وسائل الدعوة


من القضايا التي تتكرر في الساحات الدعوية مسألة: هل وسائل الدعوة توفيقية أو توقيفية؟

وهذه المسألة كأي مسألة ينبغي أولا تحرير محل النزاع، ثم تلمس أدلة الأقوال ثم النظر فيها والترجيح بينها، فأقول:

تطلق كلمة (وسائل الدعوة) بإطلاقين :

الإطلاق الأول : وسائل الدعوة بمعنى الأدوات الناقلة لها، كالرائي والمذياع ومكبر الصوت، ومسجل الصوت والكمبيوتر والقمر الصناعي وغيرها.

الإطلاق الثاني : وسائل الدعوة بمعنى الصورة التي تبرز فيها معاني الدعوة، كالأناشيد والتمثيليات، والجماعات، والبرلمانات، والدروس والمحاضرات والندوات، ونحوها.

ووسائل الدعوة بالإطلاق الأول ليست هي محل البحث هنا، إذ لا يوجد مانع شرعي من الاستفادة من الوسائل بهذا المعنى، ولذلك لم تكن وسائل الدعوة بهذا الإطلاق محل خلاف أصلاً!

إذا محل البحث هو وسائل الدعوة بمعنى الصورة التي تبرز فيها معاني الدعوة، ويعتقد أنها من الدعوة، ويتقصد فيها الأجر والثواب عند الله سبحانه وتعالى.

وسائل الدعوة بهذا الإطلاق ينبغي أن يراعى فيها الأمور التالية :

أولاً : على الداعية أن يستعمل لعرض المعاني الشرعية الوسائل التي جرى عليها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فمن ذلك :

1ـ التعليم بالقدوة.

2ـ التعليم عن طريق السؤال والجواب، كما حديث جبريل الطويل!

3ـ التعليم عن طريق الخطبة، كما في خطبة الجمعة وغيرها.

4ـ التعليم عن طريق الكلمة تقال بعد الصلاة كما في حديث اختصام الملأ الأعلى!

5ـ التعليم عن طريق طرح الأسئلة للتشويق والتعليم.

6ـ التعليم عن طريق القصة.

7ـ التعليم عن طريق التطبيق العملي، كما في قصة الأعرابي الذي جاء يسأل عن أوقات الصلوات!

8ـ التعليم عن طريق الدروس العلمية، كما في قصة مسيء الصلاة.

9ـ التعليم عن طريق الرحلة في طلب العلم، والإقامة مع الشيخ حتى يتم التعلم، كما في قصة مالك بن الحويرث، وهذا تطبيقاً لقوله تبارك وتعالى: )وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ( (التوبة:122).

فهذه طرق ووسائل لتبليغ الناس الدين ودعوتهم إليه، مما جرى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهناك غيرها كالدعوة عن طريق إرسال الرسل، والكتابة!

هذه الوسائل حري بالداعية أن يسلكها وأن يتعلمها ليبلغ الناس ويدعو إلى دين الله كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم!

ثانياً : إن احتاج الداعية إلى أن يسلك طريقة غير ما كان يسلكه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الدعوة، فعليه أن يطبق قاعدة (قيام المقتضي) ليفرق بين ما هو من باب البدعة وبين ما هو من باب المصلحة المرسلة!

وتطبيق قاعدة (قيام المقتضي) أن ينظر في هذه الطريقة التي يريد الداعية أن يسلكها لتبليغ الناس الدين وتعليمهم إياه، ويرجو بها الأجر والثواب: هل قام المقتضي لفعلها زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أم لم يقم، فإن قام المقتضي لفعلها ولم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن هناك مانع من فعلها فهي سنة تركية، فيكون من السنة ترك هذا الفعل لتركه صلى الله عليه وسلم له! فإن فعلها الداعية كان قد قام بما هو خلاف السنة!

أمّا إذا قام المقتضي لفعلها ومنع مانع من فعلها فإنه يجوز للداعية فعل هذه الطريقة في الدعوة عند زوال المانع!

وأما إذا لم يقم المقتضي لفعلها أصلاً في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنها تكون من باب المصالح المرسلة، والنظر فيها للعلماء، يوازنون بين المصالح والمفاسد، بمراعاة مقاصد الشرع وأحكامه في هذا الأمر!

خذ مثلاً الأناشيد واستعمالها في الدعوة، كانت الأناشيد وتناشد الأشعار والحداء ونحوه من الأمور المعروفة، بل كان يحصل أحياناً من الصحابة بحضرة الرسول أن يحدوا وينشدوا أمامه صلى الله عليه وسلم أثناء قيامهم بعمل ما، ومع هذا لا نجد للأناشيد ذكراً في غير هذا الحال، مع إمكان استعمالها في المعاني الإسلامية في غير ذاك الحال، وبتطبيق القاعدة السابقة نخلص إلى أن الأناشيد على هيئة الحداء والرجز أثناء القيام بعمل ما لا بأس فيها شرعاً، وأن فعلها في غير هذا المحل من السنة تركه، إذ قام المقتضي لفعله وهو الدعوة، و لا مانع من الفعل ومع ذلك ترك الرسول صلى الله عليه وسلم، استعمال الأناشيد وسيلة من وسائل الدعوة لعرض المعاني الشرعية، فهذه سنة تركية علينا فيها الإقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، وقس على هذا التمثيل والدخول في البرلمانات وغيره مما يسمى وسائل الدعوة!

ثالثاً : لتكن أخي الداعية على علم بأنك ما تمسكت في دعوتك بالسنة وآثار السلف اهتديت، فقد كفيت ووقيت، وإياك والمحدثات فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة!