الأهداف العامة لتدريس الرياضيات و كيفية تحقيق هذه الأهداف:

إن الرياضيات لغة عالمية وعلم هــام لكنها لم تنل ما تستحقه من الاهتمام إذ لم يكن هناك موضوع أثار ردود فعل سلبية أو أنّه فُهم بشكـل خاطئ كالذي حصل مع الرياضيــات, وعلى الرغـم من أهميتهــا البالغــة في التطور العلمي والتكنولوجي ويكفي أن نذكر في هذا المقام بأنّ اختـراع الطائــرات لم يكــن ليكتمل لولا علمي التفاضل والتكامل إلاّ أن العديد من الأشخاص لا يرونها علما من العلــوم الحيوية وإجمالا فإن النظرة العامّة لهذه المادّة سلبية دائما وتتجه نحو القلق والنفور والخوف. ومن هذا المنطلق بالذات فإن التصور عن الرياضيات يعتمد على المجال العاطفي أي على مشاعر الحب أو الكره أو النفور والتي تستند بدورها على المواقف التي مرّت بالفرد عبر سنوات الدراسة وعبر المؤثرات الخارجية كالأقران والمدرسين وغيرهم (8) , كما ترتكز على المجال المعرفي وهو قدرة الإنســـان على استيعــاب هـذه المــادّة و انسجامــه مع طريقـــة تدريسهــا. لكن الواقع الملموس أبــــان بأنّ النظرة الشائعة عن الرياضيات تتلخص في أنّها مادة مملّة باردة بحاجة إلى نوع خاص من العقل, وأنّهـــا تجذب أولئك الذين لهم طبع أو ميل خاص فقط, لذا فــإنّ معظم الناس يـرون الرياضيات موضوعـا مدرسيا مملاّ وأنّهم إمّا فشلوا فيهـا أو اجتازوها بشقّ الأنفس . إضافــة إلى ذلك ينظر الناس عموما إلى الرياضيات أنّهـا مادّة صعبة وتقترن عند غالبيتهم بشعور قوي بالإخفـــاق, وذكرياتهم عن الرياضيات تنحصـر في الاختبـارات والامتحانــات , وفي إشارات الضــرب التي ترمز للخطـــأ على أوراق امتحاناتهم وواجباتهم المنزلية, وفي الخوف من النتيجة الخاطئة.
أن الرياضيات تتصف بصفـات معينة تجعلها مختلفة أكثر من المواضيع الأخرى, كما تجعلها بحاجة للمزيد من الجهد والمثابرة من أجل استيعابها و هذه بعض من صفاتها:

أوّلا: الصفـة التجريديـة, معلـوم أنّ مادة الرياضيات التي يتمّ التعامل بها من خواص وعلاقات ليست ذات وجود مادي محسوس بخلاف المواد التي تتعامل بها الفيزيـاء والكيمياء على سبيل المثـال, أي أنّ مادة الرياضيات هي الأمور المجرّدة التي تتعامل بالرموز والمعادلات المجـــرّدة أيضـا. أمّا الـدلالات من رمـوز رياضية وأشكــال وتمثيلات بيانية... فإنهـا تلعب دورا هامـا وتُعـد مصـدر الاستيعـاب في الرياضيات

ثانيا: التسلسل في الرياضيات أي أنّ كل فقـرة تعتمد على ما سبقهـا من فقرات بمعنى أنّ فهم واستيعـاب أي موضوع فرعي أو فكـرة تستند بصـورة ما على درجة فهم واستيعاب المواضيع التي قبلها, أكيد لأنه بدون ربط المعلومات السابقة ينعدم الرقي والإنشاء

ثالثا: تعلّــم الرياضيات يكــون أكثر اعتمـادا على المعلّم من أيّ مجال آخر, حيث أنّه لم يكن هناك الكثير مما يمكن اكتشافه عند عمل الطالب بمفرده .

الصفة الأخيرة: أنه في بعض مجالات الرياضيات خاصة تلك المتصلة بالتعامل مع الأعداد فإنه من الممكن للطالب الأداء بشكل جيد دون حاجة للفهم الذي يستعمل في التعلّم لاحقا لذا فإنّ المشاكل غالباً لا تلاحظ من قبل المعلم باكرا. وعليه فإنّ التصوّر السلبيّ عن الرياضيات منتشر في كثير من البلدان وعلى مستويات مختلفة وينتقل كالعدوى من جيل إلى جيل, بل إنّ كثيراً من الناس يتباهى بكرهه للرياضيات, والأثر السلبي لهذا التصور الخاطئ هو تناقص أعـداد الطلبة اللذين يرغبون بدراسة الفروع المتضمنة للرياضيات أو اللذين يرغبون في التخصص في الرياضيات(9)  .

ولذلك فقد أنشأ ألفن وايت شبكة " الرياضيات الإنسانية " وعمل بنشاط من أجل الارتقاء بالرياضيات لكي تكون موضوعا إنسانيا من خلال هذه الشبكة. كما أنّ الهيئة الدولية لتعليم الرياضيات رعت مؤتمرا لتحبب الرياضيات عام 1989م في ليدز ببريطانيا, وكانت ثمرة هذا المؤتمر هو مجلّد تحبيب الرياضيات الذي نُشر عام 1990م بواسطة جامعة كامبردج(10) . لكنّ الشيء المهم الذي سيؤتي ثماره حتماً في تحبيب الأجيال القادمة للرياضيات هو تحسين استخدام أساليب تعليم الرياضيات من قبل المعلّمين, والتخلي عن الطـرق التقليدية في التدريس لكونها عقيمــــة منهجيا ومتجاوزة تاريخيا فضلا عن أنها متزمتة صارمـة غير محببــة تولـّد كرهــا وإحباطا لدى معظم المتلقين, وتولّد أيضا شعورا لديهم بأنّ الرياضيات منفصلة عن الواقع وغير إنسانية بتاتا, وليس لها أي قيمة علمية أو جمالية. أمّا الأساليب المحببّة التي تعتمد على طرح الأمثلة وسياق مفردات واقعية ذات معنى أي تطبيقات مرتبطة بالحياة اليومية فإنّ لذلك الأثر الكبير على تحصيل الطلبة في الرياضيـات. وعليه فــإنّ سبب كراهية النــاس للرياضيات لا يعود إلى طبيعتها, فالرياضيات لمن يراها بعين محايدة هي عبارة عن ألغاز ممتعة وخيال جامح و أرض خصبة للتفكير, السبب يعود إلى طريقة تدريسها وإلى صرامة معلميها على العموم.

الأهداف العامة لتدريس الرياضيات: من المتفق عليه أن الهدف الأساسي من تدريس الرياضيات بشكل عام هو المساهمة في إعداد الشخص للحياة العامة بصرف النظر عن عمله أو تطلعاته مستقبلا من جهة, ومن جهة أخرى المساهمة في إعداد الفرد لمواصلة دراسته في الرياضيات نفسها كمادة أو في شعب أخرى أثناء وجوده في المدرسة وبعد تخرجه منها. ومن ثم يجب :
- إتاحة الفرصة للطالب لممارسة طرق التفكير السليمة كالتفكير الاستقرائي والاستنباطي والتأملي .

- إكساب الطلاب مهارات في استخدام أسلوب حل المشكلات .
- التأكيد على أهمية الرياضيات في حياتنا العامة بمساعدة الطالب على

   التعرف على أثر الرياضيات في التطور الحضاري .
- إكساب الدارسين من الطلاب المهارات اللازمة لاستيعاب ما يدرسه

   والكشف عن علاقات جديدة .

- مساعدة المتلقي على تكوين ميول واتجاهات سليمة نحو الرياضيات وعلى

   تذوقها.

- مساعدة الطالب على الاعتماد على نفسه في تحصيل الرياضيات .

- تنمية بعض العادات السليمة مثل الدقة والنظام والتعاون والاحترام المتبادل والنقد البناء .

- تنمية المهارات الذهنية والابتكارات العلمية .

- التأكيد على أن الرياضيات هي أم العلوم .

- إبراز دور وإسهامات العرب المسلمين في نشأة الرياضيات.

كيفية تحقيق هذه الأهداف:

تدريس الرياضيات مهنة ممتعة ولكنها ليست بالمهمة السهلة, وتستمد متعتها وصعوبتها من طبيعة الرياضيات ووضعها كما سلف الذكر بالنسبة للعلوم الأخرى وطبيعة المتعلم وتصوره لها. وكأي مهنة يحتاج التدريس إلى معرفة وفن.  وتتمثل المعرفة بالنسبة لتدريس الرياضيات :
ـ ما يخص الرياضيات نفسها أي الأساسيات اللازمة التي يجب أن يلم بها المدرس وهي معرفة تخصصية.  ـ وما يخص دور الرياضيات في الحياة العلمية التكنولوجية المعاصرة أو ما يخص تطوير الرياضيات عبر التاريخ وأثره وتأثره بالنمو الحضاري وهي معرفة عامة. ـ وما يخص أهداف التربية وسيكولوجية التعلم وطبيعة المتعلم وأساليب التدريس وهي معرفة تربوية أو مهنية. أما الفن في التدريس فيتمثل في اختيار المادة المناسبة مع الوسيلة في ضوء الهدف المنشود بما يتلاءم وطبيعة المتلقي.
وإذا كانت المؤسسات التربوية الخاصة بتكوين المدرس تمده بالمعرفة على أنواعها التخصصية والمهنية فإن الخروج إلى الحياة العملية يمده بالخبرة بما يصقل وينمي فن التدريس من جهة وإثراء ثقافته من جهة أخرى. وهذا لا يتأتى إلا إذا كان المدرس يحب الرياضيات فعلا ويسعد بتدريسها ولا يرى فيها هدفا للاسترزاق وحسب وعنده الرغبة والمقدرة على الاستمرار في دراسة الرياضيات, والتطلع على آخر المستجدات المتعلقة بها وتلقينها وقراءة الأبحاث التربوية التي تخصه في عملية التدريس كما يكون لديه حب التجريب والتطوير. وحبَّ المعلم هذا للرياضيات يمكن أن ينتقل إلى الطالب انتقال المرض بالعدوى, أما إنْ غاب عند المدرِّس نفسه فإنه سيُفقَد بالتأكيد عند المتعلم، حتى ولو كان موجودًا بدرجة أو بأخرى, ولما كان من الصعوبة بمكان زرع حبِّ الرياضيات وحبِّ التعليم في قلب مدرِّس لا يرى في الأمر أكثر من واجب وظيفي، فإن من الأهمية بمكان حسنَ اختيار المدرِّسين، لا من ناحية المستوى العلمي فحسب، بل، أولاً، من حيث محبتهم لعلمهم ولعملهم، ومن حيث استعدادهم لأداء رسالتهم، لا من أجل عملهم ذاك, وفي هذا الصدد وجب التذكير بأن التعليم رسالة من حيث المبدأ إلا أنه مؤخرا قد امتُهِنَ وإلى أقصى الحدود. ولعل المقولة الآتية توقظ بعض العقول المغيبة : " فما يُبنى على الصخر يثبت وما يُبنى على الرمل ينهار مع أول هبَّة ريح " (11) .ومن أجل الطالب أيضا وبهدف المساهمة في تجاوز سلبيات ما هو كائن, تسعى المناهج الحديثة لأن تكون أكثر مرونة، بحيث تتيح للمدرِّس قدرةً أكبر على التكيف مع حاجيات الطلاب، ومع مقدار جهدهم ومدى استيعابهم، وبحيث تتيح للطالب مجالاً للاستكشاف بنفسه، وللبحث عما يريد أن يدرس ويتعلَّم، وعبر طرق مختلفة أحيانًا في سبيل تنمية معارفه وتنمية قدراته على التفكير وبالتالي ترجمة هذا التفكير إلى عمل بناء وكذا تطوير مهارات الدارس قدراته على التفكير وبالتالي ترجمة هذا التفكير إلى عمل بناء وكذا تطوير مهارات الدارس واهتماماته وتعميق تحفيزه للاهتمام بمختلف القضايا لتنمية مداركه ومواقفه

- كيفية ادخال تطبيقات الرياضيات في المناهج المقررة و الامور التي يجب مراعاتها:

كيفية إدخال تطبيقات الرياضيات في المناهج المقررة:

إذا كان لتطبيقات الرياضيات أهمية كبيرة بالنسبة للمعلم والمتعلم كما ورد سابقاً فهناك مداخل متعددة لإدخالها في المناهج، منها:

1. دمج التطبيقات في المنهج الموجود، حيث تدرس الأفكار الرياضية وتطبيقاتها في العلوم المختلفة، بحيث تقدم أمثلة تطبيقية تتضمن مواقف حياتية مع كل مفهوم رياضي، وهذا يظهر بوضوح العلاقة بين الرياضيات والعلوم الأخرى بشكل مباشر، وهذا يتطلب وجود المعلم المؤهل الذي يمتلك معلومات متصلة بمجالات التطبيق، كالعلوم، والهندسة، والبيولوجيا والاقتصاد، وغيرها من المعلومات المتنوعة، كما يتطلب تنسيقاً بين معلم الرياضيات وغيره من معلمي المواد الأخرى.

2. "إبراز تطبيقات الرياضيات خلال الدراسة، وإجراء مشروعات تتضمن رياضيات تطبيقية، ويتضمن ذلك الإكثار من التطبيقات في مناهج الرياضيات وتناولها في سياقات تؤكد أهميتها، وعمل مشروعات يشارك فيها التلاميذ جميعاً، وتتطلب معارف تنتمي إلي مجالات متنوعة يشارك فيها التلاميذ جميعاً، وتتطلب معارف تنتمي إلى مجالات متنوعة ومن بينها الرياضيات".

3. إعادة بناء مناهج الرياضيات على أساس العمليات الرياضية (Processes)، وليس علي أساس موضوعات رياضية (Topics)، وفي هذه الحالة سيتمحور التدريس حول ما يسمي بالترييض (Mathematization)، ويكون الاهتمام منصباً على عمليات مثل المقارنة والتصنيف والترتيب والتجريد والترميز والتعميم .... والتي تقع تحت المفهوم العام للترييض أو إتاحة الفرصة للمتعلمين للتعبير عما يحيط بهم وعن مشكلاتهم رياضياً. ( 12) وقد يعني هذا الاعتماد في بعض المناهج المدرسية على النمذجة والنماذج الرياضية، بحيث تصبح أسلوب تفكير في قضايا علمية واجتماعية وحياتية، وتصبح تقنية عامة يفاد منها في مقررات دراسية أخري، وذلك ليتعلم الطلاب كيف يبدؤون من الواقع، وكيف يبحثون عن ارتباطات منطقية بين الأحداث وأسبابها.

4. تقديم مقرر منفصل عن تطبيقات الرياضيات، ومثل هذا المقرر يناسب المستويات العليا (الجامعية)، ويقوم بتدريس التطبيقات متخصصون في المواد العلمية المتعلمة. ويعاب على هذا المدخل انفصال التطبيقات عن المادة العلمية المتعلمة.

إن تطبيقات الرياضيات متعددة ومتنوعة، لدرجة أنها أصبحت إحدى المشكلات التي تواجه واضعي مناهج الرياضيات – الذين يؤمنون بضرورة إدخال التطبيقات – وهي كيفية احتواء هذا الكم الهائل من التطبيقات في مناهج التعليم، مع العلم أن تدريسها ليس بالأمر السهل، وإنما يحتاج إلي دراسة واعية وفهم للرياضيات وتطبيقاتها، ومعرفة دقيقة في العلوم الأخرى وحتى يتم ذلك، لا بد من مراعاة بعض الأمور منها:

1. أن تكون هذه التطبيقات مرتبطة بالواقع الثقافي والبيئي الذي يهم الطالب، وذلك للتدرب على ترجمة هذه المواقف إلي صيغ رياضية، ثم يتعامل معها رياضياً، ويفسر النتائج في ضوء الواقع.

2. أن تكون مصادر التطبيقات الرياضية مثل الكتب، والدوريات، والصحف، والمجلات، ووسائل الإعلام، والمشكلات الحياتية، متاحة ويسهل حصول المعلم والطالب عليها.

3. أن يكون لدى مخططي المناهج، المعلومات عن التطبيقات الممكنة للرياضيات في الرياضيات نفسها، وفي العلوم الأخرى وفي الحياة المحيطة بنا، حتى يمكن اختبار المفاهيم والتراكيب والمهارات التي يحتاجها الطلاب، كما أن معرفة التطبيقات تساعد على تحديد موقع الموضوع في المنهج، وتوافقه مع دراسة موضوعات العلوم الأخرى.

4. أن يتم توفير التجهيزات التي تتطلبها التطبيقات مثل المعامل، والأفلام … وغيرها من الوسائط التعليمية، وأن يكون هناك تناسق بين ما هو موجود في الكتاب المدرسي وما هو موجود في الحياة الواقعية.

5.أن تناسب التطبيقات مستوى الطالب؛ أي تلاؤم جهده وسنه واستعداده وخبرته وميوله، وتسعى إلى تنميتها، سواء أكانت هذه مشكلات فعلية أم مسائل إبداعية، وذلك لتعويده على حل المشكلات المدرسية حتى يتدرج منها إلى مواجهة المشكلات العامة، والمسائل الاجتماعية والاقتصادية، وهذا يؤدى إلى إخراج الرياضيات المدرسية من تجريداتها الصماء بطريقة أو بأخرى، لتصبح لغة تعبير وتفاهم حول كل ما يحيط بالطالب من قضايا ومشكلات، ولكي يصبح تدريس الرياضيات انعكاساً لمتطلبات الإنتاج وحاجات المجتمعات إلى التطور الذاتي.