قائمة الروابط

التخطيط والتنمية في الاسلام

المحتويات

الموضوع

رقم الصفحة

المقدمة.............................................................

3

المبحث الأول : ( مفهوم التخطيط والتنمية ) .........................

        - مفهوم التخطيط ..............................................

        - مفهوم التنمية ................................................

        - علم الاقتصاد ( علم محايد ) .

8

8

13

19

المبحث الثاني : جوانب التخطيط والتنمية في الإسلام ...............

21

المبحث الثالث : المبادىء الأساسية للتخطيط والتنمية في الإسلام (الجانب التشريعي ) ............................................

       - الاقتصاد الإسلامي ليس علماً وانما عقيدة ......................

       - تقوى الله ....................................................

       - الملكية المطلقة لله والإنسان خليفة في الأرض ....................

       - التوفيق بين الملكية الفردية والجماعية وتقديم المصلحة العامة ......

       - توزيع الثروة ..................................................

       - إعادة توزيع الثروة عند افتقاد التوازن ..........................

       - النهي عن كنز الأموال ........................................

       - منع تضخيم الأموال ...........................................

       - وجوب توظيف الأموال وتداولها ...............................

       - منع الاحتكار .................................................

       - الكفاية .......................................................

       - التفاوت المنضبط ..............................................

       - مبدأ تكافؤ الفرص ............................................ 

 

27

27

28

29

33

34

35

38

39

40

42

42

43

46

المبحث الرابع : ( التخطيط والتنمية - الجانب التطبيقي ) ...........

       - إعداد الخطط الاقتصادية الشاملة لتنمية الانتاج .................

       - تنمية الموارد والانتاج ..........................................

          - تنمية العمل ...............................................

          - تنمية الزراعة ..............................................

          - تنمية التجارة ..............................................

          - تنمية الصناعة ..............................................

          - تخطيط المدينة وتنميتها ......................................

          - التخطيط لتنوع الانتاج .....................................

          - التنمية القطاعية والاقليمية ( التنمية الشاملة ) ................

50

52

58

61

68

71

72

74

75

76

المبحث الخامس : نظريات التخطيط والتنمية الكلاسيكية والمعاصرة ونظرية الإسلام عن التخطيط والتنمية .....................

 

80

الخاتمة .............................................................

88

المراجع .............................................................

90

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة :

          على الرغم من أن المسلمين يتمسكون بالإسلام ويرون تطبيق الشريعة الإسلامية ، نراهم يتلمسون حلولهم لمختلف مشاكلهم الاقتصادية خارج الإسلام ، تتخبط مجتماعتهم بين الاقتصاد الرأسمالي والاقتصاديات الأخرى ، غافلة عن اقتصادها الإسلامي . وليس ذلك اعراضاً عن الإسلام أو شكاً في تعاليمه الاقتصادية ـ ولا هو غفلة من المسلمين ، وانما لأن الحلول التي تقدم باسم الإسلام لحل مشاكل عصرنا الحالي وهي مشاكل اقتصادية معقدة ، هي حلول غير عملية . مستندين في ذلك على تفسيرات واجتهادات بعض الأئمة والفقهاء القدامى . وهم بذلك يتناسون أموراً أساسية وهو انه لايكتفي اليوم أن يكون المرء ذا ثقافة إسلامية فقهية عريضة ، حتى يتصدى للافتاء في المسائل الاقتصادية الحديثة المعقدة بل لابد أيضاً إلى جوار ذلك أن يكون ذا ثقافة اقتصادية متخصصة ملم بأصول علم الاقتصاد وتفاصيله .

        كذلك أن اجتهادات أئمة الإسلام السالفين والفقهاء القدامى ، رغم قيمتها الكبيرة لاتؤخذ على اطلاقها ، إذ هي ذاتها ظنية ، هذا فضلاً عن أن أغلب هذه الاجتهادات قيلت في زمان غير زماننا ، أو في ظروف غير ظروفنا ، ولمشاكل غير مشاكلنا ، وأننا مطالبون اليوم بالاجتهاد مثلهم للكشف عن حكم الإسلام في المعاملات المالية الجديدة والمشاكل الاقتصادية المستحدثة .

        وان مايكتبه اليوم في عالم الاقتصاد الإسلامي يقصرون بحوثهم على موضوعات محددة تدور أساساً حول الربا وتحريم الفائدة وشركات التأمين والعمليات المصرفية، كما ان الاقتصاد الإسلامي يقتصر على موضوعات الفائدة والتأمين المحرمة شرعاً وعدم تقديم البديل العملي لما هو محرم ، وفي ذلك كله سد للأبواب . وكما أن علماء الشريعة ينقصهم الإلمام بأصول علم الاقتصاد . كذلك علماء الاقتصاد تعوزهم الدراسة الإسلامية العميقة ، ومن ثم فهم يعزفون تلقائياً عن دراسة الأصول الاقتصادية في الإسلام ، أو تلمس الحلول الإسلامية لمشاكل العصر الاقتصادية .

        وليس من سبيل لعلاج هذا الحال أو التخلص من هذه الحلقة المفرغة الا باعداد العالم الاقتصادي الإسلامي الذي يجمع بين الثقافة الإسلامية الفقهية الواسعة وبين الثقافة الاقتصادية الفنية المعاصرة .

        وذلك بسبب وقوف الفقه الإسلامي عند حد معين لأن العالم الإسلامي تناوشته المصائب من كل صوب ، من التتار مرة ، ومن الحكام الجبابرة مرة ، ومن نكبة الاندلس ، ومن المنازعات الداخلية التي صرفت طاقة المسلمين عن التقدم .

        وفي أثناء وقوف الفقه الإسلامي كان العالم يتطور بسرعة بعد اختراع الآلة الميكانيكية ، وكانت تستجد كل يوم أحداث جديدة ، وعلاقات جديدة بين طوائف البشر ، لم يشترك فيها العالم الإسلامي ، ولم يضع لها من الفقه مايناسب تطورها ، ولكن الفقه شيء والشريعة شيء آخر ، فالشريعة هي المصدر الثابت الذي يحتوي المبادىء العامة ، أما الفقه فهو التطبيق المتطور الذي يستمد من الشريعة مايناسب كل عصر هو عنصر متجدد لايقف عند عصر ولا جيل .

        ولقد عاشت الدولة الإسلامية قروناً طويلة ولاسيما في عصور الإسلام الذهبية الأولى التي كان المسلمون فيها هم سادة الدنيا وقادتها في كل شيء على نظام إسلامي في اقتصادياتها وكانت هذه الدولة مع اتساع رقعتها من المحيط إلى المحيط على درجة من اليسر والرخاء لايوجد في كثير من الدول المتحضرة اليوم . وكما حصل من الخليفة خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقد أغنى الناس حتى لم يجدوا من يستحق الزكاة فأشتروا بها رقاباً مملوكة واعتقوهم لوجه الله تعالى وكان ذلك لما قضى هذا الخلفية على مظاهر الإسراف والبذخ في الدولة الإسلامية آنذاك ، والذين يستنفذان الكثير من ماليات الدول الإسلامية والعربية اليوم وكان اولى بذلك ألوف الآلوف من لمحتاجين .

        وأخيراً فانه يلاحظ أن الكتاب الإسلاميين في علم الاقتصاد قد اتبعوا واحداً من أسلوبين من أساليب البحث : أسلوب الاستنباط من النصوص وأسلوب عرض المشكلات على النصوص . أما الأسلوب الأول فهو اسلوب فقهي بطبيعته وقد استعمله المفكرون الاقتصاديون الاسلاميون في العصر الحديث من أجل استنساخ مبادىء النظام الاقتصادي في الإسلام وإطاره القانوني العام من النصوص المتعددة من القرآن الكريم والسنة . واما الاسلوب الثاني فقد استعمله أولئك المفكرون الذين شعروا بوطأة مشكلات الفقر والتخلف في العالم الإسلامي وحاولو ايجاد الحلول المناسبة لها على أساس القرآن والسنة .

        ومما يجدر التنبيه إليه ان هذين الاسلوبين انما ينطبقان على جانب واحد من جوانب علم الاقتصاد الإسلامي ، وهو المتعلق بمبادىء النظام الاقتصادي الإسلامي وقواعده العامة في حين ان مجال تطبيقها في دراسة الاقتصاد العام أو التوازن الاقتصادي في البنيان الاقتصادي الإسلامي أو نظريات الاستهلاك والانتاج وكذلك عن التخطيط والتنمية تكاد تكون معدومة .

        لذلك فالبحث ينصب على خمسة مباحث رئيسية اضافة إلى المقدمة والخاتمة . المبحث الأول يحتوي على مفهوم التخطيط والتنمية في علم الاقتصاد وفي الاسلام والمبحث الثاني يحتوي على جوانب التخطيط والتنمية في الإسلام واما المبحث الثالث فهو يتضمن المبادىء الإساسية للتخطيط والتنمية في الإسلام ويحتوي المبحث الرابع على الجانب التطبيقي للتخطيط والتنمية في الإسلام سواء في إعداد الخطط الاقتصادية الشاملة أو تنمية القطاعات الاقتصادية والاقليمية وهي ماتسمى بالتنمية الشاملة وأما المبحث الخامس والآخير فهو يتطرق إلى نظريات التخطيط والتنمية الكلاسيكية والمعاصرة ومحاولة الباحث استنباط مما سبق وصياغة نظرية عن التخطيط والتنمية من وجهة نظر الإسلام .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول

مفهوم التخطيط والتنمية

 

                - مفهوم التخطيط .

                - مفهوم التنمية .

                - علم الاقتصاد ( علم محايد ) .

                - جوانب التخطيط والتنمية في الإسلام .

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول

التخطيط والتنمية

مفهوم التخطيط :

          هناك فكرتان أساسيتان لمفهوم التخطيط ، الفكرة الأولى تحمل معنى التنبؤ لما سيحدث في المستقبل حيث يقول ( Boulding ) بولدنج ان كلمة تخطيط تعني احداث المستقبل (1) والفكرة الثانية تعني التمييز بين النظام القصدي والنظام العفوي فبولاني (Polanyi ) يقول ان النظام القصدي هو تحديد حرية الاشياء والناس في الحركة والسكون وفق رغباتهم ، اما النظام العفوي فيشير إلى نوع من التوازن بالتفاعل الذاتي المتبادل للاجزاء في نمط واحد .(2)

        من خلال الفكرتين هذه يتوفر لنا تعريفين للتخطيط على طرفي نقيض احدهما يجعل من كل الأنظمة الاقتصادية أنظمة اقتصادية مخططه ، والثاني استحالة التخطيط القائم على التنبؤ والتخمين . فالفكرة الأولى تركز على تحليل التقديرات والثانية تشدد على تركيز السلطة .

        والتخطيط على مستوى الدولة أو المجتمع بصفة عامة ماهو إلا أسلوب أو منهج يقوم على تجنيد كافة طاقات المجتمع وموارده المتاحة بغية تحقيق أهدافه بأقل تكاليف ممكنة وذلك من خلال فترة زمنية معينة . ويأخذ هذا التخطيط شكل خطط مختلفة الآجال شاملة على برامج ومشروعات متكاملة في قطاعات النشاط الاقتصادي المختلفة .

        وآجال التخطيط المعروة في الفكر الاقتصادي حالياً ثلاثة ، اولها التخطيط طويل الأمد ويمتد لفترة زمنية من 15 - 20 سنة وفيه تتحدد الأهداف الرئيسية لنمو الاقتصاد ، والثاني التخطيط المتوسط المدى وفترته من 5 - 7 سنوات وهو يمثل مرحلة من مراحل تنفيذ التخطيط الطويل الأجل في صورة خطط مرحلية متتابعة لتنمية الاقتصاد تكمل بعضها البعض في سبيل تحقيق الأهداف الطويلة الأجل المحددة في الخطة الطويلة المدى ، اما الأجل الثالث فهو الأجل القصير وهو يتمثل في الخطط السنوية التي تنفذ من خلالها الخطط المتوسطة وتتحقق عن طريقها أهدافها .(1) وهذه الخطط التنموية الطويلة الأجل قد ذكرها القرآن الكريم في قصة يوسف عليه السلام التي استغرقت خمسة عشرة سنة وانجزها دون كلل في هذا الأفق الزمني الطويل نسبياً بصبر وأناة .(2)

        والتخطيط اما ان يكون شاملاً لكل قطاعات الاقتصاد في الدولة أو أن يشمل قطاعاً متكاملاً من الاقتصاد كالقطاع الزراعي أو الصناعي أو التعليم أو النقل إلى غير ذلك ،كما أن من التخطيط مايكون عاماً للدولة بأكملها ومنها مايكون اقليمياً لاقليم معين أو بعض اقاليم الدولة،كما ان منه الجزئي الذي يقتصر على القطاع العام الحكومي فقط دون القطاع الخاص ،كما قد يتم التخطيط لبعض الدول في اطار خطة موحدة لهذه الدول تضم خططاً قومية لكل دولة من هذه الدول تنفذ في إطارها كجزء من الخطة الموحدة لمجموعة الدولة المتكاملة أو المتحدة فيما بينها . فالتخطيط في الإسلام الذي يقوم على الاختيار والتراضي ، وتعاون أفراد المجتمع بالدرجة الأولى ، ولايكون بديلاً أو معارضاً للنظام الاقتصادي الإسلامي الذي يقوم على الحرية الاقتصادية المقيدة والمنافسة المنضبطه في الأسواق والملكية بشكلها العامه والخاصة في المجالات المحددة لكل منهما ودون تأميم أو مصادرة للملكية الفردية التي اكتسبت بالطرق المشروعة والتوافق بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع وفي حدود المسار الاقتصادي الذي رسمته الشريعة الإسلامية .(1) ويختلف التخطيط من حيث إعداد الخطط وتنفيذها وبين تخطيط مركزي تتولى الدولة متمثلة في لجنتها العليا للتخطيط أو هيئة التخطيط الإعداد له ، وتصدر بعد ذلك تعليماتها إلى الجهات والهيئات والمؤسسات المختلفة لتلتزم التنفيذ ، وتخطيط غير مركزي في إعداده تتحدد أهدافه من قبل الدولة إلا ان برامج تنبع من الهيئات والمؤسسات المختلفة وتقوم الدولة بإعداد خطة محكمة تضم هذه البرامج والمشاريع في تنسيق بينها في ضوء المصلحة العامة وأهداف المجتمع ثم توكل إلى هذه المؤسسات حرية التنفيذ بأساليبها طالما التزمت بالأهداف المحددة للبرامج ، وراعت معايير الكفاءة المحددة لمحاسبة هذه المؤسسات .(2)

        لكن نجد أن التخطيط في الإسلام يتسم بالربط المحكم بين التخطيط والتنفيذ فقد كان ذو القرنين ، مثلاً على رأس المنفذين في بناء السد ، مع أنه كان المخطط لهذه العملية من البداية ، فلم ينفصل التخطيط عن التنفيذ في أي مرحلة من مراحل بناء السد حتى المرحلة الأخيرة التي تم فيها اختبار قوة السد بعد الانتهاء منه .(3)

        والتخطيط كأسلوب للانتاج والتطوير يقتضي أن تشارك القوى البشرية سواء في صنع القرارات أو العمليات التي بمقتضاها يتم التطوير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وقد نلمس ذلك ان ذا القرنين كيف استطاع أن يحول شعبه من مجتمع شعاره { فهل نجعل لك خرجا} إلى مجتمع شعاره { فأعينوني بقوة } ومايقتضيه ذلك من تدريب وعمل شاق ومتواصل لهذه القوى البشرية كعناصر فعالة في عملية التطوير فاغفال دور القوى البشرية له أثر سلبي على العملية التخطيطية والانتاجية .(1)

        وهناك نوعين من التخطيط :التخطيط عن طريق التوجيه والتخطيط عن طريق التشجيع ففي النظام الاشتراكي التخطيط يتم عن طريق التوجيه ، فالموارد المتاحة تتحدد من زاوية تقدير هذه المواد لتحقيق أهداف الدخل والعمالة والانتاج القومي المحدد سلفاً ، وهذا يعني أن كل موارد الجماعة تعتبر متاحة للانتفاع بها في أعمال التنمية . وهذا يعني أيضاً فرض قيود واسعة النطاق من أجل توجيه جميع الموارد في الطريق المطلوب لتحقيق الأهداف المحددة .

        وهذه الطريقة في التخطيط تؤسس على التفسير المادي للتاريخ والنظرية الاقتصادية في الاستغلال . وهذا النمط غريب على الإسلام الذي يؤمن بالملكية الخاصة والحريات الفردية.

        فالقرآن يعترف باختلاف المواهب والقدرات وبالتالي اختلاف الدخل والعائد المادي . ولايقر المساواة التامة في توزيع الثروة لأن ذلك يعني احباط الهدف الأسمى للاختلاف في القدرات والدخل . ولذلك يجب ان تعالج الدولة الإسلامية الموارد من زاوية تقدير أقصى حجم للموارد التي تستطيع الجماعة أن تسخرها من أجل التنمية .

        ولا يعني ذلك ان الإسلام يؤمن بالتخطيط عن طريق الاقناع فقط ، ففي وسع الدولة الإسلامية ان توجه جميع الموارد المادية والبشرية - إذا اقتضى الامر ذلك - في سبيل منفعة الأمة ككل . فالتاريخ الإسلامي يذكر لنا مناسبات كثيرة فرضت فيها الدولة الزكاة وقد شن ابو بكر الحرب ضد الممتنعين عن دفع الزكاة ، ومن وجهة اخرى فان الاسلام يعترف بالملكية الفردية ، وان كانت الشريعة الإسلامية تنص على وجوب قيام صاحب الممتلكات بمسؤولياته الاجتماعية بطريقة تتفق مع تعاليم القرآن والسنة، وإذا لم يفعل فان من حق الدولة ان تتدخل وتجرده من ممتلكاته ، ويقال ان عمر بن الخطاب استعاد بعضاً من الأرض التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد منحها لبلال بن الحارث . وهذا دليل قوي على ان التخطيط في الاسلام كان يعتمد إلى حدكبير على المبادرة الفردية ويقوم في نفس الوقت بدور مزدوج في كبح جماح الأفراد والتعجيل بعملية التنمية ، وهكذا يبدو ان الإسلام يتضمن أفضل طريقة علمية للجمع بين النقيضين .

        ويعتبر التعاون بين القطاعين الخاص والعام هو أساس التخطيط الاقتصادي في الإسلام . وفي حالة فشل هذا التعاون فان الدولة تستطيع ان تتدخل من أجل تحقيق الأهداف الاجتماعية من التخطيط ، وهذه الأهداف تتعلق بحاجات الجماعة وهذا يتغير مع تغير الظروف الاقتصادية في نطاق تعاليم القرآن والسنة ، ويمكن الحكم على سلامة أهداف التخطيط بمعيار المنفعة العامة ورعاية المحتاجين .

        فالتخطيط في الإسلام يجب في ان يسعى للجمع بين مطالب النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية من خلال سياسة عملية تتفق مع روح الإسلام ، ويمكن وضع أهداف ثانوية عديدة انطلاقاً من هذه الأهداف الأساسية ، وقد يحدث بالطبع تعارض بين الأهداف المختلفة في ظل الاطار الإسلامي للتخطيط ، ولكن يجب في جميع الحالات اقامة توازن بين المصالح المختلفة ، ويجب أن يكون المقصد العام هو تحقيق المنفعة ومنع الضرر ، وإذا حدث تعارض تعطى الأولوية للأهم فالمهم ، وتسعى هذه الشرائع أيضاً إلى منع حدوث الضرر ، وإذا كان الضرر حتمياً ، يفضل أهون الشرين ، تلك هي المبادىء التي تتضمنها شرائع الله تعالى والتي تنطلق بحكمته ورحمته ".

        لذلك فإنه يجب على القائمين بالتخطيط في الدولة الإسلامية ان يضعوا في الاعتبار هذا الأساس عندما يحددون الأهداف المختلفة للتخطيط.

- مفهوم التنمية :

        يختلف مفهوم التنمية الاقتصادية Economic Development  في الفكر الاقتصادي عن النمو Economic growth ، وذلك لما بينهما من فوارق تتمثل في أن التنمية الاقتصادية اوسع مدى من النمو الاقتصادي فهي تعني تدخلاً إدارياً من الدولة لإجراء تغييرات جذرية في هيكل الاقتصاد ودفع المتغيرات الاقتصادية نحو النمو بأسرع وأنسب من النمو الطبيعي لها وعلاج مايقترن بها من اختلال وهي تؤدي بذلك إلى تحسين كفاءة الاقتصاد وزيادة الناتج .(1)

        ومفهوم التنمية لدى اللجنة التحضيرية لمؤتمر الأمم المتحدة للعلوم والتكنولوجيا من أجل التنمية تقول " ان المسلم به عموماً هو ان التنمية ليست مرادفة لمجرد النمو ولكنها تتضمن اعتبارات اخرى عديدة تتعلق أساساً برفاهية الإنسان ومن هذه الاعتبارات ماهو ثقافي وماهو روحي وماهو مادي .(2)

        أما النمو الاقتصادي فهو نمو تلقائي للاقتصاد يؤدي إلى زيادة الناتج القومي دون تغيير ارادي في عمل وأداء الاقتصاد وهو يحدث في المجتمعات على مر الزمن ويؤدي إلى النمو الطبيعي لها .(3)

        ومعنى النمو في اللغة هو الكثرة والزيادة ، والإنماء والتنمية احداث الكثرة أو الزيادة .(4)

        وبذلك يصبح مفهوم التنمية الاقتصادية يتلخص في العمل على " استخدام الطاقات الكامنة في المجتمع استخداماً أمثل عن طريق إحداث تغيرات جذرية في الأبنية الاقتصادية والاجتماعية وفي تنظيمات تكنولوجيا الانتاج وفي توزيع عناصر الانتاج بين القطاعات المختلفة .(1)

        لقدكانت تستعمل كلمة تنمية حتى الآونة الأخيرة بما يرادف مصلح النمو الاقتصادي . لقد عرَّفت التنمية النهوض السريع في الدخل الكلي ومتوسط دخل الفرد ،والذي ينعكس على قطاعات المجتمع هذا مع تغيرات اقتصادية وتكنولوجية ( كونلكنع وبييتس 1979م ) وقد أقر كثير من العلماء في السبعينات هذه الفكرة وأصبح المسار العام هو تعريف التنمية على ضوء التقدم نحو تحقيق تناسق أهداف الرفاهية .

        ودافع ( سيرس ، 1972م ) عن هذا التعريف المبنى على أساس الرفاهية البشرية ومحذراً من الخلط بين التنمية والنمو الاقتصادي أو ان التنمية تعنى خلق ظروف لتحقيق الذاتية البشرية وان تضع في حياتنا ثلاثة معايير وهو التقليل من الفقر والبطالة وعدم المساواة .

        وان الكثير من البلدان تسير نحو نمو سريع في دخل الفرد ولكن مع ازدياد الفقر والبطالة وعدم المساواة .

        وان معايير التنمية تكون على مستوى الاسرة مبنية على أساس التغذية والصحة والمواليد بالإضافة إلى التعليم والمشاركة السياسية .

        ولاحظ بأن فوائد التقدم الفني تكون في صالح الاقليات الغنية نسبياً (2)

        ولقد اثبت ( ريكاردو ) إمكانية تطبيق نظرية ( اسميث ) النمو الاقتصادي ( من النصف الأول من القرن التاسع عشر ) على النظام الاقتصادي الدولي ، وإنه وفقاً لشروط التجارة الحرة ، يتدفق رأس المال في المناطق التي هي في أمس الحاجة إليه ، وافتراض النموذج التقليدي بان الاستثمار الدولي يؤدي إلى انتقال رأس المال من الدول التي تكون فيها قيمة الانتاج الحدي منخفضة إلى الدول التي تكون فيها تلك القيمة مرتفعة ، وبالتالي تخلق نوعاً من التوازن في جميع انحاء العالم بما في ذلك ارتفاع موارد رأس المال ، وبذلك تعمل كمحرك لدفع عجلة الدخل العالمي الحقيقي(1) .

        وانتقد الماركسيون الرأسمالية الصناعية المكثفة والممتدة والتي احدثت تكاملاً غير عادلاً في المجتمعات داخل اطار شبكة تسويقية مفردة واستغلال الموارد ( بران وسويزي 1966) ( فرانك 1970، اويجي وسول 1973 ويولانتاز 1975 ) وهؤلاء يولون مسألة اكمال النظرية الامبرالية اهتماماً خاصاً فهي نظرية الاتكال أو الاعتماد التي تبحث في آثار الامبرالية على الدول النامية .

        وأما نظرية كينيز  العامة السائدة في السبعينيات فإنها تركز على تحليل أسباب البطالة ويرى كينز ان الخدمة تتوقف على مستوى الدخل القومي الذي يحدده حجم الطلب على السلع الاستهلاكية وحجم الاستثمار الخاص والعام .

        وتحدث كينز عن فكرة التوازن بين الرغبة في الادخار والرغبة في الاستثمار وذلك عن طريق تخفيض المصروفات الناتجة عن الاستثمارات المنخفضة والدخول المحدودة .

        وظهرت نظرية كينز في السبعينيات عندما عجزت الرأسمالية الدولية عن التعامل مع مشكلتين عانى منها الاقتصاد الرأسمالي وهما التضخم وارتفاع نسبة البطالة وأما مشروع رستو التاريخي عام 1960 عن مراحل النمو الاقتصادي والذي اراد ان يأتي بتوضيح شامل للتنمية كما فعل ماركس ولكن بخلاف ماركس فان ( رستو ) يرى بأن المرحلة العليا في التطور هي ليست اشتراكية وانما هي رأسمالية متقدمة .

        ولكن واجه هذا النموذج انتقادات لاذعة ورفض ( زينتسي ) زعم ( رستو ) بأن التخلف الحالي في الدول النامية هو حالة أصلية أو مرحلة من المراحل الانتقالية للتطور الطبيعي من الحالة الأصلية البدائية إلى مرحلة النضوج .كما اعترض على (برستو) بأن الدول المتقدمة كانت في يوم من الأيام دول نامية . وعرف ( زينتسي ) مصطلح ( نامية ) بأنها تعنى دولة مبتدئة والسبب هو ناتج من خلال الوصايا الامبرالية عليها ، التي تشكل الهيكل الداخلي للدولة النامية . وقد وافق ( زينتسي ) ( فرامك ) في الرأي بأن نموذج ( رستو ) يجعل الدول المتقدمة تاريخياً ولكنه ينكر كل التاريخ على الدول النامية .(1)

        وهناك فريقاً آخر من العلماء لايهتمون بالنظريات التطورية كما فعل التطوريون ، فالاتجاه الجديد يركز على تفسير التغير ونمو النسق دون الإشارة إلى عملية تنمية . ورغم عدم الإشارة إلى عبارة تنمية فانهم أصحاب هذا الاتجاه يتناولون موضوعات تتصل اتصالاً وثيقاً ومباشراً بالتنمية لانهم يهتمون بالتغيرات التي تطرأ على المجتمعات ، وان كانوا لاينظرون إلى هذه التغيرات على انها ناتجة عن عملية التنمية . مما لاشك فيه ان التنمية ماهي إلا عملية تغير اجتماعي هائل ، وهذا مايؤكد ارتباط هذا الاتجاه بالتنمية .(2)

        وبذلك كانت نظريات التنمية الاقتصادية تركز الاهتمام على التفاعل بين التوسع التكنولوجي وتراكم المعرفة العلمية وتغير الاتجاهات والسلوك بكل من المنتجين والمستهلكين في ضوء الظروف البيئية والاجتماعية والسياسية والثقافية . فقد كانت النظريات الأولى للتنمية الاقتصادية تنظر إلى الماضي وتحاول التنبؤ بالمستقبل . بينما تركز النظريات الحديثة على التنمية الاقتصادية لحل مشكلات المجتمع المعاصر وبخاصة وضع الحلول للمشكلات التي تعاني منها المجتمعات النامية والأسس التي يجب أن تستند إليها السياسات الاقتصادية في تلك المجتمعات ، وماهو جدير بالذكر ان تلك الحلول تتفق أيضاً مع مشكلات المجتمعات المستحدثة للاعتماد عليها في التنمية الزراعية ، وإلى جانب ذلك يركز بعض خبراء التنمية الاقتصادية الاهتمام على الاستثمار الانساني خاصة فيما يتعلق بالتعليم باعتباره مجالاً رئيسياً يساعد في حل كل المشكلات .كما يهتم البعض الآخر بمشروعات المساعدة الذاتية للمجتمعات المحلية على أساس أنها أكثر المشروعات الملائمة لتحقيق التنمية على نطاق واسع .(1)

        أما الدرسات الحديثة في الوقت الحاضر فقد اهتمت بالنظرية التنظيمية (Regulation Theorx) التي تناولت بالبحث الابعاد المحلية وأنماط التنظيم المكاني والانتاجي .

        وكذلك ركزت هذه النظريات دراساتها خارج الاقليم فانصبت على الانتاج العالمي وتطور الخدمات السريعة واهتمت بعالم المال والتمويل .(2)

        ومن الدراسات الحديثة الاهتمام بالبحث عن الاقليم الخاص والذي يمتلك السيطرة المحلية والتي تتطلب علاقة قوية بين القطاع الحكومي والقطاعات الغير حكومية ويملك :

1 - السيطرة على إعادة البنية الاقتصادية للاقليم .

2 - تحديات السياست التقليدية الموجودة في الاقليم .(1)

        ونظرية الاقتصاد التطوري والتي تهتم بالتغير في تقنيات وعمليات الانتاج وجمع المعلومات الخاصة بالثروة التراكمية في المؤسسات والتغير الحاصل في اشكال التنظيمات والروتين السلوكي والتي تعمل في مجملها على رصد التغير والتنافس الاقتصادي ومراحل التطور . (2)

        اما التنمية الاقتصادية في الإسلام فقد لخصها عمر بن الخطاب رضي الله عنه من خلال العمل المنتج في قوله " والله لئن جاءت الاعاجم بالأعمال ، وجئنا بغير عمل ، فهم أولى بمحمد منا يوم القيامة "

        ويقول ايضاً علي بن أبي طالب رضي الله عنه لواليه بمصر " وليكن نظرك في عمارة الأرض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج ، لان ذلك لايدرك الا بالعماره ، ومن طلب الخراج من غير عماره اخرب البلاد " .(3)

        وبذلك التنمية الاقتصادية عند المسلمون هي عمارة الأرض كما ذكره القرآن الكريم في قوله تعالى { هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها } وهذا اللفظ الذي استخدمهما عمر بن الخطاب وعلي رضي الله عنهما .

        والتنمية الاقتصادية في الفكر الإسلامي فرضاً على الفرد والدولة والمجتمع حيث يقول الله تبارك وتعالى { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فأمشوا في مناكبها وكلو من رزقه وإليه النشور } .

        من خلال الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة يمكن أن نصل إلى أن هذه التنمية ليست عملاً اختيارياً للفرد أو للدولة ، وانما هي فريضة إسلامية لا يكتمل الإسلام إلا بها ، ولاينهض على أساسها .(1)

- التنمية وعلم الاقتصاد :

        عرفنا مفهوم التنمية الاقتصادية في الفكر الإسلامي وفي الإسلام ، نود أن نتعرف على علاقة التنمية الاقتصادية بعلم الاقتصاد وحيث ان علم الاقتصاد يدرس الظواهر الاقتصادية ويحللها بقصد استخلاص القوانين الاقتصادية التي تحكمها كقانون تناقض المنفعة ، وقانون تزايد الغلة .. الخ فهو ذو طابع نظري يدرس ماهو كائن فعلاً ولا علاقة له بالأخلاق أو السياسة أو اتجاهات الدولة الاقتصادية .

        ومن ثم فان علم الاقتصاد محايد وليس بعامل مميز يستقل أو ينفرد به دين أو مذهب دون آخر ، حيث لايمكن وصف مثل هذه القوانين الاقتصادية بأنها " رأسمالية" أو " اشتراكية " أو إسلامية " وانما هي حقائق علمية لا دين ولا جنسية لها ، فهي ذات صبغة عالمية .(2)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني 

جوانب التخطيط والتنمية في الإسلام

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني 

جوانب التخطيط والتنمية في الإسلام

        التخطيط والتنمية في الإسلام ذو شقين :

1-     شق ثابت وهو خاص بالمبادىء ، وهو عبارة عن مجموعة الأصول الاقتصادية التي جاءت بها نصوص ، القرآن والسنة ليلتزم بها المسلمون في كل زمان ومكان بغض النظر عن درجة التطور الاقتصادي أو أشكال الانتاج السائدة فيه وسوف يتم شرح هذا بالتفصيل في المبحث الثالث .

2-     شق متغير وهو خاص بالتطبيق وهو عبارة عن الأساليب والخطط العملية والحلول الاقتصادية التي يكشف عنها أئمة الإسلام لا حالة أصول الإسلام ومبادئه الاقتصادية الى واقع مادي يعيش المجتمع في إطاره .(1)

        فالاقتصاد الإسلامي إذ يجمع بين الثبات من حيث أصوله وبين التطور من حيث تطبيقاته فانما يهتم ذلك في جدلية خاصة به ينفرد ويتميز بها ، مما يعتبر نقطة خلاف أساسية بين الإسلام وكافة المذاهب الوضعية السائدة . ذلك ان الإسلام يقرر التطور وكافة التناقضات الموجودة في الحياة ، فإنه لايعمل على جحد أو نفي احداها لحساب الآخر شأن سائر المذاهب والنظم الوضعية بل يعمل على المواءمة بين تلك المتناقضات ، فهي في نظره كما خلقها وأرادها الله تعالى كالسالب والموجب للتعاون والتكامل لا للتصارع والامتثال .

        وحينما يوفق النظام الاقتصادي الإسلامي بين مختلف المصالح التي تعتبرها تلك النظم الوضعية متضاربة ، كالتضارب المفترض بين مصلحة الفرد وبين مصلة الجماعة ، وكالتضارب المتوهم بين المصالح المادية وبين الحاجات الروحية أو الالتزام الخلقي والسمو الروحي ، مما كان سبباً في الحلول التعسفية التي تقدمها تلك النظم الوضعية وذلك الاضطراب الذي يعانيه العالم بسبب منطلقاتها الخاطئة .

الجانب المتغير :

        وهذا الجانب لايتناول سوى التفاصيل والتطبيقات فالصحابي أبى ذر الغفاري والإمام ابن حزم وشيخ الإسلام بن تيمية والمفكر الإسلامي ابن خلدون وغيرهم لهم نظريات اقتصادية إسلامية يختلف بعضها عن الآخر .

        وقد عبر الأصوليون بقولهم " تغير الأحكام بتغير الازمنة والامكنة " وقولهم انه (اختلاف زمان ومكان لا حجة وبرهان ) ولشيخ الإسلام ابن تيمية تعبير دقيق غاية الدقة وهو قوله بأنه ( خلاف تنوع لا خلاف تضاد )(1)

        وبذلك فان التطبيقات الاقتصادية الإسلامية سواء كانت في صورة نظام أو نظم على المستوى العملي أو في صورة نظرية أو نظريات على المستوى الفكري ، فهي كلها اجتهادية بحيث جواز الخلاف حولها  وقابله للتغير والتبديل باختلاف الأزمنة والأمكنة .

        وهذا يدل على مرونة الاقتصاد الإسلامي وانه في حدود أصوله الاقتصادية ، ومجال الاجتهاد واسع يترخص فيه المسلمون وفقاً لمصالحهم المتغيرة .

التشريع الاقتصادي الإسلامي :

        الإسلام كتشريع اقتصادي الهي صالح لكل زمان ومكان ، تجاوز في اصوله هذه المرحلة البدائية ، وجاء منذ البداية مقرراً المساواة الفعلية ، وضمان حد الكفاية أو الغنى لكل مواطن ، وتحقيق التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع ، ومبدأ الملكية المزدوجة الخاصة والعامة ومبدأ الحرية الاقتصادية المقيدة وتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي .

        إلا انه في مجال أعما هذه المبادىء والأصول لفتح باب الاجتهاد على مصراعيه ليختار كل مجتمع إسلامي الاسلوب الذي يراه متفقاً وصالحه حسب ظروفه المتغيرة.(1)

        وعليه فقد يتوسع أحد المجتمعات الإسلامية في الملكية العامة على حساب الملكية الخاصة ، وقد يضيف آخر الملكية العامة لحساب الملكية الخاصة . ولكن يظل الاقتصاد في كلا المجتمعين إسلامياً ، طالما لم يخرج عن المبدأ الاقتصادي الإسلامي من حيث الابقاء على الملكية من الخاصة والعامة ، وماالخلاف بينهما إلا خلاف تطبيق بحسب ظروف الزمان والمكان .(2)

        فتعدد التطبيقات الاقتصادية هو من طبيعة الاقتصاد الإسلامي بسبب اختلاف ظروف كل مجتمع ، والحكم على تطبيق اقتصادي يعني بأنه اسلامي أو غير إسلامي مرده مدى الالتزام بأصول الإسلام الاقتصادية ومدى كفالته لمصالح الاغلبية في كل مجتمع باعتبارها حق الله وغاية الشرع .

التطور :

        ان التطور وطبيعته في الاقتصاد الإسلامي يختلف جذرياً عن نظيره في الاقتصاد الوضعي ، فان في الاقتصاد الإسلامي له طبيعة تطوريه تجعله مختلفاً عن الطبيعة التطورية في الاقتصاد الوضعي ، ان العنصر المتطور في الاقتصاد الإسلامي محكوم ومربوط بالثوابت في هذا الاقتصاد بينما الاقتصاد الوضعي ليس فيه ثوابت تحكم التطور . (3)

التطور والتجدد :

        إن حياة الناس تتجدد وتتطور ، والتجدد والتطوير لازمه للحياة الاقتصادية ولكنه غير وارد في العبادات التي يقصد بها التعبد والتقرب إلى الله تعالى .

        ويأتي التجدد في صورة معاملات لم تكن معروفة وفي صورة أفكار ومعارف اقتصادية لم تكون معروفة وهذا التجدد والتطور لازمة للحياة الاقتصادية سواء ماتعلق بالجوانب النظرية .

        والله سبحانه وتعالي العليم الخبير شرع الأحكام المنظمة للحياة الاقتصادية بحيث يحكمها التشريع حكماً كاملاً مع ما فيها من لازمة التطور .

        وقد جاء ذلك بجعل التعاليم الإسلامية المنظمة لهذه الحياة في طبيعة كلية وتوجهات عامه غير مفصله وذلك لحكمة مقصودة .(1)

        وهي ان التعميم الذي لاينزل إلى التفصيلات الجزئية لايقيد الأجيال المقبلة بهذه التفصيلات والتطبيقات ، بل يتركها حرة تقتبس الوضع الذي تتوافر فيه الملاءمة العملية لحاجات كل زمان ومكان ، مادامت تسوده التعاليم الكلية بوجه عام وينبثق عن توجيهاتها .

تميز الاقتصاد الإسلامي :

        والنظام الاقتصادي الإسلامي ليس خليط بين الفردية ( الرأسمالية ) والجماعة (الاشتراكية ) تأخذ من كل منهما جانباً . وانما هو اقتصاد متميز ، له سياسة إقتصادية منفردة ، تقوم على مفاهيم مختلفة عن تلك التي تقوم عليها الرأسمالية أو الاشتراكية وإذا ماكان في السياسة الاقتصادية الإسلامية ( فردية ) فهي فردية تختلف عن فردية الرأسمالية ، إذ لاتذهب إلى اقرار الحرية المطلقة للفرد في النشاط الاقتصادي وفي التملك. وإذا كان في هذه السياسة جماعية فهي جماعية تختلف عن جماعية الاشتراكية ، إذ لا تملك الدولة الحق المطلق في التدخل في النشاط الاقتصادي أو الغاء الملكية الخاصة وقد يتداخل الاقتصادي الاسلامي مع غيره من النظم الاقتصادية الاخرى ، وقد تتفق بعض الحلول أو التطبيقات الاقتصادية الإسلامية مع غيرها من الحلول الرأسمالية أو الاشتراكية . ولكنه تداخل مواقف عارض وفي التفاصيل بحيث يظل الاقتصاد الإسلامي متميزاً بسياسته الخاصة .(1)

التوفيق بين المصلحتين :

        وقوام سياسة الإسلام الاقتصادية هي التوفيق أو الموازنة أو الملاءمة بين المصلحتين الخاصة والعامة . إلا انه إذا تعذرت هذه الملاءمة لظروف غير عادية كحالة الحروب أو المجاعات أو الأوبئة ، فانه بالاجماع يضحي بالمصلحة الخاصة وتقدم المصلحة العامة باعتبارها حق الله الذي يعلو فوق كل الحقوق . وهذا مايعبر عنه الأصوليون بقولهم ( يتحمل الفرد الخاص لدفع الضرر العام ) أو قولهم ( يتحمل الفرد الأدنى لدفع الأعلى ) أو قولهم ( إذا تعارضت مفسدتان روعى اعظمها ضرراً بارتكاب أخفهما ) .

        ففي المجتمعات التي يغلب على سكانه الضياع والحرمان ، لايجوز لمسلم ان يمتلك أكثر من كفايته ، ويتعين على الدولة ان تتدخل لتأخذ من فضول الأغنياء بالقدر الذي يوفر لكل مواطن حد الكفاية ، وإنه متى توافر حد الكفاية لكل مواطن ، فإنه لا حد لأحد أعلى لما يمتلكه الفرد إذ كما يقول الحديث النبوي ( لا بأس بالغنى لمن اتقى)(2) .

المبحث الثالث

المبادىء الأساسية للتخطيط والتنمية في الإسلام

 - الاقتصاد الإسلامي ليس علماً وإنما عقيدة .

- تقوى الله .

- الملكية المطلقة لله والإنسان خليفة الله في الأرض .

- الملكية الفردية والجماعية.

- التوفيق بين الملكة الفردية والجماعية وتقديم المصلحة العامة .

- توزيع الثروة .

- إعادة توزيع الثروة عند افتقاد التوازن .

- النهي عن كنز المال .

- منع تضخم الأموال .

- وجوب توظيف الأموال وتداولها .

- منع الاحتكار .

- الكفاية .

- التفاوت المنضبط .

- مبدأ تكافؤ الفرص .

 

 

المبحث الثالث

المباديء الأساسية للتخطيط والتنمية في الإسلام

الاقتصاد الإسلامي ليس علماً وأنما عقيدة :

        المذهب الاقتصادي الإسلامي لا يزعم لنفسه الطابع العلمي ، كالمذهب الماركسي لانه ليس مجرداً عن أساس عقائدي معين ونظرة رئيسية إلى الحياة والكون ، كالرأسمالية .(1)  والمقصود هنا ان الإسلام دين يتكفل الدعوة إلى تنظيم الحياة الاقتصادية كما يعالج سائر نواحي الحياة ، وليس علماً اقتصادياً على طراز علم الاقتصاد ، وهو لتصحيح الواقع وليس تفسيراً موضوعياً له ، فهو حينما يضع مبدأ الملكية المزدوجة مثلاً ، لا يزعم بذلك أنه يفسر الواقع التاريخي لمرحلة معينة من حياة الإنسان ، أو يعكس نتائج القوانين الطبيعية للتاريخ ، كما تزعم الماركسية حين تدعوا بمبدأ الملكية الاشتراكية ، بوصفه الحالة الحتمية لمرحلة معينة من التاريخ والتفسير الوحيد لها .

        فالاقتصاد الإسلامي هو تغييرا للواقع وليس تفسيراً له ، وأما الوظيفة العلمية تجاه الاقتصاد الإسلامي يأتي دورها بعد ذلك ، لتكشف عن مجرى الحياة الواقعية وقوانينها ، ضمن مجتمع إسلامي يطبق النظام الاقتصادي تطبيقاً كاملاً . فالباحث العلمي يأخذ الاقتصاد الإسلامي قاعدة ثابتة للمجتمع ، الذي يحاول تفسيره وربط الاحداث فيه بعضه ببعض ، وهكذ يمكن ان يتكون للاقتصاد الإسلامي علم - بعد أن يدرس دراسة مذهبية شاملة - من خلال دراسة الواقع في هذا الاطار .

        ولكن متى وكيف يمكن وضع علم الاقتصاد الإسلامي . الجواب على ذلك يرتكز على أمرين :

1 - جمع الأحداث الاقتصادية من التجربة الواقعية للحياة ، وتنظيمها تنظيماً علمياً يكشف عن القوانين الخاصة التي تتحكم بها في مجال تلك الحياة وشروطها الخاصة.

2 - البدء في البحث العلمي من مسلمات معينة تفترض افتراضاً ، ويستنتج في ضوئها الاتجاه الاقتصادي ومجرى الاحداث . (1)

تقوى الله :

        هذا الجانب تخلو منه النظم الوضعية تماماً التي تتركز اهتماماتها في الجوانب المادية وحدها دون النظر للجوانب الروحية . أما النظام الاقتصادي الاسلامي فيعني بها لأنه مبني في الاساس داخل اطار الدين الإسلامي وفي ضوء مبادئه وأهدافه السامية . ومفهوم التقوى في الإسلام هو العمل الصالح الذي يبتغي به وجه الله كما في قوله تعالى { وماخلقت الجن والانس إلا ليعبدون * ماأريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * ان الله هو الرازق ذو القوة المتين } (2) . وكما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم : " ان الله عزوجل لايقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغى به وجهه " . وعائد التقوى في الإسلام هو النماء وسعة الرزق في الدنيا وحسن الثواب في الآخرة.(3)

        وقد ضرب الله لنا أمثلة عديدة في القرآن الكريم عن اقوام سابقة كفرت بأنعم الله ولم تراع الله وتتقيه ويتبين لنا ذلك في قوله تعالى : { لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلو من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور * فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل قحط واثل وشيء من سدر قليل * ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور * وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين فقالوا ربنا باعد بين اسفارنا وظلموا أنفسهم فجلناهم أحادي ومزقناهم كل ممزق ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور } (1) .

        الآية واضحة على عدم شكرهم لنعمة الله ففقدوا كل شيء هذا في مجتمع زراعي وضرب لنا الله سبحانه وتعالى مثلاً آخر في مجتمع تجاري { وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } وفي هذه الآية ان رغد العيش في هذا المجتمع التجاري حرموا منه بسبب عدم شكرهم لله على هذه النعمة . (2)

الملكية المطلقة لله والإنسان خليفة الله في الأرض :

        الملكية المطلقة لكل شيء تكون لله وحده والبشر جيمعاً هم خلفاء الله في الأرض وكل إنسان له حق في هذه الأرض . (3) وكل مايملكه وينتفع به لله الذي خلقه وصنعه ، وهو الذي أطلق يد الإنسان فيه . فهو ربه ومالكه ، وله وحده في الأصل الحق في منحه للإنسان وتحديد تصرفه وانتفاعه به . فهو المشرع في ذلك بسبب كونه المالك الإصلي . كما قال تعالى : { وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه }(4) (5) . فكل شيء في الوجود انما هو ملك لله تعالى خالقه وخالق السموات والأرض ومابينهما . وان الله وحده له ملكوت السموات والأرض . وهو مالك الأموال كلها سواء تمثلت في أموال اقتصادية أو في أموال حره هذا التمييز القائم على الندرة هو تمييز من صنع البشر (1) حيث يقول الله تبارك وتعالى : { لله ملك السموات والأرض ومابينهما}(2) ويقول تبارك وتعالى : { لله ملك السموات والأرض ومافيهن }(3) ويقول سبحانه وتعالى:{له مافي السموات ومافي الأرض ومابينهما وماتحت الثرى } ويقول { ذلكم ربكم لا اله الا هو خالق كل شي } .(4)

        هذه الآيات تؤكد الملكية المطلقة لله سبحانه وتعالى وان الإنسان فيما لديه من مال إنما ذلك المال وديعة أودعها الله بين يديه وان الله سبحانه وتعالى استخلفه في الأرض واستعمره فيها وسخر له مافي السموات والأرض وهيأ له استغلاله واستثماره وان المال الذي في أيدي البشر هو مال الله وان البشر فيه خلفاء لا اصلاء . فيقول الله تعالى { هو الذي خلق لكم مافي الأرض جميعاً }(5) ويقول سبحانه { هو انشأكم من الأرض واستعمركم فيها } (6) ويقول سبحانه : { هو جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم .(7)

الملكية الفردية والجماعية :

        الملكية في نظر الاقتصاد الرأسمالية الاصل هو الملكية الخاصة والاستثناء هي الملكية العامة اذا اقتضت الضرورة . فالملكية الخاصة في النظام الرأسمالي مقدمه ، اذ هي في نظره الباعث على النشاط الاقتصادي وجوهر الحياة .

        وفي الاقتصاد الاشتراكي الاصل الملكية العامة والاستثناء هو الملكية الخاصة لبعض وسائل الانتاج . فالملكية الخاصة هنا غير مصونة ، إذ هي تعتبر في نظره سبب كل المشكلات الاجتماعية .

        أما في الاقتصاد الاسلامي فهو يقرر الملكيتين الخاصة والعامة في وقت واحد ، كلاهما أصل وليس استثناءاً ، وكلاهما ليس مطلقاً بل هو مقيدين بالصالح العام .(1)

        لايمكن الفصل بين النظام الاقتصادي والفلسفة الفكرية والاجتماعية التي تقوم وراءه . فالنظم الثلاثة الرأسمالية والاشتراكية والإسلام ، نظمها الاقتصادية وفكرة الملكية الفردية فيها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بفكرتها الاجتماعية كما ذكرنا فحرية الفرد في المجتمع الرأسمالي مقدسة لا يجوز للمجتمع ان يحجر على حريته ، ومن ثم تتاح لديهم الملكية الفردية بلا حدود . والشيوعية تقوم على أساس ان المجتمع هو الأصل ، والفرد لاكيان له بمفرده فهي تضع الملكية الفردية في يد الدولة ممثلة المجتمع . أما الإسلام فله فكرة أخرى ومن ثم له اقتصاد آخر ، فأما فكرة الإسلام عن الفرد والجماعة بان الفرد كائن ذو صفتين في وقت واحد ، صفته كفرد مستقل ، وصفته كعضو في جماعة . وأنه يستجيب أحياناً لهذه الصفة أو تلك بصورة بارزة ، ولكنه في النهاية مشتمل عليهما معا ومستجيب لهما معاً .

        وأما فكرته الاجتماعية المستمدة من تلك الفكرة . فهي لاتفضل بين الفرد والجماعة ، ومادام كل فرد في ذات الوقت فرداً مستقلاً وعضواً ، فإن التشريع الذي يتمشى مع الفطرة يوازن بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية .

        ويوازن بين مصالح كل فرد وغيره من الأفراد الذين يتكون منهم المجتمع دون ان يفي احدى النزعتين لحساب الاخرى ودون أن يستحق الفرد لحساب المجتمع أو يفكك المجتمع لحساب فرد أو أفراد .

        ومن ثم فاقتصادياته تمثل هذه النظرة المتوازنة التي تقع بين الرأسمالية والشيوعية، وتحقق أفضل مافي النظامين دون ان تقع في انحرفاتهما . فهي تبيح للملكية الفردية من حيث المبدأ ولكنها تضع لها الحدود التي تمنع بها الضرر ، وتبيح للمجتمع أو ولي الأمر ممثل المجتمع ان ينظم هذه الملكية أو يعدلها كلما ظهر له ان ذلك يحقق مصلحة للمجموع .

        لذلك لايضيق الإسلام بالملكية الفردية مادام يملك ان يزيل بشتى الوسائل ماقد ينتج عنها من اضرار . وان ابقاء الملكية من حيث المبدأ مع تقرير حق الجماعة في تنظيمها وتقييدهما خير في معاملة النفوس من الغائها نهائياً على أساس غير صحيح والإسلام قبل الشيوعية بألف وثلاثمائة عام يجعل من مبادئه تقريب الفوارق بين الناس أو تجريم الترف والقضاء على الحرمان ولكنه لايكل هذا إلى التشريعات القانونية وحدها إنما يكله كذلك إلى عقيدة الناس في الله وحبهم للخير ، بجانب القوانين والتشريعات . (1)

        وللملكية الخاصة حرمة كبرى في الإسلام فالله تعالى يقول : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم " كل المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه "(2) ويقول أيضاً " من قتل دون ماله فهو شهيد "(3) .

        ولكن هناك أموال ابيح للناس في الإسلام أن ينتفعوا بها جميعاً ، وفي ذلك حديث ابي خراشي عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " المسلمون شركاء في ثلاثة : في الماء والكلأ والنار " وفي حديث ابي هرير ان النبي صلى الله عليه وسلم : " لايمنع الماء والنار والكلأ "(1) .

        وقد انعقد اجماع الفقهاء على أن حكم هذه الاشياء جميع الأموال المباحة حتى لم تصل إليها يد انسان فتحوزها أي تحرزها في الانتفاع بها مشترك بين جميع الناس لايختص به فرد دون آخر إلا ان يحرزها انسان فتصير ملكاً له وعند ذلك يختص بمنفعتها” (2) .

        وبذلك الفرد مجرد موظف في هذا المال الذي بيده والذي هو في أصله ملك للجماعة ، يجعله يتقبل الفروض التي يضعها النظام على عاتقه ، والقيود التي يحد بها تصرفاته ، كما أن شعور الجماعة بحقها الاصيل في هذا المال يجعلها اجراً في فرض الفروض ، وسن الحدود .(3)

التوفيق بين الملكية الفردية والجماعة وتقديم المصلحة العامة :

        إذا كانت السياسة الاقتصادية في الإسلام هو التوفيق أو الموازنة أو الملاءمة بين المصلحتين الخاصة والعامة . الا أنه إذا تعذرت هذه الملاءمة لظروف غير عادية كحالة الحروب أو المجاعات أو الأوبئة فانه بالاجماع يضحي بالمصلحة الخاصة وتقديم المصلحة العامة باعتبارها حق الله الذي يعلو فوق كل الحقوق .

        وهذا مايعبر عنه الأصوليون بقولهم ( يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام) أو قولهم ( يتحمل الضرر الأدنى لدفع الأعلى ) أو قولهم ( إذا تعارضت مفسدتان روعي اعظمها ضرراً بارتكاب أخفهما ) .(1)

        وبذلك نستطيع ان نقول بأن سياسة الإسلام الاقتصادية سياسة وسط وذلك كما في قوله تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } وقول الرسول عليه السلام "اياكم والغلو ، فانما اهلك من كان قبلكم الغلو " (2) . وهذه الوسيطة تعنى الاعتدال والملاءمة ، ليست وسطية حسابية مطلقة ، بل هي وسطية اجتماعية نسبيه والاعتدال لايمكن ان يوضع في قالب جامد أو صيغة محددة ، ولكنه امر اعتباري يختلف باختلاف الزمان والمكان .

        وتحقيق المصالح يختلف باختلاف الظروف ، فما يعتبر مصلحة في ظروف معينة لايعتبر كذلك في ظروف أخرى ، وفي هذا المعنى يقول الامام الشاطبي في كتابه الموافقات ( ان الشأن في معظم المنافع والمضار أن تكون إضافية لا حقيقية فهي منافع ومضار في حال دون حال أو بالنسبة إلى شخص دون شخص ، أو وقت دون وقت)(3)

توزيع الثروة :

        المجتمع فيه الواجدون والمحرومون ، وإذا لم يؤثر الواجدون على أنفسهم وإذا لم يضحوا بما يملكون لم يقم التكافل ، ولم يتم التعاون .

        ولقد رسم القرآن صورة جميلة للإيثار في نفوس أهل المدينة الذين استقبلوا المهاجرين فآووهم وشاركوهم مالهم وديارهم في رحابة صدر وسماحة نفس { والذين تبوأو الدار والايمان من قبلهم * يحبون من هاجر إليهم * ولايجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا * ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } (1) . { ويوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيرا ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاء ولا شكورا * انا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريرا } (2)

        كل ماينزلون عنه من مال أو جهد لتحقيق التكافل الاجتماعي انما هو قرض لله لايضيع ، وان الكف عن البذل تهلكه في الدنيا والآخرة ، فأطعموهم في الثواب ، وحذرهم من العقاب .(3)

        ولولي الأمر في الإسلام لايقف عاجزاً أمام مشكلة تضخم الأموال في يد قليله من الناس وبقاء المجموع في حالة من الشظف والحرمان . فهذا مخالف لمبادئه الصريحة التي تحتم توزيع المال بين الجميع { كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم }(4) وولي الأمر مكلف بتنفيذ الشريعة بكل طريقة يرى أنها توصله إلى ذلك مادم لايقع فيها ظلم ولا ضرر " . (5)

اعادة توزيع الثروة عند افتقاد التوازن :

        تقرر هذا المبدأ في صدر الإسلام في سابقة تاريخية على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أيدها القرآن الكريم . فعندما هاجر المهاجرون مع النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة .فأما الفقراء فقد كان لديهم مال ينقلونه معهم وأما الأغنياء فتركوا أموالهم خلفهم . ولقد سخت نفوس الأنصار بالنسبة للمهاجرين ( كما تم ذكره في توزيع الثروة ) ولكن الفجوة ظلت واسعة بين أثرياء المدينة وفقراء المهاجرين إلى أن كانت موقعة ( بني النضير ) التي لم تقع فيها حرب بل سلمت للنبي صلحاً . فقرر عليه السلام أن يكون فيؤها - والفيء كله لله والرسول بخلاف مايقع في الحرب إذ تكون أربعة الأخماس للمقاتلين والخمس وحده لله والرسول . وقد رأى أن يعيد لجماعة المسلمين شيئاً عن التوازن في الملكية والدخول في أول فرصة سنحت له فمنح فيء بني النضير كله للمهاجرين عدا رجلين فقيرين من الأنصار تنطبق عليهما الحكمة التي أوحت إليه بتخصيص هذا الفيء للمهاجرين .

        وفي هذه الواقعة يقول الله تبارك وتعالى مؤيداً فعل الرسول صلى الله عليه وسلم { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الإغنياء منكم ،  وماآتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فأنتهوا واتقوا الله ان الله شديد العقاب . للفقراء المهاجين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون }(1) .

        وهذا الاجراء الذي اتخذه الرسول صلى الله عليه وسلم هو افتقاد المجتمع الإسلامي الأول للتوازن في الثروة والدخل بسبب الهجرة مع عظم الخطر الذي كان يتهدد ذلك المجتمع . فجاء هذا الاجراء كعلاج أملته أحوال المسلمين وظروفهم مما أعطى المجتمع قوة فيما يتخذه من السبل لمواجهة الظروف والكوارث التي كانت تهدد كيانه وتهدد مصالح جميع أفراده .(2)

        وعن سعيد الخدري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث له "من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له “ (1) . ومما يدل على مرونة المجتمع الإسلامي الأول ان الانصار تنازلوا في بداية الأمر للمهاجرين طواعيه عنه شطر من أراضيهم ونخيلهم حتى غير الرسول عليه السلام من نظام التوزيع فأختص المهاجرين - كما سبق القول بفيء بني النضير - غير أن المهاجرين بعد توزيع فيء بني النضير عليهم أعادوا ماكان بيدهم من أرض إلى أصحابها الانصار حتى تعود ملكيتها إليهم مرة ثانية .

        واما الرسول فحين انتهت الضرورة وعاد التوازن إلى مجتمع المدينة أراد عليه السلام أن يعوض الانصار مافاتهم من فيء بني النضير بأن أقطعهم أرض البحرين غير أن الانصار رفضوا ذلك عن طيب خاطر وطلبوا أن تقسم بينهم وبين المهاجرين فلا ينفردون بها وحدهم .(2) ويهدف الإسلام إلى توفير الاحتياجات الأساسية للزوج والمجتمع ، وهي السلع الضرورية التي بها يتم حفظ الدين والحياة والنسل وأداء الواجبات وحماية المجتمع وتحقيق الأمن .

        ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم " إيما أهل عرضه أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى " (3) .

        وقال صلى الله عليه وسلم " ان الاشعريين إذا ارملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جعلوا ماكان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم " (4) .

        وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام المجاعة " لو لم أجد للناس مايسعهم إلا ان أدخل على أهل كل بيت عدتهم فيقاسموهم انصاف بطونهم فعلت فانهم لن يهلكوا على انصاف بطونهم . (1)

        ويقول صلى الله عليه وسلم " ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع "(2) .

النهي عن كنز المال :

        ويذم الإسلام الذين يكنزون الذهب والفضة ولاينفقونها في سبيل الله ويبشرهم بعذاب أليم فيقول الله سبحانه وتعالى { والذين يكنزون الذهب والفضة ولاينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمي عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم*هذا ماكنزتم لأنفسكم فذوقوا ماكنتم تكنزون} .(3)

        وقد فسر ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله " بشر الكانزين بكيّ في ظهورهم يخرج من جنوبهم ، وبكيّ من قبل اقفائهم يخرج من جباههم " .

        وروي الامام البخاري عن ابي هريرة انه قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمينه - يعني شدقيه - ثم يقول : انا مالك انا كنزك .(4) ثم تلا :{ ولاتحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً بل شر لهم سيطوقون مابخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير}(5) .

        ومن هنا وجدنا الإسلام يحض على الانفاق ابتغاء اخراج المال إلى التداول ليتم الانتفاع به .(1)

منع تضخيم الأموال :

        كما ذكرنا أن النظام الاقتصادي في الإسلام يحارب تكديس الثروة وجمعها في يد فئة قليلة ، ويجنح إلى جعلها رأسماليات متوسطة وصغيرة ، إلا أنه يحث على انفاقها في سبيل المصلحة العامة ، وذكر القرآن الكريم الغاية من ذلك في قوله تعالى { كي لايكون دولة بين الأغنياء منكم }(2) محافظة منه على التوازن الاقتصادي في المجتمع ولأنه مقرر لديه ، ان حصر الثروة في فرد - وارث أو موصي له - يؤدي حتماً إلى إقامة دولة من العسف والطغيان { كلا إن الإنسان ليطغى * ان رأه استغنى }(3) .

        اذن فالاقتصاد الاسلامي مؤسس على رعاية المصلحة العامة ، وقائم على محاربة طغيان رأس المال الكبير ، من غير غلو ولا تطرف . (4)

        ونجد كذلك التفتيت الهادي المستمر للثروة . فالإسلام لم يجعل التركه وفقا على الذكور فحسب ولا على الذكر البكر فحسب كما في غيره من الشرائع وانما وزع أنصبة الأرث توزيعاً واسعاً فعمد إلىتجزئة التركة وتقسيمها إلى اسهم اشرك فيها الأصول والفروع ، فجاء نظاماً فذاً في تجزئة الملكيات عن رضا واختيار . فالملكية الواحدة طبقاً للنظام الإسلامي تنتقل إلى العديد من الذرية والأقارب وتتحول إلى ملكيات متوسطة أو صغيرة مما يحد من تضخم الملكيات "(5) .

        وهكذا نجد ان الاقتصاد الإسلامي قد اتخذ موقفاً فريداً ، فآلت إجراءاته إلى إيجاد نظام الملكيات الوسطى والصغيرة ، ليقي أفراد المجتمع طغيان رأس المال الكبير ، وليجنبهم عسف دولة الأغنياء ، وليأمن أيضاً انقلاب دولة الموظفين أشد عسفاً وطغياناً لاجتماع القوة السياسية في أيديهم أيضاً . (1)

وجوب توظيف الأموال وتداولها :

        وجوب تداول الثروات وعدم جواز انحصارها بأيد قليلة هو احدى  خصائص الاقتصاد الإسلامي ، لأن الإسلام حض على الانفاق ، وعندما بين سبله وعندما حرم كنز الأموال وادخارها انما قصد من ذلك الا يبقى المال عديم الفائدة في خزينة بعيدة عن التداول ، وانما حض على بذله في سبيل الله وأداء حقه وجعله متداولاً بين الناس لتتم الفائدة منه وتعم المنفعة على الجميع ، ولأن المال وسيلة لا غاية ، وأوجد له مصارف متعددة لابد للمسلم من أن يحقق بعضاً منها على قدر مايستطيع .

        وهذا التوجيه الالهي هو أساس من أسس الاقتصاد الإسلامي الذي لايرضى احتكار الأموال واكتنازها .لأن في اكتناز الأموال منعاً من تداولها وبذلك يضر المصلحة العامة .(2)

        وينص القرآن الكريم على منع الاسراف في الانفاق الاستهلاكي في قوله {وكلوا وأشربوا ولاتسرفوا انه لايحب المسرفين } (3)

        ويعمل الإسلام على توظيف وتوجيه رؤوس الأموال نحو زيادة طاقة المجتمع الانتاجية وحسن إدارتها ،وتنظيم الاستهلاك بما يتناسب مع ظروف المجتمع واحتياجاته الحاضرة والمستقبلية .

        ففي مجال دعم الجهود الانتاجية ألغيت الفوائد الربوية على رأس المال ليتحول من رأس مال ربوي إلى رأس مال منتج في مجالات الاستثمار في المشاريع المختلفة ،كما في قوله تعالى : { ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا ان كنتم مؤمنين}(1) وذلك درءاً للمخاطر التي تنجم عن هذه الفوائد من تضارب مصالح التجارة والصناعة والزراعة مع مصالح رأس المال الربوي وتسخيراً لرأس المال لخدمة هذه الصناعات المختلفة باتساع مشروعاتها وتخفيض تكلفة الانتاج فيها .(2)

        ومن المعلوم ان توازن المشروعات يتحقق بتساوي متوسط التكاليف الكلية مع السعر في الأجل الطويل ، وبتساوي متوسط التكاليف المتغيرة في الأجل القصير ، فإذا لم يتحقق لها السعر الذي يغطي متوسط التكاليف في الحالتين المذكورتين توقفت عن الانتاج . وبخفض تكاليف الانتاج عن طريق الغاء الفائدة على رأس المال وهي أحد بنود هذه التكاليف ، فان الانتاج سيستمر إلى مدى أبعد في كلتا الحالتين المذكورتين إذا انخفضت الاسعار عن هذين الحدين بمقدار يساوي قيمة الفائدة على رأس المال ، وبذا يعمل الإسلام على زيادة الانتاج في المجتمع وتقليل حالات التوقف عنه .

        كما ان للزكاة دورها الهام في توظيف الأموال إذ أنها تجعل المنظمين والمنتجين يستمرون في الاستثمار حتى لو حدثت لهم خسارة في الانتاج مادامت هذه الخسارة تقل عن نسبة الزكاة المفترضة على أصل الأموال المستثمرة في حالة عدم توظيفها في الانتاج ، وبذا تقل حالات حدوث الكساد أو توقف الانتاج في المجتمع بدرجة كبيرة.

 

 

منع الاحتكار :

        احتكار ضروريات الناس لايعترف به الإسلام وسيلة من وسائل الكسب وتنمية المال كما رواه مسلم عن الرسول صلىالله عليه وسلم ( من احتكر فهو خاطىء ) (1) ذلك ان الاحتكار اهدار لحرية التجارة والصناعة ، فالمحتكر لا يسمح لسواه أن يجتلب مايجتلبه ، أو يصنع مايصنعه عنتاً ، ويحملهم مشقة ، ويضارهم في حياتهم وضرورياتهم ، فوق أنه يقفل باب الفرص أمام الآخرين ليرتزقوا كما ارتزق وليجودوا فوق ماجوّد ، وقد يقع احيانا ان يسد المحتكر الموارد وأن يتلف البضاعة الفائضة ، حتى يتمكن من فرض سعر اجباري ، وفي ذلك إعدام أو نقص في الأرزاق والأقوات العامة التي اتاحها الله للإنسان في الأرض .

        وقول الرسول صلى الله عليه وسلم " من احتكر طعاماً اربعين يوماً فقد برىء من الله ، وبريء الله منه (2) . فما هو بمسلم ذلك الذي يضار الجماعة هذه المضارة ، ويشيع فيها الخوف ، والحاجة إلى الضروري ، ليحصل منها على كسب حرام يزيد به ماله الخاص على حساب الصالح العام .(3)

الكفاية :

        الأساس في التوزيع هو الحاجة أولاً بمعنى حد الكفاية ، ثم العمل والملكية ثانياً فلكل أولاً القدر اللازم لمعيشته الذي يسميه رجال الفقه الإسلامي " حد الكفاية " تميزاً له عن " حد الكفاف " وذلك كحق مقدس له كإنسان يكفله له المجتمع أو الدولة بغض النظر عن جنسيته أو ديانته لقوله تعالى : { وآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل } (4) والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم }(5) ثم بعد ذلك يكون لكل تبعاً لعمله ومايمتلك لقوله تعالى : { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن }(1) { ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لايظلمون }(2) .

        وقد حدد بن الحسن مستوى الكفاية بأنه ( مايكون دون السرف وفوق التقتير)(3) .

        ولقد لخص الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سياسة التوزيع في الإسلام بقوله " ما من أحد غلا وله في هذا المال حق ، الرجل وحاجته الرجل وبداؤه " أي عمله ، قم قوله " إني حريص على الا أدع حاجة إلا سددتها مااتسع بعضنا لبعض ، فإذا أعجزنا تآسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف  (4) . ويقول عمر رضي الله عنه عام المجاعة سنة 18 هـ " لو لم أجد للناس مايسعهم إلا ان أدخل على أهل كل بيت عدتهم فيقاسمون انصاف بطونهم حتى يأتي الله بالحيا - أي المطر - فعلت فانهم لن يهلكوا على انصاف بطونهم " (5) .

        ومؤدي ذلك أنه في الظروف الاستثنائية كمجاعة أو حروب يتساوى المسلمون في ( حد الكفاف ) وفي الظروف الاستثنائية يتساوى المسلمون من حيث توفير ( حد الكفاية ) ومافوق ذلك يكون لكل تبعاً لعمله " .(6)

        ويعتبر فقهاء الإسلام الحاكم آثماً إذا لم يوفر حد الكفاية لكل فرد اخذاً مما زاد عن حاجة الاغنياء ، فان بذل الفضل عند الحاجة يصبح التزاماً وضرورة ، إذ لايقبل الإسلام ان يبيت فرد على شبع وهو يعلم ان جاره جائع .

        ولنا في التاريخ الإسلامي مثل مشرف حدث ، ففي عهد خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز حرص على أموال المسلمين وصرفها في وجوهها المشروعة فأغتنى الناس ببعض بلاد الدولة الإسلامية المترامية الاطراف في هذا الوقت حتى لم يجدوا مستحقاً لها فأشتروا بالزكاة عبيدا واعتقوهم لوجه الله تعالى (1) .

التفاوت المنضبط :

        التفاوت امر حتمي وطبيعي على المستوى الفردي والدولي وإذا كان الناس يتفاوتون في كفايتهم وفي مقدار مايبذلونه من جهد فانه من الطبيعي أن يتفاوتوا في مقدار مايحصلونه من دخل ويكونونه من ثروة . فالتفاوت في الدخول والثروات ، هو مايقره الإسلام باعتباره أمراً طبيعياً تبعاً لاختلاف المواهب والقدرات ، وبأعتباره ايضاً حافزا على الجد والعمل إذ لو تقاضى كل الأفراد دخولاً متساوية أو متقاربة لما عنى احدهم بزيادة جهده أو اتقان عمله كما في قوله تعالى : { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } (2) ويقول ايضاً سبحانه وتعالى { ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لايظلمون }(3) وكذلك يقول سبحانه وتعالى { وفضل الله المجاهدين على القاعدين اجراً عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة } (4) . لكن قال في النهاية {ان اكرمكم عند الله اتقاكم }(5) ويروي البخاري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " احب الناس إلى الله أنفعهم للناس " (6) .إلا ان التفاوت الذي يسمح به الإسلام ، هو التفاوت المنضبط أو المتوازن ، فعلى المستوى الفردي يحفز على العمل والاتقان ، وعلى المستوى الاقليمي أو العالمي يحقق التكامل لا التناقض والتعاون لا الصراع . أي بالقدر الذي لايكون فيه التفاوت فاحشاً بما يخل التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع والأقاليم .

        فالإسلام يرفض بشدة التفاوت الفاحش في توزيع الثروة والدخل مما يستأثر من خلاله فئة معينة من الأفراد بالخير كله ، وهذا ماحذر منه القرآن الكريم { كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم } .(1)

        فالإسلام إذا يحث ويدعو إلى الثروة والغنى إلا ان ذلك مشروطاً بألا يكون المال متداولاً بين فئة قليلة من الناس أو قاصراً على دول معينة . وبعبارة أخرى إلا يكون هناك تفاوت شديد في توزيع الثروات تستأثر من خلاله فئة معينة من الأفراد أو اقاليم معينة بالخير كله . بل ان الخير يعم الجميع بل يكون التفاوت منضبطاً أو متوازياً بحيث لايكون هناك ثراء فاحش وبجواره فقر مدقع .

        هذا إلى جانب ان الإسلام حث على الغني إضافة إلى الزكاة بعدم حبس ماله عن التداول والانتاج كما مر بنا ، وكذلك ان يكون الصرف بمقتضى العقل ، والا عد سفيها كما في قوله تعالى : { ولاتؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما }(2) والا يعيش عيشة مترفة تؤدي إلى البطر حتى لقد وصفالله تعالى المترفين بالاجرام حيث يقول سبحانه وتعالى : { واتبع الذين ظلموا مااترفوا فيه وكانوا مجرمين }(3) ، ومطالب بعدم الغلو في معيشته والاعتدال في حياته ومطالب أخيراً بانفاق كل مازاد عن حاجته في سبيل الله لقوله تعالى : { يسألونك ماذا ينفقون ، قل العفو } (4) ويقول سبحانه { وأنفقوا في سبيل الله ولاتلقوا بأيديكم إلى التهلكه } (5) . ويقول سبحانه وتعالى : { ولاتحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم * بل هو شر سيطوقون مابخلوا به يوم القيامة }(1) .

        ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما رواه مسلم والبخاري في صحيحيهما " السخي قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، والبخيل بعيد عن الله ، بعيد عن الناس ، بعيد عن الجنة ، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل "(2) .

        ولقد كان المسلمون الأوائل يتسابقون في البحث عن كل محتاج لكفالته وابتغاء وجه الله ، بل لقد كان اثرياء المسلمين يسارعون في القيام بالتزامات الدولة ذاتها . فهذا عثمان بن عفان يقوم بتجهيز جيش العسرة وهذا عبد الرحمن بن عوف يدفع كل ثروته لاعتاق الرقيق وسد حاجة كل طالب ولم تكن المسارعة إلى البذل في سبيل الخير من شأن المكثرين وحدهم بل كان ذلك أيضاً من المقلين حتى كان منهم من يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وفيهم نزل قوله تعالى : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون }(3) .

مبدأ تكافؤ الفرص :

        ان الاقتصاد الإسلامي ، لكي يضمن المزاحمة الحرة والعادلة للأفراد ( مبدأ تكافؤ الفرص ) في معركة الحياة ، بأسلحة متكافئة ، فرض جملة قواعد أهمها :

1-     انه حرم الربا لكي لايثرى أحد من غير عمل أو على حساب غيره .

2-     انه حرم الميسر بكل أنواعه وأشكاله ، وظروفه ، لكي لايثري أحد بطريقة الحظ .

3-     أنه حرم الوصية للوارث ، حتى لايظفر بنصيبين ، نصيبه من الأرث ، ونصيبه من الوصية ، فلا يظفر بسلاح أفضل .

4-     أنه أباح الوصية لغير الوارثين ، ليحصل غير الوارث على مال يعده للمزاحمة .

5-     أنه حرم ان تتجاوز الوصية ثلث المال ، لكي لايصير المال كله بالوصية إلى الموصى له ، فيحرم الورثة ، وتختل شروط عدالة المزاحمة .

6-     انه جعل أنصبة الأرث متعددة ، ليشيع المال في أيد متعددة ، فتقل الفروق بين المتزاحمين إلى أدنى درجة ، دون الخروج على القواعد النفسية .

7-     انه فرض الزكاة لثمانية اصناف من الناس عددهم في سورة التوبة(1) وبذلك لم يترك في الساحات الاقتصادية صنفاً واحداً من الناس كالوارثين للثروات مثلاً أو الموصى لهم ، يديرون المعركة الاقتصادية وحدهم ، بل اشرك معهم كل أصناف الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وغيرهم ممن جاء تعدادهم في سورة التوبة .

        هذه المبادىء تقوم على أساس التعاون بين أفراد المجتمع في دعم اقتصادياته وفقاً للظروف التي يجتازها المجتمع ، وان لجهاز الدولة أن يفيد من كافة الأفراد في دعم قدرته الاقتصادية ومواجهة هذه الظروف ويمكن أن نوجزها :

1)     تحقيق أهداف التنمية الإسلامية في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

2)     الالتزام بأولويات التنمية في البدء بالضروريات ثم الحاجيات فالتحسينات والتكميليات .

3)     اتباع أيسر السبل وأفضلها لتحقيق الأهداف من حيث السهولة وقلة التكاليف والتضحيات كما في قوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } (1) .كما يأمر الله رسوله باتباع أيسر السبل بقوله { خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين }(2)

         وقد بينت السيدة عائشة رضي الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماخير بين أمرين إلا اختار ايسرهما مالم يكن اثما .

4-     التعاون بين أفراد المجتمع والدولة في حدود ماتسمح به الامكانيات .

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الرابع

التخطيط والتنمية ( الجانب التطبيقي )

 

- اعداد الخطط الاقتصادية الشاملة لتنمية الانتاج .

- تنمية الموارد الانتاجية .

- تنمية العمل .

- تنمية الزراعة .

- تنمية التجارة .

- تنمية الصناعة .

- تخطيط المدينة وتنميتها .

- التخطيط لتنوع الانتاج.

- التنمية القطاعية والاقليمية ( التنمية الشاملة ) .

- خلاصة .

 

 

 

 

 

المبحث الرابع

التخطيط والتنمية ( الجانب التطبيقي )

        النظام الإسلامي لايحتقر المادة لا في صورة النظرية ( باعتبارها هي التي يتألف منها هذا الكون الذي نعيش فيه وتتأثر به وتؤثر فيه أيضا ) ولا في صورة الانتاج المادي. فالانتاج المادي من مقومات الخلافة في الأرض عن الله ولكنه فقط لايعتبرها هي القيمة العليا التي تهدر في سبيلها خصائص الإنسان ومقوماته ، وتهدر من أجلها حرية الفرد ، وتهدر فيها قاعدة الاسرة ومقوماتها ، وتهدر فيها اخلاق المجتمع وحرمانه إلى آخر مما تهدره المجتمعات الجاهلية من القيم العليا والفضائل والحرمات (1) لتحقيق تنمية ونمو الانتاج المادي .

        فيقوم النسق الإسلامي للتنمية الاقتصادية على استمرارية عملية التنمية الاقتصادية والجمع بينها وبين التنمية الاجتماعية حتى يمكن توفير الاحتياجات المعيشية لسائر أفراد المجتمع بما يناسب كل عصر ويتفق مع مفهوم الإسلام للرفاهية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية .(2)

        والقرآن الكريم أوضح بأن المشقة في العمل وزيادة التكاليف المعيشية حالة سيئة لايرضاها الإسلام للمجتمعات الإسلامية (3) حيث يقول الله تبارك وتعالى { والبلد الطيب يخرج نباته بأذن ربه والذي خبث لايخرج إلا نكدا ، كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون }(4)

        ويدفع الإسلام الناس إلى الافادة من كل مجالات التقدم العلمي التي تم الوصول إليها في كل من الماضي والحاضر ، وذلك كما يتبين من القسمين التاليين :

أ - الافادة من خبرات الأمم السابقة :

        حيث يقول الله سبحانه وتعالى { وذكرهم بأيام الله }(1) ويقول ايضا جل شأنه { ولقد كان في قصصهم عبرة لأولي الالباب }(2) ويقول أيضا جل شأنه { قل سيروا في الأرض فأنظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل } (3) ويقول { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم } (4) وتندرج هذه الافادة تحت قاعدة عامة هي الإفادة من هذه الخبرات فيما يتفق مع الاطار العام للنظام الإسلامي المتكامل .

ب - الإفادة من خبرات المجتمع المعاصرة ومكتسباتها حيث يقول الله عز وجل {فأسألوا أهل الذكر ان كنتم لاتعلمون }(5) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “ من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع " (6) ويقول تبارك وتعالى {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها }(7) .

        ولهذه الإفادة ايضا شروط هي تنقية هذه الخبرات والمكتسبات مما يخالف الاطار العام للنظام الإسلامي الذي يقر القوانين العلمية الثابتة ، ويفيد من النظريات والنظم الأخرى فيما يتفق مع القوانين العلمية الثابتة والمذهب الاقتصادي الإسلامي .(8)

 

- إعداد الخطط الاقتصادية الشاملة لتنمية الانتاج :

        ان التخطيط الاقتصادي الشامل يقتضي أن تكون للدولة السيطرة الفعلية على ماتحت يد الجماعة من موارد ، فلا وجود للخطة الاقتصادية الشاملة في غياب الملكية العامة لموارد المجتمع أو للجزء الأهم على الأقل من الموارد الانتاجية ، ومعها تحل هذه السيطرة محل القرارات الفردية المتعلقة باستخدام هذه الموارد .

        فالتخطيط الاقتصادي الشامل بهذا المفهوم يتنافى مع ما للاسلام من أيدلوجية ترعى المصلحتين الخاصة والعامة وتوازن بينهما على أساس ان كلا منهما تكمل الاخرى وفي حماية احداهما حماية للأخرى ، ومن هنا فان قوام الإسلام حفظ التوازن بين الملكية الخاصة والملكية العامة أو الاجتماعية والخطة الاقتصادية الشاملة التي تجنح نحو الملكية الاجتماعية وعلى حساب الملكية الخاصة فانها بذلك لاتحقق هذا التوازن .بل تتضاد معه ، ومن ثم لايقرها الإسلامي ، ويأخذ بها في هذه الحدود .

        والخطة الاقتصادية الشاملة يجب ان تحقق مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة دون اهدار لاحداهما لصالح الاخرى تحقيقاً لقوله تعالى { لاتَظلمون ولاتُظلمون }(1) ولقوله صلى الله عليه وسلم " لا ضرر ولا ضرار " .

        لقد اعطانا الرسول صلى الله عليه وسلم صورة عميقة المعنى في التوفيق بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة كأيدلوجية للإسلام يختلف بها عن الفكر المعاصر ، وذلك بقوله فيما رواه البخاري والترمذي " ان قوماً ركبوا سفينة فأقتسموا ، فصار لكل منهم موضع ، فنقر رجل منهم موضعه بفأسه فقالوا له ماذا تصنع ، قال هذا مكاني أصنع فيه ما أشاء ، فان اخذوا على يده نجا ونجوا ، وان تركوه هلك وهلكوا)(1) .

        وفي هذا يقول الأصوليون أيضا ( يتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى ) كما هو الحال في الأحوال الاستثنائية مثل المجاعات والأوبئة والحروب " (2)

        فالإسلام يسمح بالتدخل من جانب السلطة لتوجيه الاقتصاد القومي نحو أهداف معينة في صورة خطة اقتصادية واجتماعية من خلال سياسة اقتصادية مفصلة ، وفي إطار تحقيق هذا التوازن بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة .

        وهناك بعض صور التخطيط الاقتصادي الإسلامي التي قصها المولى سبحانه وتعالى في مناسبتين كريمتين هما قصة سيدنا يوسف وقصة ذو القرنين .

        وفي قصة يوسف عليه السلام في تفسيره لرؤية الملك عدة اعتبارات :

1 - العمل الزراعي الدائب حيث يقول تبارك وتعالى على لسان يوسف { تزرعون سبع سنين دأبا}(3) أي بصورة متتالية لتحقيق الأمن الغذائي في سنوات الضيق المقبلة .

2 - ضرورة تخزين الثمار وحفظها من التلف ، فلا يعني العمل الدائم استهلاك كل نتاج هذا العمل ، بل يتعين تخزين مايكفي منها لسنوات الضيق والمجاعة ، وحدد يوسف عليه السلام طريقة حفظ الثمار حتى لايتلف { فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون }(4) .

3 - عدم الاسراف في الاستهلاك ففي قوله تعالى { ألا قليلا مما تأكلون } (1) .

4 - وجوب تحقيق فائض يسمح بإعادة الانتاج فلم ينسى يوسف عليه السلام الفترة التي تلى فترة الجفاف وانما خطط لهذه الفترة التي تلي الجفاف لاعادة الانتاج ومواجهة المستقبل حيث يقول الله { سبع شداد يأكلن ماقدمت لهن إلا قليلا مما تحصنون }(2) فإلا قليلا مما تحصنون يقصد عليه السلام لإعادة الانتاج في المستقبل .

5 - تحقيق التوازن بين الانتاج والاستهلاك لايجاد مزيد من الفائض الذي يساعد بدوره على اعادة الانتاج وتحقيق الرخاء كما في قوله تعالى : { ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون }(3) وهذا لم يرد في رؤيا الملك وانما من العلم الذي علمه الله ليوسف عليه السلام وكنتيجة للتخطيط السليم والعمل الجاد .

      وقد استغرقت مدة الخطة خمسة عشر عاماً وهي سبع سنوات سمان وسبع سنوات عجاف والعام الأخير الذي كان معه الرخاء .

        هذا عن تخطيط وتنمية الانتاج الزراعي ، اما عن تخطيط وتنمية الانتاج المعدني والصناعي الذي ذكرها القرآن الكريم في قصة ذو القرنين حيث يقول الله تبارك وتعالى { قالوا ياذا القرنين ان ياجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً (4) لكن ذو القرنين رد عليهم طالباً مشاركتهم له في العمل دون أن يقتصر على مجرد مده بالمال { قال مامكنني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما }.(1)  وطلب منهم البحث عن الحديد لبناء السد بينهم وبين الطغاة فقال { آتوني زبر الحديد } (2) ولايلبث ان يرتفع صوت ذو القرنين  {آتوني أفرغ عليه قطرا } (3) أي نحاساً مذاباً على الحديد الملتهب ليصبح السد قطعة واحدة .

        اضافة إلى بناء السد أمر قومه ان يجربوه للتأكد من قوته { فما استطاعوا ان يظهروه ومااستطعوا له نقبا } (4) ورد ذو القرنين الفضل إلى الله سبحانه وتعالى {هذا رحمة من ربي }(5) (6) .

        وبناء السد كان مواجهة لاحدى المشكلات الأساسية بالمجتمع والوقوف ضد الاعداء ووجوب العمل على ايجاد قوة دفاعية تحمي الوطن وعدم التهول من قوة الاعداء مهما كانت فقوتهم تنقصها الإيمان بالله والمؤمن إذا عمل كما عمل قوم ذو القرنين فهي تكون قوة مستمدة من قوة الله وفي النهاية تكون قوة المؤمنين هي الأرجح.

        كما أن خطة سيدنا يوسف عليه السلام خطة محكمة استغرقت خمسة عشر عاماً وانجزها دون كلل وليست كخطط التنمية التي تدعو إليها الدول الغير إسلامية وطبقتها دول إسلامية وغير إسلامية ( دول نامية ) التي تدعو إلى الاعتماد على المساعدات الخارجية ، دون التركيز على الفائض الداخلي ، ويترتب على ذلك ازدياد الديون الخارجية وزيادة الفائدة عليها بينما نجد خطة يوسف عليه السلام لم تستعين بأية أموال من الخارج وانما كان الاعتماد الكلي على الانتاج المحلي المتاح والعمل الدؤوب المستمر دون كلل أو ملل والتركيز على الفائض ليعيش المجتمع في رخاء وهذا كله لايتأتى إلا بمشاركة القوى البشرية وأثرها الإيجابي على العملية التخطيطية والانتاجية وقد وجدنا كيف حول ذو القرنين شعار شعبه من { فهل نجعل لك خرجا } إلى مجتمع شعاره { فأعينوني بقوة } إلى العمل بشدة واستمرارية ومايتطلب ذلك من تدريب وعمل شاق لكي تصبح عنصراً فعالاً في عملية التنمية والتطوير .

-        ولايكتفي في أن تصبح القوى البشرية عنصراً ايجابياً فعالاً بل ويتعدى ذلك إلى المشاركة في التخطيط كأسلوب للانتاج والتطوير سواء كان ذلك في صنع القرارات أو العمليات التي بمقتضاها يتم التطوير الاقتصادي والاجتماعي ، وهذا يتضح من قول قوم ذو القرنين لقائدهم { فهل نجعل لك خرجاً على ان تجعل بيننا وبينهم سدا }(1) فاتخاذ القرار ببناء السد كان من صنع العنصر البشري وأقرهم عليه قائدهم وطالبهم بالمشاركة الفعلية في بنائه .

-        كذلك نجد حين بنى السد لايوجد انفصال بين تخطيط السد وبنائه وكما مر بنا في سياق الآيات نجد ان ذو القرنين المخطط كان مشاركاً في تنفيذ بناء السد وتلتها خطوة أخيرة هي تجربة السد وبذلك تصبح أربعة مراحل اتخاذ القرار والتخطيط والتنفيذ والتجربة كلها مبنية على المرحلة التي تسبقها وترتبط بالمرحلة التي ستأتي .

-        أما عن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الكثير عن التخطيط والتنمية فنذكر مثال واحد عن انس بن مالك رضي الله عنه ان رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اما في بيتك شيء ؟ قال : بلى ، حلس - كساء غليظ ممتهن - نلبس ونبسطه بعضه أو قعب نشرب فيه من الماء ، فقال ائتني بهما فأتاه بهما فأخذهما رسول الله بيده وقال : اشتر بأحداهما طعاماً فأنبذه إلى اهلك واشتر بالأخر قدوماً فأتني به ، فأتاه به فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده ، ثم قال أذهب فاحتطب ولا أرينك خمسة عشر يوماً ففعل ، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً ، فقال رسول الله : هذا خير لك من ان تجيء المسألة نكته في وجهك يوم القيامة "(1) .

ونستنتج من ذلك :

1)     ان الحاكم يخطط ويرشد الافراد إلى جهات العمل التي تحميهم من ذل السؤال، وهذا مايسمى في عالم اليوم بالبطالة ، وهذا واجب على الحاكم توجيههم إلى الأعمال أو ايجاد أعمال لهم .

2)     مراقبة الدولة أو المخطط الافراد من الناحية الانتاجية مع اعطائهم فرصة مناسبة حتى يتحقق عائد من العمل وهذا ماصنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

3)     ليس هناك التزام من الدولة بتشغيل العاملين حتى لايقتصر همهم على الالتحاق بما توفره الدولة من أعمال ، ويتضخم جهاز الدولة بالعاملين بما يؤدي إلى حدوث بطالة مقنعة أو مستترة .

-        فمدى شمول الخطط وعموميتها يتوقف على الظروف المختلفة المحيطة بالمجتمع وتواجه اقتصاده .

        إذا فتخطيط الدولة المباشر يقتصر فقط في الظروف العادية ، أما اثرهما على المشروعات الخاصة فيكون من خلال الحوافز والاعانات والقروض والسياسات الاقتصادية ، أما في الظروف الاخرى كالطواريء والظروف الاقتصادية أو الطبيعية غير الملائمة والحروب وغيرها فيزداد دور الدولة في هذه الظروف ، ومن المملكن في هذا الوقت اللجوء الى التخطيط العام والشامل والمحكم لكل قطاعات الاقتصاد واقاليم الدولة ومجالات النشاط الاقتصادي المختلفة من انتاج واستهلاك وغيرها . الا ان ذلك يتم على أساس مشاركة الجميع من أفراد وحكومة في إعداد الخطط وتنفيذها وتحمل الاعباء وتوزيع العوائد دون اللجوء إلى أساليب النزع والمصادرة والقهر والقسر .

        وفي قصة يوسف عليه السلام دليل على ذلك حيث واجه ظروف الشدة والاعسار والجدب بتخطيط كل من الانتاج والاستهلاك وبمجرد زوال هذه الظروف فقد ترك الأمر للناس مرة اخرى دون قيود عليهم .

تنمية الموارد الانتاجية :

        تنمية الموارد الانتاجية حيث سخر الله الكون كله للناس ، وبينت تعاليم الإسلام ألغاء الاستحالة والعجز والكسل من السلوك الإنساني ومايستدعيه ذلك من البحث في اسرار الكون والافادة منها في تقدم المجتمعات البشرية حيث يقول الله تبارك وتعالى : { ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش } (1) ويقول جل جلاله { هو الذي خلق لكم مافي الأرض جميعاً }(2) .

        والنظم الاقتصادية على اختلافها تتفق جميعاً على الاستفادة من الموارد بأقصى درجة ممكنة وبالتالي تنمية الانتاج . إلا انها تتبع في سبيل ذلك الأساليب التي تتفق مع نظمها التي تنادي بها . فالرأسمالية تهدف إلى تنمية ثروة المجتمع دون النظر إلى توزيع هذه الثروة ودورها في تحقيق الرفاهية للمجتمع .

        لكن الإسلام يهدف إلى تنمية ثروة المجتمع كهدف وسيط لتحقيق رفاهية المجتمع وعدالة التوزيع بين أفراده ، كحق أساسي للمجتمع على أفراده .(1)

        أما من ناحية علاقة تنمية هذه الموارد الطبيعية بالتنمية الاقتصادية بصفة عامة ، فإن ذلك يتضح من أن التنمية الاقتصادية تقوم على شقين احداهما : تنمية الانتاج من الموارد الاقتصادية المتاحة ورفع كفاءته وتحسين جودته ، وهو مايسمى بالتنمية الرأسية أي زيادة انتاج الوحدة الانتاجية والآخر هو تنمية الموارد بزيادة كمية الموارد المتاحة للاستخدام الاقتصادي ، وهو مايعرف بالتنمية الأفقية .

        فالموارد الطبيعية فقد اختلفت الآراء في مدى أهميتها للتنمية فبينما يرى البعض اهميتها الكبيرة وذلك لانه في حالة عدم توفر بعضها فانه يمكن توفيره من خلال التبادل التجاري الخارجي أو الاحلال بين بعض عناصر الانتاج وبعضها البعض .   

        إلا ان الندرة النسبية لهذه الموارد أثرها في تحديد مايمكن الوصول إليه من معدلات التنمية ، خاصة وان للاعتبارات السياسية تأثيرها على امكانية الحصول على هذه الموارد من الخارج .كما وان فرص الاحلال بين العناصر محدودة . لذا فان الأفضل للتنمية ان يتوفر لها القدر المناسب من الموارد الطبيعية .

        وحتى لاتكون هناك قيود على تنمية المجتمعات من هذه الجوانب ، فان الإسلام أرشدنا إلى وفرة الموارد الطبيعية وامكانية الاستفادة منها بلا حدود في خدمة الأهداف الإنسانية المختلفة . وذلك كما في الآيات السابقة الذكر التي بين الله لنا انه قد سخر الكون كله للناس وبينت تعاليم الإسلام الغاء الاستحالة والعجز والكسل والاصرار في البحث عن اسرار الكون والاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة في تقدم المجتمعات البشرية .(1)

وجوب العمل والنهي عن سؤال الناس :

        العمل في الإسلام واجب على كل فرد فمن لا يعمل بغير عذر لا يأكل ومن هنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم لما سأله أن يعطيه من الزكاة قال " لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب "(2).

        والقوي المكتسب هو القادر على العمل والإكتساب ، وقوله صلى الله عليه وسلم " لاتحل الصدقة لغني ولا لذي مره سوى " (3) ومعنى المره القوي ، ومعنى السوي السليم الأعضاء . وكذلك قال صلى الله عليه وسلم " من سأل مسأله وهو عنها غني كانت شيئاًفي وجه يوم القيامة " وفي رواية أخرى " فإنما يسأل حجراً " وقوله صلى الله عليه وسلم " من سأل وعنده مايغنيه فإنما يتكثر من جمر جهنم " (4)

         ومن هنا اجماع الفقهاء بأن السؤال بغير ضرورة قاهره أو كعجز أو مرض ، هو نوع من اكل المال بالباطل " بل ان الامام الغزال يقرنه باللصوصية اذ يجمعها انهما يأكلان من كدح غيرهما " (5) .

 

 

 

تنمية العمل :

العناية بالعمل :

      من المعلوم ان الاستفادة من عناصر الانتاج تتوقف على عنصر العمل الذي يتولى توجيهها والربط بينها والاستفادة منها في مجالات الانتاج المختلفة ، ولهذا حرص الإسلام على العناية به والاستفادة منه بأفضل السبل الممكنة ، وحيث يتضح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال " ماأكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده ، وان نبي الله داود كان يأكل من عمل يده " (1) . ومنه ايضاً " ان الله يحب المؤمن المحترف " (2) .

        ويروى انه ذكر شاب عند النبي صلى الله عليه وسلم بزهد ، أو ورع فقال " ان كانت له حرفه " ويروى في حديث آخر " أفضل الكسب كسب الصانع بيده "(3).

        ويؤثر عن الفاروق عمر رضي الله عنه أنه كان يرى الرجل فيعجبه فيقول : أله حرفة فان قالوا لا فسقط من عينيه “(4)

        وقال عليه الصلاة والسلام " من امس كالا من عمل يده امس مغفورا له "(5) وقد منع الإسلام ألوان اللهو التي لاتتفق مع مايجب ان يلتزمه الإنسان من جد واستمرا لتفعيل المنتج ، كذلك فقد منع الأعمال العقيمة والضارة كالقمار والسحر والشعوذة حتى لاتستنزف طاقات الإنسان في أمور غير نافعة ، وقد منع الإسلام لذلك ايضا الغش والرشوة والخيانة والسرقة واستغلال النفوذ حيث يقول الله تعالى { ياأيها الذين آمنوا أنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } (6) . ويعنى ذلك حرص الإسلام على العمالة الكاملة لكافة أفراد قوة العمل المتاحة وتوجيهها نحو الجهود الانتاجية المفيدة والنافعة للفرد والمجتمع حتى تزداد قدرة المجتمع الانتاجية وتنمو بصفة مستمرة .

تقسيم العمل :

        أما تقسيم العمل ينشأ من قدرة الفرد المحدودة على ممارسة النشاط الاقتصادي، خاصة إذا ما كانت ممارسة هذا النشاط تتوقف على توفر مقدمة أولية هي العلم والمعرفة بهذا النشاط ومن جهة ثانية فهناك الحاجات المتعددة للإنسان المحتاجة إلى المزيد من النشاط الانتاجي من هذا العمل وكذلك يوفر لغيره مايحتاجه منه ايضاً بمعنى ان التخصص وتقسيم العمل سوف يوفر مايعرف بـ ( الفائض ) .

        ويقول الإمام ابن الحسن ( وقدر لهم المعاش بأسباب فيها حكمة بالغة يعنى ان كل احد لايتمكن من تعلم جميع مايحتاج إليه في عمره ، فلو اشتغل بذلك فني عمره قبل ان يتعلم ، ومالا يتعلم لايمكنه ان يحصله لنفسه ، وقد تعلق بهذا مصالح المعيشة لهم ، فيسر الله تعالى على كل واحد منهم تعلم نوع من ذلك حتى يتوصل إلى مايحتاج إليه من ذلك بعلمه أيضاً ، وإليه أشار الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله " المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا " (1)  وبيان هذا في قوله تعالى { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } (5) يعنى ان الفقير يحتاج إلى مال الغني ، والغني يحتاج إلى عمل الفقير ، فهنا الزارع يحتاج إلى عمل النساج ليحصل اللباس لنفسه ، والنساج يحتاج إلى عمل الزارع لتحصيل الطعام ، والقطن الذي يكون منه اللباس لنفسه ثم كل واحد منهما يقيم من العمل مايكون معينا لغيره .

        هذا اضافة إلى التخصص وتقسيم العمل فإنه لايكفي فقد حرص الإسلام على الاستفادة من عنصر العمل ورفع كفاءته وزيادة مهارته ، ويعد توفير فرص العمل للكفاءات واسناد الأعمال إليها أهم العناصر لحث القوى العاملة على تحسين كفاءتها وزيادة مهارتها . وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم " من ولى من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح منه فقد خان الله ورسوله "(1) ويقول الله تعالى {ان خير من أستأجرت القوي الأمين }(2) ويقول عمر بن الخطاب " من ولى من أمر المسلمين شيئاً فولي رجلاً لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين " .

اتقان العمل :

        ويقول الإمام ابن الحسن ضرورة تحسين وتتميم العمل وتجويده كما في قوله تعالى { ولاتكونوا كالتي نقضت غزلها }(3) وهذا مثل ضربه الله سبحانه وتعالى حيث حذر العاملين في عملهم من التشبه بالمرأة التي تغزل ثم تنقض فلا تكون ذات غزل ولا ذات قطن .

        وكذلك هذه الكفاءات لابد لها وان تنمي مهاراتها بصفة مستمرة وان تؤدي عملها وفقاً لاحدث الأساليب العلمية في مجالات العمل المختلفة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " ان الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً ان يتقنه " (4) ويقول الله تعالى { وأعملوا صالحاً اني بما تعملون بصير }(5) .

        هذا ويتطلب أداء العمل بكفاءة توفير الامكانيات لادائه وتنظيم مواعيد العمل وفي هذا يحدثنا القرآن الكريم { وقال الملك أئتوني به استخلصه لنفسي فلما كلمه قال انك اليوم لدينا مكين أمين * قال اجعلني على خزائن الأرض اني حفيظ عليم }(6) .

        فتوجب تعاليم الإسلام على كل من يباشر عملاً أن يتقنه ويحسنه - كما سبق القول - فإذا كان من شأن العلم أن يكشف عن أساليب جديدة في الانتاج تؤدي إلى زيادة اتقان السلعة أو تحسينها فيكون واجب المسلم ان يتزود بهذا العلم في كل مايباشره من عمل وقد امره الله بذلك وفضل الذين يعملون على الذين لايعملون {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون }(1) والواقع ان الكشوف والأساليب العلمية ليست إلا نتيجة استنباط اسرار الكون الذي سخره الله للانسان وامره بالكشف عنها والتدبر فيها والاستفادة منها حتى يتحقق معنى استخلافه في عمارة الأرض حيث يقول الله تعالى : { هو الذي خلق لكم مافي الأرض جميعاً }(2) ويقول { هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها }(3) ويقول { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض }(4) ويقول { ألم ترو ان الله سخر لكم مافي السموات ومافي الأرض واسبغ عليكم نعمه ظاهره وباطنه }(5) .

        ولقد عنى الإسلام أكبر عناية بالحث على التدبير في معالم الكون والتدبر في آيات قدرة الخالق . والتدبر معناه الدرس والتمحيص وهما السبيل إلى المعرفة والكشف والابتكار واستغلال مكنون القوى التي اودعها الخالق العظيم في هذا الكون الذي سخر للانسان كل مافيه . ( ومن الأصول الشرعية المقررة ان ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب ) . فإذا كان من الواجب اتقان المنتجات وتحسينها فان الوسيلة إلى ذلك واجبة وهي البحث العلمي عن كل جديد في طرق الانتاج واتباع هذا الجديد، وعلى ذلك كان على المنتج واجب مباشر في استنباط واتباع كل أسلوب علمي يفضل الاسلوب الذي درج عليه يكون من شأنه الارتقاء بمستوى انتاجه من حيث الكم أو الكيف .(1)

تأمين العمل :

        وبتطور علاقات الانتاج يمكن تنمية التشريعات الاقتصادية وفق نظريات الإسلام الخاصة ،كما سبق الإسلام بمسألة نصف الربح في موضوع الأجور .

        وبهذا كان الإسلام يتفادى امرين في وقت واحد : يتفادى اللجوء إلى الربا والاحتكار اللذين تحرمهما شريعته ، ويتفادى الظلم الشنيع الذي يقع على العمال حين يتركون فريسة لاصحاب رؤوس الأموال يستغلونهم أبشع استغلال ويمتصون دماءهم. ثم يتركونهم في حياة الفقر المدقع والحياة المذلة لكبرياء الإنسان . وهو أمر لا يمكن ان يقره الإسلام .(2)

        وقد كفل الرسول الكريم لموظفي الدولة مشتملة على المطالب الأساسية للإنسان ( من ولى لنا عملاً وليس له منزل فليتخذ منزلاً ، وليست له زوجه فليتخذ زوجه ، أو ليس له خادم فليتخذ خادماً ، أو ليست له دابه فليتخذ له دابة ) (3)  فهذه الضمانات لايمكن عقلاً أن تكون وقفاً على موظفي الدولة وانما هي المطالب الأساسية التي يحتاج إليها كل شخص وينالها بوسيلة من الوسائل مقابل العمل الذي يؤديه سواء كان للدولة مباشرة ، أو في حرفة يحترفها ويعود بالنفع فيها على المجتمع . وإذا كانت الدولة قد تعهدت لموظفيها بكفالة هذه المطالب ، فهي مكلفة كذلك ان تضمنها لكل فرد يعمل في أي عمل في الدولة . وتأييداً لذلك ان بيت المال يكفل العاجزين عن العمل لسبب من الأسباب كالمرض أو الشيخوخة أو الطفولة .. الخ ويكمل الحاجات الأساسية لمن تقصر بهم مواردهم الخاصة عن بلوغها . كل ذلك يدل دلالة واضحة على مسئولية الدولة تكفل لعمال الدولة هذه المطالب الأساسية التي ذكرها الرسول بوسيلة من الوسائل وهذه يحددها كل عصر بما يراه ، وانما المهم هو المبدأ .

        وعلى آية حال لم يكن يمكن ان يسمح الاسلام بقيام الرأسمالية في صورتها البشعة التي نراها اليوم في الغرب ( المتحضر ) وكانت تشريعات الموجودة منها مباشرة في صلب الشريعة، والمستحدثة منها لمواجهة الظروف المتطورة في حدود المبادىء العامة للشريعة ، كانت هذه التشريعات وتلك ستقف في سبيل شرور الرأسمالية ، لاتسمح بما ترتكبه اليوم من استغلال لعرق الكادحين ودمائهم ، ومن استعمار وحروب واسترقاق للشعوب .

العمل ودور الدولة :

        وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم " لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتى الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس اعطوه أو منعوه " (1)

        وقال صلى الله عليه وسلم " من يكفل لي الا يسأل الناس شيئاً اتكفل له الجنة"(2) .

        ومايعنيه الإسلام من حرص على العمالة الكاملة لكافة أفراد القوة العاملة المتاحة وتوجيهها نحو الجهود الانتاجية المفيدة والنافعة للفرد وللمجتمع دون تجديد مجالات أو مهن معينة ودون تقليل من أهمية أقل الأعمال شأناً وعائداً في نفوس العاملين .

        وان للدولة دور في ذلك بتوجيه الأفراد ورعايتهم وتوعيتهم ومساعدتهم بما يتاح لها من قدرات وموارد .

        وهذا يتطلب رفع كفاءة العمال وزياة مهاراتهم ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم " من ولى أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح منه فقد خان الله ورسوله " (1) ويقول الله سبحانه وتعالى { ان خير من استأجرت القوي الأمين }(2).

        وهذا توجيه نبوي إلهي في تخير العماله الصالحة والقوية وتقضيل أهل الخبرة على أهل الثقة والمعرفة .

        كما حث الإسلام على تحديد أجر الأجير مسبقاً وإعطاء حقه كاملاً وبذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم " عن استئجار الاجير حتى يبين له أجره "(3) وفي قوله صلى الله عليه وسلم : " أعطوا الأجير أجره قبل ان يجف عرقه " (4) والا يسند إلى العمل مالايطيقه أو فوق طاقته كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم " اخوانكم خولكم جعلهم الله قنيه تحت أيديكم فمن كان اخوه تحت يده فليطعمه من طعامه وليلبسه من لباسه ، ولايكلفه مالا يغلبه فان كلفه مايغلبه فليعنه "  (5).

        وإذا اصيب العامل بضعف أو كبر أو مرض أو إصابة في العمل تكفل به المجتمع فلقد صالح خالد بن الوليد أهل الحيرة علىكفالة كل عامل ضعف عن العمل لكبر أو مرض أو افتقر بطرح الجزية عنه واعالته هو وعياله من بيت مال المسلمين . وإذا توفي العامل قام المجتمع برعاية اسرته من بعده لقوله صلى الله عليه وسلم " من ترك مالاً فلورثته ومن ترك ديناً او ضياعاً فعلي انا واولى بالمؤمنين "(1) لكي يتحقق القوة العاملة ماتصبو إليه من تقدير وامن وحماية وكفاية .

تنمية الزراعة :

        تحدث الإسلام عن تنمية الزراعة كوجه من أوجه النشاطات الاقتصادية الاخرى كالصناعة والتجارة وغيرها ، ولكنه يحذر من الانشغال بالزراعة عن غيرها إذ يقرر ان في ذلك خطر الوقوع في هاوية الذل . تلك مبادىء قررتها السنة المطهرة بأحاديث نبوية صحيحة . فقد جاء في صحيح البخاري في باب بعنوان ( افضل الزرع والغرس إذا اكل منه ) يبين تنمية الزراعة كغيرها من بقية الأنشطة الاقتصادية الأخرى ، ثم أعقبه باب آخر بعنوان ( مايحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أمر به يحذر من الانشغال بالزراعة عن غيرها ) .

        فعن انس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مسلم يغرس غرساً او يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة "(2) .

        وتعتبر التنمية الزراعية من أفضل المكاسب ، وأكثر الأحاديث تدل على افضلية الكسب باليد . ومن حديث أبي رده قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكسب اطيب قال " عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور " وقد يقال هذا اطيب من حديث الحل وذلك أفضل من حيث الانتفاع العام فهو نفع متعد على غيره . وإذا كان كذلك فينبغي ان يختلف المال في ذلك باختلاف حاجة الناس . فحيث كانوا محتاجين إلى الأقوات أكثر كانت الزراعة أفضل للتوسعة على الناس .

        وحيث كانوا محتاجين إلى المتجر لانقطاع الطرق كانت التجارة أفضل وحيث كانوا محتاجين إلى الصنائع أشد كنت الصنعة أفضل .(1)

        أما عن تنمية الأراضي الزراعية : فعن جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كانت له ارض فليزرعها .فان لم يزرعها فليزرعها أخاه " وعنه صلى الله عليه وسلم قال : " من كان له فضل أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه " وعنه قال أيضاً "من كانت له أرض فليزرعها فان لم يستطع ان يزرعها وعجز عنها فليمنحها أخاه المسلم ولايؤجرها اياه " .(2)

        وتأكيد الإسلام على منح الأرض لمن يعرف ان يستزرعها فقط وليس غيره وذلك في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم مارواه عبد الرحمن بن زيد بن اسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ان اخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم فقالوا : أموالنا بيننا قطائع . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو غير ذلك ؟ قالوا : وماذاك يارسول الله ؟ قال : هم قوم لايعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر . فقالوا : نعم يارسول الله " (3) .

        وقال أبو يوسف في قضية الاقطاع ان الرسول صلى الله عليه وسلم قد اقطع اراضي لبعض الصحابة منهم أبو بكر وعمر واناس من مزينه أو جهينه وكذلك بلال المزني . واقطع عمر من بعده وكذلك عثمان .

        وقد أوضح أبو يوسف الغايةمن عملية الاقطاع لتنمية الزراعة وعمارة الأرض هذا في المقام الأول ،لكن من يهمل الأرض التي اقطعت له ميته فان الدولة تعيدها وتستردها منه وتعيد دفعها للآخرين ، وفي ذلك يقول عمر رضي الله عنه لبلال المزني ( ان الرسول صلى الله عليه وسلم قد اقطعك لتعمل أو لتعمر فخذ ماقدرت عليه ورد الباقي ) . اذن فهي اجراءات انمائية وليست مجرد محاباة وتفضيل لبعض الأفراد على بعض .

        وبذلك يكون فكر أبو يوسف تجاه قضية التنمية الزراعية، فهل تكتفي الدولة بإعطاء التصريح باحياء الموات واستغلال الأراضي وكذلك باقطاعها لمن يعمل فيها ويعمرها ؟ أم هي مطالبة ومسئولة عن المتابعة حتى تضمن سلامة التنفيذ ؟ ومن ثم استمرارية العمران .

        وطبقاً للمبادىء الإسلامية فإن الإسلام لايقر من وضع يده أو أخذ اقطاعاً إلا إذا قام بتعميرها ودوام استغلالها . وإلا اخذت منه واعطيت لغيره ليعمرها ويستغلها .وقد قال عمر رضي الله عنه " من يحتجز حقاً بعد ثلاث سنوات ولم يعمل به فلا حق له " .والمحتجز هو ان يجىء الرجل إلى ارض موات فيحظر عليها حظيرة ولايعمرها . ولايحيها ، فهو احق بها إلى ثلاث سنوات ، فان لم يحيها بعد ثلاث سنوات فهو في ذلك والناس شرع واحد فلا يكون أحق به بعد ثلاث سنوات " (1)

 

تنمية التجارة :

        عرف العرب التجارة كأهم مورد من موارد الرزق في الجزيرة العربية حيث كانت تجارتهم تمتد من الصين شرقاً إلى الاندلس وشواطىء المحيط الاطلسي غرباً ، وبحر البلطيق شمالاً ، وكانت لهم في كثير من تلك البلاد امتيازات .

        وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتجر في مال أم المؤمنين خديجة قبل البعثة المحمدية ، وقد ذهب بتجارته إلى الشام مع غلامها ميسرة وبعد ارساء الرسول قواعد الدولة الإسلامية في المدينة كان أول التفاته إلى التجارة ، باعتبارها ركناً من أهم أركان الحياة الاقتصادية في المجتمع فوضع لها نظم وقواعد وأداب في داخل اطار من رقابة الضمير الإنساني والمشاعر البشرية النبيلة ، فيها دائماً مراعاة تقوى الله .

        وكان أهم ماعنى به عليه السلام هو حرية السوق واتاحة الفرص المتكافئة للجميع على السواء ، ومقاومة كل سلطان أو مظهر يراد به التأثير أو الاستئثار بأي امتياز ، فمع أنه حرم ضرب الخراج فقد حرم أيضاً ان يختار أحد لنفسه مكاناً في السوق" (1)

        ونظرة الإسلام إلى التجارة بما تتضمنه من مخاطرة واعتبارها من أحد الأسباب الرئيسية للكسب المشروع ، هذه النظرة تتفق مع ما استقر عليه علماء الاقتصاد المعاصرين ، وتختلف عن تلك النظرة التي كانت تعتنقها فيما مضى مدرسة في الاقتصاد ذهبت - فيما ذهبت إليه - إلى اعتبار النشاط الزراعي وحده هو المنتج اما عداه - كالتجارة - فهومن حيث المبدأ نشاط غير انتاجي لا يضيف جديداً إلى الحاصلات المنتجة .

        فالنشاط التجاري هو في الواقع الذي يعطي الانتاج قيمته بتوفيره وجعله في متناول المستهلك والمحتاج إليه .(2)

        ونظراً لتطور المجتمعات وتغير الاحتياجات الإنسانية وتطورها باختلاف العصور ، فان التنمية تكون عملية مستمرة في المجتمعات وتغير الاحتياجات الإنسانية  وتطورها باختلاف العصور ، فان التنمية تكون عملية مستمرة في المجتمعات الإسلامية بصفة دائمة ، ولذا نجد عمر بن الخطاب يقول " ما من موقع يأتيني الموت فيه أحب إليّ من موطن اتسوق فيه لأهلي ابيع واشتري " كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من طلب الدنياً حلالاً وتعففاً عن المسألة وسعياً على عياله وتعطفاً على جاره لقي الله ووجه كالقمر ليلة البدر " .(1)

        ولايقتصر العمل في مجال التجارة على الأسواق الداخلية بل ان الرسول صلى الله عليه وسلم حث على التبادل التجاري لاستيفاء احتياجات المجتمع في قوله " ما من جالب يجل طعاماً من بلد فيبعه بسعر يومه الا كانت منزلته عند الله منزلة الشهداء ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله * وآخرون يقاتلون في سبيل الله } .(2)

تنمية الصناعة :

        عندما جاء الإسلام وجد العرب يحتقرون الحرف والصناعات واهلها ، وقد حاول الرسول صلى الله عليه وسلم تغيير المفهوم الخاطىء لدى العرب عن الحرف والصناعات ، سواء بالتوجيه الكريم من الرسول صلى الله عليه وسلم أو بتطبيق الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض الأمور التي تخالف هذا المفهوم عند العرب ، حتى يرى اصحابه منه ذلك فكان الناس لايستجيبون لصانع إذا دعاهم إلى طعام ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخالف ذلك فحينما دعاه خياط المدينة إلى طعام استجاب الرسول إلى دعوته . ومن منطق سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم في تغيير مفاهيم الناس الخاطئة فان الرسول صلى الله عليه وسلم دفع ابنه ابراهيم إلى زوجة ابي سيف وهو حداد في المدينة لترضعه ،فكان الرسول يأتي إلى منزل أبي سيف الحداد وهو ينفخ في كيره وقد املأ البيت بالدخان ، على عكس الذين كانوا يتخيرون لأولادهم المرضعات من القبائل الشريفة في البوادي .

        وقد عمل صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة مع أصحابه في بناء مسجد قباء وكان يأبى على المسلمين ان يحملوا عنه الحجارة بل كان يحمل كما يحملون ، وكذلك عمل في غزوة الخندق في الحفر ، حتى أنهم إذا عجزوا عن بعض الصخور قام صلى الله عليه وسلم بتكسيرها بيده الكريمة .

        وقد روي عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " كان زكريا نجاراً ".(1)

        هكذا نرى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائماً يضرب الأمثال للصحابة بالأنبياء عليهم السلام وانهم كانوا يحترفون لأنفسهم ويطلبون العيش عن طريق بعض الحرف أو الصناعات اليدوية دون أن يأنفوا من ذلك ، وكان لدى الصحابة استجابة لهذه التوجيها الكريمة .

        أما تنمية أي قطاع أو صناعة يتطلب بالضرورة تنمية العديد من الصناعات وقد تحدث الغزالي عن هذا الموضوع باسهاب وهي احتياج الصناعات إلى بعضها البعض في مدخلاتها ومخرجاتها .

        بل لقد توصل إلى مرحلة تحليلية متقدمة بكثير من عمره ، وهي التعرف على ترتيب ثلاثي للصناعات ، فهناك الصناعات الأساسية أو أصول الصناعات وهناك ما أسماه بالصناعات الخادمة أو المهيئة وهناك ماأسماه بالصناعات المكملة والمتممة .(2)

تخطيط المدينة وتنميتها :

        عرضت لعمر مسائل التعمير على حسب الحاجة إليها في وقته فلم تجده مسألة منها دون ماتحتاج إليه من إصابة الرأي وحسن الرؤية ، فكانت نصائحه في تخطيط المدن واختيار مواقعها من انفع النصائح وكانت دواعيه إلى بنائها من اشرف الدواعي .

        شاهد في الجند هزالاً وتغير ألوان ، فسأل قائدهم سعدا : ما الذي غير ألوان العرب ولحومهم ؟ فأجابه : انها وخومة المدائن ودجله فكتب إليه ان العرب لايوافقها إلا ماوافق عليه أبلها من البلدان ، فأبعث سليمان وحذيفة فليرتادا منزلاً برياً بحرياً ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر ، وأمر ان تبلغ مناهج المدينة اربعين ذراعاً ، ومايليها ثلاثين ذراعا ، ومابين ذلك عشرين، والا تنقص الازقة عن سبعة أذرع ليس دونها شيء والا يرتفع بناء الدور ، فبنيت الكوفة على هذا التخطيط.

        وعلم ان الجند يشتكون الشتاء ويعوزهم الملجأ الذي يسكنون إليه بعد الغزو في حدود فارس ، فكتب إلى عتبة بن غزوان ان ( ارتد لهم منزلاً قريباً من المراعي والماء) ووصف له مايلتزم من مواقعه وخططه فبنيت البصرة على ملتقى النهرين .

        وهو الذي اشار على عمرو بن العاص ان يحفر خليجاً بين النيل وبحر القلزم لاتصال المرافق بين مصر وعاصمة الدولة ، وضرب له الموعد حولا يفرغ فيه من حفره وإعداده لسير السفن فيه ، فساقه من جانب الفسطاط إلى القلزم ولم يأت الحول حتى جرت فيه السفن وسمي خليج أمير المؤمنين .(1)

التخطيط لتنوع الانتاج :

        فقد أوجب الإسلام تنوع الانتاج بحيث يشمل كافة الحاجات البشرية ذلك ان القاعدة في الإسلام ( ان كل ما لا يتم الواجب إلا به يصير واجبا ) وترتب على ذلك فيما سبق بيانه ، ان كل ما لا  يقوم به الأفراد من النشاط الاقتصادي كالصناعات الثقيلة والمرافق العامة ، يصبح شرعا" فرضاً " على الدولة القيام به ، وقد مجد الإسلام مختلف أنواع النشاط الاقتصادي فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحث على الزراعة ( ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طيراً أو بهيمة الا كان له به صدقة )(1) .

        ويقول في الحث على التجارة ( التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء ) (2) . ويقول عن الصناعة ( ان اشرف الكسب كسب الرجل من يده )(3).

        وحين سئل الرسول صلى الله عليه وسلم أي الكسب أطيب قال ( عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور )(4) وفي ذلك اشارة إلى الصناعة والتجارة وإلى انهما اطيب الكسب وأهم أوجه النشاط الاقتصادي ، بل لقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الاشتغال بالزراعة وحدها ، إذ رأى سكة وشيئاً من آله الحرث فقال " لا يدخل هذا بيت قوم إلا دخله الذل "(5)

        ورغم ان التركيز على الزراعة في توفير الغذاء وغيره من المنتجات الزراعية والمواد الخام اللازمة للمجتمع أمر مطلوب إلا ان الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه حينما رأى سكه وشيئاً من اله الحرث فان لايدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل فالرسول صلى الله عليه وسلم يحث المزارعين على عدم التركيز على الزراعة فقط بسبب احتمال تعرض الانتاج الزراعي للآفات الزراعية والجفاف وغيره من أسباب تعرض الانتاج الزراعي لقلة الانتاج أو القحط ، فتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم الاعتماد الكامل على الزراعة بل التوسع في أعمال مساندة اخرى كالاهتمام بالثروة الحيوانية والصناعية المعتمدة على الانتاج الزراعي والاهتمام بالتجارة من اجل تنويع مصادر الدخل والتنمية الشاملة للقطاعات الانتاجية .

التنمية القطاعية والاقليمية ( التنمية الشاملة ) :

        دعا الإسلام إلى العناية بقطاعات الاقتصاد المختلفة خاصة الرئيسية منها وهي الصناعة بمفهومها الواسع شاملة في ذلك التعدين والتشييد والزراعة بقسميها النباتي والحيواني ، والتجارة الداخلية والخارجية والنقل والمواصلات ، كما أوجب تنمية كافة أقاليم الدولة من ريف وحضر ومناطق دانية وقاصية .(1)

        وتنمية كافة اقاليم الدولة يتضح ذلك في عهد عمر بن الخطاب على الرغم من حداثة عهد العراق بالإسلام في ذلك الوقت فان الإسلام لم يفرق بينها وبين الاقاليم الرئيسية في الدولة والاقاليم الأقل أهمية وبين حديث العهد منها بالإسلام وتلك القديمة العهد ، بل لابد من العناية بها جميعاً وان ذلك واجب ديني يفرضه الإسلام ، وهو مايعرف في العصر الحديث بالتنمية الاقليمية لكافة مناطق واقاليم الدولة والتي يمكن من خلالها التغلب على مشاكل الفوارق بين المستويات الاقتصادية والاجتماعية للاقاليم ومبادىء التنمية القومية التي قد تعمل على تحقيق مشاركة هذه الاقاليم في تحقيق أهداف التنمية للمجتمع بأسره ، والتوازن المكاني لعملية التنمية إلى جانب ما تحققه من توازن بين مختلف القطاعات .(2)

        ويتوقف نجاح التنمية على توفر المقومات الأساسية للاقتصاد وهي ماتعرف برأس المال الاجتماعي شاملاً النقل والمواصلات والتخزين وموارد الطاقة وغيرها من المرافق العامة التي تكون الهيكل الأساسي للاقتصاد ، وتهيء الظروف الملائمة للاستثمار وقيام المشروعات المختلفة في كافة القطاعات الاقتصادية ، كما ان توفر نظم التحويل والمؤسسات التحويلية والتجارية المناسبة يدعم مسار التنمية ، ولابد للتنمية ان تحقق التطور الهيكلي للاقتصاد وتحقيق التوازن والتوافق بين قطاعاته المختلفة واتجاهات تنميتها ، حتى لايحدث اختلال هيكلي في الاقتصاد أو اختناقات في بعض القطاعات تؤثر بالتالي على نمو غيرها من القطاعات .(1)

        وتنمية القطاعات الاقتصادية المختلفة ذات تأثير متبادل على بعضها البعض ، وبالتالي افتقاد التناسق بين القطاعات المختلفة في نموها وتنميتها يعوق من مسار التنمية ويحدث مشاكل كثيرة للاقتصاد ، ولايعني هذا تساوي الجهود للتنمية في القطاعات المختلفة بل يعني توفير متطلبات تنمية قطاعات الاقتصاد دون تعرضها لاختناقات أو عقبات تعوق هذه التنمية .

        ولايقتصر الامر على ذلك إذ ان اقتصار التنمية على المستوى القومي وعلى أساس من المركزية باعتبار ان السلطات المركزية اكثر قدرة على إدارة النشاط الاقتصادي والتنسيق بين حاجات المجتمع ، قد يؤدي نظراً لتباين ظروف الاقاليم واحتياجاتها إلى اختلاف معدلات النمو بين الاقاليم المختلفة للدولة ، وظهور مشكلة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين هذه الاقاليم ، وهو مايستدعي تنمية مختلف الاقاليم في اطار من اللامركزية واستخدام الموارد الانتاجية والكفاءات المتاحة على المستوى المحلي بهدف تحقيق أعلى معدل للتنمية تتلاشى معه الفوارق بين المستويات الاقتصادية والاجتماعية للاقاليم .

        فالنظريات أو النظم الاقتصادية هذه ، اجتهادية تطبيقية اذ أنها من عمل المجتهدين واولي الأمر ، وهو ما قد يختلفون فيه باختلاف تقديرهم للمصالح تبعاً لتغير ظروف الزمان والمكان بل الزمان والمكان الواحد باختلاف فهمهم للأدلة الشرعية وخلافهم في ذلك جائز شرعاً .(1)

        وهو أمر لايخشى منه إذ لا يتجاوز الاصل الثابت ولا يتناول سوى التفاصيل والتطبيقات ، حتى اننا قد نجد آراء ونظريات للصحابي ابي ذر الغفاري وللامام ابن حزم ولشيخ الإسلام ابن تيميه ، وللمفكر الإسلامي ابن خلدون ، وللفقه الدلجي ، وغيرهم نظريات اقتصادية إسلامية يختلف بعضها عن الآخر بل لقد كان للامام الشافعي في مصر اجتهاد أو تطبيق مختلف عما سبق ان افتى به في العراق . وقد عبر عن ذلك الاصوليون بقولهم ( تغير الأحكام بتغير الأزمة والأمكنة ) وقولهم بأنه ( اختلاف زمان ومكان لا حجة وبرهان ) ولابن تيمية تعبير دقيق غاية الدقة وهو قوله بأنه  (خلاف تنوع لا خلاف تضاد ) .(2)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الخامس

نظريات التخطيط والتنمية الكلاسيكية والمعاصرة

ونظرية الإسلام عن التخطيط والتنمية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الخامس

نظريات التخطيط والتنمية 

        معظم النظريات الكلاسيكية تتفق جميعها على كافة التفاصيل الخاصة بعملية التنمية وعلى رأسهم آدم سميث وديفيد ريكاردو ، وروبرت مالتي وجون ستيوارت مل. ولازالت هذه النظريات تجد قبولاً كبيراً في كثير من النظريات الحديثة التي تبحث في طبيعة وأسباب النمو الاقتصادي .

        وقد تبنى هؤلاء الاقتصاديين الكلاسيكيين مبدأ الحرية الاقتصادية ونظام المنافسة المبني على المبادلات الفردية وعدم تدخل الدولة إلا بغرض فرض بعض الضرائب لتمويل نفقاتها في الدفاع والقضاء والأمن .

        ثم جاء الاقتصادي النمساوي جوزيف شومبيتر ليضع نظرية في التنمية الاقتصادية باللغة الالمانية عام 1911م وترجمت إلى الانجليزية عام 1934م.

        وتعتبر من أهم النظريات التي نالت شهرة واستخداماً واسع النطاق في الدول النامية والمتقدمة على السواء وهي نظرية كينز عام 1946هـ وهذا أدى إلى وجود فريقين بين مؤيد وآخر معارض وعاصرت هذه النظرية فترة الكساد في الدول الصناعية.

        وهذه النظريات تعتبر رأس المال والتقدم الفني يسيران يداً بيد في طريق التنمية، ومن الممكن ان يتم تكوين رأس المال في مجتمع ما ، ولكن ليس من الممكن أن يكون هناك تقدم فني بدون تكوين رأس المال ، بالإضافة إلى ذلك ، فان النظريات اوضحت ان الاستثمار ومن ثم التقدم الفني يعتمدان على معدل الارباح وذلك يعطينا فكرة واضحة عن أهمية الأرباح في عملية التنمية .

        كما ان العوامل الاقتصادية وحدها المسئولة في خلق ودعم عملية التنمية ، فلا أحد ينكر هذه العوامل من الشروط الضرورية ولكنها ليست كافية لاحداث التنمية ، فللعوامل الاجتماعية والسياسية والتنظيمية أهمية كبيرة للتنمية .(1)

        ان الرأي التقليدي في التطور الاقتصادي الغربي كان يقول ان السر في توسيع استثمار الموارد يكمن في تكديس رؤوس الأموال ، وان المصدر الرئيسي لهذا التكديس هو إعادة استثمار الارباح الخاصة .

        لكن معظم حكومات البلاد المتخلفة النمو حالياً لاتقنع بهذا الدور ، بسبب ان الاستثمارات العامة ، تؤلف جزءاً كبيراً من مجموع الاستثمارات .فسياسة التنمية الاقتصادية المعاصرة تعطي أهمية كبرى لدور الحكومة في مجالات ثلاث : زيادة الموارد، تخصص الموارد ، إدارة الموارد .

        ويشتد الميل في جميع البلاد المتخلفة النمو إلى جعل الحكومة المحرك الرئيسي للتنمية الاقتصادية وليس نصيب الحكومة من مجموع الاستثمارات كبيراً فقط .

        ولكن في النهاية عادة هناك فجوة بين ماتحاول الحكومة ان تعمله وبين ماتعمله فعلاً .(2)

        وهناك نوعين من التنمية : التنمية الكلاسيكية (المجموعات البؤرية ) والتنمية القاعدية .

        فالأولى تختار مراكز معينة والتركيز في تنمية هذه المواقع البؤرية وذلك على اعتقاد بأن هذه المراكز سوف تكون سبباً بطريق مباشر أو غير مباشر في تنمية وتطوير المراكز المجاورة الأخرى ، وتكون التنمية بهذا الأسلوب سريعة ولكن انتقدت هذه الطريقة من قبل النظام الاشتراكي لما لها من عيوب كثيرة منها ازدياد البطالة داخل المدينة بسبب ازدياد الهجرة إلى هذه المدن على حساب الريف ، وتفاوت الدخول للأفراد وتناقص الموارد الغذائية بسبب هجرة الريفيين وترك اراضيهم وزيادة الطلب في المدينة مما أدى إلى زيادة الأسعار .

        لكن هذه الدول الاشتراكية التي انتقدت هذه النظرية لم تقدم البديل أو حلولاً تحل محل هذه النظرية .

        اما التنمية الثابتة ( القاعدية ) الموجهة من قبل الحكومة وذات مردود ضعيف على الدولة وذات تنمية بطيئة إذا ماقورنت بالتنمية البؤرية .

        وترى هذه النظرية بدلاً من ادخال الامكانيات الآلية الضخمة والمجتمع لايستوعبها يفضل ان تقوم بتطوير الامكانيات المحلية وهذا ماحدث في الصين والهند(1).

        فمعظم النظريات تركز على الخطط القومية دون الخطط المحلية كالبنية الأساسية وقنوات الاتصال بين المخططين والشعب ، وانصهار الأمة في بوتقة واحدة (3) .

        لكن هل هناك نظرية خاصة بالإسلام ؟ هذا سؤال فالكتب التي وقعت تحت يد الباحث تدور حول الجانب الاصولي ( الثابت ) والجانب التطبيقي ( الاجتهادي ) وهناك نظريات حول المعاملات ولم تتطرق إلى محاولة ايجاد نظرية اسلامية في التخطيط والتنمية ، ومن خلال استعراضنا للجانبين الاصولي والتطبيقي في الإسلام فالنظريات الاقتصادية الكلاسيكية والحديثة وتحليل التنمية يؤيدها الاسلام ويمكن للباحث في ضوء ذلك أن يصوغ نظرية عن التخطيط والتنمية من وجهة نظر الإسلام :

1)     فمعيار التخطيط والتنمية في الإسلام هو المنفعة العامة ورعاية المحتاجين كمبدأ اولي عند التخطيط .

2)     الإسلام لا يؤمن بالتخطيط عن طريق الاقناع فقط ، ففي وسع الدولة الإسلامية ان توجه جميع الموارد المادية والبشرية اذا اقتضى الأمر ذلك في سبيل منفعة الأمة ككل . كما فعل عمر بن الخطاب في استعادة بعضاً من الأرض التي كان صلى الله عليه وسلم قد منحها لبلال بن الحارث ، وهذا دليل قوي على ان التخطيط في الإسلام كان يعتمد إلىحد كبير على المبادأة الفردية وتقوم في نفس الوقت بدور مزدوج في كبح جماح الأفراد والتعجيل بعملية التنمية ، وهكذا الاسلام يتضمن أفضل طريقة علمية للجمع بين النقيضين .

3)     التخطيط في الإسلام يسعى للجمع بين مطالب النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية .

4)     يهدف الإسلام إلى تحقيق التوازن كمبدأ أساسي في عملية التخطيط والتنمية حيث يقول ابن القيم ( اذا فكر الإنسان في الشرائع التي وضعها الله تعالى لعباده لوجد أنها تهدف كلها إلى تحقيق التوازن بين المنافع ، إذا حدث تعارض تعطي الأولوية للأهم فالمهم ، وتسعى هذه الشرائع ايضاً إلى منع حدوث الضرر . وإذا كان الضرر حتمياً ، يفضل اهون الشرين ) .

5)     تنمية الاقليم سابقة لجمع الايرادات والضرائب وهذا ماقاله علي رضي الله عنه لواليه بمصر ( وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ، لأن ذلك لايدرك إلا بالعمارة ، ومن طلب الخراج من غير عماره اخرب البلاد ) .

6)     يجب ان تعالج الدولة الإسلامية المواد من زاوية تقدير اقصى حجم للموارد التي تستطيع الجماعة ان تسخرها من أجل التنمية .

7)     الملكية في نظر الإسلام الأصل فيها الملكية الخاصة والاستثناء هو الملكية العامة إذا اقتضت الضرورة ، وبذلك الإسلام يقرر الملكيتين الخاصة والعامة في وقت واحد ، كلاهما أصل وليس استثناء ، وكلاهما ليس مطلقاً بل هو مقيد الصالح العام .

         وبذلك الفرد في الإسلام يكون ذو صفتين في وقت واحد ، صفته كفرد مستقيل وصفته كعضو في جماعة وفي النهاية يكون مشتمل عليهما معاً ومستجيب لهما معاً ، وبذلك التشريع يتمشى مع الفطرة ويوازن بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية ، ومصالح كل فرد وغيره من الأفراد الذين يتكون منهم المجتمع دون ان يفي احدى النزعتين لحساب الاخرى .

8)     المحافظة على التوازن الاقتصادي في المجتمع وعدم حصر الثروة في أفراد محددة يؤدي إلى احتمال اقامة دولة من العسف والطغيان . إذا فالاقتصاد الإسلامي مؤسس على رعاية المصلحة العامة ، وقائم على محاربة طغيان رأس المال الكبير. من غير غلو ولاتطرف ، على عكس ماتدعو إليه كل النظريات الاقتصادية في العالم بتنمية الأموال الضخمة وتدعيمها .

9)     وجوب تداول الثروات لإفادة المجتمع من هذه الثروات وعدم كنزه في خزنه بعيدة عن التداول ، ولأن المال وسيلة وليست غاية ، أوجد له مصارف عديدة لابد للمسلم من أن يحققها لتنمية المجتمع ، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اتجروا في أموال اليتامي لا تأكلها الزكاة " (1)

10)   ويطالب الإسلام الدولة في حالة المجاعات والأوبئة والحروب التساوي في الكفاف وهذا مايقوله عمر بن الخطاب ( ما من أحد الا وله في هذا المال حق ، الرجل وحاجته ، الرجل وبلاؤه ) ويقول ( انا حريص على الا أدع حاجة الا سددتها مااتسع بعضنا لبعض ، فإذا عجزنا تآسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف .

         ويقول ايضاً في عام المجاعة عام 18 ( لو لم أجد للناس مايسعهم الا ان أدخل على أهل كل بيت عدتهم فيقاسموهم انصاف بطونهم حتى يأتي الله بالحيا - أي المطر - فعلت فانهم لن يهلكوا اعلى انصاف بطونهم ) ويؤدي ذلك انه في الظروف الاستثنائية كمجاعة أو حروب يتساوى المسلمون في حد (الكفاف) وفي الظروف المالية يتساوى المسلمون من حيث توفير ( حد الكفاية ) ومافوق ذلك يكون تبعاً لعمله .

11)   التفاوت الذي يسمح به الإسلام هو التفاوت المنضبط أو المتوازن ، فعلى المستوى الفردي يحفز على العمل والاتقان وعلى المستوى الاقليمي أو العالمي يحقق التكامل لا التناقض والتعاون لا الصراع . أي بالقدر الذي لايكون فيه التفاوت فاحشاً بما يخل بالتوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع والاقاليم .

12)   الاقتصاد الإسلامي هو تغيير للواقع وليس تفسير له .

13)   يجب الاعتماد على الفائض الداخلي وليس على المساعدات الخارجية لتلافي زيادة الديون والفائدة المتراكمة ، ويوسف عليه السلام لم يستعين بأية أموال خارجية ، وانما كان اعتماده فقط على الأموال المتاحة محلياً والعمل الدؤوب المستمر للتنمية وزيادة الانتاج .

14)   وفي الإسلام هناك نوعين من التخطيط حسب وقت الحال :

         أ - التخطيط المباشر في وقت الظروف العادية وأثرها على المشروعات الخاصة فيكون من خلال الحوافز والاعانات والقروض والسياسات الاقتصادية .

         ب - التخطيط العام والشامل والمحكم لكل القطاعات الاقتصادية وأقاليم الدولة ، ومجالات النشاط الاقتصادي المختلفة من انتاج واستهلاك وغيرها ، ولايتم ذلك إلا بمشاركة الجميع من أفراد وحكومة في إعداد الخطط وتنفيذها وتحمل الأعباء وتوزيع العوائد .

        وبذلك اوجب الإسلام تنمية كافة اقاليم الدولة من ريف ومدن ومناطق دانية وقاصية . ودعا إلى العناية بكافة قطاعات الاقتصاد المختلفة خاصة الرئيسية منها وهي الصناعة بمفهومها الواسع الشامل بما في ذلك التعدين والتشييد ، والزراعة والتجار الداخلية والخارجية والنقل والمواصلات ولم يفرق عمر بن الخطاب بين العراق الحديثة العهد بالإسلام في ذلك الوقت وبين اقاليم الدولة الأخرى في العناية بها .

        أي ان التنمية الاقليمية لكافة مناطق وأقاليم الدولة حتى يمكن التغلب على مشاكل الفوارق بين المستويات الاقتصادية والاجتماعية للاقاليم ومساويء التنمية القومية التي تعمل على تحقيق مشاركة هذه الاقاليم في تحقيق أهداف التنمية للمجتمع بأسره ، والتوازن المكاني لعملية التنمية إلى جانب ماتحقق من توازن بين مختلف القطاعات .

        اذا فللإسلام نظريته الخاصة به عن التنمية والتخطيط تخالف النظريات الاقتصادية والتنموية الاخرى .

        وإذا كان هناك اتجاهين للتخطيط والتنمية عن طريق التنمية البؤرية والقاعدية ، فالإسلام يدعو إلى الاتجاهين أي التنمية الريفية والحضرية كما مر بنا ، والتركيز على كافة القطاعات الاقتصادية وكافة قطاعات الدولة الاقليمية وان يكون التخطيط بالاقناع في الظروف العادية ومشاركة الإنسان بنفسه في التخطيط وعدم الفصل بين التخطيط والتنفيذ والتجربة فهي مراحل متصلة .

        وفي نفس الوقت يطالب الإسلام الدولة الاستفادة من خطط الأمم السابقة والحاضرة والاستفادة من تجاربهم ما لايتعارض مع مبادىء الاسلام الأساسية .

        إذا فنظرية الإسلام عن التخطيط والتنمية فهي ليست تنمية بؤرية وليست قاعدية وانما ذات نظام مخالف لتلك النظريتين كما تم ذكره فالبؤرية ذات مساوىء علىالشعب والقاعدية ذات مساوىء على الدولة ( المجتمع ) فالإسلام يجمع بين مصلحة الفرد التي لاتتعارض مع مصلحة الجماعة ( الدولة ) .

 

 

 

 

 

 

 

 

الخاتمة

        نخلص مما سبق أن التنمية يجب ان تتركز في تنمية الإنسان أي في تنمية الطاقة البشرية . وأي اتجاه للتنمية لايركز على الإنسان سوف يجد نفسه في هذه الدائرة المغلقة حيث سيظل دائماً اسير عالم الأشياء الذي يتجدد دوماً وتتجدد معه الحاجة إلى طاقة بشرية قادمة معه ولن يخرج المجتمع من هذه الدائرة المغلقة إلا بموقف اخلاقي يتحدد في أمرين :

-        ان تعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا ، وان تعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ، وهذا كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي نعتبره مبدأ التنمية البنائية .

        فالإسلام وضع لنا المبادىء الإساسية التي ننتهجها في حياتنا التنموية وترك لنا حرية التطبيق في حدود هذه المبادىء حسب كل زمان ومكان وتغير .

        من هذا نجد عمر رضي الله عنه حينما أقدم على أمر جديد فقد راجع تاريخ عشرين دولة مستفيضة الملك راسخة العمران ، لكن لم تعنه فيه السوابق ولم يهتد فيه إلا بما اختار هو أن يهتدي إليه .

        ونخلص من ذلك ان الاقتصاد الإسلامي ( مذهب ونظام ) مذهب من حيث الأصول ونظام من حيث التطبيق ، وأنه ليس في الإسلام سوى مذهب اقتصادي واحد هو تلك الأصول الاقتصادية التي جاءت بها نصوص القرآن والسنة ، وانما في الإسلام تطبيقات أي انظمة اقتصادية إسلامية مختلفة .كما ان فيه اجتهادات أي نظريات اقتصادية متعددة ، اذ تختلف هذه التطبيقات أو الاجتهادات باختلاف الأزمنة والأمكنة.

        فالمجموعة الأولى وهي الأصول الاقتصادية الإسلامية آلهية بحته ، بحيث لايجوز بأي حال من الأحوال الخلاف حولها ، ومن ثم فهي صالحة ملزمة لكل زمان ومكان ، وغير قابلة للتغيير أو التبديل . بخلاف المجموعة الثانية ، وهي التطبيقات الاقتصادية الإسلامية سواء كانت في صورة نظام أو نظم على المستوى العملي أو في صورة نظرية أو نظريات على المستوى الفكري ، فهي كلها اجتهادية بحيث يجوز الخلاف حولها ، وقابلة للتغيير والتبديل باختلاف الأزمنة والأمكنة .

        وهذا الخلاف هو ماعبر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه خلاف تنوع لا خلاف تضاد . وهو ان دل على شيء فانما يدل على مرونة الاقتصاد الإسلامي ، وأنه في حدود أصوله الاقتصادية ، مجال واسع للاجتهاد يترخص فيه المسلمون وفقاً لمصالحهم المتغيرة .

        ومن هنا ندرك خطأ البعض حين ينادي بالعودة إلى النظام الاقتصادي أيام الخلفاء الراشدين ، ذلك ان النظام ليس إلا مجرد نموذج لتطبيق اسلامي هو تطبيق نموذجي بحسب ظروف ذلك العصر ، وانه بعد ان اتسع النشاط الاقتصادي وتنوعت صوره وتشابكت المصالح المادية وتعقدت الحياة الاجتماعية ، قد لا يصلح هذا النموذج ليحكم مجتمعنا المعاصر ، وأن الاقتصاديين المسلمين مطالبون دائماً بايجاد الصيغة الملائمة لكل مجتمع لأعمال المباديء والأصول الاقتصادية والإسلامية .

        ذلك ان تعدد التطبيقات الاقتصادية هو من لوازم المذهب الاقتصادي الإسلامي وذلك بسبب اختلاف ظروف كل مجتمع ، ويكون الحكم على تطبيق معين بأنه إسلامي أو غير إسلامي مرده مدى الالتزام بأصول الإسلام ومبادئه .

 

 

 

المراجع

أولاً : المصادر الأساسية :

-       القرآن الكريم .

-       صحيح البخاري ، ج 3 ، باب المزارعة .

-       صحيح مسلم .

-       عمدة القاري ، صحيح البخاري ، 1 ، 2 .

-       النسائي .

-       الترمذي .

-       أبو داود .

-       الطبراني في الكبير .

-       البيهقي .

-       الحاكم .

-       ابن مردويه .

-       المستدرك على الصحيحين في الحديث للإمام النيسابوري .

-       مسند الامام أحمد ، ج 15 .

-       مجموعة فتاوي ابن تيمية ، ج 6 ، ج 13 ، الرياض .

-       بن مسعود ، الامام النعبوي الحسيني ، مصابيح السنة ، ج3 ، القاهرة .

-       الامام الشافعي ، الموافقات ، ج2 .

-        المعجم الوسيط ، ج 2 ، مجمع اللغة العربية ، القاهرة ، ط 3 ، دار احياء التراث العربي ت 1973م .

-        الرضى ، الشريف ، نهج البلاغة ، ج 3 .

 

ثانياً : المراجع العربية :

- أبو شهبة ، محمد بن محمد ، حلول مشكلة الربا ، محاضرات رابطة العالم الإسلامي ، لعام 1396 - 1397هـ ، مكة المكرمة .

- الحجال ، غريب ، النشاط الاقتصادي في ضوء الشريعة الإسلامية ، دار الشروق بجدة ، 1977م .

- الحبيب ، فايز ابراهيم ، نظريات التنمية والنمو الاقتصادي ، الرياض ، 1405هـ .

- الخفيف ، علي ، الشركات في الفقه الإسلامي ، مطبوعات جامعة الدول العربية ، معهد الدراسات العربية ، 1962م .

- الخولي ، اللهبي ، اسلام لا شيوعية ولا رأسمالية .

- دنيا ، شوقي أحمد ، الإسلام والتنمية الاقتصادية ، دار الفكر العربي ، ط1 ، 1971م .

- دنيا ، شوقي أحمد ، سلسلة اعلام الاقتصاد الإسلامي ، الرياض ، 1984م .

- سفر ، محمد محمود ، التنمية قضيه ، تهامه ، 1980م .

- صالح ، سعاد ابراهيم ، مباديء النظام الاقتصادي الإسلامي ، القاهرة ، 1986م .

- الصدر ، محمد باقر ، اقتصادنا ، بيروت ، 1977م .

- الصدر ، محمد باقر ، فلسفتنا .

- الضباب ، أحمد ، التخطيط والتنمية الاقتصادية في المملكة العربية السعودية ، مطابع دار عكاظ بجدة ، 1401هـ .

- الطحاوي ، سليمان ، عمر بن الخطاب واصول السياسة والإدارة الحديثة .

- عفر ، محمد عبد المنهم ، النظام الاقتصادي في الإسلام ، دار المجمع العلمي بجدة ، 1979م .

- عفر ،محمد عبد المنعم ، التخطيط والتنمية في الإسلام ، جدة ، 1985م .

- عفر ، محمد عبد المنعم ، السياسات الاقتصادية في الإسلام ، مطبعة الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية ، 1980م .

- ماسون ، ادوارد ، ترجمة عبد الغني دالي ، التخطيط الاقتصادي ، بيروت ، 1981م .

- المرصفي ، سعد ، العمل والعمال بين الإسلام والنظم الوضعية المعاصرة ، دار البحوث العلمية ، الكويت ، 1980م .

- منان ، م . أ ، اشرف على الترجمة منصور التركي ، الاقتصاد الإسلامي بين النظرية والتطبيق ، الاسكندرية .

- النجار ، عبد الهادي ، الإسلام والاقتصاد ، الكويت ، 1983م .

- الهمشري ، مصطفى ، النظام الاقتصادي في الإسلام ، دار العلوم ، 1985م .

- ابن الجوزي في سيرة عمر بن الخطاب .

- احمد شلبي ، السياسة والاقتصاد في التفكير الإسلامي .

- في الترغيب والترهيب للمنذري .

- الامام الغزالي ، احياء علوم الدين .

- الخراج ليحي بن آدم .

- برادى فوست ( 1404هـ ) ترجمة نصر الدين بدوي ، الجغرافيا الاقتصادية .

- حسني ، عليه ، 1407هـ ، التنمية نظرياً وتطبيقاً ، دار القلم .

- العوضي ، رفعت ، 1407هـ ، الاقتصاد الإسلامي مصادره في الفقه العام وفي الفقه الحالي ، مكتبة الطالب الجامعي .

 

 

 

ثالثاً : المراجع الإجنبية :

- Rigiby, D. ( 1997) Evilution, Process voriety, and Rigional trajectories of Technologicat change in U.S. manu facturing , Economic Geography, July. pp 269 - 284 .

- Biulding, K.E., The organizational Revolution .

- Mibigunje, A., The Development Process, (1980) .

- Polanyi, M. The Logic of Liverty .

- Stohr , W., (1979) Development From Above or Below : New York .

- Lampard, (1960) The History of citipsin the Economically Advanced Areas .

- Singer, H. (1964) International aevelopment : Groth and change , New York .

- Singer, H, ( 1958) The concept of Bolanced Growth and Development : Theory and Facrs, Texas  .

- Golbraith , J, (1974)  Economics and Public Purpost Boston.

- Chodok, S. (1973) Social Development , oxford .

- Webber, P. (1997( Evolution , Process Variety and Rigional Trajectories of Technolegical change in U.S. Manufacturing” Economic Geography . July pp. 269-284 .

- Cisners, H. (1995) Vrban Entreprneve ialism and natieal Economic Growth, Washingron .

 

 


(1) K. E. Biugding, The Organizational Revolution . p. xxix                                  

(2)                                                                .M. Pilanyi, The Logic of levertg , pp. 154

(1) عفر ، محمد عبد المنعم ، التخطيط والتنمية في الإسلام ، ص 282 .

(2) النجار ، عبد الهادي ، الإسلام والاقتصاد ، ص 229 .

(1) عفر ،محمد عبد المنعم ، التخطيط والتنمية في الإسلام ، ص 282 - 284 .

(2) المرجع السابق  ، ص 283 .

(3) النجار ، عبد الهادي علي ، الإسلام والاقتصاد ، ص 229 .

(1) المرجع السابق ، ص 230 .

(1)  عفر ، محمد عبد المنعم ، السياسات الاقتصادية في الإسلام ، ص 163 .

(2) سفر ، محمود محمد ، التنمية قضية ، ص 115 .

(3) عفر ، محمد عبد المنعم ، السياسيات الاقتصادية في الإسلام ، ص 163 .

(4) المعجم الوسيط ، مجلد 2 ، ص 956 .

(1) الضباب ، أحمد ، التخطيط والتنمية الاقتصادية في المملكة العربية السعودية ، ص 26 .

(2) برادي فوست وانتوني ديوزا ، ترجمة د . نصر الدين بدوي ، الجغرافيا الاقتصادية ، ص 387 .

(1) Lampard , ( 1980 )” The History of Cities in the Economically Advanced Areas Singer, H ( 1964 ) international Development : Groth and change, New York .

(1) Galbraith , J. ( 1974 ) Economics and Public Purpose , Boston                        

(2)  Chodadk, s ( 1973) Social Developmont , oxford U.P. New York                     

(1) عليه حسين ، ( 1406) التنمية نظرياً وتطبيقياً ، دار القلم .

(2) Webber, D, ( 1997) Evolution , Process Variety and Rigionol Trajectories of technological change in U.S. manufacturing Economic Goography. July , pp. 269 - 284 .                                                                                                                   

(1) Cisaers,H, ( 1995) Vrban Entreprneueuriailism and natieal Economic growth. Washington  .                                                                                                         

(2)  Rigiby, D, (1997)  “ Evolution, process variety, and Rigional trajectories of Technological change in U,S. manufacturing  “ Econmic Geography. July. pp. 269 - 284 .                                                                                                               

(3) الطحاوي ، سليمان ، عمر بن الخطاب وأصول السياسية والإدارة الحديثة ، ص 18 .

(1) دنيا ، شوقي أحمد ، الإسلام والتنمية الاقتصادية ، ص 90 .

(2) الفنجري ،محمد شوقي ، الوجيز في الاقتصاد الإسلامي . ص 45 .

(1) الفنجري ، محمد شوقي ، المرجع السابق ، ص 45 .

(1) انظر مجموعة فتاوي ابن تيمية ، طبعة الرياض ، جزء 6 ، ص 59 ، وجزء 13 ص 34 .

(1) النمري ،محمد ، 1406هـ ، دراسة السياسة الاقتصادية الإسلامية ن الفرزدق التجارية ، الرياض ,

(2) عبد الجواد ، محمد ( 1971م ) ، ملكية الأراضي في الإسلام ، القاهرة .

(3)  العوضي ، رفعت ، الاقتصاد الإسلامي ، مصادره في الفقه العام وفي الفقه المالي ، مكتبة الطالب الجامعي .

(1) العربي ، محمد عبد الله ، نظام الحكم في الإسلام ، دار الفكر .

(1) الفنحري ،محمد ( 1406هـ ) ، ذاتية السياسة الاقتصادية الإسلامية ، دار ثقيف ، الرياض .

(2) انظر المستدرك على الصحيحين في الحديث ، للأمام النيسابوري المعروف بالحاكم ،مكتبة النصر الحديثة بالرياض ، الجزء الثاني ، ص 3 .

 

(1) المصدر ، محمد باقر ، فلسفتنا .

(1) المصدر ، محمد باقر ، اقتصادنا ، ص 290 - 294 .

(2) الذاريات : 58 .

(3) الفنجري ، محمد شوقي ، مفهوم ومنهج الاقتصاد الإسلامي ، ص 99 .

 

(1) سبأ : 58 .

(2) عفر ، محمد عبد المنعم ، السياسات الاقتصادية في الإسلام ، ص 175 - 177 .

(3) التركي ، منصور ، الاقتصاد الإسلامي بين النظرية والتطبيق / ص 298 .

(4) الحديد : 57  .

(5) صالح ، سعاد ابراهيم ، مبادىء النظام الاقتصادي الإسلامي ، ص 99 - 100 .

(1)  العربي ، محمد عبد الله ، الاقتصاد الاسلامي والاقتصاد المعاصر ، ص 209 .

(2) المائدة : 17 .

(3) المائدة : 17 .

(4) الأنعام : 102 .

(5) البقرة : 29 .

(6) هود : 61 .

(7) الانعام : 165 .

(1) الفنجري ، محمد شوقي ، ذاتية السياسة الاقتصادية الإسلامية ، ص 40 .

(1) قطب ، سيد ، شبهات حول الإسلام ، ص 91 - 94 .

(2) أخرجه الشيخان : البخاري ومسلم .

(3) أخرجه النسائي .

(1) بن مسعود ، الامام البغوي الحسين ، مصابيح السنه ،ج 2 ، ص 17 - 18 .

(2) الخفيف ، علي ، الشركات في الفقه الإسلامي ، 5 - 6 .

(3) قطب ، سيد ، العدالة الاجتماعية في الإسلام ، ص 115 .

(1) الفنجري ، محمد شوقي ، ذاتية السياسة الاقتصادية الإسلامية ، ص 43 .

(2) مسند الامام أحمد، ج15 رقم 3655 .

(3) الامام الشاطبي ، الموافقات ، ج 2 ، ص 209 .

(1) الحشر : 9 .

(2) الإنسان : 3 .

(3) قطب ، سيد ، دراسات إسلامية، ص 54 .

(4) الحشر : 9 .

(5) قطب ، سيد ، شبهات حول الإسلام ، ص 82 .

(1) الحشر : 7 ، 8 .

(2) قطب ، سيد ، العدالة الاجتماعية في الإسلام ، ص 116 - 117 .

(1) رواه مسلم وأبو داود .

(2) عبد رب الرسول ، علي ، المبادىء الاقتصادية في الإسلام ، ص 107 ، ص 108 .

(3) رواه أحمد .

(4) رواه البخاري .

(1) احمد شلبي ، السياسة والاقتصاد في التفكير الإسلامي ، ص 201 .

(2) السيوطي ، الجامع الصغير .

(3) التوبة : 34 .

(4) رواه البخاري .

(5) آل عمران : 180 .

(1) صالح ، سعاد ابراهيم ، مبادىء النظام الاقتصادي الإسلامي ، ص 78 - 79 .

(2) الحشر : 7 .

(3) العلق : 7 .

(4) قطب ،محمد ، الاقتصاد الإسلامي بين الرأسمالية والشيوعية ، ص 9 - 10 .

(5) عبد رب الرسول ، علي ، المبادىء الاقتصادية في الإسلام ، ص 104 ، 105 .

(1) قطب ،محمد ، الاقتصاد الإسلامي بين الرأسمالية والشيوعية ، ص 10 .

(2) صالح ، سعاد إبراهيم ، مبادىء النظام الاقتصادي الاسلامي ، ص 79 .

(3) الاعراف : 31 .

(1) البقرة : 278 .

(2) عفر ، محمد عبد المنعم ، النظام الاقتصادي الإسلامي ، ص 38 .

(1) رواه مسلم .

(2) مسند الامام أحمد .

(3) قطب ، سيد ، العدالة الاجتماعية في الإسلام ، ص 129 .

(4) الاسراء : 26 .

(5) المعارج : 24 ، 25 .

(1) النساء : 32 .

(2) الاحقاف : 19 .

(3) دنيا ، شوقي أحمد ، سلسلة اعلام الاقتصاد الإسلامي ، ص 109 .

(4) ابن الجوزي ، سيرة عمر بن الخطاب ، ص 101 .

(5) اابن الجوزي ، سيرة عمر بن الخطاب ، ص 316 .

(6) الفنجري ، محمد شوقي ، الاسلام والمشكلة الاقتصادية ، ص 145 .

(1) ابو شهبة ، محمد بن محمد ، حلول لمشكلة الربا ، محاضرات رابطة العالم الإسلامي ، ص 101 .

(2) النمل : 71 .

(3) الاحقاف : 19 .

(4) النساء : 94 ، 95 .

(5) الحجرات : 13 .

(6) اخرجه البخاري .

(1) الحشر ، 7 .

(2) النساء : 5 .

(3) هود : 216 .

(4) البقرة : 219 .

(5) البقرة : 195 .

(1) آل عمران : 180 .

(2) رواه الترمذي .

(3) الحشر .

(1) قطب ، محمد ، الاقتصاد الإسلامي بين الرأسمالية والشيوعية ، ص 15 .

(1) طه ، 185 .

(2) الاعراف ، 199 .

(1)  قطب ، سيد ، معالم في الطريق ، ص 149 .

(2) عفر ، محمد عبد المنعم ، السياسات الاقتصادية في الإسلام ، ص 175 .

(3) نفس المرجع السابق ، ص 177 .

(4) الاعراف ، 58 .

(1) يوسف ، 111.

(2) يوسف ، 111 .

(3) الروم ، 42 .

(4) النساء 26.

(5) النحل 43 .

(6) رواه الترمذي .

(7) الحج ، 46 .

(8) عفر ، محمد عبد المنعم ، النظام الاقتصادي الإسلامي ، ص 44 ، 45 .

(1) البقرة ، 279 .

(1) اخرجه البخاري والترمذي .

(2) النجار ، عبد الهادي علي ، الإسلام والاقتصاد ، ص 220 - 221

(3) يوسف : 47 .

(4) يوسف : 47 .

(1) يوسف : 47 .

(2) يوسف : 48 .

(3) يوسف : 49 .

(4) الكهف : 94 .

(1)  الكهف : 94 .

(2) الكهف : 96 .

(3) الكهف : 96 .

(4) الكهف : 97 .

(5) الكهف : 98 .

(6) انظر :

- النجار ، عبد الهادي علي ، الإسلام والاقتصاد ، ص 217 0 230 .

- المرصفي ، سعد ، العمل والعمال بين الإسلام والنظم الوضعية المعاصرة ، ص 153 .

- عفر ، محمد عبد المنعم ، التخطيط والتنمية في الإسلام ، ص 288 .

(1) الكهف : 94 .

(1) الترغيب والترهيب للمنذري 2/111 .

(1) الأعراف : 10 .

(2) البقرة : 29 .

(1) عفر ، محمد عبد المنعم ، النظام الاقتصادي الإسلامي ، ص 51 .

(1) عفر ، محمد عبد المنعم ، السياسات الاقتصادية في الإسلام ، ص 245 - 255 .

(2) اخرجه أحمد وابو داود والنسائي .

(3) أخرجه البخاري ومسلم .

(4) اخرجه ابو داود والنسائي .

(5) الامام الغزالي ، احياء علوم الدين ، كتاب ذم الدنيا ، الجزء الثالث ، ص 198 .

(1) رواه البخاري .

(2) رواه الطبراني في الكبير والبيهقي .

(3) رواه ابن مردويه .

(4) شهبه ، محمد بن محمد ، محاضرات رابطة العالم الإسلامي ، عام 96هـ ، حلول لمشكلة الربا .

(5) الترغيب والترهيب ، ج 2 ، ص 524 .

(6) المائدة ، 90 .

(1) رواه البخاري .

(5) الزخرف ، 32 .

(1) دنيا ، شوقي أحمد ، سلسلة أعلام الاقتصاد الإسلامي ، ص 100 - 101 .

(2) القصص ، 26 .

(3) النحل ، 92 .

(4) رواه البيهقي .

(5) سبأ : 11 .

(6) يوسف : 54.

(1) الزمر : 9 .

(2) البقرة : 29 .

(3) هود : 61 .

(4) الأنعام : 165 .

(5) لقمان : 20 .

(1) عبد رب الرسول ، علي ، المبادىء الاقتصادية في الإسلام ، ص 19 .

(2)  قطب ، سيد ، شبهات حول الإسلام ، ص 80 .

(3) رواه الامام أحمد وأبو داود .

(1) رواه البخاري .

(2) رواه مسلم .

(1) رواه الحاكم .

(2) القصص : 26 .

(3) رواه أحمد .

(4) رواه البخاري .

(5) رواه أحمد .

(1) رواه ابن ماجه .

(2) صحيح البخاري ، ج 3 ، باب المزارعة ، ص 128 .

(1) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ، ج 12 ، ص 153 .

(2) الخراج ليحي بن آدم .

(3) عبد رب الرسول ، علي ، المبادىء الاقتصادية في الإسلام ، ص 107 .

(1) دنيا ،شوقي أحمد ، سلسلة اعلام الاقتصاد الإسلامي ، ص 34 - 40.

(1) الخولي ، اللهبي ، الإسلام لاشيوعية ولا رأسمالية ، ص 6 .

(2) الجحال ، غريب ، النشاط الاقتصادي في ضوء الشريعة الإسلامية ، ص 26 .

(1) عفر ، محمد عبد المنعم ، السياسات الاقتصادية في الإسلام ، ص 178 .

(2) المزمل : 20 .

(1) عويس ، عبد الحليم ، الطريق إلى اقتصاد إسلامي معاصر ، ص 144 - 146 .

(2) دنيا ، شوقي أحمد ، سلسلة اعلام الاقتصاد الإسلامي ، ص 217 .

(1) العقاد ، عباس محمود ، عبقرية عمر ، ص 122 ، 123 .

(1) رواه البخاري ومسلم .

(2) رواه البخاري .

(3) أخرجه الإمام أحمد في مسنده .

(4) رواه البخاري .

(5) رواه البخاري .

(1) رواه البخاري .

(2) عفر ، محمد عبد المنعم ، المرجع السابق ، ص 44 .

(1) عفر ، محمد عبد المنعم ، التخطيط والتنمية في الإسلام ، ص 192 .

(1) الفنجري ، محمد شوقي ، الوجيز في الاقتصاد الإسلامي ، ص 18 .

(2) مجموعة فتاوي ابن تيمية ، ج 6 ، ص 58 ، ج 13 ، ص 34 .

(1) الحبيب ، فايز ابراهيم ، نظرية التنمية والنمو الاقتصادي .

(2) ماسون ، أدوارد ، ترجمة عبد الغني الدلي ، التخطيط الاقتصادي ، ص 35 - 40 .

(1) Stohr, W, Development From Above Below ? pp, 37 - 69.                                   

(3) Mobogvnje, A , The Development Process.                                                              

(1) الموطأ ، ص 167 .