http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة 

 

 13 - مجموع فتاوى و مقالات الشيخ ابن باز

 

الكتاب : مجموع فتاوى و مقالات ابن باز
المؤلف : عبد العزيز بن عبد الله ابن باز
مصدر الكتاب : موقع الشيخ على الإنترنت
http://www.binbaz.org
[ الكتاب موقم آليا غير موافق للمطبوع ]
الكتاب غير مكتمل، بقي المجلدان 14 و 15

س : لدينا مسجد وإلى جانبه من الناحية الشمالية أرض مسورة وملاصقة للمسجد ونود تخصيصها للنساء يصلين فيها في رمضان ، هل يجوز ذلك مع العلم أنهن لا يرين الإمام وإنما يتابعنه من مكبر الصوت؟
ج : في صحة صلاتهن في الأرض المذكورة خلاف بين العلماء إذا كن لا يرين الإمام ولا من وراءه إنما يسمعن التكبير ، والأحوط لهن أن لا يصلين في الأرض المذكورة ، بل يصلين في بيوتهن ، إلا أن يجدن مكانا في المسجد خلف المصلين أو في مكان خارجه يرين وهن فيه الإمام أو بعض المأمومين .
نشرت في (كتاب الدعوة) الجزء الأول ص (64) .
مشروعية اتخاذ المساجد في العمائر
س : الأخ م . م . ص . من اللاذقية في سوريا يقول في سؤاله : يقوم بعض المسلمين من بعض البلدان الإسلامية بتخصيص الدور الأرضي في إحدى العمائر السكنية مسجدا تؤدى فيه الصلاة وذلك لعدم وجود أماكن أخرى فهل يجوز ذلك؟ أفتونا جزاكم الله خيرا .
ج : لا نعلم حرجا في ذلك لعموم الأدلة الشرعية الدالة على شرعية تعمير المساجد وأداء الصلاة فيها ولحصول المقصود بذلك دون ضرر ولما في ذلك أيضا من تسهيل أداء المسلمين صلاتهم جماعة في بيت من بيوت الله . ويعطي هذا الدور حكم المسجد إذا وقفه مالكه لذلك . والله ولى التوفيق .
نشرت في (المجلة العربية) عدد جمادى الأولى 1411 هـ.
حكم صلاة المنفرد خلف الصف
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم د / ش . ع . ع . سلمه الله .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم 3231 وتاريخ 15 / 8 / 1407 هـ الذي تسأل فيه عن رأينا بالنسبة لما اطلعت عليه من رأي ابن تيمية في حكم صلاة المنفرد خلف الصف .

(12/117)


وأفيدك بأنني قد اطلعت على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي أرفقته بالرسالة وهو القول بصحة صلاة المنفرد خلف الصف للحاجة إذا لم يجد من يصف معه وهو قول قوي بلا شك ، ولكن الأصح منه والأوفق لظاهر السنة عدم الصحة لأمور ثلاثة : أولها : عموم قوله صلى الله عليه وسلم : لا صلاة لمنفرد خلف الصف ولم يفصل . ثانيها : أنه صلى الله عليه وسلم أمر من صلى خلف الصف وحده أن يعيد ولم يستفصل منه هل وجد أحدا أم لم يجد ، ولو كان معذورا عند عدم وجود من يصف معه لاستفصله ، ومعلوم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز عند أهل العلم . ثالثها : أن في ذلك سدا لذريعة التساهل بالصلاة خلف الصف منفردا بدعوى أنه لم يجد فرجة في الصف ، والغالب أنه لو لم يستعجل لوجد فرجة في الصف أو تمكن من الوقوف عن يمين الإمام . وفق الله الجميع لما فيه رضاه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
صدرت من مكتب سماحته برقم 3116/2، وتاريخ 10/11/1417 هـ.
س : هل تصح الصلاة للمنفرد خلف الصف؟ وهل يجوز له سحب أحد المصلين من الصف الأمامي بدلا من الصلاة بعد الجماعة لوحده ؟
ج : لا يجوز للمنفرد أن يصلي خلف الصف ، ولا تصح صلاته . لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا صلاة لمنفرد خلف الصف ولأنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة
بل عليه أن يلتمس فرجة حتى يدخل فيها ، فإن لم يجد صف عن يمين الإمام إن أمكن ذلك ، إلا وجب عليه الانتظار حتى يأتي من يصف معه ، ولو خاف أن تفوته الصلاة . فإن انقضت الصلاة ولم يأته أحد صلى وحده .

(12/118)


والواجب على كل مسلم أن يبادر للصلاة مع الجماعة ، وأن يحرص على إدراكها كاملة مع الجماعة في بيوت الله ، وهي المساجد . لقول الله عز وجل : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى الآية ، وقوله عز وجل : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ وقول النبي صلى الله عليه وسلم : من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر قيل لابن عباس رضي الله عنهما : ما هو العذر؟ ( قال خوف أو مرض ) .
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأله رجل أعمى فقال يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له صلى الله عليه وسلم هل تسمع النداء بالصلاة قال نعم قال فأجب أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة
نشرت في (مجلة الدعوة) العدد (1610) وتاريخ 24/5/1418 هـ.
س : دخلت المسجد لأداء الصلاة فوجدت أن الصف قد اكتمل ، ولم أستطع أن أصف بجانب الإمام ، فصليت خلف الصف ركعة وحدي ، وفي الركعة الثانية حضر من جاورني من الصف وبعد تسليم الإمام قمت وأتيت بهذه الركعة فهل هذا صحيح؟
ج : من صلى خلف الصف لا صلاة له . لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا صلاة لمنفرد خلف الصف فإذا صليت وحدك خلف الصف ركعة أو أكثر فالصلاة غير صحيحة وعليك أن تعيدها ، وقد ثبت عنه صلى الله علي وسلم أنه رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة وقال لا صلاة لمنفرد خلف الصف فعليك أن تصبر حتى يأتي من يصف معك أو تلتمس فرجة في الصف فتدخل فيها أو مع الإمام عن يمينه ، أما أن تصلي وحدك خلف الصف فلا ، وبالله التوفيق .
نشرت في(المجلة العربية) في ذي القعدة 1412 هـ.
س : ما حكم صلاة المنفرد خلف الصف؟ وإذا دخل داخل ولم يجد مكانا في الصف فماذا يفعل؟ وإذا وجد صبيا لم يبلغ فهل يصف معه؟

(12/119)


ج : حكم الصلاة خلف الصف منفردا : البطلان . لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا صلاة لمنفرد خلف الصف ولأنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر من صلى خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة ولم يسأله هل وجد فرجة أم لا فدل ذلك على أنه لا فرق بين من وجد فرجة في الصف ومن لم يجد ، سدا لذريعة التساهل في الصلاة خلف الصف منفردا .
لكن لو جاء المسبوق والإمام راكع فركع دون الصف لم دخل في الصف قبل السجود أجزأه ذلك ، لما ثبت في صحيح البخاري رحمه الله عن أبي بكرة الثقفي رضي الله عنه أنه جاء إلى الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم راكع فركع دون الصف ثم دخل إلى الصف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بعد السلام زادك الله حرصا ولا تعد ولم يأمره بقضاء الركعة .
أما من جاء والإمام في الصلاة ولم يجد فرجة في الصف فإنه ينتظر حتى يوجد من يصف معه ، ولو صبيا قد بلغ السابعة فأكثر ، أو يتقدم فيصف عن يمين الإمام عملا بالأحاديث كلها .
وفق الله المسلمين جميعا للفقه في الدين والثبات عليه إنه سميع قريب .
من ضمن الأسئلة الموجهة من بعض طلبة العلم، وطبعها الأخ محمد الشايع في كتاب.
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم أ . أ . ع . خ . وفقه الله .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد :
فإشارة إلى استفتائك المقيد في إدارة البحوث برقم 1221 في 23 / 4 / 1405 هـ نفيدك بأنه جرى النظر فيه وإليك جواب كل سؤال عقبه :
س : رجل دخل المسجد ووجد الصلاة قائمة والصف تاما ولم يجد فرجة وصلى خلف المأمومين خلف الصف ولم يسحب أحد المصلين ، فهل صلاته صحيحة أم لا؟

(12/120)


ج : صلاته غير صحيحة في أصح قولي العلماء لقوله صلى الله عليه وسلم : لا صلاة لمنفرد خلف الصف ولأنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن حبان وإسناده حسن . وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
صدرت من مكتب سماحته برقم 1667/2، وتاريخ 15/8/1405 هـ.
س : أرجو من سماحتكم إفادتنا عن صلاة الرجل منفردا خلف الصف في الفريضة ، هل هي صحيحة أم عليه الإعادة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي رآه منفردا خلف الصف بالإعادة ، وهل هذا الحديث صحيح أم غير صحيح أم منسوخ أم يتضارب مع أحاديث أخرى في هذا الصدد؟ نرجو توضيح ذلك توضيحا شافيا كافيا . لأنه كثر الجدل في ذلك ، وهل يجوز لمن أتى إلى المسجد والصف الأول منه منته ويخشى فوات الركعة أن يسحب رجلا من وسط الصف أم يكبر ويدخل في الصلاة أم ينتظر ، مع العلم أنه إذا انتظر يخشى فوات الركعة؟ أفتونا بارك الله فيكم
ج : لا يجوز للمسلم أن يصلي خلف الصف وحده . لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا صلاة لمنفرد خلف الصف وإذا صلى وحده وجب عليه أن يعيد ، لهذا الحديث وللحديث الذي ذكرته في السؤال وهما حديثان صحيحان .
وليس له أن يجر من الصف أحدا . لأن الحديث الوارد في ذلك ضعيف ، وعليه أن يلتمس فرجة في الصف حتى يدخل فيها أو يصف عن يمين الإمام إن تيسر ذلك ، فإن لم يتيسر له ذلك انتظر حتى يوجد من يصف معه ولو فاتته ركعة ، هذا هو الأصح من قولي العلماء للأحاديث المذكورة وغيرها مما جاء في هذا المعنى .

(12/121)


والواجب على أهل العلم في مسائل التنازع ، ردها إلى الله ورسوله وعدم التقليد في ذلك . لقول الله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ولقوله سبحانه : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ
والله ولي التوفيق .
نشرت في (كتاب الدعوة) الجزء الثاني، ص(106).
س : ما الحكم إذا دخل المصلي المسجد ولم يجد له مكانا في الصف الأول ، هل يجوز له أن يسحب أي شخص من الصف الأول أم ماذا يفعل؟
ج : إذا دخل الرجل المسجد فوجد الصفوف كاملة ولم يجد فرجة في الصف ، فعليه أن ينتظر حتى يجد فرجة أو يحضر معه أحد أو يصف عن يمين الإمام ، وليس له جذب أحد من الصف ، لأن الحديث الوارد في ذلك ضعيف .
ولأن جذبه من الصف يسبب فرجة في الصف ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بسد الفرج ، وبالله التوفيق .
نشرت في (كتاب الدعوة) الجزء الثاني،ص (107).
س : رجل دخل في الصلاة منفردا وفي الركعة الثانية دخل معه شخص آخر ، وبعد سلام الإمام قام وأتى بركعة خامسة علي اعتبار أن الركعة الأولى غير صحيحة لأنه أداها منفردا خلف الصف ، فهل صلاته صحيحة؟ وكيف يتصرف من حصل له مثل ذلك؟
ج : قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا صلاة لمنفرد خلف الصف وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أيضا أنه رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة

(12/122)


لكن من ركع دون الصف ثم دخل في الصف قبل السجود أجزأته الركعة ، لما روى البخاري في صحيحه أن أبا بكرة الثقفي رضي الله عنه جاء إلى المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم راكع فركع دون الصف ثم دخل في الصف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم زادك الله حرصا ولا تعد ولم يأمره بقضاء الركعة ، فدل ذلك على إجزائها ، وأن مثل هذا العمل مستثنى من قوله صلى الله عليه وسلم : لا صلاة لمنفرد خلف الصف
والله ولي التوفيق .
نشرت في (كتاب الدعوة) الجزء الثاني ،ص (108).
مضاعفة الصلاة يعم الحرم كله
س : هل مضاعفة الصلاة في المسجد الحرام يشمل الحرم كله أم هو خاص بالمسجد نفسه؟
ج : في المسألة قولان لأهل العلم ، وأصحهما أن المضاعفة تعم جميع الحرم لعموم الآيات والأحاديث الدالة على أن الحرم كله يسمى المسجد الحرام ، منها قوله جل وعلا : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ والمسجد الحرام هنا يعم جميع الحرم وفي معناها آيات أخرى .
لكن الصلاة في المسجد الذي حول الكعبة لها مزية فضل من وجوه كثيرة منها : كثرة الجمع ، والقرب من الكعبة ، وإجماع العلماء على مضاعفة الصلاة فيه ، بخلاف المساجد الأخرى ففيها الخلاف الذي أشرنا إليه ،
والله ولي التوفيق .
س : الأخ م . ع . من سيدني في أستراليا يقول في سؤاله : هل الصلاة في الساحات المحيطة بالحرم المكي الشريف أو المسجد النبوي لها نفس الأفضلية والأجر الذي يحصل من الصلاة داخل الحرمين الشريفين ؟ أرشدونا مأجورين .
ج : الزيادات التي في المسجد الحرام والمسجد النبوي لها حكم المزيد ، وتضاعف فيها الصلاة كما تضاعف في المسجد الأصلي فضلا من الله وإحسانا . والله الموفق .
س1 نشرت في (مجلة الدعوة)، بتاريخ 2/5/1410 هـ.
س2 من ضمن الأسئلة الموجهة من (المجلة العربية).

(12/123)


صلاة أهل الأعذار
أحكام طهارة المريض
وردنا عدد من الأسئلة حول أحكام طهارة المريض وصلاته ، وهذا جوابها مفصلا فيما يلي :
ج : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :
لقد شرع الله سبحانه وتعالى الطهارة لكل صلاة ، فإن رفع الحدث وإزالة النجاسة سواء كانت في البدن أو الثوب أو المكان المصلى فيه شرطان من شروط الصلاة . فإذا أراد المسلم الصلاة وجب أن يتوضأ الوضوء المعروف من الحدث الأصغر ، أو يغتسل إن كان حدثه أكبر ، ولا بد قبل الوضوء من الاستنجاء بالماء أو الاستجمار بالحجارة في حق من بال أو أتى الغائط لتتم الطهارة والنظافة ، وفيما يلي بيان لبعض الأحكام المتعلقة بذلك :
- فالاستنجاء بالماء واجب لكل خارج من السبيلين كالبول والغائط ، وليس على من نام أو خرجت منه ريح استنجاء ، إنما عليه الوضوء . لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة ولا نجاسة ها هنا .
والاستجمار يقوم مقام الاستنجاء بالماء ويكون بالحجارة أو ما يقوم مقامها ، ولا بد فيه من ثلاثة أحجار طاهرة فأكثر ، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من استجمر فليوتر ولقوله صلى الله عليه وسلم أيضا : إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه رواه أبو داود . ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار ، رواه مسلم .

(12/124)


ولا يجوز الاستجمار بالروث والعظام والطعام وكل ما له حرمة ، والأفضل أن يستجمر الإنسان بالحجارة ، وما أشبهها كالمناديل واللبن- اليابس من التراب والجص- ونحو ذلك ، ثم يتبعها الماء . لأن الحجارة تزيل عين النجاسة والماء يطهر المحل ، فيكون أبلغ ، والإنسان مخير بين الاستنجاء بالماء أو الاستجمار بالحجارة وما أشبهها ، أو الجمع بينهما . عن أنس رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء متفق عليه .
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لجماعة من النساء مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله قال الترمذي : هذا حديث صحيح
وإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل ، لأنه يطهر المحل ويزيل العين والأثر ، وهو أبلغ في التنظيف ، وإن اقتصر على الحجر أجزأه ثلاثة أحجار إذا نقي بهن المحل فإن لم تكف زاد رابعا وخامسا حتى ينقي المحل ، والأفضل أن يقطع على وتر ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من استجمر فليوتر ولا يجوز الاستجمار باليد اليمنى ، لقول سلمان في حديثه : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجي أحدنا بيمينه ولقوله صلى الله عليه وسلم : لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه
وإن كان أقطع اليسرى أو بها كسر أو مرض ونحوهما ، استجمر بيمينه للحاجة ولا حرج في ذلك ، وإن جمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء ، كان أفضل وأكمل .
نشرت في (كتاب الدعوة) الجزء الثاني ص(54).

(12/125)


ولما كانت الشريعة الإسلامية مبنية على اليسر والسهولة ، خفف الله سبحانه وتعالى عن أهل الأعذار عباداتهم بحسب أعذارهم ليتمكنوا من عبادته تعالى بدون حرج ولا مشقة ، قال تعالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وقال سبحانه : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وقال عز وجل : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقال عليه الصلاة والسلام : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وقال : إن الدين يسر
فالمريض إذا لم يستطع التطهر بالماء بأن يتوضأ من الحدث الأصغر أو يغتسل من الحدث ألا كبر لعجزه أو لخوفه من زيادة المرض أو تأخر برئه ، فإنه يتيمم وهو : أن يضرب بيديه على التراب الطاهر ضربة واحدة ، فيمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه لقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ والعاجز عن استعمال الماء حكمه حكم من لم يجد الماء ، لقول الله سبحانه : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ولقوله صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم
وللمريض في الطهارة عدة حالات :
1- إن كان مرضه يسيرا لا يخاف من استعمال الماء معه تلفا ولا مرضا مخوفا ولا إبطاء برء ولا زيادة ألم ولا شينا فاحشا وذلك كصداع ووجع ضرس ونحوهما ، أو كان ممن يمكنه استعمال الماء الدافئ ولا ضرر عليه ، فهذا لا يجوز له التيمم . لأن إباحته لنفي الضرر ولا ضرر عليه ؛ ولأنه واجد للماء فوجب عليه استعماله . - 240
وإن كان به مرض يخاف معه تلف النفس ، أو تلف عضو ، أو حدوث مرض يخاف معه تلف النفس أو تلف عضو أو فوات منفعة ، فهذا يجوز له التيمم . لقوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا

(12/126)


3- وإن كان به مرض لا يقدر معه على الحركة ولا يجد من يناوله الماء جاز له التيمم .
4- من به جروح أو قروح أو كسر أو مرض يضره استعمال الماء فأجنب ، جاز له التيمم للأدلة السابقة ، وإن أمكنه غسل الصحيح من جسده وجب عليه ذلك وتيمم للباقي .
5- إذا كان المريض في محل لم يجد ماء ولا ترابا ولا من يحضر له الموجود منهما ، فإنه يصلي على حسب حاله وليس له تأجيل الصلاة ، لقول الله سبحانه : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
6- المريض المصاب بسلس البول أو استمرار خروج الدم أو الريح ولم يبرأ بمعالجته ، عليه أن يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها ويغسل ما يصيب بدنه وثوبه ، أو يجعل للصلاة ثوبا طاهرا إن تيسر له ذلك . لقوله تعالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وقوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وقوله صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ويحتاط لنفسه احتياطا يمنع انتشار البول أو الدم في ثوبه أو جسمه أو مكان صلاته .
وله أن يفعل في الوقت ما تيسر من صلاة وقراءة في المصحف حتى يخرج الوقت ، فإذا خرج الوقت وجب عليه أن يعيد الوضوء أو التيمم إن كان لا يستطيع الوضوء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة أن تتوضأ لوقت كل صلاة وهي التي يستمر معها الدم غير دم الحيض .
ويبطل التيمم بكل ما يبطل به الوضوء ، وبالقدرة على استعمال الماء ، أو وجوده إن كان معدوما ، والله ولي التوفيق .

(12/127)


كيفية صلاة المريض
أجمع أهل العلم على أن من لا يستطيع القيام ، له أن يصلي جالسا ، فإن عجز عن الصلاة جالسا فإنه يصلي على جنبه مستقبل القبلة بوجهه ، والمستحب أن يكون على جنبه الأيمن ، فإن عجز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيان لقوله صلى الله عليه وسلم
لعمران بن حصين : صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب رواه البخاري وزاد النسائي : فإن لم تستطع فمستلقيا
ومن قدر على القيام وعجز عن الركوع أو السجود لم يسقط عنه القيام ، بل يصلي قائما فيومئ بالركوع ثم يجلس ويومئ بالسجود . لقوله تعالى : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ولقوله صلى الله عليه وسلم : صل قائما ولعموم قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وإن كان بعينه مرض فقال ثقات من علماء الطب : إن صليت مستلقيا أمكن مداواتك وإلا فلا ، فله أن يصلي مستلقيا .
ومن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما ويجعل السجود أخفض من الركوع ، وإن عجز عن السجود وحده ركع وأومأ بالسجود ، وإن لم يمكنه أن يحني ظهره حنى رقبته ، إن كان ظهره متقوسا فصار كأنه راكع فمتى أراد الركوع زاد في انحنائه قليلا ، ويقرب وجهه إلى الأرض في السجود أكثر من الركوع ما أمكنه ذلك ، وإن لم يقدر على الإيماء برأسه كفاه النية والقول .

(12/128)


ولا تسقط عنه الصلاة ما دام عقله ثابتا بأي حال من الأحوال للأدلة السابقة . ومتى قدر المريض في أثناء الصلاة على ما كان عاجزا عنه من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود أو إيماء ، انتقل إليه وبنى على ما مضى من صلاته ، وإذا نام المريض أو غيره عن صلاة أو نسيها وجب عليه أن يصليها حال استيقاظه من النوم أو حال ذكره لها ، ولا يجوز له تركها إلى دخول وقت مثلها ليصليها فيه . لقوله صلى الله عليه وسلم : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك وتلا قوله تعالى وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ولا يجوز ترك الصلاة بأي حال من الأحوال ، بل يجب على المكلف أن يحرص على الصلاة أيام مرضه أكثر من حرصه عليها أيام صحته ، فلا يجوز له ترك المفروضة حتى يفوت وقتها ولو كان مريضا ما دام عقله ثابتا ، بل عليه أن يؤديها في وقتها حسب استطاعته ، فإذا تركها عامدا وهو عاقل عالم بالحكم الشرعي مكلف يقوى على أدائها ولو إيماء فهو عالم ، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى كفره بذلك . لقول النبي صلى الله عليه وسلم : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ولقوله عليه الصلاة والسلام : رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله
وإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو جمع تأخير حسبما يتيسر له ، إن شاء قدم العصر مع الظهر وإن شاء أخر الظهر مع العصر ، وإن شاء قدم العشاء مع المغرب ، وإن شاء أخر المغرب مع العشاء . أما الفجر فلا تجمع مع ما قبلها ولا مع ما بعدها ، لأن وقتها منفصل عما قبلها وعما بعدها .
هذا بعض ما يتعلق بأحوال المريض في طهاراته وصلاته .
واسأل الله سبحانه وتعالى أن يشفي مرضى المسلمين ، ويكفر سيئاتهم ، وأن يمن علينا جميعا بالعفو والعافية في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .
نشرت في ( كتاب الدعوة ) ، الجزء الثاني ، ص ( 58 ) .

(12/129)


س : الأخت التي رمزت لاسمها بأم عبد السلام من القصب تقول في سؤالها : الإنسان الذي يصلي على الكرسي لعجزه هل يجب أن يكون هناك فرق بين ركوعه وسجوده من ناحية وضع اليدين وانحناء الظهر ، أم أن الأمر في هذا واسع . أرشدونا جزاكم الله خيرا؟
ج : الواجب على من صلى جالسا على الأرض ، أو على الكرسي ، أن يجعل سجوده أخفض من ركوعه ، والسنة له أن يجعل يديه على ركبتيه في حال الركوع ، أما في حال السجود فالواجب أن يجعلهما على الأرض إن استطاع ، فإن لم يستطع جعلهما على ركبتيه ، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم الجبهة وأشار إلى أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين
ومن عجز عن ذلك وصلي على الكرسي فلا حرج في ذلك ، لقول الله سبحانه : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقول النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم متفق على صحته .
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من ( المجلة العربية ) .
س : الأخ ص . أ . ج . من ميسان يقول في سؤاله : بعض الناس وخاصة كبار السن لا يستطيعون السجود والجلوس للتشهد ، ولذلك نراهم يصلون قائمين ثم عند السجود يجلسون على كرسي أو على الجدار الحاجز بين الصفوف فما حكم فعلهم هذا؟
ج : لا أعلم حرجا فيما ذكره السائل ، إذا كان لا يستطيع سوى ذلك ، لقول الله عز وجل : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقوله سبحانه : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنهما : صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب فإن لم تستطع فمستلقيا أخرجه البخاري في صحيحه ، والنسائي في سننه ، وهذا لفظ النسائي .
والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من ( المجلة العربية ) .

(12/130)


من توفيت ولم تستطع الصوم والصلاة وقت مرضها
س : هذا سؤال بعثت به الأخت ر . ف . ي . ل . من العراق تقول : كانت والدتي تصوم وتصلي ، وقد مرضت مرضا شديدا ، منذ سنتين توفيت على أثره ولم تكن تصوم ولا تصلي في وقت مرضها لعدم الاستطاعة ، فهل يلزمني دفع كفارة عنها أو الصيام والصلاة عنها ، أفيدوني بارك الله فيكم؟
ج : ما دامت ماتت وهي مريضة ولا تستطيع الصيام فليس عليكم الصيام عنها إذا كانت ماتت وهي في مرضها الذي لم تستطع الصيام فيه هذه المدة الطويلة فإنك لا تقضين عنها شيئا وليس عليك إطعام أيضا والحمد لله ، أما الصلاة فقد غلطت في ترك الصلاة ، كان الواجب عليها أن تصلي ولو كانت مريضة لا تؤجل الصلاة ، والواجب على المريض أن يصلي على حسب حاله ، إن استطاع الصلاة قائما صلاها قائما ، وإن عجز صلى قاعدا ، فإن لم يستطع القعود صلى على جنبه الأيمن وهو الأفضل أو الأيسر على حسب طاقته ، فإن لم يستطع الصلاة على جنبه صلى مستلقيا ، هكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم لما شكا إليه بعض الصحابة رضي الله عنهم المرض ، قال له : صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب فإن لم تستطع فمستلقيا رواه البخاري والنسائي وهذا اللفظ للنسائي .

(12/131)


هذا هو الواجب على المريض ذكرا كان أو أنثى يصلي قاعدا إذا عجز عن القيام سواء كان قاعدا مستوفزا أو متربعا أو كجلسته بين السجدتين كل ذلك جائز ، فإن عجز عن القعود صلى على جنبه الأيمن أو الأيسر والأيمن أفضل إن استطاع ، ينوي أركان الصلاة وواجباتها ويتكلم بما يستطيع ، ويكبر ويقرأ الفاتحة أولا ويقرأ ما تيسر بعدها ثم يكبر وينوي الركوع ويقول سبحان ربي العظيم ثلاثا أو أكثر والواجب واحدة ، ثم يقول سمع الله لمن حمده ناويا الرفع من الركوع ، ثم يقول بعدها ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد ، ثم يكبر ناويا السجود ويقول سبحان ربي الأعلى ثلاثا أو أكثر والواجب واحدة ، ثم يكبر ناويا الرفع من السجود ناويا الجلوس بين السجدتين ويقول رب اغفر لي ثلاثا أو أكثر والواجب مرة واحدة ، لم يكبر ناويا السجدة الثانية ويقول سبحان ربي الأعلى كما تقدم ،
ويستحب له الإكثار من الدعاء في السجود ، وهكذا يفعل في الركعة الثانية وما بعدها بالنية والكلام حسب طاقته ، ولا يشرع لك الصلاة عنها وإنما عليك الدعاء لها والترحم عليها إذا كانت موحدة مسلمة ، أما إذا كانت تدعو الأموات وتستغيث بالأموات تدعو غير الله فهذه لا يدعى لها . لأن هذا شرك أكبر ، فإذا كانت في حياتها تدعو الأموات أو تذبح لهم أو تستغيث فهذا من الشرك الأكبر .
لأن دعاء الأموات والاستغاثة بهم والذبح لهم والنذر لهم كأن يقول : يا سيدي يا عبد القادر اشف مريضي انصرني أو عافني ، كل هذا من الشرك الأكبر ، والذي يموت وهو على هذه الحالة لا يدعى له لأنه مات على الشرك نسأل الله السلامة والعافية ، أما إذا كانت موحدة لا تدعو الأموات بل تعبد الله وحده فإنه يدعى لها ويستغفر لها ولا يصلى عنها ؛ لأن الصلاة لا تقضي عن الميت . ا هـ .
من برنامج ( نور على الدرب ) ، الشريط رقم ( 110 ) .

(12/132)


هل يصلي المريض قبل العملية أم بعدها
س : الأخ / أ . م . م من مكة المكرمة يقول في سؤاله : من المعلوم أن المريض بعد إجراء العملية يبقى مخدرا ، وبعد الإفاقة يبقى متألما عدة ساعات ، فهل يصلي قبل إجراء العملية والوقت لم يدخل بعد؟ أم يؤخر الصلاة حتى يكون قادرا على أدائها بحضور حسي ولو تأخر ذلك يوما فأكثر؟ أفتونا مأجورين .
ج : الواجب على الطبيب أن ينظر في الأمر ، فإذا أمكن أن يتأخر بدء العملية حتى يدخل الوقت مثل الظهر فيصلي المريض الظهر والعصر جمعا إذا دخل وقت الظهر ، وهكذا في الليل يصلي المغرب والعشاء جمعا إذا غابت الشمس قبل بدء العملية ، أما إذا كان العلاج ضحى فإن المريض يكون معذورا إذا دعت الحاجة إلى إجراء العملية قبل دخول الوقت ، وعليه إذا أفاق أن يقضي ما عليه ولو بعد يوم أو يومين ، متى أفاق قضى ما عليه والحمد لله ولا شيء عليه مثل النائم ، إذا أفاق وانتبه ورجع إليه وعيه صلى الأوقات التي فاتته على الترتيب ، يرتبها ظهرا ثم عصرا وهكذا حتى يقضي ما عليه ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك متفق عليه .
والإغماء بسبب المرض أو العلاج حكمه حكم النوم إذا طال ، فإن طال فوق ثلاثة أيام سقط عنه القضاء ، وصار في حكم المعتوه حتى يرجع إليه عقله فيبتدئ فعل الصلاة بعد رجوع عقله إليه . لقول النبي صلى الله عليه وسلم : رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق ولم يذكر القضاء في حق الصغير والمجنون وإنما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بالقضاء في حق النائم والناسي .
والله ولي التوفيق .
نشرت في ( المجلة العربية ) العدد ( 193 ) ، في صفر 1414 هـ .
كيف يصلي من وافق وقت غسيل الكلى له وقت الصلاة
س : سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله . السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :

(12/133)


فأنا شخص مصاب بمرض الكلى وأغسل في الأسبوع ثلاث مرات ، وعندما أنام على سرير الغسيل وتشد في ليات الغسيل أمكث تحت الغسيل أربع ساعات ، ويكون أذان المغرب في بعض المرات وأنا في الغسيل ولا أستطيع التحرك من مكاني ولا أستطيع الوضوء وأنا بالحالة هذه . فهل أعتبر معذورا إذا أخرت الصلاة حتى يخرج وقتها ، أو أصلي وأنا على حالتي وبدون وضوء مع أنني حسب حالة الكرسي قد كون متجها لغير القبلة؟ أفتوني مأجورين عما يجب علي .
ج : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
بعده : المشروع في مثل هذه الحال جمع التقديم أو التأخير ، فإن كان إجراء العملية في وقت الأولى شرع لكم الجمع جمع تقديم بين المغرب والعشاء ، أما إن أجريت العملية قبل دخول وقت المغرب ، أو في أوله ولم يمكن جمع التقديم فإن السنة تأخير المغرب مع العشاء جمع تأخير ، لأنك مريض وهكذا حكم المريض ، وهكذا المسافر إذا كان على ظهر سير فإنه يجمع جمع تقديم إذا كان يرتحل من مكانه في وقت الأولى ، أما إن كان ارتحاله قبل دخول وقت الأولى فإنه يجمع جمع تأخير ، وهذا هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم . وهكذا حكم الظهر والعصر في حق المريض والمسافر . نسأل الله لك ولجميع المسلمين الشفاء والعافية من كل سوء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
مفتي عام المملكة العربية السعودية
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
سؤال شخصي موجه من ص . ب . من الرياض بالمملكة العربية السعودية .
س : سماحة والدنا الشيخ الفاضل : عبد العزيز بن عبد الله ابن باز مفتي عام المملكة حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :

(12/134)


لقد أصبت في أحد الأيام بإسهال وقيء- أعزكم الله- مما استدعى الذهاب بي للطوارئ بالمستشفى الساعة الثانية ظهرا ، ولما اتضح للطبيب المختص أنني مصاب بفشل كلوي وأغسل ثلاث مرات في الأسبوع ، فإنه قد قال : لا بد من إعطائك الدواء مع الغسيل فبدءوا بالغسيل الساعة 2 ظهرا وبسرعة ، وكنت أتوقع عدم الإطالة لأنني قد غسلت في اليوم قبله ، لكن لم ينتهوا ويفكوا الليات والتربيط إلا بعد أذان المغرب . سؤالي يا سماحة الشيخ : هل علي إثم في تأخير صلاة العصر مع المغرب ، لأنني لا أستطيع الوضوء ولا التيمم ، ولا التحرك ما دامت الأجهزة مربوطة في ، والكرسي الذي أنام عليه اتجاهه لغير القبلة ، وتحرجت من الصلاة على هذه الحالة ، وطلبت فك الأربطة لكي أتيمم فأفادني المختص بعدم الاستطاعة لأن هذا يترتب عليه عادة التعقيم ، وتغيير بعض الأجهزة والأدوية . فماذا علي وماذا يعمل المسلم في مثل هذه الحالة خاصة وأن من يجري الغسيل عقله وحواسه معه ولا يدخل في حكم المرفوع عنه القلم؟ أفتوني مأجورين .
ج : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
الواجب على مثلك أداء الصلاة على وقتها حسب الطاقة ولو بالتيمم عند العجز عن الماء ولو إلى غير القبلة عند العجز عن ذلك ، فمن لم يستطع جاز له التأخير . لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما شغل يوم الأحزاب بقتل المشركين عن صلاة العصر أخرها إلى ما بعد المغرب ثم صلى المغرب بعدها . ويدل على ذلك قول الله سبحانه : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ شفاك الله من كل سوء ووفق الجميع للفقه في دينه إنه سميع قريب . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
مفتي عام المملكة العربية السعودية
سؤال شخصي موجه من ص . ب . من الرياض بالمملكة العربية السعودية .

(12/135)


أحكام جمع وقصر الصلاة
إمامة المسافر بالمقيم والعكس
س : إذا سافر الإنسان وأراد أن يصلي الظهر جماعة ووجد شخصا قد أدى صلاة الظهر وهو مقيم ، فهل يصلي المقيم مع المسافر ، وهل يقصر معه الصلاة أو يتمها ؟
ج : إذا صلى المقيم خلف المسافر طلبا لفضل الجماعة وقد صلى المقيم فريضته فإنه يصلي مثل صلاة المسافر ركعتين لأنها في حقه نافلة ، أما إذا صلى المقيم خلف المسافر صلاة الفريضة كالظهر والعصر والعشاء فإنه يصلي أربعا وبذلك يلزمه أن يكمل صلاته بعد أن يسلم المسافر من الركعتين ، أما إن صلى المسافر خلف المقيم صلاة الفريضة لهما جميعا فإنه يلزم المسافر أن يتمها أربعا في أصح قولي العلماء .
لما روى الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه رحمة الله عليهما أن ابن عباس سئل عن المسافر يصلي خلف الإمام المقيم أربعا ويصلي مع أصحابه ركعتين فقال : هكذا السنة . ولعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم . إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه متفق على صحته .
نشرت في ( كتاب الدعوة ) ، الجزء الأول ، ص ( 63 ) .
س : مسافر أدركه الفرض عند مقيمين وهو أولاهم بالإمامة فهل يصلي بهم صلاة مقيم أو مسافر؟
ج : السنة أنه يصلي بهم صلاة المسافر فإذا سلم قاموا وأتموا لأنفسهم . لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بأهل مكة عام الفتح صلى بهم صلاة مسافر وأمرهم أن يتموا صلاتهم ، فإن أتم بهم صح ذلك وترك الأفضل .
وقد ثبت عن عثمان رضي الله عنه أنه كان يتم بالناس في الحج في السنوات الأخيرة من خلافته ، وثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تتم الصلاة في السفر وتقول إنه لا يشق علي ، ولكن الأفضل هو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم . لأنه المشرع المعلم عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم . والله الموفق .
أجاب سماحته على هذا السؤال عندما كان نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .

(12/136)


س : هذه رسالة من السائل ع . م . من الرياض يقول : ما حكم ائتمام من يقصر بمن يتم صلاته أو العكس وكيف يفعلان؟
ج : إذا أم من يقصر الصلاة من يتمها فإنه إذا سلم الإمام من صلاته اثنتين يقوم المقيم ويتم أربعا إذا كان الإمام هو المسافر فيصلي اثنتين ، ثم إذا سلم يقوم من وراءه ويصلون أربعا إذا كانوا مقيمين غير مسافرين والمسافرون يسلمون معه ، هذا إذا كان الإمام هو المسافر ، أما إذا كان الإمام هو المقيم والمسافرون خلفه فإنهم يتمون معه فليس لهم القصر بل يتمون أربعا .
لما ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عمن يصلي خلف الإمام قالوا له : يا ابن عباس ما لنا إذا صلينا خلف الإمام صلينا أربعا وإذا صلينا في رحالنا صلينا اثنتين؟ فقال : هكذا السنة .
رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد وأصله في صحيح مسلم ، وهذا يدل على أن صلاة المسافر خلف الإمام المقيم يجب أن تكمل أربعا للحديث المذكور .
والله ولي التوفيق .
من برنامج ( نور على الدرب ) الشريط رقم ( 59 ) .
س : الأخ ع . ب . ب . من تمير في المملكة العربية السعودية ، يقول في سؤاله : مسافر ينوي الجمع والقصر في صلاته ، صلى مع الجماعة صلاة الظهر فهل يلزمه القيام لأداء صلاة العصر قصرا بعد سلام الإمام مباشرة أم يجوز له تأخيرها ، وهل هناك حد محدود لهذا التأخير؟ أفتونا مأجورين .
ج : إذا صلى المسافر خلف المقيم لزمه إتمام الصلاة لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن السنة لمن صلى خلف المقيم من المسافرين أن يتموا الصلاة ، أما كونه يجمع فلا حرج أن يصلي العصر قصرا بعد سلامه من الظهر مع الإمام ، وإن أخرها إلى وقتها فلا بأس بل ذلك هو الأفضل إذا كان مقيما ذلك اليوم .

(12/137)


لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الصلتتين في السفر في وقت إحداهما إذا كان على ظهر سير ، أما إن كان نازلا فإنه يصلي كل صلاة في وقتها ، وهذا هو الغالب من فعله صلى الله عليه وسلم كما فعل ذلك في منى في حجة الوداع ، فإنه كان يصلي كل صلاة في وقتها قصرا ولم يجمع . وفق الله الجميع لاتباع السنة والاستقامة عليها .
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من ( المجلة العربية ) .
س : ما حكم صلاة المقيم خلف المسافر أو العكس؟ وهل يحق للمسافر القصر حينئذ سواء كان إماما أم مأموما؟
ج : صلاة المسافر خلف المقيم ، وصلاة المقيم خلف المسافر كلتاهما لا حرج فيها ، لكن إن كان المأموم هو المسافر والإمام هو المقيم وجب عليه الإتمام تبعا لإمامه ، لما ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن صلاة المسافر خلف المقيم أربعا فأجاب بأن ذلك هو السنة . أما إن صلى المقيم خلف المسافر في الصلاة الرباعية ، فإنه يتم صلاته إذا سلم إمامه .
من ضمن أسئلة موجهة من بعض طلبة العلم ، وطبعها الأخ محمد الشايع في كتاب .
س : كنت مسافرا وفي إحدى الاستراحات أدركت صلاة الظهر في مسجد الاستراحة وكانوا متمين ، وحين دخلت في الصلاة كان الإمام في التشهد الأول وعندما سلم الإمام سلمت معه حيث أني مسافر فهل عملي هذا صواب وإذا كان الأمر خلاف ذلك فهل أعيد الصلاة؟ أفتونا مأجورين .
ج : عليك أن تعيد الصلاة لأن الواجب على المسافر إذا صلى خلف المقيم أن يصلي أربعا لأن السنة قد صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك . والله ولي التوفيق .
سؤال موجه من ع . س . من الرياض في مجلس سماحته .

(12/138)


مقدار المدة والمسافة التي يجوز فيها الجمع والقصر
إلى فضيلة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي المملكة العربية السعودية ورئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء حفظه الله وأبقاه . السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد : أتقدم لفضيلتكم مفيدا أنني وإخواني نملك مزرعة تقع على طريق الخرج حرض ، فهي تبعد عن الخرج حوالي 65 كم ، وعن الرياض حوالي 140 كم ، ونحن لا نقيم بها بل نسكن في مدينة الرياض ، ولكننا نذهب وباستمرار إلى المزرعة لتفقد العمل بها ومراقبة سير العمل . آمل من فضيلتكم إرشادنا وإفادتنا وفقكم الله إلى الحكم الشرعي عن جمع الصلاة وقصرها بالنسبة لنا ، وكذلك الفطر في نهار رمضان في الحالات التالية التي تمثل واقع ذهابنا باستمرار للمزرعة :
1- عندما نذهب لقضاء يوم أو بعض يوم في المزرعة لمتابعة سير العمل ؟
2- عندما نذهب لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في المزرعة للراحة والاطلاع على العمل؟
3- عندما نذهب لقضاء عطلة منتصف العام الدراسي في المزرعة للراحة ، علما بأن العطلة في الغالب تكون أسبوعين؟
4- عندما نذهب للمزرعة في نهار رمضان هل يصح لنا الفطر مع العلم أنه لا يوجد مشقة ، وفي المزرعة مساكن لنا بها جميع ما نحتاج إليه من وسائل الراحة؟
5- ما الحكم بالنسبة لمن يرافقنا في طلوعنا للمزرعة من الأقارب والأصدقاء ، وهل ينطبق عليهم ما ينطبق علينا من أحكام؟
راجين أن نتلقى إجابتكم كتابيا وفقكم الله لما يحبه ويرضاه وسدد على طريق الخير خطاكم إنه سميع مجيب . م . ع . ص . من الرياض
ج : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، بعده : لا حرج في قصركم وجمعكم وفطركم في . رمضان أنتم ومن معكم إذا ذهبتم إلى المزرعة إذا كان الواقع هو ما ذكرتم أعلاه ، إلا في حالة واحدة وهي : ما إذا أجمعتم على الإقامة في المزرعة أكثر من أربعة أيام فإنكم لا تقصرون ولا تجمعون ولا تفطرون في رمضان . وفق الله الجميع والسلام .
استفتاء شخصي موجه إلى سماحته .

(12/139)


س : نرجو توضيح مسألة صلاة القصر ( قصر الصلاة في السفر ) هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتم الصلاة في السفر وهل تخضع صلاة السفر للمسافة والمدة نرجو توضيح هذه الأسئلة مع الأدلة من الكتاب والسنة جزاكم الله خيرا؟
ج : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر يصلي الظهر ركعتين ، والعصر ركعتين ، والعشاء ركعتين ، حتى يرجع من سفره ، هذا هو المحفوظ عنه عليه الصلاة والسلام ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقصر ويتم ، ولكنه ليس بمحفوظ عنه صلى الله عليه وسلم ، المحفوظ عنه في الأحاديث الصحيحة أنه كان في السفر يقصر حتى يرجع ، أما المغرب فإنه يصليها على حالها ثلاثا سفرا وحضرا ، وهكذا الفجر كان يصليها ثنتين سفرا وحضرا ، ويصلي مع الفجر سنتها قبلها في السفر والحضر وهي ركعتان خفيفتان ، أما سنة الظهر ، وسنة العصر ، وسنة المغرب ، وسنة العشاء فكان يتركها في السفر عليه الصلاة والسلام .

(12/140)


فينبغي للمؤمن أن يفعل ما كان يفعله عليه الصلاة والسلام في السفر ، والسفر عند أهل العلم هو ما يبلغ في المسافة يوما وليلة ، يعني : مرحلتين ، هذا الذي عليه جمهور أهل العلم ، ويقدر ذلك بنحو ثمانين كيلو تقريبا بالنسبة لمن يسير في السيارة ، وهكذا في الطائرات ، وفي السفن ، والبواخر ، هذه المسافة أو ما يقاربها تسمى سفرا ، وتعتبر سفرا في العرف فإنه المعروف بين المسلمين ، فإذا سافر الإنسان على الإبل ، أو على قدميه ، أو على السيارات ، أو على الطائرات ، أو المراكب البحرية ، هذه المسافة أو أكثر منها فهو مسافر ، وقال بعض أهل العلم أنه يحد بالعرف ، ولا يحد بالمسافة المقدرة بالكيلوات ، فما يعد سفرا في العرف يسمى سفرا ويقصر فيه وما لا فلا ، والصواب ما قرره جمهور أهل العلم وهو التحديد بالمسافة التي ذكرت ، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل العلم فينبغي الالتزام بذلك وهو الذي جاء عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وهم أعلم الناس بدين الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
من برنامج ( نور على الدرب ) ، الشريط رقم ( 1 ) .
س : من السائل : ع . ج . أ . بومباي- الهند . سماحة المفتي العام بالمملكة العربية السعودية حفظه الله ورعاه .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
أدعو الله العلي القدير أن يكون سماحتكم بخير وعافية ، أريد أن أعرف حكم الشرع في مسألة : حيث إنني موظف في محطة القطار بتفتيش التذاكر ، وأسافر بالقطار أحيانا إلى مسافة مائتين كيلو متر ، وأحيانا إلى أربعمائة وخمسين كيلو متر ، فهل لي أن أقصر الصلاة الرباعية أم لا؟ أفيدونا بارك الله فيكم ، وتقبل مساعيكم لخدمة الإسلام والمسلمين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

(12/141)


ج : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، بعده : بناء على ما ذكرتم يجوز لك القصر للمسافة المذكورة . لأنها تعتبر مسافة قصر ، وقد تقرر لدينا بعد الدراسة أن مسافة القصر المعتبرة هي ثمانون كيلا تقريبا فأكثر .
نسأل الله أن يوفق الجميع ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
مفتي عام المملكة العربية السعودية
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
استفتاء مقدم من ع . ح . أ . من الهند .
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم فضيلة الشيخ : م . ح . ع قاضي محكمة خيبر ، وفقه الله لكل خير آمين .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، بعده
- يا محب- وصل إلي كتابكم الكريم المؤرخ 3 / 4 / 1389 هـ وصلكم الله بهداه وما تضمنه من السؤال عن جواز قصر الصلاة وجمعها لمن طبيعة دوامه السفر من المملكة إلى خارجها ، أو من بعض مدن المملكة إلى بعضها التي يجوز للمسافر فيها القصر والجمع كسائقي السيارات ، ومن في حكمهم من الباعة والمشترين المتجولين كان معلوما .
والجواب : هؤلاء في حكم المسافرين ، ويشرع لهم قصر الصلاة ، ويجوز لهم الجمع كسائر المسافرين عند جمهور العلماء لعموم الأدلة الشرعية في ذلك ، ولا نعلم دليلا يعارض ذلك ، أما قول بعض الفقهاء أن المكاري الذي معه أهله ولا ينوي الإقامة ببلد معين لا يترخص برخص السفر فهو قول ضعيف لا نعلم له وجها من الشرع ، كما نبه على ذلك أبو محمد بن قدامة- رحمه الله- في المغني .
إجابة من سماحته على سؤال مقدم من قاضي محكمة خيبر ، عندما كان سماحته رئيسا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .
س : ما رأي سماحتكم في السفر المبيح للقصر هل هو محدد بمسافة معينة؟ وما ترون فيمن نوى إقامة في سفره أكثر من أربعة أيام هل يترخص بالقصر؟

(12/142)


ج : جمهور أهل العلم على أنه محدد بمسافة يوم وليلة للإبل والمشاة السير العادي وذلك يقارب 80 كيلو . لأن هذه المسافة تعتبر سفرا عرفا بخلاف ما دونها . ويرى الجمهور أيضا أن من عزم على الإقامة أكثر من أربعة أيام وجب عليه الإتمام والصوم في رمضان .
وإذا كانت المدة أقل من ذلك فله القصر والجمع والفطر . لأن الأصل في حق المقيم هو الإتمام وإنما يشرع له القصر إذا باشر السفر . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقام في حجة الوداع أربعة أيام يقصر الصلاة ثم ارتحل إلى منى وعرفات ، فدل ذلك على جواز القصر لمن عزم على الإقامة أربعة أيام أو أقل ، أما إقامته صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يوما عام الفتح وعشرين يوما في تبوك فهي محمولة على أنه لم يجمع الإقامة وإنما أقام بسبب لا يدري متى يزول ، هكذا حمل الجمهور إقامته في مكة عام الفتح وفي تبوك عام غزوة تبوك احتياطا للدين وعملا بالأصل وهو وجوب الصلاة أربعا في حق المقيمين للظهر والعصر والعشاء .
أما إن لم يجمع إقامة بل لا يدري متى يرتحل فهذا له القصر والجمع والفطر حتى يجمع على إقامة أكثر من أربعة أيام أو يرجع إلى وطنه . والله ولي التوفيق .
من ضمن أسئلة موجهة من بعض طلبة العلم ، وطبعها الأخ محمد الشايع في كتاب .
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ع . ف . ف . وفقه الله .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
فأشير إلى رسالتكم المؤرخة في 10 / 11 / 1410 هـ ، التي جاء فيها : أود أن أعرض على فضيلتكم موضوعا كنت قد استفتيتكم فيه منذ مدة طويلة وهو جمع وقصر الصلاة في السفر مهما طالت المدة ، وحيث إن الأقوال كثرت في هذا الموضوع ، فآمل من فضيلتكم أن تبينوا لي شيئين :

(12/143)


أولا : السفر خارج المملكة ، هل يجوز لي القصر والجمع مهما طالت مدته ، حيث أحيانا تزيد عن شهرين ، علما بأني لا أستطيع الصلاة بالملابس الإفرنجية وأضطر أن أرجع إلى سكني للصلاة ، والجمع والقصر يريح أكثر ، فما الحكم هل يجوز أن أجمع وأقصر أم لا؟
ثانيا : أسافر كثيرا إلى جدة وعندي سكن هناك ، ولكن مقر إقامتي في الرياض وأجلس هناك مدة أحيانا تزيد عن الشهر ، فهل يجوز لي الجمع والقصر أم لا؟
ج : أفيدك بأن السفر الذي يترخص فيه المسافر برخص السفر هو ما اعتبر سفرا عرفا ومقداره على سبيل التقريب مسافة ثمانين كيلو مترا . فمن سافر لقطع هذه المسافة فأكثر فله أن يترخص برخص السفر في المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن وقصر الصلاة الرباعية ركعتين ، وجمع الظهر والعصر في وقت إحداهما ، وهكذا المغرب والعشاء ، والفطر في رمضان وإذا وصل المسافر إلى البلد التي قصدها ونوى الإقامة فيها أكثر من أربعة أيام فإنه لا يترخص برخص السفر . وإذا نوى الإقامة أربعة أيام فما دونها فإنه يترخص برخص السفر .
والمسافر الذي وصل إلى بلد لقضاء حاجة ولكنه لا يدري متى تنقضي حاجته ولم يحدد زمنا معينا للإقامة يزيد على أربعة أيام فإنه يترخص برخص السفر ولو زادت إقامته على أربعة أيام
ولبس الملابس الإفرنجية ليس عذرا في تأخير الصلاة عن وقتها ولا عذرا في جمع الصلتتين ، ولا ينبغي للمسافر ترك صلاة الجماعة إذا تيسرت له بحجة السفر . لأن صلاة الجماعة واجبة والقصر والجمع رخصة . وفق الله الجميع لما فيه رضاه ، وأعاننا وإياكم على كل خير . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية
والإفتاء والدعوة والإرشاد
صدر من مكتب سماحته برقم 3964 / 2 في 13 / 11 / 1410 هـ .

(12/144)


س : هل صحيح أن المسافر يقصر الصلاة مهما طالت مدة السفر ولو بلغت سنين؟ أم أن هناك زمنا محددا ينتهي فيه القصر؟ وما حكم السفر في من يسافر للدراسة أو العمل خارج بلده ، هل الصحيح أنه يقصر حتى يرجع من الدراسة أو العمل؟
ج : السنة للمسافر أن يقصر الصلاة في السفر تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وعملا بسنته إذا كانت المسافة ثمانين كيلو تقريبا أو أكثر ، فإذا سافر مثلا من السعودية إلى أمريكا قصر ما دام في الطريق ، أو سافر من مكة إلى مصر أو من مصر إلى مكة قصر ما دام في الطريق ، وهكذا إذا نزل في بلد فإنه يقصر ما دام في البلد إذا كانت الإقامة أربعة أيام فأقل فإنه يقصر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل مكة في حجة الوداع ، فإنه نزل بمكة صبيحة رابعة في ذي الحجة ولم يزل يقصر حتى خرج إلى منى في ثامن ذي الحجة . وكذلك إذا كان عازما على الإقامة مدة لا يعرف نهايتها هل هي أربعة أيام أو أكثر فإنه يقصر حتى تنتهي حاجته ، أو يعزم على الإقامة مدة تزيد عن أربعة أيام عند أكثر أهل العلم . كأن يقيم لالتماس شخص له عليه دين أو له خصومة لا يدري متى تنتهي ، أو ما أشبه ذلك ، فإنه يقصر ما دام مقيما لأن إقامته غير محدودة فهو لا يدري متى تنتهي الإقامة فله القصر ويعتبر مسافرا ، يقصر ويفطر في رمضان ولو مضى على هذا سنوات .
أما من أقام إقامة طويلة للدراسة ، أو لغيرها من الشؤون ، أو يعزم على الإقامة مدة طويلة فهذا الواجب عليه الإتمام ، وهذا هو الصواب ، وهو الذي عليه جمهور أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم . لأن الأصل في حق المقيم الإتمام ، فإذا عزم على الإقامة أكثر من أربعة أيام وجب عليه الإتمام للدراسة أو غيرها .

(12/145)


وذهب ابن عباس رضي الله عنهما إلى أن المسافر إذا أقام تسعة عشر يوما أو أقل فإنه يقصر . وإذا نوى الإقامة أكثر من ذلك وجب عليه الإتمام محتجا بإقامة النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة تسعة عشر يوما يقصر الصلاة فيها . ولكن المعتمد في هذا كله هو أن الإقامة التي لا تمنع قصر الصلاة إنما تكون أربعة أيام فأقل ، هذا الذي عليه الأكثرون ، وفيه احتياط للدين ، وبعد عن الخطر بهذه العبادة العظيمة التي هي عمود الإسلام .
والجواب عما احتج به ابن عباس رضي الله عنهما : أنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه عزم على الإقامة هذه المدة ، وإنما أقام لتأسيس قواعد الإسلام في مكة ، وإزالة آثار الشرك من غير أن ينوي مدة معلومة ، والمسافر إذا لم ينو مدة معلومة له القصر ولو طالت المدة كما تقدم . فنصيحتي لإخواني المسافرين للدراسة أو غيرها أن يتموا الصلاة ، وألا يقصروا ، وأن يصوموا رمضان ولا يفطروا إلا إذا كانت الإقامة قصيرة أربعة أيام فأقل ، أو كانت الإقامة غير محددة لا يدري متى تنتهي لأن له حاجة يطلبها لا يدري متى تنتهي كما تقدم ، فإن هذا في حكم المسافر هذا هو أحسن ما قيل في هذا المقام ، وهو الذي عليه أكثر أهل العلم ، وهو الذي ينبغي لما فيه من الاحتياط للدين لقول النبي صلى الله عليه وسلم : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وقوله صلى الله عليه وسلم : فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه

(12/146)


وإقامته صلى الله عليه وسلم في مكة تسعة عشر يوما يوم الفتح محمولة على أنه لم يجمع عليها وإنما أقام لإصلاح أمور الدين ، وتأسيس توحيد الله في مكة وتوجيه المسلمين إلى ما يجب عليهم كما تقدم ، فلا يلزم من ذلك أن يكون عزم على هذه الإقامة . بل يحتمل أنه أقامها إقامة لم يعزم عليها ، وإنما مضت به الأيام في النظر في شؤون المسلمين وإصلاح ما يحتاج إلى إصلاح وإقامة شعائر الدين في مكة المكرمة . وليس هناك ما يدل على أنه عزم عليها حتى يحتج بذلك على أن مدة الإقامة المجيزة للقصر تحد بتسعة عشر يوما كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما .

(12/147)


وهكذا إقامته صلى الله عليه وسلم في تبوك عشرين يوما ليس هناك ما يدل على أنه عازم عليها عليه الصلاة والسلام . بل الظاهر أنه أقام يتحرى ما يتعلق بحرب ، وينظر في الأمر وليس عنده إقامة جازمة في ذلك ، لأن الأصل عدم الجزم بالإقامة إلا بدليل ، وهو مسافر للجهاد والحرب مع الروم وتريث في تبوك هذه المدة للنظر في أمر الجهاد ، وهل يستمر في السفر ويتقدم إلى جهة الروم أو يرجع؟ ثم اختار الله له سبحانه أن يرجع إلى المدينة فرجع . والمقصود أنه ليس هناك ما يدل على أنه نوى الإقامة تسعة عشر يوما في مكة ، ولا أنه نوى الإقامة جازمة في تبوك عشرين يوما حتى يقال إن هذه أقل مدة للقصر ، أو أن هذه أقصى مدة للإقامة بل ذلك محتمل كما قاله الجمهور ، وتحديد الإقامة بأربعة أيام فأقل إذا نوى أكثر منها أتم ، مأخوذ من إقامته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في مكة قبل الحج ، فإنه أقام أربعة أيام لا شك في ذلك عازما على الإقامة بها من أجل الحج من اليوم الرابع إلى أن خرج إلى منى ، وقال جماعة من أهل العلم تحدد الإقامة بعشرة أيام لأنه صلى الله عليه وسلم أقام عشرة أيام في مكة في حجة الوداع وأدخلوا في ذلك إقامته في منى وفي عرفة وقالوا عنها إنها إقامة قد عزم عليها ، فتكون المدة التي يجوز فيها القصر عشرة أيام فأقل . لأنه قد عزم عليها . وهذا قول له قوته وله وجاهته لكن الجمهور جعلوا توجهه من مكة إلى منى شروعا في السفر لأنه توجه إلى منى ليؤدي مناسك الحج ثم يسافر إلى المدينة .

(12/148)


وبكل حال فالمقام مقام خلاف بين أهل العلم وفيه عدة أقوال لأهل العلم . لكن أحسن ما قيل في هذا وأحوط ما قيل في هذا المقام ، هو ما تقدم من قول الجمهور ، وهو : أنه إذا نوى المسافر الإقامة في البلد أو في أي مكان أكثر من أربعة أيام أتم ، وإن نوى إقامة أقل قصر ، وإذا كانت ليس له نية محددة يقول أسافر غدا أو أسافر بعد غد ، يعني له حاجة يطلبها لا يدري متى تنتهي ، فإن هذا في حكم السفر وإن طالت المدة . والله ولي التوفيق .
من برنامج ( نور على الدرب ) ، الشريط الثامن عشر .
س : أنا رجل أعمل بالقوات البحرية مع بحارة نقلع بالسفينة من الميناء إلى البحر لمدة ثلاثة أيام ، أو أربعة ، فهل يجوز لنا قصر الصلوات وجمعها ، علما بأن طلوعنا لا يبتعد عن المدينة كثيرا بل لبعض الأعمال ، أرجو أن تفيدونا .
ج : راكب السفينة أو راكب الأنواع الأخرى من المراكب البحرية مثل راكب السيارة بالبر والقطار بالبر ، إن كانت المسافة مسافة قصر : قصر وجمع وإلا فلا ، فإذا كانت السفينة حول الميناء وحول الساحل ، ما تذهب بعيدا ، كمسافة عشرة كيلو مترات ، أو عشرين كيلو مترا أو نحو ذلك ، فهذا لا يقصر وليس له حكم السفر ، أما إذا كانت تذهب بعيدا مما يسمى سفرا مثل سبعين كيلو مترا ، ثمانين كيلو مترا ، مائة كيلو مترا ، أو أكثر فهذا سفر ، لأهلها القصر والجمع بين الصلتتين . لأنهم مسافرون كالذي خرج إلى البرية لنزهة أو نحو ذلك ثمانين كيلو مترا ، سبعين كيلو مترا ، أو تسعين كيلو مترا ، أو مائة كيلو مترا أو ما هو أكثر من ذلك .
من برنامج ( نور على الدرب ) ، الشريط رقم ( 26 ) .
س : إذا ذهبنا إلى البر فهل يجوز لنا أن نقصر الصلاة الرباعية ونجمعها؟

(12/149)


ج : إذا كان المكان الذي ذهبتم إليه من البر بعيدا عن محل إقامتكم ويعتبر الذهاب إليه سفرا فلا مانع من القصر إذا كانت المسافة 80 كيلا تقريبا ، والقصر أفضل من الإتمام وهو أن يصلي المسافر الظهر ركعتين ، والعصر ركعتين ، والعشاء ركعتين ولا مانع من الجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، وتركه- أي الجمع- أفضل إذا كان المسافر مقيما مستريحا . لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان مدة إقامته في منى يقصر الصلاة ولا يجمع ، وإنما جمع في عرفة ومزدلفة لداعي الحاجة إلى ذلك . ومتى عزم المسافر على الإقامة في مكان أكثر من أربعة أيام فالواجب عليه ألا يقصر ، بل يصلي الرباعية أربعا وهو قول أكثر أهل العلم ، أما إذا كانت الإقامة أربعة أيام فأقل فالقصر أفضل . والله ولي التوفيق .
نشرت في ( المجلة العربية ) ، في جمادى الأولى 1411هـ .
هل الأفضل في الجمع بين الصلتتين التقديم أو التأخير
س : في الجمع والقصر ما بين الظهر والعصر ، ما هو الأفضل الصلاة بعد أذان الظهر مباشرة ، أم تأخيرها إلى منتصف الوقتين؟

(12/150)


ج : إن كان المسافر يريد أن يرتحل من مكانه في السفر قبل الزوال شرع له أن يصلي الظهر والعصر جمع تأخير ، أما إن كان ارتحاله بعد الزوال فالأفضل له أن يصلي الظهر والعصر جمع تقديم ، وهكذا الحكم في المغرب والعشاء إن ارتحل قبل الغروب أخر المغرب مع العشاء جمع تأخير ، وإن ارتحل بعد الغروب قدم العشاء مع المغرب وصلاهما جمع تقديم ، هذه سنته عليه الصلاة والسلام فيما ذكرنا ، أما إن كان مقيما فهو مخير إن شاء جمع جمع تأخير وإن شاء جمع جمع تقديم ، والأفضل له أن يصلي كل صلاة في وقتها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في منى في حجة الوداع فإنه كان يصلي كل صلاة في وقتها . لأنه مقيم فإن دعت الحاجة إلى الجمع فلا حرج . لأنه صلى الله عليه وسلم جمع في غزوة تبوك وهو مقيم ، وهكذا المريض يفعل ما هو الأرفق به من الجمع- أعني جمع التقديم أو جمع التأخير- فإن لم يكن عليه مشقة تدعوه إلى الجمع صلى كل صلاة في وقتها هذا هو الأفضل له وإن جمع فلا بأس .
من ضمن الفتاوى التي صدرت من مكتب سماحته .
س : ما وقت الجمع بين الصلتتين وما وقت الوتر؟
ج : الجمع بين الصلتتين في أول الوقت أو آخره ، الأمر في الجمع واسع ، فقد دل الشرع المطهر على جوازه في وقت الأولى والثانية أو بينهما . لأن وقتهما صار وقتا واحدا في حق المعذور كالمسافر ، والمريض ، ويجوز الكلام بين الصلتتين المجموعتين بما تدعو له الحاجة ، وأما الوتر فيدخل وقته من حين الفراغ من صلاة العشاء ، ولو كانت مجموعة مع المغرب جمع تقديم ، وينتهي بطلوع الفجر .
ونسأل الله أن يمنحنا وإياكم الفقه في دينه وأن يثبتنا وإياكم عليه حتى نلقاه ، إنه جواد كريم . والله الموفق .
من برنامج ( نور على الدرب ) .

(12/151)


س : الأخ ع . ص . م . - من الطائف يقول في سؤاله : كنا مجموعة على سفر وعند وصولنا إلى المكان المقصود في البرية بعد صلاة المغرب بحوالي الساعة ، طلبت منهم الاستعجال بالوضوء لنؤدي صلاة المغرب والعشاء قصرا وجمعا ، فقال أحد الإخوة : إن الصلاة لا تجوز في هذا الوقت وعليكم التأخر حتى يؤذن العشاء ، فقلت له : إن الصلاة جائزة في وقت أحدهما ، وأنه إذا خرج وقت المغرب دخل بعده وقت العشاء مباشرة ، فقال : إن هناك وقتا بين الوقتين ليس بوقت صلاة .
سماحة الشيخ : نرجو إيضاح حكم الشرع في هذه المسألة ، وماذا عن الجمع بين صلاة الظهر والعصر بالنسبة للوقت؟ جزاكم الله خيرا .
ج : الصواب هو ما ذكرتم فإنه ليس بين وقت المغرب ووقت العشاء وقت تمنع فيه الصلاة ، وهكذا الظهر والعصر ليس بينهما وقت تمنع فيه الصلاة بل متى خرج وقت الأولى دخل وقت الثانية مباشرة من غير فاصل ، وللمسافر أن يجمع بين الصلتتين في وقت إحداهما . لأن الوقتين صارا بالنسبة إليه وقتا واحدا كالمريض ، ولكن الأفضل للمسافر إذا كان على ظهر سير وارتحل من منزله قبل دخول وقت الأولى ، أن يؤخرها إلى وقت الثانية حتى يجمع بينهما جمع تأخير ، فإن ارتحل من منزله بعد دخول وقت الأولى شرع له أن يقدم الثانية مع الأولى ويجمع جمع تقديم ، تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك . أما المسافر المقيم فالأفضل له ألا يجمع بل يصلي كل صلاة في وقتها قصرا بلا جمع إذا كانت إقامته أربعة أيام فأقل لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في منى في حجة الوداع يوم العيد واليوم الحادي عشر واليوم الثاني عشر من أيام التشريق يصلي كل صلاة في وقتها ، ولم يجمع ، أما إذا نوى المسافر إقامة أكثر من أربعة أيام فإن الأحوط في هذه الحال أن يصلي كل صلاة في وقتها تماما من دون قصر عند أكثر أهل العلم . وفق الله الجميع .
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من ( المجلة العربية ) .

(12/152)


س : إذا- كنا مسافرين ومررنا بمسجد وقت الظهر " مثلا " فهل المستحب لنا أن نصلي الظهر مع الجماعة ، ثم نصلي العصر قصرا ، أم نصلي لوحدنا؟ وهل إذا صلينا مع الجماعة وأردنا صلاة العصر نقوم مباشرة بعد السلام لأجل الموالاة؟ أم نذكر الله ونسبحه ونهلل ثم نصلي العصر؟
ج : الأفضل لكم أن تصلوا وحدكم قصرا . لأن السنة للمسافر قصر الصلاة الرباعية ، فإن صليتم مع المقيمين وجب عليكم الإتمام ، كما صحت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا أردتم الجمع فالمشروع لكم البدار بذلك عملا بالسنة كما تقدم في جواب السؤال السابق ، بعد الاستغفار ثلاثا وقول : اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام . لكن إذا كان المسافر واحدا فإنه يجب عليه أن يصلي مع الجماعة المقيمين ويتم الصلاة . لأن أداء الصلاة في الجماعة من الواجبات وقصر الصلاة مستحب . فالواجب تقديم الواجب على المستحب . وبالله التوفيق .
من ضمن أسئلة موجهه من بعض طلبة العلم ، وطبعها الأخ محمد الشايع في كتاب .
س : من السائل م . ص . ع من الباحة بالمملكة العربية السعودية ، إذا وصل الإنسان إلى مطار الرياض بعد صلاة العشاء وهو لم يصل المغرب والعشاء فهل يجمع ويقصر المغرب والعشاء؟

(12/153)


ج : المشروع للمسافر ما دام في السفر هو القصر أما الجمع ففيه تفصيل ، فإن كان على ظهر سير فالأفضل الجمع تقديما أو تأخيرا حسب ما تقتضيه الحال . لفعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان إذا كان على ظهر سير جمع المغرب مع العشاء والظهر مع العصر . . فإن كان ارتحاله من المنزل قبل الزوال أخر الظهر مع العصر جمع تأخير وإن كان ارتحاله بعد الزوال قدم العصر مع الظهر وهكذا المغرب والعشاء ، وإذا كان ارتحاله صلى الله عليه وسلم قبل الغروب أخر المغرب مع العشاء جمع تأخير ، وإن كان ارتحاله بعد الغروب قدم العشاء مع المغرب أما إن كان المسافر نازلا فالأفضل له عدم الجمع لأنه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع لم يجمع بين الصلتتين حال نزوله في منى .
أما الذي وصل إلى مطار الرياض وهو لم يصل المغرب والعشاء فإنه يسن له الجمع بين المغرب والعشاء ويصلي العشاء قصرا . لأن المطار خارج البلد في الوقت الحاضر ، وإن أخر العشاء وصلاها مع الناس تماما في البلد فلا بأس . والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من ( المجلة العربية ) .
س : رجل أراد السفر بعد صلاة الظهر وقبل دخول وقت صلاة العصر فهل يجوز له الجمع بين الظهر والعصر في وقت الأولى؟
ج : ليس له الجمع بين الصلتتين حتى يغادر عامر القرية أو المدينة ويبرز للصحراء . لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الظهر عام حجة الوداع بالمدينة أربعا ثم يخرج وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين . والله ولي التوفيق .
نشرت في ( مجلة الدعوة ) ، في ذي القعدة 1412 هـ .

(12/154)


المسافر إذا كان وحده فإنه يصلي مع الإمام بالإتمام
س : إذا كنت مسافرا ومكثت في البلد الذي سافرت إليه عدة أيام ، ثلاثة أو أربعة أو أقل أو أكثر ، ودخلت المسجد وقت الظهر وصليت مع الجماعة صلاة الظهر أربع ركعات ، ثم قمت لوحدي وصليت العصر قصرا ، هل عملي هذا جائز؟ وهل يجوز لي الصلاة جمعا وقصرا لوحدي في المنزل وأنا في وسط بلد به مساجد كثيرة وأسمع الأذان بحجة أنني مسافر؟
ج : إذا عزم المسافر على الإقامة في بلد أكثر من أربعة أيام وجب عليه الإتمام عند جمهور أهل العلم ، أما إن كانت الإقامة أقل من ذلك فالقصر أفضل ، وإن أتم فلا حرج عليه ، لكن إن كان واحدا فليس له أن يقصر وحده بل يجب أن يصلي مع الجماعة ويتم ، للأحاديث الدالة على وجوب الجماعة ، ولما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في مسند أحمد وصحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن السنة للمسافر إذا صلى مع الإمام المقيم فإنه يصلي أربعا ، ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم : إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه متفق عليه .
نشرت في ( كتاب الدعوة ) ، الجزء الثاني ، صـ ( 138 ) .
س : هل يجوز للمسافر المعتمر أن يجمع صلاة الظهر مع العصر ويقصرهما ما دام سيقيم في مكة يومين أو ثلاثة ، وهو بجوار الحرم؟ جزاكم الله خيرا .
ج : لا يجوز للمسافر الواحد أن يقصر الصلاة بل يجب عليه أن يصلي مع جماعة المسلمين ويتمها ، لأن القصر مستحب وأداؤها في الجماعة أمر مفترض ، لكن إن كان المسافرون أكثر من واحد ، فلا بأس أن يصلوا قصرا ، إذا كانت الإقامة أربعة أيام فأقل .
نشرت في ( مجلة الدعوة ) العدد ( 1489 ) بتاريخ 27 ذي القعدة 1415 هـ .
هل الأفضل للمسافر القصر بلا جمع أو الجمع والقصر وهل بينها تلازم
س : يتصور البعض أن الجمع والقصر متلازمان ، فلا جمع بلا قصر ولا قصر بلا جمع ، فما رأيكم في ذلك؟ وهل الأفضل للمسافر القصر بلا جمع أو الجمع والقصر؟

(12/155)


ج : من شرع الله له القصر وهو المسافر جاز له الجمع ولكن ليس بينهما تلازم فله أن يقصر ولا يجمع . وترك الجمع أفضل إذا كان المسافر نازلا غير ظاعن كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في منى في حجة الوداع ، فإنه قصر ولم يجمع وقد جمع بين القصر والجمع في غزوة تبوك ، فدل على التوسعة في ذلك .
وكان صلى الله عليه وسلم يقصر ويجمع إذا كان على ظهر سير غير مستقر في مكان ، أما الجمع فأمره أوسع فإنه يجوز للمريض ويجوز أيضا للمسلمين في مساجدهم عند وجود المطر أو الدحض بين المغرب والعشاء ، وبين الظهر والعصر ، ولا يجوز لهم القصر ؛ لأن القصر مختص بالسفر فقط . والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة من بعض طلبة العلم ، وطبعها الأخ محمد الشايع في كتاب .
حكم الجمع والقصر لمن دخل الوقت وهو لم يرتحل بعد
س : إذا دخل الوقت وهو في الحضر ثم سافر قبل أداء الصلاة فهل يحق له القصر والجمع أم لا؟ وكذلك إذا صلى الظهر والعصر " مثلا " لما قصرا وجمعا ثم وصل إلى بلده في وقت العصر ، فهل فعله ذلك صحيح؟ وهو يعلم وقت القصر والجمع أنه سيصل إلى بلده في وقت الثانية .
ج : إذا دخل على المسافر وقت الصلاة وهو في البلد ثم ارتحل قبل أن يصلي شرع له القصر إذا غادر معمور البلد في أصح قولي العلماء ، وهو قول الجمهور . إذا جمع وقصر في السفر ثم قدم البلد قبل دخول وقت الثانية ، أو في وقت الثانية لم تلزمه الإعادة لكونه قد أدى الصلاة على الوجه الشرعي ، فإن صلى الثانية مع الناس صارت له نافلة .
من ضمن الأسئلة الموجهة من بعض طلبة العلم ، وطبعها الأخ محمد الشايع في كتاب .
حكم الجمع عند المطر
س : ما رأي سماحتكم في الجمع للمطر بين المغرب والعشاء في الوقت الحاضر في المدن ، والشوارع معبدة ومرصوفة ومنارة إذ لا مشقة ولا وحل؟

(12/156)


ج : لا حرج في الجمع بين المغرب والعشاء ولا بين الظهر والعصر في أصح قولي العلماء للمطر الذي يشق معه الخروج إلى المساجد ، وهكذا الدحض والسيول الجارية في الأسواق لما في ذلك من المشقة . والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء
زاد مسلم في روايته : من غير خوف ولا مطر ولا سفر
فدل ذلك على أنه قد استقر عند الصحابة رضي الله عنهم أن الخوف والمطر عذر في الجمع كالسفر ، لكن لا يجوز القصر في هذه الحال وإنما يجوز الجمع فقط ، لكونهم مقيمين لا مسافرين ، والقصر من رخص السفر الخاصة . والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة من بعض طلبة العلم ، وطبعها الأخ محمد الشايع في كتاب .
س : ما ضابط الجمع بين الصلاتين أثناء المطر أو في حال المطر؟
ج : إذا وجد العذر جاز أن يجمع بين الصلتتين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء لعذر وهو المريض ، والمسافر ، وهكذا في المطر الشديد في أصح قولي العلماء ، يجمع بين الظهر والعصر كالمغرب والعشاء ، وبعض أهل العلم يمنع الجمع بين الظهر والعصر في البلد للمطر ونحوه كالدحض الذي تحصل به المشقة ، والصواب جواز ذلك كالجمع بين المغرب والعشاء إذا كان المطر أو الدحض شديدا يحصل به المشقة ، فإذا جمع بين الظهر والعصر جمع تقديم فلا بأس ، كالمغرب والعشاء ، سواء جمع في أول الوقت أو في وسط الوقت ، المهم إذا كان هناك ما يشق عليهم بأن كانوا في المسجد وهي المطر الشديد ، والأسواق يشق عليهم المشي فيها لما فيها من الطين والماء جمعوا ولا بأس ، وإن لم يجمعوا فلهم العذر يصلون في بيوتهم ، بوجود الأمطار في الأسواق ووجود الطين .
من ضمن أسئلة تابعة لتعليق سماحته على محاضرة بعنوان : (الصلاة وأهميتها ) بالجامع الكبير بالرياض.

(12/157)


س : في الأيام الماضية بعض أئمة المساجد جمعوا صلاة المغرب مع العشاء بعد نزول مطر خفيف لم يحصل به بنزوله مشقة . فما الحكم يا سماحة الشيخ ، هل صلاتهم صحيحة أم لا بد من إعادة الصلاة؟
ج : لا يجوز الجمع بين الصلتتين إلا بعذر شرعي كالسفر والمرض والمطر الذي يبل الثياب ويحصل به بعض المشقة ، كالوحل ، أما من جمع بين العشاءين أو الظهر والعصر بغير عذر شرعي فإن ذلك لا يجوز ، وعليه أن يعيد الصلاة التي قدمها على وقتها ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد أخرجه مسلم في صحيحه . وأصله في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد
وبذلك يعلم أن الواجب على كل مسلم أن يتحرى في عباداته كلها ما يوافق الشرع المطهر ، وأن يحذر ما يخالف ذلك . وفق الله المسلمين جميعا للفقه في الدين والثبات عليه .
سؤال موجه من ع . س . من الرياض في مجلس سماحته .
هل النية شرط للجمع
س : هل النية شرط لجواز الجمع؟ فكثيرا ما يصلون المغرب بدون نية الجمع وبعد صلاة المغرب يتشاور الجماعة فيرون الجمع ثم يصلون العشاء؟
ج : اختلف العلماء في ذلك والراجح أن النية ليست بشرط عند افتتاح الصلاة الأولى ، بل يجوز الجمع بعد الفراغ من الأولى إذا وجد شرطه من خوف أو مطر أو مرض .
من ضمن الأسئلة الموجهة من بعض طلبة العلم ، وطبعها الأخ محمد الشايع في كتاب .
الموالاة بين الصلاتين عند الجمع
س : الموالاة بين الصلاتين ، إذ قد يتأخرون مدة تعتبر فصلا بين الصلاتين ويجمعون فما الحكم في ذلك؟

(12/158)


ج : الواجب في جمع التقديم الموالاة بين الصلاتين ولا بأس بالفصل اليسير عرفا لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي والصواب أن النية ليست بشرط كما تقدم في جواب السؤال السابق ، أما جمع التأخير فالأمر فيه واسع . لأن الثانية تفعل في وقتها ، ولكن الأفضل هو الموالاة بينهما تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك . والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة من بعض طلبة العلم ، وطبعها الأخ محمد الشايع في كتاب .
حكم جمع المسافر الصلاة في آخر يوم
س : هل يجوز للمسلم إذا كان مسافرا سفرا طويلا أن يجمع الصلاة في آخر يوم؟ - 296 -
ج : هذا منكر عظيم لم يقل به أحد من أهل العلم صائما يجوز للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر فقط في وقت إحداهما قبل أن تصفر الشمس ، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما قبل منتصف الليل ، أما الفجر فلا تجمع إلى غيرها ، بل تصلي في وقتها دائما في السفر والحضر قبل طلوع الشمس . والله الموفق .
من برنامج (نور على الدرب) .
قصر الصلاة وجمعها للمسافر داخل المدينة
س : نحن ثلاثة أشخاص سافرنا من الرياض إلى القصيم لقضاء يومي الخميس والجمعة هناك ، فهل نقصر الصلاة ونجمعها وهل تلزمنا الصلاة مع الجماعة في المسجد؟
ج : يشرع لكم قصر الصلاة الرباعية ، أما المغرب والفجر فلا قصر فيهما ولا تلزمكم الصلاة في المساجد مع المقيمين ، فإن صليتم معهم فعليكم أن تصلوا أربعان لأن السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم قد دلت على أن المسافر إذا صلى خلف المقيم فإنه يصلي أربعا ، وعليكم أن تصلوا مع المقيمين في المساجد صلاة المغرب والفجر ، لأنه لا قصر فيهما . ولعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر أخرجه ابن ماجة والدارقطني وصححه ابن حبان والحاكم وإسناده على شرط مسلم .

(12/159)


وقوله صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم لما قال يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال نعم قال فأجب أخرجه الإمام مسلم في صحيحه .
ويجوز لكم الجمع بين الصلتتين ، الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء لأنكم مسافرون ولكن تركه أفضل لكونكم مقيمين ، وإن صليتم مع الجماعة في المساجد فلعله أفضل وأكثر أجرا . وبالله التوفيق .
نشرت في (المجلة العربية) في شوال 1412 هـ .
س : إذا سافر الإنسان إلى جدة مثلا ، فهل يحق له أن يصلي ويقصر أم لا بد أن يصلي مع الجماعة في المسجد؟
ج : إذا كان المسافر في الطريق فلا بأس ، أما إذا وصل البلد فلا يصلي وحده ، بل عليه أن يصلي مع الناس ويتم ، أما في الطريق إذا كان وحده وحضرت الصلاة فلا بأس أن يصلي في السفر وحده ويقصر الرباعية اثنتين .
تابع للقاء المفتوح بين سماحته ومنسوبي ثانوية دار التوحيد بتاريخ 29/ 1/ 1418 هـ .
المسافر له أن يصلي صلاة السفر إذا فارق عامر البلد
س : ما الحكم إذا سافر شخص بعد دخول وقت الظهر وبعد أن سار ما يقرب من عشرة كيلومترات وقف ليصلي ، هل يتم أم يقصر؟
ج : الذي عليه جمهور أهل العلم أن للمسافر أن يصلي صلاة السفر إذا فارق البلد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقصر في أسفاره إلا إذا غادر المدينة ، فيصلي ركعتين لأن العبرة بوقت الفعل ، فإذا أذن المؤذن للظهر أو للعصر وخرج المسافر وجاوز عامر البلد شرع له أن يقصر الصلاة الرباعية فالعبرة بوقت الفعل لا بوقت الخروج من البلد ، لأنه وقت الفعل مسافر
من برنامج (نور على الدرب) ، الشريط رقم (11) .
من سافر إلى بلد له فيها قريب مسافة قصر فيعتبر مسافرا
س : إذا سافر شخص من الرياض إلى مكة وفي طريقه مر على القصيم ويوجد في القصيم بعض أقربائه فجلس عندهم يومين ، فهل يعتبر مسافرا أو مقيما؟

(12/160)


ج : هذا يعتبر مسافرا ما دام في غير وطنه ، ولو كان فيه قريب له كأخ أو أخت أو غيرهما ، لكن لا يصلي وحده بل يصلي مع الجماعة ويتم معهم أربعا لوجوب الصلاة في الجماعة ، أما إذا كان معه شخص آخر أو أكثر فلهم أن يصلوا قصرا ، ولهم أن يصلوا مع جماعة البلد ويتموا . أما إن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام فإن عليه أن يتم الصلاة الرباعية سواء كان المسافر واحدا أو كانوا جماعة .
من برنامج (نور على الدرب) ، الشريط رقم (11) .
حكم جمع صلاة العصر مع صلاة الجمعة
س: سائل يسأل ويقول سافرت إلى مكة المكرمة لأداء العمرة وأدركتني صلاة الجمعة وأنا بالقرب من إحدى المدن على الطريق وصليت الجمعة مع المسلمين في الجامع وبعد أداء الصلاة وحيث إني مسافر أقمت وصليت العصر فهل عملي هذا جائز؟ أفتونا مأجورين .
ج: ليس هناك دليل فيما نعلم يدل على جواز جمع العصر مع الجمعة ، ولم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم ، فالواجب ترك ذلك ، وعلى من فعل ذلك أن يعيد صلاة العصر إذا دخل وقتها . وفق الله الجميع .
سؤال موجه من ع . س . من الرياض في مجلس سماحته .
س: هل يجوز للمسافر إذا صلى الجمعة مع المقيمين أن يجمع إليها العصر ؟
ج: لا يجوز له ذلك . لأن الجمعة لا يجمع إليها شيء ، بل عليه أن يصلي العصر في وقتها ، أما إن صلى المسافر يوم الجمعة ظهرا ولم يصل جمعة مع المقيمين فإنه لا حرج عليه أن يجمع إليها العصر .
لأن المسافر لا جمعة عليه . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر في حجة الوداع ، يوم عرفة بأذان واحد وإقامتين ، ولم يصل جمعة . والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من (المجلة العربية) .

(12/161)


س: الأخ ا . م . ج . - من الرياض يقول في سؤاله: صليت في الحرم النبوي الشريف صلاة الجمعة ، ولما كنت على سفر فقد نويت أن أجمع معها صلاة العصر قصرا ، وما أن هممت بالتكبير لصلاة العصر حتى أعلن المؤذن عن الصلاة على جنازة فصليت مع الجماعة عليها وبعد ذلك صليت العصر قصرا ، فهل فعلي هذا صحيح ، وإذا كان غير صحيح فماذا كان علي أن أفعل ، أقصد أدائي لصلاة العصر جمعا وقصرا مع الجمعة ثم الفصل بينهما بصلاة الجنازة . أفتوني جزاكم الله خيرا وأمد في عمركم على طاعته؟
ج: صلاة العصر لا تجمع مع الجمعة لا في السفر ولا في الحضر في أصح قولي العلماء ، وعليك أن تعيد صلاتك لأنك صليتها قبل الوقت على وجه لا يجوز فيه الجمع .
أما الفصل بين المجموعتين بصلاة الجنازة فلا حرج في ذلك؛ لأن المشروع الإسراع بها إلى الدفن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أسرعوا بالجنازة فإن كانت صالحة فخير تقدمونها إليه وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم متفق على صحته؛ ولأن الفصل بين الصلتتين بصلاة الجنازة يعتبر فصلا يسيرا لا يمنع الجمع عند من اشترط ذلك . والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من (المجلة العربية) .
س: هذه الأيام ولله الحمد والمنة أغاثنا الله سبحانه وتعالى بالمطر نسأل الله العلي القدير أن يجعله مباركا وأن يعم بنفعه أوطان المسلمين . سماحة الشيخ: حدث نقاش بين بعض الإخوان حول جواز الجمع إذا وافق نزول المطر الشديد والذي تحصل به المشقة وقت صلاة الجمعة بين صلاة الجمعة والعصر ، أفتونا مأجورين ؟
ج: لا يجوز الجمع بين صلاتي العصر والجمعة في مطر ولا غيره؛ لأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أصحابه رضي الله عنهم فيما نعلم؛ ولأن الجمعة لا تقاس على الظهر ، بل هي عبادة مستقلة ، والعبادات توقيفية لا يجوز إحداث شيء فيها بمجرد الرأي . وفق الله الجميع للفقه في الدين والثبات عليه إنه سميع قريب .
سؤال موجه من ع . س. من الرياض في مجلس سماحته .

(12/162)


حكم الجمع للمقيم
س: ما حكم الله ورسوله في قوم يجمعون بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء دائما وهم مقيمون؟
ج: قد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله أن الواجب أن تصلي الصلوات الخمس في أوقاتها الخمسة ، وأنه لا يجوز أن يجمع بين الظهر والعصر ولا بين المغرب والعشاء إلا لعذر كالمرض والسفر والمطر ونحوها مما يشق معه المجيء إلى المساجد لكل صلاة في وقتها من الصلوات الأربع المذكورة ، وقد وقت الصلاة للنبي صلى الله عليه وسلم في أوقاتها الخمسة جبرائيل عليه السلام فصلى به في وقت كل واحدة في أوله وآخره في يومين ، ثم قال له عليه الصلاة والسلام بعد ما صلى به الظهر في وقتها والعصر في وقتها: الصلاة بين هذين الوقتين ، وهكذا لما صلى به المغرب في وقتها والعشاء في وقتها قال: الصلاة بين هذين الوقتين .
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك فأجاب السائل بالفعل ، فصلى الصلوات الخمس في اليوم الأول بعد السؤال في أول وقتها وصلى في اليوم الثاني الصلوات الخمس في آخر وقتها ثم قال: الصلاة فيما بين هذين الوقتين
وأما ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة ثمانا جميعا وسبعا جميعا وجاء في رواية مسلم في صحيحه أن المراد بذلك: الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء . وقال في روايته: من غير خوف ولا مطر وفي لفظ آخر: من غير خوف ولا سفر
فالجواب أن يقال: قد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك فقال: لئلا يحرج أمته ، قال أهل العلم: معنى ذلك لئلا يوقعهم في الحرج .

(12/163)


وهذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة لسبب يقتضي رفع الحرج والمشقة عن الصحابة في ذلك اليوم ، إما لمرض عام ، وإما لدحض وإما لغير ذلك من الأعذار التي يحصل بها المشقة على الصحابة ذلك اليوم ، وقال بعضهم إنه جمع صوري وهو أنه أخر الظهر إلى آخر وقتها ، وقدم العصر في أول وقتها ، وأخر المغرب إلى آخر وقتها ، وقدم العشاء في أول وقتها .
وقد روى ذلك النسائي عن ابن عباس راوي الحديث كما قاله الشوكاني في ( النيل ) وهو محتمل ولم يذكر ابن عباس رضي الله عنهما في هذا الحديث أن هذا العمل تكرر من النبي صلى الله عليه وسلم بل ظاهره أنه إنما وقع منه مرة واحدة ، قال الإمام أبو عيسى الترمذي رحمه الله ما معناه: إنه ليس في كتابه- يعني الجامع- حديث أجمع العلماء على ترك العمل به سوى هذا الحديث ، وحديث آخر في قتل شارب المسكر في الرابعة ، ومراده أن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز الجمع إلا بعذر شرعي .
وأنهم قد أجمعوا على أن جمع النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في هذا الحديث محمول على أنه وقع لعذر جمعا بينه وبين بقية الأحاديث الصحيحة الكثيرة الدالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي كل صلاة في وقتها ولا يجمع بين الصلتتين إلا لعذر وهكذا خلفاؤه الراشدون وأصحابه جميعا رضي الله عنهم والعلماء بعدهم ساروا على هذا السبيل ومنعوا من الجمع إلا من عذر ، سوى جماعة نقل عنهم صاحب النيل جواز الجمع إذا لم يتخذ خلقا ولا عادة وهو قول مردود للأدلة السابقة وبإجماع من قبلهم .

(12/164)


وبهذا يعلم السائل أن هذا الحديث ليس فيه ما يخالف الأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على تحريم الجمع بين الصلتتين بدون عذر شرعي ، بل هو محمول على ما يوافقها ولا يخالفها؛ لأن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية يصدق بعضها بعضا ويفسر بعضها بعضا ويحمل مطلقها على مقيدها ويخص عامها بخاصها ، وهكذا كتاب الله المبين يصدق بعضه بعضا ويفسر بعضه بعضا ، قال الله سبحانه: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ وقال عز وجل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ الآية .
والمعنى أنه مع إحكامه وتفصيله يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا ، وهكذا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم سواء بسواء كما تقدم . والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من الشيخ ص . ب .
س: الأخ م . س . أ . - من أسيوط في مصر ، يقول في رسالته: إذا أراد الإنسان أن يسافر إلى مكان يبعد عن مقر إقامته مدة ساعة بالطائرة ، فهل يجوز له أن يجمع ويقصر الصلاة وهو مقيم في فندقه أو مقر إقامته ، وهل له الفطر في رمضان؟ نرجو الإجابة .
ج: ليس لأحد أن يقصر الصلاة أو يفطر وهو مقيم إلا إذا كان مريضا يشق عليه الصوم أو مسافرا في أثناء سفره . أما من أراد السفر وهو في بلده فليس له أن يقصر حتى يسافر ويغادر عامر البلد ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا لم يقصر حتى يغادر المدينة وليس لأحد أن يصلي وحده سواء كان مسافرا أو مقيما في محل تقام فيه الجماعة ، بل عليه أن يصلي مع الناس ويتم معهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر أخرجه ابن ماجة والدارقطني وابن حبان والحاكم بإسناده على شرط مسلم . وقد قيل لابن عباس رضي الله عنهما: ما هو العذر؟ فقال: خوف أو مرض .

(12/165)


وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المساجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له عليه الصلاة والسلام هل تسمع النداء للصلاة؟ قال نعم قال فأجب أخرجه مسلم في
صحيحه .
وقال عليه الصلاة والسلام: لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار متفق على صحته .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض ولقد كان الرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف أخرجه مسلم في صحيحه .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ، فالواجب على كل مسلم مسافر أو مقيم أن يصلي في الجماعة ، وأن يحذر الصلاة وحده إذا كان يسمع النداء للصلاة . والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من (المجلة العربية) .
س: هناك مكان نعمل فيه ويوجد به عدد من الناس يقيمون صلاة الجماعة لكني لا أكون معهم للأسباب الآتية: أولا: أنهم يجمعون صلاة الظهر والعصر دائما بدون سبب وأيضا المغرب والعشاء ولا يمسكون بأيديهم أسفل الصدر ، فهل تصح الصلاة معهم؟ وجهونا جزاكم الله خيرا .

(12/166)


ج: ليس للمسلم أن يجمع بين الصلتتين في الحضر من دون علة كالمرض ، أو الاستحاضة للمرأة ، بل يجب أن تصلي كل صلاة لوقتها الظهر في وقتها ، والعصر في وقتها ، والمغرب في وقتها ، والعشاء في وقتها ، ولا يجوز الجمع بين الصلتتين من دون علة شرعية ، وما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى في المدينة ثمانا جميعا وسبعا جميعا يعني الظهر والعصر والمغرب والعشاء فهذا عند أهل العلم لعلة قال بعضهم: إنه كان هناك وباء ( أي مرض عام ) شق على المسلمين فجمع بهم عليه الصلاة والسلام ، ولم يحفظ عنه ذلك إلا مرة واحدة عليه الصلاة والسلام للعذر المذكور ، لم يحفظ أنه كان يفعل هذا دائما أو مرات متعددة ، إنما جاء هذا مرة واحدة عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام .
وقال آخرون: إن الجمع صوري وليس بحقيقي وإنما صلى الظهر في وقتها في آخره ، والعصر في أوله ، والمغرب في آخره ، والعشاء في أوله ، وهذا رواه النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه صلى الظهر في آخر وقتها وقدم العصر ، وصلى المغرب في آخر وقتها وقدم العشاء فسمي جمعا والحقيقة أنه صلى كل صلاة في وقتها .
وهذا جمع منصوص عليه في الرواية الصحيحة عن ابن عباس فيتعين القول به ، وأنه جمع صوري . فلا ينبغي لأحد أن يحتج بذلك على الجمع من غير عذر .
أما أنت أيها السائل فلك أن تصلي معهم الظهر والمغرب في وقتها ، فقط وليس لك أن تصلي معهم العصر والعشاء ، بل عليك أن تؤخرها إلى وقتها .
من برنامج (نور على الدرب) شريط رقم (19) .
حكم الجمع والقصر للوحدات العسكرية في الخطوط الأمامية
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، إلى حضرة الأخ المكرم مدير إدارة الشئون الدينية للقوات البرية وفقه الله . سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد:
فجوابا لكتابكم المتضمن طلب إيضاح الحكم الشرعي في كيفية صلاة الموجودين من الوحدات العسكرية في الخطوط الأمامية .

(12/167)


وأفيدكم أنه إذا كان المذكورون في محل إقامتهم لم يسافروا فعليهم صلاة الجمعة وإتمام الصلاة الرباعية أربعا ، أما إن كانوا مسافرين إلى محل المرابطة فليس عليهم جمعة ولهم القصر والجمع . لأن مدتهم لا يدرى متى تنتهي . وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد .
صدر من مكتب سماحته برقم 514/1 في 19/ 2/ 1411 هـ .
جمع وقصر الصلاة للحاج
س: هل قصر الصلاة لأهل مكة في المشاعر خاص بالحجاج فقط أم يشمل حتى الباعة منهم وغيرهم ممن يوجدون في المشاعر من غير حج؟
ج: المشهور عند العلماء أن هذا القصر خاص بالحجاج من أهل مكة فقط على قول من أجازه لهم .
أما الجمهور فيرون أن أهل مكة لا يقصرون ولا يجمعون لأنهم غير مسافرين وعليهم أن يتموا كلهم ويصلوا الصلاة في أوقاتها .
ولكن من أجازه للحجاج فهو خاص بالحجاج فقط من أهل مكة وهو الأصح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بالإتمام .
أما الباعة ونحوهم ممن لم يقصد الحج فإنه يتم ولا يجمع كسائر سكان مكة .
نشر في (مجلة الدعوة) ، العدد (1394) بتاريخ 27/ 12/ 1413 هـ .
س: هل صلاة الظهر والعصر جمعا وقصرا في عرفة أمر واجب ، أم يجوز أن أصليهما في وقت كل منهما كاملتين؟!
ج: صلاة الظهر والعصر يوم عرفات للحجاج جمعا وقصرا في وادي عرنة غرب عرفات بأذان واحد وإقامتين سنة مؤكدة فعلها النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، ولا ينبغي للمؤمن أن يخالف السنة لكن ليس ذلك بواجب عند أهل العلم بل سنة مؤكدة ، فإن المسافر لو أتم صحت صلاته لكن القصر متأكد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله وقال: خذوا عني مناسككم

(12/168)


فلا ينبغي له أن يخالف السنة بل يصلي مع الناس قصرا وجمعا جمع تقديم ، لم يتوجه إلى محل الوقوف في نفس عرفة ، ولو صلاهما في عرفة ولم يصل في وادي عرنة فلا بأس حذرا من المشقة فإن الناس في هذه العصور يحتاجون للتخلص من الزحام بكل وسيلة مباحة .
من برنامج (نور على الدرب) ، الشريط رقم (56) .
س: هل يجوز للحجاج في منى يوم التروية ، وأيام التشريق الجمع كما جاز لهم القصر ، ومن جمع ، فهل جمعه صحيح؟
ج: لا أعلم مانعا من جواز الجمع . لأنه إذا جاز القصر فجواز الجمع من باب أولى؛ لأن أسبابه كثيرة بخلاف القصر ، فليس له سبب إلا السفر . ولكن تركه أفضل . لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع في منى لا في يوم التروية ولا في أيام التشريق ، وللمسلمين فيه صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة .
من ضمن أسئلة قدمها الشيخ ع . م . إلى سماحته ، حيث أجابه عليها سماحته بخطاب في 7/ 2/ 1414 هـ .
س: هل ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء في سفره المقيم فيه ، مثل إقامته في مكة ينتظر الحج ، وإقامته في مكة زمن فتح مكة ، وإقامته في تبوك؟
ج: ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه جمع في غزوة تبوك وهو مقيم ، رواه مسلم من حديث معاذ رضي الله عنه .
أما إقامته في مكة في يوم الفتح وفي حجة الوداع ، فلم أر شيئا صريحا في ذلك ، ولكن بعض الأحاديث يقتضي ظاهرها أنه كان يجمع في الأبطح في حجة الوداع ، لكن ذلك ليس بصريح ، وتركه أفضل كما في منى . والله ولي التوفيق .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

(12/169)


صلاة الجمعة
مكانة الجمعة في الإسلام
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، وبعد:
فإن الجمعة يسعى إليها بالخشوع والطمأنينة والوقار لحضور هذا الخير والمشاركة فيه من الصلاة والذكر ، وسماع ما ينفعك في أمر دينك ودنياك؛ لقول الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
ثم بعد ذلك أمر سبحانه بما ينفع الإنسان في الدنيا والآخرة ، فقال: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أي اطلبوا الرزق والتمسوا الخير وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ حتى لا تشغلكم أنواع البيع والشراء ، وأنواع الملذات ، وأنواع الحاجات العاجلة عن ذكر الله سبحانه وتعالى وعن أسباب الفلاح ، فالفلاح في ذكر الله ، والقيام بأمر الله ، فلا ينبغي أن تطغى حاجات البدن على حاجات القلب والروح ، ولا تطغى حاجات القلب والروح على حاجات البدن والدنيا . بل يراعى هذا وهذا ، فالمسلمون يقومون بهذا وهذا؛ تارة لأمور دنياهم وحاجاتهم ، فهذا يعمل في الزراعة في مزرعته ، والآخر في دكانه ومتجره ، والثالث في حاجات أخرى وأعمال أخرى مما أباح الله عز وجل ، حتى يشترك الجميع في أنواع المشاريع الخيرية والأعمال المباحة النافعة ، حتى يواسي الفقير وحتى يحسن إلى الناس .
وإذا جاءت الأوقات التي أوجب الله على الإنسان فيها شيئا بادر إلى طاعة الله وأداء ما أوجب الله عليه فلا تشغله حاجات عن حاجات ، بل يعطي كل مقام ما يليق به ويعطي كل حاجة ما يناسبها ، فهو حافظ لوقته مؤد لما أوجب الله عليه ، طالب للرزق ، ساع في أرض الله لطلب الحلال ، ومعلوم أن الصلاة هي عمود الإسلام والركن الثاني من أركانه . لقول النبي صلى الله عليه وسلم: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة

(12/170)


وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت متفق على صحته .
تعليق سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز على ندوة الجامع الكبير بعنوان (مكانة الجمعة في الإسلام) للشيخ الغزالي خليل عيد ، والشيخ محمد بن حسن الدريعي، والشيخ محمد رأفت سعيد في 16/ 5/ 1402 هـ .
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوما فضل الصلاة فقال: من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف
وهذا الحديث الصحيح يعم صلاة الجمعة وغيرها من الصلوات الخمس ، وفيه الوعد العظيم لمن حفظها واستقام عليها بأن تكون له نورا في الدنيا والآخرة وبرهانا ونجاة يوم القيامة ، مع الوعيد الشديد لمن لم يحافظ عليها بأنه لا يكون له نور ولا برهان ولا نجاة ويحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف ، وهذا يعم الصلوات الخمس بوجه عام وصلاة الجمعة بوجه خاص ، ويعم أداءها في وقتها كما شرع الله ، وفي الجماعة مع المسلمين .

(12/171)


وقال بعض أهل العلم: إنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حشر مضيع الصلاة مع هؤلاء الكفرة الذين هم من دعاة الكفر والضلال ومن أئمة الكفر تحذيرا من هذا الأمر ، وتنفيرا منه حتى لا يتشبه المسلم بهؤلاء الكفرة لأنه إذا ضيعها بسبب الرياسة والملك فقد شابه فرعون- والعياذ بالله- الذي غره ملكه ورياسته حتى طغى وبغى ، وقال: أنا ربكم الأعلى ، فصار إلى النار ، فلا ينبغي للمؤمن أن يتشبه بهذا الرئيس الضال الكافر فإذا تشبه به وشغل برياسته عما أوجب الله عليه حشر معه إلى النار . وإن ضيع الصلاة بسبب الوزارة والوظيفة شابه هامان وزير فرعون فيحشر معه يوم القيامة إلى النار ، وإن ضيع الصلاة من أجل المال والشهوات وإرضاء النفس وملاذها شابه قارون تاجر بني إسرائيل وطاغيتهم الذي طغى وبغى وعصى موسى عليه الصلاة والسلام وتكبر فخسف الله به وبداره الأرض فمن تشبه به يحشر معه يوم القيامة ، وإن شغل بالبيع والشراء ، والأخذ والعطاء ، والمعاملات شابه أبي بن خلف تاجر أهل مكة فيحشر معه إلى النار ، نعوذ بالله من ذلك .
فعلينا معشر المسلمين أن نحذر هذه المشابهة ، وعلى المسلم أن يعتني بالجمعة ويبادر إليها ، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين رواه مسلم في صحيحه . فإذا ختم على قلبه وصار من الغافلين هلك ، قال تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ نسأل الله العافية .

(12/172)


فهذا يدل على أن من تساهل بأمر الله وضيع ما أوجب الله عليه فهو معرض لأن يختم على قلبه وسمعه ، ولأن توضع الغشاوة على بصره فلا يهتدي إلى الحق ، ولا يبصره ، وبذلك يعلم أن الجمعة شأنها عظيم والتساهل بها خطير فالواجب على أهل الإسلام أن يعتنوا بها ، وأن يحافظوا عليها مع بقية الصلوات الخمس حتى يستفيدوا مما شرع الله فيها ، وحتى يتذكروا ما يترتب على هذا الاجتماع من الخير العظيم: من التعارف والتواصل والتعاون على البر والتقوى وسماع العظات والخطب ، والتأثر بذلك ، مع ما يترتب على ذلك من الخير الكثير والأجر العظيم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزيارة بعضهم لبعض ، والمناصحة والتعاون على إقامة المشاريع الخيرية والتعرف على ما قد يخفي عليهم من أمور الإسلام ولا سيما إذا اعتنى الخطباء بالخطب وأعطوها ما تستحق من الإعداد والتحضير والعناية بما يهم الناس في أمور دينهم ودنياهم كما نبه على ذلك أهل العلم ، فإن الخطيب عليه واجب عظيم: أن يعنى بالخطبة حتى يبين لإخوانه ما قد يخفى عليهم من أحكام الله ، فتكون كل خطبة فيها إرشادات وتوجيهات ، وفيها تعريف بالأحكام التي قد تخفى على الناس وتذكير لهم بما أوجب الله عليهم وما حرم عليهم ، وتحذيرهم من كل ما نهى الله عنه إلى غير ذلك مما يحسن من الخطيب توجيههم وإرشادهم إليه ولا سيما مشاكل الوقت ، وما قد يخفى عليهم من أحكامها

(12/173)


والناس فيهم الجاهل ، وفيهم الغافل ، وفيهم المتبصر ، فالمتبصر يزداد علما ويتذكر ما قد يخفى عليه ، والناسي يتذكر ، والجاهل يتعلم ، فتكون الفائدة عامة للجميع ، ومن المصائب الإعراض عن حلقات العلم وعدم الاستفادة من خطب الجمعة فيزداد الجاهل جهلا ، وتستحكم على الناس الغفلة ، فتمرض القلوب ، وتعرض عن ذكر الله ، وتصد عن الحق بسبب تراكم الذنوب عليها ، فإذا أذنب المرء ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء ، كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن هو تاب ورجع صقلت ، وإن هو استمر في الذنوب ، صارت نكتة إلى نكتة ، وذنبا إلى ذنب حتى يسود القلب ، وحتى يعلوه الران ، وهذا هو المعنى في قوله جل وعلا: كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
يعني: من السيئات والمعاصي ، فالإنسان إذا تساهل في المعاصي وتكاثرت على قلبه الذنوب أسود وانتكس حتى لا يعرف معروفا ، ولا ينكر منكرا ، فيجب الحذر من شر الذنوب ، ويجب لزوم التوبة دائما ، وينبغي للعبد أن يكون عنده حرص على حلقات العلم وسماع الخطب المفيدة ، والمذاكرة بين الإخوان ، ومطالعة الكتب النافعة إذا كان يقرأ ، حتى يستفيد خيرا إلى خير ، ونورا إلى نور ، وعلما إلى علم ، وأهم ذلك العناية بالقرآن الكريم ، والإكثار من تلاوته والاستماع لمن يقرؤه . لأن الله سبحانه جعله نورا وهدى وشفاء للقلوب من أمراضها ، كما قال سبحانه: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وقال تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وقال سبحانه: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ والآيات في هذا المعنى كثيرة .

(12/174)


وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اقرءوا هذا القرآن فإنه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة أخرجه مسلم في صحيحه . والمعنى: أنه يشفع لأصحابه الذين كانوا يعملون به في الدنيا كما بين ذلك عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: يؤتى بالقرآن يوم القيامة وبأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما رواه مسلم أيضا في صحيحه . وقال عليه الصلاة والسلام: من قرأ حرفا من القرآن فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .
وكثير من الناس اليوم شغلوا باللذات والخروج إلى النزهة حتى ضيعوا الجمعات ، فحرموا من سماع ما فيها من العظات والذكرى ، واستمرت الغفلة الدهر الطويل ، فإن الإنسان إذا كان لا يحضر حلقات العلم ، ولا يسمع الخطب ، ولا يعتني بما ينقل عن أهل العلم فإنه تزداد غفلته ، وربما يقسو قلبه حتى يطبع عليه ، ويختم عليه فيكون من الغافلين- نعوذ بالله من ذلك- فالمؤمن يجب أن يحرص على الجمعة وعلى بقية الصلوات في الجماعة حتى يستفيد من الخطب والمحاضرات وحلقات العلم ، وحتى يتأسى به غيره ، وإذا كان ولا بد من النزهة في العطل والجمعة والخميس ، فليحرص على أن يكون بقرب بلد فإذا جاء وقت الصلاة ذهب إليها وصلى معهم الجمعة حتى لا تفوته الجمعة وحتى لا يفوته هذا الخير العظيم .
أما ما ذكره بعض الناس عما يقع في بعض البلدان الإسلامية خارج هذه البلاد من صلاة الظهر مع الجمعة قائلين إن الجمعة إذا كانت في بلد جمعاته متعددة قد تكون غير صحيحة فينبغي الاحتياط بصلاة الظهر بعدها خشية أن تكون أقيمت على غير وجه شرعي ، وهذا القول خطأ محض ، وهذا العمل بدعة .

(12/175)


لأنه مخالف للأدلة الشرعية ولما درج عليه المسلمون في الأعصار والأمصار في أول هذه الأمة لما احتيج إلى تعدد الجمع ، فلا يجوز إحداث صلاة لم يأذن بها الله سبحانه . إنما أوجب على عباده في اليوم والليلة خمس صلوات في يوم الجمعة وغيره ، فلا يجوز إحداث سادسة لا في يوم الجمعة ولا في غيره ، لأن ذلك مخالف للأدلة الشرعية ولما أجمع عليه سلف الأمة وقد قال الله سبحانه: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد متفق على صحته .
وأخرجه مسلم رحمه الله بلفظ: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد والمعنى فهو مردود عليه ، والله المسئول أن يوفق المسلمين جميعا حكومات وشعوبا للفقه في الدين والاستقامة عليه والحذر مما يخالف ذلك إنه ولي ذلك والقادر عليه .
أقل عدد يشترط لإقامة صلاة الجمعة
س: ما هو أقل عدد في شرط إقامة صلاة الجمعة وإقامة الخطبة؟
ج: في هذه المسألة خلاف كثير بين أهل العلم ، وأصح ما قيل في ذلك: ثلاثة الإمام واثنان معه ، فإذا وجد في قرية ثلاثة رجال فأكثر مكلفون أحرار مستوطنون أقاموا الجمعة ولم يصلوا ظهرا؛ لأن الأدلة الدالة على شرعية صلاة الجمعة وفرضيتها تعمهم .
نشرت في (كتاب الدعوة) ، الجزء الأول، ص (66) .
س: قرأت في بعض الكتب أن من شروط إقامة الجمعة وجود أربعين ممن تجب عليهم الصلاة . وسبق أن نشر في الدعوة فتوى لسماحتكم أنها تقام في اثنين مع الإمام فكيف نجمع بين هذين الأمرين؟

(12/176)


ج: اشتراط الأربعين لإقامة صلاة الجمعة قال به جماعة من أهل العلم ، منهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ، والقول الأرجح جواز إقامتها بأقل من أربعين وأقل الواجب ثلاثة كما تقدم في الفتوى في جواب السؤال الذي قبل هذا ، لعدم الدليل على اشتراط الأربعين . والحديث الوارد في اشتراط الأربعين ضعيف كما أوضح ذلك الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام .
نشرت في (كتاب الدعوة) ، الجزء الأول، ص (66) .
س . نحن نعمل بمنطقة جبلية وليس فيها مساجد ، والمساجد القريبة يصعب الوصول إليها لظروف عملنا ، ونحن جماعة قليلون ، فكم عدد المصلين الذين تصح بهم صلاة الجمعة ؟
ج: الواجب عليكم السعي إلى الجمعة . لأنكم تسمعون النداء وتستطيعون الإجابة على الأقدام أو بالسيارة . لأن الجمعة جامعة تجمع أهل القرية ، وتجمع أهل المحل ، فالواجب عليكم السعي إليها والصلاة مع المسلمين في القرية التي أنتم فيها ، وليس لكم الترخص وأن تقيموا جمعة وحدكم إلا إذا كانت المسافة بعيدة ، فعليكم أن تستفتوا وتقدموا إلى دار الإفتاء إذا كنتم في المملكة ، ودار الإفتاء تنظر في الأمر وتكتب إلى المحكمة في طرفكم حتى تعرف الحقيقة ثم تصدر الفتوى في ذلك ، لكن مهما أمكن المؤمن أن يسعى إلى الجمعة ويشارك إخوانه في الجمعة فهذا هو الخير العظيم ، وله في خطواته أجر كبير وحط سيئات ، فينبغي له أن يشارك في الخير وأن يحرص على الجمعة ولو بعدت لكثرة الأجر ولاجتماعه مع إخوانه وتكثير سوادهم واطلاعه على أحوالهم والتعرف عليهم حتى يتعاون الجميع على البر والتقوى ويتساعد الجميع على ما فيه الخير ، فإذا كان هناك مشقة بينة فلا مانع من الإرسال للاستفتاء من دار الإفتاء لتنظر في الأمر إن شاء الله .
من برنامج (نور على الدرب) ، شريط رقم (16) .

(12/177)


الجمعة تدرك بركعة
س: سائل يقول: إذا جاء شخص إلى المسجد يوم الجمعة ووجد الصلاة قد قضيت ووجد رجلا بقيت عليه ركعة فهل يكمل هذه الركعة ظهرا أم جمعة ، ولو انضم إليه شخص آخر بعد أن قضى ركعة ، فهل أيضا يكملها ظهرا أم يكملها جمعة؟
ج: الواجب أن يكملها ظهرا لأن الجمعة فاتت ، وإنما تدرك بركعة واحدة إذا أدرك الركعة الثانية مع الإمام صلاها جمعة .
أما إذا لم يأت إلا بعد السلام أو جاء بعد الركعة الثانية في التشهد أو في حال السجود في الركعة الثانية فإنه لا يصليها جمعة ولكن يصليها ظهرا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته فمفهومه أنه إذا ما أدرك إلا أقل من ركعة فإنه لا يكون مدركا للجمعة ولكنه يصلي ظهرا ، هذا هو المشروع .
وإذا أدرك إنسانا يقضي فصلى معه فليصلها ظهرا ولا يصلي جمعة ، ويلاحظ في هذا أيضا أن يكون بعد الزوال ، أما إذا كانت الجمعة قد صليت قبل الزوال فإنه لا يصلي الظهر إلا بعد الزوال .
لأن الجمعة يجوز أن تصلي قبل الزوال في الساعة السادسة على الصحيح من قولي العلماء ، ولكن الأفضل والأحوط أن تصلي بعد الزوال كما هو قول جمهور العلماء ، أما الظهر فلا يجوز أن تصلي إلا بعد الزوال بإجماع المسلمين .
والله ولي التوفيق .
من برنامج (نور على الدرب) .
س: إذا دخلت المسجد والإمام يصلي الجمعة وهو جالس للتشهد هل أصليها جمعة أم ظهرا؟
ج: إذا لم يدرك المسبوق من صلاة الجمعة إلا السجود أو التشهد ، فإنه يصلي ظهرا ولا يصلي جمعة . لأن الصلاة إنما تدرك بركعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة وقوله صلى الله عليه وسلم: من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته
فعلم بهذين الحديثين أن من لم يدرك ركعة من الجمعة فاتته الجمعة وعليه أن يصلي ظهرا . والله ولي التوفيق .
نشرت في (كتاب الدعوة) ، الجزء الثاني، ص (134) .

(12/178)


من لم يتمكن من إكمال متابعة الإمام في الجمعة بسبب انقطاع الكهرباء
س: صلى جماعة في قبو مسجد ( الطابق الأرضي ) صلاة الجمعة ، وأثناء الصلاة انقطع التيار الكهربائي ، وأصبح المأمومون لا يسمعون الإمام ، فتقدم أحد المأمومين وأكمل بهم الصلاة . فما حكم صلاة هؤلاء علما أنه أكمل بهم الصلاة على أنها جمعة؟ وما الحكم فيما لو لم يتقدم أحد ، هل يكمل كل فرد منهم صلاته وحده؟ وإذا كان يجوز ذلك هل يكملها على أنها ظهر أو على أنها جمعة ، حيث إنه استمع إلى الخطيب وافتتح الصلاة مع الإمام وصلى معه ركعة؟
ج: إذا كان الواقع هو ما ذكره السائل ، فصلاة الجميع صحيحة؛ لأن من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة كما جاء بذلك الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولو لم يتقدم لهم أحد فصلى كل واحد بنفسه الركعة الأخيرة أجزأه ذلك ، كالمسبوق بركعة يصلي مع الإمام ما أدرك ثم يقضي الركعة الثانية لنفسه؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة
والله ولي التوفيق .
نشرت في (كتاب الدعوة) ، الجزء الثاني، ص (135) .
من فاتته صلاة الجمعة صلاها ظهرا
س: إذا لم أصل الجمعة مع الجماعة في المسجد هل أصليها في البيت ركعتين بنية الجمعة أم أصلي أربع ركعات بنية الظهر؟
ج: من لم يحضر صلاة الجمعة مع المسلمين لعذر شرعي من مرض أو غيره أو لأسباب أخرى صلى ظهرا ، وهكذا المرأة تصلي ظهرا ، وهكذا المسافر وسكان البادية يصلون ظهرا كما دلت على ذلك السنة وهو قول عامة أهل العلم ولا عبرة بمن شذ عنهم ، وهكذا من تركها عمدا يتوب إلى الله سبحانه ويصليها ظهرا .
نشرت في (كتاب الدعوة) ، الجزء الأول ص (67)
الجمعة ليست واجبة على المرأة
س: وردت بعض الأمور بودي لو نستفسر عنها لو تكرمتم حتى لا يكون هناك إشكال متوقع بالنسبة للجمعة والمرأة إذا صلتها في بيتها؟

(12/179)


ج: الجمعة ليست واجبة على المرأة بل هي على الرجال ، وهكذا الجماعة ليست واجبة على المرأة بل هي على الرجال ، والسنة أن تصلي المرأة في بيتها في الجمعة وغير الجمعة في بيتها أفضل لها ، لكن إن صلتها مع الناس أجزأتها الجمعة عن الظهر إذا كانت متسترة متحفظة متحجبة ، وتخرج من غير طيب فلا بأس عليها لسماع الفائدة ولسماع الخطبة وسماع المواعظ ، لكن عليها أن تكون حريصة على الحجاب والستر والبعد عن الفتنة وتكون في طريقها غير متطيبة ولا متبرجة بل متحجبة متسترة وتصلي مع الناس ، كما كان بعض النساء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يصلين مع الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنه قال: وليخرجن تفلات أي بدون رائحة طيبة لئلا يفتتن الرجال بهن وليكن غير متبرجات في الخروج ، قال صلى الله عليه وسلم: وبيوتهن خير لهن لكن لو صلت مع الجماعة مع الستر والحجاب والعناية والبعد عن أسباب الشر والفتنة وعن الرائحة الطيبة فلا بأس بذلك .
ومن هذا نفهم أن المرأة ليس عليها جمعة بل تصلي في بيتها ظهرا ، ولكن إذا صلتها مع الناس جمعة أجزأتها وكفتها عن الظهر ، كالمريض ليس عليه صلاة جمعة إنما يصلي ظهرا ومع هذا لو صلى مع الناس أجزأته الجمعة عن الظهر ، وكالعبد المملوك ليس عليه جمعة وإنما عليه الظهر وإذا صلى مع الناس الجمعة أجزأته ، وهكذا المسافر ليس عليه جمعة لكن لو صلى مع الناس الجمعة أجزأته عن الظهر .
والله ولي التوفيق .
من برنامج (نور على الدرب) .
حكم وصل الصلاة بصلاة أخرى
س: أريد شرح هذا الحديث: عن السائب بن يزيد أن معاوية قال: إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك أن لا نصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج؟

(12/180)


ج: الحديث أخرجه مسلم في صحيحه وهو يدل على أن المسلم إذا صلى الجمعة أو غيرها من الفرائض فإنه ليس له أن يصلها بصلاة حتى يتكلم أو يخرج من المسجد ، والتكلم يكون بما شرع الله من الأذكار كقوله: استغفر الله . استغفر الله . استغفر الله . اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ، حين يسلم ، وما شرع الله بعد ذلك من أنواع الذكر ، وبهذا يتضح انفصاله عن الصلاة بالكلية حتى لا يظن أن هذه الصلاة جزء من هذه الصلاة .
والمقصود من ذلك تمييز الصلاة التي فرغ منها من الصلاة الأخرى ، فإذا سلم من الجمعة فلا يصلها بالنافلة لئلا يعتقد هو أو غيره أنها مرتبطة بها أو أنها لازمة لها . وهكذا الصلوات الأخرى كالظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر لا بد من الفصل بالكلام كالذكر أو غير ذلك من الكلام أو الخروج من المسجد حتى يعلم أنها غير مربوطة بما قبلها .
من برنامج (نور على الدرب) .
الإنصات اثناء الخطبة
الأخ ع . أ . ص . من رياض الخبراء يسأل ويقول: متى يمتنع الإنسان في صلاة الجمعة عن مس الحصى والتسوك هل هو من صعود الإمام على المنبر أم من بداية الخطبة ، لأني أشاهد كثيرا من الناس لا يتوقفون عن التسوك إلا بعد أن يبدأ الإمام في الخطبة ، وبعضهم يستاك أثناء الخطبة؟ نرجو من سماحة الشيخ إرشادنا إلى الصواب جزاكم الله خيرا .
ج: السنة الإنصات إلى الخطبة وترك التسوك وسائر العبث من حين الشروع فيها إلى أن يفرغ منها ، عملا بالأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك . لكن من دخل المسجد والإمام يخطب فإنه يصلي تحية المسجد قبل أن يجلس .
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما
من ضمن الأسئلة الموجهة من (المجلة العربية) .

(12/181)


س: الأخ م . ا . ج . - من القاهرة يقول في سؤاله: هل يجوز الكلام أثناء سكوت الإمام بين الخطبتين في صلاة الجمعة ، وهل يجوز الإشارة بالسبابة على الفم بدون كلام من أجل تنبيه شخص ما أن لا يتكلم أثناء الخطبة؟
ج: يجوز الكلام أثناء سكوت الإمام بين الخطبتين إذا دعت إليه الحاجة ، ولا بأس بالإشارة لمن يتكلم والإمام يخطب ليسكت ، كما تجوز الإشارة في الصلاة إذا دعت الحاجة إليها . وفق الله الجميع .
من ضمن الأسئلة الموجهة من (المجلة العربية) .
مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر ذكره أثناء الخطبة
س: الأخ أ . م . ص- من ولاية أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية يقول في سؤاله: إذا مر ذكر النبي صلى الله عليه وسلم والإمام يخطب يوم الجمعة فهل يجوز أن نصلي ونسلم عليه صلى الله عليه وسلم؟
ج: تشرع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر ذكره عليه الصلاة والسلام في خطب الجمعة والعيد ومجالس الذكر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي صلى الله عليه وسلم .
نشرت في (المجلة العربية) بتاريخ صفر 1412 هـ .
س: ما حكم من يرفع يديه والخطيب يدعو للمسلمين في الخطبة الثانية مع الدليل ، أثابكم الله؟
ج: رفع اليدين غير مشروع في خطبة الجمعة ولا في خطبة العيد لا للإمام ولا للمأمومين ، وإنما المشروع الإنصات للخطيب والتأمين على دعائه بينه وبين نفسه من دون رفع صوت ، وأما رفع اليدين فلا يشرع .

(12/182)


لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه في خطبة الجمعة ولا في خطبة الأعياد ، ولما رأى بعض الصحابة بعض الأمراء يرفع يديه في خطبة الجمعة أنكر عليه ذلك ، وقال: ما كان النبي يرفعهما عليه الصلاة والسلام ، نعم إذا كان يستغيث في خطبة الجمعة للاستسقاء ، فإنه يرفع يديه في حال الاستغاثة- أي طلب نزول المطر- لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في هذه الحالة ، فإذا استسقى في خطبة الجمعة أو في خطبة العيد فإنه يشرع له أن يرفع يديه تأسيا بالنبي عليه الصلاة والسلام .
من برنامج (نور على الدرب) الشريط رقم (1)
تشميت العاطس أثناء الخطبة
س: ما حكم تشميت العاطس والإمام يخطب يوم الجمعة؟
ج: لا يشرع تشميته لوجوب الإنصات ، فكما لا يشمت العاطس في الصلاة كذلك لا يشمت العاطس في حال الخطبة . والله ولي التوفيق .
نشرت في (كتاب الدعوة) ، الجزء الثاني، ص (134)
من حدثه دائم يتوضأ بعد دخول الوقت
س: الأخ ع . ص- من الرياض يقول في سؤاله إني أعاني من خروج ريح دائم- أكرمكم الله- وأتوضأ لكل صلاة عند الأذان ، وفي يوم الجمعة أتوضأ قبل الأذان الأول وأتوضأ ثانية بعد الأذان الأول فما حكم عملي هذا؟ أفتونا جزاكم الله خيرا .
ج: من كان حدثه دائما بالريح أو البول أو غيرهما فإنه يتوضأ لكل صلاة بعد دخول الوقت ولا يضره ما خرج من الحدث في نفس الوقت أو في نفس الصلاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: توضئي لكل صلاة خرجه البخاري في صحيحه . والمستحاضة هي: التي يستمر معها الدم غير دم الحيض .
وبهذا يعلم السائل أنه لا بد أن يكون الوضوء بعد دخول الوقت في حق من حدثه دائم ، وإذا توضأ لصلاة الجمعة في الساعة السادسة وهي الساعة التي قبل الزوال صح ذلك . لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على صحة إقامة صلاة الجمعة في الساعة السادسة وهو قول جمع من أهل العلم .

(12/183)


ولكن الأفضل إقامتها بعد الزوال عملا بالأحاديث كلها وخروجا من الخلاف . لأن جمهور أهل العلم يرون أن صلاة الجمعة لا تصح قبل الزوال كصلاة الظهر عملا بالأحاديث التي فيها النص أنه كان صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة إذا زالت الشمس . والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة من (المجلة العربية) .
حكم صلاة الجمعة إذا صادفت يوم العيد
س: ما حكم صلاة الجمعة إذا صادفت يوم العيد هل تجب إقامتها على جميع المسلمين أم على فئة معينة ، ذلك أن بعض الناس يعتقد أنه إذا صادف العيد الجمعة فلا جمعة إذا؟
ج: الواجب على إمام الجمعة وخطيبها أن يقيم الجمعة وأن يحضر في المسجد ويصلي بمن حضر ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقيمها في يوم العيد يصلي العيد والجمعة عليه الصلاة والسلام وربما قرأ في العيد وفي الجمعة جميعا بسبح والغاشية فيها جميعا ، كما قاله النعمان بن بشير رضي الله عنهما فيما ثبت عنه في الصحيح ، لكن من حضر صلاة العيد ساغ له ترك الجمعة ويصلي ظهرا في بيته أو مع بعض إخوانه إذا كانوا قد حضروا صلاة العيد ، وإن صلى الجمعة مع الناس كان أفضل وأكمل ، وإن ترك صلاة الجمعة لأنه حضر العيد وصلى العيد فلا حرج عليه لكن عليه أن يصلي ظهرا فردا أو جماعة . والله ولي التوفيق .
من برنامج (نور على الدرب) .
ليس من شرط إقامة صلاة
الجمعة أن يكون الإمام عدلا ولا معصوما
س: ما الحكم في قوم لا يصلون الجمعة بحجة أنها لا تصلح إلا خلف إمام عادل؟
ج: قد أوجب الله سبحانه على المسلمين أداء صلاة الجمعة إذا كانوا مستوطنين ، سواء كانوا في مدن كبيرة أو قرى ، واختلف أهل العلم في العدد الذي يشترط لإقامة صلاة الجمعة على أقوال كثيرة أرجحها: أنها تقام بثلاثة فأكثر لعدم الدليل على اشتراط ما فوق ذلك ، وأجمعوا أنه ليس من شرطها أن يكون الإمام عدلا ولا معصوما بل يجب أن تقام مع البر والفاجر ما دام مسلما لم يخرجه فجوره عن دائرة الإسلام .

(12/184)


وبهذا يعلم أن الطائفة التي لا تقيم صلاة الجمعة إلا بشرط أن يكون الإمام عدلا أو معصوما قد ابتدعت في الدين ما لم يأذن به الله واشترطت شرطا لا أصل له في الشرع المطهر ، وكان بعض أهل العلم يرى أن الجمعة لا تقام في القرى الصغيرة وإنما تقام في الأمصار الجامعة ، ولكن هذا القول ضعيف ولا وجه له في الشرع المطهر وهو مروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ولكن لم يصح ذلك عنه ، وقد أقيمت صلاة الجمعة في المدينة المنورة بعد ما هاجر إليها أول المسلمين وهي ليست مصرا جامعا وإنما تعتبر من القرى ، ثم أقامها النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ولم يزل يقيمها حتى توفي عليه الصلاة والسلام ، وأقيمت صلاة الجمعة في البحرين في قرية يقال لها جواثا في عهده صلى الله عليه وسلم فلم ينكر ذلك عليه الصلاة والسلام . والخلاصة: أن الواجب هو إقامة صلاة الجمعة في القرى والأمصار؛ عملا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ، وتحصيلا لما في إقامتها من المصالح العظيمة التي من جملتها جمع الناس على الخير ووعظهم وتذكيرهم وتعليمهم ما ينفعهم وتعارفهم وتعاونهم على البر والتقوى إلى غير ذلك من المصالح العظيمة .
نشرت في (كتاب الدعوة) ، الجزء الثاني، ص (129)
حكم صلاة السجناء جمعة وجماعة خلف إمام واحد وهم في عنابرهم
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى فضيلة الأخ المكرم مدير إدارة الشئون الدينية بالأمن العام وفقه الله
السلم عليكم ورحمة الله وبركاته . أما بعد:
فأشير إلى كتابكم رقم 275 / د وتاريخ 1 / 5 / 1405 هـ ومشفوعه الذي تستفسرون فيه عن حكم صلاة السجناء جمعة وجماعة خلف إمام واحد يتقدمهم ، وهم في عنابرهم بواسطة مكبر الصوت .

(12/185)


ونظرا إلى أن المسألة عامة ومهمة رأيت عرضها على مجلس هيئة كبار العلماء وقد اطلع عليها المجلس في دورته السادسة والعشرين المنعقدة في الطائف في 25 / 10 / 1405 هـ إلى 7 / 11 / 1405 هـ وبعد دراسة المسألة واطلاعه على أقوال أهل العلم في الموضوع: أفتى بعدم الموافقة على جمع السجناء على إمام واحد في صلاة الجمعة والجماعة وهم داخل عنابر السجن يقتدون به بواسطة مكبر الصوت ، لعدم وجوب صلاة الجمعة عليهم حيث لا يمكنهم السعي إليها ، واتفاقا مع فتوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله رقم 762 وتاريخ 11 / 10 / 1388 هـ بعدم وجوب إقامتها في السجن ، ولأسباب أخرى . لكن من أمكنه الحضور لأداء صلاة الجمعة في مسجد السجن إذا كان فيه مسجد تقام فيه صلاة الجمعة صلاها مع الجماعة ، وإلا فإنها تسقط عنه ويصليها ظهرا ، وكل مجموعة تصلي الصلوات الخمس جماعة داخل عنبرهم إذا لم يمكن جمعهم في مسجد أو مكان واحد .
فآمل الاطلاع والإحاطة ، وأسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه رضاه .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
صدرت من مكتب سماحته برقم 2526/1 وتاريخ 24/ 11/ 1405 هـ .
مشروعية الأذان الأول يوم الجمعة
س: الأخ م . ع . ج ، من مصر يقول: لاحظت في بلدكم المملكة العربية السعودية أنه يوجد أذانان للجمعة وهذا غير صحيح إذ أنه كان إذا صعد الإمام المنبر أذن بين يديه أذان واحد وجميع كتب السنة تؤيد ذلك . فأرجو أن تحولوا هذا إلى الجهات المختصة كدار الإفتاء التي يرأسها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ليحق الله الحق ويبطل الباطل .

(12/186)


ج: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد: فالأمر كما قال السائل كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أذان واحد مع الإقامة ، كان إذا دخل النبي صلى الله عليه وسلم للخطبة والصلاة أذن المؤذن ثم خطب النبي صلى الله عليه وسلم الخطبتين ثم يقام للصلاة .
هذا هو الأمر المعلوم والذي جاءت به السنة كما قال السائل وهو أمر معروف عند أهل العلم والإيمان ، ثم إن الناس كثروا في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في المدينة فرأى أن يزاد الأذان الثالث ، ويقال له: الأذان الأول لأجل تنبيه الناس على أن اليوم يوم جمعة حتى يستعدوا ويبادروا إلى الصلاة قبل الأذان المعتاد المعروف بعد الزوال وتابعه بهذا الصحابة الموجودون في عهده ، وكان في عهده علي رضي الله عنه وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم وغيرهم من أعيان الصحابة وكبارهم ، وهكذا سار المسلمون على هذا في غالب الأمصار والبلدان تبعا لما فعله الخليفة الراشد رضي الله عنه وتابعه عليه الخليفة الراشد الرابع علي رضي الله عنه وهكذا بقية الصحابة .
فالمقصود أن هذا حدث في خلافة عثمان وبعده واستمر عليه غالب المسلمين في الأمصار والأعصار إلى يومنا هذا ، وذلك أخذا بهذه السنة التي فعلها عثمان رضي الله عنه لاجتهاد وقع له ونصيحة للمسلمين ولا حرج في ذلك . لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وهو من الخلفاء الراشدين رضي الله عنه والمصلحة ظاهرة في ذلك فلهذا أخذ بها أهل السنة والجماعة ولم يروا بهذا بأسا لكونه من سنة الخلفاء الراشدين عثمان وعلي ومن حضر من الصحابة ذلك الوقت رضي الله عنهم جميعا .
من برنامج (نور على الدرب)، الشريط رقم (523) .

(12/187)


س: متى شرع الأذان للجمعة مرتين وبأي سبب ، وهل صحيح أن عليا رضي الله عنه رد الأذان إلى واحد ، سمعت في مكة أن السعودية يؤذنون أذانين كيف ذلك لأن السعودية دولة سنية كيف تعمل على البدعة؟
ج: بدأ الأذان للجمعة مرتين في عهد عثمان رضي الله عنه والسبب كثرة الناس ، وقد صدر من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى في ذلك هذا نصها: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ الحديث .
والنداء يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام على المنبر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فلما كانت خلافة عثمان وكثر الناس أمر عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة بالأذان الأول ، وليس ببدعة لما سبق من الأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين ، والأصل في ذلك ما رواه البخاري والنسائي والترمذي وابن ماجة وأبو داود واللفظ له: عن ابن شهاب أخبرني السائب بن يزيد أن الأذان كان أوله حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلما كان خلافة عثمان وكثر الناس أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث فأذن به على الزوراء فثبت الأمر على ذلك
وقد علق القسطلاني في شرحه للبخاري على هذا الحديث بأن النداء الذي زاده عثمان هو عند دخول الوقت سماه ثالثا باعتبار كونه مزيدا على الأذان بين يدي الإمام والإقامة للصلاة وأطلق على الإقامة أذان تغليبا بجامع الإعلام فيهما ، وكان هذا الأذان لما كثر المسلمون فزاده عثمان رضي الله عنه اجتهادا منه ووافقه سائر الصحابة بالسكوت وعدم الإنكار فصار إجماعا سكوتيا . وبالله التوفيق .
صدرت من مكتب سماحته برقم (899) في 6/ 11/ 1398 هـ .

(12/188)


حكم إقامة الجمعة في موضعين أو أكثر في بلد واحد
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وآله وصحبه . أما بعد ، فقد ورد إلينا سؤال مهم هذا نصه:
س: ما حكم إقامة الجمعة في موضعين أو أكثر من المدينة أو الحارة مع بيان الدليل الشافي؟
ج: اعلم وفقك الله أن الذي عليه جمهور أهل العلم تحريم تعدد الجمعة في قرية واحدة إلا من حاجة . لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقيم في مدينته المنورة مدة حياته صلى الله عليه وسلم سوى جمعة واحدة ، وهكذا في عهد خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين ، وهكذا في سائر الأمصار الإسلامية في صدر الإسلام ، وما ذلك إلا لأن الجماعة مرغب فيها من جهة الشرع المطهر ، لما في اجتماع المسلمين في مكان واحد حال إقامة الجمعة والعيد من التعاون على البر والتقوى وإقامة شعائر الإسلام ، ولما في ذلك أيضا من الاختلاف بينهم والمودة والتعارف والتفقه في الإسلام وتأسي بعضهم ببعض في الخير ، ولما في ذلك أيضا من زيادة الفضل والأجر بكثرة الجماعة وإغاظة أعداء الإسلام من المنافقين وغيرهم باتحاد الكلمة وعدم الفرقة .
وقد وردت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة في الحث على الاجتماع والائتلاف والتحذير من الفرقة والاختلاف فمن ذلك قول الله عز وجل: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وقوله سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ
وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم
ومما تقدم يتضح لكم أن الواجب هو اجتماع أهل المدينة أو القرية على جمعة واحدة كما يجتمعون على صلاة عيد واحدة حيث أمكن ذلك من دون مشقة للأدلة المتقدمة والأسباب السالفة والمصلحة الكبرى في الاجتماع .

(12/189)


أجاب سماحته على هذا السؤال عندما كان رئيسا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بتاريخ
2/ 4/ 1392 هـ .
أما إن دعت الحاجة الشديدة إلى إقامة جمعتين أو أكثر في البلد أو الحارة الكبيرة فلا بأس بذلك في أصح قولي العلماء ، وذلك مثل: أن تكون البلد متباعدة الأطراف ويشق على أهلها أن يجتمعوا في مسجد واحد فلا بأس أن يقيموا الجمعة في مسجدين أو أكثر على حسب الحاجة ، وهكذا لو كانت الحارة واسعة لا يمكن اجتماع أهلها في مسجد واحد فلا بأس أن يقام فيها جمعتان كالقرية ، ولهذا لما بنيت بغداد وكانت واسعة الأرجاء أقيم فيها جمعتان إحداهما في الجانب الشرقي والثانية في الجانب الغربي وذلك في وسط القرن الثاني بحضرة العلماء المشهورين ولم ينكروا ذلك لدعاء الحاجة إليه ، ولما قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- حين خلافته: إن في الكوفة ضعفة يشق عليهم الخروج إلى الصحراء لحضور صلاة العيد أمر من يقيم لهم صلاة العيد بالبلد وصلى- رضي الله عنه- بجمهور الناس في الصحراء .

(12/190)


فإذا جاز ذلك في العيد للحاجة فالجمعة مثله بجامع المشقة والحاجة والرفق بالمسلمين ، وقد نص الكثير من العلماء على جواز تعدد الجمعة عند الحاجة ، قال موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة رحمه الله في كتابه " المغني " ص 184 ، الجزء الثاني ، عند قول أبي القاسم الخرقي- رحمه الله-: ( وإذا كان البلد كبيرا يحتاج إلى جوامع فصلاة الجمعة في جميعها جائزة ) ما نصه: ( وجملته أن البلد متى كان كبيرا يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره أو ضيق مسجده عن أهله كبغداد وأصبهان ونحوهما من الأمصار الكبار جازت إقامة الجمعة فيما يحتاج إليه من جوامعها ، وهذا قول عطاء ، وأجازه أبو يوسف في بغداد دون غيرها . لأن الحدود تقام فيها في موضعين والجمعة حيث تقام الحدود ، ومقتضى قوله أنه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود في موضعين جازت إقامة الجمعة في موضعين منه لأن الجمعة حيث تقام الحدود وهذا قول ابن المبارك ، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله: لا تجوز الجمعة في بلد واحد في أكثر من موضع واحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجمع إلا في مسجد واحد وكذا الخلفاء بعده ولو جاز لم يعطلوا المساجد حتى قال ابن عمر رضي الله عنهما: لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر الذي يصلي فيه الإمام ) .
ثم قال الموفق- رحمه الله-: ( ولنا أنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد ، وقد ثبت أن عليا رضي الله عنه كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ويستخلف على ضعفة الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم ، فأما ترك النبي صلى الله عليه وسلم إقامة الجمعتين فلغناهم عن إحداهما .

(12/191)


لأن أصحابه كانوا يرون سماع خطبته وشهود جمعته وإن بعدت منازلهم . لأنه المبلغ عن الله وشارع الأحكام ، ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الأمصار صليت في أماكن ولم ينكر فصار إجماعا ، وقول ابن عمر يعني: أنها لا تقام في المساجد الصغار ويترك الكبير . وأما اعتبار ذلك بإقامة الحدود فلا وجه له ، قال أبو داود: سمعت أحمد- رحمه الله- يقول: أي حد كان يقام بالمدينة؟
قدمها مصعب بن عمير وهم مختبئون في دار فجمع بهم وهم أربعون ، فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز في أكثر من واحد ، وإن حصل الغنى باثنين لم تجز الثالثة ، وكذلك ما زاد لا نعلم في هذا مخالفا ، إلا أن عطاء قيل له أن أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر ، قال: لكل قوم مسجد يجتمعون فيه ويجزئ ذلك من التجمع في المسجد الأكبر ، وما عليه الجمهور أولى إذ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أنهم جمعوا أكثر من جمعة واحدة إذ لم تدع الحاجة إلى ذلك ولا يجوز إثبات الأحكام بالتحكم بغير دليل ) انتهى كلامه رحمه الله .
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- عن صلاة الجمعة في جامع القلعة بدمشق هل هي جائزة مع أن في البلد خطبة أخرى أم لا؟
فأجاب: ( نعم يجوز أن يصلى فيها جمعة؛ لأنها مدينة أخرى كمصر والقاهرة ، ولو لم تكن كمدينة أخرى فإقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في موضعين للحاجة يجوز عند أكثر العلماء ، ولهذا لما بنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي وجمعة في الجانب الغربي ، وجوز ذلك أكثر العلماء ) انتهى كلامه رحمه الله .

(12/192)


وبما ذكرنا يتضح للسائل جواز إقامة جمعتين فأكثر في بلد واحدة إذا دعت الحاجة إلى ذلك ، إما لضيق المسجد الواحد وعدم اتساعه لأهل البلد ، أو لسعة البلد وتباعد أطرافها والمشقة الشديدة عليهم في تجميعهم في مسجد واحد ، ومثل ذلك لو كان أهل البلد قبيلتين أو أكثر وبينهم وحشة ونزاع ويخشى من اجتماعهم قيام فتنة بينهم وقتال فيجوز لكل قبيلة أن تجمع وحدها ما دامت الوحشة قائمة ، وهكذا ما يشبه ذلك من الأسباب .
وهنا مسألة مهمة ينبغي التنبيه عليها وهي: أن بعض الناس في العصور المتأخرة إذا كان في البلد جمعتان أو أكثر يصلون الظهر بعد صلاة الجمعة ويزعمون أن في ذلك احتياطا خوفا من عدم صحة إحدى الجمعتين ، وهذا في الحقيقة منكر ظاهر وحدث في الإسلام لا يجوز الإقرار عليه وقد أنكره من أدركه من محققي العلماء . لأن الله سبحانه إنما أوجب على المسلمين في يوم الجمعة وغيرها خمس صلوات وهؤلاء يوجبون على الناس يوم الجمعة ست صلوات ، وهكذا لو لم يوجبوا ذلك وإنما استحبوه أو أباحوه فكل ذلك لا يجوز . لأنه من البدع المحدثة ، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبة الجمعة: خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة أخرجه مسلم في صحيحه ، وفي الصحيحين من حديث عائشة- رضي الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وفي لفظ لمسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد
والله المسئول أن يوفق المسلمين جميعا للفقه في دينه والتمسك بشريعته والحذر مما خالف ذلك إنه على كل شيء قدير ، والحمد لله رب العالمين .
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وأصحابه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أملاه الفقير إلى عفو ربه
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

(12/193)


حكم إقامة صلاة الجمعة في القرى
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى الأخوين الكريمين: ع . ع . ف . و م . ص . وفقهما الله لقول الحق والعمل به وزادهما من العلم والإيمان .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد:
فقد وصلني كتاباكما وتأملت ما ذكرتما فيهما من اختلاف بينكما في حكم إقامة صلاة الجمعة في القرى وتحكيمكما لي في هذا ، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من دعاة الهدى وأنصار الحق ، وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه والثبات عليه إنه خير مسئول ، ولا يخفي أن الحق ضالة المؤمن متى وجدها أخذها ، ولا يخفي أيضا أن المرجع في مسائل الخلاف هو كتاب الله عز وجل وسنة رسوله وصفوته من خلقه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، كما قال الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا وقال سبحانه: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ وقال عز وجل . قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
وقد تأملت أدلة الفريقين القائلين بوجوب إقامة صلاة الجمعة في القرى والقائلين بعدم وجوبها وعدم صحتها ، ورأيت أدلة أصحاب القول الأول وهم الجمهور أوضح وأكثر وأصح ، ومما يوضح ذلك أن الله سبحانه فرض على عباده إقامة صلاة الجمعة في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ الآية .

(12/194)


وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم لم ليكونن من الغافلين رواه الإمام مسلم في صحيحه .
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام صلاة الجمعة في المدينة وهي في أول الهجرة في حكم القرى ، وأقر أسعد بن زرارة على إقامة صلاة الجمعة في نقيع الخضمات وهو في حكم القرية ولم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم أنكر ذلك ، والحديث في ذلك حسن الإسناد ومن أعله بابن إسحاق فقد غلط؛ لأنه قد ثبت تصريحه بالسماع فزالت مشابهة التدليس ، ولأنه صلى الله عليه وسلام قال: صلوا كما رأيتموني أصلي وقد رأيناه صلى الجمعة في المدينة من حين هاجر إليها ، ولأنه صلى الله عليه وسلم أقر أهل ( جواثا ) وهي قرية من قرى البحرين على إقامة صلاة الجمعة ، والحديث بذلك مخرج في صحيح البخاري .
ولأنها إحدى الصلوات الخمس في يوم الجمعة فوجب أداؤها على أهل القرى كأهل الأمصار ، وكصلاة الظهر في حق الجميع في غير يوم الجمعة ، وإنما تركت إقامتها في البادية والسفر لعدم أمره صلى الله عليه وسلم للبوادي والمسافرين بإقامتها . ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يقمها في السفر فوجبت إقامتها فيما سوى ذلك ومعلوم أن الذي سوى ذلك هو القرى والأمصار؛ ولأن في إقامتها مصالح عظيمة من جمع أهل القرية في مسجد واحد ووعظهم وتذكيرهم كل أسبوع بما شرع الله في خطبتي الجمعة ، وبما ذكرنا من الأدلة يتضح لكل منصف صحة قول الجمهور وأنه أقرب إلى الحق من قول من خالفهم ، وأنه أنفع للمسلمين في أمر دينهم ودنياهم وأقرب إلى براءة الذمة وصلاح الأمة ، أما أثر علي رضي الله عنه فهو موقوف عليه ، ولا يصح مرفوعا كما نبه على ذلك غير واحد منهم النووي رحمه الله مع أن في صحة الموقوف نظر أيضا لأن في إسناده عند عبد الرزاق الثوري رحمه الله ولم يصرح بالسماع وهو موصوف بالتدليس ، وجابر الجعفي والحارث الأعور وكلاهما ضعيف .

(12/195)


وفي سنده عند ابن أبي شيبة الأعمش ولم يصرح بالسماع وهو مدلس معروف لكن عنعنته وعنعنة الثوري محمول على السماع فيما خرجه عنهما البخاري ومسلم رضي الله عنهما في الصحيحين .
أما في غير الصحيحين فليس هناك مانع من تعليل روايتهما بذلك إذا لم يصرحا بالسماع . هذا ما ظهر لي وأسأل الله أن يوفقني وإياكما وسائر إخواننا لإصابة الحق وأن يمن علينا جميعا بإيثار الحق على ما سواه وأن يعيذنا جميعا من التعصب واتباع الهوى في جميع الأحوال إنه ولي ذلك والقادر عليه .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
صدر من مكتب سماحته برقم 2484/ 1 وتاريخ 12/ 9/ 1406 هـ .
حكم إقامة صلاة الظهر بعد الجمعة
س: بلدة فيها نحو من خمسة وثلاثين مسجدا تؤدى فيها صلاة الجمعة فإذا فرغ المصلون من الجمعة صلوا بعدها الظهر ، فهل هذا الفعل جائز أم لا؟
ج: قد علم من الدين بالضرورة وبالأدلة الشرعية أن الله سبحانه لم يشرع يوم الجمعة في وقت الظهر إلا فريضة واحدة في حق الرجال المقيمين المستوطنين الأحرار المكلفين وهي صلاة الجمعة ، فإذا فعل المسلمون ذلك فليس عليهم فريضة أخرى لا الظهر ولا غيرها بل صلاة الجمعة هي فرض الوقت ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم والسلف الصالح بعدهم لا يصلون بعد الجمعة فريضة أخرى ، وإنما حدث هذا الفعل الذي أشرتم إليه بعدهم بقرون كثيرة ، ولا شك أنه من البدع المحدثة التي قال فيها النبي عليه الصلاة والسلام: إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة

(12/196)


وقال عليه الصلاة والسلام: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد رواه البخاري ومسلم ، ولا شك أن صلاة الظهر بعد الجمعة أمر محدث ليس عليه أمره صلى الله عليه وسلم فيكون مردودا ويدخل في البدع والضلالات التي حذر منها المصطفي صلى الله عليه وسلم ، وقد نبه أهل العلم على ذلك وممن نبه عليه الشيخ جمال الدين القاسمي في كتابه: ( إصلاح المساجد من البدع والعوائد ) والشيخ العلامة محمد أحمد عبد السلام في كتابه: ( السنن والمبتدعات ) ، فإن قال قائل إنما نفعل ذلك احتياطا وخوفا من عدم صحة الجمعة ،
فالجواب أن يقال لهذا القائل: إن الأصل هو صحة الجمعة وسلامتها وعدم وجوب الظهر بل وعدم جوازها في وقت الجمعة لمن عليه فرض الجمعة ، والاحتياط إنما يشرع عند خفاء السنة ووجود الشك والريب ، أما في مثل هذا فليس المقام مقام شك بل نعلم بالأدلة أن الواجب هو صلاة الجمعة فقط فلا يجوز غيرها بدلا منها ولا مضموما إليها على أنه عمل يقصد منه الاحتياط لصحتها ، وإيجاد شرع جديد لم يأذن به الله ، وصلاة الظهر في هذا الوقت مخالف للأدلة الشرعية المعلومة من الدين بالضرورة فوجب أن يترك ويحذر ، وليس لفعله وجه يعتمد عليه؛ بل ذلك من وساوس الشيطان التي يمليها على الناس حتى يصدهم بها عن الهدى ، ويشرع لهم دينا لم يأذن به الله كما زين لبعضهم الاحتياط في الوضوء حتى عذبه في الطهارة وجعله لا يستطيع الفراغ منها كلما كاد أن يفرغ منها وسوس له أنها لم تصح وأنه لم يفعل كذا ولم يفعل كذا ، وهكذا فعل ببعضهم في الصلاة إذا كبر للصلاة وسوس إليه أنه لم يكبر فلا يزال يوسوس له أنه لم يكبر ولا يزال الرجل يكبر التكبيرة بعد التكبيرة حتى تفوت الركعة الأولى أو القراءة فيها أو غالبها وهذا من كيد الشيطان ومكره وحرصه على إبطال عمل المسلم وتلبيس دينه عليه .

(12/197)


نسأل الله السلامة لنا ولسائر المسلمين والعافية من مكائده ووساوسه إنه سميع قريب . والخلاصة: أن صلاة الظهر بعد الجمعة بدعة وضلالة وإيجاد شرع لم يأذن به الله فالواجب تركه والحذر منه وتحذير الناس منه والاكتفاء بصلاة الجمعة ، كما درج على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعده والتابعون لهم بإحسان إلى يومنا هذا وهو الحق الذي لا ريب فيه ، وقد قال الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه: ( لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ) . وهكذا قال الأئمة بعده وقبله . والله الموفق .
أجاب سماحته على هذا السؤال عندما كان رئيسا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ ع . ج . وفقه الله لما فيه رضاه ونصر به الحق آمين .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد:
فقد وصلتني رسالتكم المتضمنة الإفادة بأن جماعة من شعب تنزانيا المنتسبين إلى مذهب الإمام الشافعي- رحمه الله- قد انشقوا عن إخوانهم في إقامتهم صلاة الظهر بعد الجمعة والمتضمنة أيضا رغبتكم في إصدار الفتوى في ذلك وبناء على ذلك فقد تأملت الموضوع وراجعت الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم في ذلك فاتضح من ذلك ما يلي:
لا ريب أن الله عز وجل وله الحمد والمنة قد أكمل لهذه الأمة دينها وأتم عليها نعمته على يد رسوله وحبيبه وخليله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه كما قال الله عز وجل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا الآية .

(12/198)


وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة عشر سنين يجمع بأصحابه في مسجده الشريف ويصلي معه سكان المدينة من المسلمين ، وليس هناك جمعة أخرى ، وهكذا خلفاؤه الراشدون ساروا على نهجه القويم يصلون جمعة واحدة ، ثم لما كثر المسلمون وانتشروا في الجزيرة العربية وغيرها دعت الحاجة إلى تعدد الجمع في المدن والعواصم فرأى جمهور أهل العلم أنه لا حرج في ذلك عند دعاء الحاجة إليه ، وأجاز بعض أهل العلم تعددها مطلقا ، والصواب قول الجمهور لما في توحيد الجمعة من جمع الكلمة على الحق ، فإذا دعت الحاجة إلى تعددها لضيق مسجد البلد عن السكان أو تباعد أطرافها أو وجود شحناء بين السكان يخشى من جمعهم في مسجد واحد أن تقع بينهم فتنة جاز التعدد لهذه الحاجات وأشباهها؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما .
ومتى جاز التعدد لمسوغه الشرعي صحت جميع الجمع ولم يجز أن يقام مع شيء منها صلاة الظهر؛ لأن في ذلك إيجاب صلاة سادسة ما أنزل الله بها من سلطان ، بل ذلك مخالف للنص والإجماع ومن البدع المحدثة .
وقد مضت القرون المفضلة وقرون بعدها والمسلمون لا يعرفون هذه الصلاة المحدثة ، وإنما أحدثها بعض المتأخرين من الشافعية وبعض الحنفية لشبه وقعت لهم لا يجوز أن تكون مستندا لهذه البدعة .

(12/199)


لأنها كلها عند التمحيص لا وجه لها وليست مسوغة لإحداث هذه البدعة ، وقد أنكر هذه البدعة لما حدثت جم غفير من العلماء من الشافعية وغيرهم وأوضحوا أن الواجب على علماء الإسلام إنكارها والتحذير منها ، كما أن الواجب على من أحدثها أو استحسن فعلها أن يتهم رأيه وأن يرجع إلى الحق لأن الرجوع إلى الحق هو الواجب وهو خير من التمادي في الخطأ ، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد متفق على صحته من حديث عائشة رضي الله عنها ، ورواه مسلم في صحيحه بلفظ: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وخرج مسلم أيضا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبة الجمعة: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة
وفي السنن بإسناد حسن عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا فقال أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وأن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة
وقد قال الله في كتابه الكريم ذاما أهل البدع ومحذرا من سبيلهم: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ الآية .
والآيات والأحاديث في ذم البدع والتحذير منها كثيرة معلومة وأرجو أن يكون فيما ذكرته كفاية ومقنع لطالب الحق .

(12/200)


وأسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين جميعا وأن يجمع كلمتهم على الحق أينما كانوا ، وأن يبارك في أعمالكم وأن يجزيكم عن اهتمامكم بأحوال إخوانكم وحرصكم على جمع الكلمة وإبطال البدعة جزاء حسنا وأن يجعلنا وإياكم وسائر إخواننا من دعاة الهدى وأنصار الحق إنه سميع قريب .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
صدر من مكتب سماحته برقم 3364/ 1 وتاريخ 22/ 12/ 1397 هـ .
حكم ترجمة خطبة الجمعة إلى اللغة التي يفهمها المستمعون
س: هل يجوز تفسير خطبة الجمعة للناس إذا كانوا عجميين ليفهموا معناها؟
ج: نعم يجوز ذلك فيخطب بالعربية ويفسر الخطبة باللغة التي يفهمها المستمعون . لأن المقصود وعظهم وتذكيرهم وتعليمهم أحكام الشريعة ولا يحصل ذلك إلا بالترجمة ،
ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل به ، وأن يهدينا جميعا وسائر المسلمين صراطه المستقيم إنه جواد كريم .
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
أجاب سماحته على هذا السؤال عندما كان رئيسا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة برقم 1065/خ في 14/ 5/ 1394 هـ .
حكم ترجمة خطبة الجمعة
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم سلمه الله .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد:

(12/201)


فقد وصلتني رسالتكم الكريمة وصلكم الله بهداه ، وفهمت ما تضمنته من كتابة بعض المثقفين بمدينة ( كاتان كدي ) الواقعة بجنوب جزيرة سيلان إلى معاليكم يذكر فيما كتبه إليكم أن سكان هذه المدينة البالغ عددهم ( 2000000 ) نسمة قد حدث بينهم خلاف حول جواز ترجمة خطبة الجمعة بلغتهم الوطنية . . . . إلخ ، ورغبة معاليكم في إبانة الصواب في هذه المسألة حسبما تقتضيه قواعد الشرع المطهر والمصلحة للمخاطبين بالخطبة ، وعليه فإجابة لسؤالكم وتحقيقا لرغبتكم ومساهمة في الإصلاح بين المسلمين وحل النزاع بين المتنازعين ومحاولة لنشر التعاليم الإسلامية والتوجيهات المحمدية بلغة القرآن الكريم وغيرها من اللغات المستعملة ، أذكر لكم في هذه الرسالة ما أعلمه من الشرع المطهر في هذه المسألة
فأقول: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد: فقد تنازع العلماء رحمهم الله في جواز ترجمة الخطب المنبرية في يوم الجمعة والعيدين إلى اللغات العجمية ، فمنع ذلك جمع من أهل العلم رغبة منهم رضي الله عنهم في بقاء اللغة العربية والمحافظة عليها والسير على طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في إلقاء الخطب باللغة العربية في بلاد العجم وغيرها وتشجيعا للناس على تعلم اللغة العربية والعناية بها .
وذهب آخرون من أهل العلم إلى جواز ترجمة الخطب باللغة العجمية إذا كان المخاطبون أو أكثرهم لا يعرفون اللغة العربية ، نظرا للمعنى الذي من أجله شرع الله الخطبة وهو تفهيم الناس ما شرعه الله لهم من الأحكام وما نهاهم عنه من المعاصي والآثام ، وإرشادهم إلى الأخلاق الكريمة وا صفات الحميدة وتحذيرهم من خلافها ، ولا شك أن مراعاة المعاني والمقاصد أولى وأوجب من مراعاة الألفاظ والرسوم ولا سيما إذا كان المخاطبون أو أكثرهم لا يهتمون باللغة العربية ولا تؤثر فيهم خطبة الخطيب باللغة العربية تسابقا إلى تعلمها وحرصا عليها .

(12/202)


فالمقصود حينئذ لم يحصل والمطلوب بالبقاء على اللغة العربية لم يتحقق ، وبذلك يظهر للمتأمل أن القول بجواز ترجمة الخطب باللغات السائدة بين المخاطبين الذين يعقلون بها الكلام ويفهمون بها المراد أولى وأحق بالاتباع ، ولا سيما إذا كان عدم الترجمة يفضي إلى النزاع والخصام ، فلا شك أن الترجمة والحالة هذه متعينة لحصول المصلحة بها وزوال المفسدة ، وإذا كان في المخاطبين من يعرف اللغة العربية فالمشروع للخطيب أن يجمع بين اللغتين فيخطب باللغة العربية ويترجمها باللغة الأخرى التي يفهمها الآخرون ، وبذلك يجمع بين المصلحتين وتنتفي المضرة كلها وينقطع النزاع بين المخاطبين .
ويدل على ذلك من الشرع المطهر أدلة كثيرة منها: ما تقدم وهو أن المقصود من الخطبة نفع المخاطبين وتذكيرهم بحق الله ودعوتهم إليه وتحذيرهم مما نهى الله عنه ولا يحصل ذلك إلا بلغتهم ، ومنها: أن الله سبحانه إنما أرسل الرسل عليهم السلام بألسنة قومهم ليفهموهم مراد الله سبحانه بلغاتهم كما قال عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ وقال عز وجل: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ

(12/203)


وكيف يمكن إخراجهم به من الظلمات إلى النور وهم لا يعرفون معناه ولا يفهمون مراد الله منه ، فعلم أنه لا بد من ترجمة تبين المراد وتوضح لهم حق الله سبحانه إذا لم يتيسر لهم تعلم لغته والعناية بها ، ومن ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر زيد ابن ثابت أن يتعلم لغة اليهود ليكاتبهم بها ويقيم عليهم الحجة ، كما يقرأ كتبهم إذا وردت ويوضح للنبي صلى الله عليه وسلم مرادهم ومن ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لما غزوا بلاد العجم من فارس والروم لم يقاتلوهم حتى دعوهم إلى الإسلام بواسطة المترجمين ، ولما فتحوا البلاد العجمية دعوا الناس إلى الله سبحانه باللغة العربية وأمروا الناس بتعلمها ومن جهلها منهم دعوه بلغته وأفهموه المراد باللغة التي يفهمها فقامت بذلك الحجة وانقطعت المعذرة ولا شك أن هذا السبيل لا بد منه ولا سيما في آخر الزمان وعند غربة الإسلام وتمسك كل قبيل بلغته .
فإن الحاجة للترجمة ضرورية ولا يتم للداعي دعوة إلا بذلك .
وأسأل الله أن يوفق المسلمين أينما كانوا للفقه في دينه والتمسك بشريعته والاستقامة عليها وأن يصلح ولاة أمرهم وأن ينصر دينه ويخذل أعداءه إنه جواد كريم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
نشرت في (كتاب الدعوة)، الجزء الأول، ص 131 - 134 .
الاستيطان شرط لصحة صلاة الجمعة
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ ن . أ . ص . زاده الله من العلم والإيمان وجعله مباركا أينما كان ، آمين .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته . أما بعد:

(12/204)


فقد وصلني كتابكم الكريم المؤرخ في 14 / 2 / 1388 هـ وصلكم الله بهداه ونظمنا وإياكم في سلك من خافه واتقاه ، وسرنا منه علم صحتكم وصحة إخوانكم من الزملاء ، فالحمد لله على ذلك ، صحتنا ومن لدينا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة من المشائخ والإخوان تسركم بحمد الله أوزع الله الجميع شكر نعمه ، وثبتنا جميعا على دينه حتى نلقاه عز وجل إنه خير مسئول . أما سؤالكم عن حكم إقامة صلاة الجمعة منكم ومن أمثالكم من طلبة العلم في بلاد الغربة ؟
فالجواب: قد نص أهل العلم على أنه لا يجب عليكم ولا على أمثالكم إقامة صلاة الجمعة بل في صحتها منكم نظر ، وإنما الواجب عليكم صلاة الظهر؛ لأنكم أشبه بالمسافرين وسكان البادية والجمعة إنما تجب على المستوطنين ، والدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بها المسافرين ولا أهل البادية ، ولم يفعلها في أسفاره عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه رضي الله عنهم ، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع صلى الظهر في عرفة يوم الجمعة ، ولم يصل الجمعة ولم يأمر الحجاج بذلك؛ لأنهم في حكم المسافرين ، ولا أعلم خلافا بين علماء الإسلام في هذه المسألة بحمد الله ، إلا خلافا شاذا من بعض التابعين لا ينبغي أن يعول عليه .
ولكن لو وجد من يصلي الجمعة من المسلمين المستوطنين فالمشروع لكم ولأمثالكم من المقيمين في البلاد إقامة مؤقتة لطلب علم أو تجارة ونحو ذلك الصلاة معهم لتحصيل فضل الجمعة .
ولأن جمعا من أهل العلم قالوا بوجوبها على المسافر تبعا للمستوطن إذا أقام في محل تقام فيه الجمعة إقامة تمنعه من قصر الصلاة .

(12/205)


أما ما أشرتم إليه عن حاجتكم إلى الكتب فإليكم بيانا بالكتب والرسائل والمحاضرات التي رأينا إرسالها إليكم سائلين المولى عز وجل أن ينفعكم وإخوانكم وسائر المسلمين بها ، وأن تصلكم وأنتم بحال الصحة ، راجين الإفادة عن وصولها وعن وصول هذا الكتاب ، والله نسأل سبحانه أن يزيدنا وإياكم من العلم النافع والعمل الصالح ، وأن يمنح الجميع الفقه في دينه ، وأن يجعلنا وإياكم دعاة الهدى وأنصار الحق إنه جواد كريم ، والسلام عليكم .
إجابة على سؤال مقدم من الشيخ ن . أ . ص . أجاب عليه سماحته برسالة في 14/ 2/ 1388 هـ عندما كان نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .
سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد . السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
س: نفيد سماحتكم أننا مجموعة من العسكريين والمدنيين من منسوبي الدفاع المدني قدمنا من مدينة الرياض ومن غيرها من المناطق لخدمة ضيوف الرحمن خلال شهري ذي القعدة وذي الحجة فقط ولدينا مسجد نقوم بالصلاة فيه خلال هذه المدة من المهمة . فهل يجوز لنا أن نقيم في هذا المسجد صلاة الجمعة أم نؤدي الصلاة ظهرا؟ أفتونا مأجورين وجزاكم الله خيرا .
ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته . بعده:
عليكم أن تصلوا مع الناس الجمعة في الجوامع التي تقام فيها الجمعة إذا تيسر ذلك ، فإن لم تستطيعوا فصلوا ظهرا ولا تصلوا جمعة لأنكم لستم مستوطنين . لأن من شرط صحة الجمعة أن يكون المقيمون لها مستوطنين .
وفق الله الجميع لما يرضيه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
استفتاء موجه إلى سماحته من مدير الشئون الدينية بالدفاع المدني .

(12/206)


لا يشترط إن يكون الخطيب هو الإمام في الصلاة
س: قرأت في كتاب: ( الفقه على المذاهب الأربعة ) رأيا للمالكية في شروط صحة الجمعة ، والتي منها: أن من شروط صحتها بأن يكون الإمام هو الخطيب ، وإذا خطب غير من صلى فالصلاة باطلة ، إلا أن يكون هناك عذر منع الإمام ، ولم أجد إشارة لهذا الشرط عند الشافعية حيث رأيت في بعض المساجد في صلاة الجمعة واحدا يخطب وآخر يصلي ، فما الإجابة وما حكم صلاتي إذا كنت مالكيا؟
ج: المسألة خلافية بين أهل العلم ، والصواب أنه لا يشترط أن يكون الخطيب هو الإمام في الصلاة . لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة .
والأفضل أن يتولى الخطابة من يتولى الإمامة ، وهكذا العيد ، كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم أجمعين ، لكن لو قدر أن الخطيب لم يتيسر له ذلك بأن أصابه مانع حال بينه وبين الصلاة ، فالصلاة صحيحة ، وهكذا لو صلى ولم يخطب باختياره ووجد من يخطب عنه ، فالصحيح لا حرج في ذلك .
والله الموفق .
من برنامج (نور على الدرب) .
س: الأخ ص . أ . ص . - من بنغازي في ليبيا يقول في سؤاله: هل يجوز أن يتولى الخطبة في الجمعة رجل ويتولى الإمامة فيها رجل آخر؟ أفتونا جزاكم الله خيرا .
ج: ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اشتراط أن يكون خطيب الجمعة هو إمام صلاتها لعدم الدليل على ذلك ، وخالف في ذلك بعض أهل العلم فذهبوا إلى اشتراط أن يكون خطيب الجمعة هو الإمام في صلاتها .
والصواب أنه لا حرج في ذلك إذا دعت الحاجة إليه ، والله ولي التوفيق .
نشرت في (المجلة العربية)، العدد (198) في رجب 1414 هـ .
س: في بعض المناطق يجعلون أحد الشباب يخطب الخطبة ، ويصلي الصلاة رجل آخر ، ومستمرون على هذا ، فما حكم صلاتهم؟

(12/207)


ج: ليس فيه بأس إذا كان الشاب يحسن الخطبة أكثر والإمام لا يحسنها إلا قليلا واستعملت الجهات المسئولة من يخطب بالناس خطبة أكثر فائدة فلا بأس ، ولا يلزم أن يتولى الصلاة والخطبة شخص واحد؛ لأن الصلاة مستقلة عن الخطبة ولكن الأفضل والأولى أن يتولاهما شخص واحد ، وأن تختار الجهات المسئولة من يصلح لذلك تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبخلفائه الراشدين وبأتباعهم بإحسان ، والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ .
س: هل يجوز لبعض الجماعة أن يخطب يوم الجمعة ويقوم آخر فيصلي بالناس عند غيبة الإمام ؟
ج: إذا كان الإمام غائبا عن البلد ، أو حاضرا فيها ،
وتشق مراجعته لبعده أو لمطر ونحوه وقد تأخر عن الوقت المعتاد تأخرا بينا يشق على الناس ، فلا بأس أن يقوم بعض الجماعة فيخطب خطبة الجمعة ويصلي بالناس ، وإن خطب واحد وصلى آخر فلا بأس إذا كان كل واحد منهما أهلا لما قام به من خطبة أو صلاة؛ لأن ترك الناس في المسجد ينتظرون الغائب مع بعده عن البلد أو بعده عن محل الصلاة أو تأخره التأخر الكثير فيه مشقة على الناس وحرج ، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يسروا ولا تعسروا
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه لما تأخر في بعض أسفاره عن الوقت المعتاد قدم الصحابة عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم الفجر وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ، وهكذا لما تأخر صلى الله عليه وسلم في إصلاح بين بني عمرو ابن عوف طلب بلال من أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أن يصلي بالناس فأجاب إلى ذلك ، وأقام بلال الصلاة ودخل أبو بكر في الصلاة ، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه الناس صفقوا ، فلما أكثروا من ذلك التفت أبو بكر رضي الله

(12/208)


عنه فرأى النبي صلى الله عليه وسلم قد شق الصفوف وقام خلفه ، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يستمر في صلاته فامتنع أبو بكر عن ذلك أدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم تأخر فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فأتم الصلاة ، ولما سلم نهى الناس عن التصفيق وقال: من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال ولتصفق النساء متفق على صحته .
وأسأل الله أن يوفقنا وإياه وسائر المسلمين للفقه في الدين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
إجابة من سماحته على سؤال مقدم من غ . ق . ش . عندما كان نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية ، برقم 4991/ 1 وتاريخ 8/ 7/ 1387 هـ .
س: في صلاة الجمعة أذن رجل الأذان الأول ، وأذن آخر الأذان الثاني ، وخطب خطبتي الجمعة رجل وصلى بنا رجل آخر ، فما حكم ذلك ؟
ج: ليس في هذا حرج والحمد لله ، يجوز أن يتولى الأذان الأول واحد ، والثاني آخر ، والخطبة شخص ، والإمامة شخص ، كل ذلك لا حرج فيه والحمد لله ، لكن الأفضل أن يتولى الخطبة من يتولى الصلاة ، وأن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة إذا تيسر ذلك ، فالأفضل أن يكون الإمام هو الخطيب كما كان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون ، لكن لو خطب إنسان وصلى آخر فلا حرج .
ليس للجمعة سنة راتبة قبلها
س: الأخ/ م . ع . م . - من الجزائر ، يقول في سؤاله: هل لصلاة الجمعة سنة قبلها
أو بعدها ؟
ج: ليس للجمعة سنة راتبة قبلها في أصح قولي العلماء ، ولكن يشرع للمسلم إذا أتى المسجد أن يصلي ما يسر الله له من الركعات يسلم من كل ثنتين ، لقول النبي صلى الله
عليه وسلم: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى رواه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد حسن ، وأصله في الصحيح من دون ذكر النهار .

(12/209)


ولأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة ما يدل على أن المشروع للمسلم إذا أتى المسجد يوم الجمعة أن يصلي ما قام الله له قبل خروج الإمام ولم يحدد النبي صلى الله عليه وسلم ركعات محددة في ذلك فإذا صلى ثنتين أو أربعا أو أكثر من ذلك فكله حسن وأقل ذلك ركعتان تحية المسجد ، أما بعدها فلها سنة راتبة أقلها ركعتان وأكثرها أربع ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا وكان صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين بعد الجمعة في بيته . وفق الله الجميع لما يرضيه .
نشرت في (المجلة العربية) بتاريخ ربيع أول 1412 هـ .
حكم تحية المسجد أثناء الخطبة
س: لقد دار نقاش بيني وبين بعض الإخوان المصلين بمسجد [ فتنة ] ريفي قروي بجمهورية السودان الديمقراطية حول صلاة الركعتين عند الدخول للمسجد والإمام يخطب ، أرجو من سماحة الشيخ الفتوى حول ذلك الموضوع ، وهل هي جائزة أم لا ، علما بأن الأخوة المصلين أولئك في ذلك المسجد العتيق على مذهب الإمام مالك [ مالكيون]
ج: السنة عند دخول المسجد أن يصلي الداخل ركعتين تحية المسجد ولو كان الإمام يخطب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين أخرجه الشيخان في الصحيحين .
ولما روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما

(12/210)


وهذا نص صريح في المسألة لا يجوز لأحد أن يخالفه ، ولعل الإمام مالكا رحمه الله لم تبلغه هذه السنة إذ ثبت عنه أنه نهى عن الركعتين وقت الخطبة؛ وإذا صحت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز لأحد أن يخالفها لقول أحد من الناس كائنا من كان؛ لقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ولقوله سبحانه: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ
ومعلوم أن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم من حكم الله عز وجل . لقوله سبحانه: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ والله ولي التوفيق .
نشرت في (كتاب الدعوة )، الجزء الأول، ص (52) .
حكم صلاة ركعتين بعد الأذان الأول
س: الأخ/ ا . م . ج . - من الرياض يقول في سؤاله: ألاحظ أثناء صلاة الجمعة في الحرمين الشريفين قيام بعض المصلين لأداء ركعتين بعد فراغ المؤذن من النداء للأذان الأول ، أرجو من سماحة الوالد بيان الحق في هذا الفعل؟ جزاكم الله خيرا وأطال عمركم على طاعته .
ج: لا أعلم في الأدلة الشرعية ما يدل على استحباب هاتين الركعتين؛ لأن الأذان المذكور إنما أحدثه عثمان بن عفان رضي الله عنه في خلافته لما كثر الناس في المدينة ، أراد بذلك تنبيههم على أن اليوم يوم الجمعة ، وتبعه الصحابة في ذلك ، ومنهم علي رضي الله عنه واستقر بذلك كونه سنة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى شرعية الركعتين بعد هذا الأذان . لعموم قول النبي صلى

(12/211)


الله عليه وسلم: بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء
والأظهر عندي أن الأذان المذكور لا يدخل في ذلك . لأن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بالأذانين: الأذان والإقامة فيما عدا يوم الجمعة ، أما يوم الجمعة فإن المشروع للجماعة أن يستعدوا لسماع الخطبة بعد الأذان . والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من (المجلة العربية) .
وقت صلاة الجمعة
س: هل تجوز صلاة الجمعة قبل زوال الشمس ؟
ج: تجوز صلاة الجمعة قبل زوال الشمس ، ولكن الأفضل بعد الزوال خروجا من خلاف العلماء . لأن أكثر العلماء يقولون لا بد أن تكون صلاة الجمعة بعد الزوال ، وهذا هو قول الأكثرين ، وذهب قوم من أهل العلم إلى جوازها قبل الزوال في الساعة السادسة وفيه أحاديث وآثار- تدل على ذلك- صحيحة فإذا صلى قبل الزوال بقليل فصلاته صحيحة ، ولكن ينبغي ألا تفعل إلا بعد الزوال عملا بالأحاديث كلها وخروجا من خلاف العلماء ، وتيسيرا على الناس حتى يحضروا جميعا ، وحتى تكون الصلاة في وقت واحد ، هذا هو الأولى والأحوط .
من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ .
قراءة القرآن بصوت مرتفع في المسجد
س: هل تجوز قراءة القرآن في الجمعة بصوت مرتفع في المسجد ؟
ج: لا يجوز للمسلم أن يرفع صوته بالقراءة في المسجد أو غيره إذا كان يشوش على من حوله من المصلين أو القراء ، بل السنة أن يقرأ قراءة لا يؤذي بها غيره؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج على الناس ذات يوم في المسجد وهم يرفع بعضهم الصوت على بعض بالقراءة فقال: أيها الناس كلكم يناجي الله فلا يرفع بعضكم صوته على بعض أو قال: فلا يجهر بعضكم على بعض

(12/212)


من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ.
قراءة سورتي السجدة والدهر فجر الجمعة سنة
س: بعض المأمومين يتفجر من قراءة سورة السجدة وسورة الدهر في فجر الجمعة لطولهما ، فما موقف الإمام علما بأن أكثرهم يرغب في ذلك وبعضهم لا يرغب ؟
ج: هذه سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيشرع للإمام قراءة هاتين السورتين في فجر الجمعة وإن كره ذلك بعض الجماعة لكسلهم؛ لأن السنة مقدمة على الجميع والمشروع للأئمة في جميع الصلوات أن يراعوا فعل السنة ويحافظوا عليها؛ لقوله عز وجل: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: من رغب عن سنتي فليس مني
من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ .
إلى سماحة الإمام العلامة المحدث الفقيه المفسر الداعية المفتي شيخ الإسلام في عصره الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، أطال الله في عمره على طاعته خدمة للإسلام والمسلمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد:
هناك سؤال: وهو أن بعض المأمومين يعترضون على قراءة أئمة المساجد لسورتي السجدة والإنسان في صلاة الفجر يوم الجمعة ، ويطالبون بقسم سورة السجدة في الركعتين بحجة العجز عن الوقوف خلف الإمام لبعض كبار السن ، ويحتجون بأن بعض أئمة المساجد يقسمها ، فهل نسمع كلامهم في ذلك ونقسمها ، أو نترك قراءتها أحيانا ، أم نقرأها دائما وبدون قسم في الركعتين دون النظر إلى الاعتراض ؟ أفتونا مأجورين .
ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته . بعده:

(12/213)


السنة للإمام أن يقرأ في صلاة فجر يوم الجمعة سورتي تنزيل السجدة في الركعة الأولى وسورة هل أتى على الإنسان في الركعة الثانية ولا يلتفت إلى قول من يعترض في ذلك؛ لأن
الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهما في صلاة الفجر يوم الجمعة وهو أرحم الناس وأعلم الناس وأشفقهم على الضعيف ، وإذا ترك قراءتهما في الشهر أو في الشهرين مرة ليعلم الناس أن قراءتهما غير واجبة وأنه يجوز قراءة غيرهما فلا بأس . وفق الله الجميع لما يرضيه .
مفتي عام المملكة العربية السعودية
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
استفتاء شخصي موجه إلى سماحته .
حكم الاقتصار على إحدى سورتي السجدة والدهر فجر الجمعة
س: هل يجوز الاقتصار على إحدى السورتين وهما سورة السجدة وهل أتى على الإنسان في فجر الجمعة ؟
ج: السنة أن يأتي بهما جميعا ولا يقتصر على إحداهما؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي ولعموم قوله عز وجل: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ولما في ذلك من إحياء السنة والمحافظة عليها ، والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ
قراءة سورة السجدة وسجدة التلاوة فجر الجمعة
س: هل قراءة سورة السجدة ، وسجدة التلاوة في صلاة الفجر يوم الجمعة من السنة؟ وهل يداوم على فعلها إذا كان ذلك من السنة ؟
ج: السنة أن يقرأ الإمام في صلاة الفجر يوم الجمعة في الركعة الأولى سورة السجدة ويسجد فيها سجدة التلاوة ، وفي الثانية: ( هل أتى على الإنسان ) رواه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، ورواه مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، ورواه الطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وزاد ابن مسعود في حديثه: أنه كان صلى الله عليه وسلم يديم ذلك أي: يداوم على قراءة السورتين المذكورتين ، فالسنة المداومة .

(12/214)


س: والذي يقرأ سورة السجدة في ركعتين ما حكمه ؟
ج: حكمه أنه خالف السنة ، فليرشد إلى فعل السنة والصلاة صحيحة والحمد لله ، لكن لو قرأ في بعض الأحيان غير السورتين ليعلم الجماعة أن قراءتهما ليست واجبة في كل جمعة فلا حرج في ذلك . والله ولي التوفيق .
من برنامج (نور على الدرب) ، الشريط رقم (11) .
إذا سبق الصبيان من هم أكبر منهم إلى الصف الأول فهم أولى به
س: بعض الأولاد يبكرون يوم الجمعة ويأتي أناس أكبر منهم ويقيمونهم ويجلسون مكانهم ويحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم: ليلني منكم أولو الأحلام والنهى فهل هذا جائز؟
ج: هذا يقوله بعض أهل العلم ويرى أن الأولى بالصبيان أن يصفوا وراء الرجال ، ولكن هذا القول فيه نظر ،
والأصح أنهم إذا تقدموا لا يجوز تأخيرهم ، فإذا سبقوا إلى الصف الأول أو إلى الصف الثاني فلا يقيمهم من جاء بعدهم؛ لأنهم سبقوا إلى حق لم يسبق إليه غيرهم فلم يجز تأخيرهم لعموم الأحاديث في ذلك؛ لأن في تأخيرهم تنفيرا لهم من الصلاة ، ومن المسابقة إليها فلا يليق ذلك .
لكن لو اجتمع الناس بأن جاءوا مجتمعين في سفر أو لسبب فإنه يصف الرجال أولا ، ثم الصبيان ثانيا ، ثم النساء بعدهم إذا صادف ذلك وهم مجتمعون ، أما أن يؤخذوا من الصفوف ويزالوا ويصف مكانهم الكبار الذين جاءوا بعدهم فلا يجوز ذلك لما ذكرنا .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ليلني منكم أولو الأحلام والنهى . فالمراد به التحريض على المسارعة إلى الصلاة من ذوي الأحلام والنهى وأن يكونوا في مقدم الناس ، وليس معناه تأخير من سبقهم من أجلهم؛ لأن ذلك مخالف للأدلة الشرعية التي ذكرنا .
من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ

(12/215)


وقت تحري ساعة الإجابة من يوم الجمعة
س: في أي الأوقات يتحرى المسلمون ساعة الإجابة يوم الجمعة ، أفي يوم الجمعة كله ، أم في العصر ، أم بعد صلاة الجمعة مباشرة ؟
ج: الله جل وعلا جعل في الجمعة ساعة يقبل فيها الدعاء ، وهي ساعة قليلة لا يوافقها المسلم وهو قائم يصلي إلا أعطاه الله سؤاله ، فهي ساعة عظيمة قليلة ، جاء في بعض الروايات عند مسلم أنها حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة إلى أن تقضي الصلاة ، هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي موسى مرفوعا ، وعلله بعضهم بأنه من كلام أبي بردة بن أبي موسى وليس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والصواب ثبوت رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وجاء أيضا من حديث جابر بن عبد الله وعبد الله بن سلام أنها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ، وجاء في بعض الأحاديث أنها آخر ساعة من يوم الجمعة ، وكلها صحيحة لا
تنافي بينها ، فأحراها وأرجاها ما بين الجلوس على المنبر إلى أن تقضي الصلاة ، وما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس ، هذه الأوقات هي الأرجى لساعة الإجابة ، وبقية الأوقات في يوم الجمعة كلها ترجى فيها إجابة الدعاء ، لكن أرجاها ما بين جلوس الإمام على المنبر إلى أن تقضي الصلاة وما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس كما تقدم ،
وبقية ساعات الجمعة ترجى فيها هذه الإجابة لعموم بعض الأحاديث الواردة في ذلك . فينبغي الإكثار في يوم الجمعة من الدعاء رجاء أن يصادف هذه الساعة المباركة ، ولكن ينبغي أن تحظى الأوقات الثلاثة المذكورة آنفا بمزيد من العناية؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نص على أنها ساعة الإجابة . والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ .
س: آخر ساعة من عصر الجمعة هل هي ساعة الإجابة ، وهل يلزم المسلم أن يكون في المسجد في هذه الساعة ، وكذلك النساء في المنازل

(12/216)


ج: أرجح الأقوال في ساعة الإجابة يوم الجمعة قولان:
أحدهما: أنها بعد العصر إلى غروب الشمس في حق من جلس ينتظر صلاة المغرب ، سواء كان في المسجد أو في بيته يدعو ربه ، وسواء كان رجلا أو امرأة فهو حري بالإجابة ، لكن ليس للرجل أن يصلي في البيت صلاة المغرب ولا غيرها إلا بعذر شرعي كما هو معلوم من الأدلة الشرعية .
والثاني: أنها من حين يجلس الإمام على المنبر للخطبة يوم الجمعة إلى أن تقضي الصلاة ، فالدعاء في هذين الوقتين حري بالإجابة ، وهذان الوقتان هما أحرى ساعات الإجابة يوم الجمعة ، لما ورد فيهما من الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك ، وترجى هذه الساعة في بقية ساعات اليوم ، وفضل الله واسع سبحانه وتعالى .
ومن أوقات الإجابة في جميع الصلوات فرضها ونفلها: حال السجود ، لقوله صلى الله عليه وسلم: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء خرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وروى مسلم رحمه الله في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: فقمن أن يستجاب لكم أي حري .
نشرت في (مجلة الدعوة) العدد (1622) بتاريخ 18 شعبان 1418 هـ .
غسل الجمعة سنة عند التهيؤ للصلاة
س: هل يكتفي بالغسل الواجب قبل صلاة الفجر للجمعة أم لا ؟
ج: السنة غسل يوم الجمعة عند التهيؤ لصلاة الجمعة ، والأفضل أن يكون ذلك عند التوجه إلى المسجد ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل
وإذا كان اغتسل في أول النهار أجزأه؛ لأن غسل يوم

(12/217)


الجمعة سنة مؤكدة ، وقال بعض أهل العلم بالوجوب ، فينبغي المحافظة على هذا الغسل يوم الجمعة في يوم الجمعة والأفضل أن يكون عند توجهه إلى الجمعة كما تقدم . لأن هذا أبلغ في النظافة ، وأبلغ في قطع الروائح الكريهة ، مع العناية بالطيب واللباس الحسن ، وكذلك ينبغي له إذا خرج إليها أن يعتني بالخشوع وأن يقارب بين خطاه؛ لأن الخطى تحط بها السيئات ويرفع الله بها الدرجات فينبغي أن يكون له خشوع وعناية ، وإذا وصل إلى المسجد قدم رجله اليمنى ، وصلى على رسول الله عليه الصلاة والسلام وسمى الله وقال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ، اللهم افتح لي أبواب رحمتك ، لم يصلي ما قدر الله له ، ولا يفرق بين اثنين ، وبعد ذلك يجلس ينتظر إما في قراءة وإما في ذكر واستغفار أو سكوت حتى يأتي الإمام ، ويكون منصتا إذا خطب الإمام ، ثم يصلي معه ، فإذا فعل ذلك فقد أتى خيرا عظيما .
وجاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له ثم أنصت للخطيب حتى يفرغ من خطبته ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها .
من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ
غسل الجنابة يكفي عن غسل الجمعة إذا نوى الغسلين
س: هل يكفي غسل الجنابة عن غسل الجمعة ؟
ج: إذا كان في النهار كفاه ذلك ، والأفضل أن ينويهما جميعا وذلك بأن ينوي بغسله: الجمعة والجنابة ، وبذلك يحصل له- إن شاء الله- فضل غسل الجمعة .
من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ .

(12/218)


فضل التبكير لصلاة الجمعة
س: بعض الناس يحجزون أمكنة في المساجد يوم الجمعة وهم في بيوتهم ، هل هذا صحيح؟
ج: هذا لا يجوز وإنما المشروع أن يتقدم المصلي
للمسجد بنفسه ليجلس فيه ينتظر صلاة الجمعة بعد أن يصلي ما قدر الله له ، ثم يشتغل بقراءة القرآن أو بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والدعاء حتى يخرج الإمام ، أما ما يفعله بعض الناس من حجز أماكن بوضع نعال أو بشت أو شيء آخر ويذهب فهذا لا يجوز ، فالمسجد لمن تقدم ، وهكذا الصف الأول وما بعده للمتقدم ، فمن تقدم فهو أولى به ، أما أن يحجزه بنعال أو بأشياء غير ذلك أو سجادة فهذا لا يجوز .
من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ .
المرور بين يدي المصلي في صلاة الجمعة
س: ما حكم الذي يقطع صلاة الذي يصلي ، ويمشي أمام من يتنفل في صلاة الجمعة لازدحام الناس ؟
ج: لا يجوز للداخل أن يقطع صلاة أحد ، بل يتحرى الطرق التي ليس فيها مرور بين يدي المصلي ، فإذا اضطر إلى ذلك ولم يجد مسارا فنرجو أن يعفو الله عنه ، لكن عليه أن يتحرى ، ولهذا لا يحرم المرور بين أيدي المصلين في المسجد الحرام؛ لأنه مظنة الزحام وعدم القدرة على رد المار بين يدي
المصلي ، فإذا وجد الزحام في مكان آخر يعجز معه الداخل أن يجد مساغا حتى يذهب للصفوف فنرجو أن يعفو الله عنه؛ لقول الله عز وجل: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ
ولذا ينبغي للمصلي أن يكون في المكان الذي لا يكون فيه إضرار بالناس ، أو يكتفي بما يسر الله من الصلاة ركعتين أو أربع ، لم يجلس إذا كان الطريق عليه .
من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ .

(12/219)


س: فيه أولاد في حدود الرابعة أو الخامسة يحضرون مع آبائهم لصلاة الجمعة ، ثم عندما يصلي الإمام يقطعون الصلاة على المصلين ، ويتكلمون ويخرجون ، هل هذا صحيح؟
ج: الواجب على الآباء أن لا يحضروا أولادهم الصغار الذين دون السبع حتى يعقلوا ، فإذا بلغوا سبعا وعقلوا شرع أمرهم بالصلاة ، أما إذا كانوا دون ذلك ، أو ما عندهم عقل فإنه لا ينبغي إحضارهم؛ لأنهم لا صلاة لهم؛ ولأنهم يضرون بالمصلين ويشوشون عليهم .
س: وهل يقطعون الصلاة ؟
ج: لا يقطع الصلاة إلا ثلاثة : المرأة البالغة والحمار والكلب الأسود فقط . هؤلاء هم الذين يقطعون الصلاة إذا مروا بين المصلي وسترته إن كان له سترة أو بين يديه إن لم يكن له سترة ، لكن المصلي لا يترك غيرهم يمر ، فالرجل لا يمر ، والصبي لا يمر ، والدابة لا تمر إذا تيسر ذلك . لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان متفق على صحته من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، لكن لو مر الرجل أو بعير أو غنم فإنها لا تقطع الصلاة ، ولا يقطع الصلاة إلا الثلاثة المنصوص عليها في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي: الحمار والكلب الأسود والمرأة البالغة كما تقدم .
من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ .
كيفية رد السلام على من مد يده للسلام أثناء الخطبة
س: إذا كان الإمام يخطب وسلم عليك آخر ، ولو مد يده وسلم فما الحكم ؟
ج: تشير له وقت الخطبة وتضع يدك في يده إذا مدها من دون كلام؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالإنصات وقال: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت متفق على صحته .

(12/220)


فجعل أمره بالمعروف لغوا وقت الخطبة فكيف بغيره من الكلام . وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: من مس الحصى فقد لغا
فينبغي للمؤمن في الجمعة أن ينصت ويخشع ويحذر
العبث بالحصى أو غيره ، وإذا سلم عليه أحد أشار إليه ولم يتكلم ، وإن وضع يده في يده إذا مدها من غير كلام فلا بأس كما تقدم ، ويعلمه بعد انتهاء الخطبة أن هذا لا ينبغي له ، وإنما المشروع له إذا دخل والإمام يخطب أن يصلي ركعتين تحية المسجد ولا يسلم على أحد حتى تنتهي الخطبة ، وإذا عطس فعليه أن يحمد الله في نفسه ولا يرفع صوته .
من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ .
حكم السلام بعد السنة
س: ما حكم السلام بعد السنة ؟
ج: يشرع للمتلاقيين في الصف أن يسلم أحدهما على الآخر وأن يتصافحا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل إن يفترقا ولقول أنس رضي الله عنه: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا وإذا قدموا من سفر تعانقوا وثبت عنه
صلى الله عليه وسلم أنه قال: والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم رواه مسلم في صحيحه .
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الإسلام أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف متفق على صحته ، إلا إذا كان من لقيه يعلم أنه كافر فإنه لا يبدؤه بالسلام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام الحديث رواه مسلم .
من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ .

(12/221)


قراءة القرآن في مكبرات الصوت قبل الجمعة
س: في بعض المساجد في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي تتلى آيات من القرآن الكريم بمكبرات الصوت وذلك قبل صلاة الجمعة فما الحكم ؟
ج: لا نعلم لذلك أصلا لا من الكتاب ولا من السنة ولا من عمل الصحابة ولا السلف الصالح رضي الله عن الجميع . ويعتبر ذلك حسب الطريقة المذكورة من الأمور المحدثة التي ينبغي تركها؛ لأنه أمر محدث . ولأنه قد يشغل المصلين والقراء عن صلاتهم وقراءتهم .
والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
نشرت في (كتاب الدعوة) ، الجزء الثاني، ص (131)
س: هل التسبيح برفع الصوت يوم الجمعة قبل الصلاة بساعة أو أكثر سنة أم بدعة ؟
ج: لا شك أن هذا العمل بدعة . لأنه لم يبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أصحابه أنهم فعلوا ذلك ، والخير كله في اتباعهم ، أما من سبح بينه وبين نفسه فلا بأس بذلك بل فيه خير عظيم وثواب جزيل . لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقال عليه الصلاة والسلام: كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم والأحاديث في فضل أنواع الذكر كثيرة .
من ضمن أسئلة موجهة إلى سماحته من مشايخ وأعيان سبأ ومأرب برقم (102) في 19/ 1/ 1391 هـ وقد أجاب عليها سماحته عندما كان رئيسا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .
قراءة سورة الكهف يوم الجمعة
س: هل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلتها عمل مندوب ؟
ج: في ذلك أحاديث مرفوعة يسند بعضها بعضا ، تدل على شرعية قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة . وقد ثبت ذلك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه موقوفا عليه ومثل هذا لا يعمل من جهة الرأي بل يدل على أن لديه فيه سنة .
نشرت في (كتاب الدعوة)، الجزء الثاني ، ص (131) .
س: ما حكم قراءة سورة الكهف في ليلة الجمعة ويومها ؟

(12/222)


ج: جاء في قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أحاديث لا تخلو من ضعف ، لكن ذكر بعض أهل العلم أنه يشد بعضها بعضا وتصلح للاحتجاج ، وثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه كان يفعل ذلك .
فالعمل بذلك حسن؛ تأسيا بالصحابي الجليل رضي الله عنه . وعملا بالأحاديث المشار إليها . لأنه يشد بعضها بعضا ويؤيدها عمل الصحابي المذكور ، أما قراءتها في ليلة الجمعة فلا أعلم له دليلا وبذلك يتضح أنه لا يشرع ذلك . والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ
حكم من يقتصر على صلاة الجمعة وأوقات رمضان فقط
س: كثير من الناس لا يصلون إلا الجمعة وأوقات رمضان فقط ويحتجون بحديث: الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهما فهل هذا عمل صحيح ؟
ج: هذا الاستدلال جهل وضلال ، فالله جل وعلا أوجب علينا الصلوات الخمس ، وأوجب علينا الجمعة ، وأوجب علينا صوم رمضان فعلينا أن نؤدي الواجبات كلها ونحذر ما حرم الله علينا ، فنؤدي الصلوات كلها ، ونؤدي صلاة الجمعة ، ونصوم رمضان ونحج البيت ونفعل كل ما أوجب الله علينا ونحذر ما نهانا الله عنه ونرجو بذلك ثوابه ونخشى عقابه ولنا في هذا الأجر العظيم والعاقبة الحميدة ، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث على ما ذكرنا بقوله صلى الله عليه وسلم: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن ما اجتنبت الكبائر

(12/223)


فبين صلى الله عليه وسلم أن هذه العبادات إنما تكون كفارة لما بينهن من السيئات الصغائر إذا اجتنب العبد الكبائر وهذا يبين بطلان ما توهمه السائل وما رتب الله عليها من كفارة ، ويوضح أن هذه العبادات إنما تكون كفارة لما بينهن في حق من أدى الفرائض واجتنب الكبائر ، ويدل على هذا المعنى قول الله سبحانه: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا فأبان سبحانه في هذه الآية: أن تكفير السيئات ودخول الجنة معلق باجتناب الكبائر وهي المعاصي التي جاء في النصوص الوعيد عليها باللعنة أو بالنار أو بغضب الله عز وجل أو بنفي الإيمان عن صاحبها أو براءة الله منه أو براءة رسوله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك مما يدل على عظمها وخطرها ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده الحديث ، ولعنه صلى الله عليه وسلم شارب الخمر وساقيها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها ، ومثل لعنه صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ، ومثل لعنه صلى الله عليه وسلم النامصة والمتنمصة والواصلة والمستوصلة . . الحديث ، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن الحديث ، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة متفق على صحته ، والصالقة هي: التي ترفع صوتها عند المصيبة ، والحالقة هي: التي تحلق شعرها عند المصيبة ، والشاقة هي: التي تشق ثوبها عند المصيبة . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .

(12/224)


وقد أجمع المسلمون قاطبة على أن صوم رمضان لا يسقط الواجبات الأخرى عن المسلمين ، وأن صلاة الجمعة لا تسقط الواجبات الأخرى أيضا ، وعلى أن صلاة الجمعة لا تسقط بقية الصلوات ، وإنما يسقط بها صلاة الظهر فقط في يوم الجمعة ، فمن زعم أن صلاة الجمعة وصيام رمضان يسقطان عنه هذه الفرائض كلها واعتقد ذلك فهذا كفر وضلال عند
جميع أهل العلم يجب على قائله أن يبادر بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى من ذلك؛ لأن هذا إسقاط للواجبات ، واستحلال للمحرمات ، وذلك غاية الكفر والضلال ، والقول على الله بغير علم نسأل الله العافية والسلامة من ذلك .
من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ .
خطب ابن نباتة فيها بعض الأخطاء
س:ما حكم من يقرأ خطبة الجمعة من كتاب مختص بالخطب كابن نباتة ؟
ج: خطب ابن نباتة فيها بعض الأخطاء ، فينبغي للخطيب أن يتحرى الكتب الجيدة التي وضعت في الخطب ليستفيد منها ، فإن هناك كتبا كثيرة فيها خطب نافعة ، مثل خطب الشيخ عبد الله الخياط ، وخطب الشيخ عبد الرحمن السعدي ، وخطب الشيخ عبد الله بن قعود ، وخطب الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ، وخطب الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن ، وغيرهم من أهل العلم ، مع العناية بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة في كل خطبة مع مراعاة ما يناسب المقام في كل وقت .
أما الخطب التي ليست لأهل العلم المعروفين بالعلم والفضل واعتقاد أهل السنة والجماعة فالواجب الحذر منها .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين . _
من ضمن الأسئلة الموجهة إلى سماحته بعد تعليقه على ندوة في الجامع الكبير بالرياض بعنوان : (الجمعة ومكانتها في الإسلام) بتاريخ 16/ 5/ 1402 هـ .

(12/225)


المجلد الثالث عشر
صلاة العيدين
بسم الله الرحمن الرحيم
حكم صلاة العيد
س: هل يجوز للمسلم أن يتخلف عن صلاة العيد بدون عذر ، وهل يجوز منع المرأة من أدائها مع الناس ؟
ج: صلاة العيد فرض كفاية عند كثير من أهل العلم ، ويجوز التخلف من بعض الأفراد عنها ، لكن حضوره لها ومشاركته لإخوانه المسلمين سنة مؤكدة لا ينبغي تركها إلا لعذر شرعي. وذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة العيد فرض عين كصلاة الجمعة ، فلا يجوز لأي مكلف من الرجال الأحرار المستوطنين أن يتخلف عنها ، وهذا القول أظهر في الأدلة وأقرب إلى الصواب. ويسن للنساء حضورها مع العناية بالحجاب والتستر وعدم التطيب ؛ لما ثبت في الصحيحين عن أم عطية رضي الله عنها أنها قالت : أمرنا أن نخرج في العيدين العواتق والحيض ليشهدن الخير ودعوة المسلمين وتعتزل الحيض المصلى وفي بعض ألفاظه: فقالت إحداهن: يا رسول الله لا تجد إحدانا جلبابا تخرج فيه فقال صلى الله عليه وسلم لتلبسها أختها من جلبابها ولا شك أن هذا يدل على تأكيد خروج النساء لصلاة العيدين ليشهدن الخير ودعوة المسلمين.
نشرت في ( جريدة البلاد ) العدد ( 10834 ) في 24/9/1414هـ .
صلاة العيد لا تقام في البوادي والسفر
س: الأخ م. ع. أ. - من تونس ، يقول: ذهبت إلى الريف مرة في بلدي بأفريقيا وصادف أن أتى يوم عيد الأضحى فرأيت الناس نساء ورجالا قد سارعوا إلى مقبرة لزيارة القبور ، وراعني في صباح يوم العيد أن أقام كل من حضر الصلاة في المقبرة ، وكان قد تقدمهم كهل فصلى بهم جميعا إلا أنا بقيت في حيرة وذهول مما رأيت ، ولم أصل معهم تلك الصلاة التي أسموها بصلاة العيد.
ما حكم الإسلام في هذه الصلاة؟ علما بأن أهل الريف - الذين أقصدهم - ليس لديهم لا مسجد ولا جامع ، إذ يسكنون الخيام متفرقين عن بعضهم البعض.
ملاحظة: عندما أقول: إنهم صلوا في المقبرة ، يعني بجوارها بعيدين عن القبور كل البعد.

(13/1)


ج: الحمد لله رب العالمين ، صلاة العيد إنما تقام في المدن والقرى ، ولا تشرع إقامتها في البوادي والسفر ، هكذا جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم أنهم صلوا صلاة العيد في السفر ولا في البادية .
وقد حج حجة الوداع عليه الصلاة والسلام فلم يصل الجمعة في عرفة وكان ذلك اليوم هو يوم الجمعة ، ولم يصل صلاة العيد في منى.
وفي اتباعه صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم كل الخير والسعادة ، والله ولي التوفيق .
نشرت في ( كتاب الدعوة ) الجزء الأول ص ( 67 )
إقامة صلاة العيد في الإستاد الرياضي
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم لواء ركن ع.ع.د. ، قائد كلية الملك عبد العزيز الحربية سلمه الله.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد:
فأشير إلى كتابكم رقم 3/9/2619 ، وتاريخ 29/6/1408 هـ الذي جاء فيه:
س: نحن منسوبو كلية الملك عبد العزيز الحربية والقاطنون فيها لا يوجد عندنا مصلى للعيدين والاستسقاء ، ومنذ أربع سنوات ونحن نصلي هذه الصلوات في الإستاد الرياضي بالكلية . وهو مكشوف ومفروش بالنايلون. آمل من سماحتكم بيان حكم الصلوات المذكورة في المكان المبين أعلاه؟
ج: وأفيدكم بأنه لا حرج في صلاتكم في المكان المذكور ، وما يجري فيه من الأمور التي ذكرتم لا يمنع من إقامة صلاة العيد والاستسقاء فيه ما دام طاهرا ليس فيه شيء من النجاسة ، وإن تيسر مكان مستقل أحسن منه فهو أولى وأفضل.
وفقكم الله ، وبارك في جهودكم ، وأعانكم على كل خير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
صدرت من مكتب سماحته برقم ( 2157/2 ) وتاريخ 2/8/1408هـ .

(13/2)


العدد المشترط لصلاة العيد ولو صادف العيد يوم جمعة فما الحكم
س: هل يشترط لصلاة العيد عدد معين كصلاة الجمعة مثلا ، وما الحكم لو صادف العيد يوم الجمعة ، بالنسبة لصلاة الجمعة فقد سمعت أن صلاة الجمعة لا تجب على المأمومين بعكس الإمام ، فكيف تجب على الإمام لوحده؛ وكيف يقيمها بمفرده؟
ج: صلاة العيد وصلاة الجمعة من الشعائر العظيمة للمسلمين ، وكلتاهما واجبة ، الجمعة فرض عين ، والعيد فرض كفاية عند الأكثر ، وفرض عين عند بعضهم ، واختلف العلماء في العدد المشترط لهما ، وأصح الأقوال أن أقل عدد تقام به الجمعة والعيد ثلاثة فأكثر ، أما اشتراط الأربعين فليس له دليل صحيح يعتمد عليه. ومن شرطهما الاستيطان ، أما أهل البادية والمسافرون فليس عليهم جمعة ولا صلاة عيد ، ولهذا لما حج الرسول صلى الله عليه وسلم حجه الوداع صادف الجمعة يوم عرفة ولم يصل جمعة ولم يصل عيد يوم النحر ؛ فدل ذلك على أن المسافرين ليس عليهم عيد ولا جمعة ، وهكذا سكان البادية. وإذا وافق العيد يوم الجمعة جاز لمن حضر العيد أن يصلي جمعة وأن يصلي ظهرا؛ لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في هذا ، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رخص في الجمعة لمن حضر العيد وقال: اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شهد العيد فلا جمعة عليه ولكن لا يدع صلاة الظهر ، والأفضل أن يصلي مع الناس جمعة ، فإن لم يصل الجمعة صلى ظهرا. أما الإمام فيصلي بمن حضر الجمعة إذا كانوا ثلاثة فأكثر منهم الإمام ، فإن لم يحضر معه إلا واحد صليا ظهرا.
من برنامج ( نور على الدرب ) الشريط رقم ( 69 ) .

(13/3)


ما يشرع لمن أتى مصلى العيد
س: الأخ الذي رمز لاسمه بـ ع.ع.ع. من الرياض يقول في سؤاله: لاحظت أن بعض الناس عندما يأتي لصلاة العيد يصلي ركعتين ، وبعضهم لا يصلي ، وبعضهم يقرأ القرآن قبل الصلاة ، وبعضهم يشتغل بالتكبير ( الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، الله أكبر ولله الحمد) أرجو من سماحتكم توضيح حكم الشرع في هذه الأمور ، وهل هناك فرق بين كون الصلاة في المسجد أو في مصلى العيد؟
ج: السنة لمن أتى مصلى العيد لصلاة العيد ، أو الاستسقاء أن يجلس ولا يصلي تحية المسجد ؛ لأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم فيما نعلم إلا إذا كانت الصلاة في المسجد فإنه يصلي تحية المسجد ؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين متفق على صحته. والمشروع لمن جلس ينتظر صلاة العيد أن يكثر من التهليل والتكبير؛ لأن ذلك هو شعار ذلك اليوم ، وهو السنة للجميع في المسجد وخارجه حتى تنتهي الخطبة. ومن اشتغل بقراءة القرآن فلا بأس. والله ولي التوفيق .
من ضمن الأسئلة الموجهة من ( المجلة العربية ) .
حكم تحية المسجد قبل صلاة العيد
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة المكرم ع. غ.ع. سلمه الله.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد:
فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم 2984 وتاريخ 29/7/1407 هـ الذي تسأل فيه عن عدد من الأسئلة.
وأفيدك بأن صلاة العيدين إذا صليت في المسجد ، فإن المشروع لمن أتى إليها أن يصلي تحية المسجد ولو في وقت النهي ؛ لكونها من ذوات الأسباب ؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين
أما إذا صليت في المصلى المعد لصلاة العيدين فإن المشروع عدم الصلاة قبل صلاة العيد؛ لأنه ليس له حكم المساجد من كل الوجوه ، ولأنه لا سنة لصلاة العيد قبلها ولا بعدها. وفق الله الجميع لما فيه رضاه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
صدرت من مكتب سماحته برقم 91/2 في 9/1/1408هـ .

(13/4)


التكبير المطلق والمقيد
إلى حضرة فضيلة الشيخ المكرم عبد العزيز بن عبد الله بن باز المحترم حفظه الله تعالى بعد التحية والاحترام:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام أدام الباري علينا وعليكم نعمة الإسلام مع السؤال عن صحتكم أحوالنا من فضل الله على ما تحب وبعد: أدام الله بقاءك على طاعته أفتنا في التكبير المطلق في عيد الأضحى ، هل التكبير دبر كل صلاة داخل في المطلق أم لا؟ وهل هو سنة أم مستحب أم بدعة؟ لأجل أنه حصل فيها جدال.
هذا والباري يحفظك والسلام.
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم م.ع.م. وفقه الله آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، بعده:
يا محب كتابكم المكرم المؤرخ في 24/2/1387 هـ وصل ، وصلكم الله بهداه ، وما تضمنه من الأسئلة كان معلوما.
والجواب: الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

(13/5)


أما التكبير في الأضحى فمشروع من أول الشهر إلى نهاية اليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة؛ لقول الله سبحانه: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ الآية ، وهي أيام العشر ، وقوله عز وجل: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ الآية ، وهي أيام التشريق ؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل رواه مسلم في صحيحه ، وذكر البخاري في صحيحه تعليقا عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما: أنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما وكان عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما يكبران في أيام منى في المسجد وفي الخيمة ويرفعان أصواتهما بذلك حتى ترتج منى تكبيرا ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم التكبير في أدبار الصلوات الخمس من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم الثالث عشر من ذي الحجة وهذا في حق غير الحاج ، أما الحاج فيشتغل في حال إحرامه بالتلبية حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر ، وبعد ذلك يشتغل بالتكبير ، ويبدأ التكبير عند أول حصاة من رمي الجمرة المذكورة ، وإن كبر مع التلبية فلا بأس ؛ لقول أنس رضي الله عنه: كان يلبي الملبي يوم عرفة فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه ولكن الأفضل في حق المحرم هو التلبية ، وفي حق الحلال هو التكبير في الأيام المذكورة.

(13/6)


وبهذا تعلم أن التكبير المطلق والمقيد يجتمعان في أصح أقوال العلماء في خمسة أيام ، وهي : يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق الثلاثة. وأما اليوم الثامن وما قبله إلى أول الشهر فالتكبير فيه مطلق لا مقيد ـ لما تقدم من الآية والآثار ، وفي المسند عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد أو كما قال عليه الصلاة والسلام .
صدرت من مكتب سماحته عندما كان نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية إجابة على مجموعة أسئلة تقدم بها المستفتي م . ع . م . وهذا أحدها .

(13/7)


بيان وتوضيح حول حكم التكبير الجماعي قبل صلاة العيد
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد: فقد اطلعت على ما نشره فضيلة الأخ الشيخ: أحمد بن محمد جمال - وفقه الله لما فيه رضاه - في بعض الصحف المحلية من استغرابه لمنع التكبير الجماعي في المساجد قبل صلاة العيد لاعتباره بدعة يجب منعها ، وقد حاول الشيخ أحمد في مقاله المذكور أن يدلل على أن التكبير الجماعي ليس بدعة وأنه لا يجوز منعه ، وأيد رأيه بعض الكتاب ؛ ولخشية أن يلتبس الأمر في ذلك على من لا يعرف الحقيقة نحب أن نوضح أن الأصل في التكبير في ليلة العيد ، وقبل صلاة العيد في الفطر من رمضان ، وفي عشر ذي الحجة ، وأيام التشريق ، أنه مشروع في هذه الأوقات العظيمة وفيه فضل كثير؛ لقوله تعالى في التكبير في عيد الفطر: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وقوله تعالى في عشر ذي الحجة وأيام التشريق: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ الآية ، وقوله عز وجل: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ الآية. ومن جملة الذكر المشروع في هذه الأيام المعلومات والمعدودات التكبير المطلق والمقيد ، كما دلت على ذلك السنة المطهرة وعمل السلف. وصفة التكبير المشروع: أن كل مسلم يكبر لنفسه منفردا ويرفع صوته به حتى يسمعه الناس فيقتدوا به ويذكرهم به. أما التكبير الجماعي المبتدع فهو أن يرفع جماعة - اثنان فأكثر - الصوت بالتكبير جميعا يبدءونه جميعا وينهونه جميعا بصوت واحد وبصفة خاصة. وهذا العمل لا أصل له ولا دليل عليه ، فهو بدعة في صفة التكبير ما أنزل الله بها من سلطان ، فمن أنكر التكبير بهذه الصفة فهو محق ؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد أي مردود غير مشروع . وقوله صلى الله عليه وسلم:

(13/8)


وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة والتكبير الجماعي محدث فهو بدعة. وعمل الناس إذا خالف الشرع المطهر وجب منعه وإنكاره ؛ لأن العبادات توقيفية لا يشرع فيها إلا ما دل عليه الكتاب والسنة ، أما أقوال الناس وآراؤهم فلا حجة فيها إذا خالفت الأدلة الشرعية ، وهكذا المصالح المرسلة لا تثبت بها العبادات ، وإنما تثبت العبادة بنص من الكتاب أو السنة أو إجماع قطعي . والمشروع أن يكبر المسلم على الصفة المشروعة الثابتة بالأدلة الشرعية وهي التكبير فرادى . وقد أنكر التكبير الجماعي ومنع منه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية - رحمه الله - وأصدر في ذلك فتوى ، وصدر مني في منعه أكثر من فتوى ، وصدر في منعه أيضا فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. وألف فضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري رحمه الله رسالة قيمة في إنكاره والمنع منه ، وهي مطبوعة ومتداولة وفيها من الأدلة على منع التكبير الجماعي ما يكفي ويشفي - والحمد لله - أما ما احتج به الأخ الشيخ أحمد من فعل عمر رضي الله عنه والناس في منى فلا حجة فيه؛ لأن عمله رضي الله عنه وعمل الناس في منى ليس من التكبير الجماعي ، وإنما هو من التكبير المشروع ؛ لأنه رضي الله عنه يرفع صوته بالتكبير عملا بالسنة وتذكيرا للناس بها فيكبرون ، كل يكبر على حاله ، وليس في ذلك اتفاق بينهم وبين عمر رضي الله عنه على أن يرفعوا التكبير بصوت واحد من أوله إلى آخره ، كما يفعل أصحاب التكبير الجماعي الآن ، وهكذا جميع ما يروى عن السلف الصالح - رحمهم الله - في التكبير كله على الطريقة الشرعية ومن زعم خلاف ذلك فعليه الدليل ، وهكذا النداء لصلاة العيد أو التراويح أو القيام أو الوتر كله بدعة لا أصل له ، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي صلاة العيد بغير أذان ولا إقامة ، ولم يقل أحد من أهل العلم فيما نعلم أن هناك

(13/9)


نداء بألفاظ أخرى ، وعلى من زعم ذلك إقامة الدليل ، والأصل عدمه ، فلا يجوز أن يشرع أحد عبادة قولية أو فعلية إلا بدليل من الكتاب العزيز أو السنة الصحيحة أو إجماع أهل العلم - كما تقدم - لعموم الأدلة الشرعية الناهية عن البدع والمحذرة منها ، ومنها قول الله سبحانه: لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ومنها الحديثان السابقان في أول هذه الكلمة ، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد متفق على صحته. وقوله صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة خرجه مسلم في صحيحه ، والأحاديث والآثار في هذا المعنى كثيرة. والله المسئول أن يوفقنا وفضيلة الشيخ أحمد وسائر إخواننا للفقه في دينه والثبات عليه ، وأن يجعلنا جميعا من دعاة الهدى وأنصار الحق ، وأن يعيذنا وجميع المسلمين من كل ما يخالف شرعه إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز
صدر هذا البيان من مكتب سماحته .
التهنئة بالعيد
س: الأخ: ص.م.م. من واشنطن ، يقول في سؤاله: يقول الناس في تهنئة بعضهم البعض يوم العيد ( تقبل الله منا ومنكم الأعمال الصالحة ) أليس من الأفضل يا سماحة الوالد أن يدعو الإنسان بتقبل جميع الأعمال ، وهل هناك دعاء مشروع في مثل هذه المناسبة؟
ج: لا حرج أن يقول المسلم لأخيه في يوم العيد أو غيره تقبل الله منا ومنك أعمالنا الصالحة ، ولا أعلم في هذا شيئا منصوصا ، وإنما يدعو المؤمن لأخيه بالدعوات الطيبة؛ لأدلة كثيرة وردت في ذلك. والله الموفق .
من ضمن الأسئلة الموجهة من ( المجلة العربية ) .

(13/10)


صلاة الكسوف
حكم صلاة الكسوف
س: ما حكم صلاة الكسوف ، وهل يدل قوله صلى الله عليه وسلم: فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا وقوله صلى الله عليه وسلم: فافزعوا إلى الصلاة على الوجوب؟
ج: صلاة الكسوف سنة مؤكدة ؛ لما ورد فيها من الأحاديث الصحيحة ، وليست واجبة عند أهل العلم ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله بعض الوفود عن الصلاة ، وأخبره بأن عليه الصلوات الخمس ، فقال السائل: هل علي غيرها؟ قال لا إلا أن تطوع
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من أحد طلبة العلم في مجلسه .
صلاة الكسوف مشروعة بالرؤية وليس بخبر أهل الحساب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:
فقد نشرت صحيفة الرياض في عددها الصادر في يوم الأحد 14 جمادى الأولى 1416 هـ ، نقلا عن عبد العزيز بن سلطان الشمري مدير مراصد الأهلة بمعهد بحوث الفلك والجيوفيزياء بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية أن القمر سيكسف مساء اليوم المذكور ، كما نشرت الصحيفة المذكورة في عددها الصادر يوم الاثنين 29 جمادى الأولى 1416 هـ ، أن عبد الرحمن بن محمد أبو عمة ، عميد كلية العلوم في جامعة الملك سعود ذكر للرياض أن الشمس ستكسف صباح يوم الثلاثاء 30 جمادى الأولى 1416 هـ.

(13/11)


وبلغني أن بعض أئمة المساجد عملوا بذلك ليلة 15 من الشهر المذكور مع عدم وجود الكسوف ، فرأيت أن من الواجب على مثلي بيان الحكم الشرعي في هذا الأمر ، فأقول: قد صحت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بصلاة الكسوف والذكر والدعاء عندما يرى المسلمون كسوف الشمس أو القمر فقال صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يرسلهما يخوف بهما عباده فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم وفي لفظ آخر: فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره فعلق صلى الله عليه وسلم الأمر بالصلاة والدعاء والذكر والاستغفار برؤية الكسوف لا بخبر الحسابين.
فالواجب على المسلمين جميعا التمسك بالسنة والعمل بها والحذر من كل ما يخالفها.
وبذلك يعلم أن الذين صلوا صلاة الكسوف ليلة الاثنين 15/ 5 اعتمادا على خبر الحسابين قد أخطئوا وخالفوا السنة.
ويعلم أيضا أنه لا يشرع لأهل بلد لم يقع عندهم الكسوف أن يصلوا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم علق الأمر بالصلاة وما ذكر معها برؤية الكسوف لا بالخبر من أهل الحساب بأنه سيقع ، ولا بوقوعه في بلد آخر ، وقد قال الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وقال سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وهو صلى الله عليه وسلم إنما صلى صلاة الكسوف لما وقع ذلك في المدينة وشاهده الناس ، وقال عز وجل: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

(13/12)


ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم هو أعلم الناس وأنصح الناس ، وأنه هو المبلغ عن الله أحكامه. فلو كانت صلاة الكسوف تشرع بأخبار الحسابين ، أو بوقوع الكسوف في مناطق أو أقاليم لا يشاهدها إلا أهلها ، لبين ذلك وأرشد الأمة إليه. فلما لم يبين ذلك ، بل بين خلافه ، وأرشد الأمة إلى أن يعتمدوا على الرؤية للكسوف ، علم بذلك أن الصلاة لا تشرع إلا لمن شاهد الكسوف أو وقع في بلده.
ولما شرع الله من بيان الحق والنصيحة للخلق والدعوة إلى سبيل الهدى والتحذير مما يخالف ذلك ، جرى تحرير هذه الكلمة.
والله المسئول أن يوفقنا وجميع المسلمين للعلم النافع والعمل به ، وأن يعيذنا وجميع إخواننا من القول على الله بغير علم ، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا ويمنحهم الفقه في الدين. وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم ، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
نشرت في ( مجلة الدعوة ) العدد ( 1525 ) بتاريخ 20/8/1416هـ .
س: هل يقع الكسوف في اليوم العاشر أو الرابع من الشهر ، وما صحة قول من قال: إن الكسوف الذي وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم كان في اليوم الرابع؟
ج: لا أعلم دليلا يدل على تخصيص الكسوف بوقت معين ، والأرجح أنه يمكن كسوف الشمس والقمر في كل وقت ، وليس مع من خصص ذلك بوقت معين دليل فيما نعلم ، والله الموفق
صفة صلاة الكسوف
س: ما صفة صلاة الكسوف والخسوف ، وهل هناك فرق بينهما ، وما رأي سماحتكم حول ما ينشر في الصحف عن بدء وانتهاء الخسوف والكسوف؟
ج: قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة صفة صلاة الكسوف ، وأمر أن ينادى لها بجملة: الصلاة جامعة.

(13/13)


وأصح ما ورد في ذلك في صفتها أن يصلي الإمام بالناس ركعتين في كل ركعة قراءتان وركوعان وسجدتان ويطيل فيهما القراءة والركوع والسجود ، وتكون القراءة الأولى أطول من الثانية ، والركوع الأول أطول من الركوع الثاني ، وهكذا القراءة في الركعة الثانية أقل من القراءة الثانية في الركعة الأولى ، وهكذا الركوع في الركعة الثانية أخف من الركوعين في الأولى. وهكذا القراءة في الثانية من الركعة الثانية أخف من القراءة الأولى فيها ، وهكذا الركوع الثاني فيها أخف من الركوع الأول فيها.
أما السجدتان في الركعتين فيسن تطويلهما تطويلا لا يشق على الناس ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام فعل ذلك ، ثم بعد الصلاة يشرع للإمام إذا كان لديه علم أن يعظ الناس ويذكرهم ويخبرهم أن كسوف الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده ، وأن المشروع للمسلمين عند ذلك الصلاة وكثرة الذكر والدعاء والتكبير والعتق والصدقة حتى ينكشف ما بهم ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يرسلهما يخوف بهما عباده فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم وفي رواية أخرى : فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره وجاء في بعض الأحاديث : الأمر بالصدقة والعتق .
أما أخبار الحسابين عن أوقات الكسوف فلا يعول عليها ، وقد صرح بذلك جماعة من أهل العلم ، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمة الله عليهما ؛ لأنهم يخطئون في بعض الأحيان في حسابهم ، فلا يجوز التعويل عليهم ، ولا يشرع لأحد أن يصلي صلاة الكسوف بناء على قولهم ، وإنما تشرع صلاة الكسوف عند وقوعه ومشاهدته.

(13/14)


فينبغي لوزارات الإعلام منع نشر أخبار أصحاب الحساب عن أوقات الكسوف حتى لا يغتر بأخبارهم بعض الناس ؛ ولأن نشر أخبارهم قد يخفف وقع أمر الكسوف في قلوب الناس ، والله سبحانه وتعالى إنما قدره لتخويف الناس وتذكيرهم ؛ ليذكروه ويتقوه ويدعوه ويحسنوا إلى عباده. والله ولي التوفيق .
س: جاء في حديث ابن عباس أنه صلى ثماني ركعات في أربع سجدات ، وعن علي رضي الله عنه مثله ، وعن جابر رضي الله عنه صلى ست ركعات بأربع سجدات وهذه الأحاديث صححها الإمام مسلم وخرجها في صحيحه ، وصححها إسحاق بن راهويه ، وابن خزيمة ، والصبغي ، والخطابي وكيرهم وأعلها آخرون واحتجوا بأن الكسوف لم يقع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرة - كما تعلمون - فما رأي سماحتكم وهل ثبت ما يدل على أن الكسوف لم يقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة ؟
ج: الأصح في صلاة الكسوف ، هو ما اتفق عليه الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحيهما ، من كون النبي صلى الله عليه وسلم صلاها ركعتين حين كسفت الشمس يوم مات ابنه إبراهيم ، في كل ركعة قراءتان وركوعان وسجدتان . هذا هو الأصح عند المحققين من أهل العلم ، وما زاد على ذلك فهو وهم من بعض الرواة أو شاذ ؛ لأن المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه إنما صلى الكسوف مرة واحدة ، في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم . فظن بعض الناس أنها كسفت لموته فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، وإنما يرسلهما الله لتخويف عباده وتذكيرهم وتحذيرهم . والله الموفق .
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من أحد طلبة العلم في مجلسه .
ينادى لصلاة الكسوف بقول : "الصلاة جامعة"
س: الأخ م.ج. من الإمارات العربية المتحدة يقول في سؤاله: ورد أنه ينادى لصلاة الكسوف بـ ( الصلاة جامعة) فهل يقولها مرة واحدة ، أو يشرع تكرارها ، وما مقدار التكرار ؟ أفتونا مأجورين.

(13/15)


ج: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أن ينادى لصلاة الكسوف بقول الصلاة جامعة والسنة للمنادي أن يكرر ذلك حتى يظن أنه أسمع الناس ، وليس لذلك حد محدود فيما نعلم . والله ولي التوفيق .
نشرت في ( المجلة العربية ) شوال 1414هـ .
حكم صلاة الكسوف في أوقات النهي
بسم الله ، والحمد لله ، وصلى الله وسلم على رسول الله ، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد :
فقد اختلف أهل العلم في حكم صلاة الكسوف في أوقات النهي ، كما لو كسف القمر بعد طلوع الفجر أو الشمس بعد صلاة العصر . فذهب بعضهم إلى أنها لا تشرع الصلاة للكسوف في هذين الوقتين ، ولكن يشرع التكبير والذكر والاستغفار والدعاء والصدقة والعتق ؛ لورود الأحاديث الصحيحة بذلك ، منها قوله صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة وغيرها أنه أمر عند الكسوف بالتكبير والصدقة والدعاء والعتق . وذهب آخرون من أهل العلم إلى شرعية الصلاة للكسوف في الوقتين المذكورين ؛ لعموم الأحاديث الصحيحة الآمرة بها عند الكسوف ، وهي كثيرة ، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم وهذا القول هو الصواب ؛ لعموم الأحاديث المذكورة ، ولأن صلاة الكسوف من ذوات الأسباب . والراجح من كلام العلماء أن الصلاة ذات السبب غير داخلة في النهي عن الصلاة في أوقات النهي ، وإنما يراد بذلك النهي عن الصلاة التي لا سبب لها خاص ، أما ذوات الأسباب فهي غير داخلة في النهي ، مثل صلاة الكسوف ، ومثل صلاة الطواف ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار ومثل تحية المسجد ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي

(13/16)


ركعتين وهذا يعم أوقات النهي وغيرها ، ومثل سنة الوضوء ، فإنه يشرع لمن توضأ أن يصلي ركعتين كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وجماعة من أهل العلم ؛ للأحاديث المذكورة . وبناء على ذلك فمتى كسفت الشمس بعد العصر فإنه يشرع للمسلمين أن يبادروا بصلاة الكسوف مع الذكر والدعاء والتكبير والاستغفار والصدقة ؛ عملا بالأحاديث كلها في ذلك . أما إذا كسف القمر بعد طلوع الفجر فظاهر الأدلة الخاصة كما تقدم يقتضي شرعية صلاة الكسوف ؛ لأن سلطانه لم يذهب بالكلية فيشرع لكسوفه صلاة الكسوف ؛ لعموم الأحاديث ، ومن ترك فلا حرج عليه ؛ عملا بالقول الثاني ؛ ولأن سلطانه في الليل وقد ذهب الليل ، ومن صلى لكسوف القمر بعد الفجر فالأفضل البدار بذلك قبل صلاة الفجر ، وهكذا لو كسف في آخر الليل ولم يعلم إلا بعد طلوع الفجر فإنه يشرع البدء بصلاة الكسوف ثم يصلي صلاة الفجر بعد ذلك ، مع مراعاة تخفيف صلاة الكسوف حتى يصلي الفجر في وقتها. وفيما ذكرناه الجمع بين الأحاديث والعمل بها كلها ، مع العلم بأن أخبار الحسابين عن الكسوف لا يعتمد عليها ولا يعمل بها ، وإنما تشرع صلاة الكسوف إذا رأى الناس ذلك ؛ لما ذكرنا من الأحاديث . والله ولي التوفيق ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
صدرت من مكتب سماحته في تاريخ 2/6/1417هـ .
س: قد يحدث كسوف الشمس بعد العصر ، فهل تصلى صلاة الكسوف في وقت النهي ؟وكذا تحية المسجد ؟
ج: في المسألتين خلاف بين أهل العلم ، والصواب جواز ذلك ، بل شرعيته ؛ لأن صلاة الكسوف وتحية المسجد من ذوات الأسباب .
والصواب : شرعيتها في وقت النهي بعد العصر وبعد الصبح ، كبقية الأوقات ؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم متفق على صحته .

(13/17)


ولقوله صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين متفق على صحته.
وهكذا ركعتا الطواف إذا طاف المسلم بعد الصبح أو العصر ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربع بإسناد صحيح عن جبير بن مطعم رضي الله عنه.
صلاة الكسوف لا تكرر ولو لم ينجل الكسوف
س: هل الغاية في قوله صلى الله عليه وسلم: فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم لمجموع الأمرين بحيث إنه لو سلم من الصلاة ولم ينجل أطال الدعاء حتى ينجلي ، أم أن الغاية للصلاة فقط بحيث لو سلم ولم ينجل كرر الصلاة؟
ج: الصلاة لا تكرر ، ولكن يشرع للمسلمين الإكثار من الاستغفار والذكر والتكبير والصدقة والعتق ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الأمة بذلك عند وجود الكسوف.
من ضمن أسئلة موجهة إلى سماحته ، طبعها الأخ/ محمد الشايع في كتاب .
الخطبة بعد صلاة الكسوف سنة
س: هل تسن الخطبة بعد صلاة الكسوف؟
ج: تسن الخطبة بعد صلاة الكسوف ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، وقد قال الله عز وجل: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من رغب عن سنتي فليس مني ولما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين ، وتفقيههم في الدين ، وتحذيرهم من أسباب غضب الله وعقابه. ويكفي أن يفعل ذلك وهو في المصلى بعد الفراغ من الصلاة. والله ولي التوفيق .
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من أحد طلبة العلم في مجلسه .
حكم صلاة الكسوف عند الزلازل ونحوها
س: هل تشرع صلاة الكسوف عند رؤية الآيات ، كالزلازل ، والصواعق ، والعواصف الشديدة ، وبياض الليل ، وسواد النهار ، والبراكين ونحوها؟

(13/18)


ج: لا أعلم دليلا يعتمد عليه في شرعية الصلاة للزلازل ونحوها ، وإنما جاءت السنة الصحيحة بالصلاة والذكر والدعاء والصدقة حين الكسوف. وذهب بعض أهل العلم إلى شرعية صلاة الكسوف للزلزلة ، ولا أعلم نصا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وإنما ذلك مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقد علم بالأدلة الشرعية أن العبادات توقيفية لا يشرع منها إلا ما دل عليه الكتاب والسنة الصحيحة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد متفق على صحته من حديث عائشة رضي الله عنها ، وأخرجه مسلم في صحيحه عنها رضي الله عنها بلفظ: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد والمعنى فهو مردود على من أحدثه ، لا يجوز العمل به ، ولا نسبته إلى الشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. والله الموفق .
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من أحد طلبة العلم في مجلسه .
صلاة الاستسقاء
تعليق على ندوة حول صلاة الاستسقاء
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه ، أما بعد:
فقد سمعنا جميعا هذه الندوة المباركة من المشايخ: الشيخ صالح الأطرم ، والشيخ عبد الرحمن البراك ، والشيخ عبد العزيز الراجحي فيما يتعلق بصلاة الاستسقاء وصفتها ، وبأنها سالت الأودية هناك ونزل خير كثير ، نسأل الله أن ينفع به المسلمين ، وأن يجعله مباركا ، وأن يعم به أوطان المسلمين ، وأن يغيث الباقين غيثا مباركا ، وأن يصلح القلوب والأعمال ، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

(13/19)


لقد ذكر المشايخ في هذه الصلاة ما يكفي ويشفي ، وهذه الصلاة صلاة مشروعة ، فعلها المصطفى عليه الصلاة والسلام وهي صلاة الاستسقاء ، ويقال لها: صلاة الاستغاثة ، تفعل عند وجود الحاجة إليها كما ذكر المشايخ إذا احتيج إليها بسبب الجدب والقحط وقلة الأمطار ، أو غور المياه وذهاب الأنهار ، يحتاج إليها فيستغيث المسلمون ربهم جل وعلا ، والمسلمون في أشد الحاجة والضرورة إلى رحمة الله سبحانه وتعالى في كل وقت ، وكل خير فهو منه جل وعلا ، كما قال سبحانه: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
والاستغاثة والاستسقاء عبادة عظيمة يظهر فيها المسلمون فقرهم وحاجتهم وذلهم لربهم عز وجل ، وشدة ضرورتهم إلى رحمته وإحسانه جل وعلا ، وهو يحب من عباده - سبحانه وتعالى - أن يظهروا له الفاقة ، وأن يتضرعوا إليه ، وأن يذلوا بين يديه ، وأن يسترحموه سبحانه وتعالى ، ويسألوه جل وعلا ، ولهذا يقول سبحانه وتعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ويقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ويقول سبحانه وتعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
فهو سبحانه يحب أن يدعى ، ويحب أن يسأل جل وعلا ، ويحب من عباده أن يتضرعوا إليه ، ويفتقروا إليه ، ويذلوا بين يديه سبحانه وتعالى .
تعليق لسماحته على ندوة حول صلاة الاستسقاء للمشايخ : صالح الأطرم ، وعبد الرحمن البراك ، وعبد العزيز الراجحي ، في الجامع الكبير في الرياض .

(13/20)


ونفس الدعاء عبادة وقربة سواء أجيب الناس أو لم يجابوا كما سمعتم في الندوة ، الدعاء: عبادة وقربة ، وفيه خير كثير ، ومصالح جمة ، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما أن تعجل له دعوته في الدنيا وإما أن تدخر له في الآخرة وإما أن يصرف عنه من الشر مثل ذلك قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال الله أكثر فالمعنى أن الإنسان قد يدعو وتؤخر دعوته لحكمة بالغة ؛ إما ليزداد ذله لله وليزداد دعاؤه لله وإظهار حاجته بين يديه فيكون له في هذا خير عظيم ، فكم من حاجة صارت سببا لهداية صاحبها وصلاح قلبه ، وصلاح عمله ، وقربه من الله عز وجل ، وكان قبل ذلك في غفلة وفي إعراض ، فجاءته حاجة من فقر ، أو مرض ، أو تسليط أعداء ، فلجأ إلى الله ، وضرع إليه ، واستغاثه ، وانكسر بين يديه ، وفتح الله عليه من المعارف والعلوم والأنس بالله والذل بين يديه ، ما جعل هذه الحاجة سببا لهدايته وصلاح قلبه ، وما جعل هذه الحاجة سببا لقربه من الله ، وانتقاله من حال الغافلين والمعرضين إلى حال المقربين من الله عز وجل ، واللاجئين إليه سبحانه وتعالى ، والمنكسرين بين يديه سبحانه وتعالى ، فالدعوات التي يتقدم بها العباد لربهم عز وجل فيها خير كثير ، فإن أجيبوا وحصل مطلوبهم سريعا ، فهذا هو مطلوبهم وعليهم شكر الله عز وجل والإنابة إليه ، وإن تأخرت الإجابة فلحكمة بالغة ، قد يكون تأخيرها لمعاصيهم وسيئاتهم ، فلينتبهوا وليتوبوا إلى الله ، وليعالجوا الأوضاع بالتوبة والإصلاح ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تزول المنكرات ، وحتى يحل محلها الأعمال الصالحات ، كما قال عز وجل: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وقال عز وجل: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ

(13/21)


وقال سبحانه: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
والواجب مقابلة النعم بشكر الله سبحانه وتعالى عليها. فالحاصل أن التوبة إلى الله مطلوبة جدا في حال الرخاء والشدة ، وفي حال الشدة يفكر الإنسان كثيرا في أسبابها حتى يعرف ما له وما عليه ، وحتى يعرف ما وقع منه ، سواء كانت الشدة عامة ، أو شدة خاصة أصابته هو ، فيحاسب نفسه في ذلك وينظر ويبادر بالتوبة والإصلاح ، والرجوع إلى الله جل وعلا ، لعل الله يرفع عنه ما نزل من مرض ، أو فقر ، أو تسليط أعداء ، أو تسليط زوجة ، أو تسليط أولاد ، أو غير ذلك ، فقد يتسلط على الإنسان أولاده ، وقد تتسلط عليه زوجته فيبتلى بظلمها وأذاها ، وقد يبتلى بجيران ، وقد يبتلى بغير ذلك ، فليعالج ذلك بالرجوع إلى الله ، والالتجاء إليه ، والتوبة إليه من الذنوب والمعاصي ، وسؤاله سبحانه الهداية والعفو والمغفرة جل وعلا ، مع المحاسبة الشديدة للنفس ، وإيقافها عند حدها ، وكفها عن محارم الله ، وإلزامها بحق الله وحق عباده ، وجهادها في ذلك. فالنفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله سبحانه وتعالى.
وعلى ولاة الأمور أن ينظروا في ذلك أيضا ، فقد يكون البلاء من أسبابهم ، فعليهم أن ينظروا أيضا فيما فعلوا وماذا عليهم ، حتى يستقيموا ، وحتى يعالجوا الأوضاع بما يرضي الله ويقرب إليه.

(13/22)


وعلى الأغنياء أن ينظروا هل أخرجوا الزكاة ، وهل أدوا حق الله ، فكل واحد ينظر فيما يجب عليه: الفقير والغني والدولة وعموم الناس ، كل واحد ينظر ويحاسب نفسه حتى يستقيم ، وحتى يؤدي الحق ، وحتى يصلح الأوضاع المتعلقة به في الجدب والرخاء ، وفي العسر واليسر ، وفي جميع الأحوال ، لكن في حال الجدب ، وفي حال الشدائد ، الناس إلى هذه المحاسبة ، وإلى التوبة أشد حاجة وأعظم ضرورة للعموم وللمصلحة العامة ، ومن ذلك أيضا: تقديم الصدقات للفقراء والمساكين ، ورحمتهم ، والإحسان إليهم ، والرفق بهم ، فإن الله جل وعلا يرحم الراحمين ، ومن لا يرحم لا يرحم ، والراحمون يرحمهم الرحمن: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء كما جاء في الحديث ، فإذا بادر الناس إلى هذا الخير من التوبة ، والندم ، والإقلاع ، ومجاهدة النفس ، ورحمة الفقراء والمساكين ، والعناية بإصلاح الأوضاع ، من الدولة ، والأغنياء ، والفقراء ، وجميع الشعب ، وجميع المسلمين ، كان هذا من أعظم الأسباب في تحول الله سبحانه وتعالى عما يضرهم إلى ما ينفعهم فإنه جواد كريم سبحانه وتعالي ، كما قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ فإذا غيروا ما بأنفسهم من المعاصي والشرور وفساد الأوضاع إلى توبة صادقة وأعمال صالحة ، غير الله ما بهم من الشدة والفساد والانقسام والافتراق إلى الاجتماع على الحق ، وإلى خير كثير ، وإلى نعم عظيمة ، وإلى نزول الغيث ، وإلى صلاح أحوالهم ، وإلى حمايتهم من عدوهم ومكائده ، إلى غير هذا من الخيرات التي يعطيهم الله إياها إذا تحولوا عن معاصيه واتجهوا إلى ما يرضيه سبحانه وتعالى ، والعكس بالعكس إذا كانوا على طاعة واستقامة ثم تحولوا إلى المعاصي والشرور تحول الله لهم عما ينفعهم إلى ما يضرهم ، وعاقبهم على أعمالهم السيئة ، وقد يملي لهم فلا يعاجلهم بالعقوبة لحكمة بالغة ،

(13/23)


كما قال سبحانه: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ فهو سبحانه يملي للظالمين ويمهلهم ثم يأخذهم على غرة - ولا حول ولا قوة إلا بالله وقد يملي لهم إلى يوم القيامة ، فيستمرون في النعم ، كما هو الآن حال الكفرة من النصارى واليهود وغيرهم ، وقد يعطون النعم الكثيرة ، ويستدرجون بها ويملي لهم حتى يموتوا على شر حالة فيكون ذلك أشد لعذابهم ، وأعظم وأكبر. وبعض السفهاء والجهلة قد يغتر بما عند الكفار من النعم وهم على الكفر بالله ، فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بذلك ، فالله يملي لهم ويستدرجهم ، ثم يأخذهم على غرة بالزلازل والحروب والشرور الكثيرة ، أو يمهلهم إلى الموت فيكون عذابهم في الآخرة أشد وأكبر ، كما قال عز وجل: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ وقال سبحانه: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ وقال جل وعلا: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ فالإنسان لا يغتر بأولئك فهم أعداء الله ، مهما كانت أحوالهم ، وقد يفتح الله عليهم كل شيء ؛ ليزدادوا بلاء إلى بلائهم وشرا على شرهم ، كما يقول جل وعلا: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ نسأل الله العافية ، فقد يملي

(13/24)


لهم فيزدادوا إثما بذلك وعذابا مهينا بعد ذلك ، وقال عز وجل: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ يعني: آيسون من كل خير. فعلى كل حال ؛ المسلم العاقل لا يغتر بما عند الكفرة - مع كفرهم وضلالهم - من أنهار نزلوا عندها ، ومن خيرات ، ومن أمطار كثيرة ، ومن بساتين ، ومن صناعات ، فإنهم يستدرجون بها ، ويملي لهم لحكمة بالغة ، وربك جل وعلا هو الحليم الحكيم ، سبحانه وتعالى حليم حكيم ، لا يعاجل بالعقوبة جل وعلا ، فقد يملي كثيرا ، وقد يعاجل بعض الناس بذنوبهم ، كما قال جل وعلا: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ هذه الآية: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ وقد تعجل العقوبة ، كما في الحديث - الآخر ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ما من ذنب أجدر عند الله من أن يعجل الله به العقوبة مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم فقد تعجل عقوبة الباغي الظالم وقاطع الرحم ، بسبب جريمته الشنيعة ، وقد يمهل الكافر والعاصي لحكمة بالغة.
فالواجب على العاقل أن يحذر عقاب الله ، وأن يحذر غضبه دائما ، وأن يحاسب نفسه ، وأن لا يغتر بمن أمهلوا وأنظروا من كفار أو عصاة ، فإن ربك حكيم عليم في الإمهال والإنظار ، وفي تعجيل العقوبات.

(13/25)


أما صلاة الاستسقاء فقد سمعتم وعرفتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعلها لما استسقى لما اشتد الجدب ، وواعد الناس يوما يخرجون فيه ، وخرج عليه الصلاة والسلام حين بدا حاجب الشمس في أول النهار ، وصلى بالناس ، وخطبهم ودعا واستسقى ، وقلب رداءه وهو واقف حال دعائه تفاؤلا ورجاء أن يحول الله الشدة إلى رخاء ، كما جاء في الأثر المرسل عن أبي جعفر الباقر أن النبي صلى الله عليه وسلم حول رداءه في الاستسقاء ليتحول القحط ، والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم دعا وخطب الناس وذكرهم. ودعا كثيرا عليه الصلاة والسلام فأجاب الله دعوته وأنشأ السحاب وأنزل المطر في الحال ، بفضل الله ورحمته سبحانه وتعالى ، ليري الناس قرب رحمته جل وعلا ، وعلامة من علامات صدق الرسول محمد عليه الصلاة والسلام ، وأنه رسول الله حقا ، حيث دعا وأجابه الله في الحال ، ونزل المطر في الحال في استغاثته لما استغاث صباحا ، وفي استغاثته يوم الجمعة لما استغاث يوم الجمعة في الخطبة حين جاءه الأعرابي وقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا فدعا ربه ورفع يديه وقال اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا فأنشأ الله السحاب ونزل المطر وهو في المسجد حتى خرجوا في المطر يهم كل واحد أن يصل إلى بيته وقد نزل المطر بهم إلى الجمعة الأخرى فسالت الأودية وسالت الشعاب وجاءت الأخبار من كل مكان بنزول المطر فجاء ذلك الرجل أو غيره من الجمعة الأخرى وقال يا رسول الله - وهو يخطب عليه الصلاة والسلام - هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يمسكها عنا فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك من ضعف بني آدم ، في الجمعة الأولى يطلبونه أن يسأل الغيث وفي الجمعة الأخرى يطلبونه أن يسأل الإمساك ، فرفع النبي يديه عليه الصلاة والسلام وقال: اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر قال الراوي أنس رضي الله عنه: فأقلعت وخرجوا يمشون في الشمس .

(13/26)


فهذا فضله سبحانه وتعالى وهو القائل عز وجل: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وهذه علامات قدرته سبحانه العظيمة ، وأنه على كل شيء قدير ، وأنه يقول للشيء كن فيكون ، ومن الدلائل على صدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنه رسول الله حقا حيث أجاب الله دعوته في الحال ، وأنزل المطر في الحال ، ثم عجل الإقلاع في الحال رحمة منه سبحانه وتعالى لعباده ، فعلى المسلمين أن يتأسوا بنبيهم صلى الله عليه وسلم ، وأن يستغيثوا عند الحاجة ويكرروا ذلك حتى يمطروا ، فإن هذا فيه خير لهم ؛ لأن الدعاء كله خير ، وكله ضراعة إلى الله ، وكله طلب من الله سبحانه وتعالى ، ثم إن تأخر المطر لله فيه حكمة عظيمة فقد يسبب رجوعهم إلى الله ، وتوبتهم إليه ، وإكثارهم من الحسنات والطاعات ، والتفكير في أسباب التأخر ، فيعينهم ذلك على محاسبة أنفسهم ، وعلى الرجوع إلى الله ، والتوبة إليه ، وعلى إصلاح الأوضاع من كبارهم وصغارهم ، كما قال سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ فهو سبحانه وتعالى الحكيم في أقواله ، وفي أفعاله ، وفيما يقضيه ويقدره سبحانه وتعالى.
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه خطب قبل الصلاة وخطب بعد الصلاة ، ولعل ذلك كان في حالين ، وفي وقتين ، فإنه ثبت أنه دعا وخطب قبل الصلاة ، وثبت في أحاديث أخرى أنه دعا وخطب بعد الصلاة ، جاء في حديث عبد الله بن زيد وحديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم صلى ثم دعا وخطب عليه الصلاة والسلام ، وجاء في حديث ابن عباس ما يؤيد ذلك وأنه صلى كما يصلي في العيد.

(13/27)


وقد جاء في حديث عبد الله بن زيد أيضا وحديث عائشة أنه خطب قبل الصلاة وصلى بعد ذلك ، فكل منهما ثابت ، وكل منهما موسع بحمد الله ، من خطب ثم صلى فلا بأس ، ومن صلى ثم خطب فلا بأس ، كل هذا جاء عنه عليه الصلاة والسلام ، والأمر في ذلك واسع والحمد لله ، ومن شبهها بالعيد - كما قال ابن عباس وأخبر أنه صلى كما صلى في العيد - فقد أصاب السنة ، ووافق ما رواه عبد الله بن زيد في إحدى روايتيه ، ووافق حديث أبي هريرة في الصلاة ثم الخطبة.
ومن خطب قبل ذلك وافق حديث عبد الله بن زيد المخرج في الصحيحين ، ووافق حديث عائشة فكل منهما سنة ، وكل منهما خير والحمد لله.

(13/28)


المهم في هذا الأمر إخلاص القلوب وضراعتها إلى الله ، وانكسارها بين يدي الله سبحانه ، وأن يخرج الناس إلى صلاة الاستسقاء بقلوب مقبلة على الله جل وعلا ، منيبة إليه ، تائبة ، نادمة ، مقلعة عن الذنوب ترجو رحمته وتخشى عقابه ، وأن يكثر الناس من الدعاء والاستغفار والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى ، وأن يخرج الناس في ثياب بذلتهم ، أي: في الثياب العادية ، لا كالعيد ، فإن هذا خروج حاجة ، وخروج ذلة لله ، وخروج استكانة بين يديه ، وخروج افتقار إليه سبحانه وتعالى ، فيخرج الناس بالثياب العادية التي يعتادون الخروج فيها ؛ لأنه خروج ليس كخروج العيد بل خروج ذلة بين يدي الله سبحانه ، وضراعة إليه سبحانه ، وانكسار بين يديه ، وافتقار إليه سبحانه وتعالى ، فكل واحد يجتهد في الدعاء في طريقه ، وفي جلوسه في المسجد ، وفي حال تأمينه على دعاء الإمام يرجو رحمة الله ويرجو فضله سبحانه وتعالى ، وهكذا جميع الناس ، وهكذا ولاة الأمور ، وهكذا الأغنياء ، كل واحد يجتهد في هذا الأمر بالتوبة الصادقة ، والحرص على إصلاح الأوضاع ، وعلى ترك المعاصي ، وعلى التوبة إلى الله عز وجل من سائر المعاصي وعلى إقامة أمر الله في أرض الله ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبعد نزول المطر يستحب أن يقول المسلم: اللهم صيبا نافعا مطرنا بفضل الله ورحمته.

(13/29)


هكذا السنة ، مطرنا بفضل الله ورحمته ، اللهم صيبا نافعا. هكذا علم النبي الأمة عليه الصلاة والسلام أن يقولوا هكذا ، ولا يجوز أن يقال مطرنا بنوء كذا ، أو لقد صدق نوء كذا ، أو لقد صدق الحاسب الفلاني ، كل هذا لا يجوز ، فإن النجوم ليس لها أثر في هذا الأمر لا في اجتماعها ولا افتراقها ولا طلوعها ولا غروبها ، هي سائرة كما أمرها الله وكما سيرها سبحانه ، ليس لها تعلق بالمطر وليس لها أسباب في المطر ، بل كله من رحمة الله عز وجل وفضله وإحسانه كما يشاء جل وعلا ، فلا يقال مطرنا بنوء كذا ولا بنجم كذا ، ولا يقال صدق نوء كذا ، أو صدق الحاسب الفلاني ، أو ما أشبه ذلك ، كل هذا لا وجه له ، ولا أصل له. بل بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه كفر ، وأنه لا يجوز ، فوجب على أهل الإسلام الحذر من ذلك .
ويستحب للمسلم أن يكشف بعض جسده عند نزول المطر حتى يصيبه المطر ؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم في الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال أصابنا مع رسول الله مطر فحسر ثوبه حتى أصابه المطر فقالوا يا رسول الله لم فعلت هذا فقال لأنه حديث عهد بربه فدل ذلك على استحباب أن يكشف المرء بعض الشيء من جسده كذراعه أو رأسه حتى يصيبه المطر ، كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
فالمشروع أن يكشف المسلم مثلا عمامته عن رأسه ، أو طرف ردائه عن عضده ، أو عن ذراعه حتى يصيبه المطر ، أو ساقه ، أو ما أشبه ذلك مما يجوز كشفه عند الناس كالقدم والساق والرأس واليد ونحو ذلك.
وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح ، وزادنا وإياكم وسائر المسلمين علما وتوفيقا ، وضاعف أجر الجميع ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

(13/30)


يشرع لأهل البلد إقامة صلاة الاستسقاء ولو كان القحط عند غيرهم
س: الأخ ص.ع.ص. من بريدة يقول في سؤاله: إذا صدر الأمر بإقامة صلاة الاستسقاء وكان أهل بلد عندهم سيول كثيرة فهل تلزمهم الصلاة ، أم أنهم يصلون ويدعون لغيرهم ؛ أفتونا جزاكم الله خيرا.
ج: يشرع لهم إقامة صلاة الاستسقاء امتثالا لأمر ولي الأمر ، ويدعون للمحتاجين أن يغيثهم الله من فضله ، وأن يزيل شدتهم ويرحمهم برحمته ؛ لأن المسلمين شيء واحد وبناء واحد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه. وقال عليه الصلاة والسلام: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى والله ولي التوفيق.
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من ( المجلة العربية ) .

(13/31)


حكم صلاة الاستسقاء للمسافر
س: الأخ ع.م.م. من تبوك يقول في سؤاله: هل على المسافر صلاة الاستسقاء؟ نرجو التكرم بالإفادة، جزاكم الله خيرا.
ج: يشرع للبادية والمسافرين أن يصلوا صلاة الاستسقاء إذا احتاجوا إلى ذلك ؛ عملا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يستسقي عند الجدب ، ويسأل الله سبحانه الغيث للمسلمين . فإذا دعت الحاجة سكان البادية إلى الاستغاثة شرعت لهم صلاة الاستسقاء ، وهكذا المسافرون إذا احتاجوا إلى ذلك شرع لهم أن يستغيثوا ربهم ، كما قال الله سبحانه: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وقال عز وجل : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ وقال سبحانه: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وإن استغاثوا ربهم وسألوه من دون صلاة فلا حرج ؛ لأن المسلمين يشرع لهم أن يسألوا ربهم حاجاتهم ، وأن يتقربوا إليه بطاعته. وهو سبحانه يحب أن يدعى ويسأل ، وهو الجواد الكريم والرحمن الرحيم ، يعطي لحكمة ويمنع لحكمة ، وهو على كل شيء قدير ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، ولكن المشروع للعباد أن يسألوه سبحانه حاجاتهم ، وأن يتقربوا إليه بما يحب من الصلاة والدعاء والصدقة وغير ذلك. والله ولي التوفيق.
من ضمن الأسئلة الموجهة من ( المجلة العربية ) .
حكم قراءة التسمية في كل ركعة من صلاة الاستسقاء وما يقال بين السجدتين
س: هل تشرع قراءة التسمية في كل ركعة من صلاة الاستسقاء ، وما هو القول المشروع في الجلسة بين السجدتين ؟

(13/32)


ج: تشرع التسمية في كل ركعة قبل قراءة الفاتحة وغيرها من السور ما عدا سورة التوبة ، فبعد قراءة الإمام الفاتحة يقرأ قبلها البسملة ، ففي الأولى يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يسمي ، وفي الركعات الأخيرة إن تعوذ فلا بأس ، وإن اقتصر على التسمية كفت التسمية ، أما ما يقوله بين السجدتين ، فإنه يسأل الله المغفرة فيقول : رب اغفر لي ، رب اغفر لي ، اللهم اغفر لي ، وارحمني ، واهدني ، واجبرني ، وارزقني ، وعافني ؛ لأن هذا قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوله بين السجدتين. والواجب أن يقول ذلك مرة واحدة ، فإن كرر ذلك ثلاثا أو أكثر فهو أفضل ، ولا فرق في ذلك بين صلاة الفريضة ، وصلاة العيد ، وصلاة الاستسقاء ، وسائر الصلوات النافلة.
من ضمن أسئلة تابعة لتعليق سماحته على محاضرة بعنوان ( الصلاة وأهميتها ) في الجامع الكبير بالرياض .
الحث على تقوى الله والتحذير من المعاصي والذنوب
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين ، وفقني الله وإياهم لفعل الخيرات ، ومن علي وعليهم بالتوبة النصوح من جميع السيئات ، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد:

(13/33)


فتعلمون رحمني الله وإياكم ما حصل من تأخر الغيث عن وقته في كثير من البلاد ، ولشدة حاجة المسلمين بل ضرورتهم إلى رحمة ربهم سبحانه وفضله وإحسانه ، وأمرهم سبحانه أن يدعوه ويضرعوا إليه ويرفعوا إليه حاجاتهم ، وقد وعدهم الله سبحانه بالإجابة ، حيث قال عز وجل: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ وقال عز وجل: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ وقال سبحانه: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
وكان النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون إذا اشتدت بهم الأمور لجئوا إلى الله سبحانه واستغاثوا به فيغيثهم ويمدهم بإحسانه وجوده ، كما قال عز وجل في قصة غزوة بدر: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ
ولما اشتد الجدب في المدينة وما حولها طلب المسلمون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغيث لهم ، فرفع صلى الله عليه وسلم يديه في خطبة الجمعة واستغاث ربه وكرر الدعاء ، وخرج بهم مرة أخرى إلى الصحراء ، فصلى بهم ركعتين كصلاة العيد ، واستغاث ربه ودعاه ورفع يديه وألح في الدعاء وحول رداءه ، ورفع المسلمون أيديهم تأسيا به صلى الله عليه وسلم فأغاثهم الله ورحمهم وأزال شدتهم وأنزل عليهم الغيث الكثير. وقد قال الله سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا

(13/34)


ومن أعظم أسباب الرحمة ونزول الغيث: تقوى الله عز وجل ، والتوبة إليه من جميع الذنوب ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتعاون على البر والتقوى ، والتناصح في الله ، والتواصي بالحق والصبر عليه ، ورحمة الفقراء والمساكين ومواساتهم والإحسان إليهم ، كما قال الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الآية ، وقال سبحانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وقال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا وقال عز وجل: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وقال سبحانه: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
فأبان سبحانه في هذه الآيات الكريمات أن التقوى ، والإحسان إلى عباد الله ، والاستقامة على أمر الله من أسباب رحمته لعباده ، وإحسانه إليهم ، وإنزال الغيث عليهم ، وإزالة المشقة عنهم. فاتقوا الله عباد الله ، وأحسنوا إلى عباده ، وتواصوا بالحق والصبر عليه ، وتعاونوا على البر والتقوى ، وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، وتوبوا إليه من جميع الذنوب ، يرحمكم مولاكم سبحانه ، ويجود عليكم بالغيث المبارك ، ويعطيكم ما تحبون ، ويصرف عنكم ما تكرهون ، قال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وقال صلى الله عليه وسلم: من لا يرحم لا يرحم وقال عليه الصلاة والسلام: الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء

(13/35)


والآيات والأحاديث الشريفة في الحث على التقوى والاستقامة عليها ورحمة العباد والإحسان إليهم كثيرة معلومة.
وأسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين جميعا ، وأن يمن عليهم بالتوبة النصوح من جميع الذنوب ، وأن يغيثهم من فضله ، وأن يجمع قلوبهم على التقوى والعمل الصالح ، وأن يعيذ الجميع من شرور النفس وسيئات العمل ، ومن مضلات الفتن ، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته ، وأن يوفق ولاة أمرنا لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد ، وأن يصلح لهم البطانة ويعينهم على كل خير ، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
توجيه صدر من مكتب سماحته .

(13/36)


نصيحة عامة بمناسبة يوم الاستغاثة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول رب العالمين ، وآله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فبمناسبة عزم المسلمين في المملكة العربية السعودية على الاستغاثة يوم الاثنين الموافق 27 شوال 1386 هـ رأيت أن أنبه إخواني المسلمين على أمور ينبغي لكل مسلم أن ينتبه لها ، وأن يحاسب نفسه ويجاهدها على ما فيه صلاحها ونجاتها ، وحصول ما أحبه الله منها ، وسلامتها مما يضرها في الدنيا والآخرة ؛ عملا بقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ أمر الله عباده المؤمنين في هذه الآية الكريمة أن يتقوه عز وجل ، وأن ينظروا ماذا قدموا للآخرة ، حتى يستقيموا على ما ينفعهم ويرضي الله تعالى عنهم ، ويحذروا ما يضرهم ويسخط الله عليهم ، وهذه هي الفائدة العظيمة من النظر فيما قدمه العبد لآخرته. وأوضح سبحانه أنه خبير بأعمال عباده ، لا يخفى عليه منها خافية ؛ ليحذروه ويخافوه ، ويصلحوا بواطنهم وظواهرهم. وكرر الأمر بالتقوى ؛ لكونها هي سبيل السعادة وطريق الإصلاح.
والتقوى هي طاعة الله ورسوله ، وترك ما نهى الله عنه ورسوله ، عن إخلاص لله سبحانه ، وعن إيمان صادق بالله ورسوله ، وبما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وعن رغبة فيما عند الله من المثوبة ، وحذر مما لديه من العقاب. قال بعض السلف في تفسير التقوى: هي أن تعمل بطاعة الله ، على نور من الله ، ترجو ثواب الله. وأن تترك معصية الله ، على نور من الله ، تخشى عقاب الله.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه - وهو أحد كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمائهم-: تقوى الله حق تقاته أن يطاع فلا يعصي ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر

(13/37)


ثم إن ربنا عز وجل في الآية السابقة حذر عباده من مشابهة أعدائه في نسيانه سبحانه ، والإعراض عن حقه حتى أنساهم أنفسهم ، فأعرضوا عن أسباب نجاتها ، وعن سبل سعادتها في الدنيا والآخرة ، فقال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ثم حكم على هؤلاء المعرضين الذين نسوا الله فأعرضوا عن طاعته ، بأنهم هم الفاسقون ، أي: الخارجون عن طاعة الله ، المنقادون للهوى والشيطان.
فالواجب على كل مسلم أن يتقي الله عز وجل ، وأن يستقيم على طاعته ، وأن يحذر هواه وشيطانه وأن يتباعد عن مشابهة أعداء الله ورسوله المعرضين عن ذكره وطاعته ؛ ليفوز بالنجاة والسلامة في الدنيا والآخرة.
نصيحة وجهها سماحة الشيخ للمسلمين في المملكة العربية السعودية عندما كان نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، قرئت في المساجد قبل موعد الاستسقاء . وقد سبق نشرها في ( المجلد الثالث ) من هذا المجموع ص 149 .

(13/38)


ومن الأمور العظيمة التي يجب التنبه لها أن الله سبحانه أخبرنا في كتابه العظيم في مواضع كثيرة ، أن ما أصاب العباد من المصائب المتنوعة كقسوة القلوب ، وجدب الأرض وتأخر الغيث ، ونقص الأنفس والأموال والثمار ، وتسليط الأعداء ، وغير ذلك من المصائب ، كل ذلك بأسباب ما كسبه العباد من المعاصي والمخالفات ، كما قال عز وجل: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وقال تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وقال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وقال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ولما أخبر عز وجل عن بعض الأمم الطاغية ، وما أحل بهم من العقوبات قال بعد ذلك: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وقال عن قوم نوح لما عصوا رسولهم نوحا عليه الصلاة والسلام: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا والمعنى: من أجل خطيئاتهم عذبوا في الدنيا بالغرق ، وفي الآخرة بإدخالهم النار ، نعوذ بالله من حالهم. وفي هذه الآيات الكريمات ، وما جاء في معناها من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والآيات الكريمات غيرها ، الدلالة الظاهرة والبرهان القاطع على أن ما أصاب العباد من المصائب والسيئات التي لا يحصيها إلا الله ، كل ذلك بكسبهم وذنوبهم ،

(13/39)


وما قدموا من الأعمال المخالفة للحق ؛ لعلهم يتذكرون ويتعظون ، فيتوبوا إليه سبحانه ، ويرجعوا إلى طاعته ، ويحذروا ما نهاهم عنه ؛ ولهذا قال عز وجل في الآية السابقة: لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ والمعنى: أنه سبحانه قد يذيق العباد عقوبة بعض ما عملوا من السيئات ؛ لعلهم يرجعون إلى طاعته والإنابة إليه والتوبة النصوح من سالف ذنوبهم ، ولو يؤاخذهم بجميع ذنوبهم لهلكوا جميعا ، كما قال سبحانه: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وقال في الآية الأخرى: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ والمعنى: أنه عاقب آل فرعون بالسنين ، وهي الجدوب المتتابعة ، مع نقص الثمرات ؛ لعلهم يتذكرون أعمالهم السيئة ، فيتوبوا إلى الله منها ، ويرجعوا إلى طاعته ، ويستقيموا على أمره ؛ فيرد لهم ما كان شاردا ، ويصلح لهم ما كان فاسدا ، ويعمر قلوبهم بالتقوى ، وينزل لهم الغيث من السماء ، ويخرج لهم البركات من الأرض ، كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وقال سبحانه: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ الآية ، وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ الآية ، وقال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وقال أيضا: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا وقال عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ

(13/40)


مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وقال عز وجل: وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا أخبر الله عز وجل في هذه الآيات المذكورات أن العباد إذا آمنوا بربهم ، واستقاموا على طاعته ، واتقوه عز وجل في جميع أمورهم ، وتضرعوا إليه عند نزول المصائب ، وحلول العقوبات ، تضرع التائبين الصادقين ، فإنه عز وجل يعطيهم ما طلبوا ، ويؤمنهم مما حذروا ، ويصلح لهم أعمالهم ، ويغفر لهم ذنوبهم السالفة ، ويخلصهم من المضايق ، ويسقيهم من ماء السماء ، وينزل لهم البركات في الأرض .

(13/41)


فيا معشر المسلمين ، بادروا إلى تقوى الله عز وجل ، وسارعوا إلى مراضيه ، وجاهدوا نفوسكم لله عز وجل ، وألزموها بالتوبة النصوح من سائر الذنوب ، وحاربوا الهوى والشيطان ، والنفس الأمارة بالسوء ، وشمروا إلى الدار الآخرة ، وتضرعوا إلى ربكم عز وجل ، وأكثروا من دعائه وذكره واستغفاره ، يجب دعاءكم ، ويصلح أحوالكم ، وييسر أموركم ، ويغثكم من فضله ، ويكشف عنكم كل كربة ، ويعصمكم من كيد أعدائكم ، ويجركم من سوء في الدنيا والآخرة ، كما قال عز وجل ، وهو الصادق في وعده: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ وقال سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وقال عز وجل: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ وقال جل وعلا: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ

(13/42)


ومن القربات المناسبة في هذا الوقت ، وفي كل وقت ، رحمة الفقراء والمحاويج ، والإحسان إليهم ، فإن الصدقة من أعظم الأعمال التي يدفع الله بها البلاء ، وينزل بها الرحمة ، كما قال الله عز وجل: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وقال تعالى: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وقال سبحانه: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وقال عز وجل: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وقال عليه الصلاة والسلام: الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء وقال صلى الله عليه وسلم: من لا يرحم لا يرحم
والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين جميعا ، ويعمر قلوبهم بالتقوى ، ويصلح قادتهم ، ويمن على الجميع بالتوبة النصوح من جميع الذنوب ، والاستقامة على شريعة الله عز وجل في جميع الأمور ، وأن يحفظهم من مكايد الأعداء ، إنه على كل شيء قدير . وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم .

(13/43)


قلب الرداء يكون أثناء الخطبة عندما يحول الإمام رداءه
س: الأخ ع. ع. من الخبر في المملكة العربية السعودية ، يقول في سؤاله: شاهدت في أحد الجوامع قبل صلاة الاستسقاء أحد طلبة العلم لابسا عباءته مقلوبة ، وبعد الصلاة سألته عن سبب ذلك ؛ لأن الذي أعرفه أن العباءة تقلب بعد انتهاء الصلاة والخطبة ، فقال: لا شيء في ذلك وقد قلبتها قبل الصلاة حتى إذا حولتها مرة أخرى تكون على الاتجاه الحسن. فما رأي سماحتكم في فعله هذا؟ أفتونا جزاكم الله خيرا.
ج: الظاهر من الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الاستسقاء أن الرداء يكون على حالته المعتادة ، وإنما يقلب في أثناء الخطبة عندما يحول الإمام رداءه. أما أن يحول الرداء أو العباءة عن حالها قبل ذلك ، فالأظهر أن ذلك غير مشروع ومخالف للسنة. وفق الله الجميع.
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من ( المجلة العربية ) .
حكم تحويل المرأة رداءها في صلاة الاستسقاء
س: ما حكم تحويل المرأة رداءها في صلاة الاستسقاء ، وهل هي مثل الرجل في الحكم أم أنه لا يجوز لها تحويل الرداء ، علما بأنها تتكشف عند تحويل الرداء ، وجهوني جزاكم الله خيرا؟
ج: إذا كانت المرأة تتكشف عند تحويلها للرداء في صلاة الاستسقاء والرجال ينظرون إليها فإنها لا تفعل ؛ لأن قلب الرداء سنة ، والتكشف أمام الرجال فتنة ومحرم ، وأما إذا كانت لا تتكشف فالظاهر أن حكمها حكم الرجل ؛ لأن هذا هو الأصل ، وهو تساوي الرجال والنساء في الأحكام ، إلا ما دل الدليل على الاختلاف بينهما فيه.
نشر في ( جريدة عكاظ ) العدد ( 10877 ) ، وتاريخ : الجمعة 7 محرم 1417هـ .
حكم إقامة صلاة الاستسقاء إذا لم يأمر والي البلد بإقامتها
س: إذا أمات حاكم دولة سنة صلاة الاستسقاء ولم يدع الناس لها عند انقطاع المطر أو غور الآبار ، فهل يجوز لإمام أحد مساجد هذه الدولة أن يدعو أهل بلده إلى صلاة الاستسقاء ويخرجون وحدهم لأدائها؟

(13/44)


ج: إذا كان أهل بلد لا يأمرهم واليها بإقامة صلاة العيد أو صلاة الاستسقاء ، فإنه يشرع لهم أن يصلوا صلاة العيد وصلاة الاستسقاء في الصحراء إذا تيسر ذلك ، وإلا ففي المساجد ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم شرع ذلك لأمته ، وصلاة العيد فرض كفاية لا يجوز للمسلمين في أي بلد تركها. وقال بعض أهل العلم: إنها فرض عين كالجمعة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها.
من ضمن أسئلة تابعة لتعليق سماحته على محاضرة بعنوان ( الصلاة وأهميتها ) في الجامع الكبير بالرياض .
ما يحسن بالمسلم قوله عند نزول المطر أو سماع الرعد
س: سائل يقول: ماذا يجب على المسلم أن يفعله عند نزول المطر أو سماع الرعد ومشاهدة البرق؟
ج: إذا سمع الرعد يقول: سبحان من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته جاء هذا عن الزبير وعن بعض السلف ، فإذا قال المؤمن ذلك فحسن. أما عند نزول المطر فيقول: اللهم صيبا نافعا مطرنا بفضل الله ورحمته هكذا جاءت الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
من برنامج ( نور على الدرب ) .
عزو سبب نزول المطر إلى كثرة البحار
س: في كتب الجغرافيا يعزون سبب نزول المطر إلى كثرة وجود البحار ، فهل يجوز هذا التعليل والاستغناء به عن الاستسقاء؟

(13/45)


ج: ذكر العلماء أن بخار ماء البحار قد يجتمع منه الماء في السحب بأمر الله سبحانه ، وقد يخلق الماء في الجو فيمطر به الناس بأمر الله سبحانه ، وهو القادر على كل شيء ، كما قال سبحانه وتعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ والله جل وعلا أعلم بما يصلح عباده ، فقد يكون تجمع هذه المياه بإذن الله من البحار ثم يجعله الله عذبا بعد ذلك في الفضاء يقلبه الله من ملوحته إلى كونه عذبا ويسوقه في السحاب إلى ما يشاء سبحانه وتعالى من الأراضي المحتاجة إلى ذلك كما يشاء جل وعلا. وقد يخلق الله سبحانه الماء في الجو فتحمله السحب والرياح إلى أماكن محتاجة إلى ذلك. ذكر هذا المعنى ابن القيم رحمه الله في كتابه "مفتاح دار السعادة" وذكره غيره. فربنا سبحانه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم ، كما قال جل وعلا: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا فسبحانه ما أعظم شأنه وما أكمل قدرته. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الماء نبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وفي خارجها فشرب منه الناس وتوضئوا ، وذلك من آيات الله العظيمة الدالة على كمال قدرته وعلمه ورحمته وإحسانه وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم. ولا يستغنى بذلك عن الاستسقاء ، بل الاستسقاء مشروع عند وجود أسبابه ، سواء كان أهل البلد يعلمون ما ذكره العلماء في هذا الشأن أم لم يعلموا ذلك ؛ لأن الله سبحانه شرع لعباده الاستسقاء عند وجود أسبابه ؛ ليسألوه ويتضرعوا إليه ويعرفوا فقرهم وحاجتهم إلى رحمته. وقد وقع ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة واستسقى بالناس في خطبة الجمعة ، وخرج بالصحابة إلى الصحراء في وقت آخر فصلى بهم صلاة الاستسقاء وخطب

(13/46)


فأغاثهم الله في جميع الأوقات التي استسقى لهم فيها ، رحمة من الله لعباده وتأييدا لنبيه صلى الله عليه وسلم ، وإظهارا لصحة نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام.
من ضمن الأسئلة التابعة لتعليق سماحته على محاضرة بعنوان ( الصلاة وأهميتها ) .
كتاب الجنائز
تمني الموت وطلبه لا يجوز
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، أما بعد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
الشيخ عبد العزيز ، جزاك الله خيرا على إجابتك علي. قد أرسلت أستفسر عن شيء وأطلب منك أن تدعو لي في بيت الله الحرام وفي هذه الحالة استخرت الله بأن أرسل إليك لكي تدلني على الطريق الصحيح وأن تدعو لي. أما في هذه المرة لم أستخر الله ولا أعرف هل الطلب الذي أطلبه ستؤديه لي أم لا؟ وهذا الطلب هو بأن تدعو لي في بيت الله الحرام بأن يعجل لي في موتي فلقد دعوت الله كثيرا ما يقرب من أربع سنوات وصليت صلاة الحاجة لكي يعجل الله لي في موتي وللأسف لم يقبض روحي حتى الآن. هل من الممكن أن تدعو لي . فإذا أحببت أن تخبرني بأنك إن شاء الله سوف تدعو لي فهذا هو عنواني: شارع طه حسين - المنزلة - دقهلية - مصر - م.أ.أ.ع.
الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد: طلب الموت يا أخي لا يجوز ولا يجوز تمنيه أيضا ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي متفق على صحته. وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي فنوصيك بهذا الدعاء ، أصلح الله حالك وقدر لك ما فيه الخير والصلاح وحسن العاقبة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إجابة سماحته على رسالة شخصية مقدمة من م . أ . أ . ع . من مصر برقم 1196/ش في 20/1/1414هـ .

(13/47)


كيفية تلقين المحتضر
س: ما هي طريقة التلقين؟
ج: يقال للمحتضر قل: لا إله إلا الله ، اذكر ربك يا فلان ، وإذا قالها كفى ، ولا يضجر المحتضر حتى يثبت على الشهادة ، وإذا ذكر الله عنده وقلده المحتضر كفى والحمد لله.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء بخطابهم رقم (508) في 29/10/1417هـ ، وقد طبعت في كتاب .
حكم قراءة سورة يس عند المحتضر
س: هل قراءة سورة ( يس ) عند الاحتضار جائزة؟
ج: قراءة سورة (يس) عند الاحتضار جاءت في حديث معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اقرأوا على موتاكم يس صححه جماعة وظنوا أن إسناده جيد وأنه من رواية أبي عثمان النهدي عن معقل بن يسار ، وضعفه آخرون ، وقالوا: إن الراوي له ليس هو أبا عثمان النهدي ولكنه شخص آخر مجهول. فالحديث المعروف فيه أنه ضعيف لجهالة أبي عثمان ، فلا يستحب قراءتها على الموتى. والذي استحبها ظن أن الحديث صحيح فاستحبها ، لكن قراءة القرآن عند المريض أمر طيب ولعل الله ينفعه بذلك ، أما تخصيص سورة (يس) فالأصل أن الحديث ضعيف فتخصيصها ليس له وجه.
من ضمن مذكرة لسماحته جمع فيها فوائد في مختلف العلوم .
حكم تلقين الكافر
س: هل يشرع الحضور عند الكافر المحتضر وتلقينه؟
ج: يشرع ذلك إذا تيسر وقد كان عند النبي صلى الله عليه وسلم خادم يهودي فمرض فذهب إليه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فلقنه وقال: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فنظر اليهودي إلى أبويه فقالا له أطع أبا القاسم فقالها فقال النبي صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي أنقذه بي من النار
هذا السؤال والذي بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
حكم وضع المصحف على بطن الميت
س: ما حكم وضع المصحف على الميت؟
ج: لا أصل لذلك ، ولا يشرع ، بل هو بدعة.
س: الأخت التي رمزت لاسمها بـ هـ.هـ.هـ. - من الرياض تقول في سؤالها: ما حكم قراءة القرآن على الميت ، ووضع المصحف على بطنه؟

(13/48)


ج: ليس لقراءة القرآن على الميت أو على القبر أصل صحيح ، بل ذلك غير مشروع ، بل من البدع ، وهكذا وضع المصحف على بطنه ليس له أصل ، وليس بمشروع ، وإنما ذكر بعض أهل العلم وضع حديدة أو شيء ثقيل على بطنه بعد الموت حتى لا ينتفخ.
سبق نشره في ( الجزء الثامن ) ص 362 من هذا المجموع .

(13/49)


حكم قراءة القرآن على الأموات
س: أرجو من سماحة الشيخ أن ينبه المسلمين إلى حكم قراءة القرآن على الأموات هل هو جائز أم لا ؛ وما حكم الأحاديث الواردة في ذلك؟
ج: القراءة على الأموات ليس لها أصل يعتمد عليه ولا تشريع ، وإنما المشروع القراءة بين الأحياء ليستفيدوا ويتدبروا كتاب الله ويتعقلوه ، أما القراءة على الميت عند قبره أو بعد وفاته قبل أن يقبر أو القراءة له في أي مكان حتى تهدى له فهذا لا نعلم له أصلا ، وقد صنف العلماء في ذلك وكتبوا في هذا كتابات كثيرة منهم من أجاز القراءة ورغب في أن يقرأ للميت ختمات وجعل ذلك من جنس الصدقة بالمال ، ومن أهل العلم من قال: هذه أمور توقيفية ؛ يعني أنها من العبادات فلا يجوز أن يفعل منها إلا ما أقره الشرع. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وليس هناك دليل في هذا الباب فيما نعلمه يدل على شرعية القراءة للموتى ، فينبغي البقاء على الأصل وهو أنها عبادة توقيفية ، فلا تفعل للأموات بخلاف الصدقة عنهم والدعاء لهم والحج والعمرة وقضاء الدين ، فإن هذه الأمور تنفعهم ، وقد جاءت بها النصوص . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له وقال الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ - أي بعد الصحابة- يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فقد أثنى الله سبحانه على هؤلاء المتأخرين بدعائهم لمن سبقهم وذلك يدل على شرعية الدعاء للأموات من المسلمين وأنه ينفعهم ، وهكذا الصدقة تنفعهم للحديث المذكور. وفي الإمكان أن يتصدق بالمال الذي يستأجر به من يقرأ للأموات على الفقراء والمحاويج بالنية لهذا الميت ، فينتفع الميت بهذا المال ويسلم باذله من البدعة ، وقد ثبت في الصحيح أن رجلا قال يا رسول الله إن أمي ماتت ولم توص وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال النبي صلى

(13/50)


الله عليه وسلم نعم فبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الصدقة عن الميت تنفعه ، وهكذا الحج عنه والعمرة ، وقد جاءت الأحاديث بذلك ، وهكذا قضاء الدين ينفعه ، أما كونه يتلو له القرآن ويثوبه له أو يهديه له أو يصلي له أو يصوم له تطوعا فهذا كله لا أصل له ، والصواب أنه غير مشروع .
نشرت في ( الجزء الرابع ) من هذا المجموع ص 340 .
حكم وضع الحناء في يد المرأة التي تحتضر
س: ما حكم وضع الحناء في يد المرأة المتوفاة ، أو التي تحتضر؟
ج: لا أعلم لهذا أصلا يرجع إليه.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
بعض البدع التي تقال عند المحتضر
س: ح.أ.م. من أم درمان بالسودان يقول في سؤاله: بعض الناس يجعلون الورد ( بسم الله الرحمن الرحيم) 786 مرة ، ويقرءون الواقعة 42 مرة ، وسورة الذاريات 60 مرة ، وسورة يس 41 مرة ، عند الميت وغيره ، ويقرءون في الورد ( يا لطيف) 16641 مرة ، فهل هذا جائز أم لا؟ أفيدونا أفادكم الله.

(13/51)


ج: لا أعلم لهذا العمل أصلا بهذا العدد المعين في الشرع المطهر ، بل التعبير بذلك واعتقاد أنه سنة بدعة ، وهكذا فعل ذلك على هذا الوجه عند الميت وقت الموت أو بعد الموت كل ذلك لا أصل له على هذا الوجه ، ولكن يشرع للمؤمن الاستكثار من قراءة القرآن ليلا ونهارا ، وأن يسمي الله سبحانه عند ابتداء القراءة ، وعند الأكل والشرب ، وعند دخول المنزل ، وعند جماع أهله ، وغير ذلك من الشئون التي وردت بها السنة ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر وهكذا استعمال (يا لطيف أو يا الله أو نحو ذلك) بعدد معلوم يعتقد أنه سنة لا أصل له بل هو بدعة ، ولكن يشرع الإكثار من الدعاء بلا عدد معين ، كقوله: يا لطيف الطف بنا أو اغفر لنا أو ارحمنا أو اهدنا ونحو ذلك. وهكذا يا الله يا رحمن يا رحيم يا غفور يا حكيم يا عزيز الطف بنا وانصرنا وأصلح قلوبنا وأعمالنا ، وما أشبه ذلك ؛ لقول الله سبحانه: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وقوله عز وجل: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ولكن بدون تحديد عدد لا يزيد عليه ولا ينقص ، إلا ما ورد فيه تحديد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) في كل يوم مائة مرة فهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهكذا (قول سبحان الله وبحمده) مائة مرة في الصباح والمساء ، وهكذا (سبحان الله والحمد لله والله أكبر) ثلاثا وثلاثين مرة بعد كل صلاة من الفرائض الخمس ، الجميع تسع وتسعون بعد كل صلاة ويختم المائة بقوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. كل هذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهكذا كل ما جاء في معناه. وإن قرأ عند المحتضر قبل أن يموت بعض آيات من القرآن فلا بأس ؛

(13/52)


لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك ، ويستحب تلقينه لا إله إلا الله حتى يختم له بذلك ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله رواه مسلم في صحيحه. والمراد بالموتى هنا المحتضرون في أصح قولي العلماء ، ولأنهم الذين ينتفعون بالتلقين. والله ولي التوفيق . _
نشر في ( المجلة العربية ) في ذي القعدة 1410هـ .
يستحب توجيه المحتضر للقبلة
س: هل يشرع توجيه المحتضر للقبلة؟
ج: نعم ، يستحب ذلك عند أهل العلم ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: الكعبة قبلتكم أحياء وأمواتا
هذا السؤال وسؤالان بعده من أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
كيفية توجيه المحتضر إلى القبلة
س: ما هي كيفية التوجيه إلى القبلة بالنسبة للمحتضر؟
ج: يجعل على جنبه الأيمن، ووجهه إلى القبلة كما يوضع في اللحد.
حكم تقبيل الميت
س: هل يجوز تقبيل الميت؟
ج: لا بأس بتقبيل الميت إذا قبله أحد محارمه من النساء أو قبله أحد من الرجال كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم.
غسل الميت
تارك الصلاة لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين
س: الأخ م.ص.ع. من عمان بالأردن يقول في سؤاله: ما حكم من مات وهو لا يصلي ، مع العلم أن أبويه مسلمان ؟ وكيف تكون معاملته من ناحية التغسيل والتكفين والصلاة عليه والدفن والدعاء والترحم عليه؟

(13/53)


ج: من مات من المكلفين وهو لا يصلي فهو كافر ، لا يغسل ولا يصلى عليه ، ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرثه أقاربه ، بل ماله لبيت مال المسلمين في أصح أقوال العلماء لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح من حديث بريدة رضي الله عنه. وقال عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل رحمه الله تعالى: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا تركه كفر إلا الصلاة والأحاديث والآثار في هذا المعنى كثيرة وهذا فيمن تركها كسلا ولم يجحد وجوبها ، وأما من جحد وجوبها فهو كافر مرتد عن الإسلام عند جميع أهل العلم ، نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين ويسلك بهم صراطه المستقيم إنه سميع مجيب.
نشرت في المجلة العربية في العدد( 187) لشهر شعبان 1413هـ . وقد سبق نشرها في
( المجلد العاشر ) من هذا المجموع ص 250 .
حكم سؤال المغسل عن حال الميت
س: هل للمغسل أن يسأل أهل الميت هل المتوفى يصلي أم لا؟
ج: ما دام ظاهره الإسلام ، والذين أحضروه مسلمون فلا حاجة إلى سؤالهم ، وقد يتساهل البعض في ذلك فيترتب على ذلك فضائح ، وكذلك عند الصلاة عليه ، فلا يسأل عنه إذا كان ظاهره الإسلام.
هذا السؤال وثلاثة بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
من الأولى بتغسيل الميت
س: هل الأولى أن يتولى التغسيل أهل الميت؟
ج: لا يلزم وإنما يتولى ذلك الأمين ، الجيد ، الخبير.
س: إذا أوصى الميت بتحديد من يغسله فهل تنفذ وصيته؟
ج: نعم تنفذ وصيته.
جواز غسل أحد الزوجين للآخر بعد الوفاة
س: هل الأولى بتغسيل الرجل زوجته أو الرجال؟

(13/54)


ج: تغسيل المرأة زوجها أمر لا بأس به إذا كانت خبيرة بذلك ، وقد غسل علي رضي الله عنه زوجته فاطمة رضي الله عنها ، وغسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق رضي الله عنه.
س: الأخ ص.أ.ع. من طنطا في جمهورية مصر العربية يقول في سؤاله: هل يجوز للمرأة أن تغسل زوجها بعد وفاته ، وكذلك هل يجوز للرجل أن يغسل زوجته بعد وفاتها؟ أفتونا مأجورين.
ج: قد دلت الأدلة الشرعية على أنه لا حرج على الزوجة أن تغسل زوجها وأن تنظر إليه ، ولا حرج على الزوج أن يغسلها وينظر إليها ، وقد غسلت أسماء بنت عميس رضي الله عنها زوجها أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، وأوصت فاطمة رضي الله عنها أن يغسلها علي رضي الله عنه. والله ولي التوفيق.
حكم غسل الرجل لامرأته والبنت الصغيرة
س: هل يصح للرجل أن يغسل امرأته إذا ماتت أو بنت سنة أو سنتين ولو أجنبية عنه؟
ج: لا بأس أن يغسل الرجل زوجته والمرأة زوجها ؛ لأن ذلك جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن سلف الأمة في ذلك. أما غير الزوجة كالأم والبنت فلا يجوز للرجل تغسيلهما ولا غيرهما من محارمه النساء. ويلحق بالزوجة المملوكة التي يباح له وطؤها فلا بأس بغسلها إذا ماتت لأنها كالزوجة ، وهكذا البنت الصغيرة التي دون السبع لا حرج على الرجل في تغسيلها ، سواء كان محرما لها أو أجنبيا عنها ؛ لأنها لا عورة لها محترمة ، وهكذا المرأة لها تغسيل الصبي الذي دون السبع . والله ولي التوفيق .
نشر في ( المجلة العربية ) بتاريخ جمادى الأولى 1412هـ .
العلاقة الزوجية لا تنتهي بالموت
س: رأي بعض الفقهاء أن العلاقة الزوجية انتهت بالموت ، ما توجيهكم في ذلك ؟
ج: هذا رأي يعارض السنة فلا يلتفت إليه.
س: لقد سمعنا كثيرا من عامة الناس بأن الزوجة تحرم على زوجها بعد الوفاة ، أي بعد وفاتها ، ولا يجوز أن ينظر إليها ولا يلحدها عند القبر ، فهل هذا صحيح ؟ أجيبونا بارك الله فيكم.

(13/55)


ج: قد دلت الأدلة الشرعية على أنه لا حرج على الزوجة أن تغسل زوجها وأن تنظر إليه ولا حرج عليه أن يغسلها وينظر إليها ، وقد غسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق رضي الله عنهما ، وأوصت فاطمة أن يغسلها علي رضي الله عنهما. والله ولي التوفيق.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
المطلقة طلاقا رجعيا يغسلها زوجها
س: المتوفاة المطلقة هل يغسلها زوجها؟
ج: إذا كانت رجعية فلا بأس ، يعني طلقة واحدة أو اثنتين.
هذا السؤال والذي بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
عدد من يتولى غسل الميت
س: هل فيه عدد محدد لمن يتولى غسل الميت ؟
ج: يكفي واحد ومن يساعده على ذلك .
الأشياء التي يغسل بها الميت
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم فضيلة الشيخ/ ع.غ. وفقه الله آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد:
فقد وصلني كتابكم الكريم بدون تاريخ وصلكم الله بهداه ، وهو مرفق بهذا ، وما تضمنه - من السؤال عن الغسلة التي تبدءون بها غسل الميت بالصابون والشامبو إذا كان به أوساخ متراكمة - كان معلوما ، ولا أذكر أن أحدا فاتحني في ذلك ، والذي أرى أن تعملوا بما تضمنه حديث أم عطية ، فتغسلوا الميت بالماء والسدر في جميع الغسلات ، وتبدءوا بميامنه ومواضع الوضوء منه مع العناية بإزالة الأوساخ المتراكمة وغيرها في جميع الغسلات حتى ينقى ، ولو زاد على سبع ؛ للحديث المذكور .
ولا حاجة إلى الصابون والشامبو وغيرهما ، إلا إذا لم يكف السدر في إزالة الأوساخ فلا بأس باستعمال الصابون والشامبو والأشنان وغيرها من الأنواع المزيلة للأوساخ بدءا من الغسلة الأولى ، ويجعل في الغسلة الأخيرة شيء من الكافور؛ للحديث المذكور ، هذا هو السنة فيما أعلم من الأحاديث الصحيحة ؛ لحديث أم عطية وما جاء في معناه.

(13/56)


وأسأل الله أن يبارك في جهودكم ويمنحكم التوفيق والإخلاص والسداد ، إنه خير مسئول . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
صدر من مكتب سماحته برقم 170/خ وتاريخ 14/1/1414هـ .
حكم استخدام السدر في الغسل
س: هل في حديث ابن عباس دليل على وجوب استخدام السدر؟
ج: هو مشروع ، والأمر عند العلماء للاستحباب ؛ لأنه أبلغ في الإنقاء ، وإذا لم يتيسر سدر فيجعل بدله صابون أو أشنان أو ما يقوم مقامهما.
س: هل رغوة السدر على الرأس بالنسبة للميت سنة ؟
ج: ذكره بعض الفقهاء وقالوا إنه أبلغ في التنظيف وهو ليس بلازم ، وإنما المشروع أن يغسل الميت بالماء والسدر .
هذا السؤال والذي بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء
حكم الأخذ من شارب وإبط وأظفار وعانة الميت
س: هل يجوز أخذ شارب وإبط وأظفار الميت وعانته؟
ج: يستحب قص شاربه وقلم أظفاره ، وأما حلق العانة ، ونتف الإبط فلا أعلم ما يدل على شرعيته ، والأولى ترك ذلك ؛ لأنه شيء خفي وليس بارزا كالظفر والشارب .
س: هل يتعرض للميت بقص شاربه أو أظفاره؟
ج: ليس على ذلك دليل ولو أخذ شيء من ذلك فلا بأس ، ونص بعض العلماء على الأظافر والشارب ، أما حلق العانة والختان فلا يشرع فعلهما في حق الميت لعدم الدليل على ذلك .
من ضمن مذكرة لسماحته جمع فيها فوائد في مختلف العلوم .
حكم نزع أسنان الذهب من الميت
س: إذا مات الميت وعليه أسنان ذهب فهل تنزع منه إذا كان عليه دين ولو كان نزعها لا يحصل بسهولة أم تترك إذا لم يكن عليه دين ؟
ج: إذا مات الميت وعليه أسنان ذهب أو فضة ونزعها لا يحصل بسهولة فلا بأس بتركها سواء كان مدينا أم غير مدين ، وفي الإمكان نبشه بعد حين وأخذها للورثة أو الدين ، أما إذا تيسر نزعها وجب ذلك ؛ لأنها مال لا ينبغي إضاعته مع القدرة .
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .

(13/57)


تطييب الميت وكفنه
س: ما حكم تطييب الميت وكفنه ؟
ج: تطييب الميت وكفنه سنة إذا كان غير محرم .
نشر في ( فتاوى إسلامية ) جمع وترتيب : محمد المسند (2/25)
حكم تسويك الميت
س: ما حكم تسويك الميت ؟
ج: لا أعلم لهذا أصلا ، وإنما يوضأ ثم يغسل ، وإذا سوكه عند المضمضة فلا بأس كالحي .
هذا السؤال وسؤالان بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء
حكم الزيادة على سبع غسلات
س: إذا لم يطهر الميت بسبع غسلات فهل يزاد عليها ؟
ج: لا بأس إذا دعت الحاجة إلى ذلك .
حث النساء على المشاركة في غسل الميتات
س: يوجد عدد كبير من مغاسل الموتى في الرياض للرجال والنساء ، وحيث إنه من النادر وجود نساء يقمن بتغسيل النساء ، وخاصة ممن عندهن علم واحتساب ، ولأهمية الأمر نأمل من سماحتكم بيان هذا العمل ، وحث الأخوات على المشاركة وإرسال الاسم ورقم الهاتف لمن يرغب ، لسماحتكم أو لإمام المسجد الذي يوجد به مغاسل للموتى أو لغيره.

(13/58)


ج: نوافق على ما اقترح الأخ ، ولا شك أن العناية بتغسيل الميتات مطلوب كالرجال ، والمرأة تغسلها المرأة ، والرجل يغسله الرجل ، إلا أن المرأة لا مانع من أن يغسلها زوجها ؛ وهكذا الزوجة لا مانع من أن تغسل زوجها ؛ لأنه ثبت أن الصديق رضي الله عنه قد غسلته زوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنها ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه غسل زوجته فاطمة رضي الله عنها. وهكذا السيد يغسل مملوكته المباحة له ، وهي تغسله ، كالزوج والزوجة ، وما سوى ذلك فالنساء يغسلن النساء ، والرجال يغسلون الرجال ، فأرجو ممن تجد من نفسها القدرة أن تحتسب ، وأن تتولى هذا الأمر وتبلغ المسئولين في البلدية وغير البلدية ؛ حتى يعرفوها ويطلبوها عند الحاجة ، فتعطيهم رقم هاتفها وتعتني بهذا الأمر وتراجع كلام أهل العلم في كيفية تغسيل الميت ؛ حتى تكون على بصيرة في ذلك ، وحتى تعرف كيف تغسل الميتة ، فإذا درست هذا من كلام أهل العلم فعليها تطبيق ذلك واحتساب الأجر عند الله ، وإن دفع لها أجرة فلا بأس من أخذها .
س: إحدى النساء كانت تغسل الأموات متطوعة وأخيرا رفضت القيام بهذا العمل رغم الحاجة إليها بحجة تبلد الإحساس والغلظة تجاه الأموات ، فهل توافق على هذا الرأي أم لا؟
ج: المشروع لها أن تحتسب وتصبر في تغسيل الأموات ، إذا كانت الحاجة داعية إليها ، وكانت معروفة بالخير والإتقان لهذا العمل ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته متفق على صحته ، وقوله صلى الله عليه وسلم: والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه أخرجه مسلم في صحيحه. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
س1 صدرت من مكتب سماحته جوابا على استفتاء شخصي .
س2 هذا السؤال والذي بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء
حكم إقامة دورات لتعليم تغسيل الأموات
س: ما حكم إقامة دورات لتعليم تغسيل الأموات ؟

(13/59)


ج: تعليم تغسيل الموتى طيب ومشروع وليس فيه شيء ؛ لأن بعض الناس لا يحسن التغسيل ، والحاجة ماسة إلى معرفة كيفية تغسيل الميت .
حكم تصوير غسل الميت للتذكير أو للتعليم
س: ما حكم تصوير تغسيل الميت على شريط فيديو ثم بيعه بحجة أنه من باب التذكير بالموت ؟
ج: إن كان المقصود تصوير الميت حين التغسيل فذلك لا يجوز ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تصوير ذوات الأرواح ولعن المصورين ، وقال: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون أما إن كان مراد السائل بيان صفة تغسيل الميت كما شرع الله عز وجل في شريط يوزع أو يباع فلا بأس ، كما يسجل تعليم الناس الصلاة وغيرها مما يحتاجه الناس من غير تصوير. وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح .
نشر في ( كتاب الدعوة ) الجزء الثاني ص 141 .
س: ما حكم تعليم التغسيل والتكفين عن طريق الفيديو ؟
ج: التعليم يكون بغير الفيديو ؛ لما في الأحاديث الكثيرة الصحيحة من النهي عن التصوير ولعن المصورين.
هذا السؤال وأربعة بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء
تغسيل المحرم إذا توفي
س: بالنسبة لتغسيل المحرم إذا توفي حال إحرامه؟
ج: المحرم إذا توفي فإنه يغسل ولا يطيب ولا يغطى وجهه ولا رأسه ويكفن في إحرامه ولا يلبس قميصا ولا عمامة ولا غير ذلك ؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبيا كما صح بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يقضى عنه ما بقي من أعمال حجه سواء كانت وفاته قبل عرفة أو بعدها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك.
س: من مضى في حج فاسد فمات فما الحكم ؟

(13/60)


ج: يعامل معاملة من مات في حج صحيح ، يكفن في ثوبيه ، ولا يطيب ، ولا يغطى وجهه ، ولا رأسه ؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الذي سقط عن راحلته ومات وهو محرم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا وجهه ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا متفق على صحته واللفظ لمسلم ، والتحنيط هو التطييب .
حكم تغسيل جريح المعركة إذا مات بعدها
س: من مات من المعركة متأثرا بجراحه هل يغسل ويكفن ويصلي عليه؟
ج: نعم يغسل ويكفن ويصلي عليه ، ويرجى له أجر الشهيد إذا خلصت نيته.
المظلوم يغسل ويصلي عليه
س: هل يغسل المظلوم؟
ج: نعم يغسل ويصلي عليه ، فعمر الفاروق رضي الله عنه قتل مظلوما وعثمان رضي الله عنه قتل مظلوما ومع هذا غسلا وصلى عليهما الصحابة رضي الله عنهم ، وهكذا علي رضي الله عنه قتل مظلوما وغسل وصلي عليه.
حكم تغسيل المنتحر والصلاة عليه
س: هل قاتل نفسه يغسل ويصلى عليه؟
ج: قاتل نفسه يغسل ويصلي عليه ويدفن مع المسلمين ؛ لأنه عاص وهو ليس بكافر ؛ لأن قتل النفس معصية وليس بكفر . وإذا قتل نفسه والعياذ بالله يغسل ويكفن ويصلي عليه ، لكن ينبغي للإمام الأكبر ولمن له أهمية أن يترك الصلاة عليه من باب الإنكار ؛ لئلا يظن أنه راض عن عمله، والإمام الأكبر أو السلطان أو القضاة أو رئيس البلد أو أميرها إذا ترك ذلك من باب إنكار هذا الشيء وإعلان أن هذا خطأ فهذا حسن ، ولكن يصلي عليه بعض المصلين .
نشر في ( فتاوى إسلامية ) جمع وترتيب : محمد المسند ( 2/62 ) .
كيفية تغسيل من مات في حادث وقد تشوه جسده
س: الأخ ع.ع.س. من الرياض يقول في سؤاله: كيف يتم تغسيل الإنسان الذي يموت في حادث ويتشوه جسمه وربما تقطع بعض أجزائه؟ نسأل الله السلامة والعافية.
ج: يجب تغسيله كما يغسل غيره إذا أمكن ذلك ، فإن لم يمكن فإنه ييمم ؛ لأن التيمم يقوم مقام التغسيل بالماء عند العجز عن ذلك. والله ولي التوفيق.
من الأسئلة الموجهة إلى سماحته من ( المجلة العربية ) .

(13/61)


المغسل يخبر بعلامات الخير لا الشر
س: هل يبين المغسل بعض العلامات من الخير والشر؟
ج: علامات الخير لا بأس بالإخبار عنها ، أما الشر فلا ؛ لأنها غيبة ، لكن لو قال: إن بعض الأموات يكون أسود أو غير ذلك فلا بأس ، لكن الممنوع أن يقول غسلت فلانا ورأيت فيه كذا من علامات الشر ؛ لأن ذلك يحزن أهله ويؤذيهم وهو من الغيبة .
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
مدى صحة حديث : من غسل مسلما فستر عيوبه
س: ما مدى صحة الحديث الذي يقول : من غسل مسلما فستر عيوبه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ؟
ج: لا أعلم له أصلا ، ولكن يستحب للغاسل الستر على الموتى وعدم إفشاء ما قد يظهر من مساوئهم للناس ، أما إظهار محاسنهم فلا حرج في ذلك بل هو حسن ؛ لكونه يبشر بالخير ويسر أهل الميت ، ولا شك أن إظهار المساوئ نوع من الغيبة.
س: حديث : من غسل ميتا فستر عليه ستر الله عليه يوم القيامة ما صحة هذا الحديث؟
ج: لا أعرفه ولكن عندنا حديث صحيح يغني عنه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة أخرجه مسلم في صحيحه وهو عام في الحي والميت .
س1 من ضمن مذكرة لسماحته جمع فيها فوائد في مختلف العلوم .
س2 من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
الكفن
كيفية تكفين الميت
س: ما كيفية تكفين الميت بالنسبة للذكر والأنثى؟
ج: السنة أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب بيض ، كما كفن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وإن كفن في ثوب واحد واسع يعمه ويستره كفى ، وإن كفن في قميص وإزار ولفافة جاز. أما المرأة فالأفضل تكفينها في خمسة أثواب: إزار ، وخمار ، وقميص ، ولفافتين ، فهذا هو الأفضل كما ذكره أهل العلم ، وجاء في ذلك أحاديث تدل عليه، وإن كفنت في أقل من ذلك فلا بأس.

(13/62)


س: كيف يكفن الرجل وكيف تكفن المرأة؟
ج: الأفضل أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ، هذا هو الأفضل ، والمرأة تكفن في خمس قطع إزار وقميص وخمار ولفافتين ، وإن كفن الميت في لفافة واحدة ساترة جاز سواء كان رجلا أو امرأة ، والأمر في ذلك واسع .
س1 من ضمن مذكرة لسماحته جمع فيها فوائد في مختلف العلوم .
س2 هذا السؤال وأربعة بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
كيفية تكفين المحرمة
س: كيف تكفن المرأة المحرمة؟
ج: تكفن كأمثالها في إزار وخمار وقميص ولفافتين ويغطى وجهها كغيرها ولكن بغير نقاب ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى المحرمة عن النقاب ، أما ستر وجهها بغير النقاب فلا بأس به ولا تطيب؛ لأنها محرمة.
عدد العقد في الكفن
س: كم عدد العقد في الكفن؟
ج: ليس في ذلك حد ؛ لكن الثلاث تكفي في أعلاه وأسفله ووسطه ، وإن اكتفي باثنتين فلا بأس لكن المهم ضبط الكفن حتى لا ينتشر .
حكم جعل كيس بلاستيك على من به جروح
س: يجعل بعض المغسلين على الميت في حوادث السيارات كيسا من البلاستيك حتى لا يخرج الدم على الأكفان؟
ج: لا بأس أن يجعل على الجرح ما يمسكه.
يغير الكفن أو يغسل إذا خرج دم بعد التكفين
س: إذا خرج دم بعد تكفين الميت هل يلزم تغيير الكفن؟
ج: يغير الكفن ، أو يغسل ، ويجعل على محل النزيف شيء يمسكه مثل الشمع وغيره.
الصلاة على الميت
الصلاة على الجنازة مشروعة للجميع ، الرجال والنساء
س: هل للمرأة أن تصلي على الجنازة أم لا؟

(13/63)


ج: الصلاة على الجنازة مشروعة للجميع ، للرجال والنساء ، تصلي على الجنازة في البيت أو في المسجد كل ذلك لا بأس به ، وقد صلت عائشة رضي الله عنها والنساء على سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما توفي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمقصود أن الصلاة على الجنائز مشروعة للجميع ، وإنما المنهي عنه زيارتهن للقبور واتباع الجنائز ، أما صلاتهن على الميت في البيت أو في المسجد أو في المصلى أو في بيت أهله فلا بأس بذلك ، وقد كانت النساء يصلين على الجنائز خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف الخلفاء الراشدين. والله ولي التوفيق.
س: الأخت التي رمزت لاسمها بـ ( مسلمة ) من الرياض تقول: يلحظ أن المرأة لا تحضر صلاة الجنازة ، والسؤال لفضيلة الشيخ: هل ذلك ممنوع شرعا ؟
ج: الصلاة على الجنازة مشروعة للرجال والنساء ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل يا رسول الله وما القيراطان ؟ قال مثل الجبلين العظيمين يعني من الأجر. متفق على صحته.
لكن ليس للنساء اتباع الجنائز إلى المقبرة ؛ لأنهن منهيات عن ذلك ، لما ثبت في الصحيحين عن أم عطية رضي الله عنها قالت : نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا أما الصلاة على الميت فلم تنه عنها المرأة ، سواء كانت الصلاة عليه في المسجد أو في البيت أو في المصلى ، وكان النساء يصلين على الجنائز في مسجده صلى الله عليه وسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعده.
وأما الزيارة للقبور فهي خاصة بالرجال كاتباع الجنائز إلى المقبرة ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور ، والحكمة في ذلك - والله أعلم - ما يخشى في اتباعهن الجنائز إلى المقبرة وزيارتهن للقبور من الفتنة بهن وعليهن ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء متفق على صحته. وبالله التوفيق.
س1 من برنامج ( نور على الدرب ) شريط رقم (9) .
س2 نشرت في ( المجلة العربية ) في رجب 1410هـ .

(13/64)


مدى صحة حديث : ليس للنساء نصيب في الجنازة
س: السائلة تقول: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ليس للنساء نصيب في الجنازة ما رأيكم في هذا الحديث ، وما هي الأمور التي تجتنبها المرأة في موضوع الجنازة.
ج: هذا الحديث الذي ذكرته السائلة ليس للمرأة نصيب في الجنازة لا نعلم له أصلا ولا نعلم أحدا أخرجه من أهل العلم ، وإنما الوارد عنه صلى الله عليه وسلم في هذا أنه صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ، ونهى النساء عن اتباع الجنازة - يعني للمقبرة - أما الصلاة عليها مع الناس في المسجد أو المصلى فهي مشروعة للجميع ، وقد كان النساء يصلين مع النبي صلى الله عليه وسلم الفريضة وعلى الجنائز ، وقد صلت عائشة رضي الله عنها على جنازة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، فالحاصل أن المرأة تصلي على الجنائز مع الرجال ولا بأس بذلك ، أما ذهابها مع الجنازة إلى المقبرة أو زيارة القبور فهذا هو المنهي عنه فلا يجوز لها ذلك . والله ولي التوفيق.
من برنامج ( نور على الدرب ) شريط رقم (843)
له بكل جنازة قيراط
س: الأخ س.غ. من الرياض ، يقول في سؤاله: رجل صلى على خمس جنائز صلاة واحدة ، فهل له بكل جنازة قيراط أم أن القيراط على عدد الصلوات ؟ جزاكم الله خيرا.

(13/65)


ج: نرجو له قراريط بعدد الجنائز ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان وما جاء في معنى ذلك من الأحاديث ، وكلها دالة على أن القراريط تتعدد بعدد الجنائز ، فمن صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراط ، ومن صلى عليها وتبعها حتى يفرغ من دفنها فله قيراطان ، وهذا من فضل الله سبحانه وجوده وكرمه على عباده ، فله الحمد والشكر لا إله غيره ولا رب سواه ، والله ولي التوفيق .
نشرت في ( مجلة الدعوة ) العدد ( 1660 ) في 4 جمادى الآخرة 1419هـ .
إمام المسجد أولى بالصلاة على الميت من وليه
س: هل يصلي على الميت وليه أو الإمام الراتب ؟
ج: يصلي عليه في المسجد الإمام الراتب.
س: إذا كان قد وصى الميت بأن يصلي عليه شخص معين ، فهل هذا الشخص أولى من الإمام الراتب؟
ج: إمام المسجد أولى بالصلاة على الجنازة من الشخص الموصى له لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه وإمام المسجد هو صاحب السلطان في مسجده .
هذا السؤال وثمانية بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
حكم السفر لأجل الصلاة على الميت
س: ما حكم السفر لأجل الصلاة على الميت ؟
ج: لا حرج في ذلك ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه.
أفضلية كثرة المصلين على الجنازة
س: هل في كثرة عدد المصلين على الجنازة فضل؟
ج: ثبت في حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله فشيئا إلا شفعهم الله فيه رواه مسلم ، ولذا استحب العلماء تحري المسجد الذي فيه جماعة كثيرة للصلاة على الميت فيه ، وكلما كان العدد أكثر صار أقرب إلى الخير وأكثر للدعاء .
حكم تكثير الصفوف ولو لم تتم
س: بالنسبة لاستحباب تكثير الصفوف حتى مع عدم اكتمال الصف الأول ما حكمه؟

(13/66)


ج: الأصل أن يصفوا في صلاة الجنازة كما يصفون في الصلاة المكتوبة فيكملون الصف الأول فالأول ، أما عمل مالك ابن هبيرة رضي الله عنه ففي سنده ضعف وهو مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على وجوب إكمال الصف الأول فالأول في الصلاة.
موقف الإمام في صلاة الجنازة
س: كيف يكون وقوف الإمام في صلاة الجنازة؟
ج: من السنة أن يقف الإمام عند رأس الرجل ووسط المرأة وإذا كانت جنائز كثيرة يقدم الرجل ثم الطفل الذكر ثم المرأة ثم الطفلة الأنثى ويصلي عليهم جميعا ؛ لأن المقصود الإسراع بالجنازة ، ويجعل رأس الطفل عند رأس الرجل ووسط المرأة عند رأس الرجل وكذلك الطفلة عملا بالسنة.
س: كيف يوضع الميت أمام الإمام بالنسبة لجهة الرأس والأرجل؟
ج: يوضع الميت أمام الإمام ، ويكون الإمام حذاء رأس الرجل ووسط المرأة كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان الأموات جماعة رجالا ونساء ، وأفراطا ، قدم الرجل إلى الإمام ثم الطفل الذكر ، ثم المرأة ثم الطفلة ، ويكون وسط المرأة حذاء رأس الرجل ، حتى يكون موقف الإمام منهما جميعا هو الموقف الشرعي.
س: هل يشرع أن يصف عن يمين الإمام في صلاة الجنازة؟
ج: إذا دعت الحاجة فيصف عن يمينه وشماله والسنة الصلاة خلف الإمام ، لكن لو كان المكان ضيقا؛ فلا بأس.

(13/67)


صفة الصلاة على الميت
س: ما هي صفة الصلاة على الميت؟
ج: الصلاة على الميت صفتها أن يكبر الإمام ويتعوذ ويسمي ويقرأ الفاتحة ، ويستحب أن يقرأ معها سورة قصيرة مثل الإخلاص ، أو العصر ، أو بعض الآيات ؛ لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ما يدل على ذلك، ويكبر الثانية ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مثلما يصلي عليه في التشهد الأخير، ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت بالدعاء المعروف ويذكر لفظ الدعاء للرجل ويؤنث للمرأة ، ويجمع الضمير للجنازات المجتمعة ثم يكبر الرابعة ويسكت قليلا ثم يسلم عن يمينه تسليمة واحدة، أما الاستفتاح فلا بأس بفعله ولا بأس بتركه ، وتركه أفضل أخذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: أسرعوا بالجنازة الحديث.
س: أرجو أن توضحوا كيفية الصلاة على الجنازة كما ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن كثيرا من الناس يجهلونها؟

(13/68)


ج: صفة الصلاة على الجنازة قد بينها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ، وهي أن يكبر أولا ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويسمي ويقرأ الفاتحة وسورة قصيرة أو بعض الآيات ، ثم يكبر ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مثلما يصلي عليه في آخر الصلاة ، ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت ، والأفضل أن يقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم أبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله اللهم أدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار وافسح له في قبره ونور له فيه اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده كل هذا محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن دعا له بدعوات أخرى فلا بأس مثل أن يقول: (اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته ، اللهم اغفر له وثبته بالقول الثابت) ، ثم يكبر الرابعة ويقف قليلا ، ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه قائلا: (السلام عليكم ورحمة الله).
ويسن أن يقف الإمام عند رأس الرجل وعند وسط المرأة ؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس وسمرة بن جندب رضي الله عنهما ، وأما قول بعض العلماء: إن السنة الوقوف عند صدر الرجل فهو قول ضعيف ليس عليه دليل فيما نعلم، ويكون الميت حين الصلاة عليه موجها إلى القبلة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن الكعبة: إنها قبلة المسلمين أحياء وأمواتا والله ولي التوفيق.
نشر في ( فتاوى إسلامية ) جمع وترتيب : محمد المسند (2/26) .

(13/69)


حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة
س: ما حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة؟
ج: واجبة كما قال صلى الله عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي وقال عليه الصلاة والسلام: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب متفق على صحته.
هذا السؤال وثلاثة بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء
حكم الجهر بالفاتحة أحيانا
س: ما حكم الجهر بالفاتحة أحيانا في صلاة الجنازة حتى يعلم أنها سنة؟
ج: الجهر بها في بعض الأحيان لا بأس به ، وإن قرأ معها سورة قصيرة فلا بأس أيضا بل هو أفضل ؛ لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، وإن اقتصر على الفاتحة كفى.
حكم قراءة سورة بعد الفاتحة في صلاة الجنازة
س: ما حكم قراءة سورة بعد الفاتحة في صلاة الجنازة؟
ج: قراءة سورة بعد الفاتحة أفضل كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة
س: ما حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة؟
ج: المعروف عند أهل العلم وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وينبغي ألا يدعها المصلي على الجنازة بعد التكبيرة الثانية.
صفة الدعاء للميت في صلاة الجنازة
س: الأخ ع.م.ح. من الرياض يقول في سؤاله: صليت في أحد المساجد وبعد الصلاة قدموا متوفين للصلاة عليهم ، وكانوا رجلا وامرأة وطفلا وطفلة ، فما هي الصيغة الشرعية المناسبة للدعاء لهم؟ وفي بعض المرات يقول الإمام: صلوا على الأموات ، ولا يعرف الإنسان هل هم ذكور أم إناث ، وهل معهم أطفال أم لا ، فما هو الدعاء المناسب يا سماحة الشيخ في مثل هذه الحالة؟

(13/70)


ج: يدعى للأموات جميعا ذكورا كانوا أم إناثا ، أو ذكورا وإناثا بقوله: اللهم اغفر لهم وارحمهم... إلى آخره ، وإن كانوا اثنين: اللهم اغفر لهما وارحمهما... إلى آخر الدعاء. أما الطفل فيقال في الدعاء له: اللهم اجعله ذخرا لوالديه ، وفرطا وشفيعا مجابا ، اللهم أعظم به أجورهما ، وثقل به موازينهما ، وألحقه بصالح سلف المؤمنين ، واجعله في كفالة إبراهيم عليه السلام ، وقه برحمتك عذاب الجحيم، وإن كان المأموم لا يعرف عدد الأموات دعا لهم، وإن لم يعرف عددهم بقوله: اللهم اغفر لهم وارحمهم.. إلى آخره. والله ولي التوفيق.
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من ( المجلة العربية ) .
صفة الدعاء في الصلاة على الميت إذا كان مجهولا
س: إذا كان المأموم يجهل هل الميت رجل أم امرأة ، فكيف يكون دعاؤه؟
ج: الأمر في هذا واسع ، فإن قال: اللهم اغفر له... إلى آخره ، يعني الميت ، وإن قال: اللهم اغفر لها ، يعني الجنازة ، فلا بأس.
هذا السؤال وأربعة بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
الدعاء الذي يقال في الصلاة على الطفل
س: ما هو الدعاء الذي يقال عند الصلاة على الطفل ؟
ج: يقال في الصلاة على الطفل مثلما يقال في الصلاة على الكبير ، لكن عند الدعاء يقول: اللهم اجعله ذخرا لوالديه وفرطا وشفيعا مجابا ، اللهم أعظم به أجورهما وثقل به موازينهما وألحقه بصالح سلف المؤمنين ، واجعله في كفالة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقه برحمتك عذاب الجحيم ؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الطفل يصلى عليه ويدعى لوالديه
لم يثبت في القراءة بعد التكبيرة الرابعة شيء
س: هل يقرأ بعد التكبيرة الرابعة شيء؟
ج: لم يثبت شيء في ذلك بل يكبر ثم يسكت قليلا ثم يسلم بعد الرابعة.
حكم الزيادة على أربع تكبيرات
س: إذا كان الميت له فضل ، فهل يزاد في عدد التكبيرات ؟

(13/71)


148 - ج: الأفضل الاقتصار على أربع ، كما عليه العمل الآن ؛ لأن هذا هو الآخر من فعل نبي الله صلى الله عليه وسلم والنجاشي مع كونه له مزية كبيرة اقتصر عليه الصلاة والسلام في التكبير عليه بأربع.
حكم رفع اليدين مع التكبيرات في صلاة الجنازة
س: رفع اليدين في صلاة الجنازة مع التكبيرات هل هو سنة؟
ج: السنة رفع اليدين مع التكبيرات الأربع كلها ؛ لما ثبت عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يرفعان مع التكبيرات كلها ، ورواه الدارقطني مرفوعا من حديث ابن عمر بسند جيد.
السنة لمن فاتته بعض تكبيرات صلاة الجنازة أن يقضيها
: الأخ م.م.أ. من نيويورك يقول في سؤاله: إذا فات الإنسان بعض صلاة الجنازة فهل يقضيها؟ وما هي صفة قضائها؟
149 - ج: السنة لمن فاته بعض تكبيرات الجنازة أن يقضي ذلك ؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أقيمت الصلاة فامشوا إليها وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا وصفة القضاء: أن يعتبر ما أدركه هو أول صلاته وما يقضيه هو آخرها ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا فإذا أدرك الإمام في التكبيرة الثالثة كبر وقرأ الفاتحة ، وإذا كبر الإمام الرابعة كبر بعده وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا سلم الإمام كبر المأموم المسبوق ودعا للميت دعاء موجزا ، ثم يكبر الرابعة ويسلم. وفق الله الجميع لما يرضيه.
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من (المجلة العربية ) .
س: هل يقضي المصلي صلاة الجنازة إذا دخل وقد فاته بعضها؟
ج: يقضيها في الحال ، فإذا أدرك مع الإمام التكبيرة الثالثة فإنه يكبر ويقرأ الفاتحة ، وإذا كبر الإمام الرابعة فإنه يكبر الثانية بالنسبة إليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا سلم الإمام كبر الثالثة وقال: اللهم اغفر له إلى آخر الدعاء ، ثم يكبر الرابعة ويسلم.
س: إذا رفعت الجنازة فكيف يصلي من فاته بعض الصلاة؟

(13/72)


ج: يكبر في الحال ويقرأ الفاتحة ثم يكبر بعد إمامه التكبيرة التي أدركها فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم إذا سلم الإمام يكبر ويقول اللهم اغفر له ثم يكبر ويسلم إذا كان قد فاته تكبيرتان.
هذا السؤال والذي بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
من دخل مع الإمام وهو يصلي صلاة الجنازة ظانا أنه يصلي الفريضة
س: الأخ م.ع.م. من العلا يقول في سؤاله: دخلت المسجد لأداء صلاة الظهر ، فوجدت الناس وقوفا يصلون ، فكبرت معهم ، وبعد قليل اكتشفت أنهم يصلون على جنازة ، فارتبكت وقطعت الصلاة ، ثم كبرت مرة أخرى تكبيرة الإحرام لأقضي صلاة الظهر ، ولم أكمل معهم الصلاة على الجنازة، فما حكم ما فعلت وهل علي شيء ؟ أرجو التكرم بإجابتي على سؤالي.
ج: المشروع لك في مثل هذا الأمر أن تنوي صلاة الجنازة إذا علمت أنها صلاة جنازة ، ثم تكبر وتكمل معهم صلاة الجنازة وتقضي ما فاتك من التكبيرات إن فاتك شيء ، ثم بعد ذلك تصلي صلاة الظهر ؛ لأن صلاة الجنازة تفوت ، وصلاة الظهر لا تفوت ؛ لأن وقتها واسع. والله ولي التوفيق.
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من ( المجلة العربية ) وسبق نشره في ( الجزء الثاني عشر ) ص165 من هذا المجموع .
تقدم صلاة الجنازة على الفرض في هذه الحال
س: من دخل المسجد للصلاة على الجنازة ولم يصل الفرض فهل يصلي الفرض أولا أو يدخل معهم في الصلاة على الجنازة؟ وإذا حملت الجنازة هل يصلي عليها؟
ج: يصلي معهم على الجنازة ثم يصلي الفرض ؛ لأن الجنازة تفوت والفرض لا يفوت ، وأما إذا حملت الجنازة فلا يصلي عليها ، وإنما يتبعها ويصلي عليها بعد الدفن أو عند القبر.
هذا السؤال وأربعة بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .

(13/73)


كيف يفعل من حضر الجنازة في مسجد وقد صلى الفرض في آخر
س: بعض المصلين يأتون وقد صلوا الفرض في مساجدهم ، فإذا أقيمت صلاة الفرض في المسجد الذي سيصلى على الميت فيه ، فهل يصلون في المسجد مع المسلمين مرة ثانية ، أو يجلسون في المسجد ينتظرونهم ، والذي لم يأت إلا متأخرا ، وقد فاته ثلاث ركعات هل يصلي معهم مع خشيته فوات صلاة الجنازة؟
ج: إذا جاء المسلم إلى المسجد فوجد الناس يصلون ، فإن المشروع له أن يصلي معهم ، فإنها له نافلة ، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر: صل الصلاة لوقتها فإن أقيمت وأنت في المسجد فصل معهم فإنها لك نافلة وجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجلين ، وهو في منى في حجة الوداع ، لم يصليا معه في صلاة الفجر ، فقال لهما صلى الله عليه وسلم: ما منعكما أن تصليا معنا فقالا قد صلينا في رحالنا يا رسول الله فقال لهما صلى الله عليه وسلم إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام لم يصل فصليا معه فإنها لكما نافلة وفي الباب أحاديث كثيرة وهي تدل على أن المسلم متى أدرك الصلاة مع الإمام أو بعضها فإنه يصلي معه وتكون له نافلة.
حكم الصلاة على الميت بعد دفنه
س: ما حكم الصلاة على الجنازة بعد دفنها ؟ وهل تحد بشهر؟
ج: حكم الصلاة على الجنازة بعد دفنها سنة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليها بعد الدفن ، والذي ما حضر الصلاة عليها يصلي عليها بعد الدفن ، حتى الذي صلى عليها لا مانع من أن يعيد الصلاة عليها مع المصلين ولا حرج في ذلك حتى لو صلى عليها مرتين أو ثلاثا مع من يصلي عليها ممن فاتته الصلاة عليها ، والمشهور عند العلماء أنها إلى شهر تقريبا.
أقصى مدة يمكن الصلاة فيها على الميت بعد دفنه
س: هل تجوز الصلاة على الميت في قبره بعد مضي شهر ؟
ج: الأحوط تركه ؛ لأن فيه خلافا بين العلماء ، وأكثر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على القبر بعد شهر ، والأصل عدم الصلاة على القبور.

(13/74)


س: عرفنا أن من المشهور عند العلماء أن الصلاة على الميت بعد دفنه تكون إلى شهر تقريبا ، إذن فكيف توجه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة في البقيع في آخر حياته والدعاء لهم ؟
ج: المقصود بالصلاة عليهم الدعاء لهم الدعاء الذي يدعى به للميت.
حكم تكرار الصلاة على الميت
س: هل يجوز أن أصلي على قبر أبي صلاة الجنازة عند زيارته طلبا للرحمة له ؟
ج: إذا كنت قد صليت على أبيك مع الناس فلا حاجة إلى إعادة الصلاة ، بل تزوره وتدعو له فقط ؛ تأتي المقبرة وتسلم على أهل القبور وتدعو لهم وتدعو لأبيك ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية فتسلم على أهل القبور وعلى أبيك ، وتدعو له بالمغفرة والرحمة ، ولا حاجة إلى الصلاة ، هذا إذا كنت صليت عليه.
أما إذا كنت لم تصل عليه مع الناس فإنك تذهب إلى قبره وتصلي عليه في مدة شهر فأقل ، إذا كان مضى له شهر أو أقل ، أما إذا طالت المدة فلا صلاة عند جمع من أهل العلم ، والدعاء يكفي لأبيك والاستغفار له ، والترحم عليه ، والتصدق عنه بالمال ، كل هذا ينفع الميت ، من أب وغيره.
س: تكرار الصلاة على الجنازة ما حكمه ؟
ج: إن كان هناك سبب فلا بأس مثل أشخاص حضروا بعد الصلاة عليها فإنهم يصلون عليها عند القبر أو بعد الدفن ، وهكذا يشرع لمن صلى عليها مع الناس في المصلى أن يصلي عليها مع الناس في المقبرة ؛ لأن ذلك من زيادة الخير له وللميت .
س: هل يجوز تكرار الصلاة على الميت في المسجد أو في المقبرة ؟

(13/75)


ج: إذا صلى عليه ثم وافق أناسا يصلون عليه وصلى معهم عند القبر فلا بأس في ذلك ، مثل ما لو صلى صلاة في مسجد ثم ذهب لمسجد آخر لحاجته فوجدهم يصلون فإنه يصلي معهم وتكون له نافلة.
س1 نشر في جريدة عكاظ العدد (11678) في 20/4/1419هـ .
س2 من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
س3 من ضمن مذكرة لسماحته جمع فيها فوائد في مختلف العلوم .
حكم الصلاة على القبر وقت النهي
س: ما حكم الصلاة على القبر وقت النهي ؟
ج: لا يصلى على القبر وقت النهي إلا إذا كان ذلك في الوقت الطويل أي بعد صلاة العصر وصلاة الفجر فوقت النهي هنا طويل فلا بأس بالصلاة في هذا الوقت ؛ لأنها من ذوات الأسباب ، أما في الأوقات المضيقة وهي التي جاءت في حديث عقبة رضي الله عنه في صحيح مسلم ، قال رضي الله عنه: ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول وحين تضيف الشمس للغروب فلا تجوز الصلاة في هذه الأوقات على الميت ولا دفنه فيها لهذا الحديث الصحيح.
هذا السؤال وسؤالان بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
حكم الصلاة على الميت في المغسلة
س: هل تجوز الصلاة على الميت في المغسلة لمن لا يستطيع الصلاة عليه مع الناس في المسجد؟
ج: لا حرج في ذلك إذا كان المكان طاهرا.
حكم الصلاة على الغائب
س: ما حكم الصلاة على الغائب ؟
ج: المشهور أنها خاصة بالنجاشي ، وأجازها بعض أهل العلم إذا كان المتوفى له شأن في الإسلام أو عالم له نشاط في الدعوة ونشر العلم وهو غائب يصلى عليه ، ولكن ما بلغنا أنه صلى الله عليه وسلم صلى على غير النجاشي ولم يأت من أي طريق صحيح أنه صلى الله عليه وسلم صلى على غير النجاشي ، وقد مات كثير من الصحابة في مكة وفي غيرها ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى عليهم.

(13/76)


فالحاصل أن قول من قال بالتخصيص له قوة ، وإذا فعل ذلك مع من له شأن في الإسلام يشبه النجاشي من العلماء والأمراء الذين لهم شأن في الإسلام فنرجو أن لا حرج إن شاء الله في ذلك.
س: ما حكم صلاة الغائب؟ وهل تجوز أن تصلي على من لم يدفن بعد؟
ج: الصلاة على الغائب فيها تفصيل: بعض أهل العلم يرى أنه لا يصلى على الغائب إذا كان قد صلي عليه في بلده ، وبعضهم يرى الصلاة عليه.
لكن إذا كان الغائب له شأن في الإسلام كالنجاشي رحمه الله ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي لما مات في بلاده وأخبر به الصحابة وصلى عليه صلاة الغائب ، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى على غيره.
فإذا كان الغائب إمام عدل وخير صلى عليه صلاة الغائب ولي الأمر ، فيأمر بالصلاة عليه صلاة الغائب، وهكذا علماء الحق ودعاة الهدى إذا صلي عليهم صلاة الغائب فهذا حسن ، كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي.
أما أفراد الناس فلا تشرع الصلاة عليهم ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصل على كل غائب ، إنما صلى على شخص واحد وهو النجاشي ؛ لأن له قدما في الإسلام ، ولأنه آوى المهاجرين من الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة ؛ آواهم ونصرهم وحماهم وأحسن إليهم ، وكانت له يد عظيمة في الإسلام ، ولهذا صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم لما مات وصلى عليه الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم.
فمن كان بهذه المثابة وله قدم في الإسلام يصلى عليه ، مثلما صلى المسلمون في هذه البلاد على ضياء الحق رئيس باكستان رحمه الله ؛ لما كان له من مواقف طيبة إسلامية ، فقد أمر ولي الأمر أن يصلى عليه في الحرمين ، وصلي عليه ؛ لأنه أهل لذلك ، لمواقفه الكريمة وعنايته بتحكيم الشريعة وأمره بها وحرصه على ذلك. نسأل الله لنا وله العفو والمغفرة.

(13/77)


والمقصود أن من كان بهذه المثابة في حكام المسلمين وعلماء المسلمين إذا ماتوا في بلاد الغربة أو في بلادهم أيضا شرع للمسلمين الغائبين عنهم أن يصلوا عليهم صلاة الغائب لقصة النجاشي المذكورة. والله ولي التوفيق.
س2 من برنامج ( نور على الدرب ) الشريط رقم (1) .
كيفية الصلاة على الغائب
س: ما كيفية الصلاة على الغائب ؟
ج: الصلاة على الغائب مثل الصلاة على الحاضر.
هذا السؤال وأربعة بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
حكم الصلاة على المنافق
س: إذا عرف أن الميت منافق فهل يصلى عليه ؟
ج: لا يصلى عليه ؛ لقوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا إذا كان نفاقه ظاهرا ، أما إذا كان ذلك مجرد تهمة فإنه يصلى عليه ؛ لأن الأصل وجوب الصلاة على الميت المسلم فلا يترك الواجب بالشك.
الصلاة على أهل البدع
س: ترك الصلاة على أهل البدع ما حكمه ؟
ج: إذا تركها أهل العلم من باب التنفير من عملهم فهو مناسب إذا كانت بدعتهم لا توجب تكفيرهم ، أما إن كانت بدعتهم مكفرة كبدعة الخوارج والمعتزلة والجهمية فلا يصلى عليهم.
س: إذا ترك العلماء الصلاة على أهل البدع ، ألا يكون فعلهم هذا قدوة لترك الناس الصلاة عليهم؟
ج: الصلاة على الميت المسلم واجبة وإن كانت لديه بدعة ، ويصلي عليهم بعض الناس إذا كانت بدعتهم لا تخرجهم عن الإسلام ، أما إذا كانت بدعتهم توجب كفرهم فإنه لا يصلى عليهم ، ولا يستغفر لهم ؛ كالجهمية والمعتزلة والرافضة الذين يدعون عليا رضي الله عنه ، ويستغيثون به وبأهل البيت وأشباههم ؛ لقول الله سبحانه في المنافقين وأشباههم: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ

(13/78)


حكم الصلاة على المنتحر
س: من قتل نفسه فهل يصلى عليه ؟
ج: يصلي عليه بعض المسلمين كسائر العصاة ، لأنه لا يزال في حكم الإسلام عند أهل السنة.
الشهداء الذين ماتوا في المعركة لا تشرع الصلاة عليهم مطلقا
س: الأخ م.م. من زغرب في كرواتيا يقول في سؤاله: صليت في أحد المساجد يوم الجمعة وبعد الصلاة قام الإمام وصلى صلاة الغائب على الشهداء في البوسنة والهرسك ، فهل فعله هذا موافق للسنة؟ وهل هناك شروط لإقامة صلاة الغائب؟
ج: الشهداء الذين يموتون في المعركة لا تشرع الصلاة عليهم مطلقا ولا يغسلون ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على شهداء أحد ولم يغسلهم.. رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
أما الصلاة على الغائب ففيها خلاف بين أهل العلم ، والصواب جوازها إذا كان الميت الغائب له شأن في الإسلام وعمل عظيم مشهور دون بقية الناس ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي لما مات في الحبشة ، لموقفه العظيم مع المسلمين ، وإيوائه إياهم لما هاجروا إليه ، وحمايتهم من أعدائهم ، ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى على غائب سواه ، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الصلاة على الغائب خاصة بالنجاشي ، وذهب آخرون إلى أنه لا حرج في الصلاة على غيره إذا كان له شأن في الإسلام ، وعمل عظيم ينفع المسلمين ، كما فعل النجاشي . والله ولي التوفيق.
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من ( المجلة العربية ) .
ترك الصلاة على من عليه دين منسوخ
س: عدم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على من عليه دين لماذا؟
ج: هذا منسوخ ، وكان أولا لأجل حثهم على قلة الدين وعلى المسارعة في القضاء ثم نسخ ، وأخيرا صلى عليه الصلاة والسلام على من عليه دين وعلى الذي ليس عليه دين.
هذا السؤال وأربعة من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء
حكم الصلاة على الجنين
س: الجنين هل يصلى عليه ؟
ج: إذا ولد في الشهر الخامس وما بعده فإنه يغسل ويصلي عليه ، ويدفن في قبور المسلمين.

(13/79)


الصلاة على الجنازة في المصلى أفضل من المسجد
س: أيهما أفضل الصلاة على الميت في المسجد أم في المصلى ؟
ج: في المصلى أفضل إذا تيسر ، والصلاة في المسجد جائزة كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها.
س: من المعلوم أن الصلاة على الميت "الجنازة" أفضل في المصلى ، فهل يخصص في المقبرة مصلى للأموات ، أو يصلى عليهم في مصلى العيد؟
ج: يصلى على الميت في المسجد سواء كان ذكرا أو أنثى ، إلا إذا كان يوجد مصلى معدا للجنائز فإنه يصلى فيه على الجنائز إذا تيسر ذلك ، وإن صلي على الجنائز في المسجد فلا بأس بذلك ، ولو كان هناك مصلى للجنائز ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ابني بيضاء في المسجد.
حكم وضع الميت في غرفة حتى يصلى عليه
س: وضع الميت في الغرفة حتى يصلى عليه هل فيه بأس ؟
ج: ليس فيه بأس ولا حرج .
حمل الميت ودفنه
حكم دفن البهائية في مقابر المسلمين
س: الذين اعتنقوا مذهب ( بهاء الله) الذي ادعى النبوة وادعى أيضا حلول الله فيه ، هل يسوغ للمسلمين دفن هؤلاء الكفرة في مقابر المسلمين؟
ج: إذا كانت عقيدة البهائية كما ذكرتم فلا شك في كفرهم وأنه لا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين ؛ لأن من ادعى النبوة بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهو كاذب وكافر بالنص وإجماع المسلمين ؛ لأن ذلك تكذيب لقوله تعالى : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ

(13/80)


ولما تواترت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خاتم الأنبياء لا نبي بعده وهكذا من ادعى أن الله سبحانه حال فيه ، أو في أحد من الخلق فهو كافر بإجماع المسلمين ؛ لأن الله سبحانه لا يحل في أحد من خلقه بل هو أجل وأعظم من ذلك ومن قال ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين مكذب للآيات والأحاديث الدالة على أن الله سبحانه فوق العرش قد علا وارتفع فوق جميع خلقه وهو سبحانه العلي الكبير الذي لا مثيل له ولا شبيه له وقد تعرف إلى عباده بقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وفي قوله سبحانه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وفي قوله عز وجل: فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ وقوله سبحانه: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على علوه وارتفاعه فوق عرشه واستوائه عليه استواء يليق بجلاله وعظمته لا يشابه خلقه فيما يستوون عليه ولا يعلم كيف استوى إلا هو سبحانه ، كما لا يعلم كيف ذاته إلا هو عز وجل ، وهذا الذي أوضحه لك في حق الباري سبحانه هو عقيدة أهل السنة والجماعة التي درج عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ، ودرج عليها خاتمهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودرج عليها خلفاؤه الراشدون وصحابته المرضيون والتابعون لهم بإحسان إلى يومنا هذا.
واعلم يا أخي أنني لم أقرأ شيئا من كتب البهائية إلى حين التاريخ ولكن قد علمت بالاستفاضة أنها طائفة ضالة كافرة خارجة عن دائرة الإسلام وعلى مقتضى ما ذكر في السؤال حصل الجواب .

(13/81)


ثم إني اطلعت بعد تحرير الجواب على محاورة بين سني وبهائي نشرتها مجلة (الهدي النبوي) لأنصار السنة في القاهرة في أعداد أربعة قرأت منها ثلاثة أعداد صادرة في رمضان وذي القعدة اثنان منها صدرا في عام 1368 هـ ، والثالث في ربيع الثاني من عام 1369 هـ وقد صرح البهائي في هذه المحاورة أن بهاء الله رسول الطائفة البهائية يزعم أنه رسول ناسخ للشرائع التي قبله نسخ تعديل وتلطيف وأن كل عصر يحتاج إلى رسول ، وصرح أيضا بإنكار الملائكة وأن حقيقة الملائكة هي أرواح المؤمنين العالية وظاهر كلامه أيضا إنكار المعاد الجثماني وإنكار ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الدجال ولا شك أن دعوى البهائي (الرسالة) وزعمه أن كل عصر يحتاج إلى رسول كفر صريح ، والله سبحانه هو الموفق ولا حول ولا قوة إلا به ونسأل الله عز وجل لنا ولكم ولسائر إخواننا المؤمنين التوفيق لمعرفة الحق واتباعه إنه جواد كريم والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
استفتاء شخصي وقد صدر جوابه من مكتب سماحته.
حكم دفن ما بتر من إنسان
س: ما حكم بتر جزء معين من الإنسان زائد ، كبتر الأصبع أو غيرها ، هل ترمى مع النفايات ، أو أنها تجمع ويكلف شخص بدفنها بمقابر المسلمين؟
ج: الأمر واسع ، فليس لها حكم الإنسان ، ولا مانع من أن توضع في النفاية أو تدفن في الأرض احتراما لها فهذا أفضل ، وإلا فالأمر واسع والحمد لله - كما قلنا - فلا يجب غسله ولا دفنه ، إلا إذا كان جنينا أكمل أربعة أشهر ، أما ما كان لحمة لم ينفخ فيها الروح أو قطعة من أصبع أو نحو ذلك فالأمر واسع ، لكن دفنه في أرض طيبة يكون أحسن وأفضل .
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته في ختام المحاضرة التي ألقاها بمستشفى النور بمكة المكرمة
يوم الاثنين 27/7/1412 هـ وقد سبق نشره في (الجزء التاسع) ص436 من هذا المجموع.

(13/82)


كلمة عن اتباع الجنائز
الحمد لله ، وصلى الله وسلم على رسول الله ، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه ، أما بعد: فقد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل يا رسول الله ما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين يعني: من الأجر ، وهذا يدل على شرعية اتباع الجنائز للصلاة وللدفن جميعا ؛ وما ذاك إلا لما في اتباع الجنائز من المصالح الكثيرة :
منها: أن ذلك يذكر بالموت ويذكر التابع بالاستعداد للآخرة ، وأن الذي أصاب أخاه سوف يصيبه ، فليعد العدة وليحذر من الغفلة.
ومن ذلك أيضا: أن في اتباع الجنائز جبرا للمصابين ومواساة لهم وتعزية لهم في ميتهم ، فيحصل له بذلك أجر التعزية والجبر والمواساة لإخوانه .
ومن ذلك أيضا: أنه يعينهم على ما قد يحتاجون إليه في حمل ميتهم ودفنه. فعلى كل تقدير اتباع الجنائز فيه مصالح كثيرة ، ولو لم يكن فيه إلا أنه يذكر بالموت وما بعده ويدعو إلى الاستعداد للآخرة والتأهب للقاء الله عز وجل لكان هذا كافيا ، فكيف وفي ذلك مصالح أخرى؟ ثم في ذلك هذا الأجر العظيم ، أنه يحصل له بالصلاة قدر قيراط ، قدر جبل من الأجر ، وبالصلاة والدفن جميعا مثل الجبلين العظيمين من الأجر ، وهذا فضل كبير وخير عظيم.

(13/83)


وروى البخاري رحمه الله في صحيحه بلفظ آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل جبل أحد وفي هذا بيان أن هذا الاتباع يكون إيمانا واحتسابا ، لا للرياء والسمعة ولا لغرض آخر ، بل يتبع الجنازة إيمانا واحتسابا ؛ إيمانا بأن الله شرع ذلك واحتسابا للأجر عنده سبحانه وتعالى ، وفي ضمن ذلك هذه المصالح الكثيرة ؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين كل قيراط مثل جبل أحد
وفي هذا الحديث دلالة على أن التابع لا ينصرف حتى تدفن. بعض الناس قد ينصرف عند وضعها في الأرض ، هذا خلاف المشروع ، المشروع أنه يبقى مع إخوانه حتى يفرغوا من دفنها ، حتى ينتهوا.
وفي ذلك أيضا حديث آخر: أنه كان عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل فيشرع للمؤمن إذا تبع الجنازة أن يقف عليها بعد الدفن ، لا يعجل ، يبقى معهم حتى يفرغوا من الدفن ، ثم إذا فرغوا يستحب له أن يقف على القبر ويدعو للميت بالمغفرة والثبات ؛ تأسيا بالنبي عليه الصلاة والسلام حيث قال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل هكذا كان يقف عليه بعد الدفن ويقول هذا عليه الصلاة والسلام ، هذا هو السنة ، أنه يقف عليه ويدعو له بالمغفرة والثبات ثم ينصرف بعد ذلك.
أما التوقيد فهو غير مشروع ، وهو ما يفعله بعض الناس عند قبر الميت ، وإنما السنة أن يقف على الميت بعد الدفن ويدعو له بالمغفرة والثبات ، هذا هو المشروع ؛ فينبغي للمؤمن أن يلاحظ ما شرعه الله ، وأن يدع ما لم يشرعه الله.

(13/84)


وكذلك بعض الناس عند الدفن يؤذن في القبر أو يقيم في القبر أو يقرأ القرآن في القبر ، وهذا بدعة لا أصل له ، أيضا كون أنهم ينزلون في القبر أو يقرءون القرآن أو يؤذنون أو يقيمون ؛ هذه بدعة لا أصل لها فينبغي التنبيه لذلك. وفق الله الجميع ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كلمة ألقاها سماحته في منزله في الرياض بتاريخ 23/2/1406 هـ.
تشييع الميت
س: ما السنة في تشييع الميت ؟
ج: السنة أن المشيع يتبع الميت من بيته إلى المصلى ، ومن المصلى إلى المقبرة ويبقى معه حتى يفرغ من دفنه ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين كل قيراط مثل جبل أحد أخرجه البخاري في صحيحه.
هذا السؤال وخمسة بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.
السنة لمن تبع الجنازة ألا يجلس حتى توضع على الأرض
س: ما هي السنة لمن تبع الجنازة ؟
ج: السنة لمن تبع الجنازة ألا يجلس حتى توضع من أعناق الرجال على الأرض ، وأما الانصراف فإن المشروع لمتبعها ألا ينصرف حتى توضع في القبر ويفرغ من دفنها ، وهذا كله على سبيل الاستحباب ، لكن الأفضل ألا ينصرف التابع للجنازة إلا بعد الفراغ من الدفن حتى يستكمل الأجرين ، أجر الصلاة ، وأجر الاتباع لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من تبع جنازة مسلم فكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين كل قيراط مثل جبل أحد أخرجه البخاري في صحيحه.
معنى حديث أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز
س: ما معنى حديث أم عطية نهينا عن اتباع الجنائز ؟
ج: المقصود بالنهي: النهي عن اتباعها إلى المقبرة ، أما الصلاة عليها فمشروعة للرجال والنساء ، وكان النساء يصلين على الجنائز مع النبي صلى الله عليه وسلم.
س: حديث أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا كيف يوجه؟

(13/85)


ج: يفهم من ذلك أن النهي عندها غير مؤكد ، والأصل في النهي التحريم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم متفق على صحته ، وذلك يدل على تحريم اتباع النساء للجنائز إلى المقبرة أما الصلاة على الميت فإنها مشروعة لهن كالرجال، والله ولي التوفيق.
حصول القيراطين لمن تبع جنازة ثم صلى عليها
س: من تبع جنازة ثم صلى عليها بعد الدفن هل يحصل له قيراطان ؟
ج: نعم ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: من تبع الجنازة حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين كل قيراط مثل أحد
ولقوله صلى الله عليه وسلم: من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل يا رسول الله وما القيراطان؟ قال مثل الجبلين العظيمين
يسن الإسراع بالجنازة
س: هل يسن الإسراع بالجنازة ؟
ج: يسن الإسراع بالجنازة من غير مشقة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم متفق على صحته.
الجمع بين حديث النهي عن الصلاة والدفن في ثلاث ساعات وحديث التعجيل بالجنازة
س: كيف نجمع بين نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والدفن في ثلاث ساعات وبين حديث التعجيل بالجنازة ، وكانت الجنازة مثلا بعد العصر؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا.
ج: ليس بين الأحاديث تعارض ، فالسنة تعجيل الصلاة على الجنازة ودفنها ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ولكن إذا صادف ذلك وقت الساعات الثلاث أجلت الصلاة عليها ودفنها ؛ لقول عقبة بن عامر رضي الله عنه: ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب أخرجه مسلم في صحيحه.

(13/86)


وهذه الساعات الثلاث كلها قليلة لا يضر تأخير الصلاة على الميت فيها ولا تأخير دفنه. ولله الحكمة البالغة سبحانه في ذلك ، وهو سبحانه أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين. والله الموفق.
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من ( مجلة الدعوة ).
ما المراد بالإسراع بالجنازة
س: الإسراع بالجنازة هل المقصود به الصلاة والتغسيل؟
ج: المقصود المشي ويدخل ضمنا الصلاة عليها وتغسيلها والسرعة في تجهيزها وظاهر الحديث يعم الجميع من حيث المعنى .
حكم تأخير الجنازة في الثلاجة لعدة شهور
س: ما حكم تأخير الجنازة في الثلاجة لمدة ستة أشهر مثلا؟
ج: إذا دعت الحاجة لذلك فلا بأس حسب التعليمات المتبعة.
س: من كان له تأثير في الإسلام فهل يجوز تأخير جنازته يوما مثلا؟
ج: إذا كان التأخير لمصلحة فلا بأس كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم حيث إنه مات يوم الاثنين وما دفن إلا ليلة الأربعاء ، فإذا كان هناك مصلحة كقدوم أقاربه أو غير ذلك فلا بأس
التحذير من بدع تفعل مع الجنائز
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين وفقني الله وإياهم لكل خير آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد:
فقد تكرر السؤال من كثير من الناس عن الأمور الآتية فرأيت التنبيه عليها والتحذير منها لكونها مخالفة للشرع المطهر:
الأول: يعمد بعض الناس إلى وضع أردية على الجنائز مكتوب عليها بعض الآيات القرآنية فالواجب ترك ذلك والتواصي بالتحذير منه ؛ لما في ذلك من تعريض الآيات القرآنية للامتهان ، ولأن بعض الناس قد يظن أن ذلك ينفع الميت، وذلك خطأ منكر لا وجه له في الشرع المطهر.

(13/87)


الثاني: يقوم بعض المتبعين للجنائز بقولهم: وحدوه وكبروه، وهذا منكر لا أصل له في الشرع المطهر ، وإنما المشروع عند اتباع الجنائز تذكر الآخرة والموت والدعاء للميت بالمغفرة والرحمة من دون رفع الأصوات ، وقد قال قيس بن عباد التابعي الجليل رحمه الله: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند ثلاث عند الجنازة وعند الذكر وعند القتال
الثالث: يقوم بعض الناس بالأذان والإقامة في القبر قبل وضع الميت فيه، وهذا منكر وبدعة لا أصل له في الشرع المطهر ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وقال عليه الصلاة والسلام: إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة فالواجب ترك ذلك والتحذير منه.
الرابع: يقوم بعض الناس بالوقوف بالجنازة في حي المدعى بمكة لقراءة الفاتحة وهذا بدعة ، فالواجب تركه لما تقدم في حكم المنكر الثالث ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وقوله صلى الله عليه وسلم: إياكم ومحدثات الأمور فنسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا لاتباع السنة في جميع أمورهم والحذر من جميع البدع والمنكرات ، إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
نصيحة عامة صدرت من مكتب سماحته برقم (1587/2) وتاريخ 12/6/1408 هـ.
وضع كلمة التوحيد على الجنائز غير مشروع
س: يوضع على بعض الجنائز كلمة التوحيد ما الحكم؟
ج: هذا غير مشروع ؛ وإنما يشرع التلقين قبل الموت في حق المحتضر ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله رواه مسلم.
والموتى هنا المراد بهم المحتضرون حتى يكون آخر كلامهم لا إله إلا الله. أما الكتابة على كفنه أو على قبره فلا يجوز .
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.

(13/88)


حكم الدخول بالجنازة من باب الرحمة في المسجد النبوي
س: اعتاد كثير من الناس في المدينة المنورة الدخول بالميت من باب الرحمة فقط دون الأبواب الأخرى ؛ اعتقادا منهم أن الله سبحانه سيرحمه ويغفر له ، فهل لهذا شيء من الصحة من شرعنا المطهر؟
ج: لا أعلم لهذا الاعتقاد أصلا في شريعتنا السمحة ، بل ذلك منكر لا يجوز اعتقاده، ولا حرج في إدخال الجنازة من جميع الأبواب ، والأفضل إدخالها من الباب الذي يكون إدخالها منه أقل ضررا على المصلين .
نشر في (فتاوى إسلامية) جمع وترتيب: محمد المسند(2/50).
القيام للجنازة سنة
س: إذا كان المسلم في المسجد ورأى الجنازة هل يقوم ؟
ج: ظاهر الحديث العموم فهو إذن مستحب ، ومن تركه فلا حرج ؛ لأن القيام لها سنة وليس بواجب ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قام تارة وقعد أخرى فدل ذلك على عدم الوجوب. والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
هذا السؤال وثمانية بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.
حكم القيام لجنازة الكافر
س: هل يشرع القيام لجنازة الكافر؟
ج: نعم ، يشرع القيام لكل جنازة ؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: إذا رأيتم الجنازة فقوموا وجاء في بعض الروايات: قالوا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي فقال: أليست نفسا وفي لفظ: إنما قمنا للملائكة وفي لفظ: إن للموت لفزعا
عمق القبر
س: ما مقدار عمق قبر المرأة والرجل ؟
ج: الأفضل أن يكون ذلك بقدر نصف قامة الرجل ، لأن ذلك أبعد عن التعرض للنبش من الدواب وغيرها.
اللحد أفضل من الشق
س: أيهما أفضل اللحد أم الشق؟ وما هو ارتفاع القبر ؟
ج: في المدينة كانوا يلحدون وتارة يشقون القبر ، واللحد أفضل ؛ لأن الله اختاره لنبيه صلى الله عليه وسلم ، والشق جائز وخصوصا إذا احتيج إليه ، وحديث ابن عباس: اللحد لنا والشق لغيرنا ضعيف ؛ لأن في إسناده عبد الأعلى الثعلبي وهو ضعيف، ويكون ارتفاع القبر قدر شبر أو ما يقاربه.
كيفية وضع الميت في قبره
س: كيف يوضع الميت في قبره ؟

(13/89)


ج: دل حديث عبد الله بن يزيد أن الميت يوضع من جهة رجلي القبر ثم يسل إلى جهة رأسه على جنبه الأيمن مستقبلا القبلة هذا هو الأفضل والسنة ، والسنة عند وضعه في اللحد أن يقول الواضع: بسم الله وعلى ملة رسول الله.
كيفية دفن الميت في الأرض الجبلية
س: إذا كان في أرض جبلية فهل يواري الميت في الكهوف أو الغيران؟
ج: إن تيسر أن يحفر له قبر ، ويحاط بالحجارة ، فهو أولى من الغار ، فإن لم يتيسر ذلك جعل في الغار ، وردم عليه حتى يصان عن السباع وغيرها ؛ عملا بقول الله عز وجل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
استعمال الصخور أو الألواح أو الخشب إذا لم يوجد اللبن
س: إذا لم يوجد اللبن ، فهل تستعمل الصخور؟
ج: إذا لم يوجد اللبن وجب استعمال الصخور أو الألواح أو الخشب ، أو غير ذلك مما يصان به الميت ، ثم يهال عليه التراب؛ للآية السابقة ، وهي قوله سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم
حكم تغطية قبر المرأة عند دفنها
س: تغطية القبر بالنسبة للمرأة ما حكمه؟
ج: هذا أفضل.
إنزال المرأة في القبر لا يشترط له محرم
س: إذا كان المتوفى امرأة وليس لها أولياء ، فهل يتبرع أحد بالنزول في قبرها؟
ج: لا مانع من ذلك حتى ولو كان لها أولياء حاضرون ، وقد وضع إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم في قبرها غير محارمها مع وجوده صلى الله عليه وسلم .
س: أنا رجل مقطوعة رجلي ، ولي زوجة أصيبت بمرض وحولت إلى أحد المستشفيات في المملكة ، وكنت معها حتى توفيت ، ثم نقلت بعد وفاتها إلى المقبرة بواسطة سيارة الإسعاف وبعض العاملين في المستشفى وأنا معهم وعند إنزالها إلى القبر أنزلها أولئك الرجال الأجانب إلى القبر وحدهم أما أنا فعاجز بسبب رجلي ، وأنا محتار في هذا الأمر ، هل علي إثم في ذلك؟ وهل في إنزال المرأة في قبرها من رجال أجانب شيء؟ أفيدوني.

(13/90)


ج: ليس في إنزال المرأة في قبرها حرج إذا أنزلها غير محارمها ، وإنما يشترط المحرم للسفر بالمرأة لا لإنزالها في قبرها. والله ولي التوفيق.
حكم توجيه الميت في قبره إلى القبلة
س: هل توجيه الميت إلى القبلة من السنة أم من المستحبات ؟
ج: هذا من المشروع ؛ لحديث: الكعبة قبلتكم أحياء وأمواتا ويجعل على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة.
س: الأخ أ.م.ع. من الخرطوم يقول في سؤاله: لاحظت في إحدى المقابر الواقعة في بلدي انحراف بعض القبور عن اتجاه القبلة ، بعضها قديم وبعضها جديد ، بل إن بعض القبور التي لم يدفن فيها أحد حتى الآن في بعضها انحراف عن جهة القبلة ، فما هو رأي الشرع في ذلك؟ جزاكم الله خيرا .
ج: المشروع توجيه الميت في قبره إلى القبلة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة: إنها قبلتكم أحياء وأمواتا فالواجب على القائمين على حفر القبور وعلى المسلمين عموما أن يراعوا ذلك ؛ عملا بالحديث المذكور. وفق الله المسلمين لكل خير.
نشرت في (كتاب الدعوة)، الجزء الثاني، ص140.
حكم كشف وجه الميت إذا وضع في اللحد
س: هل يكشف وجه الميت بعد وضعه في اللحد ؟ (1)
ج: لا يكشف ، بل يغطى كله إلا المحرم فيكشف وجهه ورأسه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن محرم توفي يوم عرفة: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا متفق على صحته واللفظ لمسلم،
س: هل يجوز كشف وجه الميت إذا وضع في اللحد ؟ (2)
ج: لا يجوز كشف وجه الميت إذا وضع في اللحد سواء كان رجلا أو امرأة ، وإنما الواجب ستره بالكفن إلا أن يكون محرما فإنه لا يغطى رأسه ولا وجهه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حق الذي مات محرما: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا متفق عليه واللفظ لمسلم، لكن إذا كان الميت امرأة فإنه يخمر وجهها بكفنها ولو كانت محرمة ؛ لأنها عورة.

(13/91)


س: هل لكشف وجه الميت ووضع الحجر أصل حيث يقولون هذا الحنوط؟
ج: ليس لهذا أصل ، وهذا جهل لا أساس له.
1-من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.
2- صدرت من سماحته عندما كان رئيسا للجامعة الإسلامية.
حكم حل العقد في القبر
س: هل تحل العقد في القبر ؟
ج: هذا هو الأفضل ، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم.
حكم الأذان والإقامة في قبر الميت عند وضعه فيه
س: ما حكم الأذان والإقامة في قبر الميت عند وضعه فيه؟
ج: لا ريب أن ذلك بدعة ما أنزل الله بها من سلطان ؛ لأن ذلك لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم ، والخير كله في اتباعهم وسلوك سبيلهم ، كما قال الله سبحانه: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد متفق على صحته ، وفي لفظ آخر قال عليه الصلاة والسلام: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبة الجمعة: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة خرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه.
صدرت من سماحته عندما كان رئيسا للجامعة الإسلامية.
ما يقال عند دفن الميت
س: ما حكم قول: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى عند الدفن ؟
ج: هذا سنة ، ويقول معه: بسم الله والله أكبر.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.
القراءة في تربة القبر ثم حثوها على كفن الميت بدعة منكرة
س: ورد في الترغيب والترهيب: إذا مات الميت خذ حفنة من تراب قبره واقرأ عليها بعض الآيات - لا أذكرها - ثم احثها على كفنه فلن يعذب في قبره، ما صحة ذلك أثابكم الله؟

(13/92)


ج: هذا شيء لا أصل له ، بل هو بدعة منكرة ، لا يجوز فعلها ولا فائدة منها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع ذلك لأمته ، وإنما المشروع أن يغسل المسلم إذا مات ، ويكفن ، ويصلي عليه ، ثم يدفن في مقابر المسلمين ، ويشرع لمن حضر الدفن أن يدعو له بعد الفراغ من الدفن بالمغفرة والثبات على الحق ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ويأمر به. وبالله التوفيق.
نشر في (فتاوى إسلامية) جمع وترتيب: محمد المسند (2/51).
حكم وضع الحصباء على القبر ورشه بالماء
س: ما حكم وضع الحصباء على القبر ورشه بالماء؟
ج: هذا مستحب إذا تيسر ذلك ؛ لأنه يثبت التراب ويحفظه ، ويروى أنه وضع على قبر النبي صلى الله عليه وسلم بطحاء ، ويستحب أن يرش بالماء حتى يثبت التراب ويبقى القبر واضحا معلوما حتى لا يمتهن.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء
حكم نقل نصيبة قبر قديم إلى قبر حديث
س: هل يجوز نقل نصيبة قبر قديم إلى قبر حديث؟
ج: الذي يظهر لي من الشرع المطهر أن ذلك لا يجوز ؛ لأنها علامة على القبر الأول ، إذا رآها الناس احترموه فلم يطئوه ولم يجلسوا عليه ولم يضعوا عليه قذرا، فنقلها إضاعة لحرمته والقبر الجديد ليس بضرورة إليها ، بل يمكن أن يجعل عليه نصيبة أخرى ، فإن لم يوجد شيء فلا حرج في بقائه بدون نصيبة ، إذا رفع عن الأرض قدر شبر على صفة القبر، والله الموفق.
إجابة أسئلة مقدمة لسماحته عندما كان نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية
برقم (4991) وتاريخ 8/7/1387 هـ على استفتاء مقدم من غ.ق.ش.
حكم وضع نصيبة واحدة على قبر المرأة واثنتين على قبر الرجل
س: في بعض البلاد يوضع نصيبة واحدة للمرأة وللرجل اثنتين ، فهل لهذا العمل أساس ولو لمعرفة قبر المرأة من الرجل؟
ج: لا أعلم لهذا العمل أصلا ، وإنما السنة أن يسوى بينهما في العمق والدفن وفي ظاهر القبر.
هذا السؤال وأربعة بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.

(13/93)


حكم وضع علامة على القبر
س: هل يجوز وضع العلامة على القبر ؟
ج: لا حرج إذا كانت من حجر أو عظم أو حديد فهذا لا بأس به كما علم النبي صلى الله عليه وسلم قبر عثمان بن مظعون.
س: وضع العلامة على القبر ما حكمها؟
ج: لا بأس بوضع علامة على القبر ليعرف كحجر أو عظم من غير كتابة ولا أرقام ؛ لأن الأرقام كتابة ، وقد صح النهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن الكتابة على القبر ، أما وضع حجر على القبر أو صبغ الحجر بالأسود أو الأصفر حتى يكون علامة على صاحبه فلا يضر ؛ لأنه يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم علم على قبر عثمان بن مظعون بعلامة.
حكم وضع أرقام على القبر
س: في بعض المقابر يتم وضع أرقام على سور المقبرة ، ليتم التعرف على أصحاب القبور ، ما حكم ذلك ؟
ج: الكتابة على القبور منهي عنها ولا تجوز ؛ لما يخشى في ذلك من الفتنة لبعض من يكتب على قبره. أما الكتابة على حائط المقبرة ، فلم يبلغني فيها شيء والأحوط عندي تركها ؛ لأن لها شبها بالكتابة على القبور من بعض الوجوه. والله ولي التوفيق .
لا يشرع وضع سعف النخيل والصبار الأخضر على القبر
س: ما حكم وضع جريدة النخل الخضراء على قبر الميت ؟
ج : لا يشرع ذلك بل هو بدعة ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما وضع الجريدة على قبرين أطلعه الله سبحانه على عذاب أصحابهما ولم يضعها على بقية القبور ، فعلم بذلك عدم جواز وضعها على القبور ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد أخرجه مسلم في صحيحه.
وقوله صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد متفق على صحته. وهكذا لا تجوز الكتابة على القبور ولا وضع الزهور عليها للحديثين المذكورين ؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم : نهى عن تجصيص القبور والبناء عليها والقعود عليها والكتابة عليها.

(13/94)


س : ما حكم وضع سعف النخيل والصبار الأخضر على قبر الميت ؟
ج : لا يجوز ، والنبي صلى الله عليه وسلم وضع الجريدتين على قبر ناس معذبين أُطلع عليهم عليه الصلاة والسلام ، وهذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فلا يجوز أن يوضع على القبور لا جريد النخل ولا غيره من الشجر.
وبالله التوفيق.
نشر في (فتاوى إسلامية) جمع وترتيب: محمد المسند(2/37).
من بدع الدفن
س : بعد دفن الميت يقرأ بعض الناس من المصحف سورة ( يس ) عند القبر ، ويضعون غرسا على القبر مثل الصبار ، ويزرع سطح القبر بالشعير أو القمح بحجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم وضع ذلك على قبرين من أصحابه ، ما حكم ذلك ؟
ج : لا تشرع قراءة سورة (يس) ولا غيرها من القرآن على القبر بعد الدفن ولا عند الدفن ، ولا تشرع القراءة في القبور ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولا خلفاؤه الراشدون ، كما لا يشرع الأذان ولا الإقامة في القبر ، بل كل ذلك بدعة ، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد خرجه الإمام مسلم في صحيحه.
وهكذا لا يشرع غرس الشجر على القبور ، لا الصبار ولا غيره ، ولا زرعها بشعير أو حنطة أو غير ذلك ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك في القبور ولا خلفاؤه الراشدون رضي الله عنهم. أما ما فعله مع القبرين اللذين أطلعه الله على عذابهما من غرس الجريدة فهذا خاص به صلى الله عليه وسلم وبالقبرين ؛ لأنه لم يفعل ذلك مع غيرهما ، وليس للمسلمين أن يحدثوا شيئا من القربات لم يشرعه الله ؛ للحديث المذكور ، ولقول الله سبحانه : أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ الآية. وبالله التوفيق.
سبق نشرها في (الجزء الخامس) ص407 من هذا المجموع.

(13/95)


الشجرة النابتة على القبر ليست دليلا على صلاح صاحب القبر
س : ألاحظ أن بعض الناس إذا رأى شجرا نبت على قبر ما يصف صاحب القبر بأنه كان على صفات مقدارها كذا وكذا ، هل لنبات الأشجار على القبور شيء من العلاقة ؟
ج : لا أصل لهذا ، وليس نبات الشجر والحشيش على القبور دليلا على صلاح أصحابها ، بل ذلك ظن باطل ، والشجر ينبت على قبور الصالحين والطالحين ولا يختص بالصالحين ، فينبغي عدم الاغترار بقول من يزعم خلاف ذلك من المنحرفين وأصحاب العقائد الباطلة ، والله المستعان.
سبق نشرها في (الجزء الرابع) ص 380 من هذا المجموع.
حكم الدعاء للميت بعد الدفن
س : الأخ أ. ع. ع. من الطائف يقول في سؤاله : أرى بعض الناس يقفون عند القبر بعد دفن الميت ويدعون له ، فهل هذا جائز ؟ وهل هناك دعاء مشروع يقال بعد الانتهاء من الدفن ؟ وهل هو جماعي كأن يدعو شخص ويؤمن الباقون على دعائه ؟ أم أن كل شخص يدعو وحده ؟ أفتونا جزاكم الله خيرا.
ج : قد دلت السنة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم على شرعية الدعاء للميت بعد الدفن ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال : استغفروا لأخيكم واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل ولا حرج في أن يدعو واحد ويؤمن السامعون أو يدعو كل واحد بنفسه للميت. والله ولي التوفيق.
نشر في (المجلة العربية) في ربيع الآخر 1413 هـ.
س : ورد في الحديث الأمر بالدعاء للميت بعد دفنه ، فهل هذا الأمر للوجوب أو هو سنة ؟ وقد لاحظنا أن الناس تركوا هذه السنة أو هذا الواجب بعد دفن الميت ، فما هو توجيه سماحتكم في ذلك ؟
ج : الدعاء للميت بعد الدفن بالثبات والمغفرة سنة وليس بواجب ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال : استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل والله الموفق.
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من ( المجلة العربية).

(13/96)


الدعاء للميت بالتثبيت يكون بعد الفراغ من الدفن
س : التثبيت للميت متى يكون أثناء الدفن أو بعده ؟
ج : يكون بعد الفراغ من الدفن ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال : استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل
أما عند الدفن فيقول : بسم الله وعلى ملة رسول الله.
هذا السؤال وسؤالان بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.
التلقين بعد الدفن بدعة
س : ما حكم التلقين بعد الدفن ؟
ج : بدعة وليس له أصل ، فلا يلقن بعد الموت وقد ورد في ذلك أحاديث موضوعة ليس لها أصل ، وإنما التلقين يكون قبل الموت.
شبهة في التلقين بعد الدفن والجواب عليها
س : ما رأيكم فيمن يقول : ( إذا كان الميت يسمع قرع النعال فإنه يسمع التلقين) ؟
ج : الأمور ليست بالقياس وإنما العبادة توقيفية ، وسماع قرع النعال لا ينفعه ولا يضره ، والميت إذا مات انتقل من الدنيا دار العمل وختم على عمله وانتقل إلى دار الجزاء.
حكم الصدقة عن الميت ساعة الدفن
س : الصدقات على الميت ساعة الدفن وقراءة القرآن بالأجرة حلال أم حرام ؟
ج : الحمد لله ، لا تشرع الصدقة عن الميت حين الموت ؛ لأن ذلك لم يرد في الشرع في هذه الحالة الخاصة ، والعبادات توقيفية ، ولكن إذا تصدق عنه بدون تقيد بساعة الموت فلا بأس ، بل ذلك قربة وفيه أجر للمتصدق وللميت ؛ لما في الحديث الصحيح أن امرأة توفيت فقال ابنها يا رسول الله ألها أجر إن تصدقت عنها ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم
وقد أجمع أهل العلم على انتفاع الميت بالصدقة والدعاء، وأما القراءة بالأجرة فلا تجوز سواء كانت لحي أو لميت ؛ لأن ذلك لم يرد في الشرع المطهر. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يعلم نزاعا بين أهل العلم في تحريم أخذ الأجرة على تلاوة القرآن.
وفي الحديث الصحيح من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد أي : مردود، وهكذا القراءة للموتى وغيرهم ولو بدون أجرة ليس لها أصل في الشرع يعتمد عليه.
من ضمن أسئلة مهمة موجهة إلى سماحته في مجلسه.

(13/97)


الأفضل رفع القبر عن الأرض شبرا ونحوه
س : نرى كثيرا من الناس عند دفن الميت يرفعونه أكثر من شبر وإذا نهيتهم قالوا : إن ذلك وقاية له من السيل، كذلك أراهم يزيدون حصباء فوق القبر بعد الدفن زيادة على ترابه الأصلي ، كذلك يرشون عليه ماء، فما حكم ما يفعلون ؟
ج : كل هذا لا بأس به ، الأفضل شبر ونحوه ، وإذا زاد يسيرا بالحصباء أو نحوها فالأمر سهل في هذا ؛ حتى تعلم القبور وتعرف ، حتى لا تمتهن؛ وإذا دفنوه بترابه ، وجعلوا عليه حصباء ورشوه بالماء حتى يثبت بها التراب ، فكل هذا لا بأس به ؛ لأن فيه حفظا لترابه وبقاء له.
من برنامج (نور على الدرب) شريط رقم(1).
س : أي حد يكون ارتفاع القبر عن الأرض ؟
ج : المشروع شبر أو ما حوله ، وقبر النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع إلا شبرا ، أما رفعه كثيرا فلا يجوز ؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي رضي الله عنه : لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته أخرجه مسلم في صحيحه.
من ضمن مذكرة لسماحته جمع فيها فوائد في مختلف العلوم.
حكم الوعظ عند القبر
س : ما حكم الموعظة عند القبر ؟
ج : لا بأس بذلك عند القبر قبل الدفن وليست بدعة ، وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث علي والبراء بن عازب رضي الله عنهما.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.
س : الأخ ع. م. من الزلفي يقول في سؤاله : هل يوجد دليل على مشروعية الوعظ عند القبر ؛ لأن بعض الناس ينكرون ذلك ؟ نرجو إفادتنا ، أعظم الله لكم الأجر والمثوبة.

(13/98)


ج : لقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة أنه وعظ الناس عند القبر وهم ينتظرون الدفن ، وبذلك يعلم أن الوعظ عند القبر أمر مشروع قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لما في ذلك من التذكير بالموت والجنة والنار ، وغير ذلك من أمور الآخرة ، والحث على الاستعداد للقاء الله. والله ولي التوفيق .
نشرت في (مجلة الدعوة) العدد (1560) في العدد جمادى الأولى 1417 هـ.
لا حرج في جلب الماء البارد للشرب عند القبر
فضيلة مفتي عام المملكة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله وأطال في عمره. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد : لدي سؤال : لقد توفي شخص في يوم جوه حار ، وذهبوا به إلى المقبرة لدفنه رحمه الله ، وقد تعبوا من الجو الحار ، وقام شخص وجلب لهم ماء باردا من أجل أن يشربوا منه بعد تعبهم ، وقال بعضهم : هذا لا يجوز. وقال بعضهم : هذه بدعة. فضيلة الشيخ هل هذا العمل فيه شيء ؟ أفيدونا أفادكم الله ، والله يحفظكم ويرعاكم- ع. أ. ع. ع..
ج : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، وبعد : لا حرج في ما ذكرتم ، بل ذلك من الإحسان والمساعدة على الخير. وفق الله الجميع.
مفتي عام المملكة العربية السعودية
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
صدر من مكتب سماحته برقم (743/1ش) في 12/6/1418 هـ.
يقدم الأفضل إلى القبلة
س : كيف يجعل الاثنان في القبر الواحد ؟
ج : يقدم أفضلهما إلى القبلة ثم يجعل المفضول يليه ، كل واحد منهما على جنبه الأيمن موجها إلى القبلة ، وإن دعت الحاجة إلى دفن ثالث معهما فلا بأس ؛ لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر يوم أحد أن يدفن الاثنان والثلاثة في قبر واحد ، وأمر أن يقدم الأكثر قرآنا إلى القبلة.
هذا السؤال وسؤالان بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.

(13/99)


حكم دفن المرأة والرجل في قبر واحد
س : هل يجوز دفن المرأة والرجل في قبر واحد ؟
ج : لا حرج في ذلك إذا دعت الحاجة ككثرة الموتى في القتل أو بالطاعون.
حكم تخصيص بعض أجزاء المقبرة للنساء
س : هل يجوز تخصيص بعض أجزاء المقبرة للنساء ، وبعضها للرجال حتى يكون أدعى لمعرفة أهل القبور ؟
ج : لا أعلم لهذا أصلا ، وإنما المشروع أن تكون المقبرة للجميع ؛ لما في ذلك من التسهيل والتيسير ، ولأن هذا العمل هو الذي درج عليه المسلمون من عصره صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا فيما نعلم ، وكان البقيع مشتركا بين الرجال والنساء في عهده صلى الله عليه وسلم ، والخير كله في السير على منهاجه صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم ، ومن سلك سبيلهم بإحسان.
يجوز الدفن ليلا
س : هل يجوز دفن الميت ليلا ؟
ج : يجوز ذلك إذا تمكن أهله من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ، فقد دفن النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأموات ليلا ، ودفن هو ليلا صلى الله عليه وسلم ، وهكذا الصديق وعمر وعثمان كلهم دفنوا ليلا ؛ فعلم بذلك جواز الدفن ليلا إذا توفرت الأمور المشروعة.
أما ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن الدفن في الليل فذلك محمول عند أهل العلم على ما إذا كان الدفن في الليل يفضي إلى عدم أداء الواجب في حق الميت ؛ ولهذا ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يُصلى عليه فدل ذلك على أن الميت إذا صُلي عليه جاز دفنه ليلا. والله ولي التوفيق.
صدرت من مكتب سماحته جوابا على استفتاء شخصي.
س : هل الدفن في النهار أفضل من الليل ؟
ج : يجوز الدفن في الليل أو النهار حسب التيسير باستثناء الثلاث ساعات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا كما جاء في حديث عقبة بن عامر وهذه الثلاث عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند قيامها حتى تزول .
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.

(13/100)


الأوقات التي ينهى عن الدفن فيها
س : هل هناك أوقات ينهى عن الدفن فيها ؟
ج : ثبت من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه قال : ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس وحين تضيَّف الشمس للغروب أخرجه مسلم في صحيحه، فهذه الأوقات الثلاثة لا يصلى على الميت فيها ولا يدفن فيها.
صدرت من مكتب سماحته جوابا على استفتاء شخصي.
لا يختلف الدفن في مكة عن غيرها
س : هل يختلف الدفن في مكة عن أي بلد آخر ؟ وهل فيه زيادة حسنات ودرجات للميت ؟
ج : لا يختلف الدفن في مكة عن غيرها ، فالدفن في جميع البلدان واحد ، وهو أن يحفر للميت قدر نصف قامة الرجل ، ويلحد له في الجانب القبلي ، ويوضع على جنبه الأيمن ، ثم يوضع عليه اللبن وتسد المنافذ بالطين ، ثم يهال عليه التراب، كما فعل الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومن هذا قول
سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إذا أنا مت فألحدوا لي لحدا وانصبوا عليَّ اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم في صحيحه. والسنة أن يدفن الإنسان في بلده ، ولا ينقل إلى مكة ولا إلى غيرها ، كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن بعضهم مات بالكوفة ، وبعضهم مات بالشام ، وبعضهم مات في البصرة ، وبعضهم مات في غيرها ، ولم ينقلوا إلى مكة وإلى المدينة ، ولم يوصوا بذلك رضي الله عنهم.

(13/101)


والسبب في ذلك : أن المعول في ذلك على العمل لا على الأماكن ، وأيضا لما في النقل من المشقة من دون سبب شرعي يقتضي ذلك. ولو كان النقل مشروعا لأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو فعل ذلك لنقله الصحابة رضي الله عنهم وبيَّنوه ؛ لأنهم قد نقلوا سنته ، وأوضحوا ما شرع الله لعباده من أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله ، وتقريراته. والخير كله في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم كما قال الله عز وجل : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وقال سبحانه : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والله ولي التوفيق.
استفتاء مقدم من ( مجلة الدعوة) أجاب عليه سماحته في 24/12/1418 هـ.
السنة أن يدفن الميت في البلد الإسلامي الذي مات فيه
س : سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء ، حفظه الله وأمد في عمره ونفع به الإسلام والمسلمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :

(13/102)


فما توجيهكم وإرشادكم حفظكم الله حول مسألتنا هذه ، نعرضها عليكم ، حيث توفي ابن أخينا ع. ع. ع. - مصري الجنسية ، هنا في المملكة غفر الله له ورحمه. وقد كان وحيد أهله وأسرته يعولهم ويسعى بطلب الرزق له ولهم ، فأصبح بيته الآن متكونا من نساء وأطفال وأيتام في أحوج ما يكونون للمساعدة والبذل والعطاء ، وقد طلبوا ترحيل جثمانه إليهم في مصر، فلما بلغ كفيله أنهم طلبوا ترحيله وعلم حرصهم استعد بكل ما يتطلبه ترحيله من لوازم مادية. فما توجيه سماحتكم أيدكم الله في هذا العمل ؛ لأننا سمعنا بعض الناصحين أشاروا بأن يدفن في البلدة التي توفي فيها ، وتكون الأموال التي ستنفق لترحيله تصرف لأهله وأبنائه الأيتام يتوسعون بها ويسدون بها حاجتهم ؟ أفيدونا مأجورين.
ج : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
المذكور توفي في بلد إسلامي ، فدفنه في البلد الذي توفي فيه أولى وأوفق في السنة، ولم يبلغنا أن أحدا من الصحابة رضي الله عنهم نقل من بلد الغربة الذي مات فيه إلى المدينة أو غيرها، وفي هذه القضية مصلحة أخرى ، وهي توفير النفقة لأهله وأولاده وفق الله الجميع. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صدرت من مكتب سماحته في 8/4/1419 هـ.
الكافر لا يدفن في الجزيرة العربية بل ينقل إلى غيرها
س : إذا كان الميت عاملا وافدا ، وطلب أهله نقله ، وهذا يسبب إزالة أحشائه وتحنيطه ووضعه في تابوت ، وتكليف كفيله مبالغ باهظة ، فهل يقبره كفيله حيث مات ولا يلتفت إلى طلب أهله ؟
ج : المشروع دفن العامل وغيره حيث مات ، إذا كان مسلما ويدفن في مقابر المسلمين ولا يجوز نقله إذا كان نقله يترتب عليه ما ذكر من التمثيل ؛ لأن المسلم محترم حيا وميتا. إلا أن يكون نقله يترتب عليه أمور شرعية تفوت بعدم نقله فلا بأس بنقله إذا كان لا يترتب على ذلك تمثيل به من إزالة أحشائه أو شيء منها .

(13/103)


أما العامل إذا كان كافرا فإنه لا يدفن في الجزيرة العربية بل ينقل إلى غيرها إذا أمكن ذلك ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بإخراج الكفار من هذه الجزيرة وقال : لا يجتمع فيها دينان والله ولي التوفيق.
هذا السؤال والذي بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.
حكم تنفيذ وصية الميت بدفنه في بلد غير الذي مات فيه
س : إذا أوصى الميت بنقله إلى بلد ليدفن فيه ، هل تنفذ وصيته ؟
ج : تنفيذ الوصية هنا ليس بلازم ، فإذا مات في بلد مسلم فيدفن فيه والحمد لله.
س : الأخ ع. م. ع. من الرياض يقول في سؤاله : بعض الناس وخاصة من كبار السن يكون مقيما في الرياض إقامة دائمة ، وقبل وفاته يوصي بدفنه في مسقط رأسه ، وقد يبعد هذا المكان عن الرياض أكثر من مائة كيلو متر ، وبعضهم يصلى عليه في الرياض وفي المكان الذي سيدفن فيه ، فهل هذا موافق للشرع ، وهل يلزم الورثة الوفاء بهذه الوصية ؟
ج : المشروع دفنه في بلده التي مات فيها إذا كانت بلدا إسلامية ، ولا يشرع نقله إلى غيرها ، ولا يلزم الورثة تنفيذ وصية من أوصى بنقله ؛ لعدم الدليل على ذلك ؛ ولأن ذلك يخالف ما درج عليه سلف الأمة ، ولما في ذلك من الكلفة. والله ولي التوفيق.
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من ( المجلة العربية).
حكم البناء على القبور
س : لاحظت عندنا على بعض القبور عمل صبة بالأسمنت بقدر متر طولا في نصف متر عرضا مع كتابة اسم الميت عليها وتاريخ وفاته وبعض الجمل ( اللهم ارحم فلان بن فلان..) وهكذا ، فما حكم مثل هذا العمل ؟

(13/104)


ج : لا يجوز البناء على القبور لا بصبة ولا بغيرها ، ولا تجوز الكتابة عليها ؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن البناء عليها والكتابة عليها ، فقد روى مسلم رحمه الله من حديث جابر رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه وخرجه الترمذي وغيره بإسناد صحيح وزاد : وأن يكتب عليه ولأن ذلك نوع من أنواع الغلو فوجب منعه ؛ ولأن الكتابة ربما أفضت إلى عواقب وخيمة من الغلو وغيره من المحظورات الشرعية ، وإنما يعاد تراب القبر عليه ويرفع قدر شبر تقريبا حتى يعرف أنه قبر ، هذه هي السنة في القبور التي درج عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ، ولا يجوز اتخاذ المساجد عليها ولا كسوتها ولا وضع القباب عليها ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد متفق على صحته.
ولما روى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول : إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ونسأل الله أن يوفق المسلمين للتمسك بسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام ، والثبات عليها ، والحذر مما يخالفها ، إنه سميع قريب.
نشرت في (مجلة الدعوة) العدد (939) في 22/7/1404 هـ وسبق نشرها في ( الجزء الرابع) ص 329 من هذا المجموع.
الكيفية الشرعية لترميم القبر إذا تهدم
س : قبر تهدم ، وأريد إعادة حفره وبنائه وفيه عظام ، فماذا أفعل بها ؟ وهل يجوز بناء القبر بالحصى والإسمنت أو الطوب والإسمنت ؟

(13/105)


ج : إذا تهدم القبر يعاد إليه التراب ، ويسوى ظاهره كسائر القبور حتى لا يمتهن ، أما بناؤه وتجصيصه فلا يجوز ؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه رواه مسلم في صحيحه ؛ ولأن تجصيصه والبناء عليه من أسباب الغلو فيه ودعائه من دون الله ، كما وقع ذلك لكثير من الناس ، لما عُظِّمت قبورهم وبنيت عليها القباب والمساجد ، اتخذها الناس أربابا من دون الله ، بدعائها ، وبالاستغاثة بها ، والتبرك بها ، وطلب المدد منها ، كما يفعل ذلك كثير من الناس عند قبر الحسين وقبر البدوي وغيرهما،
ولهذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد متفق على صحته ، وفي الصحيحين أيضا عن أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما أنهما ذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتاها في أرض الحبشة وما فيها من الصور ، فقال صلى الله عليه وسلم : أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله
وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

(13/106)


فالواجب على جميع المسلمين من حكومات وشعوب أن يتقوا الله سبحانه ، وأن يحذروا من الغلو في القبور والبناء عليها واتخاذ المساجد عليها ؛ عملا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم وطاعة له ، وحذرا من مغبة ذلك ، فإن ذلك وسيلة إلى الغلو في الأموات ودعائهم والاستغاثة بهم وطلبهم المدد والعون ، وهذا هو الشرك الأكبر الذي كان يفعله كفار قريش وغيرهم من العرب والعجم حتى أزال الله ذلك من هذه الجزيرة بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وجهاده وجهاد أصحابه رضي الله عنهم وجهاد من تبعهم بإحسان من أئمة الهدى ودعاة التوحيد جعلنا الله منهم ، والله ولي التوفيق .
من ضمن أسئلة (صحيفة المسلمون)، بإملاء سماحته في 18/3/1417 هـ ،
وسبق نشره في ( الجزء التاسع) ص 445 من هذا المجموع.
لا يجوز دفن الميت في المسجد
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم : هـ. ع. م. م. سلمه الله آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
أما بعد : فإشارة إلى رسالتك الكريمة المتضمنة طلب بعض الكتب والإجابة عن السؤال الذي ذكرته ، نشكر لك اهتمامك وغيرتك ، ويسرنا تحقيق رغبتك بإرسال نسخة من زاد المعاد ، والعقيدة الواسطية شرح محمد خليل الهراس ، والقاعدة الجليلة لشيخ الإسلام ابن تيمية ، وفتح المجيد ، وشرح الطحاوية لابن أبي العز.

(13/107)


أما بالنسبة للسؤال فالواجب منع الدفن في المسجد ، وإزالة ما أعده الشخص المذكور ليدفن فيه ، وأن يستعان في ذلك بالله ثم بأهل العلم حتى يقنع الرجل بأن عمله لا يجوز ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد متفق على صحته من حديث عائشة رضي الله عنها ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه ، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما ذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتاها في أرض الحبشة وما فيها من الصور ، فقال عليه الصلاة والسلام : أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله
فهذه الأحاديث وما جاء في معناها كلها تدل على تحريم بناء المساجد على القبور ، ووضع القبور في المساجد ؛ لأن ذلك من وسائل الشرك الأكبر، وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه
وما ذلك إلا أن البناء على القبور وتجصيصها ووضع الستور عليها والصلاة عندها وبناء المساجد عليها كل ذلك من وسائل الشرك. نسأل الله أن يعافي المسلمين من ذلك ، وأن يفقههم في الدين ، وأن يعينهم على التمسك بشرع الله والاستقامة عليه ، وأن يوفق علماءهم لتبصيرهم وتوجيههم إلى الخير على ضوء الكتاب والسنة ، إنه سميع مجيب.
وأسأل الله لك التوفيق والإعانة على كل خير إنه خير مسئول، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
رسالة جوابية بعثها سماحته برقم 1988/1 في 14/8/1412 هـ

(13/108)


دفن الموتى في المساجد إحدى وسائل الشرك
بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله ومن اهتدى بهداه ، أما بعد :
فقد اطلعت على صحيفة الخرطوم- الصادرة في 17/ 4/ 1415 هـ ، فألفيتها قد نشر فيها بيان بدفن السيد م. ح. أ. بجوار أبيه في مسجدهم بمدينة أم درمان... إلخ.
ولما أوجب الله من النصح للمسلمين ، وبيان إنكار المنكر رأيت التنبيه على أن الدفن في المساجد أمر لا يجوز ، بل هو من وسائل الشرك ، ومن أعمال اليهود والنصارى التي ذمهم الله عليها ، ولعنهم رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وفي صحيح مسلم ، عن جندب بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
فالواجب على المسلمين في كل مكان - حكومات وشعوبا - أن يتقوا الله ، وأن يحذروا ما نهى عنه ، وأن يدفنوا موتاهم خارج المساجد ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم يدفنون الموتى خارج المساجد وهكذا أتباعهم بإحسان.
وأما وجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في مسجده صلى الله عليه وسلم فليس به حجة على دفن الموتى في المساجد ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دفن في بيته- في بيت عائشة رضي الله عنها- ثم دفن صاحباه معه ، فلما وسع الوليد بن عبد الملك المسجد أدخل الحجرة فيه على رأس المائة الأولى من الهجرة ، وقد أنكر عليه ذلك أهل العلم ، ولكنه رأى أن ذلك لا يمنع من التوسعة ، وأن الأمر واضح لا يشتبه.

(13/109)


وبذلك يتضح لكل مسلم أنه صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما لم يدفنوا في المسجد ، وإدخالهم فيه بسبب التوسعة ليس بحجة على جواز الدفن في المساجد ؛ لأنهم ليسوا في المسجد ، وإنما هم في بيته عليه الصلاة والسلام ، ولأن عمل الوليد لا يصلح حجة لأحد في ذلك ، وإنما الحجة في الكتاب والسنة ، وفي إجماع سلف الأمة رضي الله عنهم ، وجعلنا من أتباعهم بإحسان.
وللنصح وبراءة الذمة جرى تحريره في 14/ 5/ 1415 هـ. والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وآله وصحبه ، وأتباعهم بإحسان.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
نشرت في جريدة (الجزيرة) في العدد (8086) بتاريخ 15/6/1415 هـ، وسبق نشرها في (الجزء الثامن) ص 326 من هذا المجموع.
حكم بناء المساجد قريبا من القبور
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم : م. ص. سلمه الله.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم (2191) وتاريخ10/ 6/ 1407 هـ ، والذي تسأل فيه عن حكم بناء المسجد قريبا من القبور لانتفاع أهل القبور بذلك ، وحكم الصلاة في هذا المسجد ، وحكم الصلاة في مسجد فيه قبور ؟
وأفيدك بأنه لا يجوز بناء المساجد على القبور ، ولا يجوز بناء المساجد قريبا من القبور ، من أجل أن ينتفع أهل القبور ببناء المسجد بجوارهم .
أما إذا كانت القبور خارج المسجد ، ويفصل بينها وبينه طريق ونحوه ، ولم يبن المسجد من أجل تلك القبور ، فلا حرج في الصلاة فيه، وفق الله الجميع لما فيه رضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
إجابة من سماحته على استفتاء مقدم من الأخ م.ص.

(13/110)


حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور
س : هل يصلى في المساجد التي فيها قبور ؟
ج : المسجد الذي فيه قبر لا يصلى فيه ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.
لا يصلى في المساجد التي فيها قبور
س : الأخ م. أ. ن. من ميت طريف - دقهلية- بمصر يقول في سؤاله : هل تصح الصلاة في المساجد التي يوجد فيها قبور ؟
ج : المساجد التي فيها قبور لا يصلى فيها ، ويجب أن تنبش القبور وينقل رفاتها إلى المقابر العامة ، يجعل رفات كل قبر في حفرة خاصة كسائر القبور ، ولا يجوز أن يبقى في المساجد قبور ، لا قبر ولي ولا غيره ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى وحذر من ذلك ، ولعن اليهود والنصارى على عملهم ذلك.
فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قالت عائشة رضي الله عنها يُحذِّر ما صنعوا متفق عليه. وقال عليه الصلاة والسلام لما أخبرته أم سلمة وأم حبيبة بكنيسة في الحبشة فيها تصاوير فقال : أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله متفق على صحته.
وقال عليه الصلاة والسلام : ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك خرجه مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي . فنهى عن اتخاذ القبور مساجد عليه الصلاة والسلام ، ولعن من فعل ذلك ، وأخبر أنهم شرار الخلق ؛ فالواجب الحذر من ذلك ، ومعلوم أن كل من صلى عند قبر فقد اتخذه مسجدا ، ومن بنى عليه مسجدا فقد اتخذه مسجدا .

(13/111)


فالواجب أن تُبْعَدَ القبور عن المساجد ، وألا يجعل فيها قبور ؛ امتثالا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وحذرا من اللعنة التي صدرت من ربنا عز وجل لمن بنى المساجد على القبور ؛ لأنه إذا صلى في مسجد فيه قبور قد يزيِّن له الشيطان دعوة الميت أو الاستغاثة به ، أو الصلاة له ، أو السجود له ؛ فيقع الشرك الأكبر ، ولأن هذا من عمل اليهود والنصارى ، فوجب أن نخالفهم وأن نبتعد عن طريقهم وعن عملهم السيئ. لكن لو كانت القبور هي القديمة ثم بني عليها المسجد فالواجب هدمه وإزالته ؛ لأنه هو المحدث ، كما نص على ذلك أهل العلم ؛ حسما لأسباب الشرك وسدا لذرائعه.
هنا شبهة يشبه بها عباد القبور ، وهي : وجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده.
والجواب عن ذلك : أن الصحابة رضي الله عنهم لم يدفنوه في مسجده ، وإنما دفنوه في بيت عائشة رضي الله عنها ، فلما وسع الوليد بن عبد الملك مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في آخر القرن الأول أدخل الحجرة في المسجد ، وقد أساء في ذلك ، وأنكر عليه بعض أهل العلم ، ولكنه اعتقد أن ذلك لا بأس به من أجل التوسعة. فلا يجوز لمسلم أن يحتج بذلك على بناء المساجد على القبور ، أو الدفن في المساجد ؛ لأن ذلك مخالف للأحاديث الصحيحة ، ولأن ذلك أيضا من وسائل الشرك بأصحاب القبور. والله ولي التوفيق.
سبق نشرها في ( الجزء الخامس ) من هذا المجموع ص 388 و (الجزء العاشر) منه ص 296.

(13/112)


الصلاة في مسجد فيه قبر كالصلاة في مسجد فيه قبران أو أكثر
س : هناك من يقول : إن الصلاة يختلف حكمها في المسجد الذي فيه قبر ، عن الذي فيه قبران ، عن المسجد الذي فيه ثلاثة أو أكثر. نرجو التوضيح في هذا ، وكيف الحكم والنبي صلى الله عليه وسلم قال : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ؟ مع العلم بأن بعض الناس الذين يأتون من المدينة المنورة يحتجون بأن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فيه قبره عليه الصلاة والسلام وقبر صاحبيه رضي الله عنهما ، فهو كعامة المساجد تجوز الصلاة فيه ، أرجو التوضيح .
ج : الرسول صلى الله عليه وسلم لعن من يتخذ المساجد على القبور ، وحذر من ذلك ، كما في الحديث السابق ، وقال : ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك رواه مسلم في الصحيح. وروى الشيخان ، عن عائشة رضي الله عنها ، أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتاها بأرض الحبشة وما فيها من الصور ، فقال : أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله فبين صلى الله عليه وسلم أن الذين يبنون المساجد على القبور هم شرار الخلق عند الله ، وحذر من فعلهم.
فدل ذلك على أن المسجد المقام على قبر أو أكثر ، فإن كان المسجد هو الذي بني أخيرا على القبور وجب هدمه ، وأن تترك القبور بارزة ليس عليها بناء ، كما كانت القبور في عهده صلى الله عليه وسلم ، في البقيع وغيره ، وهكذا إلى اليوم في المملكة العربية السعودية ، فالقبور فيها بارزة ليس عليها بناء ولا قباب ولا مساجد ولا بناء ، ولله الحمد والمنة.
أما إن كان المسجد قديما ولكن أحدث فيه قبر أو أكثر فإنه ينبش القبر وينقل صاحبه إلى المقابر العامة التي ليس عليها قباب ولا مساجد ولا بناء ، ويبقى المسجد خاليا منها حتى يصلى فيه.

(13/113)


أما احتجاج بعض الجهلة بوجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبر صاحبيه في مسجده فلا حجة في ذلك ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دفن في بيته وليس في المسجد ، ودفن معه صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، ولكن لما وسع الوليد بن عبد الملك بن مروان المسجد أدخل البيت في المسجد ؛ بسبب التوسعة ، وغلط في هذا ، وكان الواجب أن لا يدخله في المسجد ؛ حتى لا يحتج الجهلة وأشباههم بذلك ، وقد أنكر عليه أهل العلم ذلك ، فلا يجوز أن يقتدى به في هذا ، ولا يظن ظان أن هذا من جنس البناء على القبور أو اتخاذها مساجد ؛ لأن هذا بيت مستقل أدخل في المسجد ؛ للحاجة للتوسعة ، وهذا من جنس المقبرة التي أمام المسجد مفصولة عن المسجد لا تضره ، وهكذا قبر النبي صلى الله عليه وسلم مفصول بجدار وقضبان.
وينبغي للمسلم أن يبين لإخوانه هذا ؛ حتى لا يغلطوا في هذه المسألة. والله ولي التوفيق.
من برنامج (نور على الدرب ) الشريط رقم (62).
لا يصلى في المسجد الذي فيه قبر ولو كان الوحيد في البلد
س : إذا كان المسجد الذي فيه قبر هو الوحيد في البلد فهل يصلي المسلم فيه ؟
ج : لا يصلي المسلم فيه أبدا ، وعليه أن يصلي في غيره أو في بيته إن لم يجد مسجدا سليما من القبور ، ويجب على ولاة الأمور نبش القبر الذي في المسجد إذا كان حادثا ونقل رفاته إلى المقبرة العامة ويوضع في حفرة خاصة يسوى ظاهرها كسائر القبور ، وإذا كان القبر هو الأول فإنه يهدم المسجد ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، ولما أخبرته أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما أنهما رأتا كنيسة في الحبشة وما فيها من الصور ، قال لهما عليه الصلاة والسلام : أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله متفق على صحته.
ومن صلى في المساجد التي فيها القبور فصلاته باطلة وعليه الإعادة للحديثين المذكورين وما جاء في معناهما.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.

(13/114)


المصطفى صلى الله عليه وسلم وصاحباه لم يدفنوا في المسجد وإنما دفنوا في حجرة عائشة
س : من المعلوم أنه لا يجوز دفن الأموات في المساجد ، وأيما مسجد فيه قبر لا تجوز الصلاة فيه ، فما الحكمة من إدخال قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وبعض صحابته في المسجد النبوي ؟
ج : قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد متفق على صحته ، وثبت عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتاها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال صلى الله عليه وسلم : أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله متفق عليه ، وروى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك
وروى مسلم أيضا عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يجصص القبر ، وأن يقعد عليه ، وأن يبنى عليه .
فهذه الأحاديث الصحيحة وما جاء في معناها كلها تدل على تحريم اتخاذ المساجد على القبور ولعن من فعل ذلك ، كما تدل على تحريم البناء على القبور واتخاذ القباب عليها وتجصيصها ؛ لأن ذلك من أسباب الشرك بها وعبادة سكانها من دون الله ، كما قد وقع ذلك قديما وحديثا ؛

(13/115)


فالواجب على المسلمين أينما كانوا أن يحذروا مما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وألا يغتروا بما فعله كثير من الناس ، فإن الحق هو ضالة المؤمن متى وجدها أخذها ، والحق يعرف بالدليل من الكتاب والسنة لا بآراء الناس وأعمالهم ، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصاحباه رضي الله عنهما لم يدفنوا في المسجد ، وإنما دفنوا في بيت عائشة ، ولكن لما وسع المسجد في عهد الوليد بن عبد الملك أدخل الحجرة في المسجد في آخر القرن الأول
ولا يعتبر عمله هنا في حكم الدفن في المسجد ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبيه لم ينقلوا إلى أرض المسجد وإنما أدخلت الحجرة التي هم بها في المسجد من أجل التوسعة ، فلا يكون في ذلك حجة لأحد على جواز البناء على القبور أو اتخاذ المساجد عليها أو الدفن فيها ؛ لما ذكرته آنفا من الأحاديث الصحيحة المانعة من ذلك ، وعمل الوليد ليس فيه حجة على ما يخالف السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ولي التوفيق.
نشرت في (كتاب الدعوة) ج1 ص 24، وسبق نشرها في (الجزء الرابع) ص 337 من هذا المجموع.
شبهة لمن أجاز الصلاة في المساجد التي فيها قبور والجواب عليها
س : من أجاز الصلاة في المساجد التي فيها قبور يحتج بأن المسجد النبوي فيه قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم فما رأيكم في ذلك ؟
ج : يبين له أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم في بيته لا في المسجد ، والمخطئ هو الذي أدخل القبر في المسجد.
هذا السؤال والذي بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.
حكم تحويل مصلى العيد إلى مقبرة
س : ما حكم تحويل مصلى العيد إلى مقبرة ؛ لأنه أصبح داخل البلد ، ولأنه مجاور للمقبرة الأولى ؟
ج : مثل هذا العمل تراجع فيه المحكمة وهي تنظر فيما يقتضيه الحكم الشرعي.

(13/116)


حكم الكتابة على القبر
س : هل يجوز وضع قطعة من الحديد أو "لافتة" على قبر الميت مكتوب عليها آيات قرآنية بالإضافة إلى اسم الميت وتاريخ وفاته... إلخ ؟
ج : لا يجوز أن يكتب على قبر الميت لا آيات قرآنية ولا غيرها ، لا في حديدة ولا في لوح ولا في غيرهما ؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه رواه الإمام مسلم في صحيحه ، زاد الترمذي والنسائي بإسناد صحيح : وأن يكتب عليه
نشرت في (كتاب الدعوة) ج1 ص24، و(المجلة العربية) في ربيع الآخر 1412 هـ،
وقد سبق نشرها في (الجزء الرابع) ص337 ، وفي (الجزء التاسع) ص378 من هذا المجموع.
حكم كتابة دعاء دخول المقبرة عند البوابة
س : ما حكم كتابة دعاء دخول المقبرة عند بوابة المقبرة ؟
ج : لا أعلم لهذا أصلا ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكتابة على القبر ، ويخشى أن تكون الكتابة على جدار المقبرة وسيلة إلى الكتابة على القبور.
هذا السؤال والذي بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.
حكم إضاءة المقابر والطرق التي بين القبور
س : هل يجوز إضاءة المقابر والطرق التي بين القبور ؟
ج : إذا كان لمصلحة الناس عند الدفن أو كان في السور فلا بأس ، أما وضع السرج والأنوار على القبور فلا يجوز ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج وإذا كانت الإضاءة في الشارع الذي يمر بقربها فلا بأس ، وإذا وضع لمبة عند الحاجة تضيء لهم عند الدفن أو أتوا بسراج معهم لهذا الغرض فلا بأس.

(13/117)


إهداء القرب للميت
ما يجوز وما لا يجوز إهداؤه من القرب للميت
س : هل تصل الأعمال إلى الموتى ؟
ج : يصل إليهم ما دل الشرع على وصوله إليهم ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له رواه مسلم في صحيحه ، ولأحاديث أخرى وردت في ذلك ، ومن ذلك : الصدقة ، والدعاء ، والحج ، والعمرة ، وما خلفه الميت من نشر العلم.
أما إهداء الصلاة والقراءة إلى الموتى أو الطواف أو صيام التطوع فلا أعلم لذلك أصلا ، والمشروع تركه ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد رواه مسلم في صحيحه.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.
س : هل يجوز إهداء بعض أعمال الخير إلى الميت ؟
ج : يجوز إهداء ما ورد به الشرع المطهر من الأعمال ؛ كالصدقة ، والدعاء ، وقضاء الدين ، والحج والعمرة إذا كان المحجوج عنه ميتا أو عاجزا ، لكبر سنه ، أو مرض لا يرجى برؤه ، وهكذا من تؤدى عنه العمرة ؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة ما يدل على ذلك ، وجاء في الكتاب العزيز ما يدل على شرعية الدعاء للمسلمين أحياء أو أمواتا ، مثل قول الله سبحانه : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
ومثل قوله صلى الله عليه وسلم : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له وثبت عنه صلى الله عليه وسلم : أن رجلا قال له: يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها ؟ قال: نعم متفق عليه.

(13/118)


وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أيضا أن رجلا قال : يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ قال: نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما والله ولي التوفيق.
نشرت في (مجلة الدعوة) العدد (1648) في 8/3/1419 هـ.
الدليل على تخصيص انتفاع الميت ببعض الأعمال دون بعض
س : ما هو الدليل على تخصيص انتفاعهم بأعمال دون أخرى ؟
ج : هذه الأمور توقيفية لا مجال للرأي فيها ، وإنما يعمل فيها بما يقتضيه الدليل لعموم قوله عليه الصلاة والسلام : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد متفق على صحته.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء.
حكم الصدقة والحج عمن كان يذبح لغير الله
س : سائل يقول : إن والده يذبح لغير الله فيما قيل له عن ذلك ، ويريد الآن أن يتصدق عنه ويحج عنه ، ويعزو سبب وقوع والده في ذلك إلى عدم وجود علماء ومرشدين وناصحين له ، فما الحكم في ذلك كله ؟
ج : إذا كان والده معروفا بالخير والإسلام والصلاح ، فلا يجوز له أن يصدق من ينقل عنه غير ذلك ممن لا تعرف عدالته ، ويسن له الدعاء والصدقة عنه حتى يعلم يقينا أنه مات على الشرك ، وذلك بأن يثبت لديه بشهادة الثقات العدول اثنين أو أكثر أنهم رأوه يذبح لغير الله من أصحاب القبور أو غيرهم ، أو سمعوه يدعو غير الله ، فعند ذلك يمسك عن الدعاء له ، وأمره إلى الله سبحانه وتعالى ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن الله له ، مع أنها ماتت في الجاهلية على دين الكفار ، ثم استأذن ربه أن يزورها فأذن له ، فدل ذلك على أن من مات على الشرك ولو جاهلا لا يدعى له ، ولا يستغفر له ، ولا يتصدق عنه ، ولا يحج عنه،

(13/119)


أما من مات في محل لم تبلغه دعوة الله ، فهذا أمره إلى الله سبحانه، والصحيح من أقوال أهل العلم ، أنه يمتحن يوم القيامة ، فإن أطاع دخل الجنة ، وإن عصى دخل النار ؛ لأحاديث صحيحة وردت في ذلك.
نشرت في ( مجلة الدعوة) العدد (1648) في 8/3/1419 هـ.
عشاء الوالدين
س : الأخ أ. م. ع. من الرياض يقول في سؤاله : نسمع كثيرا عن عشاء الوالدين أو أحدهما ، وله طرق متعددة ، فبعض الناس يعمل عشاء خاصة في رمضان ويدعو له بعض العمال والفقراء ، وبعضهم يخرجه للذين يفطرون في المسجد ، وبعضهم يذبح ذبيحة ويوزعها على بعض الفقراء وعلى بعض جيرانه ، فإذا كان هذا العشاء جائزا فما هي الصفة المناسبة له ؟
ج : الصدقة للوالدين أو غيرهما من الأقارب مشروعة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لما سأله سائل قائلا : هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ قال: نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ولقوله صلى الله عليه وسلم : إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه وقوله صلى الله عليه وسلم لما سأله سائل قائلا : إن أمي ماتت ولم توص أفلها أجر إن تصدقت عنها ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له
وهذه الصدقة لا مشاحة في تسميتها بعشاء الوالدين ، أو صدقة الوالدين سواء كانت في رمضان أو غيرهما. وفق الله الجميع لما يرضيه.
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من (المجلة العربية).
تحديد وقت معين للإطعام عن الميت من البدع المحدثة
س : مسلم مات وله كثير من الأولاد ، ولهم مال وخير ، أيحل لهم أن يذبحوا من الغنم للميت أو يعجن له الخبز في اليوم السابع أو الأربعين هدية له ويجمع المسلمون عليها ؟

(13/120)


ج : الصدقة عن الميت مشروعة ، وإطعام الفقراء والمساكين والتوسعة عليهم ومواساة الجيران وإكرام المسلمين من وجوه البر والخير التي رغب الشرع فيها ، ولكن ذبح الغنم أو البقر أو الإبل أو الطير أو نحوها للميت عند الموت أو في يوم معين كاليوم السابع أو الأربعين أو يوم الخميس أو الجمعة أو ليلتها للتصدق به على الميت في ذلك الوقت من البدع والمحدثات التي لم تكن على عهد سلفنا الصالح رضي الله عنهم ، فيجب ترك هذه البدع ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وقوله صلى الله عليه وسلم : إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة
نشرت في (مجلة الدعوة) العدد (760).
من يذبح لأبيه وجدِّه كل سنة
س : يوجد لي ابن عم يذبح لأبيه وجده بعد مضي كل حول ، ونصحته أكثر من مرة ، ويقول لي : إني سألت ، وقالوا ليس في ذلك إثم. أفيدونا هل هذا الكلام صحيح أم لا ؟
ج : إذا ذبح وقصد أضحية في يوم العيد وأيام النحر عن أبيه أو جده أو غيرهما فلا بأس ، أو ذبح وقصد الصدقة عنهما على الفقراء في أي وقت فلا بأس ؛ لأن الصدقة تنفع الميت والحي باللحوم وغير اللحوم من النقود والطعام وغير ذلك ، كل ذلك ينفع الميت والحي ، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يتصدق لأمه بعد وفاتها أفلها أجر فقال نعم وفي صحيح مسلم رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له
والخلاصة : أن الصدقة للميت نافعة له بإجماع المسلمين ، وهكذا الدعاء له ، فإذا أراد بهذه الذبيحة الصدقة بها عن أبيه أو جده أو غيرهما ، أو ذبحها أضحية عنه في أيام النحر تقربا إلى الله سبحانه وتعالى- لكن ليس له أن يخص يوما معينا أو شهرا معينا بالذبح غير أيام النحر إلا إذا تحرى الأوقات الفاضلة ،

(13/121)


كرمضان وتسع ذي الحجة- فلا بأس وله أجر وللميت أجر على حسب إخلاصه لله وكسبه الطيب ، أما إذا أراد التقرب إليه كما يتقرب الذي يذبحون لأصحاب القبور أو الشمس أو القمر أو الجن فهذا شرك أكبر ؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يتقرب إلى أحد بذبح أو نذر أو غيرهما من العبادات سوى الله سبحانه وتعالى ؛ لقول الله عز وجل : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ولقوله سبحانه وتعالى : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ولقوله عليه الصلاة والسلام : لعن الله من ذبح لغير الله رواه مسلم في الصحيح.
فالذبح للجن أو لأصحاب القبور أو غيرهما من المخلوقات كالأصنام والكواكب ونحوها يرجو الذابح شفاعتهم أو أنهم ينفعونه أو يدفعون عنه مرضا أو غيره منكر وشرك ، وهكذا من ذبح لجده أو لأبيه يعتقد فيه أنه ينفعه أو يشفي مريضه أو يقربه إلى الله بهذا الذبح فهو مثل من يذبح للشمس أو للقمر والنجوم كل ذلك شرك. نسأل الله السلامة.
سبق نشرها في (الجزء السادس) ص 385 من هذا المجموع.
إهداء ثواب الطواف للغير لا يجوز
س : الأخ ن. ع. ب. من تمير يقول في سؤاله : عندما أسافر إلى مكة المكرمة للحج أو العمرة هل يجوز لي أن أطوف سبعة أشواط وأنوي ثوابها لوالدتي المتوفاة ؟ أرجو الإفادة يا سماحة الشيخ .
ج : لا أعلم في الأدلة الشرعية ما يدل على جواز ذلك أو شرعيته ، ومعلوم أن العبادات توقيفية لا يجوز منها إلا ما دل عليه الشرع ، فالذي أرى عدم جواز التطوع بالطواف عن الغير ؛ لعدم الدليل على ذلك، ولكن يشرع لك الدعاء في الطواف لوالديك وللمسلمين ولغيرهما من المسلمين لعموم الأدلة الشرعية في ذلك، وفق الله الجميع.
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من (المجلة العربية).

(13/122)


حكم الطواف وختم القرآن للأموات
س : أقوم أحيانا بالطواف لأحد أقاربي أو والدي أو أجدادي المتوفين ، ما حكم ذلك ؟ وأيضا ما حكم ختم القرآن لهم ؟ جزاكم الله خيرا .
ج : الأفضل ترك ذلك ؛ لعدم الدليل عليه ، لكن يشرع لك الصدقة عن من أحببت من أقاربك وغيرهم إذا كانوا مسلمين ، والدعاء لهم ، والحج والعمرة عنهم ، أما الصلاة عنهم والطواف عنهم والقراءة لهم فالأفضل تركه ؛ لعدم الدليل عليه ، وقد أجاز ذلك بعض أهل العلم ؛ قياسا على الصدقة والدعاء ، والأحوط ترك ذلك ؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف وعدم القياس، وبالله التوفيق.
نشرت في (الجزء الرابع) من هذا المجموع ص 334.
الصلاة والقراءة لا تهدى لأحد
س : والدتي أمية لا تقرأ ولا تكتب ، فهل يجوز لي قراءة القرآن الكريم وصلاة النوافل وإهداء ثواب ذلك لها ، وإذا كان لا يجوز ، فما هي الأعمال التي يمكن أن أهدي ثوابها إليها ؟ جزاكم الله خيرا .
ج : ليس هناك دليل شرعي على شرعية إهداء الصلاة والقراءة عن الغير سواء كان حيا أو ميتا ، والعبادة توقيفية لا يشرع منها إلا ما دل الشرع على شرعيته ، ولكن يشرع لك الدعاء لها والصدقة عنها ، والحج عنها والعمرة إذا كانت كبيرة السن لا تستطيع الحج والعمرة.
نشرت في ( مجلة الدعوة) العدد (1604) في 11/4/1418 هـ.
حكم الصلاة للوالدين المتوفيين
س : الأخت التي رمزت لاسمها بـ : أم محمد - من الرياض ، تقول في سؤالها : هل هناك صلاة للوالدين المتوفيين ، وما كيفيتها ؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا .

(13/123)


ج : ليس على الأولاد صلاة للوالدين بعد الوفاة ، ولا غيرهما ، وإنما يشرع الدعاء لهما ، والاستغفار لهما ، والصدقة عنهما ، وهكذا الحج عنهما والعمرة. أما الصلاة فلا يشرع لأحد أن يصلي عن أحد أو لأحد ، وإنما يصلَّى على الميت المسلم قبل الدفن ، ومن لم يصلِّ عليه قبل الدفن شرع له أن يصلي عليه بعد الدفن إذا كانت المدة لا تزيد على شهر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر أم سعد بن عبادة وقد مضى لها شهر. وهكذا سنة الطواف ، وهي : ركعتان بعد الطواف تشرع لمن طاف ، ومن ذلك الحاج أو المعتمر عن الغير فإنه يشرع له إذا طاف عن المنوب عنه أن يصلي ركعتين تبعا للطواف، والأصل في هذا كله أن العبادات توقيفية ، لا يشرع فيها إلا ما ثبت في الكتاب أو السنة، والله ولي التوفيق.
سبق نشرها في (الجزء الثامن) ص 352 من هذا المجموع.
إهداء تلاوة القرآن الكريم للآخرين
س : هل يجوز أن أختم القرآن الكريم لوالدي ، علما بأنهما أميان لا يقرآن ولا يكتبان ؟ وهل يجوز أن أختم القرآن لشخص يعرف القراءة والكتابة ولكن أريد إهداءه هذه الختمة ؟ وهل يجوز لي أن أختم القرآن لأكثر من شخص ؟

(13/124)


ج : لم يرد في الكتاب العزيز ، ولا في السنة المطهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا عن صحابته الكرام رضي الله عنهم ما يدل على شرعية إهداء تلاوة القرآن الكريم للوالدين ولا لغيرهما ، وإنما شرع الله قراءة القرآن للانتفاع به ، والاستفادة منه ، وتدبر معانيه والعمل بذلك ، قال تعالى : كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ وقال تعالى : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وقال سبحانه : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وقال نبينا عليه الصلاة والسلام : اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ويقول صلى الله عليه وسلم : إنه يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما
والمقصود أنه أنزل للعمل به وتدبره والتعبد بتلاوته والإكثار من قراءته لا لإهدائه للأموات أو غيرهم ، ولا أعلم في إهدائه للوالدين أو غيرهما أصلا يعتمد عليه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك وقالوا : لا مانع من إهداء ثواب القرآن وغيره من الأعمال الصالحات ، وقاسوا ذلك على الصدقة والدعاء للأموات وغيرهم ، ولكن الصواب هو القول الأول ؛ للحديث المذكور ، وما جاء في معناه ، ولو كان إهداء التلاوة مشروعا لفعله السلف الصالح ، والعبادة لا يجوز فيها القياس ؛ لأنها توقيفية لا تثبت إلا بنص من كلام الله عز وجل ، أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم للحديث السابق وما جاء في معناه.

(13/125)


أما الصدقة عن الأموات وغيرهم ، والدعاء لهم ، والحج عن الغير ممن قد حج عن نفسه ، وهكذا العمرة عن الغير ممن قد اعتمر عن نفسه ، وهكذا قضاء الصوم عمن مات وعليه صيام ، فكل هذه العبادات قد صحت بها الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان المحجوج عنه والمعتمر عنه ميتا أو عاجزا لهرم أو مرض لا يرجى برؤه، والله ولي التوفيق.
نشرت في (مجلة الدعوة) العدد (1642) في 25/1/1419 هـ.
حكم أخذ أجرة قراءة القرآن على الأموات
س : سائل من اليمن يقول : أناس عندنا يقرءون القرآن على الأموات ويأخذون عليه أجرة ، فهل يستفيد منه الأموات شيئا ؟ وإذا مات واحد منهم يقرءون القرآن ثلاثة أيام ويعملون ذبائح وولائم ، فهل هذا من الشرع ؟
ج : القراءة على الأموات بدعة ، وأخذ الأجرة على ذلك لا يجوز ؛ لأنه لم يرد في الشرع المطهر ما يدل على ذلك ، والعبادات توقيفية لا يجوز منها إلا ما شرعه الله ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد متفق على صحته ، وهكذا ذبح الذبائح وإعداد الطعام من أجل الميت كله بدعة منكرة لا يجوز سواء كان ذلك في يوم أو أيام ؛ لأن الشرع المطهر لم يرد بذلك بل هو من عمل الجاهلية ؛ لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة وقال : النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب رواه مسلم في صحيحه.

(13/126)


وعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصناعة الطعام بعد الدفن من النياحة رواه الإمام أحمد بإسناد حسن ، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام : أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الحديث المذكور آنفا ، ولم يكن من عمل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من عمل الصحابة رضي الله عنهم أنه إذا مات الميت يقرءون له القرآن ، أو يقرءون عليه القرآن ، أو يذبحون الذبائح ، أو يقيمون المآتم والأطعمة والحفلات ، كل هذا بدعة ، فالواجب الحذر من ذلك وتحذير الناس منه ، وعلى العلماء بوجه أخص أن ينهوا الناس عما حرم الله عليهم وأن يأخذوا على أيدي الجهلة والسفهاء حتى يستقيموا على الطريق السوي الذي شرعه الله لعباده ، وبذلك تصلح الأحوال والمجتمعات ويظهر حكم الإسلام وتختفي أمور الجاهلية ، وإنما المشروع أن يصنع لأهل الميت طعام يبعث إليهم من جيرانهم أو أقاربهم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال لأهله : اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح، وأسأل الله لنا ولجميع المسلمين الهداية والتوفيق ، إنه جواد كريم.
نشرت في (الجزء الرابع) ص346 و(الجزء التاسع) ص321 من هذا المجموع،
وفي (مجلة البحوث الإسلامية) العدد (28) عام 1410 هـ ص110.

(13/127)


حكم إهداء أعمال البر للحي أو الميت
س : لي والدة لا تقرأ وأحب أن أبرها ، وكثيرا ما أقرأ القرآن وأجعل ثوابه لها ، ولما سمعت أنه لا يجوز عدلت عن ذلك وأخذت أتصدق عنها بدراهم ، وهي الآن حية على قيد الحياة ، فهل يصل ثواب الصدقة من مال وغيره إليها سواء كانت حية أو ميتة ، أم لا يصل إلا الدعاء ، حيث لم يرد إلا ذلك كما في الحديث : إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث وذكر : ولد صالح يدعو له ؟ ، وهل الإنسان إذا كان كثير الدعاء لوالديه في الصلاة وغيرها قائما وقاعدا يشهد له الحديث بأنه صالح ويرجى له خير عند الله ؟ أرجو الإفادة ولكم من الله الثواب الجزيل .

(13/128)


ج : أما قراءة القرآن فقد اختلف العلماء في وصول ثوابها إلى الميت على قولين لأهل العلم ، والأرجح أنها لا تصل لعدم الدليل ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعلها لأمواته من المسلمين كبناته اللاتي مُتْن في حياته عليه الصلاة والسلام ، ولم يفعلها الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فيما علمنا ، فالأولى للمؤمن أن يترك ذلك ولا يقرأ للموتى ولا للأحياء ولا يصلي لهم ، وهكذا التطوع بالصوم عنهم ؛ لأن ذلك كله لا دليل عليه ، والأصل في العبادات التوقيف إلا ما ثبت عن الله سبحانه أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم شرعيته. أما الصدقة فتنفع الحي والميت بإجماع المسلمين ، وهكذا الدعاء ينفع الحي والميت بإجماع المسلمين ، وإنما جاء الحديث بما يتعلق بالميت ؛ لأنه هو محل الإشكال : هل يلحقه أم لا يلحقه ؟ فلهذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له لما كان من المعلوم أن الموت تنقطع به الأعمال بَيَّنَ الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا لا ينقطع ، وأما الحي فلا شك فيه أنه ينتفع بالصدقة منه ومن غيره وينتفع بالدعاء ، فالذي يدعو لوالديه وهم أحياء ينتفعون بدعائه ، وهكذا الصدقة عنهم وهم أحياء تنفعهم ، وهكذا الحج عنهم إذا كانوا عاجزين لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فإنه ينفعهم ذلك ، ولهذا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم : أن امرأة قالت يا رسول الله إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه ؟ قال حجي عنه وجاءه رجل آخر فقال : يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا الظعن أفأحج عنه وأعتمر ؟ قال حج عن أبيك واعتمر فهذا يدل على أن الحج عن الميت أو الحي العاجز لكبر سنه أو المرأة العاجزة لكبر سنها جائز ، فالصدقة والدعاء والحج عن الميت أو العمرة عنه وكذلك عن العاجز كل هذا ينفعه عند جميع أهل العلم ،

(13/129)


وهكذا الصوم عن الميت إذا كان عليه صوم واجب سواء كان عن نذر أو كفارة أو عن صوم رمضان لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : من مات وعليه صيام صام عنه وليه متفق على صحته ، ولأحاديث أخرى في المعنى ، لكن من تأخر في صوم رمضان بعذر شرعي كمرض أو سفر ثم مات قبل أن يتمكن من القضاء فلا قضاء عنه ولا إطعام ؛ لكونه معذورا. وأنت أيها السائل على خير إن شاء الله في إحسانك إلى والديك بالصدقة عنهما والدعاء لهما ، ولا سيما إذا كان الولد صالحا ، فهو أقرب إلى إجابة الدعاء ، لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم : أو ولد صالح يدعو له لأن الولد الصالح أقرب إلى أن يجاب من الولد الفاجر ، وإن كان الدعاء مطلوبا من الجميع للوالدين ، ولكن إذا كان الولد صالحا صار أقرب في إجابة دعوته لوالديه.
نشرت في (الجزء الرابع) من هذا المجموع ص348.
حكم قراءة القرآن للميت في داره
س : هل قراءة القرآن للميت بأن نضع في منزل الميت أو داره مصاحف ويأتي بعض الجيران والمعارف من المسلمين فيقرأ كل واحد منهم جزءا مثلا ثم ينطلق إلى عمله ولا يعطى في ذلك أي أجر من المال ، وبعد انتهائه من القراءة يدعو للميت ويهدي له ثواب القرآن ، فهل تصل هذه القراءة والدعاء إلى الميت ويثاب عليها أم لا ؟ أرجو الإفادة وشكرا لكم ، علما بأني سمعت بعض العلماء يقول بالحرمة مطلقا والبعض بالكراهة والبعض بالجواز .

(13/130)


ج : هذا العمل وأمثاله لا أصل له ، ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم أنهم كانوا يقرءون للموتى ، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد أخرجه مسلم في صحيحه وعلقه البخاري في الصحيح جازما به ، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته يوم الجمعة : أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة زاد النسائي بإسناد صحيح : وكل ضلالة في النار أما الصدقة للموتى والدعاء لهم فهو ينفعهم ويصل إليهم بإجماع المسلمين. وبالله التوفيق والله المستعان.
نشر في (كتاب الدعوة) الجزء الأول ص215، وفي (الجزء الرابع) من هذا المجموع
ص 339، وفي مجلة (البحوث الإسلامية) العدد (28) عام 1410 هـ ص 107.
إحضار القراء المشاهير للقراءة للميت بدعة
س : بعض الناس في قريتنا يقومون بإحضار مجموعة من المشايخ ممن لهم دراية بقراءة القرآن فيقرءون القرآن بحجة أن هذا القرآن ينفع الميت ويرحمه ، والبعض الآخر يستدعي شيخا أو اثنين لقراءة القرآن على قبر هذا الميت ، والبعض الآخر يقيمون محفلا كبيرا يدعون فيه واحدا من القراء المشاهير عبر مكبرات الصوت ليحي الذكرى السنوية لوفاة عزيزه ، فما حكم الدين في ذلك ؟ وهل قراءة القرآن تنفع الميت على القبر أو غيره ؟ وما هي الطريقة المثلى لمنفعة الميت ؟ أفتونا جزاكم الله عنا خير الجزاء، ولكم منا جزيل الشكر والامتنان .

(13/131)


ج : الحمد لله ، وبعد : هذا العمل بدعة لا يجوز ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد متفق على صحته ، وقوله صلى الله عليه وسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد أخرجه مسلم في صحيحه، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ولم يكن من سنته صلى الله عليه وسلم ولا من سنة خلفائه الراشدين رضي الله عنهم القراءة على القبور ، أو الاحتفال بالموتى وذكرى وفاتهم ، والخير كله في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وخلفائه الراشدين ومن سلك سبيلهم ، كما قال الله عز وجل : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وقال النبي صلى الله عليه وسلم : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته يوم الجمعة : أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

(13/132)


وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة ما ينفع المسلم بعد موته فقال صلى الله عليه وسلم : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له خرجه مسلم في صحيحه ، وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال : يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد وفاتهما ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما والمراد بالعهد الوصية التي يوصي بها الميت ، فمن بره إنفاذها إذا كانت موافقة للشرع المطهر ، ومن بر الوالدين الصدقة عنهما ، والدعاء لهما ، والحج والعمرة عنهما. والله ولي التوفيق.
نشرت في (مجلة الدعوة) العدد (1646) في 24/2/1419 هـ

(13/133)


حكم قراءة الفاتحة للميت وذبح المواشي له
س - 274 - : ما حكم قراءة الفاتحة للميت ، وذبح المواشي ، ودفع الفلوس
إلى أهل الميت ؟
ج : التقرب إلى الأموات بالذبائح أو بالفلوس أو بالنذور وغير ذلك من العبادات كطلب الشفاء منهم أو الغوث أو المدد شرك أكبر لا يجوز لأحد فعله ؛ لأن الشرك أعظم الذنوب وأكبر الجرائم ؛ لقول الله عز وجل : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ولقوله سبحانه : إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ الآية ، وقوله تعالى : وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ والآيات في هذا المعنى كثيرة ، فالواجب إخلاص العبادة لله وحده سواء كانت ذبحا أو نذرا أو دعاء أو صلاة أو صوما أو غير ذلك من العبادات ، ومن ذلك التقرب إلى أصحاب القبور بالنذور أو بالطعام للآيات السابقة ولقوله سبحانه : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أما إهداء الفاتحة أو غيرها من القرآن إلى الأموات فليس عليه دليل فالواجب تركه ؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم ما يدل على ذلك ، لكن يشرع الدعاء للأموات والصدقة عنهم وذلك بالإحسان إلى الفقراء والمساكين ، يتقرب العبد بذلك إلى الله سبحانه ويسأله أن يجعل ثواب ذلك لأبيه أو أمه أو غيرهما من الأموات أو الأحياء ؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ولأنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له : يا رسول الله إن أمي ماتت ولم توص وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم متفق على صحته ، وهكذا الحج عن الميت والعمرة عنه وقضاء دينه كل ذلك ينفعه حسب ما ورد في الأدلة الشرعية ، أما إن كان السائل يقصد الإحسان إلى أهل الميت

(13/134)


والصدقة بالنقود والذبائح فهذا لا بأس به إذا كانوا فقراء ، والأفضل أن يصنع الجيران والأقارب الطعام في بيوتهم ثم يهدوه إلى أهل الميت ؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما بلغه موت ابن عمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في غزوة مؤتة أمر أهله أن يصنعوا لأهل جعفر طعاما وقال : لأنه قد أتاهم ما يشغلهم وأما كون أهل الميت يصنعون طعاما للناس من أجل الميت فهذا لا يجوز وهو من عمل الجاهلية سواء كان ذلك يوم الموت أو في اليوم الرابع أو العاشر أو على رأس السنة كل ذلك لا يجوز ؛ لما ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة
أما إن نزل بأهل الميت ضيوف زمن العزاء فلا بأس أن يصنعوا لهم الطعام من أجل الضيافة ، كما أنه لا حرج على أهل الميت أن يدعوا من شاءوا من الجيران والأقارب ليتناولوا معهم ما أهدي لهم من الطعام. والله ولي التوفيق.
نشرت في (الجزء الرابع) من هذا المجموع ص 342، وفي ( مجلة البحوث الإسلامية) العدد (28) عام 1410 هـ ص 108.
ليس هناك دليل يدل على استحباب قراءة القرآن للموتى
س : هل يصل ثواب قراءة القرآن إلى الميت ، وما هو نص الحديث الذي فيه : يا رسول الله ماذا بقي من بر والدي بعد موتهما ؟

(13/135)


ج : ليس على قراءة القرآن للموتى دليل يدل على استحبابها فيما نعلم ، فالأحوط ترك ذلك والاكتفاء بما شرع الله من الدعاء لهم والصدقة عنهم وغير ذلك مما ثبت في الشرع المطهر كالحج والعمرة وقضاء الدين فإن هذا ينفعه ، أما الحديث الذي سألت عنه فلفظه إن رجلا قال يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به؟ قال: نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ويقول صلى الله عليه وسلم : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له رواه مسلم في صحيحه.
وفي الصحيحين أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله إن أمي ماتت ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم
من ضمن الأسئلة التي على سماحته بعد المحاضرة التي ألقاها في جامع الطائف
في 5/2/1412 هـ، وسبق نشرها في (الجزء السابع) من هذا المجموع ص 182.

(13/136)


حكم إهداء قراءة القرآن الكريم لروح الرسول صلى الله عليه وسلم
س : ما حكم إهداء قراءة القرآن الكريم للرسول صلى الله عليه وسلم أو لغيره ؟
ج : إهداء قراءة القرآن الكريم لروح الرسول صلى الله عليه وسلم والأموات لا أصل له وليس بمشروع ، ولا فعله الصحابة رضي الله عنهم ، والخير في اتباعهم؛ ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم يعطى مثل أجورنا عما فعلناه من الخير فله مثل أجورنا ؛ لأنه الدال عليه ، عليه الصلاة والسلام ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : من دل على خير فله مثل أجر فاعله فهو الذي دل أمته على الخير وأرشدهم إليه ، فإذا قرأ الإنسان أو صلى أو صام أو تصدق ، فالرسول يعطى مثل أجور هؤلاء من أمته ؛ لأنه هو الذي دلهم على الخير وأرشدهم إليه عليه الصلاة والسلام ، فلا حاجة به إلى أن تهدى له القراءة أو غيرها ؛ لأن ذلك ليس له أصل ، كما تقدم ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وهكذا القراءة للأموات أيضا ليس لها أصل والواجب ترك ذلك.
أما الصدقة عن أموات المسلمين والدعاء لهم ، فكل ذلك مشروع ، كما قال الله عز وجل في صفة عباده الصالحين التابعين للسلف الصالح : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وقد شرع الله صلاة الجنازة للدعاء والترحم عليهم ، وهكذا الصدقة عن الميت تنفعه كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهكذا الحج عنهم ، والعمرة ، وقضاء الدين ، كل ذلك ينفع الميت المسلم.
نشرت في (جريدة عكاظ) العدد (11686) في 28/4/1419 هـ.
حكم قراءة الفاتحة على جميع الأموات والأحياء بعد الصلاة
س : هل تجوز قراءة الفاتحة على جميع الأموات والأحياء - أعني الأنبياء والشهداء والأولياء وسائر المؤمنين والأقارب - بعد الانتهاء من الصلاة أو في أي وقت آخر ؟

(13/137)


ج : ليس لهذا أصل في الشرع المطهر ، ولم تشرع قراءة الفاتحة لأحد ؛ لأن هذا لم يرد عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ، فلا أصل له. وقال بعض أهل العلم لا مانع من تثويب القراءة للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره ، ولكنه قول لا دليل عليه ، والأحوط ترك ذلك ؛ لأن العبادات توقيفية ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ولكن ينبغي الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء للوالدين والأقارب ، فالدعاء ينفع.
أما قراءة الفاتحة أو غيرها من القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره فغير مشروعة في أصح قولي العلماء ؛ للحديث المذكور ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد والله ولي التوفيق.
من برنامج (نور على الدرب).
حكم قضاء الصلاة عن الميت
س : هل تجوز الصلاة عن الميت للفروض التي لم يصلها ؟
ج : الصلاة عن الميت لا تجوز ، وليس لذلك أصل ، وإنما جاء ذلك في الصيام والحج وقضاء الدين والصدقة والدعاء ، أما الصلاة عنه فلا أصل لها.
المصحف ينتفع به الميت إذا جعله وقفا
س : هل إذا ورَّث الميت مصحفا ينال أجرا عند تلاوة أبنائه فيه ؟
ج : المصحف إذا خلفه الميت فهو ينفعه إذا وقفه- أي جعله وقفا- ينفعه أجره ، كما لو وقف كتبا للعلم المفيد ؛ علم الشرع ، أو علم مباح ينتفع به الناس ، فإنه يؤجر على ذلك ؛ لأنه إعانة على خير ، كما لو وقف أرضا أو بيتا أو دكانا يتصدق بغلته على الفقراء ، أو تبرع للمساجد ، كل هذا يؤجر عليه. وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له

(13/138)


فالصدقات الجارية تنفع الميت إذا كان مسلما ، وينفعه دعاء أولاده ودعاء غيرهم ، وينفعه الوقف الذي يوقفه بعده في سبيل الخير ، من بيت أو أرض أو دكان أو نخيل ، أو أشباه ذلك ، فينتفع هو بهذا الوقف إذا انتفع به الناس ، أكلوا من ثمرته وانتفعوا بثمرته ، أو صرفت ثمرته في مساجد المسلمين لإصلاحها في فرشها ، أو عمارتها.
نشر في جريدة عكاظ العدد (11678) في 20/4/1419 هـ.
زيارة القبور
زيارة القبور ثلاثة أنواع
س : ما حكم الدين الإسلامي في زيارة القبور والتوسل بالأضرحة وأخذ خروف وأموال للتوسل بها كزيارة السيد البدوي والحسين والسيدة زينب ؟ أفيدونا أفادكم الله .
ج : زيارة القبور نوعان :
أحدهما : مشروع ومطلوب لأجل الدعاء للأموات والترحم عليهم ولأجل تذكر الموت والإعداد للآخرة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة وكان يزورها صلى الله عليه وسلم ، وهكذا أصحابه رضي الله عنهم ، وهذا النوع للرجال خاصة لا للنساء ، أما النساء فلا يشرع لهن زيارة القبور ، بل يجب نهيهن عن ذلك ؛ لأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور من النساء ، ولأن زيارتهن للقبور قد يحصل بها فتنة لهن أو بهن مع قلة الصبر وكثرة الجزع الذي يغلب عليهن، وهكذا لا يشرع لهن اتباع الجنائز إلى المقبرة ؛ لما ثبت في الصحيح عن أم عطية رضي الله عنها قالت : نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزم علينا فدل ذلك على أنهن ممنوعات من اتباع الجنائز إلى المقبرة ؛ لما يخشى في ذلك من الفتنة لهن وبهن ، وقلة الصبر.

(13/139)


والأصل في النهي التحريم ؛ لقول الله سبحانه : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا أما الصلاة على الميت فمشروع للرجال والنساء ، كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك. أما قول أم عطية رضي الله عنها : لم يُعزم علينا فهذا لا يدل على جواز اتباع الجنائز للنساء ؛ لأن صدور النهي عنه صلى الله عليه وسلم كاف في المنع ، وأما قولها : لم يعزم علينا فهو مبني على اجتهادها وظنها ، واجتهادها لا يعارض بها السنة.
النوع الثاني : بدعي ، وهو زيارة القبور لدعاء أهلها والاستغاثة بهم أو للذبح لهم أو للنذر لهم ، وهذا منكر وشرك أكبر- نسأل الله العافية- ويلتحق بذلك أن يزوروها للدعاء عندها والصلاة عندها والقراءة عندها ، وهذا بدعة غير مشروع ومن وسائل الشرك ، فصارت في الحقيقة ثلاثة أنواع :
النوع الأول : مشروع ، وهو أن يزوروها للدعاء لأهلها أو لتذكر الآخرة.
النوع الثاني : أن تزار للقراءة عندها أو للصلاة عندها أو للذبح عندها فهذه بدعة ومن وسائل الشرك.
النوع الثالث : أن يزوروها للذبح للميت والتقرب إليه بذلك ، أو لدعاء الميت من دون الله ، أو لطلب المدد منه أو الغوث أو النصر ، فهذا شرك أكبر- نسأل الله العافية- فيجب الحذر من هذه الزيارات المبتدعة. ولا فرق بين كون المدعو نبيا أو صالحا أو غيرهما. ويدخل في ذلك ما يفعله بعض الجهال عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم من دعائه والاستغاثة به ، أو عند قبر الحسين أو البدوي أو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو غيرهم. والله المستعان.
سبق نشره في (الجزء الرابع)، ص 344 من هذا المجموع.
حكم التوسل بالموتى وزيارة القبور
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ، أما بعد : فقد سئلت عن حكم التوسل بالموتى وزيارة القبور ، فأجبت بما يلي :

(13/140)


إذا كانت الزيارة لسؤال الموتى والتقرب إليهم بالذبائح والنذر لهم والاستغاثة بهم ودعوتهم من دون الله فهذا شرك أكبر ، وهكذا ما يفعلونه مع من يسمونهم بالأولياء ، سواء كانوا أحياء أو أمواتا ، حيث يعتقدون فيهم أنهم ينفعونهم أو يضرونهم أو يجيبون دعوتهم أو يشفون مرضاهم ، كل هذا شرك أكبر والعياذ بالله، وهذا كعمل المشركين مع اللات والعزى ومناة ، ومع أصنامهم وآلهتهم الأخرى.
والواجب على ولاة الأمر والعلماء في بلاد المسلمين أن ينكروا هذا العمل ، وأن يعلموا الناس ما يجب عليهم من شرع الله ، وأن يمنعوا هذا الشرك ، وأن يحولوا بين العامة وبينه ، وأن يهدموا القباب التي على القبور ويزيلوها ؛ لأنها فتنة ، ولأنها من أسباب الشرك ، ولأنها محرمة ، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبور ، وأن تجصص ، وأن يقعد عليها ، وأن يصلى إليها ، ولعن من اتخذ عليها المساجد ، فلا يجوز البناء عليها ، لا مساجد ولا غيرها ، بل يجب أن تكون بارزة ليس عليها بناء ، كما كانت قبور المسلمين في المدينة المنورة ، وفي كل بلد إسلامي لم يتأثر بالبدع والأهواء.

(13/141)


أما زيارة القبور للذكرى والدعاء للموتى والترحم عليهم فذلك سنة في حق الرجال من دون شد رحل ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة خرجه مسلم في صحيحه. وكان عليه الصلاة والسلام يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وخرج الترمذي رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على قبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال : السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى والله ولي التوفيق ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
سبق نشرها في (الجزء الثالث) من هذا المجموع ص 317.
لا يجوز التبرك بالأموات
س : مات عندنا في البلد رجل وجاء خبر وفاته في النهار ورأينا نساء مسنات من البلد يذهبن إلى بيته وهو مسجى بعد تكفينه وسط النساء وهن حوله فسألناهن لم تذهبن عنده؟ قلن نتبارك به، فما حكم عملهن هذا ؟ وهل هو سنة ؟

(13/142)


ج : هذا العمل لا يجوز ، بل هو منكر ؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يتبرك بالأموات أو قبورهم ، ولا أن يدعوهم من دون الله أو يسألهم قضاء حاجة أو شفاء مريض أو نحو ذلك ؛ لأن العبادة حق الله وحده ، ومنه تطلب البركة ، وهو سبحانه الموصوف بالتبارك ، كما قال عز وجل في سورة الفرقان : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا وقال سبحانه : تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ومعنى ذلك أنه سبحانه بلغ النهاية في العظمة والبركة ، أما العبد فهو مبارك - بفتح الراء- إذا هداه الله وأصلحه ونفع به العباد ، كما قال عز وجل عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام : قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ والله ولي التوفيق.
سبق نشرها في (الجزء الرابع) ص 330، وفي (مجلة البحوث الإسلامية) العدد (28) ص 123.
الزيارة الشرعية للقبور
س : سائل يسأل عن أولئك الذين يزورون القباب وقبور بعض الصالحين ما هو توجيهكم ؟
ج : يجب أن يعلَّموا الزيارة الشرعية ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا : السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وفي حديث آخر قال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام : يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر وبهذه الأحاديث وما جاء في معناها والأحاديث تعلم الزيارة الشرعية والمقصود منها أن يدعى للموتى ، ويتذكر الزائر الموت والآخرة لقوله صلى الله عليه وسلم : زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة

(13/143)


أما وضع القباب على القبور والمساجد فلا يجوز ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولقوله عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه : لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته وصح عنه عليه الصلاة والسلام في حديث جابر رضي الله عنه أنه نهى عليه الصلاة والسلام عن تجصيص القبور والقعود عليها والبناء عليها . أخرجه مسلم في صحيحه.
فالقبور لا يجوز البناء عليها ولا يتخذ عليها مساجد ولا قباب ولا يجوز تجصيصها ولا القعود عليها كل هذا ممنوع ولا يجوز أن تكسى بالستور وإنما يرفع القبر قدر شبر ليعرف أنه قبر حتى لا يمتهن ولا يوطأ. فالواجب على كل من لديه علم أن يبلغ إخوانه ويعلمهم. وهذا هو واجب العلماء عليهم أن يعلموا الناس ما شرعه الله والمؤمن يتعلم من العلماء ويعلم من يأتي القبور يقول لهم : إن الزيارة الشرعية كذا وكذا وإن البناء على القبور أو سؤال الميت أو التبرك بتراب القبر أو تقبيل القبر أو الصلاة عنده كل هذا من البدع فلا يصلى عند القبور ولا تتخذ محلا للدعاء أو القراءة عندها وكل هذا من البدع ، أما طلب البركة منها أو الشفاعة منها أو الشفاء للمرضى فهذا من أنواع الشرك الأكبر ، فإذا قال : يا سيدي فلان اشفع لي إلى الله ، أو يقول للميت : انصرني أو اشف مريضي ونحو ذلك هذا لا يجوز ؛ لأن الميت انقطع عمله بعد موته إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له. أما أن يطلب منه شفاء المرضى أو النصر على الأعداء أو الشفاعة إلى ربه بكذا فهذا من الشرك الأكبر ولا يجوز طلبه من الموتى وإنما يطلب ذلك من الله تعالى فيقول : اللهم اشفني ، اللهم أعطني كذا ، اللهم شفِّع فيَّ أنبياءك ، اللهم شفِّع فيَّ نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم ، اللهم شفِّع فيَّ الملائكة والمؤمنين فهذا لا بأس به ، لأنه طلب من الله جل وعلا.

(13/144)


والخلاصة أن المسلمين ينصح بعضهم بعضا ويعلم بعضهم بعضا في أمر الشرع ، والعلماء عليهم في ذلك التوجيه للعامة إلى شرع الله جل وعلا ، ومن ذلك أن يعلموا الزيارة الشرعية للقبور التي جاءت في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والتي تقدم بيانها ، ويعلموا أنه لا يجوز البناء على القبور ولا وضع القباب ولا المساجد عليها ، وأنها لا تجصص ولا يقعد عليها ولا تتخذ محلا للدعاء عندها أو الصلاة عندها أو القراءة عندها ، كل هذه الأمور من البدع ومن وسائل الشرك الأكبر. والله ولي التوفيق .
من برنامج (نور على الدرب).
حديث : من زار أهل بيتي بعد وفاتي كتبت له سبعون حجة لا أصل له
س : زيارة القبور أمثال الإمام علي رضي الله عنه والحسين والعباس وغيرهم، وهل الزيارة إليهم تعدل سبعين حجة إلى بيت الله الحرام ؟ وهل قال الرسول صلى الله عليه وسلم : من زار أهل بيتي بعد وفاتي كتبت له سبعون حجة ؟ نرجو أن تفيدونا جزاكم الله خيرا .

(13/145)


ج : زيارة القبور سنة ، وفيها عظة وذكرى ، وإذا كانت القبور من قبور المسلمين دعا لهم. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يزور القبور ويدعو للموتى ، وكذا أصحابه رضي الله عنهم. ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام : زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا : السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وفي حديث عائشة : يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وفي حديث ابن عباس : يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن في الأثر فالدعاء لهم بهذا وأشباهه كله طيب ، وفي الزيارة ذكرى وعظة ؛ ليستعد المؤمن لما نزل بهم وهو الموت ، فإنه سوف ينزل به ما نزل بهم ، فليعد العدة ويجتهد في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويبتعد عما حرم الله ورسوله من سائر المعاصي ، ويلزم التوبة عما سلف من التقصير ، هكذا يستفيد المؤمن من الزيارة. أما ما ذكرت من زيارة القبور لعلي رضي الله عنه والحسن والحسين أو غيرهم أنها تعدل سبعين حجة- فهذا باطل ومكذوب على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ليس له أصل ، وليست الزيارة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم- الذي هو أفضل الجميع- تعدل حجة. الزيارة لها حالها وفضلها ، لكن لا تعدل حجة ، فكيف بزيارة غيره عليه الصلاة والسلام ؟ هذا من الكذب ، وهكذا قولهم : من زار أهل بيتي بعد وفاتي كتبت له سبعون حجة كل هذا لا أصل له ، وكله باطل ، وكله مما كذبه الكذابون، فيجب على المؤمن الحذر من هذه الأشياء الموضوعة المكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم .
وإنما تسن الزيارة للقبور ، سواء كانت قبور أهل البيت أو غيرهم من المسلمين ، يزورهم ويدعو لهم ويترحم عليهم وينصرف.

(13/146)


أما إن كانت القبور للكفار فإن زيارتها للعظة والذكرى من دون أن يدعو لهم ، كما زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه ، ونهاه ربه سبحانه أن يستغفر لها ، زارها للعظة والذكرى ولم يستغفر لها. وهكذا القبور الأخرى- قبور الكفرة- إذا زارها المؤمن للعظة والذكرى فلا بأس ، ولكن لا يسلم عليهم ولا يستغفر لهم ؛ لأنهم ليسوا أهلا لذلك.
حكم زيارة قبر سيدنا الحسين -رضي الله عنه- وموضعه
س : يقول السائل : كثر كلام الناس واختلف حول قبر سيدنا الحسين أين مكانه ، وهل يستفيد المسلمون من معرفة مكانه بالتحديد ؟
ج : بالواقع قد اختلف الناس في ذلك ، فقيل : إنه دفن في الشام ، وقيل : في العراق ، والله أعلم بالواقع. أما رأسه فاختلف فيه ؛ فقيل : في الشام ، وقيل في العراق ، وقيل: في مصر. والصواب أن الذي في مصر ليس قبرا له ، بل هو غلط وليس به رأس الحسين ، وقد ألف في ذلك بعض أهل العلم ، وبينوا أنه لا أصل لوجود رأسه في مصر ولا وجه لذلك ، وإنما الأغلب أنه في الشام ؛ لأنه نقل إلى يزيد بن معاوية وهو في الشام ، فلا وجه للقول بأنه نقل إلى مصر ، فهو إما حفظ في الشام في مخازن الشام ، وإما أعيد إلى جسده في العراق. وبكل حال فليس للناس حاجة في أن يعرفوا أين دفن وأين كان ، وإنما المشروع الدعاء له بالمغفرة والرحمة ، غفر الله له ورضي عنه ، فقد قتل مظلوما فيدعى له بالمغفرة والرحمة ، ويرجى له خير كثير ، وهو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة ، كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، رضي الله عنهما وأرضاهما ، ومن عرف قبره وسلم عليه ودعا له فلا بأس ، كما تزار القبور الأخرى ، من غير غلو فيه ولا عبادة له ، ولا يجوز أن تطلب منه الشفاعة ولا غيرها ، كسائر الأموات ؛ لأن الميت لا يطلب منه شيء وإنما يدعى له ويترحم عليه إذا كان مسلما ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة

(13/147)


فمن زار قبر الحسين أو الحسن أو غيرهما من المسلمين للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم كما يفعل مع بقية قبور المسلمين- فهذا سنة ، أما زيارة القبور لدعاء أهلها أو الاستعانة بهم أو طلبهم الشفاعة- فهذا من المنكرات ، بل من الشرك الأكبر ، ولا يجوز أن يبنى عليها مسجد ولا قبة ولا غير ذلك ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد متفق على صحته ، ولما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن تجصيص القبور وعن القعود عليها وعن البناء عليها فلا يجوز أن يجصص القبر أو يطيب أو توضع عليه الستور أو يبنى عليه ، فكل هذا ممنوع ومن وسائل الشرك ، ولا يصلى عنده ؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام : ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك خرجه مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه ، وهذا الحديث يدل على أنه لا تجوز الصلاة عند القبور ولا اتخاذها مساجد ؛ ولأن ذلك وسيلة للشرك وأن يعبدوا من دون الله بدعائهم والاستغاثة بهم والنذر لهم والتمسح بقبورهم طلبا لبركتهم ؛ فلهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك ، وإنما تزار القبور زيارة شرعية فقط ، للسلام عليهم والدعاء لهم والترحم عليهم من دون شد رحل لذلك، والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل._
سبق نشرها في ( الجزء السادس ) من هذا المجموع ص366 .
الدعاء عند القبور غير مشروع(1)
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ع. م. ع. وفقه الله ، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، بعده:

(13/148)


كتابكم الكريم المؤرخ في 3/3/ 1974 م وصل وصلكم الله بهداه ، وما تضمنه كان معلوما ، ونبارك لكم في الزواج ، جعله الله زواجا مباركا ، وقد ذكرتم في كتابكم أن ندعو لكم عند قبر الرسول عليه الصلاة والسلام ، ونفيدكم أن الدعاء عند القبور غير مشروع ، سواء كان القبر قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره ، وليست محلا للإجابة ، وإنما المشروع زيارتها والسلام على الموتى والدعاء لهم وذكر الآخرة والموت. أحببنا تنبيهك على هذا حتى تكون على بصيرة.
وفي إمكانك أن تراجع أحاديث الزيارة في آخر كتاب الجنائز من بلوغ المرام حتى تعلم ذلك ، وفقنا الله وإياكم لاتباع السنة والعمل بما يرضي الله سبحانه ويقرب لدينه ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة_
عدم جواز الطلب إلى الميت (2)
س: يقول بعض الناس إن الطلب إلى الميت في القبر جائز ، بدليل إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور فهل هذا الحديث صحيح أم لا ؟
ج: هذا الحديث من الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نبه على ذلك غير واحد من أهل العلم ، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه ، حيث قال رحمه الله في مجموع الفتاوى الجزء الأول صفحة (356) بعد ما ذكره- ما نصه: "هذا الحديث كذب مفترى على النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع العارفين بحديثه ، لم يروه أحد من العلماء بذلك ، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة" انتهى كلامه رحمه الله.
وهذا المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مضاد لما جاء به الكتاب والسنة من وجوب إخلاص العبادة لله وحده وتحريم الإشراك به، ولا ريب أن دعاء الأموات والاستغاثة بهم والفزع إليهم في النائبات والكروب من أعظم الشرك بالله عز وجل كما أن دعاءهم في الرخاء شرك بالله سبحانه.

(13/149)


وقد كان المشركون الأولون إذا اشتدت بهم الكروب أخلصوا لله العبادة ، وإذا زالت الشدائد أشركوا بالله ، كما قال الله عز وجل: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ
والآيات في هذا المعنى كثيرة. أما المشركون المتأخرون فشركهم دائم في الرخاء والشدة ، بل يزداد شركهم في الشدة والعياذ بالله ، وذلك يبين أن كفرهم أعظم وأشد من كفر الأولين من هذه الناحية ، وقد قال الله عز وجل: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وقال سبحانه: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ وقال عز وجل: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وقال سبحانه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ وهاتان الآيتان تعم جميع من يعبد من دون الله من الأنبياء والصالحين وغيرهم ، وقد أوضح سبحانه أن دعاء المشركين لهم شرك به سبحانه ، كما بين أن ذلك كفر به سبحانه في قوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ
والآيات الدالة على وجوب إخلاص العبادة لله وحده وتوجيه الدعاء إليه دون كل ما سواه ، وعلى تحريم عبادة غيره سبحانه من الأموات والأصنام والأشجار والأحجار ونحو ذلك كثيرة جدا ، يعلمها من تدبر كتاب الله وقصد الاهتداء به.
والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(1) صدرت من مكتب سماحته حينما كان رئيسا للجامعة الإسلامية برقم ( 3456/1/1 ) وتاريخ 25/2/1394 هـ .
(2) سبق نشرها في ( الجزء الرابع ) من هذا المجموع ص327 وفي ( مجلة البحوث الإسلامية ) العدد ( 28 ) ص119 .

(13/150)


حكم الذبح عند الأضرحة ودعاء أهلها
س: ما حكم التقرب بذبح الذبائح في أضرحة الأولياء الصالحين وقول: "بحق وليِّك الصالح فلان اشفنا أو أبعد عنا الكرب الفلاني"؟
ج: من المعلوم بالأدلة من الكتاب والسنة أن التقرب بالذبح لغير الله من الأولياء أو الجن أو الأصنام أو غير ذلك من المخلوقات- شرك بالله ومن أعمال الجاهلية والمشركين ، قال الله عز وجل: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ والنسك هو: الذبح ، بيَّن سبحانه في هذه الآية أن الذبح لغير الله شرك بالله كالصلاة لغير الله ، قال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أمر الله سبحانه نبيه في هذه السورة الكريمة أن يصلي لربه وينحر له ، خلافا لأهل الشرك الذين يسجدون لغير الله ويذبحون لغيره. وقال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وقال سبحانه وتعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
والذبح من العبادة ، فيجب إخلاصه لله وحده، وفي صحيح مسلم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله من ذبح لغير الله

(13/151)


وأما قول القائل: أسأل الله بحق أوليائه أو بجاه أوليائه أو بحق النبي أو بجاه النبي- فهذا ليس من الشرك ، ولكنه بدعة عند جمهور أهل العلم ومن وسائل الشرك ؛ لأن الدعاء عبادة وكيفيته من الأمور التوقيفية ، ولم يثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم ما يدل على شرعية أو إباحة التوسل بحق أو جاه أحد من الخلق ، فلا يجوز للمسلم أن يحدث توسلا لم يشرعه الله سبحانه ؛ لقوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد متفق على صحته ، وفي رواية لمسلم وعلقها البخاري في صحيحه جازما بها: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ومعنى قوله: فهو رد أي مردود على صاحبه لا يقبل، فالواجب على أهل الإسلام التقيد بما شرعه الله والحذر مما أحدثه الناس من البدع.
سبق نشرها في ( الجزء الخامس ) من هذا المجموع ص324 .
أما التوسل المشروع فهو التوسل بأسماء الله وصفاته وبتوحيده وبالأعمال الصالحات ، ومنها الإيمان بالله ورسوله ، ومحبة الله ورسوله ، ونحو ذلك من أعمال البر والخير, والأدلة على ذلك كثيرة ، منها: قوله سبحانه: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" فقال صلى الله عليه وسلم لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب أخرجه أهل السنن الأربع وصححه ابن حبان.

(13/152)


ومنها: حديث أصحاب الغار الذين توسلوا إلى الله سبحانه وتعالى بأعمالهم الصالحة ، فإن الأول منهم توسل إلى الله سبحانه ببره بوالديه ، والثاني توسل إلى الله بعفته عن الزنا بعد قدرته عليه ، والثالث توسل إلى الله سبحانه بكونه نمَّى أجرة الأجير ثم سلمها له ، ففرج الله كربتهم وقبل دعاءهم وأزال عنهم الصخرة التي سدت عليهم باب الغار ، والحديث متفق على صحته، والله ولي التوفيق.
فائدة فيما يتعلق بزيارة القبور والبناء عليها وتجصيصها
لا شك أن موضوع زيارة القبور والبناء عليها وتجصيصها موضوع مهم ، والناس في حاجة دائمة لبيان ما شرع الله في ذلك وما نهى الله عنه حتى يكون الناس على بصيرة ، فإن القبور قد ابتلي الناس فيها منذ قديم الزمان ، من عهد نوح صلى الله عليه وسلم ؛ فقد وقعت الفتنة بالموتى والغلو فيهم في زمن أول رسول أرسله الله عز وجل إلى أهل الأرض ، بعدما وقع فيهم الشرك- وهو نوح عليه السلام- ثم لم يزل الناس يقع منهم ما يقع من الفتن في القبور والغلو فيها والشرك بأهلها إلى يومنا هذا.

(13/153)


فإن الناس كانوا قبل زمن نوح عليه الصلاة والسلام على الإسلام ، من عهد آدم عليه السلام إلى زمن نوح عليه الصلاة والسلام عشرة قرون ، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ، ثم إن الناس وقعوا في الشرك بعد ذلك بسبب الغلو في خمسة من الصالحين ماتوا في زمن متقارب يقال لهم: ود ، وسواع ، ويغوث ، ويعوق ، ونسر ؛ فعظم عليهم ذلك واشتدت بهم المصيبة بموت هؤلاء الأخيار منهم ، فجاءهم الشيطان وزين لهم أن يصوروا صورهم ، وأن ينصبوها في مجالسهم ، وقال لهم: هذا تذكار تذكرونهم به في عبادتهم وأحوالهم الطيبة حتى لا تنسوهم ، وتجتهدوا في العبادة كما اجتهدوا ، فأتاهم من باب النصح ، وقال بالتذكير بطاعة الله عز وجل ، والخبيث له مقاصد أخرى فيما بعد ، فيهم أو فيمن بعدهم في آخر زمانهم وعند طول الأمد ، فإنه اعتقد أن هؤلاء إذا طال بهم الأمد سوف تتغير حالهم ، وسوف يتغير اعتقادهم بهذه الصور ، أو من يأتي بعدهم من ذرياتهم. فوقع كما اعتقد الخبيث ، وكما ظن إذا طال الأمد: عبدوهم من دون الله ، أو عبدهم ذرياتهم من دون الله ، كما ذكر العلماء ذلك رحمة الله عليهم ، وأنزل الله فيهم قوله جل وعلا: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا بين الله سبحانه أنهم أضلوا كثيرا بسبب الشيطان وتزيينه لهم صور هؤلاء الخمسة الصالحين حتى عبدوهم من دون الله فاستغيث بهم وعظمت قبورهم ، وبني عليها ، إلى غير ذلك ، حتى بعث الله نبيه خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام فبين للناس ما فعله من قبلهم وما فعله اليهود والنصارى مع الأنبياء في هذا الصدد ، فقال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وأخبرهم عما تفعله النصارى في شأن موتاها ، كما في الحديث الذي روته أم حبيبة وأم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم من قصة الكنيسة التي رأتاها في أرض الحبشة ، فقال فيها

(13/154)


عليه الصلاة والسلام: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله فبيَّن أن النصارى من عادتهم البناء على قبور صالحيهم ، ووضع الصور على تلك القبور ، ثم أخبر أنهم شرار الخلق عند الله بسبب ذلك.
من ضمن مذكرة لسماحته جمع فيها فوائد في مختلف العلوم .
وشرعت الزيارة للقبور لا للطواف بها والتبرك بها ؛ وإنما شرعت لتذكر الناس الآخرة ، ولقاء الله ، والزهد في الدنيا ، وأن الموت لا بد منه ، وأنه سوف يأتي عليه كما أتى على من قبله من الأموات، وفي الزيارة إحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم إذا كانوا مسلمين.
ولقد استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم ربه في زيارة قبر أمه فأذن له لما في زيارتها من الاعتبار والذكرى للموت والآخرة. ولما استأذن في أن يستغفر لها لم يؤذن له ؛ لأنها ماتت على الجاهلية دين قومها ؛ فدل ذلك على أن القبور إذا كانت قبور كفار أو من قبور أهل الجاهلية فإنه لا يدعى لهم ، ولا يستغفر لهم ، ولا يسلم عليهم ، وإنما تزار للذكرى والاعتبار ، ولكن لا يسلم عليهم ولا يدعى لهم ؛ لأنهم ماتوا على غير دين الإسلام ، وقد قال سبحانه وتعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ
فالسنة أن يقول الزائر إذا زار مقابر المسلمين: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وفي لفظ آخر: يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين
وكان إذا زار القبور صلى الله عليه وسلم يدعو لهم ويستغفر لهم ، ولما زار البقيع قال: اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد وإذا زار الشهداء دعا لهم ، وهذه هي السنة في زيارة القبور.

(13/155)


وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور في أول الأمر ، لما كان الناس حديثي عهد بالجاهلية والكفر ، وقد كانوا اعتادوا الغلو في الموتى ودعاءهم والاستغاثة بهم ، فمنعهم صلى الله عليه وسلم عن الزيارة ؛ لئلا يبقى في قلوبهم تعلق بالشرك بالله عز وجل ، ولئلا تقع منهم أشياء لا ترضي الله ؛ لأنهم حدثاء عهد بعبادة القبور وتعظيمها.
ولما استقر التوحيد في قلوب المسلمين ، وعرفوا معنى الشهادتين ، وعرفوا شريعة الله ، أذن لهم بزيارة القبور بعد ذلك ؛ لما فيها من المصلحة والتذكر للآخرة ، ولقاء الله عز وجل ، والزهد في الدنيا ، والاستعداد للموت ، وأن ما أصاب هؤلاء الموتى سيصيبك ، مع ما فيها من الإحسان إلى الموتى بالدعاء والاستغفار لهم.
وقد كانت القبور في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ترفع عن الأرض قدر شبر ، وليس هناك بناء عليها ولا تجصيص ولا قباب ، هكذا كان الحال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه والقرون المفضلة ، ثم غير الناس بعد ذلك ، وبنوا على القبور وجصصوها وفرشوها تقليدا لليهود والنصارى إلا من رحم الله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن؟ متفق على صحته، والمعنى فمن المعني إلا أولئك؟ فلهذا وقع ما وقع ، قلدوا اليهود والنصارى بالبناء على القبور واتخاذ المساجد عليها والقباب وفرشها حتى حدث الغلو فيها ، وحتى عبدها الناس من دون الله وطافوا بها وطلبوا منها المدد من دون الله فوقع الشرك من الأكثرين. وكثير من العامة الذين لا بصيرة لهم يدعونها ويطلبون منها المدد والغوث وشفاء المرضى والنصر على الأعداء ، وهذا هو الشرك بالله جل وعلا.

(13/156)


قال تعالى في سورة فاطر: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ وهو ما وقع في الناس اليوم ، فكثير منهم ممن يعرفون بالشيعة وغيرهم يدعون الحسين بن علي ، ويدعون الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا من مكان بعيد ، ويدعون عليا رضي الله عنه ، وكل هذا من الجهل العظيم ، فيقولون: الغوث الغوث ، المدد المدد ، النصر على الأعداء ، وأنت تعرف ما جرى في الأمة وما جرى فينا ، فأسعفونا وأغيثونا وانصرونا ، إلى غير ذلك ، ينسون الله ويدعون هؤلاء الأموات ، وإذا اشتدت الأمواج في البحار كذلك يسألون الموتى ويصرخون بهم لإنقاذهم من الغرق. والمشركون الأولون أقل شركا من هؤلاء ، كان الأولون إذا نزلت بهم الشدة استغاثوا بالله وحده وأفردوا له العبادة ، كما قال سبحانه: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ
هذه حال الأولين من المشركين ، كأبي جهل وأشباهه ، أما هؤلاء المتأخرون- عباد القبور عباد الأموات- فشركهم دائم في الرخاء والشدة جميعا.

(13/157)


ومما وقع في الناس أيضا الإيقاد عند الموتى في المقابر ، وهذا لا أصل له ، وما جاء فيه من الأخبار فهو موضوع لا أساس له ، ولا أساس للقراءة على الموتى في المقابر ، كل هذا باطل ، كذلك القراءة عند دفن الميت. وبعضهم أحدث بدعة أخرى ، وهي بدعة الأذان والإقامة في القبر ، إذا حفروه نزلوا فأذنوا وأقاموا فيه ثم جعلوا الميت فيه بعد ذلك ، وهي بدعة جديدة لا أساس لها ، وكذلك التلقين ، تلقين الميت بعد إنزاله في القبر ودفنه بقولهم: يا فلان ابن فلانة ، فإن لم تُعرف أمه قالوا: يا فلان ابن حواء ، اذكر ما كنت عليه في الدنيا ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، إلى آخره.
وهذا لا أصل له ، والأخبار فيه موضوعة لا أساس لها ، وإنما فعلها بعض أهل الشام بعد انقراض القرن الأول ، وليس في قول أحد أو فعله حجة فيما يخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما المشروع الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا فرغ الناس من دفن الميت أن يدعى له بالتثبيت والمغفرة ، والسنة للمشيعين أن لا يعجلوا بالانصراف حتى يفرغ من دفن الميت ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معها حتى يصلى عليها وحتى يفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل جبل أحد يعني من الأجر ، فدل على أن المشيع يبقى مع الجنازة حتى يفرغ من دفنها ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل هذه هي السنة ، ولم يكن يلقنه ، فالتلقين يكون قبل الموت ما دام حيا وظهرت عليه أمارات الموت ، فإنه يلقن بأن يقول: لا إله إلا الله ، أو يذكرون الله عنده حتى يقولها ويختم له بها ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ولقوله صلى الله عليه وسلم: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله رواه مسلم في صحيحه.

(13/158)


وإذا لم ينتبه فلا بأس لمن عنده من إخوانه أن يقول: يا فلان ، قل: لا إله إلا الله ، برفق وكلام طيب .
وكذلك لا يجلس الإنسان على القبر ، ولا يجوز الصلاة في المقبرة إلا صلاة الجنازة على القبر إذا لم يصل الإنسان على الميت ، فلا بأس أن يصلي على القبر ، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد صلى على قبر مضى عليه شهر ؛ فدل ذلك على أنه لا بأس أن يصلى على القبر بعد مضي شهر على دفنه ، وإن مضى على الدفن أكثر من شهر فالواجب ترك ذلك ، إلا أن تكون الزيادة يسيرة كاليوم واليومين ؛ لأن العبادات توقيفية لا يشرع منها إلا ما شرعه الله سبحانه أو رسوله عليه الصلاة والسلام. وهكذا لا تجوز الكتابة على القبور ولا البناء عليها ولا تجصيصها ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك فيما رواه مسلم في صحيحه ، وغيره ؛ فعلى الجميع التعاون على البر والتقوى.
ونسأل الله عز وجل التوفيق والسداد ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
حكم الإقامة عند القبر بالمدح والأذكار ثلاثة أيام
س: يوجد في بلدتنا رجل صالح متوفى قد بني له مقام على قبره وله عادة عندنا في كل عام ، نذهب مع الناس إليه رجالا ونساء ويقيمون عنده ثلاثة أيام بالمدح والتهاليل والأذكار ويستمر بالأوصاف المعروفة ، فنرجو التوجيه والإرشاد.
ج: هذا العمل لا يجوز ، وهو من البدع التي أحدثها الناس ، فلا يجوز أن يقام على قبر أحد بناء ، سواء سمي مقاما أو قبة أو مسجدا أو غير ذلك. وكانت القبور في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة في البقيع وغيره مكشوفة ليس عليها بناء ، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبر أو يجصص وقال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد متفق على صحته.

(13/159)


وقال جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه رواه الإمام مسلم في صحيحه. فالبناء على القبور وتجصيصها ووضع الزينات عليها أو الستور كله منكر ووسيلة إلى الشرك ، فلا يجوز وضع القباب أو الستور أو المساجد عليها. وهكذا زيارتها على الوجه الذي ذكره السائل من الجلوس عندها والتهاليل وأكل الطعام والتمسح بالقبر والدعاء عند القبر والصلاة عنده كل هذا منكر وكله بدعة لا يجوز ، إنما المشروع زيارة القبور للذكرى والدعاء للموتى والترحم عليهم ثم ينصرف.
والمشروع للزائر للقبور أن يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وما أشبه ذلك من الدعوات فقط. هذا هو المشروع الذي علَّمه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم. وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبور المدينة فقال السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر وأما الإقامة عند القبر للأكل والشرب أو التهليل أو للصلاة أو قراءة القرآن فكل هذا منكر لا أصل له في الشرع المطهر.

(13/160)


وأما دعاء الميت والاستغاثة به وطلب المدد منه فكل ذلك من الشرك الأكبر ، وهو من عمل عباد الأوثان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من اللات والعزى ومناة وغيرها من أصنام الجاهلية وأوثانها. فيجب الحذر من ذلك وتحذير العامة منه وتبصيرهم في دينهم حتى يسلموا من هذا الشرك الوخيم ، وهذا هو واجب العلماء الذين منّ الله عليهم بالفقه في الدين ومعرفة ما بعث الله به المرسلين ، كما قال الله سبحانه: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وقال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وقال عز وجل: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وقال سبحانه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وفي رواية للبخاري رحمه الله: فادعهم إلى أن يوحدوا الله فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن أجابوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب متفق على صحته. فأمره أن يبدأهم بالدعوة إلى التوحيد والسلامة من الشرك مع الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم والشهادة له بالرسالة.

(13/161)


فعلم بذلك أن الدعوة إلى إصلاح العقيدة وسلامتها مقدمة على بقية الأحكام ؛ لأن العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه الأحكام ، كما قال الله عز وجل: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وقال سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فالواجب على أهل العلم في كل مكان وزمان مضاعفة الجهود في ذلك حتى يبصروا العامة بحقيقة الإسلام ويبينوا لهم العقيدة الصحيحة التي بعث الله بها الرسل عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم إمامهم وخاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم، وفق الله علماء المسلمين وعامتهم لكل ما فيه رضاه ، إنه خير مسئول.
سبق نشرها في ( الجزء الخامس ) من هذا المجموع ص285 .
من بدع زيارة القبور
س: إذا توفي واحد عندنا في السودان بعد أربعين يوما تقوم الأسرة بزيارة القبر النساء والأولاد يفتحون القبر ومعهم حبوب ذرة ينشرونها على الميت ويرمون فيما أعتقد حجارة على الميت ، وهل الحريم يزرن القبر؟
ج: هذا بدعة لا أصل له في الشرع ، فرمي الحبوب والطيب والملابس كله منكر لا أصل له ، فالقبر لا يفتح إلا لحاجة كأن ينسى العمال أدواتهم كالمسحاة فيفتح لأجل ذلك ، أو يسقط لأحدهم شيء له أهمية فيفتح القبر لذلك ، أما أن يفتح للحبوب أو ملابسه أو نحو ذلك فلا يجوز ، وليس للنساء زيارة القبر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور ، وروي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس وحسان بن ثابت رضي الله عنهم ، فلا يجوز لهن زيارتها ، لكنها مشروعة للرجال ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة رواه مسلم في صحيحه، والحكمة- والله أعلم- في نهي النساء عن ذلك هي أنهن فتنة وقليلات الصبر.
سبق نشرها في ( الجزء السادس ) ص372 من هذا المجموع .

(13/162)


حكم زيارة النساء للقبور
س: توفي والد خالتي ، وزارت قبره مرة ، وتريد أن تزوره مرة أخرى ، وسمعت حديثا معناه تحريم زيارة المرأة للقبور ، فهل هذا الحديث صحيح؟ وإذا كان صحيحا فهل عليها إثم يستوجب الكفارة؟
ج: الصحيح أن زيارة النساء للقبور لا تجوز ؛ للحديث المذكور ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لعن زائرات القبور، فالواجب على النساء ترك زيارة القبور ، والتي زارت القبر جهلا منها فلا حرج عليها ، وعليها أن لا تعود ، فإن فعلت ؛ فعليها التوبة والاستغفار ، والتوبة تجُبُّ ما قبلها ، فالزيارة للرجال خاصة ، قال صلى الله عليه وسلم: زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة وكانت الزيارة في أول الأمر ممنوعة على الرجال والنساء ؛ لأن المسلمين حدثاء عهد بعبادة الأموات والتعلق بالأموات ، فمنعوا من زيارة القبور ؛ سدا لذريعة الشر ، وحسما لمادة الشرك ، فلما استقر الإسلام وعرفوا الإسلام ، شرع الله لهم زيارة القبور ؛ لما فيها من العظة والذكرى ، من ذكر الموت والآخرة والدعاء للموتى والترحم عليهم ، ثم منع الله النساء من ذلك في أصح قولي العلماء ؛ لأنهن يفتن الرجال وربما فُتِنَّ في أنفسهن ولقلة صبرهن وكثرة جزعهن ، فمن رحمة الله وإحسانه إليهن أن حرم عليهن زيارة القبور ، وفي ذلك أيضا إحسان للرجال ؛ لأن اجتماع الجميع عند القبور قد يسبب فتنة ، فمن رحمة الله أن منعن من زيارة القبور.
أما الصلاة فلا بأس ، فتصلي النساء على الميت ، وإنما النهي عن زيارة القبور ، فليس للمرأة زيارة القبور في أصح قولي العلماء ؛ للأحاديث الدالة على منع ذلك ، وليس عليها كفارة وإنما عليها التوبة فقط.
سبق نشره في ( الجزء التاسع ) ص282 من هذا المجموع .
س: ما حكم زيارة المرأة للقبور ؟

(13/163)


ج: لا يجوز للنساء زيارة القبور ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور ، ولأنهن فتنة ، وصبرهن قليل ، فمن رحمة الله وإحسانه أن حرم عليهن زيارة القبور ؛ حتى لا يُفْتَنَّ ولا يَفْتِنَّ. أصلح الله حال الجميع.
نشرت في ( كتاب الدعوة ) الجزء الثاني ص141 .
س: هل تشرع زيارة القبور للنساء ؟
ج: ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه لعن زائرات القبور من حديث ابن عباس ، ومن حديث أبي هريرة ، ومن حديث حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنهم جميعا، وأخذ العلماء من ذلك أن الزيارة للنساء محرمة ؛ لأن اللعن لا يكون إلا على محرم ، بل يدل على أنه من الكبائر ؛ لأن العلماء ذكروا أن المعصية التي يكون فيها اللعن أو فيها وعيد تعتبر من الكبائر.
فالصواب أن الزيارة من النساء للقبور محرمة لا مكروهة فقط، والسبب في ذلك- والله أعلم- أنهن في الغالب قليلات الصبر ، فقد يحصل منهن من النياحة ونحوها ما ينافي الصبر الواجب، وهن فتنة ، فزيارتهن للقبور واتباعهن للجنائز قد يفتتن بهن الرجال وقد يفتتن بالرجال، والشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بسد الذرائع المفضية إلى الفساد والفتن ، وذلك من رحمة الله بعباده.
وقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء متفق على صحته، فوجب بذلك سد الذرائع المفضية إلى الفتنة المذكورة، ومن ذلك ما جاءت به الشريعة المطهرة من تحريم تبرج النساء ، وخضوعهن بالقول للرجال ، وخلوة المرأة بالرجل غير المحرم ، وسفرها بلا محرم، وكل ذلك من باب سد الذرائع المفضية إلى الفتنة بهن، وقول بعض الفقهاء: إنه استثني من ذلك قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما- قول بلا دليل، والصواب أن المنع يعم الجميع ، يعم جميع القبور ، حتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وحتى قبر صاحبيه رضي الله عنهما.

(13/164)


وهذا هو المعتمد من حيث الدليل، وأما الرجال فيستحب لهم زيارة القبور ، وزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام وقبر صاحبيه ، لكن بدون شد الرحل ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة رواه مسلم في صحيحه.
سبق نشره في ( الجزء الخامس ) ص332 من هذا المجموع .
وأما شد الرحال لزيارة القبور فلا يجوز ، وإنما يشرع لزيارة المساجد الثلاثة خاصة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى متفق على صحته.
وإذا زار المسلم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم دخل في ذلك على سبيل التبعية زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه وقبور الشهداء وأهل البقيع وزيارة مسجد قباء من دون شد الرحل، فلا يسافر لأجل الزيارة ، ولكن إذا كان في المدينة شرع له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه ، وزيارة البقيع والشهداء ومسجد قباء.

(13/165)


أما شد الرحال من بعيد لأجل الزيارة فقط فهذا لا يجوز على الصحيح من قولي العلماء ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى أما إذا شد الرحل إلى المسجد النبوي فإن الزيارة للقبر الشريف والقبور الأخرى تكون تبعا لذلك؛ فإذا وصل المسجد صلى فيه ما تيسر ، ثم زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وزار قبر صاحبيه ، وصلى وسلم عليه (عليه الصلاة والسلام) ودعا له ، ثم سلم على الصديق رضي الله عنه ودعا له ، ثم على الفاروق ودعا له ، هكذا السنة. وهكذا القبور الأخرى ، لو زار مثلا دمشق ، أو القاهرة ، أو الرياض ، أو أي بلد ، يستحب له زيارة القبور ؛ لما فيها من العظة والذكرى والإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم إذا كانوا مسلمين. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين هذه هي السنة من دون شد الرحل ، ولكن لا يزورهم لدعائهم من دون الله ؛ لأن هذا شرك بالله عز وجل وعبادة لغيره ، وقد حرم الله ذلك على عباده في قوله سبحانه: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وقال سبحانه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ فبين سبحانه أن دعاء العباد للموتى ونحوهم شرك به سبحانه وعبادة لغيره.

(13/166)


وهكذا قوله سبحانه: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ فسمى الدعاء لغير الله كفرا ؛ فوجب على المسلم أن يحذر هذا ، ووجب على العلماء أن يبينوا للناس هذه الأمور ، حتى يحذروا الشرك بالله، فكثير من العامة إذا مر بقبور من يعظمهم استغاث بهم وقال: المدد المدد ، يا فلان أغثني ، انصرني ، اشف مريضي ، وهذا هو الشرك الأكبر والعياذ بالله ، وهذه الأمور تطلب من الله عز وجل ، لا من الموتى ولا من غيرهم من المخلوقين.
أما الحي فيطلب منه ما يقدر عليه ، إذا كان حاضرا يسمع كلامك ، أو من طريق الكتابة ، أو من طريق الهاتف وما أشبه ذلك من الأمور الحسية ، تطلب منه ما يقدر عليه ، تبرق له أو تكتب له أو تكلمه في الهاتف ، تقول ساعدني على عمارة بيتي ، أو على إصلاح مزرعتي ؛ لأن بينك وبينه شيئا من المعرفة أو التعاون. وهذا لا بأس به ، كما قال الله عز وجل في قصة موسى: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ أما أن تطلب من الميت ، أو الغائب ، أو الجماد كالأصنام ، شفاء مريض ، أو النصر على الأعداء ، أو نحو ذلك ، فهذا من الشرك الأكبر. وهكذا طلبك من الحي الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى يعتبر شركا به سبحانه وتعالى ؛ لأن دعاء الغائب بدون الآلات الحسية معناه اعتقاد أنه يعلم الغيب ، أو أنه يسمع دعاءك وإن بعد ، وهذا اعتقاد باطل يوجب كفر من اعتقده ، يقول الله جل وعلا: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ أو تعتقد أن له سرا يتصرف به في الكون ، فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء ، كما يعتقده بعض الجهلة في بعض من يسمونهم بالأولياء ، وهذا شرك في الربوبية أعظم من شرك عباد الأوثان.

(13/167)


فالزيارة الشرعية للموتى زيارة إحسان وترحم عليهم وذكر للآخرة والاستعداد لها ، فتذكر أنك ميت مثلما ماتوا ، فتستعد للآخرة وتدعو لإخوانك المسلمين الميتين وتترحم عليهم وتستغفر لهم، وهذه هي الحكمة في شرعية الزيارة للقبور، والله ولي التوفيق.
الجواب عن حديث تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة دعاء زيارة القبور
س: كيف يحمل حديث تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة دعاء زيارة القبور؟
ج: كانت الزيارة أولا منهيا عنها للجميع ، ثم رخص فيها للجميع ثم خصت النساء بالمنع فعلى هذا يكون تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة آداب الزيارة كان ذلك في وقت شرعية الزيارة للجميع والله ولي التوفيق.
هذا السؤال وخمسة بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
الجواب عن حديث اتق الله واصبري
س: هل في قول النبي صلى الله عليه وسلم اتق الله واصبري للمرأة التي رآها تبكي عند القبر دليل على جواز زيارة النساء للقبور؟
ج: لعل هذا كان في وقت الإذن العام منه صلى الله عليه وسلم للرجال والنساء في الزيارة ؛ لأن أحاديث النهي عن الزيارة للنساء محكمة ناسخة لما قبلها.
المرأة لا تسلم على الموتى ولو مرت بسور المقبرة أو فوقها
س: إذا مرت المرأة بسور المقبرة فهل تسلم على الأموات ؟
ج: الذي يظهر لي أنه لا ينبغي لها ذلك ؛ لأنه وسيلة إلى الزيارة ، وقد يعد زيارة فالواجب ترك ذلك ، وتدعو لهم من غير زيارة.
س: إذا وجد فوق المقبرة جسر وتوقفت السيارة وفيها امرأة هل يعد هذا من جنس الزيارة ، وهل تسلم المرأة على الأموات ؟
ج: هذا ليس من الزيارة وحتى لو مرت بالأرض ونظرت فهذا ليس بزيارة وترك السلام على الموتى بالنسبة للمرأة أولى ولو كانت مارة بالمقبرة.

(13/168)


حكم زيارة النساء لقبر النبي صلى الله عليه وسلم
س: هل يجوز للنساء زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ؟
ج: لا يجوز لهن ذلك ؛ لعموم الأحاديث الواردة في نهي النساء عن زيارة القبور ولعنهن على ذلك ، والخلاف في زيارة النساء لقبر النبي صلى الله عليه وسلم مشهور ولكن تركهن لذلك أحوط وأوفق للسنة ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستثن قبره ولا قبر غيره ، بل نهاهن نهيا عاما ، ولعن من فعل ذلك منهن ، والواجب الأخذ بالتعميم ما لم يوجد نص يخص قبره بذلك وليس هناك ما يخص قبره والله ولي التوفيق.
الأفضل لمن مرّ بجوار سور المقبرة أن يسلم
س: إذا مر المسلم بجوار سور المقبرة أو شاهد القبور فهل يسلم عليهم ؟
ج: الأفضل أن يسلم حتى ولو كان مارا ؛ ولكن قصد الزيارة أفضل وأكمل.
س: أنا أسكن في حي به مقبرة وأسلك كل يوم طريقا بجانبها بل أسلك هذا الطريق في اليوم أكثر من مرة. ماذا يجب علي في هذه الحالة ، هل أسلم على الموتى دائما أم ماذا أفعل؟ أرشدوني بارك الله فيكم .
ج: زيارة القبور الزيارة الشرعية سنة ؛ لما فيها من التذكير بالآخرة وبالموت ، ولما فيها من الدعاء للموتى- إذا كانوا مسلمين- بالمغفرة والرحمة والعافية من النار ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية والأحاديث في الزيارة كثيرة ، ويشرع لك كلما مررت على القبور أن تسلم على أصحابها وتدعو لهم بالمغفرة والعافية ، وليس ذلك واجبا ، وإنما هو مستحب وفيه أجر عظيم ، وإن مررت ولم تسلم فلا حرج، وبالله التوفيق.
نشرت في ( فتاوى إسلامية ) جمع وترتيب : محمد المسند (2/45) .
يكفي السلام على الموتى في أول المقبرة مرة واحدة
س: هل يكفي السلام على الموتى في أول المقبرة مرة واحدة؟
ج: يكفي ذلك وتحصل به الزيارة ، وإن كانت القبور متباعدة فزارها من جميع جهاتها فلا بأس.

(13/169)


هذا السؤال وعشرة بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
س: عند زيارة القبور هل يشرع للزائر أن يصل إلى القبر الذي يقصد زيارته ؟
ج: يكفي عند أول القبور ، وإن أحب أن يصل إلى قبر من يقصد زيارته ويسلم عليه فلا بأس.
ما جاء في أن الميت يعرف من زاره
س: هل يعرف الميت من يزوره ؟
ج: جاء في بعض الأحاديث إذا كان يعرفه في الدنيا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ولكن في إسناده نظر ، وقد صححه ابن عبد البر رحمه الله.
علم الموتى بأعمال الأحياء
س: هل الموتى يعلمون بأعمال أقاربهم من الأحياء ؟
ج: لا أعلم في الشرع ما يدل على ذلك.
حكم تخصيص يوم الجمعة لزيارة المقابر
س: ما حكم تخصيص يوم الجمعة لزيارة المقابر ؟
ج: لا أصل لذلك ، والمشروع أن تزار القبور في أي وقت تيسر للزائر من ليل أو نهار ، أما التخصيص بيوم معين أو ليلة معينة فبدعة لا أصل له ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد متفق على صحته ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها.
حكم تخصيص العيدين لزيارة القبور
س: هل تخصيص العيدين لزيارة القبور له أصل ؟
ج: لا أعلم لذلك أصلا وإنما السنة أن يزور القبور متى تيسر له ذلك.
حكم زيارة قبور الكفار
س: هل تجوز زيارة قبور الكفار ؟
ج: إذا كان ذلك للعبرة فلا بأس به ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد زار قبر أمه واستأذن ربه أن يستغفر لها فلم يؤذن له ، وإنما أذن له بالزيارة.
س: ما صحة حديث إذا مررتم بقبر كافر فبشروه بالنار ؟
ج: لا أعرف له طرقا صحيحة.

(13/170)


حكم رفع اليدين أثناء الدعاء للميت عند قبره
س: هل يكون الدعاء عند قبر الميت برفع اليدين؟
ج: إن رفع يديه فلا بأس ؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها: أنه صلى الله عليه وسلم زار القبور ورفع يديه ودعا لأهلها رواه مسلم.
س: هل يجوز رفع اليدين أثناء الدعاء للميت ؟
ج: جاء في بعض الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه لما زار القبور ودعا لأهلها وقد ثبت ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم زار القبور ودعا لهم ورفع يديه أخرجه مسلم في صحيحه.
حكم استقبال القبر حال الدعاء للميت
س: هل ينهى عن استقبال القبر حال الدعاء للميت ؟
ج: لا ينهى عنه ؛ بل يدعى للميت سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على القبر بعد الدفن وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ولم يقل استقبلوا القبلة فكله جائز سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر ، والصحابة رضي الله عنهم دعوا للميت وهم مجتمعون حول القبر.
لا بأس بالقيام أو الجلوس عند القبر من أجل الدعاء للميت
س: أيحل لنا القيام أو الجلوس عند القبر من أجل الدعاء للميت ؟
ج: الزيارة الشرعية للقبور أن يقصد إليها للعظة والاعتبار وتذكر الموت ، لا للتبرك بمن قبر فيها من الصالحين. فمن جاءها سلم على من فيها فقال: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وإن شاء دعا للأموات بغير ذلك من الأدعية المأثورة.
ولا يدعو الأموات ولا يستغيث بهم في كشف ضر أو جلب نفع ، فإن الدعاء عبادة ؛ فيجب التوجه به إلى الله وحده. ولا بأس أن يقف عند القبر أو يجلس من أجل الدعاء للميت ، لا للتبرك أو الاستراحة ، فإن القبور ليست بموضع استراحة أو سكني حتى يجلس فيها.

(13/171)


ويشرع الوقوف على القبر بعد الدفن للدعاء للميت بالثبات والمغفرة ؛ لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا فرغ من الدفن وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل
نشرت في ( مجلة الدعوة ) العدد ( 740 ) .
حكم الدعاء الجماعي عند القبور
س: الدعاء الجماعي عند القبور ما حكمه؟
ج: ليس فيه مانع إذا دعا واحد وأمَّنَ السامعون فلا بأس إذا لم يكن ذلك مقصودا ، وإنما سمعوا بعضهم يدعو فأمن الباقون ولا يسمى مثل هذا جماعيا لكونه لم يقصد.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
حكم قراءة الفاتحة للميت عند قبره
س: الأخ م. ع. ص. من الليث في المملكة العربية السعودية يقول في سؤاله: هل تجوز قراءة الفاتحة أو شيء من القرآن الكريم للميت عند زيارة قبره؟ وهل ينفعه ذلك؟ أفتونا جزاكم الله خيرا.
ج: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يزور القبور ويدعو للأموات بأدعية علمها أصحابه ونقلوها عنه ، من ذلك: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورة من القرآن الكريم أو آيات منه للأموات مع كثرة زيارته لقبورهم فلو كان ذلك مشروعا لفعله وبينه لأصحابه رغبة في الثواب ورحمة بالأمة وأداء لواجب البلاغ ، فإنه كما وصفه تعالى بقوله: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فلما لم يفعل ذلك مع وجود أسبابه دل على أنه غير مشروع وقد عرف ذلك أصحابه رضي الله عنهم فاقتفوا أثره واكتفوا بالعبرة والدعاء للأموات عند زيارتهم ولم يثبت عنهم أنهم قرءوا قرآنا للأموات فكانت القراءة لهم بدعة محدثة وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد والله الموفق.
نشرت في ( المجلة العربية ) في شعبان 1413 هـ

(13/172)


حكم قراءة الفاتحة على قبور الأولياء
س: ما حكم من يزور القبور ثم يقرأ الفاتحة وخاصة على قبور الأولياء كما يسمونهم في بعض البلاد العربية المجاورة ، بالرغم أن بعضهم يقول: لا أريد الشرك ، ولكن إذا لم أقم بزيارة هذا الولي فإنه يأتي إليَّ في المنام ويقول لي: لماذا لم تزرني؟ فما حكم ذلك؟ جزاكم الله خيرا .
ج: يسن للرجال من المسلمين زيارة القبور كما شرعه الله سبحانه ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة خرجه الإمام مسلم في صحيحه. وروى مسلم في صحيحه أيضا عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وصح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنه كان إذا زار القبور يقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ولم يكن حال الزيارة عليه الصلاة والسلام يقرأ سورة الفاتحة ولا غيرها من القرآن ، فقراءتها وقت الزيارة بدعة ، وهكذا قراءة غيرها من القرآن ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد متفق على صحته ، وفي رواية مسلم رحمه الله يقول صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته يوم الجمعة أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وأخرجه النسائي وزاد: وكل ضلالة في النار فالواجب على المسلمين التقيد بالشرع المطهر والحذر من البدع في زيارة القبور وغيرها.

(13/173)


والزيارة مشروعة لقبور المسلمين جميعا ، سواء سموا أولياء أم لم يسموا أولياء ، وكل مؤمن وكل مؤمنة من أولياء الله ، كما قال عز وجل: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ وقال الله سبحانه: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ولا يجوز للزائر ولا لغيره دعاء الأموات ، أو الاستغاثة بهم ، أو النذر لهم ، أو الذبح لهم عند قبورهم ، أو في أي مكان يتقرب بذلك إليهم ليشفعوا له ، أو يشفوا مريضه ، أو ينصروه على عدوه ، أو لغير ذلك من الحاجات ؛ لأن هذه الأمور من العبادة، والعبادة كلها لله وحده ، كما قال سبحانه: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وقال عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ وقال سبحانه: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وقال عز وجل: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ والمعنى: أمر ووصى ، وقال عز وجل: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ وقال عز وجل: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا متفق على صحته من حديث معاذ رضي الله عنه ، وهذا يشمل جميع العبادات من صلاة وصوم وركوع وسجود وحج ودعاء وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع العبادة ، كما أن الآيات السابقات تشمل ذلك كله.

(13/174)


وفي صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لعن الله من ذبح لغير الله وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله .
والأحاديث في الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن الإشراك به وعن وسائل ذلك كثيرة معلومة. أما النساء فليس لهن زيارة القبور ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور ، والحكمة في ذلك والله أعلم أن زيارتهن قد تحصل بها الفتنة لهن ولغيرهن من الرجال. وقد كانت الزيارة للقبور في أول الإسلام ممنوعة ؛ حسما لمادة الشرك ، فلما فشا الإسلام وانتشر التوحيد أذن صلى الله عليه وسلم في الزيارة للجميع ، ثم خص النساء بالمنع ؛ حسما لمادة الفتنة بهن.
سبق نشره في ( الجزء الخامس ) ص345 من هذا المجموع .
أما قبور الكفار فلا مانع من زيارتها للذكرى والاعتبار ، ولكن لا يدعى لهم ولا يستغفر لهم ؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له واستأذنه أن يزور قبرها فأذن له وذلك أنها ماتت في الجاهلية على دين قومها.
وأسأل الله أن يوفق المسلمين رجالا ونساء للفقه في الدين ، والاستقامة عليه قولا وعملا وعقيدة ، وأن يعيذهم جميعا من كل ما يخالف شرعه المطهر ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
ما مدى صحة ما يذكر من قصص عن أهوال القبور
س: تورد قصص عن أهوال القبور مثل قصة الرجل الذي أراد أن يدفن فخرج له ثعبان ثم وضع في قبر آخر فخرج له ثعبان كذلك؟
ج: الله أعلم بذلك ، ولكن ليس ذلك ببعيد ، وابن رجب ذكر في كتابه (أهوال القبور) أشياء حول هذه القصص فالله أعلم بصحتها.
هذا السؤال وسؤالان بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .

(13/175)


حكم الاستشهاد بقصص أهوال القبور
س: هل يستشهد بمثل هذه القصص في المواعظ؟
ج: تركه أولى ؛ لعدم العلم بصحتها ، ويكفي ما جاء في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، المهم حث الناس على الطاعة والتحذير من المعاصي ، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة. أما الحكايات التي قد تثبت أو لا تثبت فتترك.
حكم اصطحاب بعض الغافلين لزيارة القبور
س: هناك بعض الشباب الصالحين يصطحبون معهم بعض الغافلين لزيارة القبور وتخويفهم من الله فما رأيكم في ذلك؟
ج: ليس فيه مانع وذلك حسن ، وجزاهم الله خيرا ، وهو من التعاون على البر والتقوى.
من سمع ميتا يشكو في قبره من حقوق عليه
س: ما الواجب على من سمع ميتا يشكو في قبره من حقوق عليه ، وهل يجب عليه أن يبلغ ورثته؟ ن. ع.
ج: بسم الله والحمد لله ، إن تأكد له ذلك فعليه أن يبلغهم ، أو إذا رآه في المنام وتأكد من ذلك ، فعليه أن يبلغ أهله بذلك ، وهذه من العبر التي يريها الله بعض عباده في الأرض ليعتبروا ، فإذا وجد ذلك فلينظر أهله إذا كانت عليه حقوق ثابتة فتؤدى ، وليتصدقوا عنه ويدعوا له.
وقد ذكر ابن رجب في كتابه في أحوال القبور ، شيئا من ذلك في تعذيبهم من هذا النمط ، وذكر من فتح قبره لبعض الأسباب فوجدوا صاحبه يلتهب نارا. نسأل الله السلامة.
نشرت في ( مجلة الدعوة ) العدد ( 1445 ) في 26/7/1415 هـ.
حرمة الأموات والمقابر
وجوب احترام قبور المسلمين وعدم امتهانها
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ، أما بعد: فقد ورد إليَّ رسائل كثيرة مضمونها استنكار ما يقع من بعض الناس من الاستهانة بالقبور وعدم احترامها ، فرأيت أن أكتب في ذلك هذه الكلمة للتنبيه والتحذير ؛ نصحا لله ولعباده ، فأقول:

(13/176)


قد دلت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم على وجوب احترام الموتى من المسلمين وعدم إيذائهم ، ولا شك أن المرور عليها بالسيارات والتركترات والمواشي وإلقاء القمامات عليها كل ذلك من الاستهانة بها وعدم احترامها ، وكل ذلك منكر ومعصية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وظلم للأموات واعتداء عليهم ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي والتحذير عما هو أقل من هذا ، كالجلوس على القبر أو الاتكاء عليه ونحوه ، فقال عليه الصلاة والسلام: لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها رواه مسلم في صحيحه ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر خرجه مسلم أيضا ، وعن عمرو بن حزم قال رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا على قبر فقال لا تؤذ صاحب هذا القبر أو لا تؤذه رواه الإمام أحمد.
فالواجب على جميع المسلمين احترام قبور موتاهم وعدم التعرض لها بشيء من الأذى ، كالجلوس عليها والمرور عليها بالسيارات ونحوها وإلقاء القمامات عليها وأشباه ذلك من الأذى. وفق الله المسلمين جميعا لما فيه صلاح أحيائهم وسلامة أمواتهم من الأذى ، ورزق الله الجميع الفقه في الدين والوقوف عند الحدود الشرعية ، إنه سميع قريب. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
صدرت في نشرة من مكتب سماحته بالرياض وسبق نشرها في ( الجزء الرابع ) ص336 من هذا المجموع .
لا يجوز أن يمشى بالنعال بين القبور
س: حديث: يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم يمشي في المقبرة بنعليه هل يعمل به؟ وهل ينكر على من مشى بنعليه في المقبرة؟

(13/177)


ج: الحديث لا بأس به ، ولا يجوز أن يمشى بالنعال في المقبرة إلا عند الحاجة ، مثل وجود الشوك في المقبرة ، أو الرمضاء الشديدة ، أما إذا لم يكن هناك حاجة فينكر عليه ، كما أنكر صلى الله عليه وسلم على صاحب السبتيتين ، ويعلّم الحكم الشرعي.
س: ما هو الضابط في خلع النعال عند دخول المقبرة؟
ج: يخلعها إذا كان يمر بين القبور ، أما إذا لم يمر بين القبور فلا يخلعها مثل أن يقف عند أول المقبرة ويسلم فلا يخلع.
هذا السؤال وسؤالان بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
حكم السكن بين القبور
س: في بعض البلدان يسكن بعضهم بين القبور فما الحكم ؟
ج: يُنهون ويعلَّمون ، وهذا منكر وإهانة للقبور ، وإذا صلوا عندها فصلاتهم باطلة ، والجلوس عند القبور بالصورة المذكورة والصلاة عندها من المنكرات ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها رواه مسلم في صحيحه ، وقوله صلى الله عليه وسلم: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قالت عائشة رضي الله عنها يحذر ما صنعوا متفق على صحته.
لا يجوز إيقاف السيارات على القبور
س: يوجد في قريتنا مسجد جامع ، وهذا المسجد يقع وسط المقابر التي تحيط به من الشمال والجنوب والمسافة بينه وبين الجهة الشمالية متران ، وكذلك الجنوبية متران ، وأن تلك المقابر في طريقها للتوسع ، كما أن بعض المصلين- هداهم الله- يجعلون تلك المقابر موقفا لسياراتهم. أخبرونا- جزاكم الله عنا كل خير- عن الحكم في مثل ذلك ، ولكم جزيل الشكر والتقدير .

(13/178)


ج: لا حرج في بقاء المسجد المذكور ؛ لأن العادة جارية أن الناس يدفنون حول المسجد ، فلا يضر ذلك شيئا ، والمقصود أن الدفن حول المساجد لا بأس به ، لأنه أسهل على الناس ، فإذا خرجوا من المسجد دفنوه حول المسجد ، فلا يضر ذلك شيئا ولا يؤثر في صلاة المصلين. لكن إذا كان في قبلة المسجد شيء من القبور فالأحوط أن يكون بين المسجد وبين المقبرة جدار آخر غير جدار المسجد أو طريق يفصل بينهما ، هذا هو الأحوط والأولى ؛ ليكون ذلك أبعد عن استقبالهم للقبور.
أما إن كانت عن يمين المسجد أو عن شماله ، أي عن يمين المصلين ، أو عن شمالهم فلا يضرهم شيئا ؛ لأنهم لا يستقبلونها ، لأن هذا أبعد عن استقبالها وعن شبهة الاستقبال.
أما بالنسبة لإيقاف السيارات فلا يجوز إيقافها على القبور ، بل توقف بعيدا عن القبور ، في الأراضي السليمة التي ليس فيها قبور ؛ لأنه لا يجوز للناس أن يمتهنوا القبور ، أو تكون السيارات على القبور ، فهذا منكر ولا يجوز ، ومن الواجب أن يبعدوها عن القبور ، وأن تكون في محلات سليمة ليس فيها قبور ، وإذا تيسر تسويرها بما يمنع استطراقها وامتهانها فهو أحوط وأسلم ؛ لأن المسلم محترم حيا وميتا ، ولهذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصلى إلى القبور وأن يقعد عليها.
نشرت في ( جريدة عكاظ ) العدد ( 11682 ) بتاريخ 24/4/1419 هـ.
ينبش القبر إذا دعت الحاجة
س: نبش القبر ، هل يجوز ؟
ج: إذا دعت الحاجة فلا بأس ، مثل نسيان المسحاة أو العتلة أو شيء مهم فلا بأس بذلك.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
نبش القبر لمصلحة
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى فضيلة قاضي محكمة أدمة عليان سلمه الله تعالى آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:

(13/179)


وصلنا كتابك وبرفقه استفتاء ح. م. ع. وقد ذكرتم عنه وجود قبر أمام بيته وهذا القبر قديم جدا ويذكر أنه تعرض لأذى السيارات والدواب لقربه من مخرج البيت. فهل يجوز نقله إلى داخل المقبرة المجاورة؟ انتهى. وقد طلبتم الإفادة عن ذلك .
والجواب: إذا كان الأمر كذلك ؛ فينبش القبر ويخرج ما فيه ويوضع في قبر في أرض المقبرة العامة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
صدرت من مكتب سماحته بتاريخ 21/8/1399 هـ .
ينبش القبر الذي في المسجد إذا كان هو الأخير
س: نبش القبر الذي في المسجد إذا كان في نبشه فتنة هل ينبش أم يترك؟
ج: يجب أن ينبش القبر إذا كان في المسجد ، وكان المسجد هو السابق ، ويكون ذلك من جهة ولاة الأمور ؛ إما المحكمة أو الإمارة حتى لا تكون فتنة. أما إن كان المسجد هو الأخير فالواجب هدمه ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد متفق على صحته ، وقوله صلى الله عليه وسلم لما ذكرت له أم سلمة وأم حبيبة كنيسة رأتاها بأرض الحبشة وما فيها من الصور: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله متفق عليه.
ومن هذين الحديثين وما جاء في معناهما يعلم أنه لا يجوز أن يصلى في المساجد التي فيها القبور ؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؛ ولأن ذلك وسيلة إلى الشرك بالله عز وجل.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
حكم قطع الأشجار المؤذية من المقابر
س: هل يجوز قطع الأشجار المؤذية من المقابر؟
ج: ينبغي قطعها ؛ لأنها تؤذي الزوار ، وهكذا ما يوجد فيها من الشوك ينبغي إزالته إراحة للزوار من شره ، ولا يشرع لأحد أن يغرس على القبور شيئا من الشجر أو الجريد ؛ لأن الله سبحانه لم يشرع ذلك.

(13/180)


والنبي صلى الله عليه وسلم إنما غرس جريدتين على قبرين عرفهما وأنهما معذبان ، ولم يغرس على قبور المدينة وقبور البقيع ، وهكذا الصحابة لم يفعلوا ذلك ، فعلم أن ذلك خاص بصاحبي القبرين المعذبين. نسأل الله السلامة.
سبق نشرها في ( الجزء الرابع ) ص379 من هذا المجموع .
س: هل يجوز قطع الأشجار المؤذية من المقابر ؟
ج: ينبغي قطعها ؛ لأنها تؤذي الزوار ، ولا سيما ذات الشوك. أما إن كان بعض العامة يعتقد البركة ؛ لأنها تنبت على قبر ولي بزعمه فهذه يجب قطعها مطلقا ؛ لما في ذلك من إزالة وسائل الشرك والغلو في الموتى.
صدرت من مكتب سماحته جوابا على استفتاء شخصي .
حكم نقل عظام الميت إذا بليت
س: إذا بليت عظام الميت فهل يجوز أن تنقل إلى مكان آخر ؟
ج: إذا دعت الحاجة لذلك فلا حرج ولا بأس وإلا تبقى القبور على حالها.
هذا السؤال وخمسة بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء
حكم كسر عظم الميت الكافر
س: هل يجوز كسر عظم الميت الكافر ؟
ج: فيه تفصيل ؛ فإذا كان ذميا أو معاهدا أو مستأمنا لم يجز التعرض له ، أما إن كان حربيا فلا حرج في ذلك ، وبناء على ذلك يجوز أخذ الأعضاء من المتوفى الحربي ، أما المعاهد والذمي والمستأمن فلا ؛ لأن أجسادهم محترمة.
كسر عظم الميت لا يوجب القصاص
س: هل يوجب كسر عظم الميت القصاص ؟
ج: لا يوجب القصاص ، وإنما القصاص بين الأحياء بشروطه.
حكم نقل الأعضاء بعد وفاة الميت دماغيا
س: ما حكم نقل الأعضاء بعد وفاة الميت دماغيا كما يقولون؟
ج: المسلم محترم حيا وميتا ، والواجب عدم التعرض له بما يؤذيه أو يشوه خلقته ، ككسر عظمه وتقطيعه ، وقد جاء في الحديث: كسر عظم الميت ككسره حيا ويستدل به على عدم جواز التمثيل به لمصلحة الأحياء ، مثل أن يؤخذ قلبه أو كليته أو غير ذلك ؛ لأن ذلك أبلغ من كسر عظمه.

(13/181)


وقد وقع الخلاف بين العلماء في جواز التبرع بالأعضاء وقال بعضهم: إن في ذلك مصلحة للأحياء لكثرة أمراض الكلى وهذا فيه نظر ، والأقرب عندي أنه لا يجوز ؛ للحديث المذكور، ولأن في ذلك تلاعبا بأعضاء الميت وامتهانا له ، والورثة قد يطمعون في المال ، ولا يبالون بحرمة الميت ، والورثة لا يرثون جسمه ، وإنما يرثون ماله فقط. والله ولي التوفيق.
لا يجوز تنفيذ وصية المتوفى بالتبرع بأعضائه
س: إذا أوصى المتوفى بالتبرع بأعضائه هل تنفذ الوصية؟
ج: الأرجح أنه لا يجوز تنفيذها ؛ لما تقدم في جواب السؤال الأول ولو أوصى ؛ لأن جسمه ليس ملكا له.
حكم شراء الجثث لغرض التشريح
س: بعض كليات الطب تشتري جثثا من جنوب شرقي آسيا بغرض التشريح فما الحكم؟
ج: إذا كانت الجثث من كفار لا أمان لهم فلا حرج ، أما غيرهم فلا يجوز التعرض لهم
حكم تشريح جثة الميت للتعلم
س: لاحظت أنه يوجد في كلية الطب في القاهرة مكان لتشريح الإنسان مجموعة من الأموات رجال ونساء وأطفال لتشريح وتقطيع أجزائهم وذلك للعلم العملي ، فهل يجوز مثل ذلك شرعا للضرورة وخصوصا تشريح الرجل لأجزاء المرأة ، والمرأة لأجزاء الرجال ، وهل يجوز تقطيع أجزاء وأعضاء الإنسان؟
ج: إذا كان الميت معصوما في حياته سواء كان مسلما أو كافرا وسواء كان رجلا أو امرأة فإنه لا يجوز تشريحه ؛ لما في ذلك من الإساءة إليه وانتهاك حرمته ، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: كسر عظم الميت ككسره حيا أما إذا كان غير معصوم كالمرتد والحربي فلا أعلم حرجا في تشريحه للمصلحة الطبية، والله سبحانه وتعالى أعلم.
نشرت في ( فتاوى إسلامية ) جمع وترتيب : محمد المسند ( 2/61 ) .
لا يحكم بموت المتوفى دماغيا
س: هل يحكم بموت المتوفى دماغيا ؟
ج: لا يحكم بموته ولا يستعجل عليه ، وينتظر حتى يموت موتا لا شك فيه ، وهذه عجلة من بعض الأطباء حتى يأخذوا منه قطعا وأعضاء ، ويتلاعبوا بالموتى وهذا كله لا يجوز.

(13/182)


هذا السؤال وسؤالان بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
س: دعوى الأطباء- حفظكم الله- أن المتوفى دماغيا لا يمكن أن ترجع إليه حياته؟
ج: هذه الدعوى لا يُعَوَّل عليها ولا يعمل بها ، وليس على صحتها دليل ، وقد بلغني أن بعض من قيل إنه مات دماغيا عادت إليه الحياة وعاش ، وبكل حال فالموت الدماغي لا يعتبر ولا يحكم لصاحبه بحكم الموتى حتى يتحقق موته على وجه لا شك فيه.
حكم تشريح الجنازة المشكوك في قتلها
س: ما حكم تشريح الجنازة المشكوك في قتلها؟
ج: إذا كان لعلة شرعية فلا بأس.
تعزية أهل الميت
حكم حضور مجلس العزاء والجلوس فيه
س: هل يجوز حضور مجلس العزاء والجلوس معهم؟
ج: إذا حضر المسلم وعزى أهل الميت فذلك مستحب ؛ لما فيه من الجبر لهم والتعزية ، وإذا شرب عندهم فنجان قهوة أو شاي أو تطيب فلا بأس كعادة الناس مع زوارهم.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
حكم الذهاب للعزاء إذا كان هناك بدع
س: هل يجوز الذهاب للعزاء في ميت إذا كان هناك بدع ، مثل قراءة القرآن مع رفع الكفين قبل إلقاء السلام؟
ج: السنة زيارة أهل الميت لعزائهم ، وإذا كان عندهم منكر ، ينكر ويبين لهم ، فيجمع المعزي بين المصلحتين ، يعزيهم وينكر عليهم وينصحهم ، أما مجرد قراءة القرآن فلا بأس فيها ، فإذا اجتمعوا وقرأ واحد منهم القرآن عند اجتماعهم ، كقراءة الفاتحة وغيرها ، فلا بأس وليس في ذلك منكر ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتمع مع أصحابه يقرأ القرآن؛ فإذا اجتمعوا في مجلسهم للمعزين وقرأ واحد منهم أو بعضهم شيئا من القرآن فهو خير من سكوتهم.
أما إذا كان هناك بدع غير هذا ، كأن يصنع أهل الميت طعاما للناس ، يُعلَّمون ويُنصحون لترك ذلك، فعلى المعزي إذا رأى منكرا أن يقوم بالنصح.

(13/183)


يقول جل وعلا: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خَسِرَ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ويقول جل وعلا: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان أما قول السائل: إن المعزي يرفع اليدين ويقرأ القرآن قبل الدخول والسلام فهذا بدعة وليس له أصل ، أما إذا قرأ واحد عنهم القرآن على الجميع للفائدة فلا بأس.
نشرت في ( المجلة العربية ) العدد ( 233 ) في جمادى الآخرة 1417 هـ .
لا بأس باستقبال المعزين
س: ما رأي سماحتكم فيمن يجلس بالمنزل لاستقبال المعزين ، مع العلم أن كثيرا من المعزين لا يتمكنون من القيام بالعزاء إلا في المنزل؟
ج: لا أعلم بأسا في حق من نزلت به مصيبة بموت قريبه ، أو زوجته ، ونحو ذلك أن يستقبل المعزين في بيته في الوقت المناسب ؛ لأن التعزية سنة ، واستقباله المعزين مما يعينهم على أداء السنة؛ وإذا أكرمهم بالقهوة ، أو الشاي ، أو الطيب ، فكل ذلك حسن.
نشرت في ( مجلة الدعوة ) العدد ( 1513 ) في 25/5/1416 هـ .
حكم جمع أهل الميت في صف واحد حتى تتم تعزيتهم
س: يقوم بعض المعزين بإخراج أهل الميت بعيدا عن القبور ، ووضعهم في صف حتى تتم معرفتهم وتعزيتهم بنظام ، ولا تهان القبور ، ما حكم ذلك؟
ج: لا أعلم في هذا بأسا ؛ لما فيه من التيسير على الحاضرين لتعزيتهم.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
حكم تقبيل ومعانقة المعزى
س: نلاحظ في وقت العزاء أن أغلب الناس عندما يريدون التعزية يقبلون المعزى أو يعانقونه ، والبعض ينكر ذلك ويقول: إن التعزية مصافحة فقط، فما رأي سماحتكم في ذلك ؟

(13/184)


ج: الأفضل في التعزية وعند اللقاء المصافحة إلا إذا كان المعزي أو الملاقي قد قدم من سفر فيشرع مع المصافحة المعانقة ؛ لقول أنس رضي الله عنه: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا وإذا قدموا من سفر تعانقوا والله ولي التوفيق.
نشرت في ( مجلة الدعوة ) العدد ( 1579 ) .
التعزية في أهل المعاصي
س: أحيانا تحدث وفاة شخص إما متعمد للانتحار ، أو شخص سكير شرب مسكرا يحتوي على كمية كبيرة من السكر المؤدية للوفاة ، أو شخص اعتدي عليه للخلاص من شره فهل يجوز مواساة والدة المتوفى بسبب من هذه الأسباب ، أو غيرها ممن يمتّ له بصلة ، حيث إنني أتردد كثيرا ، هل أذهب أم لا؟
ج: لا بأس بالتعزية ، بل تستحب ، وإن كان الفقيد عاصيا بانتحار أو غيره ، كما تستحب لأسرة من قُتِلَ قصاصا ، أو حدا ، كالزاني المحصن ، وهكذا من شرب المسكر حتى مات بسبب ذلك ، لا مانع في تعزية أهله فيه ، ولا مانع من الدعاء له ولأمثاله من العصاة بالمغفرة والرحمة ، ويغسل ويصلي عليه ، لكن لا يصلي عليه أعيان المسلمين مثل السلطان والقاضي ونحو ذلك ، بل يصلي عليه بعض الناس من باب الزجر عن عمله السيئ. أما من مات بعدوان غيره عليه فهذا مظلوم ، يصلى عليه ويدعى له إذا كان مسلما ، وكذا من مات قصاصا- كما تقدم- فهذا يصلى عليه ويدعى له ويعزى أهله في ذلك إذا كان مسلما ولم يحصل منه ما يوجب ردته، والله ولي التوفيق.
سبق نشره في ( الجزء الرابع ) ص227 من هذا المجموع .
حكم السفر للتعزية
س: ما حكم السفر للعزاء والمكث عند أهل الميت ؟
ج: بحسب أحوال أهل الميت ، فإذا كان فيه تثقيل عليهم فلا يجوز ، أما إذا كانوا يحبون ذلك فلا حرج ، والأمر في ذلك واسع.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
س: ما حكم من يسافر من أجل العزاء لقريب أو صديق ، وهل يجوز العزاء قبل الدفن ؟

(13/185)


ج: لا نعلم بأسا في السفر من أجل العزاء لقريب أو صديق ؛ لما في ذلك من الجبر والمواساة وتخفيف آلام المصيبة ، ولا بأس في العزاء قبل الدفن وبعده ، وكلما كان أقرب من وقت المصيبة كان أكمل في تخفيف آلامها. وبالله التوفيق.
نشرت في ( فتاوى إسلامية ) جمع وترتيب : محمد المسند ( 2/43 ) .
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ص. م. ح. سلمه الله.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد:
فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية برقم 2790 وتاريخ 8/ 9/ 1405 هـ الذي تسأل فيه عن أسوار المسجد وعن الصلاة على الميت بعد دفنه بالمقبرة وعن زكاة المرتبات ، وعن السفر لتعزية إنسان في ميت .
وأفيدك بأن ما كان داخل سور المسجد فهو من المسجد فلا يباع فيه ولا تنشد فيه الضالة وتجوز الصلاة فيه. وأما السفر لتعزية إنسان مسلم في ميته فلا حرج فيه والدعاء للأموات وطلب الرحمة لهم في خطبة الجمعة جائز ، والصلاة على الميت بعد الدفن جائزة وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم. أما زكاة المرتبات من النقود ففيها تفصيل: فإن كانت قد حال عليها الحول وهي في حوزته وقد بلغت النصاب ففيها الزكاة. أما إن كانت أقل من النصاب أو لم يحل عليها الحول بل أنفقها قبل ذلك فلا زكاة فيها، وفق الله الجميع لما فيه رضاه ، إنه سميع مجيب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
رسالة جوابية صدرت من مكتب سماحته برقم ( 1847/2 ) وتاريخ 20/8/1406 هـ
على استفتاء مقدم من : ص . م . ح .
ليس للعزاء أيام محدودة
س: هل للتعزية حد معين؟ (1)
ج: لا أعلم لها حدا معلوما.
س: هل للعزاء أيام محدودة ، حيث يقال: إنها ثلاثة أيام فقط؟ أرجو الإفادة جزاكم الله خيرا(2) .

(13/186)


ج: العزاء ليس له أيام محدودة ، بل يشرع من حين خروج الروح قبل الصلاة على الميت وبعدها ، وليس لغايته حد في الشرع المطهر سواء كان ذلك ليلا أو نهارا ، وسواء كان ذلك في البيت أو في الطريق أو في المسجد أو في المقبرة أو في غير ذلك من الأماكن. والله ولي التوفيق.
س: هل يعتبر تخصيص أيام ثلاثة للعزاء لأهل الميت من الأمور المبتدعة ، وهل هناك عزاء للطفل والعجوز والمريض الذي لا يرجى شفاؤه بعد موتهم؟ (3)
ج: التعزية سنة ؛ لما فيها من جبر المصاب والدعاء له بالخير ، ولا فرق في ذلك بين كون الميت صغيرا أو كبيرا ، وليس فيها لفظ مخصوص بل يعزي المسلم أخاه بما تيسر من الألفاظ المناسبة مثل أن يقول: (أحسن الله عزاءك وجبر مصيبتك وغفر لميتك) إذا كان الميت مسلما. أما إذا كان الميت كافرا فلا يدعى له وإنما يعزى أقاربه المسلمون بنحو الكلمات المذكورة، وليس لها وقت مخصوص ولا أيام مخصوصة ، بل هي مشروعة من حين موت الميت ، قبل الصلاة وبعدها ، وقبل الدفن وبعده ، والمبادرة بها أفضل ، وتجوز بعد ثلاث من موت الميت ؛ لعدم الدليل على التحديد.
(1) من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
(2) سبق نشره في ( الجزء الثامن ) ص362 من هذا المجموع .
(3) نشرت في ( فتاوى إسلامية ) جمع وترتيب : محمد المسند ( 2/43 ) .
الكلمات المناسبة للتعزية
س: الأخ ع. م. ح. من القاهرة يقول في سؤاله: بعض الناس إذا أراد أن يعزي إنسانا في قريب له متوفى يقول له: البقية في حياتك ، وشد حيلك ونحو هذه الكلمات
والسؤال: هل هناك شيء مخصوص يقال في مثل هذه المناسبة ، وهل يجب التقيد به؟ أفيدونا مأجورين .

(13/187)


ج: لا أعلم دعاء معينا في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن يشرع للمعزي أن يعزي أخاه في الله في فقيده بالكلمات المناسبة ، مثل: أحسن الله عزاءك ، وجبر مصيبتك ، وأعظم أجرك ، وغفر لميتك.. ونحو ذلك. أما التعزية بقوله البقية في حياتك ، أو شد حيلك ، فلا أعلم لهما أصلا ، وفق الله الجميع.
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من ( المجلة العربية ) .
حكم إقامة مراسم العزاء
س: تقام مراسم العزاء فيتجمع الناس عند بيت المتوفى خارج المنزل ، وتوضع بعض المصابيح الكهربائية- تشبه تلك التي في الأفراح- ، ويصطف أهل المتوفى ويمر الذين يريدون تعزيتهم ، يمرون عليهم واحدا بعد الآخر ، ويضع كل منهم يده على صدر كل فرد من أهل المتوفى ويقول له: عظم الله أجرك فهل هذا الاجتماع وهذا الفعل مطابق للسنة ؛ وإذا لم يوافق السنة ، فما هي السنة في ذلك؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا .
ج: هذا العمل ليس مطابقا للسنة ، ولا نعلم له أصلا في الشرع المطهر. وإنما السنة التعزية لأهل المصاب من غير كيفية معينة ولا اجتماع معين كهذا الاجتماع ، وإنما يشرع لكل مسلم أن يعزي أخاه بعد خروج الروح في البيت ، أو في الطريق ، أو في المسجد ، أو في المقبرة ، سواء كانت التعزية قبل الصلاة أو بعدها. وإذا قابله شرع له مصافحته والدعاء له بالدعاء المناسب مثل: عظم الله أجرك وأحسن عزاءك وجبر مصيبتك ، وإذا كان الميت مسلما دعا له بالمغفرة والرحمة ، وهكذا النساء فيما بينهن يعزي بعضهن بعضا ، ويعزي الرجل المرأة والمرأة الرجل لكن من دون خلوة ولا مصافحة إذا كانت المرأة ليست محرما له، وفق الله المسلمين جميعا للفقه في دينه ، والثبات عليه ، إنه خير مسئول.
نشرت في ( المجلة العربية ) في ذي القعدة 1410 هـ وسبق أن نشرت في ( الجزء الخامس ) من هذا المجموع ص345 .

(13/188)


حكم جلوس أهل الميت ثلاثة أيام للتعزية
س: بعض أهل الميت يجلسون ثلاثة أيام ، فما حكم ذلك؟
ج: إذا جلسوا حتى يعزيهم الناس فلا حرج إن شاء الله حتى لا يتعبوا الناس ، لكن من دون أن يصنعوا للناس وليمة.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
الاجتماع في بيت الميت للأكل والشرب وقراءة القرآن بدعة
س: في بعض البلدان إذا مات الميت يجتمعون في بيت الميت ثلاثة أيام يصلون ويدعون له ، فما حكم هذا؟
ج: الاجتماع في بيت الميت للأكل والشرب وقراءة القرآن بدعة ، وهكذا الصلاة في البيت لا تجوز ، بل على الرجال الصلاة في المسجد مع الجماعة ، وإنما يؤتى أهل الميت للتعزية والدعاء لهم والترحم على ميتهم. أما أن يجتمعوا لإقامة مأتم بقراءة خاصة أو أدعية خاصة أو غير ذلك فذلك بدعة ، ولو كان هذا خيرا لسبقنا إليه سلفنا الصالح، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما فعله ، فقد قُتِلَ جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، وزيد بن حارثة رضي الله عنهم في معركة مؤتة فجاءه الخبر عليه الصلاة والسلام من الوحي بذلك، فنعاهم للصحابة وأخبرهم بموتهم وترضى عنهم ودعا لهم ولم يتخذ لهم مأتما، وكذلك الصحابة من بعده لم يفعلوا شيئا من ذلك ، فقد مات الصديق رضي الله عنه ولم يتخذوا له مأتما ، وقتل عمر رضي الله عنه وما جعلوا له مأتما ، ولا جمعوا الناس ليقرءوا القرآن ، وقتل عثمان بعد ذلك ، وعلي رضي الله عنهما ، فما فعل الصحابة رضي الله عنهم لهما شيئا من ذلك، وإنما السنة أن يصنع الطعام لأهل الميت من أقاربهم أو جيرانهم فيبعث إليهم ، مثلما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاءه نعي جعفر فقال لأهله اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم أخرجه الخمسة إلا النسائي، هذا هو المشروع ، أما أن يحملوا بلاء مع بلائهم ، ويكلفوا ليضعوا طعاما للناس فهو خلاف السنة ، وهو بدعة ؛ لما ذكرنا آنفا ، ولقول جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة

(13/189)


بإسناد صحيح. والنياحة هي: رفع الصوت بالبكاء وهي محرمة ، والميت يعذب في قبره بما يناح عليه ، كما صحت به السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام ، فيجب الحذر من ذلك. أما البكاء فلا بأس به إذا كان بدمع العين فقط بدون نياحة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم: إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون
من ضمن مذكرة لسماحته جمع فيها فوائد في مختلف العلوم .
حكم إقامة وليمة يجتمع فيها المعزون
س: ما حكم ما جرت به عادة بعض الناس من ذبح الإبل ، والغنم ، وإقامة وليمة عند موت الميت يجتمع فيها المعزون وغيرهم ويقرأ فيها القرآن؟
ج: هذا كله بدعة لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنهم ، وقد ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي الصحابي الشهير رضي الله عنه قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة أخرجه الإمام أحمد ، وابن ماجة بسند صحيح.
وإنما المشروع أن يصنع الطعام لأهل الميت ، ويبعث به إليهم ، من أقاربهم أو جيرانهم أو غيرهم ؛ لكونهم قد شغلوا بالمصيبة عن إعداد الطعام لأنفسهم ؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: لما أتى نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم أخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة بإسناد صحيح.
وهذا العمل مع كونه بدعة فيه أيضا تكليف أهل الميت وإتعابهم مع مصيبتهم ، وإضاعة أموالهم في غير حق ، والله المستعان.
من ضمن أسئلة موجهة لسماحته من مشايخ وأعيان سبأ ومأرب، وأجاب عليها سماحته
برقم ( 101 ) وتاريخ 19/1/1391 هـ ، عندما كان رئيسا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .

(13/190)


صنع الطعام لأهل الميت
س: إذا كان الإطعام لأهل الميت ذبيحة ، فما الحكم فيها؟
ج: لا بأس ، ويعمله لهم الجيران أو الأقارب ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أهله أن يصنعوا لآل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه طعاما لما جاء خبر موته بالشام فقال: إنه قد أتاهم ما يشغلهم
هذا السؤال وسؤالان بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
أهل الميت لا يصنعون للناس طعاما
س: إذا صنع أهل الميت لأنفسهم طعاما فهل يجوز؟
ج: لا بأس إذا صنعوا لأنفسهم ، ولكن لا يصنعوا ذلك للناس.
حكم دعوة أهل الميت من يأكل معهم ما بُعِثَ لهم
س: إذا بعث لأهل الميت غداء أو عشاء فاجتمع عليه الناس في بيت الميت ، هل هو من النياحة المحرمة؟
ج: ليس ذلك من النياحة ؛ لأنهم لم يصنعوه وإنما صنع ذلك لهم ، ولا بأس أن يدعوا من يأكل معهم من الطعام الذي بعث لهم ؛ لأنه قد يكون كثيرا يزيد على حاجتهم.
حكم بعث الذبائح لأهل الميت والدعوة إليها
س: بالنسبة للذبائح التي تذبح عند العزاء إذا أحضرها الشخص لأهل الميت ودعا عليها ، ما الحكم فيها؟ وما حكم الجلوس في العزاء معهم؟
ج: السنة لأقارب الميت وأصدقائه وجيرانه أن يبعثوا لأهل الميت طعاما حتى يريحوهم من تعب الطبخ ؛ لأنه قد أتاهم ما يشغلهم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أهله أن يبعثوا لآل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه طعاما لما جاء خبر موته وقال صلى الله عليه وسلم: إنه قد جاءهم ما يشغلهم أما بعث الذبائح فهذا خلاف السنة ؛ لأنه إتعاب لهم بذبحها وطبخها ، فينبغي عدم فعل ذلك ؛ لأنه خلاف السنة.
سؤال شخصي موجه إلى سماحته من ع . س . غ . من الطائف .
حكم دفع النقود لأهل الميت
س: بعض المعزين يدفع شيئا من المال لأهل الميت حسب قدرته ، فهل هذا جائز؟ جزاكم الله خيرا .
ج: السنة أن يصنع لهم طعاما إذا تيسر ، والنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه نعي جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة قال لأهله: اصنعوا لأهل جعفر طعاما فإنه قد جاءهم ما يشغلهم فإذا صنعوا لهم طعاما ليأكلوه فهو حسن.

(13/191)


أما إعطاؤهم النقود فهذا غير مشروع ، إلا إذا كانوا فقراء ومحتاجين ، فهؤلاء لا يعطون وقت العزاء ، ولكن في وقت آخر من أجل فقرهم وحاجتهم.
نشرت في ( مجلة الدعوة ) العدد ( 1547 ) في 11 صفر 1417 هـ .
حكم إقامة الولائم من تركة الميت
س: يقيم بعض الناس ولائم وذبائح عند موت بعض أقاربهم ، وتصرف قيمة هذه الولائم من مال المتوفى ، ما حكم ذلك؟ وإذا وصى الميت بإقامة مثل هذه الولائم بعد موته هل يلزم الشرع الورثة بإنفاذ هذه الوصية؟
ج: الوصية بإقامة الولائم بعد الموت بدعة ومن عمل الجاهلية ، وهكذا عمل أهل الميت للولائم المذكورة ولو بدون وصية منكر لا يجوز ؛ لما ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة خرجه الإمام أحمد بإسناد حسن ، ولأن ذلك خلاف ما شرعه الله من إسعاف أهل الميت بصنعة الطعام لهم لكونهم مشغولين بالمصيبة ؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما بلغه استشهاد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في غزوة مؤتة قال لأهله: اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم
نشرت في ( كتاب الدعوة ) ج 1 ص 237 وسبق أن نشرت في ( الجزء الرابع ) ص347 من هذا المجموع .
عادات الاحتفال بعد موت أحد من الناس
س: هناك في اليمن عادات يفعلها بعض الناس بعد موت أحد أقاربهم ، فهم يضطرون إلى أن يستدينوا من أجل الاحتفالات والأكل والشرب وما أشبه ذلك ، حتى وإن كان المتوفى فقيرا لم يُخلِّف شيئا ، فما الحكم في ذلك جزاكم الله خيرا؟
ج: لا يجوز الاحتفال عند موت أحد من الناس ، وليس لأهل الميت أن يقيموا احتفالا ولا يذبحوا ذبائح ويصنعوا طعاما للناس ، كل هذا من البدع ومن أعمال الجاهلية ، فالواجب تركه، وقد ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.

(13/192)


فالمشروع للمسلمين إذا مات الميت المسلم أن يسألوا الله له المغفرة والرحمة ، وأن يتركوا هذه الاحتفالات الجاهلية ، لكن يشرع لجيرانهم وأقاربهم أن يصنعوا لهم طعاما ؛ لأنهم مشغولون بالمصيبة ؛ لما ثبت من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه- لما قتل في غزوة مؤتة في أرض الشام- إلى المدينة أمر النبي عليه الصلاة والسلام أهله أن يصنعوا لآل جعفر طعاما قال: لأنه أتاهم ما يشغلهم أما أهل الميت فليس لهم صنع الطعام للناس ؛ لما تقدم. أما إذا صنعوا ذلك لأنفسهم أو لضيوف نزلوا بهم فلا بأس.
سبق نشره في ( الجزء السابع ) ص 431 من هذا المجموع .
حكم البذخ والإسراف في العزاء
س: ما حكم البذخ والإسراف في العزاء ، حيث يتكلف أهل الميت بإقامة الولائم للمعزين ، وهناك عادة جرت مثل اليوم الثالث واليوم الثامن ، والأربعين بالنسبة للمعزين ؟
ج: هذا لا أصل له ، بل هو بدعة ومنكر ومن أمر الجاهلية ، فلا يجوز للمعزين أن يقيموا الولائم للميت ، لا في اليوم الأول ولا في الثالث ولا في الرابع ولا في الأربعين أو غير ذلك ، هذه كلها بدعة ، وعادة جاهلية لا وجه لها ، بل عليهم أن يحمدوا الله ويصبروا ويشكروه سبحانه وتعالى على ما قدر ، ويسألوه سبحانه أن يصبرهم وأن يعينهم على تحمل المصيبة ، ولكن لا يصنعون للناس طعاما.

(13/193)


قال جرير بن عبد الله البجلي- وهو صحابي جليل- رضي الله عنه: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة رواه الإمام أحمد بإسناد حسن. كان الصحابة يعدون النياحة من المحرمات ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم زجر عنها ، ولكن يشرع لأقاربهم وجيرانهم أن يبعثوا لهم طعاما ؛ لأنهم مشغولون بالمصيبة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصله نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حين قتل في مؤتة بالأردن أمر صلى الله عليه وسلم أهل بيته أن يصنعوا لأهل جعفر طعاما ، وقال: إنه قد أتاهم ما يشغلهم أما أهل الميت فلا يصنعوا طعاما لا في اليوم الأول ، ولا في اليوم الثالث ، ولا في الرابع ، ولا في العاشر ، ولا في غيره.
لكن إذا صنعوا لأنفسهم أو لضيفهم طعاما فلا بأس ، أما أن يجمعوا الناس للعزاء ويصنعوا لهم طعاما فلا يجوز لمخالفته للسنة.
سبق نشره في ( الجزء الرابع ) ص 119 من هذا المجموع .
الأربعينيات والسنوات لا أصل لها في الشرع
س: ما حكم العادات في العزاء ، من الولائم وقراءة القرآن والأربعينيات والسنوات وما شاكل ذلك؟
ج: هذه العادات لا أصل لها في الشرع المطهر ولا أساس لها ، بل هي من البدع ومن أمر الجاهلية ، فإقامة وليمة إذا مات الميت يدعى إليها الجيران والأقارب وغيرهم لأجل العزاء بدعة لا تجوز ، وهكذا إقامة هذه الأمور كل أسبوع أو على رأس السنة كلها من البدع الجاهلية ، وإنما المشروع لأهل الميت الصبر والاحتساب والقول كما قال الصابرون: إنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد وعدهم الله خيرا كثيرا ، فقال سبحانه: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ولا حرج عليهم أن يصنعوا لأنفسهم الطعام العادي لأكلهم وحاجاتهم ، وهكذا إذا نزل بهم ضيف لا حرج عليهم أن يصنعوا له طعاما يناسبه ؛ لعموم الأدلة في ذلك.

(13/194)


ويشرع لأقاربهم وجيرانهم أن يصنعوا لهم طعاما يرسلونه إليهم ؛ لأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما أتى نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حين قتل في مؤتة في الشام أنه قال لأهله: اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم فدل ذلك على مشروعية إرسال الطعام إلى أهل الميت من أقاربهم أو غيرهم أيام المصيبة.
سبق نشره في ( الجزء التاسع ) ص 318 من هذا المجموع .
من بدع العزاء
س: نسأل عن ظاهرة منتشرة في كثير من بلاد المسلمين ، وهي: ما يقوم به أهل الميت من أعمال بعد الانتهاء من الدفن لميتهم ، حيث يجهزون سرادقا من الخيام أو أي شيء آخر ، ويجتمع أهل الميت فيه بعد إضاءته في إحدى الساحات أو الشوارع ، لاستقبال المعزين وتناول القهوة والشاي وغيرهما ، بالإضافة إلى إحضار قارئ لقراءة القرآن بأجر ، وإن لم يتيسر استخدموا جهاز تسجيل لسماع القرآن ، وفي الليلة الثالثة يتم إقامة وليمة طعام للجميع ، فما توجيه سماحتكم؟ وهل تجوز المشاركة فيها؟ ع. م.- مكة.
ج: إقامة العزاء بهذه الصورة بدعة لا يجوز فعلها ، ولا المشاركة فيها ؛ لما ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه قال كنا نعد الاجتماع لأهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح. وإنما السنة أن يصنع لأهل الميت طعام من أقاربهم ، وجيرانهم ؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأهله لما جاء نبأ نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم رواه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح ، نسأل الله أن يوفق المسلمين لما فيه نجاتهم وسلامة دينهم ودنياهم ، إنه سميع قريب.
نشرت في ( مجلة الدعوة ) العدد ( 1604 ) في 11/4/1418 هـ .

(13/195)


س: عندنا في سورية عادات مختلفة قليلا وعجيبة أحيانا عما عند غيرنا ، مثلا: عندما يتوفى لنا ميت يسارع الناس إلى تقديم العزاء حاملين معهم ما يتيسر من مواد غذائية سكر ورز وما هنالك لمدة أسبوع أو أكثر.
يجلسون ويتبادلون الأحاديث ويتناولون الشاي والدخان وخاصة الأرجيل ويطيلون في جلوسهم ، وبعد عصر كل يوم يقرءون ما يسمى الختمية ، كل شخص يقرأ جزءا من القرآن ثم يتم وهبه للميت ، وأحيانا نجد شخصين يقرآن في نفس الجزء ، أحدهما الصفحة الأولى ، والثاني الصفحة الأخرى ؛ حتى يستعجلا في قراءة الجزء,
ونفس الشيء يوم الأربعين ، حيث يتم ذلك بعد صلاة الظهر وتقديم وليمة أو وليمتين على الغداء. فما رأيكم في ذلك؟ جزاكم الله عنا كل خير . أ. م. ح. سوريا.
ج: الحمد لله ، وبعد: فإن التعزية مشروعة لأهل الميت ، وهكذا بعث الطعام لهم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أهله أن يبعثوا لآل جعفر بن أبي طالب طعاما لما جاء خبر موته ، وقال: فقد أتاهم ما يشغلهم أما جلوس أهل الميت أو غيرهم يوما أو أكثر لقراءة القرآن وإهدائه إلى الميت فبدعة لا أصل لها في الشرع المطهر، وكذا ما ذكرتم مما يفعل يوم الأربعين لا أصل له في الشرع.
وأما التدخين فهو منكر في جميع الأوقات ومضاره كثيرة.
نسأل الله أن يعافي المسلمين من شره ، ومن جميع الشرور ، وأن يوفقهم لاتباع السنة والحذر في جميع شئونهم ، إنه جواد كريم. والله الموفق.
من ضمن الأسئلة الموجهة لسماحته من ( المجلة العربية ) .
الذكريات التي تقام للميت
س: من أين أتت الذكرى التي تقام للميت في اليوم الثالث من وضعه في القبر؟
ج: ابتدعها من جهلوا الإسلام وما يجب عليهم نحوه من المحافظة على أصوله وفروعه ، وليس لديهم وازع ديني سليم ، بل مشرب بتقاليد أهل الضلال ، فهو بدعة مستحدثة في الإسلام ؛ فكانت مردودة شرعا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد
نشرت في ( مجلة الدعوة ) العدد ( 779 ) .

(13/196)


الذكرى الأربعينية عادة فرعونية
س: ما أصل الذكرى الأربعينية؟ وهل هناك دليل على مشروعية التأبين؟
ج: أولا: الأصل فيها أنها عادة فرعونية ، كانت لدى الفراعنة قبل الإسلام ، ثم انتشرت عنهم وسرت في غيرهم ، وهي بدعة منكرة لا أصل لها في الإسلام ، ويردها ما ثبت من قول النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ثانيا: تأبين الميت ورثاؤه على الطريقة الموجودة اليوم من الاجتماع لذلك والغلو في الثناء عليه لا يجوز ؛ لما رواه أحمد وابن ماجة وصححه الحاكم من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المراثي ولما في ذكر أوصاف الميت من الفخر غالبا وتجديد اللوعة وتهييج الحزن.
وأما مجرد الثناء عليه عند ذكره أو مرور جنازته أو للتعريف به بذكر أعماله الجليلة ونحو ذلك مما يشبه رثاء بعض الصحابة لقتلى أحد وغيرهم فجائز ؛ لما ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا؛ فقال صلى الله عليه وسلم: وجبت، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شرا؛ فقال صلى الله عليه وسلم: وجبت، فقال عمر رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال صلى الله عليه وسلم: هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض
نشرت في ( مجلة الدعوة ) العدد ( 779 ) .
تنبيه على مسائل في التعزية
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه ويطلع عليه من إخواني المسلمين ، وفقني الله وإياهم إلى فعل الطاعات وجنبني وإياهم البدع والمنكرات آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد:
فإن الداعي لكتابة هذه الكلمة هو النصح والتذكير والتنبيه على مسائل في التعزية مخالفة للشرع قد وقع فيها بعض الناس ولا ينبغي السكوت عنها بل يجب التنبيه والتحذير منها.

(13/197)


أقول وبالله التوفيق: على كل مسلم أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه فهو بقضاء الله وقدره وعليه أن يصبر ويحتسب ، وينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى ويتعزى بعزائه ويمتثل أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة ؛ لينال ما وعد الله به الصابرين في قوله تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
وروى مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها ، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها وليحذر المصاب أن يتكلم بشيء يحبط أجره ويسخط ربه مما يشبه التظلم والتسخط ، فهو سبحانه وتعالى عدل لا يجور ، وله ما أخذ وله ما أعطى ، وكل شيء عنده بأجل مسمى ، وله في ذلك الحكمة البالغة ، وهو الفعال لما يريد ، ومن عارض في هذا فإنما يعترض على قضاء الله وقدره الذي هو عين المصلحة والحكمة وأساس العدل والصلاح.
ولا يدعو على نفسه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما مات أبو سلمة: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ويحتسب ثواب الله ويحمده.
صدر من مكتب سماحته برقم ( 30/2 ) في 15/1/1404 هـ .
وتعزية المصاب بالميت مستحبة ؛ لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عزى مصابا فله مثل أجره والمقصود منها تسلية أهل المصيبة في مصيبتهم ومواساتهم وجبرهم.
ولا بأس بالبكاء على الميت ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله لما مات ابنه إبراهيم وبعض بناته صلى الله عليه وسلم.

(13/198)


أما الندب والنياحة ولطم الخد وشق الجيب وخمش الوجه ونتف الشعر والدعاء بالويل والثبور وما أشبهها فكل ذلك محرم ؛ لما روى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة وذلك لأن هذه الأشياء وما أشبهها فيها إظهار للجزع والتسخط وعدم الرضا والتسليم.
والصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة ، والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة ، والشاقة: هي التي تشق ثوبها عند المصيبة.
ويستحب إصلاح طعام لأهل الميت يبعث به إليهم إعانة لهم وجبرا لقلوبهم فإنهم ربما اشتغلوا بمصيبتهم وبمن يأتي إليهم عن إصلاح طعام لأنفسهم ؛ لما روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: لما جاء نعي جعفر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنه قد أتاهم ما يشغلهم وروي عن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما أنه قال: "فما زالت السنة فينا حتى تركها من تركها".
أما صنع أهل الميت الطعام للناس سواء أكان ذلك من مال الورثة أو من ثلث الميت أو من شخص يفد عليهم فهذا لا يجوز ؛ لأنه خلاف السنة ومن عمل الجاهلية ، ولأن في ذلك زيادة تعب لهم على مصيبتهم وشغلا إلى شغلهم وقد روى الإمام أحمد وابن ماجة بإسناد جيد عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة
وأما الإحداد فيحرم على المرأة إحداد فوق ثلاثة أيام على ميت غير زوج ، فيلزم زوجته الإحداد مدة العدة فقط ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا

(13/199)


أما إحداد النساء سنة كاملة فهذا مخالف للشريعة الإسلامية السمحة ، وهو من عادات الجاهلية التي أبطلها الإسلام وحذر منها ، فالواجب إنكاره والتواصي بتركه.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "وهذا من تمام محاسن الشريعة وحكمتها ورعايتها على أكمل الوجوه ، فإن الإحداد على الميت من تعظيم مصيبة الموت التي كان أهل الجاهلية يبالغون فيها أعظم مبالغة ، وتمكث المرأة سنة في أضيق بيت وأوحشه ، لا تمس طيبا ولا تدهن ولا تغتسل ، إلى غير ذلك مما هو تسخط على الرب وأقداره ، فأبطل الله بحكمته سنة الجاهلية وأبدلنا بها الصبر والحمد.
ولما كانت مصيبة الموت لا بد أن تحدث للمصاب من الجزع والألم والحزن ما تقتضيه الطباع سمح لها الحكيم الخبير في اليسير من ذلك ، وهو ثلاثة أيام ، تجد بها نوع راحة ، وتقضي بها وطرا من الحزن ، وما زاد عن ذلك فمفسدة راجحة فمنع منه.
والمقصود أنه أباح لهن الإحداد على موتاهن ثلاثة أيام ، وأما الإحداد على الزوج فإنه تابع للعدة بالشهور ، وأما الحامل فإذا انقضى حملها سقط وجوب الإحداد ؛ لأنه يستمر إلى حين الوضع" ا. هـ كلامه رحمه الله.
وأما عمل الحفل بعد خروج المرأة من العدة فهو بدعة إذا اشتمل على ما حرم الله من نياحة وعويل وندب ونحوها ، فإن لم يشتمل على شيء من ذلك فلا بأس به ، أما الاحتفال من أجل الميت فلم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم ولا عن السلف الصالح إقامة حفل للميت مطلقا لا عند وفاته ولا بعد أسبوع أو أربعين يوما أو سنة من وفاته ، بل ذلك بدعة وعادة قبيحة.

(13/200)


فيجب البعد عن مثل هذه الأشياء وإنكارها والتوبة إلى الله منها وتجنبها ؛ لما فيها من الابتداع في الدين ومشابهة المشركين ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظلي رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم وثبت عنه أيضا عليه الصلاة والسلام أنه قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على النهي عن التشبه بالمشركين وعن الابتداع في الدين، والله أعلم.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
حكم النعي في الجرائد
س: ما حكم النعي في الجرائد؟
ج: هو محل نظر لما فيه من التكلف غالبا ، وقد يباح إذا كان صدقا وليس فيه تكلف ، وتركه أولى وأحوط ، وإذا أراد التعزية فيكتب لهم كتابا أو يتصل بالهاتف أو يزورهم وهذا أكمل.
س: ما حكم التعزية في الجرائد ، هل تعتبر من النعي المحرم؟
ج: ليس ذلك من النعي المحرم ، وتركه أولى ؛ لأنه يكلف المال الكثير.
هذا السؤال وستة بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
حكم قولهم "انتقل إلى مثواه الأخير"
س: ما حكم قولهم في التعزية: "انتقل إلى مثواه الأخير" ؟
ج: لا أعلم في هذا بأسا ؛ لأنه مثواه الأخير بالنسبة للدنيا ، وهي كلمة عامية ؛ أما المثوى الأخير الحقيقي فهو الجنة للمتقين والنار للكافرين.
حكم قولهم: "يا أيتها النفس المطمئنة"
س: ما حكم قولهم: "يا أيتها النفس المطمئنة" ؟
ج: هذا غلط وما يدريهم بذلك ؛ بل المشروع الدعاء له بالمغفرة والرحمة ويكفي ذلك.
حكم قول أهل الميت للناس:
"حللوا أخاكم" أو "أبيحوه" ونحوهما
س: ما حكم قول أهل الميت للناس: حللوا أخاكم أو أبيحوه ، وقولهم: استغفروا له؟
ج: لا أعلم لهذا أصلا ؛ لكن إذا كان يعلم أنه ظالمهم وطلب منهم أن يبيحوه فلا بأس ، وألا يقتصر الطلب على الدعاء والاستغفار.

(13/201)


حكم توزيع أوراق يبين فيها مكان الصلاة أو العزاء
س: عندنا في العمل إذا مات زميل لنا توزع أوراق يبين فيها مكان الصلاة أو العزاء فما حكمه؟
ج: ما أعلم في ذلك شيئا ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع النجاشي ، فإذا قالوا سيصلى عليه في الجامع الفلاني فليس في ذلك شيء.
حكم القصائد التي فيها رثاء للميت
س: القصائد التي فيها رثاء للميت هل هي من النعي المحرم؟
ج: ليست القصائد التي فيها رثاء للميت من النعي المحرم ، ولكن لا يجوز لأحد أن يغلو في أحد ويصفه بالكذب ، كما هي عادة الكثير من الشعراء.
رسالة تعزية
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الإخوان الكرام ع. م. ن. وإخوانه وأهل بيتهم. وفق الله الجميع لما فيه رضاه وجبر مصيبتهم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:

(13/202)


لقد بلغني وفاة والدكم رحمه الله ، وأقول: أحسن الله عزاءكم وجبر مصيبتكم وغفر للفقيد وتغمده برحمته ورضوانه وأصلح ذريته جميعا. ولا يخفى على الجميع أن الموت طريق مسلوك ومنهل مورود ، وقد مات الرسل وهم أشرف الخلق عليهم الصلاة والسلام ، فلو سلم أحد من الموت لسلموا ، قال الله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ والمشروع للمسلمين عند نزول المصائب هو الصبر والاحتساب والقول كما قال الصابرون: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ وقد وعدهم الله على ذلك خيرا عظيما ، فقال: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها إلا أجره الله في مصيبته وخلف له خيرا منها فنسأل الله أن يجبر مصيبتكم جميعا ، وأن يحسن لكم الخلف ، وأن يعوضكم الصلاح والعاقبة الحميدة.
ونوصيكم بالصبر والاحتساب ، والتعاون على البر والتقوى ، والاستغفار لوالدكم ، والدعاء له بالفوز بالجنة والنجاة من النار ، والمسارعة لقضاء دينه إن كان عليه دين ، كما نوصي زوجاته جميعا أن يبقين في بيوتهن حتى تنتهي العدة ، والله سبحانه يقول: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ جبر الله مصيبة الجميع ، وضاعف لكم جميعا الأجر ، وغفر لوالدكم ، وأسكنه فسيح جنته ، إنه سميع قريب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رئيس الجامعة الإسلامية
صدرت من مكتب سماحته برقم 1993/1/1 في 17/2/1392 هـ عندما كان رئيسا للجامعة الإسلامية .

(13/203)


حكم الصبر والشكر والرضا عند المصيبة
س: الشكر عند المصيبة هل هو واجب؟
ج: الواجب الصبر ؛ أما الرضا والشكر فهما مستحبان ، وعند المصيبة ثلاثة أمور: الصبر وهو واجب ، والرضا سنة ، والشكر أفضل.
من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
حكم النياحة على الميت
س: إني قلت لأخي: إذا توفيت لا تبكوا عليَّ ، ولا تذيعوا بالميكرفون، وأنا أخاف أن يفعلوا ذلك ، فما توجيهكم لهم جزاكم الله خيرا؟
ج: الواجب على المسلمين في هذه الأمور الصبر والاحتساب ، وعدم النياحة ، وعدم شق الثوب ، ولطم الخد ، ونحو ذلك ؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ولقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب رواه مسلم في الصحيح.
والنياحة: هي رفع الصوت بالبكاء على الميت. وقال صلى الله عليه وسلم: أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة ، أو تنتفه.
والشاقة: هي التي تشق ثوبها عند المصيبة. والصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة، وكل هذا من الجزع ، فلا يجوز للمرأة ولا للرجل فعل شيء من ذلك. والواجب على أهلك أيتها السائلة أن يقبلوا هذه الوصية ، ويحذروا من النياحة عليك ؛ لأن النياحة تضرهم وتضر الميت ، كما في الحديث الصحيح: الميت يعذب في قبره بما نيح عليه فلا يجوز لهم النياحة على الميت.

(13/204)


أما البكاء بدمع العين ، وحزن القلب فلا حرج فيه ، إنما الممنوع رفع الصوت بالصياح ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم: إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون وقال عليه الصلاة والسلام: إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا- وأشار إلى لسانه- أو يرحم
من برنامج ( نور على الدرب ) من الشريط رقم ( 12 ) وسبق نشره في ( الجزء التاسع ) ص338 من هذا المجموع .
حكم من أوصى بعدم النياحة فناحوا عليه
س: إذا أوصى الميت بعدم النياحة عليه ثم مات فناحوا عليه ، فهل يعذب؟
ج: الله أعلم ، والواجب عليهم الحذر ، ولعله إذا كان أوصاهم وحذرهم يسلم على القاعدة الشرعية المأخوذة من الآية القرآنية: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
هذا السؤال والذي بعده من ضمن أسئلة مقدمة لسماحته من الجمعية الخيرية بشقراء .
دمع العين وحزن القلب لا بأس به
س: من غلبها البكاء فناحت فما الحكم؟
ج: النياحة لا تجوز ، ودمع العين وحزن القلب لا بأس به ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم: العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون
الميت يعذب بالنياحة
س: هل الميت يعذب ببكاء أهله عليه؟
ج: بالنياحة فقط.
نشر في ( مجلة الفرقان ) العدد ( 100 ) في ربيع الثاني 1419 هـ .

(13/205)


الجمع بين حديث: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه
وقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
س: يوجد حديث عند الإمام البخاري رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه. وحديث آخر عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ترفض هذا القول وتقول: حسبكم القرآن: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى فما جوابكم أثابكم الله عن هذه المسألة؟ هل الميت يعذب ببكاء أهله عليه ، أم أنه ليس للإنسان إلا ما سعى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ؟
ج: ليس هناك تعارض بين الأحاديث والآية التي ذكرتها عائشة رضي الله عنها فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر ومن حديث المغيرة وغيرهما في الصحيحين وليس في البخاري وحده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت يعذب بما يناح عليه

(13/206)


وفي رواية للبخاري: ببكاء أهله عليه والمراد بالبكاء النياحة وهي رفع الصوت ، أما البكاء الذي هو دمع العين فهذا لا يضر ، وإنما الذي يضر هو رفع الصوت بالبكاء وهو المسمى بالنياحة، والرسول صلى الله عليه وسلم قصد بهذا منع الناس من النياحة على موتاهم وأن يتحلوا بالصبر ويكفوا عن النوح ، ولا بأس بدمع العين وحزن القلب ، كما قال عليه الصلاة والسلام لما مات ابنه إبراهيم: العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون فالميت يعذب بالنياحة عليه من أهله والله أعلم بكيفية العذاب الذي يحصل له بهذه النياحة وهذا مستثنى من قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى فإن القرآن والسنة لا يتعارضان ، بل يصدق أحدهما الآخر ويفسر أحدهما الآخر فالآية عامة والحديث خاص والسنة تفسر القرآن وتبين معناه فيكون تعذيب الميت بنياحة أهله عليه مستثنى من الآية الكريمة ولا تعارض بينها وبين الأحاديث ، وأما قول عائشة رضي الله عنها فهذا من اجتهادها وحرصها على الخير وما قاله النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على قولها وقول غيرها لقول الله سبحانه: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ وقوله عز وجل: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا والآيات في هذا المعنى كثيرة، والله الموفق.
من برنامج ( نور على الدرب ) .

(13/207)


لا يجوز وصف الميت بأنه مغفور له أو مرحوم
الحمد لله والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ، أما بعد: فقد كثر الإعلان في الجرائد عن وفاة بعض الناس ، كما كثر نشر التعازي لأقارب المتوفين ، وهم يصفون الميت فيها بأنه مغفور له ، أو مرحوم ، أو ما أشبه ذلك من كونه من أهل الجنة ، ولا يخفى على كل من له إلمام بأمور الإسلام وعقيدته ، بأن ذلك من الأمور التي لا يعلمها إلا الله ، وأن عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يجوز أن يشهد لأحد بجنة أو نار ، إلا من نص عليه القرآن الكريم كأبي لهب ، أو شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك كالعشرة من الصحابة المشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم ونحوهم ، ومثل ذلك في المعنى الشهادة له بأنه مغفور له ، أو مرحوم ؛ لذا ينبغي أن يقال بدلا منها: غفر الله له ، أو رحمه الله ، أو نحو ذلك من كلمات الدعاء للميت.
وأسأل الله سبحانه أن يهدينا جميعا سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
نشرت في ( الجزء الرابع ) ص 335 من هذا المجموع .
س: كثرت العبارات التي تطلق في حق الأموات فنحن نسمع عن فلان المغفور له أو المرحوم فهل هذه العبارات صحيحة؟

(13/208)


ج: المشروع في هذا أن يقال: غفر الله له أو رحمه الله ونحو ذلك إذا كان مسلما ، ولا يجوز أن يقال المغفور له أو المرحوم ؛ لأنه لا تجوز الشهادة لمعين بجنة أو نار أو نحو ذلك ، إلا لمن شهد الله له بذلك في كتابه الكريم أو شهد له رسوله عليه الصلاة والسلام. وهذا هو الذي ذكره أهل العلم من أهل السنة فمن شهد الله له في كتابه العزيز بالنار كأبي لهب وزوجته ، وهكذا من شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة كأبي بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان ، وعلي وبقية العشرة رضي الله عنهم وغيرهم ممن شهد له الرسول عليه الصلاة والسلام بالجنة كعبد الله بن سلام ، وعكاشة بن محصن رضي الله عنهما ، أو بالنار ، كعمه أبي طالب ، وعمرو بن لحي الخزاعي وغيرهما ممن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالنار ، نعوذ بالله من ذلك. أما من لم يشهد له الله سبحانه ولا رسوله بجنة ولا نار فإنا لا نشهد له بذلك على التعيين. وهكذا لا نشهد لأحد معين بمغفرة أو رحمة إلا بنص من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن أهل السنة يرجون للمحسن ، ويخافون على المسيء ، ويشهدون لأهل الإيمان عموما بالجنة وللكفار عموما بالنار.
كما أوضح الله سبحانه ذلك في كتابه المبين قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وقال تعالى فيها أيضا: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ الآية.
وذهب بعض أهل العلم إلى جواز الشهادة بالجنة أو النار لمن شهد له عدلان أو أكثر بالخير أو الشر لأحاديث صحيحة وردت في ذلك.
نشرت في ( مجلة الدعوة ) العدد ( 1561 ) في 21/6/1417 هـ

(13/209)


من بدع الجنائز
س: ما حكم الله ورسوله في قوم إذا توفي أحد منهم قام أقرباؤه بذبح شاة يسمونها العقيقة ولا يكسرون من عظامها شيئا ، ثم بعد ذلك يقبرون عظامها وفرثها ، ويزعمون أن ذلك حسنة ويجب العمل به؟
ج: هذا العمل بدعة لا أساس له في الشريعة الإسلامية ، فالواجب تركه والتوبة إلى الله منه كسائر البدع والمعاصي ، فإن التوبة إلى الله سبحانه تجب منها جميعا ، كما قال عز وجل: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا وإنما العقيقة المشروعة التي جاءت بها السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هي ما يذبح عن المولود في يوم سابعه ، وهي شاتان عن الذكر وشاة واحدة عن الأنثى.
وقد عق النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين- رضي الله عنهما- وصاحبها مخير إن شاء وزعها لحما بين الأقارب والأصحاب والفقراء ، وإن شاء طبخها ودعا إليها من شاء من الأقارب والجيران والفقراء.
هذه هي العقيقة المشروعة ، وهي سنة مؤكدة ، ومن تركها فلا إثم عليه.
انتهى الجزء الثالث عشر ويليه بمشيئة الله تعالى الجزء الرابع عشر وأوله الزكاة . _
نشر في كتاب ( الأجوبة المفيدة عن بعض مسائل العقيدة ) لسماحته ص23 طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء .

(13/210)


مجموع فتاوى ومقالات متنوعة
الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز رحمه الله

الجزء السادس عشر..
كتاب الحج
وصايا للحجاج والزوار (1)

بسم الله، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فإلى حجاج بيت الله الحرام أقدم هذه الوصايا عملاً بقول الله سبحانه: "وتعاونوا على البر والتقوى" (2) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " الدين النصيحة" قيل : لمن يا رسول الله، قال: "لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (3) .
__________
(1) نشر في مجلة الجامعة الإسلامية السنة الحادية عشرة، العدد الثاني غرة ذي الحجة عام 1398هـ
(2) سورة المائدة ، الآية 22
(3) رواه الإمام أحمد في (مسند الشاميين) حديث تميم الداري برقم 16499، ومسلم في (الإيمان) باب بيان أن الدين النصيحة برقم 55

(14/1)


الأولى: الوصية بتقوى الله تعالى في جميع الأحوال ، والتقوى هي جماع الخير وهي وصية الله سبحانه ووصية رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة" (1) ، وقال سبحانه: "ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله" (2) ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي في خطبه كثيراً بتقوى الله . وحقيقة التقوى أداء ما افترض الله على العبد وترك ما حرم الله عليه عن إخلاص لله ومحبة له ورغبة في ثوابه وحذر من عقابه على الوجه الذي شرعه الله لعباده على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. قال عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- وهو أحد علماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم: "تقوى الله حق تقاته أن يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر " . وقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز –رحمه الله- : "ليست تقوى الله بصيام النهار ولا قيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله أداء ما افترض الله وترك ما حرم الله ، فمن رزق بعد ذلك خيراً فهو خير على خير" . وقال طلق بن حبيب التابعي الجليل –رحمه الله- : "تقوى الله سبحانه هي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله". وهذا كلام جيد ، ومعناه أن الواجب على المسلم أن يتفقه في دين الله، وأن يتعلم ما لا يسعه جهله، حتى يعمل بطاعة الله على بصيرة، ويدع محارم الله على بصيرة، وهذا هو تحقيق العمل بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن الشهادة الأولى تقتضي الإيمان بالله وحده، وتخصيصه بالعبادة دون كل ما سواه، وإخلاص جميع الأعمال لوجهه الكريم، رجاء رحمته وخشية عقابه، والشهادة الثانية تقتضي الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول الله إلى جميع الجن والإنس،
__________
(1) سورة النساء ، الآية 1
(2) سورة النساء ، الآية 131

(14/2)


وتصديق أخباره واتباع شريعته والحذر مما خالفها. وهاتان الشهادتان هما أصل الدين وأساس الملة، كما قال الله تعالى: "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم" (1) ، وقال سبحانه: "وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم" (2) ، وقال عز وجل: "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون" (3) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
__________
(1) سورة آل عمران ، الآية 18
(2) سورة البقرة ، الآية 163
(3) سورة الأعراف، الآية 158

(14/3)


الثانية : أوصي جميع الحجاج والزوار وكل مسلم يطلع على هذه الكلمة بالمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها والعناية بها وتعظيم شأنها والطمأنينة فيها؛ لأنها الركن الأعظم بعد الشهادتين، ولأنها عمود الإسلام، ولأنها أول شيء يحاسب عنه المسلم من عمله يوم القيامة، ولأن من تركها فقد كفر ؛ قال الله سبحانه وتعالى: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون" (1) ، وقال عز وجل: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين" (2) ، وقال جل شأنه: "قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون" (3) إلى أن قال سبحانه: "والذين هم على صلواتهم يحافظون . أولئك هم الوارثون. الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون" (4) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (5) أخرجه مسلم في صحيحه، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" (6) خرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح، وخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حافظ على الصلاة كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف". (7)
__________
(1) سورة النور ، الآية 56
(2) سورة البقرة ، الآية 238
(3) سورة المؤمنون ، الآيتان 1، 2
(4) سورة المؤمنون ، الآيات 9- 11
(5) رواه مسلم في (الإيمان) باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة برقم 82
(6) رواه الترمذي في (الإيمان) باب ما جاء في ترك الصلاة برقم 2621
(7) رواه الإمام أحمد في (مسند المكثرين من الصحابة) مسند عبد الله بن عمرو بن العاص برقم 6540 .

(14/4)


قال بعض أهل العلم في شرح هذا الحديث: وإنما يحشر من ضيع الصلاة مع هؤلاء الكفرة؛ لأنه إما أن يضيعها تشاغلاً بالرياسة والملك والزعامة، فيكون شبيهاً بفرعون، وإما أن يضيعها تشاغلاً بأعمال الوزارة والوظيفة، فيكون شبيهاً بهامان وزير فرعون، وإما أن يضيعها تشاغلاً بالشهوات وحب المال والتكبر على الفقراء، فيكون شبيهاً بقارون الذي خسف الله به وبداره الأرض، وإما أن يضيعها تشاغلاً بالتجارة والمعاملات الدنيوية، فيكون شبيهاً بأبي بن خلف تاجر كفار مكة، فنسأل الله العافية من مشابهة أعدائه. ومن أهم أركان الصلاة التي يجب على المسلم رعايتها والعناية بها والطمأنينة في ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها، وكثير من الناس يصلي صلاة لا يعقلها ولا يطمئن فيها، ولا شك أن الطمأنينة من أهم أركان الصلاة، فمن لم يطمئن في صلاته فهي باطلة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركع استوى في ركوعه وأمكن يديه من ركبتيه وهصر ظهره وجعل رأسه حياله، ولم يرفع رأسه حتى يعود كل فقار إلى مكانه، وإذا رفع رأسه من الركوع اعتدل حتى يرجع كل فقار في مكانة، وإذا سجد اطمأن في سجوده حتى يرجع كل فقار إلى مكانة ، وإذا جلس بين السجدتين اعتدل حتى يرجع كل فقار إلى مكانه، ولما رأى صلى الله عليه وسلم بعض الناس لا يطمئن في صلاته أمره بالإعادة، وقال له: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" (1) أخرجه الشيخان في الصحيحين.
__________
(1) رواه البخاري في (الاستئذان) باب من رد فقال: عليك السلام برقم 6251، ومسلم في (الصلاة) باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة برقم 397.

(14/5)


فهذا الحديث الصحيح يدل على أن الواجب على المسلم أن يعظم هذه الصلاة ويعتني بها ويطمئن فيها حتى يؤديها على الوجه الذي شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن تكون الصلاة للمؤمن راحة قلب ، ونعيم روح، وقرة عين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" (1) . ومن أهم واجبات الصلاة في حق الرجال أداؤها في الجماعة؛ لأن ذلك من أعظم شعائر الإسلام، وقد أمر الله بذلك ورسوله، كما قال عز وجل: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين" (2) ، وقال سبحانه في صلاة الخوف: "وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من وراءكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم" (3) الآية. فأوجب الله سبحانه على المسلمين أداء الصلاة في الجماعة في حال الخوف، فيكون وجوبها عليهم في حال الأمن أشد وآكد. وتدل الآية المذكورة على وجوب الإعداد للعدو والحذر من مكائده، كما قال سبحانه: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " (4) الآية.
__________
(1) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند المكثرين من الصحابة) مسند أنس بن مالك برقم 11884، والنسائي في (عشرة النساء) باب حب النساء برقم 3940.
(2) سورة البقرة، الآية 43
(3) سورة النساء ، الآية 102
(4) سورة الأنفال ، الآية 60

(14/6)


فالإسلام دين العزة والكرامة والقوة والحذر والجهاد الصادق، كما أنه دين الرحمة والإحسان والأخلاق الكريمة والصفات الحميدة. ولما جمع سلفنا الصالح بين هذه الأمور مكن الله لهم في الأرض، ورفع شأنهم، وملكهم رقاب أعدائهم، وجعل لهم السيادة والقيادة، فلما غير من بعدهم غير الله عليهم، كما قال عز وجل: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (1) ، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (2) . وقال عليه الصلاة والسلام : "من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر" (3) . وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله ، إنه ليس لي قائد يلائمني إلى المسجد، فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي، قال: "هل تسمع النداء بالصلاة" ، قال: نعم، قال: "فأجب" (4) . خرجه مسلم في صحيحه.
__________
(1) سورة الرعد ، الآية 11
(2) رواه البخاري في (الخصومات) باب إخراج أهل المعاصي والخصوم من البيوت برقم 2420، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها برقم 651 ، وأبو داود في (الصلاة) باب التشديد في ترك الجماعة برقم 548 ، واللفظ له.
(3) رواه ابن ماجة في (المساجد والجماعات) باب التغليظ في التخلف عن الجماعة برقم 793
(4) رواه مسلم في (المساجد ومواضع الصلاة) باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء برقم 653

(14/7)


أما النساء فصلاتهن في بيوتهن خير لهن، كما جاء بذلك الإخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذاك إلا لأنهن عورة وفتنة، ولكن لا يمنعن من المساجد إذا طلبن ذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (1) . وقد دلت الآيات والأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه يجب عليهن التستر والتحجب من الرجال، وترك إظهار الزينة، والحذر من التعطر حين خروجهن؛ لأن ذلك يسبب الفتنة بهن؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مسجد الله، وليخرجن تفلات" (2) . ومعنى تفلات: أي لا رائحة لهن تفتن الناس. وقال صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء" (3) . وقالت عائشة – رضي الله عنها- : "لو علم النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء اليوم لمنعهن الخروج". فالواجب على النساء أن يتقين الله وأن يحذرن أسباب الفتنة من الزينة والطيب وإبراز بعض المحاسن، كالوجه واليدين والقدمين حين اجتماعهن بالرجال وخروجهن إلى الأسواق، وهكذا في وقت الطواف والسعي، وأشد من ذلك وأعظم في المنكر كشفهن الرؤوس، ولبس الثياب القصيرة التي تقصر عن الذراع والساق؛ لأن ذلك من أعظم أسباب الفتنة بهن؛ ولهذا قال عز وجل: "وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" (4) . والتبرج إظهار بعض محاسنهن. وقال عز وجل: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن " (5) الآية. والجلباب هو الثوب الذي تغطي به
__________
(1) رواه البخاري في (الجمعة) باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل برقم (900) ، ومسلم في (الصلاة) باب خروج النساء إلى المساجد برقم 442
(2) رواه الإمام أحمد في (مسند المكثرين من الصحابة) باقي مسند أبي هريرة برقم 9362
(3) رواه مسلم في (الصلاة) باب خروج النساء إلى المساجد برقم 444
(4) سورة الأحزاب ، الآية 33
(5) سورة الأحزاب ، الآية 59

(14/8)


المرأة رأسها ووجهها وصدرها وسائر بدنها. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس –رضي الله عنهما- : أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلاليب ويبدين عيناً واحدة. وقال تعالى: "وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن" (1) الآية.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم "صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: نساء كاسيات عاريات ، مائلات مميلات ، على رؤوسهن مثل أسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ، ورجال بأيديهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها الناس" (2) خرجه مسلم في صحيحه. وقوله : كاسيات عاريات، فسر بأنهن كاسيات من نعم الله عاريات من شكرها، وفسر بأن عليهن كسوة رقيقة أو قصيرة لا تسترهن، فهن كاسيات بالاسم والدعوى عاريات في الحقيقة. ولا ريب أن هذا الحديث الصحيح يوجب على النساء العناية بالتستر والتحجب والحذر من أسباب غضب الله وعقابه. والله المستعان.
الوصية الثالثة: أوصي جميع الحجاج والزوار وكل مسلم بإخراج زكاة ماله إذا كان لديه مال تجب الزكاة فيه؛ لأن الزكاة من أعظم فرائض الدين، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام. فالله سبحانه وتعالى شرعها طهرة للمسلم وزكاة له ولماله وإحساناً للفقراء وغيرهم من أصناف أهل الزكاة ، كما قال عز وجل: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" (3)
__________
(1) سورة الأحزاب ، الآية 53.
(2) رواه الإمام أحمد في (مسند المكثرين من الصحابة) مسند أبي هريرة برقم 8451، ومسلم في (اللباس والزينة ) باب النساء الكاسيات العاريات برقم 2128
(3) سورة التوبة، الآية: 103

(14/9)


وهي من شكر الله على نعمة المال، والشاكر موعود بالأجر والزيادة، كما قال سبحانه: "وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد"(1)، وقال عز وجل : "فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون" (2) . وقد توعد الله من لم يؤد الزكاة بالعذاب الأليم، كما توعده سبحانه بأنه يعذبه بماله يوم القيامة. قال الله عز وجل : "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون" (3) . وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية الكريمة: أن كل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز يعذب به صاحبه يوم القيامة في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
فالواجب على كل مسلم له مال تجب فيه الزكاة أن يتقي الله ويبادر بإخراج زكاته في وقتها في أهلها المستحقين لها، طاعة لله ولرسوله، وحذراً من غضب الله وعقابه. والله سبحانه وعد المنفقين بالخلف والأجر الكبير، كما قال سبحانه: "وما
أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين" (4) ، وقال تعالى: "آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير" (5) .
__________
(1) سورة إبراهيم، الآية 7
(2) سورة البقرة ، الآية 152
(3) سورة التوبة ، الآيتان 34، 35
(4) سورة سبأ ، الآية 39
(5) سورة الحديد ، الآية 7

(14/10)


الوصية الرابعة: صيام رمضان، وهو من أعظم الفرائض على جميع المكلفين من الرجال والنساء ، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ، قال الله سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أياماً معدودات" (1) ، ثم فسر هذه الأيام المعدودات بعد ذلك بقوله سبحانه وتعالى: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر" (2) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة و، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت" (3) فهذا الحديث الصحيح يدل على جميع الوصايا المتقدمة وهي الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم، وأنها كلها من أركان الإسلام التي لا يقوم بناؤه إلا عليها؛ فالواجب على كل مسلم ومسلمة تعظيم هذه الأركان والمحافظة عليها والحذر من كل ما يبطلها أو ينقص أجرها. والله سبحانه إنما خلق الثقلين ليعبدوه سبحانه، وأرسل الرسل وأنزل الكتب من أجل ذلك. وعبادته هي توحيده وطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم عن إخلاص لله سبحانه ، ومحبة له، وإيمان به وبرسله، ورغبة في ثواب الله، وحذر من عقابه؛ وبذلك يفوز العبد بالسعادة والنجاة في الدنيا والآخرة. وإنما أصيب المسلمون في هذه العصور الأخيرة بالذل والتفرق وتسليط الأعداء بسبب تفريطهم في أمر الله وعدم تعاونهم على البر والتقوى، كما قال عز وجل: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" (4) .
__________
(1) سورة البقرة، الآيتان 183، 184
(2) سورة البقرة، الآية 185
(3) رواه البخاري في (الإيمان) باب بني الإسلام على خمس برقم 8 ، ومسلم في (الإيمان) باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام برقم 16 .
(4) سورة الشورى، آية 30

(14/11)


فنسأل الله أن يجمعهم على الحق ويوفقهم للتوبة النصوح، وأن يهديهم للعمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ويوفق حكامهم للحكم بشريعته والتحاكم إليها، وإلزام شعوبهم بما أوجب الله، ومنعهم عن محارم الله؛ حتى يمكن لهم في الأرض كما مكن لأسلافهم، ويعينهم على عدوهم، إنه سميع قريب.
الوصية الخامسة: حج بيت الله الحرام، وهو الركن الخامس من أركان الإسلام، كما تقدم في الحديث الصحيح، وهو فرض على كل مسلم ومسلمة يستطيع السبيل إليه في العمر مرة واحدة، كما قال الله سبحانه: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً" (1). وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع" (2) ، وقال صلى الله عليه وسلم : "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (3) ، وقال عليه الصلاة والسلام: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" (4) . فالواجب على حجاج بيت الله الحرام أن يصونوا حجهم عما حرم الله عليهم من الرفث والفسوق، وأن يستقيموا على طاعة الله ، ويتعاونوا على البر والتقوى، حتى يكون حجهم مبروراً، وسعيهم مشكوراً. والحج المبرور هو الذي سلم من الرفث والفسوق والجدال بغير حق، كما قال الله سبحانه: "الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج" (5) . ويدل على ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: "من حج لله فلم
__________
(1) سورة آل عمران ، الآية 97
(2) رواه الإمام أحمد في (مسند بني هاشم) بداية مسند عبد الله بن العباس برقم 2637، والدارمي في (المناسك) باب كيف وجوب الحج برقم 1788
(3) رواه البخاري في (الحج) باب وجوب العمرة وفضلها برقم 1773، ومسلم في (الحج) باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة برقم 1349
(4) رواه البخاري في (الحج) باب فضل الحج المبرور، برقم 1521، ومسلم في (الحج) باب فضل الحج والعمرة و يوم عرفة برقم 1350
(5) سورة البقرة، الآية 197

(14/12)


يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" والرفث : هو الجماع في حال الإحرام، ويدخل فيه النطق بالفحش ورديء الكلام. والفسوق يشمل المعاصي كلها.
فنسأل الله أن يوفق حجاج بيت الله الحرام للاستقامة على دينهم وحفظ حجهم مما يبطله أو ينقص أجره، وأن يمن علينا وعليهم بالفقه في دينه والتواصي بحقه والصبر عليه ، وأن يعيذ الجميع من مضلات الفتن ونزغات الشيطان ، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان .
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز

التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء الكتاب والسنة
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فهذا منسك مختصر يشتمل على إيضاح وتحقيق كثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم(1) . جمعته لنفسي ولمن شاء من المسلمين، واجتهدت في تحرير مسائله على ضوء الدليل.
وقد طبع للمرة الأولى في عام 1363هـ على نفقة جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل، قدس الله روحه وأكرم مثواه.
ثم إني بسطت مسائله بعض البسط، وزدت فيه من التحقيقات ما تدعو له الحاجة، ورأيت إعادة طبعه ؛ لينتفع به من شاء الله من العباد، وسميته (التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء الكتاب والسنة) ، ثم أدخلت فيه زيادات أخرى مهمة، وتنبيهات مفيدة؛ تكميلاً للفائدة، وقد طبع غير مرة.
وأسأل الله أن يعمم النفع به، وأن يجعل السعي فيه خالصاً لوجهه الكريم، وسبباً للفوز لديه في جنات النعيم، فإنه حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
المؤلف
__________
(1) الطبعة 31 عام 1417هـ التي عرضت على سماحته وصححها في عدة جلسات آخرها في 12/12/1418هـ

(14/13)


عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء
وإدارة البحوث العلمية والإفتاء

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في الحج وبيان فضله وآدابه، وما ينبغي لمن أراد السفر لأدائه، وبيان مسائل كثيرة مهمة من مسائل الحج والعمرة والزيارة على سبيل الاختصار والإيضاح، قد تحريت فيها ما دل عليه كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمعتها نصيحة للمسلمين، وعملاً بقول الله تعالى: "وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين" (1) ، وقوله تعالى: "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه" (2) الآية ، وقوله تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى" (3) .
ولما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الدين النصيحة" ثلاثاً، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" (4)
وروى الطبراني عن حذيفة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لم يُمس ويصبح ناصحاً لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم فليس منهم" (5)
والله المسئول أن ينفعني بها والمسلمين، وأن يجعل السعي فيها خالصاً لوجهه الكريم، وسبباً للفوز لديه في جنات النعيم، إنه سميع مجيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فصل
في أدلة وجوب الحج والعمرة والمبادرة إلى أدائهما
__________
(1) سورة الذاريات، الآية 55
(2) سورة آل عمران ، الآية 187
(3) سورة المائدة ، الآية 2
(4) رواه الإمام أحمد في (مسند الشامين) حديث تميم الداري برقم 16499، ومسلم في( الإيمان ) باب بيان أن الدين النصيحة برقم 55
(5) رواه الطبراني في الصغير برقم 905 في جامع الأحاديث والمراسيل، باب الميم مع النون من الإكمال من الجامع برقم 23274

(14/14)


إذا عُرف هذا فاعلموا –وفقني الله وإياكم لمعرفة الحق واتباعه- : أن الله عز وجل قد أوجب على عباده حج بيته الحرام، وجعله أحد أركان الإسلام، قال الله تعالى: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين" (1) .
وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام". (2) وروى سعيد في سننه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة(3) ولم يحج ليضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين"، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "من قدر على الحج فتركه فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً".
ويجب على من لم يحج وهو يستطيع الحج أن يبادر إليه؛ لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعجلوا إلى الحج- يعني :الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له" (4) . رواه أحمد
ولأن أداء الحج واجب على الفور في حق من استطاع السبيل إليه؛ لظاهر قوله تعالى: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين" .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: "أيها الناس، إن الله فرض عليكم الحج فحجوا" (5) أخرجه مسلم.
وقد وردت أحاديث تدل على وجوب العمرة منها:
__________
(1) سورة آل عمران ، الآية 97
(2) رواه البخاري في (الإيمان) باب بني الإسلام على خمس برقم 8، ومسلم في (الإيمان) باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام برقم 16
(3) أي : سعة من المال
(4) رواه الإمام أحمد في (مسند بني هاشم) أول مسند عبد الله بن عباس برقم 2864
(5) رواه مسلم في (الحج) باب فرض الحج في العمر برقم 1337

(14/15)


قوله صلى الله عليه وسلم في جوابه لجبرائيل لما سأله عن الإسلام: قال صلى الله عليه وسلم: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة ، وتحج البيت وتعتمر، وتغتسل من الجنابة ، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان" (1) أخرجه ابن خزيمة ، والدارقطني ، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وقال الدارقطني: هذا إسناد ثابت صحيح.
ومنها: حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله ، هل على النساء من جهاد؟ قال: "عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة" (2) أخرجه أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح
ولا يجب الحج والعمرة في العُمر إلا مرة واحدة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع" (3)
ويُسن الإكثار من الحج والعمرة تطوعاً؛ لما ثبت في الصحيحين ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج
المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" . (4)

فصل
في وجوب التوبة من المعاصي والخروج من المظالم

إذا عزم المسلم على السفر إلى الحج أو العمرة استحب له أن يوصي أهله وأصحابه بتقوى الله عز وجل، وهي : فعل أوامره ، واجتناب نواهيه.
__________
(1) رواه ابن خزيمة في (المناسك) باب ذكر البيان أن العمرة فرض وأنها من الإسلام برقم 3044، والدارقطني في (الحج) باب المواقيت برقم 2664
(2) رواه ابن ماجة في (المناسك) باب الحج جهاد النساء برقم 2901
(3) رواه الإمام أحمد في (مسند بني هاشم) بداية مسند عبد الله بن العباس برقم 2637، والدارمي في (المناسك) باب كيف وجوب الحج برقم 1788
(4) رواه البخاري في (الحج) باب وجوب العمرة وفضلها برقم 1773، ومسلم في (الحج) باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة برقم 1349

(14/16)


وينبغي أن يكتب ما له وما عليه من الدين، ويُشهد على ذلك، ويجب عليه المبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب؛ لقوله تعالى: "وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" (1)
وحقيقة التوبة: الإقلاع من الذنوب وتركها، والندم على ما مضى منها، والعزيمة على عدم العودة فيها، وإن كان عنده للناس مظالم من نفس أو مال أو عرض ردها إليهم، أو تحللهم منها قبل سفره؛ لما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كانت عنده مظلمة لأخيه من مال أو عرض فليتحلل اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم . إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه" (2) وينبغي أن ينتخب لحجه وعمرته نفقة طيبة من مال حلال؛ لما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً" (3) ، وروى الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خرج الرجل حاجاً بنفقة طيبة ووضع رجله في الغَرْزِ فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء : لبيك وسعديك، زادك حلال وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مأزور. وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك غير مبرور"(4) .
__________
(1) سورة النور ، الآية 31
(2) رواه البخاري في (المظالم والغصب) باب من كانت له مظلمة عند الرجل فحللها له برقم 2449
(3) رواه مسلم في (الزكاة) باب قبول الصدقة من الكسب الطيب برقم 1015
(4) رواه الطبراني في الأوسط 6/109 برقم 5224، وفي الترغيب والترهيب باب الترغيب في النفقة الحلال برقم 1723.

(14/17)


وينبغي للحاج الاستغناء عما في أيدي الناس والتعفف عن سؤالهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن يستعفف يُعفه الله، ومن يستغن يغنه الله" (1) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم". (2)
ويجب على الحاج أن يقصد بحجه وعمرته وجه الله والدار الآخرة، والتقرب إلى الله بما يرضيه من الأقوال والأعمال في تلك المواضع الشريفة، ويحذر كل الحذر من أن يقصد بحجه الدنيا وحطامها، أو الرياء والسمعة والمفاخرة بذلك، فإن ذلك من أقبح المقاصد وسبب لحبوط العمل وعدم قبوله، كما قال تعالى: "من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون" (3) ، وقال تعالى: "من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا لهم جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً" (4).
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " قال الله تعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه " (5) .
وينبغي له أيضاً أن يصطحب في سفره الأخيار من أهل الطاعة والتقوى والفقه في الدين ، ويحذر من صحبة السفهاء والفساق .
__________
(1) رواه البخاري في (الزكاة) باب الاستعفاف عن المسألة برقم 1469، ومسلم في (الزكاة) باب فضل التعفف والصبر برقم 1053
(2) رواه البخاري في (الزكاة) باب من سأل الناس تكثراً برقم 1475 ، ومسلم في (الزكاة) باب كراهة المسألة للناس برقم 1040
(3) سورة هود الآيتان 15، 16
(4) سورة الإسراء ، الآيتان 18، 19
(5) رواه مسلم في ( الزهد الرقائق ) باب من أشرك في عمله غير الله برقم 2985

(14/18)


وينبغي له أن يتعلم ما يشرع له في حجه وعمرته ، ويتفقه في ذلك ، ويسأل عما أشكل عليه ، ليكون على بصيرة ، فإذا ركب دابته أو سيارته أو طائرته أو غيرها من المركوبات، استحب له أن يُسمي الله سبحانه ويحمده ، ثم يكبر ثلاثاً ، ويقول : " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون " (1) ، اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى ، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بُعده ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر ، وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل " (2) ؛ لصحة ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أخرجه مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .
ويكثر في سفره من الذكر والدعاء والاستغفار ، ودعاء الله سبحانه ، والتضرع إليه ، وتلاوة القرآن وتدبر معانيه ، ويحافظ على الصلوات في الجماعة ، ويحفظ لسانه من كثرة القيل والقال ، والخوض فيما لا يعنيه ، والإفراط في المزاح ، ويصون لسانه أيضاً من الكذب والغيبة والنميمة والسخرية بأصحابه وغيرهم من إخوانه المسلمين .
وينبغي له بذل البر في أصحابه ، وكف أذاه عنهم ، وأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة على حسب الطاقة .

__________
(1) سورة الزخرف ، الآيتان 13 ، 14
(2) رواه الإمام أحمد في ( مسند المكثرين من الصحابة ) باقي مسند عبد الله بن عمر برقم 6275 ، والترمذي في ( الدعوات ) باب ما يقال إذا ركب الناقة برقم 3447

(14/19)


فصل فيما يفعله الحاج عند وصوله إلى الميقات
فإذا وصل إلى الميقات استحب له أن يغتسل ويتطيب ؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد من المخيط عند الإحرام واغتسل ، ولما ثبت في الصحيحين ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ، ولحله قبل أن يطوف بالبيت " (1) ، وأمر صلى الله عليه وسلم عائشة لما حاضت وقد أحرمت بالعمرة أن تغتسل وتحرم بالحج ، وأمر صلى الله عليه وسلم أسماء بنت عميس لما ولدت بذي الحليفة أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم ، فدل ذلك على أن المرأة إذا وصلت إلى الميقات وهي حائض أو نفساء تغتسل وتحرم مع الناس ، وتفعل ما يفعله الحاج غير الطواف بالبيت ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وأسماء بذلك .
ويُستحب لمن أراد الإحرام أن يتعاهد شاربه وأظفاره وعانته وإبطيه ، فيأخذ ما تدعو الحاجة إلى أخذه ؛ لئلا يحتاج إلى أخذ ذلك بعد الإحرام وهو مُحرَّم عليه ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم شرع للمسلمين تعاهد هذه الأشياء في كل وقت ، كما ثبت في الصحيحين ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الفطرة خمس : الختان ، والاستحداد ، وقص الشارب ، وقلم الأظفار ، ونتف الآباط " (2) ، وفي صحيح مسلم ، عن أنس رضي الله عنه قال : " وقِّت لنا في قص الشارب ، وقلم الأظفار ، ونتف الإبط ، وحلق العانة : أن لا نترك ذلك أكثر من أربعين ليلة " (3) ،
__________
(1) رواه البخاري في ( الحج) باب الطيب عند الإحرام برقم 1539 ، ومسلم في ( الحج) باب الطيب للمحرم برقم 1189
(2) رواه البخاري في ( اللباس ) باب قلم الأظفار برقم 5891 ، ومسلم في ( الطهارة ) باب خصال الفطرة برقم 257
(3) رواه مسلم في ( الطهارة ) باب خصال الفطرة برقم 258

(14/20)


وأخرجه النسائي بلفظ : " وقَّت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " (1) ، وأخرجه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي بلفظ النسائي ، وأما الرأس فلا يُشرع أخذ شيء منه عند الإحرام، لا في حق الرجال ولا في حق النساء .
وأما اللحية فيحرم حلقها أو أخذ شيء منها في جميع الأوقات ، بل يجب إعفاؤها وتوفيرها ، لما ثبت في الصحيحين ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خالفوا المشركين ، وفروا اللحى ، وأحفوا الشوارب " (2) ، وأخرج مسلم في صحيحه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جُزُّوا الشوارب وأرخوا اللحى ، خالفوا المجوس " (3) .
وقد عظمت المصيبة في هذا العصر بمخالفة كثير من الناس هذه السنة ومحاربتهم للحى ، ورضاهم بمشابهة الكفار والنساء ، ولا سيما من ينتسب إلى العلم والتعليم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ونسأل الله أن يهدينا وسائر المسلمين لموافقة السنة والتمسك بها ، والدعوة إليها ، وإن رغب عنها الأكثرون ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
ثم يلبس الذكر إزاراً ورداءً ، ويستحب أن يكونا أبيضين نظيفين ، ويستحب أن يُحرم في نعلين ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " وليُحرم أحدكم في إزارٍ ورداءٍ ونعلين " (4) ، أخرجه الإمام أحمد رحمه الله .
__________
(1) رواه النسائي في ( الطهارة ) باب التوقيت في قص الشارب برقم 14
(2) رواه البخاري في ( اللباس ) باب قلم الظفار برقم 5892
(3) رواه مسلم في ( الطهارة ) باب خصال الفطرة برقم 260
(4) رواه الإمام أحمد في ( مسند المكثرين من الصحابة ) مسند عبد الله بن عمر برقم 4881

(14/21)


وأما المرأة فيجوز لها أن تحرم فيما شاءت من أسود أو أخضر أو غيرهما ، مع الحذر من التشبه بالرجال في لباسهم ، لكن ليس لها أن تلبس النقاب والقفازين حال إحرامها، ولكن تغطي وجهها وكفيها بغير النقاب والقفازين ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرأة المحرمة عن لبس النقاب والقفازين .
وأما تخصيص بعض العامة إحرام المرأة في الأخضر أو الأسود دون غيرهما فلا أصل له .
ثم بعد الفراغ من الغسل والتنظيف ولبس ثياب الإحرام ، ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده من حج أو عمرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى " (1) .
ويُشرع له التلفظ بما نوى ، فإن كانت نيته العمرة قال : ( لبيك عمرة) أو ( اللهم لبيك عمرة ) ، وإن كانت نيته الحج قال : ( لبيك حجاً ) أو ( اللهم لبيك حجاً ) ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، وإن نواهما جميعاً لبى بذلك فقال : ( اللهم لبيك عمرة وحجاً ) ، والأفضل أن يكون التلفظ بذلك بعد استوائه على مركوبه من دابة أو سيارة أو غيرهما ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أهلَّ بعدما استوى على راحلته ، وانبعثت به من الميقات للسير ، هذا هو الأصح من أقوال أهل العلم .
ولا يشرع له التلفظ بما نوى إلا في الإحرام خاصة ؛ لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وأما الصلاة والطواف وغيرهما فينبغي له ألا يتلفظ في شيء منها بالنية ، فلا يقول : نويت أن أصلي كذا وكذا ، ولا نويت أن أطوف كذا ، بل التلفظ بذلك من البدع المحدثة ، والجهر بذلك أقبح وأشد إثماً ، ولو كان التلفظ بالنية مشروعاً لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأوضحه للأمة بفعله أو قوله ، ولسبق إليه السلف الصالح .
__________
(1) رواه البخاري في ( بدء الوحي ) باب بدء الوحي برقم 1 ، ومسلم في ( الإمارة ) باب قوله : " إنما الأعمال بالنية " برقم 1907

(14/22)


فلما لم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أصحابه رضي الله عنهم عُلِم أنه بدعة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة " (1) أخرجه مسلم في صحيحه ، وقال عليه الصلاة والسلام : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " (2) متفق على صحته ، وفي لفظ لمسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (3) .

فصل في المواقيت المكانية وتحديدها

المواقيت خمسة :
الأول : ذو الحليفة ، وهو ميقات أهل المدينة ، وهو المسمى عند الناس اليوم : أبيار علي .
الثاني : الجُحفة ، وهو ميقات أهل الشام ، وهي قرية خراب تلي رابغ ، والناس اليوم يُحرمون من رابغ ، ومن أحرم من رابغ فقد أحرم من الميقات ؛ لأن رابغ قبلها بيسير .
الثالث: قرن المنازل ، وهو ميقات أهل نجد ، وهو المسمى اليوم : السيل .
الرابع : يَلَمْلَمْ ، وهو ميقات أهل اليمن .
الخامس : ذات عرق وهي ميقات أهل العراق .
__________
(1) رواه الإمام أحمد في ( مسند الشاميين ) حديث العرباض بن سارية برقم 16694 ، وأبو داود في ( السنة ) باب لزوم السنة برقم 4607
(2) رواه البخاري في ( الصلح ) باب إذا اصطلحوا على صلح جور برقم 2697 ، ومسلم في ( الأقضية ) باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور برقم 1718
(3) رواه البخاري معلقاً في ( النجش ) ، ومسلم في ( الأقضية ) باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور برقم 1718

(14/23)


وهذه المواقيت قد وقتها النبي صلى الله عليه وسلم ، لمن ذكرنا ، ومن مر عليها من غيرهم ممن أراد الحج أو العمرة . والواجب على من مر عليها أن يُحرم منها ، ويَحْرُم عليه أن يتجاوزها بدون إحرام إذا كان قاصداً مكة يريد حجاً أو عمرة ، سواء كان مروره عليها من طريق الأرض أو من طريق الجو ؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم لما وقَّت هذه المواقيت : " هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة " (1) .
والمشروع لمن توجه إلى مكة من طريق الجو بقصد الحج أو العمرة أن يتأهب لذلك بالغسل ونحوه قبل الركوب في الطائرة ، فإذا دنا من الميقات لبس إزاره ورداءه ثم لبَّى بالعمرة إن كان الوقت متسعاً ، وإن كان الوقت ضيقاً لبى بالحج ، وإن لبس إزاره ورداءه قبل الركوب أو قبل الدنو من الميقات فلا بأس ، ولكن لا ينوي الدخول في النسك ولا يلبي بذلك إلا إذا حاذى الميقات أو دنا منه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُحرم إلا من الميقات ، والواجب على الأمة التأسي به صلى الله عليه وسلم في ذلك كغيره من شئون الدين ، لقول الله سبحانه : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " (2) ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : " خذوا عني مناسككم " (3) .
وأما من توجه إلى مكة ولم يرد حجاً ولا عمرة ؛ كالتاجر ، والحطاب ، والبريد ، ونحو ذلك فليس عليه إحرام إلا أن يرغب في ذلك ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم لما ذكر المواقيت : " هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة " ، فمفهومه أن من مر على المواقيت ولم يرد حجاً ولا عمرة فلا إحرام عليه .
__________
(1) رواه البخاري في ( الحج ) باب مهل أهل الشام برقم 1526 ، ومسلم في ( الحج ) باب مواقيت الحج والعمرة برقم 1181
(2) سورة الأحزاب ، الآية 21
(3) رواه بنحوه مسلم في ( الحج ) باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً برقم 1297

(14/24)


وهذا من رحمة الله بعباده وتسهيله عليهم ، فله الحمد والشكر على ذلك ، ويؤيد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى مكة عام الفتح لم يحرم ، بل دخلها وعلى رأسه المغفر؛ لكونه لم يرد حينذاك حجاً ولا عمرة ، وإنما أراد افتتاحها وإزالة ما فيها من الشرك .
وأما من كان مسكنه دون المواقيت ، كسكان جدة ، وأم السلم ، وبحرة ، والشرائع ، وبدر ، ومستورة ، وأشباهها فليس عليه أن يذهب إلى شيء من المواقيت الخمسة المتقدمة ، بل مسكنه هو ميقاته فيحرم منه بما أراد من حج أو عمرة ، وإذا كان له مسكن آخر خارج الميقات فهو بالخيار إن شاء أحرم من الميقات ، وإن شاء أحرم من مسكنه الذي هو أقرب من الميقات إلى مكة ؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنه لما ذكر المواقيت قال : " ومن كان دون ذلك فَمُهَلُّهُ (1) من أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة " (2) أخرجه البخاري ومسلم .
لكن من أراد العمرة وهو في الحرم فعليه أن يخرج إلى الحل ويحرم بالعمرة منه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما طلبت منه عائشة العمرة أمر أخاها عبد الرحمن أن يخرج بها إلى الحل فتحرم منه ، فدل ذلك على أن المعتمر لا يحرم بالعمرة من الحرم ، وإنما يُحرم بها من الحل .
وهذا الحديث يخصص حديث ابن عباس المتقدم ، ويدل على أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " حتى أهل مكة يهلون من مكة " هو الإهلال بالحج لا العمرة ، إذ لو كان الإهلال بالعمرة جائزاً من الحرم لأذن لعائشة رضي الله عنها في ذلك ولم يكلفها بالخروج إلى الحل ، وهذا أمر واضح ، وهو قول جمهور العلماء رحمة الله عليهم ، وهو أحوط للمؤمن ؛ لأن فيه العمل بالحديثين جميعاً . والله الموفق .
__________
(1) فمهله : أي : إهلاله بالتلبية من مكان إحرامه .
(2) رواه البخاري في ( الحج ) باب مهل أهل الشام برقم 1526 ، ومسلم في ( الحج ) باب مواقيت الحج والعمرة برقم 1181

(14/25)