من أسرار تعدية الفعل في القرآن الكريم

  

أ.د / يوسف بن عبد الله الأنصاري

أستاذ ورئيس قسم البلاغة والنقد - بكلية اللغة العربية - جامعة أم القرى

  

ملخص البحث

 

يتكون هذا البحث : من مقدمة وتمهيد، وفصلين، تناول الباحث في المقدمة أهمية البحث، وفي التمهيد حدد مفهوم التعدية عند النحاة، وفي الفصل الأول تناول جهود العلماء في دراسة تعدية الفعل، وفي الفصل الثاني تناول بعض الأفعال التي وردت في القرآن متعدية بحروف الجر وكشف عن الأسرار البلاغية من وراء تنوع تعدية الفعل الواحد بحروف الجر المتعددة.

ويهدف هذا البحث إلى إبراز بلاغة القرآن الكريم في تنوع تعديته للفعل بحروف الجر المختلفة.

ومن أهم النتائج التي أسفرت عنها الدراسة:

أن الفعل حين يعدى بحروف الجر المتعددة يكتسب معها من الدلالات البلاغية التي تتنوع بتنوع معاني حروف الجر الداخلة عليه.

 

 

  

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة البحث

 

الحمد لله الذي أنزل القرآن فأعجز الثقلين بفصاحة بيانه، والصلاة والسلام على من أعطي جوامع الكلم فأسر القلوب بحلاوة بيانه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه المتمسكين بسنته وقرآنه وبعد.

فما زالت بلاغة القرآن ميدانا فسيحا للبحث والدراسة تنتظر جهود الباحثين لإبراز ما تحتويه أساليب القرآن من روائع البلاغة وأسرار الإعجاز.

ولا شك أن بحوث البلاغة التطبيقية التي تتخذ من النصوص البليغة كالقرآن الكريم والبيان النبوي والشعر العربي الرصين ميدانا لها تعيد للبلاغة العربية وجهها المشرق الناضر، وتؤكد في الوقت ذاته على قدرة البلاغة العربية في دراسة النص الأدبي، واستنطاقه بحثا عن جوانب الإبداع فيه، وغوصا لإدراك مقاصد النص وأسراره المتنوعة.

وهذا البحث الذي بين يديك يعد من بحوث البلاغة القرآنية، جعلت عنوانه "من أسرار تنوع تعدية الفعل في القرآن الكريم" هدفت من خلاله إلى إبراز بلاغة القرآن الكريم في تنوع تعديته للفعل الواحد بحروف الجر المختلفة.

وغير خاف أن لتعدية الفعل بحروف الجر في القرآن الكريم أهمية عظمى وأثرا كبيرا في إبراز مقاصد التعبير القرآني، بل إن الوقوف على أسرار الإعجاز في القرآن يتوقف على أمور منها : إدراك دلالات حروف الجر وما تشيعه على سياقاتها من الدلالات والإيحاءات التي تحتاج من الدارس للوقوف عليها إلى مكابدة ومعاناة وإطالة تأمل حتى يستطيع النفاذ إلى ما تشي به حروف الجر من أسرارها المتنوعة التي تخلعها على الأفعال الداخلة عليها.

وتعود أهمية هذا الموضوع إلى أمرين:

أولهما: لارتباطه بفقه الدلالة التي يعول في إدراكها على السياق وإطالة التأمل وإدامة النظر فيه للوقوف على ما توحي به الألفاظ من خفي الدلالات التي لا تسفر عن وجهها وتكشــــف

لثامها إلا لذي حس مرهف وذوق مدرب.

ثانيهما: لدقة مسلكه وغموضه وخفائه على بعض العلماء، من ذلك ما ذكره الإمام الخطابي(ت 388هـ)  عن "مالك بن دينار قال: جمعنا الحسن لعرض المصحف أنا وأبا العالية الرياحي ونصر بن عاصــم الليثي وعاصما الجحدري، فقال رجل يا أبا العالية قول الله تعالى في كتابه ] فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون(1)[ ما هذا السهو؟ قال الذي لا يدري عن كم ينصرف، عن شفع أو عن وتر، فقال الحسن: مه يا أبا العالية ليس هذا بل الذين سهوا عن ميقاتهم حتى تفوتهم، وقال الحسـن: ألا ترى قوله عز وجل ]عن صلاتهم[، ويضيف الخطابي قائلا " قلت: وإنما أتى أبو العالية في هذا حيث لم يفرق بين حرفي عن وفي، فتنبه له الحسن فقال: ألا ترى قوله ]عن صلاتهم[ يؤيد أن السهو الذي هو الغلط في العدد إنما يعرض في الصلاة بعد ملابستها، فلو كان هو المراد لقيل: في صلاتهم ساهون، فلما قال ]عن صلاتهم[ دل على أن المراد به الذهاب عن الوقت(2)".

ومن ذلك ما ذكره الخطابي في تخطئة العلماء لابن قتيبة الدينوري قائلا " ونظير هذا ما قاله القتبي في قوله تعالى ] ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين(3) [.

زعم أنه من قوله: عشوت إلى النار أعشو إذا نظرت إليها، فغلطوه في ذلك وقالوا: إنما معنى قوله: ]ومن يعرض عن ذكر الرحمن[، ولم يفرق بين عشوت إلى الشيء وعشوت عنه، وهذا الباب عظيم الخطر، وكثيرا ما يعرض فيه الغلط، وقديما عني به العربي الصريح فلم يحسن ترتيبه وتنزيله"( 4).

ومن ذلك ما قاله البطليوسي عند حديثه عن "على" بقوله: [اعلم أن أصل "على" العلو على الشيء وإتيانه من فوقه كقولك: أشرفت على الجبل، ثم يعرض فيها إشكال في بعض مواقعها التي تتصرف فيها، فيظن الضعيف في هذه الصناعة أنها قد فارقت معناها، فمن ذلك قول القائل: زرته على مرضي، وأعطيته على أن شتمني، وإنما جاز استعمال "على"

الشيء المعقول شبه بالشيء المحسـوس فخفي ذلك على من  لا دربة له في المجازات والاستعارات(5)".

 

 

ويتكون هذا البحث من مقدمة وتمهيد وفصلين على النحو التالي:

الفصل الأول: جهود العلماء في دراسة تعدية الفعل

الفصل الثاني: من أسرار التعدية في القرآن الكريم

 

أسأل الله الكريم التوفيق وأن يرشدني إلى طريق الهداية والصلاح، وأن يسدد خطاي فيما حسنت فيه نيتي وأن ينفع بهذا العمل إنه أعظم مسئول وبالإجابة جدير، والحمد لله أولا وآخرا.

 

 

 

 

 

      تمهيد

مفهوم التعدية عند النحاة

 

الفعل بين لزومه وتعديته عند النحاة

للفعل في الدراسات النحوية تقسيمات متعددة منها تقسيمه من حيث الإعراب والبناء إلى معرب ومبني، ومنها باعتبار زمنه إلى ماض وحاضر ومستقبل ومنها باعتبار تعديه ولزومه إلى لازم ومتعد، ويهمنا منها التقسيم الأخير لأنه موضع عناية هذه الدراسة.

واللازم هو الفعل الذي يكتفي برفع الفاعل ولا ينصب بنفسه مفعولا به أو أكثر وإنما ينصبه بمعونة حرف جر أو غيره مما يؤدى إلى التعدية(6).

والمتعدي: هو الفعل الذي ينصب بنفسه مفعولا به أو اثنين أو ثلاثة من غير أن يحتاج إلى مساعدة

حرف جر أو غيره مما يؤدى إلى تعدية الفعل اللازم (7).

وغير خاف أن لكل حرف من حروف الجر معناه الذي يباين به غيره، وحين تدخل حروف الجرعلى الفعل لتوصل أثره في الاسم المعدى يكتسب معها الفعل من الدلالات التي تتنوع بتنوع معاني حروف الجر الداخلة عليه، بل حسبك أن تعلم أن حرف الجر يستطيع أن يقلب دلالة الفعل إلى النقيض فيصير للفعل الواحد أكثر من معنى بسبب اختلاف دلالة حرف الجر الذي تعدى به الفعل, وفي هذا الصدد يقول الراغب (ت425هـ) "فإذا قيل: رغب فيه وإليه يقتضي الحرص عليه قال تعالى ] إنا إلى ربنا راغبون(8)[  وإذا قيل: رغب عنه اقتضى صرف الرغبة عنه والزهد فيه نحو قوله تعالى  ] ومن يرغب عن ملة إبراهيم(9)[(10)".

 أرأيت كيف انقلبت دلالة الفعل إلى النقيض فحين عدى بإلى دل على الحرص عليه وحين عدى بحرف المجاوزة "عن" دل على عدم الرغبة والزهد فيه.

وحين نتتبع مواطن ورود هذا الفعل في القرآن الكريم نجده فد جاء معدى بالباء وفي وعن فاكتسب من المعاني المختلفة بما خلعته عليه حروف الجر من معانيها.

[فهو حين عدى إلى المرغوب بفي الظرفية التي تقتضي أن المرغوب احتوى الرغبة كما يحتوى الظرف على المظروف، أنبأ ذلك عن معنى الحرص وكأنه أفرغ كل رغبته فيه، وحين عدى بالى التي تدل على انتهاء الغاية، أفاد انصراف الراغب إلى مرغوبه، وتوجهه إليه، وانصرافه عما عداه "إنا إلى ربنا راغبون(1)" وحين عدي بحرف المجاوزة، دل بما اكتسبه من معنى هذا الحرف على الانصراف عن الشيء وتجاوزه كقوله تعالى "ومن يرغب عن ملة إبراهيم(2)" وحين عدي بالباء التي تفيد الإلصاق كما في قوله تعالى "ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه(3)" دل على الضن والبخل بها، لأن إلصاق الرغبة بالأنفس يدل على شدة الارتباط بها وعدم التفريط فيها.

فهذه المعاني التي تواردت على فعل الرغبة إنما اتسع لها بحكم ما اكتسبه من معاني الحروف التي وصل بها، وما أشاعته فيه من دلالاتها (3)].

 وهذا الفعل "بعث" عدي في القرآن الكريم باللام وإلى وعلى وفي ومن فتجدد له من المعاني بتنوع معاني حروف الجر الداخلة عليه التي يعين على إبرازها السياق العام والمقام،فحين عدي بمن في قوله تعالى "ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات.....(5)" دل على أن ابتداء بعث الرسل إلى أقوامهم كان بعد نوح عليه السلام.

يقول الزمخشري [ "من بعده" من بعد نوح "رسلا إلى قومهم" يعني هودا وصالحا وإبراهيم وشعيبا (6)]".

_______________

(1)التوبة 59                   

(2) البقرة 130                            

(3)التوبة 120

(4) من أسرار حروف الجر في الذكر الحكيم ص 8                    

(5) يونس 74

(6)الأعراف 103

ونظير الآية السابقة قوله تعالى "ثم بعثنا من بعده موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه(1)" فمن دلت على ابتداء تتابع بعث الرسل إلى أقوامهم امتنانا من الله عليهم في عدم تركهم بلا رسول يدعوهم إلى عبادة الله وحده وينذرهم عذابه الشديد.

وحين عدى الفعل بعث بحرف الاستعلاء في قوله تعالى "فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليهم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا(2)" دل على الضرر والهلاك.

غير أن الطاهر بن عاشور ذهب إلى القول بالتضمين بقوله [وتعدية "بعثنا" بحرف الاستعلاء لتضمينه معنى التسليط كقوله "ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب(3)" (4) ].

ولا يخفى أن التضمين الذي يقول به الطاهر ما هو إلا محاولة لتصحيح معنى التعدية ونحن في غنى عن الذهاب إليه ما دام حرف الاستعلاء بدلالته قد أوحى بمعنى الضرر والهلاك.

وحين عدي بحرف الاختصاص اللام في قوله تعالى"إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا.....(5)" دلت أن المراد بالبعث خير المرسل إليهم ونفعهم وأن بعثه كان لهم ولأجلهم.

وحين أريد بالبعث الإبلاغ وإنهاء الرسالة إلى المرسل إليهم جاءت إلى دالة على نلك كما في قوله تعالى "ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا(6)".

وحين عدي بحرف الظرفية "في" في قوله تعالى "وهو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة(7)" دل حرف الظرفية على أن المبعوث واحد من  أوساطهم معروف لهم وليس مجهولا لهم نائيا عنهم، وفي ذلك من النعي على عقول من كفروا به والتسجيل عليهم، والتأكيد على جحدهم للحق مع ظهور أدلته لهم، ويقينهم بصدق من أرسل إليهم

لأنه يعيش بينهم ويتقلب فيهم(8).

_______________

(1) الكشاف 2/246

(2)الإسراء 5                                          

(3)الأعراف 167             

(4)التحرير والتنوير 15/30

(5) البقرة 147                

(6) يونس 75                  

(7) الجمعة 2

(8) انظر من أسرار حروف الجر ص 146 وما بعدها

كل هذه المعاني المتباينة للفعل بعث إنما كانت له بسبب تنوع حروف الجر المتنوعة الداخلة عليه.

وإذا كانت تعدية الفعل حين يعدى بأكثر من حرف من حروف الجر- لكون تعديته بها مشهورة وشائعة على ألسنة الفصحاء أو كثر ورود تعديته بها في القرآن الكريم -قد خفيت على بعض  العلماء وأخطأ فيها بعضهم لصعوبتها إذ إن الخطأ وإن وقع يكون في عدم إدراك بعض الفـروق

 والدلالات التي تشي بها حروف الجر، ومع ذلك كله فإن الأمر يظل مقدورا عليه، بل وفي مكنة المتأمل الذي يصغي السمع لما تهمس به حروف الجر من المعاني المتنوعة التي تخلعها على الفعل المعدى بها.

وغير خاف في أن إدراك مثل هذه الفروق يكون صعبا للغاية حين يتعدى الفعل بحرف من حروف الجر ليس من شأنه أن يتعدى به إما لأنه يتعدى بنفسه، وإما لشيوع تعديته بحرف آخر على ألسنة الفصحاء، أو في البيان القرآني [فإذا ما خولف المعروف والمشهور من هذه التعدية فإن الآراء حينئذ تتباين، والمذاهب تتعدد في تفسير هذه المخالفة، وأكثرها لا يعنى بالوقوف على أسرار المخالفة، واستجلاء أغراض النظم بقدر ما يعنى بإيجاد تبرير لهذا الخروج، والاستشهاد على صحته، مما نطق به العرب، أو نزل به الروح الأمين (1)].

ومن ثم نجد لعلماء النحو حين يتعدى الفعل بحرف ليس في أصل الاستعمال أن يتعدى به رأيين:

أولهما: رأى الكوفيين:

فالكوفيون ومن سار على نهجهم يذهبون إلى القول بتناوب حروف الجر بعضها عن بعض فيقولون مثلا أن في بمعنى على، وعلى تكون بمعنى في أو بمعنى مع وهكذا.

ويعد ابن قتيبة من أوائل العلماء الذين أشاروا إلى تناوب حروف الجر مواضعها حيث أفرد في كتابه تأويل مشكل القرآن بابا أطلق عليه باب دخول بعض حروف الصفات مكان بعض(2) ثم تعاقب العلماء من بعده على تأليف كتب في معاني الحروف ذكروا فيها للحرف الواحد معناه الأصلي المستعمل في كلام العرب ثم معانيه الأخرى التي يتناوبها مع حروف الجر الأخرى(3).

_______________

(1) من أسرار حروف الجر ص 12              

(2) أنظر تأويل مشكل القرآن تحقيق السيد صقر ص 566- 576 وأدب الكاتب لابن قتيبة تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد 394- 415.

(3) أنظر الأزهية للهروي ومعاني الحروف للرماني، وحروف المعاني للزجاجي، ورصف المباني للمالقي ومغني اللبيب.

ثانيهما: رأي البصريين:

يذهـب البصـريـون إلى القول بتضمين الفعل معنى فعل يتعدى بذلك الحرف، وقد أشار المرادي إلـى هذين المذهبيـن بقولـه [مذهب الكوفيين ومن وافقهم أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض،

ومذهب البصريين إبقاء الحرف على موضوعه إما بتأويل يقبله اللفظ، أو بتضمين الفعل معنى فعل أخر يتعدى بذلك الحرف، وما لا يمكن فيه ذلك فهو من وضع أحد الحرفين موضع الآخر على سبيل الشذوذ (1)].

ولا يخفى أن كلا الرأيين ما هو إلا محاولة من العلماء لبيان المعنى وتصحيح التعدية،و صرف لهمم الدارسين عن البحث في أعماق النصوص للوقوف على روائع البلاغة في تنوع المعاني التي يكتسبها الفعل بتنوع معاني حروف الجر الداخلة عليه.

ومع يقيني بأن هذين الرأيين قد ذهب إليهما كثير من أئمة النحو والتفسير ووردا أيضا في كلام العرب شعره ونثره، وفي البيان القرآني، لأنهما من طرائق التعبير في لغتنا العربية، فإني لا أذهب إليهما ولا أكتفي بالوقوف عندهما لأن الدارس لبلاغة القرآن ليس غايته الوقوف عند بيان المعنى وتصحيح التعدية بل غايته بيان الأسرار وإبراز الفروق الدقيقة من وراء تعدية الفعل بأكثر من حرف من حروف الجر.

وإذا كان ليس من المستساغ القول باستواء الحرفين في الدلالة -لأن لكل حرف دلالته الخاصة به- في  كلام الناس وننزه كلامهم عنه فما بالك بالبيان المعجز الذي وضعت فيه الألفاظ مواضعها اللائقة بها لأنه كلام، الذي أتقن كل شيء صنعا" فإن القول بقبوله في القرآن يعد أمرا لا نكاد نرتضيه أو  نقبله في حق بلاغة القرآن لأنه يقتضي أن القرآن حين يؤثر التعبير بحرف من حروف الجر دون ذلك الحرف الذي هو موضوع أصلا لذلك المعنى يكون إيثاره له عاريا عن البلاغة، لأنه حينئذ  يصير  الحرفان شيئا واحدا،  وأن أحد الحرفين يستطيع أن يؤدي ما يؤديه غيره،  وهذا ما ننزه عنه البيان المعجز.

وإذا كان هذا الحكم منسحبا على القول بتناوب حروف الجر بعضها عن بعض فكذلك الشأن في

_______________

(1) الجني الداني للمرادي ص 46 وانظر الخصائص لابن جنى ص 2/306- 311 وبدائع الفوائد 2/21 والاقتضاب للبطليوسي 2/262-264

القول بالتضمين لأنه لا يعدو أن يكون إلا محاولة من العلماء لتصحيح وجه التعدية وليس بحثا عن أسرار البلاغة في تنوع تعدية الفعل.

ولا يعني هـذا أنني أرفض هذين الرأيين جملة وتفصيلا، بل إنني لا أميل إليهما ولا أرتضيهما لأن

الوقوف عندهما دون البحث عن أسرار تنوع تعدية الفعل وما تشيعه حروف الجر من المعاني

المتعددة على الفعل عند تعديته بها فيه- دون شك- حيف على البيان العالي لعدم قدرتهما على الوفاء بأسرار البيان وروائع التعبير الكامنة في أعطافه.

ويلجأ بعض النحاة والمفسرين حين يكثر تعدية الفعل بحرف ما، وتقل تعديته بحرف أخر إلى القول بأصالة تعديته بذلك الحرف ونيابته عن الحرف الآخر اعتمادا على كثرة وشيوع تعديه أو قلة تعديه.

من ذلك ما ذهب إليه ابن هشام في تعدية فعل المرور تارة بالباء وتارة بعلى عند حديثه عن الباء  ومعانيها بقوله [فإذا استوى التقديران في المجازية فالأكثر استعمالا أولى بالتخريج عليه كـ "مررت بزبد" و "مررت عليه" وإن كان قد جاء كما في قوله تعالى "لتمرون عليهم(1)" و "يمرون عليها(2) ".

ولقد أمر على اللئيم يسبني....(3).

إلا أن مررت به "أكثر،  فكان. أولى بتقديره أصلا(4)"

ومن ذلك ما ذكره أبو حيان عند تفسير قوله تعالى "وإذا خلوا إلى شياطينهم....(5)" قائلا يتعدى  بالباء وإلى والباء أكثر استعمالا، وعدل إلى لأنها إذا عديت بالباء احتملت معنيين أحدهما الانفراد والثاني السخرية(6)".

_______________

(1)  الصافات 137

(2)  يوسف 105

(3) هذا صدر بيت لجرير وعجزه فمضيت ثم قلت لا يعنيني

(4) مغني للبيب ص 138

(5)  البقرة 145

(6) البحر المحيط 1/68 ولمزيد من نلك انظر إلى تفسير قوله تعالى "يؤمنون بالغيب" في الكشاف 1/126 والبحر المحيط 1/38 والفتوحات الإلهية 1/54

 

فهو يشير إلى أن الفعل خلا الأصل فيه أن يتعدى بالباء لأنها أكثر استعمالا وحين يتعدى بغير الباء يكون على غير الأصل.

ويكفينـي الاستدلال بهذيـن النصيـن علـى ما أشرت إليـه أنفـا من ذهاب بعض العلماء إلى القول

بأصالة تعدي الفعل بحرف ما حين يشيع تعديه به ونيابته عنه حين تقل تعديته بحرف أخر.

ولا أدري على أي أساس اعتمد هؤلاء العلماء في الذهاب إلى هذا القول؟ خاصة بأننا على يقين في أن القول [بأصالة تعدي الفعل بحرف لكثرة وروده، ونيابته عن الآخر لقلة التعدي لا يمكن التسليم به إلا في ضوء دراسة لتاريخ الألفاظ ونشأتها وتطورها  وإحصاء دقيق لاستعمالاتها في عصور الاستشهاد وهو ما لم يتيسر بعد لهذه اللغة(1)].

وفي ضوء ما تقدم ليس لدينا الدليل القاطع على أن الفعل حين تكثر وتشيع تعديته بحرف ما تكون تعديته به أصلية، وحين تقل تعديته بحرف أخر تكون تعديته جارية على خلاف الأصل، بل على العكس من ذلك فقد وردت بعض الأفعال التي قيل فيها بهذا في كلام أهل الطبع الذين يحتج بكلامهم، وفي القرآن الكريم وهو المعجم التركيبي للغة العرب الذي لا يكاد يختلف أحد حول ظواهره التركيبية ولا أدل على ذلك من أن كتب معاني الحروف تحفل بشيء كثير لا يمكننا حصره وإنما نكتفي ببعض الشواهد منها فول الشاعر:

إذا رضيت علي بنو قشير                             لعمر الله أعجبني رضاها.

أي إذا رضيت عني.

وقال علقمة بن عبدة

فإن تسألوني بالنساء فإنني                            بصير بأدواء النساء طبيب

أي عن النساء.

وعليه قوله تعالى "سأل سائل بعذاب واقع(2)" أي عن عذاب واقع، وقال تعالى "فاسأل به خبيرا(3)" أي عنه.

_______________

(1) من أسرار حروف الجر ص 197 وما بعدها                                               

(2) المعارج 1                 

(3) الفرقان 59                

                                               

ويقال "سقط الرجل لوجهه" أي على وجهه قال تعالى "يخرون للأذقان(1)"  أي على الأذقان.

وقال الشاعر وهو الأشعث الكندي:

تناولت بالرمح الطويل ثيابه                           فخر صريعا لليدين وللفم

أي على اليدين والفم.

"عينا يشرب بها عباد الله(2)" أي يشرب منها.

وقال عنترة:

شربن بما الدحرضين فأصبحت                     زوراء تنفر عن حياض الديلم

أي شربن من ماء الدحرضين.

وقال آخر: شربن بماء البحر ثم ترفعت.....(3).

بل إن بعض الأفعال حين نتتبع تعديتها في القرآن الكريم نجدها لا تطرد مع ما ذهبوا إليه، فهذا فعل المرور الذي قيل فيه إن الأصل فيه أن يعدى بالباء لكثرة تعديته به، وإذا ورد متعديا بغيرها كان جاريا على خلاف الأصل.

وبتتبع مواطن وروده في القرآن نجده ورد متعديا بعلى في أربعة مواضع، وبالباء في ثلاثة مواضع(4).

أوليس هذا وحده كافيا في دحض ما ذهبوا إليه ! وإسقاطه كلية لأنه ليس لديهم الدليل المقنع على صحة رأيهم؟.

_______________

(1) الإسراء 107 

(2) الإنسان 6

(3) انظر الأزهية 283، 277-288 ورصف المباني 434، 297، 222 ومعاني الحروف للرماني 94، 36 وكتاب حروف  المعاني للزجاجي ص 74-87 و مغني اللبيب 274، 137 وما بعدها وجواهر الأدب للإربلي 42 وما  بعدها ، 365-462

(4) أنظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ص 664 وعدي بعلى في البقرة ، 259وهود ،38 والصافات 137 ويوسف 105، والباء في الأعراف 189،  والفرقان 72،  والمطففين 30.

 

 

 

الفصل الأول

جهود العلماء في دراسة تعدية الفعل

لعلمائنا السابقين- رحمهم الله- بتنوع بيئاتهم الثقافية التي ينتمون إليها من نحويين وبلاغيين ومفسرين لمحات موفقة استطاعوا من خلالها- بثاقب نظرهم وذوقهم المرهف- استبطان النصوص المختلفة للوصول إلى أسرار تنوع الفعل بحروف الجر وما تخلعه من معانيها على الأفعال المتعدية بها.

ويأتي في مقدمة هؤلاء العلماء المفسرون لاختلاف طبيعة دراستهم عن غيرهم من العلماء، فهم معنيون في كتبهم بتفسير آيات القرآن الكريم  وإبراز ما تحويه من لطائف البلاغة وأسرار البيان.

وسنتكئ في دراستنا على إمام المفسرين الزمخشري لأن كثيرا من أئمة التفسير كانوا عالة عليه، ولأن كتابه الكشاف يضم بين دفتيه كثيرا من الأسرار البلاغية لحروف الجر التي تتعدى بها الأفعال مما لم يجد طريقه إلى كتب البلاغة حين قام البلاغيون بتصنيف مباحث البلاغة وتقسيمها إلى علومها الثلاثة، وهذا اللون من الدراسة يطلق عليه شيخنا الدكتور محمد أبو موسى بالبلاغة الغائبة، فهناك- كما نعلم- بحوث بلاغية خصبة في كتب التفسير هي من صميم الدرس البلاغي لكننا لا نجد لها مكانا في كتب علماء البلاغة المتأخرين .

لعل من أوائل الإشارات التي تكشف عن أسرار تعدية الفعل بحروف الجر ما ذكره الإمام الخطابي  بقوله [وأما من وعن فإنهما يفترقان في مواضع كقولك: أخذت منه مالا، وأخذت عنه علما، فإذا قلت: سمعت منه كلاما أردت سماعه من فيه، وإذا قلت سمعت عنه حديثا كان ذلك عن بلاغ...(1)].ويقول الراغب الأصفهاني في تعدية فعل الرؤية [ورأى إذا تعدى إلى مفعولين اقتضى معنى العلم نحو "ويرى الذين أوتوا العلم...(2)" وإذا عدي رأيت بإلى اقتضى معنى النظر المؤدي إلى الاعتبار نحو "ألم تر إلى ربك ...(3)" وقوله "بما أراك الله(4)" أي بما علمك وعرفك(5)].

_______________

(1) بيان إعجاز القرآن للخطابي ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص 32

(2)  سبأ 6                                 

(3) الفرقان 45

(4) النساء 105   

(5) المفردات ص 374 وما بعد ها

وفي موضع أخر يوضح الراغب تعدية الفعل " راغ" تارة بإلى وأخرى بعلى في قوله "وراغ فلان  إلى فلان" : مال نحوه لأمر يريده منه بالاحتيال قال "فراغ إلى أهله(1)"، "فراغ عليهم ضربا باليمين(2)" أي مال: وحقيقته طلب بضرب من الروغان، ونبه بقوله "على" على معنى الاستيلاء(3)]. فإلى بدلالتها على الإنتهاء في قوله "فراغ إلى آلهتهم" تشير إلى أن إبراهيم عليه السلام قد جعل وصوله إلى الأصنام غاية يسعى إليها ليحقق ما عزم عليه من تحطيم آلهتهم، أما على بما فيها من الاستعلاء تدل على تمكنه منها واستيلائه عليها وقهره  لها وما لحقها من أثار التحطيم و التدمير (4).

ويزخر تفسير الزمخشري  بروائع البلاغة القرآنية، ويفيض بالمواطن العديدة- وهي على كثرتها تجعلنا في حيرة ما الذي نختاره وما الذي ندعه منها؟- التي كشف من خلالها عن أسرار تعدية الفعل، وقد كتب له التوفيق في غالب الأحيان لأنه كان يتلمس الفرق بين ما تشيعه حروف الجر من الأسرار في سياقاتها المختلفة فكان بحق تفسيره منهلا عذبا للباحث عن البلاغة القرآنية لأنه كان فيه أكثر استجابة لخصائص النظم وأقدر على إبراز مقاصد البيان القرآني وأسراره.

من ذلك قوله في تعدية الفعل "يجري" باللام وبإلى عند تفسير قوله تعالى "وسخر الشمس والقمر كل بجري إلى أجل مسمى...(5)" [فإن قلت يجرى لأجل مسمى ويجرى إلى أجل مسمى أهو من تعاقب الحرفين؟ قلت كلا ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع ضيق الفطن، ولكن المعنيين أعني الانتهاء والاختصاص كل واحد ملائم لصحة الغرض، لأن قولك يجري إلى أجل مسمى معناه يبلغه وينتهي إليه، وقولك بجري لأجل مسمى تريد يجرى لإدراك أجل مسمى تجعل الجري مختصا بإدراك أجل مسمى (6)]. فالزمخشري يوضح الفرق بين تعدية الفعل باللام وإلى ولا يسوي بينهما لأن لكل حرف دلالتـه الخاصـة التـي يضيفهـا على الفعل حين يعدى بها، وينعي على

_______________

(1) الذاريات  26

(2)  الصافات 93

(3) المفردات 373 و انظر ص 358

(4) انظر من أسرار حروف الجر ص 100

(5) لقمان29                                                       

(6)  الكشاف 3/237

الذين يسوون بينهما، ويشتد في النكير عليهم، ويصف من يفعل ذلك بأنه بليد الطبع ضيق العطن.

وهذا الفرق الذي ذكره الزمخشري تجده ماثلا في قوله تعالى "ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن(1)" وبين قوله تعالى "إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله(2)" واعتمادا على الفرق بين دلالة حرفي الجر اللام وإلى فإن السعي للآخرة يعني العمل من أجلها والاستعداد لها بصالح العمل، والسعي إلى الصلاة يراد به التوجه إليها والقصد إلى بيوت الله لأدائها(3).

ومن ذلك قوله الذي أبرز من خلاله بلاغة البيان المعجز في إيثاره التعبير بحرف الاستعلاء بدلا من حرف الإنتهاء عند تفسير قوله تعالى "فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين(4)". [فان قلت: هلا قيل اغدوا إلى حرثكم وما معنى على؟ قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه كان غدوا عليه كما تقول غدا عليهم العدو، ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم  يغدى عليه بالجفنة ويراح أي فأقـبلوا على حرثكم باكرين (5)].

فالزمخشري كما ترى ذكر قولين كان في أولهما أقرب إلى حسه البلاغي وهو ما تكبر حوله البلاغة وتدندن، أما ثانيهما فكان فيه أقرب إلى النحاة لأنه من تخريجاتهم.

وعلى هنا ترمز إلى معنى لطيف، فهي بدلالتها على معنى الاستيلاء على الحرث والإغارة عليه تفصح عن نية العدوان والاغتصاب لحقوق المساكين التي بيتوها في أنفسهم، وتصور أصحاب الجنة كأنهم قطاع طريق يستلبون حقوق الناس، ويسرعون لتنفيذ ما بيتوه حتى لا يراهم أحد كاللصوص الذين يستترون بالليل ليتمكنوا من سرقة ما يريدون سرقته(6).

ومما كشف فيه الزمخشري أسرار تعدية الفعل ما قاله عند تفسير قوله تعالى "إن الأبرار يشربون مـن كأس كـان مزاجهـا كافورا عينـا يشـرب بهـا عبـاد الله يفجرونها تفجيرا(7)" حيث عدي فعل

_______________

(1)  الإسراء 19

(2) الجمعة  9

(3)  أنظر من أسرار حروف الجر ص 11

(4)القلم 21-22                                                                

(5) الكشاف 4/144          

(6) أنظر من أسرار حروف الحرص 98 وما بعدها                   

(7) الإنسان 5-6

الشرب بمن في قوله" يشربون من كأس"، وعدي بالباء في قوله "يشرب بها عباد الرحمن" ويقول

الزمخشري [فإن قلت: لم وصل فعل الشرب بحرف الابتداء أولا وبحرف الإلصاق آخرا؟ قلت : لأن الكأس مبدأ شربهم وأول غايته، وأما العين فبها يمزجون شرابهم فكأن المعنى: يشرب عباد الله بها الخمر كما تقول شربت الماء بالعسل (1)].

فحين عدي بحرف الابتداء "من" دل على أن الكأس مبدأ شربهم وأول غايته، ومنه يشربون وحين عدي بحرف الإلصاق دلت الباء على التصاقهم بالعين وشدة قربهم منها وفي ذلك من الدلالة على كمال النعيم بما لا مزيد عليه.

ويقول الفخر الرازي عند تفسيره لقوله تعالى " الذين يؤمنون بالغيب(2)" الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد به التصديق، فإذا قلنا فلان آمن بكذا، فالمراد أنه صدق به......(3).

والباء بما تدل عليه من معاني المصاحبة والملابسة والإلصاق تومض بالإقرار بالغيب والتصديق به، والعمل بمقتضاه فهم يؤمنون بالغيب متلبسين فيه، ويشعرون بالأمن والأمان في صحبته.

ومما ذكره الرازي في الفرق بين تعدية الفعل تاب بإلى وعلى عند تفسيره لقوله تعالى "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه.... (4)" [التوبة لفظ يشترك فيها الرب والعبد، فإذا وصف بها العبد فالمعنى رجع إلى ربه لأن كل عاص فهو في معنى الهارب من ربه فإذا تاب فقد رجع عن هروبه إلى ربه....، وإذا وصف بها الرب تعالى فالمعنى أنه رجع على عبده برحمته وفضله، ولهذا السبب وقع الاختلاف في الصلة فقيل في العبد تاب إلى ربه وفي الرب على عبده(8)].

_______________

(1)  الكشاف 4/196 وللإستزادة من نلك انظر البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري 296- 298 والكشاف 2/199 ،2/556 ،31، 3/235 وراجع قوله عند تفسير قوله تعالى "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين" وهو وإن كان ليس من باب تعدية الفعل فهو يوضح بجلاء جهد الزمخشري في إدراكه للفروق الدقيقة بين حروف الجر وما تومض به من الدلالات البلاغية المتنوعة "فإن قلت كيف خولف بين حرفي الجر الداخلين على الحق والضلال؟ قلت لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث يشاء، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يدري أين يتوجه" الكشاف 3/289 وراجع تفسيره لقوله تعالى "أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين " الكشاف 1/623

(2) البقرة 3

(3) التفسير الكبير 2/35

(4) البقرة 37

(8) التفسير الكبير 3/23

 

فإلى بدلالتها على الإنتهاء تشير إلى أن العبد أنهى توبته إلى ربه وأناب إليه، أما حرف الاستعلاء

على فهو يشير إلى عظيم رحمة الله بعباده وفضله عليهم بقبول توبتهم، وتأمل كيف آثر القرآن التعبير بحرف الاستعلاء في قوله تعالى "إنما التوبة على الله الذين يعملون السوء بجهالة(1)" ليفتح  باب التوبة واسعا لمن أغرق نفسه في الذنوب والمعاصي ليقبل على ربه، ويتفلت من حبائل الشيطان وذلك بما يعطيه على نفسه من عهده بقبول توبته، فحرف الاستعلاء يوحي بتحقيق ثبوت ما وعدهم به، وضمان قبوله لتوبتهم بحكم أن الله إذا وعد فلن يخلف وعده، ولو أنه قال: إنما التوبة من الله....لما أعطى للتائبين هذا الوعد الذي  قطعه على نفسه مما يثبط الهمم ويدفع إلى اليأس(2).

ويوضح تعدية فعل الإحسان تارة بالباء وتارة بإلى بقوله [يقال بم تتصل الباء في قوله تعالى "وبالوالدين إحسانا(3)" وعلام انتصب؟ قلنا فيه ثلاثة أقوال: الأول قال الزجاج: انتصب على معنى أحسنوا بالوالدين إحسانا، والثاني: قيل على معنى وصيناهم بالوالدين إحسانا لأن الباء به أحسن على هذا الوجه، ولو كان على الأول لكان وإلى الوالدين كأنه قيل وأحسنوا إلى الوالدين (4)].

فالرازي يدرك أن ثمة فرقا بين تعدية الإحسان بالباء وبإلى، لأن الباء بما فيها من الملابسة والإلصاق تشير إلى كمال البر والإحسان إلى الوالدين حيث صار الإحسان ملتصقا بهما وملابسا لهما، يخالطهما في الأحوال كلها، أما إلى فتدل على جعل الوالدين غاية ينتهي إليهما الإحسان.

ومما ذكره الرازي كاشفا فيه تنوع تعدية الفعل تارة باللام وتارة بإلى قوله عند تفسير قوله تعالى "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض (5)". [ففيه دقيقة وهي أنه لم يقل وجهت وجهي إلى الذي فطر السماوات والأرض، بل ترك هذا اللفظ وذكر قوله "وجهت وجهي للذي والمعنى: أن

توجيـه وجـه الق