http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة 

 

 اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية 1

 

الكتاب : اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم
المؤلف : شيخ الإسلام ابن تيمية
الطبعة : السابعة
الناشر : دار عالم الكتب
تاريخ النشر : 1419هـ - 1999م
عدد الصفحات : 506
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ ضمن مجموعة كتب من موقع الإسلام ، ترقيمها غير مطابق للمطبوع ، وغالبها مذيلة بالحواشي ]

بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
بقلم معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
الحمد لله الذي هدانا للإسلام ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، والصلاة والسلام على رسوله النبي الأمي ، الذي أرسله بالهدى ودين الحق ، ليظهره على الدين كله ، وعلى آله وصحابته ، ومن سلك سبيلهم إلى يوم الدين . أما بعد :
فإن من أعظم مقاصد الدين وأصوله ، تمييز الحق وأهله عن الباطل وأهله ، وبيان سبيل الهدى والسنة ، والدعوة إليه ، وكشف سبل الضلالة والبدعة ، والتحذير منها .
وقد اشتملت نصوص القرآن والسنة ، على كثير من القواعد والأحكام التي تبين هذا الأصل العظيم والمقصد الجليل .
ومن ذلك ، أن قواعد الشرع ونصوصه اقتضت وجوب مخالفة المسلمين للكافرين ، في عقائدهم وعباداتهم وأعيادهم وشرائعهم ، وأخلاقهم الفاسدة ، وكل ما هو من خصائصهم وسماتهم التي جانبوا فيها الحق والفضيلة .
وقد عني سلفنا الصالح- رحمهم الله- ببيان هذا الأمر ، وكان من أبرز من صنف فيه ، شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية المتوفى سنة 728هـ رحمه الله .

(1/1)


وذلك في كثير من مصنفاته ، لاسيما كتابه الشهير : "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" .
وقد عالج هذا الكتاب مسائل كثيرة تهم المسلمين اليوم ، كما كان الحال في زمانه . ومن جملة هذه المسائل ، بيان أن الأدلة القطعية من الكتاب والسنة والإجماع ، توافرت على الأمر بمخالفة غير المسلمين ، والنهي عن موافقتهم ، وأن في مخالفتهم مصالح ظاهرة ، كما أن في موافقتهم مفاسد ظاهرة كذلك ، وأن النصوص وآثار السلف بينت أصناف الذين أمرنا بمخالفتهم ، ونهينا عن التشبه بهم ، كأهل الكتاب والمشركين والمنافقين وأهل الجاهلية ، والأعراب الجفاة الذين لم يتفقهوا في الدين ، والأعاجم من الفرس والروم ، الذين لم يدخلوا الإسلام ، ولم يلتزموا شرائعه ، وأهل الفسق والفجور والفساد ونحوهم ؛ لأن هؤلاء كلهم في سبيل الضلالة والغواية .

(1/2)


وقد فصل شيخ الإسلام- رحمه الله- في هذا الكتاب القيم جملة من الأمور التي جاء النهي الشديد عن التشبه بغير المسلمين فيها ، وعن متابعتهم في شيء منها ، وبخاصة مسألة الأعياد حيث بيّن أن الإسلام شرع للمسلمين عيدين في السنة ، هما عيد الفطر وعيد الأضحى فحسب ، ونهى أشد النهي عن متابعة الكافرين وأهل البدع في أعيادهم .
وعرض كذلك مسائل أخرى جاءت النصوص الشرعية وآثار السلف الصالح بالنهي عن متابعة غير المسلمين فيها ، كالبناء على القبور واتخاذها مساجد ، وكالغلو في الصالحين ، واتخاذ المشاهد والمزارات ، وسائر البدع والمحدثات في الدين ، وكالافتتان بالنساء ، والتفرق في الدين ، والعصبيات والتحزبات والشعارات ، والطرق والمناهج المحدثة في الدين ، المستمدة من أعداء الإسلام والمسلمين ، وغير ذلك من المسائل المهمة التي عرضها المؤلف ، والتي تعالج الكثير من الأمراض التي ابتليت بها بعض المجتمعات الإسلامية المعاصرة ، ويعد منهج شيخ الإسلام في عرض هذه المسائل أنموذجًا لمنهج السلف في العرض والاستدلال والمناقشة والرد .

(1/3)


وبالجملة : فإن هذا الكتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" يعد بحق من أجود الكتب التي صنفها السلف في هذا الباب .
لذا فقد حرصت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد على طبعه ونشره وتوزيعه ، مشاركة منها في معالجة مشكلات المسلمين اليوم ، وانطلاقًا من رسالتها التي أوجبها الله عليها ، ثم ناطتها بها حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود التي ما فتئت- بحمد الله- تحرص على نشر العلم والدعوة إلى السنة ، والإسهام في معالجة أحوال الأمة الإسلامية ، وحل مشكلاتها في ضوء العقيدة السليمة ، ونهج السلف القويم ، وتخليصها من البدع والمحدثات ، وجمع كلمتها على الحق والهدى .
نسأل الله أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين ، وسمو ولي عهده ، وسمو النائب الثاني ، ويجزيهم خيرًا على جهودهم في سبيل جمع المسلمين على الحق ، وهدايتهم إلى صراط الله المستقيم ، وأن ينصر بهم دينه ، ويعلي كلمته ، ويعز بهم السنة وأهلها ، ويقمع البدعة وأنصارها .

(1/4)


وإني لأشكر للأخ الفاضل الأستاذ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل ، محقق هذا الكتاب ، جهده الذي بذله في خدمته ، وحرصه على أن ينتفع الناس به ، وإذنه للوزارة في نشره وتوزيعه ، سائلًا الله تعالى أن يوفقه إلى مزيد من العلم النافع والعمل الصالح ، وأن يثيبه ويجازيه أحسن الجزاء .
كما أسأله سبحانه أن يوفق طلاب العلم ، والحريصين على معرفة الحق بدليله من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وبخاصة من يتصدى لدعوة الناس إلى دين الله المستقيم ، للاستفادة من هذا الكتاب القيم ، وغيره من مؤلفات العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
د . عبد الله بن عبد المحسن التركي
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

(1/5)


مقدمة
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، ونشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، القائل في كتابه الكريم : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (1) . والقائل : { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }{ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }{ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } (2) .
_________
(1) سورة الأنعام : الآية 153.
(2) سورة الأنعام : الآيات 161 - 163.

(1/6)


ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، بلَّغ الرسالة ، وأدَّى الأمانة ونصح الأمة ، وحذرها من التشبه بالكفار ، فقال : « لتتبعن سنن من كان قبلكم » (1) ، وبشَّر ببقاء هذا الدين وبقاء أهل السنة على الحق ، فقال : « لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم ، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس » (2) . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم ، ومن اهتدى بهديه واقتفى أثره إلى يوم الدين .
وبعد :
فإنه من أوجب الواجبات على العلماء وطلاب العلم ، العناية بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، دراسة ، وحفظًا ، واستنباطًا ، وتحليلًا ، وتعليمًا ، وتطبيقًا ، جمعًا بين العلم والعمل ؛ لأنهم مؤتمنون على ذلك كله ، وقد وضعت فيهم الأمة ثقتها وائتمنتهم على دينها ، وقبل ذلك كله وبعده ، هم مسؤولون أمام الله تعالى عن هذه الأمانة : أمانة العلم والعمل به ، وتبليغه ، وحفظه ، والدعوة إليه ، حتى تتم بهم القدوة والأسوة إلى الخير .
_________
(1) جاء ذلك في حديث متفق عليه ، سيأتي تخريجه في تحقيق الكتاب . انظر : فهرس الأحاديث ، حرف اللام.
(2) متفق عليه ، وهذا لفظ مسلم ، انظر : صحيح مسلم ، كتاب الإمارة - باب قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق . . » الحديث رقم (1037) (3 / 1524) . وانظر : فتح الباري (6 / 632) ، كتاب المناقب ، باب (28) ، الحديث رقم (3640) و(3641).

(1/7)


وإن مما ائتمنوا عليه هذا التراث العلمي الثمين ، الذي تركه أئمة الإسلام ، أسلافنا الأماجد في شتى صنوف العلم ، وإن الكثير من هذا التراث لا يزال مخطوطًا ، ومكنوزًا في زوايا المكتبات في شتى بقاع العالم ، رغم شدة حاجة المسلمين إليه ، وإني لأرى أنه من أول واجبات طالب العلم في هذا العصر العناية بهذه الكنوز ، وخدمتها ، بإخراجها للناس ، محققة صافية يانعة ، لتكون نبراسًا لكل مسلم في خضم الثقافات الغازية والأفكار الهدامة التي روجها أعداء الإسلام بين المسلمين اليوم .
وإن من أجدر تلك المخطوطات بالعناية ، وأجودها وأنفعهما للمسلمين اليوم : كتب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله ، وإن كانت بحمد الله لقي الكثير منها شيئًا من العناية من المحققين وطلاب العلم ، لكن بقي الأكثر يحتاج إلى عناية وإخراج وإعداد وتحقيق ودراسة .
وانطلاقًا من هذا الواجب ، وقع اختياري على كتاب من كتب الشيخ وهو :
"اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" للعناية به تحقيقًا وتعليقًا ، وإخراجه للناس موثقًا قدر الاستطاعة ، وذلك في أطروحة الدكتوراه (1) .
_________
(1) تقدمت بتحقيق هذا الكتاب إلى قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في كلية أصول الدين بالرياض (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) لنيل درجة الدكتوراه ؛ بإشراف الدكتور الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ، مدير المعهد العالي للقضاء . وقد أجيزت قبل لجنة المناقشة والحكم المكونة من المشرف ؛ والشيخ زيد بن عبد العزيز الفياض الأستاذ بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بكلية أصول الدين بالرياض ؛ والدكتور جعفر شيخ إدريس ، الأستاذ المشارك بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية بالرياض . وقد عملت بالتوجيهات والملاحظات التي أبدتها اللجنة قبل طبع الكتاب . (المحقق).

(1/8)


هذا مع العلم أن هذا الكتاب سبق أن طُبع عدة طبعات ، من أمثلها تلكم التي أخرجها الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله ، الذي كان له الجهد المشكور في خدمة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ، وكتب الإمام أحمد بن حنبل ، وسواهما من السلف .
لكن الكتاب لا يزال بحاجة إلى مزيد من الخدمة : من تحقيق ، ودراسة ، وتخريج لأحاديثه ، وآثاره التي لم تخرَّج ، وإلى توثيق لنصوصه ، وترجمة لأعلامه .
وهذا لا يعني أن أدَّعي بأني سأقوم بأفضل من عمل الشيخ حامد الفقي رحمه الله ، لكني سأشاركه بجهد المقل ، وأعتذر سلفًا عن التقصير ، وأسال الله العفو والمغفرة .
والله هو وحده المعين والهادي إلى سواء السبيل ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

(1/9)


ترجمة موجزة للمؤلف
1- نسبه :
هو شيخ الإسلام الإمام : أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية ، الحراني ، ثم الدمشقي . كنيته : أبو العباس .
2- مولده ونشأته :
وُلد يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول بحران سنة (661هـ) ، ولما بلغ من العمر سبع سنين انتقل مع والده إلى دمشق هربًا من وجه الغزاة التتار ، وقد نشأ في بيت علم وفقه ودين ، فأبوه وأجداده وإخوته وكثير من أعمامه كانوا من العلماء المشاهير ، منهم جده الأعلى (الرابع) محمد بن الخضر ، ومنهم عبد الحليم بن محمد بن تيمية ، وعبد الغني بن محمد بن تيمية ، وجده الأدنى عبد السلام بن عبد الله بن تيمية مجد الدين أبو البركات صاحب التصانيف التي منها : المنتقى من أحاديث الأحكام ، والمحرر في الفقه ، والمسودة في الأصول وغيرها ، وكذلك أبوه عبد الحليم بن عبد السلام الحراني ، وأخوه عبد الرحمن وغيرهم .

(1/10)


ففي هذه البيئة العلمية الصالحة كانت نشأة صاحب الترجمة ، وقد بدأ بطلب العلم أولًا على أبيه وعلماء دمشق ، فحفظ القرآن وهو صغير ، ودرس الحديث والفقه والأصول والتفسير ، وعُرف بالذكاء وقوة الحفظ والنجابة منذ صغره ، ثم توسع في دراسة العلوم وتبحر فيها ، واجتمعت فيه صفات المجتهد منذ شبابه ، فلم يلبث أن صار إمامًا يعترف له الجهابذة بالعلم والفضل والإمامة ، قبل بلوغ الثلاثين من عمره .
3- إنتاجه العلمي :
وفي مجال التأليف والإنتاج العلمي ، فقد ترك الشيخ للأمة تراثًا ضخمًا ثمينًا ، لا يزال العلماء والباحثون ينهلون منه معينًا صافيًا ، توفرت منه الآن المجلدات الكثيرة ، من المؤلفات والرسائل والفتاوى والمسائل وغيرها ، هذا من المطبوع ، وما بقي مجهولًا أو مكنوزًا في عالم المخطوطات كثير .
ولم يترك الشيخ مجالًا من مجالات العلم والمعرفة التي تنفع الأمة ، وتخدم الإسلام ، إلا كتب فيه وأسهم بجدارة وإتقان ، وتلك خصلة قلما توجد إلا عند العباقرة النوادر في التاريخ .

(1/11)


فلقد شهد له أقرانه وأساتذته وتلاميذه وخصومه بسعة الاطلاع ، وغزارة العلم ، فإذا تكلم في علم من العلوم أو فن من الفنون ظن السامع أنه لا يتقن غيره ، وذلك لإحكامه له وتبحره فيه ، وإن المطلع على مؤلفاته وإنتاجه ، والعارف بما كان يعمله في حياته من الجهاد باليد واللسان ، والذب عن الدين ، والعبادة والذكر ، ليعجب كل العجب من بركة وقته ، وقوة تحمله وجلده ، فسبحان من منحه تلك المواهب .
4- جهاده ودفاعه عن الإسلام :
الكثير من الناس يجهل الجوانب العملية من حياة الشيخ ، فإنهم عرفوه عالمًا ومؤلفًا ومفتيًا ، من خلال مؤلفاته المنتشرة ، مع أن له مواقف مشهودة في مجالات أخرى عديدة أسهم فيها إسهامًا قويًّا في نصرة الإسلام وعزة المسلمين ، فمن ذلك : جهاده بالسيف وتحريضه المسلمين على القتال ، بالقول والعمل ، فقد كان يجول بسيفه في ساحات الوغى مع أعظم الفرسان الشجعان ، والذين شاهدوه في القتال أثناء فتح عكا عجبوا من شجاعته وفتكه بالعدو (1) .
_________
(1) انظر : الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية ، للبزار ص (67 ، 68) ، تحقيق زهير الشاويش .

(1/12)


أما جهاده بالقلم واللسان ، فإنه رحمه الله وقف أمام أعداء الإسلام من أصحاب الملل والنحل والفرق والمذاهب الباطلة والبدع كالطود الشامخ ، بالمناظرات حينًا وبالردود أحيانًا ، حتى فند شبهاتهم ورد الكثير من كيدهم بحمد الله ، فقد تصدى للفلاسفة ، والباطنية ، من صوفية وإسماعيلية ونصيرية وسواهم ، كما تصدى للروافض والملاحدة ، وفند شبهات أهل البدع التي تقام حول المشاهد والقبور ونحوها ، كما تصدى للجهمية والمعتزلة وناقش المتكلمين والأشاعرة .
والمطلع على هذا الجانب من حياة الشيخ يكاد يجزم بأنه لم يبق له من وقته فضلة ، فقد حورب وطورد وأُوذي وسُجن مرات في سبيل الله ، وقد وافته منيته مسجونًا في سجن القلعة بدمشق .
ولا تزال بحمد الله ردود الشيخ سلاحًا فعَّالًا ضد أعداء الحق والمبطلين ، لأنها إنما تستند إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهدي السلف الصالح ، مع قوة الاستنباط ، وقوة الاستدلال والاحتجاج الشرعي والعقلي ، وسعة العلم ، التي وهبها الله له .

(1/13)


وأكثر المذاهب الهدامة التي راجت اليوم بين المسلمين هي امتداد لتلك الفرق والمذاهب التي تصدى لها الشيخ وأمثاله من سلفنا الصالح ، لذلك ينبغي للدعاة المصلحين أن لا يغفلوا هذه الناحية ، ليستفيدوا مما سبقهم به سلفنا الصالح .
ولست مبالغًا حينما أقول : إنه لا تزال كتب الشيخ وردوده هي أقوى سلاح للتصدي لهذه الفرق الضالة والمذاهب الهدامة التي راجت وبدأت تخرج أعناقها اليوم من جديد ، والتي هي امتداد للماضي ، لكن منها تلك التي تزينت بأزياء العصر ، وغيرّت أسماءها فقط ، مثل البعثية ، والاشتراكية ، والقومية ، والقاديانية ، والبهائية ، وسواها من الفرق والمذاهب ، ومنها ما بقي على شعاره القديم كالشيعة ، والرافضة ، والنصيرية ، والإسماعيلية ، والخوارج ونحو ذلك .
5- خصاله :

(1/14)


بالإضافة إلى ما اشتهر به هذا الإمام من العلم والفقه في الدين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قد وهبه الله خصالًا حميدة ، اشتهر بها وشهد له بها الناس ، فكان سخيًّا كريمًا يؤثر المحتاجين على نفسه في الطعام واللباس وغيرهما ، وكان كثير العبادة والذكر وقراءة القرآن ، وكان ورعًا زاهدًا لا يكاد يملك شيئًا من متاع الدنيا سوى الضروريات ، وهذا مشهور عنه عند أهل زمانه حتى بين عامة الناس ، وكان متواضعًا في هيئته ولباسه ومعاملته مع الآخرين ، فما كان يلبس الفاخر ولا الرديء من اللباس ، ولا يتكلف لأحد يلقاه ، واشتهر أيضًا بالمهابة والقوة في الحق ، فكانت له هيبة عظيمة عند السلاطين والعلماء وعامة الناس ، فكل من رآه أحبه وهابه واحترمه ، إلا من سيطر عليهم الحسد من أصحاب الأهواء ونحوهم .
كما عرف بالصبر وقوة الاحتمال في سبيل الله ، وكان ذا فراسة ، وكان مستجاب الدعوة ، وله كرامات مشهودة . رحمه الله رحمة واسعة ، وأسكنه فسيح جناته .
6- عصره :

(1/15)


لقد عاش المؤلف رحمه الله في عصر كثرت فيه البدع والضلالات ، وسادت كثير من المذاهب الباطلة ، واستفحلت الشبهات ، وانتشر الجهل والتعصب والتقليد الأعمى ، وغزيت بلاد المسلمين من قبل التتار والصليبيين (الإفرنج) .
ونجد صورة عصره جلية واضحة من خلال مؤلفاته التي بين أيدينا ؛ لأنه اهتم بأجلِّ أمور المسلمين وأخطرها ، وساهم في علاجها بقلمه ولسانه ويده ، فالمتأمل في مؤلفات الشيخ يجد الصورة التالية لعصره :
- كثرة البدع والشركيات خاصة حول القبور والمشاهد والمزارات المزعومة ، والاعتقادات الباطلة في الأحياء والموتى ، وأنهم ينفعون ويضرون ، ويُدعون من دون الله .
- انتشار الفلسفات والإلحاد والجدل .
- هيمنة التصوف والطرق الصوفية الضالة على العامة من الناس ، ومن ثم انتشار المذاهب والآراء الباطنية .
- توغل الروافض في أمور المسلمين ، ونشرهم للبدع والشركيات ، وتثبيطهم للناس عن الجهاد ، ومساعدتهم للتتار ، أعداء المسلمين .

(1/16)


- وأخيرًا نلاحظ تَقَوِّي أهل السنة والجماعة بالشيخ وحفزه لعزائمهم ، مما كان له الأثر الحميد على المسلمين إلى اليوم ، في التصدي للبدع والمنكرات ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم .
وقد وقف الشيخ رحمه الله في عصره إزاء هذه الانحرافات موقفًا مشهودًا ، آمرًا وناهيًا ، وناصحًا ، ومبينًا ، حتى أصلح الله على يديه الكثير من أوضاع المسلمين ، ونصر به السنة وأهلها ، والحمد لله .
7- وفاته :
إن من علامات الخير للرجل الصالح ، وقبوله لدى المسلمين : إحساسهم بفقده حين يموت ، لذلك كان السلف يعدون كثرة المصلين على جنازة الرجل من علامات الخير والقبول له ، لذلك قال الإمام أحمد : "قولوا لأهل البدع : بيننا وبينكم يوم الجنائز" (1) ، أي أن أئمة السنة يفقدهم الناس إذا ماتوا ويكونون أكثر مشيعين يوم يموتون ، ولقد شهد الواقع بذلك ، فما سمع الناس بمثل جنازتي الإمامين : أحمد بن حنبل ، وأحمد بن تيمية ، حين ماتا ، من كثرة من شيعهما وخرج مع جنازة كل منهما ، وصلى عليهما ، فالمسلمون هم شهداء الله في أرضه .
_________
(1) انظر : مناقب الإمام أحمد ، لابن الجوزي ص(505) . تحقيق د . عبد الله بن عبد المحسن التركي.

(1/17)


هذا وقد توفي الشيخ رحمه الله ، وهو مسجون بسجن القلعة بدمشق ، ليلة الاثنين 20 من شهر ذي القعدة سنة (728هـ) ، فهبَّ كل أهل دمشق ومن حولها للصلاة عليه وتشييع جنازته ، وقد أجمعت المصادر التي ذكرت وفاته أنه حضر جنازته جمهور كبير جدًّا يفوق الوصف .
رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء (1)
_________
(1) مصادر الترجمة : 1- الأَعلام ، لخير الدين الزركلي (1 / 144) . 2- الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية ، للحافظ عمر البزار ، تحقيق زهير الشاويش . 3- البداية والنهاية ، لابن كثير (4 / 135 - 139) . 4- شذرات الذهب ، لابن العماد (6 / 80 - 86) . 5- فوات الوفيات ، لمحمد بن شاكر الكتبي (1 / 74 - 80) . 6- كتاب الذيل على طبقات الحنابلة ، لأبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد البغدادي (ص(387 - 408) . 7- مناقب الإمام أحمد بن حنبل ، لابن الجوزي ، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي .

(1/18)


وصف النسخ المخطوطة للكتاب
تم تحقيق هذا الكتاب من خمس نسخ مخطوطة ، منها نسختان قديمتان إحداهما كتبت سنة (715هـ) أي قبل وفاة المؤلف بثلاث عشرة سنة ، والثانية سنة (781هـ) أي بعد وفاة المؤلف ، أما الثلاث النسخ الباقية فهي متأخرة على ما سأبينه إن شاء الله . وقد رمزتُ لكل نسخة برمز ، وسميتها برموزها في الهامش وهي : (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(ط) ، وأردفتها بالمطبوعة التي أخرجها الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله ، وقد لاحظت كثرة الفروق بينها وبين المخطوطات المتوفرة لدي ، مما جعلني أرجح بأنها نسخت عن مخطوطة لم ترد إليَّ . وعلى هذا جعلتها بمثابة النسخة السادسة .
1- النسخة الأولى ، ورمزها (أ) :
وجدتها ضمن مخطوطات مكتبة (شستربتي) التي ابتاعتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وتوجد الآن بمكتبتها المركزية بالرياض ، برقم (4160) (1) ، وهي نسخة قديمة يرجع تاريخها إلى ما قبل وفاة المؤلف بثلاثة عشر عامًا فقد كتبت سنة (715هـ) ، كما هو منصوص في آخرها ، وناسخها هو : هلال بن علي بن هلال بن زامل الجعفري ، وهي نسخة مقابلة بالأصل كما أشار ناسخها في آخرها .
_________
(1) أعلمت أن المكتبة وضعت لها فهارس جديدة بعد أن استقيت منها هذا الرقم فليلاحظ.

(1/19)


وعدد أوراقها (246) ورقة (492) صفحة ، في كل صفحة (19) سطرًا من القطع المتوسط .
وخطها متوسط ، وتكثر فيها الأغلاط الإملائية ، ويوجد فيها سقط أحيانًا ، وطمس لكنه قليل .
2- النسخة الثانية ، ورمزها (ط) :
صورتها عن نسخة موجودة في المكتبة الظاهرية بدمشق ، تحت رقم (2982) عام ، ورقم (86) في التوحيد وعلم الكلام . وقد كتبت أيضًا قديمًا (781هـ) أي بعد وفاة المؤلف بثلاث وخمسين سنة فقط ، وناسخها محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن محمد اليونيني الحنبلي . وعدد أوراقها (208) ورقة ، أي (416) صفحة ، في كل صفحة (19) سطرًا من القطع المتوسط ، وهي نسخة أيضًا مقابلة ، وفيها شبه كبير بالنسخة الأولى (أ) مما يرجح أنهما قوبلتا على نسخة واحدة ، فهما كثيرًا ما تتفقان في الأخطاء والسقط ، إلَّا أن الثانية (ط) أجود من الأولى (أ) في الخط والإملاء ، أما ما عدا ذلك فهما تتفقان في الغالب .
3- النسخة الثالثة ، ورمزها (ب) :
وقد صورتها من قسم المخطوطات بجامعة الملك سعود بالرياض برقم (27) ، وقد صورتها جامعة الملك سعود عن نسخة موجودة بالمكتبة السعودية التابعة لرئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ، تحت رقم (564/ 86) .

(1/20)


وقد كتبت سنة (1223) ، وناسخها اسمه مصطفى المدعو بالشوراني ، وهي نسخة واضحة وجيدة الحفظ ، وفيها بعض التعليقات الهامشية ، وحرفها صغير ، وعدد أوراقها (216) ورقة (432) صفحة من القطع المتوسط في كل صفحة (15) سطرًا .
وهي أجود النسخ إتقانًا ، وأقلها أخطاء ، ويندر فيه السقط ، وقد قوبلت بأصول كما هو منصوص في آخرها وفي أثنائها .
4- النسخة الرابعة ، ورمزها (ج) :
وقد وصلتني من دار الكتب بالقاهرة مصورة بالميكروفلم ، وهي بدار الكتب المصرية تحت رقم (4155) تصوف .
وهي مجهولة التاريخ ، ولم يكتب عليها اسم الناسخ ، ولكن يظهر لي من شكلها أنها متأخرة النسخ . عدد أوراقها (270) ورقة (540) صفحة من القطع المتوسط ، كل صفحة تتكون من (23) سطرًا ، وحرفها كبير ، وخطها جميل وواضح ، وهي قليلة الأخطاء والسقط ، كما أنها نسخة مقابلة أيضًا .
5- النسخة الخامسة ، ورمزها (د) :
وقد وصلتني أيضًا مصورة بالميكروفلم من دار الكتب المصرية بالقاهرة تحت الرقم (2540) تصوف وأخلاق .

(1/21)


وهي مجهولة الناسخ وتاريخ النسخ ، لكن يظهر لي أنها حديثة النسخ كسابقتها ، وعدد أوراقها (240) ورقم (480) صفحة من القطع المتوسط في كل صفحة (23) سطرًا ، وحرفها متوسط وخطها جميل وواضح جدًّا ، وقليلة الأخطاء والسقط وهي مقابلة أيضًا ، وكثيرًا ما تتفق مع النسخة (ج) ، بل يقل الاختلاف بينهما مما جعلني أرجح أنهما كُتبتا عن أصل واحد .
* كما توجد لدي نسختان أخريان كنت أستأنس بهما عند اختلاف النسخ ، لكني لم أعتمدهما ؛ لأن الأولى- وهي نسخة وصلتني من مكتبة برلين بألمانيا- كانت ناقصة ولا يوجد منها إلا أقل من النصف الأخير منها ، ونصفها الأول وجزء من آخرها مفقود ، ويظهر أنها كتبت في حدود سنة (800هـ) ، وهي في مكتبة برلين تحت رقم (2086) .
والثانية يكثر فيها التحريف والتصحيف ، وهي مصورة بقسم المخطوطات بجامعة الملك سعود ، تحت رقم (1203) وترجَّح لدي أنها مصورة عن مخطوطة توجد بمكتبات الأوقاف ببغداد ، وهي متأخرة النسخ فقد كتبت سنة (1304هـ) .

(1/22)


* أما المطبوعة- فهي تلك التي أخرجها الشيخ محمد حامد الفقي - طبعت بمطبعة السنة المحمدية- وهي الطبعة الثانية سنة (1369هـ) علمًا بأن الكتاب طبع مرات ، لكن هذه الطبعة من أجودها وأكثرها تداولًا في الأسواق وبين الناس ، ولم تخرّج أحاديثها وآثارها ، ولم يترجم أعلامها ، إنما كتب عليها بعض التعليقات ، كما أن الشيخ محمد حامد رحمه الله لم يشر إلى النسخة المخطوطة التي استنسخ عنها الكتاب .
وقد قابلتها مع النسخ المخطوطة ، تتميمًا للفائدة ، وخدمة للقارئ والكتاب ؛ لأنها نسخة متداولة ومشهورة وستبقى كذلك ، لذلك رأيت أنه لزامًا عليَّ أن أنبه على فروقها في ضوء المخطوطات .

(1/23)


الكتاب المحقق
اسمه وتاريخ تأليفه
1- اسمه وعنوانه :
اختلفت النسخ في اسم الكتاب اختلافًا طفيفًا :
ففي النسخ : (ب ج د) : (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) .
وفي (أ) : لم أستطع أن أتبين العنوان كله ؛ لأن آخره مطموس ، فالواضح منه (كتاب اقتضاء) فقط .
وفي (ط) : (اقتضاء الصراط المستقيم في الرد على أصحاب الجحيم) .
وفي نسخة برلين : (اقتضاء الصراط المستقيم ومجانبة أصحاب الجحيم) .
وفي نسخة جامعة الملك سعود رقم (1203) : (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أهل الجحيم) .
وفي المطبوعة : (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) .
كما أن المؤلف رحمه الله قد أشار إلى الكتاب في كتبه الأخرى ، ففي المجلد الثاني والعشرين (ص154) من مجموع الفتاوى أشار إلى الكتاب وسماه : (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) ، ولذلك رجحت هذا العنوان للكتاب ، ولأن أكثر النسخ المخطوطة اتفقت عليه .
كما أشار المؤلف إلى الكتاب مرة أخرى في مجموع الفتاوى (10/371) لكنه ذكر صدر العنوان (اقتضاء الصراط المستقيم) فقط ، وهذا قد أجمعت عليه جميع النسخ .
2- تاريخ تأليفه :

(1/24)


أما عن تاريخ تأليف الكتاب ، فإن هناك ما يدل على أن الكتاب ألف قبل سنة (715هـ) ، وهذا هو تاريخ نسخ المخطوطة (أ) التي أشرت إليها آنفًا .
ولم يتبين لي بالتحديد في أي سنة تم تأليف الكتاب ، إنما في الكتاب وأثنائه ما يدل على أنه لم يكن من أقدم كتب الشيخ ؛ لأن كثيرًا ما يحيل أثناء عرضه لموضوعات الكتاب على كتاباته وبحوثه السابقة ، وذلك في مواضع كثيرة جدًّا خاصة في آخر الكتاب ، مما يشير إلى أنه سبقته للمؤلف بحوث ومؤلفات كثيرة ، والله أعلم .

(1/25)


منهج تحقيق الكتاب والتعليق عليه
سلكت في تحقيق الكتاب والتعليق عليه المنهج التالي :
1- تحقيق نص الكتاب :
سلكت في تحقيق النص مسلك انتخاب النص الأصح عندي ، وذلك بعد إجراء المقابلة بين جميع النسخ ، فإذا اختلفت النسخ فإني في الغالب أختار النص الذي يقتضيه السياق ، فإن لم يظهر لي مرجح من السياق اخترت ما تتفق عليه غالب النسخ ، وأشير إلى النص المرجوح في الهامش ، وإذا كان الاختلاف بين النسخ له تأثير في المعنى فإني أعلل وأفسر الاختلاف والترجيح إذا اتضح لي ذلك .
أما المطبوعة فإنها إذا انفردت بعبارة أو اختلاف فإني لا أثبت ما انفردت به في صلب الكتاب ، وإنما أشير إليه في الهامش ، وذلك لأمرين :
1- كثرة أخطائها وزياداتها والتصرف فيها ، وأظن ذلك راجع للنسخة التي طبعت عنها .
2- أن النسخة التي كتبت عنها غير معروفة لدي .
2- تخريج الأحاديث والآثار ، وإثبات النصوص :
في تخريج الأحاديث حاولت- بقدر الإمكان- أن أختصر وأقتصر على القدر الضروري في تخريج الحديث تفاديًا لتطويل الكتاب وإثقاله بالحواشي .

(1/26)


فالأحاديث الموجودة في الصحيحين ، أو أحدهما ، فإني في الغالب أكتفي ببيان مكانها منهما أو من أحدهما ؛ لأن المقصود هو الاطمئنان على درجة الحديث ، وذلك حاصل بعزوه للصحيحين أو أحدهما .
وكذلك إذا أشار المؤلف إلى درجة الحديث ، فإني قد أكتفي بذلك ، بعد ما أشير إلى مكانه في كتب الحديث .
وأما ما سوى ذلك من الأحاديث التي ليست في الصحيحين ، ولم يشر المؤلف إلى درجتها من الصحة والضعف ، فإني اجتهدت قدر استطاعتي ببيان درجتها ، إما بالإشارة إلى ما قاله بعض العلماء المعتبرين فيها ، وإحالة القارئ على المراجع ، أو- إذا لم أجد في الحديث كلامًا لأحد الأئمة- أجتهد في دراسة سنده بنفسي ، ثم أذكر ما توصلت إليه ، وهذا قليل جدًّا .

(1/27)


أما الآثار والنصوص الأخرى التي ينقلها المؤلف ، فإني بذلت ما أستطيعه في تخريجها وعزوها إلى مصادرها الموجودة ، أما إذا نقل المؤلف من مصدر أو كتاب لم أجده ، كالجامع للخلال ، وأكثر سنن سعيد بن منصور ، والمستخرج للحافظ المقدسي ، وغيرها ، فإني حاولت البحث عن تلك النصوص في المراجع المشابهة لها ، كالسنن الكبرى للبيهقي ، ومستدرك الحاكم ، ومصنف عبد الرزاق ونحوها ، فأخرجها منها ؛ لأن المقصود التوثق من النص من المصادر المعتبرة ، وهذا حاصل بذلك إن شاء الله .
أما الآراء الفقهية والأحكام ، ونحوها مما نسبه المؤلف إلى العلماء والأئمة ، فإنها لكثرتها وتكررها ، اكتفيت بتوثيق القدر الذي أراه أهم من مراجعه .
ومع ذلك كله ، فإن هناك مسائل لم أجد لها مراجع ، من نصوص ونقول ، أو آراء ونحوها ، وحسبي أني بحثت وبذلك الجهد في البحث والاستقصاء . والله الموفق .
3- تنبيهات مهمة للقارئ :
* فيما يتعلق بالمراجع حرصت كل الحرص على أن أوحد النسخة والطبعة لكل مرجع ، ليسهل على القارئ والباحث الرجوع إلى المراجع التي عزوت إليها عند الحاجة ، لذلك لم أشر إلى الطبعات في الهامش تفاديًا للتطويل ، واكتفاء بفهرس المراجع .

(1/28)


وفي حالات نادرة جدًّا اضطررت إلى الرجوع إلى غير الطبعة المعتادة ، فأشرت إلى الطبعة المغايرة في الهامش .
* أما عن التراجم ، فإني أترجم لكل علم في أول مرة يذكر المؤلف اسمه إلا في حالات نادرة ، وعندها أشير إلى مكان الترجمة- فإذا أراد القارئ التعرف على علم من الأعلام ولم يجد ترجمته أمامه ، فعليه الرجوع إلى فهرس الأعلام ليتعرف على موقع الترجمة من الكتاب .
* عند الإشارة إلى أرقام الأحاديث في صحيح مسلم ، فالمقصود الرقم العام لأحاديث صحيح مسلم ، لا الرقم الخاص بكل كتاب ، وذلك حسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي .
* عند الإحالة إلى بعض كتب الأعلام والرجال أضع رمز (ت) ثم يأتي بعده رقم ، والمقصود- كما هو معروف في اصطلاح الباحثين وكتب التراجم- رقم الترجمة للعلم المذكور في المصدر المشار إليه عنده .
* أحيانًا أكرر التخريج للحديث الواحد في أكثر من موضع ، إذا رأيت أن للاستدلال به أهمية ، وكان تخريجه في موضع بعيد من الكتاب ، وذلك تتميمًا للفائدة .

(1/29)


دراسة تحليلية لبعض موضوعات الكتاب
أولًا :
الموضوع الرئيس للكتاب
الموضوع الرئيس للكتاب يتضح للقارئ من عنوانه ، وقد أشار المؤلف رحمه الله في مستهل الكتاب إلى أنه أراد التنبيه على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وأصوله ، وهي : النهي عن التشبه بالكفار ، والأمر بمجانبة هديهم على العموم ، وأعيادهم على الخصوص ، وبيان حكمة ذلك ، وما جاءت به الشريعة من مخالفة أهل الكتاب والأعاجم (1) ونحوهم ، وأصل هذه المسألة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهدي السلف الصالح ، واستقراء الآثار في ذلك .
وقبل أن أدخل في دراسة موضوعاته أحب أن أنبه القارئ على ثلاثة أمور مهمة عن هذا الكتاب :
_________
(1) أقصد بالأعاجم هنا : العجم غير المسلمين وغير المتمسكين بهدي الإسلام ، كما سيوضحه المؤلف خلال مواضع من هذا الكتاب (راجع فهرس الموضوعات).

(1/30)


الأمر الأول : أن هذا الكتاب بجملته يعتبر دراسة تفصيلية فريدة لهذا الموضوع المهم والخطير في حياة المسلمين- الذي يعتبر أصلًا من أصول العقيدة الإسلامية- فإن المؤلف رحمه الله استوفى مسألة النهي عن مشابهة الكفار ، من أصولها وفروعها ، وأدلتها العقلية والنقلية ، وما ورد فيها من آثار ومواقف عن سلف الأمة ، بأسلوب علمي رصين ، يشبع القارئ ويجعله يشعر أنه أمام قضية واضحة المعالم ، بينة المسالك ، جلية الدليل والحكم ، فلا يخرج من مسألة بحثها المؤلف إلا وقد فهمها واقتنع بأدلتها وما توصل فيها من حكم .

(1/31)


الأمر الثاني : أن هذا القاعدة التي أصَّلها المؤلف ، رغم أنها من أهم أصول عقيدة السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة ، وأن الصحابة والتابعين وتابعيهم ، يحذرون الأمة من التهاون بها ، والوقوع فيما نهى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مشابهة الكفار والأعاجم ونحوهم ، وبرغم وضوح أدلة هذا الأصل في الكتاب والسنة وتحذير الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته من الوقوع في ذلك ، رغم هذا كله كاد هذا الأصل العظيم أن يمَّحي من أذهان أكثر المسلمين ، بعد القرون الثلاثة الفاضلة ، فوقعوا في المحذور ، وأخذوا بسنن الأمم حذو القذة بالقذة .
فمما وقعوا فيه- على سبيل المثال- البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها ، وهذه مسألة واضحة في السنة ، فقد حذر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته من الوقوع فيها أشد التحذير- كما سيأتي بيانه أثناء الكتاب- ومع ذلك وقعت فيه طوائف من الأمة .
فجاء المؤلف رحمه الله فجلَّى هذا الأمر وبيَّنه ، وأعلنه على الملأ بلسانه وقلمه ، فكتب وناظر وأمر ونهى ، وأثمرت دعوته بحمد الله .
وكتابه هذا جزء مما قام به في بيان الحق في ذلك .

(1/32)


الأمر الثالث : أني وجدت الكتاب من خلال دراستي له ، كأنما أُلِّف للمسلمين في هذا العصر ، سواء في موضوعاته ، وطريقة بحثها وعلاجها ، أو في أسلوبه ، وذلك يرجع في نظري لأسباب منها :
* تشابه عصرنا بعصر المؤلف ، في كثرة البدع وظهورها ، وفي ضعف المسلمين وقوة الكفار ، وانتشار عقائدهم وأفكارهم وأخلاقهم وعاداتهم وأزيائهم بين المسلمين ، بالإضافة إلى ظهور الفرق الضالة ، واستعلائها بين المسلمين ، خاصة الروافض ، والباطنية ، والصوفية . .
ففي عصر المؤلف تغلب الكفار : من الفرنجة ، والتتار على أكثر بلاد المسلمين ، وفي هذا العصر كذلك تغلب الفرنج سياسيًّا وفكريًّا أيضًا على أكثر بلاد المسلمين ، رغم رحيل عسكرهم عنها .
* ومنها أيضًا بُعد نظر المؤلف رحمه الله ، وسعة علمه وإدراكه ، مما جعله يعالج هذه الأمور بأسلوب عام ، يناسب المسلمين في كل مكان وكل زمان .
ويتضح لنا ذلك لو استعرضنا أهم الموضوعات التي بحثها المؤلف وهي موجودة في زمنه ، وتجدها أيضًا بين المسلمين اليوم :
من التشبه بالكفار والأعاجم- غير المسلمين- في الزي واللباس ، والعادات ، والتقاليد ، واللغة ، والأعياد ، والاحتفالات ونحوها .

(1/33)


انتشار البدع الاعتقادية والعملية ، من التعلق بالمقبورين ودعائهم من دون الله ، وما تروِّجه الطرق الصوفية بين مريديها وغيرهم من البدع والخرافات .
إحياء شعائر الجاهلية وعاداتها وآثارها ومآثرها التي محاها الإسلام .
هيمنة الأفكار والمفاهيم والثقافات غير الإسلامية على أذهان الكثير من المسلمين ، وانتشار الفلسفة والإلحاد ونحو ذلك .
وهذا عن الكتاب في عمومه ، والآن سأعرض بالدراسة والتحليل لبعض موضوعات الكتاب .

(1/34)


ثانيًا :
دراسة لبعض موضوعات الكتاب
الموضوع الأول
تنبيه المؤلف على أصلين مهمين
استهل المؤلف كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) بمدخل مهم ، وجدير بالتأمل والدراسة ؛ لأنه يشكل الأساس لفهم مشكلة تشبُّه المسلمين بغيرهم ، ثم علاجها ، وتجنب أخطارها على بصيرة وهدى .
وذلك : أنه نبه على أصلين من أصول الدين ، لا غنى للمسلم عن فهمها ، ولكل واحد منهما علاقة بالآخر .
الأصل الأول : إخبار الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم القاطع الأكيد ، بأن أمته ستتبع سنن الأمم التي سبقتها من اليهود والنصارى ، وفارس والروم ، ونحوهم ، شبرًا بشبر وذراعًا بذراع ، وهذا يعني أن طوائف من هذه الأمة سوف تتشبه بالكفار قطعًا .
الأصل الثاني : إخباره صلى الله عليه وعلى آله وسلم القاطع والأكيد أيضًا ، بأن الله تعالى تكفل بحفظ الدين ، وأنه لا تزال طائفة من المسلمين على الحق ظاهرين حتى تقوم الساعة ، وأن الأمة لا تجتمع على ضلالة .
ثم يوازن بين هذين الأصلين بعد أن أورد الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في اتباع المسلمين سنن من كان قبلهم ، فيقول :

(1/35)


"فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب ، ومضاهاة لفارس والروم ، وهم الأعاجم" .
وقد كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء ، وليس هذا إخبارًا عن جميع الأمة ، بل قد تواتر عنه أنه : « لا تزال طائفة من أمته ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة » (1) ، وأخبر صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة (2) ، وأن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم فيه بطاعته » (3) .
فعُلم بخبره الصدق : "أنه في أمته قوم مستمسكون بهديه الذي هو دين الإسلام محضًا ، وقوم منحرفون إلى شُعبة من شُعب اليهود ، أو إلى شُعبة من شُعب النصارى ، وإن كان الرجل لا يكفر بكل انحراف ، بل وقد لا يفسق أيضًا ، بل قد يكون الانحراف كفرًا ، وقد يكون فسقًا ، وقد يكون معصية ، وقد يكون خطيئة" (4) .
_________
(1) انظر : تخريج الحديث (1 / 81) من أصل الكتاب.
(2) انظر : تخريج الحديث (1 / 81) من أصل الكتاب.
(3) انظر : تخريج الحديث (1 / 82) من أصل الكتاب.
(4) (1 / 82) من أصل الكتاب.

(1/36)


وعليه : فإنه بالرغم من أن ما وقعت فيه الأمة ، وما ستقع فيه ، من التشبه بالأمم الأخرى ، إنما هو قدر من أقدار الله وقضائه الذي لا يرد ، فإن هذا لا يعني أن المسلم سيستسلم لهذا القدر ، بل إنه مطالب بفعل الأسباب الواقية ، فإن الله تعالى حذَّرنا سبيل الكافرين ، وأمرنا بالاستمساك بالعروة الوثقى ، وبالإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما أن وقوع فئة من المسلمين ، أو حتى أكثرهم- لا قدَّر الله ذلك- في التشبه بالكافرين ، فإن هذا لا يعني أن الأمة هلكت كلها ، فإن الله تعالى وعد المؤمنين بالنصر والتثبيت ، والظهور على الحق إلى قيام الساعة ، فوعده تعالى صادق نافذ ، كما أن قضاءه في وقوع بعض المسلمين في اتباع سنن غيرهم نافذ أيضًا .
كما أن إخبار الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بأن أمته ستتبع سنن الذين من قبلها ، جاء بمعرض النهي والتحذير ، واتخاذ أسباب الوقاية ، وذلك بالتمسك بكتاب الله تعالى ، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، واقتفاء أثر السلف الصالح ، والحذر من الابتداع في الدين ، واتقاء أسباب الضلالة والغواية .

(1/37)


وهكذا نجد المؤلف رحمه الله ، بأسلوبه العلمي الرصين ، واستدلاله القوي الواضح ، استطاع أن يستجلي هذين الأصلين ، ثم يوفق بينهما ، مما يجعل القارئ على بينة ووضوح ، وهذا مدخل أساسي ومهم لفهم واستيعاب بقية مباحث الكتاب التي تدور كلها حول موضوع تشبُّه المسلمين بغيرهم ، وما ورد فيه جملةً وتفصيلًا ، وبيان آثاره ونتائجه ، وطرق الوقاية منه .

(1/38)


الموضوع الثاني
بعض أنواع البدع والشركيات التي ابتُليت بها الأمة
لقد شخَّص المؤلف رحمه الله ، أكثر الأمراض وأنواع التشبه والتقليد للكافرين التي وقع فيها المسلمون ، حين تساهل كثير منهم بدينهم ، وغفلوا عن تحذير الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم قبلهم من البدع والضلال .
فذكر طائفة من ذلك في العبادات .
وأخرى في السلوك والأخلاق والعادات .
وثالثة في الاعتقادات والإرادات .
فمن البدع في العبادات :
إحداث أعياد واحتفالات لم يشرعها الله ولا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، إنما فعلتها الأمم الأخرى كاليهود والنصارى ، أو فارس والروم ، ونحوهم ، كالاحتفال بيوم عاشوراء ، وبالمولد النبوي ، وبليلة الإسراء والمعراج ، وليلة النصف من شعبان ، وإحداث صلوات لم يشرعها الله ، كصلاة الرغائب ، وتخصيص ليالٍ وأيام بعينها بعبادة معتادة ، كأول خميس من رجب ، وليلة أول جمعة وليلة النصف منه ، وكالرهبنة ، والسياحة لغير قصد مشروع أو مباح ، والغلو في الدين .
ومما وقع فيه المسلمون في السلوك والأخلاق والعادات :

(1/39)


الحسد ، والبغي ، والبخل بالمال والعلم ، وجحود ما مع الآخرين من الحق عند الخصومات ، والتشبه بالكافرين باللباس ، والرطانة بلغاتهم لغير ضرورة .
وما وقعوا فيه من الاعتقادات والإرادات :
كالغلو في الأنبياء والصالحين ، وتحريف الكلم عن مواضعه ، كما فعلت الفرق ، كالجهمية ، والمعتزلة ، والخوارج ، والروافض ، وبعض الأشاعرة ، ونحوهم .
وكبناء المساجد على القبور ، والطواف بها ، ودعاء أهلها من دون الله ، والتمسح والتبرك بها ، ونحو ذلك من البدع والشركيات ، التي وقع فيها كثير من الجهال والمبتدعين ، وأصحاب الطرق الصوفية ، والشيعة ، وغيرهم . وكالتعبد بالأصوات والسماع ، والطرب والرقص ، والصور الجميلة بما يسمونه بإصلاح الأحوال ، كما تفعل الطرق الصوفية التي ابتلي المسلمون بها . وكالتفرق والاختلاف في الدين ، وقسوة القلوب .
وقد استقصى المؤلف هذه الأمور وفصلها ، على نحو لا يدع لأحد يطلع على هذا الكتاب عذرًا في جهلها ، أو جهل أحكامها .
كل هذه الأشياء وغيرها كثير مما ذكره المؤلف ، وقعت فيها الأمة من جراء تشبهها بالأمم الأخرى .

(1/40)


ومن الجدير بالذكر أن هذه الأمور ، لا تزال توجد بين المسلمين ، وربما زادوا عليها عما عهده المؤلف في عصره ، فالصوفية بطرقها الكثيرة ، وطقوسها المبتدعة ، وشركياتها وأساليبها الشيطانية لا تزال تؤتي ثمارها النكدة ، من التفريق بين المسلمين ، وجعلهم طرائق قددًا ، وأحزابًا متنافرة ، وتضلل العامة ، وتستجهل أهل العلم ، وتبدع أهل السنة ، وتؤذي موتى المسلمين وسلفهم الصالح ، ببناء المساجد والقباب على قبورهم ، وممارسة الشركيات والبدع والخرافات عندها ، من طواف وتمسح وتبرك ، ودعاء من دون الله ، وغير ذلك مما يتفطر له قلب كل مؤمن مشفق على دينه وأمته ، ولست أتجنى أو أبالغ فيما ذكرته ، فالواقع يشهد وينطق بحالهم .
ثم الشيعة الروافض كذلك لا يزالون يفسدون رقعة كبيرة من بلاد المسلمين ، ببناء المشاهد والقباب ، وتقديس القبور ، وأهلها ، ونشر البدع في الدين .
ثم النصيرية ، والقرامطة (الإسماعيلية) هاهم لهم وجود وأثر ، كما كانوا يفعلون في عصر المؤلف وقبله ، فهذه أوجه شبه كبيرة بين عصرنا وعصر المؤلف .

(1/41)


الموضوع الثالث
أثر التشبُّه على الأمة
لقد حلَّل المؤلف رحمه الله ، أثر التشبه والتقليد ، بين المتشبِّه ، والمتشبَّه به ، والمقلِّد والمقلَّد ، تحليلًا علميًا رائعًا ، ينبغي أن يكون قاعدة من قواعد علم النفس والاجتماع ، وقد ثبت ذلك بقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « من تشبه بقوم فهو منهم » (1) .
حيث بيَّن وأكَّد أن المشاركة بين المتشابهين في الهدي والظاهر- وهو المظهر والسلوك- لا بد أن تورث بينهما شعورًا واضحًا بالتقارب ، والتعاطف ، والتوادّ .
فإذا حدث أن مسلمًا تشبه بكافر ، في مظهره وعاداته ، وسلوكه ، ولغته ، أو شيء من ذلك ، فإنه لا بد أن يورث بينهما شعورًا بالتقارب ، والمودة ، وهذا ما شهد به الواقع ، فضلًا عن بيان الشرع ، وموافقة العقل .
وقديمًا قالوا : "إن الطيور على أشباهها تقع" وهذا مثل صحيح ، يوافق سنة الله في خلقه .
_________
(1) الحديث يأتي تخريجه ص(269) من الجزء الأول من الكتاب.

(1/42)


وبعد أن قرَّر المؤلف هذه القاعدة- قاعدة تأثر المقلِّد بالمقلَّد- ليبين أثر التشبه على عقيدة المسلمين ودينهم ، ضرب لذلك أمثلة واقعية ، يدركها كل عاقل بصير . فيقول : "إن المشاركة في الهدي الظاهر ، تورث تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين ، يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال ، وهذا أمر محسوس ، فإن اللابس لثياب أهل العلم- مثلًا- يجد في نفسه نوع انضمام إليهم ، واللابس لثياب الجند المقاتلة- مثلًا- يجد في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم ، ويصير طبعه متقاضيًا لذلك" (1) ومن ناحية أخرى ، يشير المؤلف مرة ثانية إلى أن التشابه الظاهر ، في الزي والشكل والسلوك والعادات ، لا بد أن يورث نوع مودةٍ ومحبةٍ ، وموالاة بين المتشابهين في الباطن ، منه ما يسمى عند علماء النفس (اللاشعور) ، كما أن المحبة أيضًا في الباطن ، قد تورث تناسبًا وتشاكلًا في الظاهر .
فالمسلم الذي يتشبه بالكفار ، بأي نوع من أنواع التشبه الظاهر ، في لباسه ، أو عاداته ، أو حركاته ، فإن ذلك في الغالب يدل على أنه لديه شعور باطني- إن لم يجاهر به- بمودة من يتشبه بهم ، فإن التشبه إنما يصدر عن إعجاب ، وإحساس بتفوق الآخرين عليه .
_________
(1) (1 / 93) من أصل الكتاب .

(1/43)


ثم يضرب المؤلف لما ذكره مثلًا آخر من واقع الناس فيقول : "لو اجتمع رجلان في سفر ، أو بلد غريب ، وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب ، أو الشعر ، أو المركوب ، ونحو ذلك ، لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما ، وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية ، يألف بعضهم بعضًا ، ما لا يألفون غيرهم ، حتى إن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة" (1) .
ثم يقول : "فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية ، تورث المحبة والموالاة ، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد ، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان" (2) .
وعليه ، فمشابهة أهل الكتاب والأعاجم ونحوهم ، لا بد أن تورث عند المسلم نوعَ مودة لهم ، أو هي على الأقل مظنة المودة ، فتكون محرمة من هذا الوجه سدًّا للذريعة ، وحسمًا لعادة حب الكافرين والولاء لهم ، فضلًا عن كونها محرمة من وجوه أخرى بالنصوص الواردة وغيرها .
_________
(1) (1 / 549) من أصل الكتاب.
(2) (1 / 550) من أصل الكتاب.

(1/44)


وليس هذا من خصائص عصر المؤلف ، كما يتوهمه بعض الناس ، بل هو سنة الله في خلقه في كل زمان ، وكل مكان . وعلى أي حال ، فإننا في عصرنا الحاضر ، رغم اختلاط الأمم ، وتقارب المسافات وطغيان الحضارة والمدنية الغربية على الناس ، وما يحدثه ذلك من تقليل التميز بين الأمم والشعوب ، إلا أننا ندرك بوضوح ، أن تلك الفئات- من المسلمين- التي تتشبه بالإفرنج في لباسهم ، أو سلوكهم وعاداتهم ، والتي تعتاد التكلم بلغتهم وتتخاطب بها باستمرار ، أنها تميل إلى حبهم ، وتقديرهم ، والإعجاب بهم ، وتستأنس بهم ، وتزدري المسلمين المتمسكين بما هم عليه من لباس وسلوك وعادات .
وذلك أن الله تعالى "جبل بني آدم- بل سائر المخلوقات- على التفاعل بين الشيئين المتشابهين ، وكلما كانت المشابهة أكثر ، كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم ، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط" (1) .
وكذلك العكس أيضًا ، فإن المسلمين المتمسكين بهدي الإسلام ، والبعيدين عن مشابهة الأمم الأخرى ، هم أكثر نفرة وأقل مودة لغير المسلمين .
_________
(1) (1 / 547) من أصل الكتاب.

(1/45)


وأمر آخر خطير أيضًا على المسلمين ، وهو أنه لا يقتصر التشابه بين المسلم والكافر على المودة الظاهرة بينهما ، بل قد يصل إلى الأمور الاعتقادية والفكرية الباطنة ، فإن المسلم الذي يقلد الكفار في الهدي الظاهر ، يقوده ذلك على وجه المساوقة والتدرج الخفي إلى التأثر باعتقاداتهم الباطلة .
وهذا الأمر كذلك ندركه الآن بين المتفرنجين ، الذين يعشقون الحياة الغربية ، فأكثرهم يحمل أفكارًا واعتقادات غريبة عن الإسلام ، بل قد تكون هدامة تنافي العقيدة الإسلامية الصحيحة .
فاعتقادهم أن القوانين الغربية متفوقة على الشريعة الإسلامية ، ثم تطبيقهم لهذا ، واعتقادهم أن الإسلام دين عبادة فحسب ، ولا صلة له بحياة الناس وعلاقاتهم ، وازدراؤهم للمتمسكين بالإسلام ، وغير ذلك مما يدركه المسلمون اليوم وما يعانونه من هذه الفئة التي تسيطر على أغلب بلاد المسلمين ، كل ذلك إنما هو نتيجة لما سبق أن قرَّره المؤلف مما يحدثه التشابه بين المسلمين والكفار ، من آثار في الظاهر والباطن .

(1/46)


الموضوع الرابع
قواعد أساسية في التشبه
استطاع المؤلف من خلال استعراض الأدلة من القرآن الكريم ، ثم من السنة المطهرة ، الواردة في النهي عن تشبه المسلمين بالكفار ، وإجماع المسلمين في العصور الفاضلة على ذلك ، أن يوصلنا إلى النتائج التالية :
* أن جنس المخالفة للكافرين والأعاجم ونحوهم ، أمر مقصود للشارع ، وأن التشبه بهم منهي عنه في الجملة ، في عامة أمورهم الدينية والدنيوية .
* أن هناك أمورًا خصت بالنهي ، ووردت بها السنة بعينها ، كالبناء على القبور ، واتخاذها مساجد ، وحلق اللحى وإعفاء الشوارب ، والأكل والشرب بالشمال ، ونحو ذلك .
* أن مخالفتهم في عامة أمورهم أصلح لنا- نحن المسلمين- في دنيانا وآخرتنا .
* أن تشبه فئة من المسلمين بالكفار ، أمر لا بد أن يقع ، مصداقًا لإخبار الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك ، وأن الله تعالى حذَّر من ذلك ، وأمر المسلمين بالاستمساك بالحق ، والثبات والصبر رغم وقوع طوائف منهم بالمحذور .

(1/47)


* أنه ليس شيء من أمور الكفار ، في دينهم ودنياهم ، إلا وهو : إما فاسد وإما ناقص في عاقبته ، حتى ما هم عليه من إتقان أمور دنياهم ، قد يكون اتباعنا لهم فيه مُضِرًّا : إما بدنيانا وآخرتنا ، أو أحدهما ، وإن لم ندرك ذلك .
* أن سلفنا في القرون الفاضلة ، كانوا قد فهموا هذه القاعدة ، فهمًا جليًّا وعملوا بها ، واستدل المؤلف على ذلك بإجماعهم على تحذير المسلمين من ذلك ، وعلى سدهم الذريعة إليه ، ما أُثر عنهم من أقوال وأفعال ومواقف لا تكاد تُحصى ، وقد أورد من ذلك الكثير .
ويجب على المسلمين اليوم ، أن يدركوا هذا ، ويعملوا به ، وأن يكونوا حذرين من كل ما يصدر عن الكفار ، من اعتقادات ، وأفكار ، وثقافات ، وعادات ، وأزياء ، وغيرها .
فإن الكفار اليوم ، رغم ما هم عليه من تفوق في أمور دنياهم ، ليس لديهم ما يرشد المسلمين إلى الحق ، أو يهديهم لأسباب العزة ، والنصر والسعادة ، فإن ذلك إنما يكون بالرجوع لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والتمسك بالإسلام حقًّا .

(1/48)


أما الإفادة مما عند الكفار اليوم ، من صناعات ، وعلوم تطبيقية ونحوها ، فهذا أمر آخر ، لا علاقة له بموضوع التشبه ؛ لأن هذه العلوم والصناعات ليست من خصوصيات الكفار- وإن احتكروها- لأنها إمكانات بشرية لا بد أن تتوفر عند من يحرص عليها وينميها ويجد في تحصيلها ، سواء كان مسلمًا أو كافرًا .
كما أن استيراد الصناعات وعلومها لا يعد من قبيل التشبه والتقليد ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يستعمل ما يصنعه الكفار من لباس وآنية ونحو ذلك .
إنما طريقة الإفادة من الصناعات إذا صاحبها نقل عاداتهم وتقاليدهم ونظمهم وكل ما هو من خصائصهم ؛ فإن هذا هو المحذور .

(1/49)


الموضوع الخامس
فئات من الناس نهينا عن التشبه بها
نبه المؤلف إلى أن التشبه المنهي عنه ، لم يكن قاصرًا على التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى ، والأعاجم من الروم والفرس ، والمجوس ، بل النهي عن التشبه شمل أمورًا أخرى :
فقد ورد النهي عن التشبه بالشيطان وأحواله وأعماله ، مثل الأكل بالشمال ، والشرب بها ، فإن هذا من عمل الشيطان ، ونحن منهيون عن كل ما هو من عمل الشيطان ، فإن التشيطن مذموم شرعًا وعقلًا .
ولنا عند هذا المعنى وقفة اعتبار وتأمل :
فإن كل ما هو من خصال المتبعين للشيطان والغاوين ، من الفساق والعصاة والمجرمين والظلمة ، والزنادقة ونحوهم ، يكون منهيًّا عنه ، وذلك بحكم اتباعهم للشيطان ، ونحن نهينا عما هو من سبيل الشيطان وعمله .
فيجب على المسلم المتمسك بدينه ، أن يتجنب كل ما هو من شعارات هؤلاء ، أتباع الشيطان وحزبه ، وأن يحذر معاشرتهم ، ويبعد عن أماكن تجمعاتهم ، لأنها مواطن شبهة ، قربها يزري بالمسلم .

(1/50)


ومن شعارات هذه الأصناف في عصرنا ، الألبسة الضيقة ، والتختم بالذهب ، وحلق اللحى ، وإسبال الثياب ، وحمل الصور ، واصطحاب الكلاب ، والتدخين ، والتعلق بالرياضة المفسدة والفن الساقط والطرب ، وغير ذلك مما هو معروف في كل بلد من بلاد المسلمين .
كما أن لهم سمات ، وملابس ، ومراكب ، وتجمعات ، يعرفها الناس في كل بيئة بحسب ما فيها من أعراف وعادات ، فيلزم كل مسلم أن يتجنب كل ما هو من خصائص هؤلاء الفساق والمجرمين ، وأن تكون له شخصيته المميزة التي تلتزم بالآداب الشرعية ، وأن لا يختلط بهذه الأصناف إلا بقدر الضرورة ، كأن يريد دعوتهم للحق ، أو إنكار ما هم عليه من منكر ، وأمرهم بالمعروف ، واستصلاحهم ، أو تضطره المصلحة المعاشية لبيع وشراء ونحوه ، بشرط أن لا يكون له معهم عِشْرة ووُدّ ، وأن يأمن على عقيدته وخلقه وعرضه منهم .
كما نبه المؤلف كذلك على صنف آخر وَرَدَ النهي في السنة عن بعض خصاله ، وهم الأعراب الذين لم يكمل دينهم .
فإن الأعراب- في الغالب- يتميزون بالجفاء والغلظة ، والجهل بأحكام الله وحدوده ، لذلك يكون فيهم الكفر والنفاق أشد من غيرهم .

(1/51)


فمن جهلهم- مثلًا- تسميتهم العشاء بالعتمة ، كما ورد في السنة (1) وفعل المعاقرة خيلاء وفخرًا ، وهم أسرع من غيرهم إلى العصبية الجاهلية والفخر بالأحساب ، والطعن بالأنساب ، كما أنهم أبعد عن الجمعة والجماعات ، ونحو ذلك مما هو معروف عنهم ، فكل هذه الصفات ، التي توجد لدى الأعراب في الغالب ، ولا تزال توجد لديهم غالبًا حتى الآن ، يجب على المسلم أن يحذرها ، ويحذر منها ؛ لأن أغلبها صفات جاهلية ، أو هي من سمات الجاهلية . وما هو من سمات الجاهلية وصفاتها التي محاها الإسلام فهو منهي عنه أيضًا .
_________
(1) انظر : (1 / 408) من أصل الكتاب.

(1/52)


الموضوع السادس
النهي يعم كل ما هو من سمات الكفار قديمًا وحديثًا
من المفيد الإشارة إلى ما ذكره المؤلف في معرض حديثه عن التشبه بالعجم ونحوهم ، من أنه إذا نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم ، دخل في النهي ما عليه الأعاجم الكفار قديمًا وحديثًا ، حتى وإن كان عليه الأعاجم المسلمون ، إذا كان يخالف السنة ، أو الآداب الشرعية . كذلك يدخل في مسمى الجاهلية ، ما كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام ، وما عاد إليه كثير من العرب اليوم ، من صفات وأعمال وعادات الجاهلية .
وبهذا نعلم ، أن المسلمين اليوم ، منهيون عما عليه الأمم الأخرى من حولهم ، من عبادات ، وأعمال ، وعادات ضارة ، وأخلاق فاسدة ، وإن لم يكن ذلك موجودًا في القديم أصلًا ، لا سيما وأن الكثير من مظاهر الحياة وأشكالها ، تبدلت تبدلًا كبيرًا في عصرنا الحاضر ، عن العصور الماضية .

(1/53)


وما يتشدق به بعض المعجبين بالكفار ، وبعض الجاهلين ، من أن الكفار يحملون بعض الصفات الحميدة ، كالصدق ، والوفاء ، والأمانة ، فهذا- وإن كان يوجد في بعضهم ، ويفقده بعض المسلمين المتساهلين- فلا يعني أن الكفار أزكى من المسلمين على الإطلاق ، ولا أنهم خير منهم على العموم ، كما لا يعني ، أن ما عليه الكفار من اعتقادات ، وأفكار ، وأخلاق ، وعادات ، سليم وصحيح ، كما أنه إذا وجدت في بعضهم تلك الخصال الإنسانية الحميدة ، فلا يعني أنهم كلهم كذلك ، ولا أن قلوبهم سليمة ، وكيف تكون سليمة وهي خالية من الإيمان؟
لأن هذه الأخلاق الحميدة هي من أصول الإسلام ، التي أُمر بها المسلمون ، هذا بالإضافة إلى أننا لا نسلم بأن تلك الأخلاق الحميدة توجد فعلًا بين الكفار كما يصورها المعجبون ، لكنها مظاهر توجد في حالات ، وفي أفراد ، وما يشهد به الواقع أن الكفار الآن عامة أخلاقهم فاسدة وخبيثة ، ويكثر بينهم الحسد والغدر والخيانة ، والبغي والفساد ، والكذب والفجور ، وغيرها من الرذائل والفساد الأخلاقي ، الذي يتذمرون منه هم ، ويقلق مفكريهم وعقلاءهم ، ومصلحيهم ، إن كان فيهم مصلحون .

(1/54)


فينبغي للمسلمين اليوم ، أن تكون لهم شخصيتهم المميزة ، وأخلاقهم وعاداتهم الطيبة الكريمة ، ولغتهم العربية الشريفة ، وأن يستمدوا ذلك كله من شريعتهم الإسلامية ، وهدي نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وسلفهم الصالح .
وما كان من سمات الكفار اليوم ، من عادات ، وتقاليد ، وأزياء ، وأنماط سلوك ، فعلى المسلم أن يتجنبه قدر الإمكان .
وكذلك ما جدده الناس اليوم ، وأحدثوه ، من أخلاق الجاهلية المذمومة ، وسماتها ، وأعرافها وتقاليدها ، وآثارها ، ونحو ذلك مما يحاول القوميون والوطنيون (الذين يقدسون الأوطان) ، والبعثيون ونحوهم إحياءه ، ونشره بين المسلمين ، تحت شعارات الأصالة ، والقومية ، والوطنية ، وإحياء التراث ، والتغني بالأمجاد ، والفخر بالآثار ، ونحو ذلك من الشعارات التي لا مستند لها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم . كل هذا يدخل في النهي عن سنن الجاهلية المذمومة شرعًا ، وإن ألبسوه لباس التقدم والمدنية .

(1/55)


الموضوع السابع
متى يباح التشبه بغير المسلمين؟
بما أن الشريعة الإسلامية جاءت بما فيه صلاح الناس وإصلاحهم وتميزت باليسر والسماحة ، وتقدير المصالح ، ودفع المضار ، فإن فيها للضرورات أحكامًا ، تخرج المسلم من الحرج حينما يقع فيه ، فإن المؤلف أشار إلى أمر مهم فيما يتعلق بمسألة النهي عن التشبه بالكفار والأعاجم ونحوهم ، فهو بعد أن أصّل القاعدة ، ذكر أن لها استثناء ، فهو يذكر أن المسلم إذا واجهته حالة يضطر معها إلى التشبه بالكفار ، فإنه يجوز له ذلك في حدود الضرورة ، ويضرب لذلك مثلًا فيقول :
"ومثل ذلك اليوم ، لو أن المسلم بدار حرب ، أو دار كفر غير حرب ، لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر ، لما عليه في ذلك من الضرر ، بل قد يستحب للرجل ، أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظاهر ، إذا كان في ذلك مصلحة دينية : من دعوتهم إلى الدين ، والاطلاع إلى باطن أمورهم ؛ لإخبار المسلمين بذلك ، أو دفع ضرر عن المسلمين ، وغير ذلك من المقاصد الصالحة" (1) .
ثم يشير إلى أنه في دار الإسلام لا يجوز شيء من ذلك ؛ لأنها شرعت فيها المخالفة (2) .
_________
(1) انظر : (ص471).
(2) انظر : (ص471).

(1/56)


وعليه : فبهذه الشروط والمحترزات والمصالح التي ذكرها المؤلف ، يمكن للمسلم أن يتشبه بغير المسلمين ؛ لتحقيق مصلحة كبرى ، أو دفع مضرة عظمى ، وأضيف إلى ذلك : أن لا يصاحب فعله هذا : استحلال محرم ، أو ترك واجب ، أو إخلال بعقيدة .
كما أنه ينبغي للمسلم أن لا يسافر إلى بلاد غير إسلامية لغير ضرورة ، ومصلحة كبرى ؛ لأن ذلك يوقعه في مخالفات شرعية كثيرة ، عند تعامله مع الكفار .

(1/57)


الموضوع الثامن
في الأعياد والاحتفالات البدعية
إن مسألة الأعياد ، والاحتفالات البدعية ، من أشد وأخطر ما تساهل فيه المسلمون ، بعد القرون الفاضلة ، فقد سارع كثير منهم إلى التشبه بالأمم الأخرى ، في أعيادها ، واحتفالاتها .
فأحدث بعضهم بدعة الاحتفال بالمولد النبوي ، والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج . وهذه الأعياد الوطنية والقومية- التي تزداد يومًا بعد يوم بين المسلمين- وغيرها إنما هي من الأغلال والآصار التي ابتليت بها الأمة الإسلامية ، وما أنزل الله بها من سلطان .
لذلك نجد أن المؤلف رحمه الله أطال في مسألة الأعياد البدعية ، بل إنه أشار في أول الكتاب- كما ذكرت- أنها هي سبب تأليف الكتاب ، وغيرها جاء تابعًا لها .
فقد بيَّن أن الله تعالى لم يشرع للمسلمين إلا عيدين ، هما عيد الأضحى ، وعيد الفطر ، وأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن اتخاذ الأعياد سواء كانت أعيادًا جديدة ، أو أعيادًا قديمة تُحيا .
كما بيَّن أن مسألة الأعياد من المسائل الشرعية التعبدية ، التي لا يجوز الابتداع فيها ، ولا الزيادة ولا النقص ، فلا يجوز إحداث أعياد غير ما شرعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

(1/58)


كما بيَّن أن كل اجتماع عام يحدثه الناس ، ويعتادونه ، في زمان معين أو مكان معين ، أو هما معًا ، فإنه عيد ، كما أن كل أثر من الآثار القديمة أو الجديدة ، يحييه الناس ، ويرتادونه ؛ فإنه يكون عيدًا ؛ وذلك كأسواق الجاهلية ، وآثارها ، وأوثانها .
فقد كان للناس قبل الإسلام أعياد زمانية ومكانية كثيرة ، وكلها حرّمها الإسلام وأماتها ، وشرع للمسلمين عيدين فقط .
فقد دلت السنة على ذلك بوضوح وصراحة ، كما دل عليه فعل المسلمين في صدر الإسلام ، وإجماعهم ، وما أُثر عنهم من النهي عن ذلك والتحذير منه أكثر من أن يحصى ، وقد ذكر المؤلف الكثير منه .

(1/59)


فإذا عرفنا ذلك ، وعرفنا أن ما شاع بين المسلمين من أعياد واحتفالات لم يكن يفعله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بل نهى عنه ، ولم يكن الصحابة ولا التابعون خلال القرون الفاضلة يفعلون ذلك ، بل كانوا ينهون عنه ويحذرون من الوقوع فيه ؛ فهذا يكفي للحكم على هذه الأعياد والاحتفالات المحدثة بأنها دسيسة من دسائس المبطلين ، وغفلة وجهل من أكثر المسلمين ، مهما بررها الناس ورضوها ، والتمسوا لها الفتاوى والتأويلات التي لا تستند إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
فأي عيد أو احتفال ليس له في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصل ، ولم يعهد في عصر الصحابة ، والقرون الفاضلة ، فإنما قام على الباطل ، ويقال لمن فعله أو أحله : { هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } (1) ، ولن يجدوا إلا قول من سبقوهم : { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ } (2) .
_________
(1) سورة البقرة : من الآية 111.
(2) سورة الزخرف : من الآية 22.

(1/60)


وإن أقوى حجة يستند إليها المتشبثون بهذه الأعياد والاحتفالات المبتدعة ، قولهم بأن ذلك- خاصة الاحتفال بالمولد- مما تعارف عليه المسلمون ، وعلمه ورضيه كثير من علماء المسلمين المعتبرين ، واجتمعت عليه الأمة ، وهي لا تجتمع على ضلالة .
فيقال لهم : هذه دعوى واهية ؛ لأنها :
أولًا : لا تستند إلى دليل شرعي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
وثانيًا : لم يتعارف على ذلك جميع المسلمين ، ولم يرضه جميع العلماء ، بل ولا المعتبرون منهم ، ولم تجتمع عليه الأمة ، فإنه منذ أن استحدثت هذه المبتدعات إلى اليوم لا تزال طائفة من الأمة تنكرها وتبين للمسلمين الحق ، وتنصح للأمة وترشدها إلى الطريق المستقيم ، الذي سنَّه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وسلكه الصحابة والسلف الصالح . وما دعوة الإمام أحمد بن حنبل ، ثم الإمام أحمد بن تيمية ، ثم دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ، وسائر أئمة أهل السنة والجماعة- بخافية على أحد- ، ولم يفعل ذلك الصحابة ولا التابعون ، ولا الأئمة في القرون الفاضلة كالأئمة الأربعة وسائر أئمة الهدى المهتدين .

(1/61)


وبالرغم من أن عصرنا هذا ، من أسوأ عصور المسلمين ، وأكثرها انحرافًا ، إلا أننا نجد طائفة منهم لا تزال- بحمد الله- تنكر هذه المبتدعات ، وتصدع بالحق ، وتحذر المسلمين من الوقوع في البدع ، فإن أكثر بلاد المسلمين ابتلاء بالبدع والخرافات والشركيات- خاصة الأعياد والاحتفالات البدعية ، وبدع الصوفية ، والبدع التي تقام حول القبور- توجد فيها طائفة تنكر هذه البدع ، وتحاربها ، وترشد المسلمين وتناصحهم بعدم الوقوع فيها ، بصراحة وجرأة وشجاعة ، كجماعة أنصار السنة المحمدية في السودان ، وفي مصر ، وغيرها من الأفراد والجمعيات في كل مكان .
وبهذا تبطل دعوى اجتماع الأمة ، وحاشاها أن تجتمع على ضلالة .
هذا بالإضافة إلى ما فصله المؤلف من وجوه أخرى في تحريم الأعياد المبتدعة والنهي عنها ، وضررها على المسلمين ، منها :
* أن الأعياد من جملة الشرائع والمناسك ، كالقبلة ، والصلاة ، والصيام ، وليست مجرد عادات ، وهنا يكون أمر التشبه والتقليد فيها للكافرين أشد وأخطر ، وكذلك تشريع أعياد لم يشرعها الله يكون حكمًا بغير ما أنزل الله ، وقولًا على الله بغير علم ، وافتراء عليه ، وابتداعًا في دينه .

(1/62)


* أن الأعياد والاحتفالات البدعية ، من شرائع الكفار ، ومن شعائر أديانهم الباطلة المحرفة ، فلا يجوز للمسلمين أن يتشبهوا بما هو من خصائص الكفار وشعائرهم الباطلة .
* أن أعياد الكفار ، وما يفعلونه فيها ، معصية ؛ لأنه : إما مبتدع في دينهم أصلًا ، وإما منسوخ بالإسلام ، فهو بمنزلة صلاة المسلم لبيت المقدس .
* إذا فعل المسلمون القليل من الأعياد المبتدعة ، فسيؤدي ذلك إلى فعل الكثير ؛ لأن هذا أمر لا ضابط له إلا الشرع ، ومن ثم تكثر الأعياد ، وتشغل المسلمين عن عبادتهم ، وعن أمور معاشهم ومصالحهم .
وهذا ما حدث فعلًا الآن ، فكل بلد من بلاد المسلمين اليوم له أعياد واحتفالات ، فعيد لميلاد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وآخر لميلاد الرئيس ، وثالث للوطن ، ورابع للاستقلال ، وخامس للاعتلاء ، وسادس للمرأة ، وسابع للطفل ، وثامن للأم ، وتاسع للربيع . وعاشر للنصر! إلخ مما لا يحصى من الأعياد التي أولها قَطْر ، وآخرها طوفان ، بل لقد وصلت قائمة الأعياد المبتدعة في بعض بلاد المسلمين إلى أكثر من ذلك ، وفي ذلك مضاهاة لدين الله .

(1/63)


* ويضاف إلى ذلك ما تستنزفه هذه الأعياد من الأموال والجهود ، والطاقات والأوقات ، التي تضيع هدرًا على المسلمين في سبيل الشيطان ، وتشغلهم عن ذكر الله وعن الصلاة ، وعن كثير من الفروض والواجبات التي شرعها الله ، وسنها رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما أنها مفتاح اللهو والعبث والمجون والانحلال في حياة الفرد والمجتمع .
فهل يفطن أولئك الذين لا يزالون يبيحون للمسلمين مثل هذه الأعياد والاحتفالات ، ويشرعونها لهم ، ويزعمون أن الإسلام لم يحرم هذا؟ فإذا كانت عميت بصائرهم عن الدليل ، فهل عميت أبصارهم عن الواقع؟ لكن من لم يجعل الله له نورًا ، فما له من نور .

(1/64)


والجدير بالتنبيه هنا ، التنويه بما أنعم الله تعالى به على المسلمين في هذه البلاد- البلاد السعودية- حيث طهر أرضها وأهلها بحمد الله من هذه الأعياد ، وغيرها من البدع التي تقام حول القبور ، ونحوها ، ولا تزال البدع فيها بحمد الله مكبوتة ، بقوة العقيدة ، وقوة الحجة ، وقوة السلطة ، وذلك من آثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب المباركة ، وهذه نعمة من نعم الله عليها وعلى جميع المسلمين ، يجب أن تشكرها وترعاها ، وتحافظ عليها ، وتعض عليها بالنواجذ ، ونسأل الله تعالى أن يوفق أولي الأمر بهذه البلاد للمحافظة على هذه النعمة ، ليرعوها حق رعايتها ، ويأخذوا على أيدي السفهاء الذين يحاولون إيقاع المسلمين في هذه البلاد بما ابتُلي به غيرهم من البدع والمخالفات والانحرافات .

(1/65)


الموضوع التاسع
في الرطانة
لنا وقفة عند ما يسميه المؤلف "الرطانة" ، وهو تعلم المسلمين وتكلمهم بغير اللغة العربية ، وهذه المسألة من القضايا الملحة التي تواجه المسلمين في هذا العصر ، والتي تحتاج إلى بحث طويل ، واستجلاء للحكم الشرعي المفصل فيها ، ولست هنا أنتزع ولا أصدر أحكامًا ، بقدر ما أستخلص فوائد وتوجيهات من كلام المؤلف في هذا الموضوع ، الذي يبين لنا الحكم العام ، ومواقف السلف نحو اللغات الأخرى ، وآثارها على دين المسلمين ومعتقدهم .
فقد بيَّن لنا أن للصحابة مواقف معروفة نحو ذلك ، تتمثل بقول عمر : "إياكم ورطانة الأعاجم" فكانوا يكرهون أن يتكلم المسلم بغير العربية على وجه الاعتياد والدوام ، ولغير ضرورة .
أما عند الحاجة والضرورة ، وما تقتضيه مصلحة المسلمين العامة ، فإن ذلك جائز ، وقد جاءت السنة به ، فقد « أمر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم السريانية » ، لغة يهود ، ليقرأ في كتبهم ، ويكتب بها إليهم ، ويترجم كلامهم ، ويأمن مكرهم .

(1/66)


كما كان الخلفاء الراشدون يفعلون ذلك ، وكتبوا الدواوين بغير العربية ، إلى أن صارت القدرة على تعريبها ، وكان المسلمون مضطرين لمخاطبة الشعوب التي دخلت الإسلام بعد الفتوح بلغاتها كذلك .
أما التكلم بغير العربية لغير ضرورة ، فإن السلف كانوا يكرهونه أشد الكراهية ، وينهون عنه ، ولهم في ذلك أقوال معروفة سرد المؤلف الكثير منها .
وكانوا يرون أن العربية من مستلزمات الدين ، وغيرها شعار النفاق ، لذلك لما فتحوا الأمصار ، سارعوا إلى تعليم أهلها العربية حتى سرت سريان النور في الظلام ، رغم صعوبة ذلك ومشقته .
فالعربية هي لغة الإسلام ، ولغة القرآن ، ولا يتأتى فهم الكتاب والسنة فهمًا صحيحًا سليمًا إلا بها ، فهي من مستلزمات الإسلام وضرورياته ، وإهمالها والتساهل بها لا بد أن يضعف من فهم الدين ، ويساعد على الجهل به .
وأرى أنه من الخطأ الفادح : مزاحمة اللغة العربية باللغات الأخرى في مناهج التعليم في البلاد الإسلامية (1) على العموم ، والعربية على الخصوص .
_________
(1) كانت العربية هي لغة المسلمين في كل العالم الإسلامي ، حتى جاء الاحتلال فحارب العربية وأحلّ محلها اللغات القومية لكل بلد ، أو إحدى اللغات الغربية خاصة الإنجليزية ، مما أبعد الشعوب المسلمة عن فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسائر العلوم الإسلامية.

(1/67)


فليس هناك أي مبرر يجعل اللغات الأخرى تفرض في المدارس على جميع الطلبة ، ولا على غالبهم ، وفي كل المستويات ، والواقع يثبت ما أقوله ، فإن طلاب المدارس التي تفرض فيها اللغات الأجنبية اليوم ، هم أضعف في اللغة العربية ، في حين أنهم لم يكتسبوا من اللغات الأخرى شيئًا يذكر ، فهم كالمنبت : لا ظهرًا أبقى ، ولا أرضًا قطع ، كما أنها تشكل عبئًا ثقيلًا ، وشبحًا مخيفًا أمام أغلب الطلبة .
نعم ، قد تكون هناك ضرورة للدول لتعلم بعض اللغات الأجنبية ، وحينئذ يجب أن يتعلمها من يقع الاختيار عليه لحاجة الأمة ، أو تفرض ذلك عليه طبيعة عمله أو دراسته ، فتتعلم طائفة من أبناء الأمة لغات الأمم الأخرى بقدر الحاجة ، أما أن تكون اللغة الدخيلة مفروضة على كل ناشئة المسلمين ، فهذا ما أرى أنه خطأ ، ويخالف حكم الإسلام ، ولم يأت إلا عن جهل ، أو إعجاب بالأعاجم ، أو قصد إفساد شباب المسلمين والتضييق على لغتهم العربية ، أو عن قصور في التفكير يكون سببه حب التقليد والشعور بالنقص .

(1/68)


الموضوع العاشر
حول مفهوم البدعة
لقد أخطأ كثير من الناس في العصور المتأخرة في مفهوم البدعة وأحكامها ، فقالوا بأن البدعة تنقسم إلى : حسنة ، وقبيحة ، وأنه ليست كل بدعة ضلالة ، وأنا ما ارتضاه المسلمون وتعارفوا عليه لا يكون بدعة ، وهذه المفاهيم كلها إنما حدثت بعد القرون الثلاثة الفاضلة .
فاستطاع المؤلف رحمه الله ، أن يؤصل لهذه المسألة ، ويستقرئ أدلتها ، ويبين أحكامها ، ووجه الخطأ فيها ، على النحو التالي :
* بيَّن أن كل بدعة ضلالة بصريح السنة ومنطوقها ، حيث ذكر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن « كل بدعة ضلالة » (1) ، وأن « شر الأمور محدثاتها » (2) ، وأن « كل محدثة بدعة » (3) ، وما زعمه بعض الناس من أنه ليس كل بدعة ضلالة ، فهو مصادم لقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومشاقَّة له .
_________
(1) انظر : الحديث الوارد في ذلك وتخريجه (2 / 83) من هذا الكتاب.
(2) نفس المرجع السابق.
(3) نفس المرجع السابق.

(1/69)


* أن البدع التي هي محل الكلام هنا هي ما أحدثه الناس في العبادات وشعائر الدين ، وشرائعه ، كالأعياد المحدثة ، والبدع التي أحدثها الناس حول القبور والمزارات والمشاهد ، وكالصلوات المحدثة ، مثل صلاة الرغائب ، والصلاة الألفية ، والصيام المحدث ، مثل صيام أول خميس من رجب ، ونحو ذلك من المبتدعات التي يتعبد الناس بها ، أو تصير من شعائرهم وسماتهم الدينية ، فهذه الأصل فيها أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله .
أما العادات فالأصل فيها الإباحة ، إلا ما حرمه الله .
* مسألة أن كل بدعة في الدين ضلالة محرمة ، هذا مما أجمع عليه الصحابة والسلف الصالح ، ولم تنتشر البدع إلا بعد القرون الثلاثة الفاضلة حين صارت للروافض والقرامطة دولة ، وكثرت الطرق الصوفية النكدة .

(1/70)


* أن ما اعتاده بعض الناس ، أو حتى أكثرهم ، في بلاد المسلمين ، من الإقرار ببعض البدع ، وعملهم لها ، وسكوت بعض العلماء عنها ، وعمل بعضهم لها ، ودعوة آخرين إليها ؛ كل هذا لا يصلح دليلًا على أنها بدع حسنة ومقبولة ، ومرضية في دين الله ؛ لأن الدليل المجمع عليه إنما هو كتاب الله ، أو سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسنة الخلفاء الراشدين والإجماع ، وهذه الأصول كلها تبطل البدع ، أما مجرد أعمال وأقوال تصدر من بعض المسلمين أو أكثرهم- وإن سموا علماء- فهذا لا يصير دليلًا بالإجماع .
* استدل بعضهم على أن بعض البدع حسنة في الدين بقول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح : "نعمت البدعة" وأنه سنها وأقره الصحابة على ذلك ، لكن المؤلف يرد هذا بأن صلاة التراويح لها أصل في السنة ، وأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاها ، وصلاها الصحابة خلفه ، وأنه تركها خشية أن تفرض ، فبقيت مسنونة بعد توقف الوحي وانقطاع احتمال فرضها .

(1/71)


ثم إن قول عمر لا يُرد به قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « كل بدعة ضلالة » ، كما أن تسمية عمر لها : "بدعة" تسمية لغوية ؛ إذ مفهوم البدعة في اللغة أوسع منه في الشرع ، فلا تعني تسمية عمر لها : "بدعة" أنها بدعة في الدين ، ثم إن عمر قال : "نعمت البدعة" من باب الرد والتنزل في الحجة على من قال : إنها بدعة ، فالإلزام بأنه رضي الله عنه يقصد أنها بدعة حسنة ، أو أن البدع منها ما هو حسن من حيث المبدأ ؛ إنما هو تحكُّم وافتراء على عمر ، وافتراء على الدين .

(1/72)


الموضوع الحادي عشر
حول بدع القبور والمزارات والمشاهد والآثار ونحوها
من أكثر المبتدعات الشركية ، وأخطرها على المسلمين ، وأكثرها انتشارًا : تقديس الموتى ، وقبورهم ، والبناء عليها ، وتخصيص النذور إليها ، والذبح عندها ، ودعاء أصحابها ، من دون الله ، والتمسح بها ، وشد الرحال إليها ، والعكوف والمجاورة عندها ، والصلاة عندها ، وفيها ، واتخاذ الآثار- آثار الأنبياء والصالحين ونحوها- مزارات ومشاهد ، والتبرك بها ، واتخاذها أعيادًا ، ونحو ذلك مما هو معروف ومنتشر بين المسلمين ، منذ القرن الرابع الهجري .
فالمؤلف يشير إلى أن أول مَنْ فَتَن المسلمين وأحدث فيهم هذه البدع : الروافض ، وما تفرع عنهم من فرق الباطنية ، التي انتشرت بين المسلمين ، والطرق الصوفية ، ثم الفرق الحاقدة ، كالإسماعيلية ، والقرامطة ، والنصيرية ، والاتحادية ، والحلولية (1) ، فهؤلاء هم الذين أشاعوا هذه البدع حينما كانت لهم دولة- بعد قيام الدولة الفاطمية ، ودولة القرامطة- في القرن الرابع وما بعده ، ونشروا هذه الشركيات وأقاموها في بلاد المسلمين .
_________
(1) سيأتي تعريف هذه الفرق في أثناء الكتاب ، راجع فهرس الأمم والفرق.

(1/73)


وهذه البدع لا تزال جاثمة في أكثر بلاد المسلمين- ما عدا البلاد السعودية وبعض دول الخليج- وهي تزداد وتنتشر ، خاصة عند الشيعة وأصحاب الطرق الصوفية ، والتي ابتُلي بها أغلب المسلمين .
وما تكلم عنه المؤلف بهذا الصدد من مظاهر البدع والشركيات ينطبق على عصرنا ، وإن اختلفت بعض الشكليات والمظاهر لعامل الزمن .
وأمر آخر كذلك بحثه المؤلف ، وهو مما نلاحظه الآن ينمو ويسري في بلاد المسلمين كلها ، وهو : العناية بالآثار ، وعمل المزارات لها وارتيادها ، والاهتمام بها والحفاظ عليها ، بل هذا من أبرز اهتمامات وزارات السياحة ، وإدارات الآثار .
وسواء كانت تلك الآثار : آثار الأنبياء والصالحين ، كغار حراء ، وغار ثور ، وأماكن صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومكان الشجرة التي تمت تحتها بيعة الرضوان ، ونحو ذلك ، أو كانت آثار الأمم والشعوب ، كآثار الفراعنة ، والآشوريين ، والكنعانيين ، والجاهليين ، وسواهم ، أو آثار المسلمين .

(1/74)


فإن تقديس هذه الآثار ، وإعطاءها اهتمامًا وعناية خاصة ، مما لا يجوز في الإسلام ؛ لأنه : إما شرك أو ذريعة إلى الشرك ؛ لأن هذا الاهتمام هو مبدأ التقديس وأساسه ، وبداية الفتنة ، لذلك حسم الإسلام هذه المادة ، ومن هذا القبيل ما يسميه بعض الناس اليوم : (الاهتمام بالآثار والمحافظة عليها) ، وهذه هي جرثومة الشرك ، ويجب على المسلمين- خاصة في البلاد السعودية حيث لا توجد فيها هذه المظاهر بحمد الله- أن يحذروا من هذه الفكرة كل الحذر ، وأن يقطعوا دابرها ، قبل أن تستفحل ، فإنها بدأت تخرج أعناقها ، فإن وجدت غفلة من الرقيب فلربما يقع المحذور .
وما ذكرته لا يتعارض مع ما أمر الله به من السير في الأرض ، والنظر في خلق الله ، والاعتبار بمصائر الأمم السابقة ؛ لأن الأمر بالنظر والاعتبار لا يعني المحافظة والتقديس لآثار السابقين ، ومما يوضح ذلك أننا نهينا عن البقاء بديار الأمم الغابرة التي هلكت ، وأُمرنا إذا مررنا بآثارها أن نكون مسرعين باكين ، فكيف نعدها من التراث الثمين ، والأمجاد .
أما آثار الصالحين ، فالأمر فيها أخطر ؛ لأنها مظنة التقديس ، ومن ثم : العبادة والشرك ؛ والإسلام نهى عن ذلك أشد النهي وحذر منه .

(1/75)


فهذه الأماكن والآثار والمشاهد ، والأبنية على القبور ، وما يجري فيها وحولها ، إنما هي أماكن ضرار ، تضاهي بيوت الله التي أمر أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، واتخاذ تلك المبتدعات إنما هو سعي في خراب بيوت الله ، وصرف للناس عن ذكر الله وعن الصلاة ، إنها معابد الشيطان ، وبيوته ، نسأل الله تعالى أن يطهر أرضه منها ، وأن يحمينا من الزيغ والزلل ، إنه نعم المولى المجيب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .

(1/76)


اقتضاء الصراط المستقيم
لمخالفة أصحاب الجحيم
تأليف
شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية
المتوفى سنة 728 هـ
تحقيق وتعليق
د . ناصر بن عبد الكريم العقل
طبعة جديدة مصححة ومنقحة

(1/77)


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا ، وأتم علينا نعمته ، ورضي لنا الإسلام دينا ، وأمرنا (1) أن نستهديه صراطه المستقيم ، صراط الذين أنعم (2) ، غير المغضوب عليهم : اليهود ، ولا الضالين : النصارى .
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالدين القيّم ، والملة الحنيفية (3) ، وجعله على شريعة من الأمر ، أمر باتباعها ، وأمره بأن يقول : { هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } (4) { أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } (5) صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما .
وبعد : فإني كنت (6) قد نهيت : إما مبتدئا أو مجيبا (7) ، عن التشبه بالكفار في أعيادهم ، وأخبرت ببعض ما في ذلك : من الأثر القديم ، والدلالة الشرعية ، وبيَّنت بعض حكمة الشرع (8) في مجانبة الكفار ، من الكتابيين والأميين ، وما جاءت به الشريعة من (9) مخالفة أهل الكتاب والأعاجم (10) .
_________
(1) يشير الشيخ رحمه الله إلى الأمر بقراءة الفاتحة - التي اشتملت على هذا الدعاء - في كل صلاة، وهذا على الوجوب، كما أن المسلم يستحب منه الدعاء بطلب الهدية من الله تعالى وحده، في كل حين.
(2) في (ط) : أنعم الله . وفي (ب) : أنعمت عليهم عليهم.
(3) الملة الحنيفية: هي الدين والشريعة المستقيمة التي لا عوج فيها، وهي ملة إبراهيم عليه السلام ، وهي الإسلام.
(4) في (ب): أدعو إلى بصيرة، وهو خطأ من الناسخ، فهو خلاف نص الآية والنسخ الأخرى.
(5) سورة يوسف: الآية 108.
(6) كنت : سقطت من (ب ج د) والمطبوعة .
(7) في (ج د) والمطبوعة : وإما مجيبا .
(8) في (ط) زاد : في ذلك من الأثر القديم ، وهو خطأ من الناسخ حيث كرر العبارة .
(9) في (أ) : في مخالفة .
(10) الأعاجم : جمع عجم ، والعجم خلاف العرب . انظر : القاموس المحيط - فصل العين ، باب الميم (4 / 149) - والمقصود بالأعاجم الذين نهينا عن التشبه بهم : من لا يدين منهم بالإسلام ، ومن كان منهم له عادات وأخلاق وأزياء تخالف عادات وأخلاق وأزياء المسلمين .

(1/78)


وإن كانت هذه قاعدة (1) عظيمة من قواعد الشريعة ، كثيرة الشّعَب ، واصطلاحا جامعا من أصولها كثير (2) الفروع ، لكني (3) نبهت على ذلك بما يسر الله تعالى (4) ، وكتبت جوابا في ذلك لم يحضرني الساعة ، وحصل بسبب ذلك من الخير (5) ما قدّره الله سبحانه ، ثم بلغني بأخرة (6) أن من الناس من استغرب ذلك واستبعده ؛ لمخالفة عادة قد نشؤوا عليها ، وتمسكوا في ذلك بعمومات وإطلاقات اعتمدوا عليها ، فاقتضاني (7) بعض الأصحاب أن أعلق في ذلك ما يكون فيه إشارة إلى (8) أصل هذه المسألة ؛ لكثرة فائدتها ، وعموم المنفعة بها ، ولما قد عمَّ كثيرا من الناس من الابتلاء بذلك ، حتى صاروا في نوع جاهلية ، فكتبت ما حضرني الساعة ، مع أنه (9) لو استُوفي ما في ذلك من الدلائل ، وكلام العلماء ، واستُقريت الآثار في ذلك ، لوُجد (10) فيه أكثر مما كتبته .
_________
(1) في (ب) : هذه القاعدة .
(2) في (ب ج) : كثيرة .
(3) في (ب ج) : لكن .
(4) في (أ) : قال الله تعالى بدل يسر الله تعالى ، وهو خطأ من الناسخ .
(5) في (أ) : من الخيرة .
(6) بأخرة : أي أخيرا.
(7) اقتضاني : طلب مني . يقال اقتضى الدين : أي طلبه . ويقال : استقضى فلانا : أي طلب إليه أن يقضيه . انظر : القاموس المحيط - فصل القاف ، باب الياء - والمعجم الوسيط (2 / 749) .
(8) في (ج - د) : لأصل.
(9) في (ب) والمطبوعة : مع أني لو استوفيت .
(10) في (ب) والمطبوعة : لوجدت .

(1/79)


ولم أكن أظن أن من خاض في الفقه ، ورأى إيماءات الشرع ومقاصده ، وعلل الفقهاء ومسائلهم ، يشك في ذلك ، بل لم أكن أظن أن من وقر الإيمان في قلبه ، وخلص إليه حقيقة الإسلام ، وأنه دين الله ، الذي لا يقبل من أحد سواه - إذا نبَّه على هذه النكتة (1) - إلا كانت حياة قلبه ، وصحة إيمانه ، توجب استيقاظه بأسرع تنبيه ، ولكن نعوذ بالله من رين (2) القلوب ، وهوى النفوس ، اللذَيْن يصدان عن معرفة الحق واتباعه .
_________
(1) النكتة : تطلق على الطرفة ، وعلى النقطة في الشيء ، وعلى العلامة الخفيفة ، والفكرة اللطيفة المؤثرة في النفس ، والمسألة العلمية الدقيقة التي يتوصل إليها بدقة وإنعام فكر ، والمعنيان الأخيران هما الأقرب إلى مفهوم النكتة التي أشار إليها المؤلف هنا . انظر : لسان العرب ، مادة (نكت) (2 ، 101) ؛ والمعجم الوسيط (2 / 959).
(2) الرين : هو الطبع والدنس . يقال : ران ذنبه على قلبه ، ريونا : أي غلب . انظر مختار الصحاح ، باب الراء ، مادة (ر ي ن) .

(1/80)


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا ، وأتم علينا نعمته ، ورضي لنا الإسلام دينا ، وأمرنا (1) أن نستهديه صراطه المستقيم ، صراط الذين أنعم (2) ، غير المغضوب عليهم : اليهود ، ولا الضالين : النصارى .
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالدين القيّم ، والملة الحنيفية (3) ، وجعله على شريعة من الأمر ، أمر باتباعها ، وأمره بأن يقول : { هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } (4) { أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } (5) صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما .
وبعد : فإني كنت (6) قد نهيت : إما مبتدئا أو مجيبا (7) ، عن التشبه بالكفار في أعيادهم ، وأخبرت ببعض ما في ذلك : من الأثر القديم ، والدلالة الشرعية ، وبيَّنت بعض حكمة الشرع (8) في مجانبة الكفار ، من الكتابيين والأميين ، وما جاءت به الشريعة من (9) مخالفة أهل الكتاب والأعاجم (10) .
_________
(1) يشير الشيخ رحمه الله إلى الأمر بقراءة الفاتحة - التي اشتملت على هذا الدعاء - في كل صلاة، وهذا على الوجوب، كما أن المسلم يستحب منه الدعاء بطلب الهدية من الله تعالى وحده، في كل حين.
(2) في (ط) : أنعم الله . وفي (ب) : أنعمت عليهم عليهم.
(3) الملة الحنيفية: هي الدين والشريعة المستقيمة التي لا عوج فيها، وهي ملة إبراهيم عليه السلام ، وهي الإسلام.
(4) في (ب): أدعو إلى بصيرة، وهو خطأ من الناسخ، فهو خلاف نص الآية والنسخ الأخرى.
(5) سورة يوسف: الآية 108.
(6) كنت : سقطت من (ب ج د) والمطبوعة .
(7) في (ج د) والمطبوعة : وإما مجيبا .
(8) في (ط) زاد : في ذلك من الأثر القديم ، وهو خطأ من الناسخ حيث كرر العبارة .
(9) في (أ) : في مخالفة .
(10) الأعاجم : جمع عجم ، والعجم خلاف العرب . انظر : القاموس المحيط - فصل العين ، باب الميم (4 / 149) - والمقصود بالأعاجم الذين نهينا عن التشبه بهم : من لا يدين منهم بالإسلام ، ومن كان منهم له عادات وأخلاق وأزياء تخالف عادات وأخلاق وأزياء المسلمين .

(1/81)


وإن كانت هذه قاعدة (1) عظيمة من قواعد الشريعة ، كثيرة الشّعَب ، واصطلاحا جامعا من أصولها كثير (2) الفروع ، لكني (3) نبهت على ذلك بما يسر الله تعالى (4) ، وكتبت جوابا في ذلك لم يحضرني الساعة ، وحصل بسبب ذلك من الخير (5) ما قدّره الله سبحانه ، ثم بلغني بأخرة (6) أن من الناس من استغرب ذلك واستبعده ؛ لمخالفة عادة قد نشؤوا عليها ، وتمسكوا في ذلك بعمومات وإطلاقات اعتمدوا عليها ، فاقتضاني (7) بعض الأصحاب أن أعلق في ذلك ما يكون فيه إشارة إلى (8) أصل هذه المسألة ؛ لكثرة فائدتها ، وعموم المنفعة بها ، ولما قد عمَّ كثيرا من الناس من الابتلاء بذلك ، حتى صاروا في نوع جاهلية ، فكتبت ما حضرني الساعة ، مع أنه (9) لو استُوفي ما في ذلك من الدلائل ، وكلام العلماء ، واستُقريت الآثار في ذلك ، لوُجد (10) فيه أكثر مما كتبته .
_________
(1) في (ب) : هذه القاعدة .
(2) في (ب ج) : كثيرة .
(3) في (ب ج) : لكن .
(4) في (أ) : قال الله تعالى بدل يسر الله تعالى ، وهو خطأ من الناسخ .
(5) في (أ) : من الخيرة .
(6) بأخرة : أي أخيرا.
(7) اقتضاني : طلب مني . يقال اقتضى الدين : أي طلبه . ويقال : استقضى فلانا : أي طلب إليه أن يقضيه . انظر : القاموس المحيط - فصل القاف ، باب الياء - والمعجم الوسيط (2 / 749) .
(8) في (ج - د) : لأصل.
(9) في (ب) والمطبوعة : مع أني لو استوفيت .
(10) في (ب) والمطبوعة : لوجدت .

(1/82)


ولم أكن أظن أن من خاض في الفقه ، ورأى إيماءات الشرع ومقاصده ، وعلل الفقهاء ومسائلهم ، يشك في ذلك ، بل لم أكن أظن أن من وقر الإيمان في قلبه ، وخلص إليه حقيقة الإسلام ، وأنه دين الله ، الذي لا يقبل من أحد سواه - إذا نبَّه على هذه النكتة (1) - إلا كانت حياة قلبه ، وصحة إيمانه ، توجب استيقاظه بأسرع تنبيه ، ولكن نعوذ بالله من رين (2) القلوب ، وهوى النفوس ، اللذَيْن يصدان عن معرفة الحق واتباعه .
_________
(1) النكتة : تطلق على الطرفة ، وعلى النقطة في الشيء ، وعلى العلامة الخفيفة ، والفكرة اللطيفة المؤثرة في النفس ، والمسألة العلمية الدقيقة التي يتوصل إليها بدقة وإنعام فكر ، والمعنيان الأخيران هما الأقرب إلى مفهوم النكتة التي أشار إليها المؤلف هنا . انظر : لسان العرب ، مادة (نكت) (2 ، 101) ؛ والمعجم الوسيط (2 / 959).
(2) الرين : هو الطبع والدنس . يقال : ران ذنبه على قلبه ، ريونا : أي غلب . انظر مختار الصحاح ، باب الراء ، مادة (ر ي ن) .

(1/83)


وأنا أشير (1) إلى بعض أمور أهل الكتاب والأعاجم ، التي ابتليت بها هذه الأمة ، ليجتنب المسلم الحنيف الانحراف عن الصراط المستقيم ، إلى صراط المغضوب عليهم ، أو (2) الضالين . قال الله سبحانه : { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا } (3) { مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } (4) .
فذم اليهود على ما حسدوا المؤمنين على الهدى والعلم .
_________
(1) في (ج د) : وإنا نشير .
(2) في (ط) : ولا .
(3) في (ج د) : بعد قوله : «حسدا» قال : الآية .
(4) سورة البقرة : من الآية 109 .

(1/84)


وقد يبتلى بعض المنتسبين إلى (1) العلم وغيرهم بنوع من الحسد لمن هداه الله بعلم (2) نافع أو عمل صالح ، وهو خلق مذموم مطلقا ، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم . وقال الله سبحانه : { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا }{ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } (3) . فوصفهم بالبخل الذي هو البخل بالعلم والبخل بالمال ، وإن كان السياق يدل على أن البخل بالعلم هو المقصود الأكبر ، وكذلك (4) وصفهم بكتمان العلم في غير آية ، مثل قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ } . . . (5) الآية ، وقوله : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ } (6) { أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ }{ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا } . . . (7) الآية ، وقوله : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا
_________
(1) في (ج د) : للعلم .
(2) في المطبوعة : لعلم .
(3) سورة النساء : من الآيتين 36 ، 37 . وقد وقع اختلاف وخلط في سياق الآيتين بين النسخ : ففي (أ ط) : قال : إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ، الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ في حين أن صحة الآية : إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا فتكون هي آية النساء 36 . أو هي : وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ فتكون هي آية الحديد 23 ، ويكون آخر السياق : وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ في آية النساء 37 . وفي (ب) والمطبوعة ذكر صدر النص وهو قوله : وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ من سورة الحديد 23 ، 24 ، وعجزها وهو قوله : وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من سورة النساء الآية 37 ، لكنه لم يفصل بينهما . وما أثبته من (ج د).
(4) في (د) والمطبوعة : فلذلك .
(5) سورة آل عمران : من الآية 187 .
(6) في (ب د) : بعد قوله : في الكتاب شرع في الآية التي تلت وهي قوله : وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا دون فاصل . وهو خلط من الناسخ .
(7) سورة البقرة : الآيتان 159 ، 160 .

(1/85)


أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ } . . . (1) الآية ، وقال تعالى : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } (2) .
فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم : تارة بخلا به (3) ، وتارة اعتياضا عن إظهاره بالدنيا ، وتارة خوفا في (4) أن يُحتج عليهم بما أظهروه منه .
وهذا قد يبتلى (5) به طوائف من المنتسبين إلى العلم (6) ، فإنهم تارة يكتمون العلم بخلا به ، وكراهة لأن (7) ينال غيرهم من الفضل ما نالوه ، وتارة اعتياضا عنه (8) ، برئاسة أو مال ، فيخاف من إظهاره انتقاص رئاسته أو نقص ماله ، وتارة يكون قد خالف غيره في مسألة ، أو اعتزى (9) إلى طائفة قد خولفت في مسألة ، فيكتم من العلم ما فيه حجة لمخالفه وإن لم يتيقن أن مخالفه مبطل .
ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي (10) وغيره : أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم ، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم .
وليس الغرض تفصيل ما يجب أو يحتسب (11) في ذلك (12) ، بل الغرض التنبيه على مجامع يتفطن اللبيب بها لما ينفعه الله به .
_________
(1) سورة البقرة : من الآية 174 . وفي (ج) : أكمل الآية .
(2) سورة البقرة الآية 76 ، لكنه في المطبوعة ذكر الآية 14 من البقرة وهي قوله : وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ .
(3) به : سقطت من (د) .
(4) ( ب د) : خوف .
(5) في (ب ج) والمطبوعة : ابتلي .
(6) في (أ د ط) : للعلم .
(7) في (ج) والمطبوعة : أن ينال .
(8) عنه : سقطت من (أ د ط) .
(9) اعتزى : انتسب انتمى .
(10) هو الإمام : عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري اللؤلؤي البصري ، ولد سنة (135 هـ) ، وكان من كبار أئمة السلف ، ومن أئمة الحديث الثقات المتقنين ومن أهل الورع والصلاح ، قال فيه الشافعي : «لا أعرف له نظيرا في الدنيا» توفي بالبصرة سنة (198 هـ) ، ومولده ووفاته بالبصرة . انظر : اللباب في تهذيب الأنساب لابن الجزري (3/ 135 ، 136) . وانظر : تهذيب التهذيب لابن حجر (6/ 279 - 281) ، (ت 549) .
(11) في ( ب ج د) والمطبوعة : وما يستحب .
(12) في ذلك : ساقطة من (ب ج د) والمطبوعة .

(1/86)


وقال تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا }{ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ } (1) بعد (2) أن قال : { وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ } (3) .
فوصف اليهود : بأنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور (4) الناطق به ، والداعي إليه . فلما جاءهم (5) الناطق به من غير طائفة يهوونها لم ينقادوا له . وأنهم لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها ، مع أنهم لا يتبعون ما لزمهم في (6) اعتقادهم .
_________
(1) في (ب) : أكمل الآية إلى آخرها . وهي الآية 91 البقرة .
(2) في (ج د) : قال : إلى قوله : فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ وهو خطأ من النساخ لأن هذه الآية : فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ متقدمة عن التي ساقها المؤلف قبلها وهي قوله : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا . . الآية . كما هو مبين في المتن .
(3) سورة البقرة : الآية 89 .
(4) في المطبوعة : ظهور النبي الناطق به ، بخلاف جميع النسخ كما هو مثبت .
(5) كذلك هنا زاد : (النبي) في المطبوعة .
(6) في (ج د) : من اعتقادهم .

(1/87)


وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم ، أو (1) الدين ، من المتفقهة ، أو المتصوفة (2) ، . . . . . . . . . . . . . . أو غيرهم (3) . أو إلى رئيس معظم عندهم (4) في الدين - غير النبي صلى الله عليه وسلم - فإنهم لا يقبلون من الدين رأيا (5) ورواية إلا ما جاءت به طائفتهم ، ثم إنهم لا يعلمون ما توجبه طائفتهم ، مع أن دين الإسلام يوجب اتباع الحق مطلقا : رواية ورأيا (6) ، من غير تعيين شخص أو طائفة - غير الرسول صلى الله عليه وسلم - .
وقال تعالى في صفة المغضوب عليهم : { مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ } (7) .
ووصفهم بأنهم (8) : { يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ }{ مِنَ الْكِتَابِ } (9) والتحريف قد فسر بتحريف التنزيل ، وبتحريف التأويل .
فأما تحريف التأويل فكثير جدا ، وقد ابتليت به طوائف من هذه الأمة ، وأما تحريف التنزيل فقد وقع في (10) كثير من الناس ، يحرفون ألفاظ الرسول ، ويروون الحديث بروايات منكرة .
وإن كان الجهابذة يدفعون ذلك ، وربما يطاول بعضهم إلى تحريف التنزيل ، وإن لم يمكنه ذلك ، كما قرأ بعضهم وَكَلَّمَ اللَّهُ (11) مُوسَى تَكْلِيمًا (12) .
_________
(1) في (ب) والدين .
(2) المتصوفة هم أصحاب الطرق الصوفية ، أتباعا ومتبوعين ، ونحوهم ، والتصوف بشكله المتبع عند أصحاب الطرق حتى اليوم منهج غريب على الإسلام ، ودخيل على المسلمين ، فليس له أصل في كتاب الله ، ولا في سنة رسوله صلي الله عليه وعلى آله وسلم ، ولا عند الصحابة والتابعين والسلف الصالح في صدر الإسلام ، فهو بدعة تمارس فيها الخرافات والضلالات العملية والقولية والاعتقادية ، وهذا أمر يشهد به عمل أكثر الصوفية اليوم ، في كثير من بلاد المسلمين ، فقد سمعنا ورأينا وقرأنا من ذلك الشيء الكثير ، كما أن كتبهم المنشورة في الأسواق والمكتبات وغيرها تشهد بإقرارهم لتلك البدع والضلالات والشركيات ، ومن ذلك على سبيل المثال : 1- الطبقات الكبرى للشعراني . 2- جامع كرامات الأولياء للنبهاني . 3- شواهد الحق للنبهاني أيضا . 4- جواهر المعاني للتجاني . 5- شرح فصوص الحكم للقاشاني . 6- السيد أحمد البدوي ، للدكتور عبد الحليم محمود . 7- أبو مدين الغوث ، حياته ومعراجه إلى الله ، للدكتور عبد الحليم محمود . 8- أقطاب التصوف الثلاثة ، لصلاح عزام . 9- اللمع ، لأبي نصر الطوسي ، وغيرها كثير .
(3) كأتباع الفرق : المعتزلة والجهمية والخوارج والشيعة ونحوهم ، وأتباع الاتجاهات والأحزاب : كالقومية ، والبعثية ، والاشتراكية ، والماركسية ، وأتباع النحل المعاصرة كالبهائية والقاديانية ، وغيرها من النحل والمذاهب والحركات .
(4) عندهم : سقطت من (أ ط).
(5) في المطبوعة : لا فقها ولا رواية .
(6) في المطبوعة : رواية وفقها .
(7) سورة النساء : من الآية 46 .
(8) قوله : ووصفهم بأنهم ، ساقطة من (أ ط) ، وفيهما : يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ . . الآية ، وفي (ب) : قال : وقال تعالى فيهم : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ.
(9) سورة آل عمران : من الآية 78 .
(10) في المطبوعة : فقد وقع فيه كثير .
(11) بنصب اسم الجلالة ، وموسى في موضع رفع ، ليكون موسى هو المتكلم ، وذلك ليعطلوا الباري عن صفة الكلام تنزيهًا له بزعمهم .
(12) سورة النساء : من الآية 164 .

(1/88)


وأمّا ليّ (1) الألسنة (2) بما يُظَن أنه من عند الله فكوضع الوضاعين الأحاديث (3) على (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو إقامة ما يظن أنه حجة في الدين ، وليس بحجة ، وهذا الضرب من أنواع أخلاق اليهود ، وذمها (5) كثير لمن تدبره في كتاب الله وسنة رسوله ، ثم نظر بنور الإيمان إلى ما وقع في الأمة من الأحداث (6) .
وقال سبحانه عن النصارى : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ } (7) وقال تعالى (8) : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } (9) إلى غير ذلك من المواضع .
ثم إن الغلو في الأنبياء والصالحين قد وقع في طوائف من ضلّال المتعبدة والمتصوفة (10) ، حتى خالط كثيرا (11) منهم من مذهب الحلول والاتحاد ما هو أقبح من قول النصارى أو مثله أو دونه .
_________
(1) في (أ) : لسي . وليس لها معنى .
(2) في المطبوعة : وأما تطاول بعضهم إلى السنة ، وأظنه تصرف في العبارة ؛ لأنه خلاف جميع النسخ المخطوطة لدي .
(3) في (ب ج د) : للأحاديث .
(4) في (أ ط) : عن رسول الله صلي الله عليه وعلى آله وسلم .
(5) في المطبوعة : قال : وذمها في النصوص كثير ، أي بزيادة كلمة في (النصوص) .
(6) في (ب ط) : من الأحاديث . وفي (أ) : ساقطة .
(7) سورة النساء : من الآية 171 .
(8) في (ج د) زاد قوله تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ سورة المائدة : الآية 73 .
(9) سورة المائدة : من الآيتين 17 ، 72 .
(10) لا تزال الصوفية تضفي على مشايخها ومعظميها من الصفات ما لا يجوز إلا لله تعالى ، فهم يشركون من يسمونهم بالأغواث في تصريف الملكوت وتدبير الكون وعلم الغيب ، وكذلك الأبدال والأقطاب والأوتاد ، وكتبهم مليئة بهذه النعوت ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، انظر على سبيل المثال : جامع كرامات الأولياء (1/ 69 - 79) . وانظر : مجموع الفتاوى للمؤلف (11/ 433 - 445) .
(11) في (د) : كثير بالرفع .

(1/89)


وقال تعالى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ } (1) وفسره النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه بأنهم : « أحلّوا الحرام فأطاعوهم ، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم » (2) .
وكثير من أتباع المتعبدة يطيع بعض المعظمين عنده في كل ما يأمر به وإن تضمن تحليل حرام أو تحريم (3) حلال ، وقال سبحانه عن الضالين : { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ } (4) .
وقد ابتلي طوائف (5) من المسلمين من الرهبانية المبتدعة بما الله به عليم .
وقال الله سبحانه : { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } (6) فكان الضالون - بل والمغضوب عليهم - يبنون المساجد على قبور الأنبياء والصالحين ، وقد نهى رسول (7) الله صلى الله عليه وسلم أمته عن ذلك في غير موطن (8) حتى في وقت مفارقته الدنيا - بأبي هو وأمي - .
ثم إن هذا قد ابتلي به كثير من هذه الأمة .
_________
(1) سورة التوبة : من الآية 31 .
(2) جاء ذلك في حديث أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن - تفسير سورة التوبة - الحديث رقم (3095) ، (5/ 278) ، وقال الترمذي : «هذا حديث غريب» ، وانظر : تفسير ابن جرير الطبري (10/ 80 ، 81) .
(3) في (ج): وتحريم .
(4) سورة الحديد : من الآية 27 .
(5) في (ب) طائفة .
(6) سورة الكهف : الآية 21 .
(7) في (أ ب) وقد نهى صلي الله عليه وعلى آله وسلم ، وفي المطبوعة : وقد نهى النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم .
(8) ستأتي الأحاديث الواردة في ذلك : انظر الصفحات (2/ 185 - 187) .

(1/90)


ثم إن الضالين تجد عامة دينهم إنما يقوم بالأصوات المطربة ، والصور الجميلة ، فلا يهتمون بأمر دينهم بأكثر من تلحين الأصوات ، ثم تجد (1) قد ابتليت هذه الأمة (2) من اتخاذ السماع المطرب ، بسماع (3) القصائد (4) ، وإصلاح القلوب والأحوال به (5) ما فيه مضاهاة لبعض حال الضالين ، وقال سبحانه : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ } (6) فأخبر أن كل واحدة من الأمتين تجحد كل ما الأخرى عليه .
وأنت تجد كثيرا من المتفقهة ، إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئا ولا يعدهم إلا جهالا ضلالا ، ولا يعتقد في طريقهم (7) من العلم والهدى شيئا ، وترى كثيرا من المتصوفة ، والمتفقرة (8) لا يرى الشريعة والعلم شيئا ، بل يرى أن المتمسك (9) بها منقطعا عن الله وأنه ليس عند أهلها مما ينفع عند الله شيئا (10) .
وإنما الصواب (11) : أن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا حق ، وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا : باطل .
_________
(1) في العبارة غموض وتتضح إذا زدنا(أنه) لتكون : ثم نجد أنه قد .
(2) في المطبوعة : العبارات جاءت كذا : ثم إنك تجد أن هذه الأمة قد ابتليت . . إلخ .
(3) في (أ ط) : سماع .
(4) في المطبوعة زاد : بالصور والأصوات الجميلة .
(5) به : ساقطة من (ب ج د) والمطبوعة .
(6) سورة البقرة : من الآية 113 .
(7) في (ب) طريقتهم .
(8) المتفقرة : هو طائفة من دراويش الصوفية الذين يظهرون الفقر ويتكلفونه ، ويتعبدون على جهل ، وينشدون العزلة أو السياحة الهائمة دون قصد ، وينتقصون العلم الشرعي ويرونه علما بالظاهر لا ينفع صاحبه ، وأكثرهم من ضعاف العقول ، ولبعض العامة الجاهلين فيهم اعتقادات ، ويسمونهم : المجاذيب أو الدراويش ، وأهل الله ، ويزعمون أن الله وضع سره فيهم . . إلخ من الاعتقادات الباطلة نسأل الله السلامة والعافية . انظر : تفاصيل هذه الأمور في مجموع الفتاوى للمؤلف المجلد (11) .
(9) في (د) : المستمسك .
(10) في (أ ب ط) : مما ينفع عند الله شيئا . وفي (ج د) : مما ينفع عند الله شيء .
(11) في (د) والمطبوعة : والصواب .

(1/91)


وأما مشابهة فارس والروم ، فقد دخل (1) في هذه الأمة من الآثار الرومية ، قولا وعملا ، والآثار الفارسية ، قولا وعملا ، ما لا خفاء به (2) على مؤمن عليم بدين الإسلام ، وبما حدث فيه ، وليس الغرض هنا تفصيل الأمور التي وقعت في الأمة ، مما تضارع (3) طريق المغضوب عليهم أو الضالين ، وإن كان بعض ذلك قد يقع مغفورا لصاحبه : إما لاجتهاد أخطأ فيه ، وإما لحسنات محت السيئات ، أو غير ذلك .
وإنما الغرض أن نبين ضرورة العبد وفاقته إلى هداية الصراط المستقيم ، وأن ينفتح (4) باب إلى معرفة الانحراف .
ثم إن الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب : من اعتقادات ، وإرادات ، وغير ذلك ، وأمور ظاهرة : من أقوال ، أو أفعال قد تكون عبادات ، وقد تكون أيضا عادات في الطعام واللباس ، والنكاح والمسكن ، والاجتماع والافتراق ، والسفر والإقامة ، والركوب وغير ذلك .
وهذه الأمور الباطنة والظاهرة بينهما ارتباط ومناسبة ، فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أمورا ظاهرة ، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال ، يوجب للقلب شعورا وأحوالا .
_________
(1) في المطبوعة : فقد دخل منه في هذه الأمة . أي بزيادة : منه .
(2) في المطبوعة : فيه .
(3) تضارع : أي تشابه ، فالمضارعة هي المشابهة . انظر : مختار الصحاح ، مادة (ض ر ع) ، (ص 380) .
(4) في المطبوعة زاد : لك .

(1/92)


وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحكمة التي هي سنته ، وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له ، فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين ، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر (1) وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة لأمور :
منها : أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين ، يقود (2) إلى موافقة ما (3) في الأخلاق والأعمال ، وهذا أمر محسوس ؛ فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم ، واللابس لثياب (4) الجند المقاتلة - مثلا - يجد من نفسه نوع (5) تخلق بأخلاقهم ، ويصير طبعه متقاضيا (6) لذلك ، إلا أن يمنعه (7) مانع (8) .
ومنها : أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال ، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان ، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين .
_________
(1) الهدي الظاهر : هو ما يظهر من سلوك الإنسان وشكله ، أو يحسه مَنْ حوله من أنماط السلوك والتصرفات القولية والعملية كالأكل ، والشرب ، والكلام ، واللباس ، والتعامل مع الآخرين ، وممارسة الحياة العملية ، والتعبير عنها . أما الهدي الباطن فهو ما لا يدرك بالحواس : من النوايا والاعتقادات والأفكار ونحوها ، ما لم يعبر عنها بقول أو فعل .
(2) في (ب) : يعود .
(3) في المطبوعة : إلى الموافقة في الأخلاق .
(4) في (ب) : ثياب .
(5) في (ب) : قال : نوع انضمام إليهم تخلق بأخلاقهم . أي بزيادة : (انضمام إليهم) ولعله سهو من الناسخ .
(6) في (أ) : مقاضيا . وفي المطبوعة : مقتضيا . والتقاضي والاقتضاء هما بمعنى الطلب والرغبة .
(7) في المطبوعة : إلا أن يمنعه من ذلك مانع .
(8) ما أشار إليه المؤلف رحمه الله هنا من أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشاركين، ذلك أمر يصدقه علم النفس وعلم الاجتماع اليوم ، فضلا عما ورد به الكتاب والسنة ، ويشهد به واقع الأمم والشعوب والأفراد ؛ فإننا نجد المتفرنجين عندنا اليوم في لباسهم وكلامهم وتصرفاتهم لديهم ميول لسائر طباع الخواجات وسلوكهم، بل وأفكارهم وعقائدهم وتصوراتهم - في الغالب - ، ونجد البعض يكن لهم ويظهر الإكبار، والتعظيم والإجلال ، وربما احتقر نفسه وأمته ودينه وشعر بالصغار أمام الكافرين .

(1/93)


وكلما كان القلب أتم حياة ، وأعرف بالإسلام - الذي هو الإسلام ، لست أعني مجرد التوسم (1) به ظاهرا (2) أو باطنا بمجرد الاعتقادات (3) ، (4) من حيث الجملة - كان إحساسه بمفارقة (5) اليهود والنصارى باطنا وظاهرا (6) أتم ، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد .
ومنها : أن مشاركتهم في الهدي الظاهر ، توجب (7) الاختلاط الظاهر ، حتى يرتفع التميز ظاهرا ، بين المهديين (8) المرضيين ، وبين المغضوب عليهم والضالين (9) ، إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية .
هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحا محضا لو تجرد عن مشابهتهم ، فأما إن كان من موجبات كفرهم ؛ كان (10) شعبة من شعب الكفر ؛ فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم (11) .
فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له (12) .
_________
(1) في ( أ ط ) : الترسم .
(2) في ( ج د ) : وأعرف بالإسلام في حق الإسلام ، لست أعني مجرد الترسم به ظاهرا .. إلخ .
(3) في ( أ ب ط ) : بمجرد الاعتقاد .
(4) في المطبوعة : الاعتقادات التقليدية .
(5) في ( ج د ) : بمفارقته . وفي ( أ ط ) : بمفارقته لليهود .
(6) في ( ج د ) : ظاهرا أو باطنا .
(7) في ( ج د ) : يوجب .
(8) في ( ج د ) : المهتدين .
(9) في ( ط ) : ولا الضالين .
(10) في المطبوعة : فإنه يكون شعبة . . إلخ .
(11) في المطبوعة : ضلالهم ومعاصيهم . وهي زيادة ليست في النسخ المخطوطة .
(12) في المطبوعة أيضا زاد : والله أعلم .

(1/94)


فصل
لما كان الكلام في المسألة الخاصة (1) قد يكون مندرجا (2) في قاعدة عامة ؛ بدأنا بذكر بعض ما دل (3) من الكتاب والسنة والإجماع على الأمر (4) بمخالفة الكفار ، والنهي عن مشابهتهم في الجملة ، سواء كان ذلك عاما في جميع أنواع المخالفات (5) أو خاصا ببعضها ، وسواء كان أمر إيجاب ، أو أمر استحباب .
ثم أتبعنا ذلك بما يدل على النهي عن مشابهتهم في أعيادهم خصوصا .
وهنا نكتة قد نبهت عليها في هذا الكتاب ، وهي (6) : أن الأمر بموافقة قوم أو بمخالفتهم (7) قد يكون لأن نفس (8) قصد موافقتهم ، أو نفس موافقتهم مصلحة ، وكذلك نفس قصد مخالفتهم ، أو نفس مخالفتهم (9) مصلحة ، بمعنى : أن ذلك الفعل يتضمن مصلحة للعبد ، أو مفسدة ؛ وإن كان ذلك الفعل الذي حصلت به الموافقة ، أو المخالفة ، لو تجرد عن الموافقة والمخالفة ، لم يكن فيه تلك المصلحة أو المفسدة ، ولهذا نحن ننتفع بنفس (10) متابعتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والسابقين (11) في أعمال لولا أنهم فعلوها لربما قد كان لا يكون لنا مصلحة ؛ لما يورث ذلك من محبتهم وائتلاف قلوبنا بقلوبهم ، وأن ذلك يدعونا إلى موافقتهم في أمور أخرى ، إلى غير ذلك من الفوائد .
_________
(1) في ( ط ) : الخاصية .
(2) في ( ج د ) : منه رجا . وأظنه تحريف لكلمة : مندرجا .
(3) في ( ب ) : ما دل خاص الكتاب، والسنة . . . إلخ ، وفي ( أ ) : ما دل عليه الكتاب والسنة .
(4) في ( ط ) : الأثر .
(5) في ( ج د ) : والمطبوعة : الأنواع المخالفة .
(6) في (ج د) : وهو . وما أثبته أنسب للسياق قبلها ، لكن هو : أنسب للسياق بعدها .
(7) في ( ب ) : أو مخالفتهم .
(8) في ( أ ) : لا نفس . ولعل نون ( لأن ) سقطت .
(9) كلمة نفس مخالفتهم : ساقطة من ( أ ) .
(10) في ( أ ) : نحن نتبع نفس متابعتنا . . إلخ .
(11) في المطبوعة زاد : من المهاجرين والأنصار .

(1/95)


كذلك : قد نتضرر بمتابعتنا (1) الكافرين في أعمال لولا أنهم يفعلونها لم نتضرر بفعلها ، وقد يكون الأمر بالموافقة والمخالفة لأن ذلك الفعل الذي يوافق فيه (2) ، أو يخالف ، متضمن للمصلحة أو المفسدة ولو لم يفعلوه ، لكن عبر عن (3) ذلك بالموافقة والمخالفة ، على سبيل الدلالة والتعريف ؛ فتكون (4) موافقتهم دليلا على المفسدة ، ومخالفتهم دليلا على المصلحة ، واعتبار الموافقة والمخالفة على هذا التقدير : من باب قياس الدلالة (5) ، وعلى الأول : من باب قياس العلة ، وقد يجتمع الأمران ، أعني : الحكمة الناشئة من نفس الفعل الذي وافقناهم أو خالفناهم فيه ، ومن نفس مشاركتهم فيه ، وهذا هو الغالب على الموافقة والمخالفة المأمور بهما (6) والمنهي عنهما (7) ، فلا بد من التفطن لهذا المعنى ، فإنه به يعرف معنى نَهْي الله لنا عن اتباعهم وموافقتهم ، مطلقا ومقيدا .
واعلم : أن دلالة الكتاب على خصوص الأعمال وتفاصيلها ، إنما يقع بطريق الإجمال (8) والعموم (9) أو الاستلزام (10) ، وإنما السنة هي التي تفسر الكتاب (11) وتبينه وتدل عليه ، وتعبر عنه .
_________
(1) في المطبوعة : بموافقتنا .
(2) في المطبوعة : يوافق العبد فيه .
(3) في ( أ ط ) : لكان عبر عنه ، وفي ( د ) : لكن عبر عنه .
(4) في ( ب ) : فيكون من موافقتهم .
(5) قياس الدلالة هو : الاستدلال بأحد النظيرين على الأخر ، كقياس مال الصبي على مال البالغ في وجوب الزكاة فيه ، بجامع أنه مال نام . أما قياس العلة فهو : ما كانت العلة فيه مقتضية للحكم ، كقياس تحريم ضرب الوالدين على التأفف، بجامع الإيذاء . انظر : إمتاع العقول بروضة الأصول لعبد القادر شيبة الحمد ( 1 / 178 ) جزء (1) .
(6) في ( ج د ) : بها .
(7) في ( ج د ) : عنها .
(8) المجمل ضد المفسر وهو : ما لا يفهم المراد منه ـ لتعدد معانيه ـ إلا ببيان . انظر : أصول السرخسي ( 1 / 168 ) ؛ وأصول الفقه للخضري (ص 135 ) .
(9) العام : كل لفظ ينتظم جمعا من الأسماء لفظا أو معنى . أصول السرخسي ( 1 / 125 ) . وعرف بعضهم العموم بقوله : « اللفظ الموضوع لاستغراق أفراد ما يصلح له » . انظر : أصول الفقه للخضري (ص 147) .
(10) الاستلزام : مأخوذ من الملازمة وهي عدم المفارقة . انظر القاموس المحيط ، فصل اللام باب الميم ( 4 / 177 ) .
(11) في ( ب ) : في كتاب الله العزيز .

(1/96)


فنحن نذكر من آيات الكتاب ما يدل على أصل هذه القاعدة - في الجملة - ثم نتبع ذلك الأحاديث المفسرة في أثناء الآيات وبعدها (1) : قال الله سبحانه : { وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ }{ وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }{ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ }{ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا }{ عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ } (2) أخبر سبحانه أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا ، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيا من بعضهم على (3) بعض .
_________
(1) في المطبوعة : الأحاديث المفسرة لمعاني ومقاصد الآيات بعدها .
(2) سورة الجاثية : الآيات 16 - 19 .
(3) في ( أ ب ) : من بعضهم لبعضهم .

(1/97)


ثم جعل محمدا صلى الله عليه وسلم على شريعة شرعها له (1) ، وأمره باتباعها ، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون ، وقد دخل في الذين لا يعلمون : كل من خالف شريعته .
وأهواؤهم : هو (2) : ما يهوونه ، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر ، الذي هو من موجبات دينهم الباطل ، وتوابع ذلك ، فهم (3) يهوونه ، وموافقتهم فيه اتباع لما (4) يهوونه ، ولهذا : يفرح الكافرون (5) بموافقة المسلمين في بعض أمورهم ويسرون به ، ويودون أن لو بذلوا (6) عظيما ليحصل ذلك ، ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم ، وأعون على حصول مرضاة الله في تركها ، وأن موافقتهم في ذلك قد تكون (7) ذريعة إلى موافقتهم في غيره ، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه ، وأي الأمرين كان ؛ حصل المقصود في الجملة ؛ وإن كان الأول أظهر .
_________
(1) في المطبوعة : على شريعة من الأمر شرعها له، وهو زيادة على ما في النسخ الأخرى .
(2) في المطبوعة : هي .
(3) في (ب) : فيهم .
(4) في (أ) : اتباع ما يهوونه .
(5) في (ب) : الكفار .
(6) في المطبوعة : مالا عظيما، وهو زيادة على ما في النسخ الأخرى .
(7) (ب) : قد يكون .

(1/98)


وفي هذا الباب قوله سبحانه : { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ }{ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ } (1) فالضمير (2) في (أهوائهم) ، يعود - والله أعلم - إلى ما تقدم ذكره ، وهم الأحزاب الذين ينكرون بعضه (3) ، فدخل في ذلك كل من أنكر شيئا من القرآن : من يهودي أو نصراني أو غيرهما (4) وقد قال : { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } (5) ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم اتباع لأهوائهم ، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك .
_________
(1) سورة الرعد : الآيتان 36 ، 37 .
(2) في (أ د ط) : والضمير .
(3) في المطبوعة : بعض ما أنزل إليه . وهو مخالف لما في النسخ الأخرى .
(4) في (ج د) : من يهودي أو نصراني وغيرهما .
(5) سورة الرعد : من الآية 37، وفي المطبوعة : ( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ )، سورة البقرة : من الآية 145 .

(1/99)


ومن هذا أيضا قوله تعالى : { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ } (1) .
فانظر كيف قال في الخبر : ( مِلَّتَهُمْ ) ، وقال في النهي (2) : ( أَهْوَاءَهُمْ ) ، لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقا ، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير ، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه ، أو مظنة (3) لمتابعتهم فيما يهوونه ، كما تقدم .
_________
(1) سورة البقرة : من الآية 120 .
(2) في المطبوعة : وفي النهي .
(3) في (د) : أو مظنة متابعتهم .

(1/100)


ومن هذا الباب قوله سبحانه : { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ } (1) { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }{ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }{ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }{ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }{ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ
_________
(1) في (أ ط) : إلى قوله : ( وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) .

(1/101)


إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } . (1) .
قال غير واحد من السلف (2) : " معناه : لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة ، فيقولون : قد وافقونا في قبلتنا ، فيوشك أن يوافقونا في ديننا ، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة ، إذ الحجة : اسم لكل ما يحتج به من حق وباطل ، { إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } (3) وهم قريش ، فإنهم يقولون : عادوا إلى قبلتنا ، فيوشك أن يعودوا إلى ديننا " .
فبين (4) سبحانه أن من حكمة نسخ القبلة وتغييرها مخالفة الناس (5) الكافرين في قبلتهم ، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل ، ومعلوم أن هذا المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة ، فإن الكافر إذا اتُّبع في شيء من أمره كان له في الحجة مثل ما كان أو قريب مما كان لليهود من الحجة في القبلة .
_________
(1) سورة البقرة : الآيات 145 - 150 .
(2) ممن قال بهذا التفسير من السلف : مجاهد وعطاء والضحاك والربيع بن أنس وقتادة والسدي، وذكره ابن كثير عن أبي حاتم . راجع : تفسير ابن كثير (1 / 195) ؛ وفتح القدير للشوكاني، الجزء الأول (ص 158) .
(3) في (أ د ط) : ( إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) .
(4) في (أ ب ط) : فقد بين الله سبحانه .
(5) في المطبوعة : مخالفة الكافرين . أي بإسقاط كلمة (الناس) .

(1/102)


وقال سبحانه : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ } (1) وهم : اليهود والنصارى ، الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة ، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن متابعتهم (2) في نفس التفرق والاختلاف ، مع أنه صلى الله عليه وسلم قد أخبر (3) أن أمته : ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة (4) مع أن قوله : لا تكن مثل فلان ، قد يعم مماثلته بطريق اللفظ أو المعنى ، وإن لم يعم دل على أن جنس مخالفتهم وترك مشابهتهم أمر مشروع ، ودل على أنه (5) كلما بعد الرجل عن مشابهتهم فيما لم يشرع لنا كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة المنهي عنها ، وهذه مصلحة جليلة .
_________
(1) سورة آل عمران : من الآية 105 .
(2) في (أ ب ط د) قال : ولهذا نهى عن مشابهتهم . . إلخ .
(3) في (أ ب ط ) قال : مع أنه قد أخبر . . إلخ .
(4) سيأتي تخريج الحديث الوارد في ذلك . انظر فهرس الأحاديث .
(5) في (ب د) : أن .

(1/103)


وقال سبحانه لموسى وهارون : { فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } (1) وقال سبحانه (2) : { وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } (3) ، وقال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ }{ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } (4) { نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } (5) إلى غير ذلك من الآيات .
_________
(1) سورة يونس : 89 .
(2) قوله : وقال سبحانه : سقطت من (أ ط)، وفيهما : ( وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ ) : ( وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) .
(3) سورة الأعراف : الآية 142 .
(4) في (أ د ط) : وقف هنا (الْمُؤْمِنِينَ) ، ولم يكمل الآية، ولعله تصرف من النساخ .
(5) سورة النساء : الآية 115 .

(1/104)


وما هم (1) عليه من الهدي والعمل ، هو من سبيل غير المؤمنين ، بل ومن سبيل المفسدين ، والذين لا يعلمون ، وما يقدر عدم اندراجه في العموم ، فالنهي ثابت عن جنسه ، فيكون مفارقة الجنس بالكلية أقرب إلى ترك المنهي (2) ومقاربته مظنة وقوع المنهي عنه ، قال سبحانه : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا } (3) { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } إلى قوله (4) : { وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ } (5) ومتابعتهم في هديهم : هي (6) من اتباع ما يهوَوْنه ، أو مظنة لاتباع ما يهوونه ، وتركها معونة على ترك ذلك ، وحسم لمادة متابعتهم فيما يهوونه .
_________
(1) يعني أهل الكتاب والمشركين، وسائر الكافرين .
(2) في المطبوعة : المنهي عنه .
(3) في (أ ط) : وقف هنا : ( فِي مَا آتَاكُمْ )، ثم قال : ( وَلَا تَتَّبِعْ . . ) الآية .
(4) في المطبوعة : ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ )، وبهذا يكون سرد الآيات متصلة .
(5) سورة المائدة : الآيتان 48 ، 49 .
(6) في (د) : هو .

(1/105)


واعلم : أن في كتاب الله من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه كثيرًا ، مثل قوله لما ذكر ما فعله بأهل الكتاب من المثلات (1) : { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } (2) وقوله : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } (3) وأمثال ذلك ، ومنه ما يدل على مقصودنا ، ومنه ما فيه إشارة وتتميم للمقصود .
ثم متى كان المقصود بيان أن مخالفتهم في عامة أمورهم أصلح لنا ؛ فجميع الآيات دالة على ذلك وإن كان المقصود أن مخالفتهم واجبة علينا ، فهذا إنما يدل عليه بعض الآيات دون بعض ، ونحن ذكرنا ما يدل على أن مخالفتهم مشروعة في الجملة ، إذ كان (4) هو المقصود هنا .
وأما تمييز دلالة الوجوب ، أو الواجب (5) عن غيرها (6) وتمييز (7) الواجب عن غيره ، فليس هو المقصود هنا .
وسنذكر إن شاء الله أن مشابهتهم في أعيادهم من الأمور المحرمة ، فإنه هو المسألة المقصودة (8) بعينها ، وسائر المسائل (9) إنما جلبها (10) تقرير القاعدة الكلية العظيمة المنفعة .
_________
(1) المثلات : جمع مثلة، وهي العقوبة . انظر : مختار الصحاح، مادة (م ث ل)، (ص 615) .
(2) سورة الحشر : من الآية 2 .
(3) سورة يوسف : من الآية 111 .
(4) في المطبوعة : إذ كان هذا هو .
(5) في (أ ب) : سقطت كلمة : أو الواجب .
(6) في (ط) : عن غيرهما .
(7) في (ج) : أو تمييز .
(8) في المطبوعة : هنا بعينها .
(9) في المطبوعة زاد : سواها .
(10) في المطبوعة زاد : إلى هنا .

(1/106)


وقال الله عز وجل : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ }{ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }{ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ }{ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }{ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

(1/107)


}{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }{ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } (1) بين الله سبحانه وتعالى - في هذه الآيات - أخلاق المنافقين وصفاتهم ، وأخلاق المؤمنين وصفاتهم - وكلا الفريقين مُظهِر للإسلام ووعد المنافقين المظهرين للإسلام مع هذه الأخلاق ، والكافرين المظهرين للكفر نار جهنم ، وأمر نبيه (2) بجهاد الطائفتين .
ومنذ بعث الله (3) محمدا صلى الله عليه وسلم ، وهاجر إلى المدينة ، صار الناس (4) ثلاثة أصناف : مؤمن ، ومنافق ، وكافر .
_________
(1) سورة التوبة : الآيات 67 - 73 .
(2) في ( ب ) : وأمر نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(3) في المطبوعة زيادة : عبده ورسوله .
(4) أي إزاء الإسلام .

(1/108)


فأما الكافر - وهو المظهر للكفر - فأمره بَيِّن ، وإنما الغرض هنا متعلق بصفات المنافقين المذكورة في الكتاب والسنة ، فإنها هي التي تخاف (1) على أهل القبلة (2) ، فوصف الله سبحانه المنافقين بأن بعضهم من بعض ، وقال في المؤمنين : { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } (3) وذلك لأن المنافقين تشابهت قلوبهم وأعمالهم وهم مع ذلك { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى } (4) ، فليست قلوبهم متوادة متوالية إلا ما دام الغرض الذي يؤمونه مشتركا بينهم ، ثم يتخلى بعضهم عن بعض ، بخلاف المؤمن ؛ فإنه يحب المؤمن ، وينصره بظهر الغيب ، وإن تناءت بهم الديار وتباعد الزمان .
ثم وصف سبحانه كل واحدة من الطائفتين بأعمالهم في أنفسهم (5) وفي غيرهم ، وكلمات الله جوامع ، وذلك أنه لما (6) كانت أعمال المرء المتعلقة بدينه قسمين :
أحدهما : أن يعمل ويترك .
والثاني : أن (7) يأمر غيره بالفعل والترك .
ثم فعله : إما أن (8) يختص هو بنفعه أو ينفع به غيره ؛ فصارت الأقسام ثلاثة ليس لها رابع : أحدها : ما يقوم بالعامل (9) ولا يتعلق بغيره كالصلاة مثلا .
والثاني : ما يعمله لنفع غيره كالزكاة .
والثالث : ما يأمر غيره أن يفعله ، فيكون الغير هو العامل ، وحظه هو الأمر به .
_________
(1) في (ب) : يخاف منها على أهل القبلة .
(2) أهل القبلة : هم المسلمون، وسموا بذلك لأنهم يتجهون في صلاتهم إلى القبلة وهي جهة الكعبة .
(3) سورة التوبة : من الآية 71 .
(4) سورة الحشر : من الآية 14 .
(5) في (ب ج د) : في نفسهم .
(6) لما : سقطت من (ط) .
(7) أن : سقطت من (ب) .
(8) أن : سقطت من (د) .
(9) في (ب ج) : ما يقوم بالعامل لا يتعلق بغيره أي بحذف واو العطف .

(1/109)


فقال سبحانه في صفة المنافقين : { يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ } (1) وبإزائه في صفة المؤمنين : { يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } (2) .
والمعروف :
اسم جامع لكل ما يحبه الله من الإيمان والعمل (3) الصالح .
والمنكر :
اسم جامع لكل ما نهى (4) الله عنه .
ثم قال : { وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } (5) قال مجاهد : (6) " يقبضونها عن الإنفاق في سبيل الله " (7) وقال قتادة : " يقبضون أيديهم عن كل خير " (8) فمجاهد أشار إلى النفع بالمال ، وقتادة أشار إلى النفع بالمال والبدن .
وقبض اليد : عبارة عن الإمساك (9) كما في قوله تعالى : { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ } (10) .
_________
(1) سورة التوبة : من الآية 67 .
(2) سورة التوبة : من الآية : 71 .
(3) في (ب) : ومن العمل الصالح .
(4) في المطبوعة زاد : لكل ما كرهه الله . وفي ( ب ) : «لكل» ساقطة .
(5) سورة التوبة : من الآية 67 .
(6) هو الإمام : مجاهد بن جبر المخزومي ، مولاهم ، المكي ، أبو الحجاج ، من الأئمة الثقات من الطبقة الثالثة من التابعين ومن كبار المفسرين والفقهاء توفي سنة ( 103 هـ ) وعمره 83 سنة ، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة وسائر أهل الحديث . انظر : تقريب التهذيب (2 / 229) ، (ت 922) ، م ؛ والطبقات الكبرى لابن سعد (5 / 466) و (467) .
(7) ذكر المفسرون أن مجاهدا قال في قوله تعالى : ( وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ) : لا يبسطونها بالنفقة في حق ، والمعنى متقارب . راجع تفسير الطبري ( 10 / 120 ) ؛ وتفسير مجاهد ، تحقيق عبد الرحمن السورتي ( ص 283 ) ، أما اللفظ الذي ذكره المؤلف هنا فهو لابن كثير في تفسيره ولم يعزه لأحد . انظر : تفسير ابن كثير ( 2 / 368 ) .
(8) انظر : تفسير الطبري ( 10 / 121 ) .
(9) في (أ) : الأموال .
(10) سورة الإسراء : من الآية 29 .

(1/110)


وفي قوله : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } (1) وهي (2) حقيقة عرفية (3) ظاهرة من اللفظ ، أو هي مجاز مشهور (4) وبإزاء قبض أيديهم قوله في المؤمنين : { وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } (5) ، فإن الزكاة - وإن كانت قد صارت حقيقة عرفية (6) ، في الزكاة المفروضة - فإنها اسم لكل نفع للخلق : من نفع بدني ، أو مالي . فالوجهان هنا كالوجهين في قبض اليد .
ثم قال : { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } (7) ونسيان الله ترك ذكره ، وبإزاء ذلك (8) في صفة المؤمنين : { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ } فإن الصلاة أيضا تعم الصلاة (9) المفروضة ، والتطوع ، وقد يدخل فيها كل ذكر الله : إما لفظا وإما (10) معنى ، قال ابن مسعود (11) رضي الله عنه : " ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة وإن كنت في السوق " (12) وقال معاذ بن جبل (13) (14) : " مدارسة العلم التسبيح" .
ثم ذكر (15) ما وعد الله به المنافقين والكفار : من النار (16) ، ومن اللعنة ، ومن العذاب المقيم (17) ، وبإزائه ما وعد (18) المؤمنين : من الجنة والرضوان ، ومن الرحمة .
_________
(1) سورة المائدة : من الآية 64 .
(2) في ( ج د ) : وفي حقيقة عرفية . وليس لوجود ( في ) هنا معنى . لذلك توهم الناسخ للمخطوطة (د) : أن العبارة سقط فوضع بعد (في) نقاط كذا : (في . . حقيقة) .
(3) الحقيقة العرفية عرفها المؤلف في كتاب ( الإيمان ) بأنها : « هي ما صار اللفظ دالا فيها على المعنى بالعرف لا باللغة » مثل الدابة : أصله في اللغة : اسم لكل ما يدب ، ثم صار عرفا لذوات الأربع . انظر : كتاب الإيمان ( ص 80 ) .
(4) للمؤلف رحمه الله رأي مشهور في المجاز ، فهو يرى : أن تقسيم الألفاظ الدالة على معانيها إلى حقيقة ومجاز اصطلاح حادث جاء بعد انقضاء القرون الثلاثة الفاضلة ، فلم يتكلم به أحد من الصحابة ، ولا التابعين ، ولا الأئمة المشهورين بالعلم كمالك ، والثوري ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، بل ولا أئمة النحو كالخليل ، وسيبويه ، وأبي عمرو بن العلاء ، ونحوهم ، ويرى أنه من حيل الفرق كالمعتزلة ، والمتكلمين ، فهو لهم باب من أبواب التأويل ، والتحريف لكلام الله ورسوله خاصة في أسماء الله وصفاته ، وأن له مفاسد لغوية وشرعية وعقلية . راجع : مجموع الفتاوى للمؤلف ( 7 / 87 - 117 ) ، و ( 20 / 400 - 497 ) ؛ وكتاب الإيمان من ( 72 - 100 ) .
(5) سورة التوبة : من الآية 71 .
(6) في المطبوعة حقيقة شرعية .
(7) سورة التوبة : من الآية 67 .
(8) في المطبوعة زاد : قال .
(9) في ( أ ب ) : نعم المفروضة .
(10) في ( أ ب ) : أو معنى .
(11) هو الصحابي الجليل : عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي ، أبو عبد الرحمن ، حليف بني زهرة ، أسلم مبكرا في مكة حين أسلم سعيد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب ، وقيل : إنه أسلم سادس ستة ، وهو أول من جهر بالقرآن بمكة حتى أوذي في ذلك ، خدم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهاجر الهجرتين ، وصلى القبلتين ، وشهد بدرا وأحدا وسائر المشاهد ، من أعلم الصحابة بالقرآن والتفسير ، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بذلك ، وجهه عمر بن الخطاب إلى الكوفة يعلم الناس ، واستقدمه عثمان إلى المدينة ، وتوفي بها عام 32هـ . راجع : أسد الغابة ( 3 / 256 - 260 ) ؛ والإصابة ( 2 / 368 - 370 ) ، ( ت 4954 ) .
(12) لم أجد هذا في المصادر التي اطلعت عليها .
(13) في (ب) : رضي الله عنه .
(14) هو الصحابي الجليل : معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي ، أبو عبد الرحمن ، أحد السبعين الذين شهدوا بيعة العقبة من الأنصار ، شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، من أعلم الصحابة بالقرآن ، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك ، كما شهد له بأنه أعلم الأمة بالحلال والحرام ، ومن أهل الفتوى في الصحابة ، بعثه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى اليمن قاضيا ومرشدا ، ثم عاد إلى المدينة في عهد أبي بكر ، وقاتل مع أبي عبيدة في الشام ، واستخلفه أبو عبيدة على الجيش حين أصيب بالطاعون ، وتوفي معاذ رضي الله عنه بناحية الأردن عام (18هـ) وعمره 33 سنة . راجع : أسد الغابة ( 4 / 376 - 378 ) ؛ والإصابة ترجمة ( 8037 ) ؛ وغاية النهاية في طبقات القراء ( 2 / 301 ) ترجمة ( 3620 ) .
(15) في (ب) : ثم ذكر الله تعالى .
(16) في ( أ ط ) : في الآخرة .
(17) في المطبوعة : من اللعنة ومن النار والعذاب المقيم في الآخرة . وهو خلاف النسخ الأخرى .
(18) في المطبوعة : ما وعد الله المؤمنين .

(1/111)


ثم في ترتيب الكلمات وألفاظها أسرار كثيرة ، ليس هذا موضعها ، وإنما الغرض تمهيد قاعدة لما سنذكره إن شاء الله (1) .
وقد قيل : إن قوله : { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ } (2) إشارة إلى ما هو لازم لهم في الدنيا والآخرة من الآلام النفسية : غمّا وحزنا ، وقسوة وظلمة قلب (3) وجهلا ، فإن للكفر والمعاصي من الآلام العاجلة الدائمة ما الله به عليم ، ولهذا تجد غالب هؤلاء لا يطيّبون عيشهم إلا بما يزيل العقل ، ويلهي (4) القلب (5) ومن تناول مسكر ، أو رؤية مُلْهٍ ، أو سماع مطرب ، ونحو ذلك (6) وبإزاء (7) ذلك قوله في المؤمنين : { أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ } (8) فإن الله يعجل للمؤمنين من الرحمة في قلوبهم ، وغيرها بما (9) يجدونه من حلاوة الإيمان ويذوقونه من طعمه ، وانشراح صدورهم للإسلام ، إلى غير ذلك من السرور بالإيمان ، والعلم (10) ، والعمل الصالح ، بما لا يمكن وصفه .
_________
(1) في (ج) : إن شاء الله تعالى .
(2) سورة التوبة : من الآية 68 .
(3) في ( أ ) : وظلمة وجهلا . فأسقطت كلمة ( قلب ) .
(4) في ( ط) : ويلقي .
(5) في المطبوعة : إلا بما يزيل عقولهم، ويلهي قلوبهم .
(6) ولذلك نجد كثيرا من المسلمين اليوم لما انحرفوا عن دين الله وارتكبوا المعاصي وكثر فيهم الخبث ؛ زادت آلامهم النفسية، وقست قلوبهم، وحرمت لذات الإيمان والطمأنينة، وأخذوا يهربون من هذا القلق والعذاب النفسي بكل ما وفرته لهم المدنية الحديثة الزائفة، من وسائل التلهي والعبث : من مسكرات ، ومخدرات ، وأغان، بالإضافة إلى الوسائل الأخرى التي ابتليت بها الأمة كالرياضة ، والفن ، وما يدخل تحتهما من عبث ومجون، وما تروجه أجهزة الإعلام من هذا كله وغيره . كل هذا مما يلهي القلب ويفسد الضمير ويضعف الإيمان، إنما سببه شعور أهل المعاصي بآلام الذنوب، ولذلك نجد أطباء الأمراض النفسية يكثرون، ويزداد عليهم الطلب، كما أن مظاهر القلق وضعف الإيمان، من الانتحار ، والانهيار العصبي ، والهستريا ، والخنفسة ، والاستهتار، كلها تزداد كل يوم مع تمادي الناس في الغواية والرذيلة، نسأل الله العافية .
(7) بإزاء : أي بمقابلة ذلك .
(8) سورة التوبة : من الآية 71 .
(9) في (ب) : مما يجدونه .
(10) في المطبوعة : والعلم النافع .

(1/112)


وقال سبحانه في تمام خبر المنافقين : { كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا } (1) وهذه الكاف قد قيل : إنها رفع (2) خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : أنتم كالذين من قبلكم . وقيل : إنها (3) نصب بفعل محذوف تقديره : فعلتم كالذين من قبلكم ، كما قال النمر بن تولب : (4) : " كاليوم مطلوبا ولا طالبا "
أي : لم أر كاليوم ، والتشبيه - على هذين القولين - في أعمال الذين من قبل ، وقيل : إن التشبيه في العذاب ثم قيل : العامل محذوف ، أي : لعنهم وعذبهم كما لعن (5) الذين من قبلكم ، وقيل (6) - وهو أجود - : بل العامل ما تقدم ، أي : وعد الله المنافقين كوعد الذين من قبلكم ، ولعنهم كلعن الذين من قبلكم ، ولهم عذاب مقيم كالذين من قبلكم أو (7) محلها نصب ، ويجوز أن يكون رفعا ، أي : عذاب كعذاب الذين من قبلكم .

_________
(1) سورة التوبة : من الآية 69 .
(2) الكلام ناقص، ويتم السياق لو قال : إنها في موضع رفع . وفي (ط) : قال : إنها خبر مبتدأ .
(3) وكذلك هنا لو قال : إنها في موضع نصب ؛ لكان أتم للمعنى . وفي (أ) : وقيل : نصب .
(4) هو : النمر بن تولب بن زهير بن أقيس العكلي، شاعر مخضرم عاش في الجاهلية طويلا، وأدرك الإسلام فأسلم، وفد على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكتب عنه كتابا لقومه، روى عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديثا ، وكان رجلا كيسا كريما من ذوي النعمة والوجاهة، ذكره عمر بن الخطاب يوما فترحم عليه، ويعده المؤرخون من المعمرين، توفي في آخر خلافة أبي بكر أو في خلافة عمر . راجع : أسد الغابة (5 / 39) ؛ والأعلام للزركلي (8 / 48) .
(5) في (ب) : كما لعن الله من قبلكم .
(6) وقيل : ساقطة من (أ) .
(7) في (ج د) والمطبوعة : فمحلها نصب .

(1/113)


وحقيقة الأمر على هذا القول : أن الكاف تناولها (1) عاملان ناصبان ، أو ناصب ورافع ، من جنس قولهم : أكرمت وأكرمني زيد (2) ، والنحويون لهم فيما إذا لم يختلف العامل ، كقولك (3) أكرمت وأعطيت زيدا - قولان : أحدهما : وهو قول سيبويه (4) وأصحابه : أن العامل في الاسم هو أحدهما وأن الآخر حذف معموله ؛ لأنه لا يرى اجتماع عاملين على معمول واحد .
والثاني : قول الفراء وغيره من الكوفيين : أن الفعلين عملا في هذا الاسم ، وهو يرى أن العاملين يعملان في المعمول الواحد .
وعلى هذا اختلافهم في نحو قوله : { عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ } (5) . وأمثاله .
فعلى قول الأولين يكون التقدير : وعد الله المنافقين النار ، كوعد الذين من قبلكم ولهم عذاب مقيم ، كالذين من قبلكم ، أو كعذاب الذين (6) . من قبلكم ثم حُذف اثنان من هذه المعمولات ؛ لدلالة الآخر عليهما (7) ، وهم يستحسنون حذف الأولين (8) .
وعلى القول الثاني يمكن أن يقال : الكاف المذكورة بعينها هي المتعلقة بقوله : ( وعد ) وبقوله : ( ولعن ) وبقوله (9) : { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ } ، لأن الكاف لا يظهر فيها إعراب، وهذا على القول بأن عمل الثلاثة النصب ظاهر .
_________
(1) في المطبوعة : تنازعها .
(2) في قوله : أكرمت وأكرمني زيد . تناوله عاملان، الأول : ناصب وهو أكرمت، على أن زيدا مفعول، والثاني : أكرمني، على أن زيدا هو فاعل الإكرام فغلب عامل الرفع، وحذف المنصوب وجوبا ؛ لأن العامل من غير بابي : كان وظن .
(3) في (ج د) : كقولهم .
(4) سيبويه : عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي - بالولاء - يلقب بسيبويه - ومعناها بالفارسية : رائحة التفاح : لزم الخليل بن أحمد فدرس عليه النحو حتى فاقه، فصار إماما من أئمة النحو، فهو أول من بسط هذا العلم، فصنف كتابه : (كتاب سيبويه) ولد عام (148 هـ)، وتوفي (180 هـ) . راجع : الأعلام لللزركلي (5 / 81)، ط 4 .
(5) سورة ق : الآية 17.
(6) في (ب) : الذين هم.
(7) أي على المحذوف .
(8) في (ب) : الأول .
(9) في (أ ط) : وقوله : لهم عذاب .

(1/114)


وإذا قيل : إن الثالث يعمل الرفع ؛ فوجهه : أن العمل واحد في اللفظ ، إذ التعلق تعلق معنوي لا لفظي .
وإذا عرفت أن من الناس من يجعل التشبيه في العمل ، ومنهم من يجعل التشبيه في العذاب ، فالقولان متلازمان إذ المشابهة في الموجب تقتضي المشابهة في الموجَب، وبالعكس فلا خلاف معنوي بين القولين .
وكذلك ما ذكرناه من اختلاف النحويين في وجوب في (1) الحذف وعدمه - إنما هو اختلاف في تعليلات ومآخذ ، لا تقتضي (2) اختلافا لا في إعراب ، ولا في معنى ؛ فإذن : الأحسن أن تتعلق الكاف بمجموع ما تقدم : من العمل والجزاء ، فيكون التشبيه فيهما لفظا (3) .
وعلى القولين الأولين : يكون قد دل على أحدهما لفظا ، على الآخر لزوما (4) .
وإن سلكت طريقة الكوفيين - على هذا - كان أبلغ وأحسن ؛ فإن لفظ الآية يكون قد دل على المشابهة في الأمرين من غير حذف ، وإلا فيضمر (5) : حالكم كحال الذين من قبلكم ، ونحو ذلك ، وهو قول من قدره : أنتم كالذين من قبلكم .
ولا يسع هذا المكان بسطا أكثر من هذا (6) فإن الغرض متعلق بغيره .
_________
(1) (ب ج د ط) : وجود (بالدال) .
(2) في (ب) : في التعديلات وما أخذ لا يقتضي .
(3) في المطبوعة : لفظيا .
(4) في (ب) زاد : يكون قد دل على مشابهة أمرين أحدهما . ثم قال : وإن سلكت . . إلخ .
(5) في (ج د) : فيضمن .
(6) في (أ ب ط) : ولا يتسع هذا المكان لبسط هذا أكثر من هذا .

(1/115)


وهذه المشابهة في هؤلاء (1) بإزاء ما وصف الله به المؤمنين من قوله : { وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } (2) فإن طاعة الله ورسوله تنافي مشابهة الذين من قبل (3) قال سبحانه : { كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا } (4) .
فالخطاب في قوله : { كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً } وقوله : { فَاسْتَمْتَعْتُمْ } إن كان للمنافقين ، كان من باب خطاب التلوين والالتفات ، وهذا انتقال من المغيَّب (5) إلى الحضور ، كما في قوله : { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }{ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ }{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ } .
_________
(1) الإشارة إلى المنافقين .
(2) سورة التوبة : من الآية 71 .
(3) في المطبوعة : من قبلكم .
(4) سورة التوبة : من الآية : 69 .
(5) في المطبوعة : الغيبة .

(1/116)


ثم حصل الانتقال من الخطاب إلى المغيب (1) في قوله : { أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } (2) وكما (3) في قوله : { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا } (4) وقوله : { وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } (5) فإن الضمير في قوله : { أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } الأظهر أنه عائد إلى المستمتعين الخائضين من هذه الأمة كقوله (6) - فيما بعد - : { أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } (7) وإن كان الخطاب لمجموع الأمة المبعوث إليها ، فلا يكون الالتفات إلا في الموضع الثاني .
وأما قوله : { فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ } ففي تفسير عبد الرزاق (8) عن معمر (9) عن الحسن (10) في قوله : { فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ } قال : بدينهم (11) ويروى ذلك عن أبي هريرة (12) رضي الله عنه وروي عن ابن عباس (13) بنصيبهم من الآخرة في الدنيا (14) وقال آخرون : بنصيبهم من الدنيا (15) .
قال أهل اللغة : الخلاق : هو النصيب والحظ ، كأنه ما خلق للإنسان ، أي ما قدر له ، كما يقال : (القسم) لما قسم له ، و(النصيب) لما نصب له ، أي أثبت .
_________
(1) في المطبوعة : الغيبة .
(2) سورة التوبة : من الآية 69 .
(3) في (أ ط) : كما . (بحذف واو العطف) .
(4) سورة يونس : الآية 22 .
(5) سورة الحجرات : الآية 7 .
(6) في (ب) : لقوله .
(7) سورة التوبة : من الآية 70 .
(8) هو : الإمام عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، الصنعاني، أبو بكر، ولد عام (126 هـ)، وكان من الأئمة الحفاظ الثقات في الحديث ، والتفسير ، والفقه، وله مصنفات أشهرها : المصنف في الحديث، وتفسير القرآن، وكتاب السنن في الفقه، وكتاب المغازي . توفي سنة (210 هـ) . انظر : طبقات الحنابلة (1 / 289)، (ت 280) ؛ والأعلام للزركلي (3 / 3531) .
(9) هو : معمر بن راشد بن أبي عمر الأزدي، إمام حافظ ثقة متقن للحديث، وفقيه، ولد بالبصرة عام (95 هـ)، وسكن اليمن ، وأقام واشتهر بها، حتى توفي عام (153 هـ) . انظر : البداية والنهاية (9 / 266، 267) ؛ وتقريب التهذيب (2 / 266)، (ت 1284) .
(10) هو : الحسن بن يسار البصري أبو سعيد، من كبار التابعين ولد سنة (21 هـ) بالمدينة وسكن البصرة، وكان حبر الأمة وإمامها في زمانه في الحديث ، والفقه ، والتفسير، وكان قد شب في كنف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم حتى صارت له هيبة عظيمة توفي سنة (110 هـ) . انظر : وفيات الأعيان لابن خلكان (2 / 69- 73)، (ت 156) ؛ وتهذيب التهذيب (2 / 263- 270)، (ت 488) .
(11) انظر : تفسير ابن كثير (3 / 368) حيث ذكر عن الحسن، وتفسير ابن جرير (10 / 123) ذكره مسندا .
(12) انظر : تفسير ابن كثير (2 / 368) حيث ذكر ذلك عن أبي هريرة أيضا .
(13) هو الصحابي الجليل : حبر الأمة : عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ترجمان القرآن ، وإمام المسلمين في التفسير، فقد دعا له الرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن يعلمه الله التأويل ويفقه في الدين، فكان يسمى الحبر ؛ ويسمى البحر، لسعة علمه في التفسير ، واللغة ، والمغازي ، وأشعار العرب ، وأيامهم، وكان مقدما عند الخلفاء الراشدين يستشيرونه في معضلات الأمور، ولي الحج بأمر عثمان سنة 35، وشهد قتال الخوارج مع علي وناظرهم وألزمهم الحجة، وتأمر على البصرة ثم سكن الطائف حتى مات بها سنة (68 هـ)، وكانت ولادته قبل الهجرة بثلاث سنين . انظر : البداية والنهاية لابن كثير (8 / 295- 306) ؛ والطبقات الكبرى لابن سعد (3 / 635 - 372) .
(14) انظر المقباس في تفسير ابن عباس للفيروزآبادي ( ص 124) .
(15) ممن قال بهذ القول الإمام السدي، انظر : فتح القدير للشوكاني (2 / 380) .

(1/117)


ومنه قوله تعالى : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ } (1) أي : من نصيب ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « إنما يلبس الحرير من لا خلاق له في الآخرة » (2) .
والآية تعم ما ذكره العلماء جميعهم ، فإنه سبحانه قال : { كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا } ، فتلك القوة التي كانت فيهم كانوا يستطيعون أن يعملوا بها للدنيا والآخرة ، وكذلك أموالهم وأولادهم ، وتلك القوة والأموال والأولاد : هو الخلاق ، فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم وأولادهم في الدنيا ، ونفس الأعمال التي عملوها بهذه القوة والأموال : هي دينهم ، وتلك الأعمال ، لو أرادوا بها الله ، والدار الآخرة ؛ لكان لهم ثواب في الآخرة عليها ، فتمتعهم بها أخذ حظوظهم العاجلة بها ، فدخل في هذا من لم يعمل إلا لدنياه ، سواء كان جنس العمل من العبادات ، أو غيرها (3) .
ثم قال سبحانه : { فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا } (4)
_________
(1) سورة البقرة : من الآية 102، وفي المطبوعة : ذكر الآية الأخرى أيضا : ( وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ) سورة البقرة : من الآية 200، لكن بقية النسخ لم تشر إلى الآية الأولى .
(2) ورد ذلك في حديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما . انظر : صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من تجمل للوفود، الحديث رقم (6081) من فتح الباري (10 / 500) . وصحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة . . إلخ، الحديث رقم (2068)، (2069)، (3 / 1639، 1641) .
(3) في (أ ط) : أو من غيرها .
(4) سورة التوبة : من الآية 69 .

(1/118)


وفي (الذي) وجهان : أحسنهما أنها صفة المصدر ، أي كالخوض الذي خاضوه (1) فيكون العائد محذوفا كما في قوله (2) : { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } (3) وهو كثير فاش في اللغة ، والثاني : أنه صفة الفاعل ، أي : كالفريق (4) أو الصنف أو الجيل الذي خاضوه ، كما لو قيل : كالذين خاضوا .
وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق ، وبين الخوض ، لأن فساد الدين (5) إما أن يقع بالاعتقاد الباطل ، والتكلم به ، أو يقع في العمل بخلاف الاعتقاد الحق .
والأول : هو البدع (6) ونحوها .
والثاني : (7) فسق الأعمال ونحوها (8) .
والأول : من جهة الشبهات .
والثاني : من جهة الشهوات .
ولهذا كان السلف يقولون : احذروا من الناس صنفين : صاحب هوى قد فتنه هواه ، وصاحب دنيا أعمته دنياه .
وكانوا يقولون : احذروا فتنة العالم الفاجر ، والعابد الجاهل ، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون (9) فهذا (10) يشبه المغضوب عليهم ، الذين يعلمون الحق ولا يتبعونه وهذا (11) يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم .
ووصف بعضهم أحمد بن حنبل (12) فقال : " رحمه الله ، عن الدنيا ما كان أصبره ، وبالماضين ما كان أشبهه ، أتته البدع فنفاها (13) والدنيا فأباها " (14) .
_________
(1) في (ج د) : خاضوا .
(2) في المطبوعة : أورد الآية بتمامها : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ) سورة يس : الآية 71 . وهو خلاف النسخ الأخرى .
(3) سورة يس : الآية 71 .
(4) في (أ ب ط) : كالفوج .
(5) في (أ) : الدنيا .
(6) وذلك مثل : الزيادة في العبادات، والدعاء عند القبور ، والبناء عليها، وزيارة المشاهد - غير المساجد الثلاثة ومشاعر الحج التي نص عليها الشارع - وزيادة الأعياد، كأعياد الميلاد، وأعياد المناسبات، والأعياد الوطنية، ونحوها، فكل هذه الأمور من الخوض بالباطل .
(7) في المطبوعة : هو فسق الأعمال .
(8) وذلك مثل : أكل الربا، وشرب المسكر، والزنا، وأكل أموال الناس بالباطل، والسرقة، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، فهذا ونحوه من الاستمتاع بالخلاق كما أشار إليه المؤلف رحمه الله .
(9) جاء ذلك عن سفيان بن عيينة، انظر : شرح السنة للبغوي (1 / 318)، وقال : تعوذوا بالله من فتنة . . . إلخ .
(10) أي العالم الفاجر.
(11) أي العابد الجاهل .
(12) هو : الإمام أحمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، أبو عبد الله، ولد سنة (164 هـ) ببغداد، وطلب العلم وهو صغير، ورحل إلى سائر الأقطار وأخذ عن علمائها حتى اشتهر بالحفظ والإتقان، إلى أن صار إماما من أئمة الحديث والفقه، مع التقى والصلاح والقوة في الحق واتباع السنة، وبلغت شهرته الآفاق خاصة بعدما وقف وقفته المشهورة أمام بدعة القول بخلق القرآن، تلك الوقفة التي قهقرت المعتزلة وسائر الفرق اليوم، والإمام أحمد هو إمام المذهب الحنبلي في الفقه، وله مؤلفات كثيرة في السنة ، والتفسير ، والتوحيد ، وغيرها، أشهرها المسند، وقد توفي رحمه الله سنة (241 هـ) . انظر البداية وانهاية لابن كثير ( 10 / 325 - 343 ) .
(13) في (أ ب) : عكس العبارتين فقال : البدع فأباها، والدنيا فنفاها .
(14) أخرج ابن الجوزي هذا القول بالسند عن أبي عمير عيسى بن محمد بن النحاس الرملي الفلسطيني، في مناقب الإمام أحمد (173)، كما أخرجها عنه أيضا ابن كثير في البداية والنهاية (10 / 336)، وكناه : أبو عمر .

(1/119)


وقد وصف الله أئمة المتقين فقال : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } (1) فبالصبر تُترك الشهوات وباليقين تُدفع الشبهات .
ومنه قوله : { وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } (2) وقوله : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } (3) .
ومنه الحديث المرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم : « إن الله يحب البصر (4) الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات » (5) .
فقوله سبحانه : { فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ } إشارة إلى اتباع الشهوات ، وهو داء العصاة ، وقوله : { وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا } إشارة إلى اتباع الشبهات ، وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات ، وكثيرا ما يجتمعان ، فقلّ من تجد (6) في اعتقاده فسادا إلا وهو يظهر (7) في عمله .
وقد دلت الآية على أن الذين كانوا من (8) قبل استمتعوا وخاضوا ، وهؤلاء فعلوا مثل أولئك .
_________
(1) سورة السجدة : الآية 24 .
(2) سورة العصر : الآية 3 .
(3) سورة ص : من الآية 45 .
(4) في المطبوعة : البصير .
(5) أشار المؤلف إلى هذا الأثر في الفتاوى (20 / 58) و (28 / 44)، لكنه لم يذكر سنده، وذكره أيضا في درء تعارض العقل والنقل (2 / 105) وفي (5 / 131)، وقال : رواه البيهقي مرسلا، كما رواه البيهقي في الزهد (ص 362) برقم (952) ؛ وأبو نعيم في الحلية (6 / 199) بلفظ يقاربه، وقال عنه العراقي في المغني - تخريج الإحياء - (4 / 388) : « وأبو نعيم في الحلية من حديث عمران بن حصين، وفيه حفص بن عمر العدني ضعفه الجمهور » وقال الزبيري في إتحاف السادة المتقين شرح الإحياء 10 / 105 بعد أن نقل كلام العراقي : « قلت : ورواه كذلك البيهقي في الزهد ، وأبو مطيع في أماليه ، وأبو مسعود بن إبراهيم الأصبهاني في كتاب الأربعين بلفظ (عند مجئ . . ) » . اهـ .
(6) في (ب) : يجد .
(7) في المطبوعة : ظاهر .
(8) في المطبوعة : الذين كانوا من قبل، وهو زيادة عما في النسخ الأخرى .

(1/120)


ثم قوله : { فَاسْتَمْتَعْتُمْ } و { وَخُضْتُمْ } خبر عن وقوع ذلك في الماضي وهو ذم لمن يفعله ، إلى يوم القيامة ، كسائر ما أخبر الله به عن الكفار (1) والمنافقين ، عند مبعث (2) محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنه ذم لمن (3) حاله كحالهم إلى يوم القيامة ، وقد يكون خبرا عن أمر دائم (4) مستمر ؛ لأنه - وإن كان بضمير الخطاب - فهو كالضمائر (5) في نحو قوله : ( اعْبُدُوا ) (6) و ( اغْسِلُوا ) (7) و { ارْكَعُوا }{ وَاسْجُدُوا } (8) و ( آمنوا ) (9) كما أن جميع الموجودين في وقت النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة (10) مخاطبون بهذا الكلام ؛ لأنه كلام الله ، وإنما الرسول مبلغ له (11) .
وهذا مذهب عامة المسلمين - وإن كان بعض من تكلم في أصول الفقه ، اعتمد أن الضمير (12) إنما يتناول الموجودين حين (13) تبليغ الرسول وأن سائر الموجودين دخلوا : إما بما علمناه بالاضطرار من استواء الحكم ، كما لو خاطب النبي صلى الله عليه وسلم واحدا من الأمة ، وإما بالسنة ، وإما بالاجماع ، وإما بالقياس ، فيكون : كل من حصل منه هذا الاستمتاع والخوض مخاطبا بقوله : { فَاسْتَمْتَعْتُمْ } و { وَخُضْتُمْ } وهذا أحسن القولين (14) .
_________
(1) في المطبوعة : عن أعمال وصفات الكفار، وهو زيادة عما في النسخ الأخرى .
(2) في المطبوعة : عند مبعث عبده ورسوله محمد . . إلخ، وهو زيادة عما في النسخ الأخرى .
(3) في المطبوعة : لمن يكون حاله، وهو زيادة عما في النسخ الأخرى . وفي (ج أ د ط) : لمن حالهم، بدون الكاف .
(4) في (ج د) : وإثم مستمر .
(5) في المطبوعة : و (أ) : كالضمير .
(6) وردت في القرآن الكريم إحدى وعشرين مرة، أولها قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ سورة البقرة : الآية 21، وآخرها قوله تعالى حكاية نوح عليه السلام : ( أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ) سورة نوح : الآية 3 .
(7) نص الآية : ( فَاغْسِلُوا ) بالفاء، وهو قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ) سورة المائدة : الآية 6 .
(8) ( ارْكَعُوا ) وردت في ثلاث آيات : قوله تعالى : ( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) سورة البقرة : الآية 43، وقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ )، سورة الحج : الآية 77، وقوله تعالى : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ ) سورة المرسلات : الآية 48، أما كلمتي : ( ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ) فلم ترد إلا في سورة الحج : الآية 77، أما ( اسْجُدُوا ) وحدها فقد وردت في القرآن الكريم ثمان مرات .
(9) ( آمنوا ) بصيغة الأمر، وردت في القرآن ثماني عشرة مرة .
(10) في (أ ب ط) : سقطت عبارة (إلى يوم القيامة)، ولعله سهو من النساخ .
(11) في المطبوعة : مبلغ عن الله .
(12) في المطبوعة : اعتمد أن ضمير الخطاب .
(13) في (ب) : عند .
(14) الإشارة إلى القول بأن قوله تعالى : ( فَاسْتَمْتَعْتُمْ ) و ( وَخُضْتُمْ ) خبر عن أمر دائم مستمر مخاطب به من وجد من عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن بعده إلى يوم القيامة، وهذا هو الذي وصفه المؤلف بأحسن القولين . أما القول الثاني فهو القول بأنه خبر عن وقوع ذلك في الماضي، وهو ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة، أي دون الدخول في الخطاب مباشرة . أما القول الثالث، وهو قول بعض الأصوليين فهو وإن كان أقرب مذكور إلا أنه جاء معترضا كما يبدو من سياق الكلام، فتأمله .

(1/121)


وقد توعد الله سبحانه هؤلاء المستمتعين الخائضين بقوله (1) : { أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } (2) وهذا هو المقصود هنا من هذه الآية ، وهو أن الله قد أخبر أن (3) في هذه الأمة من استمتع بخلاقه ، كما استمتعت الأمم قبلهم ، وخاض كالذي خاضوا وذمهم على ذلك ، وتوعدهم على ذلك (4) ، ثم حضهم على الاعتبار بمن قبلهم فقال : { أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } (5) { وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } (6) الآية .
وقد قدمنا : أن طاعة الله ورسوله في وصف المؤمنين بإزاء ما وصف به هؤلاء (7) ، من مشابهة القرون المتقدمة ، وذم من يفعل ذلك (8) وأمره (9) بجهاد الكفار والمنافقين - بعد هذه الآية - دليل على جهاد هؤلاء المستمتعين الخائضين .
_________
(1) في (أ ط) : قال : ( وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ، وهي من سورة البقرة : الآية 217، لكن آية التوبة التي أثبتها من بقية النسخ هي التي عناها المؤلف ؛ لأن الكلام حول آيات صفات المنافقين في سورة التوبة، فإدخال آية البقرة خلط من الناسخين .
(2) سورة التوبة : الآية 69 .
(3) أن : سقطت من (ج) .
(4) في : (ب ط) : عليه .
(5) في (ب) والمطبوعة : وقف عند قوله : وثمود .
(6) سورة التوبة : الآية 70 .
(7) الإشارة «هؤلاء» إلى المنافقين والكفار .
(8) قوله : وذم من يفعل ذلك : سقطت من (أ) .
(9) في (أ ب) : وأمر الله، وفي (ط) : وأمر به بجهاد .

(1/122)


ثم هذا الذي دل عليه الكتاب (1) : من مشابهة بعض هذه الأمة للقرون الماضية في الدنيا وفي الدين ، وذم من يفعل ذلك ، دلت عليه - أيضا - سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتأول الآية - على ذلك (2) - أصحابه رضي الله عنهم .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم : ذراعا بذراع ، وشبرا بشبر ، وباعا بباع ، حتى لو أن أحدا من أولئك دخل حجر ضب لدخلتموه - قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : { كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً } . . الآية - قالوا : يا رسول الله كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب؟ قال : فهل الناس إلا هم؟ » (3) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية أنه قال : ما أشبه الليلة بالبارحة ، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا (4) بهم؟ (5) .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه ، أنه قال : " أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا ؟ " .
_________
(1) في (ب) : الكتاب العزيز .
(2) ذلك : سقطت من (أ) .
(3) هذا الحديث له شواهد في الصحيحين والسنن والمسانيد، وقد أورد المؤلف بعضها في هذا الكتاب، وذكرت بعض طرقه ومواطنها من الصحيحين، راجع : (1 / 80، 81، 170) من هذا الكتاب الهامش . أما الحديث بهذا اللفظ فقد أشار إليه الحافظ ابن كثير في تفسيره - مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه - ثم قال : وهذا الحديث له شاهد في الصحيح، راجع : تفسير ابن كثير (2 / 368)، كما أورده ابن جرير في تفسيره بسنده قال : حدثني المثنى، حدثنا أبو صالح قال : حدثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم ذكر الحديث . انظر : تفسير ابن جرير (10 / 121) .
(4) في (ط) : شبهناهم .
(5) أخرجه ابن جرير في تفسيره : حدثتنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله : ( كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) الآية، قال ابن عباس : « ما أشبه الليلة بالبارحة ( كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، لا أعلم إلا أنه قال : والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل جحر ضب لدخلتموه » . ا هـ . عن تفسير ابن جرير (10 / 121- 122) .

(1/123)


وعن حذيفة بن اليمان (1) رضي الله عنه قال : " المنافقون الذين منكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلنا : وكيف؟ قال : أولئك كانوا يخفون نفاقهم وهؤلاء أعلنوه (2) " (3) .
وأما السنة : فجاءت بالإخبار بمشابهتهم في الدنيا ، وذم ذلك ، والنهي عن ذلك (4) وكذلك في الدين .
_________
(1) هو الصحابي الجليل : حذيفة بن حسل بن جابر بن العبسي، واليمان لقب أبوه حسل، وهو صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المنافقين، فقد أخبره بأسمائهم واستكتمه فحفظ سر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، شهد أحدا مع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه المدائن ببلاد فارس، فقام بالولاية أحسن القيام وفتح همدان والري وماه وسندان، وصالحه صاحب نهاوند . كان الناس يسألون الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الخير، وكان يسأله عن الشر مخافة أن يقع فيه، توفي رضي الله عنه في المدائن عام (36 هـ) . راجع : أسد الغابة (1 / 390- 392) ؛ والأعلام للزركلي (2 / 171) .
(2) في (أ) : أعلنوا .
(3) انظر : كنز العمال (1 / 367)، رقم (1615)، ورمز له بحرف (ش) أي عن ابن أبي شيبة .
(4) في (ط) : عنه .

(1/124)


فأما (1) الأول : الذي هو الاستمتاع بالخلاق (2) : ففي الصحيحين عن عمرو بن عوف (3) « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح (4) إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالَح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي (5) ، فقدم أبو عبيدة (6) بمال من البحرين (7) فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف ، فتعرضوا له في (8) ، فتبسم (9) رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ، ثم (10) قال : " أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين فقالوا : أجل يا رسول الله فقال : أبشروا وأملوا ما يسركم ، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم ، كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها ، كما تنافسوها ، فتهلككم كما أهلكتهم » (11) .
فقد أخبر (12) صلى الله عليه وسلم أنه لا يخاف (13) فتنة الفقر ، وإنما يخاف بسط الدنيا وتنافسها ، وإهلاكها ، وهذا هو الاستمتاع بالخلاق المذكور في الآية .
_________
(1) في (ط) : وأما .
(2) ومنه مشابهة الكفار - من أهل الكتاب وغيرهم - في اتباع الشهوات .
(3) هو الصحابي الجليل : عمرو بن عوف الأنصاري، حليف بني عامر بن لؤي، شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سكن المدينة ولا عقب له، روي عنه حديث واحد، رواه عنه المسور بن مخرمة، وهو هذا الحديث الذي ذكره المؤلف هنا، راجع : أسد الغابة (4 / 124) .
(4) في (ب) : رضي الله عنه .
(5) العلاء بن الحضرمي : صحابي، واسم الحضرمي - أبيه - عبد الله بن عباد بن أكبر ابن ربيعة، حليف حرب بن أمية، والحضرمي نسبة إلى حضرموت البلد المعروفة، أمره رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على البحرين، ثم أقره أبو بكر وكان أحد قادة جيوشه في حروب الردة، وبقي أميرا على البحرين، حتى أمره عمر بن الخطاب على الكوفة، توفي في طريقه إليها، كان مجاب الدعوة، وله كرامات منها عبوره خضم البحر على الخيل، توفي رضي الله عنه عام (21 هـ)، وقيل : (14 هـ)، والله أعلم . راجع : البداية والنهاية لابن كثير (7 / 120) ؛ وأسد الغابة (4 / 7 هـ) .
(6) هو الصحابي الجليل : عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب الفهري القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وسماه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأمين هذه الأمة، أسلم مبكرا، وشهد سائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو الذي نزع الحلقتين من وجه الرسول الله يوم أحد، فسقطت ثناياه رضي الله عنه، هاجر الهجرة الثانية إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة، ولاه عمر بن الخطاب قيادة جيوش الشام بدلا من خالد بن الوليد، فكان رضي الله عنه من الأبطال الأفذاذ، توفي بطاعون عمواس عام (18 هـ)، وقد توفي أولاده فلم يعقب . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (3 / 409- 415) ؛ وأسد الغابة (3 / 84 - 86) ؛ والبداية والنهاية لابن كثير (7 / 94) .
(7) في (ب) : بمال البحرين .
(8) (أ) : له : سقطت .
(9) في (ط) : فابتسم .
(10) ثم : ساقطة من (أ) .
(11) الحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد في المسند وغيرهم . انظر : فتح الباري، كتاب الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة، مع أهل الحرب (6 / 258)، حديث رقم (3158)، وكتاب المغازي، الباب (12) - غير مسمى - (7 / 319 - 320)، حديث رقم (4015) ؛ وصحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق الحديث رقم (2961) (4 / 2273)، وسنن الترمذي -كتاب صفة القيامة - الباب (28)، ج4 حديث رقم (2461)، وقال فيه الترمذي : « هذا حديث حسن صحيح » ؛ وسنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب فتنة المال، حديث رقم (3997) (2 / 1325) ؛ ومسند أحمد (4 / 137- 327) .
(12) في المطبوعة : أخبر النبي، بخلاف النسخ الأخرى .
(13) في المطبوعة : على أمته .

(1/125)


وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر (1) ، (2) « أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما ، فصلى على أهل أحد صلاته على (3) الميت ، ثم انصرف إلى المنبر فقال : " إني فرط لكم ، وأنا شهيد عليكم ، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن ، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض - أو مفاتيح الأرض - وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ، ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا (4) فيها » (5) .
وفي رواية : « ولكني (6) أخشى عليكم الدنيا (7) أن تنافسوا فيها وتقتتلوا ، فتهلكوا (8) كما هلك من كان قبلكم » قال عقبة : فكان آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر " (9) .
_________
(1) هو الصحابي الجليل : عقبة بن عامر بن عبس بن مالك الجهني، من أحسن الناس قراءة للقرآن، وكان راميا شجاعا، وروى (55) حديثا، ولي مصر سنة (44 هـ)، وتوفي بها عام (58 هـ) . انظر : أسد الغابة (3 / 412)، وانظر : الأعلام للزركلي (4 / 240) .
(2) في المطبوعة زاد : رضي الله عنه .
(3) في ( ط ) : صلاة الميت .
(4) في (أ ط) : تنافسوا فيها، بتاء واحدة، وكلها واردة في الصحيحين .
(5) ممن روى الحديث : البخاري ومسلم وأحمد في المسند والترمذي في سننه . انظر : فتح الباري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد، حديث رقم (1343) (3 / 209)، وأطراف الحديث في البخاري (3596، 4042، 6426، 6590) . وانظر : مسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصفاته (4 / 1795)، حديث رقم (2296) . وانظر : مسند أحمد (4 / 149) ؛ وسنن الترمذي، كتاب صفة القيامة، الباب (28)، حديث رقم (2462) (4 / 640)، وقال فيه الترمذي : « هذا حديث حسن صحيح » .
(6) في (ج د) : ولكن .
(7) في المطبوعة : « أخشى عليكم أن تنافسوا . . »، أي بحذف (الدنيا) .
(8) فتهلكوا . ساقطة من (ط) .
(9) هذه الزيادة، -أي : الرواية الأخيرة وقول عقبة - : أوردهما مسلم من طريق أخرى تحت رقم الحديث السابق (2296) (4 / 1796) . وقد أورد البخاري قول عقبة بلفظ : « فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم » . فتح الباري، كتاب المغازي، باب غزوة أحد (7 / 348- 349)، حديث رقم (4042) .

(1/126)


وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن (1) عمرو (2) رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم ؟ " قال عبد الرحمن بن عوف (3) نكون كما أمرنا الله عز وجل (4) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (5) تنافسون ، ثم تتحاسدون ، ثم تتدابرون أو (6) تتباغضون ، أو غير ذلك - ثم تنطلقون إلى مساكين (7) المهاجرين فتحملون (8) بعضهم على (9) رقاب بعض » (10) وفي الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه (11) قال : « جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله فقال : " إن مما أخاف عليكم بعدي : ما يفتح من زهرة الدنيا وزينتها ، فقال رجل : أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل : ما شأنك تكلم رسول الله ولا يكلمك؟ قال : ورأينا (12) أنه ينزل عليه (13) فأفاق يمسح عنه الرحضاء (14) وقال : أين هذا السائل؟ وكأنه حمده ، فقال : إنه لا يأتي الخير بالشر » وفي رواية : فقال : « أين السائل آنفا؟ أو خير هو؟ - ثلاثا - إن الخير لا يأتي إلا بالخير وإن مما ينبت الربيع : ما (15) يقتل حبطا (16) ، أو يلمّ (17) إلا آكلة الخضر (18) فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتها (19) استقبلت عين الشمس فثلطت (20) وبالت ، ثم رتعت (21) وإن هذا المال خضر
_________
(1) في المطبوعة : ابن عمر، والصحيح : ابن عمرو، كما هو مثبت في جميع النسخ المخطوطة .
(2) هو الصحابي الجليل : عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، أسلم قبل أبيه، وكان يكتب عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم الحديث بإذنه، في صحيفة سماها : الصادقة، وكان من علماء الصحابة وعبادهم، وشهد فتح الشام مع أبيه ، وشهد صفين بأمر أبيه وهو كاره، فكان يقول بعد ذلك : ما لي ولصفين؟، ولاه معاوية الكوفة، وتوفي بمصر - وقيل : بالشام - سنة (65 هـ) . انظر : البداية والنهاية لابن كثير (8 / 263- 264) ؛ والطبقات الكبرى لابن سعد (4 / 261 - 268) .
(3) هو الصحابي الجليل : عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحرث بن زهرة القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى الذين عينهم عمر ، وتنازل عن حقه فتولى أمر الشورى حتى بويع عثمان، وهو من أوائل الصحابة إسلاما، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويعد من أغنياء الصحابة، وكان كثير الإنفاق في سبيل الله، قال عنه عمر : سيد من سادات المسلمين، توفي بالمدينة سنة (32 هـ) . انظر : الإصابة في تمييز الصحابة (2 / 416، 417) ت (5179) ع .
(4) عز وجل : لا توجد في رواية مسلم التي بين أيدينا .
(5) في مسلم : « أو غير ذلك؟ تتنافسون . . » الحديث .
(6) في مسلم : « ثم تتباغضون أو نحو ذلك» .
(7) في (أ) والمطبوعة : إلى مساكن المهاجرين، وفي مسلم : في مساكين المهاجرين .
(8) في مسلم : فتجعلون .
(9) على : ساقطة من (أ) .
(10) انظر الحديث في صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، حديث رقم (2962) (4 / 2274)، ومعنى تحملون بعضهم على رقاب بعض، أي : تجعلون بعضهم أمراء على بعض . انظر : شرح النووي على مسلم (18 / 97) .
(11) هو الصحابي الجليل : سعد بن مالك بن ثعلبة الأنصاري، الخزرجي، من فقهاء الصحابة، ومن المكثرين لرواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان أول مشاهده الخندق لصغر سنه، ثم شهد ما بعدها ؛ وكان من علماء الصحابة ونجبائهم، توفي رضي الله عنه سنة (74 هـ) . انظر : أسد الغابة (5 / 211) ؛ والبداية والنهاية لابن كثير (9 / 3، 4) .
(12) في (أ) : وروينا ، وهو تحريف من الناسخ .
(13) في (أ ج) : عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(14) الرحضاء : العرق .
(15) في (أ ط) : سقطت ما .
(16) الحبط : انتفاخ البطن من كثرة الأكل، أو أكل ما لا يوافق، فهناك أنواع من الأعشاب والشجيرات، إذا أكثرت منها الأنعام ؛ انتفخت بطونها وانحبس فيها الأكل حتى تهلك . راجع : القاموس المحيط، باب الطاء فصل الحاء (2 / 366) . وراجع : المعجم الوسيط، باب الحاء مادة حبط (1 / 153) .
(17) أو يلم : أي يقرب من القتل . راجع : القاموس المحيط ( 4 / 179) .
(18) الخضر : الغصن والزرع والبقلة الخضراء . انظر : القاموس المحيط فصل الخاء باب الراء (2 / 21)، فالخضر هنا هو : البقول التي ترعاها المواشي بعد يبسها، وكذلك نوع من البقول ليس من جيدها . انظر : هامش صحيح مسلم (2 / 727) .
(19) امتدت خاصرتها : أي شبعت ، وفي (أ ط) : خاصرتاها ، والخاصرة هي : الشاكلة وهي ما يلي الورك من البطن . انظر : القاموس المحيط (2 / 21) .
(20) ثلطت : أي ألقت بعرها سهلا رقيقا ، فلا يكتنز في بطنها وينفخها وقد يقتلها . راجع : مختار الصحاح ، باب الثاء ، مادة : ثلط .
(21) في هذا الحديث ضرب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثلين : الأول : للمفرط في جمع الدنيا بنهم ، وهو مغرم بها معجب بزهرتها وزهوها وخبيثها ، ثم هو مانع لما عليه من حقوق ، أو مقصر ، وقد يكون فيها هلاكه في دينه أو دنياه أو كليهما ، فهذا مثله كمثل النعم التي تقبل على نبات الربيع فتستطيبه وتأكل منه بإكثار حتى تنتفخ بطونها فتهلك ، أو تقارب الهلاك . والثاني : للمقتصد في جمع الدنيا من وجوهها الحلال ، والمؤدي حقها من صدقة أو زكاة ، فمثله مثل النعم التي تأكل الخضرة الطيبة السهلة ثم لا تكثر فيها ، فتتوقف عن الأكل وتستريح وتجتر حتى تهضم طعامها ثم تخرجه سهلا كما أكلته سهلا .

(1/127)


حلو ، ونعم صاحب المسلم هو ، لمن أعطى منه المسكين واليتيم ، وابن السبيل - أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وإنه من يأخذه (1) بغير حقه كالذي (2) يأكل ولا يشبع ، ويكون عليه شاهدا (3) يوم القيامة » (4) .

وروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الدنيا حلوة (5) خضرة ، وإن الله سبحانه مستخلفكم فيها ، فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا ، واتقوا النساء (6) ، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء » (7)
فحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة النساء ، معللا بأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء .
وهذا نظير ما سنذكره من حديث معاوية (8) عنه صلى الله عليه وسلم أنه (9) قال : « إنما هلك (10) بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم » (11) - يعني وصل الشعر - .
_________
(1) في (ب) : يأخذ ، بدون الهاء .
(2) في (ب) : كان كالذي .
(3) في المطبوعة : شاهدا .
(4) أخرجه البخاري في أكثر من موضع ؛ انظر : الجهاد، باب فضل النفقة في سبيل الله، الحديث رقم (2842) ؛ وفتح الباري (6 / 48، 49)، والأحاديث رقم (921، 1465، 6427) وأخرجه مسلم في صحيحه من أكثر من طريق، انظر : كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، الحديث رقم (1052)، (2 / 727، 728، 729) .
(5) في (ب) : خضرة حلوة . وكذلك في بعض روايات الحديث .
(6) اتقوا النساء : أي اتقوا فتنة النساء، وذلك لما يحدث من الكثير منهن من التأثير على الرجال، وفتنتهم بالتبرج، والإغراء، والخضوع بالقول، وإغرائهم بالإخلاد إلى الدنيا ومتعتها وشهواتها، والقعود عن الجهاد، ولما جبلت عليه أكثر النساء من نقص العقل والدين .
(7) انظر : صحيح مسلم، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان فتنة النساء، حديث رقم (2742) (4 / 2098) .
(8) هو الصحابي الجليل : معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية القرشي الأموي، أسلم عام الفتح، وجعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كتاب الوحي، وشهد حنينا ثم اليمامة، وروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحاديث كثيرة، وكان سيدا حليما مع كرم وشهامة، ولاه عمر الشام، ثم عثمان، فأحسن الولاية، وأقام الجهاد، وفي عهد علي طالب بدم عثمان وبالغ في ذلك حتى وقعت الفتنة المشهورة في صفين والجمل، ولما قتل ابن ملجم عليا رضي الله عنه، بايع المسلمون لمعاوية الخلافة، واجتمعت عليه الكلمة حين صالحه الحسن رضي الله عنه عام (40 هـ) حتى توفي رضي الله عنه سنة (60 هـ) . انظر : البداية والنهاية (8 / 117- 144) .
(9) أنه : سقطت من (ب) .
(10) في (ب ط) : أهلك، وفي بعض روايات البخاري ومسلم : هلكت .
(11) صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة، الحديث رقم (2127)، (3 / 1679) .

(1/128)


وكثير من مشابهات أهل الكتاب في أعيادهم ، وغيرها ، إنما يدعو إليها النساء (1) وأما الخوض كالذي خاضوا (2) : (3) فروينا من حديث الثوري (4) ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي (5) عن عبد الله بن يزيد (6) ، عن عبد الله بن عمرو (7) رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ، حتى إذا (8) كان منهم من أتى أمه علانية كان (9) في (10) أمتي من يصنع ذلك ، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة (11) ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة " قالوا : من هي يا رسول الله؟ قال : "ما أنا عليه اليوم (12) وأصحابي » رواه أبو عيسى (13) الترمذي (14) وقال : " هذا حديث غريب مفسر (15) ، لا نعرفه (16) إلا من هذا الوجه (17) .
وهذا الافتراق مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة ، وسعد (18) ومعاوية ، وعمرو (19) بن عوف ، وغيرهم ، وإنما ذكرت حديث (20) ابن عمرو ؛ لما فيه من ذكر (21) المشابهة .
_________
(1) وهذا يعني أن النساء هن أول من يقع في التقليد والتشبه، وآخر من يفطن ويعقل خطر ذلك وسوء مغبته على الفرد والمجتمع، في الدين والدنيا، ونحن نجد نساء المسلمين اليوم مع الأسف أكثر انزلاقا ومتابعة للموضات (والموديلات)، وأكثر شغفا بالتقاليد والعادات والأخلاق الوافدة من الكفار، السيئ والقبيح منها قبل الحسن .
(2) في (أ ب) : خاضوه .
(3) هذا - الذي هو الخوض - هو النوع الثاني، والنوع الأول هو الاستمتاع بالخلاق، مر (ص125) .
(4) هو : سفيان، كما نص عليه الترمذي (5 / 25)، وهو : سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، نسبة إلى ثور أحد أجداده، ولد سنة (97 هـ)، وكان إماما من أئمة المسلمين في العلم والفقه والحديث، ثقة، حجة، ثبتا، حتى قال عنه ابن معين وغيره : أمير المؤمنين في الحديث، توفي بالبصرة سنة (161 هـ) . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (6 / 371، 374) ؛ والبداية والنهاية (10 / 134) .
(5) هو : عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري الإفريقي، أبو خالد، يقال : هو أول من ولد في الإسلام بإفريقية (ببرقة) سنة (75 هـ)، وكان رجلا صالحا، تولى قضاء القيروان، واشتهر بالجرأة في الحق، لكنه ضعيف في الحديث من قبل حفظه، توفي سنة (156 هـ)، وقيل : سنة (161 هـ) بالقيروان . انظر : تقريب التهذيب (1 / 480)، (ت 938) ؛ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (5 / 235)، (ت 1111) ؛ والأعلام للزركلي (3 / 307) .
(6) هو : عبد الله بن يزيد المعافري الحبلي المصري، أبو عبد الرحمن، كان صالحا فاضلا، وثقه ابن معين وابن حبان وابن سعد والعجلي وغيرهم، بعثه عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية ليفقههم، ومات هناك بباب تونس . انظر : تهذيب التهذيب (6 / 81، 82) ؛ واللباب في تهذيب الأنساب (1 / 197) .
(7) في (ج د) : ابن عمر، وهو خطأ من الناسخين .
(8) في الترمذي و(أ) و(ط) : إن .
(9) في الترمذي : لكان، وفي المستدرك : كان .
(10) في المطبوعة : من، وهو خلاف الترمذي والنسخ الأخرى .
(11) ملة : سقطت من ( ط) .
(12) اليوم : سقطت من (أ ط) ، ولا توجد في نسخة الترمذي التي بين يدي، تحقيق إبراهيم عطوة عوض، لكنها موجودة في رواية الحاكم في المستدرك، وستأتي الإشارة إليها .
(13) الترمذي : سقطت من (ب) ، ولعله سهو من الناسخ .
(14) هو : محمد بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي، أبو عيسى، الترمذي الضرير، أحد أئمة الحديث في زمانه، ولد سنة (209 هـ)، كان يضرب به المثل في الحفظ، شهد له الأئمة المعاصرون له ومن جاء بعده بالإتقان والحفظ وطول الباع في الحديث وعلومه، وهو صاحب السنن المعروفة بسنن الترمذي (الجامع الصحيح)، أحد الكتب الستة التي اتفق المسلمون على اعتبارها والرجوع إليها، توفي عام (279 هـ) . راجع : البداية والنهاية (11 / 66) ؛ والأعلام للزركلي (6 / 322) .
(15) في (د) : مقولا، وهو بعيد . إنما هو «مفسر»، كما هي في الترمذي .
(16) في الترمذي قال : « لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه » أي بزيادة قول : « مثل هذا » .
(17) رواه الترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، حديث رقم (2641)، (5 / 25- 26) . وأخرجه أيضا بهذا اللفظ الحاكم في المستدرك، كتاب العلم (1 / 128 - 129)، مع اختلاف يسير بالألفاظ، والسند واحد . وفيه عبد الرحمن بن زياد ضعيف .
(18) هو الصحابي الجليل : سعد بن مالك بن أهيب بن عبد مناف القرشي الزهري، من المسلمين الأوائل، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن فرسان الصحابة، وأول من رمى بسهم في سبيل اللهو وأحد الستة أهل الشورى الذين عينهم عمر، ومن كبار قادة الفتح في عهد الخلفاء الراشدين، وولي الكوفة في عهد عمر، وكان مجاب الدعوة، وممن اعتزلوا الفتنة، توفي سنة (56 هـ) . انظر : الإصابة (2 / 33، 34)، (ت 3194) .
(19) في (أ) : عمر بن عوف، والصحيح : عمرو بن عوف .
(20) حديث : ساقطة من (ط) .
(21) ذكر : سقطت من المطبوعة .

(1/129)


فعن محمد بن عمرو (1) عن أبي سلمة (2) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « تفترق اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق (3) أمتي على ثلاث وسبعين فرقة » . رواه أبو داود (4) ، وابن ماجه (5) ، والترمذي وقال : " هذا حديث (6) حسن صحيح " (7) .
وعن معاوية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة » .
وقال : « إنه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ، والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمد لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به » (8) .
هذا حديث محفوظ من حديث صفوان بن عمرو (9) ، عن الأزهر بن عبد الله الحرازي (10) ، (11) عن أبي عامر عبد الله بن لحي (12) عن معاوية . رواه عنه غير واحد ، منهم : أبو اليمان (13) ، وبقية (14) وأبو المغيرة (15) . رواه أحمد وأبو داود في سننه .
_________
(1) هو : محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال عنه ابن حجر في التقريب : « صدوق، له أوهام »، أخرج له الأربعة، والبخاري مقرونا بغيره، ومسلم في المتابعات، توفي سنة (145 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (9 / 375 - 377)، (ت 617) ؛ وتقريب التهذيب (2 / 196)، (ت 583) .
(2) هو : أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، من الطبقة الأولى من التابعين، ولد عام (22 هـ)، وكان أحد فقهاء المدينة وولي قضاءها في عهد معاوية، ومن الرواة الأثبات المكثرين للرواية عن الصحابة، توفي بالمدينة سنة (94 هـ) . انظر : البداية والنهاية (9 / 116) ؛ والطبقات الكبرى لابن سعد (5 / 155) .
(3) في (د) : وتفرقت .
(4) هو : سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عمر - أو عمران - ، ولد سنة (202 هـ)، وهو أحد أئمة الحديث الحفاظ، ومن أعلام المسلمين فقها وعلما وورعا، ومن أشهر من خدم العلم والسنة وجمع وصنف وذب عنها . ومن أشهر مؤلفاته كتابه السنن أحد الكتب الستة التي اتفق أهل العلم على قبولها وصحتها في الجملة، وتوفي رحمه الله سنة (298 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (4 / 169- 173) ، (ت 298) .
(5) هو : محمد بن يزيد بن ماجه الربعي - بالولاء - القزويني، أبو عبد الله الحافظ، ولد سنة (207 هـ)، من أئمة الحديث الحفاظ المتقنين والعلماء المحتج بهم، صاحب السنن المشهورة بسنن ابن ماجه، وصنف في التفسير والتاريخ، وتوفي رحمه الله سنة (275 هـ) . انظر : البداية والنهاية (11 / 52) ؛ وتهذيب التهذيب (9 / 530 - 532)، (ت 870) .
(6) هذا الحديث : سقطت من (ب) .
(7) انظر : سنن أبي داود، كتاب السنة، الحديث رقم (4596)، (5 / 4) ؛ وسنن ابن ماجه، باب افتراق الأمم، الحديث رقم (3991) ، (2 / 1321) ؛ وسنن الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، حديث رقم (2640) ، (5 / 25)، وقال : « حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح » .
(8) أخرجه أحمد في المسند (4 / 102) . وأبو داود - مختصرا - في كتاب السنة، باب شرح السنة، الحديث رقم (4597) ، (5 / 5 ، 6) . وابن أبي عاصم في كتاب السنة، ذكر الأهواء المذمومة، الحديث رقم (1 ، 2) ، (1 / 7 ، 8) ، من طريقين، ولم يذكر قوله : « والله يا معشر العرب . . » إلخ الحديث . وأخرجه الحاكم في المستدرك (1 / 128) .
(9) هو : صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي الحمصي، أبو عمرو، ثقة، من الطبقة الخامسة، أخرج له مسلم وغيره، توفي سنة (155 هـ) . انظر : تقريب التهذيب (1 / 368)، (109) .
(10) هو : أزهر بن عبد الله الحرازي الحمصي، صدوق، متهم بالنصب، وأخرج له أبو داود والنسائي والترمذي، يعد من الطبقة الخامسة . انظر : خلاصة التهذيب (ص25)، (وتقريب التهذيب (1 / 52)، (ت 351) .
(11) في (ج د) : الحرامي، وهو تحريف من النسخ .
(12) في المطبوعة : بن يحيى، وهو خطأ، فالصحيح : بن لحي، كما هو مثبت، وترجمته : عبد الله بن لحي الهوزني الشامي الحمصي، أبو عامر، ثقة، من الطبقة الثانية من التابعين وانظر : تقريب التهذيب (1 / 444) ، ( ت 573 ) .
(13) هو : الحكم بن نافع البهراني ، الحمصي ، ثقة ، ثبت ، من الطبقة العاشرة توفي سنة (122 هـ) ، أخرج له الستة انظر : تقريب التهذيب ( 1 / 193) ، ( ت 505) .
(14) هو : بقية بن الوليد بن صائد الحميري ، صدوق ، كثير التدليس عن الضعفاء ، مات سنة ( 197 هـ) انظر : تقريب التهذيب ( 1 / 105) ، ( ت 108 ) .
(15) هو : عبد القدوس بن الحجاج الخولاني ، الحمصي ، ثقة ، من الطبقة التاسعة ، مات سنة ( 212 هـ) أخرج له الستة انظر : تهذيب التهذيب (1 / 515) ، ( ت 1274) .

(1/130)


وقد روى ابن ماجه هذا المعنى (1) من حديث صفوان بن عمرو ، عن راشد بن سعد (2) ، عن عوف بن مالك الأشجعي (3) ، ويروى من وجوه أخرى ، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بافتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة ، واثنتان (4) وسبعون ؛ لا ريب أنهم الذين خاضوا كخوض الذين من قبلهم .
_________
(1) انظر : سنن ابن ماجه ، كتاب الفتن ، باب افتراق الأمم ، الحديث رقم ( 3992) ، (2 / 1322) .
(2) هو : راشد بن سعد المقرلئي الحميري الحمصي ، ثقة ، كثير الإرسال ، من الطبقة الثالثة ، توفي سنة ( 108 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب ( 1 / 240) ، ( ت3) .
(3) هو الصحابي الجليل : عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفاني ، أسلم قبل حنين ، وشهدها ، وشهد الفتح ، وكانت معه راية قومه ، وشهد خيبر ، ثم فتوح الشام ، ونزل حمص ، وتوفي رضي الله عنه سنة ( 73 هـ) . انظر : البداية والنهاية ( 8 / 446) ؛ وأسد الغابة ( 4 / 156) .
(4) في ( أ ط ) : والثنتان .

(1/131)


ثم هذا الاختلاف الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إما في الدين فقط ، وإما في الدين والدنيا ثم قد يؤول إلى الدماء (1) وقد يكون الاختلاف في الدنيا فقط (2) .
وهذا الاختلاف الذي دلت عليه هذه الأحاديث ، هو مما نهي (3) عنه في قوله سبحانه : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا } (4) ، (5) .
وقوله : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } (6) ، وقوله : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ } (7) ، (8) وهو موافق لما رواه (9) مسلم (10) في صحيحه ، عن عامر بن سعد (11) بن أبي وقاص عن أبيه (12) « أنه أقبل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه ، من العالية (13) حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا ، ثم انصرف إلينا فقال : " سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ، ومنعني واحدة : (14) سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنَة (15) فأعطانيها وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها ، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها » (16) .
_________
(1) في المطبوعة : إلى الدنيا . والأصح : إلى الدماء ، كما هو في جميع النسخ المخطوطة ، ومعنى أنه قد يؤول إلى الدماء : أنه قد تحدث منه فتن وخصومات يحمل فيها السلاح ، ثم يتقاتل الناس فتسيل الدماء ، وهذا ما حدث فعلا من الخوارج ، والمعتزلة ، والشيعة ، والقرامطة ، والنصيرية ، وأصحاب الاتجاهات والمذاهب المعاصرة من اليساريين ، والقوميين ، والبعثيين ، والاشتراكيين ، ونحوهم ، فهؤلاء يثيرون الفتن ويستحلون الدماء في سبيل تحقيق مبادئهم وأهوائهم وفرضها على الأمة ، والواقع يشهد بذلك .
(2) الاختلاف في الدنيا فقط كالخصومات على الأموال والعقارات ونحوها التي تقع بين الناس .
(3) في المطبوعة : نهى الله .
(4) في المطبوعة : أكمل الآية إلى قوله تعالى ( لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) .
(5) سورة آل عمران : من الآية 105 .
(6) سورة الأنعام : من الآية 159 .
(7) في المطبوعة : زاد من الآية قوله تعالى : ( فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) .
(8) سورة الأنعام : من الآية 153 .
(9) في (أ ب ط) : لما روى .
(10) هو : الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري ، النيسابوري ، ولد عام (204 هـ) ، وقيل : (206 هـ) ، أحد الأئمة الحفاظ الأعلام ، صاحب الصحيح المشهور بصحيح مسلم ، ثاني كتب السنة بعد صحيح البخاري ، كما أن له مصنفات أخرى في الحديث وعلومه، وكان رحمه الله عالما تقيا ورعا، مجمعا على إمامته وفضله، توفي سنة (261 هـ) . انظر : البداية والهداية (11 / 33، 34) . وانظر : الترجمة التي كتبها محمد فؤاد عبد الباقي في صحيح مسلم (5 / 591) .
(11) هو : عامر بن سعد بن أبي وقاص الليثي، تابعي، جليل، ثقة، كثير الحديث، سمع عن بعض الصحابة، وسمع عنه سعيد بن المسيب، ومجاهد، والزهري، وأشعث بن إسحاق، وغيرهم، توفي بالمدينة عام (104 هـ) . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (5 / 167) ؛ والجرح والتعديل (6 / 321) .
(12) في (ب) : رضي الله عنه .
(13) العالية : ما كان من جهة نجد من المدينة . انظر : معجم البلدان لياقوت (5 / 71)، حرف العين .
(14) في المطبوعة : وسألت، وهو خلاف ما في مسلم والنسخ الأخرى .
(15) السنة : الجدب والقحط الذي يعم . انظر : القاموس المحيط، فصل السين باب الهاء، (4 / 287، 288) .
(16) الحديث في صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، حديث رقم (2890)، (4 / 2216) .

(1/132)


وروى (1) أيضا في صحيحه عن ثوبان (2) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله زوى لي الأرض ، فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى (3) لي منها ، وأعطيت الكنزين : الأحمر والأبيض (4) وإني سألت ربي لأمتي : أن لا يهلكها بسنة (5) بعامة ، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم ، فيستبيح بيضتهم (6) ، وإن ربي قال : يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد ، وإني أعطيتك لأمتك أن (7) لا أهلكهم بسنة بعامة (8) ، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى (9) أنفسهم ، فيستبيح (10) بيضتهم ، ولو اجتمع عليهم (11) من بأقطارها - أو قال : من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ، ويسبي (12) بعضهم بعضا » (13) .
ورواه البرقاني (14) في صحيحه وزاد : « وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين ، وحتى يعبد (15) فئام (16) من أمتي الأوثان ، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون ، كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ، ولا تزال (17) ، طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى » (18) .
_________
(1) أي : مسلم .
(2) هو مولى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ثوبان بن بجدد، ويقال : ابن جحدر، من اليمن، أصابه سبي في الجاهلية، فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأعتقه وخيره بين قومه والبقاء عنده، فأقام على ولاء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يفارقه أبدا حضرا ولا سفرا، وشهد فتح مصر بعد ذلك، ثم نزل حمص ، وابتنى بها دارا، فأقام بها حتى مات، وقيل : إنه مات بمصر، وذلك سنة (54 هـ) رضي الله عنه . انظر : البداية والنهاية لابن كثير (5 / 314) .
(3) في المطبوعة : ما روى منها - بالراء المهملة - وبسقوط كلمة لي، وفي صحيح مسلم والنسخ الأخرى كما أثبته .
(4) الكنزان الأحمر والأبيض هما : الذهب والفضة، وفي ذلك إشارة على ملكي كسرى وقيصر، لأنهما اشتملا على الذهب والفضة، كما فيه إشارة إلى الشام وتوابعها، والعراق وتوابعها، وفي ذلك معجزة كبرى تحققت من معجزات الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(5) بسنة ساقطة من (ط) .
(6) بيضتهم : أي أصلهم، وحوزتهم، وعزهم، ومنعتهم، و(ط) قال : بيضتهم ، السنة، وهي زيادة . انظر : مختار الصحاح، مادة (ب ي ض)، (ص 71) .
(7) في (ب) : أني .
(8) في (أ) : عامة، ومعنى بعامة : أي جميعها .
(9) في (أ) : عدوي سوى .
(10) في (ج ط) : يستبيح، بدون الفاء .
(11) في (ج د) : عليه .
(12) في (ب) : ويستبي .
(13) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، حديث رقم (2889)، (4 / 2215) .
(14) البرقاني، هو الحافظ أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب البرقاني أبو بكر، ولد سنة (333 هـ)، ورحل في طلب العلم، وجمع الكتب، كان عالما بالقرآن، والحديث والفقه والنحو، وله مصنفات في الحديث حسنة، توفي رحمه الله سنة (425 هـ) . انظر : البداية والنهاية (12 / 36) ؛ واللباب في تهذيب الأنساب (1 / 140) .
(15) في (أ ب ج د ط) : تعبد .
(16) الفئام : الجماعات من الناس .
(17) في (أ) : يزال.
(18) حديث ثوبان هذا - مع الزيادة التي ذكرها المؤلف - رواه بتمامه أبو داود في سننه، كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها، حديث رقم (4252)، (4 / 450، 451، 452) . ورواه الترمذي في مواضع من كتاب الفتن مجزءا، حديث رقم (2202)، ولم يسم الباب، ورقم (2219)، باب ما جاء : لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون (4 / 490) و (499)، وقال فيهما الترمذي : « حديث حسن صحيح » كلا الحديثين . كما رواه ابن ماجه في سننه - مع اختلاف يسير في ألفاظ الحديث -، كتاب الفتن، باب ما يكون من الفتن، حديث رقم (3952)، (2 / 1304) .

(1/133)


وهذا المعنى محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه ، يشير إلى أن التفرقة والاختلاف لا بد من وقوعهما (1) في الأمة ، وكان يحذر أمته (2) ؛ لينجو منه (3) من شاء الله له السلامة ، كما روى النزال بن سبرة (4) ، عن عبد الله بن مسعود قال : « سمعت رجلا قرأ آية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها ، فأخذت بيده ، فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فعرفت في وجهه الكراهية ، وقال : " كلاكما محسن ، ولا تختلفوا ؛ فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا » رواه مسلم (5) .
نهى النبي (6) صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف الذي فيه جحد (7) كل واحد من المختلفين ما مع الآخر من الحق ؛ لأن كلا القارئين كان محسنا فيما قرأه ، وعلل ذلك : بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا .
ولهذا قال حذيفة لعثمان (8) : " أدرك هذه الأمة ، لا تختلف في الكتاب كما اختلف (9) فيه الأمم (10) قبلهم " (11) لما رأى أهل الشام والعراق (12) يختلفون في حروف القرآن ، الاختلاف الذي نهى عنه النبي (13) (14) صلى الله عليه وسلم .
فأفاد ذلك بشيئين : أحدهما : تحريم الاختلاف في مثل هذا .
والثاني : الاعتبار بمن كان قبلنا ، والحذر من مشابهتهم .
_________
(1) في (أ ب ط) : وقوعها .
(2) في (أ ب ج د) : منه .
(3) في المطبوعة : وكان يحذر أمته منه لينجو من الوقوع فيه من شاء الله .
(4) هو : النزال بن سبرة الهلالي العامري، معدود في كبار التابعين وفضلائهم، وقيل بأنه رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، روى عن علي وعبد الله بن مسعود وغيرهما ، وروى عنه الشعبي والضحاك وغيرهما، قال عنه يحيى بن معين وغيره : ثقة . انظر : كتاب الجرح والتعديل (7 / 498)، ترجمة رقم (2279) ؛ وأسد الغابة (5 / 45) .
(5) الحديث لم أجده في مسلم، إنما وجدته في البخاري ومسند أحمد . انظر : صحيح البخاري، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص، والخصومة بين المسلم واليهود، في فتح الباري، حديث رقم (2410) (5 / 70)، وقد أخرجه البخاري في أكثر من موضع، وأطرافه : (3476، 5062) من فتح الباري ؛ ومسند أحمد (1 / 412، 456) .
(6) في (أ ط) : نهى صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(7) في (ط) : حجة .
(8) هو الخليفة الثالث من الخلفاء الراشدين : عثمان بن عفان بن أبي العاص القرشي، أسلم قديما بمكة، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وقد تزوج رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهاجرت معه الهجرتين للحبشة، ولما ماتت تزوج بعدها أم كلثوم أختها، فسمي بذي النورين، وهاجر إلى المدينة بعد قدومه من الحبشة ، واشتغل بتمريض رقية عن شهود بدر، فأسهم له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعده من أهل بدر، وشهد أحدا، وسائر المشاهد، وبايع عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم الحديبية، فكان من أهل الشجرة، وجهز جيش العسرة من ماله، وجاء بألف دينار حينئذ وضعها في حجر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم » وعده رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العشرة المبشرين بالجنة، وقد اشتهر رضي الله عنه بالحياء والكرم، ووردت في فضله أحاديث كثيرة، اختاره أهل الشورى للخلافة بعد عمر، ثم قتل مظلوما رضي الله عنه عام (35 للهجرة) . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (3 / 53- 84) ؛ والبداية والنهاية (7 / 199- 223) .
(9) في المطبوعة : اختلفت .
(10) في (أ) : الأمة قبلهم . وفي (ط) : الأمم من قبلهم .
(11) رواه البخاري، ولفظه : « أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى » أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، الحديث رقم (4987) من فتح الباري (8 / 11) .
(12) في المطبوعة : وأهل العراق .
(13) في المطبوعة : رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(14) في (أ ط) : نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه .

(1/134)


واعلم أن أكثر الاختلاف بين الأمة الذي يورث الأهواء ؛ تجده من هذا الضرب ، وهو : أن يكون كل واحد من المختلفين مصيبا فيما يثبته ، أو في بعضه مخطئا في نفي ما عليه الآخر ، كما أن القارئين كل منهما كان مصيبا في القراءة بالحرف الذي علمه ، مخطئا في نفي حرف غيره ؛ فإن أكثر الجهل إنما يقع في النفي الذي هو الجحود والتكذيب ، لا في الإثبات ، لأن إحاطة الإنسان بما يثبته أيسر من إحاطته بما ينفيه ولهذا نهيت هذه (1) الأمة أن تضرب آيات الله بعضها ببعض ؛ لأن مضمون الضرب : الإيمان بإحدى الآيتين والكفر بالأخرى - إذا اعتقد أن بينهما تضادا - إذ الضدان لا يجتمعان .
ومثل ذلك : ما رواه مسلم - أيضا - عن عبد الله بن رباح الأنصاري (2) أن عبد الله بن عمرو (3) قال : « هجرت (4) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ، فسمع (5) أصوات رجلين اختلفا في آية ، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب ، فقال : " إنما هلك من كان قبلكم من الأمم (6) باختلافهم في الكتاب » (7) .
فعلل غضبه صلى الله عليه وسلم (8) بأن الاختلاف في الكتاب سبب (9) هلاك من كان قبلنا ، وذلك يوجب مجانبة طريقهم في هذا عينا ، وفي غيره نوعا (10) .
_________
(1) في (أ ط) سقطت : هذه .
(2) هو : أبو خالد، عبد الله بن رباح الأنصاري المدني، سكن البصرة، وثقة العجلي وابن سعد والنسائي وغيرهم توفي في حدود سنة (90 هـ) . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (7 / 212) ؛ وتهذيب التهذيب (5 / 207)، (ت 357) .
(3) في (ج د) : ابن عمر . وهو خطأ فالصحيح : ابن عمرو .
(4) أي ذهبت في الهاجرة، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر . مختار الصحاح، مادة (هـ ج ر)، (690) .
(5) في المطبوعة : فسمعت . لكنه في مسلم (فسمع) كالنسخ الأخرى .
(6) من الأمم : ساقطة من (أ ط) . ولعله سهو من الناسخين .
(7) رواه مسلم في كتاب العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن، الحديث رقم (2666)، (4 / 2053) .
(8) في (أ ج د ط) : أسقط (صلى الله عليه وسلم) .
(9) في المطبوعة : هو كان سبب هلاك من قبلنا .
(10) يعني : أنه تجب مجانبة طريقهم في الاختلاف في الكتاب نصا وتعيينا، وغيره تجب مجانبتهم فيه لعموم النهي في نصوص أخرى ولاندراج قاعدة القياس في النهي عما لم يرد فيه نص، مع العلم أنه وردت نصوص في عموم النهي، ونصوص خصصت أشياء، وقد فصلها المؤلف من خلال هذا الكتاب كله، بل هي مدار البحث .

(1/135)


والاختلاف على ما ذكره الله في القرآن قسمان :
أحدهما : يذم (1) الطائفتين جميعا ، كما في قوله : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ }{ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } (2) فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف ، وكذلك قوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } (3) وكذلك قوله : { وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } (4) وقوله : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ } (5) وقوله : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } (6) .
وكذلك وصف (7) اختلاف النصارى بقوله : { فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } (8) .
_________
(1) في المطبوعة : أنه يذم .
(2) سورة هود : من الآيتين 118 ، 119 .
(3) سورة البقرة : الآية 176 .
(4) سورة آل عمران : الآية 19 .
(5) سورة آل عمران : الآية 105 .
(6) سورة آل عمران : الآية 159 .
(7) في (ط) : خلط الناسخ بين هذه الآية 14 من سورة المائدة والتي بعدها من سورة المائدة : الآية 64 .
(8) سورة المائدة : الآية 14 .

(1/136)


ووصف (1) اختلاف اليهود بقوله : { وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ } (2) وقال : { فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } (3) .
وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما وصف أن الأمة تفترق (4) على ثلاث وسبعين فرقة ؛ قال : « كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة » (5) ، وفي الرواية الأخرى : « من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي » (6) .
فبين : أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين ، إلا فرقة واحدة ، وهم أهل السنة والجماعة .
وهذا الاختلاف المذموم من الطرفين يكون سببه تارة : فساد النية ؛ لما في النفوس من البغي والحسد وإرادة العلو في الأرض (7) ، ونحو ذلك ، فيجب (8) لذلك ذم قول غيرها ، أو فعله ، أو غلبته ليتميز (9) عليه ، أو يحب قول من يوافقه في نسب أو مذهب (10) أو بلد أو صداقة ، ونحو ذلك ، لما في قيام قوله من حصول الشرف والرئاسة (11) ، وما أكثر هذا من بني آدم ، وهذا ظلم .
_________
(1) ووصف : سقطت من (أ) .
(2) سورة المائدة : الآية 64 .
(3) سورة المؤمنون : الآية 53 .
(4) في (ب) والمطبوعة : ستفترق .
(5) سبقت الإشارة إلى الحديث، ولمزيد الفائدة راجع ما ذكره الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (ج1)، حديث رقم (204) حول الحديث، خاصة قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « كلها في النار . . » إلخ . والرواية الأخرى التي أشار إليها المؤلف كما أخرج الحاكم هذا الحديث في المستدرك (1 / 128- 129) من طرق يعضد بعضها بعضا . وقال الحاكم : « هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح الحديث » (1 / 128) .
(6) نفس التعليق السابق .
(7) في المطبوعة زيادة : بالفساد .
(8) في المطبوعة : فيجب لذلك ذم قول غيره . . إلخ .
(9) في المطبوعة : ليتميز .
(10) أو مذهب : ساقطة من (أ ط) .
(11) في المطبوعة : في حصول الشرف والرئاسة له .

(1/137)


ويكون سببه - تارة - (1) جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه ، أو الجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر ، أو جهل (2) أحدهما بما مع الآخر من الحق : في الحكم ، أو في الدليل ، وإن كان عالما بما مع نفسه من الحق حكما ودليلا .
والجهل والظلم : هما أصل كل شر ، كما قال سبحانه : { وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } (3) .
_________
(1) في المطبوعة : تارة أخرى .
(2) في (ج د) : وجهل .
(3) سورة الأحزاب : الآية 72 .

(1/138)


أما أنواعه : فهو (1) في الأصل قسمان : اختلاف تنوع (2) واختلاف تضاد .
واختلاف التنوع على وجوه : منه : ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقا مشروعا ، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة ، حتى زجرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) ، وقال : « كلاكما محسن » (4) .
ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان ، والإقامة ، والاستفتاح ، والتشهدات ، وصلاة الخوف ، وتكبيرات العيد ، وتكبيرات الجنازة (5) ، إلى غير ذلك مما قد (6) شرع (7) جميعه ، وإن كان قد يقال إن بعض أنواعه أفضل .
ثم نجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ؛ ما أوجب اقتتال طوائف منهم (8) على شفع الإقامة وإيثارها ، ونحو ذلك ، وهذا عين المحرم ومن لم يبلغ هذا المبلغ ؛ فتجد كثيرا منهم في قلبه من (9) الهوى لأحد (10) هذه الأنواع والإعراض عن الآخر (11) أو النهي عنه ، ما دخل (12) به فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم .
ومنه : ما يكون كل من القولين هو في (13) معنى قول الآخر ؛ لكن العبارتان مختلفتان ، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود (14) ، وصيغ (15) الأدلة ، والتعبير عن المسميات ، وتقسيم الأحكام ، وغير ذلك ثم الجهل أو الظلم (16) يحمل على حمد (17) إحدى المقالتين وذم الأخرى .
_________
(1) في المطبوعة : أما أنواع الاختلاف فهي في الأصل قسمان .
(2) في (أ ط) بنوع . وفي (ج د) : نوع .
(3) في المطبوعة : حتى زجرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف .
(4) سبقت الإشارة إلى الحديث ، وهو في البخاري رقم (2410) من فتح الباري .
(5) (أ ب ط) : الجنائز .
(6) قد : سقطت من ( ج د ) .
(7) في (أ) : شرح .
(8) في المطبوعة زاد : كاختلافهم .
(9) من : سقطت من (أ) .
(10) في (ط) لأجل .
(11) في (د ج ط) : الأخرى .
(12) في (ط) : فأدخل .
(13) في (ب) : في المعنى . وفي المطبوعة زاد : في الواقع .
(14) في المطبوعة زاد : والتعريفات.
(15) في (أ ب ط) : وصوغ .
(16) في المطبوعة زاد : هو الذي .
(17) في (ب ط) : حمل . وهو بعيد .

(1/139)


ومنه ما يكون المعنيان غيرين (1) ، لكن لا يتنافيان ؛ فهذا قول صحيح ، وهذا (2) قول صحيح (3) ، وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر ، وهذا كثير في المنازعات جدا (4) .
ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان ، ورجل (5) أو قوم قد سلكوا هذه الطريق ، وآخرون قد سلكوا الأخرى ، وكلاهما حسن في الدين .
ثم الجهل أو الظلم : يحمل على ذم (6) إحدهما (7) أو تفضيلها بلا قصد صالح ، أو بلا علم ، أو بلا نية وبلا علم (8) .
وأما اختلاف التضاد فهو : القولان المتنافيان : إما في الأصول وإما في الفروع ، عند الجمهور الذين يقولون : " المصيب واحد " ، وإلا فمن قال : " كل مجتهد مصيب " فعنده : هو (9) من باب اختلاف التنوع ، لا اختلاف التضاد فهذا الخطب فيه أشد ؛ لأن القولين يتنافيان ؛ لكن نجد كثيرا من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه (10) حق ما ، أو معه دليل يقتضي حقا ما ، فيرد الحق في الأصل هذا (11) كله ، حتى يبقى هذا مبطلا في البعض (12) ، كما كان الأول مبطلا في الأصل (13) ، كما رأيته لكثير من أهل السنة في مسائل القدر والصفات والصحابة ، وغيرهم .
_________
(1) غيرين . أي : متغايرين .
(2) في المطبوعة : وذاك .
(3) قوله : وهذا قول صحيح : سقط من (ب ج د ط) .
(4) وذلك مثل اختلاف الصحابة في تأويل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة »، فإن بعض الصحابة فهم منها أنه لا بد أن تكون صلاة العصر في بني قريظة ولو خرج منها أنها لا بد أن تكون صلاة العصر في بني قريظة ولو خرج وقتها، فلم يصلها إلا وقت العشاء، وآخرون فهموا من الأمر وجوب التوجه إلى بني قريظة، وصلوها في وقتها قبل وصولهم بني قريظة ؛ لأنهم لم يستطيعوا الوصول قبل فوات الوقت، وكلا الفريقين أصاب في اجتهاده وعمله وسيأتي كلام المؤلف عن هذا .
(5) في المطبوعة : ولكن قد سلك رجل أو قوم هذه الطريقة . . إلخ .
(6) في (أ) : عدم .
(7) في المطبوعة : أحدهما، أو تفضيله .
(8) في المطبوعة : وبلا علم . ساقطة .
(9) هو : ساقطة من (ط) .
(10) فيه : ساقطة من (أ) .
(11) في المطبوعة : في هذا الأصل كله . تقديم وتأخير، وهو تفسير للعبارة تصير به أوضح، لكن النسخ المخطوطة كلها على ما أثبته .
(12) أي في بعض أقواله وحججه ومنازعاته، وإن كان في الأصل الحق معه، كبعض أهل السنة .
(13) أي أن أصل قوله وحججه ومنازعاته قائمة على الخطأ لكن قد يكون معه شيء من الحق ينبغي الاعتراف له به مع أصل الخاطئ كأهل البدع .

(1/140)


وأما أهل البدعة : فالأمر فيهم ظاهر (1) وكما (2) رأيته لكثير من الفقهاء ، أو لأكثر المتأخرين في مسائل الفقه ، وكذلك (3) رأيت الاختلاف كثيرا بين بعض المتفقهة ، وبعض المتصوفة ، وبين فرق (4) المتصوفة ، ونظائره كثيرة .
ومن جعل الله له هداية ونورا رأى من هذا ما يتبين له (5) به منفعة ما جاء في الكتاب والسنة : من النهي عن هذا وأشباهه ، وإن كانت القلوب الصحيحه تنكر هذا (6) ابتداء ، لكن نور على نور (7) .
وهذا القسم - الذي سميناه : اختلاف التنوع - كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد ، لكن الذم واقع على من بغى على الآخر فيه ، وقد دل القرآن على حمد كل واحد من الطائفتين في مثل ذلك (8) إذا لم يحصل (9) بغي كما في قوله : { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ } (10) .
وقد كانوا (11) اختلفوا في قطع الأشجار فقطع قوم وترك آخرون .
وكما في قوله : { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ }{ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ }{ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } (12) فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالعلم والحكم .
_________
(1) أي أن أهل البدع ظاهر بطلان قولهم ونزاعهم ؛ لقيام الحجة عليهم بالكتاب والسنة، وليس معهم من الحق ما يلزم الخصم بالاعتراف لهم بالحق .
(2) في (ب) : ولذلك . وفي المطبوعة : وكذلك رأيت منه كثيرا .
(3) في (ب) : وكذلك رأيته لا اختلاف . وهو خلط من الناسخ .
(4) قوله : وبين فرق المتصوفة . ساقطة في (د) .
(5) له : سقطت من (أ ب ط) .
(6) أي رد الحق الذي مع الخصم عند الاختلاف والخصومة، أو أنها تنكر الاختلاف ابتداء .
(7) في المطبوعة زاد : ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور . وهي زيادة ليست في المخطوطات .
(8) في المطبوعة : هذا .
(9) في المطبوعة زاد : من إحداهما .
(10) سورة الحشر : من الآية 5 .
(11) في المطبوعة : زيادة وتغيير في العبارة حيث قال : وقد كان الصحابة في حصار بني النضير اختلفوا في قطع الأشجار والنخيل .
(12) سورة الأنبياء : الآيتان 78 ، 79 .

(1/141)


وكما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم - يوم بني قريظة (1) - (2) لمن صلى العصر في وقتها ، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة (3) .
وكما في قوله صلى الله عليه وسلم : « إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ (4) فله أجر » (5) . . ونظائره كثيرة .
وإذا جعلت هذا (6) قسما آخر صار الاختلاف ثلاثة أقسام (7) .
وأما القسم الثاني من الاختلاف المذكور في كتاب الله : فهو ما حمد فيه إحدى الطائفتين ، وهم المؤمنون ، وذم فيه الأخرى (8) ، كما في قوله تعالى : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } (9) إلى قوله : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ }{ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا } (10) .
_________
(1) بنو قريظة هم : حي من اليهود نزل قبل الإسلام حول المدينة، وهم حلفاء الأوس ولهم مزارع وقصور وحصون قرب المدينة . كانوا قد وادعهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أن لا يحاربوا ولا يمالئوا عليه عدوه، لكنهم نقضوا عهدهم يوم الأحزاب مع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وظاهروا الأحزاب من مشركي قريش وغطفان، فلما أفشل الله الأحزاب وأذهب ريحهم جاء جبريل عليه السلام بالأمر من الله بأن يتوجه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه إلى بني قريظة قبل أن يضعوا أسلحتهم، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة » فحاصرهم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه فحكم بأن : « تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم »، فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « قضيت بحكم الله » . انظر القصة بطولها في : السيرة النبوية لابن كثير (3 / 223- 243) . وانظر : صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب مرجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم . في فتح الباري (7 / 407- 416) .
(2) في المطبوعة زاد : وقد كان أمر المنادي ينادي : « لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة » وهذه الزيادة لا توجد في النسخ الأخرى .
(3) وذلك إشارة للحديث المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو قوله : « لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة »، فبعض الصحابة صلى في الطريق الصلاة في وقتها، وآخرون أخروها حتى وصلوا إلى بني قريظة بعد فوات وقت العصر، فأقرهم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم جميعا . وفي مسلم (الظهر) بدل العصر . انظر : البخاري، كتاب الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء، في فتح الباري حديث رقم (946)، (2 / 436)، وطرف الحديث رقم (4119)، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو حديث رقم (1770)، (3 / 1391) .
(4) في المطبوعة : قال : ولم يصب . بدل : فأخطأ .
(5) جاء هذا الحديث متفقا عليه بلفظ : « إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر » . انظر : صحيح البخاري، كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، الحديث رقم (7352) في فتح الباري (13 / 318) . وصحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، الحديث رقم (1716)، (3 / 1342) .
(6) الإشارة إلى الاختلاف التنوع الذي يكون كل واحد من المختلفين فيه مصيبا .
(7) وهذه الأقسام الثلاثة كما بينها المؤلف تكون هي : (أ) ما يذم فيه كلا الطائفتين المتنازعتين، وهو من اختلاف التنوع، وهو القسم الأول . (ب) ما يذم فيه إحدى الطائفتين المتنازعتين، وتحمد الأخرى، وهو من اختلاف التضاد، وهو القسم الثاني . (ج) ما يحمد فيه كلا الطائفتين المتنازعتين، ويكون هو القسم الثالث .
(8) وذم فيه الأخرى : ساقطة من (ب) .
(9) في المطبوعة : سرد الآية .
(10) سورة البقرة : الآية 253 .

(1/142)


فقوله : { وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ } حمد لإحدى الطائفتين - وهم المؤمنون - وذم للآخرى ، وكذلك قوله : { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ } إلى قوله (1) : { إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } (2) مع ما ثبت في الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه : " أنها نزلت في المقتتلين (3) يوم بدر : علي (4) وحمزة (5) وعبيدة (6) ، والذين بارزوهم من قريش وهم : عتبة وشيبة والوليد (7) .
وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء بين الأمة من القسم الأول (8) ، وكذلك آل إلى سفك الدماء ، واستباحة الأموال ، والعداوة والبغضاء ؛ لأن (9) إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق ولا تنصفها بل تزيد على ما مع نفسها (10) من الحق زيادات من الباطل والأخرى كذلك .
وكذلك (11) جعل الله مصدره (12) البغي في قوله : { وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } ؛ (13) لأن البغي : مجاوزة الحد .
وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة لهذه الأمة .
_________
(1) في المطبوعة : سرد الآيات .
(2) سورة الحج : من الآيات 19 - 23 .
(3) في (ب) : المقاتلين . أو المقتلين .
(4) هو الصحابي الجليل : علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، أبو الحسن، رابع الخلفاء الراشدين، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من أسلم بعد خديجة، وقيل : بعدها وبعد أبي بكر وهو صبي، زوجه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ابنته فاطمة، واستخلفه في فراشه يوم الهجرة على ودائع الناس، وحضر سائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبلى في الحرب والجهاد والمبارزة، وفتح الله على يديه خيبر، بويع بالخلافة بعد عثمان حتى قتله عبد الرحمن بن ملجم سنة (40 هـ)، وكان أقضى الصحابة ومن أعلمهم رضي الله عنه . انظر : البداية والنهاية (7 / 324- 362)، وطبقات ابن سعد (3 / 19- 40) .
(5) هو الصحابي الجليل : عم رسول الله، وأخوه من الرضاعة : حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، أسلم في السنة الثانية من البعثة فقوي جانب المسلمين لأن حمزة من أعز قريش وأقواها شكيمة، وهاجر وشهد بدرا وأحدا وفيها قتل رضي الله عنه سنة (3 هـ)، وكان يسمى أسد الله وأسد رسوله . انظر : (2 / 46- 50) ؛ وطبقات ابن سعد (3 / 8) .
(6) هو الصحابي الجليل : عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أسلم مبكرا في مكة، ثم هاجر إلى المدينة، وكان له منزلة عالية عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعقد له أول لواء للمهاجرين، وشهد بدرا وبارز فيها عتبة من المشركين، فاختلفا ضربتين فتوفي على إثرها رضي الله عنه . انظر أسد الغابة (2 / 356، 357) .
(7) عتبة وشيبة هما ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيان، كان من عتاة المشركين وأشدهم على رسول الله وعلى المؤمنين حربا وإيذاء، فكانا ممن دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأعيانهم . أما الوليد فهو ابن عتبة بن ربيعة المذكور، وكان أيضا من عتاة قريش في مكة . انظر : البداية والنهاية (3 / 273) .
(8) وهو ما يذم فيه كلا الطائفتين المتنازعتين .
(9) في (ج) : لا أن، وهو خطأ .
(10) في (ب ج) : أنفسها .
(11) في (ب) : ولهذا .
(12) في المطبوعة : مصدر الاختلاف البغي .
(13) سورة البقرة : من الآية 213 .

(1/143)


وقريب من هذا الباب : ما خرجاه في الصحيحين عن أبي الزناد (1) ، عن الأعرج (2) ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ذروني (3) ما تركتكم فإنما هلك (4) من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر (5) فائتوا منه ما استطعتم » (6) فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به (7) معللا (8) : بأن سبب هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال ، ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية ، كما أخبرنا الله عن بني إسرائيل من مخالفتهم أمر موسى في الجهاد وغيره ، وفي كثرة سؤالهم عن صفات البقرة (9) .
لكن هذا الاختلاف (10) على الأنبياء : هو (11) - والله أعلم - مخالفة الأنبياء (12) ، كما يقول : اختلف الناس على الأمير إذا خالفوه .
والاختلاف الأول : مخالفة (13) بعضهم بعضا (14) وإن كان الأمران متلازمين أو أن الاختلاف عليه (15) هو الاختلاف فيما بينهم ، فإن اللفظ يحتمله .
_________
(1) هو : عبد الله بن ذكوان الأموي - بالولاء - من أئمة السلف، قال أحمد : ثقة، أمير المؤمنين - يعني في الحديث - وقال البخاري : أصح الأسانيد : أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، توفي سنة (130 هـ) . انظر خلاصة التذهيب (196) ؛ والجرح والتعديل (5 / 49، 50)، (ت 227) .
(2) هو : عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أبو داود، المدني، مولى ربيعة بن الحارث، عالم ثقة ثبت، من الطبقة الثالثة، مات بالإسكندرية سنة (117 هـ) . انظر : الجرح والتعديل (5 / 297)، (ت 1408) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 501)، (ت 1142) .
(3) في البخاري : دعوني .
(4) في البخاري : فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم .
(5) في البخاري : بشيء .
(6) رواه البخاري في كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم . انظر : فتح الباري حديث رقم (7288)، (13 / 251) . بهذا الإسناد . ومسلم في كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، حديث رقم (1337)، (2 / 975) بغير هذا الإسناد الذي ذكره المؤلف كما أنه رواه بهذا الإسناد -الذي أشار إليه المؤلف - وأسانيد أخرى كلها عن أبي هريرة، في كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، أو لا يتعلق به تكليف، حديث رقم (1337)، (4 / 1830، 1831) بألفاظ متقاربة وفيهما بعض الاختلاف عن الألفاظ التي أوردها المؤلف .
(7) في (أ ج د ط) : به ساقطة .
(8) في المطبوعة : معللا ذلك .
(9) في المطبوعة زاد : التي أمرهم بذبحها .
(10) في (أ ب ط) : اختلاف .
(11) في ( ب ط) : وهو .
(12) في المطبوعة : للأنبياء .
(13) في (ب) : بمخالفة .
(14) في (أ ب ط) : لبعض .
(15) أي على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

(1/144)


ثم الاختلاف كله (1) قد يكون في التنزيل والحروف ، كما في حديث ابن مسعود (2) وقد يكون في التأويل كما يحتمله حديث عبد الله بن عمرو ، فإن حديث عمرو بن شعيب (3) يدل على ذلك ، إن كانت هذه القصة (4) قال أحمد في المسند : حدثنا إسماعيل (5) ، حدثنا داود بن أبي هند (6) عن عمرو بن شعيب عن أبيه (7) عن جده (8) « أن نفرا كانوا جلوسا بباب النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم : ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم : ألم يقل الله كذا وكذا؟ فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان (9) ! فقال : " أبهذا أمرتم؟ أو بهذا بعثتم : أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في (10) مثل هذا ؛ إنكم لستم مما ههنا في شيء ، انظروا الذي أمرتم (11) به فاعملوا به ، والذي نهيتم (12) عنه فانتهوا عنه » (13) (14) وقال (15) : ( حدثنا يونس (16) (17) حدثنا حماد بن سلمة (18) ، عن حميد (19) ، ومطر (20) الوراق ، ................................................ . وداود بن أبي هند (21) (22) : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه ، وهم يتنازعون في القدر (23) - فذكر الحديث ) (24)

وقال أحمد (25) :
_________
(1) في (ط) : قد يكون كله .
(2) وهو المشار إليه (1 / 143) .
(3) هو : عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، اضطرب قول أئمة الجرح والتعديل فيه، وغالبهم على توثيقه، إنما أنكروا عليه بعض رواياته عن أبيه عن جده، وهو ثقة في نفسه، قال ابن حجر في التقريب : «صدوق» أخرج له الأربعة . انظر : تقريب التهذيب (2 / 72)، (ت 607) ؛ وتهذيب التهذيب (8 / 48- 55)، (ت 80) .
(4) في (ب) : القضية .
(5) هو : إسماعيل ابن عُلية - وعُلية أمه - وأبوه : إبراهيم بن مِقْسَم، أبو بشر الأسدي، أحد الأئمة الأعلام الحفاظ الثقات المتقنين، ولد سنة (110 هـ) وتوفي سنة ( 193 هـ) . انظر الجرح والتعديل ( 2 / 153 - 154) ؛ وخلاصة التذهيب (ص 32) .
(6) هو : داود بن أبي هند وكنيته : أبو بكر، أبوه مولى آل الأعلم القشيريين، ثقة كثير الحديث، توفي سنة (139 هـ) . انظر : طبقات ابن سعد (7 / 255) ؛ والجرح والتعديل (3 / 411، 412)، (ت 1881) .
(7) أبوه هو : شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، ثبت سماعه من جده، يعد من الطبقة الثامنة . انظر : تقريب التهذيب (1 / 353)، (ت 84) .
(8) أي جد شعيب وهو : عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي، مرت ترجمته (1 / 129) . وقال بعضهم : إن المقصود جد عمرو بن شعيب وهو محمد بن عبد الله بن عمرو وعلى هذا تكون روايته مرسلة ؛ لأن جده محمد ليست له صحبة، لكن هذا رأي مرجوح قد فنده الأئمة . انظر : تهذيب التهذيب (4 / 356)، (8 / 48- 55) .
(9) يعني أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم احمر وجهه من الغضب كما لو فقئ في وجهه حب الرمان، وحب الرمان أحمر.
(10) في المطبوعة : بمثل . وهو خلاف النسخ والمسند .
(11) في المطبوعة : أمرتكم . وهو خلاف النسخ والمسند .
(12) في المطبوعة : نهيتكم، وهو خلاف النسخ والمسند .
(13) عنه : زائدة في جميع النسخ، فليست في حديث المسند المشار إليه .
(14) الحديث أخرجه أحمد في المسند (2 / 196) . ورجاله ثقات، وأخرج ابن ماجه نحوه في المقدمة، باب في القدر، الحديث رقم (85)، (1 / 33)، وقال صاحب الزوائد في حديث ابن ماجه : «هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات» .
(15) يعني : أحمد بن حنبل.
(16) في (ب) : يونس بن محمد .
(17) هو : يونس بن محمد بن مسلم المؤدب ، البغدادي ، من التاسعة ، ثقة صدوق ، كذا قال أبو زرعة ، وأبو حاتم ، ويحيى بن معين وغيرهم ، مات رحمه الله سنة (207هـ) . انظر : تقريب التهذيب (2 / 386) ، (ت 489) . وانظر : الجرح والتعديل ( 9 / 246) ( ت 1023) ، باب الميم .
(18) هو : حماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة ، مولى ربيعة بن مالك ، من بني تميم ، قال ابن سعد : « قالوا : وكان حماد بن سلمة ثقة كثير الحديث ، وربما حدث بالحديث المنكر » وتغير حفظه أخيرا ، وهو من كبار الطبقة الثامنة ، وكان عالما جليلا كثير الحديث ، ثقة عابدا . انظر : طبقات ابن سعد (7 / 282) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 197) ، (ت 542) .
(19) هو : حميد بن أبي حميد (طرخان) الطويل ، أبو عبيدة ، بصري من الطبقة الرابعة ، مولى لطحة الطلحات الخزاعي ، وقال عنه رجال الحديث : ثقة كثير الحديث ، مدلس ، وربما دلس عن أنس بن مالك ، مات سنة (142هـ) . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (7 / 252) . وتقريب التهذيب لابن حجر (1 / 202) ، (ت 589) .
(20) هو : مطر بن طهمان الوراق ، الخراساني ، أبو رجاء ، روى عن الحسن وقتادة ورجاء بن حيوة ، وغيرهم ، وروى عنه شعبة ، وحماد بن سلمة ، وحماد بن زيد وغيرهم ، وعده ابن سعد من الطبقة الرابعة من البصريين ، وقال : « وكان فيه ضعف في الحديث » ، وقال عنه يحيى بن معين : « ضعيف في حديث عطاء بن أبي رباح » ، وقال أيضا : « مطر الوراق صالح » ، وذكر ابن أبي حاتم : « حدثنا عبد الرحمن قال : سئل أبو زرعة عن مطر الوراق فقال : صالح ، كأنه لين أمره » ، وقال ابن حجر في التقريب : « صدوق كثير الخطأ » مات سنة 125هـ ، أخرج له مسلم والأربعة . انظر : تهذيب التهذيب (7 / 167 ، 168) ؛ وتقريب التهذيب (2 / 252) ، (ت 1164) ؛ والطبقات الكبرى لابن سعد (7 / 254) .
(21) في (أ) : زاد : عن عمرو بن . . ولم يكمل .
(22) وكلهم عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، انظر : المسند (2 / 196) .
(23) في (ب) : وذكر الحديث .
(24) الحديث في مسند أحمد (2 / 196) .
(25) ابن حنبل .

(1/145)


حدثنا أنس (1) بن عياض ، حدثنا أبو حازم (2) عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : « لقد جلست أنا وأخي (3) مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم : أقبلت أنا وأخي ، وإذا مشيخة (4) من صحابة (5) رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه ، فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حجرة (6) ، إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا (7) فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا ، قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ، ويقول : " مهلا يا قوم ، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم : باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض ، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا ، وإنما (8) أنزل (9) يصدق بعضه بعضا ، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه » (10) .
_________
(1) هو : أنس بن عياض الليثي المديني ، أبو ضمرة ، عده ابن سعد في الطبقة السابعة من التابعين من أهل المدينة ، وقال - أي ابن سعد - فيه : « وكان ثقة كثير الحديث » ، روى عن ربيعة الرأي ، وأبي حازم وغيرهما ، قال فيه أبو زرعة : « لا بأس به » ، وقال يحيى بن معين : « ثقة » . انظر : الطبقات لابن سعد (5 / 436) ؛ والجرح والتعديل (2 / 289) .
(2) هو : سلمة بن دينار الأعرج التمار ، المدني القاضي ، مولى الأسود بن سفيان ، وثقه أحمد بن حنبل وغيره ، قال في تقريب التهذيب : « ثقة عابد » مات في خلافة المنصور . انظر : الجرح والتعديل (4 / 159) ، ترجمة (701) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 316) ، ترجمة (360) .
(3) لم أجد ما يدل على من هو المقصود بأخيه في المصادر التي اطلعت عليها ، لكن لعله أخوه محمد بن عمرو بن العاص ، وهذا هو الذي يظهر لي ؛ لأن المراجع لم تذكر له أخا غير محمد هذا . انظر : الإصابة (3 / 3 ، 381) ؛ والفتح الرباني للبنا (18 / 40) .
(4) المشيخة : جمع شيخ ، وهم كبار السن والقدر والمنزلة .
(5) في (ب) والمطبوعة : أصحاب . وفي مسند أحمد كما أثبته .
(6) أي : ناحية . انظر : القاموس المحيط ، فصل الحاء ، باب الراء (2 / 4) .
(7) تماروا : تجادلوا .
(8) قوله : « وإنما أنزل يصدق بعضه بعضا » ، سقطت من النسختين : (ج د) ، وهي موجودة في مسند أحمد .
(9) أنزل : سقطت من (ط) .
(10) الحديث رواه أحمد في المسند (2 / 181) ، وله شاهد عنده أيضا ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده (2 / 185) مختصرا ، وله شواهد أخرى سيذكرها المؤلف هنا .

(1/146)


وقال أحمد حدثنا أبو معاوية (1) ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : « خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم ، والناس يتكلمون في القدر قال : فكأنما تفقأ (2) في وجهه حب الرمان من الغضب قال : فقال لهم : " ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم » ، قال (3) فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم أشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني (4) لم أشهده (5) .
هذا حديث محفوظ عن عمرو بن شعيب رواه عنه الناس ، ورواه ابن ماجه (6) في سننه من حديث أبي معاوية ، كما سقناه .
وقد كتب أحمد في رسالته (7) إلى المتوكل (8) : هذا الحديث ، وجعل يقول لهم في مناظرته يوم الدار (9) : " إنا قد نهينا أن نضرب كتاب الله بعضه ببعض " وهذا لعلمه - رحمه الله - بما في خلاف هذا الحديث من الفساد العظيم .
وقد روى هذا المعنى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال : " حديث حسن غريب " وقال : " وفي الباب عن عمر (10) ، وعائشة (11) ، وأنس (12) " (13) .
_________
(1) هو : محمد بن خازم الضرير ، أبو معاوية ، مولى لبني سعد ، قال فيه أحمد بن حنبل : « أبو معاوية الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب لا يحفظها حفظا جيدا » ، وقال في تقريب التهذيب : « ثقة ، أحفظ الناس لحديث الأعمش ، وقد يهم في حديث غيره » ، مات سنة (95هـ) . انظر : الجرح والتعديل (7 / 246 ، 247 ، ترجمة رقم (1360) ؛ وتقريب التهذيب لابن حجر (2 / 257) ، (ت 167) .
(2) في (أ ج د ط) : يفقاء . لكنه في (ب) والمطبوعة والمسند كما أثبته . وفي ابن ماجه : (يفقأ) .
(3) أي : عبد الله بن عمرو بن العاص .
(4) في المطبوعة : إذ . وما أثبته أصح كما في المسند .
(5) الحديث رواه أحمد في المسند (2 / 178) مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه .
(6) رواه ابن ماجه بهذا اللفظ : ( حدثنا علي بن محمد ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه وهم يختصمون في القدر ، فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب ، فقال : « بهذا أمرتم أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض . بهذا هلكت الأمم قبلكم » ، قال : فقال عبد الله بن عمرو : ما غبطت نفسي بمجلس تخلفت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما غبطت نفسي بذلك المجلس وتخلفي عنه ) . انظر : سنن ابن ماجه ، المقدمة ، باب في القدر ، حديث رقم (85) ، (1 / 33) . وقد أشرت إلى قول صاحب الزوائد أن الحديث صحيح الإسناد ورجاله ثقات .
(7) ذكر هذه الرسالة ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (ص 461 ، 462) ، تحقيق د . عبد الله التركي . وذكرها أيضا أبو نعيم في الحلية (9 / 216- 217) في ترجمة الإمام أحمد .
(8) هو : جعفر بن المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور العباس ، الخليفة العباسي ، ولد سنة (207هـ) ، وبويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق سنة (232هـ) ، وكانت خلافته نصرا للسنة وأهلها وقمعا للبدع وأهلها ، فقد أفرج عن الإمام أحمد في فتنة القول بخلق القرآن وأكرمه وأكرم علماء الحديث والسنة ، وضيق على أهل البدع وأصحاب الفرق (10 / 349 ، 352) .
(9) هي دار إسحاق بن إبراهيم وزير الخلافة العباسية .
(10) هو ثاني الخلفاء الراشدين : عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، أسلم قبل الهجرة بخمس سنين ، وقوي جانب المسلمين بإسلامه فقد أظهروا دعوتهم بعده ، ولي الخلافة سنة (13هـ) ، وفتح الفتوحات في الشام والعراق ومصر ، ومصر الأمصار ، ودون الدواوين ، وكان رضي الله عنه آية في العدل والحزم والسداد وقوة التدابير والسياسة والحكمة والشجاعة ، توفي مطعونا سنة (24هـ) . انظر : أسد الغابة (4 / 52 - 78).
(11) عائشة : أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق ، زوج الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، تزوجها في مكة وعمرها ست سنين ودخل بها في المدينة وعمرها تسع في السنة الثانية للهجرة ، ولم يتزوج بكرا غيرها ، وهي أحب أزواجه إليه ، أنزل الله براءتها من الإفك من السماء ، حفظت من السنة كثيرا ، وهي أعلم النساء ، أخبرها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوما أن جبريل يقرئها السلام ، توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعمرها 18 سنة وأخبر أنها أفضل النساء وأنها زوجه في الجنة ، توفيت رضي الله عنها سنة (58هـ) وعمرها (67) سنة . انظر : البداية والنهاية لابن كثير (8 / 91- 94) .
(12) هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصاري الخزرجي ، خادم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، شهد بدرا وهو لم يبلغ سن الرشد ، خدم الرسول عشر سنين ، فكان من المكثرين لرواية الحديث ، دعا له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بكثرة المال والولد ودخول الجنة ، واستعمله أبو بكر وعمر على عمالة البحرين وشكراه في ذلك ، ثم استقر منزله بالبصرة حتى توفي بها رضي الله عنه سنة (93هـ) . عن أكثر من مائة سنة . انظر الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني (1 / 71) ، (ت 277) . وانظر : البداية والنهاية (9 / 88 - 92) .
(13) في الترمذي : كتاب القدر ، باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر ، حديث رقم (2133) ، (4 / 443) ، ونصه : « حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي البصري ، حدثنا صالح المري ، عن هاشم بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونحن نتنازع في القدر فغضب حتى احمر وجهه ، حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان ، فقال : » أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر ؛ عزمت عليكم ، عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه« . قال أبو عيسى : » وفي الباب : عن عمر وعائشة وأنس ، وهذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث صالح المري ، وصالح المري له غرائب ينفرد بها لا يتابع عليها « .

(1/147)


وهذا باب واسع لم نقصد (1) له ههنا ، وإنما الغرض التنبيه على ما يخاف على الأمة من موافقة الأمم قبلها ؛ إذ الأمر في هذا الحديث - كما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم - (2) أصل هلاك بني آدم : " إنما كان التنازع في القدر " ، وعنه نشأ مذهب المجوس (3) القائلين بالأصلين : النور والظلمة ، ومذهب (4) الصابئة (5) وغيرهم القائلين بقدم العالم ، ومذاهب كثير من مجوس هذه الأمة (6) وغيرهم .
وهذا مذهب (7) كثير ممن عطل الشرائع .
فإن القوم تنازعوا في علة فعل الله سبحانه وتعالى لما فعله ، فأرادوا أن يثبتوا شيئا يستقيم لهم به تعليل فعله (8) ، بمقتضى قياسه سبحانه على المخلوقات ، فوقعوا في غاية (9) الضلال ؛ إما بأن (10) فعله ما زال لازما له ، وإما بأن (11) الفاعل اثنان ؛ وإما بأنه (12) يفعل البعض ، والخلق (13) يفعلون البعض ، وإما بأن ما فعله لم يأمر بخلافه ، وما أمر به لم يقدر خلافه وذلك حين عارضوا بين فعله وأمره ، حتى أقر فريق بالقدر وكذبوا بالأمر ، وأقر فريق بالأمر وكذبوا بالقدر ، حين (14) اعتقدوا جميعا أن اجتماعهما محال ، وكل منهما مبطل بالتكذيب بما صدق به الآخر .
_________
(1) في (ب) : لم يقصد له هنا .
(2) تتضح العبارة إذا قلنا : أن أصل هلاك بني آدم إنما . . إلخ ، أي بزيادة (أن) .
(3) المجوس : قوم يعبدون النور والنار والظلمة والشمس والقمر ، ويزعمون أن للكون إلهين ، وهم في بلاد فارس وما حولها ، وقد قضى الإسلام على هذه النحلة ظاهرا ، لكن بقيت لها آثار في بعض الطوائف كالشيعة ، وإخوان الصفا ، والبهائية ، والنصيرية الباطنية ، والقدرية وغيرها .
(4) في (ط) : ومذاهب .
(5) الصابئ في اللغة : الذي يترك دينه إلى دين آخر ، والصابئة قوم يعبدون الكواكب والملائكة ، وقيل : هم قوم لا دين لهم إنما هم باقون على فطرتهم ، ورجح هذا ابن كثير . انظر : تفسير ابن كثير (1 / 104) .
(6) مجوس هذه الأمة : أطلقه السلف على القدرية ، وقد وردت بتسمية القدرية (مجوس هذه الأمة) آثار بعضها مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، منها ما ذكر ابن ماجه في سننه ، الحديث رقم (92) ، (1 / 35) ؛ وأبو داود في سننه ، كتاب السنة ، باب القدر ، الحديث رقم (4691) ؛ وأحمد في مسنده (2 / 125) ، (5 / 407) ؛ وابن أبي عاصم في كتاب السنة (1 / 144 ، 145) ، الحديث رقم (329) . وسائر هذه الروايات ضعفها أئمة الحديث ، لكن يعضد بعضها بعضا ، ووجه تسمية القدرية بمجوس هذه الأمة أنهم حين قالوا بأن الله تعالى لم يخلق الشر ولم يقدره ، اضطروا إلى القول بأن الإنسان هو خالق أفعاله ، كما تزعم المعتزلة ، فهم بهذا أشبهوا المجوس ، بل تابعوهم بقولهم : إن الله إله الخير والنور ، والشر والظلمة لها خالق آخر غيره بزعمهم ، تعالى الله عما يقوله الظالمون علوا كبيرا . انظر : الفرق بين الفرق (ص94 ، 95) . وانظر : مجموع الفتاوى لابن تيمية (8 / 258- 261) .
(7) في (أ ط) : مذاهب .
(8) فعله : سقطت من (أ) .
(9) في (أ ب ط) : عامة .
(10) في المطبوعة قال : بأن زعموا .
(11) في المطبوعة قال : بأن زعموا .
(12) في المطبوعة قال : بأن زعموا .
(13) والخلق : سقطت من (أ) .
(14) في (ط) : حتى .

(1/148)


وأكثر ما يكون ذلك لوقوع المنازعة في الشيء القليل قبل إحكامه وجمع حواشيه وأطرافه ولهذا قال : « ما عرفتم منه فاعملوا به ، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه » (1) .
والغرض (2) بذكر هذه الأحاديث : (3) التنبيه من الحديث (4) على مثل ما في القرآن من قوله تعالى : { وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا } (5) .
ومن ذلك : ما روى الزهري (6) عن سنان بن أبي سنان الدؤلي (7) عن أبي واقد الليثي (8) أنه قال : « خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ، ونحن حدثاء (9) عهد بكفر ، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينيطون (10) بها أسلحتهم يقال لها : ذات أنواط ، فمررنا بسدرة فقلنا : يا رسول الله ، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر! إنها السنن (11) قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو (12) إسرائيل لموسى (13) { اجْعَلْ لَنَا }{ إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } لتركبن سنن من كان قبلكم » رواه مالك (14) والنسائي (15) والترمذي وقال : (هذا حديث حسن صحيح) (16) ولفظه « لتركبن سنة من كان قبلكم » (17) .
_________
(1) الحديث مر (ص162) .
(2) في المطبوعة : في ذكر .
(3) في المطبوعة : هو التنبيه .
(4) في المطبوعة : والسنة .
(5) سورة التوبة : من الآية 69 .
(6) هو : محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري ، من بني زهرة بن كلاب ، أبو بكر ، هو أول من دون الحديث وسمع عن بعض الصحابة ، تابعي مدني ، ومن الحفاظ الثقات ، ومن المكثرين للحديث مع إتقان وفقه ، يعد من الطبقة الرابعة ، توفي رحمه الله سنة (125هـ) . انظر : تقريب التهذيب (2 / 207) ، ترجمة (702) ؛ والجرح والتعديل (8 / 71- 74) ، ترجمة (318) .
(7) هو : سنان بن أبي سنان الدؤلي - أو الديلي - تابعي ، مدني من الطبقة الثالثة ، قال في تقريب التهذيب : ثقة ، مات سنة (105هـ) . انظر : تقريب التهذيب ( 1 / 334 ) ، ترجمة ( 537) .
(8) هو الصحابي الجليل : الحارث بن عوف بن أسيد بن جابر الليثي ، أبو واقد قيل : إنه شهد بدرا كما شهد الفتح وحنين ، وكان يحمل راية قومه ، كما شهد تبوك ، واليرموك ، توفي رضي الله عنه سنة (68هـ) ، وقيل : ( 85 هـ) . انظر : الإصابة في تمييز الصحابة (4 / 215 ، 216) ، ترجمة رقم (1211) . وانظر : أسد الغابة (5 / 319 ، 320) .
(9) في المطبوعة : حديثو .
(10) في المطبوعة : ينيطون ، ومعنى ينوطون : يعلقون .
(11) السنن : جمع (سنة) وهي الطريقة والوجهة ، والمقصود : إنها الطريقة التي سلكها من قبلكم من الأمم كاليهود والنصارى حين وقعوا في هذه البدع ، والحديث يفسره آخره . انظر : مختار الصحاح ، مادة (س ن ن) ، (ص317) .
(12) في (ط) : بني .
(13) لموسى : سقت من (أ ب ط) .
(14) هو : مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ، أبو عبد الله ، الإمام الفقيه ، والمحدث الحافظ ، إمام دار الهجرة ، وأحد الأئمة الأربعة ، ينسب إليه المذهب المالكي ، روى عن كثير من التابعين ، وروى عنه خلق كثير من المحدثين الحفاظ ، وكان في غاية الدقة والثقة في الحديث ، لذلك قال البخاري : أصح الأسانيد : مالك عن نافع ، عن ابن عمر ، ويعد في الطبقة السابعة من التابعين من أهل المدينة ، له مصنفات أشهرها : الموطأ ، توفي رحمه الله سنة (179هـ) وعمره (85) سنة . انظر : تقريب التهذيب (2 / 223) ، ترجمة (859) ؛ والبداية والنهاية (10 / 174) .
(15) هو : أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن نمر بن دينار النسائي ، أبو عبد الرحمن ، والنسائي نسبة إلى (نسا) ، قرية بخرسان ، الإمام الحافظ الثقة ، صاحب السنن المعروفة بسنن النسائي ، أحد الكتب الستة التي اتفقت الأمة على اعتمادها وقبولها ، كان إماما مشهودا له بالعلم والفضل والتقى والصلاح ، توفي رحمه الله سنة (303) عن خمس وثمانين سنة . انظر : البداية والنهاية (11 / 123 ، 124) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 16) ، ترجمة رقم (57) .
(16) سنن الترمذي (4 / 475) .
(17) الحديث أخرجه أحمد في المسند (5 / 218) في مسند أبي واقد الليثي ، والترمذي في كتاب الفتن ، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم ، حديث رقم (2180) ، (4 / 475) ، وصححه كما ذكر المؤلف ، ولم أجده في موطأ مالك ولا في سنن النسائي (السنن الصغرى) .

(1/149)


وقد قدمت ما خرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لتتبعن سنن من كان قبلكم ، حذو القذة بالقذة ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " قالوا يا رسول الله ، اليهود والنصارى؟ قال : "فمن؟ » (1) .
وما رواه البخاري (2) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لتأخذن أمتي مأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع " ، قالوا : فارس والروم؟ قال : " فمن الناس إلا أولئك؟ » (3) .
وهذا كله خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك ، والذم لمن يفعله ، كما كان يخبر عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات .
فعلم أن مشابهتها (4) اليهود والنصارى ، وفارس والروم ، مما ذمه الله ورسوله ، وهو المطلوب ولا يقال : فإذا كان الكتاب والسنة قد دلا على وقوع (5) ذلك ، فما فائدة النهي عنه؟ لأن الكتاب والسنة أيضا (6) قد (7) دلا على أنه لا يزال في هذه الأمة طائفة متمسكة بالحق الذي بعث (8) به محمد (9) صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة (10) ، وأنها لا تجتمع على ضلالة (11) ففي النهي عن ذلك تكثير لهذه الطائفة المنصورة ، وتثبيتها ، وزيادة إيمانها ، فنسأل الله المجيب أن يجعلنا منها (12) .
_________
(1) مر الكلام حول الحديث ص (79) ، وهو في البخاري حديث رقم (7319 ، 7320) . وفي مسلم رقم (2669) من أكثر من طريق ، إلا أنه ليس في روايتي البخاري ومسلم قوله : « حذو القذة بالقذة » إنما جاء في الصحيحين : « شبرا بشبر وذراعا بذراع » .
(2) هو الإمام : محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري ، أبو عبد الله صاحب أصح كتاب بعد كتاب الله ، وهو صحيح البخاري ، اتفقت الأمة على إمامته في الحديث ، قال ابن حجر في التقريب : « جبل الحفظ ، وإمام الدنيا في فقه الحديث » ، توفي سنة (256هـ) ، وعمره (62) سنة . انظر : تقريب التهذيب (2 / 144) ، (ت 43) .
(3) انظر : صحيح البخاري ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « لتتبعن سنن من كان قبلكم » ، الحديث رقم (7319) من فتح الباري (13 / 200) .
(4) في المطبوعة : مشابهة هذه الأمة ، وهو بيان لمرجع الضمير .
(5) في (ب) : فعل ذلك .
(6) في (ب) : سقطت أيضا .
(7) في (أ د ط) : سقط قد .
(8) في المطبوعة : بعث الله .
(9) في المطبوعة : محمدا .
(10) أحاديث الطائفة التي تتمسك بالحق إلى قيام الساعة أحاديث صحيحة وثابتة وكثيرة في الصحاح والسنن والمسانيد ، وقد ذكر المؤلف منها الكثير .
(11) حديث : (لا تجتمع أمتي على ضلالة) مر . انظر فهرس الأحاديث .
(12) في (ب) : منهم . وقوله : فنسأل الله المجيب أن يجعلنا منها : ساقطة من (أ) .

(1/150)


وأيضا : لو فرض أن الناس لا يترك أحد منهم هذه المشابهة المنكرة ؛ لكان في العلم بها معرفة القبيح ، والإيمان بذلك ؛ فإن (1) نفس العلم والإيمان بما كرهه الله خير ، وإن لم يعمل به ، بل فائدة العلم والإيمان أعظم من فائدة مجرد العمل الذي لم يقترن به علم ، فإن الإنسان إذا عرف المعروف وأنكر المنكر كان خيرا من أن يكون ميت القلب لا يعرف معروفا ، ولا ينكر منكرا ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ؛ فإن لم يستطع فبلسانه ؛ فإن لم يستطع فبقلبه ؛ وذلك أضعف الإيمان » (2) رواه مسلم .
وفي لفظ : « ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل » (3) .
وإنكار القلب هو : الإيمان بأن هذا منكر ، وكراهته لذلك (4) .
فإذا حصل هذا ، كان في القلب (5) إيمان وإذا فقد (6) القلب معرفة هذا المعروف وإنكار هذا المنكر ؛ ارتفع هذا الإيمان من القلب .
_________
(1) بذلك فإن : سقطت من (أ) .
(2) صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان ، وأن الإيمان يزيد وينقص ، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان ، حديث رقم (49) ، (1 / 69) .
(3) هذا اللفظ أيضا في صحيح مسلم ، في الكتاب والباب المذكورين آنفا ، حديث رقم (50) ، (1 / 70) ، وسياق الحديث ، في جهاد الذين يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون .
(4) في (ب) : كذلك .
(5) في (أ) : القلوب .
(6) في (أ ط) : وإذا فقد من القلب .

(1/151)


وأيضا فقد يستغفر الرجل من الذنب مع إصراره عليه أو يأتي بحسنات تمحوه ، أو تمحو بعضه ، وقد يقلل منه ، وقد تضعف همته في طلبه إذا علم أنه منكر ، ثم لو فرض أنا علمنا أن الناس لا يتركون المنكر ، ولا يعترفون بأنه منكر لم يكن ذلك مانعا من إبلاغ الرسالة وبيان العلم ، بل ذلك لا يسقط وجوب الإبلاغ ولا وجوب الأمر والنهي في إحدى الروايتين عن أحمد - وقول كثير من أهل العلم .
على أن هذا ليس موضع استقصاء (1) ذلك ، ولله الحمد على ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أنه : « لا تزال (2) من أمته طائفة ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله » .
وليس هذا الكلام من خصائص هذه المسألة ، بل هو وارد في كل منكر قد أخبر الصادق بوقوعه .
_________
(1) للمؤلف رحمه الله كلام مفصل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجد شيئا منه في مجموع الفتاوى (28 / 121- 171) ، وطبع في رسالة مستقلة أيضا .
(2) في (ب) : لا يزال .

(1/152)


ومما يدل من القرآن على النهي عن مشابهة الكفار قوله سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ }{ أَلِيمٌ } (1) قال قتادة (2) وغيره (3) : " كانت اليهود تقوله استهزاء ، فكره (4) الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم " (5) ؛ وقال أيضا : " كانت اليهود تقول للنبي صلى الله عليه وسلم : راعنا سمعك ، يستهزءون بذلك (6) وكانت (7) في اليهود قبيحة " .
وروى أحمد (8) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عن عطية (9) (10) قال (11) : " كان يأتي ناس من اليهود فيقولون : راعنا سمعك ، حتى قالها ناس من المسلمين ، فكره الله لهم ما قالت اليهود " .
وقال عطاء (12) : " كانت لغة في الأنصار في الجاهلية " (13) .
وقال أبو العالية (14) : " إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم (15) لصاحبه : أرعني (16) سمعك ؛ فنهوا عن ذلك " (17) وكذلك قال الضحاك (18) .
فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نُهي المسلمون عن قولها ؛ لأن اليهود كانوا يقولونها - وإن كانت من اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة - لما كان (19) في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار ، وتطريقهم (20) (21) إلى بلوغ غرضهم .
_________
(1) سورة البقرة الآية 104 .
(2) هو : قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي ، أبو الخطاب ، البصري الأعمى ، أحد علماء التابعين ، عده ابن سعد من الطبقة الثالثة من البصريين ، وكان من الحفاظ النادرين ، قال محمد بن سيرين : هو من أحفظ الناس ، وقال أحمد بن حنبل : هو أحفظ أهل البصرة ، ومع حفظه كان فقيها ، وعالما بالتفسير ، قال في تقريب التهذيب : « ثقة ثبت » توفي رحمه الله سنة (117هـ) وعمره (57) سنة . انظر : البداية والنهاية لابن كثير (9 / 313) ؛ وتقريب التهذيب (2 / 123) ، ترجمة (81) ، حرف قاف ، وطبقات ابن سعد (7 / 229) .
(3) هذا التفسير هو المشهور عند مفسري الصحابة والسلف كابن عباس ، وأبي العالية ، وأبي مالك ، والربيع بن أنس ، وعطية العوفي . انظر : تفسير ابن كثير (1 / 148 ، 149) ؛ وتفسير ابن جرير (1 / 374) .
(4) في (ب ج) : فكرهه .
(5) انظر : تفسير ابن جرير (1 / 374) ؛ وتفسير ابن كثير (1 / 149) ؛ وفتح القدير للشوكاني (1 / 125) .
(6) تفسير ابن جرير (1 / 374) .
(7) في (ج) : فكانت .
(8) لا أدري من أحمد هذا؟ فلعله أحمد بن إسحاق ، كما أشار إلى ذلك ابن جرير في تفسيره (1 / 374) ، وهو أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي البزار ، قال النسائي : صالح ، ومات سنة (250هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (1 / 14 ، 15) ، (ت 9) .
(9) هو : عطية بن سعد بن جنادة العوفي ، من جديلة قيس ، أبو الحسن ، قال في تقريب التهذيب : « صدوق يخطئ كثيرا ، كان شيعيا مدلسا » ، وضعفه أحمد ، وقال يحيى بن معين : صالح ، وقال ابن سعد في الطبقات : « وكان ثقة إن شاء الله ، وله أحاديث صالحة ، ومن الناس من لا يحتج به » ، توفي سنة (111هـ) . انظر : الجرح والتعديل (6 / 382) ، (ت 2125) ؛ وطبقات ابن سعد (6 / 304) ؛ وتقريب التهذيب (2 / 24) ، (ت216) .
(10) في المطبوعة : عطية العوفي ، وبقية النسخ لم تذكر العوفي .
(11) انظر : تفسير ابن جرير (1 / 374) ، وانظر : تفسير ابن كثير (1 / 149) .
(12) هو : عطاء بن أبي رباح ، وأبو رباح أبوه ، اسمه : أسلم ، الفهري ، مولاهم ، أحد كبار التابعين المكيين ، وكان عالما فاضلا ، ثقة ، كثير الحديث ، فقيها ، أدرك كثيرا من الصحابة وروى عنهم ، مات سنة (114هـ) ، وله من العمر (88) سنة . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (5 / 467 - 470) ؛ وتقريب التهذيب (2 / 22) ، (ت 190) ، حرف (ع) .
(13) انظر : تفسير ابن جرير (1 / 374) ؛ وتفسير ابن كثير (1 / 49) .
(14) هو : رفيع بن مهران الرياحي ، من بني تميم ، بصري ، وثقه يحيى بن معين ، وأبو زرعة ، وقال في تقريب التهذيب : « ثقة كثير الإرسال » ، مات رحمه الله سنة 90هـ . انظر : تقريب التهذيب (1 / 252) ، (ت 105) .
(15) في (ج د) : (أحدهم) سقطت .
(16) في المطبوعة : راعني .
(17) انظر : تفسير ابن جرير (1 / 374) ؛ وتفسير ابن كثير (1 / 149) .
(18) هو الضحاك بن مزاحم الهلالي ، الخرساني ، تابعي ، جليل ، إمام في التفسير ، قال الثوري : « خذوا التفسير عن أربعة : مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والضحاك » قال في تقريب التهذيب : « صدوق ، كثير الإرسال » وثقه ابن حبان وأحمد ، وضعفه يحيى بن سعيد القطان ، توفي رحمه الله سنة (105هـ) . انظر : البداية والنهاية لابن كثير (9 / 223) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 373) ، (ت 17) .
(19) في المطبوعة : لما كانت مشابهتهم .
(20) في المطبوعة : وطريقهم .
(21) التطريق : مأخوذ من الطريق ، والمعنى : إفساح الطريق لهم ليبلغوا مرادهم من هذه الكلمة القبيحة . انظر : مختار الصحاح ، مادة (طرق) ، (ص 391) .

(1/153)


وقال سبحانه : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } (1) .
ومعلوم أن الكفار فرقوا دينهم ، وكانوا شيعا (2) ، كما قال سبحانه : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ } (3) .
وقال : { وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ } (4) (5) .
وقال : { وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } (6) .
وقال عن اليهود : { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } (7) .
وقد قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : { لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } وذلك يقتضي تبرؤه منهم في جميع الأشياء .
_________
(1) سورة الأنعام : الآية 159 .
(2) في (ب) وقع خلط من الناسخ هنا حيث أعاد الآية وما بعدها مرة أخرى .
(3) سورة آل عمران : الآية 105 .
(4) في (ب) : البينات ، وهو خطأ .
(5) سورة البينة : الآية 4 .
(6) سورة المائدة : الآية 14 .
(7) سورة المائدة : الآية 64 .

(1/154)


ومن تابع غيره في بعض أموره فهو منه في ذلك الأمر ؛ لأن قول القائل : أنا من هذا ، وهذا مني - أي أنا من نوعه ، وهو من نوعي - لأن الشخصين لا يتحدان إلا بالنوع ، كما في قوله تعالى : { بَعْضُكُمْ } (1) { مِنْ بَعْضٍ } (2) وقوله عليه الصلاة والسلام لعلي : « أنت مني وأنا منك » (3) ، فقول القائل : لست من هذا في شيء ، أي لست مشاركا له في شيء ، بل أنا متبرئ من جميع أموره .
وإذا كان الله قد برأ (4) الله رسوله صلى الله عليه وسلم (5) من جميع أمورهم ؛ فمن كان متبعا للرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة كان متبرئا كتبرئه ، ومن كان (6) موافقا لهم كان مخالفا للرسول بقدر موافقته لهم ، فإن الشخصين المختلفين من كل وجه في دينهما ، كلما شابهت أحدهما ؛ خالفت الآخر (7) .
وقال سبحانه وتعالى : { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } (8) إلى آخر السورة (9) .
_________
(1) في (ج د ط) : (بعضهم) ، فيكون على هذا : قوله تعالى : (بعضهم من بعض) ، سورة التوبة : من الآية 67 .
(2) سورة آل عمران : الآية 195 ، وسورة النساء : الآية 25 .
(3) هذا جزء من حديث رواه الترمذي عن البراء بن عازب ، في كتاب المناقب - في مناقب علي رضي الله عنه - ، الباب (21) ، وقال الترمذي : «هذا حديث حسن صحيح» . انظر : سنن الترمذي (5 / 635) ، حديث رقم (3716) . كما رواه البخاري في كتاب الصلح ، الباب السادس ، حديث رقم (2699) ، (5 / 303 ، 304) من فتح الباري ، وكذلك أخرجه في كتاب المغازي ، باب عمرة القضاء ، حديث رقم (4251) ، وأحمد في المسند (5 / 204) في مسند أسامة بن زيد رضي الله عنه .
(4) في (د) : رسول الله .
(5) في (ب) : لم يذكر صلى الله عليه وسلم .
(6) في المطبوعة : كان متبرئا منهم كتبرئه صلى الله عليه وآله وسلم منهم .
(7) في (ط) : الأخرى .
(8) سورة البقرة : الآية 284 .
(9) في المطبوعة : سرد الآيتين إلى آخر السورة .

(1/155)


وقد روى مسلم في صحيحه عن العلاء بن عبد الرحمن (1) ، عن أبيه (2) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } (3) . الآية ، اشتد (4) ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بركوا على الركب ، فقالوا : " أي رسول الله ، كلفنا ما نطيق : (5) الصلاة والصيام والجهاد والصدقة ، وقد نزلت عليك هذه الآية ، (6) ولا نطيقها " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين (7) من قبلكم : سمعنا وعصينا؟ بل قولوا : سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربنا وإليك المصير " ، فلما اقترأها القوم ، وذلت (8) بها ألسنتهم ، أنزل (9) الله تعالى في إثرها : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } فلما فعلوا ذلك نسخها الله ؛
_________
(1) هو : العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب ، مولى الحرقة من جهينة ، وهو مدني من الطبقة الخامسة ، قالوا عنه : صدوق ربما يهم ، روى عنه الثقات ، وربما أنكر بعضهم من حديثه أشياء ، وقد وثقه أحمد بن حنبل ، مات سنة بضع وثلاثين ومائة هجرية . انظر : تقريب التهذيب (2 / 92 ، 93) ، (ت 286) ؛ والجرح والتعديل (6 / 357) ، باب العين (ت 1974) .
(2) عبد الرحمن بن يعقوب ، أبو العلاء ، المذكور آنفا ، مدني تابعي روى عن أبي هريرة وابن عمر ، قال في تقريب التهذيب : « ثقة من الثالثة » . انظر : الجرح والتعديل (5 / 301) ، (ت 1428) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 503) ، (ت 1159) .
(3) سورة البقرة : الآية 284.
(4) في مسلم : قال : فاشتد . . إلخ ، وكذلك مسند أحمد .
(5) في المطبوعة : من الصلاة ، وفي مسلم ومسند أحمد كما هو مثبت .
(6) في (د ط) : لا نطيقها .
(7) أي اليهود والنصارى ، والكتابان : التوراة ، والإنجيل .
(8) كذا في جميع النسخ ومسند أحمد ، وفي مسلم : (ذلت) ، دون واو العطف .
(9) في مسلم : فأنزل .

(1/156)


فأنزل الله : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } ، قال : نعم { رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا } قال : نعم { رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } ، قال : نعم { وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } ، قال : نعم » (1) ، (2) .
فحذرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتلقوا أمر الله بما تلقاه (3) . أهل الكتابين (4) ، وأمرهم بالسمع والطاعة ؛ فشكر الله لهم ذلك ، حتى رفع الله عنهم الآصار والأغلال (5) التي كانت على من كان (6) قبلنا (7) .
وقال الله في صفته صلى الله عليه وسلم : { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } (8) فأخبر الله سبحانه أن رسوله عليه الصلاة والسلام يضع الآصار والأغلال التي كانت على أهل الكتاب .
ولما دعا المؤمنون بذلك أخبر (9) الرسول أنه (10) قد استجاب دعاءهم .
_________
(1) (نعم) : سقطت من (ط) .
(2) الحديث في صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق ، حديث رقم (125) ، (1 / 115 ، 116) ؛ وفي مسند أحمد (2 / 412) .
(3) في (أ ط) : بما تلقاه به.
(4) من هنا حتى قوله : من كان قبلنا (سطر ونصف تقريبا) : سقط من (ط) .
(5) الأغلال : سقطت من (أ ج د) . والآصار : جمع إصر ، وهو الذنب والثقل ، والأغلال : هي القيود ، راجع : مختار الصحاح ، مادة (ا ص ر) ، (ص18) ، ومادة (غ ل ل) ، (ص478) .
(6) كان : سقطت من (ب) .
(7) في المطبوعة : قبلهم .
(8) سورة الأعراف : من الآية 157 .
(9) في المطبوعة : أخبرهم الرسول أن الله قد استجاب . . إلخ .
(10) انظر التعليق السابق .

(1/157)


وهذا وإن كان رفعا للإيجاب والتحريم فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته (1) ، قد صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم (2) .
كما (3) كان النبي عليه الصلاة والسلام يكره مشابهة أهل الكتابين في هذه الآصار والأغلال ، وزجر أصحابه عن التبتل (4) وقال : « لا رهبانية (5) في الإسلام » (6) وأمر بالسحور (7) ونهى عن المواصلة (8) ، (9) وقال فيما يعيب (10) أهل الكتابين ويحذر موافقتهم (11) : « فتلك بقاياهم في الصوامع » (12) ، (13) وهذا باب واسع جدا .
_________
(1) ورد ذلك في المسند عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته » مسند الإمام أحمد (2 / 108) ، في مسند عبد الله بن عمر رضي الله عنه . وذكره السيوطي في الجامع الصغير ، وقال : حديث صحيح ، وذكر أنه رواه عن ابن عمر أحمد في المسند ، وابن حبان في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان . انظر : الجامع الصغير (1 / 288) ، الحديث رقم (1894) . وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه في كتاب الصيام ، الحديث رقم (2027) ، (1 / 259) ، ولفظه : « إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تترك معصيته » .
(2) انظر التعليق السابق .
(3) في (أ ط) والمطبوعة : وكذلك ، وفي (ب) : ولذلك .
(4) التبتل : الانقطاع عن الدنيا لعبادة الله تعالى . انظر : مختار الصحاح (ص40) ، مادة (ب ت ل) .
(5) الرهبانية ، والترهب : التعبد ، والانقطاع عن الناس للعبادة ، والتشديد على النفس في ذلك ، كما يفعل الرهبان : وهم النصارى الذين يتعبدون في الصوامع ويعتزلون بها عن الناس ، ويتركون ملاذ الدنيا ، ومخالطة الناس ، ويشددون على أنفسهم في العبادة كالصوم ، ويتركون الدعوة والجهاد . انظر : القاموس المحيط ، فصل الراء ، باب الباء (1 / 79) .
(6) ورد الحديث بهذا اللفظ في شرح السنة للبغوي (2 / 371) ، قال بعد أن ذكر حديث : « إن سياحة أمتي الجهاد . . » . إلخ ، قال : ويروى : « لا رهبانية في الإسلام » ، ولم يذكر سنده ، لكن له شواهد في مسند أحمد (6 / 226) ، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعثمان بن مظعون : « يا عثمان ، إن الرهبانية لم تكتب علينا . . » الحديث . ورجاله ثقات ، وفي سنن الدارمي وفيه : « إني لم أومر بالرهبانية » انظر سنن الدارمي (2 / 133) ، وأشار السيوطي إلى حديث جاء فيه : « ولا ترهب في الإسلام » لعبد الرزاق في الجامع عن طاوس مرسلا ، وقال : ضعيف (2 / 746) ، ح (9880) وانظر : التعليق على هامش شرح السنة للبغوي (2 / 371) ، وذكره العجلوني في كشف الخفا لكنه لم يذكر عنه شيئا إلا قول ابن حجر : « لم أره بهذا اللفظ » . انظر : كشف الخفا (2 / 528) ، رقم (3154) .
(7) فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « تسحروا فإن في السحور بركة » متفق عليه ، في البخاري ، كتاب الصوم ، باب بركة السحور من غير إيجاب ، انظر : فتح الباري ، حديث رقم (1923) ، (4 / 139) وفي مسلم ، كتاب الصيام ، باب فضل السحور وتأكيد استحبابه ، حديث رقم (1059) ، (2 / 770) .
(8) أي مواصلة الصيام ليومين فأكثر بلياليهما .
(9) روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « نهى عن الوصال . . » الحديث في صحيح مسلم ، كتاب الصيام ، باب النهي عن الوصال في الصوم ، حديث رقم (1102) ، (2 / 774) . وفي صحيح البخاري ، كتاب الصوم ، باب الوصال ، حديث رقم (1962) ، من فتح الباري (4 / 203) ، وللحديث طرق وشواهد كثيرة في السنن والمسانيد والصحاح وسائر كتب السنة .
(10) في (ب ط) : يعيب به .
(11) في المطبوعة : ويحذرنا عن موافقتهم .
(12) الصوامع جمع صومعة وهي : بناء يتخذه النصارى للعبادة يكون رأسه دقيقا . وانظر : القاموس المحيط ، باب العين ، فصل الصاد (2 / 53) .
(13) هذا جزء من حديث طويل أخرجه أبو داود في سننه ، كتاب الأدب ، باب في الحسد ، الحديث رقم (4904) ، (5 / 209) ، ورجاله ثقات وفيهم ابن أبي العمياء مقبول .

(1/158)


وقال سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } (1) وقال سبحانه : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ } (2) يعيب بذلك المنافقين الذين تولوا اليهود . . . إلى قوله : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ } إلى قوله : { أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ } (3) .
وقال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا } (4) { بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي }{ سَبِيلِ اللَّهِ } (5) { وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } إلى قوله : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } .
_________
(1) سورة المائدة : الآية 51 .
(2) سورة المجادلة : الآية 14 .
(3) سورة المجادلة : الآية 22 .
(4) في (أ) : في سبيل الله ، وهو خطأ من الناسخ .
(5) في (أ) : أسقط : في سبيل الله ، فيكون قدمها هناك وتركها هنا ، وهو كما قلت : خطأ من الناسخ .

(1/159)


إلى قوله : { وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ } . . . (1) (2) .
(3) فعقد (4) سبحانه الموالاة بين المهاجرين والأنصار ، وبين من آمن (5) بعدهم وهاجر (6) وجاهد إلى يوم القيامة .
والمهاجر : من هجر ما نهى الله عنه (7) والجهاد باق إلى يوم القيامة (8) .
فكل شخص يمكن أن يقوم به هذان الوصفان ، إذ كان كثير (9) من النفوس اللينة تميل إلى هجر السيئات دون الجهاد ، والنفوس القوية قد تميل إلى الجهاد دون هجر السيئات ، وإنما عقد (10) الموالاة لمن جمع (11) الوصفين ، وهم أمة محمد (12) حقيقة .
وقال : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ }{ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } (13) ونظائر هذا في غير موضع من القرآن : يأمر سبحانه بموالاة المؤمنين حقا - الذين هم حزبه وجنده - ويخبر أن هؤلاء لا يوالون الكافرين ولا يوادونهم .
والموالاة (14) والموادة : وإن كانت متعلقة بالقلب ، لكن المخالفة في الظاهر (15) أعون (16) على مقاطعة الكافرين ومباينتهم .
_________
(1) سورة الأنفال : من الآيات 72 - 75 .
(2) في المطبوعة زاد : الآيات .
(3) من هنا حتى قوله : إلى يوم القيامة (سطر ونصف تقريبا) سقط من (أ) .
(4) في المطبوعة : فعقد الله .
(5) في (أ) والمطبوعة : من بعدهم .
(6) في (أ) : وهاجروا وجاهدوا .
(7) جاء ذلك في الحديث الذي رواه البخاري وفيه : « والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه . . » إلخ الحديث ، رواه البخاري في كتاب الإيمان ، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، حديث رقم (10) ، من فتح الباري (1 / 53) ، والحديث رقم (6484) ، كتاب الرقاق ، باب الانتهاء عن المعاصي (11 / 316) .
(8) جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أبو داود ومنه : « والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال . . » الحديث رواه أبو داود في كتاب الجهاد ، باب في الغزو مع أئمة الجور ، حديث رقم (2532) ، (3 / 40) وفي سند الحديث يزيد بن أبي نشبة ، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب : مجهول . والأحاديث التي تدل على بقاء الجهاد والقتال في سبيل الله إلى يوم القيامة كثيرة جدا ، منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه مسلم : « لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة »، صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب (53)، الحديث رقم (1922)، (3 / 1524) ؛ ومسند أحمد (5 / 92، 94، 98، 103 ، 104 ) .
(9) في (ج) : إذا . وفي . (د) : إذا كان كثير .
(10) في المطبوعة : عقد الله .
(11) في المطبوعة : جمع بين .
(12) في المطبوعة : أسقط (حقيقة) ثم زاد : صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذين آمنوا به إيمانا صادقا . وهذا خلاف جميع النسخ .
(13) سورة المائدة : الآيتان 55، 56 .
(14) في(ب) : الموالاة : دون واو العطف .
(15) أي في الأعمال والسلوك، كاللباس والأكل والشرب وعمل بعض العبادات والشعائر .
(16) في المطبوعة قال : أهون على المؤمنين من مقاطعة الكافرين ومباينتهم . اهـ، وأظنه تصرف زائد عن أصل الكتاب ؛ لأنه خالف جميع النسخ، حيث أجمعت على ما أثبته .

(1/160)


ومشاركتهم في الظاهر : إن لم تكن (1) ذريعة أو سببا قريبا أو بعيدا إلى نوع ما من الموالاة (2) والموادة ، فليس فيها مصلحة المقاطعة والمباينة ، مع أنها تدعو إلى نوع ما من المواصلة - كما توجبه الطبيعة (3) وتدل عليه العادة - ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بهم في الولايات .
فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح ، عن أبي موسى (4) (5) رضي الله عنه قال : " قلت لعمر رضي الله عنه : إن لي كاتبا نصرانيا قال : ما لك؟ قاتلك الله ، أما سمعت الله يقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } (6) ألا اتخذت حنيفا؟ قال : قلت : يا أمير المؤمنين ، لي كتابته وله دينه . قال : لا أكرمهم إذ أهانهم الله ، ولا أعزهم إذ أذلهم الله ، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله " (7) ولما دل عليه معنى الكتاب : وجاءت (8) سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسنة خلفائه الراشدين ، التي أجمع الفقهاء عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم .
_________
(1) في (ب) : يكن .
(2) في (أ ط) : الموادة والموالاة .
(3) الطبيعة هنا بمعني الفطرة والجبلة، والسجية التي جبل عليها الإنسان . انظر : مختار الصحاح (ص387)، (ط ب ع ) . لا كما يطلقها الفلاسفة وكثير من الكتاب المحدثين بمعني : مجموعة العناصر والعوالم الكونية التي يزعمون أنها تؤثر في بعضها تأثيرا مستقلا عن إرادة الخالق سبحانه ، أو كما يزعم الملاحدة : أنها هي وحدها الوجود ، وهي وحدها المؤثر والمؤثر فيه ، وليس لها خالق مدبر متصرف ، تعالى الله عما يقوله الظالمون علوا كبيرا .
(4) هو الصحابي الجليل : عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر الأشعري ، أبو موسى ، قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة قبل الهجرة ، فأسلم ، وهاجر الهجرتين ، والثالثة من اليمن أول إسلامه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة ، وكان حسن الصوت بالقرآن ، واستعمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على زبيد وعدن وساحل اليمن ، واستعمله عمر على الكوفة والبصرة ، وفتح الأهواز وأصبهان ، وتوفي رضي الله عنه بالكوفة سنة (50 هـ) . انظر : تهذيب الأسماء واللغات ، للنووي ، القسم الأول ، (2 / 268) ، ترجمة رقم (425) .
(5) في المطبوعة : الأشعري .
(6) سورة المائدة : من الآية 51 .
(7) لم أعثر عليه في مسند الإمام أحمد (مسند أبي موسى) وقد أشار البيهقي في سننه إلى قصة تشبه ما أورده المؤلف . انظر : سنن البيهقي (9 / 204) في كتاب الجزية ، باب لا يدخلون مسجدا بغير إذن .
(8) في المطبوعة : وجاءت به . وعلى ما أثبته من جميع النسخ المخطوطة يكون في العبارة غموض ، وعبارة المطبوعة فيها توضيح للكلام ، مع أن الكلام يصح بما أثبته أيضا لكن فيه ركاكة ، فيغلب على ظني أن النساخ - وربما المؤلف - أسقط كلمة أو حرفا سهوا . فتأمل .

(1/161)


ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم » (1) أمر بمخالفتهم ؛ وذلك يقتضي أن يكون جنس (2) مخالفتهم أمرا مقصودا للشارع ؛ لأنه : إن كان الأمر بجنس المخالفة حصل المقصود ، وإن كان الأمر بالمخالفة في تغيير الشعر فقط ، فهو لأجل ما فيه من المخالفة فالمخالفة : إما علة مفردة (3) أو علة (4) أخرى ، أو بعض علة ، وعلى (5) التقديرات (6) تكون مأمورا بها مطلوبة من (7) الشارع ؛ لأن الفعل المأمور به إذا عبر عنه (8) . بلفظ مشتق من معنى أعم من ذلك الفعل ؛ فلا بد أن يكون ما منه الاشتقاق أمرا مطلوبا ، لا سيما إن ظهر لنا أن (9) المعنى المشتق منه معنى مناسب للحكمة ، كما لو قيل للضيف : أكرمه ، بمعنى أطعمه ، أو (10) للشيخ الكبير : وقره ، بمعنى اخفض صوتك له ، أو نحو (11) ذلك .
_________
(1) صحيح البخاري ، كتاب الأنبياء ، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ، انظر : فتح الباري حديث رقم (3462) ، (6 / 496) ، وحديث رقم (5899) . وصحيح مسلم ، كتاب اللباس والزينة ، باب في مخالفة اليهود في الصبغ ، حديث رقم (2103) ، (3 / 1663) .
(2) في (أ) : بجنس .
(3) أي أن المخالفة هي وحدها تكون علة للنهي .
(4) من هنا حتى قوله : فلا بد أن يكون (ثلاثة أسطر تقريبا) : سقطت من (أ) .
(5) في المطبوعة : وعلى جميع التقديرات . وهو أتم للمعنى لكنه خلاف جميع النسخ المخطوطة .
(6) في (ط) : وعلى التقديرين .
(7) في المطبوعة : للشارع .
(8) في (ط) : إذا عبر به عن لفظ.
(9) أن : سقطت من (أ) .
(10) في (ج د) : أو الشيخ . وفي المطبوعة : وللشيخ .
(11) في (ب) : أو نحو ذلك . وفي المطبوعة : أو نحوه .

(1/162)


وذلك لوجوه : * أحدها (1) : أن الأمر إذا تعلق باسم مفعول مشتق من معنى كان المعنى (2) علة للحكم ، كما في قوله عز وجل : { فَاقْتُلُوا } (3) { الْمُشْرِكِينَ } (4) وقوله (5) : { فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } (6) وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « عودوا المريض وأطعموا الجائع وفكوا العاني » (7) وهذا كثير معلوم .
فإذا (8) كان نفس الفعل المأمور به مشتقا من معنى أعم منه ؛ كان نفس الطلب والاقتضاء قد علق بذلك المعنى الأعم ، فيكون مطلوبا بطريق الأولى .
* الوجه الثاني : أن جميع الأفعال مشتقة ، سواء كانت (9) مشتقة من المصدر ، أو كان المصدر مشتقا منها ، أو كان كل (10) منهما (11) مشتقا من الآخر ، بمعنى : أن بينهما مناسبة في اللفظ والمعنى ، لا بمعنى : أن أحدهما أصل والآخر فرع ، بمنزلة المعاني المتضايفة (12) كالأبوة والبنوة أو كالأخوة من الجانبين ، ونحو ذلك .
فعلى كل حال : إذا أمر بفعل كان نفس مصدر الفعل أمرا مطلوبا للآمر ، مقصودا له كما في قوله : اتَّقُوا اللَّهَ (13) و (14) { وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (15) و { آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } (16) و { اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } (17) و { فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا } (18) .
_________
(1) ميزت هذا الوجه والوجوه التالية له من هذا التقسيم بوضع هذه العلامة * قبل كل وجه منها تمييزا لها عن غيرها ، لأن التقسيمات ستتداخل ، وسيذكر المؤلف تحت هذا التقسيم وجوها هي : 1- أن الأمر إذا تعلق باسم مفعول مشتق من معنى ؛ كان المعنى علة للحكم . 2- أن جميع الأفعال مشتقة (على ما بينه المؤلف ) . 3- أن عدول الأمر عن لفظ الفعل الخاص به إلى لفظ أعم منه معنى لا بد له من فائدة . 4- أن العلم بالعام يقتضي العلم بالخاص وكذلك القصد . 5- أنه رتب الحكم على الوصف بحرف الفاء فيدل على أنه علة له من غير وجه .
(2) في المطبوعة : كان ذلك المعنى .
(3) جاء في جميع النسخ : (اقتلوا) . . ونص الآية ( فاقتلوا ) . . لذلك أثبته كما هو في المطبوعة ، ومثله قوله : ( فأصلحوا ) .
(4) سورة التوبة : من الآية 5 .
(5) وقوله : ساقطة من (أ ط) .
(6) سورة الحجرات : الآية 10 .
(7) هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه ، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « فكوا العاني - يعني الأسير - وأطعموا الجائع وعودوا المريض » . انظر : فتح الباري ، كتاب الجهاد ، باب فكاك الأسير ، حديث رقم (3046) ، (6 / 167) ، وأخرجه أيضا في مواضع أخرى كثيرة . كما أخرج الحديث أبو داود في سننه بلفظ : « فكوا العاني وأطعموا الجائع » في كتاب السير ، باب في فكاك الأسير (2 / 223) ؛ وأحمد في المسند (4 / 394 ، 406) .
(8) في (ج د) : فإن .
(9) في المطبوعة : كانت هي .
(10) في المطبوعة : كل واحد .
(11) في (ب) : منها .
(12) أي : التي يضاف وينسب بعضها إلى بعض كإضافة الابن إلى الأب على أن الابن فرع عن الأب وعلى أن الأب أصل للابن ، وهذا بخلاف اشتقاق الفعل من المصدر ، والعكس ، فإن الاشتراك بينهما لا يعني أن أحدهما أصل للآخر ولا العكس ، إنما لمناسبة تقع بينهما .
(13) قوله تعالى : ( اتقوا الله ) ، ( واتقوا الله ) : ورد في القرآن الكريم أكثر من خمسين مرة .
(14) في المطبوعة : زاد بين كل آيتين : وقوله .
(15) سورة البقرة : من الآية 195 .
(16) سورة النساء : من الآية 136 ؛ وسورة الحديد : من الآية 7 .
(17) سورة المائدة : من الآيتين 72 ، 117 . وفي (د ج ط) : ( اعبدوا الله ربكم ) ، فلعل النساخ أسقطوا لفظ (ربي) .
(18) سورة يونس : من الآية 84 .

(1/163)


فإن نفس التقوى ، والإحسان ، والإيمان ، والعبادة (1) ، أمور مطلوبة مقصودة ، بل هي نفس المأمور به .
ثم المأمور به أجناس لا يمكن أن (2) تقع إلا معينة ، وبالتعيين تقترن (3) بها أمور غير مقصودة (4) للآمر ، لكن لا يمكن العبد إيقاع الفعل المأمور به ؛ إلا مع أمور معينة له ، فإنه إذا قال : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } (5) فلا بد إذا أعتق العبد رقبة أن يقترن بهذا المطلق تعيين : من سواد ، أو بياض ، أو طول ، أو قصر ، أو عربية ، أو عجمية ، أو غير ذلك من الصفات ، لكن المقصود : هو المطلق المشترك بين (6) هذه المعينات .
وكذلك (7) إذا قيل : اتقوا الله (8) وخالفوا اليهود ؛ فإن التقوى تارة تكون بفعل واجب : من صلاة ، أو صيام ، وتارة تكون بترك محرم : من كفر أو زنا ، أو نحو ذلك ، فخصوص ذلك الفعل إذا دخل في التقوى لم يمنع دخول غيره ، فإذا رئي رجل على (9) زنا فقيل : له اتق الله ؛ كان أمرا له (10) بعموم التقوى ، داخلا فيه خصوص (11) ترك ذلك الزنا ؛ لأن سبب اللفظ العام لا بد أن يدخل فيه . كذلك إذا قيل : " إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم " (12) كان أمرا بعموم المخالفة ، داخلا فيه المخالفة بصبغ اللحية ؛، لأنه سبب اللفظ العام .
_________
(1) زاد في المطبوعة : والتوكل .
(2) لا يمكن أن : ساقطة من (أ) .
(3) في (أ) والمطبوعة : تقترن .
(4) في (أ) والمطبوعة : غير مقصودة الفعل للأمر .
(5) وردت في القرآن الكريم : ( فتحرير رقبة ) ، ( وتحرير رقبة ) ، ( أو تحرير رقبة ) في ستة مواضع أولها ، على ترتيب السور ، سورة النساء : من الآية 92 .
(6) في المطبوعة : من .
(7) في (د) : كذلك . دون واو العطف .
(8) في (ج د) : أو خالفوا .
(9) في المطبوعة : هم بزنا . وهو أليق ، لكنه خلاف جميع النسخ .
(10) في (ج د) : سقطت : له .
(11) في المطبوعة : الأمر بخصوص ذلك . . الخ .
(12) هذا لفظ الحديث الذي مر ذكره قبل قليل (ص 185) وهو في الصحيحين كما أشرت .

(1/164)


وسببه : أن الفعل (1) فيه عموم وإطلاق لفظي ومعنوي فيجب الوفاء به ، وخروجه على سبب يوجب (2) أن يكون داخلا فيه لا يمنع أن يكون غيره داخلا فيه - (3) وإن قيل : إن اللفظ العام يقصر (4) على سببه - لأن العموم هاهنا من جهة المعنى - فلا يقبل من التخصيص ما يقبله العموم اللفظي .
فإن قيل : الأمر بالمخالفة أمر بالحقيقة المطلقة وذلك (5) لا عموم فيه بل يكفي فيه المخالفة في (6) أمر ما ، وكذلك سائر ما يذكرونه فمن أين اقتضى ذلك المخالفة في غير ذلك الفعل المعين ؟ .
قلت : هذا سؤال قد يورده بعض المتكلمين في عامة الأفعال المأمور بها ويلبسون به على الفقهاء وجوابه من وجهين (7) :
أحدهما : أن التقوى والمخالفة ونحو ذلك من الأسماء والأفعال المطلقة قد يكون العموم فيها من جهة عموم الكل لأجزائه (8) لا من جهة عموم الجنس لأنواعه ؛ فإن العموم ثلاثة أقسام :
1 - عموم الكل لأجزائه : وهو ما لا يصدق فيه الاسم العام، ولا أفراده (9) على جزئه .
2 - عموم الجميع (10) لأفراده : وهو ما يصدق فيه أفراد الاسم العام على آحاده .
3 - عموم الجنس لأنواعه وأعيانه : وهو ما يصدق فيه نفس الاسم العام على أفراده .
_________
(1) أي فعل المخالفة في قوله : «فخالفوهم» .
(2) في المطبوعة : توجب .
(3) أي كون الأمر بالمخالفة جاء هنا لأجل الصبغ لا يمنع أن يكون غير الصبغ من هدي أهل الكتاب داخلا في عموم الأمر بالمخالفة .
(4) في (ج د) : يقتصر .
(5) وذلك : سقطت من (ج د) .
(6) من هنا حتى قوله : في غير ذلك الفعل المعين (سطر تقريبا) : سقط من (ط) .
(7) الوجه الأول ذكره المؤلف هنا والوجه الثاني هو : العموم المعنوي ، وهو أن المخالفة مشتقة فإنما أمر بها لمعنى كونها مخالفة ، وسيذكره (ص 173) .
(8) من هنا حتى قوله : وهو ما لا يصدق (سطر ونصف تقريبا) : ساقط من (أ) .
(9) في (ط) : ولأفراده على حذوه .
(10) في المطبوعة : الجمع . وهو أتم للمعنى لكنه خلاف جميع النسخ .

(1/165)


فالأول : عموم الكل لأجزائه في الأعيان والأفعال والصفات كما في قوله تعالى : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } (1) فإن اسم الوجه يعم الخد والجبين (2) والجبهة ونحو ذلك وكل واحد من هذه الأجزاء ليس هو الوجه فإذا غسل بعض هذه الأجزاء لم يكن غاسلا للوجه لانتفاء (3) المسمى بانتفاء جزئه .
وكذلك في الصفات والأفعال إذا قيل : صل فصلى ركعة وخرج بغير سلام أو قيل : صم فصام بعض يوم لم يكن ممتثلا لانتفاء معنى الصلاة المطلقة والصوم (4) المطلق وكذلك إذا قيل : أكرم (5) هذا الرجل . فأطعمه وضربه لم يكن ممتثلا ؛ لأن الإكرام المطلق يقتضي فعل ما يسره وترك ما يسوءه .
_________
(1) سورة المائدة : من الآية 6 .
(2) في (ب) : والحاجبين .
(3) في (ج د) : الاسم المسمى .
(4) والصوم : سقطت من (أ) .
(5) في (أ) : الزم .

(1/166)


فلما (1) قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه » (2) فلو أطعمه بعض كفايته وتركه جائعا لم يكن مكرما له ؛ لانتفاء أجزاء (3) الإكرام، ولا يقال : الإكرام حقيقة مطلقة وذلك يحصل بإطعام (4) لقمة كذلك (5) إذا قال : خالفوهم . فالمخالفة (6) المطلقة تنافي الموافقة في بعض الأشياء ، أو في أكثرها على طريق التساوي ؛ لأن المخالفة المطلقة ضد (7) الموافقة المطلقة فيكون الأمر بأحدهما نهيا عن الآخر ، ولا يقال : إذا خالف (8) في شيء ما فقد حصلت المخالفة ، كما لا يقال : إذا وافقه في شيء ما فقد حصلت الموافقة .
وسر ذلك الفرق بين مفهوم اللفظ المطلق وبين المفهوم المطلق من اللفظ ، فإن اللفظ يستعمل مطلقا ومقيدا .
فإذا أخذت المعنى المشترك بين جميع (9) موارده مطلقها ومقيدها ؛ كان أعم من المعنى المفهوم منه عند إطلاقه وذلك المعنى المطلق يحصل بحصول بعض مسميات اللفظ في أي استعمال حصل من استعمالاته المطلقة والمقيدة .
وأما معناه في حال إطلاقه فلا يحصل بعض معانيه عند التقييد بل يقتضي أمورا كثيرة لا يقتضيها اللفظ المقيد .
_________
(1) في المطبوعة : كما قال .
(2) هذا جزء من حديث جاء في الصحيحين وغيرهما : فقد رواه البخاري في صحيحه . انظر : فتح الباري ، كتاب الأدب ، باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه ، حديث رقم (6136 ، 6138) ، (10 / 532) ، ورقم (6018) ، (6475 ، 6476) . انظر : صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب الحث على إكرام الجار والضيف حديث رقم (47 ، 48) ، (1 / 68 ، 69) . كما روي الحديث في سائر السنن والمسانيد .
(3) في (ب) : جزء .
(4) في المطبوعة : بإطعام أي شيء ولو لقمة . وهي زيادة على جميع النسخ .
(5) في المطبوعة : وكذلك .
(6) في (أ) : المخالفة .
(7) في (ط) : ضدا للموافقة .
(8) في (أ ط) : خالفه .
(9) في (ط) : بين جمع .

(1/167)


فكثيرا ما يغلط الغالطون هنا . ألا ترى أن الفقهاء يفرقون بين الماء المطلق وبين المائية المطلقة الثابتة في المني والمتغيرات وسائر المائعات ، فأنت تقول عند التقييد : أكرم الضيف بإعطاء (1) هذا الدرهم . فهذا إكرام مقيد ، فإذا قلت : أكرم الضيف . كنت آمرا بمفهوم اللفظ المطلق وذلك يقتضي أمورا لا تحصل بحصول إعطاء (2) درهم فقط (3) .
، وأما القسم الثاني من (4) العموم فهو عموم الجميع (5) لأفراده كما يعم قوله تعالى : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } (6) كل مشرك .
والقسم (7) الثالث من أقسام العموم : عموم الجنس لأعيانه كما يعم قوله : « لا يقتل مسلم بكافر » (8) جميع أنواع القتل والمسلم (9) والكافر .
إذا تبين هذا فالمخالفة المطلقة لا تحصل بالمخالفة في شيء ما إذا كانت الموافقة قد حصلت في أكثر منه (10) وإنما تحصل بالمخالفة في جميع الأشياء أو في غالبها ، إذ المخالفة المطلقة ضد الموافقة المطلقة فلا يجتمعان ، بل الحكم للغالب وهذا تحقيق جيد ، لكنه (11) مبني على مقدمة وهو (12) أن المفهوم من لفظ المخالفة عند الإطلاق ، يعم المخالفة في عامة الأمور الظاهرة ، فإن خفي هذا (13) في هذا الموضع المعين فخذ في :
_________
(1) في المطبوعة : بإعطائه .
(2) في المطبوعة : إعطائه الدرهم .
(3) فقط : ساقطة من (أ ط) .
(4) في المطبوعة : من أقسام العموم .
(5) في المطبوعة : عموم الجنس . ولعله أصح ، لكنه خلاف جميع النسخ المخطوطة .
(6) سورة التوبة : من الآية 5 .
(7) في (ب ج) : والثالث . وفي (أ ط) : والثالث : عموم الجنس . .
(8) هذا جزء من حديث رواه البخاري في صحيحه : انظر : فتح الباري ، كتاب العلم ، باب كتابة العلم ، حديث رقم (111) ، (1 / 204) ، والأحاديث (3047 ، 6903 ، 6915) ، ورواه الترمذي وقال : «حديث علي حديث حسن صحيح» . انظر : سنن الترمذي ، كتاب الديات ، باب ما جاء : لا يقتل مسلم بكافر ، حديث رقم (1412) ، (4 / 24 ، 25) تحقيق إبراهيم عطوة . كما روي الحديث في سائر السنن والمسانيد .
(9) في المطبوعة : المسلم والكافر .
(10) في (ج د) : في كثير منه .
(11) في (أ ط) : لكن .
(12) في المطبوعة : وهي . وهي أقرب للسياق لكنها خلاف النسخ الأخرى .
(13) في المطبوعة : فإن خفي هذا الموضع المعين .

(1/168)


الوجه الثاني (1) : وهو العموم المعنوي وهو أن المخالفة مشتقة ، فإنما أمر بها لمعنى كونها مخالفة ، كما تقدم تقريره (2) وذلك ثابت في كل فرد من أفراد (3) المخالفة فيكون العموم ثابتا من جهة المعنى المعقول ، وبهذين الطريقين يتقرر العموم في قوله تعالى : { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } (4) وغير ذلك من الأفعال .
وإن كان أكثر الناس إنما يفزعون إلى الطريق الثاني وقل منهم من يتفطن (5) للطريق الأول وهو (6) أبلغ إذا صح .
ثم نقول : (7) هب أن الإجزاء يحصل بما (8) يسمى مخالفة ، لكن الزيادة على القدر المجزئ مشروعة ؛ إذا كان الأمر مطلقا كما في قوله : { ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا } (9) ونحو ذلك من الأوامر المطلقة .
الوجه الثالث (10) : في أصل التقرير (11) أن عدول (12) الأمر عن لفظ الفعل الخاص به إلى لفظ أعم منه معنى كعدوله (13) عن لفظ : أطعمه . إلى لفظ : أكرمه . وعن لفظ : فاصبغوا . (14) إلى لفظ : (15) فخالفوهم . (16) لا بد له من فائدة ، وإلا فمطابقة اللفظ للمعنى أولى من إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص ، وليست هنا فائدة تظهر إلا تعلق القصد بذلك المعنى العام المشتمل على هذا الخاص (17) وهذا بين عند التأمل .
_________
(1) هذا هو الوجه الثاني من وجوه الرد على من يقول بأن الأمر بالمخالفة أمر بالحقيقة المطلقة ، وذلك لا عموم فيه ، والوجه الأول هو المذكور (ص186) ، وأشرت إلى ذلك بالهامش .
(2) انظر : (ص186- 185) .
(3) في المطبوعة : الأفراد .
(4) سورة الحشر : من الآية 2 .
(5) في (ج د) : يفطن .
(6) في المطبوعة : وهذا .
(7) في (ط) : يقول .
(8) في المطبوعة : بأي .
(9) سورة الحج : من الآية 77 .
(10) هذا ثالث الوجوه التي بدأت (ص182) والتي أشرت إليها في الهامش .
(11) في (ج د) : التغيير .
(12) في المطبوعة : العدول بالأمر .
(13) في المطبوعة : كالعدول .
(14) في (ج د) : اصبغوا .
(15) إلى لفظ : ساقطة من (ط) .
(16) في (ب ج) : خالفوهم .
(17) من قوله : وهذا بين . . إلى قوله : يقتضي العلم بالخاص (بعد سطر) : سقط من : (ج د) ، ولعله سهو من الناسخين .

(1/169)


الوجه الرابع : أن العلم بالعام عاما يقتضي العلم بالخاص ، والقصد العام (1) عاما يوجب القصد للمعنى الخاص ، فإنك إذا علمت أن كل مسكر خمر ، وعلمت أن النبيذ مسكر ، كان علمك بذلك الأمر العام وبحصوله في الخاص موجبا لعلمك (2) بوصف الخاص كذلك إذا كان قصدك طعاما مطلقا ، أو مالا مطلقا ، وعلمت وجود طعام معين أو مال معين في مكان حصل قصدك له إذ العلم والقصد يتطابقان في مثل هذا والكلام يبين مراد المتكلم ومقصوده .
فإذا أمر بفعل باسم دال على معنى عام مريدا به فعلا خاصا كان ما ذكرناه من الترتيب الحكمي يقتضي أنه قاصد بالأول (3) لذلك المعنى العام وأنه إنما قصد ذلك الفعل الخاص لحصوله به .
ففي قوله : أكرمه . طلبان طلب (4) للإكرام المطلق وطلب لهذا الفعل الذي يحصل به الفعل (5) المطلق ؛ وذلك ؛ لأن حصول المعين مقتض (6) لحصول المطلق ، وهذا معنى صحيح ، إذا صادف فطنة من الإنسان وذكاء ؛ انتفع به في كثير من المواضع وعلم به طريق البيان والدلالة .
_________
(1) العام : ساقطة من (أ) .
(2) في (ب) : لعملك .
(3) في المطبوعة : بالأولى .
(4) في (ب) : الإكرام .
(5) في (أ) والمطبوعة : يحصل به المطلق .
(6) في (ب) : مقتضى .

(1/170)


بقي (1) أن يقال هذا يدل على أن (2) جنس المخالفة أمر مقصود للشارع وهذا صحيح لكن قصد الجنس قد يحصل الاكتفاء فيه (3) بالمخالفة في بعض الأمور ، فما زاد على ذلك لا حاجة إليه . قلت : إذا ثبت أن الجنس مقصود في الجملة (4) كان ذلك حاصلا في كل فرد من أفراده ولو فرض أن الوجوب سقط بالبعض ؛ لم يرفع (5) حكم الاستحباب عن الباقي .
وأيضا فإن ذلك يقتضي النهي عن موافقتهم ؛ لأن (6) من قصد مخالفتهم (7) بحيث (8) أمر (9) بإحداث فعل يقتضي مخالفتهم فيما لم تكن الموافقة فيه من فعلنا، ولا قصدنا كيف (10) لا ينهانا عن أن نفعل فعلا فيه موافقتهم سواء قصدنا موافقتهم أو لم نقصدها .
_________
(1) في (ب ج) : يبقى .
(2) أن : سقطت من (ط) .
(3) في (ب) : به .
(4) في (ج د) : في الحكمة .
(5) في (أ) : لم يرتفع .
(6) في (ب) : لا من قصد ، وفي المطبوعة : لأنه .
(7) في (ب) : لمخالفتهم .
(8) في (ب) : لحيث .
(9) في المطبوعة : أمرنا .
(10) في المطبوعة : فكيف .

(1/171)


الوجه الخامس : أنه رتب الحكم على الوصف بحرف الفاء فيدل هذا (1) على أنه علة له من غير وجه حيث قال : إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم . فإنه يقتضي أن علة (2) الأمر بهذه المخالفة كونهم لا يصبغون فالتقدير : اصبغوا ؛ لأنهم لا يصبغون وإذا كان علة الأمر بالفعل عدم فعلهم له دل على أن قصد المخالفة لهم ثابت بالشرع ، وهو المطلوب يوضح ذلك أنه لو لم يكن لقصد مخالفتهم تأثير في الأمر بالصبغ لم يكن لذكرهم فائدة، ولا حسن تعقيبه به ، وهذا وإن دل على أن (3) مخالفتهم أمر مقصود للشرع فذلك لا ينفي أن يكون (4) في نفس الفعل الذي خولفوا فيه مصلحة مقصودة مع قطع النظر عن مخالفتهم فإن هنا شيئين :
أحدهما : أن نفس المخالفة لهم في الهدى الظاهر مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم ، وإنما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنور قلبه حتى رأى ما اتصف به المغضوب عليهم والضالون من المرض (5) الذي ضرره أشد من ضرر أمراض الأبدان .
_________
(1) في المطبوعة : هذا الترتيب .
(2) في (ب) أنه علل الأمر : وفي (ط) : أنه علة الأمر .
(3) أن : ساقطة من (ط) .
(4) في المطبوعة : تكون .
(5) في المطبوعة : من مرض القلب الذي ضرره .

(1/172)


والثاني : أن نفس ما هم عليه من الهدى والخلق قد يكون مضرا أو منقصا فينهى عنه ، ويؤمر بضده (1) لما فيه من المنفعة والكمال ، وليس شيء من أمورهم إلا (2) وهو إما مضر أو ناقص (3) ؛ لأن ما بأيديهم من الأعمال المبتدعة والمنسوخة ونحوها مضرة ، وما بأيديهم مما لم ينسخ أصله فهو يقبل الزيادة والنقص ، فمخالفتهم فيه بأن يشرع ما يحصله على وجه الكمال ، ولا يتصور أن يكون شيء من أمورهم كاملا قط ، فإذا المخالفة فيها منفعة وصلاح لنا في كل أمورهم (4) حتى ما هم عليه من إتقان بعض (5) أمور دنياهم قد يكون مضرا بأمر (6) الآخرة أو بما هو أهم منه من أمر الدنيا (7) لمخالفة فيه صلاح لنا .
_________
(1) في (ط) : ويؤيد قصده .
(2) إلا : ساقطة من (ط) .
(3) في (ب) : وإما ناقص .
(4) في المطبوعة : في كل أمورنا .
(5) بعض : سقطت في المطبوعة .
(6) في المطبوعة : بآخرتنا ، وفي (ج د) : بالآخرة .
(7) في المطبوعة : أمر دنيانا .

(1/173)


وبالجملة فالكفر بمنزلة مرض القلب (1) وأشد ومتى كان القلب مريضا لم يصح شيء من الأعضاء صحة مطلقة ، وإنما الصلاح أن لا تشبه (2) مريض القلب في شيء من أموره ، وإن (3) خفي عليك مرض ذلك العضو لكن يكفيك أن فساد الأصل لا بد أن يؤثر في الفرع ، ومن انتبه لهذا قد يعلم بعض الحكمة التي أنزلها الله (4) فإن من في قلبه مرض قد يرتاب (5) في الأمر بنفس المخالفة لعدم استبانته لفائدته ، أو يتوهم أن هذا من جنس أمر الملوك والرؤساء القاصدين للعلو في الأرض ، ولعمري إن النبوة غاية الملك الذي يؤتيه الله من يشاء وينزعه ممن يشاء ، ولكن ملك (6) : هو غاية صلاح من أطاعه (7) من العباد في معاشهم ومعادهم (8) .
وحقيقة الأمر : أن جميع أعمال الكافر وأموره لا بد فيها من خلل يمنعها أن تتم (9) منفعة بها .
ولو فرض صلاح شيء من أموره على التمام ، لاستحق (10) بذلك ثواب الآخرة ، ولكن كل أموره إما فاسدة وإما ناقصة ، فالحمد لله على نعمة الإسلام التي هي أعظم النعم ، وأم كل خير كما يحب ربنا ويرضى .
_________
(1) في (ج د) والمطبوعة : أو أشد .
(2) في المطبوعة : تشابه .
(3) في (ط) : إن خفي .
(4) في (ب) : الله تعالى .
(5) في (ج د) : ارتاب .
(6) في المطبوعة : لكن ملك النبوة .
(7) في المطبوعة : من أطاع الرسول .
(8) في المطبوعة : في معاشه ومعاده .
(9) في المطبوعة : أن تتم له منفعة بها .
(10) في (ب ط) : لا يستحق .

(1/174)


فقد تبين أن نفس مخالفتهم أمر مقصود للشارع في الجملة ، ولهذا كان الإمام أحمد بن حنبل (1) وغيره من الأئمة (2) يعللون (3) الأمر بالصبغ (4) بعلة المخالفة قال حنبل (5) : سمعت أبا عبد الله يقول : ما أحب لأحد إلا أن يغير الشيب ، لا يتشبه بأهل الكتاب ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « غيروا الشيب ، ولا تشبهوا بأهل الكتاب » (6) .
وقال إسحاق بن إبراهيم (7) : سمعت أبا عبد الله يقول لأبي (8) : : يا أبا هاشم (9) اخضب ولو مرة واحدة ، أحب لك (10) أن تخضب، ولا تشبه باليهود .
وهذا اللفظ الذي احتج به أحمد قد رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود . » (11) . قال الترمذي : حديث حسن صحيح (12) .
وقد رواه النسائي من حديث محمد بن كناسة (13) عن هشام بن (14) عروة (15) عن عثمان بن عروة (16) عن أبيه (17) عن الزبير (18) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « غيروا الشيب ، ولا تشبهوا باليهود » (19) ورواه أيضا من حديث عروة عن عبد الله بن عمر لكن قال النسائي : كلاهما ليس بمحفوظ (20) .
وقال الدارقطني (21) : المشهور عن عروة مرسلا (22) .
_________
(1) بن حنبل : سقطت من (ب) .
(2) في المطبوعة : رضي الله عنهم .
(3) في (أ) : يعللون أن الأمر .
(4) في (ط) : لصبغ .
(5) هو : حنبل بن إسحاق بن حنبل الشيباني ، أبو علي ، ابن عم الإمام أحمد بن حنبل ، ومن تلاميذه الذين رووا عنه الكثير من المسائل ، وقال عنه الدارقطني : كان صدوقا ، توفي رحمه الله سنة (273 هـ) بواسط . انظر : طبقات الحنابلة (1 / 143- 145) ، (ت188) .
(6) أخرجه الترمذي عن أبي هريرة بلفظ : «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود» ، وقال الترمذي : «حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح» ، وقال : «وفي الباب عن الزبير وابن عباس وجابر وأبي ذر وأنس ، وأبي رمثة والجهدمة وأبي الطفيل وجابر بن سمرة وأبي جعيفة وابن عمر» سنن الترمذي ، كتاب اللباس ، باب ما جاء في الخضاب ، الحديث رقم (1752) ، (4 / 232) . وأخرجه أحمد في المسند (1 / 165) ، عن الزبير بن العوام رضي الله عنه و (2 / 261 ، 499) ، عن أبي هريرة وفيه زيادة : (ولا بالنصارى) ، وكذلك (ص356) ، باختلاف يسير في ألفاظه ، وأخرجه النسائي في كتاب الزينة (8 / 138) . وأخرجه الإمام البغوي في شرح السنة ، في باب الخضاب من كتاب اللباس ، الحديث رقم (3175) ، (12 / 89) ، عن أبي هريرة ولفظه : «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود والنصارى» .
(7) هو : إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري ، أبو يعقوب ، ولد سنة (218 هـ) ، وخدم الإمام أحمد وهو ابن تسع سنين ، وكان ذا دين وورع ، ونقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة جيدة ؛ منها ما هو مطبوع الآن وأشرت إليه في هذا الهامش ، توفي سنة (275 هـ) . انظر : طبقات الحنابلة (1 / 108 ، 109) ، (ت 121) .
(8) في الكلام سقط فقد وجدته في كتاب مسائل الإمام أحمد لإسحاق بن إبراهيم هكذا : «سمعت أبا عبد الله يقول لأبي هاشم : يا أبا هاشم . . » الخ الكتاب المذكور (2 / 148) ، كما أن أبا إسحاق وهو إبراهيم بن هانئ معروف وكنيته : أبو إسحاق ، فهو غير أبي هاشم . انظر : طبقات الحنابلة (1 / 97) ، (ت 105) ، كما أن أبا هاشم معروف وهو زياد بن أيوب التالية ترجمته .
(9) هو : زياد بن أيوب بن زياد البغدادي ، أبو هاشم ، الملقب بـ (دلويه) ، وكان أحمد يلقبه بشعبة الصغير ، وهو ثقة حافظ ، من الطبقة العاشرة ، توفي سنة (252 هـ) وعمره (86)سنة . أخرج له البخاري وغيره . انظر : تقريب التهذيب (1 / 265) ، (ت 88) .
(10) لك : ساقطة من (أ) .
(11) انظر : كتاب مسائل الإمام أحمد ، برواية إسحاق بن إبراهيم النيسابوري (2 / 148) ، الرواية رقم (1832) .
(12) انظر : سنن الترمذي ، كتاب اللباس ، باب ما جاء في الخضاب ، الحديث رقم (1752) ، (4 / 232) .
(13) في (ب) : ابن كتامة ، والصحيح ما أثبته ، وهو أبو يحيى محمد بن عبد الله بن عبد الأعلى الأسدي ، وكناسة : لقب أبيه أو جده ، قال في تقريب التهذيب : «صدوق عارف بالآداب» ، مات سنة (207 هـ) وعمره قريبا من التسعين . انظر : تقريب التهذيب (2 / 177- 178) ، ترجمة (389) .
(14) في (أ) : هشام بن عمرو عن أبيه ، وهو خلط من الناسخ . انظر : تقريب التهذيب (2 / 319) ، (ت 92)هـ .
(15) هو : هشام بن عروة بن الزبير بن العوام ، الأسدي القرشي ، ثقة فقيه متقن ، وربما دلس . أخرج له الستة ، توفي سنة (146 هـ) وعمره (87) سنة . انظر : تقريب التهذيب (2 / 319) ، (ت 92) هـ .
(16) هو : عثمان بن عروة بن الزبير بن العوام ، الأسدي القرشي ، أخو هشام الراوي عنه ، ثقة متقن ، أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما ، وكان من خطباء الناس وعلمائهم ، توفي سنة (136 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (7 / 138) ، (ت287)ع .
(17) هو : عروة بن الزبير بن العوام ، الأسدي القرشي ، من كبار الطبقة الثانية من التابعين ، وكان فقيها عالما عابدا ، ثقة كثير الحديث ، توفي سنة (93 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (7 / 180 ، 185) ، (ت 351)ع .
(18) هو الصحابي الجليل : الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد القرشي ، أبو عروة ، وجد هشام وعثمان السابقة تراجمهم ، والزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحواريه ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى ، أسلم مبكرا وهو صغير ، وهاجر الهجرتين ، وشهد سائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، حتى قال له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «فداك أبي وأمي» ، وحضر الجمل فذكره علي قول رسول الله له : «إنك تقاتل عليا وأنت له ظالم» ، فرجع وندم فلحقه ابن جرموز فقتله سنة (36 هـ) . انظر : الإصابة (1 / 545) ، (ت 2789) .
(19) مر الكلام عن الحديث (ص 200) ، وانظر : سنن النسائي (8 / 137 ، 138) .
(20) في (ط) : كلاهما غير محفوظ ، وهو كذلك في سنن النسائي (8 / 138) .
(21) هو : الحافظ علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي- الدارقطني : نسبة إلى دارقطن محلة ببغداد- كان عالما حافظا فقيها على مذهب الشافعي ، صنف السنن ، والمختلف والمؤتلف ، توفي سنة (385 هـ) ، وكانت ولادته سنة (306 هـ) . انظر : وفيات الأعيان (3 / 297 ، 298) ، (ت434) ؛ واللباب في تهذيب الأنساب (1 / 483) .
(22) الحديث المرسل : هو ما يسقط في سنده اسم الصحابي ، وعرفه الشيخ في مجموع الفتاوى بقول : «أما المرسل من الحديث : أن يرويه من دون الصحابة ، ويحتمل أنه أخذه عن غيره» . انظر : مجموع الفتاوى (18 / 38 ؛ وتدريب الراوي (1 / 195 ، 196) .

(1/175)


وهذا اللفظ دل (1) على الأمر بمخالفتهم (2) والنهي عن مشابهتهم فإنه إذا نهى عن التشبه بهم في بقاء بيض الشيب الذي ليس من فعلنا ، فلأن ينهى عن إحداث التشبه بهم أولى ، ولهذا كان هذا (3) التشبه (4) يكون محرما بخلاف الأول .
_________
(1) في (ب) والمطبوعة : أدل .
(2) في (ب) : لمخالفتهم .
(3) هذا : سقطت من (أ) .
(4) في المطبوعة : التشبه بهم يكون .

(1/176)


وأيضا ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خالفوا المشركين ، أحفوا (1) الشوارب ، وأوفوا (2) اللحى » . رواه البخاري ومسلم (3) وهذا لفظه فأمر بمخالفة المشركين مطلقا ثم قال : « أحفوا الشوارب (4) ، وأوفوا (5) اللحى » . وهذه الجملة الثانية بدل من الأولى ، فإن الإبدال يقع في الجمل كما يقع في المفردات كقوله تعالى : { يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } (6) فهذا الذبح والاستحياء هو سوء العذاب كذلك هنا هذا (7) هو المخالفة للمشركين المأمور بها هنا (8) لكن الأمر بها أولا بلفظ مخالفة (9) المشركين دليل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع وإن عينت هنا في هذا الفعل فإن تقديم المخالفة (10) علة (11) تقدم العام على الخاص كما يقال : أكرم ضيفك : أطعمه ، وحادثه . فأمرك بالإكرام أولا دليل على أن إكرام الضيف مقصود ، ثم عينت (12) الفعل الذي يكون إكراما (13) في ذلك الوقت .
_________
(1) في (أ) : حفوا .
(2) في المطبوعة : وأعفوا .
(3) رواه البخاري بلفظ : «أنهكوا الشوارب واعفوا اللحى» . انظر : فتح الباري ، كتاب اللباس ، باب إعفاء اللحى ، حديث رقم (5893) ، (10 / 351) . ورواه مسلم بهذا اللفظ الذي أورده المؤلف ، وبلفظ : «أحفوا الشوارب ؛ واعفوا اللحى» ، ولفظ : «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى ، وخالفوا المجوس» ومعنى الألفاظ واحد . انظر : صحيح مسلم ، كتاب الطهارة ، باب خصال الفطرة ، حديث رقم (259 ، 260) ، (1 / 222) .
(4) في (ط) : الشارب ، ولعله سهو من الناسخ .
(5) في المطبوعة : وأعفوا .
(6) سورة البقرة : من الآية 49 ، وفي (ب) : سرد الآية إلى آخرها : / 30 وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم / 30.
(7) هذا : سقطت من (أ) .
(8) هنا : سقطت من (ط) .
(9) في (د) : المخالفة دليل ، بزيادة : أل ، وبسقوط : المشركين .
(10) قوله : تقديم المخالفة علة : سقطت من (أ) .
(11) في (ب) : عليه .
(12) في (ب) : عين .
(13) في (ب) : «إكراما ما في ذلك» ، وفي المطبوعة : «إكراما له في ذلك» .

(1/177)


والتقرير من هذا الحديث شبيه بالتقرير من قوله : لا يصبغون فخالفوهم . وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « جزوا الشوارب ، وأرخوا اللحى ، خالفوا المجوس » (1) .
فعقب الأمر بالوصف المشتق المناسب ، وذلك دليل على أن مخالفة المجوس (2) أمر مقصود للشارع ، وهو العلة في هذا الحكم ، أو علة أخرى، أو بعض علة ، وإن كان الأظهر عند الإطلاق : أنه علة تامة ؛ ولهذا لما فهم السلف كراهة التشبه بالمجوس ، في هذا وغيره ، كرهوا أشياء غير منصوصة بعينها عن النبي صلى الله عليه وسلم من هدى المجوس .
وقال المروذي (3) : سألت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن حلق القفا (4) فقال : هو من فعل المجوس ، ومن تشبه بقوم فهو منهم (5) .
وقال أيضا : قيل لأبي عبد الله : يكره (6) للرجل أن يحلق قفاه ، أو وجهه . فقال : أما أنا فلا أحلق قفاي .
وقد روي فيه (7) حديث مرسل عن (8) قتادة كراهيته (9) وقال : إن حلق القفا من فعل المجوس (10) .
قال (11) : وكان (12) أبو عبد الله يحلق قفاه وقت الحجامة .
وقال أحمد (13) أيضا : لا بأس أن يحلق قفاه وقت (14) الحجامة (15) .
_________
(1) الحديث في صحيح مسلم ، كتاب الطهارة ، باب خصال الفطرة ، حديث رقم (260) ، (1 / 222) .
(2) في (ج د) : أن المخالفة للمجوس .
(3) في (ب د) والمطبوعة : المروزي ، بالزاي ، والصحيح بالذال ، نسبة إلى مرو الروذ بخراسان . انظر : الأعلام للزركلي (1 / 205) ؛ وطبقات الحنابلة (1 / 56) ، وكذلك في المغني والشرح الكبير (المروذي) (1 / 75) في المغني ؛ وشذرات الذهب (2 / 166) ، والمروذي هو أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز ، أبو بكر ، المروذي ، من أصحاب الإمام أحمد المقربين إليه فكان يأنس به وينبسط إليه لورعه وفضله ، وروى عن الإمام أحمد مسائل كثيرة ، توفي سنة (275) . انظر : طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1 / 56- 63) ، (ت 50) وشذرات الذهب (2 / 166) .
(4) حلق القفا : المقصود به حلق شعر الرأس من القفا ، أي مؤخرة الرأس .
(5) انظر : المغني والشرح الكبير (1 / 75) في المغني فقد ذكر هذه الرواية ، وانظر : المصنف لعبد الرزاق فقد ذكر ما يشبه هذا عن عمر بن الخطاب (11 / 453 ، 454) .
(6) في المطبوعة : تكره .
(7) أي : حلق القفا .
(8) في (أ) : عن أبي قتادة ولعل ما أثبته من النسخ الأخرى أصح ؛ لأنه ورد عن قتادة التابعي أنه روى عن عمر شيئا في كراهة حلق القفا ، كما أن الإرسال يكون من التابعي ، وأبو قتادة صاحبي . انظر : مصنف عبد الرزاق (11 / 454) .
(9) في (ب ط) : كراهته ، وفي المطبوعة : عن قتادة في كراهيته ، والمقام يتطلبها ؛ لأن في العبارة ركاكة ، فإذا قلنا (في كراهيته) استقام الكلام .
(10) انظر : مصنف عبد الرزاق (11 / 453 ، 454) ، الأثر رقم (20986) .
(11) أي : المروذي .
(12) في (د) : فكان .
(13) أي : ابن حنبل .
(14) في (ب) والمطبوعة : قبل الحجامة .
(15) ذكر ذلك في المغني والشرح الكبير (1 / 75) .

(1/178)


وقد روى عنه ابن منصور (1) قال : سألت أحمد عن حلق القفا (2) فقال : لا أعلم فيه حديثا إلا ما يروى عن إبراهيم (3) أنه كره قردا يرقوس (4) وذكر الخلال (5) هذا وغيره .
وذكره أيضا بإسناده عن الهيثم بن حميد (6) قال : حف القفا من شكل المجوس .

وعن المعتمر بن سليمان التيمي (7) قال : كان أبي إذا جز شعره لم (8) يحلق قفاه . قيل له : لم ؟ قال : كان يكره أن يتشبه بالعجم (9) .
والسلف تارة (10) يعللون الكراهة بالتشبه بأهل الكتاب ، وتارة بالتشبيه بالأعاجم ، وكلا العلتين منصوصة (11) في السنة مع أن الصادق صلى الله عليه وسلم قد أخبر بوقوع المشابهة لهؤلاء وهؤلاء كما (12) قدمنا بيانه .
وعن شداد بن أوس (13) رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خالفوا اليهود ، فإنهم لا يصلون في نعالهم ، ولا خفافهم » (14) رواه أبو داود (15) .
وهذا مع أن نزع اليهود نعالهم مأخوذ عن موسى عليه السلام لما قيل له : { فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ } (16) .
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر » (17) رواه مسلم في صحيحه (18) .
_________
(1) هو سعيد بن منصور ، تأتي ترجمته (ص211) .
(2) في (ج د) : قال .
(3) لعله إبراهيم النخعي ، هو : إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي ، أبو عمران ، الكوفي الفقيه ، ثقة إلا أنه يرسل كثيرا ، مات سنة (96 هـ) ، وعمره (50)سنة . انظر : تقريب التهذيب (1 / 46) ، (ت301) أ .
(4) في (ب) : قرع دايرقوس ، وفي (ج) : قردا برقوس ، وفي (د) : دابر قوس . ولم أجد هذه الكلمة في المراجع التي اطلعت عليها ، لكني أفهم من سياق الكلام هنا أنها بمعنى حلق القفا ، ويغلب على ظني أنها فارسية ، والله أعلم .
(5) هو : أحمد بن محمد بن هارون ، أبو بكر ، من كبار أتباع الإمام أحمد ، سمع عن تلاميذ الإمام وأبنائه ، وعني بأقواله ومسائله ، ورحل في سبيل ذلك ، وكتبها عالية ونازلة ، فنال منها وسبق غيره فيها ، حتى صار إماما في مذهب أحمد ، توفي رحمه الله سنة (311 هـ) . انظر : طبقات الحنابلة (2 / 12- 15) ، ترجمة رقم (582) .
(6) هو : الهيثم بن حميد الغساني مولاهم ، أبو أحمد ، أو أبو الحارث ، قال ابن معين : لا بأس به ، وقال أحمد بن حنبل : لا أعلم إلا خيرا ، وقال أبو داود : قدري ثقة ، وضعفه أبو مسهر ، كما اتهم بالقول بالقدر ، وقد عده ابن حبان في الثقات . انظر : تهذيب التهذيب (11 / 92 ، 93) ، ترجمة (154 هـ) .
(7) هو : معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي ، أبو محمد ، البصري ، كان يلقب بالطفيل ، وثقه ابن حبان وابن معين وابن سعد ، وقال ابن خراش : صدوق يخطئ إذا حدث من حفظه ، وإذا حدث من كتابته فهو ثقة ، ولد سنة (100 هـ) ، توفي سنة (187 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (10 / 227) ، ترجمة (415) م .
(8) في (ج) : لما ، وهو بعيد .
(9) وذلك أن العجم الذين لم يتمسكوا بهدي الإسلام كانوا يحلقون أقفيتهم .
(10) في (أ ب ط) : يعللون تارة .
(11) في المطبوعة : منصوص .
(12) في (أ ط) : كما قد قدمنا .
(13) هو الصحابي الجليل : شداد بن أوس بن ثابت الخزرجي الأنصاري ، ابن أخي حسان بن ثابت رضي الله عنه . قال فيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «وتكون أنت وولدك من بعدك أئمة فيهم إن شاء الله تعالى» وقال فيه عبادة بن الصامت : «شداد بن أوس من الذين أوتوا العلم والحلم» . سكن بعد الفتوح بحمص ، وقيل : ببيت المقدس ، توفي سنة (58 هـ) رضي الله عنه . انظر : الإصابة في تمييز الصحابة (2 / 139 ، 140) ، ترجمة (3847) .
(14) المقصود أن اليهود يتعبدون بالصلاة بلا خفاف ولا نعال ، لذلك كان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي في نعليه أحيانا ، ولم يداوم على ذلك ، وكذلك ينبغي للمسلم أن يصلي أحيانا بنعاله إذا توفرت شروط الصلاة فيها من الطهارة وعدم وجود فرش أو أذى لبعض المصلين ، ونحو ذلك تحقيقا لما ورد في السنة من مخالفة اليهود ، أما ما يفعله بعض الناس من الإصرار على الصلاة بالنعال بكل حال فلا أجد له دليلا ، والله أعلم .
(15) انظر : سنن أبي داود ، كتاب الصلاة ، باب الصلاة في النعل ، حديث رقم (652) ، (1 / 427) . ورواه الحاكم في المستدرك وقال : «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» وقال الذهبي في التلخيص : «صحيح» . انظر : المستدرك على الصحيحين للحاكم وبهامشه التلخيص للذهبي (1 / 260) ، كتاب الصلاة .
(16) في المطبوعة : فاخلع وهو الصحيح ، لذلك أثبته ، أما بقية النسخ : / 30 اخلع نعليك / 30 وهي من الآية 12 من سورة طه .
(17) في (ط) : السحور .
(18) انظر : صحيح مسلم ، كتاب الصيام ، باب فضل السحور ، حديث رقم (1096) ، (2 / 771) تحقيق محمد فؤاد .

(1/179)


وهذا يدل على أن الفصل بين العبادتين (1) أمر مقصود للشارع وقد صرح بذلك فيما رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (2) قال : « لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر ؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون » (3) .
وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر (4) لأجل مخالفة اليهود والنصارى .
وإذا كان (5) مخالفتهم سببا لظهور الدين فإنما (6) المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله ، فيكون (7) نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة .
وهكذا روى أبو داود من حديث أبي أيوب (8) الأنصاري (9) رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا تزال (10) أمتي بخير أو (11) على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم » (12) ورواه ابن ماجه (13) من حديث العباس (14) ورواه الإمام أحمد من (15) حديث السائب بن يزيد (16) .
وقد جاء مفسرا تعليله : لا يزالون بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى طلوع النجم (17) مضاهاة لليهودية ، (18) ويؤخروا (19) الفجر إلى محاق (20) النجوم مضاهاة للنصرانية (21) .
_________
(1) أي : عبادة المسلمين وعبادة أهل الكتاب .
(2) في (أ ط) : قال .
(3) انظر سنن أبي داود ، كتاب الصوم ، باب ما يستحب من تعجيل الفطر ، حديث رقم (2353) ، (2 / 763) . وسنن ابن ماجه ، كتاب الصيام ، باب ما جاء في تعجيل الإفطار ، الحديث رقم (1698) ، (1 / 541 ، 542) . وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . المستدرك (1 / 431) .
(4) في المطبوعة : هو لأجل .
(5) في المطبوعة : كانت .
(6) في (ط) : قلنا . أو : فلنا . غير واضحة .
(7) في (أ) والمطبوعة : فتكون .
(8) هو الصحابي الجليل : خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة الأنصاري ، من بني النجار ، ومن السابقين إلى الإسلام ، شهد العقبة وبدرا وما بعدهما ، وكان نزل عنده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قدم المدينة مهاجرا حتى بني مسجده وبيوته ، وشهد سائر الفتوح ، وداوم على الجهاد حتى شهد غزوة القسطنطينية مع يزيد بن معاوية ومات هناك سنة (52 هـ) . انظر : الإصابة في تمييز الصحابة (1 / 405) ، (ت2163) .
(9) في (أ ب ط) : سقطت : الأنصاري .
(10) في (ب) : لا يزال .
(11) في المطبوعة : أو قال على الفطرة .
(12) انظر : سنن أبي داود ، كتاب الصلاة ، باب وقت المغرب ، الحديث رقم (418) ، (1 / 291) .
(13) انظر : سنن ابن ماجه ، كتاب الصلاة ، باب وقت صلاة المغرب ، الحديث رقم (689) ، (1 / 225) .
(14) هو الصحابي الجليل : العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ، عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أسلم بعد أسره في غزوة بدر ، وقيل : بأنه أسلم قبل الهجرة لكنه كان يكتم إسلامه ، وكانت مواقفه في نصرة رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمكة محمودة ، وكان المسلمون يتقوون به حتى قبل إسلامه ، وكان العباس رضي الله عنه سيدا في قومه قبل الإسلام وبعده ، فكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعظمه ويكرمه ، وكان الصحابة من بعده يقدمونه ويشاورونه ، توفي بالمدينة سنة (32 هـ) . انظر : أسد الغابة (3 / 109- 112) .
(15) انظر : مسند الإمام أحمد (3 / 449) ؛ وأخرجه الحاكم في المستدرك (1 / 190 ، 191) ، وقال : حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه .
(16) هو الصحابي الجليل : السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود الكندي ، أو الأزدي ، له ولأبيه صحبة ، مسح الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأسه ودعا له ، وشرب من وضوء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، واستعمله عمر على سوق المدينة ، وتوفي بها سنة (95 هـ) ، ويقال : إنه آخر من مات بها من الصحابة . انظر : الإصابة (2 / 12 ، 13) ، (ت3077) .
(17) في المطبوعة : النجوم .
(18) في المطبوعة : لليهود .
(19) في المطبوعة : وما لم يؤخروا .
(20) المحاق : يقال : محقه : أبطله ومحاه ، والقمر : اختفى نوره ، فمحاق النجوم بمعنى اختفائها وذهاب نورها بسبب تزايد نور الشمس عند طلوعها . انظر : القاموس المحيط ، فصل الميم ، باب القاف (3 / 291) .
(21) في (أ ط) : النصرانية .

(1/180)


قال (1) سعيد بن منصور (2) : حدثنا أبو معاوية (3) حدثنا الصلت بن بهرام (4) عن الحارث (5) بن وهب عن أبي (6) عبد الرحمن الصنابحي (7) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تزال أمتي على مسكة ما لم ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم مضاهاة لليهودية (8) ولم ينتظروا بالفجر محاق النجوم مضاهاة (9) للنصرانية (10) ولم (11) يكلوا الجنائز إلى أهلها » (12) .
وقال سعيد بن منصور : حدثنا عبيد الله (13) بن إياد (14) بن لقيط (15) عن أبيه (16) عن ليلى (17) امرأة بشير (18) بن الخصاصية (19) قالت : أردت أن أصوم يومين مواصلة (20) ، فنهاني عنه بشير (21) وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاني عن ذلك وقال : « إنما يفعل ذلك النصارى ، صوموا كما أمركم الله (22) وأتموا الصوم كما أمركم الله ثم أتموا الصيام إلى الليل ، فإذا كان الليل فأفطروا » . وقد رواه أحمد في المسند (23) .
فعلل النهي عن الوصال بأنه صوم النصارى وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (24) ويشبه (25) أن يكون من رهبانيتهم التي ابتدعوها .
_________
(1) في (ب ج) والمطبوعة : وقال .
(2) هو : سعيد بن منصور بن شعبة ، الخراساني ، المروزي ، أبو عثمان ، من رواة الحديث وحفاظه المشاهير ، فكان إماما ثقة ثبتا ، أثنى عليه ووثقه كل من : أحمد بن حنبل والخليلي ، وأبي حاتم ، وابن حبان ، وغيرهم ، مات رحمه الله سنة (227 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (4 / 89 ، 90 )، ترجمة رقم (148) س .
(3) هو : محمد بن خازم . مرت ترجمته . انظر : فهرس الأعلام .
(4) هو : الصلت بن بهرام التميمي الكوفي ، قليل الحديث ، ثقة صدوق ، قال ابن أبي حاتم عن أبيه : «صدوق ليس له عيب إلا الإرجاء» . انظر : تهذيب التهذيب (4 / 432) ، ترجمة رقم (750) ص .
(5) الحارث بن وهب : ذكره ابن حجر في تعجيل المنفعة وذكر عن البخاري : أن روايته عن الصنابحي مرسلة ، وكذلك ذكر ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (3 / 92) ، (ت427) . انظر : تعجيل المنفعة (ص80 ، 81) ، (ت164) .
(6) في المطبوعة : عن عبد الرحمن ، وهو الصحيح ، قال في تهذيب التهذيب : «ومن قال : عن أبي عبد الرحمن فقد أخطأ ، قلب اسمه فجعله كنيته» . تهذيب التهذيب (6 / 229) ، ترجمة عبد الرحمن بن عسيلة رقم (465)ع .
(7) هو : عبد الرحمن بن عسيلة بن عسل بن عسال المرادي ، الصنابحي ، أبو عبد الله ، من كبار التابعين ، أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهاجر إليه من اليمن فوجده قد مات ، ثقة كثير المناقب ، وذكره البخاري فيمن توفي بين السبعين والثمانين للهجرة . انظر : تهذيب التهذيب (6 / 229 ، 230) ، ترجمة (465) ع .
(8) في (ب) : لليهود .
(9) في المطبوعة : وما لم .
(10) في (أ ط) : النصرانية .
(11) في المطبوعة : وما لم .
(12) هذا الحديث رواه أحمد في مسنده مع اختلاف يسير في ألفاظه (4 / 349) في مسند أبي عبد الله الصنابحي ، وقالوا بأن حديثه مرسل ؛ لأنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ذكر ذلك عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه المراسيل (ص121 ، ط1 ، ، (1397 هـ) وذكره عن يحيى بن معين ، وأبي زرعة ، وأبي حاتم ، وعليه سائر أئمة الحديث .
(13) في (ب) : عبد الله . والصحيح ما أثبته من بقية النسخ .
(14) في المطبوعة : ابن زياد . وهو خطأ ، والصحيح : ابن إياد ، كما في جميع النسخ الأخرى ، وفي المسند أيضا .
(15) هو : عبيد الله بن إياد بن لقيط السدوسي ، الكوفي ، أبو السليل ، وثقه ابن حبان وابن معين ، وكان ابن المبارك يعجب به ، كما وثقه النسائي والعجلي وغيرهم ، وقال ابن حجر : صدوق وقال البزار : ليس بالقوي ، وأخرج له البخاري ومسلم وغيرهما ، توفي سنة (169 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (7 / 4) ، ترجمة (5) .
(16) أبو عبيد الله ، هو : إياد بن لقيط السدوسي ، وثقه ابن معين وابن حبان والنسائي ويعقوب بن سفيان ، وقال أبو حاتم : صالح الحديث ، وأخرج له البخاري ومسلم وغيرهما . تهذيب التهذيب (1 / 386) ، (ت707)أ .
(17) هي : ليلى السدوسية الشيبانية ، كان اسمها : جهدمة ، فسماها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ليلى ، وهي امرأة بشير بن الخصاصية الصحابي الجليل ، صحابية ، وذكرها ابن حبان في ثقات التابعين ، وقال : يقال إن لها صحبة . انظر : تهذيب التهذيب (12 / 406 ، 407) ، ترجمة (2753) .
(18) في المطبوعة : بشر ، وهو خطأ ، فالصحيح : بشير ، كما في جميع النسخ المخطوطة .
(19) هو الصحابي الجليل : بشير بن معبد بن ضباب بن سبع بن سدوس ، كان اسمه : زحما ، فسماه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : بشيرا ، والخصاصية إحدى جداته ، سكن البصرة . انظر : تهذيب التهذيب (1 / 468) ، ت (866) .
(20) في (ب) : زاد : فيهما .
(21) في المطبوعة : بشر . والصحيح ما أثبته .
(22) في المطبوعة : ثم أتموا .
(23) مسند أحمد ، (4 / 225) في مسند بشير بن الخصاصية ، وإسناده صحيح ، كما ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري (4 / 202) .
(24) في (ب) : كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(25) في (ج د) : وشبه .

(1/181)


وعن حماد (1) عن ثابت (2) عن أنس رضي الله عنه: « أن اليهود كانوا إذا حاضت (3) المرأة فيهم لم يؤاكلوها ، ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم (4) فأنزل الله عز وجل : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ } (5) { قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } (6) إلى آخر الآية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
اصنعوا كل شيء إلا النكاح . فبلغ ذلك اليهود ، فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه ، فجاء أسيد بن حضير (7) ، وعباد بن بشر (8) فقالا : يا رسول الله ، إن اليهود تقول كذا وكذا ، أفلا نجامعهن . فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن (9) قد وجد (10) عليهما فخرجا فاستقبلهما (11) هدية من لبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهما (12) فسقاهما ، فعرفنا أنه لم يجد عليهما » رواه مسلم (13) .
فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود بل على أنه خالفهم في عامة أمورهم حتى قالوا : ما يريد أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه .
ثم إن المخالفة كما سنبينه (14) تارة تكون في أصل الحكم وتارة في وصفه (15) .
_________
(1) هو : حماد بن سلمة ، كما هو في صحيح مسلم ، وستأتي الإشارة إلى موقع الحديث في مسلم ، وقد مرت ترجمته .
(2) هو ثابت بن أسلم البناني ، البصري ، أبو محمد ، من أصحاب أنس بن مالك الذين لازموه وأكثروا الرواية عنه ، ثقة ، صالح ، عابد ، توفي سنة (123 هـ) ، وقيل (127 هـ)انظر : تهذيب التهذيب (2 / 2 ، 3 ، 4) ، ترجمة رقم (2) ث .
(3) في (ب) : فيهم المرأة .
(4) النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : لم تذكر في (أ).
(5) في المطبوعة : انتهى هنا وقال : إلى آخر الآية ، وهو خلاف النسخ الأخرى ، كما أثبته .
(6) سورة البقرة : من الآية 222 .
(7) هو الصحابي الجليل : أسيد بن الحضير بن سماك بن عبيك الأنصاري ، الأشهلي ، من السابقين إلى الإسلام من الأنصار ، وهو أحد النقباء ليلة العقبة ، حضر أحدا وكان ممن ثبت ، آخى الرسول بينه وبين زيد بن حارثة ، وقال فيه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «نعم الرجل أسيد بن حضير» ، وكان أبو بكر يقدمه ، توفي رضي الله عنه سنة (20 هـ) في عهد عمر . انظر : الإصابة (1 / 49) ، ترجمة (285)أ .
(8) هو الصحابي الجليل : عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل الأنصاري ، أسلم قبل الهجرة بالمدينة ، وشهد بدرا وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى صدقات سليم ومزينة ، ثم بني المصطلق ، وشهد اليمامة في قتال مسيلمة ، وأبلى بلاء حسنا حتى استشهد فيها ، وذلك سنة (12 هـ) ، وعمره (45) سنة رضي الله عنه . انظر : طبقات ابن سعد (3 / 440 ، 441) .
(9) في (ب) : أنه .
(10) وجد : أي غضب . انظر : مختار الصحاح ، مادة (و ج د) ، (ص710) .
(11) في (ب) : فاستقبلتهما .
(12) في المطبوعة : في إثرهما .
(13) انظر : صحيح مسلم ، كتاب الحيض ، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ، حديث رقم (302) ، (1 / 246) .
(14) في المطبوعة : سنبينها .
(15) في (ب ج د) : في صفته .

(1/182)


ومجانبة الحائض : لم يخالفوا في أصله (1) بل خولفوا (2) في وصفه (3) حيث شرع الله مقاربة الحائض في غير محل الأذى ، فلما أراد بعض الصحابة أن يعتدي (4) في المخالفة إلى ترك ما شرعه الله ، تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الباب - باب الطهارة - كان على اليهود (5) فيه أغلال (6) عظيمة فابتدع النصارى ترك ذلك كله حتى إنهم لا ينجسون شيئا ، بلا شرع من الله (7) فهدى الله الأمة الوسط بما شرعه لها إلى وسط (8) من ذلك وإن كان ما كان عليه اليهود كان أيضا مشروعا ، فاجتناب ما لم يشرع الله اجتنابه مقاربة لليهود (9) وملابسة ما شرع الله اجتنابه مقاربة للنصارى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم .
_________
(1) في المطبوعة : أصلها .
(2) في المطبوعة : خالفوا .
(3) في المطبوعة : وصفها .
(4) في المطبوعة : يتعدى .
(5) في (ب) : اليهودية .
(6) في (ط) : أغلاط .
(7) في المطبوعة : قدم وأخر ، فقال : فابتدع النصارى ذلك كله بلا شرع من الله ، حتى أنهم لا ينجسون شيئا .
(8) في المطبوعة : الوسط .
(9) في (أ) : اليهود .

(1/183)


وعن أبي أمامة (1) عن « عمرو بن عبسة (2) قال : كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة فإنهم (3) ليسوا على شيء ، وهم يعبدون الأوثان ، قال : فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارا ، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه فإذا (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا جرآء عليه (5) قومه ، فتلطفت (6) حتى دخلت عليه بمكة ، فقلت له : ما أنت ؟ قال (7) : أنا نبي . فقلت : وما نبي ؟ قال (8) : أرسلني الله . فقلت : بأي شيء أرسلك ؟ قال : أرسلني بصلة الأرحام ، وكسر الأوثان ، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء . فقلت (9) له : من معك على هذا ؟ قال : حر وعبد . قال : ومعه يومئذ أبو بكر وبلال فقلت : إني متبعك . قال : إنك لا (10) تستطيع ذلك يومك هذا ، ألا ترى (11) حالي وحال الناس ، ولكن ارجع إلى أهلك ، فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني . قال (12) : فذهبت إلى أهلي ، وقدم (13) رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وكنت في أهلي فجعلت أتخبر (14) الأخبار وأسأل الناس حين (15) قدم نفر من أهل (16) يثرب (17) من أهل المدينة . فقلت : ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة ؟ فقالوا : الناس إليه سراع ، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك . فقدمت المدينة ، فدخلت عليه ، فقلت (18) : يا رسول الله ، أتعرفني قال : نعم ، أنت الذي لقيتني
_________
(1) هو الصحابي الجليل : صدي بن عجلان بن الحارث بن وهب الباهلي ، أبو أمامة ، قيل : إنه شهد أحدا وشهد صفين مع علي بن أبي طالب ، ثم سكن الشام حتى توفي بها سنة (86 هـ) رضي الله عنه . انظر : الإصابة في تمييز الصحابة (2 / 182) ، ترجمة رقم (4059) ، باب (ص د) .
(2) هو الصحابي الجليل : عمرو بن عبسة بن خالد بن عامر بن غاضرة السلمي ، أو نجيح ، أسلم قديما بمكة ، ثم رجع إلى بلاده ، ثم هاجر إلى المدينة ، كما هو في سياق حديثه هذا ، قبل الفتح ، فشهدها ثم نزل حمص فتوفي بها في خلافة عثمان ، وكان قبل أن يسلم اعتزل الأصنام- كما ذكر هنا- رضي الله عنه . انظر : الإصابة (3 / 5 ، 6) ، ترجمة (5903) عمرو .
(3) في (ط) : وأنهم .
(4) في المطبوعة : فإذا هو رسول الله . وفي مسلم كما أثبته .
(5) جرآء عليه : أي لهم جرأة عليه ، والجرأة : الشجاعة والإقدام ، والمقصود بها هنا : التسلط والإيذاء . انظر : مختار الصحاح ، مادة (ج ر أ) ، (ص98) .
(6) تلطفت : أي دخلت برفق . انظر : مختار الصحاح ، مادة (ل ط ف) ، (ص 598) .
(7) في المطبوعة : فقال .
(8) في المطبوعة : فقال .
(9) في (ب) : قلت .
(10) في المطبوعة : لن . وفي مسلم كما أثبته .
(11) في (ب) : إلى حالي .
(12) في (ج د) : سقطت قال.
(13) أي : حين هاجر.
(14) في (ج د) والمطبوعة : أستخبر . وفي مسلم كما أثبته .
(15) في المطبوعة : حتى .
(16) في (ب) : من أهلي .
(17) في المطبوعة : أي من أهل .
(18) في (ب) : قلت .

(1/184)


بمكة . قال : فقلت : يا نبي الله ، أخبرني عما علمك الله وأجهله ، أخبرني عن الصلاة قال : صل صلاة الصبح ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع (1) فإنها تطلع حين (2) تطلع بين قرني (3) شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ، ثم صل فإن الصلاة مشهودة (4) محضورة (5) حتى يستقل الظل بالرمح ، ثم أقصر عن الصلاة فإن (6) حينئذ تسجر جهنم ، فإذا أقبل الفيء فصل ، فإن الصلاة مشهودة محضورة ، حتى تصلي العصر ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس ، فإنها تغرب بين قرني شيطان (7) وحينئذ يسجد لها الكفار » وذكر الحديث (8) رواه مسلم .
فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب ، معللا (9) بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان (10) وأنه حينئذ يسجد لها الكفار .
ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله تعالى ، وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان (11) ، ولا أن الكفار يسجدون لها ، ثم إنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في هذا الوقت حسما لمادة المشابهة بكل طريق ، ويظهر بعض فائدة ذلك بأن من الصابئة المشركين اليوم (12) ممن يظهر الإسلام ويعظم الكواكب ، ويزعم أنه يخاطبها بحوائجه ، ويسجد لها وينحر ويذبح .
_________
(1) في (ط) : ترفع .
(2) حين تطلع : سقطت من (أ) .
(3) في (ط) : الشيطان .
(4) في (ب) : محصورة . بالصاد المهملة . والصحيح ما أثبته كما هو في مسلم .
(5) ومعنى مشهودة محضورة : أي تحضرها الملائكة .
(6) كذا في جميع النسخ وفي صحيح مسلم . وعليه يكون اسم إن : ضمير الشأن محذوفا .
(7) في (ط) : الشيطان .
(8) انظر : صحيح مسلم ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها- باب إسلام عمرو بن عبسة- حديث رقم (832) ، (1 / 569 ، 570 ، 571) . ورواه أحمد- أيضا- في المسند (4 / 112) في مسند عمرو بن عبسة رضي الله عنه .
(9) في المطبوعة : معللا ذلك النهي بأنها . وهي زيادة لا توجد في النسخ الأخرى .
(10) في (ط) : الشيطان .
(11) في (أ ط) : الشيطان .
(12) اليوم : ساقطة من (ج د) .

(1/185)


وقد صنف (1) بعض المنتسبين إلى الإسلام في مذهب المشركين من الصابئة والبراهمة كتبا في عبادة الكواكب توسلا بذلك زعموا إلى مقاصد دنيوية من الرئاسة (2) وغيرها وهي من السحر الذي كان (3) عليه الكنعانيون (4) الذين (5) ملوكهم النماردة (6) الذين بعث الله (7) الخليل صلوات الله وسلامه عليه بالحنيفية وإخلاص الدين كله لله إلى هؤلاء المشركين .
فإذا كان في هذه الأزمنة من يفعل مثل هذا ، تحققت حكمة الشارع صلوات الله وسلامه عليه (8) في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات ، سدا للذريعة وكان فيه تنبيه على أن كل ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها ، مما يكون كفرا أو معصية بالنية ، ينهى المؤمنون عن ظاهره وإن لم يقصدوا به قصد المشركين سدا للذريعة وحسما للمادة .
ومن هذا الباب أنه صلى الله عليه وسلم ، كان إذا صلى إلى عود أو عمود جعله على (9) حاجبه الأيمن أو الأيسر ولم يصمد (10) له صمدا (11) .
_________
(1) في (أ) : وصف .
(2) في (أ) : من الربانية .
(3) كان : سقطت من (أ د) .
(4) الكنعانيون : قبائل سامية تنسب إلى كنعان بن كوش بن سام بن نوح ، كانت تقطن سواحل الخليج- خليج جزيرة العرب- ، ثم انتقلت إلى سوريا وأرض فلسطين- وهي بلاد بيت المقدس- وبعث الخليل عليه السلام وهي هناك . انظر : البداية والنهاية (1 / 140) . وانظر : القلائد الجمان للقلقشندي (ص32) ؛ ولسان العرب (8 / 316) .
(5) في المطبوعة : الذين كان ملوكهم .
(6) النماردة : جمع نمرود . نسبة إلى : النمرود بن كنعان بن كوش ، الملك الذي حاج إبراهيم في ربه . انظر : البداية والنهاية (1 / 140) .
(7) في (أ ط) : الذين بعث الخليل . .
(8) في (ب ج د) : صلوات الله عليه وسلامه .
(9) في (ب ج د) والمطبوعة : إلى . لكنها في مسلم كما أثبته من (أ ط) .
(10) الصمد : هو القصد . يقال : صمده ، أي : قصده . انظر : مختار الصحاح ، مادة (ص م د) ، (ص369) .
(11) جاء ذلك في حديث رواه أبو داود في سننه ، كتاب الصلاة- باب إذا صلى إلى سارية ونحوها- حديث رقم (693) ، (1 / 445) ، ولفظ الحديث : عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود عن أبيها ، قال : «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ، ولا يصمد له صمدا» ومثله في مسند أحمد (6 / 4) في مسند المقداد بن الأسود ، بلفظ أبي داود إلا أنه قال : (صلى) ، بدل : (يصلي) وسند الحديث ليس بالقوي ؛ لأن فيه الوليد بن كامل لين الحديث ، وضباعة بنت المقداد مجهولة . انظر : تهذيب التهذيب (2 / 335) ، ترجمة الوليد بن كامل (82) ، (ص604) ، ترجمة ضباعة (2) . وانظر : عون المعبود (2 / 386 ، 387) .

(1/186)


ولهذا نهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة ، وإن لم يكن العابد يقصد ذلك ، ولهذا ينهى (1) عن السجود لله بين يدي الرجل وإن لم يقصد الساجد ذلك لما فيه من مشابهة السجود لغير الله ، فانظر كيف قطعت الشريعة المشابهة في الجهات وفي الأوقات وكما لا يصلى إلى القبلة التي يصلون إليها كذلك لا يصلى إلى ما يصلون له بل هذا أشد فسادا ، فإن القبلة شريعة من الشرائع (2) قد تختلف باختلاف شرائع الأنبياء ، أما السجود لغير الله وعبادته فهو محرم في الدين الذي اتفقت عليه رسل الله كما قال سبحانه وتعالى : { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } (3) .
وأيضا (4) عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى رجلا يتكئ على يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة فقال له : لا تجلس هكذا ، فإن هكذا يجلس الذين يعذبون (5) وفي رواية تلك (6) صلاة المغضوب عليهم (7) وفي رواية « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد (8) على يده » (9) . رواهن (10) أبو داود .
ففي هذا الحديث النهي عن هذه الجلسة معللا بأنها جلسة المعذبين ، وهذه مبالغة في مجانبة هديهم .
_________
(1) في (ب) : نهى .
(2) في (ب) : شرائع .
(3) سورة الزخرف : من الآية 45 .
(4) في المطبوعة : وعن ابن عمر .
(5) انظر : سنن أبي داود ، كتاب الصلاة ، باب كراهة الاعتماد على اليد في الصلاة ، حديث رقم (994) ، (1 / 605) .
(6) في (ط) : قال بدل : تلك .
(7) المصدر السابق ، الحديث رقم (993) .
(8) في (أ) : يعتمد .
(9) المصدر السابق (1 / 604) ، الحديث رقم (992) .
(10) في المطبوعة قال : روى هذا كله أبو داود .

(1/187)


وأيضا فروى (1) البخاري عن مسروق (2) عن عائشة أنها كانت تكره أن يجعل (3) يده في خاصرته ، وتقول : إن اليهود تفعله . (4) ورواه أيضا من حديث أبي هريرة قال : « نهى عن الخصر (5) في الصلاة » (6) وفي لفظ : « نهى أن يصلي الرجل مختصرا . » (7) قال (8) وقال هشام (9) وأبو هلال (10) عن ابن سيرين (11) عن أبي هريرة (12) نهى النبي صلى الله عليه وسلم (13) وهكذا رواه مسلم في صحيحه : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم . (14) .
وعن زياد بن (15) صبيح (16) قال : « صليت إلى جنب ابن عمر فوضعت يدي على خاصرتي ، فلما صلى قال : هذا الصلب في الصلاة ، وكان (17) رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه . » رواه أحمد (18) وأبو داود (19) والنسائي (20) .
وأيضا عن جابر (21) بن عبد الله رضي الله عنهما (22) أنه قال : « اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر (23) يسمع الناس تكبيره ، فالتفت إلينا فرآنا قياما ، فأشار إلينا فقعدنا ، فصلينا بصلاته قعودا ، فلما سلم قال : إن كدتم آنفا (24) تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود ، فلا تفعلوا ، ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا » . رواه مسلم (25) وأبو داود (26) من حديث الليث (27) عن أبي الزبير (28) عن جابر . .
_________
(1) في المطبوعة : فقد روى .
(2) هو : مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي ، الكوفي ، من كبار أئمة التابعين وفقهائهم ، ثقة عابد ، أخرج له الستة ، ومات سنة (63 هـ) . انظر : تقريب التهذيب (2 / 242) ، (ت1055) .
(3) في المطبوعة : أن يجعل الرجل يده .
(4) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء ، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ، الحديث رقم (3458) ، (6 / 497) من فتح الباري .
(5) في المطبوعة : التخصر ، وفي البخاري كما أثبته . انظر : فتح الباري (3 / 88) .
(6) صحيح البخاري ، كتاب العمل في الصلاة ، باب الخصر في الصلاة ، الحديث رقم (1219) ، (3 / 88) فتح الباري .
(7) صحيح البخاري في الكتاب والباب السابقين ، الحديث رقم (122) ، (3 / 88) فتح الباري .
(8) أي البخاري .
(9) قال ابن حجر في فتح الباري (3 / 21) : «وقال هشام ، يعني ابن حسان» . وترجمته : هشام بن حسان الأزدي القردوسي ، البصري ، أبو عبد الله ، من الأئمة الحفاظ ، وثقه ابن معين ، وابن سعد ، والعجلي ، وذكره ابن حبان في الثقات ، كما وثقه غيرهم ، توفي سنة (148 هـ) رحمه الله . انظر : تهذيب التهذيب (11 / 34 ، 35 ، 36 ، 37) ، ترجمة (75) هـ .
(10) أبو هلال ، هو : محمد بن سليم الراسبي ، البصري ، قال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه عبد الرحمن : «محله الصدق لم يكن بذاك المتين» ، وقال يحيى بن معين : «أبو هلال الراسبي صويلح» ، وقال أبو زرعة : «لين» ، وقال أحمد بن حنبل : «أحتمل حديثه إلا أنه يخالف في حديث قتادة» ، ومات أبو هلال سنة (165 هـ) . انظر : الجرح والتعديل (7 / 273) ، ترجمة رقم (1484) ؛ وطبقات ابن سعد (7 / 278) .
(11) هو : محمد بن سيرين ، أبو بكر ، و (سيرين) قيل : اسم أبيه ، وقيل : اسم أمه ، وهو الأرجح ، وأبوه مولى أنس بن مالك ، كان من سبي عين التمر فاشتراه أنس وكاتبه ، وقال هشام بن حسان : «هو أصدق من أدركت من البشر» ، وقال ابن سعد : «وكان ثقة مأمونا عاليا رفيعا فقيها إماما كثير العلم ورعا» ، توفي رحمه الله سنة (110 هـ) ، وذكر ابن سعد أن أمه صفية مولاة أبي بكر . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (7 / 193) ؛ والبداية والنهاية لابن كثير (9 / 267) .
(12) في (ب) : رضي الله عنه .
(13) انظر : فتح الباري ، كتاب العمل في الصلاة ، باب الخصر في الصلاة ، حديث رقم (1219) ، (1220) ، (3 / 88) .
(14) انظر : صحيح مسلم ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب كراهة الاختصار في الصلاة ، حديث رقم (545) ، (1 / 387) .
(15) في (ج د ط) : بن صبح ، وما أثبته أصح كما هو في (أ ب) والمطبوعة .
(16) هو : زياد بن صبيح الحنفي المكي ، ويقال : البصري ، قال إسحاق بن راهويه عنه : رجل صالح ثقة ، وكذلك وثقه الأئمة كالنسائي وابن حبان ، والعجلي ، وهو تابعي مدني من الطبقة الرابعة . انظر : تهذيب التهذيب (3 / 374) ، ترجمة (681) ز ؛ وتقريب التهذيب (1 / 268) ، ترجمة (115) ز .
(17) في (د) : فكان .
(18) انظر : مسند أحمد (2 / 106) في مسند ابن عمر ، وفيه زيادة : «فضرب يدي» ، قبل : «فلما صلى» .
(19) انظر : سنن أبي داود ، كتاب الصلاة ، باب في التخصر والإقعاء ، الحديث رقم (903) ، (1 / 556) .
(20) انظر : سنن النسائي ، كتاب الصلاة ، باب النهي عن التخصر في الصلاة (2 / 127) ، وفي روايته اختلاف يسير في السياق والألفاظ ، والحديث صحيح الإسناد .
(21) هو الصحابي الجليل : جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم ، الأنصاري السلمي ، أحد المكثرين للرواية عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، شهد العقبة ، وأكثر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كانت له بعد وفاة رسول الله حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم ، توفي رضي الله عنه سنة (74 هـ) أو (76 هـ) . انظر : الإصابة في تمييز الصحابة (1 / 213) ، ترجمة رقم (1026) .
(22) في (ب) : عنه . والتثنية أصح لأن لأبيه صحبة . انظر : الإصابة (1 / 213) .
(23) هو : عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر القرشي ، أبو بكر الصديق ، خليفة رسول الله ، أول من أسلم من الرجال ، ولد بعد عام الفيل بسنتين ونصف ، ولازم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل البعثة وبعدها ، وصحبه في الهجرة وحضر المشاهد كلها ، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وأفضل الصحابة ، بويع بالخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى توفي في جمادى الأولى سنة (13 هـ) وعمره (63) سنة . انظر : الإصابة (2 / 341- 344) ، (ت 4817) .
(24) في (ج د ط) : أن تفعلوا . وفي مسلم : «لتفعلون . ».
(25) انظر : صحيح مسلم ، كتاب الصلاة ، باب ائتمام المأموم بالإمام ، حديث رقم (413) ، (1 / 309) .
(26) انظر : سنن أبي داود ، كتاب الصلاة ، باب الإمام يصلي من قعود ، حديث رقم (606) ، (1 / 405) .
(27) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي ، أبو الحارث ، الإمام المصري ، من كبار الأئمة في وقته في الفقه والعلم والفتوى ، ومن رواة الحديث الحفاظ الثقات ، وثقه سائر أئمة الحديث ، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب : «وقال ابن حبان في الثقات : كان من سادات أهل زمانه فقها وورعا وعلما وفضلا وسخاء» ، توفي رحمه الله سنة (175 هـ) ، وكانت ولادته سنة (95 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (8 / 459- 465) ، ترجمة رقم (832) ل .
(28) هو : محمد بن أسلم بن تدرس الأسدي- مولاهم- أبو الزبير ، المكي ، وثقه ابن معين والنسائي وابن سعد وغيرهم ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : لم ينصف من قدح فيه ، مات سنة (126 هـ) رحمه الله . انظر : تهذيب التهذيب (9 / 440- 443) ، ترجمة رقم (727) م .

(1/188)


ورواه (1) أبو داود وغيره (2) من حديث الأعمش (3) عن أبي (4) سفيان (5) عن جابر قال : « ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا بالمدينة فصرعه على جذم (6) نخلة فانقطعت (7) قدمه ، فأتيناه نعوده ، فوجدناه في مشربة (8) لعائشة يسبح جالسا . قال : فقمنا خلفه ، فسكت عنا ، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده فصلى المكتوبة جالسا ، فقمنا خلفه ، فأشار إلينا فقعدنا . قال : (9) فلما قضى الصلاة . قال : إذا صلى الإمام جالسا فصلوا جلوسا وإذا صلى الإمام (10) قائما فصلوا قياما، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها » (11) وأظن في غير رواية أبي داود « ، L2013251 ولا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضا » (12) .
ففي هذا الحديث أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة ، وعلل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم ، في قيامهم وهم قعود .
ومعلوم أن المأموم إنما نوى أن يقوم (13) لله (14) لا (15) لإمامه وهذا تشديد (16) عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد ، ونهى أيضا عما (17) يشبه ذلك ، وإن لم يقصد به ذلك ، ولهذا نهى عن السجود لله بين يدي الرجل ، وعن الصلاة إلى ما قد (18) عبد من دون الله ، كالنار ونحوها .
_________
(1) في (أ) : رواه أبو داود ، وهو خطأ من الناسخ .
(2) ممن أخرجه أيضا : ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة ، باب ما جاء في «إنما جعل الإمام ليؤتم به» ، الحديث رقم (1240) ، (1 / 393) مختصرا بنحو رواية مسلم وأبي داود السابقة .
(3) هو : سليمان بن مهران الكاهلي ، أبو محمد ، المشهور بالأعمش ولد سنة (60 هـ) من الأئمة الثقات قال ابن سعد : وكان الأعمش صاحب قرآن وفرائض وعلم بالحديث« وعده ابن سعد في الطبقة الرابعة ، من الكوفيين ، وثقه ابن معين وأبو حاتم ، وقال أبو زرعة : إمام ، توفي سنة (148 هـ) . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (6 / 342) . وانظر : الجرح والتعديل (4 / 146 ، 147) ، ترجمة (630) .
(4) هو : طلحة بن نافع القرشي ، مولاهم ، المكي ، أو الواسطي ، روى عن بعض الصحابة كعبد الله بن عمر وابن عباس وجابر وغيرهم ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال أبو بكر البزار : هو ثقة في نفسه ، وقال أحمد : ليس به بأس ، وكذلك قال النسائي وابن عدي . انظر : تهذيب التهذيب (5 / 26 ، 27) ، ترجمة رقم (44) ط .
(5) في المطبوعة زاد : اسم أبي سفيان : طلحة بن نافع الأسدي . واقتصر في بقية النسخ وسنن أبي داود على الكنية ، كما أثبته .
(6) أي : أصل نخلة . انظر : القاموس المحيط ، فصل الجيم ، باب الميم (4 / 88) .
(7) في المطبوعة : فانفكت . وكذلك في سنن أبي داود .
(8) المشربة : الغرفة . انظر : لسان العرب (1 / 491) شرب .
(9) في (د) : سقطت : قال .
(10) في (ب) : سقطت : الإمام .
(11) سنن أبي داود ، كتاب الصلاة ، باب الإمام يصلي من قعود ، الحديث رقم (602) ، (1 / 403 ، 404) وأشرت إليه في ابن ماجه آنفا ورجاله رجال الصحيح .
(12) بل أخرج أبو داود قريبا من هذا ولفظه : عن أبي أمامة قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم متوكئا على عصا ، فقمنا إليه ، فقال : «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم ، يعظم بعضها بعضا» سنن أبي داود ، كتاب الأدب ، باب في قيام الرجل للرجل ، الحديث رقم (5230) ، (5 / 398) . ومثله في مسند أحمد (5 / 253- 256) . وهذا الحديث معناه صحيح وثابت كما جاء في الحديث السابق في مسلم وغيره .
(13) في المطبوعة : يقوى .
(14) في (ج) : لم يذكر اسم الجلالة (الله) .
(15) في (أ) : أن يقوم لله قانتا . . الخ .
(16) في (أ) : شديد .
(17) من هنا حتى قوله : عما يشبه فعل فارس والروم (سطران ونصف تقريبا) : ساقطة من (أ) .
(18) قد : ساقطة من المطبوعة .

(1/189)


وفي هذا الحديث أيضا نهى عما يشبه (1) فعل (2) فارس والروم وإن كانت (3) نيتنا غير نيتهم (4) لقوله (5) : فلا تفعلوا . فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية .
ثم هذا الحديث سواء كان محكما في قعود الإمام أو منسوخا فإن الحجة منه قائمة ؛ لأن نسخ القعود لا يدل على فساد تلك العلة وإنما يقتضي أنه قد عارضها ما ترجح عليها مثل كون القيام فرضا في الصلاة فلا يسقط الفرض بمجرد المشابهة الصورية ، وهذا محل اجتهاد ، وأما المشابهة الصورية إذا (6) لم تسقط فرضا كانت (7) تلك العلة التي علل بها رسول (8) الله صلى الله عليه وسلم سليمة (9) عن معارض أو (10) نسخ ؛ لأن القيام في الصلاة ليس بمشابهة في الحقيقة فلا يكون محذورا فالحكم إذا علل بعلة ، ثم نسخ مع بقاء العلة ، فلا بد من أن (11) يكون غيرها ترجح (12) عليها وقت الناسخ (13) أو ضعف تأثيرها أما أن تكون (14) في نفسها باطلة فهذا محال هذا كله لو كان الحكم هنا منسوخا فكيف ، والصحيح أن هذا الحديث محكم قد عمل به غير واحد من الصحابة بعد وفاة رسول (15) الله صلى الله عليه وسلم مع كونهم علموا صلاته (16) في (17) مرضه (18) .
_________
(1) في (ب) : يشتبه .
(2) في (ج د ط) : أفعال .
(3) في (د ط) : كان.
(4) في (أ) : وإن كان نبينا غير نبيهم .
(5) في (أ ط) : كقوله .
(6) في المطبوعة : فإذا . وفي (د) : في إذا .
(7) في المطبوعة : فإن .
(8) في (ب) : النبي .
(9) في المطبوعة : تكون سليمة .
(10) في المطبوعة : أو عن نسخ .
(11) في المطبوعة : فلا بد أن .
(12) في (ب) : يرجح .
(13) في المطبوعة : النسخ .
(14) أي العلة التي علل بها الحكم .
(15) في (ب) : النبي .
(16) في المطبوعة : بصلاته .
(17) في المطبوعة زاد : الذي توفى فيه .
(18) ممن عمل به من الصحابة : جابر بن عبد الله ، وأسيد بن حضير ، وأبو هريرة وغيرهم . انظر : شرح السنة للبغوي (3 / 422) في باب إذا صلى الإمام قاعدا .

(1/190)


وقد استفاض عنه صلى الله عليه وسلم الأمر به استفاضة صحيحة صريحة يمتنع معها أن يكون حديث المرض (1) ناسخا له على ما هو مقرر في غير هذا الموضع إما (2) بجواز الأمرين إذ فعل القيام لا ينافي فعل القعود ، وإما بالفرق بين المبتدئ (3) للصلاة قاعدا و (4) الصلاة التي ابتدأها الإمام قائما لعدم دخول هذه الصلاة (5) في قوله . وإذا صلى قاعدا ولعدم المفسدة التي علل بها ، ولأن بناء فعل آخر الصلاة على أولها أولى من بنائها على صلاة الإمام ونحو ذلك من الأمور المذكورة في غير هذا الموضع .
وأيضا فعن عبادة بن الصامت (6) رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اتبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد ، فعرض (7) له حبر (8) فقال : هكذا نصنع يا محمد . قال : فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : خالفوهم . رواه أبو (9) داود وابن (10) ماجه والترمذي (11) وقال : بشر بن رافع (12) ليس بالقوي في الحديث (13) .
قلت : قد اختلف العلماء في القيام للجنازة إذا مرت ومعها إذا شيعت ، وأحاديث الأمر بذلك كثيرة مستفيضة ومن اعتقد نسخها أو نسخ القيام للمارة (14) فعمدته حديث علي (15) وحديث عبادة هذا .
_________
(1) في المطبوعة : حديث مرض موته.
(2) في (ب) : لجواز .
(3) في (ب) : بالصلاة .
(4) في المطبوعة : وبين الصلاة .
(5) (الصلاة) : سقطت من (أ ج د) .
(6) هو الصحابي الجليل : عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر الخزرجي الأنصاري ، أحد نقباء الأنصار ، وكنيته : أبو الوليد ، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، واستعمله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على بعض الصدقات ، وكان ممن جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكان يعلم أهل الصفة القرآن ، وأرسله عمر بن الخطاب مع بعض الصحابة إلى أهل الشام يعلمونهم القرآن ويفقهونهم في الدين ، فأقام بحمص ، ، ثم بفلسطين ، ، ثم رجع إلى المدينة في خلاف بينه وبين معاوية فرده عمر إلى الشام وقال لمعاوية : لا إمرة لك عليه ، وتوفي رضي الله عنه بالرملة ، وقيل : ببيت المقدس سنة (34 هـ) ، وعمره (72) سنة . انظر : أسد الغابة (3 / 106 ، 107) .
(7) في المطبوعة : فتعرض .
(8) أي من يهود . والحبر في اللغة : العالم . انظر : القاموس المحيط ، فصل الحاء ، باب الراء (2 / 2) ، والحبر : واحد الأحبار ، وهم علماء اليهود ورجال دينهم .
(9) انظر : سنن أبي داود ، كتاب الجنائز ، باب القيام للجنازة ، الحديث (3176) ، (3 / 520) ولفظه قريب من هذا اللفظ مع اختلاف يسير ، ومنه زيادة : «اجلسوا ، خالفوهم» .
(10) انظر : سنن ابن ماجه ، كتاب الجنائز ، باب ما جاء في القيام للجنازة ، حديث رقم (1545) ، (1 / 493) بهذا اللفظ ، وعلق المحقق بعد الحديث : «وقال السندي : قيل إسناده ضعيف» .
(11) انظر : سنن الترمذي ، كتاب الجنائز ، باب ما جاء في الجلوس قبل أن توضع ، حديث رقم (1020) ، (3 / 340) .
(12) هو : بشر بن رافع الحارثي ، أبو الأسباط ، النجراني ، ضعفه أحمد والترمذي والنسائي وأبو حاتم ، وقال البخاري : لا يتابع في حديثه . انظر : تهذيب التهذيب (1 / 448 - 450) ، (ت 823) .
(13) قال الترمذي : «هذا حديث غريب ، وبشر بن رافع ليس بالقوي في الحديث» . سنن الترمذي (3 / 340) ، وعلى هذا يكون الحديث ضعيفا ، لكن يشهد له حديث علي الذي سيشير إليه المؤلف ، وانظر الهامش رقم (5) هنا .
(14) في (ط) : للجنازة . والمقصود بقوله : للمارة ، أي : للجنازة المارة .
(15) حديث علي رواه مسلم ولفظه : «عن علي قال : رأينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قام فقمنا ، وقعد فقعدنا - يعني في الجنازة» ، وفي لفظ : «قام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ثم قعد» وفي لفظ : «إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قام ، ثم قعد» صحيح مسلم ، كتاب الجنائز ، باب نسخ القيام للجنازة ، الحديث رقم (962) ، (2 / 661 ، 662) .

(1/191)


وإن كان القول بهما (1) ممكنا ؛ لأن المشيع يقوم لها حتى توضع عن أعناق الرجال لا في اللحد فهذا الحديث إما أن يقال به جمعا بينه وبين غيره ، أو (2) ناسخا لغيره وقد علل المخالفة ومن لا يقول به يضعفه ، وذلك لا يقدح في الاستشهاد والاعتضاد به على جنس المخالفة .
وقد روى البخاري عن عبد الرحمن بن القاسم (3) أن القاسم (4) كان يمشي بين يدي الجنازة ، ولا يقوم لها ويخبر عن عائشة (5) قالت : كان أهل الجاهلية يقومون لها ، يقولون (6) إذا رأوها : كنت في أهلك ما كنت . مرتين (7) فقد استدل من كره القيام (8) بأنه كان من (9) فعل الجاهلية وليس ال غرض هنا الكلام في عين هذه المسألة .
وأيضا عن (10) ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اللحد لنا والشق لغيرنا رواه أهل السنن الأربعة » (11) وعن جرير بن عبد (12) الله (13) رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اللحد لنا والشق لغيرنا » رواه أحمد (14) وابن ماجه (15) وفي رواية لأحمد « :
L2013253 والشق لأهل الكتاب . » (16) وهو مروي من طرق (17) فيها لين لكن يصدق (18) بعضها بعضا (19) .
وفيه التنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب حتى في وضع الميت في أسفل القبر .
_________
(1) في المطبوعة زاد : كليهما .
(2) في المطبوعة زاد : يكون .
(3) هو : عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، تابعي مدني جليل ، من الطبقة السادسة ، يعد من أكابر علماء المدينة وصالحيهم وأخبارهم في زمنه ، وكبير القدر عند عامة المسلمين ، كثير الحديث ، اتفق سائر علماء الحديث على توثيقه ، ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب أن ابن حبان قال في الثقات عنه أنه : «كان من سادات أهل المدينة فقها وعلما وديانة ، وفضلا وحفظا وإتقانا» ، توفي رحمه الله سنة (126 هـ) بالشام . انظر : تهذيب التهذيب (6 / 254) ، ترجمة رقم (501) .
(4) هو : القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، من كبار التابعين ، من الطبقة الثانية ، وهو أبو عبد الرحمن - السابقة ترجمته - الذي روى عنه هنا ، ذكر ابن سعد عن الواقدي ، قوله : «وكان ثقة ، وكان رفيعا عاليا فقيها ، إماما كثير الحديث ورعا» يعني القاسم ، فهو من مشاهير علماء التابعين وثقاتهم وساداتهم ، توفي رحمه الله سنة (106 هـ) . انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (5 / 178-194) . انظر : تهذيب التهذيب (8 / 333 - 335) ، ترجمة رقم (601).
(5) في المطبوعة : «أنها قالت» . والصحيح ما أثبته كما في جميع النسخ المخطوطة وفي البخاري .
(6) يقولون : ساقطة من (أ) .
(7) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب مناقب الأنصار ، باب أيام الجاهلية . انظر : فتح الباري (7 / 148) ، حديث رقم (3837) .
(8) يعني للجنازة .
(9) في المطبوعة : كان فعل .
(10) في المطبوعة : فعن .
(11) وهم : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه . انظر : سنن أبي داود ، كتاب الجنائز ، باب في اللحد ، حديث رقم (3208) ، (3 / 544) . وانظر : سنن الترمذي ، كتاب الجنائز ، باب ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «اللحد لنا والشق لغيرنا» ، حديث رقم (1045) ، (3 / 363) ، وقال - أي الترمذي - : «حديث ابن عباس حديث حسن غريب من هذا الوجه» ، وقال قبل ذلك : «وفي الباب عن جرير بن عبد الله وعائشة وابن عمر وجابر» (3 / 363) ، والحديث بمجموع طرقه صحيح . انظر : الجامع الصغير (2 / 474) ، حديث رقم (7747) ، قال السيوطي : حديث صحيح . انظر : سنن النسائي ، كتاب الجنائز ، باب : اللحد والشق (4 / 80) . وانظر : سنن ابن ماجه ، كتاب الجنائز ، باب ما جاء في استحباب اللحد ، حديث رقم (1554) ، (1 / 496) .
(12) في المطبوعة : البجلي .
(13) هو الصحابي الجليل : جرير بن عبد الله بن جابر - الشليل - بن مالك البجلي ، نسبة إلى قبيلة بجيلة ، وكنيته : أبو عبد الله ، أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأربعين يوما ، وكان حسن الصورة ، وهو سيد في قومه ، ولما دخل على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكرمه وقال : «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» . وكان له في حض المسلمين على القتال في القادسية وغيرها أثر كبير ، وأمره عمر على بجيلة - قبيلته - . ومات رضي الله عنه سنة (54 هـ) . انظر : أسد الغابة (1 / 279 ، 280 ) .
(14) انظر : مسند أحمد (4 / 357 ، 359) في مسند جرير بن عبد الله .
(15) انظر : سنن ابن ماجه ، كتاب الجنائز ، باب ما جاء في استحباب اللحد ، حديث رقم (1555) ، (1 / 496) .
(16) مسند أحمد (4 / 362 ، 363) في مسند جرير بن عبد الله ، وذكره السيوطي في الجامع الصغير (2 / 474) ، الحديث رقم (7748) ، وقال : حديث صحيح .
(17) في (أ ط) : من طريق .
(18) في المطبوعة : يعضد .
(19) هذا بالنسبة للحديث بهذا اللفظ ، أما أحاديث استحباب اللحد فهي صحيحة ، فقد روى مسلم في صحيحه أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال في مرضه الذي مات فيه : «ألحدوا لي لحدا ، وانصبوا علي اللبن نصبا ، كما صنع برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم» . انظر : صحيح مسلم ، كتاب الجنائز ، باب : اللحد ونصب اللبن على الميت ، حديث رقم (966) ، (2 / 665) .

(1/192)


وأيضا عن عبد الله بن مسعود (1) رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليس منا من ضرب الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية » متفق عليه (2) ودعوى الجاهلية ندب الميت ، وتكون دعوى الجاهلية في العصبية .
ومنه قوله فيما رواه أحمد عن أبي بن كعب (3) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من تعزى بعزاء (4) الجاهلية ، فأعضوه (5) بهن (6) أبيه ، ولا تكنوا » (7) .
وأيضا عن أبي مالك الأشعري (8) رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن (9) : الفخر بالأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة وقال : النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ، ودرع من جرب » (10) رواه مسلم .
_________
(1) في (ب) : عن ابن مسعود .
(2) انظر : صحيح البخاري ، كتاب الجنائز ، باب ليس منا من شق الجيوب ، حديث رقم (1294) ، (3 / 163) من فتح الباري . وأطرافه في فتح الباري رقم (1297 ، 1298 ، 3519) في لفظ الأول منها : «لطم الخدود» . وانظر : صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب تحريم ضرب الخدود ، حديث رقم (103) ، 1 / 99 .
(3) هو الصحابي الجليل : أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية ، الأنصاري النجاري ، كان من أصحاب العقبة الثانية ، وشهد بدرا وأحدا وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، سيد القراء ، ومن أصحاب الفتيا في الصحابة ، وقال له الرسول : «ليهنك العلم أبا المنذر» ، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «إن الله أمرني أن أقرأ عليك» ، وكان عمر يسميه : سيد المسلمين ، توفي رضي الله عنه في خلافة عثمان سنة (23 هـ) . انظر : الإصابة (1 / 19 ، 20) ، (ت 32) .
(4) قال البغوي في شرح السنة : «قوله : من تعزى بعزاء الجاهلية : أي انتسب وانتمى ، كقولهم : يا لفلان ، ويا لبني فلان ، يقال : عزوت الرجل وعزيته : إذا نسبته ، وكذلك كل شيء تنسبه إلى شيء» . شرح السنة للبغوي (13 / 121) ، شرح الحديث رقم (3541) .
(5) فأعضوه بهن أبيه : الهن : الذكر . أي قولوا له : اعضض ذكر أبيك . ولا تكنوا . أي : صرحوا بلفظ الذكر بدون كناية ، وهذا دليل على شناعة التعزي بعزاء الجاهلية . انظر : شرح السنة للبغوي (13 / 121) .
(6) في (أ ط) : فأعضوه هن .
(7) مسند أحمد (5 / 136) ورواه أيضا عبد الله بن الإمام أحمد بسند آخر عن أبي بن كعب . انظر : المسند (5 / 133) وإسناد الحديث صحيح .
(8) أبو مالك هذا اختلف فيه اختلافا كثيرا ، والأرجح أنه : الحارث بن الحارث الأشعري ، له صحبة . انظر : تهذيب التهذيب (12 / 218 ، 219) ، (ت 1002) ؛ والإصابة (1 / 275) ، (ت 1384) .
(9) في (ب) : لا يتركوهن .
(10) انظر : صحيح مسلم ، كتاب الجنائز ، باب التشديد في النياحة ، حديث رقم (935) ، (2 / 644) .

(1/193)


ذم في (1) الحديث من دعا (2) بدعوى الجاهلية ، وأخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم ذما لمن لم يتركه ، وهذا كله يقتضي أن ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم فهو مذموم في دين الإسلام ، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها ، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم (3) وهذا كقوله سبحانه وتعالى : { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى } (4) فإن في (5) ذلك ذما للتبرج وذما لحال الجاهلية الأولى ، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة .
ومنه قوله لأبي ذر (6) رضي الله عنه لما عير رجلا بأمه : « إنك امرؤ فيك جاهلية » (7) . فإنه ذم لذلك الخلق ولأخلاق الجاهلية التي لم يجئ بها الإسلام .
ومنه قوله تعالى : { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ } (8) فإن إضافة الحمية إلى الجاهلية اقتضى (9) ذمها فما كان من (10) أخلاقهم وأفعالهم ، فهو كذلك .
_________
(1) في المطبوعة : في هذا الحديث .
(2) في (أ ج د ط) : ادعى .
(3) ومن المؤلم أنه بدأت في بعض العرب اليوم - من القوميين والبعثيين وغيرهم - شعارات وكتابات تتبنى إحياء منكرات الجاهلية وأوثانها وتقاليدها وأعرافها وأسواقها وشتى آثارها الحسية والمعنوية ، بدعوى إحياء التراث والوطنية ، وهذا ضلال مبين ، كما سيبين المؤلف .
(4) سورة الأحزاب : من الآية 33 .
(5) في المطبوعة : فإن ذلك ذم للتبرج ، وذم لحال الجاهلية الأولى .
(6) هو الصحابي الجليل : جندب بن جنادة بن سكن الغفاري أبو ذر ، كان من السابقين إلى الإسلام ، ولما أسلم بمكة أعلن إسلامه ، وكان المسلمون يستخفون آنذاك ، ورفع صوته أمام قريش بالشهادتين فضربوه ، ، ثم رجع إلى قومه ، ، ثم هاجر إلى المدينة بعد بدر وأحد ، وكان صادق اللهجة ، وذكروا أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصفه بذلك ، كما قال فيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أيضا : «يرحم الله أبا ذر ، يعيش وحده ويموت وحده ، ويبعث وحده» ، فلما حصل منه بعض الخلاف مع عثمان رضي الله عنه ، وخاف عثمان افتراق الناس وفتنتهم فسيره إلى الربذة ، فمات بها رضي الله عنه سنة (23) ، وصلى عليه ابن مسعود . انظر : الإصابة (4 / 62 - 64) ، ترجمة رقم (384) الكنى .
(7) الحديث جاء في الصحيحين وغيرهما : انظر : صحيح البخاري : كتاب الإيمان ، باب المعاصي من أمر الجاهلية ، فتح الباري، حديث رقم (30) ، (1 / 84) وحديث رقم (6050) ؛ وصحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب إطعام المملوك مما يأكل ، حديث رقم (1661) ،(3 / 1282، 1283) من ثلاث طرق ؛ ومسنده أحمد (5 / 161) .
(8) سورة الفتح : الآية 26.
(9) في المطبوعة : يقتضي ، والمعنى متقارب.
(10) في المطبوعة سقطت : من.

(1/194)


ومن هذا ما رواه البخاري في صحيحه، عن عبيد الله (1) بن أبي يزيد (2) أنه سمع ابن عباس قال : ثلاث (3) خلال من خلال الجاهلية الطعن في الأنساب والنياحة ، ونسيت الثالثة قال سفيان (4) : ويقولون : إنها الاستسقاء (5) بالأنواء" (6) .
وروى مسلم في صحيحه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت » (7) ، فقوله : هما بهم كفر (8) . أي هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس فنفس الخصلتين كفر حيث (9) كانتا من أعمال الكفار (10) وهما قائمتان بالناس لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير (11) كافرا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنا (12) حتى يقوم به أصل الإيمان (13) وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله صلى الله عليه وسلم : « ليس بين العبد وبين الكفر - أو الشرك - إلا ترك الصلاة » (14) وبين كفر منكر في الإثبات .
وفرق أيضا بين معنى الاسم المطلق إذا قيل : كافر أو مؤمن . وبين المعنى المطلق للاسم في جميع موارده كما في قوله : لا ترجعوا بعدي كفارا ، يضرب بعضكم رقاب بعض (15) .
_________
(1) في المطبوعة : عبد الله ، والصحيح : عبيد الله انظر : إسناده في فتح الباري (7 / 156).
(2) هو : عبيد الله بن أبي يزيد المكي، مولى آل قارظ بن شيبة، وثقة النسائي والعجلي وابن معين وأبو زرعة ، وغيرهم، وقال ابن سعد : « ثقة كثير الحديث» وعده ابن سعد في الطبقة الثالثة من المكيين ، ومات سنة (126 هـ) وعمره(86) سنة . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (5 / 481 ـ 482) ؛ وتهذيب التهذيب (7 / 56، 57) ، ترجمة رقم (109) .
(3) ثلاث : ساقطة من (أ).
(4) هو : سفيان بن عيينة : مرت ترجمته ، انظر فهرس الأعلام .
(5) في (ط) : ويقولون إنها الأنواء.
(6) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار ، باب القسامة ، في الجاهلية ، فتح الباري ، حديث رقم (3850) ، (7 / 156) .
(7) انظر صحيح مسلم كتاب الإيمان باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة حديث رقم (67) (1 / 82) .
(8) كفر : أثبتها من (ب) وهي ساقطة من بقية النسخ.
(9) حيث « ساقطة من (أ).
(10) في المطبوعة : من أعمال الكفر.
(11) في المطبوعة : يصير بها كافرا.
(12) في المطبوعة : يصير بها مؤمنا.
(13) في المطبوعة : وحقيقته.
(14) الحديث رواه مسلم في كتاب الإيمان ، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (1 / 88) حديث ، رقم (82) من طريقين : بلفظ : إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) والرواية الأخرى بنفس اللفظ إلا أنه قال : « بين الرجل . » إلخ الحديث ، وأبو داود في كتاب السنة ، باب في رد الإرجاء ، حديث رقم (4678)، (5 / 58 ، 59) ، بلفظ : « بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة » والترمذي كتاب الإيمان ، باب ما جاء في ترك الصلاة ، حديث رقم (2618، 2619، 2620) بألفاظ توافق ما في مسلم وأبي داود ، وقال الترمذي (حديث حسن صحيح) ، (5 / 13).
(15) الحديث في الصحيحين وغيرهما : ورواه البخاري في كتاب العلم، باب الإنصات للعلماء ، حديث رقم (121) من فتح الباري ، (1 / 217) كما أخرجه في مواضع أخرى رقم (4405) ، (6869) ، (7080) . ورواه مسلم في كتاب الإيمان ، باب معنى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، « لا ترجعوا بعدي كفار يضرب بعضكم رقاب بعض» حديث رقم (65، 66) ، (1 / 81 ـ 82).

(1/195)


فقوله : (1) « يضرب بعضكم رقاب (2) بعض » تفسير الكفار في هذا الموضع ، وهؤلاء يسمون كفارا تسمية مقيدة ، ولا يدخلون في الاسم المطلق إذا قيل : كافر ومؤمن . (3) كما أن قوله تعالى : { مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ } (4) سمى المني ماء تسمية مقيدة ولم يدخل في الاسم المطلق حيث قال : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } (5) .
ومن هذا الباب ما أخرجاه في الصحيحين عن عمرو بن دينار (6) عن جابر بن عبد الله قال : « غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ثاب (7) معه ناس من المهاجرين حتى كثروا ، وكان من المهاجرين رجل لعاب (8) فكسع (9) أنصاريا ، فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا وقال الأنصاري : يا للأنصار . وقال المهاجري : يا للمهاجرين . فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما بال دعوى الجاهلية ، ثم قال : ما شأنهم ؟ فأخبر (10) بكسعة المهاجري للأنصاري قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعوها فإنها خبيثة (11) وقال عبد الله (12) بن أبي ابن (13) سلول : أوقد (14) تداعوا علينا ، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . قال (15) عمر : ألا تقتل (16) يا نبي (17) الله هذا الخبيث - لعبد الله - (18) فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يتحدث الناس أنه كان (19) يقتل أصحابه » (20) .
_________
(1) فقوله : ساقطة من (ط).
(2) في المطبوعة : بعضكم بعضا.
(3) في المطبوعة : أو مؤمن.
(4) سورة الطارق : من الآية 6.
(5) سورة المائدة : من الآية 6.
(6) وهو : عمرو بن دينار الجمحي ـ مولاهم ـ أبو محمد ، الأثرم ، من علماء التابعين ، وحفاظهم وفقهائهم ، وثقه الأئمة، وقال ابن سعد في طبقاته، وكان عمرو ثقة ثبتا كثير الحديث « وكان مفتي أهل مكة في زمانه ، توفى سنة (126 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (8 / 28، 29، 30) ؛ والطبقات الكبرى لابن سعد (5 / 480).
(7) ثاب : أي اجتمع وجاء . انظر : مختار الصحاح ، مادة (ث و ب) ، (ص 89) .
(8) لعاب : كثير اللعب .
(9) كسع : أي ضرب دبره بيده، أو بصدر قدمه : انظر : القاموس المحيط ، باب العين ، فصل الكاف ، (3 / 81).
(10) في المطبوعة : فأخبروه ، وفي البخاري كما أثبته.
(11) في المطبوعة : منتنة ، وهي في البخاري بلفظ « خبيثة » وفي مسلم بلفظ : «منتنة ».
(12) هو : رأس المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد الخزرجي، أبو الحباب، المشهور بابن سلول ، وسلول جدته لأبيه، كان سيد الخزرج قبيل الإسلام، فكانوا يزمعون تتويجه بالملك، وبعد بدر أظهر الإسلام، وأخذ يعمل المكائد بالمسلمين، من التخذيل عن الجهاد، والإرجاف والاستهزاء ، والشماتة عند المصائب، ونشر الأكاذيب والبهتان ، مات في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلما صلى عليه نهاه الله عن ذلك بقوله تعالى : / 30 ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون / 30 سورة التوبة : الآية 84 انظر : الأعلام للزركلي (4 / 65).
(13) في (أ ب) : ابن أبي سلول ، وهو خطأ ، ولعله من الناسخ .
(14) في (أ) : أو قد .
(15) في المطبوعة : فقال .
(16) في (أ) والمطبوعة : نقتل .
(17) في (ج د) والمطبوعة : يا رسول الله .
(18) في (ب) : يعني عبد الله .
(19) في المطبوعة : أنه يقتل .
(20) صحيح البخاري ، كتاب المناقب ، باب ما ينهى من دعوى الجاهلية . انظر : فتح الباري ، حديث رقم (3518) ، (6 / 546) .

(1/196)


ورواه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر (1) قال : « اقتتل غلامان غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار فنادى المهاجر (2) : يا للمهاجرين ونادى الأنصاري : يا للأنصار فخرج رسول (3) الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما هذا ؟ أدعوى الجاهلية ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر فقال : لا بأس ولينصر (4) الرجل أخاه ظالما أو مظلوما ، إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره » (5) فهذان الاسمان (6) المهاجرون والأنصار اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنة وسماهما الله بهما كما سمانا المسلمين (7) من قبل وفي هذا ، وانتساب الرجل إلى المهاجرين (8) أو الأنصار انتساب حسن محمود عند الله وعند رسوله ، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط ، كالانتساب إلى القبائل والأمصار ، ولا من المكروه أو المحرم ، كالانتساب إلى ما يفضي (9) إلى بدعة أو معصية أخرى .
_________
(1) في المطبوعة : رضي الله عنه .
(2) في (ب ج د ط) والمطبوعة : المهاجري ، وما أثبته من (أ) أصح كما في مسلم .
(3) في (أب ط) : النبي .
(4) في المطبوعة : لينصر .
(5) صحيح مسلم ، كتاب البر والصلة والآداب ، باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما ، حديث رقم (2584) ، (4 / 1998) .
(6) في (ط) : اسمان .
(7) في (ب) : مسلمين .
(8) في (أ ب) والمطبوعة : والأنصار .
(9) في (أ ب) : يقتضي بدعة .

(1/197)


ثم مع هذا لما دعا كل (1) منهما طائفة منتصرا بها أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وسماها دعوى الجاهلية حتى قيل له : إن الداعي بها إنما هما غلامان لم يصدر ذلك من الجماعة فأمر بمنع الظالم ، وإعانة المظلوم ليبين النبي (2) صلى الله عليه وسلم أن المحذور (3) إنما هو تعصب الرجل لطائفته مطلقا فعل أهل (4) الجاهلية ، فأما نصرها بالحق من غير عدوان فحسن واجب أو مستحب .
ومثل هذا ما روى أبو داود وابن ماجه عن واثلة بن الأسقع (5) رضي الله عنه قال : قلت : « يا رسول الله ما العصبية قال : أن تعين قومك على الظلم » (6) .
وعن سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي (7) قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم » رواه أبو داود (8) .
وروى (9) أيضا عن جبير بن (10) مطعم (11) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ليس منا من دعا إلى عصبية ، وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من مات على عصبية » (12) .
وروى (13) أيضا عن ابن مسعود (14) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي (15) فهو ينزع بذنبه » (16) .
_________
(1) في المطبوعة : كل واحد منهما .
(2) في (أ ج د ط) : ليبين صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(3) في المطبوعة : أن المحذور من ذلك .
(4) في (ب) : فعل الجاهلية .
(5) هو الصحابي الجليل : واثلة بن الأسقع بن كعب بن عامر ، من بني ليث بن عبد مناة ، أسلم قبل غزوة تبوك ، وشهدها ، وكان ينزل ناحية المدينة قبل إسلامه ، فلما أسلم كان من أهل الصفة ، وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذهب إلى الشام ، وكان يشهد المغازي ، فشهد فتح دمشق وحمص وغيرهما ، وتوفي بدمشق سنة (85 هـ)وعمره (105) سنين . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (7 / 407 ، 408) . وانظر : الإصابة (3 / 626) ، ترجمة رقم (9087) .
(6) سنن أبي داود ، كتاب الأدب ، باب في العصبية ، حديث رقم (5119) ، (5 / 341) ، ورواه ابن ماجه من حديث فسيلة عن أبيها ، وقد ذكر ابن حجر وغيره أن فسيلة بنت واثلة بن الأسقع ، ونصه عن فسيلة : «سمعت أبي يقول : سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، أمن العصبية أن يحب الرجل قومه ؟ قال : »لا ، ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم« . انظر : سنن ابن ماجه ، كتاب الفتن ، باب العصبية ، حديث رقم (3949) ، (2 / 1302) ، وفي نسب فسيلة بنت واثلة ، انظر : الإصابة (3 / 626) ، في ترجمة واثلة بن الأسقع ، رقم (9087) ، وقد سماها : نسيلة . وقال ابن حجر في التقريب : »مقبولة من الرابعة« (2 / 593) ، وسماها جميلة .
(7) هو الصحابي الجليل : سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك بن عمرو بن تيم بن مدلج ، الكناني ، المدلجي ، من بني مدلج ، كان قبل إسلامه ممن طلب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبا بكر أثناء الهجرة ليسلمه لقريش ، فساخت رجل فرسه ، فعلم أنها معجزة للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعمّى الخبر عنه وعن صاحبه أبي بكر وأعطاه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كتابا فأسلم بعد حنين ، وكان قال له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «كيف بك إذا لبست سواري كسرى ومنطقته وتاجه ؟» فلما فتحت فارس جاء عمر بها فألبسه إياها تحقيقا لوعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومعجزته ، وقال عمر : الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز ، وألبسهما سراقة بن مالك أعرابيا من بني مدلج ، وكان سراقة رضي الله عنه شاعرا ، توفي سنة (24 هـ) . انظر : أسد الغابة (2 / 264 ، 265 ، 266) .
(8) انظر : سنن أبي داود ، كتاب الأدب ، باب في العصبية ، حديث رقم (5120) ، (5 / 341) ، وفي الحديث أيوب بن سويد ، قال أبو داود : «أيوب بن سويد ضعيف» . سنن أبي داود (5 / 341) ، وأيوب بن سويد هو : الرملي السيباني أبو مسعود ، ضعفه أحمد وابن معين والبخاري ، وأبو حاتم والنسائي ، وسائر أئمة الحديث ، توفي سنة (202 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (1 / 405 ، 406) ، وترجمته (745) .
(9) في المطبوعة : أبو داود .
(10) في (ج) : معظم ، وهو خطأ .
(11) هو الصحابي الجليل : جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل ، القرشي ، كان من حلماء قريش وساداتها ، وكان نسابة ، يؤخذ عنه النسب لقريش ولعامة العرب ، وكان أبوه المطعم قد أجار الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قدم من الطائف حين ردته ثقيف لما دعاهم إلى الإسلام ، كما أن المطعم أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة الجائرة لمقاطعة المسلمين وبني هاشم وبني المطلب ، أسلم جبير قبل الفتح ، وقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليلة قربه من مكة في غزوة الفتح : «إن بمكة أربعة نفر من قريش أربأ بهم عن الشرك وأرغب لهم في الإسلام . . » وذكر منهم (جبير بن مطعم) ، توفي سنة (57 هـ) . انظر : أسد الغابة (1 / 271 ، 272) .
(12) سنن أبي داود ، كتاب الأدب ، باب في العصبية ، حديث رقم (5121) ، (5 / 342) ، كما أخرج مسلم بمعناه في كتاب الإمارة ، حديث رقم (1848) عن أبي هريرة .
(13) في المطبوعة : أبو داود .
(14) في المطبوعة : رضي الله عنه .
(15) في (ج د ط) : تردى ، ومعناه : أسقط ، أو : سقط في بئر ، أو : تهور من جبل ، ونحوه ، وينزع : يجذب ويقتلع . انظر : مختار الصحاح ، مادة (ردي) (ص 240) ، ومادة (نزع) (ص 654) .
(16) أخرجه أبو داود في سننه ، كتاب الأدب ، باب في العصبية ، حديث رقم (5118) ، (5 / 341) وهو صحيح الإسناد . كما أخرجه أبو داود موقوفا على ابن مسعود برقم (5117) ، (5 / 340) ، المرجع نفسه .

(1/198)


فإذا كان هذا (1) التداعي في هذه (2) الأسماء و (3) هذا الانتساب (4) الذي يحبه الله ورسوله فكيف بالتعصب مطلقا ، والتداعي للنسب والإضافات التي هي : إما مباحة ، أو مكروهة .
وذلك أن الانتساب إلى الاسم الشرعي أحسن من الانتساب إلى غيره ، ألا ترى إلى ما رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق (5) عن داود بن الحصين (6) عن عبد الرحمن بن أبي عقبة (7) عن أبي عقبة (8) وكان مولى من أهل فارس قال : « شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا فضربت رجلا من المشركين فقلت: خذها (9) وأنا الغلام الفارسي، فالتفت إلي (10) فقال : هلا قلت : خذها مني وأنا الغلام الأنصاري » (11) .
حضه (12) رسول الله صلى الله عليه وسلم على الانتساب إلى الأنصار، وإن كان بالولاء، وكان إظهار هذا أحب إليه من الانتساب إلى فارس بالصراحة، وهي نسبة حق، ليست محرمة .
ويشبه -والله أعلم- أن يكون من حكمة ذلك: أن النفس تحامي عن الجهة التي تنتسب (13) إليها فإذا (14) كان ذلك لله كان خيرا للمرء .
فقد دلت هذه الأحاديث على أن إضافة الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمه، والنهي عنه، وذلك يقتضي المنع من (15) أمور الجاهلية مطلقا ، وهو المطلوب في هذا الكتاب (16) .
_________
(1) في (ب) : على التداعي .
(2) في المطبوعة : في الأسماء .
(3) في المطبوعة : وفي هذا الانتساب .
(4) يقصد الانتساب إلى المهاجرين والأنصار ، الذي جاء في الحديث السابق : يا للمهاجرين ، يا للأنصار .
(5) هو : محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار المطلبي ، مولاهم ، المدني ، نزيل العراق ، من الحفاظ المكثرين للحديث ، وصاحب «المغازي» المشهور ، ومن الأئمة المشهود لهم بالفضل والعلم والحفظ ، وقد تكلم فيه بعضهم ، لكن تصدى لذلك كثير من أئمة الحديث ووثقوه حتى قالوا : إنه لم يتكلم فيه سوى مالك وهشام بن عروة ، ووجهوا كلامهما فيه بتوجيه يبرئه من الطعن في روايته للحديث ، وسائر الأئمة يوثقه ، قال أبو زرعة : «وابن إسحاق رجل قد أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه ، وقد اختبره أهل الحديث فرأوا صدقا وخيرا» ، وقد وثقه ابن معين ، والعجلي وابن سعد ، وابن حبان ، وابن المبارك ، وغيرهم ، وأخذ عليه بعضهم روايته عن بني إسرائيل ، وتساهله في رواية المغازي والسير ، وتدليسه أحيانا ، وقد روى له مسلم في المتابعات ، وعلق له البخاري ، ومن أهم أعماله الجليلة : جمع السيرة وكتابتها ، توفي سنة (152 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (9 / 38- 46) ، ترجمة رقم (51) .
(6) هو : داود بن الحصين مولى عمرو بن عثمان بن عفان ، أبو سليمان ، المدني ، قال ابن عيينة : كنا نتقي حديثه ، وقال ابن معين : ثقة ، وقال أبو زرعة : لين ، وقال ابن عدي : صالح الحديث ، وقال ابن المديني : ما روى عن عكرمة فمنكر ، وقال النسائي : ليس به بأس ، وذكره ابن حبان في الثقات ، كما وثقه ابن سعد والعجلي وخلاصة القول أن داود ثقة إلا في عكرمة كما أنه متهم برأي الخوارج لكنه لا يدعو إلى بدعته ، توفي سنة (135 هـ) . انظر : الجرح والتعديل (3 / 408) ، ترجمة رقم (1874) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 231) ، ترجمة (5) د .
(7) هو : عبد الرحمن بن أبي عقبة ، الفارسي ، المدني ، مولى الأنصار ، ذكره ابن حبان في الثقات ، يروي المراسيل ، وقال ابن حجر في تقريب التهذيب : مقبول ، من الثالثة . انظر : تهذيب التهذيب (6 / 232) ، ترجمة رقم (472) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 492) ، ترجمة (1051) .
(8) هو : أبو عقبة ، أبو عبد الرحمن الراوي عنه هنا ، الفارسي ، مولى الأنصار ، قيل : اسمه (رشيد) ، وله صحبة . انظر : تهذيب التهذيب (12 / 171) ، ترجمة (805) في الكنى .
(9) في المطبوعة : خذها مني وأنا . . الخ ، وكذلك في أبي داود .
(10) في المطبوعة : رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكذلك في أبي داود .
(11) رواه أبو داود في سننه ، كتاب الأدب ، باب في العصبية ، حديث رقم (5123) ، (5 / 343) . وابن ماجه في سننه ، كتاب الجهاد ، باب النية في القتال ، حديث رقم (2874) ، (2 / 931) . والحديث في إسناده عن عبد الرحمن بن أبي عقبة يروي المراسيل ، وقد وثقه ابن حبان ، وقال : يروي المراسيل كما أشرت في ترجمته .
(12) في (أ) : حضه وأن رسول الله ، وهو خلط من الناسخ .
(13) في (ج ط) : تنسب .
(14) فإذا : سقطت من المطبوعة .
(15) في المطبوعة : من كل أمور الجاهلية .
(16) الكتاب : سقطت من (ج د ط) .

(1/199)


ومثل هذا ما روى (1) سعيد بن أبي سعيد (2) عن أبيه (3) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله قد أذهب عنكم (4) عبية (5) الجاهلية وفخرها بالآباء : مؤمن تقي أو فاجر شقي ، أنتم بنو آدم وآدم من تراب ، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها (6) النتن » (7) رواه أبو داود وغيره (8) وهو صحيح .
فأضاف العبية (9) والفخر إلى الجاهلية يذمها (10) بذلك وذلك يقتضي ذمها بكونها مضافة (11) إلى الجاهلية وذلك يقتضي ذم (12) الأمور المضافة إلى الجاهلية .
ومثله ما روى مسلم في صحيحه عن أبي قيس زياد بن رباح (13) عن أبي هريرة رضي الله عنه (14) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ، ومن قاتل تحت راية عمية (15) يغضب لعصبية ، أو يدعو إلى عصبية ، أو ينصر عصبية فقتل فقتله (16) جاهلية (17) ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده (18) فليس مني ولست منه » (19) .
ذكر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الأقسام الثلاثة التي يعقد لها الفقهاء باب قتال أهل القبلة من البغاة (20) والعداة وأهل العصبية .
_________
(1) في (ب) : عن سعيد .
(2) هو : سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري المدني ، من الحفاظ المتقنين الثقات ، وثقه الأئمة ، وقالوا : اختلط قبل موته بأربع سنين ، وتوفي سنة : (117 هـ) ، وقيل : (123 هـ) . انظر : تقريب التهذيب (2 / 38- 40) ، ترجمة رقم (61) .
(3) هو : أبو سعيد ، الراوي عنه هنا ، كيسان بن سعيد المقبري ، مولى أم شريك ، ويقال : هو الذي يقال له : صاحب العباس ، ثقة ، ثبت ، من الطبقة الثانية ، توفي سنة (100 هـ) . انظر : تقريب التهذيب (2 / 137) ، ترجمة رقم (81) .
(4) في (أ) : غبنة الجاهلية فخرها ، وفي (ب) : عيبة الجاهلية ، وفي (ط) : عتبة الجاهلية ، وكله تحريف .
(5) العبية : الكبر والنخوة والفخر ، انظر : شرح السنة للبغوي (13 / 124) .
(6) في المطبوعة : بآنفها .
(7) رواه أبو داود في سننه ، كتاب الأدب ، باب في التفاخر بالأحساب ، حديث رقم (5116) ، (5 / 339 ، 340) ، وقد أشار المؤلف إلى أنه صحيح .
(8) ممن رواه أيضا الترمذي في سننه كتاب المناقب باب في فضل الشام واليمن حديث رقم (3955) ورقم (3956) ، (5 / 734 ، 735) ، وفي لفظ الترمذي اختلاف يسير وتقديم وتأخير . قال الترمذي : «وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس» . وقال بعد الحديث الأول (3955) : «وهذا حديث حسن غريب» ، وقال بعد الحديث الثاني (3956) : «وهذا أصح عندنا من الحديث الأول ، وسعيد المقبري قد سمع أبا هريرة ، ويروي عن أبيه أشياء كثيرة عن أبي هريرة رضي الله عنه» . سنن الترمذي (5 / 734 ، 735) .
(9) في (ب) : العيبة ، وهو خطأ كما ذكرت .
(10) في المطبوعة : يذمهما .
(11) في المطبوعة : ذمهما بكونهما مضافين . بالتثنية ، وهي مفردة في جميع النسخ ، كما أثبته .
(12) في المطبوعة : ذم كل الأمور .
(13) كذا جاء في المطبوعة ، وفي جميع النسخ : ابن رباح ، وكذلك في بعض كتب التراجم ، لكن أكثرها على أنه ابن رياح - بالياء- كما في مسلم أيضا ، وهو : زياد بن أبي رباح المدني ، أو البصري ، أبو قيس ، وكناه بعضهم بأبي رباح ، من حفاظ الحديث ، وثقه الأئمة ، من الطبقة الثالثة . انظر : تهذيب التهذيب (3 / 366 ، 367) ، ترجمة رقم (672) .
(14) رضي الله عنه : سقطت من (ج د) .
(15) في المطبوعة : عمياء ، والصحيح ما أثبته كما في مسلم ، والعمية : الأمر الأعمى الذي لا يستبين وجهه ، كما سيذكر المؤلف في الصفحة التالية . انظر : الحاشية على صحيح مسلم (3 / 1476) .
(16) كذا في (أ ط) : وقتله . وكذلك في صحيح مسلم ، وفي (ب ج د) : فقتله .
(17) في المطبوعة : قتل قتلة جاهلية .
(18) في (ب ج د) والمطبوعة : لذي عهدها ، وفي مسلم كما أثبته من (أ ط) .
(19) انظر : صحيح مسلم ، كتاب الإمارة ، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن (3 / 1476 ، 1477) ، حديث رقم (1848) ، من طرق بينها اختلافات يسيرة في ألفاظها .
(20) في المطبوعة : البغاء .

(1/200)


فالقسم الأول الخارجون عن طاعة السلطان ، فنهى عن نفس الخروج عن الطاعة والجماعة وبين أنه إن (1) مات، ولا طاعة عليه (2) مات ميتة جاهلية ، فإن أهل الجاهلية من العرب ونحوهم لم يكونوا يطيعون أميرا عاما على ما هو (3) معروف من سيرتهم .
ثم ذكر (4) : الذي يقاتل تعصبا لقومه ، أو أهل بلده ونحو ذلك وسمى الراية عمية (5) ، لأنه الأمر الأعمى الذي لا يدرى وجهه فكذلك قتال العصبية يكون عن غير علم بجواز قتال هذا .
وجعل قتلة المقتول قتلة جاهلية سواء غضب بقلبه ، أو دعا بلسانه ، أو (6) ضرب بيده وقد فسر ذلك فيما رواه مسلم أيضا (7) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول (8) الله صلى الله عليه وسلم : « ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل فقيل : كيف يكون ذلك ؟ قال : الهرج (9) القاتل والمقتول في النار » (10) والقسم الثالث : الخوارج (11) على الأمة (12) إما من العداة الذين غرضهم الأموال كقطاع الطريق ونحوهم ، أو غرضهم الرياسة كمن يقتل أهل المصر (13) الذين هم (14) تحت حكم غيره مطلقا ، وإن لم يكونوا مقاتلة ، أو من الخارجين عن السنة الذين يستحلون دماء أهل القبلة مطلقا كالحرورية (15) الذين قتلهم علي رضي الله عنه .
_________
(1) في (ب) : من مات .
(2) في المطبوعة : لإمام .
(3) في (ط) : على ما هو عليه معروف .
(4) هذا هو القسم الثاني .
(5) في المطبوعة : عمياء .
(6) في (أ ب ط) : أو نصر .
(7) أيضا : سقطت من (أ ب) .
(8) في (أ) : النبي .
(9) الهرج : الفتنة والاختلاط والقتل . انظر : مختار الصحاح ، مادة (هـ ر ج) ، (ص 694) .
(10) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة ، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل . . الخ ، حديث رقم (2908) من طريقين فيهما بعض الاختلاف عن السياق الذي ذكره المؤلف . ولفظ الأول : «والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل . ولا يدري المقتول في أي شيء قتل» . ولفظ الثاني : «والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل» فقيل : كيف ذلك ؟ قال : «الهرج ، القاتل والمقتول في النار» . (4 / 2231 ، 2232) .
(11) في (ج د) : الخارج على الأمة .
(12) أي الذين يخرجون على الأمة لأي غرض ، وليس المقصود بهم فرقة الخوارج فحسب .
(13) في المطبوعة : مصر .
(14) هم : سقطت من (ب ط) .
(15) الحرورية : اسم يطلق على الخوارج في عهد علي ، نسبة إلى حروراء : موضع قرب الكوفة ، نزل به الخوارج حين اعتزلوا جيش علي رضي الله عنه . انظر : البداية والنهاية (7 / 278- 280) . وانظر : معجم البلدان (2 / 245) .

(1/201)


ثم إنه صلى الله عليه وسلم سمى الميتة والقتلة ميتة جاهلية وقتلة جاهلية على وجه الذم لها والنهي عنها وإلا لم يكن قد زجر عن ذلك .
فعلم أنه كان قد قرر (1) عند أصحابه أن ما أضيف إلى الجاهلية من ميتة ، أو قتلة ونحو ذلك فهو مذموم منهي عنه وذلك يقتضي ذم كل ما كان من أمور (2) الجاهلية وهو المطلوب .
ومن هذا ما أخرجاه في الصحيحين عن المعرور بن سويد (3) قال « رأيت أبا ذر عليه حلة وعلى غلامه مثلها ، فسألته عن ذلك فذكر أنه ساب رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بأمه فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إنك امرؤ فيك جاهلية وفي رواية قلت : على ساعتي هذه من كبر السن قال : نعم هم إخوانكم وخولكم (4) جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه (5) مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه » (6) .
ففي هذا الحديث أن كل ما كان من الجاهلية فهو مذموم ؛ لأن قوله : فيك جاهلية . ذم لتلك الخصلة ، فلولا أن هذا الوصف يقتضي ذم ما اشتمل عليه لما حصل به المقصود .
وفيه أن التعيير بالأنساب من أخلاق الجاهلية .
_________
(1) في المطبوعة : قد تقرر . وهم أتم للمعنى ، لكنه خلاف جميع النسخ المخطوطة .
(2) في (أ) : من أموره .
(3) هو : أبو أمية ، المعرور بن سويد الأسدي ، أحد بني سعد بن الحارث ، كوفي من الطبقة الثانية ، من حفاظ الحديث المكثرين الثقات ، عمر (120) سنة . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (6 / 118) ؛ وتقريب التهذيب (2 / 263) ، ترجمة رقم (1265) م .
(4) في (ج) : وحر لكم . وهو تحريف . ومعنى خولكم : أي عبيدكم وإمائكم .
(5) في (ج د) : ويلبسه .
(6) الحديث في البخاري ، كتاب الإيمان ، باب المعاصي من أمر الجاهلية ، انظر : فتح الباري ، حديث رقم (30) ، (1 / 84) ، وحديث رقم (6050) ، (10 / 465) ، مع اختلاف يسير في ألفاظ والسياق عما ساقه المؤلف هنا . وفي صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب إطعام المملوك مما يأكل ، حديث رقم (1661) ، (3 / 1282- 1283) من عدة طرق ، وفيها اختلاف في ترتيب السياق عما ذكره المؤلف ، لكن الألفاظ التي ساقها هنا كلها وردت في البخاري ومسلم بتفاوت يسير في السياق .

(1/202)


وفيه أن الرجل (1) مع فضله وعلمه ودينه قد يكون فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية وبيهودية (2) ونصرانية (3) ، ولا يوجب ذلك كفره، ولا فسقه .
وأيضا ما رواه مسلم في صحيحه عن نافع (4) بن جبير بن مطعم (5) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أبغض الناس إلى الله ثلاثة : ملحد في الحرم ، (6) ومبتغ (7) في الإسلام سنة جاهلية ، (8) ومطلب (9) دم امرئ بغير حق ليريق دمه » (10) .
_________
(1) يعني به المسلم مطلقا ، رجلا كان أو امرأة لكنه قال : الرجل ، على سبيل التغليب .
(2) في المطبوعة : ويهودية .
(3) في (ج د) : وبنصرانية .
(4) في المطبوعة : عن جبير بن مطعم ، أي : (عن) بدل (ابن) ، وهو خطأ من المطبوعة وما أثبته هو الصحيح .
(5) هو : نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل القرشي ، المدني ، من الطبقة الثالثة ، ثقة فاضل ، مات سنة (99 هـ) . انظر : تقريب التهذيب (2 / 295) ، ترجمة رقم (16) ن ؛ والطبقات الكبرى لابن سعد (5 / 205- 207) .
(6) الإلحاد : الميل عن القصد ، والعدول عن الحق . والمقصود هنا : انتهاك حرمة الحرم سواء بفعل المعاصي وارتكاب الكبائر ، أو بإيذاء الناس أو قتلهم ، أو انتهاك حرماتهم وأمنهم ، أو بفعل ما خص الله الحرم بالنهي عنه فيه من تحريم قتل الصيد وعضد الشجر به ونحو ذلك .
(7) في (ج د) : ومبتدع .
(8) في (ب ط) : السنة الجاهلية .
(9) في (ط) : ومطيل . وفي المطبوعة : ومطل . وفي البخاري كما أثبته .
(10) المؤلف - رحمه الله - أشار إلى أن هذا الحديث في مسلم ، ولم أجده فيه بهذا اللفظ ، وإنما وجدته في البخاري بهذا السند وبهذا اللفظ الذي ساقه هنا . انظر : صحيح البخاري ، كتاب الديات ، باب من طلب دم امرئ : بغير حق ، في فتح الباري ، حديث رقم (6882) ، (12 / 210) ، وفيه : ليهريق ، بدل : ليريق ، وهما بمعنى واحد .

(1/203)


أخبر صلى الله عليه وسلم أن أبغض الناس إلى الله هؤلاء الثلاثة وذلك ؛ لأن الفساد إما في الدين وإما في الدنيا فأعظم فساد الدنيا قتل النفوس بغير الحق ، ولهذا كان أكبر الكبائر بعد أعظم فساد الدين الذي هو الكفر .
وأما فساد الدين فنوعان : نوع يتعلق بالعمل ، ونوع يتعلق بمحل (1) العمل .
فأما المتعلق بالعمل فهو ابتغاء سنة الجاهلية (2) .
وأما ما يتعلق بمحل العمل فالإلحاد في الحرم ؛ لأن أعظم محال العمل الحرم (3) وانتهاك حرمة المحل المكاني أعظم من انتهاك حرمة المحل الزماني ولهذا حرم من تناول المباحات ومن الصيد والنبات في البلد الحرام ما لم يحرم مثله في الشهر الحرام .
ولهذا كان الصحيح أن حرمة القتال في البلد الحرام باقية كما دلت عليه النصوص الصحيحة بخلاف الشهر الحرام فلهذا والله أعلم ذكر صلى الله عليه وسلم الإلحاد في الحرم وابتغاء سنة جاهلية (4) .
والمقصود (5) أن من هؤلاء الثلاثة من ابتغى في الإسلام سنة جاهلية فسواء قيل :متبع (6) ، أو مبتغ ، فإن الابتغاء هو الطلب (7) والإرادة فكل من أراد في الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخل في هذا الحديث .
_________
(1) أي مكان العمل : كالحرم ، والمساجد ، ونحو ذلك .
(2) في (ب ط) : السنة الجاهلية .
(3) في المطبوعة : هو الحرم .
(4) في (ط) : الجاهلية .
(5) في (أ ب ط) : والمقصود هنا أن من .
(6) في (ج د) : مبتغ أو غير مبتغ . وفي المطبوعة : مبتغيا أو غير مبتغ .
(7) في (ط) : المطلوب .

(1/204)


والسنة الجاهلية كل عادة كانوا عليها فإن السنة هي العادة وهي الطريق التي تتكرر لنوع الناس (1) مما يعدونه عبادة ، أو لا يعدونه عبادة قال تعالى : { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ } (2) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لتتبعن سنن من كان قبلكم » (3) والاتباع هو الاقتفاء والاستنان ، فمن عمل بشيء من سننهم فقد اتبع (4) سنة جاهلية ، وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية في أعيادهم وغير أعيادهم (5) ولفظ الجاهلية قد يكون اسما للحال وهو الغالب في الكتاب والسنة ، وقد يكون اسما لذي الحال .
فمن الأول قول (6) النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه : « إنك امرؤ فيك جاهلية » (7) .
وقول عمر : إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة (8) وقول عائشة : كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء (9) وقولهم : يا رسول الله ، كنا في جاهلية (10) وشر (11) أي في حال جاهلية ، أو طريقة جاهلية ، أو عادة جاهلية ونحو ذلك .
_________
(1) في المطبوعة : قال : تتكرر لتتسع لأنواع الناس . وهو خلاف جميع النسخ .
(2) سورة آل عمران : من الآية 137 .
(3) الحديث مر تخريجه ، راجع فهرس الأحاديث .
(4) في (ج د) : تبع .
(5) ومن ذلك ما يحاول بعض الناس اليوم إحياءه من أمور الجاهلية الأولى على أنها من التراث الذي يعتز به ، كإحياء اسم عكاظ : وهو سوق من أسواق الجاهلية ، ودار الندوة : وهي من منتديات قريش في الجاهلية ، ونحو ذلك .
(6) في (ب) : قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(7) مر الحديث (ص 235) .
(8) هذا جزء من حديث ورد في الصحيحين وغيرهما ، ولفظ البخاري : عن عبد الله بن عمر ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله ، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى وآله وسلم : «أوف نذرك» فاعتكف ليلة . صحيح البخاري ، كتاب الاعتكاف ، باب من لم ير عليه إذا اعتكف صوما ، حديث رقم (2042) ، من فتح الباري (4 / 284) . كما أخرجه أيضا في نفس الصفحة رقم (2043) تحت باب : إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ، ثم أسلم . بسياق آخر . وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان ، باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم ، حديث رقم (1656) ، (3 / 1277) .
(9) هذا جزء من حديث ورد في البخاري وأبي داود من حديث طويل أوله في البخاري : عن عروة بن الزبير ، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبرته : أن النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء . . الخ الحديث ، وفيه : «فلما بعث محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم» . صحيح البخاري ، كتاب النكاح ، باب لا نكاح إلا بولي ، حديث رقم (5127) من فتح الباري (9 / 182) ، 183 ؛ وسنن أبي داود ، كتاب الطلاق ، باب في وجوه النكاح التي كان يتناكح بها أهل الجاهلية ، حديث رقم (2272) ، (2 / 702) .
(10) في (ط) : الجاهلية .
(11) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري أيضا في كتاب الفتن ، باب الأمر إذا لم تكن جماعة ، حديث رقم (7084) من فتح الباري (13 / 25) ، عن حذيفة بن اليمان : كان الناس يسألون رسول الله عن الخير . . الخ الحديث . ورواه مسلم في كتاب الإمارة ، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين . . الخ ، حديث رقم (1847) ، (3 / 1475 ، 1476) .

(1/205)


فإن (1) الجاهلية وإن كانت (2) في الأصل صفة ، لكنه غلب عليه الاستعمال حتى صار اسما ، ومعناه قريب من معنى المصدر، وأما الثاني فتقول طائفة جاهلية وشاعر جاهلي ، وذلك نسبة إلى الجهل الذي هو عدم العلم ، أو عدم اتباع العلم فإن من لم يعلم الحق ، فهو جاهل جهلا بسيطا ، فإن اعتقد خلافه ، فهو جاهل جهلا مركبا ، فإن قال خلاف الحق عالما بالحق ، أو غير عالم فهو جاهل أيضا كما قال تعالى: { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } (3) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث (4) ، ولا يجهل » (5) .
ومن هذا قول بعض شعراء (6) العرب .

ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا

(7) .
وهذا كثير وكذلك من عمل بخلاف الحق فهو جاهل وإن علم أنه مخالف للحق كما قال سبحانه : { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ } (8) قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : كل من عمل سوءا فهو جاهل (9) (10) .
_________
(1) في المطبوعة : فإن لفظ الجاهلية .
(2) في (ط) : كانت . وفي بقية النسخ : كان .
(3) سورة الفرقان : من الآية 63 .
(4) في المطبوعة : فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل . بزيادة : ولا يفسق ، وليست في مسلم والبخاري ولا في أبي داود .
(5) هذا جزء من حديث جاء في الصحيحين وغيرهما . فقد أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : «الصيام جنة ، فلا يرفث ولا يجهل . . » الحديث ، في صحيح البخاري ، كتاب الصوم ، باب فضل الصوم ـ حديث رقم (1894) من فتح الباري (4 / 103) . وأخرجه مسلم في كتاب الصيام ، باب حفظ اللسان للصائم ، حديث رقم (1151) ، (2 / 806) ولفظه : «إذا أصبح أحدكم يوما صائما ، فلا يرفث ، ولا يجهل . . » الحديث . وأبو داود ، وهو مطابق لما نص عليه المؤلف هنا ، ولفظه : «الصيام جنة ، إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل . . » الحديث ، انظر : سنن أبي داود ، كتاب الصوم ، باب الغيبة للصائم ، حديث رقم (2363) ، (2 / 768) .
(6) في المطبوعة : الشعراء .
(7) هذا البيت من قصيدة طويلة لعمرو بن كلثوم الشاعر الجاهلي ، وهي إحدى المعلقات السبع المشهورة . انظر : كتاب شرح القصائد السبع لأبي بكر الأنباري (ص 426) .
(8) سورة النساء : من الآية 17 .
(9) في (ب) : زاد : وإن علم أنه مخالف للحق .
(10) انظر : تفسير ابن جرير (4 / 202 ، 203) ، حيث ذكر أقوال الصحابة والتابعين في ذلك ، وكلها تؤكد هذا المعنى الذي أشار إليه المؤلف .

(1/206)


وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه من قول ، أو فعل فمتى صدر خلافه فلا بد من غفلة القلب عنه ، أو ضعفه في القلب بمقاومة (1) ما يعارضه وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم فيصير جهلا بهذا الاعتبار .
ومن هنا (2) تعرف دخول الأعمال في مستحق (3) الإيمان حقيقة لا مجازا وإن لم يكن كل من ترك شيئا من الأعمال كافرا، ولا (4) خارجا عن أصل مسمى الإيمان وكذلك اسم العقل ونحو ذلك من الأسماء .
ولهذا (5) يسمي الله تعالى أصحاب هذه الأحوال موتى وعميا وصما (6) وبكما وضالين وجاهلين ، ويصفهم بأنهم لا يعقلون، ولا يسمعون .
ويصف المؤمنين بأولي الألباب وأولي (7) النهى ، وأنهم مهتدون ، وأن لهم نورا ، وأنهم يسمعون ويعقلون .
فإذا تبين ذلك فالناس قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا في حال جاهلية (8) منسوبة إلى الجهل، (9) فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل (10) وإنما يفعله جاهل .
_________
(1) في المطبوعة : أو ضعف القلب عن مقاومة ما يعارضه . وقد أجمعت النسخ المخطوطة على ما أثبته .
(2) من هنا حتى قوله : وإن لم يكن (سطر واحد تقريبا) : ساقط من (أ) .
(3) في المطبوعة : : في مسمى الإيمان .
(4) قد فصل المؤلف هذا الموضوع واستوفاه في كتابه (الإيمان) فليراجع . وفي المطبوعة : أو خارجا .
(5) في (ب) : أسما .
(6) وصما : ساقطة من (أ) .
(7) في المطبوعة : والنهي .
(8) في (ب) : جاهلية جهلاء .
(9) في (أ ب ط) : الجاهل .
(10) في المطبوعة : جهال .

(1/207)


وكذلك كل ما يخالف ما جاءت (1) به المرسلون من يهودية ونصرانية فهي جاهلية وتلك كانت الجاهلية العامة فأما بعد مبعث (2) الرسول صلى الله عليه وسلم (3) قد تكون في مصر دون مصر كما هي في دار الكفار وقد تكون في شخص دون شخص كالرجل قبل أن يسلم فإنه (4) في جاهلية وإن كان في دار الإسلام .
فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم (5) فإنه لا تزال (6) من أمته طائفة ظاهرين (7) على الحق إلى قيام الساعة .
والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من الأشخاص (8) المسلمين كما قال صلى الله عليه وسلم : « أربع في أمتي من أمر الجاهلية » (9) وقال لأبي ذر : « إنك امرؤ فيك جاهلية » (10) ونحو ذلك .
فقوله في هذا الحديث : ومبتغ (11) الإسلام سنة جاهلية . يندرج (12) فيه كل جاهلية مطلقة ، أو (13) مقيدة يهودية ، أو نصرانية ، أو مجوسية ، أو صابئة (14) ، أو وثنية ، أو مركبة (15) من ذلك ، أو بعضه ، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية فإنها جميعها (16) مبتدعها (17) ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان لفظ الجاهلية لا يقال غالبا إلا على حال العرب التي كانوا عليها فإن المعنى واحد .
_________
(1) في المطبوعة : جاء به .
(2) في المطبوعة : فأما بعد ما بعث الله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(3) في المطبوعة وفي (ط) : فالجاهلية المطلقة قد تكون في مصر دون مصر ، كما هي في دار الكفار . . الخ .
(4) في المطبوعة : فإنه يكون في جاهلية .
(5) وعليه : فإن إطلاق هذه العبارات على المسلمين عموما ، أو على بلد من بلدانهم أو مجتمع من مجتمعاتهم دون تقييده بحالة ، أو عمل ، أو تصرف ، أو شخص معين : يعتبر خطأ وتساهلا ينبغي أن يتحاشاه المسلم ، وما نزع إليه بعض الكتاب والباحثين والمفكرين من إطلاق عبارات المجتمع الجاهلي على المجتمعات الإسلامية أو بعضها - دون تقييد أو تخصيص لمن يستحق ذلك شرعا - فإنه نهج غير سليم ويخالف القواعد الشرعية ، ومنهج السلف الصالح .
(6) في (ب) : لا يزال .
(7) في (ب) : ظاهرون .
(8) في المطبوعة : وفي كثير من المسلمين .
(9) انظر الحديث (1 / 234) .
(10) انظر الحديث (1 / 236) .
(11) في (ب) : ومتبع .
(12) في (ج د) : تندرج .
(13) في المطبوعة : أو غير مقيدة . ولا يستقيم به المعنى .
(14) في (د) : أو صابئية .
(15) في المطبوعة : أو شركية . وفي (ج د) : أو مشركية .
(16) في (أ) : جميعا .
(17) في (ب) : أو منسوخها .

(1/208)


وفي الصحيحين عن نافع (1) عن ابن عمر (2) « أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة » (3) .
ورواه البخاري من حديث عبد الله بن دينار (4) عن ابن عمر : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئآرها (5) ، ولا يستقوا منها فقالوا : قد عجنا منها واستقينا ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا ذلك العجين ، ويهريقوا ذلك الماء » (6) .
وفي حديث جابر (7) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لما مر بالحجر : « لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين ، إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم » (8) .
فنهى رسول (9) الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى أماكن المعذبين إلا مع البكاء ، خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم ونهى عن الانتفاع بمياههم حتى أمرهم مع حاجتهم في تلك الغزوة (10) وهي أشد غزوة كانت على المسلمين أن يعلفوا النواضح (11) بعجين مائهم .
_________
(1) هو نافع ، أبو عبد الله ، المدني ، مولى عبد الله بن عمر ، ثقة ثبت فقيه ، قال بعض المحدثين ومنهم البخاري : أصح الأسانيد : مالك عن نافع عن ابن عمر ، بعثه عمر بن عبد العزيز لمصر يعلم الناس ، ومات سنة (117 هـ) . انظر : تقريب التهذيب (2 / 296) ، (ت 30) ؛ والبداية والنهاية لابن كثير (9 / 319) .
(2) هو الصحابي الجليل : عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي ، ولد سنة ثلاث من البعثة وهاجر للمدينة وهو ابن عشر ، وأسلم مع أبيه ، عرض على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم بدر ، ثم أحد فاستصغره ، وأجازه في الخندق ، واشتهر رضي الله عنه بالورع والعبادة ، وكان ممن اعتزل الفتنة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه ، توفي سنة (73 هـ) . انظر : الإصابة (2 / 347- 350) ، (ت 4834) .
(3) انظر : صحيح مسلم ، واللفظ هنا له ، كتاب الزهد ، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، حديث رقم (2981) ، (4 / 2286) .
(4) هو : عبد الله بن دينار العدوي - مولاهم - أبو عبد الرحمن ، المدني ، مولى عبد الله بن عمر ، ثقة ، من الطبقة الرابعة ، أخرج له الستة ، ومات سنة (127 هـ) . انظر : تقريب التهذيب (1 / 413) ، (ت 284) .
(5) في البخاري : من بئرها . وغي (أ) : أبيارها . وفي (ط) : آبارها .
(6) انظر : صحيح البخاري ، كتاب الأنبياء ، باب قول الله تعالى : / 30 وإلى ثمود أخاهم صالحا / 30 . . الخ ، حديث رقم (3378) من فتح الباري (6 / 378) ، وكذلك حديث رقم (3379) في الصفحة نفسها .
(7) في (ب) : رضي الله عنه . وفي (أ) : وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أي أسقط : جابر .
(8) هذا الحديث أخرجاه في الصحيحين عن ابن عمر ، انظر : صحيح البخاري ، كتاب الأنبياء ، باب قول الله تعالى : / 30 وإلى ثمود أخاهم صالحا / 30 . . الخ ، حديث رقم (3380) من فتح الباري (6 / 378 ، 379) . وانظر : صحيح مسلم ، كتاب الزهد ، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، إلا أن تكونوا باكين ، حديث رقم (2980) ، (4 / 2285) .
(9) في (أ ب ط) : فنهى صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(10) في المطبوعة زاد : وهي غزوة العسرة .
(11) في المطبوعة : النواضج ، وهو تصحيف . والنواضح : هي الإبل التي يستقى عليها .

(1/209)


وكذلك أيضا روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه « نهى عن الصلاة في أماكن العذاب » فروى أبو داود عن سليمان بن داود (1) أخبرنا (2) ابن وهب (3) حدثني ابن لهيعة (4) ويحيى بن أزهر (5) عن عمار بن سعد (6) المرادي عن أبي صالح الغفاري (7) أن عليا رضي الله عنه مر ببابل وهو يسير ، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر فلما برز منها ، أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال : « إن حبي (8) النبي (9) صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة ، ونهاني أن أصلي في أرض بابل ؛ فإنها ملعونة » (10) .
ورواه أيضا عن أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أيضا أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة عن الحجاج بن شداد (11) عن أبي صالح الغفاري عن علي (12) بمعناه ولفظه : "فلما خرج منها" مكان "برز" (13) .
وقد روى الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله (14) بإسناد أوضح (15) من هذا عن علي رضي الله عنه (16) نحوا من هذا : أنه كره الصلاة بأرض بابل (17) ، أو أرض الخسف ، أو نحو ذلك (18) .
وكره الإمام (19) أحمد الصلاة في هذه الأمكنة اتباعا لعلي رضي الله عنه وقوله : نهاني أن أصلي في أرض بابل ؛ فإنها ملعونة . يقتضي أن لا يصلي في أرض ملعونة .
_________
(1) هو : سليمان بن داود بن حماد بن سعد المهري ، أبو الربيع ، من أهل الفضل والفقه والزهد ، وثقه النسائي ، وذكره ابن حبان في الثقات ، توفي سنة (253 هـ) ، وكانت ولادته سنة (178 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (4 / 176 ، 187) ، ترجمة رقم (317) س .
(2) في (ب) : أنبأنا .
(3) هو : عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي - مولاهم- أبو محمد ، المصري ، الفقيه ، قال أحمد : «كان ابن وهب له عقل ودين وصلاح» ، كما وثقه ابن معين والعجلي والخليلي وغيرهم . وقال ابن سعد : «وكان كثير العلم ثقة فيما قال : حدثنا ، وكان يدلس» ، توفي سنة (197 هـ) ، وكانت ولادته سنة (125 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (6 / 71- 74) ، ترجمة رقم (140) ع ؛ والطبقات الكبرى لابن سعد (7 / 518) .
(4) هو : عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان الحضرمي المصري الفقيه القاضي ، واختلفوا في توثيقه وتضعيفه اختلافا كثيرا خلاصته : أن ابن لهيعة ثقة في أول أمره لكنه لا يضبط ، وفي آخر أمره ساءت حاله خاصة بعد احتراق كتبه ، وقد اختلط عقله في آخر عمره ، ووثقوه في رواية ابن المبارك ، وابن وهب عنه ، توفي سنة (174 هـ) ، وكانت ولادته سنة (96 هـ) . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (7 / 516) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 444) ، ترجمة رقم (574) عبد الله .
(5) هو : يحيى بن أزهر المصري ، مولى قريش ، ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب عن ابن بكير أنه قال : يحيى بن أزهر من أهل مصر ، وأثنى عليه خيرا ، وذكره ابن حبان في الثقات . انظر : تهذيب التهذيب (11 / 176) ، ترجمة رقم (301) .
(6) هو : عمار بن سعد السلهمي المرادي ، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب : «ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال ابن يونس : ثقة . توفي سنة (148 هـ) وكان فاضلا» تهذيب التهذيب (7 / 401 ، 402) ، ترجمة رقم (650) .
(7) هو : سعيد بن عبد الرحمن الغفاري ، أبو صالح ، المصري ، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب : «ذكره ابن حبان في الثقات» ، وقال العجلي : «مصري تابعي ثقة وروايته عن علي مرسلة» . انظر : تهذيب التهذيب (4 / 58 ، 59) ، ترجمة رقم (100) س .
(8) في المطبوعة : حبيبي . وكذا في أبي داود ، ومعناهما واحد .
(9) النبي : لا توجد في (أ ط) .
(10) انظر : سنن أبي داود ، كتاب الصلاة ، باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة ، حديث رقم (490) ، (1 / 329) . وقال الخطابي في معالم السنن في هامش هذا الحديث : «قلت : في إسناد هذا الحديث مقال ، ولا أعلم أحدا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل ، وقد عارضه ما هو أصح منه وهو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : »جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا . . « الخ ، وذكر توجيها للحديث لو ثبت . انظر : هامش سنن أبي داود (1 / 329) . لكن المؤلف هنا سيذكر بعد قليل سندا للحديث أصح من هذا السند مما يقوي الحديث ، كما أخرج هذا الحديث البيهقي في سننه (2 / 451) ، باب من كره الصلاة في موضع الخسف وموضع العذاب .
(11) هو : الحجاج بن شداد الصنعاني ، يعد في المصريين ، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب : «روى له أبو داود حديثا واحدا في الصلاة ببابل . قلت : وذكره ابن حبان في الثقات» . وذكر عن ابن القطان قوله : «لا يعرف حاله» . انظر : تهذيب التهذيب (2 / 202) ، ترجمة رقم (373) ح .
(12) في (ب) : رضي الله عنه .
(13) انظر : سنن أبي داود ، كتاب الصلاة ، باب في المواضع التي لا يجوز فيها الصلاة ، حديث رقم (491) ، (1 / 330) ؛ والسنن الكبرى للبيهقي (2 / 451) .
(14) هو : عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ، أبو عبد الرحمن ، ولد سنة (213 هـ) ، وكان رجلا صالحا صادق اللهجة ، ثقة ، وروى عن أبيه مسائل كثيرة ، تولى القضاء في خلافة المكتفي ، توفي سنة (290 هـ) . انظر : طبقات الحنابلة (1 / 180 - 188) ، (ت 249) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 401) ، (ت 179) .
(15) في المطبوعة : بإسناد أصح .
(16) في (أ ط) : عليه السلام . ولعلها من وضع النساخ ؛ لأنه ليس من عادة الشيخ أن يقولها .
(17) بابل : مدينة قديمة كانت عاصمة للعراق قبل الإسلام ، وهي تقع على الفراق قرب الحلة على مسافة (160 ك) . انظر : معجم البلدان لياقوت (1 / 309) . وانظر : المنجد في الأدب والعلوم (ص 56) .
(18) ذكر البخاري تعليقا في كتاب الصلاة ، باب الصلاة في مواضع الخسف (1 / 530) من فتح الباري . والمقصود بأرض الخسف : أرض بابل ، وقالوا بأن الخسف ما ذكره تعالى في قوله : / 30 فأتى الله بنيانهم من القواعد / 30 . . الآية . انظر : فتح الباري (1 / 530) .
(19) الإمام : ساقطة من (أ ب) .

(1/210)


والحديث المشهور في الحجر يوافق هذا، فإنه إذا كان قد نهى عن الدخول إلى أرض العذاب: دخل في ذلك الصلاة، وغيرها (1) .
ويوافق ذلك قوله سبحانه عن مسجد الضرار : { لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا } (2) فإنه كان من أمكنة العذاب قال سبحانه : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ } (3) وقد روى أنه لما هدم خرج منه دخان (4) وهذا كما أنه ندب إلى الصلاة في أمكنة الرحمة كالمساجد الثلاثة (5) ومسجد قباء (6) فكذلك نهي عن الصلاة في أماكن (7) العذاب .
فأما أماكن الكفر والمعاصي، التي لم يكن فيها عذاب إذا جعلت مكانا للإيمان ، أو الطاعة: فهذا حسن، كما « أمر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف أن يجعلوا المسجد مكان طواغيتهم » (8) .
« وأمر أهل اليمامة أن يتخذوا المسجد مكان بيعة كانت عندهم » (9) .
وكان (10) مسجده صلى الله عليه وسلم مقبرة، (11) فجعله صلى الله عليه وسلم مسجدا بعد نبش القبور (12) .
فإذا كانت الشريعة قد جاءت بالنهي عن مشاركة الكفار في المكان الذي حل بهم فيه العذاب ، فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي يعملونها (13) .
_________
(1) في المطبوعة : وغيرها من باب أولى . وهي زيادة عما في النسخ المخطوطة .
(2) سورة التوبة : من الآية 108 .
(3) سورة التوبة : من الآية 109 .
(4) كتب السيرة تذكر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بإحراقه . انظر : سيرة النبي لابن إسحاق ؛ وتهذيب ابن هشام (4 / 956) ؛ والسيرة النبوية لابن كثير (4 / 40) .
(5) أخرج البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ، حديث رقم (1189) من فتح الباري (3 / 63) من حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ومسجد الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ومسجد الأقصى» ، وقال في الحديث الذي يليه رقم (1190) أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» .
(6) أخرج الترمذي في سننه ، أبواب الصلاة ، باب الصلاة في مسجد قباء ، الحديث رقم (324) ، (2 / 145 ، 146) أن أسيد بن ظهير الأنصاري حدث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : «الصلاة في مسجد قباء كعمرة» ، وقال الترمذي : «حديث أسيد حديث حسن غريب» ، ورواه الحاكم في المستدرك (1 / 487) ، وقال : «هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، إلا أن أبا الأبرد [أحد رواة الحديث] مجهول» أ هـ ، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يزور مسجد قباء كل يوم سبت ويصلي فيه ركعتين . انظر : فتح الباري ، الحديث رقم (1193 ، 1194) ، (3 / 69) ؛ وصحيح مسلم ، الحديث رقم (1399) ، (2 / 1016 ، 1017 ).
(7) في (أ) : أمكنة .
(8) أخرج أبو داود عن عثمان بن أبي العاص ، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كان طواغيتهم» سنن أبي داود ، كتاب الصلاة ، باب في بناء المساجد ، حديث رقم (450) ، (1 / 311) . كما أخرجه ابن ماجه أيضا في كتاب المساجد والجماعات ، باب أين يجوز بناء المسجد ، بلفظه إلا أنه قال : «حيث كان طاغيتهم» ، حديث رقم (743) ، (1 / 245) .
(9) جاء في حديث رواه النسائي من حديث طلق بن علي رضي الله عنه قال : «خرجنا وفدا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فبايعناه وصلينا معه ، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا ، فاستوهبناه من فضل طهوره ، فدعا بماء فتوضأ وتمضمض ، ثم صبه في إداوة وأمرنا فقال : » اخرجوا فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم ، وانضحوا مكانها بهذا الماء واتخذوها مسجدا . . « الحديث . إلى أن قال : »واتخذناها مسجدا فنادينا فيه بالأذان« الحديث . انظر : سنن النسائي ، كتاب المساجد ، باب اتخاذ البيع مساجد (2 / 38 ، 39) ، قال صاحب الفتح الرباني : وسنده جيد .
(10) في المطبوعة : وكان موضع مسجده .
(11) زاد في المطبوعة : للمشركين .
(12) ورد في الصحيحين وغيرهما أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، لما وصل المدينة مهاجرا ، وأمر ببناء المسجد كان فيه قبور المشركين ، فأمر بها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فنبشت . انظر : صحيح البخاري ، كتاب الصلاة ، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد ؟ ، حديث رقم (428) من فتح الباري (1 / 524) . وانظر : صحيح مسلم ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب ابتناء مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، حديث رقم (524) ، 1 / 373 .
(13) في المطبوعة زاد : واستحقوا بها العذاب .

(1/211)


فإنه إذا قيل : هذا العمل (1) الذي يعملونه لو تجرد عن مشابهتهم لم يكن محرما ، ونحن لا نقصد التشبه بهم فيه ، (2) فنفس الدخول إلى المكان ليس بمعصية لو تجرد عن كونه أثرهم ونحن لا نقصد التشبه بهم ، بل المشاركة في العمل أقرب إلى اقتضاء العذاب من الدخول إلى الديار فإن جميع ما يعملونه مما ليس من أعمال المسلمين السابقين ، إما كفر ، وإما معصية ، وإما شعار كفر ، أو معصية (3) وإما مظنة للكفر والمعصية ، وإما أن يخاف أن يجر إلى معصية (4) وما أحسب أحدا ينازع في جميع هذا ولئن نازع فيه فلا يمكنه أن ينازع في أن المخالفة فيه أقرب إلى المخالفة في الكفر والمعصية وأن حصول هذه المصلحة في الأعمال أقرب من حصولها في المكان .
ألا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم أنفع وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم (5) .
_________
(1) العمل : سقطت من (ج د) .
(2) من هنا (فيه) إلى قوله : (ونحن لا نقصد التشبه بهم) سقطت من (ج د) .
(3) في المطبوعة : أو شعار معصية . بزيادة : شعار
(4) في المطبوعة : المعصية .
(5) ولو كان للناس في تتبع آثار الأنبياء ومساكنهم وقبورهم مصلحة دينية ، أو معاشية لأرشدنا الله إليها ، ولما خفيت على الخلق كثير من تلك الآثار والمساكن والقبور .

(1/212)


وأيضا ما (1) هو صريح في الدلالة ما روى أبو داود في سننه حدثنا عثمان بن أبي شيبة (2) حدثنا أبو النضر (3) يعني هاشم بن القاسم حدثنا عبد الرحمن بن ثابت (4) حدثنا حسان بن عطية (5) عن أبي منيب الجرشي (6) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من تشبه بقوم فهو منهم » (7) وهذا إسناد جيد فإن ابن أبي شيبة وأبا النضر وحسان بن عطية ثقات مشاهير أجلاء من رجال الصحيحين وهم أجل من أن يحتاجوا إلى أن يقال : هم من رجال الصحيحين .
وأما عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان فقال يحيى بن معين (8) وأبو زرعة (9) وأحمد بن عبد الله (10) : ليس به بأس (11) .
وقال عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم (12) : هو ثقة وقال أبو حاتم (13) : هو مستقيم الحديث (14) .
وأما أبو (15) منيب (16) الجرشي فقال : فيه أحمد بن عبد الله العجلي هو ثقة وما علمت أحدا ذكره بسوء وقد سمع منه حسان بن عطية وقد احتج الإمام أحمد (17) وغيره بهذا الحديث .
_________
(1) في المطبوعة : مما .
(2) هو : عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي ، أبو الحسن بن أبي شيبة ، صاحب التفسير والمسند المشهور ، من الطبقة العاشرة من الكوفيين ، من حفاظ الحديث الثقات المشاهير ، قال ابن حجر في تقريب التهذيب : «ثقة حافظ شهير وله أوهام ، وقيل : كان لا يحفظ القرآن» ، مات سنة (239 هـ) وعمره (83) سنة . وانظر : تقريب التهذيب لابن حجر (2 / 13 ، 14) ، ترجمة رقم (107) .
(3) هو : هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي ، مولاهم ، البغدادي ، أبو النضر ، مشهور بكنيته ويلقب بقيصر ، من الطبقة التاسعة في البغداديين وكان ثقة ، قال ابن حجر في تقريب التهذيب : «ثقة ثبت» ، توفي سنة (207 هـ) ، وعمره (73) سنة . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (7 / 335) ؛ وتقريب التهذيب لابن حجر (2 / 314) ، ترجمة رقم (39) هـ.
(4) هو : عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسي الدمشقي ، صدوق يخطئ ، مات سنة (165) هـ . انظر : التقريب (1 / 474) ، (ت 886) . ويأتي كلام المؤلف عنه في المتن بعد سطور .
(5) هو حسان بن عطية المحاربي ، مولاهم ، أبو بكر الدمشقي ، ثقة فقيه عابد . مات بعد (120 هـ) بقليل . انظر : تقريب التهذيب (1 / 162) ، ترجمة رقم (237) ح .
(6) هو : أبو المنيب الجرشي الأحدب ، الدمشقي ، من الطبقة الرابعة ، ثقة وقد تكلم عنه المؤلف أيضا بما فيه الكفاية . وانظر : تقريب التهذيب (2 / 477) ، ترجمة رقم (143) ؛ والكنى (1 / 252) .
(7) سنن أبي داود ، كتاب اللباس ، باب في لبس الشهرة ، الحديث رقم (4031) ، (4 / 314) وسيأتي تفصيل الكلام عن الحديث في (1 / 272) .
(8) هو الإمام الحافظ : يحيى بن معين بن عون الغطفاني ، مولاهم ، أبو زكريا ، البغدادي ، من الثقات الحفاظ المشهورين ، إمام الجرح والتعديل ، ومن أقران الإمام أحمد بن حنبل ، وهو من الجهابذة النقاد ، المجمع على إمامتهم وفضلهم توفي سنة (133 هـ) وعمره بضع وسبعون سنة انظر الجرح والتعديل (1 / 314- 318) ؛ وتقريب التهذيب (2 / 358) ، ترجمة رقم (181) ي .
(9) هو : عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ الرازي ، أبو زرعة ، من كبار الأئمة المشهورين الثقات ، وهو أيضا من أئمة الجرح والتعديل والنقاد الجهابذة ، مات سنة (264 هـ) ، وعمره (64) سنة . انظر : تقريب التهذيب (1 / 536) ، ترجمة رقم (1479) عبيد الله . انظر : الجرح والتعديل (1 / 328- 349) .
(10) في المطبوعة : العجلي وكذلك ذكر في جميع النسخ حين ذكر اسمه بعد قليل . هو أحد أئمة الجرح والتعديل في زمانه : أحمد بن عبد الله بن صالح أبو الحسن العجلي الكوفي ، نزيل طرابلس المغرب ، وصاحب : التاريخ والجرح والتعديل ، ويعد من الأئمة الحفاظ في الحديث ، توفي سنة (261 هـ) ، وعمره (80) سنة . انظر : شذرات الذهب لابن العماد (1 / 141) الجزء الثاني .
(11) في (ج د) : ليس فيه بأس .
(12) هو : عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو ، العثماني - مولاهم- أبو سعيد ، الدمشقي ، الملقب بدحيم ، من الثقات الحفاظ المتقنين ، مات سنة (245 هـ) ، وعمره (75) سنة . انظر : تقريب التهذيب (1 / 471) ، ترجمة رقم (856) ع عبد الرحمن .
(13) هو : محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي ، أبو حاتم ، الرازي ، الإمام المشهور ، الحافظ ، أحد الأئمة المشهود لهم بالصلاح والحفظ والإتقان ، مع العلم بالرجال والجرح والتعديل ، توفي سنة (277 هـ) ، وكان مولده سنة (195 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (9 / 31- 34) ، ترجمة رقم (40) م محمد .
(14) في (ط) : سقيم الحديث . وهو خطأ من الناسخ ؛ لأن أبا حاتم وثقه مرة ، وأخرى قال : شامي ، لا بأس به . انظر : الجرح والتعديل (5 / 219) ، (ت 1031) . فالناسخ حرف كلمة مستقيم فصارت : سقيم .
(15) في (ج د) : أسقطت (أبو) ولعله سهو من الناسخين .
(16) في (ب) : أبو حبيب .
(17) في (ج د) أحمد : سقطت .

(1/213)


وهذا الحديث أقل أحواله (1) أن (2) يقتضي تحريم التشبه بهم ، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله : { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } (3) وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو (4) أنه قال (5) : من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم (6) وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة (7) .
فقد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر ، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك وقد يحمل على أنه (8) منهم في القدر المشترك الذي (9) شابههم فيه فإن كان كفرا ، أو معصية ، أو شعارا لها (10) كان حكمه كذلك .
_________
(1) في (ب) : قال وأقل أحوال هذا الحديث .
(2) في المطبوعة : أنه .
(3) سورة المائدة : من الآية 51 .
(4) في المطبوعة : ابن عمر .
(5) قال : ساقطة من (أ ب) .
(6) النيروز : هو أول السنة القبطية . والمهرجان : عيد الفرس .
(7) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (9 / 234) .
(8) في المطبوعة : صار منهم .
(9) في (ج د) : يشابههم .
(10) في المطبوعة قال : أو شعارا للكفر أو للمعصية . وليست في المخطوطات .

(1/214)


وبكل حال يقتضي تحريم التشبه (1) بعلة كونه تشبها ، والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه وهو نادر ومن تبع (2) غيره في فعل لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأخوذا عن ذلك الغير ، فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضا ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه ، ففي كون هذا تشبها نظر لكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه ، ولما فيه من المخالفة ، كما أمر بصبغ اللحى (3) وإحفاء الشوارب ، مع أن قوله صلى الله عليه وسلم : « غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود . » (4) دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا، ولا فعل بل بمجرد ترك تغيير ما خلق فينا وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية الاتفاقية .
وقد روى في هذا الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التشبه بالأعاجم وقال : « من تشبه بقوم فهو منهم » (5) ذكره القاضي أبو يعلى (6) .
وبهذا احتج غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زي غير المسلمين قال محمد بن أبي حرب (7) : سئل أحمد عن نعل سندي (8) يخرج فيه . فكرهه للرجل والمرأة وقال : إن كان للكنيف (9) والوضوء (10) وأكره الصرار . (11) وقال : هو من زي العجم .
وقد سئل سعيد بن عامر (12) عنه فقال : سنة نبينا أحب إلينا من سنة باكهن (13) .
_________
(1) في المطبوعة زيادة وحذف في العبارات قال : وبكل حال ، فهو يقتضي التشبه بهم . . الخ .
(2) في (أ ب ط) : اتبع .
(3) في المطبوعة : وإعفائها . وهي زيادة ليست في النسخ المخطوطة .
(4) انظر : تخريج الحديث (ص 200) .
(5) أخرجه أبو داود في كتاب اللباس ، باب في لبس الشهرة ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «من تشبه بقوم فهو منهم» (4 / 314) ، الحديث رقم (4031) ؛ وأحمد في المسند عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «بعثت بين يدي الساعة . » الحديث ، إلى قوله : «ومن تشبه بقوم فهو منهم» ، مسند أحمد (2 / 50) ، وقد تقدم قول المؤلف عنه بأن إسناده جيد - يعني إسناد أبي داود - وقال في الفتاوى (25 / 331) : «هذا حديث جيد» ، وذكره ابن حجر في فتح الباري (6 / 98) ، وذكر له شاهدا مرسلا بإسناد حسن ، وذكره السيوطي في الجامع الصغير وأشار أنه «حسن» (1 / 590) ، حديث رقم (8593) ، وقال الألباني في صحيح الجامع الصغير : «صحيح» ، رقم (6025) .
(6) هو : محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد الفراء ، أبو يعلى ، القاضي ، من مشاهير علماء الحنابلة في القرن الخامس الهجري ، ومن فحول العلماء في الأصول والفروع وسائر فنون العلم ، تولى القضاء ، وله مصنفات كثيرة منها : الأحكام السلطانية ، والكفاية ، والعدة ، وشرح الخرقي وغيرها ، توفي سنة (458 هـ) ، وكانت ولادته سنة (380) . انظر : طبقات الحنابلة (2 / 193- 230) .
(7) في المطبوعة : بن حرب . والصحيح ما أثبته من المخطوطات ، وهو : محمد بن نقيب بن أبي حرب الجرجرائي ، كان أحمد بن حنبل يكاتبه ويسأل عن أخباره ، نقل عن الإمام وروى عنه مسائل جيدة . انظر : طبقات الحنابلة (1 / 331) ، (ت 105) .
(8) نسبة إلى بلاد السند .
(9) الكنيف في اللغة : الساتر ، وهو المرحاض . انظر : مختار الصحاح ، مادة (ك ن ف) ، (ص 580) .
(10) في المطبوعة زاد : فلا بأس ، وهو أتم للمعنى .
(11) الصرار كما يظهر من العبارة : نوع من أنواع الأحذية التي يلبسها العجم .
(12) هو : سعيد بن عامر الضبعي البصري ، أبو محمد ، من الصالحين الأخيار الثقات ، وسيتكلم عنه المؤلف ، ولد سنة (122 هـ) ، وتوفي سنة (208 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (4 / 50 ، 51) ، (ت 79) .
(13) باكهن : هو اسم ملك الهند ، كما سيذكر المؤلف .

(1/215)


وقال في رواية المروذي وقد سأله عن النعل السندي فقال : أما أنا فلا أستعملها ، ولكن إن (1) كان للطين ، أو المخرج (2) فأرجو، وأما من أراد الزينة فلا (3) ورأى على باب المخرج نعلا سنديا فقال : يتشبه (4) بأولاد الملوك .
وقال (5) حرب الكرماني (6) (7) : قلت لأحمد : فهذه النعال الغلاظ قال : هذه السندية قال : إذا كان للوضوء (8) ، أو للكنيف ، أو لموضع ضرورة فلا بأس . (9) وكأنه كره أن يمشي فيها (10) في الأزقة قيل : فالنعل من الخشب . قال : لا بأس بها أيضا (11) إذا كان موضع ضرورة .
قال حرب حدثنا أحمد بن نصر (12) حدثنا حبان بن موسى ، (13) قال : سئل ابن المبارك (14) عن هذه النعال الكرمانية (15) فلم تعجبه وقال: أما في هذه غنية عن تلك؟ .
وروى الخلال (16) عن أحمد بن إبراهيم الدورقي (17) قال : سألت سعيد بن عامر عن لباس النعال السبتية (18) (19) فقال: زي نبينا أحب إلينا من زي باكهن ملك الهند، ولو كان في مسجد المدينة لأخرجوه من المدينة .
سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علما ودينا، من شيوخ الإمام أحمد قال يحيى بن سعيد القطان وذكر عنده سعيد بن عامر (20) فقال: هو شيخ المصر (21) منذ أربعين سنة (22) وقال أبو مسعود بن الفرات (23) : ما رأيت بالبصرة مثل سعيد بن عامر (24) .
_________
(1) في المطبوعة : إذا .
(2) لم أعرف ما المقصود بالمخرج ، إلا أن يكون محل قضاء الحاجة (الكنيف) أو الانتعال للخروج لا للزينة .
(3) انظر : مسائل الإمام أحمد للنيسابوري (2 / 145 ، 146) .
(4) في (ب) : تتشبه . وفي (هـ) : تشبه . وفي المطبوعة : نتشبه .
(5) في (ج د ط) : وقال أيضا .
(6) في المطبوعة : أيضا ، بعد الكرماني .
(7) هو : حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني ، رجل جليل من أتباع الإمام أحمد بن حنبل ، سمع منه بعض المسائل ، ونقلها عنه أتباع الإمام أحمد كالخلال وغيره ، وهو فقيه بلده ، وجعل إليه السلطان أمر الحكم في بلده . انظر : طبقات الحنابلة (1 / 145) .
(8) في المطبوعة : هذه السندية إذا كانت . . الخ .
(9) وهذا بمعنى الكلام السابق ، انظر : مسائل الإمام أحمد للنيسابوري (2 / 145 ، 146) .
(10) في المطبوعة : بها .
(11) أيضا : ساقطة من (أ) .
(12) هو أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي ، أبو عبد الله ، من الفضلاء الثقات ، امتحن أيام الواثق في مسألة خلق القرآن ، فلم يجب إلى القول بالبدعة (خلق القرآن) وأصر على إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ، كما أثبتها الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقتله الواثق ، ونصب رأسه ببغداد سنة (231 هـ) ، وكان قتله وقتل كثيرين من أمثاله من أجلاء السلف وامتحانهم من نتائج بدع المعتزلة ، أدعياء الحرية !انظر : تقريب التهذيب (1 / 27) ، ترجمة رقم (134) أ ؛ وطبقات الحنابلة (1 / 81 ، 82) ، ترجمة رقم (75) .
(13) هو : حبان بن موسى بن سوار السلمي المروزي ، أبو محمد ، روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما ، من الثقات المشهود لهم بالفضل ، مات سنة (233 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (2 / 174 ، 175) ، ترجمة رقم (315) .
(14) هو الإمام الجليل : عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي ، مولاهم ، المروزي ، أبو عبد الرحمن ، إمام أهل عصره في العلم والتقى والصلاح والفضل والرياسة ، ومن مشاهير أئمة الحديث الحفاظ الثقات ، وصفه ابن عيينة قائلا : «كان فقيها عالما عابدا زاهدا شيخا شجاعا شاعرا» . ا هـ ، كما كان سخيا ناصحا للأمة ، سيدا من سادات المسلمين ، توفي رحمه الله بـ (هيت) منصرفه من الغزو سنة (181) ، وعمره (63) . انظر : تهذيب التهذيب (5 / 382 - 387) ، (ت 657) .
(15) نسبة إلى بلاد كرمان جنوب شرق العراق ، أو بلاد كرمان التي بالهند . انظر : معجم البلدان (ص 454 ، 455) الجزء الرابع .
(16) هو : أحمد بن محمد بن هارون ، أبو بكر ، الخلال ، مرت ترجمته (ص 206) . انظر : مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص 618) .
(17) هو : أحمد بن إبراهيم بن كثير بن زيد الدورقي النكري ، البغدادي ، من الثقات الحفاظ ، من كبار الذين صحبوا الإمام أحمد بن حنبل ونقلوا عنه ، مات سنة (246 هـ) . انظر : تقريب التهذيب (1 / 9 ، 10) ، ترجمة رقم (3) أ ؛ ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص 610) .
(18) النعال السبتية : نسبة إلى السبت ، وهو جلود البقر المدبوغة بالقرظ ، أو هو : كل جلد مدبوغ بالقرظ . انظر : القاموس المحيط (1 / 154) ، فصل السين ، باب التاء .
(19) في (ج) : السبتة .
(20) في المطبوعة زاد : الضبعي .
(21) في المطبوعة : البصرة .
(22) انظر : تهذيب التهذيب (4 / 50) .
(23) هو أحمد بن الفرات بن خالد الضبي الرازي ، أبو مسعود ، من أهل الحديث والفتيا ، ومن أحفظ الناس لأخبار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومن الحفاظ الكبار ، وله التصانيف الكثيرة ، ومن الراسخين في العلم ، وثقه الأئمة ، وقال ابن حجر في تقريب التهذيب : «تكلم فيه بلا مستند» ، توفي سنة (258 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (1 / 66 ، 67) ، ترجمة رقم (117) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 23) ، ترجمة رقم (102) .
(24) انظر : تهذيب التهذيب (4 / 50) .

(1/216)


وقال الميموني (1) : رأيت أبا عبد الله عمامته تحت ذقنه، ويكره غير ذلك وقال : العرب عمائمها (2) تحت أذقانها (3) وقال أحمد في رواية الحسن بن محمد (4) : يكره أن لا (5) تكون العمامة تحت الحنك كراهية شديدة، وقال: إنما يتعمم (6) بمثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس (7) .
ولهذا أيضا كره أحمد لباس أشياء كانت شعار الظلمة في وقته من السواد (8) ونحوه وكره هو وغيره (9) تغميض العين (10) في الصلاة وقال : هو من فعل اليهود (11) .
وقد (12) روى أبو (13) حفص العكبري (14) بإسناده عن بلال بن أبي حدرد (15) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تمعددوا ، واخشوشنوا ، وانتعلوا ، وامشوا حفاة . » (16) .
وهذا مشهور محفوظ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى المسلمين ، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في كلام الخلفاء الراشدين .
وقال الترمذي : حدثنا (17) قتيبة (18) . . . . . . . . . . حدثنا ابن (19) لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ليس منا من تشبه بغيرنا ، لا تشبهوا باليهود، ولا بالنصارى ؛ فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع ، وتسليم النصارى الإشارة بالأكف » . (20) قال (21) : وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة ولم يرفعه (22) .
_________
(1) هو : عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني الرقي ، أبو الحسن ، من الفضلاء الثقات من أصحاب الإمام أحمد ، كان أحمد يقدمه ويجله ، لازمه أكثر من عشرين سنة ، وروى عنه مسائل كثيرة ، ولد سنة (181 هـ) ، وتوفي سنة (274 هـ) . انظر : طبقات الحنابلة (1 / 212- 216) ، ترجمة رقم (282) .
(2) في (أ ب ط) : أعمتها .
(3) انظر : المغني والشرح الكبير (1 / 309 ، 312 ، 313) تجد ما يشير إلى هذا بالمعنى وليس بالنص .
(4) هو : الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني ، روى عن الإمام أحمد ، وهو صاحب الشافعي ، عدوه من الثقات ، مات سنة (260 هـ) . انظر : طبقات الحنابلة (1 / 138) ، ترجمة رقم (172) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 170) ، ترجمة رقم (315) ح .
(5) في (ب) : ألا يكون ، وفي المطبوعة : أن تكون ، بحذف (لا) النافية ، وهو بعيد ؛ لأنه يتغير المعنى المراد ، وتوضحه العبارة التي قبله وهي قوله : «عمامته تحت ذقنه» .
(6) في (ط) : يتعمم بحذف (إنما) .
(7) انظر : المغني والشرح الكبير (1 / 309 ، 310) ، تجد فيه ما يشير إلى هذا المعنى من كون عمائم المسلمين تحت الحنك وعمائم أهل الكتاب بخلاف ذلك .
(8) المقصود بالسواد هنا : اللباس الذي لونه أسود من قبل الرجال ، خاصة العمامة السوداء ، وهي شعار ولاة وخلفاء الدولة العباسية ، وقد وقع من بعضهم في عهد الإمام أحمد رحمه الله شيء من الظلم ، ومن ذلك ما حصل من حمل الناس على التلفظ ببدعة القول بخلق القرآن . ولعل هذا ما أشار إليه الإمام أحمد من كراهة السواد ؛ لأنه شعار الظلمة ، والله أعلم .
(9) ورد أن الإمام أحمد كره لبس الأحمر وقال : يقال : أول من لبسه آل قارون وآل فرعون ، وكره كذلك لبس الأسود . انظر : الإنصاف (1 / 482) .
(10) في (ب) : العينين .
(11) انظر : المغني والشرح الكبير (1 / 662) في المغني .
(12) في (ب) : وروى .
(13) أبو : سقطت من (ط) .
(14) هو : عمر بن إبراهيم بن عبد الله ، أبو حفص ، العكبري ، المعروف بابن المسلم ، من كبار فقهاء الحنابلة في القرن الرابع الهجري ، وله اختيارات جيدة في مسائل المذهب وغيرها ، ذكر له ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة مصنفات منها : المقنع وشرح الخرقي والخلاف بين أحمد ومالك ، وتوفي أبو حفص سنة (387 هـ) . انظر : طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (2 / 163- 166) ، ترجمة (627) .
(15) في (أ) : بلال بن حدود ، ولم أجد ترجمة لبلال بن أبي حدرد هذا إلا ما ذكره العجلوني في كشف الخفا : أن أبا نعيم أخرج هذا الحديث عن القعقاع بن أبي حدرد، والبغوي أخرجه عن ابن أبي حدرد دون أن يسميه ، والطبراني أخرجه عن عبد الله بن أبي حدرد ، ، كما أنا ابن حجر أشار إلى هذا الحديث في الإصابة وإلى أن البغوي وابن شاهين، والطبراني أخرجوه عن القعقاع بن أبي حدرد، والله أعلم، راجع كشف الخفا (1 / 378) ؛ والإصابة (3 / 239).
(16) قال في كشف الخفا : « رواه الطبراني في معجمه الكبير، وابن شاهين في الصحابة ، وأبو الشيخ وأبو نعيم في المعرفة » وذكر الحديث ، ثم قال : وأخرجه البغوي أيضا في معجم الصحابة « وذكر أنه أخرجه الطبراني في الكبير ، وآخرون . انظر : كشف الخفا ومزيل الإلباس (1 / 378) ، الحديث رقم (1018) ، وذكره ابن حجر في ترجمة القعقاع بن أبي حدرد، في الإصابة ، وذكر أنه رواه كل من البغوي وابن شاهين والطبراني عن القعقاع بن أبي حدرد سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقوله : راجع الإصابة (3 / 239).
(17) حدثنا : سقطت من (هـ).
(18) هو : قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي ، أبو رجاء، من الحفاظ الثقات الأثبات ، توفي سنة (240 هـ) وعمره (90) سنة . انظر : تقريب التهذيب (2 / 123) ، ترجمة رقم (85).
(19) ابن : ساقطة من (أ).
(20) في (ب) : بالكف.
(21) أي : أبو عيسى الترمذي.
(22) وقال الترمذي أيضا قبل ذلك ، بعد الحديث ، « هذا حديث إسناده ضعيف» انظر : سنن الترمذي ، كتاب الاستئذان، باب ما جاء في كراهية إشارة اليد بالسلام ، حديث رقم (2695)، (5 / 56، 57) ، وقد بين المؤلف هنا أن الحديث رغم ضعفه فله ما يعضده .

(1/217)


وهذا وإن كان فيه ضعيف فقد تقدم الحديث المرفوع من تشبه بقوم فهو منهم (1) وهو محفوظ عن حذيفة بن اليمان أيضا من قوله وحديث ابن لهيعة يصلح للاعتضاد كذا كان يقول أحمد وغيره (2) .
وأيضا ما روى أبو داود (3) حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي (4) حدثنا محمد بن ربيعة (5) حدثنا أبو الحسن العسقلاني (6) عن أبي جعفر بن محمد بن (7) علي بن ركانة ، أو محمد بن علي بن ركانة (8) عن أبيه أن ركانة (9) صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم قال ركانة : وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم (10) على القلانس » (11) .
وهذا يقتضي أنه حسن عند أبي داود ورواه الترمذي أيضا عن قتيبة وقال : غريب وليس إسناده بالقائم، ولا نعرف أبا الحسن، (12) ولا ابن ركانة (13) .
وهذا القدر لا يمنع أن يعتضد بهذا الحديث ويستشهد به ، وهذا بين في أن مفارقة المسلم المشرك في اللباس أمر مطلوب للشارع (14) كقوله : « فرق (15) ما بين الحلال والحرام الدف والصوت » (16) فإن التفريق بينهما مطلوب في الظاهر ، إذ الفرق بالاعتقاد والعمل بدون العمامة (17) حاصل فلولا أنه مطلوب بالظاهر أيضا لم يكن فيه فائدة .
_________
(1) الحديث مر (ص 272).
(2) انظر : تهذيب التهذيب (5 / 373 ـ 379) ؛ وميزان الاعتدال (2 / 477) ؛ وتذكرة الحفاظ (1 / 239) .
(3) في (أ) : قال : حدثنا.
(4) في (أ) : قال : حدثنا.
(5) هو : محمد بن ربيعة الكلابي، الرؤاسي الكوفي ، أبو عبد الله ، ابن عم وكيع، وثقة أكثر أئمة الحديث والجرح، كابن معين والدارقطني وابن حبان وأبو داود وغيرهم، يعد من الطبقة التاسعة من الكوفيين . انظر : تهذيب التهذيب (9 / 162، 163) ، ترجمة رقم (235).
(6) قال بن حجر في تقريب التهذيب : أبو الحسن العسقلاني مجهول ، من السابعة « انظر : تقريب التهذيب (2 / 412) ، ترجمة رقم (41) الكنى ح .
(7) وكذلك أبو جعفر بن محمد بن علي بن ركانة، قال ابن حجر : مجهول من السادسة « تقريب التهذيب (2 / 406)، (ت 14).
(8) هو : محمد بن علي بن يزيد بن ركانة ، صدوق ، من الطبقة السادسة ، أخرج له أبو داود ، . انظر : تقريب التهذيب (2 / 193).
(9) هو الصحابي الجليل : ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب القرشي، وهو الذي صارعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرتين أو ثلاثا ، وكان من أشد قريش، أسلم مع مسلمة الفتح، ، ثم نزل المدينة، وروى عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحاديث ، توفي في خلافة عثمان ، وقيل : سنة (42 هـ) . انظر : أسد الغابة (2 / 187، 188).
(10) في المطبوعة : بالعمائم ، الصحيح ما أثبته كما في أبي داود.
(11) أخرجه أبو داود ، في سننه، كتاب اللباس ، باب في العمائم ، حديث رقم (4078) ، (4 / 340، 341) والقلانس جمع قلنسوة ، وهي لباس يكون تحت العمامة يشبه الطاقية، وإن صح الحديث فإنه يفيد أن المشركين يلبسون العمائم دون أن تكون تحتها قلانس، وأن المسلمين مأمورون بمخالفتهم فيكون لبس العمامة على القلنسوة من السنة، والله أعلم.
(12) في المطبوعة : العسقلاني ، وكذلك في الترمذي (4 / 248).
(13) انظر : سنن الترمذي، كتاب اللباس، باب العمائم على القلانس ، حديث رقم (1784)،(4 / 247)، وقال في الحديث كما ذكر المؤلف إلا أن فيه زيادة « هذا حديث حسن غريب » وقال بعد أبي الحسن « العسقلاني » (4 / 248) كما أشرت آنفا .
(14) في (أ) زاد : بدون العمامة : وهو خلط من الناسخ فقد أسقطها في محلها (بعد سطرين).
(15) في المطبوعة : فصل : وكذلك في الترمذي (3 / 398) .
(16) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب النكاح ، باب ما جاء في إعلان النكاح، عن محمد بن حاطب الجمحي ، ، قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم « فصل ما بين الحلال . » إلخ الحديث ، حديث رقم (1088) ، (3 / 398) وقال الترمذي : « حديث محمد بن حاطب حديث حسن » وقال : « وفي الباب عن عائشة وجابر والربيع بنت معوذ » (3 / 398) . كما أخرجه أحمد في المسند (3 / 418) ، (4 / 77) . وابن ماجه في كتاب النكاح ، باب إعلان النكاح، حديث رقم (1896) ، (1 / 611) ؛ والنسائي في كتاب النكاح، باب إعلان النكاح بالصوت وضرب الدف (2 / 6 / 127) بشرح السيوطي وحاشية السندي.
(17) بدون العمامة : ساقطة من (أ) ، وقد زادها قبل سطرين كما أشرت.

(1/218)


وهذا كما أن الفرق بين (1) الرجال والنساء لما (2) كان مطلوبا ظاهرا وباطنا « لعن (3) المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء وقال : أخرجوهم من بيوتكم » (4) ونفى المخنث (5) لما كان رجلا متشبها في الظاهر بغير (6) جنسه وأيضا عن أبي غطفان المري (7) قال (8) : سمعت عبد الله بن عباس رضي الله (9) عنهما يقول : حين « صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا : يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع . قال : فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم » رواه مسلم في صحيحه (10) .
وروى الإمام (11) أحمد عن ابن عباس (12) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه (13) اليهود وصوموا قبله يوما (14) (15) ، أو بعده يوما » .
ورواه سعيد (16) بالإسناد ولفظه : « صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود وصوموا يوما قبله ، أو يوما بعده » والحديث (17) رواه ابن أبي ليلى (18) عن داود بن علي (19) عن أبيه عن جده ابن عباس (20) .
_________
(1) في (ط) : من الرجال والنساء.
(2) لما : سقطت من (أ).
(3) في المطبوعة : صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(4) أخرجه البخاري عن ابن عباس قال : « لعن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال : » أخرجوهم من بيوتكم « قال : فأخرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلانا وأخرج عمر فلانة » كتاب اللباس ، باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت . حديث رقم (5886) من فتح الباري ، (10 / 333) . وأحاديث النهي عن تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال مشهورة مستفيضة في سائر الصحاح والسنن والمسانيد، وأفرد لها العلماء أبوابا في كتب الحديث والفقه وغيرها.
(5) نفس المصدر السابق.
(6) في (أ ب ط) : بغير بني جنسه، والمخنث هو : الذي يتشبه بالنساء في حركاته وكلامه ولباسه ونحو ذلك . انظر : فتح الباري (9 / 334) .
(7) هو أبو غطفان بن طريف ـ وقيل ابن مالك ـ المري قيل : اسمه سعد ، كان كاتب عثمان رضي الله عنه ـ ، ثم كتب لمروان ـ وكان قليل الحديث ، وهو مدني ثقة ، عده ابن سعد من الطبقة الثانية ، وقال ابن حجر : من كبار الثالثة . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (5 / 176) ، وانظر : تقريب التهذيب (2 / 461) ، ترجمة رقم (18) الكنى.
(8) قال : سقطت من المطبوعة.
(9) رضي الله عنهما) سقطت من (أ د ط).
(10) انظر : صحيح مسلم ، كتاب الصيام ، باب أي يوم يصام عاشوراء ، حديث رقم (1133)، (2 / 797، 798) .
(11) في (ب) قال : وروى أحمد.
(12) في (ب) : رضي الله عنهما.
(13) فيه : سقطت من (أ ب ط).
(14) في (أ ب ط) قال : وبعده يوما : وهو خطأ ، وفي المطبوعة : يوما قبله أو يوما بعده، وفي المسند كما أثبته.
(15) مسند الإمام أحمد (1 / 241) في مسند ابن عباس.
(16) هو : سعيد بن منصور.
(17) كذا في (أ ط) : وفي (ج د ب) والمطبوعة : والحديث الذي رواه . إلخ « والصحيح ما أثبته ؛ لأن هذا السند هو الذي خرجه به أحمد في هذا الحديث الذي ساقه آنفا.
(18) هو : محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلي الأنصاري الكوفي ، أبو محمد، قاضي الكوفة ، الفقيه، ضعفه أحمد بن حنبل ، وقال : كان فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه ، وقال ابن خزيمة، ليس بالحافظ وإن كان فقيها عالما، وهذا رأي سائر أهل الحديث قالوا بأنه عالم فاضل صدوق لكن شغله القضاء فساء حفظه . انظر : تهذيب التهذيب (9 / 301، 303) ، ترجمة (501).
(19) هو : داود بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي ، تولى إمارة مكة والمدينة وغيرهما كما تولى موسم الحج، مقبول الحديث ، توفي وهو أمير على المدينة سنة (133 هـ) وعمره (52) سنة، انظر تقريب التهذيب (1 / 233) ترجمة رقم (29).
(20) هذا هو سند الحديث الذي ذكر الشيخ هنا أن أحمد رواه عن ابن عباس ـ كما ذكرت ـ راجع المسند (1 / 241).

(1/219)


فتدبر هذا يوم عاشوراء يوم فاضل يكفر (1) سنة ماضية (2) صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه ورغب فيه ، ثم لما قيل له قبيل وفاته : إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى . أمر بمخالفتهم بضم يوم آخر إليه ، وعزم على ذلك (3) .
ولهذا استحب العلماء منهم الإمام أحمد أن يصوم تاسوعاء وعاشوراء ، وبذلك عللت الصحابة رضي الله عنهم .
قال سعيد بن منصور : حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار ، سمع عطاء سمع (4) ابن عباس رضي الله عنهما (5) يقول : صوموا التاسع والعاشر ، خالفوا اليهود (6) .
وأيضا عن ابن (7) عمر رضي الله عنهما (8) ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إنّا أمة أمية ؛ لا نكتب ولا نحسب، الشهر : هكذا وهكذا » . يعني مرة : تسعة وعشرين، ومرة : ثلاثين . رواه البخاري ومسلم (9) .
فوصف هذه الأمة بترك الكتاب (10) والحساب الذي يفعله غيرها من الأمم في أوقات عبادتهم وأعيادهم، وأحالها على الرؤية حيث قال- في غير حديث- : « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » (11) وفي رواية : « صوموا من الوضح إلى الوضح » (12) أي من الهلال إلى الهلال (13) .
_________
(1) في (ب) : يكفر فيه ، وفي المطبوعة : يكفر صيامه.
(2) ورد في الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال عن يوم عاشوراء : « أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله » وهو جزء من حديث رواه مسلم في كتاب الصيام ، باب (36) ،حديث رقم (1162) ، (2 / 818) .
(3) في المطبوعة : على فعل ذلك.
(4) في المطبوعة : عن ابن عباس.
(5) رضي الله عنهما : سقطت من (ج د) والمطبوعة .
(6) أخرجه البيهقي (4 / 287) . وعبد الرزاق في المصنف (4 / 287) وهو صحيح الإسناد ، فعبد الرزاق رواه عن ابن جريح ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، وكلهم ثقات . انظر : تقريب التهذيب، ترجمة عبد الرزاق (1 5 ) ، وترجمة ابن جريج (1 / 520) وترجمة عطاء بن أبي رباح الراوي عن ابن عباس هنا (2 / 22).
(7) في المطبوعة : عن عمر، وهو خلاف النسخ المخطوطة، وخلاف البخاري ومسلم، فهو عن ابن عمر كما أثبته .
(8) رضي الله عنهما : سقطت من (ج د) .
(9) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « لا نكتب ولا نحسب » ، حديث رقم (1913) من فتح الباري (4 / 136)، وصحيح مسلم، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان برؤية الهلال . . إلخ، تابع حديث رقم (1080) ، (2 / 761) .
(10) في المطبوعة : الكتابة .
(11) أخرجاه في الصحيحين، وهو مستفيض في سائر كتب السنة . انظر : صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا » ، حديث رقم (1909) من فتح الباري (4 / 119) . وصحيح مسلم، كتاب الصوم، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال . . إلخ، تابع حديث رقم (1080) ، (2 / 759) .
(12) ذكره السيوطي في الجامع الصغير (2 / 103)، وقال : (طب)، (ح)، أي : رواه : الطبراني في الكبير، هو حديث حسن .
(13) من الهلال إلى الهلال : سقطت من (ب أ ط) .

(1/220)


وهذا : دليل على ما أجمع عليه المسلمون- إلا من شذ من بعض المتأخرين المخالفين (1) المسبوقين بالإجماع- من أن مواقيت الصوم والفطر والنسك إنما تقام بالرؤية عند إمكانها، لا بالكتاب والحساب، الذي تسلكه الأعاجم من الروم والفرس، والقبط، والهند، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى .
وقد روي عن (2) غير واحد من أهل العلم : أن أهل الكتابين قبلنا إنما أمروا بالرؤية - أيضا - في صومهم وعباداتهم، وتأولوا على ذلك قوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } (3) ولكن أهل الكتابين بدّلوا .
ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تقدم رمضان باليوم واليومين (4) ، وعلل الفقهاء ذلك بما يخاف من أن يزاد في الصوم المفروض ما ليس منه (5) ، كما زاده أهل الكتاب، من النصارى، فإنهم زادوا في صومهم، وجعلوه فيما بين الشتاء والصيف، وجعلوا له طريقة من الحساب يتعرفونه (6) بها .
وقد يستدل بهذا الحديث، على خصوص النهي عن أعيادهم، فإن أعيادهم معلومة بالكتاب والحساب، والحديث فيه عموم .
_________
(1) في (أ ط) : الخالفين .
(2) في المطبوعة : وقد روى غير واحد.
(3) سورة البقرة : من الآية 183 .
(4) أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : « لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلَّا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم » ، وهذا لفظ البخاري في كتاب الصوم، باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين، حديث (1914) من فتح الباري ، (4 / 127 ـ 128)، ولفظ مسلم : « لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلَّا رجلا كان يصوم صوما فليصمه » ، صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين ، حديث رقم (1082) ، (2 / 762) . ورواه سائر أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد .
(5) في (أ) : فيه .
(6) في (أ) : يتعرفونه، وهو تحريف من الناسخ، وفي (ط) : يعرفونه .

(1/221)


أو يقال : إذا نهينا عن ذلك في عيد الله ورسوله، ففي غيرها (1) من الأعياد والمواسم أولى وأحرى، ولما (2) في ذلك من مضارعة الأمة الأمية سائر الأمم . وبالجملة فالحديث يقتضي اختصاص هذه الأمة بالوصف الذي فارقت به غيرها، وذلك يقتضي أن ترك المشابهة للأمم (3) أقرب إلى حصول الوفاء بالاختصاص .

وأيضا ففي الصحيحين عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف (4) أنه سمع معاوية (5) عام حج على المنبر، وتناول قُصة (6) من شَعر كانت في يد حرسي (7) ، فقال : " يا أهل المدينة، أين علماؤكم ؟ سمعت رسول (8) الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه ويقول : « إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم » (9) وفي رواية سعيد بن المسيب - في الصحيح - أن معاوية قال ذات يوم : " إنكم أحدثتم (10) زي سوء، وإن نبي الله (11) صلى الله عليه وسلم نهى عن الزور " ، قال : وجاء رجل بعصا على رأسها خرقة . قال معاوية : " ألا وهذا الزور " .
قال قتادة : " يعني ما يكثر به النساء أشعارهن من الخرق " (12) .
وفي رواية عن ابن المسيب - في الصحيح - قال : " قدم معاوية المدينة، فخطبنا، وأخرج كبة من شعر، فقال : ما كنت أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه، فسماه الزور " .
_________
(1) في المطبوعة : غيره، وهو أقرب للسياق .
(2) في (ب) والمطبوعة : أو لما .
(3) في (أ ط) : مشابهة الأمم .
(4) هو : حميد بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة القرشي، من الطبقة الثانية، من التابعين، مدني ثقة، مات سنة (105هـ)، وقال ابن سعد : (95هـ)، وعمره (73) سنة . انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد (5 / 153، 154) ؛ وتقريب التهذيب (1 / 203)، ترجمة رقم (603) ح .
(5) في (ب) : رضي الله عنه .
(6) في (ج د) : قبضة، وأظنه تصحيف من النساخ .
(7) الحرسي : الذي يتولى الحراسة ونحوها، وفي (ط) : حرشي، وفي (أ) : يدي حرسي .
(8) في (ج د ط) : النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي البخاري كما أثبته .
(9) الحديث مروي في الصحيحين وقد مر تخريجه من مسلم (ص 133)، وهذا اللفظ للبخاري، كتاب اللباس، باب وصل الشعر، حديث رقم (5932) ، (10 / 373) من فتح الباري .
(10) في المطبوعة : اتخذتم، وفي مسلم كما هو مثبت .
(11) في المطبوعة : النبي، وفي صحيح مسلم كما هو مثبت .
(12) أخرج هاتين الروايتين عن ابن المسيب : مسلم في صحيحه، مع حديث حميد بن عبد الرحمن الذي أخرجه البخاري أيضا . انظر : صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، حديث رقم (2127) ، (3 / 1679)، وقد ذكر فيه جميع الروايات التي سردها المؤلف هنا .

(1/222)


فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم (1) عن وصل الشعر : " أن بني إسرائيل هلكوا حين أحدثه نساؤهم " يحذر أمته مثل ذلك، ولهذا قال معاوية : " ما كنت أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود " .
فما كان من زي اليهود، الذي لم يكن عليه المسلمون : إما أن يكون مما يعذبون عليه، أو مظنة لذلك، أو يكون تركه حسما لمادة ما عذبوا عليه، لا سيما إذا لم يتميز ما هو الذي عذبوا عليه من غيره، فإنه يكون قد اشتبه المحظور بغيره، فيترك الجميع كما أن ما يخبرونا (2) به (3) لَمَّا اشتبه صدقه بكذبه : ترك الجميع .
وأيضا ما (4) روى نافع عن ابن عمر (5) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قال : قال عمر - : « إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن (6) له إلا ثوب فليتزر به (7) ، ولا يشتمل اشتمال اليهود » رواه أبو داود وغيره، بإسناد صحيح (8) .
وهذا المعنى صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، من رواية جابر وغيره أنه : « أمر في الثوب الضيق، بالاتزار دون الاشتمال » . (9) وهو قول جمهور أهل العلم، وفي مذهب أحمد قولان (10) .
_________
(1) النبي : ساقطة من (أ) .
(2) أي أهل الكتاب، وفي المطبوعة : يخبرون .
(3) به : سقطت من (أ) .
(4) في (ب) : لما روى .
(5) في (ب) : رضي الله عنهما .
(6) في (أ ج د ط) والمطبوعة : فإن لم يكن له إلا ثوب، وفي (ب) وأبي داود كما هو مثبت .
(7) به : سقطت من (ج د) .
(8) انظر : سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب إذا كان الثوب ضيقا يتزر به، حديث رقم (635) ، (1 / 418) واشتمال اليهود فسَّره الخطابي بقوله : « هو أن يجلل بدنه الثوب ويسبله من غير أن يشيل طرفه » . انظر : معالم السنن في هامش سنن أبي داود (1 / 418) .
(9) انظر : صحيح مسلم، كتاب اللباس، باب النهي عن اشتمال الصماء، حديث رقم (2099)، (3 / 1661) ؛ وصحيح البخاري، كتاب اللباس، باب (20، 21)، الأحاديث من (5819 - 5822) من فتح الباري (10 / 278 - 279) ؛ وسنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب إذا كان الثوب ضيقا، حديث رقم (634) ، (1 / 417) .
(10) انظر : الإنصاف (1 / 469 - 470) .

(1/223)


وإنما الغرض : أنه قال : « لا يشتمل اشتمال اليهود » فإن إضافة (1) المنهي عنه إلى اليهود، دليل على أن لهذه الإضافة تأثيرا في النهي، كما تقدم التنبيه عليه .
وأيضا فمما (2) نهانا الله سبحانه فيه (3) عن مشابهة أهل الكتاب، وكان حقه أن يقدم في دلائل (4) الكتاب : قوله سبحانه : { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } (5) .
فقوله : ولا يكونوا مثلهم (6) ، نهي مطلق عن مشابهتهم (7) ، وهو خاص أيضا في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي .
_________
(1) إضافة : ساقطة من المطبوعة .
(2) في (ج د) : مما .
(3) في (ب ط) : مما نهانا عنه سبحانه عن مشابهة . . إلخ .
(4) كذا في جميع النسخ المخطوطة . وفي المطبوعة : أوائل الكتاب . ولعله يقصد بدلائل الكتاب : ما مر من الاستدلال من كتاب الله على النهي عن مشابهة الكفار وأهل الكتاب (ص 93)، وكذلك قوله : أوائل الكتاب ؛ فالقصد واحد .
(5) سورة الحديد : من الآية 16، وفي المطبوعة أكمل الآية .
(6) لعله يقصد مفهوم الآية، وإلا فليس هذا نصها . لذلك قال في المطبوعة : (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) وهو نص الآية .
(7) هذه الجملة وما بعدها وهي : « مشابهتهم وهو خاص أيضا في النهي عن » : سقطت من (د) .

(1/224)


وقد وصف الله سبحانه بها اليهود في غير موضع، فقال تعالى : { فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }{ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } (1) { وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } (2) وقال تعالى : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } (3) إلى قوله : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ
_________
(1) في (ب) وقف هنا، وقال : الآية . وأظنه اختصار من الناسخ .
(2) سورة البقرة : الآيتان 73، 74 .
(3) في المطبوعة : سرد الآية .

(1/225)


مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (1) .
وإن قوما من هذه الأمة، ممن ينسب إلى علم أو دين (2) ، قد (3) أخذوا من هذه الصفات (4) بنصيب، يرى ذلك من له بصيرة، فنعوذ بالله من كل ما يكرهه الله ورسوله، ولهذا : كان السلف يحذرونهم (5) هذا .
فروى البخاري - في صحيحه - عن أبي الأسود (6) قال : " بعث أبو موسى إلى قراء البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن، فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه، ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسو قلوبكم، كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا (7) نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتها، غير أني حفظت منها : (لو كان لابن آدم واديان من مال (8) لابتغى (9) واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) . وكنا نقرأ سورة كنا (10) نشبهها بإحدى المسبحات، فأنسيتها، غير أني حفظت منها : (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة) . (11) " .
فحذر أبو موسى القراء عن (12) أن يطول عليهم الأمد، فتقسو قلوبهم .
_________
(1) سورة المائدة : الآيتان 12، 13 .
(2) في (أ) : إلى علم ودين .
(3) في (ب) : لقد .
(4) أي من الصفات التي اتصف بها أهل الكتاب وغيرهم من الأمم التي ضلت، مثل قسوة القلوب والاختلاف، والرهبانية وتحريف كلام الله، وغير ذلك مما سيذكره المؤلف .
(5) في المطبوعة : يحذرون .
(6) هو : أبو الأسود الدؤلي - أو الديلي - واسمه : ظالم بن عمرو بن سفيان، من بني عدي بن الديل، البصري القاضي، أول من وضع علم النحو بأمر من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يقال : إنه أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قاتل مع علي يوم الجمل، وصفوه بأنه ذو دين وعقل ولسان وبيان وفهم وذكاء وحزم، وهو من ثقات التابعين، توفي سنة(69هـ)، وعمره (85) سنة . انظر : تهذيب التهذيب (12 / 10، 11) ، ترجمة رقم (52) الكنى .
(7) كنا : ساقطة من المطبوعة، وفي مسلم كما هو مثبت .
(8) في المطبوعة : من ذهب . وفي مسلم كما هو مثبت .
(9) في (ب) : لابتغى لهما .
(10) كنا : سقطت من (ب) .
(11) هذا الحديث لم أجده بطوله في البخاري، إنما أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثا، حديث رقم (1050) ، (2 / 726)، بهذا اللفظ، وإنما أخرج البخاري جزءا منه عن ابن عباس وعبد الله بن الزبير وأنس، ولفظ رواية ابن عباس : « لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب » ، والروايات الأخرى قريبة، من هذا مع اختلاف يسير في الألفاظ والسياق . انظر : صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يتقى من فتنة المال، الأحاديث رقم (6436، 6437، 6438، 6439، 6440) ، (11 / 253) من فتح الباري .
(12) عن : ساقطة من المطبوعة .

(1/226)


ثم لما كان نقض الميثاق يدخل فيه نقض ما عهد إليهم من الأمر والنهي، وتحريف الكلم عن مواضعه، بتبديل (1) وتأويل كتاب الله أخبر ابن مسعود (2) بما يشبه ذلك .
_________
(1) في (أ ب ط) : تبديل تأويل، وفي المطبوعة : وتبديل وتأويل .
(2) في المطبوعة : رضي الله عنه .

(1/227)


فروى الأعمش ، عن عمارة بن عمير (1) ، عن الربيع بن (2) عميلة الفزاري (3) (4) حدثنا عبد الله (5) حديثا ما سمعت حديثا هو أحسن منه إلا كتاب الله، أو رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (6) « إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم، اشتهته قلوبهم، واستحلته (7) أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، فقالوا اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، ثم قالوا : لا، بل أرسلوا إلى فلان رجل من علمائهم، فاعرضوا عليه هذا الكتاب، فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده (8) وإن خالفكم فاقتلوه، فلن يختلف عليكم بعده (9) أحد، فأرسلوا إليه، فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله، ثم جعلها في قرن، ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليها الثياب، ثم أتاهم فعرضوا عليه الكتاب، فقالوا : أتؤمن بهذا ؟ فأوما إلى صدره فقال : آمنت بهذا، ومالي لا أومن بهذا ؟ - يعني الكتاب الذي في القرن- فخلوا سبيله وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات نبشوه فوجدوا القرن، فوجدوا (10) فيه الكتاب، فقالوا : ألا ترون قوله : آمنت بهذا، وما لي (11) لا أومن بهذا ؟ إنما عنى هذا
_________
(1) هو : عمارة بن عمير التيمي الكوفي، من الطبقة الرابعة، قال ابن حجر : ثقة، ثبت، مات بعد المائة، وقيل : قبلها بسنتين . انظر : تقريب التهذيب (2 / 50)، ترجمة (377) ع .
(2) في المطبوعة : بن أبي عميلة، وهو خلاف ما جاء في النسخ الأخرى وتهذيب التهذيب .
(3) هو : الربيع بن عميلة الفزاري الكوفي، ذكر في تهذيب التهذيب أن ابن معين وابن حبان وابن سعد والعجلي، وثقوه . انظر : تهذيب التهذيب (3 / 249، 250) ، وترجمة رقم (476) .
(4) الفزاري : ساقطة من (أ ط) .
(5) يعني ابن مسعود رضي الله عنه .
(6) في المطبوعة : قال .
(7) في (أ) : واستحبته .
(8) بعده : سقطت من (أ) .
(9) في (ط) : أحد بعده .
(10) في (أ ط) : ووجدوا .
(11) لا : ساقطة من (أ) .

(1/228)


الكتاب، فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة، وخير مللهم : أصحاب ذي القرن، » قال عبد الله : " وإن من بقي منكم سيرى منكرا، وبحسب امرئ يرى (1) منكرا لا يستطيع أن يغيره، أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره " (2) .
ولما نهى (3) الله عن التشبه بهؤلاء الذين قست قلوبهم، ذكر أيضا في آخر السورة حال الذين ابتدعوا الرهبانية، فما رعوها حق رعايتها فعقبها بقوله : (4) { اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }{ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } (5) { وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } (6) فإن الإيمان بالرسول : (7) تصديقه وطاعته (8) واتباع شريعته، وفي ذلك مخالفة للرهبانية ؛ لأنه لم يبعث بها، بل نهى عنها، وأخبر : أن من اتبعه (9) كان له أجران، وبذلك جاءت (10) الأحاديث الصحيحة، من طريق ابن عمر وغيره، في مثلنا ومثل أهل الكتاب .
_________
(1) في (أ) : رأى .
(2) ذكر ابن جرير الطبري هذا مختصرا في تفسيره جامع البيان، والمشهور بتفسير الطبري في تفسير سورة الحديد، عند قوله تعالى : « أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ » سورة الحديد : من الآية 16، (27 / 132)، وذكره ابن كثير بطوله مع اختلاف يسير في ألفاظه، عن ابن أبي حاتم بسنده عن ابن مسعود . انظر : تفسير ابن كثير (6 / 559، 560)، طبعة دار الأندلس المحققة (1385هـ) في تفسير الآية المشار إليها .
(3) في (ط) : ولما نهى سبحانه .
(4) في المطبوعة : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله . . إلخ الآيات .
(5) من هنا إلى قوله : فإن الإيمان بالرسول (سطر تقريبا) : سقط من (أ ط) .
(6) سورة الحديد : الآيتان 28، 29 .
(7) في المطبوعة : هو تصديقه .
(8) في (أ) : وإطاعته .
(9) في المطبوعة زاد : من أهل الكتاب .
(10) جاءت : ساقطة من (أ) .

(1/229)


وقد صرح صلى الله عليه وسلم بذلك (1) فيما رواه أبو داود في سننه، من حديث ابن وهب (2) ، أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء (3) : أن سهل بن أبي أمامة (4) حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : « لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات (5) ، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم » (6) .
هذا (7) الذي في رواية اللؤلؤي (8) عن أبي داود ، وفي رواية ابن داسة (9) عنه : " أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، في زمان عمر بن عبد العزيز (10) ، وهو أمير بالمدينة، فإذا هو يصلي صلاة خفيفة، كأنها صلاة المسافر (11) ، أو قريبا منها، فلما سلم قال : يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفلته ؟ قال : إنها (12) للمكتوبة، وإنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقول : « لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله (13) عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله (14) عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات (15) رهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم » .
_________
(1) بذلك : ساقطة من (أ) .
(2) هو : عبد الله بن وهب، كذا في أبي داود، وهو القرشي، مولاهم، مرت ترجمته . انظر : فهرس الأعلام .
(3) هو : سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء الكناني المصري، قال ابن حجر في التقريب : « مقبول، من السابعة » . انظر : تقريب التهذيب (1 / 300)، ترجمة رقم (213) سعيد .
(4) هو : سهل بن أبي أمامة : وأبو أمامة : أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري، الأوسي . ذكر ابن حجر عن ابن معين والعجلي وابن حبان أنه ثقة، توفي بالإسكندرية . انظر : تهذيب التهذيب (4 / 246 - 247) ، (ت 422) س .
(5) في (أ) : والديار .
(6) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في الحسد، حديث رقم (4904) ، (5 / 209 - 210)، وللحديث بقية في بعض نسخ أبي داود، وسيذكرها المؤلف هنا، وسمى هذه : رواية اللؤلؤي .
(7) من هنا : قوله : ( هذا الذي في رواية اللؤلؤي . . ) إلى نهاية قوله : (ما كتبناها عليهم) ص 297 : سقطت من (ج)، أي أنه أدخل قوله : ثم غدا من الغد . . إلخ في رواية اللؤلؤي، بينما أهمل رواية ابن داسة، وأظنه خلطا من الناسخ .
(8) اللؤلؤي هو : محمد بن أحمد بن عمر البصري، اللؤلؤي، أبو علي، هو آخر من روى عن أبي داود سننه . انظر : اللباب في تهذيب الأنساب (3 / 134)، باب اللام والواو .
(9) هو : محمد بن أبي بكر بن عبد الرزاق بن داسة التمار، تلميذ أبي داود، وهو واللؤلؤي - السابقة ترجمته - اللذان يرويان عن أبي كتابه السنن، توفي سنة (346هـ) . انظر : ترجمة أبي داود في مقدمة سننه التي أعدها عزت الدعاس (1 / 8)، وانظر : شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (2 / 373) .
(10) هو : الخليفة العادل، أمير المؤمنين، عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، ويسمى : الخليفة الراشد الخامس ؛ لصلاحه وعدله، ولد بالمدينة المنورة سنة (61هـ)، وتولى إمارتها في عهد الوليد بن الملك، ثم استوزره سليمان بن عبد الملك بالشام، وعهد إليه بالخلافة بعد وفاته سنة (99هـ)، فرفع المظالم وولى على الناس خيارهم وعم في عهده الأمن والرخاء والعدل رغم قصر عهده ، توفي سنة (101هـ) . انظر : البداية والنهاية (9 / 192 - 196) ؛ والأعلام للزركلي (5 / 50) .
(11) في (أ ط) : مسافر .
(12) في (أ) : المكتوبة .
(13) في (أ ب ط) : لم يذكر اسم الجلالة .
(14) في (أ ب ط) : لم يذكر اسم الجلالة .
(15) في (أ ط) : والديار، والصحيح ما أثبته، والديارات هي دور الرهبان والراهبات من النصارى . انظر : المعجم الوسيط (1 / 306)، والقاموس المحيط، فصل الدال، باب الراء، (2 / 34) .

(1/230)


ثم غدا من الغد، فقال : ألا تركب لتنظر ولتعتبر (1) ؟ قال : نعم، فركبوا (2) جميعا، فإذا بديارٍ بادَ أهلها وانقضوا وفنوا، خاوية على عروشها، قال : أتعرف هذه الديار ؟ فقال : نعم، ما (3) أعرفني بها وبأهلها، هؤلاء أهل ديار أهلكهم الله (4) ببغيهم وحسدهم ؛ إن الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه، والعين تزني والكف، والقدم، والجسد، واللسان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه (5) .
فأما سهل بن أبي أمامة ، فقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وروى له (6) مسلم وغيره . أما ابن أبي العمياء ، فمن أهل بيت المقدس ما أعرف حاله (7) ،لكن رواية أبي داود للحديث، وسكوته عنه : يقتضي أنه حسن عنده، وله شواهد في الصحيح (8) .
فأما ما فيه من وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالتخفيف : ففي الصحيحين عنه - أعني : أنس بن مالك - قال : " كان النبي (9) صلى الله عليه وسلم يوجز الصلاة ويكملها " (10) .
وفي الصحيحين أيضا عنه قال : " ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة، ولا أتم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم " . زاد البخاري : " وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف، مخافة أن تفتتن أمه " (11) .
_________
(1) في (ب ط) : لننظر ونعتبر، وفي المطبوعة : وننظر لنعتبر، وفي أبي داود كما أثبته .
(2) في المطبوعة : فركبا .
(3) في (أ ب ط) : فقال : ما أعرفني، وفي أبي داود : فقلت : ما أعرفني .
(4) في (أ ط) : أهلكهم البغي والحسد، وكذلك أبي داود .
(5) هذا هو الحديث السابق الذي أشرت إليه في سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في الحديث، حديث رقم (4904) ، (5 / 209، 210) .
(6) له : سقطت من (أ) .
(7) ذكرت أن ابن حجر قال : مقبول . وقال في التهذيب (4 / 57) : « ذكره ابن حبان في الثقات » .
(8) سيذكر المؤلف شيئا منها هنا .
(9) في (أ) : رسول الله .
(10) رواه البخاري في كتاب الأذان، باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها، حديث رقم (706) من فتح الباري، (2 / 201) . ومسلم في كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، حديث رقم (469) ، (1 / 342)، ولفظه : « عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم كان يوجز في الصلاة ويتم » ، وفي لفظ : « أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان من أخف الناس صلاة في تمام » .
(11) انظر : صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي، حديث رقم (708) من فتح الباري (1 / 201، 202) ؛ وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، تحت الرقم السابق (469) (1 / 342)، وفيه الزيادة التي أشار الشيخ هنا أنها في البخاري ولفظها في مسلم : « كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة » .

(1/231)


وما ذكره أنس بن مالك من التخفيف : هو (1) بالنسبة إلى ما كان يفعله بعض الأمراء وغيرهم في قيام الصلاة، فإن منهم من كان يطيل القيام (2) زيادة على ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في غالب الأوقات، ويخفف (3) الركوع والسجود والاعتدال فيهما (4) عما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في غالب الأوقات، ولعل أكثر الأئمة، أو كثيرا منهم، كانوا قد صاروا يصلون كذلك، ومنهم من كان (5) يقرأ في الأخيرتين (6) مع الفاتحة، سورة، وهذا كله قد صار مذاهب لبعض الفقهاء، وكان الخوارج أيضا قد تعمقوا وتنطعوا كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : « يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم » (7) .
ولهذا لما صلى علي (8) رضي الله عنه بالبصرة قال عمران (9) (10) : " لقد أذكرني (11) هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " (12) .
وكانت صلاة رسول (13) الله صلى الله عليه وسلم معتدلة : كان يخفف القيام والقعود، ويطيل الركوع والسجود .
_________
(1) في المطبوعة : فهو .
(2) القيام : ساقطة من المطبوعة .
(3) في (ب) : وتخفيف .
(4) فيهما : ساقطة من (المطبوعة) .
(5) كان : ساقطة من (أ ط) .
(6) في المطبوعة : بالأخريين، وفي (ط) : في الأخريين .
(7) هذا جزء من حديث ورد في الصحيحين وغيرهما : انظر : صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، حديث رقم (3610) من فتح الباري ، (6 / 617) ؛ وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، حديث رقم (148) ، (2 / 744) .
(8) في المطبوعة : ابن أبي طالب .
(9) في المطبوعة : ابن حصين .
(10) هو الصحابي الجليل : عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي الكعبي، أبو نجيد، أسلم عام خيبر وغزا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عدة غزوات، وبعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة يفقه أهلها، وتولى قضاء البصرة في عهد عبد الله بن عامر، ثم استعفى فأعفاه، وكان مجاب الدعوة، ولم يشهد الفتنة، توفى سنة (52هـ) . انظر : أسد الغابة (4 / 137، 138) .
(11) في (أ) : ذكرني .
(12) قول عمران في صلاة علي ورد في البخاري في أكثر من موضع وبألفاظ . انظر : الأحاديث في فتح الباري، رقم (784) و (786) و (826) .
(13) في (أ ط) : النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

(1/232)


وقد جاء هذا مفسرا، عن أنس بن مالك نفسه، فروى النسائي عن قتيبة (1) ، عن العطاف بن خالد (2) عن زيد بن أسلم (3) قال : " دخلنا على أنس بن مالك ، فقال : صليتم ؟ قلنا : نعم . قال : يا جارية، هلمي لي وضوءا، ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من إمامكم هذا - قال زيد - وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود (4) .
وهذا حديث صحيح، فإن العطاف بن خالد المخزومي قال فيه يحيى بن معين - غير مرة - : " هو ثقة " (5) . وقال أحمد بن حنبل : " هو من أهل مكة، ثقة صحيح الحديث، روى عنه نحو مائة حديث " (6) .
وقال ابن عدي : " يروي قريبا من مائة حديث، ولم أر بحديثه بأسا إذا حدث عنه ثقة " (7) .
وروى أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان (8) ، حدثني أبي عن وهب بن مانوس (9) ، سمعت سعيد بن جبير (10) يقول : " سمعت أنس بن مالك يقول : ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز - قال : فحزرنا (11) في ركوعه عشر تسبيحات ، وفي سجوده عشر تسبيحات " (12) .
_________
(1) هو : قتيبة بن سعيد الثقفي، ثقة . مرت ترجمته . انظر : فهرس الأعلام .
(2) هو : عطّاف بن خالد بن عبد الله بن العاص المخزومي، أبو صفوان، المدني، قال في تقريب التهذيب : « صدوق يهم، من السابعة، مات قبل مالك » . تقريب التهذيب (2 / 24) ، (ت 212) ع . وذكر المؤلف توثيق الأئمة له كأحمد وابن معين .
(3) هو : زيد بن أسلم العدوي، أبو عبد الله، أبوه مولى عمر بن الخطاب المدني، قال ابن حجر : « ثقة عالم، كان يرسل، من الثالثة » ، توفي سنة (136هـ) . انظر : تقريب التهذيب (1 / 272)، (ت 157) ز .
(4) سنن النسائي، كتاب الافتتاح، تخفيف القيام والقراءة، (2 / 166) .
(5) انظر : تهذيب التهذيب (7 / 221، 223)، ترجمة رقم (409)، وقد ذكر أن أحمد قال : « هو من أهل المدينة » .
(6) انظر : المصدر السابق .
(7) انظر : المصدر السابق .
(8) عرّفه المؤلف بما يكفي، وكذلك أبوه إبراهيم، ذكر عنهما الشيخ ما فيه غنى عن ترجمتهما .
(9) هو : العدني، ويقال : البصري . انظر : تهذيب التهذيب (11 / 166)، (ت 287) و، وقد تكلم عنه الشيخ أيضا بما يكفي .
(10) هو : سعيد بن جبير بن هشام الأسدي، مولاهم، الكوفي، أبو عبد الله، وقيل : أبو محمد، من أئمة السلف، من الطبقة الثالثة، ومن الفقهاء والعلماء الصالحين الثقات، وكان عابدا فاضلا ورعا، خرج مع ابن الأشعث على الحجاج والي بني أمية، فلما تمكن منه الحجاج قتله، وذلك سنة (95هـ) وعمره (49)، وقيل (47) سنة . انظر : تهذيب التهذيب (4 / 11 - 14) ، ترجمة (14) .
(11) حزرنا : قدرنا وخرصنا . انظر : مختار الصحاح، مادة (ح ر ز)، (ص 133) .
(12) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب مقدار الركوع والسجود، حديث رقم (888) ، (1 / 551) ؛ وسنن النسائي، كتاب الافتتاح، باب عدد التسبيح في السجود، (2 / 224، 225) ؛ ومسند أحمد (3 / 162، 163) ، وقد تكلم المؤلف عن إسناد الحديث بما يكفي .

(1/233)


وقال (1) يحيى بن معين : " إبراهيم بن عمر بن كيسان : يماني ثقة " (2) . وقال هشام بن يوسف : " أخبرني إبراهيم بن عمر ، وكان من أحسن الناس صلاة " (3) ؛ وابنه عبد الله قال فيه أبو حاتم : " صالح الحديث " (4) .
ووهب بن مانوس - بالنون - يقوله (5) عبد الله هذا (6) وكان عبد الرزاق (7) يقوله : بالباء المنقوطة بواحدة (8) من أسفل . وهو شيخ كبير (9) قديم، قد أخذ عنه إبراهيم هذا، واتبع ما حدثه (10) به، ولولا ثقته عنده لما عمل بما حدثه (11) به، وحديثه موافق لرواية زيد بن أسلم، وما أعلم فيه قدحا .

وروى مسلم في صحيحه، من حديث حماد بن سلمة، أخبرنا (12) ثابت (13) ، عن أنس (14) ، قال : " ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام، كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر رضي الله عنه (15) متقاربة، فلما كان عمر (16) رضي الله عنه، مد في صلاة الفجر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قال : سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول : (17) قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين، حتى نقول : (18) قد أوهم " (19) .
_________
(1) في (أ) : قال .
(2) انظر تهذيب التهذيب (1 / 147) ، (ت 263) .
(3) المصدر السابق .
(4) انظر : الجرح والتعديل (5 / 3) ، ترجمة رقم (11) .
(5) في (ج) : يقول .
(6) يقصد : عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان، المذكور آنفا .
(7) هو : عبد الرزاق بن همام الصنعاني، مرت ترجمته، انظر : فهرس الأعلام .
(8) في (أ) : واحدة، والمقصود أن عبد الرزاق يسميه : ابن بانوس .
(9) كبير : ساقطة من (أ ط) .
(10) في (ط ) : ما حدث .
(11) في (ط) : ما حدث به .
(12) في (أ) : أنا ثابت، أي : أنبانا .
(13) هو : ثابت بن أسلم البناني البصري، مرت ترجمته، انظر : فهرس الأعلام .
(14) في المطبوعة : بن مالك .
(15) رضي الله عنه : ساقطة من (أ ط) .
(16) في (ط) : بن الخطاب .
(17) في (ب) : يقول .
(18) في (ب) : يقول .
(19) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام، حديث رقم (473)، (1 / 344)، وأوهم : بمعنى غلط وسها . انظر : مختار الصحاح، مادة (و هـ م)، (ص 738) .

(1/234)


ورواه أبو داود، من حديث حماد بن سلمة، أنبأنا (1) ثابت وحميد، عن أنس بن مالك، قال : " ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال : " سمع الله لمن حمده قام " حتى نقول (2) قد أوهم . ثم يكبر ثم يسجد . وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم " (3) .
فجمع أنس رضي (4) الله عنه في هذا الحديث الصحيح، بين الإخبار بإيجاز النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصلاة وإتمامها، وبيّن أن من إتمامها الذي أخبر به : إطالة الاعتدالين، وأخبر في الحديث المتقدم : أنه ما رأى (5) أوجز من صلاته، ولا أتم .
فيشبه - والله أعلم - أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام، والإتمام إلى الركوع والسجود ؛ لأن القيام، لا يكاد يفعل إلا تاما، فلا يحتاج إلى الوصف بالإتمام، بخلاف الركوع والسجود والاعتدالين .
وأيضا، فإنه بإيجاز القيام، وإطالة الركوع والسجود تصير الصلاة تامة، لاعتدالها وتقاربها، فيصدق قوله : " ما رأيت أوجز ولا أتم " .
_________
(1) في (ط) : أخبرنا .
(2) في (أ ب) : يقول .
(3) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب طول القيام من الركوع، وبين السجدتين، حديث رقم (853)، (1 / 532) ورجاله ثقات .
(4) رضي الله عنه : ساقطة من (ب ج د) .
(5) في (ط) : ما روى، ولعله تحريف من الناسخ .

(1/235)


فأما إن أعيد الإيجاز إلى نفس ما أتم (1) والإتمام إلى نفس ما أوجز (2) ؛ فإنه يصير في الكلام تناقضا، لأن من طول القيام على قيامه (3) لم يكن دونه في إتمام القيام، إلا أن يقال : الزيادة في الصورة تصير (4) نقصا في المعنى، وهذا خلاف ظاهر اللفظ، فإن الأصل : أن يكون معنى الإيجاز والتخفيف غير معنى الإتمام والإكمال ؛ ولأن زيد بن أسلم قال : " كان عمر يخفف القيام والقعود، ويتم الركوع والسجود " فعلم أن لفظ الإتمام عندهم، هو إتمام الفعل الظاهر .
وأحاديث أنس كلها تدل (5) على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين، زيادة على ما يفعله (6) أكثر الأئمة . وسائر (7) روايات الصحيح تدل على ذلك .
ففي الصحيحين : عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال : " إني لا آلو أن أصلي بكم (8) كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا " .
قال ثابت : " فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه : وإذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما، حتى يقول القائل : قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة (9) مكث، حتى يقول القائل (10) : قد نسي " (11) .
وفي رواية - في الصحيح - : " وإذا رفع رأسه بين السجدتين " (12) .
_________
(1) في المطبوعة : إلى لفظ : لا أتم .
(2) في المطبوعة أيضا قال : إلى لفظ : لا أوجز .
(3) في المطبوعة : صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(4) في (ب) : يصير .
(5) في (ب) : يدل .
(6) في المطبوعة : فعله .
(7) سائر : ساقطة من (أ) .
(8) في المطبوعة : لكم، وفي مسلم والبخاري كما أثبته .
(9) في (ط) : في السجدة .
(10) في المطبوعة : نقول .
(11) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب المكث بين السجدتين، حديث رقم (821) فتح الباري (2 / 301) . وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام، حديث رقم (472)،(1 / 344)، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري اختلافه يسير .
(12) انظر : صحيح البخاري، الحديث السابق .

(1/236)


وفي (1) رواية للبخاري، من حديث شعبة، عن ثابت : " كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يصلي، (2) وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول (3) : قد نسي (4) فهذا يبين لك أن أنسا أراد بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : إطالة الركوع والسجود، والرفع فيهما، على ما كان الناس يفعلونه، وتقصير القيام عما كان الناس يفعلونه (5) .
وروى مسلم في صحيحه، من حديث جعفر بن سليمان (6) ، عن ثابت، عن أنس قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه، وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة " (7) .
فبين أن التخفيف الذي كان يفعله (8) هو تخفيف القراءة، وإن كان ذلك يقتضي (9) ركوعا وسجودا يناسب القراءة، ولهذا قال : " كانت صلاته متقاربة " ، أي يقرب بعضها من بعض .
وصدق أنس (10) : فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بنحو الستين إلى المائة (11) ، يقرأ في الركعتين بطول المفصل بـ : الم . تنزيل، وهل أتى، وبالصافات، وبقاف ؛ وربما قرأ أحيانا بما هو أطول من ذلك، وأحيانا بما هو أخف (12) .
فأما عمر رضي الله عنه، فكان يقرأ في الفجر بيونس، وهود، ويوسف، ولعله (13) علم أن الناس خلفه يؤثرون ذلك .
_________
(1) في (ب) : لرواية .
(2) كذا في (ط)، وفي صحيح البخاري، وفي (ب ج د) والمطبوعة : فإذا .
(3) في (ب) : يقول .
(4) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب الطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع، حديث رقم (800) من فتح الباري، (2 / 287) .
(5) قوله : وتقصير القيام عما كان الناس يفعلونه : سقطت من (ج د) .
(6) هو : جعفر بن سليمان الضبعي، البصري، أبو سليمان، من الطبقة الثامنة، ثقة، أخرج له البخاري ومسلم، قال ابن حجر في التقريب : « صدوق زاهد لكنه كان يتشيع » ، توفي سنة (178هـ) . انظر : تقريب التهذيب (1 / 131)، (ت 83) ج .
(7) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، حديث رقم (470)، (1 / 342) .
(8) في المطبوعة : صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(9) من هنا حتى قوله : (قريبا من قيامه بقدر معظمه)، (ص 312)، سطر (4)، ورقة كاملة من المخطوطة (د) ساقطة .
(10) في (أ ط) : رضي الله عنه .
(11) انظر : صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في الفجر، حديث رقم (771) من فتح الباري (2 / 251)، وصحيح مسلم، حديث رقم (647)، (1 / 447) .
(12) انظر : صحيح مسلم، كتاب الصلاة، الأحاديث رقم (457)، (458)، (1 / 336، 337)، ورقم (879)، (2 / 599) .
(13) في (أ ط) : رضي الله عنه .

(1/237)


وكان معاذ رضي الله عنه : قد صلى خلفه (1) الآخرة ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء، فقرأ فيها بسورة البقرة (2) ، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم (3) ذلك . وقال : « أفتان أنت يا معاذ، إذا أممت الناس فخفف، فإن من ورائك الكبير والضعيف وذا الحاجة . هلا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحوها (4) من السور ؟ » (5) .
فالتخفيف الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم معاذا، وغيره من الأئمة، هو ما كان يفعله - بأبي هو (6) وأمي - صلى الله عليه وسلم، فإنه (7) كما قال أنس : " كان أخف الناس صلاة في تمام " .
وقد (8) قال : « صلوا كما رأيتموني أصلي » (9) .
ثم إن عرض حال عرف منها إيثار المأمومين للزيادة على ذلك فحسن، فإنه صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب : بطولى الطوليين (10) وقرأ فيها بالطور .
وإن عرض ما يقتضي التخفيف عن ذلك فعل، كما قال في بكاء الصبي ونحوه .
فقد تبين (11) أن حديث أنس تضمن مخالفة من خفف الركوع والسجود، تخفيفا كثيرا، ومن طول القيام تطويلا كثيرا . وهذا الذي وصفه أنس، (12) ووصفه سائر الصحابة .
_________
(1) أي خلف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد فسرها في المطبوعة في المتن، وكان الأولى أن يضعها في الهامش .
(2) أي قرأها في الصلاة .
(3) في (أ) : عليه ذلك .
(4) في المطبوعة : ونحوهما .
(5) هذا الحديث بمعناه ورد في الصحيحين وغيرهما . انظر : صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من شكا إمامه إذا طول، حديث رقم (705) من فتح الباري (2 / 200) ؛ وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، حديث رقم (465)، (1 / 339) .
(6) في (ط) : هو بأبي وأمي .
(7) في (ط) : فإنه كان كما قال أنس .
(8) قوله : وقد قال : « صلوا كما رأيتموني أصلي » : ساقطة من (أ) .
(9) أخرجه البخاري في أكثر من موضع . انظر : كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة . . إلخ، حديث رقم (631)،(2 / 111) من فتح الباري . وفيه : « وصلوا كما رأيتموني أصلي » . وأحمد في المسند (5 / 53)، في مسند الحويرث بن مالك وفيه : « وصلوا كما تروني أصلي » .
(10) طولي الطوليين : أي أطول السورتين اللتين هما المائدة والأعراف، وقيل : الأنعام والأعراف، وعلى التقديرين فطولاهما هي الأعراف . انظر : فتح الباري (2 / 247) ؛ جامع الأصول (5 / 344) .
(11) في (ب) : بين .
(12) في (ب ج) : بواو واحدة .

(1/238)


فروى (1) مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه (2) ، عن هلال بن أبي حميد (3) ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (4) ، عن البراء بن عازب (5) قال : " رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فجلسته ما بين التسليم والانصراف : قريبا من السواء " (6) .
وروى مسلم أيضا في صحيحه، عن شعبة (7) ، عن الحكم (8) ، قال : " غلب على الكوفة رجل - قد سماه - زمن ابن الأشعث (9) قال : فأمر أبا عبيدة بن عبد الله (10) أن يصلي بالناس، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام قدر ما أقول : اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد " .
قال الحكم : " فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال : " سمعت البراء بن عازب يقول : كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع (11) وسجوده، وما بين السجدتين، قريبا من السواء " . قال شعبة : " فذكرته لعمرو بن مرة (12) . فقال : قد رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فلم تكن صلاته هكذا (13) .
_________
(1) في المطبوعة : وروى .
(2) في سننه : ساقطة من (ب ج) .
(3) هو : هلال بن أبي حميد الجهني، مولاهم، ويقال : ابن حميد، الكوفي، الصدفي، ذكر ابن حجر عن ابن معين وابن حبان والنسائي توثيقه، وأخرج له البخاري ومسلم وغيرهما . انظر : تهذيب التهذيب (11 / 77)، ترجمة رقم (122) .
(4) هو : عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني، من الطبقة الثانية من التابعين، إمام حافظ ثقة، مات بوقعة الجماجم سنة (86هـ) . انظر : تقريب التهذيب (1 / 496)، ترجمة (1094) ع .
(5) هو الصحابي الجليل : البراء بن عازب بن الحارث بن عدي، الأوسي الأنصاري، من صغار الصحابة، غزا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أربع عشرة غزوة، وشهد مع علي الجمل وصفين، وقتال الخوارج، وقبل ذلك افتتح الري وشهد غزوة تستر مع أبي موسى . انظر الإضافة (1 / 147)، حرف الباء .
(6) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام، حديث رقم (471)، (1 / 343) .
(7) هو : شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، مولاهم، الواسطي، ثم البصري، أبو بسطام، من الثقات الأئمة الحفاظ المتقنين، قال ابن حجر في التقريب : « كان الثوري يقول : هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابدا، من السابعة، مات سنة ستين » ، يعني : ومائة (160هـ) . تقريب التهذيب (1 / 351) ترجمة رقم (67) ش .
(8) هو : الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي، أبو محمد، قال ابن حجر في التقريب : « ثقة، ثبت، فقيه، إلا أنه ربما دلس، من الخامسة » ، توفي سنة (113 هـ) وعمره نيف وستون سنة . انظر : تقريب التهذيب (1 / 192)، ترجمة رقم (494) ح .
(9) هو : عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، خرج على الحجاج، وصارت له معه وقائع طويلة، واستولى على سجستان وكرمان وفارس والبصرة، حتى حدثت بينهما موقعة دير الجماجم التي دامت أكثر من 100 يوم انتهت بهزيمة ابن الأشعث فلجأ إلى رتبيل ملك الترك، وبتهديد الحجاج أرسل رتبيل رأس ابن الأشعث إليه سنة (85هـ) . انظر : البداية والنهاية لابن كثير (9 / 35 - 37، 39 - 42) ؛ والأعلام للزركلي (3 / 323، 324) .
(10) هو : أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، تابعي جليل، من الثالثة، كوفي، ثقة، مات بعد سنة (80هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (2 / 448)، (ت 86) الكنى .
(11) في المطبوعة : من ركوعه، وفي مسلم : كما أثبته .
(12) هو : عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق الجملي المرادي، أبو عبد الله، الكوفي، الأعمى، قال ابن حجر في التقريب : « ثقة عابد، كان لا يدلس، ورمي بالإرجاء، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومائة وقيل : قبلها » . تقريب التهذيب (2 / 78)، ترجمة رقم (677) ع .
(13) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام، تابع حديث رقم (471)،(1 / 343 - 344) .

(1/239)


وروى البخاري (1) هذا الحديث - ما خلا القيام والقعود - قريبا من السواء (2) . وذلك لأنه (3) لا شك أن القيام - قيام القراءة - وقعود التشهد يزيد على بقية الأركان، لكن لما كان صلى الله عليه وسلم يوجز القيام، ويتم بقية الأركان، صارت قريبا من السواء .
فكل واحدة من الروايتين تصدق الأخرى، وإنما البراء : تارة قرب ولم يحدد، وتارة استثنى وحدد، وإنما جاز أن يقال في القيام مع بقية الأركان : قريبا، بالنسبة إلى الأمراء الذين (4) يطيلون القيام، ويخففون الركوع والسجود، حتى يعظم التفاوت .
ومثل هذا : " أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف، فقرأ في الركعة (5) بنحو من سورة البقرة وركع . فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكذلك سجوده " (6) .
ولهذا نقول في أصح القولين : إن ركوع صلاة الكسوف وسجودها يكون قريبا من قيامه بقدر معظمه، أكثر من النصف .
ومن أصحابنا وغيرهم من قال : إذا قرأ البقرة، يسبح في الركوع والسجود، بقدر قراءة مائة آية (7) . وهو ضعيف مخالف للسنة .
وكذلك (8) روى مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد (9) ، وغيره (10) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : بعد الرفع من الركوع من الذكر (11) ما يصدق حديث أنس والبراء (12) .
_________
(1) في (ط) : وروى الحارث، وهو تحريف من الناسخ .
(2) انظر : صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب المكث بين السجدتين، حديث رقم (820) من فتح الباري، (2 / 300، 301) .
(3) لأنه : سقطت من (ط) .
(4) في (ب) : الأمر الذي.
(5) في المطبوعة زاد : الأولى .
(6) جاء ذلك في حديث طويل أخرجه مسلم في كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، تابع حديث رقم (904)، (1 / 623)، وجاء فيه : (ثم ركع نحوا مما قام)، وقال : (وركوعه نحوا من سجوده) .
(7) انظر : المغني مع الشرح الكبير (2 / 275) في المغني .
(8) في (ب) : وكذا .
(9) في المطبوعة : الخدري . وهو توضيح للاسم ينبغي أن يكون في الحاشية .
(10) وغيره : ساقطة من (ب ج د) والمطبوعة .
(11) من الذكر : سقطت من (ط) .
(12) انظر : صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، حديث رقم (477)،(1 / 347) ولفظه : عن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال : « ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض . . » الحديث . ومثله عن عبد الله بن أبي أوفى، وعن عبد الله بن عباس . انظر : صحيح مسلم، الكتاب والباب المشار إليهما سابقا .

(1/240)


وكذلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التطوع : فإنه كان إذا صلى بالليل (1) وحده طول لنفسه ما شاء، وكان (2) يقرأ في الركعة بالبقرة وآل عمران والنساء، ويركع (3) نحوا من قيامه، ويرفع نحوا من ركوعه، ويسجد نحوا من قيامه، ويجلس نحوا من سجوده (4) .
ثم هذا القيام الذي وصفه أنس وغيره بالخفة، والتخفيف الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم قد فسره النبي (5) صلى الله عليه وسلم بفعله وأمره وبلغ ذلك أصحابه فإنه لما صلى على المنبر قال : « إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي » (6) ، وقال لمالك بن الحويرث (7) وصاحبه (8) : « صلوا كما رأيتموني أصلي » (9) .
وذلك : أنه ما من فعل في الغالب إلا وقد يسمى خفيفا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، ويسمى طويلا بالنسبة إلى ما هو أخف منه، فلا حد له في اللغة، وليس الفعل (10) من العادات : كالإحراز، والقبض، والاصطياد، وإحياء الموات، حتى يرجع في حده إلى عرف اللفظ، بل هو من العبادات، والعبادات (11) يرجع (12) في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع، كما يرجع في أصلها إلى الشارع .
_________
(1) بالليل : ساقطة من (ط) .
(2) في (أ ط) : فكان .
(3) قوله : نحوا من قيامه ويرفع : سقطت من (ط) .
(4) جاء ذلك في حديث أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، حديث رقم (772)، (1 / 536، 537) .
(5) النبي : سقطت من (ب) . وفي (أ ط) : رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(6) هذا جزء من حديث أخرجاه في الصحيحين : انظر : صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر، حديث رقم (917)، من فتح الباري، (2 / 397)، ورواه مسلم في كتاب المساجد، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة، حديث رقم (544)،(1 / 386، 387)، وأحمد في المسند (5 / 339) في مسند سهل بن سعد .
(7) هو الصحابي الجليل : مالك بن الحويرث بن أشيم بن زياد الليثي، سكن البصرة، وله أحاديث في الصحيحين والسنن، توفي سنة (74هـ) . انظر : الإصابة (3 / 342، 343)، (ت 7617) .
(8) لم أجد لصاحبه ذكرا في المصادر التي اطلعت عليهما، وانظر : فتح الباري (2 / 112) .
(9) الحديث في صحيح البخاري، وقد مر تخريجه (ص 308) .
(10) في المطبوعة زاد : في الصلاة، وهو تفسير للكلمة، وكان الأولى إثباته في الحاشية ؛ لأنه لا يوجد في كل النسخ المخطوطة .
(11) في (ج) : العيادات . وهو تصحيف .
(12) في (ب) : ترجع .

(1/241)


ولأنه لو جاز الرجوع فيه إلى عرف الناس في الفعل، أو في مسمى التخفيف، لاختلفت الصلاة الشرعية الراتبة، التي يؤمر (1) بها في غالب الأوقات، عند عدم المعارضات المقتضية للطول أو للقصر، اختلافا متباينا (2) لا ضبط له، ولكان لكل أهل عصر ومصر، ولكان لكل أهل حي وسكة، بل لأهل كل مسجد عرف في معنى اللفظ، وفي عادة الفعل، مخالفا لعرف الآخرين، وهذا مخالف لأمر الله ورسوله حيث قال : « صلوا كما رأيتموني أصلي » (3) ولم يقل : كما يسميه أهل أرضكم خفيفا، أو كما يعتادونه، وما أعلم أحدا من العلماء يقول ذلك فإنه ؛ يفضي إلى تغيير الشريعة، وموت السنن، إما بزيادة وإما بنقص، وعلى هذا دلت سائر روايات الصحابة .
فروى مسلم في صحيحه عن زهير (4) ، عن سماك بن حرب (5) ، قال : " سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي (6) فقال : كان يخفف الصلاة، ولا يصلي صلاة هؤلاء " ، قال : " وأنبأني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد، ونحوها " (7) .
وروى أيضا عن شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة (8) قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر بنحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك " (9) .
_________
(1) في المطبوعة : أمرنا .
(2) في المطبوعة : مباينا .
(3) الحديث مر تخريجه (ص 308) .
(4) هو : زهير بن معاوية بن حديج بن الرحيل بن زهير الجعفي، أبو خيثمة، الكوفي، من الحفاظ الثقات المكثرين للحديث، أخرج له الستة وغيرهم، توفي سنة (172هـ)، وكانت ولادته سنة (100هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (3 / 351ـ 353)، (ت 648) .
(5) هو : سماك بن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي، أبو المغيرة، صدوق، من الطبقة الرابعة، توفي سنة (123هـ) . انظر : تقريب التهذيب (1 / 332)، ترجمة رقم (519) س .
(6) في (ب ج د) والمطبوعة : عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي مسلم : كما أثبته من (أ ط) .
(7) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح، تابع حديث رقم (458)، (1 / 337) .
(8) هو الصحابي الجليل : جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب بن حجير، العامري السوائي، حليف بني زهرة، وأبوه صحابي كذلك، توفي رضي الله عنه سنة (74 هـ) . انظر : الإصابة (1 / 212)، ترجمة رقم (1018) .
(9) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح، حديث رقم (459)، (1 / 337) .

(1/242)


وهذا يبين ما رواه مسلم أيضا، عن زائدة (1) حدثنا سماك، عن جابر بن سمرة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد وكانت (2) صلاته بعد تخفيفا " (3) أنه أراد - والله أعلم - بقوله : " وكانت صلاته بعد " ، أي بعد الفجر، أي أنه يخفف الصلوات التي بعد الفجر، عن الفجر (4) .
فإنه في الرواية الأولى جمع بين وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخفيف، وأنه كان يقرأ في الفجر بقاف .
(5) وقد ثبت في الصحيح عن أم سلمة (6) : « أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر بالطور في حجة الوداع، وهي طائفة من حول الناس تسمع قراءته » (7) وما عاش بعد حجة الوداع إلا قليلا، والطور من نحو (8) سورة قاف .
وثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما (9) ، أنه قال : " إن أم الفضل (10) (11) . . . . . . . . . . . . . . . . . سمعته وهو يقرأ { وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا } (12) فقالت : يا بني، لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقرأ بها في المغرب (13) .
_________
(1) هو : زائدة بن قدامة الثقفي، أبو الصلت، الكوفي، ثقة، ثبت، صاحب سنة، وكان شديدا على أهل البدع، استشهد غازيا في أرض الروم سنة (161 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (3 / 306 - 307)، (ت 571) .
(2) في المطبوعة : وكان، وكذلك في مسلم .
(3) صحيح مسلم، الكتاب والباب السابقين، الحديث (458)، (1 / 337) .
(4) عن الفجر : ساقطة من (ط) .
(5) من هنا حتى قوله : (ولأن سائر الصحابة)، ص (318) سطر (3) سقط من (أ ط) ما يعادل ورقة من المخطوطتين .
(6) هي الصحابية الجليلة : أم المؤمنين، أم سلمة، هند بنت أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو المخزومية القرشية، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد وفاة زوجها سنة (4 هـ)، أسلمت قديما في مكة وهاجرت إلى الحبشة، وأصابها في سبيل دينها بلاء فصبرت، وكانت ذات جلد ورأي وجمال، ماتت سنة (62 هـ) . انظر : الإصابة (4 / 458)، (ت 1308) .
(7) انظر : صحيح البخاري، كتاب الحج، باب طواف النساء مع الرجال، حديث رقم (1619)، (3 / 480) من فتح الباري، مع حديث رقم (1626)، (3 / 486)، حيث يفيد الحديث الثاني أن الصلاة هي صلاة الصبح، والأول فيه أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قرأ سورة الطور . والنسائي، كتاب مناسك الحج، باب طواف الرجال مع النساء، (6 / 223، 224) .
(8) في المطبوعة : نحوا من .
(9) رضي الله عنهما : سقطت من (ج د) .
(10) هي : لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهرم، الهلالية، أم الفضل، زوج العباس بن عبد المطلب، صحابية جليلة، وهي لبابة الكبرى، أم عبد الله والفضل وغيرهما، أسلمت قبل الهجرة، وماتت في خلافة عثمان رضي الله عنهما . انظر : الإصابة (4 / 398)، (ت 942) .
(11) في مسلم : أن أم الفضل بنت الحارث (1 / 338) .
(12) سورة المرسلات : الآية 1 .
(13) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح، حديث رقم (462)، (1 / 338) . وصحيح البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في المغرب، حديث رقم (763) من فتح الباري، (2 / 246) .

(1/243)


فقد أخبرت أم الفضل : أن ذلك آخر ما سمعته يقرأ بها في المغرب، وأم الفضل لم تكن من المهاجرات، بل هي من المستضعفين، كما قال ابن عباس : (1) كنت أنا وأمي (2) من المستضعفين، الذين عذرهم الله " (3) . فهذا السماع كان متأخرا .
وكذلك في الصحيح عن زيد بن ثابت (4) : " أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بطولى الطوليين (5) . وزيد من صغار الصحابة .
وكذلك (6) صلى بالمؤمنين (7) في الفجر بمكة، وأدركته سعلة عند ذكر موسى وهارون (8) ، فهذه الأحاديث وأمثالها، تبين أنه صلى الله عليه وسلم كان في آخر حياته يصلي في الفجر بطوال المفصل، وشواهد هذا كثيرة (9) ؛ ولأن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ما زال يصليها، ولم يذكر أحد أنه نقص (10) صلاته في آخر عمره عما (11) كان يصليها، وأجمع (12) الفقهاء على أن السنة أن يقرأ في الفجر بطوال المفصل .
_________
(1) في (ب) : رضي الله عنه .
(2) في المطبوعة : كنت أنا وأبي، وهو خطأ، فأبوه العباس لم يكن من المستضعفين . انظر : فتح الباري (8 / 255) .
(3) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، تفسير سورة النساء، باب قوله : « وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ » ، رقم (4587) من فتح الباري، (8 / 255) .
(4) هو الصحابي الجليل : زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الأنصاري الخزرجي، من صغار الصحابة، أول مشاهده الخندق، وكانت معه راية بني النجار، ومن كتّاب الوحي، وتعلم القرآن صغيرا، فأمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتعلم السريانية ليأمن مكر اليهود فكان يقرأ ويكتب له بها، وجمع القرآن في عهد أبي بكر، وقال فيه الرسول : « أفرضكم زيد » ، ومن العلماء الراسخين، توفي سنة (45 هـ) . انظر : الإصابة (1 / 561، 562)، ترجمة رقم (2880) .
(5) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في المغرب، حديث رقم (764) من فتح الباري، (2 / 246) .
(6) في (ب) : ولذلك .
(7) أي قرأ سورة المؤمنون . انظر : فتح الباري (2 / 255) .
(8) جاء ذلك في حديث أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح، حديث رقم (455)، (1 / 336) .
(9) في (ج) : كثير .
(10) في (ب) : نقض .
(11) في (ب) : كما .
(12) وأجمع : ساقطة من (ط) .

(1/244)


وقوله : " ولا يصلي صلاة هؤلاء " إما أن يريد به : من كان يطيل الصلاة على (1) هذا أو (2) من كان ينقصها عن ذلك، أي إنه كان صلى الله عليه وسلم يخففها، ومع ذلك : فلا يحذفها حذف هؤلاء الذين يحذفون الركوع والسجود، والاعتدالين، كما دل عليه حديث أنس والبراء، أو كان أولئك الأمراء ينقصون القراءة، أو القراءة وبقية الأركان، عما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله . كما روى أبو قزعة (3) قال : " أتيت أبا سعيد الخدري (4) وهو مكثور (5) عليه، فلما تفرق الناس عنه، قلت : إني لا أسألك عما سألك هؤلاء عنه، قلت : أسألك عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ما لك في ذلك من خير فأعادها عليه، فقال : كانت صلاة الظهر تقام، فينظلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ، ثم يرجع إلى المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى " .
وفي رواية " مما يطولها " (6) رواه مسلم في صحيحه (7) .
فهذا يبين لك أن أبا سعيد رأى صلاة الناس أنقص من هذا .
وفي الصحيحين عن أبي برزة (8) قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح فينصرف الرجل، فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين، أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة " هذا لفظ البخاري (9) .
_________
(1) في (أ) : عن هذه .
(2) في المطبوعة : ومن .
(3) هكذا ورد اسمه في جميع النسخ : أبو قزعة، والأصح أن اسمه : قزعة، بدون أبو، وهو قزعة بن يحيى أبو الغادية البصري، وثقه أئمة الحديث، من الطبقة الثالثة، وأخرج أحاديثه أهل الكتب الستة وغيرهم . انظر : تهذيب التهذيب (8 / 377)، (ت 667)، وكذا في مسلم « قزعة » ، (1 / 335) ؛ وتقريب التهذيب (2 / 126)، (ت 111) ق .
(4) في المطبوعة : رضي الله عنه .
(5) مكثور عليه : أي الناس من حوله كثير لطلب العلم في الظهر وقضاء الحوائج ونحوه .
(6) في (أ) : مما يطيلها .
(7) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، حديث رقم (454)، (1 / 335) .
(8) هو الصحابي الجليل : أبو برزة، نضلة بن عبيد، وقيل : نضلة بن عبد الله الأسلمي، نزل البصرة، ثم مرو، ثم عاد إلى البصرة وبها توفي سنة (60 هـ) . انظر : أسد الغابة (5 / 146، 147) الكنى .
(9) انظر : صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في الفجر، حديث رقم (771) من فتح الباري، (2 / 251) .

(1/245)


وعن عبد الله (1) بن عمر رضي الله عنهما قال : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمرنا بالتخفيف، وإن كان ليؤمنا بالصافات، رواه أحمد والنسائي (2) .
وعن الضحاك بن عثمان (3) ، عن بكير بن عبد الله (4) ، عن سليمان بن يسار (5) ، عن أبي هريرة قال : " ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان " قال سليمان : " كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخيرتين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (6) " ، رواه النسائي وابن ماجه، وهذا إسناد على شرط مسلم .
والضحاك بن عثمان قال فيه أحمد ويحيى (7) : " هو ثقة " (8) ، وقال فيه ابن سعد : " كان ثبتا " (9) .
ويدل على ما ذكرناه : ما روى مسلم في صحيحه عن عمار بن ياسر (10) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة (11) من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة (12) وإن من البيان لسحرا » (13) .
_________
(1) في (ب) : عن ابن عمر .
(2) مسند أحمد (2 / 26) ؛ وسنن النسائي، كتاب الإمامة، باب الرخصة للإمام في التطويل، (2 / 95)، وإسناده صحيح .
(3) هو : الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي، أبو عثمان، المدني، من السابعة، قال ابن حجر في التقريب : « صدوق يهم » ، أخرج له مسلم وأصحاب السنن . تقريب التهذيب (1 / 373)، (ت 11) ض .
(4) هو : بكير بن عبد الله بن الأشج، مولى بني مخزوم، أبو عبد الله، المدني، نزيل مصر، قال ابن حجر في التقريب : « ثقة، من الخامسة » ، توفي سنة (120 هـ) . تقريب التهذيب (1 / 108)، (ت 137) ب .
(5) هو : سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة، وقيل : مولى أم سلمة، وأحد الفقهاء السبعة، من كبار الطبقة الثالثة، ثقة، فاضل، مات على رأس المائة هجرية . انظر : تقريب التهذيب (1 / 231)، ترجمة (505) س .
(6) أخرجه النسائي في كتاب الافتتاح، باب تخفيف القراءة والقيام، (2 / 167) . وأخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، حديث رقم (827)، (1 / 270) مختصرا .
(7) يحيى : هو ابن معين .
(8) انظر : تهذيب التهذيب (4 / 447)، (ت 777) .
(9) المصدر السابق، وقد راجعت ترجمة المذكور في الطبقات الكبرى لابن سعد (المطبوعة)، فلم أجده (5 / 422) .
(10) هو الصحابي الجليل : عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي، حليف بني مخزوم، من السابقين الأولين للإسلام، وعذب في ذات الله هو وأبوه وأمه، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول لهم : « صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة » ، هاجر إلى المدينة وشهد المشاهد كلها مع رسول الله، وقتل في صفين سنة (37 هـ) . انظر : الإصابة (2 / 513)، (ت 5704) .
(11) مئنة : أي علامة . انظر : شرح النووي (6 / 158) ؛ ومختار الصحاح، مادة (م أ ن)، (ص 612) .
(12) في (أ ب ط) : الخطب، وفي مسلم كما هو مثبت من (ج د) والمطبوعة .
(13) صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، حديث رقم (869)، (2 / 594) .

(1/246)


فقد جعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل، وأمر بإطالتها، وهذا الأمر إما أن يكون عاما في جميع الصلوات، وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة . فإن كان اللفظ (1) عاما فظاهر، وإن كان المراد (2) صلاة الجمعة (3) : فإذا أمر بإطالتها، مع كون الجَمْع فيها يكون (4) عظيما، فيه من الضعفاء والكبار وذوي الحاجات ما ليس في غيره (5) ، ومع كونها تفعل في شدة الحر، مسبوقة بخطبتين : فالفجر ونحوها التي تفعل وقت البرد، مع قلة الجمع : أولى وأحرى . والأحاديث في هذا كثيرة .
وإنما ذكرنا هذا تفسيرا (6) لما في حديث أنس، من تقدير صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ قد يحسب من يسمع هذه الأحاديث : أن فيها نوع تناقض، أو يستمسك (7) بعض الناس ببعضها دون بعض، ويجهل معنى ما تمسك به .
_________
(1) في (د) قال : فإن كان اللفظ وإن كان المراد، فإذا أمر بإطالتها . . إلخ، ففيه حذف وتغيير، وأظن ذلك خلط من الناسخ .
(2) في المطبوعة : المراد به .
(3) في (ب) : تكرار لقوله : وإن كان المراد صلاة الجمعة، ولعله سهو من الناسخ .
(4) في (ب) : فيكون .
(5) في المطبوعة : غيرها .
(6) في المطبوعة : التفسير .
(7) في المطبوعة : أو يتمسك .

(1/247)


وأما في حديث أنس المتقدم من قول (1) النبي صلى الله عليه وسلم : « لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات (2) رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم » (3) . ففيه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التشدد في الدين بالزيادة على المشروع .
والتشديد : تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب، ولا مستحب : بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات (4) ، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم، ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه، في الطيبات . وعلل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من النصارى، شدد الله عليهم لذلك، حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدعة .
وفي هذا تنبيه على كراهة النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما عليه النصارى من الرهبانية المبتدعة، وإن كان كثير من عبادنا، قد وقعوا في بعض ذلك متأولين معذورين، أو غير متأولين (5) .
وفيه أيضا تنبيه على أن التشديد على النفس ابتداء، يكون سببا لتشديد آخر، يفعله الله : إما بالشرع وإما بالقدر .
_________
(1) في (ب) : من قوله .
(2) في (أ ط) : والديار .
(3) الحديث مر تخريجه (ص 296) .
(4) في (ط) : في العادات .
(5) في المطبوعة زاد : ولا معذورين .

(1/248)


فأما بالشرع : فمثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخافه في زمانه من زيادة إيجاب أو تحريم، كنحو ما خافه لما اجتمعوا لصلاة (1) التراويح معه (2) ، ولما كانوا يسألون عن أشياء لم تحرم، ومثل : أن من نذر شيئا من الطاعات وجب عليه فعله، وهو منهي عن نفس عقد النذر، وكذلك الكفارات الواجبة بأسباب .
وأما بالقدر : فكثير (3) قد رأينا وسمعنا من كان يتنطع في أشياء، فيبتلى أيضا بأسباب تشدد الأمور (4) عليه، في الإيجاب والتحريم، مثل كثير من الموسوسين في الطهارة (5) ، إذا زادوا على المشروع، ابتلوا بأسباب توجب حقيقة عليهم أشياء (6) مشقة ومضرة .
وهذا المعنى الذي دل عليه الحديث، موافق لما قدمناه في قوله تعالى : { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } (7) من أن ذلك يقتضي كراهة موافقتهم في الآصار والأغلال .
والآصار : ترجع إلى الإيجابات الشديدة .
والأغلال : هي التحريمات الشديدة .
فان الإصر : هو الثقل والشدة، وهذا شأن ما وجب .
والغل : يمنع المغلول من الانطلاق، وهذا شأن المحظور .
_________
(1) في (أ) : للصلاة للتراويح .
(2) وذلك أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلَّى التراويح وصلى الصحابة خلفه، فلما صلى الفجر قال لهم : « أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها » ، الحديث في صحيح البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، حديث (2012)، (4 / 250- 251) من فتح الباري .
(3) في المطبوعة قال : فكثيرا ما .
(4) في (أ ب ط) : الأمر .
(5) في المطبوعة : الطهارات .
(6) في المطبوعة : أشياء فيها عظيم مشقة .
(7) سورة الأعراف : الآية 157 .

(1/249)


وعلى هذا دل قوله سبحانه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } (1) . وسبب نزولها مشهور .
وعلى هذا ما في الصحيحين عن أنس بن مالك قال : « جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي (2) صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا (3) كأنهم تقالوها، فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم (4) ، وقد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟
فقال أحدهم (5) : أما أنا فأصلي الليل أبدا .
وقال (6) الآخر : أنا أصوم الدهر أبدا .
وقال الآخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا .
_________
(1) سورة المائدة : الآية 87 .
(2) في (ب ج د) : عن عبادته، والمطبوعة : عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي البخاري كما أثبته .
(3) في المطبوعة : فلما أخبروا بها . وفي البخاري كما أثبته .
(4) في المطبوعة : وقد، وفي البخاري كما أثبته .
(5) في (ج د) : أحدهما، وفي البخاري كما أثبته .
(6) في (ب ج د) : قال الآخر، وفي البخاري كما أثبته .

(1/250)


فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال : " أنتم الذين (1) قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني » ، رواه البخاري، وهذا لفظه (2) ومسلم، ولفظه : عن أنس : « أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم : لا أتزوج النساء . وقال بعضهم : لا آكل اللحم . وقال بعضهم : لا أنام على فراش (3) . فحمد الله وأثنى فقال : " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا (4) ؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني » (5) .
والأحاديث الموافقة لهذا كثيرة في بيان أن سنته التي هي الاقتصاد : في العبادة، وفي ترك الشهوات ؛ خير من رهبانية النصارى، التي هي : ترك عامة الشهوات من النكاح وغيره، والغلو في العبادات صوما وصلاة .
_________
(1) الذين : ساقطة من (أ ط) .
(2) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، حديث رقم (5063) من فتح الباري، (9 / 104) .
(3) في (ب ج د) : على فراشي، وفي المطبوعة : فرش، وفي مسلم كما أثبته .
(4) في المطبوعة زاد : وكذا .
(5) صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه . . إلخ، حديث رقم (1401)، (2 / 1020) .

(1/251)


وقد خالف هذا - بالتأويل ولعدم العلم - طائفة من الفقهاء والعباد، ومثل هذا ما رواه أبو داود في سننه، عن العلاء بن عبد الرحمن (1) عن القاسم بن عبد الرحمن (2) ، عن أبي أمامة : « أن رجلا قال : يا رسول الله ائذن لي بالسياحة (3) ، قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله » (4) فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن أمته (5) سياحتهم الجهاد في سبيل الله .
وفي حديث آخر : « إن السياحة هي الصيام » (6) ، أو « السائحون هم الصائمون » (7) ، أو نحو ذلك (8) . وذلك تفسير لما ذكره الله تعالى في القرآن (9) من قوله : { السَّائِحُونَ } (10) . وقوله { سَائِحَاتٍ } (11) .
وأما السياحة التي هي الخروج في البرية لغير (12) مقصد معين فليست من عمل هذه الأمة . ولهذا قال الإمام أحمد : " ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين " (13) ، مع أن جماعة من إخواننا قد ساحوا السياحة المنهي عنها (14) متأولين في ذلك، أو غير عالمين بالنهي عنه، وهي من الرهبانية المبتدعة التي قيل فيها (15) : « لا رهبانية في الإسلام » (16) .
_________
(1) كذا في جميع النسخ : العلاء بن عبد الرحمن، لكنه في أبي داود (3 / 12) : العلاء بن الحارث، أما العلاء بن عبد الرحمن فقد مرت ترجمته . والعلاء بن الحارث هو : العلاء بن الحارث بن عبد الوارث الحضرمي، أبو وهب، الدمشقي، وثقه ابن المديني وابن معين وغيرهما، وهو أعلم أصحاب مكحول وأفقههم، ورمي بالقدر، وخلط في آخر أمره، توفي سنة (136 هـ) وعمره (70) سنة . انظر : تهذيب (8 / 177، 178)، ترجمة رقم (318) .
(2) هو : القاسم بن عبد الرحمن الدمشقي، أبو عبد الرحمن، الشامي، مولى آل أبي بن حرب الأموي، وثقه بعض الأئمة، وتكلم فيه آخرون، وخلاصة القول فيه : أنه صدوق ثقة فيما يرويه عن الثقات، ومنكر الحديث في الضعفاء، كما أنه كثير الإرسال، مات سنة (112 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (8 / 322- 324)، ترجمة رقم (581) ق .
(3) كذا : (بالسياحة) في كل النسخ المخطوطة . أما في المطبوعة وأبي داود : في السياحة .
(4) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في النهي عن السياحة، حديث رقم (2486)، (3 / 12) . وأخرجه الحاكم في المستدرك (2 / 73)، وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
(5) أمته : ساقطة من (أ ط) .
(6) أخرج ابن جرير بسنده عن عبيد بن عمير، قال : سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن السائحين فقال : « هم الصائمون » . وأخرج ابن جرير أيضا بسنده عن أبي هريرة قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « السائحون هم الصائمون » . كما أورد أقوال الصحابة والسلف كابن عباس وابن مسعود، وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والحسن وغيرهم . انظر : تفسير ابن جرير الطبري (11 / 28، 29)، عند تفسير قوله تعالى : « التائبون العابدون » سورة التوبة : الآية 112 .
(7) نفس التعليق السابق .
(8) نفس التعليق السابق .
(9) في القرآن : سقطت من (ب) .
(10) سورة التوبة : من الآية 112 .
(11) سورة التحريم : من الآية 5 .
(12) في (ج د) : بغير .
(13) مسائل الإمام أحمد للنيسابوري (2 / 176) .
(14) وهي كما فسرها المؤلف : الخروج في البرية لغير مقصد معين، وذلك على وجه الترهبن والتصوف كما يفعل الدراويش .
(15) في المطبوعة : التي قال فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(16) جاء ذلك في حديث مر تخريجه (ص 180) .

(1/252)


والغرض هنا : بيان ما جاءت به الحنيفية : من مخالفة (1) اليهود فيما أصابهم من القسوة عن ذكر الله، وعما أنزل (2) ومخالفة النصارى فيما هم عليه من الرهبانية المبتدعة، وإن كان قد ابتلي بعض المنتسبين منا إلى علم أو دين بنصيب من هذا، أو من هذا (3) .
ومثل هذا ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما (4) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة (5) العقبة وهو على ناقته : « القط لي حصى » فلقطت له سبع حصيات، من (6) حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول : « أمثال هؤلاء فارموا » ، ثم قال : « أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين » ، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (7) من حديث عوف بن أبي جميلة (8) ، عن زياد بن حصين (9) ، عن أبي العالية عنه (10) وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم .
وقوله : « إياكم (11) والغلو في الدين » عام في جميع أنواع الغلو، في الاعتقاد والأعمال .
والغلو : مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده (12) أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك .
والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال (13) من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن، في قوله تعالى : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ } (14) .
_________
(1) في (أ) : لمخالفة اليهود .
(2) في المطبوعة زاد : من الهدى الذي به حياة القلوب . وهو تفسير للكلمة، الأَوْلى أن يكون في الحاشية .
(3) في المطبوعة زاد أيضا : ففيهم شبهة بهؤلاء وهؤلاء .
(4) رضي الله عنهما : سقطت من (أ ج د ط) .
(5) في (أ) : غدا، ولعل الهاء سقطت سهوا .
(6) في المطبوعة : مثل، وهو خلاف ما ورد في روايات الحديث وهي : (من) في رواية لأحمد، و (هن) في أحمد والنسائي وابن ماجه .
(7) انظر : مسند أحمد (1 / 215) و (347) في مسند عبد الله بن عباس . وسنن ابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، حديث رقم (3029)، (2 / 1008) ؛ وسنن النسائي، كتاب المناسك، باب التقاط الحصى (5 / 268) .
(8) هو : عوف بن أبي جميلة الأعرابي العبدي البصري، قال عنه ابن حجر في التقريب : « ثقة رمي بالقدر والتشيع » ، توفي سنة (147 هـ) وعمره ست وثمانون، أخرج له كل أصحاب الكتب الستة . انظر : تقريب التهذيب (2 / 89)، ترجمة (793) ع .
(9) هو : زياد بن الحصين بن قيس الحنظلي، أو الرياحي، البصري، أبو خزيمة، قال عنه ابن حجر في التقريب : « ثقة يرسل، من الطبقة الرابعة » ، أخرج له مسلم والنسائي وابن ماجه وأحمد . انظر : تقريب التهذيب (1 / 267)، (ت 101) .
(10) يعني ابن عباس .
(11) في (أ) : وإياكم .
(12) في المطبوعة : يزاد في حمد الشيء .
(13) في (أ ط) : في الاعتقاد والعمل .
(14) سورة النساء : من الآية 171 .

(1/253)


وسبب هذا اللفظ العام : رمي الجمار، وهو داخل فيه، فالغلو فيه : مثل الرمي بالحجارة (1) الكبار، ونحو ذلك . بناء على أنه قد أبلغ من الحصى الصغار (2) .
ثم علل ذلك : بأن ما أهلك من (3) قبلنا إلا (4) الغلو في الدين، كما تراه في النصارى، وذلك يقتضي : أن مجانبة هديهم مطلقا أبعد عن (5) الوقوع فيما به هلكوا، وأن المشارك لهم في بعض هديهم، يخاف عليه أن يكون هالكا .
ومن ذلك : أنه صلى الله عليه وسلم حذرنا من مشابهة من قبلنا، في أنهم كانوا يفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأمر أن يسوى (6) بين الناس في ذلك، وإن كان كثير من ذوي الرأي والسياسة قد يظن أن إعفاء الرؤساء أجود في السياسة .
ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، في شأن المخزومية التي سرقت (7) لما كلم أسامة (8) . . . . . . . . . . . . . . . . فيها (9) رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ؟ ! إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا : إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها » (10) .
_________
(1) في المطبوعة : مثل رمي الحجارة الكبار .
(2) في المطبوعة : على أنه قد بالغ في الحصى الصغار . وبه يتغير معنى العبارة .
(3) في المطبوعة : من كان .
(4) إلا : ساقطة من (أ ط) .
(5) في (أ) : من .
(6) في (أ) : نسوي .
(7) وهي : فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد، وقيل : أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد . انظر : فتح الباري (12 / 88) .
(8) هو الصحابي الجليل : أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وابن حبه، ولد في الإسلام، وأَمَّره رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على جيش عظيم، فلما مات صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنفذه أبو بكر، وكان أسامة ممن اعتزل الفتنة بعد مقتل عثمان . توفي في خلافة معاوية سنة (54) . انظر : الإصابة (1 / 31)، (ت 89) .
(9) فيها : ساقطة من (ب ج د) والمطبوعة .
(10) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء وكتاب الحدود . انظر : كتاب الحدود، باب رقم (54)، الحديث رقم (3475) من فتح الباري (6 / 513) . وأخرجه مسلم في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره، حديث رقم (1688)، (3 / 1315) .

(1/254)


وكان بنو مجزوم من أشرف (1) بطون قريش، واشتد عليهم أن تقطع يد امرأة منهم، فبين النبي صلى الله عليه وسلم : أن هلاك بني إسرائيل، إنما كان في تخصيص رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات، وأخبر أن فاطمة ابنته - التي هي أشرف النساء - لو سرقت، وقد أعاذها الله من ذلك، لقطع يدها ؛ ليبين : أن وجوب العدل والتعميم في الحدود، لا يستثنى منه بنت (2) الرسول، فضلا عن بنت غيره .
_________
(1) في (أ) : أشراف .
(2) في (أ) : بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

(1/255)


وهذا يوافق ما في الصحيحين، عن عبد الله بن مرة (1) (2) عن البراء بن عازب قال : « مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي، محمم مجلود، فدعاهم، فقال : " هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ " قالوا : نعم . فدعا رجلا من علمائهم قال : " أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ " قال : لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده : الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا : تعالوا فلنجتمع (3) على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان (4) الرجم فقال صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أول من أحيا أمرك، إذ (5) أماتوه » فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ } إلى قوله (6) { إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ } (7) .
_________
(1) هو : عبد الله بن مرة الهمداني الخارفي الكوفي، وثقه ابن معين والنسائي وأبو زرعة والعجلي وابن سعد، وأخرج له الستة، توفي سنة (100 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (6 / 24، 25)، ترجمة رقم (35) ع .
(2) في (أ) : عبد الله بن سمرة . وهو تحريف، فالصحيح ما أثبته كما في صحيح مسلم .
(3) في (ط) : فلنجمع . وفي مسلم كما أثبته .
(4) في (أ) : وكان الرجم . وفي مسلم كما أثبته .
(5) في (أ) : إذا أماتوه . وفي مسلم كما أثبته .
(6) في المطبوعة سرد الآية . لكنه في صحيح مسلم كما أثبته من النسخ المخطوطة .
(7) سورة المائدة : الآية 41 .

(1/256)


يقول : ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم (1) والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } (2) ، { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (3) ، { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (4) في الكفار كلها " (5) .
وأيضا ما روى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي (6) قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، وهو يقول : « إني أبرأ إلى الله أن يكون لي (7) منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني (8) أنهاكم عن ذلك » (9) .
_________
(1) التحميم هو : تسويد الوجه بالفحم ونحوه . انظر : مختار الصحاح، مادة (ح م م)، (ص 157) .
(2) سورة المائدة : من الآية 44 .
(3) سورة المائدة : من الآية 45 .
(4) سورة المائدة : من الآية 47 .
(5) صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، حديث رقم (1700)، (3 / 1327)، وله شواهد في صحيح البخاري . انظر : الأرقام (6819)، (6841) فتح الباري .
(6) هو : جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، له صحبة ليست بالقديمة، سكن الكوفة ثم البصرة . انظر : أسد الغابة (1 / 304، 305) .
(7) لي : ساقطة من (أ) .
(8) في (ب ط) : فإني .
(9) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، حديث رقم (532)، (1 / 377- 378) .

(1/257)


وصف صلى الله عليه وسلم أن الذين كانوا قبلنا كانوا يتخذون قبور الأنبياء (1) والصالحين مساجد وعقّب (2) هذا الوصف بالأمر بحرف الفاء، أن لا يتخذوا القبور مساجد، وقال إنه صلى الله عليه وسلم ينهانا (3) عن ذلك . ففيه دلالة على أن اتخاذ من قبلنا سبب لنهينا ؛ إما مظهر للنهي، وإما (4) موجب للنهي، وذلك يقتضي : أن أعمالهم دلالة (5) وعلامة على أن الله ينهانا (6) عنها، أو أنها علة مقتضية للنهي .
وعلى التقديرين : يعلم أن مخالفتهم أمر مطلوب للشارع في الجملة، والنهي عن هذا العمل بلعنة اليهود والنصارى مستفيض عنه صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « قاتل الله اليهود (7) ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » (8) .
وفي لفظ (9) لمسلم : « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » (10) .
وفي الصحيحين عن عائشة، وابن عباس (11) قالا : " لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك : « لعنة الله على اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » يحذر ما صنعوا " (12) .
_________
(1) في (ب) : أنبيائهم .
(2) في المطبوعة : وعدى .
(3) في (أ) : نهانا .
(4) في (أ ط) : أو موجب .
(5) في (ط) : دالة .
(6) في (ط) : نهانا .
(7) في المطبوعة زاد : والنصارى . وهو خلاف جميع النسخ المخطوطة، وخلاف ما اطلعت عليه من رواية الصحيحين فهي كما أثبته .
(8) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، الباب (55)، الحديث (437) من فتح الباري (1 / 532) ؛ وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور . . ، حديث رقم (530)، (1 / 376) .
(9) في (ب) : وفي لفظ مسلم .
(10) صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، تابع الحديث السابق (530)، (1 / 377) .
(11) في (ب) : رضي الله عنهم .
(12) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، الباب (55)، الحديث (435، 436) من فتح الباري (1 / 532) ؛ وصحيح مسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور . . ، الحديث (531)، (1 / 377) .

(1/258)


وفي الصحيحين أيضا عن عائشة : " أن أم سلمة وأم حبيبة (1) ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها (2) بأرض الحبشة، يقال لها : مارية . وذكرتا (3) من حسنها (4) وتصاوير فيها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور (5) أولئك شرار الخلق عند الله عز وجل » (6) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج » رواه أهل السنن الأربعة (7) ، وقال الترمذي : " حديث حسن " (8) وفي بعض نسخه : " صحيح " (9) .
فهذا التحذير منه واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المسجد على قبر الرجل الصالح (10) صريح في النهي عن المشابهة في هذا (11) ، ودليل على الحذر من (12) جنس أعمالهم، حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكون من (13) هذا الجنس .
_________
(1) هي : أم المؤمنين، أم حبيبة، واسمها : رملة بنت أبي سفيان بن حرب، أسلمت قديما وهاجرت إلى الحبشة، فلما تنصر زوجها عبيد الله بن جحش تزوجها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، توفيت بالمدينة سنة (44 هـ) . انظر : الإصابة (4 / 305- 307)، (ت 432) .
(2) في المطبوعة : رأتاها . وفي الصحيحين والنسخ كما أثبته .
(3) في (ب) : ذكرتها حسنها .
(4) في (ج) : جنسها . ولعله خطأ من الناسخ .
(5) في (ب) : الصورة .
(6) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد، الحديث رقم (426) من فتح الباري (1 / 523)، ورقم (434، 1341، 3878) . وصحيح مسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، الحديث رقم (528)، (1 / 375) .
(7) أبو داود، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور، الحديث (3236)، (3 / 558) ؛ والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا، حديث رقم (320)، (2 / 136) ؛ وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء القبور، حديث (1574، 1575، 1576) ؛ والنسائي، الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور (4 / 94، 95) .
(8) انظر : سنن الترمذي (2 / 137) .
(9) انظر : تعليق أحمد محمد شاكر على الحديث في الترمذي (2 / 137)، حيث أفاد أن للحديث شواهد ترفعه لدرجة الصحيح لغيره .
(10) الصالح : ساقطة من (أ) .
(11) في (ب) : في هذا الدليل، ودليل . . إلخ .
(12) في (أ) : على جنس . وفي (ب) والمطبوعة : عن جنس .
(13) في (ط) : في هذا الجنس .

(1/259)


ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة، من بناء المساجد على القبور (1) ، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرم ملعون فاعله بالمستفيض من السنة، وليس هذا موضع استقصاء ما في ذلك من سائر الأحاديث والآثار ؛ إذ الغرض القاعدة الكلية، وإن كان تحريم ذلك قد ذكره غير واحد من علماء الطوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ؛ ولهذا كان السلف من الصحابة والتابعين يبالغون في المنع مما يجر إلى مثل هذا .
وفيه من الآثار ما لا يليق (2) ذكره هنا، حتى روى أبو يعلى الموصلي (3) في مسنده : (4) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (5) ، حدثنا زيد (6) بن الحباب (7) ، حدثنا جعفر بن إبراهيم (8) - من ولد ذي الجناحين - حدثنا علي بن عمر (9) ، عن أبيه (10) ، عن علي بن حسين (11) : أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، فقال : " ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي (12) عن النبي (13) صلى الله عليه وسلم ؟ قال : « لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم » . وأخرجه محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ (14) في مستخرجه (15) .
_________
(1) من أكبر المصائب التي دهت المسلمين في عصورهم المتأخرة تساهل فريق منهم في بناء المساجد والقباب على القبور، ثم إصرارهم على هذه البلية، وهم الآن يستزيدون منها رغم نصح الناصحين، وتبصير المستبصرين لهم، وأنت ترى توافر النصوص وثبوتها في التحذير والنهي عن ذلك، بل إن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما اهتم بشيء في مرض موته كاهتمامه بهذا الأمر الخطير أن تقع فيه أمته، ومع هذا لا نزال نرى لهذه البدعة قبولا وانتشارا ونسمع لها أئمة ودعاة ومنافحين، ولم يقتصر الأمر على مجرد البناء على القبور، بل لقد اتخذت هذه القبور مزارات ومعابد وقبلات، يطاف بها ويدعى فيها المخلوقون من دون الخالق، فنسأل الله أن يطهر بلاد المسلمين وقلوب من ابتلي منهم من هذا الرجس .
(2) لا يليق ذكره : أي لا يتأتى ولا يمكن، لكثرته وطوله .
(3) هو : أحمد بن علي بن المثنى التميمي الموصلي، أبو يعلى، الحافظ، من أشهر علماء الحديث في عصره، نعته الذهبي بمحدث الموصل، وله مصنفات، منها : المعجم، ومسندان ؛ صغير وكبير، وكان ثقة صالحا متقنا، توفي سنة (307 هـ) وعمره (99) . انظر : شذرات الذهب (2 / 250) ؛ والأعلام للزركلي (1 / 171) .
(4) في المطبوعة : بسنده .
(5) هو : عبد الله بن محمد بن إبراهيم - وإبراهيم هو أبو شيبة - بن عثمان، أبو بكر بن شيبة الكوفي، الواسطي الأصل، صاحب التصانيف المشهورة، من الثقات الحفاظ المشاهير، من الطبقة العاشرة، توفي سنة (235 هـ) . انظر : تقريب التهذيب (1 / 445)، ترجمة رقم (589) ع .
(6) في المطبوعة : يزيد، وهو خطأ، وفي جميع النسخ زيد .
(7) هو : زيد بن الحباب، أبو الحسين، العكلي، كان بالكوفة، وأصله من خراسان، قال ابن حجر في التقريب : « صدوق يخطئ في حديث الثوري » . أخرج له مسلم وأصحاب الكتب الستة عدا البخاري، توفي سنة (203 هـ) . انظر : تقريب التهذيب (1 / 273)، (ت 178) ز .
(8) هو : جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال ابن حجر في لسان الميزان : « قال ابن حبان : يعتبر بحديثه من غير روايته عن أبيه » . انظر : الجرح والتعديل (2 / 474)، (ت 1928) ؛ ولسان الميزان (2 / 106- 107)، (ت 432) ج .
(9) هو : علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه، وكذلك ذكره البخاري في التاريخ الكبير، وقال : روى عنه جعفر بن إبراهيم، ولم يذكر عنه شيئا أيضا . انظر : الجرح والتعديل (6 / 196)، (ت 1078) ؛ والتاريخ الكبير (6 / 289)، (ت 2431) .
(10) هو : عمر بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وسكت عنه، وكذلك البخاري في التاريخ الكبير . انظر : الجرح والتعديل (6 / 124)، (ت 677) ؛ والتاريخ الكبير (6 / 179)، (ت 2097) .
(11) كذا في (أ)، وهو الأصح، وفي المطبوعة والنسخ الأخرى : ابن الحسن . وهو : علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، زين العابدين . قال ابن حجر : « ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور » ، قال ابن عيينة : عن الزهري : « ما رأيت قرشيا أفضل منه » . من الثالثة . مات سنة (93 هـ)، أخرج له الستة . انظر : تقريب التهذيب (2 / 35)، (ت 321) ع .
(12) أبوه الحسين بن علي، وجده علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما .
(13) في (أ ط) : عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(14) هو : ضياء الدين محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدي المقدسي الصالحي، الحافظ الإمام، محدث عصره، ولد سنة (569 هـ)، وله مصنفات كثيرة في الفقه والحديث والتوحيد . لم أجد مستخرجه الذي أشار إليه المؤلف هذا ذكرا إلا أن يكون كتابه (الأحاديث المختارة)، لأنه في الأحاديث التي يصلح أن يحتج بها سوى ما في الصحيحين، ويرجح هذا ما سيذكره المؤلف في هذا الكتاب . انظر (2 / 141) . توفي سنة (643 هـ) . انظر : الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (2 / 236- 241) .
(15) أشار ابن حجر في لسان الميزان إلى هذا الحديث عند ترجمة جعفر بن إبراهيم، وخرجه من أكثر من طريق : الأولى : أشار إليها المؤلف هنا عن أبي يعلى الموصلي وذكرها مختصرة . الثانية : عن إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتابه فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . الثالثة : عن ابن أبي عاصم في كتاب فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذكر في الأخيرة آخر الحديث فقط، وفصل الأولى . انظر : لسان الميزان (2 / 106، 107) في ترجمة جعفر بن إبراهيم (432) ج . وللحديث شاهد جيد أيضا سيشير إليه المؤلف في الصفحة التالية، كما ذكره السيوطي في الجامع الصغير بلفظ : « صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا، ولا تتخذوا بيتي عيدا، وصلوا علي وسلموا، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم » ، وقال السيوطي : حديث صحيح (2 / 97) . كما أخرجه الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتاب فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإسناد آخر عن علي بن حسين وبألفاظ مقاربة لما ذكره المؤلف هنا، الحديث رقم (20)، (ص 10، 11)، والحديث بمجموع طرقه وشواهده يصل لدرجة الصحيح إن شاء الله .

(1/260)


وروى سعيد بن منصور في سننه : حدثنا عبد العزيز بن محمد (1) ، أخبرني سهيل بن أبي سهيل (2) ، قال : " رآني الحسن بن الحسن (3) بن علي بن أبي طالب (4) رضي الله عنه عند القبر فناداني، وهو في بيت فاطمة (5) يتعشى، فقال : هلم إلى العشاء، فقلت : لا أريده، فقال : مالي رأيتك عند القبر ؟ قلت : سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : " إذا دخلت المسجد فسلم . ثم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم » ، ما أنت ومن بالأندلس إلا سواء " (6) .
ولهذا ذكر الأئمة - أحمد وغيره، من أصحاب مالك وغيرهم - : إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وقال ما ينبغي له أن يقول، ثم أراد أن يدعو، فإنه يستقبل القبلة (7) ويجعل الحجرة عن يساره .
_________
(1) هو : عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي المدني، أبو محمد، صدوق سيئ الحفظ يخطئ، مات سنة (186 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (6 / 353- 355)، (ت 677) ع .
(2) في (ب ج د) : سهل . ولعل (سهيل) أصح، ولم أجد له ترجمة وافية، لكن أشار إليه البخاري في التاريخ الكبير، وقال : « سهيل عن حسن بن حسن، روى عنه محمد بن عجلان، منقطع » ، كما أشار إليه ابن أبي حاتم الرازي في الجرح والتعديل وسكت عنه . انظر : التاريخ الكبير (4 / 105)، (ت 2122) و . انظر : الجرح والتعديل (4 / 249)، (ت 1071) .
(3) في المطبوعة : رآني علي الحسن بن علي . وهو خطأ . وفي (ط) : رأى الحسن بن علي . وهو خطأ كذلك .
(4) قال ابن حجر عنه : « صدوق من الرابعة » ، مات سنة (97 هـ)، وعمره بضع وخمسون سنة . انظر : تقريب التهذيب (1 / 165)، ترجمة (262) ح .
(5) هي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم . وتأتي ترجمتها رضي الله عنها (ص 434) .
(6) أخرجه بهذا الإسناد الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي، في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الحديث رقم (30)، وليس فيه قوله : « وما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء » ، وأخرجه بإسناد آخر في الحديث رقم (20)، وفي ألفاظه اختلاف يسير، وقد أشرت إليه في هامش الحديث السابق، وقوله : « ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء » ، من كلام الحسن لا من كلام الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم . والله أعلم . وأخرجه البزار بمسنده عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « لا تجعلوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلوا عليَّ وسلموا فإن صلاتكم تبلغني » ، وقال البزار عن هذا : وهذا غير منكر وقد روي من غير وجه : « لا تجعلوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا » . كشف الأستار عن زوائد البزار (1 / 339، 340)، رقم (707) . انظر : التوسل والوسيلة للمؤلف (ص 73) .
(7) انظر : إعانة الطالبين (2 / 143) للسيد البكري .

(1/261)


فصل (1)
_________
(1) في المطبوعة زاد الناشر : « في ذكر فوائد خطبته صلى الله عليه وعلى آله وسلم العظيمة في يوم عرفة » ، وكان الأولى أن يوضع في الهامش الأسفل أو الجانبي ؛ لأنه لا يوجد في النسخ المخطوطة . وكلمة (فصل) سقطت من المطبوعة .

(1/262)


روى مسلم في صحيحه، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين (1) ، عن أبيه (2) عن جابر في حديث حجة الوداع، قال : " حتى إذا زالت الشمس - يعني يوم عرفة - أمر بالقصواء (3) فرحلت له (4) ، فأتى بطن الوادي (5) ، فخطب الناس وقال : « إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم (6) هذا، في شهركم هذا (7) في بلدكم هذا (8) ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي (9) موضوع (10) ، ودماء الجاهلية موضوعة (11) ، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث - كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل-، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من (12) ربانا ربا العباس بن عبد المطلب (13) فإنه موضوع كله . فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ؛ ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ؛ ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به : كتاب الله، وأنتم تسألون عني (14) فماذا أنتم قائلون ؟ " . قالوا : نحن نشهد أنك قد بلغت، وأديت ونصحت . فقال - بإصبعه السبابة (15) ، يرفعها إلى السماء وينكبها (16) إلى الناس- : " اللهم اشهد (17) - ثلاث مرات - " ، ثم أذن، فأقام (18) فصلى الظهر ؛ ثم أقام، فصلى العصر، ولم يصل
_________
(1) هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الشهير بجعفر الصادق، من الأئمة الثقات الفقهاء المشاهير، أخرج له البخاري ومسلم وسائر أصحاب السنن، توفي سنة (148 هـ) . انظر : تقريب التهذيب (1 / 132)، ترجمة (92) ج .
(2) هو : محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، من الأئمة الثقات الفضلاء المشاهير، أخرج له البخاري ومسلم وسائر الأئمة، توفي سنة (110 هـ) . انظر : تقريب التهذيب (2 / 192)، ترجمة (542) م .
(3) القصواء : اسم ناقته صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(4) له : سقطت من (ط) . ورحلت له : أي شد على ظهرها الرحل ليركبها . انظر : مختار الصحاح، مادة (ر ح ل)، (ص 237) .
(5) وادي عرنة .
(6) أي : يوم عرفة .
(7) أي : شهر ذي الحجة .
(8) أي : البلد الحرام (مكة) .
(9) في (ب) قال : قدمي هذا . وهو خلاف ما في مسلم والنسخ الأخرى .
(10) أي : باطل ومرفوض .
(11) أي : باطلة وهدر، لا قود لها بعد الإسلام ؛ لأنها إنما قامت على الظلم والحمية والعصبية الجاهلية .
(12) من ربانا : سقطت من (ج د) . وهي في مسلم موجودة . وفي (أ ط) : « من » ساقطة .
(13) هو : عم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم . مرت ترجمته . انظر : فهرس الأعلام .
(14) عني : ساقطة من (ك أ) .
(15) السبابة هي التي تلي الإبهام، فأصابع اليد بالترتيب هي : 1- الإبهام، 2- السبابة، 3- الوسطى، 4- الخنصر، 5- البنصر .
(16) في المطبوعة : (وينكتها) . وكلا اللفظين وارد . انظر : هامش صحيح مسلم (2 / 890) تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي .
(17) في (أ ط) : اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات .
(18) في (أ ط) : ثم أقام .

(1/263)


بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف » وذكر تمام الحديث (1) .
فقال (2) صلى الله عليه وسلم : « كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع » (3) . وهذا يدخل فيه ما كانوا عليه من العادات والعبادات، مثل دعواهم : يا لفلان (4) ، ويا لفلان، ومثل أعيادهم، وغير ذلك من أمورهم .
ثم خص - بعد ذلك - الدماء والأموال التي كانت تستباح باعتقادات جاهلية، من الربا الذي كان في ذمم أقوام، ومن قتيل قتل في الجاهلية قبل إسلام القاتل وعهده، أو قبل إسلام المقتول وعهده : إما لتخصيصها بالذكر بعد العام، وإما لأن (5) هذا إسقاط لأمور معينة، يعتقد (6) أنها حقوق، لا لسنن عامة لهم، فلا تدخل في الأول، كما لم تدخل الديون التي ثبتت ببيع صحيح، أو قرض، ونحو ذلك .
ولا يدخل في هذا اللفظ : ما كانوا عليه في الجاهلية، وأقره الله في الإسلام، كالمناسك، وكدية المقتول بمائة (7) ، وكالقسامة، ونحو ذلك ؛ لأن أمر الجاهلية معناه المفهوم منه : ما كانوا عليه مما لم يقره الإسلام، فيدخل في ذلك : ما كانوا عليه وإن لم (8) ينه في الإسلام عنه بعينه .
_________
(1) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حديث رقم (1218)، (2 / 886) وما بعدها .
(2) في المطبوعة : يقول .
(3) من الحديث السابق .
(4) في (أ) : يال فلان . وفي (ط) : يا فلان ويا فلان .
(5) في (ط) : وأما أن .
(6) في المطبوعة : يعتقدون .
(7) في المطبوعة : من الإبل .
(8) في (د) : ولم ينه عنه .

(1/264)


وأيضا ما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث عياش (1) بن عباس (2) عن أبي الحصين (3) - يعني الهيثم بن شفي (4) - قال : " خرجت أنا وصاحب لي يُكنى أبا عامر - رجل من المعافر (5) - لنصلي (6) بإيلياء (7) ، وكان قاصهم رجل (8) من الأزد يقال له : أبو ريحانة (9) ، من الصحابة . قال أبو الحصين : فسبقني صاحبي إلى المسجد، ثم ردفته فجلست إلى جنبه، فسألني : هل أدركت قصص أبي ريحانة ؟ قلت : لا . قال : سمعته يقول : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشر : عن الوشر (10) ؛ والوشم (11) ؛ والنتف (12) ؛ وعن مكامعة (13) الرجل الرجل بغير شعار ؛ ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار ؛ وأن يجعل الرجل بأسفل ثيابه حريرا، مثل الأعاجم ؛ أو يجعل على منكبيه حريرا، مثل الأعاجم ؛ وعن النهبى (14) ؛ وركوب النمور (15) ؛ ولبوس الخاتم إلا لذي سلطان " (16) . وفي رواية عن أبي ريحانة قال : " بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . " (17) هذا الحديث محفوظ من حديث عياش بن عباس . رواه عنه المفضل (18) بن فضالة، وحيوة بن شريح المصري (19) ، ويحيى بن أيوب (20) . وكل منهم ثقة، وعياش بن عباس روى له مسلم، وقال يحيى بن معين : " ثقة " (21) . وقال أبو حاتم : " صالح " (22) . وأما أبو الحصين - الهيثم بن شَفِيّ - قال الدارقطني : شَفِيّ
_________
(1) في (أ) : من حديث عباس عن أبي الحصين . وفي (ب ط) : من حديث عياش بن عياش . والصحيح ما أثبته .
(2) هو : عياش بن عباس القتباني المصري، قال ابن حجر : « ثقة » من الطبقة السادسة، روى له مسلم وبقية أصحاب الكتب الستة عدا البخاري، مات سنة (133 هـ)، وسيتكلم المؤلف في توثيقه بعد سرد الحديث . انظر : تقريب التهذيب (2 / 95)، (ت 849) ع .
(3) في المطبوعة : المصري .
(4) هو : الهيثم بن شفي الرعيني، أبو الحصين، الحجري، المصري، ثقة، من الطبقة الثانية . انظر : تقريب التهذيب (2 / 327)، (ت 177) .
(5) هو عبد الله بن جابر المعافري الحجري، المصري، مقبول، من الثالثة، أخرج له أبو داود والنسائي . تقريب التهذيب (2 / 444)، (ت 15) .
(6) في (أ) : لنصلي ماء بايليا . وهو خلط من الناسخ .
(7) إيلياء : هي بيت المقدس . انظر : معجم البلدان لياقوت (1 / 293) .
(8) في (ج د) : رجلا . على أنه خبر كان . ومعنى قاصهم : الذي يتلو عليهم الأخبار والأحاديث والقصص والمواعظ .
(9) هو : سمعون بن يزيد بن خنافة، الأزدي، صحابي جليل، صحب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وروى عنه أحاديث، وسكن بيت المقدس، وشهد فتح دمشق، وقدم مصر، واشتهر بكنيته : أبو ريحانة . انظر : أسد الغابة (3 / 3) ش م .
(10) الوشر : هو أن تحدد المرأة أسنانها وترققها . انظر : مختار الصحاح، مادة (و ش ر)، (ص 723) .
(11) الوشم : غرز الجلد بإبرة ونحوها وذر شيء عليها يصبغ الجلد . انظر : مختار الصحاح، مادة (و ش م)، (ص 723) .
(12) المقصود بالنتف هنا : نتف المرأة الشعر من وجهها، أو نتف الرجل لحيته أو حاجبه، ونتف الشعر الأبيض، ونتف الشعر عند المصيبة، ونحو ذلك . انظر : عون المعبود (11 / 97) .
(13) المكامعة : المضاجعة بين الرجلين أو المرأتين بدون ستر بينهما . انظر : مختار الصحاح، مادة (ك م ع)، (ص 579) .
(14) في (ب) : النهي . وهو خطأ . والنهبى : من النهب وهو الغارة والسلب، كما تطلق على ما ينهب أيضا . انظر : لسان العرب (1 / 773، 774)، مادة (نهب) .
(15) أي : ركوب جلود النمور، قيل : لأنها من زي الأعاجم . انظر : عون المعبود (11 / 98) .
(16) سنن أبي داود، كتاب اللباس، باب من كرهه (أي الحرير)، حديث رقم (4049)، (4 / 325، 326) ؛ وسنن النسائي، في كتاب الزينة، باب النتف، (8 / 143، 144) ؛ ومسند أحمد (4 / 134) . وذكره السيوطي في الجامع الصغير (2 / 701)، الحديث رقم (9494)، وقال : « حديث حسن » ولم أجده في سنن ابن ماجه .
(17) أخرجه النسائي بلفظ : « بلغنا » ، كتاب الزينة، باب تحريم الوشر (8 / 149) .
(18) هو : المفضل بن فضالة بن عبيد بن ثمامة الرعيني، ثم القتباني، أبو معاوية، المصري القاضي، من أهل الفضل والدين، ثقة في الحديث، توفي سنة (181 هـ)، وكانت ولادته سنة (107 هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (10 / 273، 274)، (ت 491) م .
(19) هو : حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي، أبو زرعة، المصري، قال ابن حجر في التقريب : « ثقة ثبت فقيه زاهد، من السابعة، مات سنة ثمان، وقيل : تسع وخمسين » ، يعني : ومائة (158 هـ) . روى له أصحاب الكتب الستة . انظر : تقريب التهذيب (1 / 208)، (ت 658) ح .
(20) هو : يحيى بن أيوب الغافقي، أبو العباس، المصري، قال ابن حجر : « صدوق ربما أخطأ، من السابعة » ، توفي سنة (168 هـ)، روى له أصحاب الكتب الستة . انظر : التقريب (2 / 343)، (ت 22) ي .
(21) انظر : الجرح والتعديل (7 / 6) .
(22) انظر : الجرح والتعديل (7 / 6) .

(1/265)


بفتح الشين وتخفيف الفاء، وأكثر المحدثين يقولون : شُفَيّ، وهو غلط . وأبو عامر الحجري (1) ، فشيخان، قد روى عن كل واحد (2) منهما أكثر من واحد . وهما من الشيوخ القدماء .
وهذا الحديث قد أشكل على أكثر الفقهاء، من جهة أن يسير الحرير قد دل على جوازه نصوص متعددة، ويتوجه تحريمه على الأصل، وهو : أن يكون صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما كره أن يجعل الرجل على أسفل ثيابه، أو على منكبيه حريرا، مثل الأعاجم، فيكون المنهي عنه نوعا كان (3) شعارا للأعاجم . فنهى عنه (4) لذلك، لا لكونه حريرا ؛ فإنه لو كان النهي (5) عنه لكونه حريرا لعم الثوب كله، ولم يخص هذين الموضعين، ولهذا قال فيه : " مثل الأعاجم " .
_________
(1) في المطبوعة : الأزدي .
(2) واحد : سقطت من (أ ب ط) .
(3) في (أ) : شعار الأعاجم . وفي (ط) : أو شعارا للأعاجم .
(4) في (أ) : كذلك .
(5) في (ب) : المنهي عنه .

(1/266)


والأصل في الصفة : أن تكون لتقييد الموصوف، لا لتوضيحه . وعلى هذا يمكن تخريج ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن سعيد بن أبي عروبة (1) ، عن قتادة، عن الحسن، عن (2) عمران بن حصين، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا أركب الأرجوان (3) ، ولا ألبس المعصفر، ولا ألبس القميص المكفف بالحرير " . قال (4) : فأومأ الحسن إلى جيب قميصه، قال : وقال : " ألا (5) وطيب الرجال ريح لا لون له، ألا وطيب النساء لون لا ريح له » . قال سعيد : " أراه قال : إنما حملوا قوله في طيب النساء : على أنها إذا خرجت، فأما إذا كانت عند زوجها فلتطيب بما شاءت " (6) . أو يخرج هذا الحديث على الكراهية فقط .
وكذلك قد يقال في الحديث الأول (7) ، لكن في ذلك نظر .
وأيضا، ففي الصحيحين عن رافع بن خديج (8) قال : « قلت : يا رسول الله! إنا لاقو العدو غدا، وليس معنا مدى (9) ، أفنذبح بالقصب (10) ؟ فقال : ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكل، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن : فعظم، وأما الظفر : فمدى الحبشة » (11) .
_________
(1) هو : سعيد بن أبي عروبة، مهران اليشكري - مولاهم - البصري، أبو النضر، قال ابن حجر : « ثقة حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة » ، من الطبقة السابعة، توفي سنة (156 هـ)، وأخرج له أصحاب الكتب الستة . انظر : تقريب التهذيب (1 / 302)، (ت 226) .
(2) في (أ) : عن الحسن بن عمران . وهو تحريف من الناسخ .
(3) الأرجوان : يطلق على شجر له ورد، ويطلق على الصبغ الأحمر، وعلى الثوب المصبوغ بالأحمر، وهذا الأخير هو المعني في الحديث . قال الخطابي : في معالم السنن : « وأراه أراد به المياثر الحمر وقد تتخذ من ديباج وحرير، وقد ورد فيه النهي . . » . معالم السنن للخطابي في هامش سنن أبي داود (4 / 324) . وانظر : المعجم الوسيط (1 / 13)، باب الهمزة .
(4) قال : سقطت من المطبوعة .
(5) في (أ) : إلا طيب . فأسقط واو العطف .
(6) انظر : سنن أبي داود، كتاب اللباس، باب من كرهه (أي : لبس الحرير)، حديث رقم (4048)، (4 / 324) . وللحديث شاهد في الترمذي، الحديث رقم (2788)، كتاب الأدب، باب طيب الرجال والنساء (5 / 107) . وقال الترمذي : « هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه » . وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (3 / 246) .
(7) وهو حديث أبي ريحانة الذي جاء النهي فيه عن أن يجعل الرجل في أسفل ثيابه وعلى منكبيه حريرا مثل الأعاجم، أي أنه يخرج على الكراهة .
(8) هو الصحابي الجليل : رافع بن خديج بن رافع بن عدي بن يزيد الأنصاري الأوسي، استصغره الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم أحد وأجازه فخرج بها وما بعدها، وكان عريف قومه في المدينة، ومات بها على أثر جراح أصابته يوم أحد، فانتقضت عليه بعد عمر طويل سنة (59 هـ)، وقيل : (73)، وعمره (86) سنة . انظر : الإصابة (1 / 495 - 496)، (ت 2526) د .
(9) المدى : جمع مدية وهي الشفرة (السكين) . انظر : مختار الصحاح، مادة (م د ى)، (ص 619) .
(10) القصب : قال في لسان العرب : « القصب كل نبات ذو أنابيب، واحدتها قصبة، وكل نبات كان ساقه أنابيب وكعوبا فهو قصب » . انظر : لسان العرب (1 / 674)، مادة (قصب) .
(11) انظر : صحيح البخاري، كتاب الشركة، باب قسمة الغنم، حديث رقم (2488) من فتح الباري (5 / 131)، وأيضا الأرقام (2507)، (3075) وغيرها . وصحيح مسلم، كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، إلا السن والظفر وسائر العظام، حديث رقم (1968)، (3 / 1558) .

(1/267)


نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذبح بالظفر، معللا بأنها (1) مدى الحبشة، كما علل السن : بأنه عظم . وقد اختلف الفقهاء في هذا، فذهب أهل الرأي : إلى أن علة النهي كون الذبح بالسن والظفر يشبه الخنق، أو هو مظنة الخنق، والمنخنقة محرمة، وسوغوا على هذا : الذبح بالسن والظفر المنزوعين ؛ لأن التذكية بالآلات المنفصلة المحددة (2) ، لا خنق فيه . والجمهور منعوا من ذلك مطلقا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى السن والظفر مما أنهر الدم (3) ، فعلم أنه من المحدد الذي لا يجوز التذكية به، ولو كان لكونه خنقا، لم يستثنه، والمظنة إنما تقام مقام الحقيقة إذا كانت الحكمة خفية أو غير منضبطة، فأما مع ظهورها وانضباطها فلا .
وأيضا، فإنه مخالف لتعليل رسول الله صلى الله عليه وسلم المنصوص في الحديث، ثم اختلف هؤلاء : هل يمنع من التذكية بسائر (4) العظام، عملا بعموم العلة ؟ على قولين، في مذهب أحمد وغيره .
_________
(1) في (ب ج د) : بأنه . و (بأنها) أصح لغة .
(2) في (ب) والمطبوعة : المحدودة .
(3) انظر : المغني والشرح الكبير (11 / 43، 45) من المغني . وانظر : بداية المجتهد ونهاية المقتصد (1 / 548، 549) .
(4) في (أ) : بساير الطعام . وفي (ط) : كسائر العظام .

(1/268)


وعلى الأقوال الثلاثة (1) ، فقوله صلى الله عليه وسلم : « وأما الظفر، فمدى الحبشة » بعد قوله : « سأحدثكم عن ذلك » يقتضي أن هذا الوصف - وهو كونه مدى الحبشة - له تأثير في المنع : إما أن يكون علة، أو دليلا على العلة ؛ أو وصفا من أوصاف العلة، أو دليلها (2) ، والحبشة في أظفارهم طول، فيذكون بها دون سائر الأمم، فيجوز أن يكون نهى (3) عن ذلك ؛ لما فيه من مشابهتهم فيما يختصون به .
وأما العظم : فيجوز أن يكون نهيه عن التذكية به (4) ، كنهيه عن الاستنجاء به ؛ لما فيه من تنجيسه على الجن، إذ الدم نجس، وليس الغرض هنا ذكر مسألة الذكاة بخصوصها (5) فإن فيها كلاما ليس هذا موضعه .
وأيضا، في الصحيحين عن الزهري (6) ، عن سعيد بن المسيب (7) قال : " البحيرة التي يمنح (8) درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة : كانوا يسيبونها لآلهتهم، لا يحمل عليها شيء " ، وقال : قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رأيت عمرو بن عامر الخزاعي (9) يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب » (10) .

_________
(1) هي بإيجاز : أولا : أن علة النهي بالذبح بالسن والظفر كونه يشبه الخنق، وعلى هذا يجوز الذبح بالسن والظفر المنزوعين . ثانيا : المنع من الذبح بهما مطلقا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استثناهما مما أنهر الدم، فهو من المحدد الذي لا يجوز التذكية به . ثالثا : أن النهي يشمل سائر العظام عملا بعموم الأدلة .
(2) أي دليل العلة .
(3) في المطبوعة : نهيه .
(4) به : ساقطة من (أ) .
(5) في (ب) : خصوصها .
(6) هو الإمام : محمد بن مسلم بن شهاب . مرت ترجمته . انظر : فهرس الأعلام .
(7) هو الإمام : سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي، من أئمة التابعين وعلمائهم الأثبات، ومن الفقهاء الكبار، قال ابن حجر : « من كبار الثانية، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، وقال ابن المديني : لا أعلم في التابعين أوسع علما منه » . مات بعد التسعين هجرية وقد ناهز الثمانين . انظر : تقريب التهذيب (1 / 305، 306)، (ت 260) س .
(8) في (ط) : يمنع ردها الطواغيت .
(9) ذكر عنه المؤلف ما يكفي للتعريف به . وانظر : فتح الباري (6 / 547 - 549) .
(10) صحيح البخاري، كتاب المناقب وباب قصة خزاعة، حديث رقم (3521) من فتح الباري (6 / 547) ؛ وصحيح مسلم، كتاب الجنة، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، تابع الحديث رقم ( 2856)، ( 4 / 2192) . انظر : هامش صحيح مسلم ( 4 / 2191) .

(1/269)


وروى مسلم، من حديث سهيل (1) بن أبي صالح ، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف ، أخا (2) بني كعب، وهو يجر قصبه في النار » (3) .
وللبخاري، من حديث أبي صالح (4) ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، أبو خزاعة » (5) .
هذا من العلم المشهور : أن عمرو بن لحي هو (6) أول من نصب الأنصاب حول البيت، ويقال : إنه جلبها من البلقاء (7) ، من (8) أرض الشام، متشبها بأهل البلقاء، وهو أول من سيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه « يجر قصبه في النار » وهي الأمعاء ومنه سمي القصاب بذلك ؛ لأنها تشبه القصب، ومعلوم أن العرب قبله كانوا على ملة أبيهم إبراهيم على شريعة التوحيد، والحنيفية السمحة، دين أبيهم (9) إبراهيم .
_________
(1) في ( أ ) : سهل . والصحيح ما أثبته، وهو : سهيل بن أبي صالح، ذكوان السمان، أبو يزيد، المدني، صدوق، أخرج له الخمسة والبخاري تعليقا ومقرونا . توفي في خلافة المنصور . انظر : تقريب التهذيب (1 / 338)، ( ت 580) .
(2) في بعض نسخ مسلم : أبا بني كعب .
(3) صحيح مسلم، الكتاب والباب السابقان، حديث رقم ( 2856)، ( 4 / 2191- 2192) .
(4) هو : ذكوان، أبو صالح، السمان الزيات المدني، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني، من الثقات الأجلاء الصالحين، أخرج له الستة، توفي سنة (101هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (3 / 219 - 220 )، ( ت 417) .
(5) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب قصة خزاعة، الحديث رقم (3520) من فتح الباري (6 / 547) .
(6) هو : ساقطة من ( أ ط ) .
(7) البلقاء : هي البلاد الواقعة بين الشام ووادي القرى شمال جزيرة العرب، وقاعدتها عمّان، فهي تشكل جزءا من الأردن الآن، وكانت قديما من أعمال دمشق . انظر : معجم البلدان لياقوت (1 / 489).
(8) من : ساقطة من (أ) .
(9) أبيهم : ساقطة من (أ ب ط) .

(1/270)


فتشبه عمرو بن لحي - وكان عظيم أهل مكة يومئذ ؛ لأن خزاعة كانوا ولاة البيت قبل قريش، وكان سائر العرب متشبهين بأهل مكة ؛ لأن فيها بيت الله، وإليها الحج، ما زالوا معظمين من زمن إبراهيم عليه السلام -، فتشبه عمرو بمن رآه في الشام، واستحسن بعقله ما كانوا عليه، ورأى أن في تحريم ما حرمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، تعظيما لله ودينا، فكان ما فعله أصل الشرك في العرب، أهل دين إبراهيم، وأصل تحريم الحلال، وإنما فعله متشبها فيه بغيره من أهل الأرض، فلم يزل الأمر يتزايد ويتفاقم حتى غلب على أفضل الأرض الشرك بالله عز وجل، وتغيير دينه (1) ، إلى أن بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فأحيا ملة إبراهيم عليه السلام وأقام التوحيد، وحلل ما كانوا يحرمونه .
_________
(1) في المطبوعة : وتغير دينه الحنيف، وهو خلاف جميع النسخ .

(1/271)


وفي سورة الأنعام، من عند قوله تعالى : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا } إلى قوله : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ } (1) إلى آخر السورة، خطاب مع هؤلاء الضرب ؛ ولهذا يقول تعالى في أثنائها : { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ } (2) .
ومعلوم أن مبدأ هذا التحريم : ترك الأمور المباحة تدينا، وأصل هذا التدين : هو من التشبه بالكفار، وإن لم يقصد (3) التشبه بهم .
فقد تبين لك : أن من أصل دروس دين الله وشرائعه، وظهور الكفر والمعاصي : التشبه بالكافرين، كما أن من أصل كل خير : المحافظة على سنن الأنبياء وشرائعهم، ولهذا عظم وقع البدع في الدين، وإن لم يكن فيها تشبه بالكفار، فكيف إذا جمعت الوصفين ؟
ولهذا جاء في الحديث : « ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع عنهم من السنة مثلها » (4) .
_________
(1) سورة الأنعام : من الآيات 136-140 .
(2) سورة الأنعام : من الآية 148 .
(3) في المطبوعة : وإن لم يقصد المتدين . وهي زيادة ليست في النسخ المخطوطة .
(4) أخرج أحمد في مسنده عن غضيف بن الحرث في حديث جاء في آخره . قال : لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : « ما أحدث قوم بدعة إلا رفع الله مثلها من السنة . . » الحديث . المسند ( 4 / 105) وذكره السيوطي في الجامع الصغير، وقال : « حديث حسن » . الجامع الصغير (2 / 480)، حديث رقم (7790) .

(1/272)


وأيضا، فقد (1) روى أبو داود في سننه، وغيره من حديث هشيم (2) أخبرنا أبو بشر (3) عن أبي عمير بن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أنس (4) عن عمومة له من الأنصار، قال : « اهتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة، كيف يجمع الناس لها ؟ فقيل له : انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن (5) بعضهم بعضا، فلم يعجبه ذلك، قال : فذكروا له القُنْع (6) شبور اليهود، فلم يعجبه ذلك، وقال : " هو من أمر اليهود " ، قال : فذكروا (7) له الناقوس، فقال : " هو من فعل (8) النصارى " ، فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه (9) ، وهو مهتم لِهَمِّ النبي صلى الله عليه وسلم ، فأري الأذان في منامه، قال : فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال : يا رسول الله! إني لبين نائم ويقظان، إذ أتاني آت، فأراني الأذان، قال : وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوما قال : ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " له ما منعك أن تخبرنا ؟ " ، فقال : سبقني عبد الله بن زيد، فاستحييت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله " قال : " فأذن بلال " ، قال : أبو بشر : "
_________
(1) في ( أ ط ) : فروى.
(2) هو : هشيم بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية بن أبي خازن، الواسطي، ثقة، حافظ، ثبت، متفق على إمامته، قال ابن حجر : « ثقة، ثبت، كثير التدليس، والإرسال الخفي » ، مات سنة (183هـ) وقد قارب الثمانين . انظر : تقريب التهذيب ( 2 / 320)، ( ت 103) هـ.
(3) هو : جعفر بن إياس، أبو بشر بن أبي وحشية، قال عنه ابن حجر : « ثقة، من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد » ، أخرج له الستة، وهو يعد من الطبقة الخامسة، توفي سنة ( 126هـ ) . انظر : تقريب التهذيب ( 1 / 129)، ( ت 70) ج .
(4) هو : أبو عمير بن أنس بن مالك الأنصاري، أكبر ولد أنس، وقيل : اسمه عبد الله، قال ابن حجر في التقريب : « ثقة » . انظر : تقريب التهذيب (2 / 456)، ( ت 192) .
(5) في ( أ ط ) : أذن .
(6) في ( ط ) : النقع .
(7) في ( أ ) : فذكر .
(8) في ( أ ط ) : هو من أمر النصارى.
(9) هو الصحابي الجليل : عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي الحارثي، شهد العقبة وبدرا وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومات سنة ( 32هـ) وعمره ( 64) سنة، وصلى عليه عثمان، رضي الله عنهما . انظر : الإصابة ( 2 / 312)، ( ت 4686) ؛ وأسد الغابة ( 3 / 165 - 167) .

(1/273)


فحدثني أبو عمير : أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد، لولا أنه كان يومئذ مريضا، لجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا » (1) .
وروى سعيد بن منصور في سننه : حدثنا أبو عوانة (2) ، عن مغيرة (3) ، عن عامر الشعبي (4) : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اهتم (5) بالصلاة اهتماما شديدا، تبين (6) ذلك فيه، وكان فيما اهتم به من أمر الصلاة (7) أن ذكر الناقوس، ثم قال : " هو من أمر (8) النصارى " . ثم أراد أن يبعث رجالا يؤذنون الناس بالصلاة، في الطرق، ثم قال : " أكره أن أشغل رجالا عن صلاتهم بأذان غيرهم " (9) ، وذكر رؤيا عبد الله بن زيد .
ويشهد لهذا ما أخرجاه في الصحيحين، عن أبي قلابة (10) ، عن أنس قال : « لما كثر الناس، ذكروا أن يعلموا (11) وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن ينوروا نارا، ويضربوا ناقوسا، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة » (12) .
_________
(1) انظر : سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب بدء الأذان، حديث رقم ( 498) و ( 1 / 335 - 337) .
(2) هو : وضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي البزار، أبو عوانة، اشتهر بكنيته، قال ابن حجر : « ثقة، ثبت من السابعة » ، روى له أصحاب الكتب الستة، وهو صاحب المسند، توفي سنة ( 176هـ ) . انظر : تقريب التهذيب ( 2 / 331)، (ت 33) و .
(3) هو : المغيرة بن مقسم الضبي، مولاهم، أبو هشام، الكوفي الفقيه، وثقة ابن معين والعجلي والنسائي وابن سعد وغيرهم، وكان يدلس، ذكره ابن حجر عن ابن فضل، توفي سنة (136هـ) . انظر : تهذيب التهذيب (10 / 269، 270)، (ت 482) .
(4) هو : عامر بن شراحيل الشعبي، الإمام المشهور، قال ابن حجر : « ثقة مشهور، فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول : ما رأيت أفقه منه » ، توفي سنة (103هـ) وعمره (80) سنة . انظر : تقريب التهذيب (1 / 387)، ( ت 46) ع .
(5) في المطبوعة : بأمر الصلاة .
(6) في المطبوعة : ليتبين .
(7) أن : سقطت من ( ج د ) .
(8) في المطبوعة : فعل .
(9) لم أجده في القسم المطبوع من سنن سعيد بن منصور .
(10) هو : عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي البصري، أبو قلابة، قال ابن حجر : « ثقة، فاضل، كثير الإرسال » أخرج له الستة، ومات بالشام هاربا من القضاء سنة ( 104هـ ) . انظر : التقريب (1 / 417)، (ت 319) ؛ وطبقات ابن سعد ( 7 / 183- 185) .
(11) في ( أ ط ) : يعلموهم .
(12) صحيح البخاري : كتاب الأذان، باب بدء الأذان، حديث رقم ( 603) من فتح الباري، (2 / 77) ؛ وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر بشفع الأذان ؛ وإيتار الإقامة، حديث رقم (378)، (1 / 286) .

(1/274)


وفي الصحيحين، عن ابن جريج (1) عن نافع عن ابن عمر قال : « كان المسلمون حين قدموا المدينة، يجتمعون فيتحينون الصلاة (2) ، وليس ينادي بهم أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم : اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم : قرنا مثل قرن اليهود، فقال عمر : أَوَلا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا بلال قم فناد بالصلاة » (3) .
ما يتعلق بهذا الحديث : من شرع (4) الأذان، ورؤيا عبد الله بن زيد وعمر، وأمر عمر أيضا بذلك، وما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان قد سمع الأذان ليلة أسري (5) به . إلى غير ذلك، ليس هذا موضع ذكره، وذكر الجواب عما قد يستشكل منه .
وإنما الغرض هنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كره بوق اليهود المنفوخ بالفم، وناقوس النصارى المضروب باليد، علل هذا بأنه من أمر اليهود، وعلل هذا بأنه من أمر النصارى ؛ لأن ذكر الوصف عقيب الحكم، يدل على أنه علة له، وهذا يقتضي نهيه عن كل ما هو من أمر اليهود والنصارى .
_________
(1) هو : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، مولاهم، المكي أبو الوليد، أحد الأعلام الفقهاء المشاهير، من الثقات الفضلاء، يرسل ويدلس، روى له أصحاب الكتب الستة وغيرهم، توفي سنة (150هـ) وقد جاوز السبعين . انظر : تقريب التهذيب (1 / 520)، ( ت 1324) ع ؛ وخلاصة تذهيب التهذيب (ص 244) .
(2) في المطبوعة : للصلاة، وفي البخاري كما أثبته من النسخ المخطوطة، وفي مسلم : للصلوات .
(3) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب بدء الأذان، حديث رقم (604) من فتح الباري، (2 / 77) ؛ وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب بدء الأذان، حديث رقم (377)،(1 / 285) .
(4) في المطبوعة : شرح .
(5) في ( ط ) : ليلة الإسراء به .

(1/275)


هذا مع أن قرن اليهود يقال : إن أصله مأخوذ عن موسى عليه السلام، وأنه كان يضرب بالبوق في عهده، وأما ناقوس النصارى فمبتدع، إذ عامة شرائع النصارى أحدثها أحبارهم ورهبانهم .
وهذا (1) يقتضي كراهة هذا النوع من الأصوات مطلقا في غير الصلاة (2) أيضا ؛ لأنه من أمر اليهود والنصارى، فإن النصارى يضربون بالنواقيس في أوقات متعددة غير أوقات عباداتهم .
وإنما شعار الدين الحنيف : الأذان المتضمن للإعلان بذكر الله، الذي به تفتح أبواب السماء، فتهرب (3) الشياطين، وتنزل الرحمة .
وقد ابتلي كثير من هذه الأمة، من الملوك وغيرهم، بهذا الشعار اليهودي والنصراني (4) ، حتى إنا رأيناهم في هذا الخميس الحقير (5) الصغير (6) يزفون (7) البخور، ويضربون له بنواقيس صغار، حتى إن من الملوك من كان يضرب بالأبواق، والدبادب (8) ، في أوقات الصلوات الخمس، وهو (9) نفس ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من كان يضرب بها طرفي النهار، تشبها منه - زعم (10) - بذي القرنين، ووكل ما دون ذلك إلى ملوك الأطراف .
_________
(1) في المطبوعة : وهو .
(2) في ( أ ط ) : في غير الصلوات .
(3) في ( أ ط ) : وتهرب الشياطين .
(4) في المطبوعة : شعار اليهود والنصارى .
(5) في ( أ ط ) : الحقير : ساقطة .
(6) الخميس الصغير : يوم من أيام النصارى التي يحتفلون بها، وهو الواقع قبل آخر خميس من أيام صومهم، ويحتفلون بهذا الخميس الصغير تقديما للاحتفال بيوم الخميس الكبير وهو آخر صوم النصارى، وهو عيد المائدة . انظر : التفاصيل عن هذا الخميس في (1 / 531)، وما بعدها من هذا الكتاب .
(7) في ( أ ) : يرقون البخور، وفي المطبوعة : يبخرون البخور، ومعنى يزفون البخور : يحملونه ويقدمونه .
(8) الدبادب : الطبول ونحوها.
(9) في ( ط ) : وهي .
(10) كذا في جميع النسخ المخطوطة، وفي المطبوعة : كما زعم، وهو أتم للمعنى .

(1/276)


وهذه المشابهة لليهود والنصارى، وللأعاجم (1) : من الروم والفرس، لما غلبت على ملوك المشرق (2) ، هي وأمثالها، مما خالفوا به هدي المسلمين، ودخلوا فيما كرهه الله ورسوله ؛ سُلِّط عليهم الترك الكافرون (3) ، الموعود بقتالهم، حتى فعلوا في العباد والبلاد ما لم يجر في دولة الإسلام مثله، وذلك تصديق قوله صلى الله عليه وسلم : « لتركبن سنن من كان قبلكم » (4) ، كما تقدم .
وكان المسلمون على عهد نبيهم، وبعده، لا يعرفون وقت الحرب إلا السكينة وذكر (5) الله سبحانه، قال قيس بن عباد : (6) - وهو من كبار التابعين (7) - : " كانوا يستحبون خفض الصوت : عند الذكر، وعند القتال، وعند الجنائز " (8) .
وكذلك سائر الآثار تقتضي أنهم كانت عليهم السكينة، في هذه المواطن، مع امتلاء القلوب بذكر الله، وإجلاله وإكرامه . كما أن حالهم في الصلاة كذلك .
وكان رفع الصوت في هذه المواطن الثلاثة (9) ، من عادة أهل الكتاب والأعاجم، ثم قد ابتلى بها كثير من هذه الأمة . وليس هذا موضع استقصاء ذلك .
_________
(1) وللأعاجم : ساقطة من ( ط ) .
(2) في ( ب ج د ) والمطبوعة : ملوك الشرق .
(3) في المطبوعة : سلط الله عليهم الترك الكافرين . والمقصود بالترك الكافرين هنا : التتار الذين اجتاحوا بلاد المسلمين في القرن السابع الهجري، وسيشير المؤلف إلى أن التتار هم بادية الترك (1 / 418)، كما ذكر القلقشندي في كتابه (القلائد في التعريف بقبائل عرب الزمان) أن التتار يدخلون في جنس الترك، (ص 28)، تحقيق إبراهيم الأنباري .
(4) مر الحديث وتخريجه ( ص 169) . انظر : فهرس الأحاديث .
(5) في ( ب ) : وذكر اسم الله تعالى.
(6) في المطبوعة : بن عبادة، وهو وهم، فالصحيح بن عباد .
(7) هو : قيس بن عباد الضبعي، البصري، أبو عبد الله، قال ابن حجر : « ثقة، من الثانية، مخضرم، مات بعد الثمانين، ووهم من عده من الصحابة » روى له البخاري ومسلم وغيرهما، مات بعد الثمانين هجرية . انظر : تقريب التهذيب (2 / 129)،( ت 152) ق .
(8) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الجنائز، باب كراهية رفع الصوت في الجنائز (4 / 74) . وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الجنائز، باب في رفع الصوت (4 / 274 ) . وانظر : مصنف عبد الرزاق (4 / 453) .
(9) في ( أ ط ) : الثلاث .

(1/277)


وأيضا، فعن عمرو بن ميمون الأودي (1) (2) قال : « قال عمر رضي الله عنه : كان أهل الجاهلية، لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون : أشرق ثبير، كيما نغير، قال : فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأفاض قبل طلوع الشمس » (3) .
وقد روي في هذا الحديث - فيما أظنه - أنه قال : « خالف هدينا هدي المشركين » (4) وكذلك (5) كانوا يفيضون من عرفات قبل الغروب (6) ، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإفاضة بعد الغروب، ولهذا : صار الوقوف إلى ما بعد الغروب واجبا عند جماهير العلماء، وركنا عند بعضهم، وكرهوا شدة الإسفار (7) صبيحة جمع .
ثم الحديث قد ذكر فيه قصد المخالفة للمشركين .
وأيضا فعن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة » متفق عليه (8) .
وعن جبير بن نفير (9) عن عبد الله بن عمرو قال : « رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين فقال : " إن هذه من ثياب الكفار، فلا (10) تلبسها » رواه مسلم (11) .
_________
(1) في المطبوعة : الأزدي، والصحيح كما هو مثبت : الأودي .
(2) هو : عمرو بن ميمون الأودي، أبو عبد الله، ويقال : أبو يحيي، ثقة، عابد، مشهور، روى له أصحاب الكتب الستة وغيرهم، مات سنة ( 74هـ ) . انظر : تقريب التهذيب (2 / 80)، ( ت 689) ع .
(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب متى يدفع من جمع، حديث رقم (1684) من فتح الباري، (3 / 531) مع اختلاف يسير في ألفاظه، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء أن الإفاضة قبل طلوع الشمس، حديث رقم (896)،(3 / 242) . وأحمد في المسند (1 / 39، 42، 50، 54) في مسند عمر بن الخطاب، وألفاظه قريبة من سياق المؤلف هنا .
(4) أخرج البيهقي في السنن الكبرى عن المسور بن مخرمة، وذكر حديثا عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه ذكر أن المشركين يدفعون من عرفة عند غروب الشمس حتى تكون على رؤوس الجبال، ثم قال : « هدينا مخالف هديهم » وذكر أنهم يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس، ثم قال : « هدينا مخالف لهديم » كما ذكره مرسلا أيضا . وقد اختصرت الحديث عن السنن الكبرى للبيهقي (5 / 125)، باب الدفع من المزدلفة .
(5) في ( ب ) : ولذلك .
(6) في ( أ ب ط ) : قبل غروب الشمس .
(7) في المطبوعة : بالفجر .
(8) أخرجه البخاري في كتاب الأشربة، باب الشرب في آنية الذهب، وباب آنية الفضة، حديث رقم (5632)، ورقم (5633)، (10 / 94 - 96) . ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة . . حديث رقم (2067)، من طرق كثيرة وألفاظ ( 3 / 1637- 1638) .
(9) هو : جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي، من الطبقة الثانية، مخضرم، ولأبيه صحبة، وهو ثقة جليل، روى له مسلم وأصحاب السنن الأربعة، والبخاري في الأدب المفرد، توفى سنة (80هـ) . انظر : تقريب التهذيب (1 / 126)، (ت 44) .
(10) في ( ج د ) : لا تلبسها.
(11) صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن لبس الرجل الثوب المعصفر، حديث رقم (2077) ، ( 4 / 1647 ) .

(1/278)


علل النهي عن لبسها بأنها : من ثياب الكفار، وسواء أراد أنها مما يستحله الكفار بأنهم (1) يستمتعون بخلاقهم في الدنيا، أو مما يعتاده الكفار لذلك .
كما أنه في الحديث قال : (2) إنهم يستمتعون بآنية الذهب والفضة في الدنيا، وهي للمؤمنين في الآخرة، ولهذا كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة تشبها بالكفار .
ففي الصحيحين عن أبي عثمان النهدي (3) ، قال : « كتب إلينا عمر رضي الله عنه ونحن بأذربيجان، مع عتبة بن فرقد : يا عتبة إنه ليس من كد أبيك، ولا من كد أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياكم (4) والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبوس الحرير، وقال : " إلا هكذا " - ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأصبعيه (5) الوسطى والسبابة وضمهما » (6) .
وروى أبو بكر الخلال، بإسناد عن محمد بن سيرين، أن حذيفة بن اليمان أتى بيتا، فرأى فيه حارستان (7) : فيه أباريق الصفر والرصاص، فلم يدخله، وقال : " من تشبه بقوم فهو منهم " (8) . وفي لفظ آخر : ( فرأى شيئا من زي العجم فخرج وقال : من تشبه بقوم فهو منهم) .
_________
(1) بأنهم : ساقطة من ( ج د ) .
(2) يقصد معنى الحديث، وليس هذا نصه، فقد ساق نصه في الحديث المتفق عليه قبل قليل .
(3) في ( ب ) : المهندي . والمطبوعة : الهندي . والصحيح كما هو مثبت، وهو : عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي النهدي، أبو عثمان، أسلم وصدق، ولم ير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وثقة ابن المديني وأبو حاتم والنسائي، من العباد الصالحين، توفي سنة (100هـ) وعمره أكثر من ( 130) سنة، انظر : خلاصة تهذيب الكمال (ص 235) .
(4) في المطبوعة : وإياك.
(5) في ( أ ط ) : أصبعيه.
(6) هذا لفظ مسلم وفيه زيادة : « إنه ليس من كدك » . صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب . . إلى قوله : والحرير على الرجال . . تابع الحديث رقم (2069)، الرقم الخاص بالحديث (12)، ( 3 / 1642)، أخرجه البخاري مختصرا، كتاب اللباس، باب لبس الحرير للرجال، حديث رقم (5830) من فتح الباري، (10 / 284) .
(7) في ( ج د ) والمطبوعة : حادثتين.
(8) يظهر أن هذا جاء في كتاب الجامع للخلال، ولم أجده .

(1/279)


وقال علي بن أبي صالح (1) السواق (2) : " كنا في وليمة، فجاء أحمد بن حنبل، فلما دخل نظر إلى كرسي في الدار عليه فضة، فخرج فلحقه صاحب الدار، فنفض يده في وجهه وقال : زي المجوس! زي المجوس! " (3) . وقال في رواية صالح (4) : ( إذا كان في (5) الدعوة مسكر، أو شيء من منكر آنية المجوس : الذهب والفضة، أو ستر الجدران بالثياب، خرج ولم يطعم) .
ولو تتبعنا ما في هذا الباب (6) عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع ما دل عليه كتاب الله لطال (7) .
_________
(1) كذا في جميع النسخ : ابن أبي صالح، والصحيح : ابن أبي صبح . انظر : طبقات الحنابلة (1 / 234) .
(2) علي ابن أبي صبح السواق : ذكره ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة وقال : ( حكى عن إمامنا أشياء )، ذكره في الطبقة الأولى (1 / 234)، ترجمة رقم (326) .
(3) ذكره ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (1 / 234)، وذكر بدل كلمة ( عليه فضة ) : ( عليه صورة ) .
(4) هو : صالح بن الإمام أحمد بن حنبل، أبو الفضل، وأكبر أولاد الإمام أحمد، ولي قضاء، أصبهان وطرسوس، من الفضلاء الصالحين الثقات، اشتهر بالكرم والسخاء، مات بأصبهان سنة (266هـ)، وكانت ولادته سنة ( 203هـ ) . انظر : طبقات الحنابلة ( 1 / 173- 176)، ( ت 232) .
(5) في ( ب ) : في الوليمة الدعوة .
(6) يعني ما ورد في السنة من النهي عن التشبه بالكفار والأعاجم ونحوهم .
(7) في المطبوعة زاد : بنا القول .

(1/280)


فصل
وأما الإجماع (1) فمن وجوه :
من ذلك : أن أمير المؤمنين عمر، في الصحابة رضي الله عنهم، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء، جعلوا في الشروط المشروطة (2) على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم : " أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، إذا (3) أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم (4) : قلنسوة، أو عمامة، أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتنى بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رءوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كان، وأن نشد الزنانير (5) على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليبا (6) ، ولا كتبا، (7) في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيا (8) ، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين " رواه حرب (9) بإسناد جيد (10) .
_________
(1) أي : إجماع الصحابة والتابعين والأئمة من بعدهم على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة، حيث ذكر المؤلف قبل ذلك الأدلة من القرآن، ثم من السنة .
(2) المشروطة : سقطت من ( ج ) .
(3) في المطبوعة : إن .
(4) في المطبوعة : ملابسهم .
(5) الزنانير : جمع زنار : وهو حزام يشده النصارى على أوساطهم . انظر : القاموس المحيط، فصل الزاي، باب الراء ( 3 / 42) .
(6) في ( ب ) : صليبنا.
(7) في المطبوعة زاد : من كتب ديننا.
(8) في المطبوعة : خفيفا.
(9) هو حرب الكرماني : سبقت ترجمته . انظر : فهرس الأعلام .
(10) أخرج البيهقي أكثره، مع اختلاف في السياق، بسنده في السنن الكبرى، كتاب الجزية، باب الإمام يكتب كتاب الصلح على الجزية ( 9 / 202) . انظر : أحكام أهل الذمة لابن القيم ( 2 / 661، 662) .

(1/281)


وفي رواية أخرى رواها الخلال : " وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيا (1) في جوف كنائسنا ولا نظهر عليها صليبا ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليبا ولا كتابا (2) في سوق المسلمين، ولا نخرج باعوثا - والباعوث : يخرجون يجتمعون كما يخرج (3) يوم الأضحى والفطر - ولا شعانينا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير (4) ، ولا نبيع الخمور . . . " إلى أن قال : " وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسليمن في لبس قلنسوة (5) ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، وأن نجز مقادم رءوسنا، ولا نفرق نواصينا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا " (6) .
وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة، بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة، ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها . وهي أصناف :
الصنف الأول :
_________
(1) في المطبوعة : خفيفا.
(2) ولا كتابا : ساقطة من ( أ ) .
(3) في المطبوعة زيادة واختلاف في العبارات : إنهم يخرجون مجتمعين كما نخرج . . إلخ .
(4) في ( ب ط ) : بالجنائز . وما أثبته أصح . انظر : أحكام أهل الذمة لابن القيم ( 2 / 725) .
(5) في ( ب ) : ولا قلنسوة .
(6) انظر : السنن الكبرى للبيهقي ( 9 / 202)، وانظر : أحكام أهل الذمة لابن القيم ( 2 / 659، 660) .

(1/282)


ما مقصوده : التمييز عن المسلمين، في الشعور واللباس والأسماء والمراكب والكلام، ونحوها ؛ ليتميز المسلم عن الكافر، ولا يتشبه أحدهما بالآخر (1) في الظاهر، ولم يرض عمر رضي الله عنه والمسلمون بأصل التمييز، بل بالتميز (2) في عامة الهدي، على تفاصيل معروفة في غير هذا الموضع .
وذلك يقتضي : إجماع المسلمين على التمييز (3) عن الكفار ظاهرا، وترك التشبه بهم ولقد كان أمراء الهدى، مثل العمرين (4) ، وغيرهما، يبالغون في تحقيق ذلك بما يتم به المقصود .
ومقصودهم من هذا التميز : كما روى الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني (5) بإسناده في شروط أهل الذمة، عن خالد بن عرفطة (6) قال : " كتب عمر رضي الله عنه إلى الأمصار : أن تجز (7) نواصيهم - يعني النصارى - ولا يلبسوا لبسة (8) المسلمين ؛ حتى يعرفوا " (9) .
وقال القاضي أبو يعلى في مسألة حدثت في وقته : " أهل الذمة مأمورون بلبس الغيار، فإن امتنعوا ؛ لم يجز لأحد من المسلمين صبغ (10) ثوب من ثيابهم ؛ لأنه لم يتعين عليهم صبغ ثوب بعينه " .
قلت : وهذا فيه خلاف : هل يلزمون (11) بالتغيير أم (12) الواجب (13) إذا امتنعوا أن نغير نحن ؟ وأما وجوب أصل المغايرة : فما علمت فيه خلافا .
_________
(1) في المطبوعة : ولا يشبه أحدهما الآخر.
(2) في ( ج د ) والمطبوعة : التمييز .
(3) في المطبوعة : التميز .
(4) العمران : عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، أو عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق، سماهما العمرين من باب التغليب كما يقال : القمران، للشمس والقمر والأول أرجح لأمرين : الأول : أن ما أثر عن عمر بن عبد العزيز من أحكام أهل الذمة أكثر مما أثر عن أبي بكر . والثاني : أن أهل الذمة في عهد عمر بن عبد العزيز أكثر منهم في عهد أبي بكر . والله أعلم .
(5) هو الحافظ الكبير : أبو محمد، عبد الله بن محمد بن جعفر بن أحمد بن فارس، الأصبهاني، ولد سنة (248هـ)، وكان من المحدثين الثقات، توفي سنة ( 346هـ ) . انظر : اللباب في تهذيب الأنساب ( 1 / 69) . وانظر : لسان الميزان ( 7 / 64)، ( ت 607)، مادة ( الكنى ) .
(6) هو الصحابي الجليل : خالد بن عرفطة بن سنان العذري، استخلفه سعد بن أبي وقاص على الكوفة، وبعثه معاوية إلى عبد الله بن أبي الحوساء حين خرج عليه فقتله خالد، وتوفي سنة (60هـ) . انظر : أسد الغابة (2 / 87، 88) .
(7) في ( ج د ) والمطبوعة : وأن لا يجزوا . والصحيح ما أثبته كما مر في النص السابق .
(8) في ( ج د ) : ألبسة . وفي المطبوعة : لبس .
(9) انظر : أحكام أهل الذمة لابن القيم ( ص 743) .
(10) في ( أ ) : صنيع . وفي ( ب ) : صبيغ .
(11) هم : سقطت من ( ج د ) والمطبوعة .
(12) في ( أ ) : أو .
(13) في المطبوعة زاد : علينا .

(1/283)


وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني، في شروط أهل الذمة بإسناده، أن عمر بن الخطاب كتب : " أن لا تكاتبوا أهل الذمة، فتجري بينكم وبينهم المودة، ولا تكنوهم، وأذلوهم ولا تظلموهم، ومروا نساء أهل الذمة : أن (1) يعقدن زناراتهن، ويرخين نواصيهن، ويرفعن عن سوقهن ؛ حتى يعرف زيهن من المسلمات، فإن رغبن (2) عن ذلك، فليدخلن في (3) الإسلام طوعا أو كرها " .
وروى أيضا أبو الشيخ (4) بإسناده، عن محمد بن قيس (5) وسعد (6) بن عبد الرحمن بن حبان، قالا : " دخل ناس من بني تغلب على عمر بن عبد العزيز وعليهم العمائم كهيئة العرب، فقالوا يا أمير المؤمنين ألحقنا بالعرب، قال : فمن أنتم ؟ قالوا نحن بنو تغلب، قال : أولستم من أوسط العرب ؟ قالوا : نحن نصارى، قال : عليّ بجلم (7) ، فأخذ من نواصيهم، وألقى العمائم، وشق رداء كل واحد شبرا، يحتزم به، وقال : لا تركبوا السروج، واركبوا على الأكف، ودلوا رجليكم (8) من شق واحد " (9) .
_________
(1) في المطبوعة : أن لا يعقدن .
(2) في ( ب ) : زغن، من الزيغ .
(3) في ( ج د ) والمطبوعة : إلى الإسلام .
(4) أي : الأصبهاني .
(5) لا أدري من هو محمد بن قيس هذا، فلعله قاص عمر بن عبد العزيز، أو قاضيه، المدني . انظر : التاريخ الكبير للبخاري ( 1 / 212، 213)، ( ت 666) .
(6) في ( ج د ) والمطبوعة : سعيد . وكذلك ورد اسمه في أحكام أهل الذمة لابن القيم ( 2 / 744)، ولم أجد له ترجمة .
(7) الجلم : هو ما يجز به الشعر ونحوه، وهو آلة كالمقص . انظر : مختار الصحاح، مادة ( ج ل م )، ( ص 108) .
(8) في المطبوعة : أرجلكم .
(9) انظر : أحكام أهل الذمة لابن القيم ( 2 / 742) .

(1/284)


وعن مجاهد أبي (1) الأسود قال : " كتب عمر بن عبد العزيز : أن لا يضرب الناقوس خارجا من الكنيسة (2) " . وعن معمر (3) : " أن عمر بن عبد العزيز كتب : أن امنع من قِبَلك، فلا يلبس نصراني قباء، ولا ثوب خز، ولا عصب، وتقدم في ذلك أشد التقدم، واكتب فيه حتى لا يخفى على أحد نهي عنه، وقد ذكر لي أن كثيرا ممن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم، وتركوا لبس (4) المناطق على أوساطهم واتخذوا الوفر (5) والجمام (6) وتركوا التقصيص، ولعمري إن كان يصنع ذلك فيما قبلك، إن ذلك بك ضعف وعجز، فانظر كل شيء كنت نهيت عنه، وتقدمت فيه، إلا تعاهدته وأحكمته ولا ترخص فيه، ولا تعد عنه شيئا " (7) .
ولم أكتب سائر ما كانوا يأمرون به في أهل الكتاب ؛ إذ الغرض هنا : التمييز .
وكذلك فعل جعفر بن محمد بن هارون المتوكل (8) بأهل الذمة في خلافته، واستشار (9) في ذلك الإمام (10) أحمد بن (11) حنبل ، وغيره، وعهوده في ذلك، وجوابات أحمد بن حنبل له معروفة .
ومن جملة الشروط (12) :
* ما يعود بإخفاء منكرات دينهم، وترك إظهارها (13) ، كمنعهم من إظهار الخمر والناقوس، والنيران والأعياد، ونحو ذلك .
* ومنها : ما يعود بإخفاء شعار دينهم (14) ، كأصواتهم بكتابهم .
_________
(1) في المطبوعة : ابن الأسود، ولم أجد له ترجمة .
(2) ذكره ابن القيم في أحكام أهل الذمة ( 2 / 716) .
(3) هو : معمر بن راشد . مرت ترجمته . انظر : فهرس الأعلام .
(4) لبس : ساقطة من ( ب ) .
(5) الوفر : جمع وفرة، وهي : الشعر المجتمع على الرأس، وما جاوز شحمة الأذن منه . انظر : القاموس المحيط، فصل الواو، باب الراء ( 2 / 160)، والجمام : جمع جمة، وهي : مجتمع شعر الرأس . انظر : المصدر السابق، فصل الجيم، باب الميم ( 4 / 92، 93) .
(6) في المطبوعة : والجمم .
(7) ذكره ابن القيم في أحكام أهل الذمة ( 2 / 741، 742) .
(8) هو : الخليفة العباسي . مرت ترجمته . انظر : فهرس الأعلام .
(9) في المطبوعة : واستشارته.
(10) الإمام : ساقطة من ( ب ) .
(11) ابن حنبل : ساقطة من ( ب ج د ) .
(12) أي : شروط الذمة، والتي أشار المؤلف إلى الأول منها ( ص 365) .
(13) هذا هو الصنف الثاني من شروط الذمة .
(14) وهذا هو الصنف الثالث .

(1/285)