوا لا يجدون القوت الضروري الذي يسدون به جوعهم، وزاد مصابهم وهلعهم ما توارد إليهم من غدر يهود بني قريظة من داخل المدينة، وخشيتهم أن يضربوا من الخلف أثناء انشغالهم بمواجهة ذلك الجيش العرمرم، وكانت ذراريهم ونساؤهم على مقربة من أولئك الغادرين في غير منعة وحفظ، وقد صور الله -تعالى- ذلك الموقف الرهيب الذي عاشه المسلمون واجتمعت فيه الظروف وتكالبت على المسلمين بقوله: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً) [الأحزاب: 10- 11].

(2/305)


وفي ظل تلك الظروف العصيبة الشديدة كان المسلمون يسابقون الزمن لإتمام حفر الخندق، ولما عرضت لهم صخرة كبيرة لم تُفد معها معاولهم، اشتكوا ذلك للرسول - صلى الله عليه وسلم - فهبط إلى الصخرة فأخذ المعول، وقال: "بسم الله" فضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: "الله أكبر، أُعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء من مكاني هذا". ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر فقال: "الله أكبر، أُعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض". ثم ضرب الثالثة وقال: "بسم الله" فقطع بقية الحجر فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة" (2).
وقفات مع المعركة:
وما نود أن نقف عنده في هذه الغزوة -التي تكاد تنطبق على واقعنا اليوم من تحزب الأحزاب الكافرة وتحالفها على الإسلام والمسلمين- هو حسن الظن وشدة الثقة بوعد الله -تعالى- فبالرغم من كل تلك الظروف العصيبة الشديدة التي أحاطت بالمسلمين في ذلك الوقت من حصار جماعي من مختلف قبائل العرب، وبجيش عرمرم يبلغ قوامه عشرة آلاف مقاتل-ربما هو أكثر من سكان المدينة بكاملها- ومن خوف وخشية من غدر يهود بني قريظة من خلفهم ومن ظروف عصيبة مختلفة من جوع وخوف وهلع وشدة برد..، ومع هذا لم ييأس المسلمون ويستسلموا -كما يُنادي بعض الانهزاميين اليوم- بحجة عدم التكافؤ في كل شيء وأن المقاومة من إلقاء اليد إلى التهلكة..إلخ.بل قاوموا ببسالة ولم يفقدوا ثقتهم بالله -تعالى- حتى إن المسلمين رفضوا فكرة مصالحة غطفان على ثُلث ثمار المدينة مقابل انصرافهم حتى يضعف الحصار ويدب التخاذل بين بقية التحالف العربي اليهودي.
وليس هذا فحسب؛ بل إنه بالرغم من كل تلك الظروف التي تكالبت على المسلمين، فقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعدهم بفتح الشام وفارس واليمن وهي الدول العظمى في ذلك الوقت!!

(2/306)


وتأمل موقف المنافقين الانهزاميين إزاء تلك الوعود وتزعزع قلوبهم حينما رأوا كثرة جيوش الأحزاب، حتى قالوا: محمد يعدنا بكنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط" (3).
فنزل فيهم قول الله تعالى-: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً) [الأحزاب: 12].
ثم تأمل موقف المؤمنين الصامدين لما رأوا الأحزاب وإيمانهم بتحقق وعود رسولهم الكريم: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناُ وتسليما) [الأحزاب: 22].
وانظر نتيجة صدق الإيمان والثقة بما وعدهم الله به ورسوله، لقد كفاهم الله القتال بما أرسل على الأحزاب من الريح، وبما فرق به بين قلوبهم حتى شتت شملهم وردهم بغيظهم، قال -تعالى-: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً) [الأحزاب: 25].
أيعيد التاريخ نفسه؟
واليوم.. كم هم أولئك الذين قتلهم اليأس من واقع الأمة، وقالوا مقالة أولئك المنافقين: "إن كل شيء يمكن أن ينهض ويتغير إلا هذه الأم " أو كما قال بعضهم: "من المحال أن تنتصر الأمة على أعدائها"، أو أن ذلك "من القفز على الواقع"، أو أنه "من السباحة في غياهب الخيال المحلق الحالم "، ونحو ذلك من الأقوال التي تنضح باليأس والتشاؤم من قيام الأمة ونهوضها مرة أخرى!!
ولو أحسن المسلمون الظن بالله -تعالى- وصدَقوا في نصرة بعضهم بعضاً بنية خالصة ومشاعر صادقة -لا بكلام لا يجاوز الآذان ولا بالشجب والاستنكار فقط- لنصرهم الله -تعالى- على عدوهم المعتدي في فلسطين والعراق وكشمير والشيشان والفلبين وفي كل مكان فالله -تعالى- أيد المسلمين ونصرهم على عدوهم -رغم فارق الإمكانات- لمجرد أنه - سبحانه - رأى صدقهم وثقتهم به، فأرسل عليهم كارثة طبيعية، زلزلت قلوب أعدائهم وقوضت خيامهم وأطفأت نارهم وقلبت قدورهم.

(2/307)


وفي ظل تحزب قوى الكفر على الأمة الإسلامية اليوم وتضييقها على المسلمين في كل مكان، وتنكيلها بدعاتهم، واغتصابها لأراضيهم، واستنزافها لثرواتهم.. ؛ كم نحن بحاجة إلى مراجعة حساباتنا وصلتنا بديننا وثقتنا بربنا ونصرة بعضنا بعضاً بالدعاء وبما نستطيع، وأن ما يحصل للمسلمين من الهوان وتسليط الأعداء إنما هو لحكم عديدة وأسباب كثيرة يأتي في مقدمتها؛ ضعف الإيمان، وترك الجهاد، والركون إلى الدنيا، وعدم نصرة بعضنا بعضاً ولو بالنية الصادقة، وكذا الابتلاء والتمحيص واتخاذ الشهداء واصطفاء الأولياء ومعرفة العاملين من المتخاذلين.. إلخ.
وبالرغم من الأثر السيئ لذلك التضييق وسيطرة الأعداء على أمتنا واحتلالههم لبعض بلدانها، إلا أن فيه فألاً حسناً، فالأمة الغافلة لا يمكن أن تستيقظ؛ إلا بمثل هذه الضربات المتتابعة والصفعات الموجعة؛ بل إنها قد تفعل ما لا تفعله كثير من قوى المصلحين من إزالة التشاحن والعداوات، وإشاعة المحبة والمودة والتكافل والتعاضد والتقارب والولاء المتبادل بين أبناء الشعوب الإسلامية.
والأمة اليوم أفضل بكثير من سنوات مضت، وهي تسير سيراً حسناً -ما تمسكت بكتاب ربها وسنة نبيها- فلا ينبغي استبطاء النصر واستعجال الظفر؛ فهو قادم -بإذن الله تعالى-. وتأمل كيف أن الشام وفارس واليمن التي وعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بفتحها لم يظفر بها المسلمون إلا بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - بسنين، بل إنه - صلى الله عليه وسلم - وعد بفتح القسطنطينية ولم تفتح إلا بعده بقرون، وفي ذلك درس للمتعجلين الذين يستبطئون الظفر والنصر وهو قادم -بإذن الله-. 8/1/1428هـ
(1) وقد رجّح الشيخ أحمد باشميل قول ابن حزم أن عدد المسلمين لم يكن يتجاوز التسعمائة مقاتل، وقد انتصر لذلك القول بعدة استشهادات منطقية، انظر ذلك في موسوعة الغزوات الكبرى، لأحمد باشميل 3/148-152.

(2/308)


(2) رواه أحمد 4/303 وقال ابن حجر: إسناده حسن، انظر: الفتح 7/458.
(3) البداية والنهاية، ابن كثير 2/106.
http://www.toislam.net المصدر:
ــــــــــــــــــ

غزوة بني قريظة دروس وعبر

وقعت هذه الغزوة بعد غزوة الأحزاب مباشرة ، في آخر ذي القعدة وأول ذي الحجة من السنة الخامسة الهجرية.
وواضح من سير الأحداث أن سبب الغزوة كان نقض بني قريظة العهد الذي بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بتحريض من حيي بن أخطب النضري.
وقد أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الزبير لمعرفة نيتهم ، ثم أتبعه بالسعدين وابن رواحة وخوات لذات الهدف ليتأكد من غدرهم.
ولأن هذا النقض وهذه الخيانة قد جاءت في وقت عصيب ، فقد أمر الله تعالى نبيه بقتالهم بعد عودته من الخندق ووضعه السلاح ، وامتثالاً لأمر الله أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يتوجهوا إلى بني قريظة ، وتوكيدا لطلب السرعة أوصاهم قائلاً : ( لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة ) كما في رواية البخاري ، أو الظهر كما في رواية مسلم.
وعندما أدركهم الوقت في الطريق ، قال بعضهم : لا نصلى حتى نأتي قريظة ، وقال البعض الآخر : بل نصلى ، لم يرد منا ذلك ، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنف واحدا منهم. وهذا اجتهاد منهم في مراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
قال ابن حجر : ( ... وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين – البخاري ومسلم – باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر ، وبعضهم لم يصلها ، فقيل لمن لم يصلها : لا يصلين أحد الظهر ، ولمن صلاها : لا يصلين أحد العصر. وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة فقيل للطائفة الأولى الظهر وقيل للطائفة التي بعدها العصر ، وكلاهما جمع لا بأس به ... ).

(2/309)


خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة آلاف مقاتل معهم ستة وثلاثون فرساً وضرب الحصار على بني قريظة لمدة خمس وعشرين ليلة على الأرجح ، وضيق عليهم الخناق حتى عظم عليهم البلاء ، فرغبوا أخيرا في الاستسلام ، وقبول حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيهم. واستشاروا في ذلك حليفهم أبا لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه ، فأشار إلى أن ذلك يعني الذبح. وندم على هذه الإشارة، فربط نفسه إلى إحدى سواري المسجد النبوي ، حتى قبل الله توبته.
وعندما نزلوا على حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحب أن يكل الحكم عليهم إلى واحد من رؤساء الأوس ، لأنهم كانوا حلفاء بني قريظة ، فجعل الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ ، فلما دنا من المسلمين قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأنصار : ( قوموا إلى سيدكم أو خيركم ، ثم قال : إن هؤلاء نزلوا على حكمك ). قال : تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( قضيت بحكم الله تعالى .
ونفذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - حكم الله فيهم ، وكانوا أربعمائة على الأرجح . و لم ينج إلا بعضهم ، وهم ثلاثة ، لأنهم أسلموا ، فأحرزوا أموالهم ، وربما نجا اثنان آخران منهم بحصولهم على الأمان من بعض الصحابة ، أو لما أبدوه من التزام بالعهد أثناء الحصار. وربما نجا آخرون لا يتجاوزن عدد أفراد أسرة واحدة ، إذ يفهم من رواية عند ابن إسحاق وغيره أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهب لثابت بن قيس بن الشماس ولد الزبير بن باطا القرظي ، فاستحياهم ، منهم عبد الرحمن بن الزبير ، الذي أسلم ، وله صحبة.

(2/310)


وجمعت الأسرى في دار بنت الحارث النجارية ، ودار أسامة بن زيد ، وحفرت لهم الأخاديد في سوق المدينة ، فسيقوا إليها المجموعة تلو الأخرى لتضرب أعناقهم فيها. وقتلت امرأة واحدة منهم ، لقتلها خلاد بن سويد رضي الله عنه، حيث ألقت عليه ، جرحى ، ولم يقتل الغلمان ممن لم يبلغوا سن البلوغ. ثم قسم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أموالهم وذراريهم بين المسلمين.
مصير بعض سيي بني قريظة :
ذكر ابن إسحاق وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث سعد بن زيد الأنصاري بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد ، فابتاع لهم بها خيلا وسلاحا.
وذكر الواقدي في المغازي في شأن بيع سبايا بني قريظة قولين آخرين إضافة إلى ما ذكره ابن إسحاق ، والقولان هما :
1- بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعد بن عبادة إلى الشام بسبايا ليبيعهم ويشتري بهم سلاحاً وخيلاً.
2- اشترى عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما جملة من السبايا ... إلخ. ويمكن الجمع بين هذه الأقوال الثلاثة بأن ذلك كله قد حدث.
واصطفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة ، وأسلمت. وقد توفي عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي في ملك يمينه ، وكان ذلك باختيارها.
أحكام وحكم ودروس وعبر من غزوة بني قريظة :
1- جواز قتل من نقض العهد. ولا زالت الدول تحكم بقتل الخونة الذين يتواطؤون مع الأعداء حتى زماننا هذا.
2- جواز التحكيم في أمور المسلمين ومهامهم. كما في تحكيم ابن معاذ.
3- مشروعية الاجتهاد في الفروع ، ورفع الحرج إذا وقع الخلاف فيها. فقد اجتهد الصحابة في تفسير قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (ألا لا يصلين أحد العصر أو الظهر إلا في بني قريظة) ، ولم يخطئ الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحدا منهم.

(2/311)


4- ذكر النووي أن جماهير العلماء احتجوا بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( قوموا إلى سيدكم أو خيركم) وغيره على استحباب القيام لأهل الفضل ، وليس هذا من القيام المنهي عنه ، وإنما ذلك فيمن يقومون عليه هو جالس ويمثلون قياما طوال جلوسه ، وقد وافق النووي جماهير العلماء في هذا ، ثم قال : ( القيام للقادم من أهل الفضل مستحب ، وقد جاء في أحاديث ، ولم يصح في النهي عنه شيء صريح. وقد جمعت كل ذلك مع كلام العلماء عليه في جزء وأجبت فيها عما توهم النهي عنه).
5- قال الدكتور البوطي : واعلم أن هذا كله لا يتنافى مع ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار) ، لأن مشروعية إكرام الفضلاء لا تستدعي السعي منهم إلى ذلك أو تعلق قلوبهم بمحبته ، بل إن من أبرز صفات الصالحين أن يكونوا متواضعين لإخوانهم زهادا في طلب هذا الشيء ... (غير أن من أهم ما ينبغي أن تعلمه في هذا الصدد أن لهذا الإكرام المشروع حدود إذا تجاوزها ، انقلب الأمر محرما ، واشترك في الإثم كل من مقترفة والساكت عليه. فمن ذلك ما قد تجده في مجالس بعض المتصوفة من وقوف المريدين عليهم وهم جلوس ، يقف الواحد منهم أمام شيخه في انكسار وذل ... ومنه ما يفعله بعضهم من السجود على ركبة الشيخ أو يده عند قدومه عليه ، أو ما يفعله من الحبو إليه عندما يغشى المجلس ...
فالإسلام قد شرح مناهج للتربية وحظر على المسلمين الخروج عليها ، وليس بعد الأسلوب النبوي في التربية من أسلوب يقر).
السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية،مهدي رزق الله ، ص459
ــــــــــــــــــ

دروس وعبر من غزوة الخندق وقريظة

وفي غزوة الخندق دروس كثيرة منها :
*- شتان بين التصور والواقع

(2/312)


عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِىِّ قَالَ قَالَ فَتًى مِنَّا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَأَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَصَحِبْتُمُوهُ قَالَ نَعَمْ يَا ابْنَ أَخِى . قَالَ فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَجْهَدُ. قَالَ وَاللَّهِ لَوْ أَدْرَكْنَا مَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِى عَلَى الأَرْضِ وَلَجَعَلْنَاهُ عَلَى أَعْنَاقِنَا. قَالَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ يَا ابْنَ أَخِى وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْخَنْدَقِ وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ اللَّيْلِ هَوِيًّا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ « مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرَ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ ». يَشْتَرِطُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ يَرْجِعُ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ فَمَا قَامَ رَجُلٌ ثُمَّ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَوِيًّا مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ « مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرَ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ ثُمَّ يَرْجِعُ ». يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الرَّجْعَةَ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ رَفِيقِى فِى الْجَنَّةِ فَما قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ مَعَ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَشِدَّةِ الْجُوعِ وَشِدَّةِ الْبَرْدِ فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ دَعَانِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يَكُنْ لِى بُدٌّ مِنَ الْقِيَامِ حِينَ دَعَانِى فَقَالَ « يَا حُذَيْفَةُ فَاذْهَبْ فَادْخُلْ فِى الْقَوْمِ فَانْظُرْ مَا يَفْعَلُونَ وَلاَ تُحْدِثَنَّ شَيْئاً حَتَّى تَأْتِيَنَا ».

(2/313)


قَالَ فَذَهَبْتُ فَدَخَلْتُ فِى الْقَوْمِ وَالرِّيحُ وَجُنُودُ اللَّهِ تَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ لاَ تَقِرُّ لَهُمْ قِدْرٌ وَلاَ نَارٌ وَلاَ بِنَاءٌ فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لِيَنْظُرِ امْرُؤٌ مَنْ جَلِيسُهُ.
فَقَالَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذْتُ بِيَدِ الرَّجُلِ الَّذِى إِلَى جَنْبِى فَقُلْتُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ وَاللَّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَأَخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ وَبَلَغَنَا مِنْهُمُ الَّذِى نَكْرَهُ وَلَقِينَا مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ وَاللَّهِ مَا تَطْمَئِنُّ لَنَا قِدْرٌ وَلاَ تَقُومُ لَنَا نَارٌ وَلاَ يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ فَارْتَحِلُوا فَإِنِّى مُرْتَحِلٌ. ثُمَّ قَامَ إِلَى جَمَلِهِ وَهُوَ مَعْقُولٌ فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ ضَرَبَهُ فَوَثَبَ عَلَى ثَلاَثٍ فَمَا أَطْلَقَ عِقَالَهُ إِلاَّ وَهُوَ قَائِمٌ وَلَوْلاَ عَهْدُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لاَ تُحْدِثْ شَيْئاً حَتَّى تَأْتِيَنِى ثُمَّ شِئْتُ لَقَتَلْتُهُ بِسَهْمٍ قَالَ حُذَيْفَةُ ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى مِرْطٍ لِبَعْضِ نِسَائِهِ مُرَحَّلٍ فَلَمَّا رَآنِى أَدْخَلَنِى إِلَى رَحْلِهِ وَطَرَحَ عَلَىَّ طَرَفَ الْمِرْطِ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ وَإِنِّى لَفِيهِ فَلَمَّا سَلَّمَ أَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ وَسَمِعَتْ غَطَفَانُ بِمَا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ وَانْشَمَرُوا إِلَى بِلاَدِهِمْ.أخرجه أحمد (1)
__________
(1) - مسند أحمد(24038)5/393 صحيح لغيره

(2/314)


هذا تابعي يلتقي بالصحابي حذيفة ويتخيل أنه لو وجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاستطاع أن يفعل ما لم يفعله الصحابة الكرام، والخيال شيء والواقع شيء آخر، والصحابة رضي الله عنهم بشر، لهم طاقات البشر، وقدراتهم، وقد قدموا كل من يستطيعون، فلم يبخلوا بالأنفس فضلا عن المال والجهد، وقد وضع - صلى الله عليه وسلم - الأمور في نصابها بقوله: «خير القرون قرني» فبين أن عملهم لا يعدله عمل.
إن الذين جاءوا من بعد، فوجدوا سلطان الإسلام ممتدًا، وعاشوا في ظل الأمن والرخاء والعدل، بعيدين عن الفتنة والابتلاء، هم بحاجة إلى نقلة بعيدة يستشعرون من خلالها أجواء الماضي بكل ما فيه من جهالات وضلالات وكفر، وبعد ذلك يمكنهم تقدير الجهد المبذول من الصحابة حتى قام الإسلام في الأرض (1) .
*-من أدب الخلاف:
في اختلاف الصحابة في فهم كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ :« لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ » . فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِى الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ نُصَلِّى حَتَّى نَأْتِيَهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّى لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ . فَذُكِرَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ . (2)
ففي ذلك دلالة هامة على أصل من الأصول الشرعية الكبرى وهو تقرير مبدأ الخلاف في مسائل الفروع، واعتبار كل من المتخالفين معذورًا ومثابًا، كما أن فيه تقريرًا لمبدأ الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية، وفيه ما يدل على أن استئصال الخلاف في مسائل الفروع التي تنبع من دلالات ظنية أمر لا يمكن أن يتصور أو يتم (3) .
__________
(1) - انظر: من معين السيرة للشامي، ص291.
(2) - صحيح البخارى (946 )
(3) - انظر: فقه السيرة النبوية للبوطي، ص226.

(2/315)


إن السعي في محاولة القضاء على الخلاف في مسائل الفروع، معاندة للحكمة الربانية والتدبير الإلهي في تشريعه، عدا أنه ضرب من العبث الباطل، إذ كيف تضمن انتزاع الخلاف في مسألة ما دام دليلها ظنيًّا محتملاً؟...
ولو أمكن ذلك أن يتم في عصرنا، لكان أولى العصور به عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكان أولى الناس بألا يختلفوا هم أصحابه، فما بالهم اختلفوا مع ذلك كما رأيت؟ (1)
وفي الحديث السابق من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث نبوي أو آية من كتاب الله، كما لا يعاب من استنبط من النص معنى يخصه، وفيه أيضا أن المختلفين في الفروع من المجتهدين لا إثم على المخطئ،فعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ :« إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ.وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » (2) .
ــــــــــــــــــ

سرية نجد

في شهر المحرم من العام السادس الهجري خرجت سرية من المسلمين إلى بني بكر، فهرب بنو بكر خوفًا من المسلمين، وتركوا أنعامهم وإبلهم، فأخذها المسلمون، وبينما المسلمون عائدون وجدوا أمامهم ثمامة بن أثال، ولم يكن قد أسلم بعد، فقبض عليه المسلمون، وعندما وصلوا المدينة ربطوه في أحد أعمدة المسجد، وعندما رأى ثمامة الرسول - صلى الله عليه وسلم - طلب منه أن يطلقه مقابل ما يريد من المال، وقال له: إن تقتل تقتل ذا دم (أي: رجلا له مكانة في قومه وسوف يثأرون له) وإن تنعم تنعم على شاكر (أي رجل يعرف لك جميلك ويكافئك عليه).
__________
(1) - انظر: فقه السيرة النبوية للبوطي، ص226.
(2) - صحيح مسلم(4584 )

(2/316)


فعفا عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأطلق سراحه، فانصرف ثمامة، ولكنه عاد إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأعلن إسلامه، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، وذهب ثمامة إلى مكة، فلما عرفوا أنه قد أسلم قالوا له: صبوت (أي: فارقت دينك)؟ قال: لا والله .. ولكن أسلمت مع محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة (قمح) حتى يأذن فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ومرت الأيام، وأحاط الجوع بقريش، واحتاجت إلى القمح، فأرسلوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألونه أن يأمر ثمامة بإرسال القمح إلى قريش، ورغم أن قريشًا حاصرت الرسول وقومه في شِعب أبي طالب ثلاث سنوات، وأذاقوهم عذاب الجوع، إلا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قابل الإساءة بالإحسان ورفض تعريض قريش للجوع، وأمر ثمامة أن يبيع لهم القمح.
غزوة بني لحيان
لكي لا يتجرأ الكفار على المسلمين خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شهر شعبان يريد بني لحيان، وقد أظهر أنه متوجه إلى الشام؛ ليفاجئ القوم ولينتقم من الذين غدروا بأصحابه يوم الرجيع، فلما سمعت هذه القبائل الغادرة بمقدمه هربت إلى الجبال، ومكث المسلمون يومين، وأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض فرسانه قريبًا من مكة؛ لتسمع بهم قريش، وليعلموا بما حدث فيزدادوا خوفًا ورعبًا من المسلمين، ثم عاد المسلمون إلى المدينة.
ــــــــــــــــــ

صلح الحديبية

(2/317)


في العام السادس من الهجرة، وفي شهر ذي الحجة، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة متوجهًا إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة، وخرج معه المهاجرون والأنصار ومن لحق بهم من العرب، وليس معهم من السلاح إلا السيوف، وقد ساقوا معهم الهدي (الذبائح)؛ ليظهروا حسن نيتهم ويُعْلِموا أهل مكة أنهم جاءوا حاجين إلى البيت وزائرين له، ولم يأتوا لحرب أو قتال، بل لأداء العمرة.
ووصل الخبر بمسير الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة، فإذا بقريش تفور من الغضب والغيظ، فكيف يتجرأ المسلمون على المجيء إليهم، ودخول مكة بهذه السهولة؟! فلا بد من صدِّهم ومنعهم من دخولها، وتعاهدوا على ألا يدخلها النبي - صلى الله عليه وسلم - والذين معه، وخرجت خيلهم يقودها خالد بن الوليد؛ لمنع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من دخول مكة.
وتعجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وقوف قريش في وجه من قصد زيارة الكعبة، فقال: (أشيروا علي أيها الناس) فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. فقال - صلى الله عليه وسلم - : (امضوا على اسم الله) وعقد العزم على الجهاد، ولكنه لم يرد الصدام مع قريش، فقال - صلى الله عليه وسلم - : (من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها) فقال رجل: أنا
يا رسول الله. فسلك بالمسلمين طريقًا غير الذي خرجت إليه جيوش المشركين._[ابن إسحاق].

(2/318)


وبينما رَكْبُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يسير بأمر الله تعالى بركت الناقة التي يركبها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكان قريب من مكة يسمى الحديبية، فقال الصحابة: خلأت القصواء (اسم ناقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ) خلأت القصواء .. فقال - صلى الله عليه وسلم - : (ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، لكن حبسها حابس الفيل) _[البخاري] وعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى لا يريد له دخول مكة، ولا الصدام مع قريش في ذلك الوقت، فقرر التفاوض مع قريش في شأن دخول المسلمين مكة لزيارة البيت الحرام، وقال: (والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) _[ابن إسحاق].
وعند بئر الحديبية تجمع المسلمون حول النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أصابهم العطش، فماء البئر قليل لا يكفيهم، فشكوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فجلس - صلى الله عليه وسلم - على حافة البئر، وتوضأ، ثم صبَّ الماء في البئر، فكثر الماء وظلوا يشربون وتشرب إبلهم حتى تركوا الحديبية ورحلوا. _[البخاري].
أما قريش فقد أصابهم الفزع بعدما تأكدوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عازم على دخول مكة، فأرسلوا إليه رسلا يستوضحون الأمر، وكان أول الرسل بديل بن ورقاء الخزاعي، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (إنا لم نجئ لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين .. يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن
قريش، فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة (يقصد: الموت)) _[ابن إسحاق].

(2/319)


وكان آخر الرسل عروة بن مسعود الثقفي عم الصحابي المغيرة ابن شعبة، وإذا به يقف مبهورًا من طاعة المسلمين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتماسكهم وقوة إيمانهم، فعاد إلى قومه يقول لهم: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، على كسرى وقيصر والنجاشي، وإني والله ما رأيت ملكًا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله ما تَنخَّم (بصق) نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلَّك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وما يحدُّون النظر إليه تعظيمًا له، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
وأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ليشرح لقريش ما يريده المسلمون، وإذا بالمشركين يعرضون على عثمان أن يطوف وحده بالبيت، ولكنه رفض أن يطوف وحده دون المسلمين، فاحتبسته قريش عندها، فلما طالت غيبته ظن المسلمون أن الكفار قتلوه، فاجتمعوا حول نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وبايعوه على القتال حتى الاستشهاد في سبيل الله، وفيهم نزل قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا} [الفتح: 18]
شروط الصلح:
وعلمت قريش بهذه النية، فخافت وأطلقت عثمان على الفور، وأرسلت سهيل بن عمرو، وكان رجلا فصيحًا عاقلا يجيد التفاوض، فلما رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فلما جاء سهيل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكلما طويلا ثم جري بينهما الصلح، فاتفق مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على:
- أن يرجع المسلمون هذا العام ويعودوا في العام القادم.
-وأن تتوقف الحرب بينهما لمدة عشر سنوات.
-وأن من أراد أن يتحالف مع المسلمين فله ذلك، ومن أراد التحالف مع قريش فله ذلك.
-وأن يرد الرسول - صلى الله عليه وسلم - من جاء إليه من قريش دون إذن وليه، ولا ترد قريش من يأتيها من المسلمين.

(2/320)


وعند سماع عمر بهذه الشروط أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر أليس برسول الله؟ قال: بلي. قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلي. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. _[متفق عليه].
ثم دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب وقال له اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم. فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : اكتب باسمك اللهم. فكتبها، ثم قال: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو. فقال سهيل : لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال - صلى الله عليه وسلم - : اكتب. هذا ما صالح عليه محمدُ بن عبدالله، سهيلَ بن عمرو. فرفض على أن يمحو كلمة رسول الله بعد ما كتبها، فمحاها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بنفسه. _[متفق عليه].
وبهذا الصلح دخلت قبيلة خزاعة في عهد المسلمين ودخلت قبيلة بني بكر في عهد المشركين، وقبل أن يوقع الرسول - صلى الله عليه وسلم - على كتاب الصلح إذا بأبي جندل بن سهيل بن عمرو يأتي مسلمًا، فلما رآه أبوه سهيل؛ قام إليه فضرب وجهه، وأخذ بثيابه، ثم قال: يا محمد، قد لجت القضية (أي حسمت) بيني وبينك قبل أن يأتي هذا. قال: صدقت.

(2/321)


فأخذ سهيل يجر ابنه ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - : (يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم) _[ابن إسحاق] وغضب المسلمون من هذا الصلح، فقد بَدَت الشروط في أعينهم ظالمة، فقال لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يُضَيِّعني) [البخاري].
ولما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كتابة المعاهدة، قال للمسلمين: (قوموا، فانحروا) وقالها ثلاثًا، فلم يقم أحد، فغضب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ودخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: يا رسول الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدًا كلمة حتى تنحر بُدْنَكَ، وتدعو حالقك فيحلقك. فقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخرج فلم يكلم أحدًا حتى نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا إبلهم، وجعل بعضهم يحلق لبعض. [أحمد].
ولكن هل التزم المسلمون والمشركون بشروط هذه المعاهدة؟ لقد ضاق المسلمون المعذبون في مكة بمقامهم بعيدًا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين في المدينة، ففر منهم أبو بصير عبيد الله بن أسيد، وهاجر إلى المدينة يبغي المقام فيها مع المسلمين، فأرسلت قريش وراءه اثنين من رجالها، ليعودا به إليها تنفيذًا لشروط الصلح، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، فانطلق إلى قومك) _[ابن إسحاق].

(2/322)


وحزن أبو بصير وقال: يا رسول الله أتردني إلى المشركين ليفتنوني في ديني؟ فلم يزد النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تكرار رجائه في الفرج القريب، ثم أرسل أبا بصير مع القرشيين ليعودوا جميعًا إلى مكة، فاحتال أبو بصير أثناء الطريق على سيف أحد الحارسين وقتله به، ففر الآخر مذعورًا، ورجع إلى المدينة يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما وقع من أبي بصير، وإذا بأبي بصير يطلع شاهرًا السيف يقول: يا رسول الله، وفت ذمتك وأدى الله عنك، أسلمتني بيد القوم وامتنعت بديني أن أفتن أو يعبث بي، فقال - صلى الله عليه وسلم - : (ويل أمه (كلمة مدح) مُسَعِّرُ حرب (أي مشعل حرب) لو كان معه رجال) _[أحمد].
وأدرك أبو بصير أنه لا مقام له في المدينة، ولا مأمن له في مكة، فانطلق إلى ساحل البحر في ناحية تدعي (العيص) وشرع يهدد قوافل قريش بطريق الساحل وسمع المسلمون بمكة عن مقامه، فتلاحقوا به حتى اجتمع إليه نحو سبعين ثائرًا كان منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو، وكونوا جيشًا ضَيقَ على قريش فلا يظفر بأحد إلا قتله، ولا تمر بهم قافلة إلا اقتطعوها، فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تناشده أن يؤوي إليه هؤلاء فلا حاجة لها بهم.
وبذلك نزلت قريش عن الشرط الذي أملته تعنتًا وقبله المسلمون كارهين، وهذا هو أول الفتح على المسلمين، فقد تأكد لهم بعد ذلك أن المعاهدة كانت لصالحهم، وأنها أتاحت لهم فرصة لنشر دينهم بعيدًا عن الانشغال بالحرب مع قريش.
إسلام أبي العاص بن الربيع:
وعندما كان أبو جندل وأبو بصير وأصحابهما في المكان الذي اجتمعوا فيه عند ساحل البحر، مرت بهم قافلة تجارية لقريش بقيادة أبي العاص بن الربيع زوج السيدة زينب بنت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت قد فارقته؛ لأنه كان مشركًا، وهاجرت وحدها إلى المدينة.

(2/323)


فهاجم أبو جندل ومن معه القافلة وأسروهم وأخذوا ما معهم من أموال، ولم يقتلوا منهم أحدًا إكرامًا لأبي العاص، وأخلوا سبيله، فقدم أبوالعاص المدينة واستجار بزينب، فكلمت زينب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك.
فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخطب قائلا: (إنا صاهرنا أناسا، وصاهرنا أبا العاص، فنعم الصهر وجدناه، وإنه أقبل من الشام في أصحاب له
من قريش، فأخذهم أبو جندل وأبو بصير، وأخذوا ما كان معهم، ولم يقتلوا منهم أحدًا، وإن زينب بنت رسول الله سألتني أن أجيرهم، فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه؟) فقال الناس: نعم. فلما بلغ أبا جندل وأصحابه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - أطلقوا من كان عندهم من أصحاب أبي العاص وردوا إليهم أموالهم.
ثم خرج أبو العاص حتى قدم مكة، فأدى إلى الناس بضائعهم، ثم أعلن
إسلامه، وعاد أبو العاص إلى المدينة مسلمًا، فرد إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - زوجته زينب -رضي الله عنها-.
ــــــــــــــــــ

بيعة الرضوان

(الشبكة الإسلامية)
القارئ لسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتاريخ دعوة الإسلام يجد ارتباطًا وثيقًا بين أحداثها ومجرياتها، وخير ما يشهد لهذه المقولة بيعة الرضوان، إذ كانت ذات علاقة وثيقة بصلح الحديبية، وربما كانت سببًا مباشرًا لهذا الصلح، الذي كان خيرًا للمسلمين، وفتحًا مبينًا للجماعة المؤمنة. وفيما يلي شيء من تفصيل مجريات وملابسات بيعة الرضوان، ذلك الحدث الجلل في حياة الدعوة الإسلامية وتاريخها المجيد .
ذلك أنه لما استقر أمر المسلمين بالمدينة، وأسسوا دولتهم الفتية، وأخذت الأمور تسير إلى حد كبير لصالحهم، بدأت طلائع الفتح الإسلامي، ورايات الدعوة الإسلامية تبدو شيئًا فشيئًا، وبدأت التمهيدات والاستعدادات لإقرار حق المسلمين في أداء عبادتهم في المسجد الحرام، الذي كان قد صد عنه المشركون منذ ستة أعوام .

(2/324)


وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد رأى في المنام، وهو بالمدينة، أنه داخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وآخذ مفتاح الكعبة، وطائف بالبيت العتيق. فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا بهذه الرؤية فرحًا شديدًا، وتشوَّقت نفوسهم لتلك الساعة، وحسبوا أنهم داخلو مكة خلال وقت ليس بالبعيد .
ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى إثر تلك الرؤيا المبشرة، أخبر أصحابه أنه معتمر، وطلب منهم أن يأخذوا أهبة السفر، فتجهزوا لما أمرهم به، واستخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المدينة ابن أم مكتوم . وخرج قاصدًا مكة غرة ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، وصحبته في هذا السفر زوجته أم سلمة رضي الله عنها، وكان عدد الذين خرجوا معه يريدون مكة قد قاربوا ألفًا وأربعمائة رجل، ولم يخرج معه أحد بسلاح المعركة، بل خرج الجميع بسلاح المسافر فحسب .
وكانت قريش لما سمعت بخروج النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عقدت جلسة طارئة، لبحث الموقف وتداعياته، وخرجت من تلك الجلسة بقرار جماعي، حاصله صد المسلمين عن البيت الحرام كيفما كان، ومهما كلفها ذلك من ثمن .
ثم إن قريشًا بدأت خطواتها التنفيذية، وإجراءاتها العملية لمواجهة الموقف؛ بإرسال الرسل للمفاوضة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، عسى أن تثمر تلك المفاوضات عن ثنيه عن عزمه وقصده من دخول البيت الحرام .

(2/325)


ولما رأى شباب قريش الطائشون، الطامحون إلى الحرب، رغبة زعمائهم في الصلح، فكروا في خطة تحول بينهم وبين الصلح، وأخذوا زمام المبادرة، إذ إن الموقف - حسب منطق هؤلاء - لم يكن يحتمل المفاوضة، ولا يتسع للأخذ والمناورة، فقرروا - حسمًا للموقف - أن يخرجوا ليلاً، ويتسللوا إلى معسكر المسلمين، ويحدثوا أحداثًا تشعل نار الحرب، وتؤجج سعير المعركة. وفعلاً قاموا بتنفيذ هذا القرار، واتخذوا خطوات عملية وميدانية في هذه الاتجاه، فخرج منهم سبعون أو ثمانون رجلاً ليلاً، وهبطوا من جبل التنعيم، وحاولوا التسلل إلى معسكر المسلمين .
بيد أن عيون المسلمين كانت لهم بالمرصاد، فحالما تسلل أولئك النفر إلى المكان الذي كان ينزل فيه المسلمون اعتقلوا جميعًا، وفشلت محاولتهم التي كانوا يرمون إليها، وأخذوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليقرر في أمرهم ما يراه مناسبًا للموقف .
ورغبة منه - صلى الله عليه وسلم - في الصلح، وتمشيًا مع القصد الذي خرج - صلى الله عليه وسلم - لأجله، فقد أطلق سراحهم وعفا عنهم، وفي ذلك أنزل الله قوله الكريم: { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم } ( الفتح :24)

(2/326)


ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يبلغ قريشًا موقفه وهدفه وغايته من هذا السفر؛ فعزم على أن يبعث إليها سفيراً يؤكد لها موقفه ذلك، فانتدب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليرسله إليهم، فاعتذر عمر رضي الله عنه قائلاً : يا رسول الله، ليس لي أحد بمكة من بني عدي بن كعب ، يغضب لي إن أوذيت، فأرسلْ عثمان بن عفان ، فإن عشيرته بها، وإنه مبلِّغ ما أردت. فدعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان رضي الله عنه، وأرسله إلى قريش، وقال : أخبرهم أنا لم نأتِ لقتال وحرب، وإنما جئنا عُمَّارًا - أي: نبتغي العمرة - وادعهم إلى الإسلام، وأمره أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين، ونساء مؤمنات، فيبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفي فيها أحد بالإيمان .
فانطلق عثمان رضي الله عنه لما وجَّهه إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأتى قريشًا، وبلَّغ زعماءها الرسالة التي حمَّله إياها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما فرغ من إبلاغ رسالته، عرضوا عليه أن يطوف بالبيت، فرفض هذا العرض، وأبي أن يطوف إلا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

(2/327)


فلما رأت قريش هذا الموقف من عثمان رضي الله عنه، وهو موقف لم يَرُقْ لها بحال، لجأت إلى أسلوب الضغط والتهديد، فاحتبست عثمان عندها - ولعلها أرادت من وراء هذه الخطوة، أن تتشاور فيما بينها في الوضع الراهن، وتبرم أمرها. أو لعلها أرادت أن تتخذ من عملية اعتقال عثمان رضي الله عنه ورقة ضغط في وجه المسلمين - وأشاعت خبر ذلك بين المسلمين، وطال احتباس عثمان رضي الله عنه، حتى شاع بين المسلمين أنه قتل. فلم بلغ خبر تلك الإشاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا نبرح حتى نناجز القوم ) ثم دعا أصحابه إلى البيعة، فثاروا إليه يبايعونه على ألا يفروا، وبايعته جماعة على الموت، وأول من بايعه أبو سنان الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع على الموت ثلاث مرات، في أول الناس ووسطهم وآخرهم، وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيد نفسه وقال : ( هذه عن عثمان ) . ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين يقال له : جَدُّ بن قَيْس .
وقد ذكر القرآن الكريم خبر هذه البيعة، ومدح أصحابها، ورضا الله عنهم، قال تعالى في ذلك: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } (الفتح:18) ولأجل ما ذكر الله، سميت هذه البيعة ( بيعة الرضوان ) وقد أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه البيعة من صحابته رضوان الله عليهم تحت شجرة، وكان عمر رضي الله عنه آخذًا بيده، و مَعْقِل بن يسار آخذًا بغصن الشجرة، يرفعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

(2/328)


وقد ذكرت كتب السيرة خبر هذه البيعة بطرق متعددة، وبألفاظ متقاربة؛ من ذلك ما رواه الطبري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: بينما نحن قافلون من الحديبية، نادى منادي النبي - صلى الله عليه وسلم - : أيها الناس، البيعة البيعة ! نزل روح القدس. قال: فسرنا إلى رسول الله، وهو تحت شجرة سمرة، قال: فبايعناه، قال: وذلك قول الله تعالى: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } فأخبر سبحانه نبيه أنه قد رضي عن أصحابك المؤمنين، لمبايعتهم إياك على الجهاد، ومواجهة قريش في موقفها العنيد، وعلى أن لا يفروا ولا يولوهم الأدبار، مهما كلفهم ذلك من التضحيات .
وكان أول من بايع بيعة الرضوان رجل يقال له أبو سنان ، أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: يا رسول الله أبسط يديك حتى أبايعك، فقال: على ماذا، قال: على ما في نفسك، قال: وما في نفسي، قال: الفتح أو الشهادة. فبايعه، وكان الناس يجيئون فيقولون: نبايع على بيعة أبي سنان .
قال ابن اسحاق صاحب السيرة: فبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها، إلا الجد بن قيس ، أخو بني سلمة، قال: كان جابر بن عبد الله رضي الله عنه، يقول: لكأني أنظر إليه، لاصقًا بإبط ناقته، قد ضبأ ( أي: لصق بها واختبأ ) إليها، يستتر بها من الناس .
ولما تمت البيعة المرضية، رجع عثمان رضي الله عنه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له بعضهم: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟ فقال: بئس ما ظننتم بي، والذي نفسي بيده لو مكثت بها سنة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقيم بالحديبية ما طفت بها، حتى يطوف بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت، فقال المسلمون: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أعلمنا بالله، وأحسننا ظنًا .

(2/329)


وقد ثبت في صحيح الحديث - ناهيك على ما جاء في القرآن - الشهادة بالجنة لجميع من شهد بيعة الرضوان عام الحديبية؛ فعن أم مبشر رضي الله عنها: أنها سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول عند حفصة رضي الله عنها: ( لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها ، قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة : { وإن منكم إلا واردها } (مريم:71) فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال الله عز وجل: { ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا } (مريم:72) رواه مسلم ، وفي "سنن" أبي داود : ( لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ) وفي "المصنف" ل ابن أبي شيبة ،قال: السابقون الأولون، من أدرك بيعة الرضوان. وقد وعد سبحانه هؤلاء بالجنة، قال الله تعالى: { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } (التوبة:100) .
وعلى العموم، فإن وقائع هذه البيعة تفيد العديد من العبر، ويُستنتج منها الكثير من الفوائد، وهاك بعضًا من ذلك:
- صحة إيمان الذين بايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان، وصدق بصائرهم, وأنهم كانوا مؤمنين على الحقيقة أولياء لله; إذ من غير الجائز أن يخبر الله برضاه عن قوم بأعيانهم، إلا وباطنهم كظاهرهم في صحة البصيرة، وصدق الإيمان, وقد أكد ذلك المعنى سبحانه، بقوله: { فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم } (الفتح:18) وهذا يدل دلالة واضحة على أن التوفيق والتسديد والتأييد مصاحب وملازم لمن صَدَق النية مع الله, وهذا الملحظ في معنى قوله تعالى: { إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما } (النساء:35) .

(2/330)


- كانت تلك البيعة مقدمة وتمهيدًا وسببًا مباشرًا لإبرام صلح الحديبية، ذلك الصلح الذي كان فتحًا مبينًا، وكسبًا عظيمًا للمسلمين. فعندما علمت قريش بتلك البيعة، ومدى صلابة المسلمين في موقفهم، وقوتهم، وصبرهم، وثباتهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، علمت أن ذلك هو الحق، فأرسلت إلى المسلمين فريقًا للتفاوض معهم، وإبرام الصلح .
- ومما يستفاد من هذه الحادثة قوة العلاقة والترابط والتلاحم بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام؛ إذ إنهم بايعوه على الثبات والمصابرة وعدم التولي، ومواجهة الموقف بكل ما يقتضيه من إيمان وإخلاص؛ يتجلى ذلك في سرعة استجابة الصحابة لما دعاهم إليه رسول الله، ومسارعتهم لتلبية متطلبات ومستحقات الإيمان بالله، وبرسالة نبيه عليه الصلاة والسلام، إذ إن الصدق في الإيمان سبيل إلى تحصيل رضا الرحمن أولاً، وهو طريق أيضًا لحصول نصره وتأييده { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز } (الحج:40) .

(2/331)


- على أن من الدلالات المهمة في هذه البيعة، والتي تدل على كل ما سبق وتدعمه، ما يستفاد من مواقف الصحابة رضوان الله عليهم من رسولهم - صلى الله عليه وسلم - ، فيما ذكره أصحاب السِّيَر من أن عروة - وهو أحد أعضاء وفد قريش، الذين ذهبوا للمفاوضة والمصالحة - وكان قد رجع إلى أصحابه يصف لهم ما رأى، قال: أي قوم !! والله لقد وفدت على الملوك، على كسرى و قيصر والنجاشي ، والله ما رأيت ملكًا يعظمه أصحابه، ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخَّم نخامة، إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدِّون إليه النظر تعظيما له. وفي فعل الصحابة هذا على ما وصف عروة ما يدل على أنه لا إيمان برسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون محبة له، وأن هذه المحبة ليست معنى عقلانيًا مجردًا، وإنما هي أثر ملموس، وسلوك مشهود، يستحوذ على القلب، فيطبع صاحبه، بمثل الطابع الذي وصف به عروة بن مسعود أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ومما يتصل بهذا الحدث، ويحمل من الدلالة ما يحمل، حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو في "الصحيحين" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية: ( أنتم خير أهل الأرض ) قال جابر - وكان قد كفَّ بصره -:ولو كنت أبصر اليوم، لأريتكم مكان الشجرة . وقد قُطعت هذه الشجرة ونسي مكانها، وكان في ذلك خير للمسلمين؛ إذ لو بقيت إلى اليوم، لشُدت إليها الرحال، ولضُربت عليها القباب، ولظن الناس فيها الظنونا، ولربما كانت قِبلة لبعض الجهال، ولكن الله { غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون } .
ــــــــــــــــــ
صلح الحديبية وشروطه

(الشبكة الإسلامية)

(2/332)


لم تخمد مشاعر المسلمين في المدينة شوقاً إلى مكة ، التي حيل بينهم وبينها ظلماً وعدواناً ، وما برحوا ينتظرون اليوم الذي تُتاح لهم فيه فرصة العودة إليها والطواف ببيتها العتيق ، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي برز فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه ليخبرهم برؤياه التي رأى فيها دخوله لمكة وطوافه بالبيت ، فاستبشر المسلمون بهذه الرؤيا لعلمهم أن رؤيا الأنبياء حق ، وتهيّؤوا لهذه الرحلة العظيمة .
وفي يوم الإثنين خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، يريد العمرة ومعه ألف وأربعمائة من الصحابة ، وليس معهم إلا سلاح السفر ، فأحرموا بالعمرة من ذي الحليفة ، فلما اقتربوا من مكة بلغهم أن قريشاً جمعت الجموع لمقاتلتهم وصدهم عن البيت .
فلما نزل الرسول بالحديبية أرسل عثمان رضي الله عنه إلى قريش وقال له : أخبرهم أنا لم نأت لقتال ، وإنما جئنا عماراً ، وادعهم إلى الإسلام ، وأَمَرَه أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات ، فيبشرهم بالفتح ، وأن الله عز وجل مظهر دينه بمكة ، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان . فانطلق عثمان ، فمر على قريش ، فقالوا : إلى أين ؟ فقال : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام ، ويخبركم : أنه لم يأت لقتال ، وإنما جئنا عماراً . قالوا : قد سمعنا ما تقول ، فانفذ إلى حاجتك .
ولكن عثمان احتبسته قريش فتأخر في الرجوع إلى المسلمين ، فخاف الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه ، وخاصة بعد أن شاع أنه قد قتل ، فدعا إلى البيعه ، فتبادروا إليه ، وهو تحت الشجرة ، فبايعوه على أن لا يفروا ، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها قوله : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } (سورة الفتح 18) .

(2/333)


وأرسلت قريش عروة بن مسعود إلى المسلمين فرجع إلى أصحابه ، فقال : أي قوم ، والله لقد وفدت على الملوك -كسرى ، وقيصر والنجاشي- والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً . والله ما انتخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمر ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم ، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له ، ثم قال : وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها .
ثم أسرعت قريش في إرسال سهيل بن عمرو لعقد الصلح ، فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قد سهل لكم أمركم ، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل ، فتكلم سهيل طويلاً ثم اتفقا على قواعد الصلح ، وهي :
الأولى : رجوع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من عامه وعدم دخول مكة ، وإذا كان العام القادم دخلها المسلمون بسلاح الراكب ، فأقاموا بها ثلاثاً .
الثانية : وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين ، يأمن فيها الناس .
الثالثة : من أحب أن يدخل في عقد مع محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد مع قريش وعهدهم دخل فيه .
الرابعة : من أتى محمداً من قريش من غير إذن وليه رده إليهم ، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يرد إليه .

(2/334)


ثم قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : هات اكتب بيننا وبينك كتاباً ، فدعا الكاتب -وهو علي بن أبي طالب - فقال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل : أما الرحمن ، فما أدري ما هو ؟ ولكن اكتب : باسمك اللهم كما كنت تكتب . فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : اكتب : باسمك اللهم ، ثم قال : اكتب : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل : والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال : إني رسول الله ، وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله، ثم تمت كتابة الصحيفة ، ودخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش .

(2/335)


فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل ، وقد خرج من أسفل مكة يرسف-يمشي مقيداً- في قيوده ، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد! أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنا لم نقض الكتاب بعد، فقال : إذاً والله لا أصالحك على شئ أبداً. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فأجزه لي، قال : ما أنا بمجيزه لك . قال : بلى، فافعل، قال : ما أنا بفاعل . قال أبو جندل : يا معشر المسلمين ! كيف أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما لقيت ؟ -وكان قد عذب في الله عذاباً شديداً- قال عمر بن الخطاب : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ . فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت : يا رسول الله ! ألست نبي الله ؟ قال : بلى، قلت : ألسنا على الحق ، وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : علام نعطى الدنية في ديننا ؟ ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا ؟ فقال : إني رسول الله ، وهو ناصري ، ولست أعصيه . قلت : ألست كنت تحدثنا : أنا نأتي البيت ، ونطوف به . قال : بلى ، أفاخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا، قال : فإنك آتيه ومطوف به . قال : فأتيت أبا بكر ، فقلت له مثلما قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ورد علي كما رد علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواء ، وزاد : فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق .

(2/336)


فلما فرغ من قضية الكتاب ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : قوموا فانحروا، ثم احلقوا، وما قام منهم رجل ، حتى قالها ثلاث مرات . فلما لم يقم منهم أحد ، قام ولم يكلم أحداً منهم حتى نحر بدنه ودعا حالقه . فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً . ثم جاء نسوة مؤمنات ، فأنزل الله : {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} (سورة الممتحنة 10) . وفي مرجعه - صلى الله عليه وسلم - : أنزل الله سورة الفتح : {إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } الآية ، فقال عمر : أو فتح هو يا رسول الله ؟ قال : نعم ، قال الصحابة : هذا لك يا رسول الله ، فما لنا ؟ فأنزل الله : { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} الآيتين إلى قوله : {فوزا عظيما} (سورة الفتح 1-5) .
ولما رجع إلى المدينة جاءه أبو بصير -رجل من قريش- مسلماً ، فأرسلوا في طلبه رجلين ، وقالوا : العهد الذي بيننا وبينك ، فدفعه إلى الرجلين ، فخرجا به ، حتى بلغا ذا الحليفة . فنزلوا يأكلون من تمر لهم . فقال أبو بصير لأحدهما: إني أرى سيفك هذا جيداً. فقال: أجل ، والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت ، فقال : أرني أنظر إليه ، فقتله بسيفه ، ورجع أبو بصير إلى المدينة ، فقال : يا نبي الله ! قد أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ويل أمه مسعر حرب ، لو كان له أحد . فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر، وتفلت منهم أبو جندل ، فلحق بأبي بصير ، فلا يخرج من قريش رجل -قد أسلم- إلا لحق به ، حتى اجتمعت منهم عصابة . فما سمعوا بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها ، فقاتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تناشده الله والرحم أن أتاه منهم فهو آمن .

(2/337)


وكان هذا الصلح فتحاً عظيماً ، ونصراً مبيناً للمسلمين ، وذلك لما ترتب عليه من منافع عظيمة ؛ حيث اعترفت قريش بالمسلمين ، وقوتهم ، وتنازلت عن صدارتها الدنيوية وزعامتها الدينية ، فلا عجب إذاً أن يسمّيه الله تعالى فتحا مبينا .
ــــــــــــــــــ

صلح الحديبيبة

المبحث الأول: أحداث الحديبية:
خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لأداء العمرة في يوم الاثنين هلال ذي القعدة من السنة السادسة الهجرية .
وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخشى أن تعرض له قريش بحرب أو يصدوه عن البيت الحرام ، لذلك استنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه ، فأبطؤوا عليه ، فخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار وبمن لحق به من العرب.
وقد كشف القرآن عن حقيقة نوايا الأعراب، فقال: { سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا. يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أردا بكم نفعاً ، بل كان الله بما تعملون خبيراً. بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا).
وقد ذكر مجاهد أن الأعراب الذي عنتهم الآية هم أعراب جهينة ومزينة ، وذكر الواقدي أن الأعراب الذي تشاغلوا بأموالهم وأولادهم وذراريهم هو بنو بكر ومزينة وجهينة.
ويفهم من رواية البخاري أن المسلمين كانوا يحملون أسلحتهم استعداد للدفاع عن أنفسهم في حالة الاعتداء عليهم.
لقد اتفق خمسة من الذين كانوا في هذه الغزوة على أن عدد من خرج فيها كانوا ألفا وأربعمائة رجل.
ولقد صلى المسلمون وأحرموا بالعمرة عندما وصلوا إلى ذي الحليفة ، وقلد الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الهدي وأشعره ، وعددها سبعون بدنة. وبعث بين يديه بسر بن سفيان الخزاعي الكعبي عينا له إلى قريش ليأتيه بخبرهم.

(2/338)


وعندما وصل المسلمون الروحاء جاءه نبأ عدو بضيقة ، فأرسل إليهم طائفة من أصحابه ، فيهم أبو قتادة الأنصاري ، ولم يكن محرماً ، فرأى حماراً وحشياً ، فحمل عليه فطعنه ، ورفض أصحابه أن يعينوه عليه ، ولكنهم أكلوا منه وهم حرم ، ثم شكوا في حل ذلك ، فعندما التقوا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في السقيا ، استفتوه في الأمر ، فأذن لأصحابه بأكل ما جاؤوه به من بقية اللحم ما داموا لم يعينوا على صيده.
وعندما وصلوا عسفان جاءهم بسر بن سفيان الكعبي بخبر قريش فقال: ( يا رسول الله ، هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور ، وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداً ، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قدموا كراع الغميم). فاستشار النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في أن يغيروا على ديار الذين ناصروا قريشاً واجتمعوا معها ليدعوا قريشاً ويعودوا للدفاع عن ديارهم ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: ( يا رسول الله ، خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد ، فتوجه له ، فمن صدنا عنه قاتلناه). فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( امضوا على اسم الله).
وعندما علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقرب خيل المشركين منهم صلى بأصحابه صلاة الخوف بعسفان.
ولتفادي الاشتباك مع المشركين ، سلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - طريقاً وعرة عبر ثنية المرار ، وهي مهبط الحديبية ، وقال عندما وصلها : (من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل) ، فكان أول من صعدها خيل بني الخزرج ، ثم تتام الناس.
وعندما أحس بتغيير المسلمين خط سيرهم رجع إلى مكة ، وخرجت قريش للقاء المسلمين ، فعسكرت ببلدح ، وسبقوا المسلمين إلى الماء هنا.

(2/339)


وعندما اقترب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية بركت ناقته القصواء ، فقال الصحابة رضي الله عنهم : (خلأت القصواء) ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (ما خلأت القصواء ، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل). ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)، ثم زجرها فوثبت، ثم عدل عن دخول مكة وسار حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد – بئر – قليل الماء، ما لبثوا أن نزحوه ثم اشتكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العطش، فانتزع سهماً من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فجاش لهم بالري فارتووا جميعاً ، وفي رواية أنه جلس على شقة البئر فدعا بماء فمضمض ومج في البئر. ويمكن الجمع بأن يكون الأمران معا وقعاً ، كما ذكر ابن حجر. ويؤيده ما ذكره الواقدي وعروة من أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تمضمض في دلو وصبه في البئر ونزع سهماً من كنانته فألقاه فيها ودعا ففارت.
ولخصائص قريش ومكانتها بين العرب ، وحرص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على إسلامهم ، وتحسر على عنادهم وخسارة أرواحها في الحروب مع المسلمين ، فها هو يعبر عن هذه الحسرة بقوله : ( يا ويح قريش ، أكلتهم الحرب ، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس ، فإن أصابوني كان الذي أرادوا ، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهو وافرون ، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة ، فماذا تظن قريش ، والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة ... ).
بذل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما في وسعه لإفهام قريش أنه لا يريد حرباً معهم، وإنما يريد زيارة البيت الحرام وتعظيمه، وهو حق المسلمين، كما هو حق لغيرهم، وعندما تأكدت قريش من ذلك أرسلت إليه من يفاوضه ويتعرف على قوة المسلمين ومدة عزمهم على القتال إذا ألجئوا إليه، وطمعاً في صد المسلمين عن البيت بالطرق السليمة من جهة ثالثة.

(2/340)


فأتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل تهامة، وبينوا أن قريشاً تعتزم صد المسلمين عن دخول مكة، فأوضح لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبب مجيئه وذكر لهم الضرر الذي وقع على قريش من استمرار الحرب، واقترح عليهم أن تكون بينهم هدنة إلى وقت معلوم حتى يتضح لهم الأمر، وإن أبوا فلا مناص من الحرب ولو كان في ذلك هلاكه، فنقلوا ذلك إلى قريش، وقالوا لهم: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، إن محمداً لم يأت لقتال وإنما جاء زائراً هذا البيت، فاتهموهم وخاطبوهم بما يكرهون، وقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فلا والله ولا يدخلها علينا عنوة أبدا ولا تتحدث بذلك العرب.
وأراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يؤكد هدفه من هذه الزيارة ويشهد على ذلك كل العرب،لذا أرسل إلى قريش خراش بن أمية الخزاعي على جمله( الثعلب) ولكنهم عقروا به جمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأرادوا قتله ، فمنعته الأحابيش ، لأنهم من قومه.
ثم دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة ، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له ، فقال عمر : (يا رسول الله ، إني أخاف قريشاً على نفسي ، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني ، وقد عرفت قريش عداوتي إياها ، وغلظتي عليها ، ولكن أدلك على رجل أعز بها مني ، عثمان بن عفان).

(2/341)


فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان فبعثه إليهم. فنزل عثمان في حماية وجوار أبان بن سعيد بن العاص الأموي حتى أدى رسالته ، وأذنوا له بالطواف بالبيت ، فقال : (ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) واحتبسته قريش عندها ، فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن عثمان قد قتل. ولذلك دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه للبيعة تحت شجر سمرة ، فبايعوه جميعاً على الموت ، سوى الجد بن قيس ، وذلك لنفاقه.و في رواية أن البيعة كانت على الصبر ، وفي رواية على عدم الفرار ، ولا تعارض في ذلك لأن المبايعة على الموت تعنى الصبر عند اللقاء وعدم الفرار.
وكان أول من بايعه على ذلك أبو سنان عبد الله بن وهب الأسدي ، فخرج الناس بعده يبايعون على بيعته ، فأثنى عليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ( أنتم خير أهل الأرض) ، وقال : ( لا يدخل النار إن شاء الله ، من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها).
وأشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يده اليمنى ، وقال (هذه يد عثمان) ، فضرب بها على يده اليسرى ، وقال : (هذه لعثمان). فنال عثمان بذلك فضل البيعة.
وقبل أن تتطور الأمور عاد عثمان رضي الله عنه بعد البيعة مباشرة.
وعرفت هذه البيعة بـ (بيعة الرضوان) ، لأن الله تعالى أخبر بأنه رضي عن أصحابها ، في قوله : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}.
أرسلت قريش عدداً من السفراء للتفاوض مع المسلمين ، بعد سفارة بديل بن ورقاء. فقد أرسلوا عروة بن مسعود الثقفي ، وقبل أن يتحرك خشي أن يناله من التعنيف وسوء المقالة ما نال من سبقه ، فبين لهم موقفه منهم ، وأقروا له بأنه غير متهم عندهم ، وذكر لهم أن الذي عرضه عليهم محمد هو خطة رشد. ودعاهم إلى قبولها، فوافقوا على رأيه.

(2/342)


وعندما جاء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال له ما قال لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد ، أرأيت إن استأصلت أمر قومك ، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى ، فإني والله لا أرى وجوهاً وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر : امصص بظر اللات ، أنحن نفر عنه وندعه ؟ ... وكان كلما تكلم كلمة أخذ بلحية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس البني - صلى الله عليه وسلم - ومعه السيف ، فيضربه بنعل السيف ويقول : أخّر عن لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ولحظ عروة تعظيم الصحابة للرسول صلى الله عليه سلم وحبهم له وتفانيهم في طاعته ، فلما رجع إلى قريش ، قال لهم : (أي قوم ، والله لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمد محمداً).
ثم بعثوا الحليس بن علقمة الكناني سيد الأحابيش ، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه) ، فلما رأى الحليس الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده ، رجع إلى قريش قبل أن يصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك إعظاماً لما رأى ، وقال لقريش : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت ، فقالوا : اجلس ، إنما أنت أعرابي لا علم لك. فغضب وقال : يا معشر قريش ، والله ما على هذا حالفناكم ، أيصد عن بيت الله من جاءه معظما له !! والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، قالوا : مه ، كف عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.

(2/343)


ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص ، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( هذا مكرز وهو رجل فاجر) ... فجعل يكلم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو رسولاً من قبل قريش ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - متفائلاً : ( لقد سهل لكم أمركم). وقال : ( قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل) ، وكانت قريش قد قالت لسهيل بن عمرو : ائت محمداً فصالحه ، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا ، فوالله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبداً . فلما انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكلم فأطال الكلام ، وتراجعا ، ثم جرى بينهما الصلح.
وعندما بدأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - في إملاء شروط الصلح على علي بن أبي طالب ، كاتب الصحيفة ، اعترض سهيل على كتابة كلمة (الرحمن) في البسملة ، وأراد بدلاً عنها أن يكتب (باسمك اللهم) ، لأنها عبارة الجاهليين ، ورفض المسلمون ذلك ، ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وافق على اعتراض سهيل. ثم اعترض سهيل على عبارة (محمد رسول الله) ، وأراد بدلاً عنها عبارة : ( محمد بن عبد الله) ، فوافقه أيضاً على هذا الاعتراض.
وعندما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به) اعترض سهيل قائلاً : لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة قهراً ولكن ذلك في العام المقبل ، فنخرج عنك فتدخلها بأصحابك فأقمت فيها ثلاثاً معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب . فوافق الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هذا الشرط .

(2/344)


ثم قال سهيل : وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله ! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟! فبينما هو كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده ، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (إنا لم نقض الكتاب بعد) ، فقال سهيل : والله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً.
وألح الرسول - صلى الله عليه وسلم - على سهيل أن يستثني أبا جندل ، فرفض على الرغم من موافقة مكرز على طلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بداً من إمضاء ذلك لسهيل.
ثم بعد هذا تم الاتفاق على بقية الشروط وهي : ( على وضع الحرب عشر سنين ، يأمن فيها الناس ، ويكف بعضهم عن بعض ، وأن بينهم عيبة مكفوفة ، فلا إسلال - سرقة - ولا إغلال – خيانة- ، وأن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ). فتواثبت خزاعة فقالوا : نحن مع عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهده ، وتواثبت بنو بكر فقالوا : نحن في عقد قريش وعهدهم.
لقد تبرم كثير من الصحابة من معظم هذه الشروط. ومن الأدلة على ذلك أن علياً اعتذر عن محو كلمة ( رسول الله) التي اعترض عليها سهيل بن عمرو ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (أرني مكانها) ، فأراه مكانها فمحاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وكتب على مكانها (ابن عبد الله). وغضبوا لشرط رد المسلمين الفارين من قريش إلى المسلمين ، فقالوا : ( يا رسول الله ، نكتب هذا؟ ) قال : ( نعم إنه من ذهب إليهم فأبعده الله ، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً).

(2/345)


ويحكي عمر بن الخطاب مجيئه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غاضباً عند كتابة ذلك الصلح ، قال : ( فأتيت نبي الله ، فقلت : ألست نبي الله حقاً ؟ قال : بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى ، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً ؟ قال : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال: بلى. أفأخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قال : قلت : لا . قال: فإنك آتيه ومطوف به). وأتى عمر أبا بكر وقال له مثل ما قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له أبو بكر : إنه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس يعصي ربه وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه ، فوالله إنه على الحق ، وقال عمر : ما زلت أصوم وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيراً ) ولم تطب نفس عمر إلا عندما نزل القرآن مبشراً بالفتح.
وعندما كان أبو جندل يستنجد بالمسلمين قائلاً : يا معشر المسلمين ، أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني ؟ والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( يا أبا جندل ، اصبر واحتسب فإن الله عز وجل جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجاً) ، كان عمر يمشي بجنب أبي جندل يغريه بأبيه ويقرب إليه سيفه ، لكن أبا جندل لم يفعل ، فأعيد إلى المشركين ، وذلك لحكمة تجلت للناس فيما بعد ، يوم كان أبو جندل وأصحابه سبباً في إلغاء شرط رد المسلمين إلى الكفار ، وفي إسلام سهيل وموقفه يوم كاد أهل مكة أن يرتدوا عندما مات الرسول - صلى الله عليه وسلم - فثبتهم على الإسلام بكلام بليغ.
وقال سهل بن حنيف يوم صفين : (اتهموا رأيكم ، رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددته).

(2/346)


وعندما أمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن ينحروا الهدي ويحلقوا رؤوسهم ، لم يقم منهم أحد إلى ذلك ، فكرر الأمر ثلاث مرات ، فدخل على أم سلمة رضي الله عنها وحكى لها ما حدث من المسلمين ، فأشارت إليه بأن يبدأ هو بما يريد ، ففعل ، فقاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غماً ، فدعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمن حلق منهم ثلاثاً ولمن قصر لمرة واحدة. وكان عدد ما نحروه سبعين بدنة ، كل بدنة عن سبعة أشخاص.
وكان هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ جملاً لأبي جهل من غنائم بدر ، نحره ليغيظ بذلك المشركين . ونحروا بعض الهدي في الحديبية في الحل والبعض الآخر نحره ناجية بن جندب داخل منطقة الحرم.
ولا شك أن هذا التصرف من عمر وغيره من المسلمين ما هو إلا اجتهاد منهم ورغبة في إذلال المشركين.
ولم تتوقف قريش عن التحرش بالمسلمين واستفزازهم خلال مفاوضات كتابة الصلح وبعد كتابته ، وقد تصرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة بانضباط شديد إزاء هذه الأفعال. فعندما حاول ثمانون من رجال مكة مهاجمة معسكر المسلمين في غرة ، أسرهم المسلمين وعفا عنهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وكرر المحاولة ثلاثون آخرون من قريش أثناء إبرام الصلح ، فأسروا ، وأطلق الرسول - صلى الله عليه وسلم - أيضا سراحهم.
وبعد إبرام الصلح حاول سبعون من المشركين استفزاز المسلمين، فأسروهم وقبض سلمة بن الأكوع على أربعة من المشركين أساءوا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، بعد إبرام الصلح ، فعفا عنهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - . وقد نزلت في ذلك الآية { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم}.
ثم رجع المسلمون إلى المدينة بعد أن غابوا عنها شهراً ونصف الشهر ، منها بضعة عشر يوماً ، ويقال عشرين يوماً ، مكثوها بالحديبية.

(2/347)


وفي طريق العودة تكررت معجزة النبي - صلى الله عليه وسلم - في تكثير الطعام والماء ، مثلما حدث في طعام جابر يوم الخندق ، وتكثير ماء بئر الحديبية ، فقد ذكر سلمة بن الأكوع أنهم عندما أصابهم الجوع وكادوا أن يذبحوا رواحلهم دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأزواد الجيش ، فلم يتجاوز ربضة العنز ، وهم أربع عشرة مائة ، فأكلوا حتى شبعوا جميعاً وحشوا جربهم ، ثم جيء له بأداوة وضوء فيها نطفة ماء فأفرغها في قدح ، فتوضأ منها كل الجيش.
ونزلت سورة الفتح ، وهم في طريق العودة : {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} وقال عنها الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس). وقال عمر متعجباً: أو فتح هو ؟ فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( نعم) ، فطابت نفسه ورجع ، وفي رواية : ( نعم ، والذي نفسي بيده إنه لفتح) وفرح المسلمون بذلك فرحاً غامراً ، وانجلت تلك السحابة من الغم ، وأدركوا قصورهم عن إدراك كل الأسباب والنتائج ، وأن الخير في التسليم لأمر الله ورسوله.
وعندما جاءته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة لم يردها إلى أهلها عندما طلبوها لما أنزل الله في النساء { إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ، الله أعلم بإيمانهن ... ولا هم يحلون لهن) فكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهذا يختبرهن ، فإن كن خرجن بسبب الإسلام استبقاهن مع دفع مهورهن لأزواجهن ، وكان قبل الصلح لا يعيد إليهم مهور الزوجات.
وهذه الآية الواردة في عدم رد المهاجرات المسلمات إلى الكفار هي التي استثنت من شرط الرد وحرمت المسلمات على المشركين { ولا تمسكوا بعصم الكوافر}.
المبحث الثاني : فقه وحكم ودروس في صلح الحديبية:
1- عندما وجد سبب مانع من أداء المسلمين لعمرتهم التي أحرموا لها تحللوا ، وبذلك شرع التحلل للمعتمر وأنه لا يلزمه القضاء.

(2/348)


2- أذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكعب بن عجرة أن يحلق رأسه وهو محرم ، لأذى أصابه ، على أن يذبح شاة فدية أو يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين ونزلت الأية { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}.
3- إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة بالصلاة في منازلهم عندما نزل المطر.
4- وقعت تطبيقات عملية لمبدأ الشورى في الإسلام ، حيث استشارهم في الإغارة على ذراري المشركين الذين يساندون قريشاً ، واستشار أم سلمة في أمر الناس عندما أبطؤوا في التحلل ، وأخذ برأيها.
5- ويستنتج من مدة الصلح أن الحد الأعلى لمهادنة الكفار عشر سنين ، لأن أصل العلاقة معهم الحرب وليس الهدنة.
6- جواز مصالحة الكفار على رد من جاء من قبلهم مسلماً.
7- استحباب التفاؤل لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( سهل أمركم) وذلك عندما قدم عليهم سهيل بن عمرو مفاوضاً.
8- كفر من يقول : ( مطرنا بنوء كذا وكذا) والصواب أن يقول : ( مطرنا بفضل الله ورحمته ). قال ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - للصحابة عندما صلى بهم الصبح إثر مطر هطل ليلاً.
9- جواز التبرك بآثار النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل التوضؤ بماء وضؤئه - صلى الله عليه وسلم - ، وهو خاص به خلافاً لآثار الصالحين من أمته.
10- السنة لمن نام عن صلاته أو نسيها أن يصليها وإن خرج وقتها ، وذلك لأن المسلمين ناموا عن صلاة الفجر وهم في طريق عودتهم من الحديبية ولم يوقظهم إلا حر الشمس ، ونام حارسهم بلال ، فصلوها حين استيقظوا.
11- في الصلح اعتراف من قريش بكيان المسلمين لأول مرة ، فعاملتهم معاملة الند للند.
12- ذهاب هيبة قريش ، بدليل مبادرة خزاعة الانضمام إلى حلف المسلمين دون خشية من قريش كما كان في السابق.
13- أتاح الصلح للمسلمين التفرغ ليهود خيبر خاصة ويهود تيماء وفدك بصفة عامة.

(2/349)


14- أتيح للمسلمين مضاعفة جهودهم لنشر الإسلام ، وفي ذلك قال الزهري : ( فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه ، إنما كان القتال حيث التقى الناس ، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب ، وآمن الناس بعضهم بعضاً ، والتقوا فتفاضوا في الحديث والمنازعة ، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل إلا دخل فيه ، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك) وعلق ابن هشام على هذا قائلاً :(والدليل على قول الزهري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر ، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف).
15- جاءت نتائج بعض الشروط في مصالح المسلمين من ذلك أن أبا بصير عندما فر من المشركين ولجأ إلى المسلمين رده الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم عندما طلبوه ، فعدا على حارسيه فقتل أحدهما ، وفر الآخر ، وعاد أبو بصير إلى المدينة ، وقال للرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( قد والله أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم) فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ويل أمه مِسْعر حرب لو كان له أحد) ، ففهم أبو بصير نية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في رده إلى المشركين ، فلجأ إلى سيف البحر، وفهم المستضعفون المسلمون في مكة إشارة الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( مسعر حرب ولو كان له أحدا) ، ففروا من مكة ولحقوا بأبي بصير ، وعلى رأسهم أبو جندل. وتكونت منهم عصابة ، أخذت تتعرض لقوافل قريش ، فأرسلت قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تناشده أن يعطيهم الأمان بالمدينة ، فأرسل إليهم ، وهم بناحية العيص ، فجاؤوا ، وكانوا قريبا من الستين أو السبعين رجلاً.
16- في قصة أبي بصير وأبي جندل ورفقائهم في العيص ، نموذج يقتدى به في الثبات على العقيدة وبذل الجهد في نصرتها وعدم الاستكانة للطغاة.
السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية ، للدكتور مهدي رزق الله ، ص 488

(2/350)


ــــــــــــــــــ

صلح الحديبية .. دروس وعبر .. وسياسة ..

في " الصحيحين " عن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة ) .. فذكر منها عمرة الحديبية . والتي استنفر فيها العرب ومن حوله من البوادي ليخرجوا معه واصحابه رضوان الله عليهم يريدون العمرة , وتحركوا في اتجاه مكة ولم يخرجوا بسلاح الا سلاح المسافر , والسيوف في القرب ، وكانوا الف واربعمائة رجل ..

(2/351)


فلما كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش حتى إذا كان قريبا من عسفان أتاه عينه فقال إني تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك واستشار النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه وقال أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين وإن يجيئوا تكن عنقا قطعها الله أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ فقال أبو بكر : الله ورسوله أعلم إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فروحوا إذا فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي - صلى الله عليه وسلم - " إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين " فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش وسار النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس حل حل فألحت فقالوا : خلأت القصواء خلأت القصواء فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت به فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا فلم يلبثه الناس أن نزحوه فشكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه قال فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه ..

(2/352)


وفزعت قريش لنزوله عليهم فأحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبعث إليهم رجلا من أصحابه فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم فقال يا رسول الله ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها وإنه مبلغ ما أردت فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش وقال أخبرهم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا وادعهم إلى الإسلام وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالإيمان فانطلق عثمان فمر على قريش ببلدح فقالوا : أين تريد ؟ فقال بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام وأخبركم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا فقالوا : قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأسرج فرسه فحمل عثمان على الفرس وأجاره وأردفه أبان حتى جاء مكة وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان ؟ خلص عثمان قبلنا إلى البيت وطاف به فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون " فقالوا : وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص ؟ قال ( ذاك ظني به ألا يطوف بالكعبة حتى نطوف معه ) ..
واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح فرمى رجل من أحد الفريقين رجلا من الفريق الآخر وكانت معركة وتراموا بالنبل والحجارة وصاح الفريقان كلاهما وارتهن كل واحد من الفريقين بمن فيهم وبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن عثمان قد قتل فدعا إلى البيعة فثار المسلمون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو تحت الشجرة فبايعوه على ألا يفروا فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيد نفسه وقال هذه عن عثمان .

(2/353)


ولما تمت البيعة رجع عثمان فقال له المسلمون اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت فقال بئس ما ظننتم بي والذي نفسي بيده لو مكثت بها سنة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت فقال المسلمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أعلمنا بالله وأحسننا ظنا .
وكان عمر آخذا بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للبيعة تحت الشجرة فبايعه المسلمون كلهم إلا الجد بن قيس .. وكان معقل بن يسار آخذا بغصنها يرفعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أول من بايعه أبو سنان الأسدي .. وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات في أول الناس وأوسطهم وآخرهم ...
فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل تهامة فقال إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ...
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. ( إنا لم نجئ لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن هم أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره ) ..

(2/354)


فقال بديل سأبلغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشا فقال إني قد جئتكم من عند هذا الرجل وقد سمعته يقول قولا فإن شئتم عرضته عليكم . فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء . وقال ذوو الرأي منهم هات ما سمعته قال سمعته يقول كذا وكذا . فحدثهم بما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - .. فبعثت قريش .. مكرز بن حفص .. فلما أشرف عليهم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا رجل غادر .. فلما جاء وتكلم قال له مثل ماقال لبديل واصحابه .
فقال رجل من بني كنانة دعوني آته فقالوا : ائته فلما أشرف على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا.. الحليس بن علقمه .. وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثوها له واستقبله القوم يلبون فلما رأى ذلك قال " سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فرجع إلى أصحابه فقال رأيت البدن قد قلدت وأشعرت وما أرى أن يصدوا عن البيت ..فردت عليه قريش بكبرياء وغطرسة: (اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك) فغضب (الحُلَيْس) وقال: يا معشر قريش! والله ما على هذا حالفناكم! أيُصدُّ عن بيت الله من جاء معظِّماً له؟ والذي نفس الحليس بيده! لَتُخَلُّنَّ بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرنَّ بالأحابيش نفرةً رجلٍ واحد»، قالوا: مَهْ، كُفّ عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
فقال عروة بن مسعود الثقفي : دعوني آته فقالوا : ائته فأتاه فجعل يكلمه فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوا من قوله لبديل ..
فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم والله لقد وفدت على الملوك على كسرى وقيصر والنجاشي والله ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ...

(2/355)


وعرفت قريش ضيق الموقف ، فأسرعت الى بعث .. سهيل بن عمرو ..
فلما رآه رسول - صلى الله عليه وسلم - قال .. ( قد سهل لكم أمركم ) .. اراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل ..
فجاء سهيل وتكلم طويلا ثم اتفقا على شروط الصلح ..
فقال هات اكتب بيننا وبينكم كتابا فدعا الكاتب فقال " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم " . فقال سهيل أما الرحمن فوالله ما ندري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب فقال المسلمون والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتب باسمك اللهم " ثم قال اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فقال سهيل فوالله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله ..فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إني رسول الله وإن كذبتموني .ولكن .. اكتب محمد بن عبد الله على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به " فقال سهيل والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل ..
فكتب فقال سهيل على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا فقال المسلمون سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما بينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين فقال سهيل هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " إنا لم نقض الكتاب بعد فقال فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " فأجزه لي " قال ما أنا بمجيزه لك . قال " بلى فافعل " قال ما أنا بفاعل . فقال أبو جندل يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما لقيت وكان قد عذب في الله عذابا شديدا .

(2/356)


قال عمر بن الخطاب : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألست نبي الله حقا ؟
قال بلى .
قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال بلى .
فقلت علام نعطي الدنية في ديننا إذا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا ؟
فقال إني رسول الله وهو ناصري ولست أعصيه .
قلت أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال " بلى أفأخبرتك أنك تأتيه العام ؟ "
قلت لا . قال " فإنك آتيه ومطوف به " .
قال فأتيت أبا بكر فقلت له كما قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورد علي أبو بكر كما رد علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواء ... وزاد فاستمسك بغرزه حتى تموت فوالله إنه لعلى الحق .
وجرى الصلح بين المسلمين وأهل مكة على وضع الحرب عشر سنين وأن يأمن الناس بعضهم من بعض وأن يرجع عنهم عامه ذلك حتى إذا كان العام المقبل قدمها وخلوا بينه وبين مكة فأقام بها ثلاثا وأن لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب وأن من أتانا من أصحابك لم نرده عليك ومن أتاك من أصحابنا رددته علينا وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال فقالوا : يا رسول الله نعطيهم هذا ؟ فقال من أتاهم منا فأبعده الله ومن أتانا منهم فرددناه إليهم جعل الله له فرجا ومخرجا ..
ولما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قضية الكتاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوموا فانحروا ثم احلقوا فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة يا رسول الله أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ..

(2/357)


ثم رجع إلى المدينة وفي مرجعه أنزل الله عليه ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا ) ..
فقال عمر أوفتح هو يا رسول الله ؟ قال نعم فقال الصحابة هنيئا لك يا رسول الله فما لنا ؟ فأنزل الله عز وجل ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ) ..
فلما وصل إلى المدينة جاءه أبو بصير رجل من قريش مسلما فأرسلوا في طلبه رجلين وقالوا : العهد الذي جعلت لنا فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين والله إني لأرى سيفك هذا جيدا فاستله الآخر فقال أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه به حتى برد وفر الآخر يعدو حتى بلغ المدينة فدخل المسجد فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رآه " لقد رأى هذا ذعرا " فلما انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير فقال يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد " فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن فأنزل الله عز وجل ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ) ..

(2/358)


انتهت اهم احداث تلك القضية .. وتعلم المسلمون منها الكثير من الدروس والمواعظ .. واتضح لكثير من العلماء العديد من الفوائد .. فدعونا نبين بعض مايستفاد منها .. حسب ما اقره الكثير من اهل العلم ..
تفرغ المسلمون بعدها لمحاربة اليهود في خيبر , وكذلك وصلت الدعوة في زمن الهدنه الى كثير من البلدان المجاوره .. وأمنت المسلمون شر قريش ..
وأرهبت قوة جيش المسلمين قريشا عندما استطاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. ان يباغتهم وعلى رأسهم خالد بن الوليد ..
كما انها دلت على ضرورة الاحتياط واخذ الحذر والحرص على السلامة بتغيير اتجاهه واتباعه مسلكا وطريقا وعر .. واقراره - صلى الله عليه وسلم - لصلاة الخوف . للحرص على حياة المسلمين
وكذلك بينت أنه لابأس بالاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد عند الحاجة . وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم
وكذلك في قصة الحليس بن علقمة نجح عليه الصلاة والسلام في زعزعة صف العدو .. وتفكيك قوته ..
قال ابن القيم : ومن الفوائد في صلح الحديبية أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة إذا طلبوا أمراً يعظمون فيه حرمةً من حرمات الله ـ تعالى ـ أجيبوا إليه وأُعطوه وأعينوا عليه، وإن منعوا غيره، فيُعانون على ما فيه تعظيم حرمات الله لا على كفرهم وبغيهم، ويُمنعون مما سوى ذلك؛ فكل من التمس المعاونة على محبوبٍ لله ـ تعالى ـ مُرْضٍ له أجيب إلى ذلك كائناً من كان ما لم يترتب على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها وأشقها على النفوس ..وكذلك .. أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شرٌّ منه، ففيه دفعُ أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما ..
وهكذا يكون الفقه في التنازلات تحقيق المصلحة الكبرى، وإن وقع مفسدة أقل ...

(2/359)


ولقد جاءته نساء مؤمنات منهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط فجاء أهلها يسألونها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشرط الذي كان بينهم فلم يرجعها إليهم . وقيل لم يقع الشرط إلا على الرجال خاصة وأراد المشركون أن يعمموه في الصنفين فأبى الله ذلك ..
قال ابن هشام: «والدليل على قول الزهري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة ـ في قول جابر ـ ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف»
قال ابن القيم: «ومن حكم الصلح أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح؛ فإن الناس أمن بعضهم بعضاً، واختلط المسلمون بالكفار وبادؤوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان مختلطاً بالإسلام ..
كذلك .. انه لا ينبغي لاحد ان يغتر بقوته .. أويستهين بضعف غيره ايضا ..
(أبي سفيان) الذي هُرع إلى المدينة يستعطف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في استقدام أبي بصير والمؤمنين معه والغاء هذا الشرط ؛ حيث ألحقوا بتجارة قريش الأذى، وهزّوا اقتصادها، وأخافوا أتباعها...
كما دلت قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؟؟ على أهمية طاعة الله ورسوله والانقياد للشرع وإن خالف الهوى. قال العلماء: لا يخفى ما في هذه القصة من وجوب طاعته والانقياد لأمره ولو خالف ظاهر ذلك مقتضى القياس، أو كرهته النفوس، فيجب على كل مكلفٍ أن يعتقد أن الخير فيما أمر به، وأنه عين الصلاح المتضمن لسعادة الدنيا والآخرة، وأنه جارٍ على أتم الوجوه وأكملها؛ غير أن أكثر العقول قصرت عن إدراك غايته وعاقبة أمره
كما أثنى الله سبحانه وتعالى على المؤمنين الذين بايعوا تحت الشجرة (يوم الحديبية) وسميت بيعتهم (بيعة الرضوان)( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ )

(2/360)


وكان الصحابة الذين شهدوها يعدونها (فتحاً)؛ ففي صحيح البخاري من حديث البراء ـ رضي الله عنه ـ قال: (تعدُّون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعدُّ الفتح (بيعة الرضوان) يوم الحديبية)
فلما أقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - راجعاً، فقال رجل من أصحابه، ما هذا بفتح؛ لقد صدونا عن البيت وصُدَّ هَدْيُنا، وردّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين من المؤمنين كانا خرجا إليه، فبلغه ذلك - صلى الله عليه وسلم - فقال: بئس الكلام، بل هو (أعظم الفتوح) قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألونكم القضية، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا، وأظفركم الله عليهم، وردكم سالمين مأجورين؛ فهو (أعظم الفتوح) ..
أنسيتم يوم (أُحُد) إذ تُصعِدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أُخراكم؟
أنسيتم يوم الأحزاب؛ إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون؟
فقال المسلمون: صدق الله ورسوله هو (أعظم الفتوح) والله! يا نبي الله!
ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبأمره منا.
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: ومن فوائد صلح الحديبية أن المُعاهَدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم، ولم يتحيزوا إلى الإمام، لم يجب على الإمام دفعهم عنهم، ومنعهم منهم وسواءٌ دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا، والعهد الذي كان بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين لم يكن عهداً بين أبي بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهدٌ جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم، ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى شيخ الإسلام في نصارى مَلَطْية وسبيهم مستدلاً بقصة أبي بصير مع المشركين ..

(2/361)


يقول الله تعالى ... ( قل ماكنت بدعا من الرسل وما أدري مايفعل بي ولابكم ) ... فهل احد يعرف الغيب غير الله اذن .. ان كان رسوله عليه الصلاة والسلام لايعلم ذلك كما بينته الاية الكريمة السابقة ..
افلا نتقي الله اخوتي واخواتي واحبتي .. ونخافه في تكفير وتفجير وتخريج وتهويد اخواننا المسلمين .. فلنتفكر قليلا ولنتدارك انفسنا قبل فوات الاوان .. ولنحكم عقولنا وقت الازمات .. فان يد الله مع الجماعة .. ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) ... ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لايحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ان الله بالغ امره قد جعل الله لكل شئ قدرا ) ..
واستغفر الله لي ولوالدي ولكم ولجميع المسلمين الإحياء منهم والميتين .. وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليما كثيرا
ــــــــــــــــــ

الدروس والعبر من صلح الحديبية

وفي صلح الحديبية دروس كثيرة وعبر منها :
*- حكم القيام على رأس الكبير وهو جالس:
في قيام المغيرة بن شعبة على رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسيف، ولم يكن من عادته أن يقام على رأسه وهو قاعد، وهذه سنة يقتدى بها عند قدوم رسل العدو من إظهار العز والفخر والتعظيم للإمام وطاعته ووقايته بالنفوس، وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين، وليس هذا من النوع الذي ذمه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فعَنْ أَبِى مِجْلَزٍ قَالَ خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَامِرٍ فَقَامَ ابْنُ عَامِرٍ وَجَلَسَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لاِبْنِ عَامِرٍ اجْلِسْ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ :« مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » (1) .
*- هل يجوز التبرك بفضلات الصالحين وآثارهم ؟
__________
(1) - سنن أبي داود(5231 )صحيح

(2/362)


ففي حديث عروة بن مسعود وهو يصف أصحاب رسول الله حوله قال: وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ أَىْ قَوْمِ ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِىِّ وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ ، يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - مُحَمَّدًا ، وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلاَّ وَقَعَتْ فِى كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ ، (1) .
وعن أبي جُحَيْفَةَ قالَ :خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْهَاجِرَةِ ، فَأُتِىَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ ، فَصَلَّى النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ . (2)
__________
(1) - البخاري مع الفتح، كتاب الشروط رقم 2731، 2732.
(2) - صحيح البخاري (187 ) 1/59 - العنزة : عصا أسفلها حديدة

(2/363)


وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ - رضى الله عنها - قَالَتْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ فَقَالَ « اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مَنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَاجْعَلْنَ فِى الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِى » . فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ فَقَالَ « أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ » . تَعْنِى إِزَارَهُ . (1)
لقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّبَرُّكِ بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَبِآثَارِهِ ، وَأَوْرَدَ عُلَمَاءُ السِّيرَةِ وَالشَّمَائِل وَالْحَدِيثِ أَخْبَارًا كَثِيرَةً تُمَثِّل تَبَرُّكَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِصُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَآثَارِهِ .
قَال ابْنُ رَجَبٍ : وَالتَّبَرُّكُ بِالآْثَارِ إِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُهُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ مَعَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَلاَ يَفْعَلُهُ التَّابِعُونَ مَعَ الصَّحَابَةِ مَعَ عُلُوِّ قَدْرِهِمْ فَدَل عَلَى أَنَّ هَذَا لاَ يُفْعَل إِلاَّ مَعَ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - مِثْل التَّبَرُّكِ بِالْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ وَالنَّوَوِيُّ : يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ (2) .
__________
(1) - صحيح البخارى(1253 ) الحقو : الإزار السدر : شجر النبق واحدته سدرة
(2) - الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي صلى الله عليه وسلم : بعثت بالسيف بين يدي الساعة ، لابن رجب الحنبلي ص 46 ، وفتح الباري 3 / 130 - 131 - 144 ، وشرح صحيح مسلم للنووي ( 5 / 161 ، 7 / 143 / 44 ) .

(2/364)


وورد جواز الترك بآثار الصالحين عن عدة من السلف والخلف (1)
ــــــــــــــ

عمرة القضاء

(الشبكة الإسلامية)
أبرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلح الحديبيَّة مع قريش في أواخر سنة ست للهجرة، على مشهد من الصحابة رضي الله عنهم واستغراب من بعضهم؛ لما تضمنته بنود ذلك الصلح من فقرات بدت للوهلة الأولى أنها ليست في صالح المسلمين.
__________
(1) - انظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (ج 3 / ص 486) و (ج 4 / ص 674) و(ج 8 / ص 545) و(ج 9 / ص 111) و(ج 9 / ص 160) و (ج 15 / ص 223) و شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 110) و شرح النووي على مسلم - (ج 2 / ص 255) و (ج 3 / ص 353) وج 5 / ص 474) و (ج 5 / ص 499) و (ج 7 / ص 145) و(ج 7 / ص 181) و(ج 7 / ص 269) و (ج 8 / ص 34) و عون المعبود - (ج 1 / ص 65)(48 ) و (ج 9 / ص 77) و شرح سنن النسائي - (ج 1 / ص 491) ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - (ج 13 / ص 128) وشرح الزرقاني على موطأ مالك - (ج 3 / ص 241) ودليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - (ج 4 / ص 477) و شرح سنن ابن ماجه - (ج 1 / ص 55) و(ج 1 / ص 105) و (ج 1 / ص 254) وشرح سنن النسائي - (ج 1 / ص 491) وفتح الباري لابن حجر - (ج 2 / ص 235)(461 ) و(ج 4 / ص 280) و (ج 4 / ص 306) و (ج 4 / ص 318)(1198) و الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 10 / ص 70) ونيل الأوطار - (ج 6 / ص 135)
وفي فتاوى الأزهر - (ج 10 / ص 344) التبرك بآثار الصالحين
وذكر أدلة كثيرة وفي نهايتها قال :
إن التبرك بآثار الصالحين دليل على الحب ، ولا مانع منه ما دام فى الحد المعقول ، ولا ننسى فى هذا المقام قول المجنون :
أمر على الديار ديار ليلى * أقبِّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبى * ولكن حب من سكن الديارا

(2/365)


وكان مما جرى في أثناء هذا الصلح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أَوَ لستَ كنتَ تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ فأجابه: ( بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ قال: لا. قال: فإنك آتيه ومطوّف به) .
وبالفعل فقد صدق الله رسولَه بما وعد به صحابته، وكتب الله له ولصحابته دخول البيت والطواف به، وأنزل الله بذلك قرآنًا يتلى فقال تعالى: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} (الفتح:27).
وتذكُر كتب السيرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج في ذي القعدة من السنة السابعة قاصدًا مكة، وهو الشهر الذي صدَّه فيه المشركون عن دخولها، فاعتمر عمرة القضاء، وتحدثت قريش فيما بينها أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في عسرة وجَهْد وشدة، فصفَّ له المشركون عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد اضطبع بردائه ثم قال: ( رحم الله امرأً أراهم اليوم من نفسه قوة ) . ثم استلم الركن وخرج يهرول هو وأصحابه.
ولما مضى على دخوله - صلى الله عليه وسلم - مكة ثلاثة أيام - وهي المدة التي تم الاتفاق عليها مع قريش - أتوا عليًّا رضي الله عنه فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنَّا فقد مضى الأجل، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - منصرفًا إلى المدينة.

(2/366)


لقد كانت عمرة القضاء تصديقًا إلهيًّا لما وعد الله به نبيه عليه الصلاة والسلام من دخول مكة والطواف بالبيت الحرام، وكانت كذلك تصديقًا لما وعد به النبي صلى الله صحابته الكرام. وكانت العمرة تمهيداً لفتح مكة فيما بَعْدُ. وبيان ذلك: أن مشاهدة قريش للعدد الوفير من الأنصار والمهاجرين وهم محدقون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طوافهم وسعيهم وباقي مناسكهم، وما كانوا عليه من حماس ونشاط، لم يكن يتوقعه المشركون، أقول: كان لذلك أبلغ الأثر في نفوسهم، فقد داخلتها الرهبة والهيبة للمسلمين، إذ فوجئوا بأمر لم يكونوا يألفوه، بل لم يكونوا يتوقعوه، يُرشد لهذا المعنى ما رواه مسلم في "صحيحه" عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المشركين لما رأوا رمَل المسلمين (والرَمَل هو الإسراع في المشي مع مقاربة الخُطا) حول الكعبة قال بعضهم لبعض: "هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم ؟! هؤلاء أجلد من كذا وكذا". فلا جرم أن كان لعمرة القضاء - بالشكل الذي تمت به - أثر بالغ في نفوس المشركين، مهَّد لفتح مكة فيما بَعْدُ .
ومن الدلالات التي نخرج بها من هذا الحدث أهمية إعداد المسلمين في كل عصر ومصر للقوة اللازمة، القوة المعنوية والقوة المادية على حد سواء، وإبرازها في الوقت المناسب ليكون للمسلمين هيبة ورهبة في قلوب أعدائهم المتربصين بهم.
ــــــــــــــــــ

غزوة خيبر

لم يهدأ يهود خيبر عن الكيد ضد الإسلام، فكوَّنوا جبهة معادية للمسلمين، واستمالوا قبيلة غطفان والأعراب المجاورين لهم في شمال المدينة، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - على رأس جيش لتأديبهم والقضاء على خطرهم. وكانت تلك الموقعة الرابعة بين المسلمين واليهود، فالأولى كانت مع يهود بني قينقاع، والثانية مع بني النضير، والثالثة مع بني قريظة.
وبينما كان المسلمون يسيرون في الطريق إلى خيبر، أخذ عامر ابن الأكوع ينشد ويقول:
اللهمَّ لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

(2/367)


فاغفر فداءً لك ما اقتفينا وثبِّتِ الأقدامَ إن لاقينا
وألَقينْ سكينة علينا إنا إذا صيح بنا أَتينا
وبالصَّباح عَوَّلوا علينا
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "من هذا السائق؟" قالوا: عامر بن الأكوع. قال: يرحمه الله. [متفق عليه].
وأراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقسم جبهة الأعداء المؤلفة من اليهود وغطفان، فأوهم غطفان أن الهجوم متجه إليها، فرجعوا إلى ديارهم بعد أن خرجوا لينضموا إلى اليهود في خيبر. وهكذا نجحت خطة النبي - صلى الله عليه وسلم - في عزل اليهود عن حلفائهم المشركين.
فلما أشرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خيبر قال لأصحابه: فقوا. ثم تضرع إلى الله بهذا الدعاء: "اللهمَّ رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها".
ووصل المسلمون إلى حدود خيبر ليلاً، فمنعهم إيمانهم من أن يهاجموا أعداءهم فجأة بليل فانتظروا حتى الصباح، وفي الصباح خرج اليهود إلى مزارعهم، ففوجئوا بالمسلمين يحيطون ببلدهم، فأسرعوا إلى حصونهم وهم يصرخون: محمد والله، محمد والخميس (الجيش). فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" [متفق عليه].
وشنَّ المسلمون هجومًا قويًّا على حصون خيبر المشيدة، فسقطت في أيديهم حصنًا بعد حصن، حتى لم يبق منها غير حصون قليلة قوية اعتصم بها اليهود، وصعب فتحها على المسلمين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله".
فبات الناس يتساءلون: أيُّهم يُعطاها؟ فلما أصبحوا تطلعوا إلى أخذها. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "أين علي بن أبي طالب؟" فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: "فأرسلوا إليه".

(2/368)


فأتي به، فبصق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عيني علي ودعا له، فشفي حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال - صلى الله عليه وسلم - : "انفذ إليهم حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حُمر النعم" [متفق عليه]. ثم خرج عليٌ فقاتل، فكان الفتح على يديه ولم يبق إلا حصنان، ظل المسلمون يحاصرونهما، حتى أيقن من فيهما بالهلاك، فطلبوا أن يخرجوا ويتركوا الأموال مقابل أن يتركهم المسلمون، فوافقهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ذلك.
ثم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبقى خيبر تحت أيديهم يعملون فيها ويزرعون؛ لأنهم أعرف بأراضيهم ولهم نصف ما يخرج منها، فصالحهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، وقال لهم: "على أنا إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم" [متفق عليه].فأقروا بذلك.
وبعد أن صالحهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :، أهدت إليه امرأة منهم شاة مشوية وكانت قد سألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :؟ فقيل لها: الذراع. فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة وجاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تناول الذراع، فأوحى الله -عز وجل- إليه بأنها مسمومة.
فجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهود فقال لهم: "إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه؟" فقالوا: نعم. قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - "من أبوكم؟". قالوا: فلان. فقال:"كذبتم، بل أبوكم فلان". قالوا: صدقت. قال: "فهل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألت عنه؟" فقالوا: نعم يا أبا القاسم. قال: "هل جعلتم في هذه الشاة سُمًّا؟" قالوا: نعم. قال: "ما حملكم على ذلك"؟ قالوا: إن كنت كاذبًا تستريح، وإن كنت نبيًّا لم يضُرَّك. [البخاري].
زواج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من السيدة صفية بنت حيي:

(2/369)


وتزوج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذه الغزوة السيدة صفية بنت حيى بن أخطب زعيم اليهود، وكانت من الأسرى فأعتقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن أسلمت، وتزوجها وجعل مهرها عتقها.
يهود فدك:
وبعد أن انتصر المسلمون على اليهود في خيبر، بقي يهود فدك وتيماء ووادي القرى، أما يهود فدك فقد أرسل إليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إلى الإسلام، وعندما علموا بهزائم إخوانهم في خيبر صالحوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ما صالحه عليه أهل خيبر.
يهود وادي القرى:
انطلق المسلمون إلى يهود وادي القرى، فتتابعت عليهم السهام من حصون اليهود. فأصيب خادم الرسول بسهم فقتله، فقال المسلمون: هنيئًا له الجنة. فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم: "بلى، والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا" [متفق عليه]. فقد سرق ذلك الخادم قطعة قماش من مغانم خيبر، وسوف يُعذَّب بها في قبره.
وبدأ المسلمون يرتبون صفوفهم ويقفون أمام الحصون، وإذا برجل من اليهود يخرج لمبارزة المسلمين، فانطلق إليه الزبير بن العوام -رضي الله عنه- فقتله فتتابع بعده اليهود وكلما خرج يهودي قتله مسلم بتوفيق الله، ثم ما لبثوا أن استسلموا، فصالحهم المسلمون على صلح مثل صلح خيبر.
يهود تيماء:
فزع يهود تيماء من هزائم اليهود المتتالية في فدك، وخيبر، ووادي القرى، فعرضوا على المسلمين الصلح دون أية مقاومة، فصالحهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - كصلح أهل خيبر، وأخذ منهم الجزية وتركهم في أرضهم وأموالهم. وبذلك أمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جانب اليهود وتفرغ لنشر دين ربه الذي أمره به.
عودة المهاجرين من الحبشة:

(2/370)


بعد خمسة عشر عامًا من الغربة والفراق الطويل في بلاد الحبشة، والبعد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :، قدم جعفر بن أبي طالب ومن كان معه في الحبشة إلى المدينة في العام السابع الهجري، فامتلأت قلوبهم بالسعادة حينما رأوا كثرة المسلمين، ونصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أعدائه، وكانت سعادة النبي - صلى الله عليه وسلم - غامرة حين رآهم واطمأن عليهم، وقيل: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من فرط سروره قال: "والله ما أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر" [الحاكم والطبراني]. مما يدل على أنه فرح فرحًا شديدًا بعودة المسلمين من الحبشة.
وكان من ضمن المهاجرين القادمين من الحبشة الأشعريون الذين ينتسب إليهم الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري هو وبعض قومه يريدون الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، وركبوا سفينة من اليمن، لكن الرياح ألقت بهم نحو الحبشة، وهناك التقوا بجعفر بن أبي طالب ومن معه من المسلمين، وكأن الله تعالى أرسل إليهم هؤلاء الناس ليكونوا أُنسًا لهم في غربتهم فأقاموا هناك، حتى عادوا سويًّا وانضموا إلى صفوف المسلمين في المدينة
ــــــــــــــــــ

غزوة خبير

(2/371)


كانت معاهدة الحديبية كما سماها الله تعالى: { فَتْحاً مُّبِيناً } بكل ما يحتمله معنى الفتح من مكاسب سياسية ودعوية وأمنية وعسكرية، بل واقتصادية أيضاً، وكانت هدنة الحديبية فرصة أمام المسلمين لتأديب المناوئين من أعراب البادية، وتأمين مخاطرهم ضد المسلمين، كما كانت فرصة أيضاً للتفرغ للخطر اليهودي الذي لا يكف عن التآمر والعدوان متمثلاً في خيبر وما حولها، وكان اليهود أخطر الطائفتين، فلم ينس المسلمون أنهم الذين حزبوا الأحزاب ضد المسلمين في غزوة الخندق، ودفعوا قريظة إلى نقض العهد في أحرْج اللحظات، وتحالفوا مع غطفان وغيرها من أعراب البادية لقتال المسلمين، وساندوا المنافقين في كل مواقفهم ومؤامراتهم، إضافة إلى أنهم كانوا أقوى الطوائف اليهودية بأساً وأعظمها دربة على القتال، وكان قد أوى إليهم زعماء بني النضير وغيرهم من المبعدين عن المدينة، لذلك أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة بعد عودتة من الحديبية ؛ ذا الحجة، وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر، وكان الله قد أنزل عليه في الحديبية ما فيه إشارة إلى فتح خيبر، وحيازة غنائمها وذلك قوله تعالى: { وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }[الفتح:20] فجعل لهم فتح الحديبية، ووعدهم مغانم خيبر.

(2/372)


وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ألف وأربعمائة من أصحابة وهم أهل بيعة الرضوان، الذين وعدهم الله بمغانم خيبر، ورد أعراب المدينة الذين تخلفوا عن عمرة الحديبية وأرادوا الخروج إلى خيبر للغنيمة ! وسار الجيش بروح إيمانية عالية رغم علمهم بمنعة حصون خيبر، وشدة بأس رجالها، وقوة عتادهم الحربي، وسلكوا طريقا بين خيبر وغطفان ليفصلوا خيبر عن الشام، وعن حلفائها من غطفان فلا يمدونهم، ووصل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر ليلاً، وكان إذا أتى قوماً بليل لم يقربهم حتى يصبح، فلما أصبح، خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمد، والله محمد والخميس ! ـ أي الجيش ـ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الله أكبر خرجت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين.
وأسرع اليهود باللجوء إلى حصونهم كعادتهم في حربهم، حيث يكرهون اللقاء في الميادين المكشوفة، ويؤثرون الكفاح من وراء الجدران !!
{ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ }[البقرة:96] وهل أجبن من يهود ؟!

(2/373)


وكانت خطة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الاستيلاء على حصون خيبر المنيعة، تتلخص في مناوشة بعضها بقوات صغيرة، وتركيز الهجوم على حصن واحد بقواته الرئيسية، حتى يتم له الاستيلاء على الحصن، ثم ينتقل بهجومه المركز على حصن آخر، وهكذا، ولا تعرف الخطط العسكرية الحديثة في زماننا، أسلوبا أفضل من هذا في حرب المدن.

(2/374)


وبدأ الهجوم وراحت حصون خيبر الممتدة في المنطقة على شكل سلاسل، والتي يدافع عنها نحو عشرة الآف مقاتل، تسقط بأيدى المسلمين حصنا بعد حصن ! وقد واجه المسلمون مقاومة شديدة وصعوبة كبيرة وقتالاً مريراً عند فتح بعض هذه الحصون، خصوصاً الحصون الأولى كحصن ناعم الذي كان خط الدفاع الأول لليهود، لموقعه المتميز ومكانته العسكرية، وقد دار القتال حوله أياما، واستشهد تحته محمود بن مسلمة أخو محمد بن مسلمة الفارس المعروف، وكان ذلك في شدة الحر وقد أصابت الناس مخمصة شديدة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لأعطين الراية غدأ رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه ! فبات الناس يتساءلون ويختلفون أيهم يُعْطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكلهم يستبشرون لذلك، لا رغبة في المنصب والجاه وإنما طمعا في الوصف الذي وصف به النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الفاتح أنه: يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ! فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علياً رضي الله عنه وكان يشتكي عينيه، فبصق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، ثم أعطاه اللواء وقال له: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ! وفي هذا التوجيه ما يؤكد حرص المسلمين على نشر الدين وهداية الناس إلى الحق وأن هداية رجل واحد إلى الحق أفضل من أنْفس أموال الدنيا وكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يصرف نفوس أصحابه عن التطلع إلى الغنائم العاجلة التي تتضمنها ثروات اليهود الهائلة فيما لو هزموا.
ويخرج من حصن اليهود فارسهم المقدام، وبطلهم الهمام الذي يدعي مرحبا، يختال في مشيته ويخطر بسيفه، ويرتجز ليهزم معنويات المسلمين:
قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب

(2/375)


إذا السيوف أقبلت تلهب أطعن أحيانا وحينا أضرب
فبرز إليه على رضي الله عنه وهو يقول:
أنا الذي سمتنى أمى حيدره كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصالح كيل السندره!
فاختلف هو وعلى ضربتين، فضربه علىَّ على رأسه ضربة كان فيها حتفه! حتى عض السيف بأضراسه، وسمع أهل المعسكر صوت ضربته، مما أثر سلبياً على معنويات اليهود، ومن ثم كانت هزيمتهم، وكان الفتح على يد على رضي الله عنه، ثم تتابع النصر للمسلمين وجعلوا يفتحون حصناً بعد حصن، كلما فتحوا حصناً انتقل مَن فيه مِن اليهود فراراً إلى الحصن الذي بعده، حتى انهارت معنوياتهم، وخمدت مقاومتهم، واختبئوا في آخر حصونهم فحاصرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعة عشر يوما حتى طلبوا الصلح على أن تُحقن دماؤهم وأن يخرجوا من أرض خيبر بذريتهم، ولا يصطحب الواحد منهم إلا ثوبه على ظهره، فوافق لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، وسقطت خيبر بيد المسلمين، وتتابعت بعدها سائر المعاقل اليهودية المجاورة، وغنم المسلمون المغانم الكثيرة التي وعدهم الله بها، ثم جاءت يهود تعرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعملوا في زراعة الأرض ولهم النصف من ثمرها، فقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - لموافقة ذلك لمصالح المسلمين الذين لم يكن عندهم وقت للتفرغ للزراعة، على أنه قال لهم: (إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم!).
ومن الطريف أن يقتل اليهود وهم يدافعون في حصونهم المنيعة ثلاثة وتسعون رجلاً بينما ينال الشهادة من المسلمين، والذين يهاجمون في ساحات مكشوفة، خمسة عشر رجلاً ! أو عشرون على أقصى تقدير !! فلا نامت أعين الجبناء.

(2/376)


وفي هذه الغزوة أهدت امرأة يهودية شاة مسمومة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأكثرت السم في الذراع لما علمت أنه يحبها! فتناول النبي - صلى الله عليه وسلم - ذراع الشاة فأخبرته أنها مسمومة! وهذا من علامات نبوته - صلى الله عليه وسلم - ، ومن حفظ الله له وعصمته من الناس، وقد دعا النبي المرأة وسألها فاعترفت ولم يعاقبها! حتى مات بشر بن معرور وكان قد أكل من الشاة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقتلها به.
وفي هذه الغزوة أيضاً وقعت صفية بنت حيى بن أخطب سيد بني النضير في الأسر فأعتقها النبي - صلى الله عليه وسلم - وتزوجها وجعل عتقها صداقها، وقد أسلمت وشرفت بأمومة المؤمنين، وفيها أيضاً حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكاح المتعة، وهو نكاح لأجل، وقد كان حلالا في الجاهلية، واستعمل في بدء الإسلام حتى حرمه النبي - صلى الله عليه وسلم - على التأبيد، وقيل بل كان تحريمه عام الفتح، وأيا ما كان، فالمتعة محرمة بنصوص الوحي.
وعند عودة المسلمين من خيبر رجع من الحبشة المهاجرون إليها منذ عشر سنين، وفيهم أم حبيبة أم المؤمنين، وجعفر بن أبي طالب ـ وقدم معهم الأشعريون ـ قوم أبي موسى ـ وبعدهم الدوْسيون ـ قوم أبي هريرة ـ وقد عاد فتح خيبر على المسلمين بالخير الكثير، وعزز مكانتهم الإقتصادية، حتى قال ابن عمر رضي الله عنهما: " ما شبعنا حتى فتحنا خيبر
ــــــــــــــــــ

غزوة خيبر دروس وعبر

لم يبد يهود خيبر عداء سافراً للمسلمين حتى لحق بهم زعماء بني النضير عندما أجلوا عن المدينة. وكما سبق وأن ذكرنا فقد كان أبرز زعماء بني النضير الذين غادروا المدينة ونزلوا خيبر : سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب ، فلما نزلوها دان لهم أهلها.

(2/377)


لقد نزلوا بأحقادهم ضد المسلمين ، ولذا كانوا كلما وجدوا فرصة للانتقام من المسلمين انتهزوها ، ووجدوا في قريش وبعض قبائل العرب حصان طروادة الذي سيدخلون به المدينة مرة أخرى ، فألبوهم ضد المسلمين ، ثم جروهم إلى غزوة الخندق ، وسعوا في إقناع بني قريظة للانضمام إليهم والغدر بالمسلمين. ولذا كانت تلك العقوبة الرادعة التي أنزلها المسلمون بهم عندما صرف الله الأحزاب ، وأرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - سرية عبد الله بن عتيك للقضاء على رأس من رؤوسهم أفلت من العقاب يوم قريظة ، وهو سلام ابن أبي الحقيق ، فقتلوه.
وكانت هدنة الحديبية فرصة أمام المسلمين لتصفية هذا الجيب الذي يشكل خطورة على أمن المسلمين ، وقد وعد الله المسلمين بمغانم كثيرة يأخذونها إذا هزموا يهود خيبر ، وإلى ذلك أشارت سورة الفتح التي نزلت في طريق العودة من الحديبية ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ، فعلم ما في قلوبهم ، فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً ، ومغانم كثيرة يأخذونها ، وكان الله عزيزاً حكيماً ، وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطاً مستقيماً ، وأخرى لم تقدروا عليها ، قد أحاط الله بها ، وكان الله على كل شيء قديراً).
تاريخ الغزوة :
ذكر ابن إسحاق أنها كانت في المحرم من السنة السابعة الهجرية ، وذكر الواقدي أنها كانت في صفر أو ربيع الأول من السنة السابعة بعد العودة من غزوة الحديبية ، وذهب ابن سعد إلى أنها في جمادى الأولى سنة سبع ، وقال الإمامان الزهري ومالك إنها في المحرم من السنة السادسة. وظاهر أن الخلاف بين ابن إسحاق والواقدي يسير ، وهو نحو الشهرين ، وكذلك فإن الخلاف بينهما وبين الإمامين الزهري ومالك مرجعه إلى الاختلاف في ابتداء السنة الهجرية الأولى كما سبق الإشارة إلى ذلك. وقد رجح ابن حجر قول ابن إسحاق على قول الواقدي.
أحداث الغزوة :

(2/378)


سار الجيش إلى خبير بروح إيمانية عالية على الرغم من علمهم بمنعة حصون خيبر وشدة وبأس رجالها وعتادهم الحربي. وكانوا يكبرون ويهللون بأصوات مرتفعة ، فطلب منهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرفقوا بأنفسهم قائلاً : (إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم). وسلكوا طريقا بين خيبر وغطفان ليحولوا بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر لأنهم كانوا أعداء للمسلمين.
ونزل المسلمون بساحة اليهود قبل بزوغ الفجر ، وقد صلى المسلمون الفجر قرب خيبر ، ثم هجموا عليها بعد بزوغ الشمس ، وفوجئ أهلها بهم وهم في طريقهم إلى أعمالهم ، فقالوا : محمد والخميس !! فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( الله أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين).
وهرب اليهود إلى حصونهم وحاصرهم المسلمون. وقد حاولت غطفان نجدة حلفائهم يهود خيبر ، حتى إذا ساروا مرحلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حساً فظنوا أن المسلمين قد خالفوا إليهم فرجعوا ، وخلوا بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين خيبر ، فأخذ المسلمون في افتتاح حصونهم واحداً تلو الآخر.
وكان أول ما سقط من حصونهم ناعم والصعب بمنطقة النطاة وأبي النزار بمنطقة الشق ، وكانت هاتان المنطقتان في الشمال الشرقي من خيبر ، ثم حصن القموص المنيع في منطقة الكتيبة ، وهو حصن ابن أبي الحقيق ، ثم اسقطوا حصني منطقة الوطيح والسلالم.

(2/379)


وقد واجه المسلمون مقاومة شديدة وصعوبة كبيرة عند فتح بعض هذه الحصون ، منها حصن ناعم الذي استشهد تحته محمود بن مسلمة الأنصاري ، حيث ألقى عليه مرحب رحى من أعلى الحصن ، والذي استغرق فتحه عشرة أيام ، فقد حمل راية المسلمين عند حصاره أبو بكر الصديق ، ولم يفتح الله عليه ، وعندما جهد الناس ، قال رسول الله إنه سيدفع اللواء غداً إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله و رسوله ، ولا يرجع حتى يفتح له ، فطابت نفوس المسلمين ، فلما صلى الفجر في اليوم التالي دفع اللواء إلى علي ، ففتح الله على يديه.
وكان علي يشتكي من رمد في عينيه عندما دعاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فبصق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عينيه ودعا له ، فبرئ.
ولقد أوصى الرسول - صلى الله عليه وسلم - علياً بأن يدعو اليهود إلى الإسلام قبل أن يداهمهم ، وقال له : ( فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم). وعندما سأله علي : يا رسول الله ، على ماذا أقاتل الناس ؟ قال : ( قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله).
وعند حصار المسلمين لهذا الحصن برز لهم سيده وبطلهم مرحب ، وكان سبباً في استشهاد عامر بن الأكوع ، ثم بارزه علي فقتله ، مما أثر سلبياً في معنويات اليهود ومن ثم هزيمتهم.
وقد أبلى علي بلاء حسناً في هذه الحرب. ومن دلائل ذلك : روى ابن إسحاق من حديث أبي رافع – مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - – أن علياً عندما دنا من الحصن خرج إليه أهله ، فقاتلهم ، فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده ، فتناول علي باباً كان عند الحصن فترس به عن نفسه ، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ، ثم ألقاه من يده حين فرغ.
قال الراوي – أبو رافع : فلقد رأيتني في نفر سبعة معي ، أنا ثامنهم ، نجهد على أن نقلب ذلك الباب ، فما نقلبه.

(2/380)


وروى البيهقي من طريقين مرفوعين إلى جابر رضي الله عنه قصة علي والباب ويوم خيبر. ففي الطريق الأول أن عليا رضي الله عنه حمل الباب حتى صعد عليه المسلمون فافتتحوها ، ولم يستطع أربعون رجلاً أن يحملوا هذا الباب. وفي الطريق الثانية أنه اجتمع عليه سبعون رجلاً ، فأعادوه إلى مكانه بعد أن أجهدهم.
وتوجه المسلمون إلى حصن الصعب بن معاذ بعد فتح حصن ناعم ، وأبلى حامل رايتهم الحباب بن المنذر بلاء حسناً حتى افتتحوه بعد ثلاثة أيام ، ووجدوا فيه الكثير من الطعام والمتاع ، يوم كانوا في ضائقة من قلة الطعام ، ثم توجهوا بعده إلى حصن قلعة الزبير الذي اجتمع فيه الفارون من حصن ناعم والصعب وبقية ما فتح من حصون يهود – فحاصروه وقطعوا عنه مجرى الماء الذي يغذيه ، فاضطروهم إلى النزول للقتال ، فهزموهم بعد ثلاثة أيام ، وبذلك تمت السيطرة على آخر صحون منطقة النطاة التي كان فيها أشد اليهود.
ثم توجهوا إلى حصون الشق ، وبدأوا بحصن أبيّ ، فاقتحموه ، وأفلت بعض مقاتلته إلى حصن نزار ، وتوجه إليهم المسلمون فحاصروهم ثم افتتحوا الحصن ، وفر بقية أهل الشق من حصونهم وتجمعوا في حصن القَمُوص المنيع وحصن الوطيح وحصن السلالم ، فحاصرهم المسلمون لمدة أربعة عشر يوماً حتى طلبوا الصلح.
نتائج الغزوة :
وهكذا فتحت خيبر عنوة ، استناداً إلى النظر في مجريات الأحداث التي سقناها ، وما روى البخاري ، ومسلم وأبو داود من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزا خيبر وافتتحها عنوة.
فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك فقبل ذلك منهم. فكانت فدك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.

(2/381)


وقتل من اليهود في معارك خيبر ثلاثة وتسعون رجلاً. وسبيت النساء والذراري ، منهن صفيه بنت حيي بن أخطب ، التي اشتراها الرسول - صلى الله عليه وسلم - من دحية حيث وقعت في سهمه فأعتقها وتزوجها. وقد دخل عليها في طريق العودة إلى المدينة ، وتطوع لحراسته في تلك الليلة أبو أيوب الأنصاري.
واستشهد من المسلمين عشرون رجلاً فيما ذكر ابن إسحاق وخمسة عشر فيما ذكر الواقدي.
وممن استشهد من المسلمين راعي غنم أسود كان أجيراً لرجل من يهود. وخلاصة قصته أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محاصر لبعض حصون خيبر ومعه غنم يرعاها لبعض يهود خيبر ، فطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعرض عليه الإسلام ، فعرضه عليه ، فأسلم ، ثم استفتاه في أمر الغنم ، فطلب منه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يضرب وجوهها ، فسترجع إلى أصحابها ، فأخذ الراعي حفنة من الحصى فرمى بها في وجوهها ، فرجعت إلى أصحابها ، وتقدم ليقاتل فأصابه حجر فقتله ، وما صلى لله صلاة قط ، فجيء به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسجي بشملة ، فالتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أعرض عنه ، وعندما سئل عن إعراضه قال:(إن معه الآن زوجتيه من الحور العين).

(2/382)


واستشهد أعرابي له قصة دلت على وجود نماذج فريدة من المجاهدين. وخلاصة قصته أنه جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلم ، وطلب أن يهاجر مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - . فلما كانت غزوة خيبر – وقيل حنين – غنم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخرج له سهمه ، وكان غائباً حين القسمة ويرعى ظهرهم ، فلما جاء دفعوا إليه سهمه ، فأخذه وجاء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : ما هذا يا محمد؟ ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( قسم قسمته لك). قال : ما على هذا اتبعتك ، ولكن اتبعتك على أن أرمى ها هنا ، وأشار إلى حلقه بسهم ، فأدخل الجنة ، قال : (إن تصدق الله يصدقك) ، ولم يلبث قليلاً حتى جيء به وقد أصابه سهم حيث أشار ، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (صدق الله فصدقه) ، فكفنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في جبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ودفنه.
وبعد الفراغ من هذه الغزوة حاول اليهود قتل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالسم. فقد أهدته امرأة منهم شاة مشوية مسمومة ، وأكثرت السم في ذراع الشاة عندما عرفت أنه يحبه ، فلما أكل من الذراع أخبرته الذراع أنه مسموم فلفظ اللقمة ، واستجوب المرأة ، فاعترفت بجريمتها ، فلم يعاقبها في حينها ، ولكنه قتلها عندما مات بشر بن البراء بن معرور من أثر السم الذي ابتلعه مع الطعام عندما أكل مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
وتم الصلح في النهاية بين الطرفين وفق الأمور الآتية :
- بالنسبة للأراضي والنخيل – أي الأموال الثابتة : دفعها لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أن يعملوا عليها ولهم شطر ما يخرج منها.
- أن ينفقوا من أموالهم على خدمة الأرض.
- أما بالنسبة لوضعهم القانوني فقد تم الاتفاق على أن بقاءهم بخيبر مرهون بمشيئة المسلمين ، فمتى شاؤوا أخرجوهم منها.

(2/383)


وقد أخرجهم عمر بن الخطاب إلى تيماء وأريحاء ، استناداً إلى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مرض موته : (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) وتكرر منهم الاعتداء على المسلمين. ففي المرة الأولى اتهمهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قتل عبد الله بن سهل ، فأنكروا فلم يعاقبهم ، فوداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عنده. وفي هذه المرة الثانية أكدت الأولى – كما أشار عمر – أنهم اعتدوا على عبد الله بن عمر ، وفدعوا يديه.
- واتفقوا على إيفاد مبعوث من قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل خيبر ليخرص ويقبض حصة المسلمين.
أما بالنسبة للأموال المنقولة ، فقد صالحوه على أن له الذهب والفضة والسلاح والدروع ، لهم ما حملت ركائبهم على ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئاً ، فإن فعلوه فلا ذمة لهم ولا عهد. فغيبوا مسكاً لحيي بن أخطب ، وقد كان قتل في غزوة خيبر ، وكان قد احتمله معه يوم بني النظير حين أجليت.
وعندما سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - سعية – عم حيي – عن المسك ، قال : (أذهبته الحروب والنفقات) فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (العهد قريب المال أكثر من ذلك) ، فدفعه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الزبير فمسه بعذاب ، فاعترف بأنه رأى حيياً يطوف في خربة ها هنا ، فوجدوا المسك فيها ، فقتل لذلك ابني أبي الحقيق ، وسبى نساءهم وذراريهم ، وقتل محمد بن مسلمة ابن عم كنانة هذا الذي دل على المال ، قتله بأخيه محمود بن مسلمة.
وبالنسبة للطعام فقد كان الرجل يأخذ حاجته منه دون أن يقسم بين المسلمين أو يخرج منه الخمس ما دام قليلاً ، وكانت غنائم خيبر خاصة بمن شهد الحديبية من المسلمين ، كما في قوله تعالى : ( سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم ، يريدون أن يبدلوا كلام الله. قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ، فسيقولون بل تحسدوننا ، بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً ).

(2/384)


ولم يغب عن فتح خيبر من أصحاب بيعة الرضوان أحد سوى جابر بن عبد الله ، ومع ذلك أعطي سهماً مثل من حضر الغزوة – غزوة الحديبية.
وأعطى أهل السفينة من مهاجرة الحبشة الذين عادوا منها إلى المدينة ، ووصلوا خيبر بعد الفتح ، أعطاهم من الغنائم. وكانوا ثلاثة وخمسين رجلاً وامرأة بقيادة جعفر بن أبي طالب. وتقول الرواية : إنه لم يقسم لأحد لم يشهد الفتح سواهم. وهم الذين فرح الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقدومهم ، وقبل جعفر بين عينيه والتزمه ، وقال : (ما أدري بأيهما أنا أسر ، بفتح خيبر أو بقدوم جعفر).
وربما يرجع سبب استثنائهم إلى أنهم حبسهم العذر عن شهود بيعة الحديبية ، ولعله استرضى أصحاب الحق من الغانمين في الإسهام لهم ، ولعله رأى ما كانوا عليه من الصدق وما عانوه في الغربة ، وهم أصحاب الهجرتين.
وأعطى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبا هريرة وبعض الدوسيين من الغنائم برضاء الغانمين ، حيث قدموا عليه بعد فتح خيبر.
وشهد خيبر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساء مسلمات فأعطاهن من الفيء ولم يضرب لهن بسهم.
وكذلك أعطى من شهدها من العبيد ، فقد أعطى عميرًا ، مولى أبي اللحم ، شيئاً من الأثاث.
وأوصى - صلى الله عليه وسلم - من مال خيبر لنفر من الداريين ، سماهم ابن إسحاق.
وكان كفار قريش يتحسسون أخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع يهود خيبر ، ويسألون الركبان عن نتيجة المعركة ، وقد فرحوا عندما خدعهم الحجاج بن علاط السلمي وقال لهم : إن المسلمين قد هزموا شر هزيمة وإن اليهود أسرت محمداً ، وستأتي به ليقتل بين ظهراني أهل مكة ثأراً لمن كان أصيب من رجالهم ، وما لبثوا قليلا حتى علموا بأن الأمر خدعة من الحجاج بن علاط ليحرز ماله الذي بمكة ويهاجر مسلماً. فحزنوا لتلك النتيجة التي كانوا يراهنون على عكسها.

(2/385)


وبعد الفراغ من أمر خيبر توجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو وادي القرى ، وحاصرهم ، ثم دعاهم إلى الإسلام وأخبرهم أنهم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم ، وحسابهم على الله ، فبرز رجل منهم ، فبرز له الزبير فقتله ، ثم برز آخر فبرز إليه علي فقتله ، ثم برز آخر فبرز إليه أبو دجانة فقتله ، حتى قتل منهم أحد عشر رجلاً ، ثم قاتلهم حتى أمسوا ، وفي الصباح استسلموا ، ففتحت عنوة. وأقام فيها ثلاثة أيام ، وقسم ما أصاب على أصحابه ، وترك الأرض والنخل بأيدي يهود ، وعاملهم عليها.
فلما بلغ يهود تيماء ما حدث لأهل فدك ووادي القرى ، صالحوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجزية ، وأقاموا بأيديهم أموالهم. فلما كان عهد عمر أخرج يهود خيبر وفدك ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى لأنهما داخلتان في أرض الشام ، ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز ، وأن ما وراء ذلك من الشام.
وثبت في الصحيح أن مدعماً – مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - – أصابه سهم فقتله وذلك حين كان يحط رحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما وصلوا وادي القرى ، فقال الناس : هنيئاً له بالجنة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( كلا والذي نفسي بيده ، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم ، لتشتعل عليه ناراً . فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - بشراك أو بشراكين ، فقال : هذا شيء كنت أصبته ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( شراك أو شراكان من نار).
بعض فقه وحكم ودروس غزوة خيبر :
1- نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الغلول : وأن من يموت وهو غال يدخل النار. وقد جاء ذلك في خبر الرجل الذي قال عنه الصحابة إنه شهيد ، فقال لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (كلا ! إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة ... ) وخبر مدعم مع الشملة.

(2/386)


2- نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل لحوم الحمر الإنسية.
3- نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل لحوم البغال.
4- النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن أكل كل ذي مخلب من الطير.
5- النهي عن وطء الحبالي من السبايا حتى يضعن.
6- النهي عن ركوب الجلالة والنهي عن أكل لحمها وشرب لبنها.
7- النهي عن النهبة من الغنيمة قبل قسمتها.
8- وأجرى الله على نبيه بعض المعجزات دليلاً على نبوته وعبرة لمن يعتبر ، فإضافة إلى ما ذكرنا من قصة بصقه على عيني علي فصحتا ، وإخبار ذراع الشاة المسمومة إياه بأنها مسمومة ، فقد ثبت أنه نفت ثلاث نفثات في موضع ضربة أصابت ركبة سلمة بن الأكوع يوم خيبر ، فما اشتكى بعدها.
9- وفي خبر الإسهام لأهل السفينة أنه إذا لحق مدد الجيش بعد انقضاء الحرب ، فلا سهم لهم إلا بإذن الجيش ورضاه.
10- جواز المساقاة والمزارعة بجزء مما يخرج من الأرض من تمر أو زروع ، كما عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر على ذلك ، وهو من باب المشاركة ، وهو نظير المضاربة ، فمن أباح المضاربة ، وحرم ذلك ، فقد فرق بين متماثلين.
11- عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض ، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دفع إليهم الأرض على أن يعملوها من مالهم.
12- خرص الثمار على رؤوس النخيل وقسمتها كذلك ، وأن القسمة ليست بيعاً ، والاكتفاء بخارص واحد وقاسم واحد.
13- جواز عقد المهادنة عقداً جائزاً للإمام فسخه متى شاء.
14- جواز تعليق عقد الصلح والأمان بالشرط ، كما عقد لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرط ألا يغيبوا ولا يكتموا ، كما في قصة مسك حيي.
15- الأخذ في الأحكام بالقرائن والإمارات كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لكنانة : (المال كثير والعهد قريب) ، فاستدل بذلك على كذبه في قوله : (أذهبته الحروب والنفقة).

(2/387)


16- جواز إجلاء أهل الذمة من دار الإسلام إذا استغنى عنهم ، وقد أجلاهم عمر رضي الله عنه بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - .
17- لم يكن عدم أخذ الجزية من يهود خيبر لأنهم ليسوا أهل ذمة ، بل لأنها لم تكن نزل فرضها بعد.
18- سريان نقض العهد في حق النساء والذرية ، وجعل حكم الساكت والمقر حكم الناقض والمحارب كما في حالة كنانة وابني ابن الحقيق ، على أن يكون الناقضون طائفة لهم شوكة ومنعة ، أم إذا كان الناقض واحداً من طائفة لم يوافقه بقيتهم ، فهذا لا يسري النقض إلى زوجته وأولاده.
19- جواز عتق الرجل أمته ، وجعل عتقها صداقها ، ويجعلها زوجته بغير إذنها ولا شهود ولا ولي غيره ، ولا لفظ نكاح ولا تزويج ، كما فعل - صلى الله عليه وسلم - بصفية.
20- جواز كذب الإنسان على نفسه وعلى غيره ، إذا لم يتضمن ضرر ذلك الغير ، إذا كان يتوصل بالكذب إلى حقه ، كما كذب الحجاج بن علاط على المسلمين والمشركين حتى أخذ ماله من مكة من غير مضرة لحقت بالمسلمين من ذلك بالكذب.
21- إن من قتل غيره بسم يقتل مثله قصاصاً ، كما قتلت اليهودية ببشر بن البراء.
22- جواز الأكل من ذبائح أهل الكتاب وحل طعامهم وقبول هديتهم ، كما في حادثة الشاة المسمومة.
23- الإمام مخير في الأرض التي تفتح عنوة إن شاء قسمها وإن شاء وقفها وإن شاء قسم البعض ووقف البعض الآخر ، وقد فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأنواع الثلاثة ، فقسم قريظة والنضير ، ولم يقسم مكة ، وقسم شطراً من خيبر وترك شطرها الآخر.
السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية ، للدكتور مهدي رزق الله ، ص 499
ــــــــــــــــــ

شهادة التاريخ ...

(1)
أ. د. عماد الدين خليل 16/11/1426
18/12/2005
[ 1 ]

(2/388)


ليس من مهمة هذا البحث متابعة المعطيات الفقهية الخصبة والمتميزة بصدد التعامل مع الآخر، وإنما التأشير على بعض الممارسات التاريخية كشواهد فحسب، من بين سيل من الوقائع لا يكاد يحصيها عدّ، تؤكد فيما لا يدع أي مجال للشك في أن النصارى واليهود من أهل الكتاب، وغيرهما من الفرق الدينية الأخرى، عاشوا حياتهم، ومارسوا حقوقهم الدينية والمدنية على مداها في ديار الإسلام، فيما لم تشهده ولن تشهده أية تجربة تاريخية في العالم.
إن التاريخ هو الحكم الفصل في قدرة المذاهب والأديان على التماسّ مع الواقع، وتحويل "الكلمة" إلى فعل منظور.
ابتداءً.. ما الذي أرادت التأسيسات القرآنية أن تقوله فانعكس ـ بالتالي ـ في نسيج الفعل التاريخي بين المسلم وغير المسلم؟
إن التغاير والاختلاف قائمان في صميم العلاقات البشرية، والتوحّد في وجوهه كافة لا ينفي التغاير، كما أن هذا لا ينفي التوحّد، إنهما يتداخلان ويتوازيان ويؤثر أحدهما في الآخر، بل قد يرفده بعناصر القوة والخصب والنماء. قد تحدث حالات تقاطع تقود أحياناً إلى النفي والتعارض، لكن الخط الأكثر عمقاً وامتداداً هو أن التجربة البشرية من لحظات تشكلها الأولى وحتى يقوم الحساب، إنما هي تجربة تتعدد فيها الانتماءات وتتغير العلاقات وتتنوع القناعات، وأن هذا التغاير في حدوده المعقولة، ومن خلال تعامله مع الثوابت التوحيدية، هو الذي يمنح التاريخ البشري، ليس فقط تفرده وخصوصيته، وإنما قدرته على الفعل والصيرورة.
في المنظور القرآني يبدو التنوع مستقطباً عبر مجراه الطويل بكلمتي الإيمان والكفر، أو الحق والباطل، ترفده جداول وأنهار متشابكة تجيء من هذا الصوب أو ذاك، ومن خلال هذا التغاير تتحرك مياه التاريخ فلا تركد ولا تأسن، وتحفظ بهذا قدرتها على التدفق والنقاء.

(2/389)


إن الإرادة الحرة والاختيار المفتوح اللذين مُنحا للإنسان فرداً وجماعة، للانتماء إلى هذا المذهب أو ذاك، يقودان بالضرورة إلى عدم توحد البشرية وتحوّلها إلى معسكر واحد.. إن قيمة الحياة الدنيا وصيرورتها المبدعة تكمن في هذا التغاير، وإن حكمة الله سبحانه شاءت ـ حتى بالنسبة للكتلة أو المعسكر الواحد ـ أن تشهد انقساماً وتغايراً وتنوّعاً وصراعاً.
والقرآن الكريم يحدثنا عن هذا التغاير في أكثر من صورة ووفق أشد الصيغ واقعية ووضوحاً: ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات) [المائدة : 48] ، ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) [هود: 118ـ 119] ،
( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ...)[البقرة: من الآية 253]، (...ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات، ولكن اختلفوا، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) [البقرة:من الآية 253].
بل إن القرآن انطلاقاً من منظوره الواقعي لحركة التاريخ البشري، يبين في أكثر من موضع أن (الأكثريات) البشرية تقف دائماً بمواجهة الحق الذي لا تنتمي إليه إلاّ القلة الطليعية الرائدة، نظراً لما يتطلبه هذا الانتماء من جهد وتضحية وعطاء
لا يحتملها الكثيرون: (بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون) [المؤمنون: 70].
وكثيراً ما يكون اختلاف الألسنة والألوان، الذي يعقبه تغاير الثقافات وتعدد
الأعراق، أحد العوامل الأساسية التي تكمن وراء التنوع التاريخي الذي هو بحد ذاته صيغة من صيغ الإبداع الإلهي في العالم: ( ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم إذا أنتم بشر تنتشرون)[الروم:20].
(ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) [الروم : 22].

(2/390)


أما عن الهدف من وراء هذا التغاير فإن القرآن يجيب: (...ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين) [البقرة: 251].
( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) [الحج: 40].
تلك هي الأمور الأساسية، إن هذا التغاير والتدافع المركوز في جبلة بني آدم يقود إلى (تحريك) الحياة نحو الأحسن، وتخطي مواقع السكون والفساد، ومنح القدرة للقوى االإنسانية الراشدة كي تشد عزائمها قبالة التحديات، وأن تسعى لتحقيق المجتمع المؤمن الذي ينفذ أمر الله وكلمته في العالم.
وثمة آيات أخرى تبين كيف أن هذا التغاير الذي يعقب تدافعاً وصراعاً إنما هو ميدان حيوي للكشف عن مواقف الجماعة البشرية، والتعرف على أصالة المؤمنين. ففي جحيم
القتال، وعلى وهجه المضيء يتضح الذهب من التراب، ويتميز الطيب من الخبيث، وتتحول التجربة إلى منخال كبير يسقط، وهو يتحرك يميناً وشمالاً، كل الضعفة والمنافقين والعاجزين والمتردّدين في مواصلة الحركة صوب المصير المرسوم: ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم) [محمد: 31] ، (ليميز الله الخبيث من الطيب، ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم، أولئك هم الخاسرون). [الأنفال: 37].
وما أكثر ما يتساءل الإنسان عن الحكمة من التقاتل، وما أكثر ما تخيل الفلاسفة والمفكرون عالماً لا يشهد قتالاً ولا تُسفك في ساحته الدماء، ولكن هيهات ما دامت المسألة مرتبطة في جذورها بالوجود البشري المتغاير المتنوع. ولا يزال الصراع أمراً لا مفر منه إذا ما أريد للحياة االإنسانية أن تتحرك وتتقدم وتتجاوز مواقع السكون والفساد: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون) [البقرة: 216].

(2/391)


إلا أن القرآن ـ وهو يتحدث عن الصراع الناجم عن التغاير البشري في المذاهب والأجناس واللغات والمصالح والبيئات الجغرافية ـ لا يقصر المسألة على التقاتل والتدافع، إنما يمدها إلى ساحة أوسع، ويعطي للتغاير البشري آفاقاً بعيدة المدى، تبدأ بإشهار السلاح، وتمتد لكي تصل إلى الموقف الأكثر إيجابية، والذي يجعل هذا التغاير سبباً لعلاقات إنسانية متبادلة بين الأمم والأقوام والشعوب للتقارب والتعاون والتعارف، مع بقاء كل منها على مذهبه أو جنسه أو لونه أو لغته أو بيئته الجغرافية: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله اتقاكم، إن الله عليم خبير) [الحجرات: 13].
[ 2 ]
وجاء تاريخنا الإسلامي لكي يمنح مساحة واسعة للتغاير، وقبول الآخر، والتحاور معه.. والوقائع في هذا السياق كثيفة جداً ،ولذا سنكتفي بالتأشير على بعضها.
فمنذ بدايات مبكرة قدم عصر الرسالة إزاء أهل الذمة، يهوداً ونصارى، موقفاً منفتحاً رسمت من خلاله تقاليد العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، ووُضعت أصولها ونُظّمت صيغها، وعندما مضت حركة التاريخ صوب العصور التالية مضت معها هذه التقاليد والأصول والصيغ تعمل في مجرى العلاقات الاجتماعية، وما حدث بين الحين والحين من خروج عليها فإنه لم يتجاوز أن يكون شذوذاً على القاعدة ازدادت تأكيداً بمرور الأيام.

(2/392)


ما الذي أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقوله وينفذه إزاء غير المسلمين من أهل الكتاب؟ إن بمقدور القارئ أن يرجع إلى كتب السيرة للعثور على الجواب الشامل بجزئياته وتفاصيله(1)، ولكننا نود أن نشير مجرد إشارة إلى العهد الذي كتبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أعقاب غزوة تبوك عام 9 هـ لنصارى نجران، ذلك العهد الذي يمثل قمة من قمم العدل والسماحة والحرية، والذي لم يفرض عليهم فيه سوى جزية عينية متواضعة، وقد جاء فيه: " ولنجران وحاشيتهم جوار الله ... ومن سأل منهم حقاً فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين... ولا يُؤاخذ أحد منهم بظلم آخر. وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة النبي - صلى الله عليه وسلم - أبداً، حتى يأتي الله بأمره إن نصحوا وأصلحوا فيما عليهم"(2)، وقد دخل يهود نجران في هذا الصلح(3).
كما نود أن نشير إلى العهود التي كتبها لعدد من التجمعات اليهودية في شمال
الجزيرة ، بعد غزوة خيبر ( 7 هـ ) والسنين التي تلتها؛ إذ بعث إلى بني جنبة بمقنة القريبة من أيلة على خليج العقبة: "أما بعد، فقد نزل علي رسلكم راجعين إلى قريتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا فإنكم آمنون لكم ذمة الله وذمة رسوله، وإن رسول الله غافر لكم سيئاتكم وكل ذنوبكم، لا ظلم عليكم ولا عدى، وإن رسول الله جاركم مما منع منه نفسه.. وإن عليكم ريع ما أخرجت نخلكم وصادت عروككم (مراكبكم) واغتزل نساؤكم، وإنكم برئتم بعد من كل جزية أو سخرة، فإن سمعتم وأطعتم فإن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
أن يكرم كريمكم ويعفو عن مسيئكم، وأن ليس عليكم أمير إلا من أنفسكم أو من أهل رسول الله...". وكتب لجماعة أخرى من اليهود تدعى (بني غاديا): "... إن لهم الذمة وعليهم الجزية ولا عداء"، كما كتب لبني عريض كتاباً آخر يحدد فيه ما عليهم أن يدفعوا للمسلمين لقاء حمايتهم لهم وعدم ظلمهم إياهم(4).

(2/393)


وكتب لأهل جرباء وأذرح من اليهود: "إنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان للمسلمين، ومن لجأ إليه من المسلمين"(5) وبذلك تمكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من تحويل هذه التجمعات اليهودية إلى جماعات من المواطنين في الدولة الإسلامية يدفعون لها ما تفرضه عليهم من ضرائب نقدية أو عينية، ويحتمون بقوتها وسلطانها، ويتمتعون بعدلها وسماحتها. ولقد ظل اليهودـ والنصارى بطبيعة الحال ـ كمواطنين وليسوا كتلاً سياسية أو عسكرية ـ يمارسون حقوقهم في إطار الدولة الإسلامية لا يمسسهم أحد بسوء، وعاد بعضهم إلى
المدينة، بدليل ما ورد عن عدد منهم في سيرة ابن هشام وفي مغازي الواقدي. وهناك الكثير من الروايات والنصوص التاريخية التي تدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يعامل اليهود بعد غزوة خيبر بروح التسامح، حتى إنه أوصى عامله معاذ بن جبل: "بأن لا يفتن اليهود عن يهوديتهم"، وعلى هذا النحو عومل يهود البحرين؛ إذ لم يُكلّفوا إلا بدفع الجزية، وبقوا متمسكين بدين آبائهم(6). وجاء الراشدون لكي يشهد المجتمع الإسلامي تنفيذاً في العلاقات االإنسانية بين المسلمين وغيرهم لا يقل تفرداً وتألقاً عما شهده عصر الرسالة. فلقد كان العصر الجديد عصر الفتوح والامتداد الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها، وكانت مساحات واسعة من الأراضي التي بلغها الإسلام تضم حشوداً كبيرة من اليهود والنصارى والمجوس والطوائف الدينية الأخرى. لقد أصبح المجتمع الإسلامي بحركة الفتح هذه مجتمعاً عالمياً ضم جناحيه على أعداد كبيرة من الأجناس والأديان والأقوام والجماعات والمذاهب والفرق والاتجاهات، ونريد أن نعرف كيف تم التعامل معها عبر عمليات الفتح أولاً، وبعد استقرار الوجود الإسلامي ثانياً، وهل تمكن المسلمون من الاستجابة لتحديات التنوع المذهبي في مجتمعهم العالمي الجديد؟

(2/394)


يقول السير (توماس أرنولد) الذي سنعتمد على عدد من شهاداته بهذا الصدد في كتابه المعروف: (الدعوة إلى الإسلام The Preaching to Islam) الذي يتضمن تحليلاً مدعماً بالوثائق والنصوص للصيغ االإنسانية التي اتبعها الإسلام في تعامله مع أبناء المذاهب الأخرى.
" ... لما قدم أهل الحيرة المال المتفق عليه ذكروا صراحة أنهم إنما دفعوا هذه الجزية على شريطة "أن يمنعونا وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم"، وكذلك حدث أن سجل خالد في المعاهدة التي أبرمها أهالي المدن المجاورة للحيرة قوله: "فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا". ويمكن الحكم على مدى اعتراف المسلمين الصريح بهذا الشرط من تلك الحادثة التي وقعت في حكم الخليفة عمر: لما حشد الإمبراطور هرقل جيشاً ضخماً لصد قوات المسلمين كان لزاماً على المسلمين-نتيجة لما حدث- أن يركزوا كل نشاطهم في المعركة التي أحدقت بهم. فلما علم بذلك أبو عبيدة قائد العرب كتب إلى عمال المدن المفتوحة في الشام يأمرهم أن يردوا عليه ما جُبي من الجزية من هذه المدن، وكتب إلى الناس يقول: " إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ونحن لكم على الشرط، وما كتبنا بيننا إن نصرنا الله عليهم"، وبذلك رُدّت مبالغ طائلة من مال الدولة، فدعا المسيحيون بالبركة لرؤساء المسلمين وقالوا: "ردكم الله علينا ونصركم عليهم ـ أي على الروم ـ فلو كانوا هم لم يردوا شيئاً وأخذوا كل شيء بقي لنا"(7).

(2/395)


" يكشف تاريخ النساطرة عن نهضة رائعة في الحياة الدينية وعن نواحي نشاطهم منذ أن صاروا رعية للمسلمين. وكان أكاسرة الفرس يدللون هذه الطائفة تارة ويضطهدونها تارة أخرى؛ إذ كان السواد الأعظم من أفرادها يقيمون في ولايات هؤلاء الأكاسرة، بل مرّوا بحياة أشد من هذه خطورة، وخضعوا لمعاملة خشنة قاسية حين جعلتهم الحرب بين فارس وبيزنطة عرضة لشك الفرس فيهم، بأنهم كانوا يمالئون أعداءهم من المسيحيين. ولكن الأمن الذي نعموا به في بلادهم في عهد الخلفاء قد مكنهم من أن يسيروا قدماً في سبيل أعمالهم التبشيرية في الخارج، فأرسلوا البعوث الدينية إلى الصين والهند، وارتقى كل منهم إلى مرتبة المطرانية في القرن الثامن الميلادي. وفي العصر نفسه تقريباً رسخت أقدامهم في مصر، ثم أشاعوا فيما بعد العقيدة المسيحية في آسيا، حتى إذا جاء القرن الحادي عشر كانوا قد جذبوا عدداً كبيراً ممن اعتنقوا المسيحية من بين التتار. وإذا كانت الطوائف المسيحية الأخرى قد أخفقت في إظهار مثل هذا النشاط القوي، فليس هذا الإخفاق خطأ المسلمين؛ إذ كانت الحكومة المركزية العليا تتسامح مع جميعهم على السواء، وكانت فضلاً عن ذلك تصدهم عن أن يضطهد بعضهم بعضاً. وفي القرن الخامس الميلادي كان (برصوما)، وهو أسقف نسطوري، قد أغرى ملك الفرس بأن يدبر اضطهاداً عنيفاً للكنيسة الأرثوذكسية، وذلك بإظهار نسطور بمظهر الصديق للفرس، وإظهار مبادئه بأنها أكثر ميلاً إلى مبادئهم.

(2/396)


" ويُقال: إن عدداً يبلغ (7800) من رجال الكنيسة الأرثوذكسية مع عدد ضخم من العلمانيين، قد ذُبحوا في هذا الاضطهاد. وقام خسرو الثاني باضطهاد آخر للأرثوذكس بعد أن غزا هرقل بلاد فارس، وذلك بتحريض أحد اليعاقبة الذي أقنع الملك بأن الأرثوذكس سوف يظهرون بمظهر العطف والميل إلى البيزنطيين. ولكن مبادئ المسلمين على خلاف غيرهم؛ إذ يظهر لنا أنهم لم يألوا جهداً في أن يعاملوا كل رعاياهم من المسيحيين بالعدل والقسطاس. مثال ذلك أنه بعد فتح مصر استغل اليعاقبة فرصة إقصاء السلطات البيزنطية ليسلبوا الأرثوذكس كنائسهم، ولكن المسلمين أعادوها أخيراً إلى أصحابها الشرعيين بعد أن دلل الأرثوذكس على ملكيتهم لها"(8).
"ومما يدل على أن تحوّل المسيحيين إلى الإسلام ـ في مصر ـ لم يكن راجعاً إلى الاضطهاد، ما وقفنا عليه من الشواهد التاريخية الأصلية، وهو أنه في الوقت الذي شغر فيه كرسي البطريركية تمتع المسيحيون بالحرية التامة في إقامة شعائرهم، وسُمح لهم بإعادة بناء كنائسهم، بل ببناء كنائس جديدة، وتخلّصوا من القيود التي حتمت عليهم أن يركبوا الحمير والبغال، وحوكموا في محاكمهم الخاصة، على حين أُعفي الرهبان من دفع الجزية ومُنحوا امتيازات معينة"(9).
----------------
(1) ينظر : عماد الدين خليل : دراسة في السيرة ، ط15 ، دار النفائس ، بيروت ـ 1997م ، الفصلان الثامن والتاسع.
(2) محمد بن سعد ( ت 230 هـ ) كتاب الطبقات الكبرى ، تحقيق ادوارد سخاو ورفاقه ، مصور عن طبعة ليدن ، بريل ـ 1325 هـ ( بدون تاريخ ) 1/2/36 ، 84 ـ 85 ، أحمد بن يحيى البلاذري
( ت 279 هـ ) ، فتوح البلدان ، تحقيق صلاح الدين المنجد ، مكتبة النهضة ، القاهرة 1957 م ، 1/76 ـ 78 ، أحمد بن واضح اليعقوبي ( ت 282 هـ ) ، تاريخ اليعقوبي ، تحقيق محمد صالح بحر العلوم ، المكتبة الحيدرية ، النجف ـ 1964 م ، 2 / 71 ـ 72.
(3) البلاذري : فتوح البلدان 1 / 78.

(2/397)


(4) ابن سعد : الطبقات 1/2/28 ـ 30.
(5) المصدر نفسه 1 / 2 / 38.
(6) عماد الدين خليل : دراسة في السيرة ص 358.
(7) الدعوة إلى الإسلام ، ترجمة وتعليق حسن إبراهيم حسن ورفاقه ، ط3 مكتبة النهضة ، القاهرة ـ
1971 ، ص 79.
(8) المرجع نفسه ، ص 86 ـ 88.
(9) المرجع نفسه ، ص 130.
----------------
[ 3 ]
وما هي إلا لمحات فحسب مما تحدّث عنه توماس أرنولد فأطال الحديث، ولن تغني الشواهد هنا عن متابعة هذا الكتاب ـ الوثيقة ـ الذي يجيء على يد باحث يحترم العلم بالقدر الذي لم نألفه لدى الغربيين في تعاملهم مع عقيدتنا وتاريخنا إلا نادراً(1).
ما الذي كان يحدث في المجتمعات الأخرى بين أبناء الدين الغالب وبين المنتمين للأديان والمذاهب الأقل انتشاراً؟
يقول غوستاف لوبون: "لقد أُكرهت مصر على انتحال النصرانية، ولكنها هبطت بذلك إلى حضيض الانحطاط الذي لم ينتشلها منه سوى الفتح العربي. وكان البؤس والشقاء مما كانت تعانيه مصر التي كانت مسرحاً للاختلافات الدينية الكثيرة في ذلك الزمن. وكان أهل مصر يقتتلون ويتلاعنون بفعل تلك الاختلافات، وكانت مصر، التي أكلتها الانقسامات الدينية وأنهكها استبداد الحكام، تحقد على سادتها الروم، وتنتظر ساعة تحريرها من براثن قياصرة القسطنطينية الظالمين"(2).

(2/398)


ويقول الندوي: "ثارت حول الديانة النصرانية وفي صميمها مجادلات كلامية شغلت فكر الأمة واستهلكت ذكاءها وتحولت في كثير من الأحيان إلى حروب دامية، وقتل وتدمير وتعذيب ، وإغارة وانتهاب واغتيال، وحوّلت المدارس والكنائس والبيوت إلى معسكرات دينية تتنافس، وأقحمت البلاد في حرب أهلية، وكان أشد مظاهر هذا الخلاف الديني ما كان بين نصارى الشام والدولة الرومية، وبين نصارى مصر، أو بين الملكانية والمنوفيسية بلفظ أصح. وقد اشتد الخلاف بين الحزبين في القرنين السادس والسابع حتى صار كأنه حرب بين دينين متنافسين، أو كأنه خلاف بين اليهود والنصارى، كل طائفة تقول للأخرى: إنها ليست على شيء... وشهدت مصر من الفظائع ما تقشعر منه الجلود، فرجال كانوا يُعذّبون ثم يُقتلون إغراقاً، وتوقد المشاعل وتسلط نارها على الأشقياء حتى يسيل الدهن من الجانبين إلى
الأرض، ويُوضع السجين في كيس مملوء من الرمال ويُرمى به في البحر، إلى غير ذلك من الفظائع "(3).
وحدث بين اليهود والنصارى ما هو أشد هولاً، ففي السنة الأخيرة من حكم فوكاس
(610م) على سبيل المثال، أوقع اليهود بالمسيحيين في أنطاكية، فأرسل الإمبراطور قائده أبنوسوس ليقضي على ثورتهم، فذهب وأنفذ عمله بقسوة نادرة، فقتل الناس جميعاً،

(2/399)


قتلاً بالسيف، وشنقاً وإغراقاً وتعذيباً ورمياً للوحوش الكاسرة. وحدث ذلك بين اليهود والنصارى مرة بعد مرة. وهذه واحدة من نماذج التعامل بين الطرفين يوردها المؤرخ المصري المقريزي: " في أيام فوقا ملك الروم بعث كسرى ملك فارس جيوشه إلى بلاد الشام ومصر فخرّبوا كنائس القدس وفلسطين وعامة بلاد الشام، وقتلوا النصارى أجمعهم، وأتوا إلى مصر في طلبهم، وقتلوا منهم أمة كبيرة، وسبوا منهم سبياً لا يدخل تحت حصر، وساعدهم اليهود في محاربة النصارى وتخريب كنائسهم، وأقبلوا نحو الفرس من كل مكان فنالوا من النصارى كل منال، وأعظموا النكاية فيهم، وخرّبوا لهم كنيستين في القدس، وأحرقوا أماكنهم وأسروا بطريك القدس وكثيراً من أصحابه... وكان هرقل قد ملك الروم، وغلب الفرس، ثم سار من قسطنطينية ليمهد ممالك الشام ومصر ويجدد ما خربه الفرس، فخرج إليه اليهود من طبرية وغيرها وقدموا له الهدايا الجليلة، وطلبوا منه أن يؤمنهم ويحلف لهم على ذلك، فأمّنهم وحلف لهم، ثم دخل القدس وقد تلقاه النصارى بالأناجيل والصلبان، فوجد المدينة وكنائسها خراباً، فساءه ذلك، وأعلمه النصارى بما كان من ثورة اليهود مع الفرس، وأنهم كانوا اشد نكاية لهم من الفرس، وحثوا هرقل على الوقيعة بهم وحسنوا له ذلك، فاحتج عليهم بما كان من تأمينه لهم وحلفه، فأفتاه رهبانهم وبطاركتهم وقسيسوهم بأنه لا جرم عليه في قتلهم، فمال إلى قولهم وأوقع باليهود وقيعة شنعاء أبادهم جميعهم فيها، حتى لم يبق في ممالك الروم بمصر والشام منهم إلا من فر واختفى"(4).

(2/400)


أما ما فعله النصارى بالمسلمين عندما تمكنوا منهم، فيكفي أن نشير إلى ما نفذته السلطة والكنيسة الاسبانيتين عن طريق محاكم التحقيق مع بقايا المسلمين في الأندلس بعد سقوط آخر معاقلهم السياسية: غرناطة، مما قصه علينا بالتفصيل العلمي الموثق محمد عبد الله عنان في كتابه القيم (نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين)(5)، وما فعلته قوى الاستعمار الصليبي في آسيا وإفريقية مع الشعوب الإسلامية عبر القرون الأخيرة، وما تفعله القيادات الإفريقية النصرانية مع المسلمين.
[ 4 ]
في العصر الأموي والعصور العباسية التالية، حين ازداد المجتمع الإسلامي تعقيداً واتساعاً، و أخذت منحنيات الإبداع الحضاري تزداد صعوداً واطراداً، وتزداد معها المؤسسات الإدارية نضجاً ونمواً، أخذ الموقف من غير المسلمين يتألق بالمزيد من صيغ التعامل الإنساني أخذاً وعطاء.

(2/401)


لقد فتح المسلمون، قواعد وسلطة، صدورهم لغير المسلمين يهوداً ونصارى ومجوساً وصابئة، وأتاحوا للعناصر المتميزة من هؤلاء وهؤلاء احتلال مواقعهم الاجتماعية والوظيفية في إطار من مبدأ تكافؤ الفرص، لم تعرفه أمة من الأمم عبر تاريخ البشرية كله: لقد ساهم غير المسلمين في صنع الحضارة الإسلامية وإغنائها، دونما أي عقد أو حساسيات من هذا الجانب أو ذاك، كما فُتح الطريق أمامهم للوصول إلى أعلى المناصب، بدءاً من الكتابة في الدواوين وانتهاء بمركز الوزارة الخطير نفسه، وأُتيح لأبناء الأديان والمذاهب الأخرى أن يتحركوا في ساحات النشاط الاقتصادي والمالي بحرية تكاد تكون مطلقة، فنمّوا ثرواتهم وارتفعوا بمستوياتهم الاجتماعية بما يوازي قدراتهم على العمل. والنشاط، وملؤوا بهذا وذاك مساحة واسعة في ميدان النشاط الاقتصادي والمالي جنباً إلى جنب مع مواطنيهم المسلمين، بل إن بعض الأنشطة المالية والاقتصادية كادت تصبح من اختصاص أهل الكتاب، تماماً كما كانت الترجمة في المجال الثقافي من نصيبهم، وكما كانت بعض الوظائف الإدارية والكتابية في المجال الإداري من نصيبهم كذلك.
إنه مجتمع تكافؤ الفرص، والحرية العقديّة، والانفتاح. لقد استجاب المسلمون للتحدي الاجتماعي، وكانوا في معظم الأحيان عند حسن ظن رسولهم - صلى الله عليه وسلم - بهم، وهو يوصيهم قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى أن يكونوا رفقاء بأهل الذمة!!

(2/402)


الوقائع كثيرة، تيار من المعطيات التاريخية نفذت في ساحة المجتمع الإسلامي عبر القرون الطوال، نفذت على مختلف الجبهات ووفق سائر الاتجاهات الحضارية والإدارية والاقتصادية، والاجتماعية عموماً.. ونلتقي بشهادة فيليب حتي في كتابه (تاريخ العرب المطول) فهي تحمل دلالتها ولا ريب كشاهد على معطيات هذا التيار الواسع: " تمتع أهل الذمة بقسط من الحرية لقاء تأديتهم الجزية والخراج. وارتبطت بالفعل قضاياهم في الأمور المدنية والجنائية برؤسائهم الروحيين، إلا إذا كانت القضية تمسّ المسلمين... ".
" لقد كانت ميسون زوجة معاوية نصرانية، كما كان شاعره نصرانياً، وكذلك كان طبيبه وأمير المال في دولته... "(6).
"وأقام الذميون في مزارعهم ومنازلهم الريفية، وتمسكوا بتقاليدهم الثقافية، وحافظوا على لغاتهم الأصلية؛ فكانت لهم الآرامية والسريانية لغة في سوريا والعراق، والإيرانية في فارس، والقبطية في مصر... وفي المدن تقلد النصارى واليهود مناصب هامة في دوائر المال والكتابة والمهن الحرة، وتمتعوا في ظل الخلافة بقسط وافر من الحرية، ونالوا كثيراً من التساهل والعطف. وشهد بلاط العباسيين مناقشات كتلك التي جرت في بلاط معاوية
وعبد الملك، وقد ألقى تيموتاوس بطريك النساطرة في سنة (781 م) دفاعاً عن النصرانية أمام المهدي، لا يزال محفوظاً نصه إلى اليوم. كذلك تحدّرت إلينا رسالة للكندي تصرح أنها بيان لمناقشة جرت سنة (819 م) في حضرة المأمون في مقابلة بين محاسن الإسلام والنصرانية...
" وكان للعهدين القديم والجديد من الكتاب المقدس ترجمات عربية معروفة، وهناك أخبار تذكر أن رجلاً يُدعى (أحمد بن عبد الله بن سلام) كان قد ترجم التوراة إلى العربية منذ ولاية هارون الرشيد. ولدينا ما يثبت أيضاً أقساماً من التوراة كانت قد نُقلت إلى العربية في القسم الأخير من القرن السابع.

(2/403)


" ثم إننا نعرف وزراء نصارى قاموا في الشطر الثاني من القرن التاسع منهم عبدون بن صاعد.. وكان للمتقي وزير نصراني، كما كان لأحد بني بويه وزير آخر. أما المعتضد فقد جعل في المكتب الحربي لجيش المسلمين رئيساً نصرانياً. وقد نال أمثال هؤلاء النصارى من أصحاب المناصب العالية ما ناله زملاؤهم المسلمون من الإكرام والتبجيل... وكانت أكثرية أطباء الخلفاء أنفسهم من أبناء الكنيسة النسطورية. وقد نُشر أخيراً براءة منحها المكتفي سنة ( 1138 م ) لحماية النساطرة، وهي توضح مدى العلاقات الودية بين رجال الإسلام الرسميين وبين رجال النصرانية.
" ومن أعجب الظواهر في حياة النصرانية في ظل الخلفاء، أنه كان لها من القوة والنشاط ما دفع بها إلى التوسع فافتتحت لها مراكز تبشيرية في الهند والصين..".
" ولقد لقي اليهود من محاسن المسلمين فوق ما لقيه النصارى بالرغم مما في بعض الآيات القرآنية من تنديد بهم. والسبب أنهم كانوا قليلي العدد فلم يُخش أذاهم. وقد وجد المقدسي سنة (985م) أن أكثر الصيارفة وأرباب البنوك في سورية يهود، وأكثر الكتبة والأطباء نصارى. ونرى في عهد عدد من الخلفاء وأخصهم المعتضد أنه كان لليهود في الدولة مراكز هامة. وكان لهم في بغداد مستعمرة كبيرة ظلت فيها مزدهرة حتى سقوط المدينة. وقد زار هذه المستعمرة بنيامين التطيلي حوالي سنة (1169م) ، فوجد فيها عشر مدارس للحاخامين، وثلاثة وعشرين كنيساً، وأفاض بنيامين في وصف الحفاوة التي لاقاها رئيس اليهود البابليين من المسلمين، بصفته سليل بيت داود النبي عليه السلام ورئيس الملة الإسرائيلية، وقد كان لرئيس الحاخامين هذا من السلطة التشريعية على أبناء طائفته ما كان للجاثليق على جميع النصارى.
وقد روى إنه كانت له ثروة ومكانة وأملاك طائلة فيها الحدائق والبيوت والمزارع الخصبة.

(2/404)


وكان إذا خرج إلى المثول في حضرة الخليفة ارتدى الملابس الحريرية المطرزة، وأحاط به رهط من الفرسان، وجرى أمامه ساع يصيح بأعلى صوته: " أفسحوا درباً لسيدنا ابن داود .."(7).
وما يُقال عن العصرين الأموي والعباسي، يمكن أن يُقال عن العصور التي تلتهما: الفاطميون والأيوبيون والمماليك والعثمانيون، لولا بعض ردود الأفعال الغاضبة التي
اعتمد فيها العنف لأول مرة بسبب من مواقف عدائية معلنة اتخذتها هذه الفئة أو تلك من
أهل الكتاب، فمالأت خصوم المسلمين، ووضعت أيديها بأيدي الغزاة الذين قدموا لإبادتهم وإفنائهم، وتآمرت سراً وجهراً لتدمير عقيدتهم وإزالة ملكهم من الأرض. ويمكن أن يذكر المرء ـ ها هنا ـ المواقف العدائية العديدة التي اتخذها نصارى الشام والجزيرة والموصل والعراق عامة، خلال محنة الغزو المغولي؛ إذ رحبت جماعات منهم بالغزاة، وتآمرت معهم ضد مواطنيهم المسلمين، فاحتضنهم الغزاة واستخدموهم في فرض هيمنتهم، واتخذوهم مخالب لتمزيق أجساد المسلمين الذين عاشوا معهم بحرية وإخاء عبر القرون الطوال، ويمكن أن نتذكر كذلك التجارب المرة نفسها التي مارستها جماعات من اليهود والنصارى في العصر العثماني، وردود الأفعال العثمانية إزاءها.. الخ. لكن هذه الحالات لم تكن في نهاية التحليل، ومن خلال نظرة شمولية لحركة المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ، سوى استثناءات أو نقاط سوداء محدودة على صفحة واسعة تشع بياضاً، على العكس تماماً مما شهدته المجتمعات الأخرى؛ حيث كانت حالات الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص بين أصحاب الدين الحاكم ومخالفيه نقاطاً استثنائية بيضاء في صفحة تنفث حقداً ودخاناً.
ومن عجب أن مرحلة الحروب الصليبية نفسها، تلك التي دامت حوالي القرنين من الزمن، وكان الغزاة فيها يحملون الطائفية والكراهية ضد كل ما هو إسلامي، والتي

(2/405)


جاءت لكي تدمر على المجتمع الإسلامي أمنه واستقراره، وتفتنه عن دينه لصالح الكنيسة المتعصبة، هذه التجربة المرة لم تسق القيادات والمجتمعات الإسلامية إلى ردود فعل طائفية تقودهم إلى عدم التفرقة، وهم يتحركون بسيوفهم، بين الغزاة وبين النصارى المحليين، رغم أن فئات من هؤلاء تعاونت علناً مع الغزاة ووضعت أيديها في أيديهم، وتآمرت معهم على إنزال الدمار بالإسلام والمسلمين.
ولحسن الحظ فإن الغزاة الذين انطلقوا أساساً من نقطة التعصب والمذهبية، مارسوا الطائفية نفسها إزاء رفاقهم في العقيدة ممن ينتمون لأجنحة نصرانية أخرى، بدءاً من البيزنطيين الأرثوذكس، وانتهاء بجل الفئات النصرانية المحلية، ممن لم تدن بالمذهب الكاثوليكي الذي انضوى تحت لوائه معظم الغزاة، ولولا ذلك لامتدت مساحة التعاون بين الطرفين، فيما كان يمكن أن يؤدي إلى نتائج أكثر وخامة.
المهم إننا لم نشهد عبر مرحلة الحروب الصليبية هذه، بثوراً طائفية، في نسيج المجتمع الإسلامي، كرد فعل لغزو وهو في أساسه ديني متعصب.. لم نسمع بمذبحة ارتكبها المسلمون ضد رفاقهم في الأرض، ولا بعمل انتقامي غير منضبط نفذوه ضد مواطنيهم وأهل ذمتهم!!
وما من شك في أن هذا الانفتاح الذي شهده المجتمع الإسلامي إزاء العناصر غير الإسلامية، والفرص المفتوحة التي منحها إياهم، قاد بعض الفئات ـ كما رأينا ـ إلى ما يمكن عدّه استغلالاً للموقف السمح، ومحاولة لطعن المسلمين في ظهورهم، وتنفيذ محاولات تخريبية على مستوى السلطة حيناً، والعقيدة حيناً، والمجتمع نفسه حيناً ثالثاً،
وإننا لنتذكر هنا ـ على سبيل المثال كذلك ـ ما فعلته الطوائف اليهودية بدءاً من محاولات السبئية، وانتهاء بمؤامرة الدونمة لإسقاط الخلافة العثمانية، وما فعلته بعض الطوائف المجوسية في العصر العباسي فيما يشكل العمود الفقري للحركة الشعوبية، التي استهدفت العرب والمسلمين على السواء.

(2/406)


لكن هذه الخسائر التي لحقت بالمسلمين، من جراء تعاملهم الإنساني، مع مخالفيهم في العقيدة، والمخاطر التي تعرضوا لها عبر تاريخهم الطويل، من قبل هؤلاء الخصوم الذين استغلوا الفرصة، وسعوا إلى ممارسة التخريب والتآمر والالتفاف، لا تسوّغ البتة، اعتماد صيغ في التعامل، غير تلك التي اعتمدها المسلمون في تاريخهم الاجتماعي الطويل .. وتقاليد غير تلك التي منحهم إياها، ورباهم عليها كتاب الله، وسنة رسوله عليه السلام، وتجارب الآباء والأجداد.
إن الخسائر الجزئية ـ مهما كانت فداحتها ـ لأهون بكثير من الخسارة الكبرى ذات البعد الإنساني، وإن الإسلام نفسه - قبل غيره من الأديان- كان سيخسر الكثير، لو حاول أن يسعى إلى تحصين نفسه بالحقد والطائفية، والردود المتشنّجة التي تجاوز حدودها المعقولة والمسوّغة.
وإن الإنسان نفسه كان سيغدو الضحية، لو أن المجتمع الإسلامي خرج على التقاليد النبيلة المتألقة التي علّمه إياها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه ـ فيما عدا التاريخ الإسلامي ـ فإنه ليس ثمة في تاريخ البشرية، قديماً وحديثاً، مرحلة كتاريخ الإسلام احترم فيها فكر المخالفين وصينت عقائدهم، وحُميت حقوقهم، بل كانوا ـ على العكس تماماً ـ هدفاً للاستعباد والهوان والضياع، بل التصفية والإفناء.
لم يكن هدف الفتوحات الإسلامية جميعها، منذ عصر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - وحتى سقوط العثمانيين، فرض العقيدة الإسلامية بالقوة كما يتعمد البعض أن يصور أو يتصور.
إنما نشر السيادة والمنهج الإسلامي في العالم. إنها محاولة جادة لتسلم القيادة من الأرباب والطواغيت، وتحويلها إلى أناس يؤمنون بالله واليوم الآخر، ولا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً.

(2/407)


وتحت ظلال هذه القيادة، كان بمقدور الناس، وقد حُرّروا تماماً من أي ضغط أو تأثير مضاد أن ينتموا للعقيدة التي يشاؤون، ولما كانت عقيدة الإسلام هي الأرقى والأجدر والأكثر انسجاماً مع مطالب الإنسان بأي مقياس من المقاييس، كان من الطبيعي أن تنتشر بين الناس، وأن ينتمي إليها الأفراد والجماعات بالسرعة التي تبدو للوهلة الأولى أمراً محيراً، ولكن بالتوغل في الأمر يتبين مدى منطقية هذا الإقبال السريع الذي يختزل الحيثيات، انتماءً إلى الإسلام وتحققاً بعقيدته.. إنه الجذب الفعّال الذي تملكه هذه العقيدة، والاستجابة الحيوية لحاجات الإنسان في أشدها اعتدالاً وتوازناً وانسجاماً، تلك التي يحققها هذا الدين.
إن سير توماس أرنولد، وهو رجل من الغرب سبق وان أشرنا إليه، يتفرغ السنين الطوال لمتابعة هذه المسألة، ثم يعلنها في كتابه المعروف (الدعوة إلى الإسلام) بوضوح لا لبس فيه، واستناد علمي على الحقائق وحدها بعيداً عن التأويلات والتحزّبات والميول والأهواء. ونكتفي هنا ببعض الشهادات التي قدمها هذا الباحث كنماذج تؤكد البعد الإنساني للسلوكية التي اعتمدها الإسلام في الانتشار. يقول الرجل: "يمكننا أن نَحكُم من الصلات الودية التي قامت بين المسيحيين والمسلمين من العرب بأن القوة لم تكن عاملاً حاسماً في تحويل الناس إلى الإسلام. فمحمد نفسه عقد حلفاً مع بعض القبائل المسيحية، وأخذ على عاتقه حمايتهم ومنحهم الحرية في إقامة شعائرهم الدينية، كما أتاح لرجال الكنيسة أن ينعموا بحقوقهم ونفوذهم القديم في أمن وطمأنينة"(8). "إن الأخبار الخاصة بزوال المسيحية من بين القبائل العربية النصرانية التي كانت تعيش في بلاد العرب الشمالية، لا تزال بحاجة إلى شيء من التفصيل، والظاهر أنهم قد انتهوا إلى الامتزاج بالمجتمع الإسلامي الذي كان يحيط بهم عن طريق ما يسمونه الاندماج السلمي، والذي تم بطريقة لم يحسسها أحد منهم، ولو

(2/408)


أن المسلمين حاولوا إدخالهم في الإسلام بالقوة عندما انضووا بادئ الأمر تحت الحكم الإسلامي، لما كان من الممكن أن يعيش المسيحيون بين ظهرانيهم حتى عصر الخلفاء العباسيين"(9) ، "ومن هذه الأمثلة التي قدمناها عن ذلك التسامح الذي بسطه المسلمون الظافرون على العرب المسيحيين في القرن الأول من الهجرة، واستمر في الأجيال المتعاقبة، نستطيع أن نستخلص بحق أن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح"(10) ، "لما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن وعسكر أبو عبيدة في فحل، كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إلى العرب يقولون: (يا معشر العرب أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا. ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا) ، وأغلق أهل حمص مدينتهم دون جيوش هرقل، وأبلغوا المسلمين أن ولايتهم أحب إليهم من ظلم الإغريق وتعسفهم"(11) ، " أما ولايات الدولة البيزنطية التي سرعان ما استولى عليها المسلمون ببسالتهم، فقد وجدت أنها تتمتع بحالة من التسامح لم تعرفها طوال قرون كثيرة، بسبب ما شاع بينهم من الآراء اليعقوبية والنسطورية، فقد سُمح لهم أن يؤدّوا شعائر دينهم دون أن يتعرض لهم أحد، اللهم إلا إذا استثنينا بعض القيود التي فُرضت عليهم منعاً لإثارة أي احتكاك بين أتباع الديانات المتنافسة.

(2/409)


ويمكن الحكم على مدى هذا التسامح ـ الذي يلفت النظر في تاريخ القرن السابع ـ من هذه العهود التي أعطاها العرب لأهالي المدن التي استولوا عليها، وتعهدوا لهم بحماية أرواحهم وممتلكاتهم وإطلاق الحرية الدينية لهم في مقابل الإذعان ودفع الجزية(12) " وقد زار عمر الأماكن المقدسة يصحبه البطريق، وقيل: إنه بينما كانا في كنيسة القيامة- وقد حان وقت الصلاة- طلب البطريق إلى عمر أن يصلي هناك، ولكنه بعد أن فكر اعتذر وهو يقول: إنه إن فعل ذلك فإن أتباعه قد يدعون فيما بعد أنه محل لعبادة المسلمين"(13) " وكان المسيحيون يؤدون الجزية مع سائر أهل الذمة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين"(14) ، " ولما كان المسيحيون يعيشون في مجتمعاتهم آمنين على حياتهم وممتلكاتهم، ناعمين بمثل هذا التسامح الذي منحهم
حرية التفكير الديني، تمتعوا- وخاصة في المدن- بحالة من الرفاهية والرخاء في
الأيام الأولى من الخلافة"(15) ، " زار راهب دومنيكاني من فلورنسا ويدعى

(2/410)


(Ricoldos de Monre Crucis) بلاد الشرق حوالي نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر، وتحدث عن روح التسامح التي تمتع بها النساطرة إلى عصره في ظل الحكم الإسلامي فقال: "قرأت في التاريخ القديم وفي مؤلفات للعرب موثوق بها أن النساطرة أنفسهم كانوا أصدقاء لمحمد وحلفاء له، وأن محمداً نفسه قد أوصى خلفاءه أن يحرصوا على صداقتهم مع النساطرة، التي يرعاها العرب أنفسهم حتى ذلك اليوم بشيء من العناية"(16) ، وإذا نظرنا إلى التسامح الذي امتد على هذا النحو إلى رعايا المسلمين من المسيحيين في صدر الحكم الإسلامي، ظهر أن الفكرة التي شاعت بأن السيف كان العامل في تحويل الناس إلى الإسلام بعيدة عن التصديق"(17) ، "إننا لم نسمع عن أي محاولة مدبرة لإرغام الطوائف من غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن أي اضطهاد منظم قُصد منه استئصال الدين المسيحي. ولو اختار الخلفاء تنفيذ إحدى الخطتين لاكتسحوا المسيحية بتلك السهولة التي أقصى بها فرديناند وإيزابيلا دين الإسلام من أسبانيا، أو التي جعل بها لويس الرابع عشر المذهب البروتستانتي مذهباً يعاقب عليه متبعوه في فرنسا، أو بتلك السهولة التي ظل بها اليهود مبعدين عن إنجلترا مدة خمسين وثلاثمائة سنة. وكانت الكنائس الشرقية في آسيا قد انعزلت انعزالاً تاماً عن سائر العالم المسيحي الذي لم يوجد في جميع أنحائه أحد يقف في جانبهم بصفتهم طوائف خارجة عن الدين. ولهذا فإن مجرد بقاء الكنائس حتى الآن ليحمل في

(2/411)


طياته الدليل القوي على ما قامت عليه سياسة الحكومات الإسلامية بوجه عام من تسامح نحوهم"(18) ، " جلب الفتح الإسلامي إلى الأقباط في مصر حياة تقوم على الحرية الدينية التي لم ينعموا بها قبل ذلك بقرن من الزمان. وقد تركهم عمرو أحراراً على أن يدفعوا الجزية، وكفل لهم الحرية في إقامة شعائرهم الدينية، وخلصهم بذلك؛ من التدخل المستمر الذي عانوا من عبثه الثقيل في ظل الحكم الروماني.. وليس هناك شاهد من الشواهد يدل على أن ارتداد الأقباط عن دينهم ودخولهم في الإسلام على نطاق واسع كان راجعاً إلى اضطهاد أو ضغط يقوم على عدم التسامح من جانب حكامهم الحديثين. بل لقد تحول كثير من هؤلاء القبط
إلى الإسلام قبل أن يتم الفتح، حين كانت الإسكندرية حاضرة مصر وقتئذ لا تزال تقاوم الفاتحين، وسار كثير من القبط على نهج إخوانهم بعد ذلك بسنين قليلة"(19).
هذه لمحات عن منطقة محدودة فحسب هي العراق والشام، ومصر إلى حد ما، من العالم الذي امتد إليه الإسلام وتعامل معه، فهنالك بلاد فارس وأواسط آسيا، وإفريقية، وأسبانيا، وجنوبي أوروبا وشرقيها، والهند والصين، وجنوب آسيا، مما تحدث عنه أرنولد فأطال الحديث.
(1) ينظر المرجع نفسه للإطلاع على المزيد من الشواهد.
(2) حضارة العرب ، ترجمة عادل زعيتر ، ط3 ، دار إحياء الكتب العلمية ، القاهرة
ـ 1956 م ، ص 336.
(3) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ، ط5 ، مكتبة دار العروبة ، القاهرة ـ 1964 م ،
ص 29 ـ 30.
(4) المرجع نفسه ، ص 36 ـ 37.
(5) وهو الكتاب الرابع من دولة الإسلام في الأندلس ، ط2 ، مطبعة مصر ، القاهرة
ـ 1958 م.
(6) تاريخ العرب المطول ، ط4 ، دار الكشاف ، بيروت ـ 1965 م ، 1/ 301 ـ 302.
(7) المرجع نفسه 2 / 432 ـ 438 وينظر : ول ديورنت : قصة الحضارة ، ترجمة

(2/412)


محمد بدران وآخرين ، ط2 ، لجنة التأليف والترجمة والنشر ، القاهرة ـ 1964 ـ 1967 م، 13 / 131 ، وآرثر ستانلي تريتون : أهل الذمة في الإسلام ، ترجمة وتعليق د. حسن حبشي، ط2 ، دار المعارف ، القاهرة ـ 1967 م ، ص 170.
(8) الدعوة إلى الإسلام ، ص 65.
(9) المرجع نفسه ، ص 68.
(10) المرجع نفسه ، ص 69 ـ 70.
(11) المرجع نفسه ، ص 73.
(12) المرجع نفسه ، ص 74.
(13) المرجع نفسه ، ص 75.
(14) المرجع نفسه ، ص 79.
(15) المرجع نفسه ، ص 81.
(16) المرجع نفسه ، هامش 1 ، ص 81.
(17) المرجع نفسه ، ص 88.
(18) المرجع نفسه ، ص 98 ـ 99.
(19) المرجع نفسه ، ص 123 ـ 124.
ــــــــــــــــــ

لقطات تربوية من خيبر

حرب العقيدة :
(وأثابهم فتحا قريباً) : لم يكن بين الحديبية والمسير إلى خيبر إلا عشرون ليلة ، وبعد أن تمت الهدنة بين المسلمين وقريش ، وأمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جانبها ، كان لا بد من التوجه نحو خيبر ، فقد تجمع اليهود هناك وقد عبأوا أنفسهم للمواجهة .
وإذا صح زعمهم أن لديهم عشرة آلاف مقاتل منهم ومن حلفائهم ، فهذا يعني أن الخطر جاثم على المدينة في كل لحظة ، والمسافة بين خيبر والمدينة هي نصف المسافة أو أقل بين المدينة ومكة ، والتخطيط العسكري العظيم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفتح جبهتين في وقت واحد ، وما مضى لخيبر إلا بعد هدنة أهل مكة وبذلك ضمن إلا يأتوه من ظهره ، وهم الذين وصفهم القرآن بأنهم أشد عداوة للذين آمنوا ، ووصف القرآن كيدهم وحقدهم.

(2/413)


والجديد في أمر خيبر وما يختلف عن الحرب السابقة ، هي حصونهم وقلاعهم التي أقاموا بها ، فمحاولة الهجوم عليهم تتطلب جهداً ضخماً وتعبئة مناسبة ومؤونة كافية للجيش لفترة طويلة ، والمسلمون لا يملكون هذه الطاقات في مقابل اليهود الذي قيل عنهم : (وهم أهل الحصون التي لا ترام ، وسلاح وطعام كثير ، ولو حصروا لسنين لكفاهم ، وماء متوفر يشربونه في حصونهم ، وما أرى لأحد بهم من طاقة).
والمسلمون لم يسبق لهم من قبل خبرة في قتال أهل الحصون إلا ما كان من بني قريظة يوم حربهم ، ولئن كان المنافقون قبل الحديبية والمخلفون من الأعراب ظنوا (أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً وزين ذلك في قلوبكم) ، فهم أولى في هذا المسير أن يقولوا ذلك ، غير أن السمعة الدعائية الضخمة للحديبية والنصر المؤزر فيها قد فشى في الأرض العربية ، فأصبح المخلفون من الأعراب يحرصون على المسير مع الجيش ، بعد أن وعد الجيش بالمغانم الكثيرة ، وهم الآن يصدقون موعود الله تعالى لهم بذلك ، وكانت الدعاية اليهودية تأخذ كذلك مجراها وأثرها وكانوا لا يتوانون عن عرض العضلات أمام القبائل العربية المجاورة ، ( وكان يهود خيبر لا يظنون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغزوهم لمنعتهم وحصونهم وسلاحهم وعددهم : كانوا يخرجون كل يوم عشرة آلاف مقاتل صفوفاً ثم يقولون : محمد يغزونا ؟ ! هيهات هيهات : وكان من كان بالمدينة من اليهود يقولون حين تجهز الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر : ما أمنع والله خيبر منكم ! لو رأيتم خيبر وحصونها ، ورجالها لرجعتم قبل أن تصلوا إليهم ، حصون شامخات في ذرى الجبال والماء فيها واتن ، إن بخيبر لألف دارع ، ما كانت أسد وغطفان يمتنعون من العرب قاطبة إلا بهم فأنتم تطيقون خيبر؟! فيقول أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - : قد وعد الله نبيه أن يغنمه إياها).

(2/414)


q وكان العرب جميعاً يترقبون بحذر نتائج هذا المسير ، حتى ليتراهن القرشيون على نصر أي من الفريقين ، وكان على رأس المراهنين حويطب بن عبد العزى الذي كان عضو الوفد المفاوض عن قريش في الحديبية يقول : ( انصرفت من صلح الحديبية. وأنا مستيقن أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - سيظهر على الخلق ، وتأبى حمية الشيطان إلا لزوم ديني ، فقدم علينا عباس بن مرداس السلمي ، يخبرنا أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - قد سار إلى خيبر ، وأن خيبر قد جمعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فمحمد لا يفلت ، إلى أن قال عباس بن مرداس : من شاء بايعته أن محمداً لا يفلت. قلت : أنا أخاطرك ، فقال صفوان بن أمية : أنا معك يا عباس ، وقال نوفل بن معاوية الديلمي : أنا معك يا عباس ، وضوى إلي نفر من قريش ، فتخاطرنا مائة بعير أخماساً إلى مائة بعير ، أقول أنا وحزبي : يظهر محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ويقول عباس وحزبه : تظهر غطفان ، وجاء الخبر بظهور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ حويطب وحزبه الرهن).
في هذه الأجواء المعبأة تحرك الجيش الإسلامي يرعاه الله ورسوله ، وهم نفسهم أهل الحديبية ، خيرة أهل الأرض ، وهم لا يشبعون التمر ، ولا يجدون ما يأكلون.
q وكانت الظاهرة الأولى من ظواهر النصر أن الاستعراضات العسكرية التي سبقت مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - قد انقطعت يوم وصوله إلى خيبر. ( فلما نزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بساحتهم لم يتحركوا تلك الليلة ، ولم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس فأصبحوا وأفئدتهم تخفق ، وفتحوا حصونهم غادين معهم المساحي والكرازين والمكاتل ، فلما نظروا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولوا هاربين إلى حصونهم).

(2/415)


وفي رواية : (فلما رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا : محمد والخميس، فأدبروا هرباً ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (الله أكبر خربت خيبر ، إنا إذ نزلنا بمساحة قوم فساء صباح المنذرين).
ورؤية اليهود للجيش الإسلامي ، قذفت الرعب في قلوبهم وأعداد مقاتليهم أضعاف المقاتلين المسلمين وولوا هاربين ، فكانت هذه الظاهرة الثانية ، هي البشري التي أعلنها الرسول عليه الصلاة والسلام ، (الله أكبر ، خربت خيبر) ، وساء صباح المنذرين حين نزل بساحتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
q ولأن الحرب حرب عقيدة ، وحرب توحيد وشرك ، فكان الأدب النبوي في الحرب : أن لا يغير عليه الصلاة والسلام حتى يصبح ، فإذا سمع أذاناً أمسك ، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم حتى يصبح ، والأذان هو الميزان الفاصل بين الإيمان والكفر.
وعلى ضوئه تقوم الحروب ، ومن أجله تتم المواجهة ، ومهمة القتال في الإسلام ليست الغلبة ، وليست كسر شوكة العدو بهدف كسر شوكته فقط ، فقد جلاها لنا علي رضي الله عنه عندما استلم الراية بأجلى بيان ، حين سأل قائده عن الهدف من قتاله ، ( فقال علي : يا رسول الله ، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال : ( انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى وحق رسوله ، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم).
وفي رواية : (اذهب فقاتلهم حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت) ، قال : علام أقاتل الناس ؟ ، قال : (قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى).
وتبقى الهداية هي الهدف الأسمى والأعلى من المعركة ، وهداية رجل واحد خير من حمر النعم للذي كتب الله الهداية على يديه ، ومضى علي رضي الله عنه ، وقد توضح له وللأمة من بعده علام يقاتل الناس.

(2/416)


تربية المجاهدين :
وحين يكون القتال منطلقاً من شهوة القتال ، بعيداً عن الهدف ، فسيكون وبالاً على صاحبه ، وما أحوج أبناء الدعوة والحركة أن يفقهوا هذه المعاني ، وأن يفقهوا أن حمل السلاح وإلقاءه ، ليس اندفاعاً ذاتياً ، ليس حمله تهوراً وشجاعة فائقة ، وليس إلقاؤه جبناً أو ضعفاً أو تخاذلاً. إن حمل السلاح وإلقاءه مهمة شرعية تنفذ بقرار الأمير بالقناعة الشخصية : ( وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين انتهى إلى حصن ناعم وصف أصحابه نهى عن القتال حتى يأذن لهم ، فعمد رجل من أشجع فحمل على يهودي ، وحمل عليه مرحب فقتله ، فقال الناس : يا رسول الله استشهد فلان ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أبعد ما نهيت عن القتال ؟) فقالوا : نعم. فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منادياً ينادي : (لا تحل الجنة لعاص). ثم أذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في القتال وحث عليه).
فهذا قاتل في ظاهر الأمر وقتله اليهودي ، ولكنه قاتل بعد النهي عن القتال فحرمت الجنة عليه وهو مسلم عريق في الإسلام.
إن التزام أمر القائد المسلم دين يلقى الله تعالى الجندي المسلم عليه : (من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن عصى الأمير فقد عصاني).

(2/417)


q والتزام الأمر في كل شيء وليس في القتال فقط أو الكف عنه : وروى الحارث بن أبي أسامة عن أبي أمامة والبيهقي عن ثوبان رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في غزوة خيبر : (من كان مضعفاً [ أي : كان جمله ضعيفاً ] أو مصعباً [ أي : من كان جمله صغيراً لم يدرب بعد ] فليرجع) وأمر بلالاً فنادى بذلك ، فرجع الناس وفي القوم رجل على صعب فمر الناس وفي القوم رجل على صعب فمر من الليل على سواد فنفر به فصرعه ، فلما جاؤوا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (ما شأن صاحبكم ؟) ، فأخبروه فقال : ( يا بلال ما كنت أذنت في الناس من كان مضعفاً أو مصعباً فليرجع) ، قال : نعم ، فأبى أن يصلى عليه. زاد البيهقي : وأمر بلالاً فنادى في الناس : (الجنة لا تحل لعاص) ثلاثاً.
فالأمر يطاع في الكف عن القتال أو في استعمال آلته. أو في الإذن فيه ، أو في مواجهة العدو ، وأي مخالفة شخصية هي معصية قد تحول بين الجنة وبين المجاهد.
واستجاب المسلمون لنداء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رغم ما بهم من الجوع والفاقة ، فهم لا يجدون ما يأكلونه ، وعليهم أن يمضوا لحرب ضروس ، لا يعلم إلا الله مداها ، وهم ماضون إلى موعود الله في أن يعطيهم غنائم خيبر ، لكن متى ؟ وكيف ؟ فعلمها عند الله.
q وها هم يحاصرون ، ويشتد جوعهم ، ويشتد تعبهم وإرهاقهم حتى ليضطروا إلى إعلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وكان الإعلام من أسلم ، وأسلم على الجيش الإسلامي ، وما يملك لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا الدعاء : ( والله ما بيدي ما أقويهم به ، قد علمت حالهم وأنهم ليست لهم قوة) ثم قال : ( اللهم افتح عليهم أعظم حصن فيها ، أكثرها طعاماً ، وأكثرها ودكاً).

(2/418)


وكانت المحاولة الأولى على الطريق في جمع الأزواد : قال سويد بن النعمان رضي الله عنه : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما وصل الصهباء – وهي أدنى خيبر – صلى العصر ، ثم دعا بالأزواد ، فلم يؤت إلا بالسويق [ أي : القمح والشعير يغلى ثم يطحن ]. فأمر به فثري ، فأكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكلنا معه ، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ثم صلى ولم يتوضأ. البخاري.
وحين ابتدأوا القتال لم يكن لديهم ما يأكلونه : ( وكان الناس قد أقاموا أياماً يقاتلون ليس عندهم طعاماً إلا العلق) [ والعلق: القليل من الشيء ، أو ما يتعلل به قبل الغداء].
وكانت المحاولة الأولى قبل الفتح لإطعام الجيش بتوجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أقبلت غنم لرجل من يهود ترتع وراء حصنهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (من رجل يطعمنا من هذه الغنم) ، فخرجت أعدو مثل الظليم ، فلما نظر إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مولياً قال : (اللهم متعنا به) ، فأدركت الغنم ، وقد دخل أولها الحصن فأخذت شاتين من آخرها فاحتضنتهما تحت يدي ثم أقبلت أعدو كأن ليس معي شيء حتى انتهيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر بهما فذبحا ، ثم قسمهما ، فما بقى أحد في المعسكر الذين معه محاصرين الحصن إلا أكل منهما ، فقيل لأبي اليسر : كم كانوا ؟ قال: كانوا عدداً كبيراً).
كانت هذه المعجزة الأولى في الطعام ، ليتقوى القوم على الجهاد والقتال ، وكانت أسلم على رأس المقاتلين ، (وكانوا أول من انتهى إلى حصن الصعب بن معاذ ، فما غابت الشمس منذ ذلك اليوم حتى فتح الله تعالى ، وما بخيبر حصن أكثر طعاماً ودكاً منه. ونادى منادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كلوا واعلفوا ولا تحملوا ، يقول : لا تخرجوا من بلادكم).

(2/419)


وحين قدموا على الأكل تناولوا التمر وهو أخضر ، فأهمدتهم الحمى ، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( قرسوا الماء في الشنان ، فإذا كان بين الأذانين فأحدروا الماء عليكم حدراً واذكروا اسم الله تعالى) ففعلوا فكأنما نشطوا من عقال). وكانت هذه المعجزة الثالثة بعد الفتح .
q ثم تتالت الحصون تفتح ، والخيرات تغمر المقاتلين ، واشتاقوا إلى اللحم بعد التمر ، وكان أن وجدوا في بعض الحصون حميراً ، فاختاروا عشرين منها ، ونحروها ، وسلخوها ، ووضعوها في القدور ، وأوقدوا تحتها النار ، وراحت القدور تغلي ، وبطونهم تغلي معها من الجوع ، وحين نضج اللحم وأصبح جاهزاً للأكل ، جاء الامتحان الرباني على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( فأمر أبا طلحة فنادى : (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر).
وقال أبو ثعلبة رضي الله عنه : غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر ، والناس جياع فأصبنا بها حمراً إنسية فذبحناها، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر عبد الرحمن بن عوف فنادى في الناس : ( إن لحوم الحمر لا تحل لمن يشهد أني رسول الله) الإمام أحمد والشيخان.
ولم يأت الأمر قبل النحر أو قبل الذبح أو قبل السلخ أو قبل الطهي ، إنما جاء الأمر الرباني بعد كل هذه الأمور في أعسر امتحان للنفس البشرية،والقدور تفور باللحم ، ونفذوا الأمر بدون تردد.
ولعل هذا الامتحان كان ضرورياً لكشف من بقي في الصف منافقاً خالصاً ، وثبت نقاء الصف من هذه النماذج.
إنها تجربة عسيرة لا يحس بها إلا من يعاني أمثالها، وقد اتجه الجميع إلى الطعام ، ولا يعي أحد على أحد ، فكيف تكفأ قدور اللحم،ولم يتناول مسلم ولو نهشة واحدة ، ولكنه التنفيذ كاملاً من الجميع.

(2/420)


q وإذا كانت عاطفة الجزع قوية ، فشهوة الفرج لا تقل قوة عن شهوة البطن ، وكما صدر الأمر النبوي بالامتناع عن أكل لحوم الحمر الأهلية ، صدر الأمر النبوي كذلك، والمسلمون في جوع جنسي كبير بعد غياب عن أهلهم تجاوز الشهر واقترب من الشهرين ، وها هي النساء بين أيديهن من السبايا.
وكان نكاح المتعة حلالاً. وما أن جاءوا ليمارسوا الشهوة بعد هذا الغياب الطويل ، إلا وجاء تحريم المتعة ، وجاء النهي عن أن يسقي أحد زرع غيره ، فكانت المحنة أشد وأقسى ، وكان الالتزام كاملاً كذلك.
إنه جيل الحديبية ، خير أهل الأرض ، وإنه الثمرة العظيمة للتربية القرآنية المتتالية والتربية النبوية العظيمة.
وخيبر كلها وحصار حصونها تربية ، وغلي القدور باللحم وتحريمه والأمر بإهراقه تربية، والنهي عن نكاح المتعة تربية، والنهي عن إتيان الحبالى من النساء تربية ، والجوع والفاقة تربية ، وليس هذا كله قتال أو نزال ، إنما هو لجم لهذه النفس أن تمضي مع أهوائها وأن تتحمل مشاق الجهاد وتكاليفه ، والصبر على الجوع والعطش والجنس من أجل هدف أعلى وأرقى هو مرضاة الله سبحانه ، وطاعته فيما أمر ونهى.
مجلة المنار ، العدد 65 ، ذي الحجة 1423هـ.
ــــــــــــــــــ

الوعد من خيبر إلى القدس

مقدمة
بين غزوة خيبر وسقوط القدس
الوعد من خيبر إلى القدس
قتال اليهود شرف لا يحوزه أي شخص
النصر على اليهود وعد إلهي لا يخلف
قتال اليهود يجلب الانتعاش الاقتصادي
قتال اليهود يدعم قدرات الأمة العسكرية
قتال اليهود يجلب النصر على باقي الأعداء
لا عبرة بعدد اليهود وعدتهم
قتال اليهود يتطلب استنفار كافة طاقات
قتل اليهود سنة مؤكدة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
القتال مع اليهود يفتح باباً للشهادة
قتال اليهود يتطلب تجرداً وترفعاً عن زخارف الدنيا
قتال اليهود يتطلب رجالاً أشداء
التعذيب لا يكون إلا لليهود
لا تفاوض مع اليهود إلا من منطلق القوة

(2/421)


اليهود خدم وعبيد لنا وأرضهم للمسلمين
ثأرنا من اليهود لا يمكن أن يمحى مع مرور الزمان
المراجع
مقدمة
بين غزوة خيبر وسقوط القدس
( صفر 7 هـ - صفر 1387 هـ )
( حزيران 628م - حزيران 1967م )
قبل أن تشرع في قراءة مضمون هذا الكتيب قف أخي القارئ قليلاً مع العنوان وتأمل جيداً تلك التواريخ التي وضعناها أسفل منه . . . إنها ليست من نسج الخيال ولكنها حقيقة أثبتناها بعد تحرٍّ من مصادر عديدة موثوقة وخرجنا بعدها بهذا الاكتشاف المذهل والذي تتطابق فيه بشكل عجيب ذكرى غزوة خيبر مع ذكرى سقوط القدس، ولاشك أن ذلك يزيدنا مضاضة وألماً وحسرة ويزداد معه جرحنا رعفاً وتزداد قلوبنا أسى وحزناً . . فكيف يعقل أن يجتمع مثل هذين النقيضين معاً لأمة، الجهاد في سبيل الله ذروة سنام دينها ؟ ؟
إننا نستصرخ هذه الأمة أن تقف طويلاً مع هذه الغزوة علّها تعيد كتابة التاريخ من جديد كما ينبغي له أن يكون، فغزوة خيبر التي جرت أحداثها في شهر صفر من السنة السابعة للهجرة1 ( ويوافق أيضاً شهر يونيو حزيران عام 628م ) [ ذكر ذلك المقريزي في إمتاع الأسماع أما ابن إسحاق فقد ذكر أن خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة تجاه خيبر كان في أواخر المحرم أي أن جل وقائع وأحداث الغزوة التي استمرت قرابة الشهر حصل في صفر ] . لربما كانت الأقل حظاً من بين وقائع السيرة النبوية تداولاً وتناولاً بيننا فلا نكاد نجد لها حضوراً في وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة أو المقروءة ولا في المناهج الدراسية . . وبالكاد يتعرض لها الخطباء على المنابر . . ! !

(2/422)


وإنه لمحزن ومؤلم حقاً أن نغفل عن سلاح ماض بين أيدينا في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لحجر نقاتل به يهود . . وكيف لنا أن ننتصر عليهم وهم أشد حرصاً منَّا على استقراء سيرة نبينا - صلى الله عليه وسلم - واستخلاص ما يزيدهم بغضاً وحقداً عليه وعلى دينه وأتباعه وغرس ذلك في نفوس أبنائهم على مر الزمان . . ليس أدل على ذلك من قولة موشي دايان وزير دفاعهم في باحة الأقصى : " هذا يوم بيوم خيبر " ، وهتافه بكل حقد : " لقد وصلنا أورشليم وما زال أمامنا يثرب وأملاك قومنا فيها " ، أما غولدا مائير - رئيسة وزراء الكيان الصهيوني في ذلك الوقت - فقد قالت : " إنني أشم نسيم يثرب وخيبر " . قالوها في ذلك اليوم الحزين الذي خيّم فيه ليل ثقيل على قدسنا التي تدنست فيه - ولا تزال - بأقذر خلق الله . . يعيثون فيها فساداً وإفساداً . .
والملفت للأنظار حقاً أنهم اختاروا ذكرى غزوة خيبر قبل ثلاثة وثلاثين عاماً لدخول الأقصى وذلك في صفر 1387هـ الموافق يونيو حزيران عام 1967م . . ذلك اليوم الذي تقيأ فيه اليهود أحقادهم صائحين : " محمد مات مات خلّف بنات . . حطّوا المشمش عالتفاح دين محمد ولّى وراح " ولأنهم يعرفون خيبر جيداً فقد رددوا : " يا لثارات خيبر " . .
ولولا فتية آمنوا بربهم جاءوا بعد ذلك الزمن الرديء تحدّوا أحفاد حيي بن أخطب وابن أبي الحقيق وتصدوا لهم بهتاف : " خيبر خيبر يا يهود . . جيش محمد سوف يعود " لقلنا إن الأمة مقطوعة مبتوتة عن معين الخير ولكننا سنبقى تلاميذ في مدرسة الفئة الظاهرة على الحق المتصلة عبر الزمان مع المعلم الأول والقائد القدوة - صلى الله عليه وسلم - .
مخلص برزق - صنعاء
الجمعة 29 صفر 1421هـ2 يونيو ( حزيران ) 2000م
الوعد من خيبر إلى القدس

(2/423)


لم تكن غزوة خيبر كأي غزوة أخرى خاضها نبي الملحمة - صلى الله عليه وسلم - فقد كانت معركة شرسة وحاسمة، كما أن نتائجها المصيرية امتدت آثارها على مدى القرون السابقة من الزمان، وعلى الرغم من أنه لم يكن هناك - من وجهة النظر العسكرية المادية المجردة - أي عامل مادي يتفوق به الجيش الإسلامي على اليهود في تلك المعركة إلا أن جميع تلك العوامل لم تحل دون انتصار المسلمين انتصاراً مؤزراً مبيناً قضى على الوجود اليهودي قضاءً مبرماً .
ومن خلال استعراض الكيفية التي تم فيها تحقيق الوعد الأول بانتصار هذه الأمة على يهود سوف تقطع أمتنا شوطاً كبيراً في طريقها لتحقيق الوعد الآخر من خلال استشراف العبر والدروس من بعض أحداث غزوة خيبر ولتتضح لنا معالم المعركة، بل معالم أي معركة تدور بيننا وبين اليهود . وهو ما سنعرض له خلال النقاط التالية :
قتال اليهود شرف لا يحوزه أي شخص
لما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخروج إلى خيبر بعث منادياً فنادى : " لا يخرجن معنا إلا راغب في الجهاد " فلم يخرج معه إلا أصحاب الشجرة وهم ألف وأربعمائة وتخلف من تخلف عن الحديبية كما أخبر الله تعالى { سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل } [ الفتح : 15 ] .

(2/424)


وفي تلك الغزوة أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - يُشوِّق أصحابه ويمنّيهم لنيل شرف حمل الراية ضد اليهود بقوله ليلة دخوله خيبر : " لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وفي رواية يفتح الله على يديه ليس بفرار " ، فلما أصبح غدوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم يرجو أن يعطاها . . فأعطاها لعلي رضي الله عنه . وفي رواية مسلم أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال : " ما أحببت الإمارة إلا يومئذ " ،قال : " فتساورت [ أي تطلعت لها ] . لها رجاء أن أدعى لها ، فدعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب فأعطاه إياها " .
ومما يدل على حرص الصحابة - رضي الله عنهم - على نيل شرف مقاتلة اليهود ما فعله جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه- ومن معه من مهاجري الحبشة، إذ أنهم لمَّا قدموا المدينة لم يجدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلحقوه إلى خيبر التي تبعد ستين أو ثمانين ميلاً شمال المدينة بغية المشاركة في شرف الجهاد ضد اليهود، ولكنه كان قد فرغ من القتال، ولذلك فقد أشركهم في الغنائم وأسهم لهم منها . .
وهو نفس ما حصل مع أبي هريرة - رضي الله عنه - إذ أنه قدم المدينة مسلماً فلم يجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها فتزود من فوره للمسير إلى خيبر لقتال اليهود ولكن المعارك كانت قد انتهت فأشركه النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضاً في الغنائم .

(2/425)


والسيرة حافلة بمثل تلك المواقف فقبل غزوة خيبر كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كلف محمد بن مسلمة ونفراً من الأوس بقتل اليهودي كعب بن الأشرف فلما رجعوا برأسه، قالت الخزرج : " والله لا تذهبون بهذه فضلاً علينا أبداً " ؛ فتذاكروا من رجل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العداوة كابن الأشرف ؟ فذكروا اليهودي سلاَّم بن أبي الحقيق، وهو بخيبر، فاستأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتله فأذن لهم . فخرج إليه من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر منهم عبد الله بن عتيك وعبد الله بن أنيس وغيرهم فقتلوه في حصنه وعادوا وقد دبَّ الرعب في يهود . فإذا كان الناس قد زهدوا بهذا الشرف هذه الأيام فإن ذلك يزيد المجاهدين على أرض فلسطين قدراً ورفعة وسُموّاً حتى وإن وُصِفُوا بالإرهابيين والمتطرفين .
وهل أعظم من أن الذي يسقط شهيداً وهو يقاتل اليهود ينال أجر شهيدين كما روى أبو يعلى عن قيس بن شماس عن أبيه عن جده قال : استشهد شاب من الأنصار يوم قريظة يقال له خلاد فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أما إن له أجر شهيدين " ، قالوا : لم يارسول الله ؟ قال : " لأن أهل الكتاب قتلوه " . وكذلك قال عن عامر بن الأكوع الذي استشهد في خيبر . .
النصر على اليهود وعد إلهي لا يخلف
في كتابه القيِّم " حقائق قرآنية حول القضية الفلسطينية " يتبنى الدكتور صلاح الخالدي تفسيراً حديثاً لحقيقة الوعد الأول والوعد الآخر والإفسادين المقترنين بالعلو الكبير لبني إسرائيل في هذين الوعدين . . فيسوق الدلائل والبراهين على أن الإفساد الأول لليهود كان في المدينة وما حولها من خيبر وفدك وتيماء ويصفه بأنه " كان فساداً عقيدياً، فكانوا يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الجنة مقصورة عليهم، وأن عزيراً ابن الله، وغير ذلك .

(2/426)


كان فسادهم أخلاقياً، فكانوا يعملون على إفساد أخلاق العرب من حولهم، وكان فسادهم اجتماعياً، حيث عملوا على تفكيك وإضعاف صلات العرب الاجتماعية .
وكان فسادهم علمياً، حيث روجوا لإسرائيلياتهم، ونشروها بين العرب، وهي لا تعدو كونها خرافات وأساطير .
وكان فسادهم سياسياً، حيث أفسدوا حياة القبائل العربية السياسية - إذا صح التعبير- ونشروا بينهم الخلاف والنزاع والفرقة، وحرصوا على ربط هذه القبائل بهم في صورة أحلاف، حيث كانت كل قبيلة عربية متحالفة ومرتبطة بقبيلة يهودية .
لقد أفسد اليهود كل مظاهر ومرافق ومجالات الحياة العربية، في منطقة المدينة قبل الإسلام، وتحكموا في المال والاقتصاد عند العرب، ويكفي أن نعلم أن سوق الذهب في المدينة كان بيد اليهود، وأن " السوق الكبير " للتجارة والبيع والشراء كان بيدهم، وأن " المال " كان بيدهم، وأنهم أرهقوا العرب بالقروض الربوية الباهظة [ حقائق قرآنية حول القضية الفلسطينية ص 162 ]
أما إفسادهم في المدينة بعد البعثة فكان أبرز سماته تكذيبهم لبعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - ونبوته ومعاداتهم له وخوضهم الحروب وتحزيبهم الأحزاب ضده مع علمهم بأنه النبي الحق الذي يجدونه مكتوباً عندهم في كتبهم ويعرفون صفاته أكثر من أبنائهم، بل إن عداوتهم له كانت منذ ليلة مولده وقبل بعثته وقبل هجرته وبعدها . . وقد قام النبي - صلى الله عليه وسلم - هو والصحابة الكرام- رضي الله عنهم - بإزالة ذلك الإفساد وقطع دابره عبر عدة مراحل " احتلوا فيها ديار اليهود، داسوها بأقدامهم، وحطموا كيان اليهود عليها، ثم دخلوها وجاسوا خلالها، وتغلغلوا فيها . . [ المرجع السابق ص 169 ] "

(2/427)


وعلى ذلك فيمكن التأريخ لبداية تنفيذ الوعد الأول بغزوة قينقاع ( شوال 2هـ ) ولنهايته بغزوة خيبر ( صفر 7هـ ) . . والتي احتوت بدورها على وعد إلهي بالنصر على اليهود ضمن الوعد العام { وكان وعداً مفعولا } [ سورة الإسراء : الآية 5 ] ، فقد قال المفسرون : إن خيبر كانت وعداً وعدها الله تعالى بقوله { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } [ سورة الفتح : الآية 20 ] .
كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بشَّر الصحابي محمد بن مسلمة -رضي الله عنه - في بداية الغزوة بقوله : " أبشر يا محمد بن مسلمة ! غداً إن شاء الله تعالى يُقتلُ قاتل أخيك، وتُولِّي عَادِيةُ [ العادية : أول من يعدو إلى القتال من الرجَّالة والفرسان ] يهود " .
وقد تحقق ذلك الوعد - وعد خيبر - ليتحقق به الوعد الأول ويتم من خلاله إنهاء الوجود اليهودي في جزيرة العرب والتخلص من مكائدهم ومؤامراتهم ودسائسهم، وطوال أربعة عشر قرناً من الزمان لم يرتفع لهم بعدها علم، ولم تخفق لهم راية، حتى كانت معركة الخامس من حزيران عام 1967م التي سقطت فيها القدس وبسط فيها اليهود سيطرتهم على كامل التراب الفلسطيني الطاهر والجولان وسيناء خلال ستة أيام . . ومع أنهم يحاولون إقناع أنفسهم بأنهم حصلوا على " أرض الميعاد " وأن القدس التي يسيطرون عليها حالياً ستكون عاصمتهم " الأبدية " فإن ذلك لا يغير أبداً من حقيقة أنهم لن يحتملوا في صراعهم معنا لهزيمة واحدة ( كهزيمتهم في خيبر ) وستكون نتيجتها إنهاء وجودهم كلياً من هذا الوجود وهو ما نوقن به ويخشاه كثير منهم

(2/428)


إن المقولات التي تتردد في زماننا هذا عن قوة اليهود واستحالة مواجهتهم ومجابهتهم وحتمية السلام معهم إنما هو قول متهافت تكذبه وقائع التاريخ وتردُّه آيات الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ففي الصراع مع اليهود بالذات وكما ذكرنا سابقاً، بَيَّن الله تعالى نتيجة المعركة معهم مسبقاً وربط ذلك بوعد منه . . ولا يخلف الله الميعاد . .
فكما تحقق ذلك الوعد الأول الذي تم إنجازه تماماً في غزوة خيبر فلابد أن يتحقق الوعد الآخر في صراعنا معهم على المسجد الأقصى { فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما د خلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا } [ سورة الإسراء : الآية 7 ]
قتال اليهود يجلب الانتعاش الاقتصادي

(2/429)


لئن كانت دولنا الإسلامية تتحجج بالتكاليف الباهظة للحرب مع اليهود وتأثيرها السيئ على الاقتصاد - الذي تدهور أصلاً بسبب وجود تلك الفئة الخبيثة في قلب الأمة الإسلامية - فالواقع أن قتل اليهود وقتالهم كفيل بإنعاش الاقتصاد وجلب الرخاء على المنطقة بأسرها كما حصل مع المسلمين في خيبر . . فالجيش الإسلامي كان يعاني من مجاعة شديدة ونقص في العدة والعتاد حتى أنهم اضطروا إلى طبخ حُمُر أهلية سلبوها من اليهود، ولولا نزول تحريمها في تلك الساعة لأكلوها . . لذلك فقد اشتكى نفر منهم فقالوا : " لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء " فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه قائلاً : " اللهم قد عرفت حالهم وأنْ ليست بهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها [ كانت خيبر منقسمة إلى شطرين، شطر فيها خمسة حصون هي : حصن ناعم وحصن الصعب بن معاذ وحصن قلعة الزبير وتقع هذه الحصون الثلاثة في منطقة يقال لها النطاة، وحصن أبي مع حصن النَّزار ويقعان في منطقة تسمى بالشق . أما الشطر الثاني - ويعرف بالكتيبة - ففيه ثلاثة حصون فقط هي : حصن القموص وحصن الوطيح وحصن السلالم . وكان في خيبر حصون وقلاع غير هذه الثمانية إلا أنها كانت صغيرة لاتبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها - الرحيق المختوم ص 354 - 355 ] عنهم غناء وأكثرها طعاماً وَوَدَكاً [ الودك : دسم اللحم ] " ، فغدا الناس، ففتح الله عز وجل حصن الصعب بن معاذ . . وما بخيبر حصن كان أكثر طعاماً وودكاً منه . .
وعن ذلك يروي البخاري عن ابن عمر قوله : " ما شبعنا حتى فتحنا خيبر " ، وما رواه عن عائشة رضي الله عنها قولها : " لما فتحت خيبر قلنا : الآن نشبع من التمر " ، ولما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي منحوهم إياها من النخيل حين صار لهم بخيبر مال ونخيل .

(2/430)


وأيامنا هذه تشهد على ذلك فجهاد الشعب الفلسطيني الذي تجسد في الانتفاضة المباركة أثمر عن انتعاش كبير للأوضاع الاقتصادية في المناطق المحتلة إبان الانتفاضة أشار إليها صاحب كتاب الانتفاضة المباركة - وقائع وأبعاد- بقوله : " أثمرت الانتفاضة المباركة عن توحيد الشعب الفلسطيني، وطمس المسميات المصطنعة التي حاول البعض من خلالها تفريق الشعب إلى فئات : " ضفة " ، " قطاع " ، " عرب 48 " . وتجسدت هذه الوحدة في تضامن جميع المدن والقرى مع بعضها البعض . كما أبرزت أخلاقاً وقيماً رائعةً غابت كثيراً عن مجتمعاتنا، ولكن الانتفاضة أبرزتها على أرض الواقع مثل : الإيثار، التعاون، الشهامة، البطولة، وغيرها، حيث تناقلت وسائل الإعلام قصصاً ووقائع تجسد المعاني المذكورة .
نذكر على سبيل المثال منها مسارعة سكان فلسطين المحتلة عام 1948م إلى نجدة إخوانهم في الضفة والقطاع بشاحنات محملة بمعدات الإغاثة والمواد التموينية .
كما هب أهل القرى بنجدة المناطق المحاصرة كمخيم بلاطة ومخيمات جباليا والشاطئ والنصيرات وغيرها . وضرب الناس أمثلة رائعة في التكافل، حيث بادر أصحاب المتاجر إلى فتحها أو نقلها لبيوتهم ودعوة كل صاحب حاجة لأخذ حاجته دون مقابل . وأعفى أصحاب البيوت المؤجرة ساكنيها من الأجرة، وقام الحرفيون بتعويض متاجر المتضررين بالأقفال والأبواب وغيرها [ الانتفاضة المباركة - ص 405 ] " .
ولم يقتصر ذلك على أهل فلسطين بل اتسعت الدائرة لتشمل العالم العربي والإسلامي فهبت الشعوب لدعم تلك الانتفاضة ونشطت الجمعيات الخيرية في أرجاء المعمورة وأفتى العلماء بفضل التصدق وإنفاق المال لنصرة أهل فلسطين في انتفاضتهم وبجواز إخراج الزكاة في هذا الوجه، وانهالت التبرعات للمجاهدين ولأسر الشهداء والمعتقلين والمطاردين، ولسائر المشاريع الخيرية على أرض فلسطين كما لم يحدث ذلك من قبل . . كل ذلك ببركة الجهاد في سبيل الله ضد أحفاد القردة والخنازير

(2/431)


قتال اليهود يدعم قدرات الأمة العسكرية
لأن اليهود جبلوا على حب إشعال الفتن والحروب كما قال الله عنهم " كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين [ سورة المائدة : الآية 64 ] " ، فإنهم لذلك الأمر يتميزون بمهارتهم في صنع السلاح وتطويره وابتكار أنوع جديدة منه،كما أنهم لجبنهم لا يقاتلون إلا في حصون مملوءة بالسلاح والعتاد . . دون أن يغني ذلك عنهم شيئاً . . ! !
وفي أحداث خيبر دليل واضح على أن قتال اليهود يفتح آفاقاً واسعة لتطوير القدرات العسكرية للمسلمين وإمدادهم بأسلحة متطورة لم تكن لديهم، وهي كفيلة بتحسين أساليبهم الهجومية وإمكاناتهم القتالية . .
فخلال حصار النبي - صلى الله عليه وسلم - لحصن النطاة " جعلت نبل اليهود تخالط عسكر المسلمين وتجاوزه، وجعل المسلمون يلقطون نبلهم ثم يردونها عليهم " ،وهذه العبارة التي أوردها كتاب السير تدل على أن النبال التي كان يستخدمها اليهود متميزة عن غيرها . . وأن المسلمين كانوا يقاتلون اليهود بسلاحهم . . ! !
وفي حادثة أخرى كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يطوف بأصحابه حول العسكر، فأُتي برجل من اليهود في جوف الليل، فأمر به عمر أن يضرب عنقه، فقال اليهودي : اذهب بي إلى نبيكم حتى أكلمه، فأمسكه عمر وانتهى به إلى باب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجده يصلي، فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلام عمر فسلَّم ( لأهمية ذلك الأمر ) وأدخله عليه، ودخل عمر باليهودي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لليهودي : " ما وراءك ومن أنت ؟
فقال اليهودي : خرجت من حصن النطاة من عند قوم ليس لهم نظام، تركتهم يتسللون من الحصن هذه الليلة .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فأين يذهبون " ؟

(2/432)


قال : إلى أذل مما كانوا فيه، إلى الشق، وقد رعبوا منك حتى إن أفئدتهم لتخفق، وهذا حصن اليهود فيه السلاح والطعام والودك، وفيه آلة حصونهم التي كانوا يقاتلون بها بعضهم بعضا، قد غيبوا ذلك في بيت من حصونهم تحت الأرض .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " وما هو ؟ "
قال : منجنيق مفككة وسلاح وسيوف وبعض آلة للحرب، فإذا دخلت الحصن غداً وأنت تدخله
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن شاء الله " .
قال اليهودي : إن شاء الله أوقفك عليه، فإنه لا يعرفه أحد من اليهود غيري، وأخرى ! !
قال : " ماهي ؟ " .
قال : تستخرجه، ثم تنصب المنجنيق على حصن الشق وتدخل الرجال تحت الدبابتين فيحفرون الحصن فتفتحه من يومك وكذلك تفعل بحصن الكتيبة .
فقال عمر - رضي الله عنه - : يا رسول الله، إني أحسبه قد صدق .
قال اليهودي : يا أبا القاسم، احقن دمي .
قال : " أنت آمن " .
قال : ولي زوجة في حصن النّزار فهبها لي .
قال - صلى الله عليه وسلم - : " هي لك " .
ودعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للإسلام فقال : أنظرني أياماً . . .
فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غدا بالمسلمين إلى النطاة ففتح الله الحصن واستخرج ما كان قال اليهودي فيه، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمنجنيق أن تصلح وتنصب على حصن النّزار، فلما استعصى على قوات المسلمين قذفوه بقذائف المنجنيق فأوقعوا الخلل في جدران الحصن واقتحموه . . وتكرر الأمر مع حصون الكتيبة، غير أنه عندما همَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بنصب المنجنيق عليهم أيقنوا بالهلكة فسألوه الصلح .

(2/433)


ويتضح لنا من قراءة السيرة النبوية أن استخدام المسلمين للمنجنيق ( وقد يكون حتى مجرد معرفته ) لم يحدث إلا خلال غزوة خيبر والغزوات التي تلتها . . ففي غزوة الطائف ( شوال - 8هـ ) فرض النبي - صلى الله عليه وسلم - الحصار على حصن الطائف، ولما طالت مدة الحصار أمر بنصب المنجنيق، وقذفت به القذائف حتى وقعت شدخة في جدار الحصن فدخل نفر من المسلمين تحت دبابة [ لم تكن كدبابتنا اليوم، وإنما كانت تصنع من الخشب، وكان الناس يدخلون في جوفها ثم يدفعونها في أصل الحصن لينقبوه وهم في جوفها، أو ليدخلوا من النقبات ] ودخلوا بها إلى الجدار ليحرقوه . . .
ولعل ما حصل في خيبر هو نفسه الذي يتكرر هذه الأيام مع المجاهدين في فلسطين، إذ أن الجنود اليهود يلجؤون إلى بيع أسلحتهم للمجاهدين طمعاً في الحصول على المال فيستخدمها المجاهدون ضدهم في حربهم وقتالهم لهم، كما أنهم يحصلون عليها أيضاً من قتلهم لليهود والاستيلاء على أسلحتهم و أسلحة المختطفين منهم .
وإذا كان اليهود اليوم يكدسون كل أنواع السلاح ويحصلون على مساعدات عسكرية وتقنية سنوية هائلة من الولايات المتحدة الأمريكية، فما على المسلمين إلا أن يقتفوا أثر نبيهم - صلى الله عليه وسلم - في قتاله لليهود ليحصلوا على هذه الأسلحة المتطورة ويكونوا بذلك سادة الدنيا .
قتال اليهود يجلب النصر على باقي الأعداء

(2/434)


كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أقبل إلى خيبر بعث محيصة بن مسعود إلى يهود فدك ليدعوهم إلى الإسلام فأبطأوا عليه ، فلما فتح الله خيبر قذف الرعب في قلوبهم فبعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصالحونه على النصف من فدك بمثل ما صالح عليه أهل خيبر فقبل ذلك منهم . فكانت فدك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولاركاب . وبعد انتهائه من خيبر توجه نحو وادي القرى فاستسلمت بعد أن قتل منهم أحد عشر رجلاً وأخذها عنوة فقسمها على أصحابه وعامل أهلها على الأرض والنخل كما عامل أهل خيبر . .
ولما بلغ يهود تيماء خبر استسلام أهل خيبر ثم فدك ووادي القرى . . لم يبدوا أي مقاومة، بل بعثوا من تلقاء أنفسهم يعرضون الصلح فقبل ذلك منهم وصالحهم على الجزية . فكان النصر في خيبر سبباً مباشراً في النصر على باقي اليهود في الجزيرة . .

(2/435)


ومع أن جهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كان موجهاً بدرجة أولى لفتح مكة وتحرير المسجد الحرام من أيدي المشركين، إلا أن ذلك لم يتسن لهم حتى تم لهم تأمين ظهورهم بالقضاء على اليهود في خيبر . . فكان فتح مكة وما تلاه من انتصارات أحد ثمرات غزوة خيبر . . ذلك أن انتصار النبي - صلى الله عليه وسلم - في خيبر حطم نفسية ومعنويات مشركي مكة بسقوط حليف قوي لهم خاصة وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أغار على غطفان في عقر دارها مباشرة بعد خيبر ( سرية بشير بن سعد ) وأصاب منهم،الأمر الذي جعل عمرو بن العاص وخالد بن الوليد - رضي الله عنهما - ينضمان إلى معسكر المسلمين مع قادة آخرين من معسكر العدو الكافر ويعلنون إسلامهم . وفي المقابل فقد رفع ذلك النصر من معنويات المسلمين و أشعرهم بالغبطة والسرور، وقد عبّر عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما قدم عليه جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - هو ومهاجري الحبشة بقوله : " ما أدري بأيهما أنا أسرُّ ؟ بفتح خيبر . . أم بقدوم جعفر، ! ! " فلم يُخْفِ في هذا الموقف سروره بفتح خيبر . .
كما أن القضاء على يهود خيبر كَسَر من شوكة المنافقين وأضعف كيانهم، فما ارتفع لهم صوت بعد ذلك واستراح المسلمون من شرورهم ومؤامراتهم .
ولاشك أن عجز الأمة الإسلامية اليوم عن نصرة أبنائها في البوسنة والشيشان وسائر بقاع الأرض مردُّه إلى عجزها وتقاعسها عن استرداد قبلتها الأولى وهزيمتها أمام الذين ضربت عليهم الذِّلة والمسكنة، ولن تستطيع النهوض لنصرة أي قضية إسلامية حتى يتسنى لها القضاء على السرطان المزروع في قلبها النابض " فلسطين " .
لا عبرة بعدد اليهود وعدتهم وعتادهم ووقوف الرأي العام - المنافق - معهم

(2/436)


جاء في إمتاع الأسماع للمقريزي : " كان يهود خيبر لا يظنون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغزوهم لمنعتهم وحصونهم وسلاحهم وعددهم، كانوا يخرجون كل يوم عشرة آلاف مقاتل صفوفاً ثم يقولون : محمد يغزونا‍‍‍‍‍‍‍‍ ؟ ؟ هيهات هيهات : وكانوا يقومون كل ليلة قبل الفجر فيلبسون السلاح ويصفون الكتائب " وكان من كان بالمدينة من اليهود يقولون حين تجهز النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر : ما أمنع والله خيبر منكم ! لو رأيتم خيبر وحصونها ورجالها لرجعتم قبل أن تصلوا إليهم؛ حصون شامخات في ذرى الجبال، والماء فيها واتن [ واتن : الماء المعين الدائم ] ، إن بخيبر لألف دارع [ دارع : عليه درع ] ، ما كانت أسدٌ وغطفان يمتنعون من العرب قاطبةً إلا بهم فأنتم تطيقون خيبر ؟ ! .
وكان رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول قد أرسل إلى يهود خيبر : " أن محمداً قصد قصدكم وتوجه إليكم فخذوا حذركم ولا تخافوا منه فإن عددكم وعدتكم كثيرة، وقوم محمد شرذمة قليلون، عُزَّل لا سلاح معهم إلا قليل " ، وأقبل عيينة بن حصن في أربعة آلاف من غطفان مدداً ليهود . . فماذا كان ؟ ‍‍
بعث الله على غطفان الرعب، فإنهم لما كانوا ببعض الطريق سمعوا من خلفهم حساً ولغطاً فظنوا أن المسلمين أغاروا على أهاليهم وأموالهم فرجعوا وخلوا بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين خيبر،فلمَّا أُخبر كنانة بن أبي الحقيق وهو في حصن الكتيبة بانصرافهم، أسقط في يديه، وأيقن بالهلكة، وقال : " كنَّا من هؤلاء الأعراب في باطل، إنَّا سرنا فيهم فوعدونا النصر وغرّونا، ولعمري لولا ما وعدونا من نصرهم ما نابذنا محمداً بالحرب " .
وهكذا استطاع ألف وأربعمائة من المؤمنين أن يقهروا أكثر من عشرة آلاف يهودي في قمة استعدادهم وتسلحهم وتحصنهم وفي عقر دارهم . . ولم يتحرك المنافقون - بطبيعة الحال- لنصرة إخوانهم اليهود ! ! .

(2/437)


بل إن اليهود أنفسهم خانوا بعضهم بعضاً كما أوضحنا ذلك في نقطة سابقة شرحنا فيها كيف قام ذلك اليهودي بكشف جميع أسرار اليهود من تحركاتهم ونقاط ضعفهم ومخزونهم من السلاح والعتاد ، كل ذلك في مقابل الحصول على الأمان له ولزوجه .
لهذا فليس غريباً أن تزلزل ضربات مجاهدي كتائب القسام دولة الكيان الصهيوني على قلة عددهم وعتادهم كما لم يكن غريباً أن ترغم حركة المقاومة الإسلامية " حماس " أمريكا وربيبتها دولة العدو على الرضوخ والتنازل عن جميع مطالبهم ومن ثم الإفراج عن د . موسى أبو مرزوق . . وهم صاغرون، وأن يفشل الله مؤامراتهم وينجي خالد مشعل ويخرج الشيخ أحمد ياسين من بين براثنهم . كما أن المقاومة اللبنانية في الجنوب اللبناني استطاعت أن تطور من نفسها وتعزز من إمكاناتها حتى أجبرت جيش العدو وأعوانه من العملاء على التقهقر والانسحاب مجرجرين أذيال الخزي والخيبة والمذلة .
قتال اليهود يتطلب استنفار كافة طاقات الأمة وفي جميع الظروف
لم يكن مسير الجيش الإسلامي من المدينة إلى خيبر نزهة ممتعة أو رحلة شيِّقة، بل كان محفوفاً بالمكاره والمخاطر . . فقد خرج الجيش كما أسلفنا في شهر يونيو ( حزيران ) ، في وقت اشتد فيه الحر وأصاب الوباء ثمار خيبر وتسبب في إصابة الصحابة بالحمَّى حتى أنهم شكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم بصب الماء في الشنان وتبريدها ثم صبها عليهم بين الأذانين من الأعلى للأسفل مع ذكر اسم الله ففعلوا ذلك فكأنما نشطوا من عقال .

(2/438)


بل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما نزل بخيبر أخذته الشقيقة [ الشقيقة : صداع يأخذ في مقدم الرأس ونصفه وأحد جانبيه ] . ورغم ما أصابهم من جهد وبلاء ومشقة إلا أنهم واصلوا المسير ولم يثنهم عن ذلك شدة الجوع والعطش والمرض، بل إن النساء أبين إلا المشاركة في شرف الجهاد ضد اليهود فجئن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل توجهه إلى خيبر مع علمهن ببعد خيبر عن المدينة وأن جوّها موبوءاً يطلبن منه المشاركة في الحملة، وعرضن عليه أن يداوين الجرحى ويعاونّ الرجال بما استطعن من السقاية وحراسة الرحل وطبخ الطعام، فوافق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورحب بهن وأخذهن معه . وبلغ عددهن عشرون امرأة وهو أكبر تجمع نسوي يجتمع في الغزو وكان منهن أم المؤمنين أم سلمة وصفية بنت عبد المطلب وأم أيمن وأم عمارة نسيبة بنت كعب . . وغيرهن . وبعد أن انتهت المعارك وفتح الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - خيبر وجمعت الغنائم، جعل لهن قسماً منها وخصهن ببعض الحلي والثياب والخرز .
وليس بعيداً عن ذلك ما تقوم به المرأة الفلسطينية اليوم من مشاركة مباشرة في صنوف الجهاد من خروج في المظاهرات، وإلقاء للحجارة على جنود العدو، وإيواء للمجاهدين المطاردين، وبث حب الجهاد في الأجيال، والمشاركة في ترجيح كفة الإسلاميين في الانتخابات الجامعية، كل ذلك كان له الأثر الكبير في توسيع رقعة الاستنفار والمواجهة مع اليهود تهيئة ليوم النصر الموعود عليهم بإذن الله تعالى .
قتل اليهود سنة مؤكدة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -

(2/439)


في غزوة بني قينقاع التي أعقبت غزوة بدر الكبرى، حاصر النبي - صلى الله عليه وسلم - يهود بني قينقاع في حصونهم خمس عشرة ليلة أشد الحصار حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، ونزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بهم فربطوا، وكتفوا كتافاً وهيئوا للقتل ( وهو حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيهم ) فما زال عبد الله بن أبي بن سلول يجادل النبي عنهم حتى أخلى سبيلهم وأجلاهم عن المدينة المنورة فخرجوا بنسائهم وذراريهم إلى أذرعات [ أذرعات : مدينة بأطراف الشام تجاور البلقاء وعمان ( معجم البلدان 1/130 ) ] فما لبثوا قليلاً حتى هلكوا .
أما يهود بني النضير فمع بداية حصارهم حاول قائد النبالة وأمهرهم وهو عزوك اليهودي اغتيال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عشرة معه، فكمن له عليّ -رضي الله عنه- وقتله . ولم يكتف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتله بل أرسل أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة لاحقوا الكتيبة اليهودية فقتلوها عن بكرة أبيها وأتوا برؤوسهم فطرحت في الآبار، فلم يجرؤ اليهود بعد ذلك على مغادرة حصونهم أو رمي نبالهم وانتهى الحصار بجلائهم عن المدينة . .

(2/440)


ولأن اليهود لا يستطيعون التخلي عن طباعهم الخبيثة فإن يهود بني قريظة لم يتعظوا مما حلَّ بإخوانهم فخانوا وغدروا، فسَرَتْ عليهم سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع من قبلهم ألا وهي القتل، بأن أمر جميع المسلمين بالتوجه إلى حصونهم قائلاً : " من كان سامعاً مطيعاً فلا يُصَلِينَّ العصر إلا في بني قريظة " وحاصرهم حتى نزلوا على حكمه، وحكَّم فيهم سعد بن معاذ -رضي الله عنه- وكان قد دعا الله تعالى عندما أصيب في غزوة الأحزاب أن يشفي صدره منهم بقوله : " اللهم لاتمتني حتى تقر عيني من بني قريظة " ، وهو الذي حكم فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات " أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء " . . ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - حفر لهم خنادق في سوق المدينة وضرب أعناقهم في تلك الخنادق، وكان منهم حيي بن أخطب وكعب بن أسد إضافة لستمائة أو سبعمائة ( والمكثر لهم من كُتَّاب السير يقول كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة ! ! ) .
ولم يقتصر قتل النبي لليهود على تلك العمليات العسكرية الكبرى فقد بعث بفرقٍ خاصة ( أشبه ما تكون بفرق الكوماندوز ) لتنفيذ عمليات اغتيال لزعماء اليهود، كقتل أبي عَفَكْ اليهودي على يد سالم بن عوف الأنصاري، وقتل كعب بن الأشرف اليهودي الذي قتلته سرية محمد بن مسلمة، وكقتل ابن سنينة اليهودي على يد مُحَيِّصَةَ بن مسعود والذي قام بقتله بعدما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول صبيحة مقتل كعب بن الأشرف : " من ظَفِرْتم به من رجال يهود فاقتلوه " وهو إعلان واضح لا لبس فيه ولا غموض . . وقد كنا أوردنا خبر مقتل أبي رافع سلاَّم بن أبي الحقيق على يد عبد الله بن عتيك . .

(2/441)


فإذا علمنا أن حصيلة غزوة خيبر كانت قتل ثلاث وتسعين يهودياً . . فإننا إذا أضفنا أعداد قتلى اليهود في سائر الغزوات السابقة، فسنجد أن ما قتلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من اليهود هو أضعاف أضعاف ما قتلهم من المشركين طوال حياته . . وهو أمر هام جداً يجدر الوقوف عنده والالتفات إليه والإشارة إلى مدلولاته الكبيرة لما يكشفه لنا عن سنة نبوية راسخة في التعامل مع يهود إذا غدروا، ألا وهي القتل والذبح والاغتيال ولئن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد طبق هذه السنة عملياً خلال حياته وأمر أصحابه وأتباعه بتطبيقها، فقد بين أن مصير اليهود سينتهي بالقتل التام والإبادة الكاملة والفناء الماحق، وفي ذلك إعلامٌ لأمته بضرورة عدم التأسف على هذه الفئة الخبيثة التي يتأذى من وجودها كل شيء حتى الحجر والشجر فينطقان -بإذن الله- مطالبين بتطبيق سنة القتل عليها،كما أن الساعة لن تقوم حتى تفنى تلك الفئة وتبيد كما أخبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في الحديث " لاتقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر ،فيقول الحجر والشجر : يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود " . ولله در يحيى عياش وعماد عقل وإخوانهم . . فقد وعوا بحق هذه السنة وطبقوها أجمل تطبيق . . !
القتال مع اليهود يفتح باباً للشهادة

(2/442)


والشهادة لا ينالها إلا من اصطفاه الله تعالى وخصه بهذه المنزلة العالية . . وقد كانت حصيلة شهداء المسلمين في تلك الغزوة ستة عشر شهيداً ( وقيل ثمانية عشر ) ،منهم عامر بن الأكوع الذي استشهد بعد أن لقي يهودياً فضربه بسيفه فقطع رجله ولكن سيفه رجع عليه فنَزَف فمات . فقال أسيد بن حضير : حبط عمله ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كذب من قال ذلك إن له لأجرين إنه جاهد مجاهد وإنه ليعوم في الجنة عوم الدعموص [ الدعموص : دويبة تغوص في الماء غوصاً سهلاً ( إمتاع الأسماع ) ] " . وقد استدل البعض بهذه الحادثة على جواز العمليات الاستشهادية التي يقتل فيها المجاهد نفسه بسلاحه [ منهم الدكتور عجيل جاسم النشمي عميد كلية الشريعة بجامعة الكويت ] . وقد كان من خبر عامر ما رواه الشيخان وغيرهما عن سلمة بن الأكوع قال : خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر فسرنا ليلاً ، فقال رجل من القوم لعامر : يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك ؟ -وكان عامر رجلاً شاعراً - فنزل يحدو بالقوم يقول :
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ** ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداءً لك ما اتقينا ** وثبِّت الأقدام إن لاقينا
وألقِيَنْ سكينةً علينا ** إنا إذا صيح بنا أبَيْنا
وبالصِّياح عَوَّلوا علينا

(2/443)


فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من هذا السائق ؟ قالوا : عامر بن الأكوع . قال : يرحمه الله . قال رجل من القوم : وجبت يا نبي الله ،لولا متعتنا به . وكانوا يعرفون أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يستغفر لإنسان إلا استشهد . وكان ممن حظي بالشهادة أيضاً محمود بن مسلمة الذي قاتل مع المسلمين في حصارهم للنطاة، وكان يوماً صائفاً شديد الحر، فلما اشتد الحر على محمود وعليه أداته، جلس تحت حصن ناعم يبتغي فيئه، وهو أول حصن بدأ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يكن يظن محمود أن فيه أحداً من المقاتلة، إنما ظن أن فيه أثاثاً ومتاعاً، فدلّى عليه مرحب اليهودي رحىً فأصاب رأسه، فهشمت البيضة رأسه حتى سقطت جلدة جبينه على وجهه، وخرجت عينه، وأُتي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرَدَّ الجلدة وعصبها بثوب فرجعت كما كانت . . ولمَّا قتل مرحب بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعيل بن سراقة الغفاري يبشر محمود بن مسلمة بقتل قاتله . فسُرَّ بذلك، ومات في اليوم الذي قتل فيه مرحب، بعد ثلاث من سقوط الرحى عليه .
وفي تلك الغزوة أيضاً جاء عبد حبشي يرعى غنماً في ملك عامر اليهودي فأقبل بالغنم حتى أسلم ورد الغنم لصاحبها وقاتل حتى قتل شهيداً . . وماصلى صلاة قط ! ! فأُتي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعرض عنه فقالوا : يا رسول الله لم أعرضت عنه ؟ فقال : " إن معه الآن زوجتيه من الحور العين " وعلق ابن إسحاق على تلك الحادثة بقوله أخبرني عبد الله بن أبي نجيح أنه ذكر له أن الشهيد إذا ما أصيب تدلت له زوجتاه من الحور العين تنفضان التراب عن وجهه وتقولان : ترَّب الله وجه من ترَّبك وقتل من قتلك " .
فما بال الأمة تضن بشبابها عن المسابقة لجنات عرضها السماوات والأرض ؟ ! . . وما ضر القسام والحسيني و النمروطي و محيي الدين الشريف والأخوين عوض الله أن يصعدوا في أعراس للشهادة . . ولا أروع ؟ ! .

(2/444)


قتال اليهود يتطلب تجرداً وترفعاً عن زخارف الدنيا
مع أنه أعظم قائد ومعه أعظم جيش في التاريخ إلا أن ذلك لم يزده - صلى الله عليه وسلم - هو وصحابته إلا تواضعاً وزهداً في الدنيا . . فالمقريزي يروي لنا أن راية النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت سوداء تدعى العقاب من برد لعائشة رضي الله عنها ؟ ؟
كما لم يسمح لأحد أن يستغل نفوذه وسلطته في أن يخص نفسه بشيء من دون المسلمين مهما كان ذلك الشيء تافهاً ، فهذا منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلن : " أدوا الخياط و المخيط فإن الغلول عار و شنار ونار يوم القيامة " . وتبعاً لذلك فقد امتنع عن الصلاة على رجل غلَّ خرزاً لا يساوي درهمين ‍ ؟ ؟ وعندما أصيب غلام له بسهم طائش قال أصحابه : هنيئاً له الجنة . فقال : " كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة [ الشملة : كساء غليظ يلتحف به ] التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً " . وفي تلك الغزوة لم يسمح للراعي الذي أسلم أن يقاتل معهم حتى يرد الغنم لصاحبها اليهودي ذلك أنه لماَّ أسلم قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إني كنت أجيراً لصاحب هذه الغنم، وهي أمانة عندي، فكيف أصنع بها ؟ فقال له : " أخرجها من العسكر ثم صِحْ بها وارمها بحصيات،فإن الله عز وجلّ سيؤدي عنك أمانتك " . ففعل ذلك، فخرجت الغنم مجتمعة كأن سائقاً يسوقها حتى دخلت الحصن .
فإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم على من غلَّ خرزاً وشملة أنه في النار . . فماذا يقول عمن يتخوضون في أموال غيرهم بغير حق وينفقونها في إقامة كازينوهات القمار المحرمة والملاهي الفاجرة ؟

(2/445)


إننا في صراعنا الحالي مع اليهود نواجه عدواً لاتحكمه أية أخلاقيات ويستمرئ فعل أي شئ في سبيل تحقيق مآربه واستخدام كافة الوسائل لدعم كيانه الخبيث خاصة مع سيطرتهم وتحكمهم بالمال والإعلام . وعليه، فلن ينجو من حبائلهم ويفلت من مصائدهم إلا من استمسك بحبل الله المتين وترفع عن زخارف الدنيا وسفاسفها وتحصن من مكائدهم وشرورهم، وإلا فإنه سيقع تحت تأثير مال و فتيات وإغراء اليهود وإغوائهم وإسقاطهم وهو مالا يمكن حدوثه أبداً مع من ينهج نهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في صراعه مع اليهود .
قتال اليهود يتطلب رجالاً أشداء
وصف الله تعالى عباده الذين يبعثهم للقضاء على العلو اليهودي الأول بأنهم " أولي بأس شديد " ، وقد تحقق ذلك الوصف بالنبي - صلى الله عليه وسلم - الذي قال " نصرت بالرعب مسيرة شهر " [ رواه الشيخان ] وبصحابته الكرام الذين واجهوا اليهود ببأسهم وقوتهم المادية والمعنوية، فزلزلوا حصونهم وزعزعوا أركانهم و كسروا شوكتهم وأجبروهم على الاستسلام والخضوع لهم في جميع المعارك التي خاضوها معهم .

(2/446)


وفي غزوة خيبر برزت هذه الصفة واضحة جلية من بداية الغزوة إلى نهايتها . . فقدكان شعار المسلمين في تلك الغزوة : " يا منصور أَمِتْ " [ أي يا أيها المنتصر أقتل من أمامك من أعداء الله ] وعند أول مواجهة مع اليهود قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الله أكبر ! خربت خيبر ! إنَّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " ،وفي تلك الغزوة دنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- من حصونهم فاطلع يهودي من رأس حصن ناعم وقال : من أنت ؟ فقال : أنا علي بن أبي طالب . فقال اليهودي : علوتم وما أنزل على موسى . ولما خرج مرحب البطل اليهودي الذي كان يعد بالألف وهو يخطر بسيفه يطلب المبارزة . . برز له علي- رضي الله عنه- فحمل على علي وضربه فاتقاه بالترس فأطن ترس علي فتناول باباً عند الحصن فترس به عن نفسه فلم يزل في يده حتى فتح الله عليه بالحصن وقتل مرحب . قال أبو رافع لقد رأيتني في نفر مع سبعة أنا ثامنهم نجهد أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا أن نقلبه . . [ قال المقريزي : زعم بعضهم أن حمل عليّ باب خيبر لاأصل له، وأنه إنما يروى عن رعاع الناس . وهو ليس كذلك فقد أخرجه ابن إسحاق في سيرته عن أبي رافع، وأن سبعة لم يقلبوه . وأخرجه الحاكم من طرق منها : عن أبي علي الحافظ، حدثنا الهيثم بن خلف الدوري، حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري ، حدثنا المطلب بن زياد، حدثنا ليث بن أبي سليم، حدثنا أبوجعفر محمد بن علي بن الحسين، عن جابر أن علياً حمل الباب يوم خيبر وأنه جُرِّب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلاً ] .

(2/447)


ولعل مما يجدد الأمل في النفوس تلك الصور البطولية الرائعة التي شهدناها على الأرض المباركة إبان الانتفاضة وما بعدها والتي واجه فيها أطفال بعمر الزهور جيش الاحتلال المدجج بأحدث أنواع الأسلحة وأشدها فتكاً، واجهوه بصدور عزلاء إلا من قلوب مفعمة بالإيمان وحب الجهاد في سبيل الله، ولم يثنهم سقوط الشهداء والجرحى واعتقال الآلاف ولجوء العدو الصهيوني لاستخدام أساليب وحشية لقمعهم والتنكيل بهم .
منذ ذلك الحين ونحن نشهد بطولات فريدة لاتصدر إلا عن رجال أشداء قرءوا سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فعملوا على محاكاتها والسير على نهجها . . كان منهم المجاهد البطل عبد الهادي غنيم الذي قام في 6/7/1989م بقلب حافلة صهيونية في وادٍ سحيق وقتل بذلك العمل البطولي 16صهيونياَ وجرح 25 آخرين، وأصدرت إحدى محاكم العدو عليه حكماً بالسجن 18 مؤبداً بالإضافة إلى 480 سنة أخرى ! ! وهو ما يعبر عن شدة غيظهم من فعلته .
ومن أولئك الأبطال الأشداء المجاهدين حاتم المحتسب وأنور مطاوع اللذين حوصرا في بيت مهجور في أحد أودية مدينة الخليل مع ستة عشر مجاهداً من كتائب الشهيد عز الدين القسّام، فواجها وحدهما ما يقارب من ألفي جندي يهودي بكامل أسلحتهم وعتادهم بما في ذلك الطائرات المروحية والدبابات والكشافات المضيئة والصواريخ، وقاما بإشغالهم لعدة ساعات تمكن فيها الستة عشر مجاهداً من الإفلات من الحصار المضروب حولهم والنجاة من الطوق العسكري، ورغم الترسانة الضخمة من الأسلحة والعتاد والجنود إلا أن العدو لم يتمكن طوال عشر ساعات من البطلين اللذين أوقعا ثلاثة قتلى وأحد عشر جريحاً على الأقل في صفوف العدو الذي لجأ إلى استخدام الصواريخ المضادة للدبابات لتفجير المنطقة بكاملها حيث استشهد البطلان . .

(2/448)


أما الشهيد عماد عقل فقد تسبب لوحده في قتل اثني عشر جندياً صهيونياً خلال العمليات التي خاضها ضدهم وجعلت الهالك رابين يقول : ليتني أقوم من نومي لأجد قطاع غزة ( عرين البطل عماد ) قد ابتلعه البحر، بل إنه اضطر للذهاب بنفسه إلى أهل عماد ليساومهم على خروج عماد من فلسطين بسلام في رحلة نفي لمدة ثلاثة أعوام، فما كان من عماد إلا أن قال قولته المشهورة : " ماذا تريد يارابين أن تفعل ؟ هل تقدر أن تمنع شاباً يريد الموت في سبيل الله ؟ سأبقى في فلسطين حتى أنال الشهادة وأدخل الجنة " .
وهو القائل " سنحاربهم ( جنود الاحتلال ) كما نحارب الشيطان وسيكون زادنا في المعركة حب الموت في سبيل الله وليس حب الحياة . . هيهات أن يغلق باب الجهاد فهو عبادة، الجهاد هو كالصلاة لنا نأكل ونشرب ونجاهد " . ولهذا لم يكن غريباً أن يقول عنه والده : " إنني فخور به وكفاني شرفاً أن أكون والده . . "
أما أولئك الاستشهاديون فقد أذهلوا العالم كله بإقدامهم وشجاعتهم وهم يواجهون الموت المحقق طمعاً في الشهادة والإثخان في الأعداء، حتى قال أحد قادة اليهود عنهم : " إن مشكلتنا هي بالأساس مع أولئك الشباب المستعدين لجعل أنفسهم قنابل حية، فمن الصعب جداً مواجهة هذه النوعية من الأشخاص " . . وهاهو الشهيد يحيى عياش يحيل حياتهم جحيماً بالعمليات الاستشهادية التي خطط لها والتي أسفرت عن قتل ما لايقل عن تسعين قتيلاً وجرح ما لايقل عن أربعمائة وتسعين جريحاً إضافة إلى خسائر مادية فادحة جعلت المحلل السياسي في تلفزيون العدو ايهود يعاري يقول : " منذ بداية الصراع بيننا وبين الفلسطينيين لم يظهر أي شخص أيديه ملطخة بالدماء اليهودية مثل يحيى عياش " . . وذاك يهودي آخر يقول عنه : " لقد تحول المهندس لأكثر من عامين إلى كابوس يسيطر على أجهزة الأمن الإسرائيلي وتمكن خلالها من نثر عشرات القتلى الإسرائيليين في طريقه . . " .

(2/449)


بل إن الأخذ بأسباب القوة في أي بقعة إسلامية يثير الرعب في أوصال اليهود ومن ذلك ما صرح به مؤخراً يهشوع ساغيه -أحد كبار قادة العدو الصهيوني الذين تولوا رئاسة جهاز الاستخبارات العسكرية- بقوله : " يحدث شيء مفزع . . يحارب المقاتلون الشيشان ويعدون أنهم سيتوجهون لتحرير القدس بعد ذلك ! ! " .
إنها لغة القوة التي لايصلح التخاطب إلا بها مع أحفاد القردة والخنازير .
التعذيب لا يكون إلا لليهود

(2/450)


لم يذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بتعذيب أسير له إلا ما أورده ابن إسحاق من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - للزبير بأن يعذب الزعيم اليهودي كنانة بن الربيع لخيانته العهد وإخفائه كنوز بني النضير التي كانت مخبأة عنده وكان قد قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - حين صالحه : " برئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئاً " ، فقال كنانة : يا أبا القاسم ! أنفقناه في حربنا فلم يبق منه شيء ! وأكد الإيمان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " برئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كان عندكم " ؟ قال : نعم ! ثم قال - صلى الله عليه وسلم - : " وكل ما أخذت من أموالكم وأصبتُ من دمائكم فهو حلٌّ لي ولاذمة لكم " ؟ قال : نعم ! وأشهد عليه عدداً من المسلمين ومن يهود . ولما سأله عن كنوز بني النضير جحد أن يعرف مكانها فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - سعية بن سلام ابن أبي الحقيق عنها فدله على خربة،قال إنه رأى كنانة يطوف بها كل غداة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكنانة : " أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك " ؟ قال : نعم، فبعث عليه السلام الزبير في نفر مع سعية حتى حفر، فإذا كنز في مَسْكِ [ المَسْك : الجلد يكون مسلاخ الدابة أو الغنم ] جمل فيه حلي . فأُتي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدفعه إلى الزبير وقال : " عذبه حتى تستأصل ما عنده " ، فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى جاءه بمال ثم دفعه إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بمحمود بن مسلمة الذي قتله اليهود في بداية الغزوة ، وعذب ابن أبي الحقيق الآخر، ثم دُفِع إلى ولاة بشر بن البراء [ قتله اليهود بالسم ] فقُتل به وقيل ضَرب عنقه .

(2/451)


فالملاحقة والتهديد والاعتقال والتعذيب لا يكون إلا لليهود . . أما أن يزج بالشباب في السجون ويهانوا ويهددوا ويعذبوا لا لشيء إلا أنهم يتمسكون بخيار الجهاد في سبيل الله لتحرير الأرض المقدسة من أحفاد القردة والخنازير فإن ذلك لا يمكن أن يصدر إلا عمن باعوا أنفسهم ليهود ونصبوا أنفسهم وكلاء لهم علينا .
لا تفاوض مع اليهود إلا من منطلق القوة
في فترة غياب الوعي عن قطاعات كبيرة من الأمة، استطاع اليهود بخبثهم ودهائهم وسطوة أعوانهم وعملائهم أن يفرضوا واقعاً شاذّا لم يسبق للأمة أن مرت بمثله من قبل . . علا فيه شأن اليهود وقويت فيه شوكتهم وازداد فسادهم وإفسادهم وأصبح العالم أجمع حريصاً على خطب ودهم والتزلف إليهم، بمن فيهم جموع المنتسبين إلى أمة الإسلام . .
وصاحب هذه الفترة بروز دعوات مضللة للتطبيع مع اليهود والتعايش معهم كثمرة من ثمار عملية التسوية التي حاول أصحابها الترويج لها وتسويقها على الشعوب الإسلامية استناداً لنصوص شرعية اجتزئت فقرات منها عن نصوص كلية وتم تأويل معانيها بما لا يحتمل التأويل . . فتصدرت آية { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله } [ سورة الأنفال : الآية 61 ] خطاباتهم وكتاباتهم وإذاعاتهم، وتم التغاضي عن آية سبقتها { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرون من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } [ سورة الأنفال : الآية 60 ] وآية تلتها { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } [ [ الآية 65 ] ] ، كما تم التغاضي عن معناها الحقيقي وأن كلمة " جنحوا " تعني مالوا لطلب السلم والصلح من موقف الضعف والذلة كما في آية { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } [ سورة الإسراء : الآية 24 ] وآية { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } [ سورة الشعراء : الآية 215 ] . .

(2/452)


وفي غزوة خيبر - كما في أحداث السيرة النبوية بشكل عام - نجد تطبيقاً عملياً للطريقة المثلى والأسلوب الأسلم في كيفية التفاوض مع اليهود، والذي يحقق معنى الآية { فلا تهنوا و تدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم } [ سورة محمد : الآية 35 ] " . . وقد أوردنا طرفاً من تلك المفاوضات التي تمت بناءً على رغبة اليهود أنفسهم طلباً منهم للاستسلام والخضوع التام لحكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ومن ذلك ما فعله كنانة ابن أبي الحقيق لدى حصار النبي - صلى الله عليه وسلم - لحصون الكتيبة ونصبه المنجنيق عليها تمهيداً لضربها، حيث أرسل كنانة رجلاً من اليهود يقال له شماخ ليستأذن له من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالنُّزول ليكلمه، فأذن له بذلك وصالحه على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلين ، وترك الذرية لهم، وأن يخرجوا من خيبر وأرضها بذراريهم ويخلوا ما بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين ما كان لهم من مال أو أرض أو سلاح أو بز إلا ثوباً على ظهر إنسان ! ! وعلى ألا يكتموه شيئاً .
فهل من الإنصاف والعدل مقارنة تلك المفاوضات بالمفاوضات الجارية هذه الأيام بين العرب واليهود والتي يتم خلالها التنازل عن كل شيء لليهود - تقريباً - مقابل فتات يمنون بها علينا ؟ !

(2/453)


وهل يعقل أن نقارن بين اللهجة التفاوضية الاحتفائية والاحتفالية التي يقابل بها يهود اليوم والتي تصل إلى درجة التعظيم والتبجيل فضلاً عن مؤاخاتهم والبكاء على الهالكين منهم، ومع تلك اللهجة التي خاطبهم بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه في مفاوضاته معهم كتلك التي قال لهم فيها _ وهو مشرف على حصون بني قريظة - بعدما وصل إليه أنهم شتموه : " يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته ؟ [ السيرة النبوية لابن هشام ( 244-245 ) ، ووردت في إمتاع الأسماع ( ص 243 ) بنص : " يا إخوة القردة والخنازير وعبدة الطواغيت، أتشتمونني ؟ ] " . وقول أسيد بن حضير لهم : " يا أعداء الله ! لن نبرح حصنكم حتى تموتوا جوعاً، إنما أنتم بمنزلة ثعلب في جُحر . " ولأنه كان من حلفائهم سابقاً فقد قالوا له : " يا ابن الحضير ! نحن مواليك دون الخزرج ! " وخاروا . . فقال : " لاعهد بيني وبينكم ولاإلّ " [ الإلّ : العهد والحلف والقرابة والجوار ] " .
وعقب الانتهاء من غزوة خيبر جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن رواحة خارصاً [ خارصاً : مقدرا ومقسما ] لثمار خيبر، فجعل يوزع الثمر بين اليهود والمسلمين مناصفة، " وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم في كل عامٍ فيخْرصُها عليهم ، ثم يضمِّنُهُمُ الشَّطْرَ ، فشكوا إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - شِدَّةَ حرصه ، وأرادوا أن يرْشُوهُ ، فقال عبد الله : تطعمونني السُّحْتَ ، والله لقد جئتكم من أحبِّ الناس إليَّ ، ولأنتم أبْغَضُ إليَّ من عدَّتِكُمْ من القِردَةِ والخنازير ، ولا يحْمِلُني بُغضي إياكم على أن لا أعدل عليكم، فقالُوا : بهذا قامت السماوات والأرض [ أخرجه البخاري . وأورد ذلك ابن هشام في سيرته برواية " يا إخوة القردة والخنازير، والله ما أحد على ظهر الأرض أبغض إليَّ منكم وما يدفعني بغضي لكم أن أنقصكم تمرة واحدة " ] .

(2/454)


وهذا هو المجاهد عمار الزبن الذي حكم عليه الصهاينة بالسجن 26 مؤبداً و25 عاماً فوقها بتهمة التخطيط لعمليات تفجير استشهادية يقف في قاعة المحكمة شامخاً رافع الرأس مستعلياً بدينه على قضاته وسجانيه قائلاً : " أنا لست مجرماً، أنا مسلم وأفتخر بأنني مسلم وهذا الكتاب هو كتابي - أخرج مصحفاً من جيبه ورفعه في المحكمة -وأمامي محتل قتل الآلاف وجرح عشرات الآلاف من أبناء شعبي وخمسة ملايين منهم خارج فلسطين والآلاف داخل السجون فالواجب كوني انساناً مسلماً أن أسحق هذا العدو . . المقاومة حق شرعي وقيامنا بها مبعث فخر ولاغضاضة من ذلك . . " .
اليهود خدم وعبيد لنا وأرضهم للمسلمين
كانت نتيجة غزوة خيبر أن آلت أرضهم وديارهم للمسلمين . . وعندما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجليهم عنها قالوا له : " يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم " ، ولم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها ولم يكن لهم فراغ لذلك . . فقبل لهم أن يبقوا في خيبر يعملون فيها ويزرعونها ولهم شطر ما يخرج منها وقال لهم : " على أنا إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم " ،وقد أخرجهم فعلاً عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته لقتلهم أحد الأنصار .
وهكذا يجب أن نعامل اليهود على مدى الزمان ولا ينبغي أبداً أن تنقلب الآية فيتحكم اليهود بنا وبأرضنا ومقدساتنا . . يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون .

(2/455)


وقد أوردنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لزعيمهم كنانة " وكل ما أخذت من أموالكم وأصبت من دمائكم فهو حل لي ولاذمة لكم " وأشهد المسلمين واليهود على ذلك . كما أنه - صلى الله عليه وسلم - سبى ابنة زعيمهم صفية بنت حيي بن أخطب التي كانت تحت كنانة بن أبي الحقيق في هذه الغزوة ثم أعتقها وتزوجها بعد أن أعلنت إسلامها وفي ذلك إشارة واضحة على أن هزيمتهم كانت ساحقة وأنهم أصبحوا - رجالاً ونساءً وأطفالاً - ملكاً للمسلمين .
فإذا كان ذلك حكم الأرض التي كانت ملكاً لهم وعاشوا فيها ودافعوا عنها وقاتلوا من أجلها، أنها آلت للمسلمين ودخلت في حوزتهم وملكهم والذي لايجوز التفريط به أو التنازل عن جزء منه . . فكيف بالأرض المقدسة، أرض الإسراء والمعراج بمسجدها الأقصى المبارك ؟ الأرض التي خضَّب ثراها دماء الآلاف من الصحابة والتابعين والصالحين من بعدهم وتنعمت بحكم المسلمين لها أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان . . كل ذلك يجعل التنازل عن ذرة رمل واحدة من ترابها الطهور كبيرة لاتغتفر وجريمة لاتمحى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أحداً من البشر كائناً من كان لايملك حق ذلك التنازل ولو كان ملكاً أو رئيساً أو منظمة أو حزباً أو أي شيء كان .
ثأرنا من اليهود لا يمكن أن يمحى مع مرور الزمان

(2/456)


لئن كان دافعنا لحرب اليهود هذه الأيام اغتصابهم لأرضنا ومقدساتنا في فلسطين فإن قيامهم بوضع السم لنبينا مع نهاية غزوة خيبر كانت جريمة لا تغتفر ولا يمكن أن نهادن مرتكبيها أبد الدهر، وتفاصيلها بأن " زينب ابنة الحارث اليهودية أخت مرحب ذبحت عَنْزاً وطبختها وسمَّتها، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغرب وانصرف إلى منزله، وجد زينب عند رحله فقدمت له الشاة هدية فأمر بها فوضعت بين يديه وتقدم هو وأصحابه إليها ليأكلوا فتناول الذراع، وتناول بشر بن البراء عظماً وانتهس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ازدرد، وقال كفوا أيديكم فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة ! فقال بشر بن البراء : والله يا رسول الله وجدت ذلك من أكلتي التي أكلت، فما منعني أن ألفظها إلا كراهية أنغص عليك طعامك . فلم يَرِم ْ [ لم يرم : لم يفارق مكانه ولم يبرحه ] بشر من مكانه حتى تغير ثم مات . ودعا رسول الله زينب وقال : سممت الذراع ؟ قالت : من أخبرك ؟ قال : الذراع ! قالت : نعم ! قال وما حملك على ذلك ؟ قالت : قتلت أبي وعمي وزوجي، ونلت من قومي ما نلت، فقلت : إن كان نبياً فستخبره الشاة وإن كان ملكاً استرحنا منه ! فقيل أمر بها فقتلت ثم صلبت وقيل عفا عنها، وقال ابن سحنون : أجمع أهل الحديث أن رسول الله قتلها " [ إمتاع الأسماع ص 321 ] . ويؤخذ من ذلك جواز قتل اليهوديات المشاركات في الحرب .

(2/457)


كما وأن عدم لفظ بشر بن البراء للسم مع علمه بأن في ذلك موته يدل على جواز إتلاف النفس في سبيل غاية نبيلة وهو استدلال وجيه للعمليات الاستشهادية أيضاً ، ولمعرفة حجم تلك الجريمة التي ارتكبها اليهود نسوق حديث عائشة -رضي الله عنها- الذي قالت فيه : " كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في مرضه الذي مات فيه : يا عائشة ، ما أزال أجِدُ أَلَم الطعام الذي أكَلْتُ بخيبرَ ، وهذا أوانُ وجدتُ انقطاع أبْهَرِي من ذلك السَّم " [ أخرجه البخاري ] .
وكانت أم بشر بن البراء تقول دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي مات فيه وهو محموم فقلت : ما وجدت مثل ما وُعِك [ أي أصابه من الحمى ] عليك على أحد . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كما يُضاعف لنا الأجر كذلك يُضاعف لنا البلاء، زعم الناس أن برسول الله ذات الجنب [ ذات الجنب : دمل أو قرحة تعرض في جوف الإنسان ، تنفجر إلى داخل ، فيموت صاحبها ، وقد تنفجر إلى خارج ] ! ما كان الله ليسلطها عليّ إنما هي هُمَزَةٌ من الشيطان، ولكنه من الأكلة التي أكلت أنا وابنك يوم خيبر . مازال يصيبني منها عِداد [ العداد : اهتياج وجع اللديغ، وذلك إذا تمت له سنة من يوم لدغ هاج به الألم ] حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري " . فمات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهيداً .
ولنا أن نشير هنا إلى الدور الخطير الذي تقوم به المرأة اليهودية في صراعنا معهم على مدى التاريخ فالكيان الصهيوني الخبيث هو الوحيد في العالم الذي يفرض تدريباً عسكرياً على النساء ويجعل على المرأة خدمة عسكرية إلزامية، فهنَّ يحملن السلاح ويتدربن عليه، ويتجندن في الجيش ويخططن لقتل المسلمين وإخراجهم من ديارهم كما
يخطط الرجال كما أنهن يوظفن في فتنة أبناء المسلمين وإغرائهن ويعملن على إسقاط الشباب والفتيات في براثن العمالة للاحتلال وينشرن الإيدز والمخدرات والفساد من خلال الجنس وغيره

(2/458)


وختاماً فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قتل مرحب وأخوه ياسر قال : " أبشروا قد ترحبت خيبر وتيسرت " . ولئن كان صعود النتن ياهو لرئاسة الوزارة قد جلب على قومه شيئاً من اسمه وأتاح للعالم أن يرى شيئاً من الصورة البشعة لليهود فإن صعود الإرهابي باراك سيكون مؤشراً للسقوط ورمزاً له،ولعل أول تلك المؤشرات ما حدث لجيشه في لبنان مؤخراً وسقوط المقولة الكاذبة بأنه " جيش لا يقهر " . . . وسيبرك باراك وحزبه وحكومته كمقدمة لسقوط كيانهم الخبيث بإذن الله . { ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا } [ سورة الإسراء : الآية 51 ] .
المراجع
مراجع مستخدمة
الشؤون الدينية بدولة قطر الطبعة الثانية
المقريزي - شرح محمود شاكر
إمتاع الأسماع-الجزء 1 مكتبة المنار-الأردن الطبعة الثالثة 1411هـ 1990م
منير الغضبان المنهج الحركي للسيرة النبوية رابطة العالم الإسلامي الطبعة الثانية
صفي الرحمن المباركفوري الرحيق المختوم منشورات " فلسطين المسلمة " - لندن
الطبعة الثالثة 1998م
د . صلاح الخالدي حقائق قرآنية حول القضية الفلسطينية دار ابن حزم - بيروت
الطبعة الأولى 1418هـ 1997م
زهير شفيق الكبي غزوات النبي - صلى الله عليه وسلم - لليهود مكتبة الفلاح -الكويت
الطبعة الأولى 1409هـ 1989م
غسان حمدان الانتفاضة المباركة-وقائع وأبعاد منشورات فلسطين المسلمة - لندن
الطبعة الثانية 1997م
غسان دوعر المهندس دار الفكر - دمشق الطبعة الأولى 1417هـ 1997م
نواف هايل تكروري العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي دار الكلمة للنشر والتوزيع - مصر الطبعة الأولى 1419هـ 1998م
محمد أحمد الراشد الأقصى وسبيل إنقاذه يناير 1994م رجب 1414هـ العدد الأول - السنة الثانية عشرة
مجلة فلسطين المسلمة أغسطس 1998م ربيع الثاني 1419هـ العدد الثامن - السنة السادسة عشرة مجلة فلسطين المسلمة 26/11/1996م 15رجب 1417هـ
العدد ( 157 ) - السنة الثالثة

(2/459)


صحيفة " السبيل " الأردنية
صخر لبرامج الحاسوب
مجموعة العالمية
1996م
مجموعة برامج الأسرة
محول القياسات ( هجري-ميلادي )
مجموعة خليفة للكمبيوتر
جامع الأصول في أحاديث الرسول
الموسوعة الشاملة للأحاديث النبوية مكتبة المنار الإسلامية _ الكويت طبعة أولى 1413هـ 1992م
د . سعد المرصفي
ــــــــــــــــــ

التكتيك النبوي في مواجهة اليهود

د. محمد مورو
لاشك أن دراسة سياسات الرسول - صلى الله عليه وسلم - تجاه اليهود في الجزيرة العربية في المرحلة المدنية بالتحديد تكشف الكثير من المعطيات الضرورية لفهم مبادئ الإسلام العليا من ناحية، وتكشف أيضاً عن جوانب من الأسلوب الصحيح لمواجهة اليهود عموماً، وهو أمر لازم لنا في إطار الصراع مع العدو الصهيوني الذي يمثل أكبر التحديات في تاريخنا المعاصر، ولكي نقف على طبيعة التكتيك النبوي تجاه اليهود في تلك الحقبة ينبغي بالطبع أن نعرف شيئاً عن طبيعة الوجود اليهودي في الجزيرة العربية في ذلك الوقت.

(2/460)


تركز الوجود اليهودي في الجزيرة العربية في المدينة وشمالها من ناحية، وفى بعض مناطق اليمن جنوباً من ناحية أخرى، ويهمنا بالطبع هنا في إطار دراسة التكتيك النبوي في مواجهة اليهود التركيز على تلك التجمعات اليهودية في المدينة وشمالها، وكان هؤلاء يتكونون من ثلاثة قوى وتجمعات يهودية داخل المدينة هي: بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير، وخارج المدينة في خيبر وفدك وتيماء وغيرها على امتداد 420 كيلو متر شمال المدينة حتى تخوم الجزيرة العربية الشمالية، وذكر السمهودي في وفاء الوفا ص 116 أن عدد القبائل اليهودية في تلك المناطق يزيد على عشرين، وقد جاء هؤلاء اليهود مهاجرين إلى الجزيرة العربية نتيجة الضغط البابلي والآشوري عليهم في فلسطين، وتخريب هيكلهم، وسبي أكثرهم على يد الملك بختنصر سنة 587 ق. م، فهاجر قسم منهم إلى الحجاز، وتوطن في ربوعها الشمالية، وكذلك عقب احتلال الرومان لفلسطين سنة 70 ق. م، ونشأ عن اضطهاد الرومان لليهود أن هاجر عدد منهم إلى الحجاز، واستقر في يثرب وخيبر وتيماء، كما دخل بعض العرب عن طريق هؤلاء اليهود في اليهودية، إلا أن ذلك ظل أمراً محدوداً بالطبع، ومن ناحية أخرى فإن تلك التجمعات اليهودية في يثرب وخارجها ظلت متمسكة بعصبتها الجنسية والدينية رغم أنهم أخذوا الصبغة العربية في اللغة والزي والأسماء، وكانوا دائماً يفتخرون بجنسيتهم الإسرائيلية، ولم يندمجوا في العرب قط، بل كانوا يحتقرونهم ويسمونهم أميين كعادة اليهود في النظر إلى غيرهم من الأجناس، وكانوا يرون أن أموال العرب مباحة لهم يأكلونها كيف شاءوا ((قالوا ليس علينا في الأميين سبيل))، ولم يكن لهم تحمس في نشر دينهم، وإنما جل بضاعتهم هي الفأل والسحر، والنفث والرؤية وغيرها" المباركفورى - الرحيق المختوم صـ 211.

(2/461)


وسيطر اليهود على أعمال التجارة عموماً، وتجارة الخمر والسلاح خصوصاً، وكانوا بالطبع يمارسون الربا على نطاق واسع، وأثاروا دائماً العدوان والبغضاء بين القبائل العربية ليحققوا مكاسبهم المعروفة من الحروب التي تقع بين القبائل العربية، فتروج تجارة السلاح، وتروج أعمال الربا، واستطاع اليهود بهذه الوسائل أن يحققوا ثراء واسعاً، ونفوذاً داخل تلك البلاد.
كان من الطبيعي أن يعرف اليهود أن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - نبي صادق، وأنه جاء بالحق وذلك بحكم معرفتهم بالكتب والبشارات التي بشرت بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وبعلاماته الصادقة، ولكنهم رفضوا بالطبع الانصياع إلى الحق ((فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين))، وقد كان رفضهم الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - يرجع إلى تكبرهم على الحق من ناحية، وعلى خوفهم من ضياع نفوذهم وثرائهم بسبب ما توقعوه من تغيير الخريطة الثقافية والاقتصادية والسياسية إذا انتصر الإسلام، وهكذا أضمر اليهود الحقد والمؤامرات على الإسلام وعلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ، واستعداداً لحرب شرسة ضده، ومع ذلك عاملهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتسامح وفقاً لقيم ومبادئ الإسلام العليا في أول عهده بالمدينة، ولم يبدأ الحرب عليهم إلا بعد أن قاموا بمؤامرات مادية ومعنوية ضد الكيان الإسلامي الوليد في المدينة المنورة.
دستور المدينة:

(2/462)


بمجرد أن استقر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وأقام فيها المجتمع الإسلامي الوليد؛ قام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعقد ميثاق وعهد ووثيقة مكتوبة تنظم العلاقات بين مختلف القوى والطوائف، والتجمعات والأفراد داخل هذا المجتمع، وكان من الطبيعي - بفضل سماحة الإسلام، وبفضل حرص الإسلام على حماية حقوق الأقليات الدينية والعرقية أن يسمح الرسول - صلى الله عليه وسلم - لليهود في المدينة بالدخول في هذا العقد الذي يمثل أرقى ما عرفت البشرية من عقود لحماية حقوق الأقليات؛ الأمر الذي يعكس قيم الإسلام العليا - راجع نص وثيقة المدينة في سيرة ابن هشام، وفي الرحيق المختوم للمباركفورى، وكذلك في الدراسة الهامة التي كتبها الدكتور كمال السعيد حبيب في مجلة منبر الشرق، العدد (1) السنة الأولى مارس 1992م، صـ115 تحت عنوان قراءة جديدة في وثيقة المدينة، وهى قراءة شديدة التميز والأهمية، وكذا في الإعمال الكاملة للمفكر عصمت سيف الدولة -.

(2/463)


وعلينا أن ندرك أن مجتمع المدينة في ذلك الوقت كان يمثل كياناً سياسياً متميزاً، يمثل الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه القائد الأعلى، ويمثل المسلمون من المهاجرين والأنصار الأغلبية، مع وجود أقليات من المشركين، ومن اليهود كأفراد أو كجماعات، كانت الوثيقة تنص على وجود حقوق لليهود مثل المسلمين، وكانت ترتب علاقات وواجبات، وتسمح لليهود بالمشاركة في المعارك التي يخوضها المسلمون - دون إلزامهم بذلك -، فإذا شاركوا بأنفسهم أو أموالهم في الحروب مع المسلمين حصلوا على نصيبهم في الغنائم، وبديهي أن الوثيقة نصت على وجوب عدم تعاون أهل الوثيقة مع القوى المعادية - قريش مثلاً -، وعدم خيانة أهل المدينة أو إفشاء أسرار المجتمع، أو مساعدة الأعداء على انتهاك الأمن الداخلي لهذا المجتمع، واحترام حقوق الدماء والأموال وغيرها، وأن أي نقض لذلك يترتب عليه خرق الوثيقة بما يترتب على ذلك من آثار.
دخل اليهود في وثيقة المدينة إذن، وكان عليهم الالتزام بها بالطبع، والذين دخلوا في تلك الوثيقة من اليهود هم يهود المدينة وما حولها مثل بني قريظة، وكانوا يعيشون في ضاحية يثرب من جهة الجنوب الشرقي، وبني النضير وكانوا يعيشون في ضاحية يثرب جهة الغرب، وبني قينقاع وكانوا يقيمون داخل المدينة ذاتها مع قبائل بني عوف وبني النجار، وكان بنو قينقاع حلفاء للخزرج، أما بنو النضير وبنو قريظة فكانوا حلفاء للأوس، أما اليهود خارج المدينة مثل خيبر التي تقع على بعد 80 ميلاً شمال المدينة، وهي من أقوى الحصون والمواقع اليهودية في الجزيرة العربية في ذلك الوقت، وكذلك يهود فدك وتيماء، وكل هؤلاء لم يكونوا أطرافاً في الحلف والميثاق المدون بوثيقة المدينة.

(2/464)


ولاشك أن تعامل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسياساته تجاه اليهود تمثل العدل المطلق، وتعكس قيم الإسلام العليا، فقد حرص على التعايش بين المسلمين واليهود وغيرهم بدون ظلم لأحد، وهذه التجربة في التعايش تمثل نموذجاً فذاً للتعايش بين الأكثرية والأقلية في أي زمان ومكان، وكذلك في حرص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على كتابة نص يمثل الحقوق المتبادلة في وثيقة مكتوبة، وهو أمر يمثل سابقة هامة على مستوى السوابق الدستورية، ولكن اليهود نقضوا العهود، فكان من الطبيعي أن تتغير سياسة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تجاههم، فيسقط المعاهدة مع المتعاهدين منهم، ويتصرف مع الباقين على مستوى كل حدث، وكان اليهود قد تحركوا على أكثر من مستوى للكيد للدعوة الإسلامية الوليدة، وكذا لشن حملة دعائية وإعلامية ضد الدين الإسلامي الحنيف، وضد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، والتربص بنساء المؤمنين، وإنفاق الأموال لدفع القبائل العربية لشن الحروب على دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، وتحريض قريش وغيرها، وتمويل الحرب ضد المسلمين وكذا تخطيط أكثر من مؤامرة لاغتيال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ويمكننا أن نقسم سياسة المواجهة ضد اليهود التي خاضها الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى قسمين:
قسم خاص بتنفيذ عدد من عمليات الاغتيال لمجرمي الحرب اليهود، وزعماء المؤامرات.
والقسم الثاني خاص بالحروب والغزوات ضد تجمعات اليهود.

(2/465)


أما القسم الأول الخاص باغتيال زعماء المؤامرات ومجرمي الحرب اليهود مثل: اغتيال كعب بن الأشرف، وابن سنينة، وسلام بن أبى الحقيق المعروف بأبي رافع اليهودي، وهؤلاء كانوا من ممولي الحروب ضد دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وكذلك قاموا بجهد كبير في تحريض القبائل العربية على قتال المسلمين في المدينة، والتعريض بإعراض المسلمات في المدينة عن طريق الشعر، وكذلك الحرب الإعلامية والدعائية ضد المسلمين، والمحاولات الخطيرة لشق المجتمع الإسلامي في المدينة، وإحداث حرب أهلية داخلها عن طريق بث الأفكار والإشاعات والمواقف مستخدمين في ذلك المنافقين، وهكذا فإن عمليات الاغتيال تلك كانت عقوبة على عمل مادي قام به هؤلاء، وكذلك عملية إجهاضية لمؤامرات تم نسجها وبث الرعب في نفوس باقي أطراف تلك المؤامرات.

(2/466)


أما القسم الثاني وهو الغزو ضد التجمعات اليهودية؛ فحدث أولاً مع بني قينقاع، فبرغم أن بني قينقاع كانت داخلة في وثيقة المدينة، وبرغم احترام المسلمين لهذه الوثيقة تماماً؛ إلا أن بني قينقاع بدأوا خاصة بعد انتصار المسلمين في بدر في التحرش بالمسلمين، واستفزازهم، والتهديد بدخول معركة معهم يهزمون فيها المسلمين لأنهم على حد قولهم أقوى من قريش، وأشجع، ولن ينهزموا مثل قريش الذين لا يعرفون فن الحرب على حد قول بني قينقاع، وكذلك إيذاء المسلمين والتحرش بالنساء المسلمات، ووصل الأمر إلى حد محاولة إحداث حرب أهلية بين الأوس والخزرج، وهذا بالطبع أمر خطير جداً يستحق أقصى العقوبة، ذلك أن أحدهم وهو شاس بن قيس وكان شيخاً يهودياً شديد المكر أمر أحد الفتيان اليهود بالذهاب إلى مجالس الأوس والخزرج حيث يجتمع شبابهم عادة، ثم تذكيرهم بأيام الحروب والعداوات بينهم، وتحريضهم على قتال بعضهم بعض، وقد نفذ الفتى اليهودي ذلك الأمر، وكادت تحدث معركة بين الأوس والخزرج، فقد تشاجر بعض الأوس مع بعض الخزرج، ثم تواعدوا على الحرب، وتنادوا إلى السلاح، ولولا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أدرك الموقف سريعاً وذهب إليهم، وقال لهم: ((يا معشر المسلمين الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم))، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدوهم، وعدو الله شاس بن قيس ذلك اليهودي الملعون "المباكفورى - الرحيق المختوم - صـ277، 278 "، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - كلما فعل اليهود شيئاً من ذلك دعاهم ووعظهم، وطلب منهم احترام الميثاق بين الطرفين دون جدوى.

(2/467)


وكان لابد أن يفكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حماية الأمن الاجتماعي للدولة الذي تهدده مؤامرات اليهود وإشاعاتهم وأقوالهم وأراجيفهم، وحدث أن اعتدى اليهود على إحدى النساء المؤمنات حينما كانت تشترى بعض الأشياء من السوق، وجلست إلى أحد الصاغة اليهود، فأرادوا كشف وجهها فأبت المرأة ذلك، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها وهى غافلة، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع" (سيرة بن هشام 2 / 47، 48)، وكانت هذه الحادثة سبباً مباشراً في نقض العهد والوثيقة بين المسلمين واليهود، وقرر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يغزو بني قينقاع بعد ذلك، فسار إليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بجيشه في شوال سنة 2 هـ، فتحصنوا في حصونهم، وحاصرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - خمسة عشر يوماً، وانتهى الأمر بتسليمهم، فعفا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنهم، وأمر بخروجهم من المدينة فخرجوا منها.
ويجب أن نلاحظ هنا عدد من الملاحظات:

(2/468)


- أن يهود بني قينقاع هم الذين نقضوا العهد بما فعلوه مع المرأة المسلمة في السوق، وأن هذا لم يكن أول شكل من أشكال النقض ولكنه أكثرها مباشرة ووضوحاً، وأنهم قبل ذلك قاموا بالكثير من الأمور الناقضة لذلك العهد مثل الإيقاع بين الأوس والخزرج، أو أذية المسلمين، أو التهديد بحرب المسلمين، والتهديد بحرب المسلمين له قصة معروفة في السيرة، ونزل بها القرآن الكريم، ذلك أنهم قالوا بعد انتصار المسلمين في بدر: "يا محمد لا يغرنك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا"، وكان هذا بالطبع تهديداً واضحاً بالحرب ضد المسلمين، وكان بنو قينقاع مغترين بقوتهم، فقد كان لديهم 700 مقاتل، وكانوا معروفين بالمهارة في فن القتال.
- أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يسير معهم بمقتضى العدل، بل بالرحمة أيضاً، فقد احترم الميثاق معهم تماماً، وصبر على ممارساتهم المخالفة للميثاق عدة مرات، ولكن عندما وصل الأمر إلى تهديد الأمن الداخلي لمجتمع المدينة فإنه باعتباره قائداً عاماً لهذه الدولة كان عليه أن يجهض المؤامرات، وأن يقضى على بؤرة الفتنة داخل المدينة، فكان غزوهم ثم إجلائهم، ونلاحظ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بقتلهم رغم أنهم تحصنوا بحصونهم عند الغزو أي بدأوا في معركة، ولم يصمدوا حتى النهاية، فاستسلموا بعد حصار خمسة عشر يوماً، وكان من حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذهم أسرى على الأقل، ولكنه عفا عنهم، وسمح لهم بالجلاء عن المدينة، فحقق بذلك الأمن الاجتماعي داخل المدينة، وعاقب اليهود عقاباً طفيفاً على مؤامراتهم من ناحية أخرى.

(2/469)


- أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يسمح ويريد تعايش المسلمين مع اليهود في المدينة بدون مشاكل وفقاً لقيم العدل الإسلامي، بل وقيمة العدل المطلق، بدليل أنه عندما نقضت بنو قينقاع الميثاق عاقبهم وحدهم دون باقي جماعات اليهود في المدينة مثل بني النضير وبني قريظة، واستمر محترماً للميثاق معهم حتى نقضوه هم أنفسهم.
- أن التسوية لم تكن قاسية ولكنها حققت الهدف أيضاً، لأن المطلوب كان حماية الجبهة الداخلية لمجتمع المدينة، وهذا تحقق بجلاء يهود بني قينقاع.
أما يهود بني النضير فإنهم أيضاً هم الذين نقضوا الميثاق، ومثل باقي اليهود كانوا يضمرون الحقد على الإسلام، وبحرضون القبائل على حرب الرسول، ويمولون ذلك، ويقومون بدورهم في الحرب الإعلامية ضد المسلمين، ولكن وتيرة التآمر عندهم زادت بصورة كبيرة بعد غزوة أحد التي انهزم فيها المسلمون أمام قريش، فقد تجرأ يهود بني النضير بعد هزيمة المسلمين في أحد فكاشفوا بالعداوة والبغضاء، وأخذوا يتصلون بالمشركين والمنافقين، ثم دبروا في النهاية مؤامرة لقتل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن طريق إلقاء رحى عليه عندما جلس عندهم للتفاوض حول مساهمتهم في دية بعض القتلى من الكلابيين الذين قتلهم عمرو بن أمية الضمري وفقاً لشروط الوثيقة.

(2/470)


فلما انكشفت المؤامرة التي شاركوا فيها جميعاً؛ بالتخطيط أو التنفيذ أو الموافقة، ذلك أن محاولة القتل تلك لم تكن عملاً فردياً بل قراراً اتخذه زعماؤهم، ووافقوا عليه جميعاً، ثم تم تكليف بعضهم بتنفيذه؛ إلا أن الله - تعالى- أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فقام قبل تنفيذ المؤامرة، ونجا من المحاولة، ثم قرر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يطلب منهم الرحيل عن المدينة جزاء ما فعلوا، وأمهلهم عشرة أيام إلا أنهم رفضوا ذلك، وكان هذا إعلان للحرب بالطبع، فمن ناحية فإنهم لم ينكروا مؤامراتهم لقتل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن اعترفوا بها، وصمموا على رفض طلب خروجهم من المدينة، فكانت الحرب لا بد واقعة، فسار إليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بجيشه، وحاصرهم ستة أيام إلى أن استسلموا، فسمح لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالخروج من المدينة، ولهم أن يحملوا معهم ما شاءوا من الأموال والأمتعة ما عدا السلاح، وكانت هذه عقوبة رحيمة أيضاً بالنظر إلى ما فعلوا، وبالنظر إلى رفضهم قبول طلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم بالرحيل في خلال عشرة أيام، وتمسكهم بالحرب، وتحصنهم داخل الحصون، ثم استسلامهم بعد حصار دام ستة أيام.

(2/471)


وأيضاً لم يؤثر نقض كل من بني قينقاع وبني النضير للميثاق مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - على موقف الجماعة اليهودية الوحيدة الباقية في المدينة وهى بني قريظة التي ظل المسلمون يحترمون الميثاق معها إلى أن نقضها بني قريظة نقضاً فظيعاً أقل ما يقال فيه أنه الخيانة العظمى، ذلك أن اليهود عموماً في داخل المدينة وخارجها، ومن بني قريظة نفسها؛ قاموا بالعمل على حشد عدد كبير من القبائل العربية فيما يسمى بغزوة الأحزاب، وقاموا بتمويل تلك الحشود، ليس هذا فحسب بل إن بني قريظة اتفقت مع الأحزاب على دخول المدينة عن طريق بني قريظة، إلا أن تلك الخطة فشلت، وعندما أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم لكي يعرف حقيقة نواياهم - والمدينة محاصرة بجيوش الأحزاب - قالوا لوفد المسلمين إليهم وكان يتكون من سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وعبد الله بن رواحه: إنه لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، وأخذوا يسبون الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويتوعدون المسلمين، وكذلك قامت بني قريظة بأعمال الحرب المباشرة بمحاولة دخول أحد الحصون التي كانت نساء المسلمين تجمعن بها بعد خروج الرجال إلى المواجهة مع الأحزاب ويسمى حصن فارع، أي محاولة ضرب المسلمين في نسائهم من الخلف، ولولا شجاعة صفية بنت عبد المطلب التي قتلت أحد اليهود الذي حاول تسلق الحصن، فرجع الآخرون بعد أن ظنوا أن هناك حراسة قوية على الحصن لحدثت كارثة.

(2/472)


المهم أن الله أراد النصر للمسلمين، وأرسل ريحاً على الأحزاب فاضطروا للجلاء والرجوع إلى بلادهم، وكان من الطبيعي أن ينال يهود بني قريظة العقوبة الملائمة على الجرائم التي ارتكبوها في ذلك الوقت العصيب في حق المسلمين رغم وجود الميثاق بينهما، وهذه الجرائم تمثل أبشع أنواع الخيانة العظمى، فهي أولاً التعاون مع العدو أثناء حالة الحرب، وثانياً ضرب مؤخرة المسلمين بل ومحاولة الاعتداء على النساء، والاعتراف جهراً بنقض العهد، وسب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، والاتفاق مع الأحزاب على دخول المدينة من طريق بني قريظة، وهكذا كان من الطبيعي أن يعمد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوهم بمجرد جلاء قوات الأحزاب، وفى نفس اليوم الذي رجع فيه الرسول إلى المدينة أمر بعدم الراحة، والزحف فوراً إلى بني قريظة وقال: (من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة)، وسار الجيش إلى بني قريظة، وحاصرهم في حصونهم إلى أن استسلموا، وكانت بني قريظة من حلفاء الأوس، فتم الاتفاق على أن يحكم فيهم سيد الأوس سعد بن معاذ، وكان مريضاً في ذلك الوقت، فجيء به إلى المكان، فقام بالحكم عليهم حكماً مناسباً يتلائم مع جرائمهم، رغم أنه كان حليفاً لهم من قبل، ولا يعقل أن يظلمهم أو يقسوا عليهم - ولكن مقتضى العدل، وحجم جرائمهم لم تكن تسمح إلا بهذا الحكم الذي حكمه عليهم سعد بن معاذ - رضي الله عنه - حيث حكم بقتل الرجال، وسبى النساء، وتقسيم الأموال.

(2/473)


وهكذا كانت تلك هي ممارسات الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع يهود يثرب، فهو أولاً أراد التعايش معهم وإعطاء كل حقوق المواطنة لهم في إطار دولة المدينة، لدرجة السماح لهم بالقتال معه ضد أعدائها مع إعطائهم حقهم في الغنائم بناء على ذلك كمواطنين في دولة المدينة أفراداً وجماعات، إلا أنهم رفضوا التعايش، وخانوا الميثاق والعهد المكتوب فاستحقوا العقوبة على جرائمهم، ونلاحظ أن العقوبات دائماً كانت إما متكافئة مع جرائمهم، أو أقل من تلك الجرائم مما يؤكد روح العدل والرحمة التي عاملهم بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - .

(2/474)


بقى بعد ذلك تجمعات يهودية خارج المدينة، وهذه لم تكن داخلة بالطبع في عهد وميثاق من أهل المدينة، وبالتالي يخضعون لنفس المعايير التي خضعت لها معادلات الصراع بين المسلمين وبين مختلف القبائل العربية في الجزيرة العربية، كان هناك خيبر وتيماء وفدك ووادي القرى، وتقع خيبر على بعد 80 ميلاً شمال المدينة، وكانت خيبر أهم وأغنى تجمعات اليهود في الجزيرة العربية وأكثرها قوة، كانت خيبر تدير منذ بدايات الدعوة الإسلامية الكثير من المؤامرات على الإسلام بالتنسيق والتعاون مع باقي يهود الجزيرة العربية، كانت خيبر هي وكر الدس والتآمر فهي التي قامت بالدور الأكبر في تحريض القبائل، وتمويل زحفها على المدينة في غزو الأحزاب، وكانت تتصل بالمنافقين في المدينة، وكانت قد أصبحت ملجأ لكل زعماء اليهود وجماعاتهم المتآمرة بعد ضياع كيانهم في المدينة، وكانت خيبر قد أعدت خطة لاغتيال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك كانت تستعد للزحف إلى المدينة مع عدد من الجيوش والقبائل للقضاء على المسلمين فيها بعد أن نجح المسلمون في القضاء على الكثير من القوى المعادية لهم، أي أنها كانت المحطة الأخيرة لتجميع كل فلول الشرك في الجزيرة العربية، وعمل المؤامرة الكبرى على الإسلام، وكان من الطبيعي وفقاً للتكتيك النبوي من إجهاض تلك البؤرة، وما أن فرغ المسلمون من تهدئة جبهة قريش بصلح الحديبية توجه مع جيشه سنة 7 هـ إلى خيبر لغزوها، وقد نجح المسلمون في فتح خيبر بعد قتال صعب ومرير، وقد تركهم الرسول بعد ذلك يعملون في الأرض مقابل جزءً من الثمار، وهذا من رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إلا أنه صادر أموالهم وسلاحهم حتى لا يصبحون من جديد قادرين على حشد الجيوش، أو تمويل الحروب ضد دولة المسلمين، وحدث نفس الشيء مع يهود وادي القرى، وصالح يهود فدك على نفس ما صالح عليه أهل خيبر، أما يهود تيماء فقد أرسلوا من أنفسهم يطلبون الصلح، فكتب لهم

(2/475)


الرسول بذلك ما معناه "هذا كتاب محمد رسول الله إن لهم الذمة وعليهم الجزية، ولا عداد ولا جلاء الليل مد والنهار شد" طبقات ابن سعد.
وهكذا كان التكتيك النبوي تجاه اليهود هو العدل والرغبة في التعايش أولاً، فإذا ما نقضوا العهد كانت هناك عمليات الإجهاض والحرب الهجومية والوقائية، وعدم تركهم حتى تكتمل مؤامراتهم، والمحافظة على أمن الدولة الإسلامية الوليدة، وامتلاك زمام المبادرة دائماً.
http://www.islamicnews.net:المصدر
ــــــــــــــــــ

غزوة مؤتة

(الشبكة الإسلامية)
اتّسمت العلاقات بين المسلمين والروم بالتوتّر ، فقد دأبت الروم ومن والاها من العرب على مضايقة المسلمين واستفزازهم بكل الطرق ، وكان من أظهرها المحاولات المتكرّرة للتعرّض لتجارة المسلمين القادمة من الشام ، والقيام بالسلب والنهب للقوافل التي تمرّ بطريقهم ، ناهيك عمّا مارسوه من ضغوطاتٍ ومضايقاتٍ طالت كل مسلم وقع تحت أيديهم
وبلغ الأذى ذروته حين بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحارث بن عمير الأزدي رسولاً إلى ملك بصرى من أرض الشام يدعوه إلى الإسلام ، فما كان من ملك بصرى شرحبيل بن عمرو الغساني إلا أن قتل رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاشتدّ ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ إذ كان هذا هو أول رسولٍ له يُقتل على خلاف ما جرت العادة من إكرام الرسل وعدم التعرّض لهم .

(2/476)


فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس للخروج ومقاتلة الروم حتى يضع حداً لهذه التصرّفات الهمجية ولأجل تأديبهم ، وسرعان ما اجتمع عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة آلاف مقاتل ، فعقد الراية لثلاثة منهم وجعل إمرتهم بالتناوب ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( إن أصيب زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة ) رواه البخاري ومسلم ، فتجهّز الناس وخرجوا ، وكان ذلك يوم الجمعة من السنة الثامنة للهجرة النبوية ، فلما ودّع الناس أمراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وسلّموا عليهم ، بكى عبد الله بن رواحة فقالوا : ما يبكيك يا ابن رواحة فقال : " أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ، ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار : { وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا } ( مريم : 71 ) فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود ؟ ".
فقال المسلمون : " صحبكم الله ، ودفع عنكم ، وردّكم إلينا صالحين ، فأجابهم عبد الله بن رواحة :
لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي أرشده الله من غاز وقد رشدا
وأوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - صحابته قائلاً : ( اغزوا باسم الله وفي سبيل الله ، وقاتلوا من كفر بالله . اغزوا ولا تغدروا ، ولا تغلوا ولا تمثّلوا ، ولا تقتلوا وليدا ولا أصحاب الصوامع ) رواه أحمد وغيره من أصحاب السنن .

(2/477)


وسار المسلمون حتى نزلوا معانا - اسم قرية - من أرض الشام ، فبلغهم أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ، وانضم إليه مائة ألف أخرى من القبائل العربية الموالية له كلخم ، وجذام ، وبلقين ، وبهراء ، فاجتمع لهرقل مائتي ألف مقاتل ، فعقد المسلمون مجلسا للتشاور ، فقال بعضهم : نكتب للنبي - صلى الله عليه وسلم - نخبره بعدد عدونا ، فإما أن يمدنا بالرجال ، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له ، وقال آخرون : قد وطئتَ البلاد وأخفتَ أهلها ، فانصرف ؛ فإنه لا يعدلُ العافية شيء . و عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ساكت ، فسأله زيد عن رأيه فقال : يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبون الشهادة ، ما نقاتل الناس بعدد ، ولا عدة ، ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين ، إما ظهور ، وإما شهادة ، فقال الناس : صدق والله ابن رواحة ، فمضوا حتى إذا قاربوا البلقاء - منطقة بالشام - ، لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية يقال لها مشارف ، فدنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها : مؤتة وتسمى اليوم بالكرك ، فالتقى الناس عندها ، فتجهز المسلمون وجعلوا على ميمنة الجيش قطبة بن قتادة رجل من بني عذرة ، وعلى الميسرة أنصاريٌّ يقال له عبادة بن مالك
والتحم الجيشان وحمي الوطيس ، واقتتلوا قتالا شديداً ، وقتل أول قادة المسلمين زيد بن حارثة رضي الله عنه ، مقبلاً غير مدبر ، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب بيمينه ، وأخذ ينشد :
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
علي إن لاقيتها ضرابها
فقطعت يمينه رضي الله عنه ، فأخذ الراية بشماله فقطعت ، فاحتضنها بعضديه حتى قتل رضي الله عنه ، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ، ثم تقدم بها على فرسه فجعل يستنزل نفسه ، ويقول :
أقسمت يا نفس لتنزلن لتنزلن أو لتكرهنه

(2/478)


إن أجلب الناس وشدوا الرنة ما لي أراك تكرهين الجنة
قد طال ما قد كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة في شنة
وقال أيضا :
يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت إن تفعلي فعلهما هديت
ولما نزل أتاه ابن عم له بقطعة لحم ، فقال : اشدد بها صلبك ، فإنك قد لقيت أيامك هذه ما لقيت ، فأخذه من يده ، فنهش منه نهشة ، ثم سمع تدافع الناس للقتال فقال : وأنت في الدنيا ! ثم ألقاه من يده ، وأخذ سيفه ، فتقدم فقاتل حتى قُتل ، ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم بن ثعلبة الأنصاري فقال : يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم ، فقالوا : أنت فقال : ما أنا بفاعل ، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد .
وقد سارع الوحي إلى إبلاغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأحداث المعركة ، فعن أنس رضي الله عنه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى زيدا و جعفرا و ابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال : (أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله ، حتى فتح الله عليهم ) رواه البخاري .
وبعد أن استلم الإمرة خالد أراد أن ينقذ الجيش الإسلامي بطريقة تحفظ له كيانه وتبقي هيبته ، وقدّر أن الحل يكمن بالانسحاب بعد إرهاب العدوّ وإيهامه بوصول إمدادات جديدة ، فصمد حتى الليل واستغلّ الظلام ليغيّر مراكز المقاتلين ، وحوَّل الميسرة ميمنة ، والميمنة ميسرة ، والمؤخرة مقدمة والعكس ، وطلب من خيّالة المسلمين اصطناع غبارٍ وجلبة قويّة ، فظن الروم أن المسلمين جاءهم مدد ، فخارت عزائمهم ، واشتدّ عليهم المسلمون حتى يقول خالد رضي الله عنه : لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية ، وهكذا نجح خالد في العودة بالجيش إلى المدينة بأقلّ خسارة ممكنة ، وقُتل من الروم خلقٌ كثير لا يُعرف عددهم وكان في ذلك نصرٌ كبير للإسلام والمسلمين .

(2/479)


ولما وصل خالد إلى المدينة ، أخذ بعض المسلمين في عتاب من فرّ في بداية المعركة ، فخشي أولئك من غضب الله ورسوله حتى همّوا أن يركبوالبحر ، ثم قالوا : لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا ، فأتوه قبل صلاة الغداة فخرج فقال : (من القوم ) ؟ فقالوا : نحن الفرارون فقال : (لا ، بل أنتم الكرارون ، أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين ) فأتوه وقبلوا يده الشريفة .
هذه هي غزوة مؤتة تكاد تتفجر عظة وعبرة ، فما إن يقرأ القارئ هذه الأحداث إلا ويجد الإعجاب قد عقد لسانه ، فأي بشر هؤلاء ، يقفون بجيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل أمام جيش هائل قوامه مائتي ألف مقاتل ، إن تصورا سريعا للقوتين ليعطي نتائج حاسمة بانتصار الجيش الكبير على الجيش المقابل ، ومع ذلك يتقدم المسلمون على قلة عددهم ، وضعف عُدَدَهِم - آلة الحرب - ليضربوا أعظم صور التضحية والفداء ، بل ولينتصروا على ذلك العدو ، في أعظم مهزلة يتعرض لها جيش الإمبراطورية الرومانية ، إن غزوة مؤتة بكل المقاييس العسكرية معجزة من المعجزات ، وكرامة من الكرامات ، لقد وضعت معركة مؤتة القاعدة العسكرية الإسلامية في مواجهة العدو ، فنحن لا نقاتل بعدد ولا عدة ولكن نقاتل بهذا الدين ، فإذا تمحض قتالنا نصرة لدين الله ، وقمنا - ما استطعنا - بما أوجبه الله علينا من الأخذ بالأسباب الظاهرة ، كان النصر حليفنا بإذن الله .
إن ما يتمتع به المسلم من حب البذل والتضحية بالنفس والمال في سبيل هذا الدين نابع من إيمانه بالله ويقينه بما عنده ، فهل تُحيا في الأمة هذه البسالة ، وهل نستخلص من غزوة مؤتة - خاصة - وتاريخ المسلمين الجهادي - عامة - دروسا تزرع التضحية والفداء في قلوب فتيانه حتى يعود للأمة سابق مجدها وغابر عزها .
ــــــــــــــــــ

غزوة مؤتة

في العام الثامن الهجري، أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحارث بن عمير الأزدي

(2/480)


-رضي الله عنه- إلى أمير بُصرى؛ ليدعوه وقومه إلى الإسلام، فطغى أمير بصرى وأتباعه، وقتلوا هذا الصحابي الجليل، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون من هذا الغدر وهذه الخيانة، وجهز جيشًا من ثلاثة آلاف جندي؛ لتأديب هؤلاء القوم، وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة قائدًا على الجيش، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة. [البخاري]
وانطلق الجيش حتى بلغ الشام، وفوجئ المسلمون بأن جيش الروم يبلغ مائتي ألف مقاتل، فكيف يواجهونه بثلاثة آلاف مقاتل لا غير؟
وقف عبد الله بن رواحة الأسد، يشجع الناس ويقول لهم: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون.. الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور (نصر) وإما شهادة.
فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة. فمضى الناس، وقد امتلأت قلوبهم ثقة بالله -سبحانه-.
ورغم هذا الفارق الكبير في العدد، حيث إنَّ كل مسلم منهم يواجه وحده حوالي سبعين مشركاً، فقد دخلوا في معركة حامية وهم مشتاقون إلى الشهادة، والموت في سبيل الله.
والتقى الجيشان، وقاد زيد بن حارثة جيش المسلمين، وهو يحمل راية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى استشهد -رضي الله عنه-، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب، واشتدت المعركة، فنزل جعفر عن فرسه وعقرها (قطع أرجلها) حتى لا يأخذها أحد الكفار فيحارب عليها المسلمين، وحمل جعفر الراية بيمينه فقطعت، فأخذها بشماله فقطعت، فاحتضنها بعضديه حتى استشهد -رضي الله عنه-، فحمل الراية عبد الله بن رواحة، ووجد في نفسه بعض التردد، فحث نفسه على الجهاد بقوله:
أقسمت يا نفسُ لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة مالي أراك تكريهن الجنة
وقاتل حتى استشهد في سبيل الله.

(2/481)


عندئذ كان لابد من أن يبحث المسلمون عن قائد يدير المعركة بعد استشهاد القادة الثلاثة، فاتفق الناس على خالد بن الوليد.
فقاد خالد -رضي الله عنه- أولى تجاربه العسكرية التي يخوضها بعد إسلامه. فوجد الفرق كبيرًا بين عدد المشركين وعدد المسلمين، ولابد أمامه من الحيلة حتى لا يفنى المسلمون جميعهم، ويحافظ على جيشه سليمًا، فكان يقاتل الأعداء كأسد جسور، وكلَّما انكسر في يده سيف أخذ سيفًا آخر، حتى انكسرت في يده تسعة أسياف.
وعندما جاء الليل وتوقف القتال، أخذ خالد يعيد ترتيب جيش، فجعل الميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، والمقدمة مؤخرة.
وفي الصباح نظر الروم إلى المسلمين، فوجدوا الوجوه غير وجوه الأمس، فظنوا أن المسلمين قد جاءهم مدد، فخافوا وارتعدوا، وفرُّوا خائفين رغم كثرتهم، فلم يتبعهم المسلمون، لكنهم عادوا إلى المدينة.
فقابلهم الصبية وهم يرمون التراب في وجوههم؛ لأنهم تركوا الميدان ورجعوا، وكان يعيرونهم قائلين: يا فُرَّار، أفررتم في سبيل الله؟
ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم المأزق الذي كان فيه جيشه فقال لهم: "ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله" [ابن سعد].
وأطلق على خالد بن الوليد في هذه المعركة سيف الله المسلول، تقديرًا لذكائه وحسن تصرفه الذي أنقذ به المسلمين من الهلاك المحقق.
سرية ذات السلاسل:
رأينا شجاعة خالد بن الوليد وعبقريته في غزوة مؤتة، وها هو ذا عمرو بن العاص يخرج على رأس جيش من المسلمين في جمادى الآخرة من العام الثامن الهجري؛ لتأديب القبائل الموالية للروم قرب بلاد الشام، وهناك بجوار ماء يسمى (السلاسل) أقام المسلمون ينتظرون المدد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :، وإذا بجيش كبير يقبل عليهم فيه أبو بكر وعمر ويقوده أبو عبيدة بن الجراح الذي أوصاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدم الخلاف مع عمرو بن العاص.

(2/482)


ولما جاء وقت الصلاة أراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فمنعه عمرو، وقال: إنما قدمت على مددًا وأنا الأمير. فأطاع له أبو عبيدة حتى لا يكون سببًا في الفرقة بين المسلمين.
وانطلق المسلمون خلف قائدهم تحت راية الإسلام، يطاردون القبائل التي تشكل تهديدًا للمسلمين، ففروا منهزمين أمامهم. وقد أظهرت هذه المعارك كفاءة عمرو الحربية، وأدخلت الرعب في نفوس الأعداء.
ــــــــــــــــــ

حركات جهادية بين مؤته وفتح مكة

(الشبكة الإسلامية)
بعد أن قويت شوكة الإسلام وأرسى دعائم دولته ، دخلت فيه بعض القبائل ، ولَمّا يتمكن الإيمان من قلوبها ، ولم تكن مهيأة بعد لاحتمال مشاق الدعوة وعقبات الطريق ...وإن شئت قل : إن دخول تلك القبائل في الإسلام لم يكن موقفاً خالياً من المصالح الذاتية التي بدت لهم ، ولذلك نجدهم يتراجعون عند أول صدمة ، بل ينتهزون الفرص لبث الفوضى ، وإثارة القلاقل ، وتأليب الناس على المسلمين . وهذا ما كان من شأن قبائل قُضاعة .
فبعد عودة المسلمين من غزوة مؤتة إلى المدينة ، جهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشاً يتكون من ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار بقيادة عمرو بن العاص إلى "ذات السلاسل" - بمشارف الشام- بهدف تأديب قبائل قُضاعة التي غرّها ما أصاب المسلمين في مؤته ، مما دفعها إلى التعاون مع الروم ، والعمل على مهاجمة المدينة .

(2/483)


وعندما وصل عمرو إلى القوم ورأى كثرة تجمعهم ، أرسل إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخبره بأمرهم ، فأمدّه بمائتي مجاهد بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ، فاتحدوا جميعاً ، واتجهوا إلى بلاد قُضاعة ، حتى أتوا على أقصى البلاد ، وفرقوا جمعهم ، وحمل المسلمون على من بقي منهم فلم يثبتوا أمام المؤمنين ، وفروا هاربين منهزمين ، وكتب الله النصر لعباده ، ونجح المسلمون في إرجاع هيبة الإسلام بأطراف الجزيرة الشمالية ، ناحية الشام ، مما كان له الأثر في عودة القبائل إلى أحلافها مع المسلمين ، وإسلام الكثيرين من بني عبس وذبيان ومرة وفزارة ، ثم تبعهم بنو سُليم وعلى رأسهم العباس بن مرداس ، وبنو أشجع ، حتى قوي شأن المسلمين ، ووافق بعث هذه السرية في جمادى الآخرة سنة 8 هـ .
وفي رجب من العام نفسه لحقتها سرية الخبط ، بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ، في ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار ، وزودهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جراباً من تمر ، فكان أبو عبيدة يقبض لهم قبضة ثم تمرة تمرة ، فكان أحدهم يلوكها ، ويشرب عليها الماء ، فلما نفد ما عندهم أكلوا الخبط - ورق السمر- ، وأصابهم جوع شديد ، ثم أنعم الله عليم بحوت ضخم ، يقال له "العنبر" ، ألقى به البحر إليهم ميتاً ، فأكلوا منه حتى شبعوا ، وأحضروا منه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي الصحيح : ( كلوا رزقاً أخرجه الله ، أطعمونا إن كان معكم ، فأتاه بعضهم بعضو ، فأكله ) متفق عليه .
وفي شعبان من العام نفسه لحقتها سرية " أبي قتادة " ومعه عبدالله بن أبي حدرد الأسلمي إلى الغابة ، لكسر شوكة قيس بن رفاعة الذي كان يريد جمع قيسٍ على محاربة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان عدد السرية خمسة عشر رجلاً ، فتم قتل زعيمهم ، وشُرِّد أتباعه ، وعاد المسلمون إلى المدينة منتصرين غانمين .

(2/484)


وفي أول شهر رمضان سنة 8هـ اتجهت سرية لأبي قتادة إلى بطن إِضَم - موضع ماء بين مكة واليمامة - ، في ثمانية نفر ، بهدف التمويه على قريش ، لتذهب الأخبار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوجه إلى تلك الناحية .
تلك البعوث الجهادية وغيرها يؤخذ منها دروس وعبر ، تتعلق بتدريب القادة العظام ، وتأهيل المجاهدين الأفذاذ , والتربية على الصبر والطاعة ، والعمل على تأمين حدود دولة الإسلام ، وإعادة ضعاف القلوب إلى الإسلام ، وإيقاف من تسول له نفسه المساس بالمسلمين عند حده ، فأهل الإسلام قد يُبتلون في بعض المواقف ، كما كان الأمر في غزوة أحد ومؤته ، لكنهم سرعان ما يعودون إلى كسب النصر والتأييد والتمكين ، بتوفيق الله لهم وإنجاز وعده
وذلك لأنهم أصحاب الدين الخاتم ، الذي يحمل لالإنسانية الخير والسعادة ، فهم يهدفون في كل تحركاتهم نفع الناس ، بدعوتهم إلى توحيد الله وعبادته واتباع دينه ، قال تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين } (البقرة:193) ، والله الموفق.
ــــــــــــــــــ

فتح مكة

بعد أن تم عقد صلح الحديبية بين المسلمين والمشركين من قريش، دخلت قبيلة خزاعة في حلف المسلمين، ودخل بنو بكر في حلف قريش، وحدث أن اعتدى بنو بكر على خزاعة، وإذا بقريش تساعدهم، وترسل لهم السلاح، وبذلك خانت قريش عهدها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :.
وأقبل عمرو بن سالم الخزاعي يشكو ل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغدر والخيانة، فوعده الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالانتصار لهم. وفي مكة ندم الكفار على خيانتهم للعهد، وشعروا بفداحة جُرمهم، وأدركوا أنهم أصبحوا مهددين، فذهب أبو سفيان إلى المدينة ليقابل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعتذر ويؤكد المعاهدة بين قريش والمسلمين.

(2/485)


أخذ أبو سفيان يبحث عمن يتوسل به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :، فذهب إلى ابنته أم حبيبة، زوجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :، لتشفع له عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :، فلما همَّ بالجلوس، رفعت السيدة أم حبيبة الفراش من أمامه حتى لا يجلس عليه، وقالت له: أنت رجل مشرك نجس، ولا أحب أن تجلس على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :. [ابن إسحاق]
ثم خرج أبو سفيان فكلَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يرد عليه، وذهب إلى أبي بكر ليكلم له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفض أبو بكر، فذهب أبو سفيان إلى عمر بن الخطاب فرد عليه عمر ردًّا غليظًا، فلجأ إلى عليّ بن أبي طالب، فنصحه عليٌّ بأن يعود إلى مكة من حيث جاء، فرجع أبو سفيان إلى مكة خائبًا، وظل المشركون ينتظرون قدوم المسلمين إليهم في رعب وخوف وقلق.
وبدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعد للسير إلى مكة، ولم يُعلم الناس بمقصده، وقال: "اللهمَّ خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلدها" [ابن إسحاق].
وكان حاطب بن أبي بلتعة قد كتب إلى قريش يخبرهم بقدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأعطى الكتاب لامرأة لكي تبلغه إلى قريش، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - خبر من السماء يعلمه بما فعل حاطب.
فأرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب والزبير بن العوام في طلب المرأة، فلحقا بها، وقالا لها: أخرجي الكتاب. فقالت ما معي كتاب. فقالا لها: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. فأخرجته من شعرها، فأتيا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :، فقال: "يا حاطب، ما حملك على هذا؟" فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما غيرتُ ولا بدلتُ، ولكني كنتُ امرءًا ليس لي في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان ليبين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم (ليكون لي جميل عندهم).

(2/486)


وأراد عمر بن الخطاب أن يقتل حاطبًا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر يوم بدر، فقال اعلموا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم" [متفق عليه].
وزلت الآيات الأولى من سورة الممتحنة في ذلك، فقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل) [الممتحنة].
وفي العاشر من رمضان في السنة الثامنة للهجرة، خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومعه المسلمون يملئون الصحراء، في عشرة آلاف مقاتل متجهين إلى مكة.
ومن مكة، خرج أبو سفيان ومعه بديل بن ورقاء وحكيم بن حزام؛ ليتجسسوا على المسلمين، ولم يكونوا على علم بقدوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم. وفي جوف الليل، رأوا النيران المشتعلة تملأ الصحراء.. يا للعجب! ما كل هذه النيران؟ فقال أحدهم: هذه خزاعة. فقال أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
وسمع العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان قد أسلم- صوت أبي سفيان في جوف الليل، فناداه وأخبره أنها نيران المسلمين، ووقف أبو سفيان مندهشًا ينظر إلى جنود المسلمين ويسأل نفسه: ما كل هذه الجنود؟ وكيف تجمعوا حول محمد؟ كيف صار بهذه القوة بعد أن خرج من مكة ضعيفًا لا حول له ولا قوة؟!
وفي انبهار أخذ العباس وأبو سفيان يشاهدان قوة جيش المسلمين، فقال
أبو سفيان للعباس: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة.

(2/487)


وتوجه أبو سفيان مع العباس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :، فلما رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟". قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننتُ أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئًا بعد.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟" قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئًا.
فقال العباس: ويحك، أسلم وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك. فشهد أبو سفيان شهادة الحق وأسلم. [ابن إسحاق].
وعندما دخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون مكة أراد أن يكرم أبا سفيان، فقد كان رجلاً يحب الفخر، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن".
وعفا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن أهل مكة الذي آذوه وطردوه هو أصحابه، وبإسلامه سوف يسلم كثير من أهل مكة دون قتال وإراقة دماء، فانطلق أبو سفيان إلى قومه ونادى فيهم بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.
وأسرع الناس إلى بيوتهم يختبئون، وامتلأت شوارع مكة بالمسلمين دون قتال سوى اشتباك قليل بين خالد بن الوليد وبعض الكفار في جنوب مكة.

(2/488)


وفي لحظة واحدة تغيَّر الحال، فدخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الكعبة، وظهرها من الأصنام بعد أن كانت من قبل مليئة بها، وهدَّم الرسول والمسلمون ثلاثمائة وستين صنمًا كانت حولها، و الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقرأ قوله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا) [الإسراء: 81]، (وقل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) [سبأ: 49].
وانطلق صوت بلال بن رباح يدوي في الآفاق ويؤذن للصلاة فوق البيت العتيق، فاطمأن الناس على أنفسهم وبدأوا يخرجون من بيوتهم، ويقبلون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :، فوقف على باب الكعبة، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
ثم قال: "يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟" قالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم. فنظر إليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - نظرة كلها عفو ورحمة، وقال: "لا أقول لكم إلا كما قال يوسف لإخوته: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين). اذهبوا فأنتم الطلقاء". [ابن إسحاق وابن سعد]
وأقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكة تسعة عشر يومًا يعلِّم الناس أركان الإسلام، ويرسل القادة والفرسان لهدم أصنام القبائل المجاورة.
ــــــــــــــــــ

فتح مكة

(الشبكة الإسلامية)
لما كان من بنود صلح الحديبية أن من أراد الدخول في حلف المسلمين دخل ، ومن أراد الدخول في حلف قريش دخل ، دخلت خزاعة في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش ، وقد كانت بين القبيلتين حروب وثارات قديمة ، فأراد بنو بكر أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم ، فأغاروا عليها ليلاً ، فاقتتلوا ، وأصابوا منهم ، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح والرجال ، فأسرع عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة ، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغدر قريش وحلفائها .

(2/489)


وأرادت قريش تفادي الأمر ، فأرسلت أبا سفيان إلى المدينة لتجديد الصلح مع المسلمين ، ولكن دون جدوى ؛ حيث أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين بالتهئ والاستعداد ، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة ، كما أمر بكتم الأمر عن قريش من أجل مباغتتها في دارها .
وفي رمضان من السنة الثامنة للهجرة غادر الجيش الإسلامي المدينة إلى مكة ، في عشرة آلاف من الصحابة بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن استخلف على المدينة أبا ذر الغفاري رضي الله عنه .
ولما كان بالجحفة لقيه عمه العباس بن عبدالمطلب ، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلماً مهاجراً
وركب العباس بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيضاء ، يبحث عن أحد يبلغ قريشاً لكي تطلب الأمان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يدخل مكة .
وكان أبو سفيان ممن يخرج يتجسس الأخبار ، فوجده العباس ، فنصحه بأن يأتي معه ليطلب له الأمان من رسول الله ، فجاء به راكباً معه ، حتى أدخله على رسول الله ، فقال له الرسول : ( ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ ....ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله) ، فقال العباس : ويحك أسلم ، فأسلم وشهد شهادة الحق ، ثم أكرمه الرسول فقال : (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) رواه مسلم .
ولما تحرك الجيش لدخول مكة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي ،حتى تمر به جنود الله فيراها ، فمرّت القبائل على أبي سفيان ، و العباس يخبره بها ، حتى مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبته الخضراء ، فيها المهاجرون والأنصار ، فقال أبو سفيان : سبحان الله ؟ ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة . ثم أسرع إلى قومه ، وصرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا محمد ، قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فتفرق الناس إلى دورهم ، وإلى المسجد .

(2/490)


ودخل رسول الله مكة متواضعاً لله الذي أكرمه بالفتح ، وكان قد وزع جيشه إلى مجموعات ، أو كتائب احتياطاً لأي مواجهة .
ودخل الجيش الإسلامي كل حسب موضعه ومهامه ، وانهزم من أراد المقاومة من قريش ، ولم يستطع الصمود أمام القوى المؤمنة ، ثم دخل رسول الله المسجد الحرام والصحابة معه ، فأقبل إلى الحجر الأسود ، فاستلمه ، وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنماً ، فجعل يطعنها بقوس في يده ، ويكسرها ، ويقول : { جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقاً} ( الإسراء :81 ) ، { قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} (سبأ : 49) ، والأصنام تتساقط على وجوهها ، ثم طاف بالبيت .
ثم دعا عثمان بن طلحة ، فأخذ منه مفتاح الكعبة ، فأمر بها ففتحت ، فدخلها فرأى فيها الصور فمحاها ، وصلى بها ، ثم خرج وقريش صفوفاً ينتظرون ما يصنع ، فقال : ( يا معشر قريش ، ما ترون أني فاعل بكم ؟) قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : ( فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوانه : {لا تثريب عليكم اليوم } اذهبوا فأنتم الطلقاء ) .
وأعاد المفتاح ل عثمان بن طلحة ، ثم أمر بلالاً أن يصعد الكعبة فيؤذن ، وأهدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذٍ دماء تسعة نفر من أكابر المجرمين ، وأمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة .
وفي اليوم الثاني قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وألقى خطبته المشهورة ، وفيها :
( إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ، فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة ،لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ، ولم تحلل لي قط إلا ساعة من الدهر ، لا ينفر صيدها ، ولا يعضد شوكها ، ولا يختلى خلاها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد) رواه البخاري .
وخاف الأنصار بعد الفتح من إقامة الرسول بمكة ، فقال لهم : ( معاذ الله ، المحيا محياكم ، والممات مماتكم ) رواه مسلم .

(2/491)


ثم بايع الرجال والنساء من أهل مكة على السمع والطاعة ، وأقام بمكة تسعة عشر يوماً ، يجدد معالم الإسلام ، ويرشد الناس إلى الهدى ، ويكسر الأصنام .
وبهذا الفتح حصل خير كثير ، فبه أعز الله الإسلام وأهله ، ودحر الكفر وأصحابه ، وبه استنقذ مكة المكرمة ، والبيت العتيق من أيدي الكفار والمشركين ، وبه دخل الناس في دين الله أفواجاً ، وأشرقت الأرض بنور الهداية ، وهكذا يفعل الإسلام في أتباعه، ومع أعدائه ، فهو دين الرحمة ، فهل يوجد دين يماثله ، في قيمه ومبادئه وتعاليمه في السلم والحرب ، إن الإسلام هو دين االإنسانية جمعاء ، وهي تحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى .
ــــــــــــــــــ

السنة التي فتحت فيها مكة المكرمة

تاريخ الفتوى : 19 صفر 1424 / 22-04-2003 السؤال
متى كان فتح مكة ؟
الفتوى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فقد قال ابن القيم في زاد المعاد في وصفه لفتح مكة المكرمة ما نصه: إنه الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعل هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين، وهو الفتح الذي استبشرت به أهل السماء، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجاً.
وقد ذكر أهل السير أن تاريخ هذه الغزوة كان في السنة الثامنة من الهجرة في شهر رمضان.والله أعلم.
ــــــــــــــــــ

النفر الذين أمر بقتلهم يوم الفتح

تاريخ الفتوى : 27 ربيع الثاني 1426 / 05-06-2005 السؤال
هل قال الرسول -عن عبد الله بن أبى السرح -للصحابة اقتلوه ولو كان متعلقا بأستار الكعبة، ولماذا فعل ذلك مع أنه القائل من دخل البيت فهو آمن، يوم فتح مكة؟ وجزاكم الله خيراً.
الفتوى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

(2/492)


فقد أمن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة كل من دخل المسجد أو أغلق عليه بابه، إلا أربعة أمر بقتلهم ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة، أخرج النسائي في سننه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عماراً وكان أشب الرجلين فقتله، وأما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم عاصف فقال أصحاب السفينة أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً ها هنا. فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك علي عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً - صلى الله عليه وسلم - حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريماً فجاء فأسلم. وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: يا رسول الله بايع عبد الله قال فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك؟ قال: إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين. قال الشيخ الألباني: صحيح.
والله أعلم.
المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه
ــــــــــــــــــ

الحكمة من إهدار دماء بعض المشركين يوم الفتح

تاريخ الفتوى : 03 شعبان 1426 / 07-09-2005 السؤال

(2/493)


بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد
أما بعد فأحسن الله إليكم على أجوبتكم الموفقة لاستفساراتنا، حتى لا أطيل عليكم سؤالي باختصار لماذا أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام بقتل بعض المشركين عند فتح مكة كعكرمة بن أبي جهل؟ فماذا كان ذنبهم حتى حرموا من العفو هل كان ذلك وحيا من الله؟
توسوس لي نفسي كأن رسول الله عليه الصلاة والسلام أراد أن ينتقم لنفسه منهم هذا عكس ما نعلمه عن حلمه وعفوه وأنه عليه الصلاة والسلام لا يغضب لنفسه بل لله. أرجو أن تكونوا سببا لكي يكشف الله عني هذه الشبهة وأخيرا لا تنسوني من دعاءكم بظهر الغيب
وفقكم الله لكل خير
الفتوى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد ذكر ابن حجر في الإصابة أن عكرمة بن أبي جهل كان من أشد الناس على النبي - صلى الله عليه وسلم - كأبيه.
وذكر ابن كثير وغيره من أصحاب السير أنه كان أحد رجالات قريش الذين سعوا في التخطيط لمعركة أحد وكلموا أبا سفيان ومن كانت له تلك العير من قريش وطلبوا منهم الإعانة بمال العير على حرب النبي - صلى الله عليه وسلم - ليدركوا منه ثأرهم وخرج بزوجته مع من خرجوا بزوجاتهم التماس الحفيظة وأن لا يفروا.
وكان على ميسرة الجيش القرشي يوم أحد، وكان من قادة المشركين يوم الخندق وممن اقتحم بفرسه الخندق، وكان يحرض بني كنانة وبني قريظة على القتال، وقد عفا عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمنه لما استأمنته له زوجته أم حكيم رضي الله عنها ثم أسلم، وكان من قادة المجاهدين في الجهاد بعد ذلك حتى أكرمه الله بالشهادة في فتوح الشام، هذا وليعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - له أن يجتهد ويأمر بما يراه صوابا ويعتبر حكمه الذي أقره الله عليه وحيا لأنه لا يقره الله تعالى على باطل كما أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

(2/494)


وقد كان - صلى الله عليه وسلم - رحيما رفيقا حليما ولا ينتصر لنفسه ولكن عداء عكرمة وأشباهه من قريش لم يكن عداء لشخص النبي - صلى الله عليه وسلم - فقط وإنما كان عداء للدين الذي جاء به فهو قد عاش بينهم محبوبا محترما أربعين سنة وما ناصبوه العداء إلا بعد مجيئه بالوحي، وقد قال له ورقة بن نوفل كما في البخاري: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وبناء عليه فإن شدته وإغلاظه المعاملة مع من حاربوا الدين أمر موافق للصواب وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ .
فقد كان - صلى الله عليه وسلم - نبي الرحمة ونبي الملحمة، وكل من الرحمة والشدة في وقته المناسب له من الحكمة المحمودة.
وراجع الفتوى رقم: 62889، والفتوى رقم: 63354 ففيهما بيان سبب إهدار النبي - صلى الله عليه وسلم - لدم بعض قريش يوم الفتح.
والله أعلم.
المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه
ــــــــــــــــــ

الدروس والعظات حتى فتح مكة

نتكلم أولا عن مشروعية القتال في الإسلام وأسبابه وقواعده العامة.

(2/495)


بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوته بالحسنى والموعظة، يتلو على قومه ما يتنزل عليه من كتاب الله ويحدثهم من قلبه وعقله ما يفتح عيونهم على ما هم عليه من وثية وخرافة وضلالة وجهل، ولكن قومه قابلوه بالصد والسخرية أولا، ثم بالافتراء والأذى ثانيا، ثم بالتآمر على قتله أخيرا، إلى أن هيأ الله لدعوته مكانا تستقر فيه آمنة مطمئنة، ولكن واجه في مكانه الجديد قوتين تتربصان به الدوائر: قريشا التي أقض مضجعها هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته إلى المدينة التي آمن أصحابها بدعوته أيضا، فغدت له قوة تتمزق لها مرائرة قريش، وقوة اليهود التي حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن يقيم علاقة سلم معها منذ استقراره، ولكن طبيعة اليهود طبيعة حاقدة ماكرة متآمرة، فما كاد النبي - صلى الله عليه وسلم - يستقر بالمدينة، وتتم له زعامة المهاجرين والأنصار، حتى شرق زعماء اليهود بالحسد والغيظ من هذه الزعامة التي نافستهم وسيطرت على المدينة سيطرة تامة.

(2/496)


كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مدة مقامه بالمدينة تتنزل عليه آيات القرآن الكريم بالصبر على ما يقولون. {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}[المزمل: 10] وكان المشركون كلما تنزلت آيات الصبر على أذاهم ازدادوا في الأذى والكيد والعدوان، ولم يكن المسلمون يومئذ قادرين على صد الأذى لقلتهم واستضعافهم، فلما استقر النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، وأصبحت للمسلمين شوكة ومنعة، واجهتم قوة قريش وعداوتها، وضغينة اليهود وخبثهم، باحتمال العدوان عليهم في كل حين، والإسلام دين واقعي لا يغمض عينه عن الواقع، ويتبع الأوهام والمثل العليا إزاء قوم لا يؤمنون بهذه المثل، ولا يحترمونها، فكان لا بد له أن يحتمي بالقوة، ويستعد لرد العدوان، ويقضي على قوة الباطل وشوكته، لينفسح المجال أمام دعوته الخيرة المحررة، تخاطب العقول، وتزكي النفوس، وتصلح الفساد، وتجعل للخير أعلاما يهتدى بها، ومنارات تضيء الطريق لمبتغي الخير والهداية والرشاد.
... لهذا كله وما يشبهه شرع الله القتال للمؤمنين في السنة الثانية للهجرة، حين نزلت الآيات التالية: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}[الحج: 39-41].

(2/497)


هذه هي أولى الآيات التي نزلت في شأن القتال والإذن فيه، وجدير بنا أن نقف عندها قليلا لنتعرف منها حكمة الإذن بالقتال وفائدته وأهدافه:
1- ذكر في صدر الآية أنه أذن للمؤمنين بالقتال، ويلاحظ أنه عبر عن المؤمنين بلفظ: ( الذين يقاتلون ) ومن القواعد اللغوية (1) المعروفة أن تعليق الحكم بمشتق يفيد علية ما منه الاشتقاق، فـ (يقاتلون) مشتق من المقاتلة، أي إن هؤلاء المؤمنين الذين أذن لهم بالقتال، كانوا يقاتلون أي: يضطهدون ويعذبون، ويعلن عليهم القتال، فهذا صريح في أن العلة في الإذن لهم بالقتال وقوع الاضطهاد عليهم من قبل، فهو بمثابة رد العدوان عنهم، ومعاملة المثل بالمثل، كما في قوله تعالى: {فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] وقوله: { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40].
2- وفي الآية تصريح بأن هذا القتال الذي كانوا يقاتلون به إنما كان ظلما وعدوانا لا مسوغ له، وذلك في قوله في الآية: {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} فالمؤمنون في مكة لم يكونوا ظالمين ولا متعسفين، إنما كانوا يدافعون عن العقيدة، ويدعون قومهم إلى التحرر من الأوهام والخرافات، ومساوئ الأخلاق.
3- وفي الآية الثانية تصريح بالحقائق التاريخية التي وقع فيها الاضطهاد، ذلك أن هؤلاء المؤمنين الذين أذن لهم بالقتال كانوا قد أخرجوا من ديارهم، وليس هنالك ظلم أشد من إخراج الإنسان من وطنه، وتشريده عن أرضه.
4- وفي الآية نفسها بيان للسبب الذي من أجله أخرج هؤلاء المؤمنون من ديارهم، وهو أنهم خالفوا قومهم في اعتناق الوثنية، وعبادة الآلهة الباطلة، وعبدوا الله الواحد الأحد، فالقوم كانوا مضطهدين من أجل العقيدة، لا تريد قريش أن تكون لهم حريتهم فيها.
__________
(1) - - المعروف أنها من القواعد الأصولية لا اللغوية، وأيا ما كان فلا مناسبة له هنا لأن الآية صرحت بالعلة-

(2/498)


5- وما دام المؤمنون كانوا لا يملكون حرية الاعتقاد، فالقتال الذي شرع إنما هو لتأمين هذه الحرية التي هي أغلى ما يعتز به الإنسان من قيم هذه الحياة.
6- ثم بين الله أن هذا القتال الذي شرعه للمؤمنين ليست فائدته في تأمين الحرية الدينية لهم وحدهم، بل يستفيد منها أتباع الديانات السماوية الأخرى، وهي اليهودية والنصرانية، فإن المسلمين يومئذ كانوا يقاتلون وثنيين لا دين لهم، فإذا قويت شوكتهم استطاعوا أن يحموا أماكن العبادة لليهود والنصارى مع حمايتهم للمساجد، كيلا يستولي الوثنيون والملحدون فيحاربوا الديانات الإلهية، ويغلقوا أماكن العبادة لها، وذلك واضح في قوله في تلك الآية: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} .
والصوامع: هي أماكن الخلوة للرهبان، وتسمى الأديرة. والبيع: هي منائس النصارى، والصلوات: هي كنائس اليهود. وبذلك يتبين بوضوح أن القتال في الإسلام ليس لمحو الديانات السماوية، وهدم معابدها، بل لحماية هذه الديانات السماوية من استعلاء الملحدين والوثنيين عليها، وتمكنهم من تدميرها وإغلاقها.
7- وفي الآية الثالثة تصريح بالنتائج التي تترتب على انتصار المؤمنين في هذا القتال المشروع، فهي ليست استعمار الشعوب، ولا أكل خيراتها، ولا انتهاب ثرواتها، ولا إذلال كراماتها، وإنما هي تنائج في مصلحة االإنسانية ، ولفوائد المجتمعات، فهي:
أ- فهي لنشر السمو الروحي في العالم عن طريق العبادة {أَقَامُوا الصَّلَاةَ}.
ب- ولنشر العدالة الاجتماعية بين الشعوب عن طريق الزكاة {وَآتَوُا الزَّكَاةَ}.
ج- ولتحقيق التعاون على خير المجتمع وكرامته ورقيه {وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ }.
د- وللتعاون على مكافحة الشر والجريمة والفساد {وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ}.

(2/499)


تلك هي النتائج التي تترتب على انتصار المؤمنين في قتالهم مع أعدائهم، من إقامة دولة إسلامية تعمل على سمو الروح، وتكافل المجتمع، ورقي الإنسان عن طريق الخير، ومنع انحداره عن طريق الشر، فأية غاية إنسانية أنبل من هذه الغاية التي شرع من أجلها القتال في الإسلام، وأي قتال عرفته الأمم في القديم والحديث يساوي هذه الغاية في عموم الفائدة للناس جميعا وبناء المجتمعات على ما يؤدي إلى رقيها وتطورها تطورا إنسانيا بناء، لا رجوع فيه إلى عهد الجاهلية الأولى، من الإباحية، والانحلال، والإلحاد والحروب، وسفك الدماء، كما هو شأن التطور الذي يتم في ظل هذه الحضارة الغربية المادية.
... وإذا عرفنا أهدف الإسلام وغاياته من إباحة القتال، عرفنا معنى أنه في سبيل الله ، فالجهاد في سبيل الله هو جهاد لتحقيق الخير والسلام والسمو والعدل في المجتمعات، وسبيل الله طريقه، والطريق إلى الله لا يكون إلا عن طريق الخير والحب والتعاون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان.
... هذه كلمة موجزة عن أهداف الإسلام في مشروعية القتال والأسباب التاريخية للإذن به. ثم نتكلم عن الدروس والعظات في معارك الإسلام الأولى، أي في عهد الرسول صلىالله عليه وسلم، وقد كنت أود أن اتكلم عن دروس كل معركة على حدة، ولكن الوقت ضيق وذلك يأخذ عشرات الصفحات، مما حملني على أن أجمع هذه العظات كلها في مرة واحدة، مستفيدا من كل معركة أكثر من درس واحد، ولعلي أفصِّل القول في دروس كل معركة على حدة في العام المقبل إن شاء الله، وفسح في الأجل، وتفضل بتخفيض المرض.

(2/500)


1- كانت أولى المعارك بدرا، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد خرج لاعتراض قافلة قريش في عودتها من الشام إلى مكة، ولكن القافلة نجت، وكان المشركون قد صمموا على القتال، فكان من أمر المعركة ما ذكرناه. واعتراض قافلة قريش لا يدل على الرغبة في أخذ الأموال وقطع الطريق، كما يدعي الأفاكون من المستشرقين، بل كان من بواعثه الاقتصاص من قريش لأخذ أموالها لقاء ما أخذت من أموال المؤمنين المهاجرين، فقد أجبرتهم أو أكثرهم على ترك دورهم وأراضيهم وأموالهم، ومن علمت بهجرته بعد غيابه عن مكة باعت له دوره واستولت على أمواله، فشريعة المعاملة بالمثل المعترف بها اليوم في القوانين الدولية تبيح مثل هذا العمل، كما هو الشأن بيننا وبين إسرائيل. ومن المهم أن نلاحظ أنه سبقت غزوة بدر سبع محاولات لاعتراض عير قريش، وكان الذين يخرجون فيها من المهاجرين فحسب، ولم يرسل فيها أنصاريا واحدا، ذلك لأن هؤلاء المهاجرين إن اعترضوا قافلة قريش واستولوا عليها، فإنما يفعلون ذلك عن حق مشروع في جميع القوانين الإلهية، والشرائع الوضعية، ونشير إلى هذه المحاولات السبع وهي:
بعث حمزة على رأس سبعة أشهر من الهجرة، وسرية عبيدة بن الحارث على رأس ثمانية أشهر منها، وسرية سعد بن أبي وقاص على رأس تسعة أشهر منها، ... و (غزوة ودان) على رأس اثني عشر شهرا منها، و (غزوة بواط) على رأس ... ثلاثة عشر منها، و(غزوة بدر الأولى) في الشهر الثالث عشر أيضا، و(غزوة العشيرة) على رأس ستة عشر من الهجرة. وكل هذه السرايا والغزوات كانت مؤلفة من المهاجرين فحسب، ليس فيهم أنصاري واحد، وهذا يؤكد ماقلناه.

(3/1)


2- إن النصر في المعارك لا يكون بكثرة العدد، ووفرة السلاح، وإنما يكون بقوة الروح المعنوية لدى الجيش، وقد كان الجيش الإسلامي في هذه المعارك، يمثل العقيدة النقية والإيمان المتقد، والفرح بالاستشهاد، والرغبة في ثواب الله وجنته، كما يمثل الفرحة من الانعتاق من الضلال، والفرقة والفساد، بينما كان جيش المشركين يمثل فساد العقيدة، وتفسخ الأخلاق، وتفكك الروابط الاجتماعية، والانغماس في الملذات، والعصبية العمياء للتقاليد البالية، والآباء الماضين، والآلهة المزيفة.
انظر إلى ما كان يفعله الجيشان قبل بدء القتال، فقد حرص المشركون قبل بدء معركة بدر على أن يقيموا ثلاثة أيام يشربون فيها الخمور، وتغني لهم القيان، وتضرب لهم الدفوف، وتشعل عندهم النيران لتسمع العرب بما فعلوا فتهابهم، وكانوا يظنون ذلك سبيلا إلى النصر، بينما كان المسلمون قبل بدء المعركة يتجهون إلى الله بقلوبهم، يسألونه النصر، ويرجونه الشهادة، ويشمون روائح الجنة، ويخر الرسول ساجدا مبتهلا يسأل الله أن ينصر عباده المؤمنين، وكانت النتيجة أن انتصر الأتقياء الخاشعون، وانهزم اللاهون العابثون.
والذي يقارن بين أرقام المسلمين المحاربين، وبين أرقام المشركين المحاربين في كل معركة، يجد أن المشركين أكثر من المؤمنين أضعافا مضاعفة، ومع ذلك فقد كان النصر للمسلمين، حتى في معركتي أحد وحنين حيث انتصر فيها المسلمون، ولولا ما وقع من أخطاء المسلمين في هاتين المعركتين ومخالفتهم لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لما لقي المسلمون هزيمة قط.
3- إن شدة عزائم الجيش واندفاعه في خوض المعركة، وفرحه بلقاء عدوه مما يزيد القائد إقداما في تنفيذ خطته، وثقته بالنجاح والنصر، كما حدث في معركة بدر.

(3/2)


4- إن على القائد ألا يكره جيشه على القتال، إذا كانوا غير راغبين ومتحمسين حتى يتأكد من رضاهم وتحسسهم، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من استشارة أصحابه يوم بدر قبل خوض المعركة.
5- إن احتياط الجنود لحياة قائدهم أمر تحتمه الرغبة في نجاح المعركة والدعوة، وعلى القائد ان يقبل ذلك، لأن في حياته حياة الدعوة، وفي فواتها خسارة المعركة.
وقد رأينا في معركة بدر كيف رضي النبي - صلى الله عليه وسلم - ببناء العريش له، ورأينا في بقية المعارك: (أحد) و (حنين)، كيف كان المؤمنون الصاقون والمؤمنات الصادقات يلتفون جميعا حول رسولهم، ويحمونه من سهام الأعداء، بتعريض أنفسهم لها، ولم يعرف عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أنكر ذلك مع شجاعته وتأييد الله له، بل أثنى على هؤلاء الملتفين حوله، كما رأينا في ثنائه على نسيبة أم عمارة، ودعائه لها بأن تكون هي وزوجها وأولادها رفقاءه في الجنة.
6- إن الله تبارك وتعالى يحيط عباده المؤمنين الصادقين في معاركهم بجيش من عنده، كما أنزل الملائكة يوم بدر، وأرسل الريح يوم الأحزاب. ومادام هؤلاء المؤمنون يحاربون في سبيله، فكيف يتخلى عنهم وهو الذي قال: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الروم:47] وقال: { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38 ].
7- إن من طبيعة الداعية الصادق أن يحرص على هداية أعدائه، وأن يفسح لهم المجال لعل الله يلقي في قلوبهم الهداية، ومن هنا نفهم ميل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى فداء الأسرى يوم بدر، فقد كان يرجو أن يهديهم الله وأن تكون لهم ذرية من بعدهم تعبد الله وتدعو إليه، وإذا كان القرآن الكريم قد عاتب الرسول على ذلك، فلأن هناك مصلحة أخرى للإسلام يومئذ، وهو إرهاب اعداء الله والقضاء على رؤوس الفتنة والضلالة، ولو قتل الأسرى يوم بدر لضعفت مقاومة قريش للقضاء على زعمائهل ومؤججي نار الفتنة ضد المؤمنين.

(3/3)


ويلوح لي سر آخر في قبول الرسول أمر الفداء، وهو أن العباس عم الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان من بين الأسرى، وللعباس مواقف في نصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل إعلان إسلامه، فقد شهد معه بيعة العقبة الثانية سرا، وكان يخبر الرسول عن كل تحركات قريش، مما يؤكد عندي أنه كان مسلما يكتم إسلامه، فكيف يقتله الرسول وهذا شأنه معه؟ ولو استثناه الرسول من بين الأسرى لخالف شرعته في تحريم قتل المسلم إن كان العباس مسلما، و إن كان مشركا فشريعته لا تفرق بين قريب وبعيد في الوقوف موقف الحزم والعداء من كل من يحارب الله ورسوله، ولاغتنمها المشركون والمنافقون فرصة للتشهير به، ولإضعاف الثقة بعدالته وتجرده عن الهوى في كل ما يصدر عنه، وليس ذلك من مصلحة الدعوة في شيء.
8- إن مخالفة أمر القائد الحازم البصير يؤدي إلى خسارة المعركة، كما حصل في وقعة أحد، فلو أن رماة النبل الذين أقامهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - خلف جيشه ثبتوا في مكانهم كما أمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما استطاع المشركون أن يلتفوا من حولهم، ويقلبوا هزيمتهم أول المعركة إلى نصر في آخرها، وكذلك يفعل العصيان في ضياع الفرص، ونصر الأعداء، وقد أنذر الله المؤمنين بالعذاب إن خالفوا أمر رسولهم، فقال: { } [النور:63]

(3/4)


9- والطمع المادي في المغانم وغيرها يؤدي إلى الفشل فالهزيمة، كما حصل في معركة أحد حينما ترك الرماة مواقفهم طمعا في إحرازالغنائم، وكما حصل في معركة حنين حين انتصر المسلمون في أولها، فطمع بعضهم في الغنائم، وتركوا تتبع العدو، مما أدى إلى عودة العدو وهجومه على المسلمين، فانهزموا، ولولا ثبات الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين الصادقين حوله، لما تحولت الهزيمة بعد ذلك إلى نصر مبين، وكذلك الدعوات يفسدها ويفسد أثرها في النفوس طمع الداعين إليها في مغانم الدنيا، واستكثارهم من مالها وعقارها وأراضيها. إن ذلك يحمل الناس على الشك في صدق الداعية، فيما يدعو إليه، واتهامه بأنه لا يقصد من دعوته وجه الله عزوجل، وإنما يقصد جمع حطام الدنيا باسم الدين والإصلاح، ومثل هذا الاعتقاد في أذهان الناس صد عن دين الله، وإساءة إلى كل من يدعو إلى الإصلاح عن صدق وإخلاص.
10- وفي ثبات نسيبة أم عمارة، ووقوفها وزوجها وأولادها حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين انكشف المسلمون يوم أحد. دليل من الأدلة المتعددة على إسهام المرأة المسلمة بقسط كبير من الكفاح في سبيل دعوة الإسلام، وهو دليل على حاجتنا اليوم إلى أن تحمل المرأة المسلمة عبء الدعوة إلى الله من جديد، لتدعو إلى الله في أوساط الفتيات والزوجات والأمهات، ولتنشئ في أطفالها حب الله ورسوله، والاستمساك بالإسلام وتعاليمه، والعمل لخير المجتمع وصلاحه.
وما دام ميدان الدعوة شاغراً من الفتاة المسلمة الداعية، أو غير ممتلئ بالعدد الكافي منهن، فستظل الدعوة مقصرة في خطاها، وستظل حركة الإصلاح عرجاء حتى يسمع نصف الأمة وهن النساء – دعوة الخير ويستيقظ في ضمائرهن وقلوبهن حب الخير والإقدام على الدين، والإسراع إلى الاستمساك بعروته الوثقى.

(3/5)


11- وفي إصابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجراح يوم أحد عزاءٌ للدعاة فيما ينالهم في سبيل الله من أذى في أجسامهم، أو اضطهاد لحرياتهم بالسجن والاعتقال، أو قضاءٍ على حياتهم بالاعدام والاغتيال، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: {الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين} [ العنكبوت 2 و 3]
12- وفيما فعله المشركون يوم أحد من التمثيل بقتلى المسلمين، وبخاصة حمزة عم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، دليل واضح على خلوِّ أعداء الإسلام من كل إنسانية وضمير، فالتمثيل بالقتيل لا يؤلم القتيل نفسه، إذ الشاة المذبوحة لا تتألم من السلخ، ولكنه دليل على الحقد الأسود الذي يملأ نفوسهم، فيتجلى في تلك الأعمال الوحشية التي يتألم منها كل ذي وجدان حي، وضمير إنساني.
كذلك رأينا المشركين يفعلون بقتلى المسلمين يوم أحد، وكذلك رأينا اليهود يفعلون بقتلانا في معارك فلسطين، وكلا الفريقين يصدرون عن ورْدٍ واحد نابعٍ من حنايا نفوسهم التي لا تؤمن بالله واليوم الآخر، ذلك هو الحقد على المستقيمين في هذه الحياة من المؤمنين إيماناً صحيحاً صادقاً بالله ورسله واليوم الآخر.

(3/6)


13- وفي قبول الرسول - صلى الله عليه وسلم - إشارة الحباب بن المنذر بالتحول من منزله الذي اختاره للمعركة يوم بدر، وكذلك في قبول استشارته يوم خيبر، ما يحطم غرور الديكتاتوريين المتسلطين على الشعوب بغير إرادة منها ولا رضى، هؤلاء الذين يزعمون لأنفسهم من الفضل في عقولهم وبعد النظر في تفكيرهم ما يحملهم على احتقار إرادة الشعب، والتعالي عن استشارة عقلائه وحكمائه ومفكرِّيه، إذ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي علم الله منه أكمل الصفات ما أهَّلَه لحمل أعباء آخر رسالاته وأكملها يقبل رأي أصحابه الخبيرين في الشؤون العسكرية، وفي طبيعة الأراضي التي تتطلبها طبيعة المعركة دون أن يقول لهم: إني رسول الله، وحسبي أن آمر بكذا، وأنهى عن كذا، إذ قبل منهم مشورتهم، وآراءهم فيما لم ينزل عليه وحي، فكيف بالمتسلِّطين الذين رأينا كثيراً منهم لا يتفوَّق عل الناس بعقل ولا علم ولا تجربة، بل بتسلُّطه على وسائل الحكم بعد أن تواتيه الظروف في ذلك؟ كيف بهؤلاء الذين هم أدنى ثقافة وعلماً وتجربة من كثير ممن يحكمونهم، ألا يجب عليهم أن يستشيروا ذوي الآراء، ويقبلوا بنصيحة الناصحين وحكمة المجربين.
إن حوادث التاريخ القريب والبعيد دلَّتنا على أن غرور الديكتاتوريين قضى عليهم وعلى أمتهم، وهوى بالأمة إلى منحدر سحيق يصعب الصعود منه إلا بعد عشرات السنين أو مئاتها، ففيما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبول مشورة الحباب في بدر وخيبر قدوة لكل حاكم مخلص، ولكل قائد حكيم، ولكل داعية صادق.
وإن من أبرز شعارات الحكم في الإسلام هو الشورى {وأمرهم شُورى بينه} [الشورى: 38] وأبرز صفات الحاكم المسلم الخالد في التاريخ هو الذي يستشير ولا يستبد، ويتداول الرأي مع ذوي الاختصاص في كل موضوع يهمه أرمه {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159]. {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43 والأنبياء: 7].

(3/7)


14- وفي تقدمه الصفوف في كل معركة وخوضه غمارها معهم إلا فيما يشير به أصحابه، دليل على أن مكان القيادة لا يحتله إلا الشجاع المتثبت، وأن الجبناء خائري القوى لا يصلحون لرئاسة الشعوب، ولا لقيادة الجيوش، ولا لزعامة حركات الاصلاح ودعوات الخير، فشجاعة القائد والداعية بفعله وعمله يفيد في جنوده وأنصاره في إثارة حماسهم واندفاعهم ما لا يفيده ألف خطاب حماسي يلقونه على الجماهير. ومن عادة الجنود والأنصار أن يستمدوا قوتهم من قوة قائدهم ورائدهم، فإذا جبن في مواقف اللقاء، وضعف في مواطن الشدة، أضر بالقضية التي يحمل لواءها ضرراً بالغاً.
15- على الجنود وأنصار الدعوة ألاَّ يخالفوا القائد الحازم البصير في أمر يعزم عليه، فمثل هذا القائد وهو يحمل المسؤولية الكبرى، جدير بالثقة بعد أن يبادلوه الرأي، ويطلعوه على ما يرون، فإن عزم بعد ذلك على أمر، كان عليهم أن يطيعوه، كما حصل بالرسول يوم صلح الحديبة، فقد اختار الرسول - صلى الله عليه وسلم - شروط الصلح، وتبين أنها كانت في مصلحة الدعوة، وأن الصلح كان نصراً سياسياً له، وأن عدد المؤمنين بعد هذا الصلح ازداد في سنتين أضعاف من أسلم قبله، هذا مع أن الصحابة شق عليهم بعض هذه الشروط، حتى خرج بعضهم عن حدود الأدب اللائق به مع رسوله وقائده وقد حصل مثل ذلك بأبي بكر يوم بدأت حوادث الرِّدَّة، فقد كان رأي الصحابة جميعاً ألا يخرجوا لقتال المرتدين، وكان رأي أبي بكر الخروج، ولما عزم أمره على ذلك أطاعوه، فنشطوا للقتال، وتبين أن الذي عزم عليه أبو بكر من قتال المرتدين هو الذي ثبَّت الاسلام في جزيرة العرب، ومكَّن المؤمنين أن ينساحوا في أقطار الأرض فاتحين هادين مرشدين.

(3/8)


16- ومما طلبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من نُعيم بن مسعود، أن يخذِّل بين الأحزاب ما استطاع في "غزوة الأحزاب" دليل على أن الخديعة في حرب الأعداء مشروعة إذا كانت تؤدي إلى النصر، وأن كل طريق يؤدي الى النصر وإلى الإقلال من سفك الدماء مقبول في نظر الاسلام، ما عدا الغدر والخيانة، وهذا من حكمته السياسية والعسكرية - صلى الله عليه وسلم - ، وهو لا ينافي مبادئ الأخلاق الاسلامية، فإن المصلحة في الاقلال من عدد ضحايا الحروب مصلحة إنسانية.
والمصلحة في انهزام الشر والكفر والفتنة مصلحة إنسانية وأخلاقية، فاللجوء الى الخدعة في المعارك يلتقي مع الأخلاق االإنسانية التي ترى في الحروب شراً كبيراً، فإذا اقتضت الضرورة قيامها، كان من الواجب إنهاؤها عن أي طريق كان، لأن الضرورة تقدر بقدرها، والله لم يشرع القتال إلا لحماية دين أو أمة أو أرض، فالخدعة مع الأعداء بما يؤدي إلى هزيمتهم، تعجيل بانتصار الحق الذي يحاربه أولئك المبطلون. ولذلك أثر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في "غزوة الأحزاب" قوله لعروة ابن مسعود: "الحرب خدعة" وهذا مبدأ مسلم به في جميع الشرائع والقوانين.

(3/9)


17- وفي قبوله - صلى الله عليه وسلم - إشارة سلمان بحفر الخندق، وهو أمر لم تكن تعرفه العرب من قبل، دليل على أن الاسلام لا يضيق ذرعاً بالاستفادة مما عند الأمم الأخرى من تجارب تفيد الأمة وتنفع المجتمع فلا شك أن حفر الخندق أفاد إفادة كبرى في دفع خطر الأحزاب عن المدينة، وقبول رسول الله هذه المشورة، دليل على مرونته - صلى الله عليه وسلم - ، واستعداده لقبول ما يكون عند الأمم الأخرى من أمور حسنة، وقد فعل الرسول مثل ذلك أكثر من مرة، فلما أراد إنفاد كتبه إلى الملوك والأمراء والرؤساء قيل له: إن من عادة الملوك ألاَّ يقبلوا كتاباً إلا إذا كان مختوماً باسم مرسله، فأمر على الفور بنقش خاتم له كتب عليه: محمد رسول الله، وصار يختم به كتبه، ولما جاءته الوفود من أنحاء العرب بعد فتح مكة تعلن إسلامها، قيل له: يا رسول الله إن من عادة الملوك والرؤساء أن يستقبلوا الوفود بثياب جميلة فخمة، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تشترى له حلة، قيل: إن ثمنها بلغ أربعمائة درهم، وقيل: أربعمائة بعير، وغدا يستقبل بها الوفود، وهذا هو صنيع الرسول الذي أرسل بآخر الأديان وأبقاها إلى أبد الدهر، فان مما تحتمه مصلحة أتباعه في كل زمان وفي كل بيئة أن يأخذوا بأحسن ما عند الأمم الأخرى، مما يفيدهم، ولا يتعارض مع أحكام شريعتهم وقواعدها العامة، والامتناع عن ذلك جمود لا تقبله طبيعة الاسلام الذي يقول في دستوره الخالد: {فبشر عبادِ، الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه} [الزمر: 17 و 18] ولا طبيعة رسوله الذي رأينا أمثلة عما أخذ من الأمم الأخرى، وهو القائل: "الحكمة ضالة المؤمن يتلمسها أنَّى وجدها" (1)
__________
(1) انظر "كشف الخفاء" للعجلوني في روايات هذا الحديث..

(3/10)


ويوم غفل المسلمون في العصور الأخيرة، وخاصة بعد عصر النهضة الاوروبية عن هذا المبدأ العظيم في الاسلام، وقاوموا كل إصلاح مأخوذ عن غيرهم مما هم في أشد الحاجة اليه، أصيبوا بالانهيار، وتأخروا من حيث تقدم غيرهم {ولله عاقبة الأمور} [الحج: 41].
18- ومن وصايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للجيش الاسلامي في "غزوة مؤتة" تلمس طابع الرحمة االإنسانية في قتال الاسلام، فهو لا يقتل من لا يقاتل، ولا يخرب ما يجده في طريقه إلا لضرورة ماسة، وقد التزم أصحابه من بعده والمسلمون في مختلف العصور بعد ذلك هذه الوصايا، فكانت حروبهم أرحم حروب عرفها التاريخ، وكانوا هم محاربون أدمث أخلاقاً، وأشد رحمة من غيرهم وهم مسالمون، والتاريخ قد سجل للمسلمين صفحات بيضاء في هذا الشأن، كما سجل لغيرهم صفحات سوداء، ولا يزال يسجلها حتى اليوم، ومن منا لا يعرف الوحشية التي فتح بها الصليبيون بيت المقدس، واالإنسانية الرحيمة التي عامل بها صلاح الدين الفرنجة حين استردها، ومن من لا يذكر وحشية الأمراء والجنود الصليبيين حين استولوا على بعض العواصم الاسلامية، كطرابلس، والمعرة وغيرهما، مع رحمة الأمراء والجنود المسلمين حين استردوا تلك البلاد من أيدي محتليها الغاصبين، ونحن اليوم نعيش في عصر النفاق الأوروبي في ادِّعاء الحضارة والرحمة االإنسانية وحب الخير للشعوب، وهم يخربون البلاد، ويسفكون دماء العُزَّل من الشيوخ والنساء والأطفال، ولقد عشنا – بكل أسف – عصر قيام إسرائيل على أرض فلسطين السليبة، وعلمت الدنيا فظائع اليهود الهمجية الوحشية في دير ياسين، وقبية، وحيفا، ويافا، وعكا، وصفد، وغيرها من المدن والقرى، ومع ذلك فهم يَدَّعون االإنسانية ، ويعملون عكسها، ونحن نعمل لالإنسانية ، ولا نتشدق بها، ذلك أنّا شعب نحمل في نفوسنا حقاً أجمل المبادئ الأخلاقية في السلم والحرب، وننفذها براحة ضمير واطمئنان، بينما هم مجردون من هذه المبادئ في داخل

(3/11)


نفوسهم، فلا يجدون إلا المناداة بها نفاقاً وتخديراً، نحن شعب نؤمن بالله القوي الرحيم، فلا تكون قوتنا إلا رحمة، وهم شعب يرون من النفاق أن ينكروا علينا وصف الله بالقوة والبطش، زاعمين أنهم ينعتونه بالحب والرحمة، فما كان لعلاقتهم مع الشعوب وحروبهم مع المسلمين ومع أعدائهم من أبناء ملتهم أثر لهذا الحب ولهذه الرحمة، نحن شعب ما كانت حروبنا إلا لخير االإنسانية ، فكنا أبرَّ الناس بها، وهم قوم ما كانت حروبهم إلا للغزو والسلب والتسلط والاستعمار، فكانوا أعدى الناس لها.
ومع ذلك فنحن اليوم في حروبنا معهم إنما ندافع عن أرض وحق وكرامة، فلن يجدينا التغنِّي بمبادئنا مع قوم لا يفهمون مبادئ الرحمة والشرف واالإنسانية ، بل يجب علينا أن نستمر في كفاحنا لهم، متمسكين في معاركنا معهم بمبادئ رسولنا وشريعتنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم، وهو أحكم الحاكمين.
19- إن الجيش إذا كان غير متساوٍ في الحماس والإيمان والإخلاص، بل كان فيه المتخاذلون والمرتزقة والمتهاونون، لا يمكنه أن يضمن النصر على أعدائه، كما حصل في "غزوة حنين"، وكذلك شأن الدعوات لا يمكنها أن تعتمد على كثرة المصفقين لها، بل على عدد المؤمنين بها المضحين في سبيلها.
20- ودرس آخر نستفيده من سيرة الرسول في حروبه ومعاركه، هو موقفه من اليهود، وموقف اليهود منه ومن دعوته، فلقد حرص الرسول أول مقامه في المدينة أن يقيم بينه وبينهم علائق سلم، وأن يؤمِّنهم على دينهم وأموالهم، وكتب لهم بذلك كتاباً، ولكنهم قوم غدر، فما لبثوا غير قليل حتى تآمروا على قتله، مما كان سبباً في "غزوة بني النضير" ثم نقضوا عهده في أشد المواقف حرجاً "يوم الأحزاب" مما كان سبباً في "غزوة بني قريظة"، ثم تجمَّعوا من كل جانب يهيِّئون السلاح ويبيِّتون الدسائس، ويتجمَّعون ليقضوا في غدر وخسَّة على المدينة والمؤمنين فيها، مما كان سبباً في "غزوة خيبر".

(3/12)


هؤلاء قوم لا تنفع معهم الحسنى، ولا يصدق لهم وعد، ولا يستقيم لهم عهد وكلما وجدوا غرة اهتبلوها، فهل كان على النبي من حرج فيما فعله بهم؟ وهل كان عليه أن يتحمل دسائسهم وخياناتهم ونقضهم للعهود فيعيشوا وأصحابه دائماً في جو من القلق والحذر وانتظار الفتنة والمؤامرات؟ لقد ضمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بحزمه معهم حدود دولته الجديدة، وانتشار دعوته في الجزيرة العربية كلها، ثم من بعد ذلك إلى أرجاء العالم ولا يلوم النبيَّ على حزمه معهم إلا يهوديٌّ أو متعصب أو استعماري وها هي سيرة اليهود في التاريخ بعد ذلك، ألم تكن كلُّها مؤامراتٍ ودسائسَ وإفساداً وخيانةً؟ ثم ها هي سيرتهم في عصرنا الحديث هل هي غير ذلك؟ ولقد كان فينا قبل حرب فلسطين وقيام اسرائيل فيها من يخدع بمعسول كلامهم فيدعوا إلى التعاون معهم، وكان فينا من يساق إلى دعوة التعاون معهم من قبل أصدقائهم من الدول الكبرى، وكانت نتيجة ذلك التخاذل وفسولة الرأي في معالجة قضية فلسطين، أما بعد ذلك فلا يوجد من يغترُّ بهم، وليس لنا سبيل إلى التخلص من شرهم إلا حزم كحزم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في معاملتهم لنطمئن على بلادنا ولنتفرغ لدورنا الجديد المقبل في حمل رسالة الاسلام والسلام إلى شعوب الأرض قاطبة.
تلك أمانة نؤديها بصدق وإيمان إلى الجيل الجديد عساه يستطيع أن يفعل ما لم يستطع فعله جيلنا المتخاذل.

(3/13)


21- وفي غزوة مؤتة كان أول لقاء بين المسلمين والروم، ولولا أن العرب الغساسنة قتلوا رسولَ رسولِ الله إلى أمير بصرى، لكان من الممكن أن لا يقع الصدام، ولكن قتل رسوله إلى أمير بصرى يعتبر عملاً عدائياً في جميع الشرائع، ويدل على عدم حسن الجوار، وعلى تثبيت الشر من هؤلاء عمال الروم وصنائعهم، ولذلك رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إرسال جيش مؤتة ليكون فيه إنذار لهم ولسادتهم الروم بقوة الدولة الجديدة واستعدادها للدفاع عن نفسها حتى لا يفكروا بالعدوان عليها، ولما وصل المسلمون إلى مؤتة وجدوا جموعاً من الروم ومن العرب المتنصرِّة الخاضعة لحكمهم قدَّرها المؤرخون بمائتي ألف، وكان أخو هرقل قد قاد الجيش وعسكر في "مآب" قرب عمّان اليوم، مما يؤكد ما توقعه الرسول منهم في تصميمهم على مناجزة الدولة الجديدة والقضاء عليها توجُّساً من قيام دولة عربية مستقلة داخل الجزيرة العربية تكون نذيراً بانتهاء استعمارهم لبلادهم واستعبادهم لعربها القاطنين على حدودها مما يلي الحجاز، وهكذا بدأت المعارك بين المسلمين والروم.
22- وفي غروة تبوك أو العسرة آيات بينات على ما يفعله الإيمان الصادق في نفوس المؤمنين من إثارة عزائمهم للقتال واندفاع أيديهم في بذل المال ومن استعذابهم الحر والعناء والتعب الشديد في سبيل الله ومرضاته، ولذلك لما تخلَّف ثلاثة من المؤمنين الصادقين في إيمانهم عن هذه الغزوة من غير عذر، أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمقاطعتهم، فامتنع أزواجهم وآباؤهم عن مكالمتهم فضلاً عن جمهور المسلمين، مما اضطر بعضهم إلى ربط نفسه بعمد المسجد، وآخر إلى احتباس نفسه في البيت، حتى تاب الله عليهم بعد أن أخذ المسلمون درساً بليغاً فيمن يتخلف عن أداء الواجب لغير عذر، إلا أن يؤثر الراحة على التعب، والظل الظليل على حر الشمس وشدتها.

(3/14)


23- أما فتح مكة، ففيها من الدروس والعظات ما تضيق عن شرحه هذه الصفحات القلائل، ففيها نجد طبيعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الداعية الذي لا يجد الحقد على مقاوميه إلى نفسه سبيلاً، فقد منّ عليهم بعد كفاح استمر بينه وبينهم إحدى وعشرين سنة لم يتركوا فيها طريقاً للقضاء عليه وعلى أتباعه وعلى دعوته إلا سلكوها، فلما تم له النصر عليهم، وفتح عاصمة وثنيتهم، لم يزد على أن استغفر لهم، وأطلق لهم حريتهم، وما يفعل مثل هذا ولا فعله في التاريخ، ولكنما يفعله رسول كريم لم يرد بدعوته ملكاً ولا سيطرة، وإنما أراد له الله أن يكون هادياً وفاتحاً للقلوب والعقول، ولهذا دخل مكة خاشعاً شاكراً لله، لا يزهو كما يفعل عظماء الفاتحين.
24- وفيما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أهل مكة حكمة أخرى، فقد علم الله أن العرب سيكونون حملة رسالته إلى العالم، فأبقى على حياة أهل مكة وهم زعماء العرب ليدخلوا في دين الله، ولينطلقوا بعد ذلك إلى حمل رسالة الهدى والنور إلى الشعوب، يبذلون من أرواحهم وراحتهم ونفوسهم ما أنقذ تلك الشعوب من عمايتها، وأخرجها من الظلمات الى النور.
25- وآخر ما نذكره من دروسها ودروس معاركه الحربية - صلى الله عليه وسلم - ، هي العبرة البالغة بما انتهت اليه دعوة الله من نصر في أمد لا يتصوره العقل، وهذا من أكبر الأدلة على أن محمداً رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى أن الاسلام دعوة الله التي تكفل بنصرها ونصر دعاتها والمؤمنين بها والحاملين للوائها، وما كان الله أن يتخلى عن دعوته وهي حق ورحمة ونور، والله هو الحق وهو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، والله نور السماوات والأرض، فمن يستطيع أن يطفئ نور الله!. وكيف يرضى للباطل أن ينتصر النصر الأخير على الحق، وللهمجية والقسوة والفساد أن تكون لها الغلبة النهائية على الرحمة والصلاح.

(3/15)


ولقد أصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين جراح في معركتي أحد وحنين، ولا بد في الدعوة من ابتلاءٍ وجراح وضحايا {ولينصرنَّ الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز} [الحج: 40].
ــــــــــــــــــ

العبر والدروس من فتح مكة

الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فقد كان فتح مكة بداية فتح عظيم للمسلمين، وقد كان الناس تبعاً لقريش في جاهليتهم، كما أنهم تبع لقريشٍ في إسلامهم، وكانت مكة عاصمة الشِّرك والوثنية، وكانت القبائل تنتظر ما يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع قومه وعشيرته، فإن نصره الله عليهم، دخلوا في دينه، وإن انتصرت قريش، يكونوا بذلك قد كفوهم أمره، فقد روى البخاري عن عمرو بن سلمة، قال: كنَّا بماء ممر الناس وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟1، فيقولون: يزعم أنَّ الله أرسله، أوحى إليه أو أوحى الله بكذا ، فكنت أحفظ ذلك فكأنَّما يقر في صدري وكانت العرب تَلَوَّم2 بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه فإنَّه إن ظهر عليهم فهو نبِي صادق، فلمَّا كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قومٍ بإسلامهم..." الحديث3.

(3/16)


وإذا تأملنا أحداث هذا الفتح الأكبر نستطيع أن ندرك تماماً قيمة الجهاد والاستشهاد والمحن التي وقعت من قبله. إن شيئاً من هذا الجهاد والتعب والمحن لم يذهب بدداً، ولم ترق نقطة دم لمسلم هدراً، ولم يتحمَّل المسلمون كلَّ ما لاقوه مما قد علمنا في هجرتهم وغزواتهم وأسفارهم، لأنَّ رياح المصادفة فاجأتهم بها، ولكن كل ذلك كان وفق قانونٍ سماوي، وبحسب سنة الله في خلقه فكل التضحيات المتقدمة كانت تؤدي أقساطاً من ثمن الفتح والنَّصر وتلك هي سنة الله في عباده... لا نصر بدون إسلامٍ صحيحٍ ولا إسلام بدون عبودية لله، ولا عبودية بدون بذل وتضحية وضراعة على بابه وجهاد في سبيله، ولذلك كان الفتح مليئاً بالدروس والعبر والفوائد وهذه لمحات من الفتح وعبره وفوائده:
1- بيان عاقبة نكث العهود وأنه وخيم للغاية، إذ نكثت قريش عهدها فحلت بها الهزيمة، وخسرت كيانها الذي كانت تدافع عنه وتحميه.
2- تجلِّي النبوة المحمدية والوحي الرباني في الإخبار بالمرأة حاملة خطاب حاطب بن أبي بلتعة؛ إذ أخبر عنها وعن المكان الذي انتهت إليه في سيرها وهو (رَوْضة خاخ).
3- فضيلة إقالة عثرة الكرام، وفضل أهل بدر، وقد تجلَّى ذلك واضحاً في العفو عن حاطب بعد عتابه، واعتذاره عن ذلك، بالتوبة منه.
4- مشروعية السفر في رمضان، وجواز الفطر والصيام فيه. فقد سافر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى فتح مكة في رمضان وكان في السفر الصائم والمفطر ولم يعتب على أحد.
5- مشروعية التعمية على العدو حتى يُباغت، قبل أن يكون قد جمع قواه، فتسرع إليه الهزيمة وتقل الضحايا والأموات من الجانبين حقناً للدِّماء البشرية.
6- بيان الكمال المحمدي في قيادة الجيوش, وتحقيق الانتصارات الباهرة.

(3/17)


7- مشروعية إرهاب العدو بإظهار القوة له، وفي القرآن الكريم قال -تعالى-: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} الأنفال60.
8- إنزال الناس منازلهم، وقد تجلَّى هذا في إعطاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان كلماتٍ يقولهن، فيكون ذلك فخراً له واعتزازاً، وهي: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل داره وأغلق بابه فهو آمن" ينادي بها بأعلى صوته.
9- بيان تواضع الرسول - صلى الله عليه وسلم - لربه شكراً له على آلائه وإنعامه عليه إذ دخل مكة وهو مطأطئ الرأس، حتى إنَّ لحيته لتمس رحلَ ناقته تواضعاً لله وخشوعاً. فلم يدخل -وهو الظافر المنتصر- دخولَ الظلمة الجبارين سفاكي الدماء البطَّاشين بالأبرياء والضعفاء.
10- بيان العفو المحمدي الكبير إذْ عفا عن قُريشٍ العدو الألد، ولم يقتل منهم سوى أربعة رجال وامرأتين.
11- بيان الكمال المحمدي في عدله ووفائه، تجلَّى ذلك في رد مفتاح الكعبة لعثمان بن أبي طلحة، ولم يُعطه مَن طلبه منه وهو "علي بن أبي طالب" -رضي الله عنه- وهو صهره الكريم وابن عمه.
12- وجوب كسر الأصنام، والصور، والتماثيل، وإبعادها من المساجد بيوت الله -تعالى-.
13- تقرير مبدأ الجوار في الإسلام لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ)4.
14- وجوب البيعة على الإسلام، وهي الطاعة لله ورسوله وأولي الأمر في المعروف وما يستطاع.5
والحمد لله رب العالمين
-----------------
1 - أي يسألون عن النبي – - صلى الله عليه وسلم - , وعن حال العرب معه.فتح الباري (7/ 617).

(3/18)


2 - بفتح أوله واللام, وتشديد الواو, أي تنتظر , وإحدى التاءين محذوفة.فتح الباري (7/ 617).
3 - رواه البخاري كتاب المغازي, حديث رقم(3963).
4 -أخرجه البخاري كتاب الجزية برقم(2935).
5- انظر: (هذا الحبيب يا محب) للشيخ أبي بكر الجزائري.
ــــــــــــــــــ

دروس وعبر أخرى

وفي فتح مكة وغزوة حنين حكم كثيرة منها:
*- كان لهذا الفتح آثار عظيمة دينية وسياسية واجتماعية
وقد بدأت هذه الآثار بصورة يلمسها كل من يمعن النظر في هذا الفتح المبارك، فأما الآثار الاجتماعية فتمثلت في رفقه - صلى الله عليه وسلم - بالناس وحرصه على الأخذ بأيديهم ليعيد إليهم ثقتهم بأنفسهم، وبالوضع الجديد الذي سيطر على بلدهم، وتعيين من يعلمهم، ويفقههم في دينهم، فقد أبقى معاذ بن جبل - رضي الله عنه - في مكة بعد انصرافه عنها ليصلي بالناس، ويفقههم في دينهم، وأما الآثار السياسية فقد عين عتاب بن أسيد أميرًا على مكة، يحكم في الناس بكتاب الله، فيأخذ لضعيفهم، وينتصر للمظلوم من الظالم (1) ، وأما الآثار الدينية فإن فتح مكة وخضوعها لسلطان الإسلام، قد أقنع العرب جميعًا بأن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده فدخلوا فيه أفواجا (2) .
*- تحقق وعد الله بالتمكين للمؤمنين الصادقين
بعد ما ضحوا بالغالي والنفيس، وحققوا شروط التمكين وأخذوا بأسبابه، وقطعوا مراحله وتعاملوا مع سننه كسنة الابتلاء، والتدافع، والتدرج، وتغير النفوس، والأخذ بالأسباب، ولا ننسى تلك الصورة الرائعة وهي وقوف بلال فوق الكعبة مؤذنًا للصلاة بعد أن عذب في بطحاء مكة وهو يردد: «أحد أحد» في أغلاله وحديده، ها هو اليوم قد صعد فوق الكعبة، ويرفع صوته الجميل بالأذان وهو في نشوة الإيمان. (3)
ــــــــــــــــــ

فتح مكة وعبرته لحاضر المسلمين ومستقبلهم
__________
(1) - انظر: تأملات في سيرة الرسول، ص266.
(2) - المصدر نفسه، ص267.
(3) - السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث - (ج 4 / ص 108)

(3/19)


اللواء الركن محمود شيث خطاب
الموقف العام
1. المسلمون:
كانت هناك هدنة الحديبية خيراً على المسلمين، فقد قضوا خلالها على يهود في المدينة المنورة وخارجها عسكريا، فلم يعد لهم أي خطر عسكري يهدد المسلمين. كما أتاحت للمسلمين السيطرة على القبائل العربية في شمالي المدينة حتى حدود الشام والعراق، وانتشر الإسلام بين القبائل العربية كلها، فأصبح المسلمون القوة الضاربة الأولى في شبه الجزيرة العربية كلها.
ولم يبق أمام المسلمين غير فتح مكة، تلك المدينة المقدسة التي انتشر الإسلام فيها أيضاً، ولم يحل دون فتحها وعودة المستضعفين الذين أخرجوا منها بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، إليها، غير صلح الحديبية الذي يحرص النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على الوفاء به.
2. المشركون:
أدى انتشار الإسلام بين قسم كبير من القبائل ومن ضمنها قريش وبقاء القسم الآخر على الشرك إلى تفرق كلمة القبائل واستحالة جمع تلك الكلمة على حرب المسلمين. ولم يبق في قريش زعيم مسيطر يستطيع توجيهها إلى ما يريد حين يريد: المسلمون فيها لا يخضعون إلا لأوامر الإسلام، والمشركون فيها بين متطرف يدعو للحرب مهما تكن نتائجها، ومعتدل يعتبر الحرب كارثة تحيق بقريش.
إعلان الحرب:
أراد بنو بكر حلفاء قريش أن يأخذوا بثاراتهم من بني خزاعة حلفاء المسلمين، وحرضهم على ذلك متطرفو قريش بقيادة عكرمة بن أبي جهل وقسم من سادات قريش، وأمدوهم سراً بالرجال والسلاح. وقامت بكر بالهجوم المباغت على خزاعة فكبدوهم خسائر بالأرواح والأموال، والتجأت خزاعة إلى البيت الحرام فطاردتهم بكر مصممة على القضاء عليهم غير مكترثة بصلح الحديبية، فانتهت الهدنة بين قريش وحلفائها من جهة وبين المسلمين وحلفائهم من جهة أخرى، وكان الذي نقض هذه الهدنة قريش وبكر.

(3/20)


وسارع عمرو بن سالم الخزاعي بالتوجه إلى المدينة حاملاً أنباء نقض صلح الحديبية، فلما وصل إلى المدينة قصد المسجد وقص على النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أصاب خزاعة من بكر وقريش في مكة وخارجها، فأجابه النبي - صلى الله عليه وسلم - : »نصرتَ يا عمرو بن سالم!«
وخرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا المدينة، فأخبروا النبي - صلى الله عليه وسلم - بما أصابهم فعزم النبي - صلى الله عليه وسلم - على فتح مكة.
وقدر قادة قريش المعتدلون وعقلاؤهم ماذا يعنيه انتهاء الهدنة بين قريش والمسلمين، فقرروا إيفاد أبي سفيان بن حرب إلى المدينة للتشبث بتثبيت العهد وإطالة مدته.
ولما وصل أبو سفيان »عسفان« في طريقه إلى المدينة لاقى بديل بن ورقة وأصحابه عائدين من المدينة، فخاف أن يكونوا جاؤوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأخبروه بما حدث بين بكر وخزاعة، مما يزيد مهمته التي جاء من أجلها تعقيداً، إلا أن بديلاً نفى مقابلته للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن أبا سفيان فحص فضلات راحلة بديل فوجد فيه نوى التمر، فعرف أنه كان في المدينة.
ووصل أبو سفيان إلى المدينة، فقصد دار ابنته أم حبيبة رضي الله عنها زوجة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأراد أن يجلس على الفراش فطوته دونه فقال لها: »يا بنية! أما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش، أم رغبتِ به عني؟« فقالت: »بل هذا فراش رسول الله، وأنت مشرك نجس.« فقال: »والله لقد أصابكِ بعدي شر.«
واستشفع أبو سفيان بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ليكلم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فأبى.. واستشفع بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأغلظ له في الرد وقال: »أأنا أشفع لكم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ واللهِ لو لم أجد إلا الذَّرَّ لجاهدتكم به.«

(3/21)


ودخل أبو سفيان على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعنده فاطمة رضي الله عنها، فقال علي: »والله يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه.«
واستشفع أبو سفيان بفاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجير ابنها الحسن بين الناس، فقالت: »ما يجير أحد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .«
واستنصح أبو سفيان علياً بعد أن اشتدت عليه الأمور فنصحه أن يعود من حيث أتى، فقفل أبو سفيان عائداً إلى قريش ليخبرهم بما لقي من صدود، ولم يبق هناك شك في إعلان الحرب.
الاستعدادات للحرب:
أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه بإنجاز استعداداتهم للحركة، وبعث من يخبر قبائل المسلمين خارج المدينة بإنجاز استعداداتهم للحركة أيضاً، كما أمر أهله أن يجهزوه، ولكنه لم يخبر أحداً بنياته الحقيقية ولا باتجاهه حركته، بل أخفى هذه النيات حتى عن أقرب المقربين إليه، ثم أرسل سرية أبي قتادة الأنصاري إلى بطن إضم ليزيد من اسدال الستار الكثيف على نياته الحقيقية.
ودخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على ابنته عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لها: أي بنية! أأمركم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تجهزوه؟ قالت: نعم، فتجهز. فقال: فأين ترينه يريد؟ قالت: والله لا أدري.
ولما اقترب موعد الحركة، صرح النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه سائر إلى مكة. وبث عيونه ليحول دون وصول أنباء اتجاه حركته إلى قريش، ولكن حاطب بن أبي بلتعة كتب رسالة أعطاها امرأة متوجهة إلى مكة، يخبرهم فيها بنيّات المسلمين، فعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الرسالة، وبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما، فأدركاها وأخذا منها تلك الرسالة التي كانت معها.

(3/22)


ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاطباً يسأله: ما حمله على ذلك؟ قال: يا رسول الله بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب: دعني فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق. ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: »أمَا إنه قد صدقكم؛ وما يدريك، لعل الله اطلع على من شهد بدراً فقال: اعملوا ما شئتم«. وشفع لحالطب ماضيه الحافل بالجهاد، فعفا عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأمر المسلمين أن يذكروه بأفضل ما فيه.
قوات الجانبين
1. ... المسلمون: عشرة آلاف رجل، بقيادة الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام.
2. ... المشركون: قريش وبنو بكر، كل قبيلة منهما لها قائدها الخاص.
في الطريق إلى مكة المكرمة:
غادر المسلمون المدينة المنورة في رمضان من السنة الثامنة الهجرية قاصدين فتح مكة، وكان جيش المسلمين مؤلفاً من الأنصار والمهاجرين وسليم ومزينة وغطفان وغفار وأسلم.. وطوائف من قيس وأسد وتميم وغيرهم من القبائل الأخرى، في عدد وعُدد لم تعرفه الجزيرة العربية من قبل، وكلما تقدم الجيش من هدفه ازداد عدده بانضمام مسلمي القبائل التي تسكن على جانبي الطريق إليه. ومع كثافة هذا الجيش وقوته وأهميته، فقد بقي سر حركته مكتوماً لا تعرف قريش عنه شيئاً. فبالرغم من اعتقاد قريش أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حل من مهاجمتهم، ولكنها لم تكن تعرف متى وأين وكيف سيجري الهجوم المتوقع. ولشعور قريش بالخطر المحدق بها، أسرع كثير من رجالها بالخروج إلى المسلمين لإعلان إسلامهم، فصادف بعض هؤلاء، ومنهم العباس بن عبد المطلب عم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، جيشَ المسلمين في طريقه إلى مكة المكرمة.

(3/23)


ووصل جيش المسلمين إلى موضع مرّ الظهران على مسافة أربعة فراسخ من مكة، فعسكر المسلمون هناك. وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يوقد كل مسلم في جيشه ناراً، حتى ترى قريش ضخم الجيش دون أن تعرف هويته فيؤثر ذلك في معنوياتها فتستسلم للمسلمين دون قتال، وبذلك يحقق النبي - صلى الله عليه وسلم - هدفه السلمي في فتح مكة بدون إراقة دماء.
وأوقد عشرة آلاف مسلم نيرانهم، ورأت قريش تلك النيران تملأ الأفق البعيد، فأسرع أبو سفيان وبديل بن ورقاء وحكيم بن حزام بالخروج باتجاه النيران، ليعرفوا مصدرها ونيات أصحابها، فلما اقتربوا من موضع معسكر المسلمين قال أبو سفيان: هذه والله خزاعة حمشتها [جمعتها] الحربُ. فلم يقتنع أبو سفيان بهذا الجواب، فقال: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
وكان العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - قد خرج من معسكر المسلمين راكباً بغلة النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخبر قريشاً بالجيش العظيم الذي جاء لقتالها والذي لا قبل لها به، حتى يؤثر في معنوياتها ويضطرها على التسليم دون قتال، فيحقن بذلك دماءها ويؤمن لها صلحاً شريفاً ويخلصها من معركة خاسرة معروفة النتائج سلفاً، فسمع وهو في طريقه محاورة أبي سفيان وبديل بن ورقة، فعرف العباس صوت أبي سفيان، فناداه وأخبره بوصول جيش المسلمين ونصحه بأن يلجأ إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى ينظر في أمره قبل أن يدخل الجيش فاتحاً صباح غد، فيحيق به وبقومه ما يستحقونه من عقاب.

(3/24)


وأردف العباس أبا سفيان على بغلة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوجّها نحو معسكر المسلمين، فلما وصلا إلى المعسكر ودخلاه أخذا يمران بنيران الجيش في طريقهما إلى خيمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما مرّا ينار عمر بن الخطاب رضي الله عنه عرف أبا سفيان وأدرك أن العباس يريد أن يجيره، فأسرع عمر إلى خيمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسأله أن يأمره بضرب عنق أبي سفيان، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عمه أن يستصحب أبا سفيان إلى خيمته، ثم يحضره إليه صباح غد، فلما كان الصباح وجيء بأبي سفيان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أسلمَ ليحقن دمه، فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئاً. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.
وأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستوثق من سير الأمور كما يحب بعيداً عن وقوع الحرب، فأوصى العباس باحتجاز أبي سفيان في مضيق الوادي حتى يستعرض الجيش الزاحف كله، فلا تبقى في نفسه أية فكرة للمقاومة.

(3/25)


قال العباس: خرجتُ بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله، ومرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: يا عباس، من هؤلاء؟ فأقول: سليم. فيقول: مالي ولسليم! ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس، من هؤلاء؟ فأقول: مزينة. فيقول: ومالي ولمزينة! حتى نفدت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته قال: مالي ولنبي فلان! حتى مرّ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - في كتيبته الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار لا يرى منها إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله، يا عباس! من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة! والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً. قال العباس: يا أبا سفيان، إنها النبوة. قال: نعم إذن. عند ذلك قال العباس لأبي سفيان: النجاء إلى قومك، فأسرع أبو سفيان إلى مكة.
قبل دخول مكة المكرمة:
دخل أبو سفيان مكة مبهوراً مذعوراً، وهو يحس أن من ورائه إعصاراً إذا انطلق اجتاح قريشاً وقضى عليها. ورأى أهل ملكة قوات المسلمين تقترب منهم، ولم يكونوا حتى ذلك الوقت قد قرروا قراراً حاسماً بشأن القتال ولا اتخذوا تدابير القتال الضرورية، فاجتمعوا إلى ساداتهم ينتظرون الرأي الأخير، فإذا بصوت أبي سفيان ينطلق مجلجلاً جازماً: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان كان آمناً.
وسمعت هند بنت عتبة بن ربيعة زوج أبي سفيان التي كانت تشايع المتطرفين من مشركي قريش ما قاله زوجها، فوثبت إليه وأخذت بشاربه وصاحت: اقتلوا هذا الحميت الدسم الأحمس [أي هذا الزق المنتفخ]، قبّح من طليعة قوم.
ولم يكترث أبو سفيان بسباب امرأته، فعاود تحذيره: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

(3/26)


وقالت قريش: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. وأصحبت مكة المكرمة تنتظر دخول المسلمين: اختفى الرجال وراء الأبواب الموصدة، واجتمع بعضهم في المسجد الحرام، وبقى المتطرفون مصرون على القتال.
خطة الفتح:
كانت مجمل خطة الفتح تتلخص: الميسرة بقيادة الزبير بن العوام، واجبها دخول مكة من شماليها.
والميمنة بقيادة خالد بن الوليد، واجبها دخول مكة من جنوبها، وقوات الأنصار بقيادة سعد بن عبادة، واجبها دخول مكة من غربيها، وقوات المهاجرين بقيادة أبي عبيدة بن الجراح واجبها دخول مكة من شماليها الغربي من اتجاه جبل هند. ومثابة اجتماع قوات المسلمين بعد إنجاز الفتح في منطقة جبل هند. وكان اجتماع قوات المسلمين بعد إنجاز الفتح في منطقة جبل هند.
وكانت أوامر النبي - صلى الله عليه وسلم - لقادته تنص: بألا يقاتلوا إلا إذا اضطروا اضطراراً على القتال، لغرض أن يتمّ الفتح سلمياً وبدون قتال.
الفتح:
قبل شروع أرتال المسلمين بدخول مكة المكرمة، سمع قسم من المسلمين سعد بن عبادة يقول: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة.. لذلك رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - حين بلغه ما قال سعد، أن يأخذ الراية ويدفعها إلى ابنه قيس بن سعد، إذ كان قيس أهدأ أعصاباً من أبيه وأكثر سيطرة على نفسه، لكي يحول عليه الصلاة والسلام دون اندفاع سعد لإثارة الحرب وسفك الدماء دون مسوغ.

(3/27)


ودخلت قوات المسلمين مكة فلم تلق مقاومة، إلا جيش خالد بن الوليد، فقد تجمع متطرفو قريش مع بعض حلفائهم من بني بكر في منطقة الخندفة، فلما وصلها رتل خالد أمطروه بوابل من نبالهم، ولكن خالداً لم يلبث أن فرّقهم بعد أن قتل رجلان من رجاله ضلا طريقهما وانفصلا عنه، ولم يلبث صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل حين رأوا الدائرة تدور عليهم أن تركوا مواضعهم في الخندمة وفروا مع قواتهم، واستسلمت المدينة المقدسة للمسلمين، وفتحت أبوابها لهم، وعاد المستضعفون الذين أخرجوا منها بغير حق إ لى ديارهم وأموالهم.
في مكة المكرمة:

(3/28)


عسكر النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في منطقة جبل هند، بعد أن سيطر المسلمون على جميع مداخل مكة، فلما استراح وتجمعت أرتال الجيش، نهض والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد الحرام، فأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم طاف بالبيت العتيق وحول البيت، وكان في الكعبة ستون وثلاثمائة صنم، يطعنها بالقوس وهو يقول: )جاء الحق وزهق الباطلُ إن الباطل كان زهوقاً( )جاء الحق وما يُبدِئُ الباطل وما يعيد( ثم دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة ودخلها، فرأى الصور تملؤها، ومن بينها صورتان لإبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام، فمحا ما في الكعبة من صور، ثم صلى ودار في البيت يكبر، ولما انتهى تطهير البيت من الأصنام والصور، وقف على باب الكعبة، وقريش تنظر ماذا يصنع، فقال: »لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. إلا كل مأثرة أو مال فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج. يا معشر قريش، إن الله قد أذهبَ عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء: الناس من آدم، وآدم من تراب )يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللهِ أتقاكم إن الله عليم خبير(. يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟« قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: »فإني أقول كما قال يوسف لإخوته: )لا تثريب عليكم اليوم(، اذهبوا فأنتم الطلقاء.«
طهر المسلمون البيت من الأصنام، وأتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك في أول يوم من أيام فتح مكة ما دعا إليه منذ عشرين سنة: أتم تحطيم الأصنام والقضاء على الوثنية في البيت الحرام بمشهد من قريش، ترى أصنامها التي كانت تعبد ويعبد آباؤها، وهي لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً.

(3/29)


وأقام النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسة عشر يوماً، نظّم خلالها شؤون مكة، وفقّه أهلها في الدين، وأرسل بعض السرايا للدعوة إلى الإسلام وتحطيم الأصنام، من غير سفك للدماء.
عبرة الفتح:
1. الكتمان:
ما أحوج المسلمين اليوم أن يتعلموا الكتمان من هذه الغزوة، فأمورهم كلها مكشوفة، بل مكشفة، وأعداؤهم يعرفون عنهم كل شيء، لا تكاد تخفى عليهم، فلا سر لدى المسلمين يبقى مكتوماً.
لقد حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - أشد الحرص علىألا يكشف نياته لفتح مكة لأي إنسان، عندما اعتزم الحركة إلى مكة وكان سبيله إلى ذلك الكتمان الشديد.
لم يبح بنياته لأقرب أصحابه عن نفسه: أبي بكر الصديق، بل لم يبح بنياته لأحب النساء إليه عائشة بنت أبي بكر الصديق، وبقيت نياته مكتومة حتى أنجز هو وأصحابه جميع استعدادات الحركة، وحتى وصل أمر الاستحضار إلى المسلمين كافة خارج المدينة وداخلها، ولكنه كشف نياته في الحركة إلى مكة قبيل موعد خروجه من المدينة، حيث لم يبق هناك مسوغ للكتمان، لأن الحركة أصبحت وشيكة الوقوع.
ومع ذلك، بث عيونه وأرصاده، لتحول دون تسرب المعلومات عن حركته إلى قريش.
بث عيونه داخل المدينة ليقضي على كل محاولة لتسريب الأخبار من أهلها إلى قريش، وقد رأيتَ كيف اطلع على إرسال حاطب بن أبي بلتعة برسالته إلى مكة، فاستطاع حجز تلك الرسالة.
وبث عيونه وأرصاده داخل المدينة وخارجها ليحرم قريشاً من الحصول على المعلومات عن نيات المسلمين، وليحرم المنافقين والموالين لقريش من إرسال المعلومات إليها.
وبقي النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظاً كل اليقظة، حذراً كل الحذر، حتى وصل إلى ضواحي مكة، ونجح بترتيباته في حرمان قريش من معرفة نيات المسلمين أعظم نجاح.

(3/30)


ولكي يلقي النبي - صلى الله عليه وسلم - ظلاً كثيفاً من الكتمان على نياته، بعث سرية أبي قتادة الأنصاري إلى بطن إضم، شمالي المدينة المنورة، بينما كان يستعد لفتح مكة في جنوب المدينة المنورة، فسارت أخبار المسلمين بأنهم يتجهون شمالاً لكتمان اتجاههم نحو الجنوب.
ولو انكشفت نيات المسلمين لقريش في وقت مبكر، لاستطاعت حشد حلفائها وتنظيم قواتها وإعداد خطة مناسبة لمقابلة المسلمين، ولاستطاعت مقاومة المسلمين أطول مدة ممكنة دفاعاً عن مكة المكرمة ولأوقعت بهم خسائر في الأرواح والأموال، وكانت قريش قد استطاعت حشد عشرة آلاف مقاتل في غزوة الأحزاب كما هو معروف، وباستطاعتها أن تحشد مثل هذا الحشد وأكثر دفاعاً عن مكة.
وليس من السهل أن يتحرك جيش ضخم تعداده عشرة آلاف مقاتل من المدينة إلى مكة بالمراحل دون أن تعرف قريش وقت حركته وموعد وصوله ونياته، حتى يصل ذلك الجيش اللجب إلى ضواحي مكة القريبة، فيفلت الأمر من قريش، ولا تعرف ما تصنع إلا اللجوء إلى الاستسلام دون مقاومة.
إن تدابير النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكتمان أمّنت له مباغتة كاملة لقريش، وأجبرتها على الرضوخ للأمر الواقع: الاستسلام.
وهذا الكتمان لا مثيل له في سائر الحروب، ما أحرانا أن نتعلمه ونقتدي به ونسير على منواله.
2. بعد النظر:
القائد المتميز هو الذي يتسم ببعد النظر، بالإضافة إلى مزاياه الأخرى، ويتخذ لكل أمر محتمل الوقوع التدابير الضرورية لمعالجته، دون أن يترك مصائر قواته للاحتمالات بدون إعداد كامل.
إن النصر من عند الله، يؤتيه من يشاء، ولكن الله سبحانه وتعالى ينصر من أعدّ عدّته واحتاط لكل احتمال كبير أو صغير قد يصادفه، لذلك يشدد العسكريون على إدخال أسوأ الاحتمالات في حسابهم في أية عملية عسكرية.

(3/31)


لقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحبس أبو سفيان في مدخل الجبل إلى مكة، حتى تمر عليه جنود المسلمين، فيحدث قومه عن بينة ويقين،ولكي لا يتكون إسراعه في العودة إلى قريش قبل أن تنهار معنوياته تماماً، سبباً لاحتمال وقوع أية مقاومة من قريش، مهما تكن نوعها ودرجة خطورتها. وفعلاً اقتنع أبو سفيان بعد أن رأى قوات المسلمين كلها، أن قريشاً لا قبل لها بالمقاومة.
وقد أدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - في حساباته أسوأ الاحتمالات أيضاً، عند تنظيمه خطة الفتح، فكانت تلك الخطة تؤمن تطويق البلد من جهاته الأربع بقوات مكتفية بذاتها، بإمكانها العمل مستقلة عن القوات الأخرى عند الحاجة، وبذلك تستطيع القضاء على أية مقاومة في أية جهة من جهات مكة، كما تؤمن توزيع قوات قريش إلى أقسام لمقاومة كل رتل من أرتال المسلمين على انفراد، فتكون قوات قريش ضعيفة في كل مكان.
واتخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه التدابير الفاعلة بالرغم من اعتقاده بأن احتمال مقاومة قريش للمسلمين ضعيف جداً، وذلك ليحول دون مباغتة قواته وإيقاع الخسائر لها، مهما تكن الظروف والأحوال.
فما أحرى أن يتعلم المسلمون هذا الدرس ويطبقوه في إعداد خططهم المصيرية!
3. العقيدة:
كان جيش الفتح مؤلفاً من المهاجرين والأنصار ومسلمي أكثر القبائل العربية المعروفة في حينه، لا يوحد بينه غير العقيدة الواحدة، التي يضحي الجميع من أجلها، وتشيع بينهم الانسجام الفكري الذي يجعل التعاون الوثيق بيهم سائداً.
لقد كانت انتصارات المسلمين الأولين انتصارات عقيدة بلا مراء، وكان النصر من أول ثمرات هذه العقيدة على النطاق الجماعي.
أما على النطاق الفردي، فقد رأيت كيف طوت أم حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أبيها أبي سفيان، وقد جاء من سفر قاصد بعد غياب طويل ذلك لأنها رغبت به عن مشرك نجس، ولو كان هذا المشرك أباها الحبيب.

(3/32)


وعندما جاء أبو سفيان مع العباس ليواجه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، رآه عمر بن الخطاب، فغادر خيمته واشتد نحو خيمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما وصل إليها قال: يا رسول الله! دعني اضرب عنقه. قال العباس: يا رسول الله! إني قد أجرته، فلما أكثر عمر قال العباس: مهلاً يا عمر، ما تصنع هذا إلا لأنه من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي ما قلت هذه المقالة، فقال عمر: مهلا يا عباس، فوالله إسلامك يوم أسلمت كان أحب لي من إسلام الخطاب لو أسلم. لقد كان يمثل عقيدة المسلمين الأولين، بينما كان العباس حديث عهد بالإسلام.
وكيف نعلل إقدام المهاجرين على المشاركة في غزوة الفتح، التي لم يكن من المستبعد أن تصطرع فيها قوات المسلمين وقوات قريش؟
إن عقيدة المسلمين لا تخضع للمصالح الشخصية، بل هي رهن المصالح العامة وحدها، وقد انتصر المسلمون بالعقيدة الراسخة، وهي اليوم غائبة عنهم فذلوا وهزموا، فما أحراهم أن يعودوا إلى عقيدتهم ليستعيدوا مكانتهم بين الأمم، ولينتصروا على أعدائهم، فقد غاب عنهم النصر منذ غاب عنهم الإسلام.
4. المعنويات:
لم تكن معنويات المسلمين في وقت من الأوقات أعلى وأقوى مما كانت عليه أيام فتح مكة، البلد المقدس عند المسلمين الذين يتوجهون إليه في صلاتهم كل يوم، ويحجون بيته كل سنة. وكانت أهمية مكة للمهاجرين أكثر من أنها بلد مقدس، فهي بلدهم الذي هاجروا منه فراراً بدينهم وخلفوا فيها أموالهم وذويهم وكل عزيز عليهم.
لذلك لم يتخلف أحد من المسلمين عن هذه الغزوة إلا القليل من ذوي الأعذار القاهرة الصعبة.

(3/33)


أما معنويات قريش، فقد كانت متردية للغاية، فقد أثرت فيهم عمرة القضاء، كما أثر فيهم انتشار الإسلام في كل بيت من بيوت مكة تقريباً، وبذلك فقدت مكة روح المقاومة وروح القتال. ومما زاد في انهيار معنويات قريش، ما اتخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - من إيقاد عشرة آلاف نار في ليلة الفتح، ومرور الجيش كله بأبي سفيان قائد قريش أو أكبر قادتها، ودخول أرتال المسلمين في كل جوانب مكة.
لقد كانت غزوة الفتح معركة معنويات بالدرجة الأولى، ما أحرانا أن نتعلمها لحاضرنا ومستقبلنا.
5. السلم:
حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - من خروجه لفتح مكة على نياته السلمية، ليؤلف بذلك قلوب المشركين، ويجعلها تقبل على الإسلام.
وقد عهد عليه الصلاة والسلام إلى قادته حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم. وبقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مصراً على نياته السلمية بعد الفتح أيضاً، فقد أصدر العفو العام عن قريش قائلاً: »اذهبوا فأنتم الطلقاء«.
وكما حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - الجماعي، حرص كذلك على السلم الفردي، فمنع القتل حتى لفرد واحد من المشركين، مهما تكن الأسباب والأعذار.
فقد قتلت خزاعة حلفاء المسلمين رجلاً من هذيل غداة يوم الفتح لثأر سابق لها عنده، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - أشد الغضب، وقام في الناس خطيباً، ومما قاله: »يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر إن نفع، لقد قتلتم قتيلاً لأدينه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين، إن شاؤوا قدم قاتله، وإن شاؤوا فعقله«، أي ديته، ثم ودي بعد ذلك الرجل الذي قتلت خزاعة.

(3/34)


بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل رجلاً من المشركين أراد اغتياله شخصياً وهو يطوف في البيت، بل تلطف معه. فقد اقترب فضالة بن عمير يريد أن يجد له فرصة ليقتله، فنظر إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - نظرة عرف بها طويته، فاستدعاه وسأله: »ماذا كنت تحدث به نفسك؟« قال: لا شيء، كنتُ أذكر الله! فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - وتلطف معه ووضع يده على صدره، فانصرف الرجل وهو يقول: ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه.
ورأى علي بن أبي طالب رضي الله عنه مفتاح الكعبة بيد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية، فقال عليه الصلاة والسلام: »أين عثمان بن طلحة؟« فلما جاء عثمان قال له: »يا ابن طلحة، هاكَ مفتاحك، اليوم يوم بر ووفاء«.
وقد رأى المسلمون النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح يتواضع لله، حتى رأوه يوم ذلك ورأسه قد انحنى على رحله، وبدا عليه التواضع الجم، حتى كادت لحيته تمس واسطة راحلته خشوعاً، وترقرقت في عينيه الدموع تواضعاً لله وشكراً.
تلك هي سمات الخلُق الإسلامي الرفيع في السلم والوفاء والتواضع، ولكنه سلم الأقوياء لا سلم الضعفاء، ووفاء القادرين لا وفاء العاجزين، وتواضع العزة لا تواضع الذلة.
إن سلم الأقوياء القادرين هو السلام الذي يأمر به الإسلام، أما سلم الضعفاء العاجزين فهو الاستسلام الذي ينهى عنه الإسلام.
ذلك ما ينبغي أن نتعلمه من فتح مكة، لحاضر المسلمين ومستقبلهم، لحاضر أفضل ومستقبل أحس، وهي عبر لمن يعتبر.
مجلة الأمة - العدد 12 - عام 1401 هـ
ــــــــــــــــــ

فوائد من فتح مكة

(الشبكة الإسلامية)

(3/35)


كان فتح مكة أهم فتح للإسلام والمسلمين ، أكرم الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم - خاصة والمسلمين عامة ، فقد جاء هذا الفتح المبارك بعد سنوات متواصلة من الدعوة والجهاد لتبليغ رسالة الإسلام ، فتوج مرحلة مهمة من مراحل الدعوة الإسلامية ، وكان أشبه ما يكون بنهاية المطاف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الدار ، وبداية المطاف لمن بعده لإتمام مهمة نشر الدعوة في أرجاء الأرض كافة . ولا نبعد عن الصواب إذا قلنا : إن فتح مكة يحمل من الدلالات والفوائد والعبر ما لا يحيط به كتاب فضلا أن يحيط به مقال كهذا ، وحسبنا في هذا المقام أن نقف عند بعض الفوائد والدلائل التي حملها ذلك الحدث التاريخي ، لنعرف أهميته في تاريخ الإسلام ، وندرك مكانته في مسيرة الدعوة إلى الله سبحانه . إن من أولى فوائد فتح مكة أنه انتزع تلك البقعة المباركة من براثن الشرك، وضمها لحمى التوحيد . فقد دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة فكان من أول ما فعل أن كسَّر الأصنام المنصوبة حول الكعبة المشرفة، وهو يردد قوله تعالى:{ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } ( الإسراء : 81 ) وقوله: { قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد } (سبأ:49) ، وصعد بلال على سطح الكعبة وصدح بالأذان ، فكانت كلماته تتردد في أرجاء مكة معلنة انتهاء عهد الخرافة والشرك ، وبدء عصر النور والتوحيد .
وقد كان من فوائد فتح مكة رفعُ سيف الكفر المسلط على رقاب المستضعفين من أهل مكة - سواء ممن أسلم ، أو ممن كان يرغب في الإسلام - الذين أرهبهم سيف قريش ، وسَلَبَ حقهم في اختيار الدين الحق ، فجاء ذاك الفتح ليرفع السيف عن رقابهم وليدخلوا في دين الله دون خوف أو وجل .

(3/36)


ومما أسفر عنه هذا الفتح العظيم تحطيم وإزالة رهبة قريش من قلوب قبائل العرب ، التي كانت تؤخر إسلامها لترى ما يؤول إليه حال قريش من نصر أو هزيمة، روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة : " أن العرب كانت تَلَوَّمُ - تنتظر - بإسلامها الفتح ، يقولون انظروا فإن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما جاءتنا وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم " .
وكان من فوائد هذا النصر المبارك زيادة إيمان المؤمنين بتحقق وعد ربهم ، دخول البيت والطواف به ، بعد أن منعهم منه المشركون، فقال سبحانه: { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون } ( الفتح: من الآية27) .
ومن فوائد فتح مكة اكتساب المسلمين شرف حماية البيت وخدمته ، مما جعل لهم من المكانة عند العرب نظير ما كان لقريش من قبل ، بل وأعظم .
ومن فوائد فتح مكة تضعضع مركز الكفر والشرك في جزيرة العرب ، وتحول رؤوس الكفر إلى القتال على جبهات ليس لها منزلة ولا مكانة عند العرب كثقيف وهوازن ، وما هي إلا جولة أو جولتان حتى خضعت جزيرة العرب للحكم الإسلامي ، وأصبحت الجزيرة مركزاً لنشر الدين الجديد وانطلقت الجيوش المسلمة الفاتحة لتدك عروش كسرى وقيصر ، ولتخضع أكبر إمبراطوريات الشر لحكم الدين الإسلامي.
ومن أهم الدلالات التي أفصح عنها فتح مكة موقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهلها الذين ناصبوه العداء منذ أن بدأ بتبليغ دعوته ، فبعد أن أكرمه الله عز وجل بدخول مكة توجه إلى أهلها ليقول لهم ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا: أخ كريم ، وابن أخ كريم ، قال : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) رواه البيهقي فيا له من موقف كريم يليق بمن أرسله الله رحمة للعالمين .

(3/37)


هذه بعض فوائد فتح مكة ، ذلكم الفتح الذي ليس ثمة فتح يوازيه في مكانته وأهميته ، حتى سماه العلماء الفتح العظيم ، وذلك لما ترتب عليه من نتائج عظيمة ليس أقلها إعادة أعظم بقعة في الأرض من براثن الشرك إلى حمى التوحيد ، وليس أدناها اقتران هذا الفتح المبارك بدخول الناس في دين الله أفواجاً ، كما قال تعالى: { إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } ( النصر:1-3 ). والله الموفق .
ــــــــــــــــــ

من مظاهر إنسانية الرسول في فتح مكة

أ.د/ جابر قميحة
komeha@menanet.net
على مدى ثلاثة عشر عامًا ظل النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو قومه إلى الدين الحق، ولم يستجب إليه إلا القليل، وكان أغلبهم من الفقراء والعبيد والمستضعفين، وتحمَّل الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه من الأذى ما يفوق طاقة البشر إلى أن أذن الله له وللمسلمين بالهجرة، وفي المدينة أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - دولةً تقوم على الحق والخير والأخوة والبر والرحمة واالإنسانية ، وكان بينه وبين قريش معارك ضارية، انتصر في أغلبها إلى أن كان صلح الحديبية في العام السادس من الهجرة.. ومن نصوصه: قيام هدنة لعشر سنوات، وإعطاء الحق للقبائل في الدخول في حِلف أحد الطرفين؛ فدخلت قبيلة (بكر ( في حلف قريش، ودخلت قبيلة (خزاعة) في حِلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن قريشًا أغرت رجال (بكر) بـ(خزاعة)، وحرضتهم عليهم، واشتركوا معهم في قتل رجال من (خزاعة ( غدرًا؛ فانطلق "عمرو بن سالم الخزاعي" إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنشد بين يديه شعرًا يشرح فيه غدر قريش وخيانتها ونقضها لعهد الحديبية، فقال: "نُصرت يا عمرو بن سالم".

(3/38)


وأمر - صلى الله عليه وسلم - بالزحف إلى مكة، فغادر الجيش الإسلامي المدينة في العاشر من رمضان سنة 8 هجرية، ودخل النبي - صلى الله عليه وسلم - وجيشه )الذي بلغ عشرة آلاف) مكةَ في مطالع الأسبوع الأخير من رمضان.
ومن المدينة إلى مكة نواكب أعمال الرسول- عليه السلام- وأقواله، فنجدها جميعًا- دون استثناء- تتدفق باالإنسانية الحانية، بعيدًا عن الصلف والغرور ومشاعر الانتشاء التي تستبد بالقادة في مواقف النصر، ونشير في هذه العجالة إلى بعض المواقف النبوية االإنسانية :
لقد كان ضمن الجيش الزاحف ما يُسمَّى بـ"الكتيبة الخضراء" أو "كتيبة الحديد" - وهي كما نسميها اليوم - "الكتائب المدرعة" ، وكان عليها "سعد بن عبادة" الذي أخذه شيء من الزَّهْو، فصاح: "اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحَل الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا"، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعطى الراية لـ"علي بن أبي طالب"، وقال"لا يا سعد، بل اليوم يوم المرحمة، اليوم تُقدّس الحرمة، اليوم أعز الله قريشًا"، وبينما كان الجيش يزحف إلى مكة رأى (كلبة) تُرضع أولادها، فخشى أن يَسحقها الزاحفون دون أن يشعروا، فأمر "جعيل بن سراقة" أن يقوم حذاءها ؛ حتى لا يعْرِض لها أحد من الجيش ولا لأولادها ، وأمر المسلمين أن يدخلوا مكة بروح الموادعة والرحمة والمسالمة بلا قتال.
ووسع الملاذ لمن يريد الأمان من المشركين فأعلن - صلى الله عليه وسلم - " - من دخل داره فهو آمن، ومن دخل البيت الحرام فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن".
ودخل مكة في تواضع عجيب؛ حيث كان يركب ناقته القصواء وقد أحنى رأسه على رَحله تواضعًا، حتى كادت تمس لحيته الرحلَ من شدة التواضع، وهو يقول: "لا عيش إلا عيش الآخرة...".
وأراد "فضالة بن عمير الليثي" أن يغتال النبي - صلى الله عليه وسلم - أثناء طوافه، فكشف الله للنبي خبيئته، وعفا عنه بعد أن أعلن إسلامه، ودعا له بالخير.

(3/39)


ورفض عرض "علي بن أبى طالب"- كرم الله وجهه- بأن تكون الحِجابة لهم، وقد انتزع "علي"- رضي الله عنه- مفتاح الكعبة من "عثمان بن طلحة"- سادنها في الجاهلية- فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - المفتاح، وأعاده لـ"عثمان"، وأبقى سدانة البيت له ولقومه، وقال: "هاك مفتاحك يا عثمان، فاليوم يوم بر ووفاء"، وأعلن العفو العام عن قريش بمقولته الكريمة المشهورة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
وأعلن في خطابه لأهل مكة أصولَ القيم االإنسانية العليا: "أيها الناس، لقد أذهب الله عنكم نخوة الجاهلية, وتعظمها بآبائها؛ فالناس رجلان: بَرٌّ تقيّ كريم على الله, وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب... {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ..} (الحجرات : 13.
حقًّا، لقد كان فتح مكة فتحًا حقيقيًّا لآفاق من الخير والحقّ والبر والنور واالإنسانية
إنسانية شاملة أصيلة:
وحينما دخل النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ مكة فاتحًا كان مثالا للبر والوفاء والعفو عند المقدرة، وفتح صدره لجميع من تحدثوا إليه، ومن الوقائع الطريفة في هذا المجال أن ـ سراقة بن مالك ـ الذي كان قد وعده النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ سواري كسرى وهو يلاحق الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وأبا بكر في طريق الهجرة، تحدث إليه سراقة مذكرًا إياه بما وعد فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : "نعم هذا يوم وفاء وبر، أدنوه، فأدنوه منه فأسلم، وسأله: يا رسول الله إن الضالة من الإبل تغشى حياض ماء وقد ملأتها لإبلي فهل لي في ذلك أجر؟ إن تركتها تشرب من حياضي وليست ملكي". فقال - صلى الله عليه وسلم - : "نعم في كل ذات كبد حرى أجر".

(3/40)


وكان ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يستطيع أن يضرب أعناق (مجرمي الحرب) من رءوس قريش، الذين قتلوا أصحابه، وصادروا أموالهم، وخانوا وغدروا، وألبوا عليه العرب، ولكنه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كان منطقه الإنساني هو الحاكم والمهيمن.
وصفة االإنسانية في رسول الله إنما تمثل طابعًا متجذرًا أصيلاً شاملا، ومنها تنبع قائمة القيم المحمدية: فهو رحيم , وصفه ربه بصفتين من صفاته إذ قال (بالمؤمنين رءوف رحيم) , وهو القائل" من لا يرحم لا يرحم"، وهو الذي حَرَم الأقرع بن حابس أن يوليه على أموال بني تميم ؛ لأنه اكتشف أنه يقسو على أبنائه إذ قال حينما رأى الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يقبل الحسن ابن علي: يا رسول الله إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت واحدًا منهم فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا تلي لنا أمرا". وكان رحيمًا بالحيوان فقال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته".
وكان حليمًا منطقه "اذهبوا فأنتم الطلقاء" و "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". وكان وفيًا يذكر خديجة بعد موتها ويتحدث عنها بما يرفع من شأنها أمام زوجاته، ويحسن لكل من كانت تحبهم خديجة . وكان متواضعًا حتى قال لرجلٍ ارتعش في حضرته: "هون عليك، فلست بجبارٍ ولا ملك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد". وقد ذكرنا آنفا أنه لما دخل مكة كان يركب ناقته القصواء، وقد أحنى رأسه على رحله تواضعًا حتى كادت لحيته تمس الرحلْ من شدة التواضع، وهو يقول: "لا عيش إلا عيش الآخرة". ومن قبل كان يشارك أصحابه في حفر الخندق حتى كان الغبار يغطي وجهه الشريف، كما كان يشاركهم رجزهم، ويرفع صوته بالرجز معهم، وهو يشبه في وقتنا الحاضر الأغنيات العفوية التي يغنيها البناءون أثناء عملهم حتى يخففوا عن أنفسهم شدة العمل.

(3/41)


ويطول بنا المسار لو رحنا نستعرض قائمة القيم المحمدية، ولكنا نقول إنها طوابع نفسية وخلقية، وعقلية، وروحية نابعة من معين "االإنسانية " الأصيلة المتجذرة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أدبه فأحسن تأديبه.
ــــــــــــــــــ

غزوة حنين

تجمعت قبائل هوازن وثقيف التي تسكن قريبًا من مكة في أعداد كثيرة؛ يريدون قتال المسلمين، وكان قائدهم مالك بن عوف قد أمرهم بحمل أموالهم وأبنائهم ونسائهم معهم كي لا يفروا ويتركوا ساحة المعركة. وأمر مالك جيشه أن يختبئوا على مداخل وادي حنين، فإذا ظهر المسلمون هجموا عليهم مرة واحدة.
وأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه اثنا عشر ألف مسلم، واغترَّ المسلمون بكثرتهم، فظنوا أنهم لن يُهزموا أبدًا، فأراد الله تعالى أن يعطيهم درسًا عظيمًا، وبين لهم أن الكثرة وحدها لا تحقق النصر، فقد وقعوا في المكيدة التي دبرها لهم مالك بن عوف، وانهال عليهم المشركون بالسهام من كل ناحية، فانهزموا، وفرَّوا، وإذا ب النبي - صلى الله عليه وسلم - يثبت أمام الكفار وينادي المسلمين: "إليَّ يا عباد الله، أنا محمد بن عبد الله، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" [متفق عليه].
وأخذ العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - ينادي الناس، فتجمع المسلمون حول النبي - صلى الله عليه وسلم - صائحين: لبيك. لبيك. وانهالوا على الكفار يقتلونهم، فقال - صلى الله عليه وسلم - : "الآن حمي الوطيس" [مسلم]. ثم أخذ بيده الشريفة حصيات من الارض، فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: "انهزموا ورب الكعبة" [مسلم]. وقذف الله في قلوب المشركين الرعب، فانهزموا، وفر قائدهم مالك بن عوف تاركًا أمواله وأهله، وتوجه هو ورجاله إلى الطائف. وغنم المسلمون أربعة وعشرين ألفا من الغنم، وستة آلاف أسير، وكثيرًا من الفضة.

(3/42)


وانتظر الرسول - صلى الله عليه وسلم - هوازن بضعة عشر يومًا، ربما أتت إليه مسلمة معتذرة فيرد لهم أموالهم، لكنهم لم يأتوا، فوزعها على المسلمين. ثم توجه المسلمون إلى الطائف، للقضاء على ثقيف ومن فرَّ من هوازن، وحاصروا حصونها خمس عشرة ليلة، اكتشفوا خلالها أن المشركين يستطيعون الصمود خلف الحصون عامًا كاملاً بما لديهم من غذاء ومؤنة، فأمر ( المسلمين بالرحيل، ودعا لثقيف قائلاً: "اللهمَّ اهد ثقيفًا وأت بهم مسلمين" [الترمذي].
فاستجاب الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وجاء وفد ثقيف مسلمًا. وقدم وفد هوازن ممن أسلموا وسألوه أن يرد عليهم أموالهم وسبيهم، فقال - صلى الله عليه وسلم - : "اختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال"، فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، فالحسب أحب إلينا، فقال ( للمسلمين: "إن إخوانكم قد جاءوا تائبين، وإني رأيت أن أراد سبيهم، فأذنوا في ذلك فأعيدوا إلى هوازن سبيها" [البخاري].
ــــــــــــــــــ

غزوة حنين تداعياتها ونتائجها

(الشبكة الإسلامية)
وافقت أحداث هذه الغزوة السابع من شهر شوال، من السنة الثامنة من هجرة النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - . ودارت رحاها في وادي حنين، وهو وادٍ إلى جنب ذي المجَاز، بينه وبين مكة سبعة وعشرون كيلو مترًا تقريبًا، من جهة عرفات . وكان عدد المسلمين الذين اجتمعوا في هذه المعركة اثنا عشر ألفًا؛ عشرة آلاف من أهل المدينة، وألفين من أهل مكة .
* سبب الغزوة :
لقد كان فتح مكة كما قال ابن القيم : " الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدي للعالمين، من أيدي الكفار والمشركين. وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء...ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجًا " .

(3/43)


وكان لهذا الفتح الأعظم رد فعل معاكس لدى القبائل العربية الكبيرة القريبة من مكة، وفي مقدمتها قبيلتا ( هوزان ) و( ثقيف ). فقد اجتمع رؤساء هذه القبائل، وسلموا قياد أمرهم، إلى مالك بن عوف سيد ( هوزان ). وأجمعوا أمرهم على المسير لقتال المسلمين، قبل أن تتوطد دعائم نصرهم، وتنتشر طلائع فتحهم .
* مجريات الغزوة ووقائعها :
وكان مالك بن عوف رجلاً شجاعًا ومقدامًا، إلا أنه كان سقيم الرأي، وسيء المشورة؛ فقد خرج بقومه أجمعين، رجالاً ونساء وأطفالاً وأموالاً؛ ليُشعر كل رجل وهو يقاتل أن ثروته وحرمته وراءه فلا يفر عنها. وقد اعترضه في موقفه هذا دريد بن الصمة - وكان فارسًا مجربًا محنكًا، قد صقلته السنون، وخبرته الأحداث - قائلاً له: وهل يرد المنهزم شيء؟ إن كانت الدائرة لك، لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك: فضُحْتَ في أهلك ومالك. فسفَّه مالك رأيه، وركب رأسه، وأصر على المضي في خطته، لا يثنيه عن ذلك شيء .
وانتهى خبر مالك وما عزم عليه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخذ يجهز جيشه، ويعد عدته لمواجهة هذا الموقف. وكان مالك بن عوف قد استبق زمام المبادرة وتوجه إلى حنين، وأدخل جيشه بالليل في مضائق من ذلك الوادي، وفرق أتباعه في الطرق والمداخل، وأصدر إليهم أمره، بأن يرشقوا المسلمين عند أول ظهور لهم، ثم يشدوا عليهم شدة رجل واحد .
وكان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قد عبأ جيشه بالسَّحَر، وعقد الألوية والرايات، وفرقها على الناس، وقبل أن يبزغ فجر ذلك اليوم، استقبل المسلمون وادي حنين، وشرعوا ينحدرون فيه، وهم لا يدرون بما كان قد دُبِّر لهم بليل. وبينما هم ينحطون على ذلك الوادي، إذا بالنبال تمطر عليهم من كل حدب وصوب، وإذا بكتائب العدو قد شدت عليهم شدة رجل واحد، فانهزم المسلمون راجعين، لا يلوي أحد على أحد، وكانت هزيمة منكرة لذلك الجمع الكبير .

(3/44)


وانحاز رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ذات اليمين، وهو يقول : ( إلي يا عباد الله، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ) ولم يبق معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين والأنصار .
وقد روى لنا العباس رضي الله عنه هذا الموقف العصيب، وصوَّره لنا أدق تصوير، فقال: ( شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، فلزمت أنا و أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلم نفارقه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلة له بيضاء، فلما التقى المسلمون والكفار، ولَّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض بغلته قِبَلَ الكفار، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي عباس ! نادِ أصحاب السَّمُرَة - أي: أصحاب بيعة العقبة - فقال عباس : أين أصحاب السمرة ؟ قال: فوالله لكأَن عَطْفَتَهم حين سمعوا صوتي، عَطْفة البقر على أولادها - أي: أجابوا مسرعين - فقالوا: يا لبيك يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار...فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال: حمي الوطيس ، قال: ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصيات، فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب محمد ، قال: فذهبت أنظر، فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلاً، وأمرهم مدبرًا - يعني قوتهم ضعيفة، وأمرهم في تراجع وهزيمة - ) هذه رواية مسلم في "صحيحه". وقد فرَّ مالك بن عوف ومن معه من رجالات قومه، والتجؤوا إلى الطائف، وتحصنوا بها، وقد تركوا وراءهم مغانم كثيرة، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أثرهم فريقًا من الصحابة، حاصروهم، وقاتلوهم حتى حسموا الأمر معهم .

(3/45)


وهذا الحدث وما رافقه من مجريات ووقائع، هو الذي أشار إليه سبحانه وتعالى، بقوله : { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين } ( التوبة : 25-26) .
لقد كان موقف رسول الله وثباته في هذه المعركة مع قلة من الصحابة دليلاً ناصعًا، وبرهانًا ساطعًا على عمق إيمانه بالله، وثقته بنصره وتأييده، وتحققه بأن نتيجة المعركة سوف تكون إلى جانب الحق. وإنك لتبصر صورة نادرة، وجرأة غير معهودة في مثل هذه المواقف؛ فقد تفرقت عنه - صلى الله عليه وسلم - الجموع، وولوا الأدبار، لا يلوي واحد منهم على أحد، ولم يبق إلا رسول الله وسط ساحات الوغى، حيث تحفُّ به كمائن العدو من كل جانب، فثبت ثباتًا عجيبًا، امتد أثره إلى نفوس أولئك الفارين، فعادت إليهم من ذلك المشهد رباطة الجأش، وقوة العزيمة .
* موقف أم سليم :
ومن المواقف المشرفة في هذه المعركة موقف الصحابية أم سُليم رضي الله عنها، وكانت مع زوجها أبي طلحة رضي الله عنه. وقد روت كتب الحديث والسِّيَر بسند صحيح وقائع خبرها، فعن أنس رضي الله عنه، أن أم سليم رضي الله عنها اتخذت يوم حنين خنجرًا، فكان معها فرآها أبو طلحة ، فقال: يا رسول الله ! هذه أم سليم ، معها خنجر، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما هذا الخنجر ؟ قالت: اتخذته، إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك، قالت: يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء، انهزموا بك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يا أم سليم! إن الله قد كفى وأحسن ) .
* تداعيات هذه الغزوة :

(3/46)


ثم إن من تداعيات هذه المعركة، ما كان من مسألة تقسيم الغنائم - وقد غنم المسلمون مغانم كثيرة في هذه المعركة - وكانت هذه القسمة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، مبنية على سياسة حكيمة، لكنها لم تُفْهَم أول الأمر، فأُطْلِقتْ ألسنة شتى بالاعتراض ، والقيل والقال .
وحاصل خبر تداعيات تقسيم الغنائم، ما رواه ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال : لما أعطى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وَجَدَ هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت فيهم القَالَةُ - يعني كثرة الكلام بين الناس - حتى قال قائلهم : لقي - واللّه - رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة ، فقال : يا رسول اللّه، إن هذا الحي من الأنصار قد وَجَدُوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء . قال : ( فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ ) قال : يا رسول اللّه، ما أنا إلا من قومي . قال : ( فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة ) . فخرج سعد ، فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين، فتركهم، فدخلوا . وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعد ، فقال : لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فحمد اللّه، وأثنى عليه، ثم قال : ( يا معشر الأنصار، ما قَالَة بلغتني عنكم، وَجِدَةٌ وجدتموها عليَّ في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم اللّه ؟ وعالة فأغناكم اللّه ؟ وأعداء فألف اللّه بين قلوبكم ؟ ) قالوا : بلى، اللّه ورسوله أمَنُّ وأفضل. ثم قال : ( ألا تجيبوني يا معشر الأنصار ؟ ) قالوا : بماذا نجيبك يا رسول اللّه ؟ للّه ورسوله المن والفضل .

(3/47)


قال : ( أما واللّه لو شئتم لقلتم، فصَدَقْتُمْ ولصُدِّقْتُمْ : أتيتنا مُكَذَّبًا فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسَيْنَاك. أوَجَدْتُمْ يا معشر الأنصار في أنفسكم فيَّ لَعَاعَةٍ من الدنيا - يعني شيئًا تافهًا - تَألفَّتُ بها قومًا ليُسْلِمُوا، ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم ؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شِعْبًا، وسلكت الأنصار شعباً لسلكتُ شِعب الأنصار. وإنكم ستلقون أثرة من بعدي، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض. اللّهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار ) فبكي القوم حتى اخضلت - تبللت - لحاهم، وقالوا : رضينا برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قَسْمًا وحظاً، ثم انصرف رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، وتفرق الجمع .
* الدروس والعبر المستفادة :
لقد كانت غزوة حنين هذه درسًا عظيمًا في العقيدة الإسلامية، وممارسة عملية لفهم قانون الأسباب والمسببات؛ فإذا كانت وقعة بدر قد علَّمت الجماعة المسلمة أن القلة إذا كانت مؤمنة بالله حق الإيمان، وآخذة بأسباب النصر، لا تضر شيئًا في جنب كثرة الأعداء؛ فإن غزوة حنين قد علمت تلك الجماعة درسًا جديدًا، حاصله أن الكثرة الكاثرة لا تغني شيئًا، ولا تجدي نفعًا في ساحات المعركة، إذا لم تكن قد تسلحت بسلاح العقيدة والإيمان، وإذا لم تكن قد أخذت بأسباب النصر وقوانينه. فالنصر والهزيمة ونتائج المعارك لا يحسمها الكثرة والقلة، وإنما ثمة أمور أخر ورائها، لا تقل شأنًا عنها، إن لم تكن تفوقها أهمية واعتبارًا، لتقرير نتيجة أي معركة .
فكانت حنين بهذا درساً، استفاد منه المسلمون غاية الفائدة، وتعلموا منه قواعد النصر وقوانينه، قال تعالى: { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } (محمد:7)

(3/48)


ويدل موقف أم سليم في هذه المعركة على مدى حرص الصحابيات رضي الله عنهن على مشاركتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته، وتبليغ رسالته، ومواجهة أعدائه .
ومن الدروس المستفادة من هذه المعركة، والعبر المستخلصة منها، حكمة سياسة النبي - صلى الله عليه وسلم - في تقسيم الغنائم وتوزيعها، فقد اختص في هذه المعركة الذين أسلموا عام الفتح بمزيد من الغنائم عن غيرهم، ولم يراع في تلك القسمة قاعدة المساواة بين المقاتلين. وفي هذا دلالة على أن لإمام المسلمين أن يتصرف بما يراه الأنسب والأوفق لمصلحة الأمة دينًا ودنيا .
ويستفاد من بعض تصرفاته - صلى الله عليه وسلم - في هذه الغزوة، أن الدافع الأول وراء مشروعية الجهاد، هو دعوة الناس إلى دين الإسلام، وهدايتهم إلى الطريق المستقيم، وإرشادهم إلى الدين القويم، وهو الهدف الأساس الذي جاءت شريعة الإسلام لأجله؛ ولم يكن الهدف من مشروعية تلك الغزوات تحقيق أهداف اقتصادية، ولا تحصيل مكاسب سياسية. يشهد لهذا المعنى موقفه - صلى الله عليه وسلم - من مالك بن عوف - وكان المحرك الأساس، والموجه الأول لمعركة حنين - فقد سأل - صلى الله عليه وسلم - أصحابه عن مالكٍ، فقالوا: إنه بالطائف مع ثقيف، فقال لهم: أخبروه، أنه إن أتى مسلمًا رددت عليه أهله وماله، وأعطيته مئة من الإبل، فأُخبر مالك بذلك، فجاء يلحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أدركه، فرد عليه أهله وماله، وأعطاه مئة من الأبل، وأسلم فحسن إسلامه. والخبر ذكره ابن إسحاق .
كل هذا - وغيره كثير - يدل دلالة واضحة على أن الجهاد في أصله ليس إلا ممارسة لوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الوظيفة الأساس من الجهاد، والهدف المرام من تشريعه، دعوة الناس إلى الدين الحق، وضمان حريتهم في اعتناق هذا الدين .
ــــــــــــــــــ

غزوة حنين

(3/49)


لما فتحت مكة، وسقطت الزعامة القرشية، وبادت دولة الأوثان، فتح العرب أعينهم فإذا هم أمام الأمر الواقع، حتى خيل لهم أن النصر معقود بألوية الإسلام فما ينفك عنها، وراح الناس يدخلون في دين الله أفواجا، غير أن هوزان وثقيفاً كانت أكبر القبائل العربية بعد قريش، وأقربها من مكة، أدركتهما حمية الجاهلية، وأبوا إلا المواجهة، واجتمع أشرافهم وتشاوروا، ثم اجتمعوا على المسير لقتال المسلمين قبل أن تتوطد دعائم الفتح، ويتحرك المسلمون لاستئصال ما بقى من معالم الوثنية.
واجتمعت رؤساء هوزان وثقيف، وما جاورها من قبائل أمكنهم حشدها على مالك بن عوف، وكان فارساً شجاعاً، إلا أنه كان سقيم الرأى، سيئ المشورة، حيث أمر قومه أن يأخذوا نسائهم وأولادهم وأموالهم معهم ليستشعر كل رجل وهو يقاتل أن ثروته وحرمته وراءه فلا يفر عنها . وأصر مالك على خطته ولم يعبأ باعتراض أصحاب الرأي والمشورة، والذين رأوا أن إخراج النساء والأموال عبث لا طائل من ورائه إلا الفضيحة، وكأن خطة مالك بن عوف مما دبره الله عز وجل لنبيه، ومما أكرم به حزبه من الغنيمة، فقد تبسم النبي - صلى الله عليه وسلم - حين عرف خروج هوازن عن بكرة أبيها بظعنهم ونعمهم وشأنهم، وقال : تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله، وبعد جمع المعلومات العسكرية المطلوبة، خرج المسلمون بجيشهم الذي فتح مكة، بالإضافة إلى الطلقاء من أهل مكة، وكانوا حدثاء عهد بالشرك، ووصل الجيش الكبير الذي بلغ اثنى عشر ألفا إلى وادى حنين الذي يعرف الآن بالشرائع في مدخل مكة من جهة الطائف.

(3/50)


ولقد اعتاد المسلمون أن يُنصروا بإيمانهم، وتوكلهم ويقينهم وصبرهم . إنها معان قلبية تشعرهم دائماً بالحاجة إلى ربهم، وأنه لا حول لهم ولا قوة إلا به، فيصْدقُون اللجوء إليه، ويعلقون آمالهم عليه، وينزلون حاجتهم به، في ذل ومسكنة، وفقر وخضوع، فما هي إلا ساعة ويأتى النصر رغم القلة في العدد والنقص في السلاح، لكنهم اليوم يخرجون في زهو وفخر، وكأنهم واثقون بالنصر، ثم هم كثير، حتى قال قائلهم : لن نهزم اليوم من قلة ! لقد كان لهذه الثقة الزائدة، والركون إلى الأسباب، وملاحظة التفوق المادى والمعنوي، آثار خطيرة دفع المسلمون ثمنها، وتحملوا تبعاتها، ليس هذا فقط، بل إن خروج الطلقاء من أهل مكة الذين لم يترسخ الإيمان في قلوبهم جعلهم يلاحظون الغنيمة أكثر من أي شيء آخر . إن أكثرهم لا يشعرون أنهم أصحاب قضية أو مبدأ، بل إن بعضهم وإن أسلم تحت ضغط الواقع لا مانع عنده أن يعود إذا تغير هذا الواقع، وقبل هذا وذاك فإن أكثر هؤلاء الطلقاء لم يتخلصوا بعد من رواسب الجاهلية التي استقرت في أعماقهم أزماناً، وتحكمت في حياتهم حتى ليصعب عليهم نسيانها دون جهد تربوى لم يكونوا بدءوه بعد، لذلك لم يترددوا وهم في طريقهم إلى حنين حين مروا بشجرة تعرف بذات أنواط، كان المشركون يعلقون عليها أسلحتهم . لم يترددوا أن قالوا : يا رسول الله : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ! فاستنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك وقال : الله أكبر ! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى : { اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ }[الأعراف:138] والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم.

(3/51)


إن مقالتهم هذه تبين عدم وضوح منهج التوحيد في نفوسهم، وعدم تمكن العقيدة الصحيحة من قلوبهم . إنهم بعد لم يتشربوا معاني الإسلام، ولم تخالط قلوبهم بشاشة الإيمان، على أن رسول الله صلى لله عليه وسلم لم يعاقبهم ولا عنفهم، بل عذرهم لحداثة عهدهم، وبهذه الجوانب الثلاثة من الخلل الذي وقع في صفوف المسلمين، وهم في طريقهم إلى لقاء المشركين خلل في الأهداف والتصورات، وخلل في الإيمان والتوكل، وخلل في التوحيد والعقيدة .

(3/52)


وصل المسلمون إلى وادى حنين، الذي سبقهم إليه مالك بن عوف ورجاله، فاحتلوا مضايقه وانبثوا في شعابه، وتهيئوا لاستقبال المسلمين وعند دخول المسلمين الوادى حملوا على هوازن فانكشفوا، فأكب المسلمون على ما تركوه من غنائم ! فلما تكاثرت فرق المسلمين في الوادى لم يشعروا إلا بالسهام تتساقط عليهم من كل مكان وكان ضوء النهار بعد لم ينتشر إذ الوقت فجراً فحملت كتائب العدو عليهم حملة رجل واحد فانتشرت موجة من الفزع، وجعل الناس يفرون لا يلوى أحد على أحد ونظر بعض الطلقاء من زعماء مكة إلى هزيمة المسلمين بتشف وفرح ! ورجع بعضهم إلى إظهار الكفر بالله ورسوله، وعظمت الفتنة ! وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثبت معه نفر من أصحابه وآل بيته، وكان على بغلته الشهباء والعباس عمه وأبو سفيان بن الحارث يمسكان بعنانها، وهو يدفعها ويقول : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمه العباس ـ وكان جهورى الصوت ـ أن ينادى على الناس يا أصحاب الشجرة ـ لأهل بيعة الرضوان ـ يا معشر الأنصار، فأسمع من في الوادى فتلاحقوا نحوه وجعلوا يقولون لبيك لبيك حتى صاروا ثمانين أو مائة، فقاتلوا هوازن، وبدأت جولة جديدة مليئة بالشجاعة والصدق والعزيمة والإيمان وحسن التوكل، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يستغيث بربه، حتى إذا غشيه الأعداء نزل عن بغلته يمشى فلما رأى الفاروق ذلك من المسلمين وسمعوا نداءات العباس جعلوا يرددون لبيك لبيك واشتد القتال من جديد وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - الآن حمى الوطيس، وأخذ تراباً فرمى به وجوه الكفار وقال : شاهت الوجوه، انهزموا ورب الكعبة.

(3/53)


ولم تصمد هوازن وثقيف طويلاً حتى فروا تاركين وراءهم كل شيء ! من القتلى، والجرحى، والنساء، والأولاد، والعبيد، والأموال واعتصم بعض المنهزمين بناحية يقال لها أوطاس فتبعهم المسلمون وهزموهم شر هزيمة واستمر القتل يومئذ بالمشركين، حتى قتل أبو طلحة وحده عشرين رجلاً منهم، وفر كثير من المنهزمين إلى الطائف للتحصن في حصونها المنيعة وأنزل الله التوجيه والعبرة من هذا الموقف : { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ {25} ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ }[التوبة:25-26].

(3/54)


ولم يعنف النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ أحداً ممن فر عنه، بل قال لأم سليم حين طلبت ذلك : ( إن الله قد كفى وأحسن !) ثم ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الغنائم فلم يوزعها، وذهب إلى الطائف للقضاء على فلول الهاربين، فوجدهم قد تحصنوا في حصونهم المنيعة، وأدخلوا معهم قوت سنة كاملة، واستعدوا بوسائل الحرب التي تكفل لهم الصمود طويلاً، فحاصرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسة عشر يوماً، وقيل أكثر من ذلك، وإنما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكسر شوكتهم ويعرفهم أنهم في قبضة المسلمين، وإلا فقد كان يحب لهم أن يأتوا مسلمين، فقد طلب منه بعض الصحابة أن يدعو عليهم ؟ فقال : (اللهم اهد ثقيفا) ثم دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه إلى فك الحصارعنهم، وقال : إنا قافلون إن شاء الله، قال أصحابه : نرجع ولم نفتحه ؟ فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : اغدوا على القتال، فغدوا عليه فأصابهم جراح، وذلك أنه قتل منهم اثنا عشر شهيدا في حنين ولم يقتل من المشركين سوى ثلاثة بسبب امتناعهم بالحصون والأسوار، وهنا أعاد النبي - صلى الله عليه وسلم - فكرة فك الحصار فقال إنا قافلون غدا ! فأعجبهم ذلك، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فكأنهم فرحوا بذلك لما رأوه من المشقة الظاهرة دون جدوى، ولعلهم فطنوا إلى أن رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - أبرك وأنفع، وأحمد عاقبة، وأصوب من رأيهم، وفي أثناء حصار الطائف وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - نداءاً إلى العبيد أنَّ من ينزل من الحصن ويخرج إلى المسلمين فهو حر، فخرج ثلاثة وعشرون .
ــــــــــــــــــ

غزوة الطائف

(3/55)


(الشبكة الإسلامية) بعد أن كتب الله النصر للمؤمنين في غزوة حنين ، توجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شوال عام 8هـ قاصداً الطائف يريد فتحها، وانتدب لتلك المهمة خالد بن الوليد رضي الله عنه ؛ حيث جعله على مقدمة الجيش ، وطلب منه أن يسير أولاً لمحاصرتها .
وكانت قبيلة ثقيف - وهم أهل الطائف- قد حصنت مواقعها ، وأعدت عدتها ، وتهيأت للقتال ، والدفاع عن أرضها.
ولما وصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف نزل قريباً من الحصن ، وأقام معسكره فيه ، فانتهزت ثقيف الفرصة ، وأخذت توجه سهامها إلى معسكر المسلمين ، فأصابت منهم اثنا عشر رجلاً ، كان منهم : عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنه الذي استشهد على أثر رمية أصابت منه مقتلاً.
واستمر حصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للطائف قرابة أربعين يوماً ، تخللها العديد من المناوشات بين المسلمين والمشركين ، ورغبة في إضعاف معنويات ثقيف ، أخذ المسلمون في تحريق نخلهم ، فناشدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدعها لله وللرحم ، فاستجاب لهم ، ثم نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر" ، فخرج منهم بضعة عشر رجلاً ، فأعتقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ودفع كل رجلٍ منهم إلى رجلٍ من المسلمين ليقوم بشأنه واحتياجاته.

(3/56)


ولما طال الحصار ، وأصيب عدد من المسلمين استشار الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعض القوم ، ثم قرر رفع الحصار والرحيل ، فعن عبد الله بن عمرو قال :حاصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الطائف ، فلم ينل منهم شيئا ، فقال : ( إنا قافلون إن شاء الله ، قال أصحابه : نرجع ولم نفتتحه ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اغدوا على القتال ، فغدوا عليه فأصابهم جراح ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنا قافلون غدا ، فأعجبهم ذلك، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) رواه البخاري و مسلم .
وتروي كتب السير أن بعض الصحابة أتوا رسول الله وقت الحصار ، وقالوا : يا نبي الله ، ادعُ الله على ثقيف ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم اهد ثقيفاً وأت بهم ) .
ثم أذن مؤذن رسول الله بالرحيل ، فرحل الجيش وهم يقولون : ( آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون ) .
وهكذا عاد المسلمون من غزوة الطائف ، منتصرين وإن لم يفتحوا الحصن ، منتصرين بإيمانهم ، وثباتهم ، وصبرهم ، إضافة لما حصل من استسلام بعض أهل الطائف وإسلامهم
ومما يستفاد من هذه الغزوة سرعة استجابة الصحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فبعد غزوة حنين مباشرة ساروا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف لنشر دعوتهم ، ومواجهة المعارضين لها ، والواقفين في سبيلها .
ويستفاد أيضاً ضرورة الأخذ بالوسائل الحربية ، والاستراتيجية ، والخطط النافعة ، كما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ حيث استخدم المنجنيق ، وكان أول ما رمي به في الإسلام.
ويستفاد أيضاً ضرورة التشاور وخاصة وقت المحن والشدائد ، وعدم التفرد باتخاذ القرار ، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - شاور في فك الحصار ، وذلك لبيان أهمية هذا المبدأ العظيم مبدأ الشورى .

(3/57)


وقبل هذا وذاك نستفيد من أحداث هذه الغزوة ما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من رحمة وشفقة بالآخرين ، ولو لم يكونوا مسلمين ، لأن مهمته تتمثل في هداية الآخرين وليس النيل منهم والكيد بهم ، وفي دعوته - صلى الله عليه وسلم - لثقيف -وليس الدعاء عليهم- أبلغ دليل على ما ذكرنا.
ــــــــــــــــــ

دروس وعبر من حنين

وفي غزوة حنين قال تعالى: ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ - ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ - ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [التوبة: 25-27].
يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِفَضْلِهِ عَلَيهِمْ ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ ، فِي نَصْرِهِ إِيَّاهُمْ فِي مَوَاقِعَ كَثِيرَةٍ ( مَوَاطِنَ ) مِنْ غَزَوَاتِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ، وَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، وَبَتَأيِيدِهِ وَتَقْدِيرِهِ ، لاَ بِعَدَدِ المُسْلِمِينَ ، وَلاَ بِعُدَدِهِمْ ، وَلاَ بِعَصَبِيَّتِهِمْ ، وَلا بِقُوَّتِهِمْ ، وَلاَ بِكَثْرَةِ أمْوَالِهِمْ ، وَنَبَّهَهُمْ تَعَالَى إلى النَّصْرَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، قَلَّ الجَمْعُ أوْ كَثُرَ .

(3/58)


وَفِي يَوْمِ حُنَينٍ أعْجَبَتِ المُسْلِمِينِ كَثْرَتُهُمْ فَلَمْ تُفِدْهُمْ شَيْئاً ، فَوَلَّوا مُدْبِرِينَ حَتَّى ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْضَ عَلَى سَعَتِها مِنْ شِدَّةِ فَزَعِهِمْ ، فَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى النَّجَاةِ سَبِيلاً ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهُمْ إلاَّ عَدَدٌ قَلِيلٌ مَعَ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَكَانَ ذَلِكَ ابْتِلاءً مِنَ اللهِ لَهُمْ عَلَى عُجْبِهِم بِكَثْرَتِهِمْ . ( ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ نَصْرَهُ وَتَأيِيدَهُ عَلَى رَسُولِهِ ، وَعَلَى المُؤْمِنِينَ ، لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَحْدَهُ ، وَإِنْ قَلَّ الجَمْعُ ) .

(3/59)


وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى الطُمَأنِينَةَ عَلَى رَسُولِهِ ، وَعَلَىالمُؤْمِنِينَ الذِينَ ثَبَتوا مَعَهُ ، فَأذْهَبَ رَوْعَهُمْ ، وَأزَالَ حَيْرَتَهُمْ ، وَأَعَادَ إِلَيْهِمْ شَجَاعَتَهُمْ ، وَلَزِمَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - مَكَانَهُ ، وَمَعَهُ القِلَّةُ التِي ثَبَتَتْ مِنَ المُؤْمِنِينَ ، وَاسْتَنْصَرَ الرَّسُولُ رَبَّهُ ، فَأَنْزَلَ اللهُ جُنُوداً مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يَرَها المُسْلِمُونَ بِأَبْصَارِهِمْ ، بَلْ وَجَدُوا أَثَرَها فِي قُلُوبِهِمْ ، بِمَا عَادَ إِلَيْهَا مِنْ رَبَاطَةَ جَأْشٍ ، وَشِدَّةِ بَأْسٍ . وَأَخَذَ الرَّسُلُ - صلى الله عليه وسلم - حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ قَذَفَهَا فِي وَجْهِ القَوْمِ ، فَلَمْ يَبْقَ مُقَاتِلٌ مِنْ هَوَازِنْ إلاَّ وَدَخَلَتْ فِي عَيْنِهِ أَوْ فَمِهِ حَبَّةٌ مِنْ تُرَابٍ أشْغَلَتْهُ عَنِ القِتَالِ ، وَتَرَاجَعَ الذِينَ هَرَبُوا مِنَ المُسْلِمِينَ ، إِلَى حَيْثُ كَانَ يَقِفُ رَسُولَ اللهِ وَصَحْبُهُ الثَّابِتُونَ ، وَحَمَلُوا عَلَى هَوَازِنَ فَنَصَرَهُمُ اللهُ ، وَعَذَّبَ الذِينَ كَفَرُوا ، وَقَاتَلُوا رَسُولَ اللهِ ، فَأَخْزَاهُمُ اللهُ وَأَذَلَّهُمْ بِالقَتْلِ وَالسَّبْيِ ، وَهَذَا هُوَ مَصِيرُ القَوْمِ الكَافِرِينَ ، وَجَزاؤُهُمْ .

(3/60)


ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ ، مِنْ بَعْدِ القَتْلِ وَالخِزْيِ وَالتَعْذِيبِ ، عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ هَوَازِنَ فَيَهْدِيهِمْ إِلَى الإِسْلاَمِ ، وَقَدْ قَدِمُوا عَلَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُسْلِمِينَ ، وَلَحِقُوا بِهِ فِي مَكَّةَ فِي مَكَانٍ يُعْرَفُ بِالجعْرانَةِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ المَوْقِعَةِ بِعِشْرِينَ يَوْماً ، وَحِينَئِذٍ خَيَّرَهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ سَبْيِهِمْ ، وَبَيْنَ أَمْوَالِهِمْ ، فَاخْتَارُوا سَبْيَهُمْ ، وَكَانُوا سِتَّةَ آلافِ أَسِيرٍ مَا بَيْنَ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ فَرَدَّهُمْ عَلَيْهِمْ ، وَقَسَّمَ الأَمْوَالَ بَيْنَ المُقَاتِلِينَ .
ــــــــــــــــــ

أحداث بين غزوة الطائف وغزوة تبوك

(الشبكة الإسلامية)
كانت حياته - صلى الله عليه وسلم - وحياة أصحابه حياة جِدِّ وعمل ، ومما يدل على ذلك أحداث السيرة العطرة ، التي يراها الناظر متتابعة متلاحقة في إنجازاتها العظيمة التي تدل ولا شك على عظمة القائد ، وجَلده وصبره في تبليغ الحق الذي جاء به ، والثبات عليه مهما كانت الصعاب والعقبات ، ومعه في ذلك الطريق أصحابه الكرام.
فبعد غزوة الطائف التي كانت في شوال سنة 8هـ ، لحقتها عدة أحداث نوجزها باختصار:-
1- قدوم وفد هوازن
حيث أقبلوا مسلمين طائعين مبايعين ، وكان عددهم أربعة عشر رجلاً ، ويرأسهم زهير بن صُرَد ، وفيهم أبو بُرْقَان عمّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة ، وكان من جملة ما طلبوا من الرسول أن يعيد إليهم السبايا التي أصابها المسلمون منهم ، فأجابهم النبي الكريم إلى ذلك بعد استشارة أصحابه ، واستطابة خاطرهم .
2- أداء العمرة

(3/61)


قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقسمة غنائم حنين في الجعرانة ، حيث أخّر قسمتها ، أملاً في قدوم وفد هوازن تائبين ، فتُعاد إليهم ، ولما لم يأته أحد قسمها ، ثم أهلّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة منها ، وبعد انتهاء العمرة انصرف من مكة عائداً إلى المدينة بعد تولية عتّاب بن أسيد على مكة ، وكان دخوله المدينة أواخر ذي القعدة سنة 8هـ .
3- البعوث
بعد رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ، بدأ أوائل سنة 9هـ في بعث الوفود إلى القبائل ، فبعث عيينة بن حصن إلى بني تميم ، و يزيد بن الحصين إلى أسلم وغفار ، و عباد بن بشر الأشهلي إلى سُليم ومزينة ، و رافع بن مكيث إلى جهينة ، و عمرو بن العاص إلى بني فزارة ، و الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب ، و بشير بن سفيان إلى بني كعب ، و ابن اللّتبية الأزدي إلى بني ذبيان ، و المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء ، و زياد بن لبيد إلى حضرموت ، و عدي بن حاتم إلى طيئ وبني أسد ، و مالك بن نويرة إلى بني حنظلة ، و الزِّبْرِقَان بن بدر و قيس بن عاصم إلى بني سعد ، و العلاء بن الحضرمي إلى البحرين ، و علي بن أبي طالب إلى نجران .
وكانت هذه البعوث تقوم بالدعوة إلى الله ، وتعليم الناس أمور دينهم ، وجمع الصدقات ، وأخذ الجزية .
4- السرايا
وكما بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - البعوث ذات الطابع السِّلمي ، أرسل السرايا التي يغلب عليها الطابع العسكري الجهادي من أجل الوقوف بحزم مع أولئك الذين يثيرون القلاقل بين حين وآخر :
فكانت سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم ، في خمسين فارساً .
وسرية قُطبة بن عامر إلى حي من خثعم ، في عشرين رجلاً .
وسرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب .
وسرية علقمة بن مُجزِّر المُدلجي إلى سواحل جُدَّة ، في ثلاثمائة .
وسرية علي بن أبي طالب إلى صنم لطيئ من أجل هدمه ، في خمسين ومائة .

(3/62)


وكانت نتائج هذه السرايا انتصار المسلمين ، وكسب الغنائم ، مع نيل الشهادة لبعض القادة والمقودين ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
تلك بعض الأحداث التي كانت بين غزوتي الطائف وتبوك ، وهي تدل على الصبر والجلد عند أولئك الرجال العظام ، وكيف أنهم كانوا يواصلون الخير والعطاء ، ونشر الهداية بين الناس ، والجهاد في سبيل الله باللسان والسنان دون كلل أو ملل ، وفي ذلك درسٌ عظيم لأمة الإسلام كي تنهض من كبوتها ، وتأخذ بهدي نبيها ، عسى الله أن يجعل لها من بعد عُسرها يُسرا .
ــــــــــــــــــ

غزوة تبوك

فتحت مكة، وانتشر الإسلام في جزيرة العرب، وأصبح يشكل خطرًا على الروم، فرأى الروم أن يجهزوا جيشًا لقتال المسلمين. فكان لابد للمسلمين من الخروج إليهم، ولكن الحر شديد، والسفر إلى أرض الروم طويل، والناس في عسرة، وثمار المدينة حان وقت حصادها، وفي ظل هذه الظروف كلها، كان القرار الحاسم، فقد أعلن الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الناس الخروج لقتال الروم، وهذه فرصة ليظهر المنافقون أمام المجتمع المسلم، ويثبت المسلمون الصادقون في إسلامهم.
وتسابق المسلمون في فعل الخير، وتجهيز الجيش الذي سمي بجيش العسرة، فجاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بنصف ماله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "ما أبقيت لأهلك؟". قال: مثله. وأتى أبو بكر بكل ما عنده. فقال: "يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟". فقال: "أبقيت لهم الله ورسوله. [الترمذي]، وجاء
عثمان بن عفان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بألف دينار، فوضعها في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل يقبلها بيده، ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم" [الترمذي].

(3/63)


وقي الوقت نفسه كان المنافقون يختلقون الأعذار حتى لا يشاركوا في هذه الغزوة، وأخذوا يروِّجون لأفكارهم فيما بينهم، ويقولون: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله تعالى فيهم: (قل نار جهنم أشد حرًّا لو كانوا يفقهون) [التوبة: 81]. وتحرك جيش المسلمين في شهر رجب من العام التاسع الهجري رغم الحر والتعب تاركين المدينة، وما بها من ثمار وظلال؛ طاعة لله ورسوله.
وفي الصحراء، اشتد الحر ونفد الماء، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه، وظل رافعًا يديه، فأرسل الله سحابة أمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء. ووصل الجيش بسلام إلى تبوك، فنزل الرعب بقلوب الأعداء، فتفرقوا وانسحبوا داخل بلادهم، ولم يقدروا على محاربة المسلمين. فبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب حصن دومة، وقال له: "إنك ستجده يصيد البقر".
وفي ليلة مقمرة، وقفت بقرة جميلة تحك باب القصر فنزل إليها الملك ليصيدها، وركب فرسه، وأخذ رمحه، وخرج مع بعض من أهله، فلما خرجوا كانت رسل النبي - صلى الله عليه وسلم - تنتظره، فأخذته، وقتلوا أخاه، وقدم خالد بن الوليد ومعه أكيدر أسيراً، فصالحه الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الجزية، ثم تركه وخلى سبيله وعاد إلى قريته.
وعاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالجيش مظفرًا منتصرًا بعد أن حقق أهداف غزوته دون قتال، وبينما هم في طريقهم إلى المدينة قال - صلى الله عليه وسلم - : "إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم".

(3/64)


قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟! قال: "وهم بالمدينة، حبسهم العذر" [متفق عليه]. وخرج هؤلاء المسلمون الصادقون الذين حبستهم الأعذار عن الخروج في الغزوة يستقبلون الرسول - صلى الله عليه وسلم - والجيش بالفرحة الشديد. أما المنافقون المتخلفون عن الجهاد، فقد أخذوا يقدمون الأعذار الكاذبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - :، فقبل منهم علانيتهم، وترك سرائرهم لله تعالى.
وكان من بين الذين تخلفوا عن الغزوة كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وهم من المؤمنين الصادقين، ولكنهم لم يخرجوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لقتال الروم، ولم يكن لهم عذر.
جاء كعب بن مالك وسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فتبسم له النبي - صلى الله عليه وسلم - تبسم المغضب، وقال: "تعالَ" قال كعب فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: "ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت (اشتريت) ظهرك (دابتك)؟" فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيتُ أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيتُ جدلا، ولكني والله لقد علمت إن حدثتُك حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطكَ علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجدُ عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك".
فقمت وثار رجال من بني سلمة، فاتبعوني فقالوا لي: "والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفارُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك.

(3/65)


قال: فوالله ما زالوا يُؤنِّبونني حتى أردت أن أرجع فأُكذِّبَ نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت: من هما؟ قالوا: مُرارةُ بن الرَّبيع القمريّ، وهلال بن أمية، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسْوة.
فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين عن كلامنا من بين من تخلَّف عنه. فاجتبينا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرتْ في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأُسلِّم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، فأُسارِقُه النَّظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي أقبل إليّ، وإذا التفت نحوه أعرض عني.
حتى إذا طال عليَّ ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسوَّرْتُ جدار حائط أبي قتادة (أي: تسلقتُ جدار بستانه)، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما ردَّ عليَّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له، فنشدته فسكت، فعدتُ له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار.

(3/66)


فبينما أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدُّل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتابًا من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعدُ، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت بها التَّنُّور (الفرن) فسجرته بها (حرقته). حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسولُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيني فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا. ولكن اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.
فجاءت امرأة هلال بن أمية، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا، ولكن لا يقربك". قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله مازال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. فقلت والله لا أستأذن فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :، وما يدريني ما يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب. فلبث بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا.
فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت عليَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرض بما رحُبت، سمعت صوت صارخ ينادي بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر. فخررت ساجدًا وعرفت أن قد جاء فرج.

(3/67)


فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما، يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :، فيلقاني الناس فوجًا فوجًا، يهنئوني بالتوبة يقولون: لتَهنك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله جالس، وحوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة.
فلما سلمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يبرق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك" قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عندك الله؟ قال:"لا، بل من عند الله". وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه.
فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله. إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك". قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. فقلت يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك ل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك ل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا كذباً، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت.
وأنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - : (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذي اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليبوبوا إن الله هو التواب الرحيم) [التوبة: 117-118].

(3/68)


فوالله ما أنعم الله على من نعمة قط -بعد أن هداني للإسلام- أعظم في نفسي من صدقي ل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شرَّ ما قال لأحد، فقال تبارك وتعالى: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون. يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسفين) [التوبة: 95-96]. وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول اله ( أمرنا حتى قضى الله فيه، وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له، واعتذر إليه فقبل منه. [البخاري].
هدم مسجد الضرار:
عاد المسلمون من تبوك، وإذا ب النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرهم بحرق مسجد بناه المنافقون ليدبروا فيه المكائد ضد المسلمين، وأرادوا أن يصلي فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن الله تعالى نهاه عن ذلك، فقال تعالى: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل ليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون. لا تقم فيه أبدًا) [التوبة: 107-108].
ــــــــــــــــــ

غزوة تبوك....والمواجهة الأخيرة

(الشبكة الإسلامية) الدكتور / أكرم ضياء العمري
من كان يصدّق أن العرب الذين كانوا مجرّد قبائل متناحرة ، ليس لهم كيانٌ يُذكر ، ولا أيّ قدرةٍ على مواجهة الأخطار الخارجيّة ، سيأتي عليهم يومٌ يتوّحدون فيه ، وتكون لهم دولة مستقلّة ، ويجابهون أعظم قوّةٍ في ذلك الزمان ، ويغزونها في عقر دارها ؟ .

(3/69)


إنّ ذلك لم يكن ليتحقّق إلا في ظلّ رسالة الإسلام ، والتي أصبح المسلمون من خلالها قوةً يحسب لها الآخرون ألف حساب ، حتى استطاعوا أن يعودوا إلى مكّة فاتحين خلال ثمان سنين من هجرتهم ، ليستقبلوا أفواج الناس التي أقبلت للدخول في دين الله .
فبعد استقرار الوضع الداخليّ في مكّة ، توجّه النبي - صلى الله عليه وسلم - – بالنظر إلى الخارج لإكمال مهمّة الدعوة والبلاغ ، خصوصاً وأنّ الأنباء كانت قد وصلت إليه أنّ الروم بدأت بحشد قوّاتها لغزو المسلمين ، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - – أن يبادرهم بالخروج إليهم ، في غزوة عرفها التاريخ باسم " غزوة تبوك " .
وقد جاءت تسمية هذه الغزوة من " عين تبوك " التي مرّ بها المسلمون وهم في طريقهم إلى أرض الروم ، وسُمّيت أيضاً بـ" غزوة العسرة " لما اجتمع فيها من مظاهر الشدّة والعسرة، حيث حرارة الجوّ ، وندرة الماء ، وبعد المكان ، وفوق هذا وذاك كان المسلمون يعيشون حالة من الفقر وضيق الحال ، وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك الحال في قوله تعالى : { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة } ( التوبة : 117 ) .
ونظراً لتلك الظروف الصعبة ، استقرّ رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - على التصريح بجهة الغزو على غير عادته ، وذلك لإدراكه بعد المسافة وطبيعة العدوّ وحجم إمكاناته ، مما يُعطي الجيش الفرصة الكاملة لإعداد ما يلزم لهذا السفر الطويل ، إضافةً إلى إن وضع الدولة الإسلامية قد اختلف عن السابق ، حيث تمكّن المسلمون من السيطرة على مساحاتٍ كبيرةٍ من الجزيرة العربية ، ولم يعد من الصعب معرفة وجهتهم القادمة .

(3/70)


وهكذا أعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - النفير ، وحث الناس على الإنفاق في سبيل الله قائلاً : ( من جهّز جيش العسرة فله الجنة ) رواه البخاري ، فاستجاب الصحابة لندائه ، وضربوا أروع الأمثلة في البذل والعطاء ، فأما عثمان بن عفان رضي الله عنه فانطلق مسرعاً إلى بيته وأخذ ألف دينار ووضعها بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتكفّل بثلاثمائة بعير بكامل عدّتها ، فاستبشر النبي - صلى الله عليه وسلم - من فعله وقال : ( ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم ) رواه الترمذي .
وحاول عمر بن الخطاب أن يسبق أبا بكر فأتى بنصف ماله ، وإذا بأبي بكر رضي الله عنه يأتي بكل ما عنده دون أن يُبقي لأهله شيئاً ، فقال عمر رضي الله عنه : " والله لا أسابقك إلى شيء أبداً " .
وتصدّق عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بألفي درهم ، إلى جانب الصدقات العظيمة التي قدّمها أغنياء الصحابة كالعباس بن عبد المطلب ، و طلحة بن عبيد الله ، و محمد بن مسلمة ، و عاصم بن عدي ، رضي الله عنهم أجمعين .
وكان لفقراء المسلمين نصيبٌ في الصدقة ، حيث قدّموا كل ما يملكون في سبيل الله مع قلّة ذات اليد ، فمنهم من أتى بصاعٍ من تمر ، ومنهم من جاءّ بنصف صاعٍ أو أقلّ .

(3/71)


ووقف علبة بن زيد رضي الله عنه ينظر إلى جموع المسلمين ، وهي تتسابق على الإنفاق والصدقة ، والحسرة تملأ فؤاده حيث لم يجد ما يتصدّق به ، فلما جاء الليل وقف يصلّي ويبكي ، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: " اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ، ورغّبت فيه ، ثم لم تجعل عندي ما أتقوّى به مع رسولك ، وإني أتصدّق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو عرض " ، وفي الصباح سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( أين المتصدق هذه الليلة ؟ ) ، فلم يقم أحد ، فأعاد النبي - صلى الله عليه وسلم - مرّة أخرى فلم يقم إليه أحد ، فشعر علبة رضي الله عنه أنه المقصود بذلك ، فقام وأخبره الخبر ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أبشر ، فوالذي نفس محمد بيده لقد كُتبت في الزكاة المتقبلة ) .
واستغلّ المنافقون هذه المواقف المشرّفة للسخرية من صدقات الفقراء ، والتعريض بنوايا الأغنياء ، وقد كشف القرآن عن خباياهم فقال سبحانه : { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ، والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذاب أليم } ( التوبة : 79 ) .
كما حاولوا أن يصدّوا الناس عن الخروج ، بالترهيب من لقاء العدوّ تارةً ، والترغيب في الجلوس والإخلاد إلى الراحة تارةً أخرى ، خصوصاً أن الغزوة كانت في وقت شدّة الحرّ وطيب الثمر .
ولم يتوقّف كيد المنافقين عند هذا الحدّ ، بل قاموا ببناء مسجد في أطراف المدينة ليكون مقرّاً لهم ، يدّبرون فيه المؤامرات للقضاء على الإسلام وأهله ، وطلبوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلّي فيه كنوعٍ من التمويه والخداع ، لكنّ الله بيّن لنبيّه حقيقة نواياهم ، ونهاه عن الصلاة في مسجدهم .

(3/72)


واجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثون ألف مقاتل من المهاجرين والأنصار وغيرهم من أبناء القبائل العربيّة ، ودفع باللواء إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وقام بتقسيم الجيش إلى عددٍ من الألوية ، وعيّن على كلٍ منها قائداً ، ثم استخلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليقوم برعاية أهله , فشقّ عليه أن تفوته هذه الغزوة ، فذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستأذنه في الخروج ، فقال له عليه الصلاة والسلام: ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ ، غير أنه لا نبي بعدي ) رواه البخاري .
وجاء الفقراء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلبون منه أن يعينهم بحملهم إلى الجهاد ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يعتذر بأنّه لا يجد ما يحملهم عليه من الدوابّ ، فانصرفوا وقد فاضت أعينهم أسفاً على ما فاتهم من شرف الجهاد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فخلّد الله ذكرهم إلى يوم القيامة ، وأنزل فيهم قوله: { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون } ( التوبة : 91 – 92 ) ، وكانت رغبتهم الصادقة في الخروج سبباً لأن يكتب الله لهم الأجر كاملاً ، فقد جاء في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ؛ حبسهم العذر ) .

(3/73)


أما المنافقون فقد تخلّف معظمهم عن الغزو ، وقاموا بادّعاء الأعذار الكاذبة ، فمنهم من اعتذر بعدم القدرة على السفر ، ومنهم من اعتذر بقلّة المتاع ،ومنهم من اعتذر بشدّة الحرّ ، ومنهم من اعتذر بإعجابه بالنساء ، وخوف الفتنة بنساء الروم ، فقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - أعذارهم ، وأنزل الله آياتٍ في سورة التوبة تفضح أمرهم ، وتكشف حقيقة كذبهم ، وتنذرهم بالعذاب الأليم .
وانطلق الجيش بقيادة النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو الشمال ، وفي الطريق مرّوا على ديار ثمود ، فسارع بعض المسلمين ليروا مساكنهم ، ويقفوا على آثارهم ، وبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعا الناس ثم قال لهم : ( لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، إلا أن تكونوا باكين ؛ حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم ) ، ثم أمرهم بالإسراع في الخروج ، فأخبره الصحابة أن بعضهم قد تزوّدوا بالماء للشرب وصنع العجين ، فأمرهم بإراقة ذلك الماء ، وإطعام العجين للدواب ، إلا أنه استثنى ما أخذوه من بئر ناقة صالح عليه السلام .
وبدأت المعاناة بسبب نقص المياه ، وشدّة الحرارة ، وقلّة الرواحل ، حتى إن البعير الواحد كان يتناوب عليه الجماعة من الرجال ، واضطرّ بعضهم إلى أكل أوراق الشجر ونحر الإبل ليشربوا ما في بطونها ، وبعد أن بلغ بهم الجهد مبلغاً عظيماً شكوا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فدعا ربّه بنزول المطر ، ولم يكد ينتهي من دعائه حتى أمطرت السماء وارتوى الناس ، وكانت هذه المعجزة تثبيتاً للمؤمنين وتخفيفاً لمعاناتهم .

(3/74)


وكان أبو ذرّ الغفاري رضي الله عنه قد تأخّر عن الجيش ، فبحث عن راحلةٍ تمكّنه من اللحاق بهم ، فلم يجد سوى راحلةٍ هزيلة ، فلما أبطأت به وخشي أن يتأخّر ، أخذ متاعه وحمله على ظهره ، ومشى على قدميه حتى اقترب من الجيش ، فرآه أحد الصحابة فقال : " يا رسول الله ، هذا رجلٌ يمشي على الطريق " ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( كن أبا ذر ) ، فلمّا تأمّله القوم قالوا : " يا رسول الله ، هو والله أبو ذرّ " ، فقال عليه الصلاة والسلام: ( رحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويُبعث وحده ) رواه الحاكم .
وكان ممن تخلف عن الغزو في أوّل الأمر ، أبو خيثمة الأنصاري رضي الله عنه ، حيث لم يستطع أن يحمل نفسه على الخروج ، وفي يومٍ من الأيام دخل بستاناً له ، ورأى زوجتيه وهما يعدّان له المكان الظليل والماء البارد ، فاستيقظ ضميره ، وعاتب نفسه ، كيف يجلس في الظلّ والنعيم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعاني شدّة الحرّ ومشقّة الطريق ؟ ، فندم وأخذ سلاحه وركب دابّته، حتى أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - في تبوك ، وذهب إليه معتذراً , فعاتبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما كان منه ، ثم عفا عنه ودعا له بخيرٍ .
وعندما وصل الجيش إلى تبوك ، لم يجدوا أثراً للروم أو القبائل الموالية ، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - سريّةً بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى دومة الجندل ، وغنموا عدداً كبيراً من المتاع والأنعام ، واستطاعوا أن يأسروا ملكها " أكيدر بن كندة " ، وأتوا به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فصالحه على دفع الجزية ، ثم أطلق سراحه .

(3/75)


ومكث النبي - صلى الله عليه وسلم - في تبوك عشرين يوماً ، يستقبل الوفود التي جاءت للمصالحة ودفع الجزية من أهل " جرباء وأذرح "وغيرهما ، وكان منهم وفد ملك " أيلة " الذي بعث بهديّةٍ من كساء وبغلة بيضاء ، فقبلها النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وبعد أن تحقّق المقصود من الغزو ، عاد الجيش الإسلاميّ إلى المدينة ، فلما اقترب منها خرجت جموع النساء والأطفال لاستقبال النبي - صلى الله عليه وسلم - والاطمئنان على سلامته ، ثم توجّه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مسجده وصلّى فيه ركعتين ، ثم جلس مع الناس ، وجاءه المنافقون يعتذرون إليه ، فقبل أعذارهم وأوكل سرائرهم إلى الله ، وحضر إليه الثلاثة الذين خُلّفوا عن المعركة فلم يقبل أعذارهم ، ونهى الناس عن مخالطتهم والكلام معهم ، حتى أنزل الله توبتهم .
هذه هي أحداث آخر غزوة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، استطاع من خلالها إسقاط هيبة الروم ، وتوطيد سلطان الإسلام في الجزيرة ، وإيصال رسالة إلى قبائل العرب بمقدار القوّة التي بلغها المسلمون ، الأمر الذي كان له أعظم الأثر في استجابتهم لدعوة الحق وقبولهم للإسلام بعد ذلك .
ــــــــــــــــــ

غزوة تبوك

(3/76)


أخذ الإسلام يستقر في الجزيرة العربية بعد فتح مكة وإسلام هوزان، وغيرهما من قبائل العرب، واستولى على الأفئدة وملأت هيبته النفوس، وهذا ما جعل الروم وأتباعهم من نصارى العرب يخافونه، ويراقبونه من بعيد في تربص وحذر، ولما أنزل الله على رسوله: { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }(1) عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتال الروم، لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق، لقربهم إلى الإسلام وأهلة، وقد قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً }(2) ثم إن الأنباء كانت تترامى إلى المدينة بإعداد الرومان لقيام بغزوة حاسمة ضد المسلمين، بعد فشلهم الذريع يوم مؤتة، والذي خرج منه المسلمون بنصر عجيب، وسمعة طيبة، أزعجت النصارى الذين لا يرحبون بديانة التوحيد، وفي شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة، ندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب لقتال الروم، وهي آخر غزوة غزاها بنفسه - صلى الله عليه وسلم - ، وقد كان لا يكاد يخرج بغزوة إلا ويخفى مقصده، كيلا تسير الأنباء إلى عدوه لكنه في هذه الغزوة أخبر الناس بوجهته وقصده، لبعد المسافة، وشدة الحر، ونقص النفقة، فقد كان عام جدب، وأيضاً لقوة العدو، فقتال الروم ليس قتال قبيلة مجاورة، وإنما مواجهة مريرة مع دولة تبسط سلطانها على عدة قارات، وتملك أكبر قوة عسكرية في ذلك الوقت، ولهذا نزلت الآيات تستنفر المسلمين، وتستحث هممهم، وتقوى عزائمهم لتحمل مسئولية هذا الدين أمام صلف الصليبيين، وتحذرهم من الركون إلى الدنيا، والخلود إلى الدعة

(3/77)


والراحة خصوصاً وقد اشتد حر الصيف، وطاب الثمر.
قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ {38} إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }(3)، وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعد الجيش الذي عرف بجيش العسرة من أجل الظروف العصبية التي صاحبت تجهيزه، وحث أصحابه على الإنفاق حتى قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة ! فقام عثمان بن عفان رضي الله عنه بتجهيزه ـ وهذا من مناقبه العظيمة ـ وصب يومئذ في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ألف دينار، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يردد: ما ضر ابن عفان ما فعل بعد اليوم ! فرحاً بنفقته، وأخذ الصحابة رضي الله عنهم يأتي كل بما يستطيعه، حتى الفقراء، كانوا يجودون ـ على استحياء ـ بما يستطيعونه من النفقة رغبة في ثواب الله، ولم يفلت يومئذ الفقراء ولا الأغنياء من ألسنة المنافقين! فقد جعلوا يسخرون من الفقراء ويتهمون الأغنياء بالرياء، وهذا ديدنهم، الغمز واللمز، والتشهير والإرجاف، فأنزل الله في فضح أساليبهم : { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }(4)، ولم يتوقف دور المنافقين في هذه الغزوة عند اللمز والغمز فقط، بل أعلنوا نفاقهم في جرأة خسيسة، وأخذوا يثبطون المسلمين ويقولون: لا تنفروا في الحر، { وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ }

(3/78)