دراسات في الاقتصاد المالي

25/11/ 1429هـ

 

 

 

الأزمة المالية العالمية

GLOBAL  FIANCIAL CRISIS

أ.د. أحمد أبو الفتوح الناقة

أستاذ الاقتصاد- كلية التجارة-جامعة الإسكندرية

وكلية الشريعة- جامعة أم القرى

 

مقدمة

الحمد لله والشكر لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم .

 

إن التطورات والحقائق التي تكشف عنها أبعاد الأزمة المالية ، التي انعكست أثارها على القطاع الحقيقي، متمثلة في انخفاض حجم الاستثمار الإنتاجي الحقيقي، وانخفاض حجم نشاط قطاع الأعمال غير المالي، وانخفاض الطلب وارتفاع معدلات البطالة في الدول التي بدأت فيها الأزمة، أفضت إلى انتقال الآثار السلبية للأزمة إلى الدول الأخرى، ومنها بلادنا، من خلال العلاقات التجارية (متمثلة في الصادرات والواردات) ومن خلال سوق رأس المال الدولي (متمثل في فقدان المصارف التي استثمرت جزءا من أرصدتها المالية في الدول التي بدأت فيها الأزمة ولا سيما الولايات المتحدة) ، وكان لها انعكاسات خطيرة على اقتصاديات بلادنا.

 

ولقد بدأت الأزمة – بناءا على المشاهدات – من تحرير القطاع المالي من القيود التي كانت تحدد النشاطات التي تدخلها  المؤسسات المالية ولاسيما المصارف والأصول التي تستثمر فيها أموالها، وإزالة القيود المفروضة على شركات التامين في مزاولة نشاطها، فزاد حجم الإقراض بدون ضمانات كافيه ، واستثمرت البنوك في أنشطة وأصول كانت محرمة عليها ، وتم منح قروض إلى مقترضين جدارتهم الائتمانية ضعيفة والنتيجة هي  حدوث تعثر في سداد القروض التي كانت تمنحها المصارف – التجارية والمصارف التي أخذت شكل شركات استثمار أو المصارف الشاملة universal banks- إلى المقترضين، وكثير منهم ذات جدارة ائتمانية ضعيفة، ولاسيما في مجال قروض الرهن العقاري، وقطاع السيارات والقروض المرتبطة ببطاقات الائتمان والقروض المقدمة لتمويل سلع استهلاكية معمرة ،والنتيجة هي زيادة حجم القروض المعدومة لدي المصارف ،وبالتالي خسرت المصارف جزءا كبيرا من أصولها،ولما انكشفت تلك المعلومات للجمهور سارع بسحب ودائعه من المصارف المتعثرة ، فانخفض حجم السيولة لدى المصارف ، وسارع حاملي السهم إلى بيعها خوفا من انخفاض أسعارها ، فزاد عرض الأسهم وانخفضت أسعار الأسهم ، وانخفضت الأرقام القياسية لأسعار الأسهم في جميع بورصات العالم ، في وقت متقارب، وقام المستثمرون الأجانب ببيع الأسهم التي لديهم وحولوا أرصدتهم إلى الخارج ، ولما كانت قيمة أسهم أي شركة هي القيمة السوقية لأسعار أسهمها، ومعني انهيار القيمة السوقية للأسهم انخفاض القيمة السوقية للشركات صاحبة هذه الأسهم، وبالتالي انخفاض صافي حقوق الملكيةnet worth لتلك الشركات ، فلقد ترتب على ذلك انخفاض الجدارة الائتمانية لشركات الأعمال لأن صافي حقوق الملكية يمثل الضمان collateral الذي تستخدمه الشركة كضمان للقروض التي تطلبها من المصارف، وعندما تجد المصارف أن الضمان –الذي تطلبه حماية لقروضها والذي تقدمه الشركة له قيمه سوقية منخفضة ، تمتنع المصارف عن إقراض الشركات ، وهذا أوجد صعوبة أمام الشركات التي ترغب في الاقتراض لتمويل عملياتها الجارية أو تمويل استثماراتها.   

كما ترتب على تدهور المركز المالي للمصارف ونقص السيولة لديها أن أصبح هناك صعوبة أضافية أمام حصول شركات الأعمال غير المالية  nonfinancial corporationsعلى التمويل لممارسة نشاطها بالحجم المعتاد ، مما خفض  اجبر تلك الشركات على تخفيض حجم نشاطها الاقتصادي ، وأجبرها على التخلص من بعض العمالة لديها، فزاد حجم البطالة وانخفض الطلب على السلع الأولية التي تدخل في نشاط تلك الشركات ومن بينها النفط فانخفضت أسعاره من 147 دولار في يوليو 2008م حتى وصل 36 دولار في أواخر ديسمبر 2008م ، كما انخفضت القروض من المصارف التي تمنح لشراء السيارات والسلع الاستهلاكية المعمرة فانخفض الطلب على السيارات والسلع الاستهلاكية المعمرة ، فقامت شركات السيارات بتخفيض حجم الإنتاج ، وانخفض نشاط البناء في قطاع العقارات لانخفاض حجم القروض التي تقدمها المصارف و شركات الرهن العقاري لشراء المنازل وبناء مساكن جديدة وزاد حجم الطاقة الإنتاجية العاطلة في قطاع الأعمال غير المالي .

كما ترتب على انخفاض النشاط الاقتصادي في الدول الصناعية انخفاض في الطلب على السلع التي تستوردها الدول الصناعية من الدول النامية وهي السلع التي تصدرها دول مثل الصين والهند والاقتصاديات الناشئة والدول النامية عموما ، وكذلك انخفض الاستثمار الأجنبي الذي كان يتدفق من الدول المتقدمة إلى الدول النامية، رغم أن هذا الاستثمار لم  يكن مجديا اقتصاديا للدول النامية في كثير من الحالات، ومن المتوقع انخفاض حجم المساعدات التي تقدمها الدول المتقدمة إلى الدول النامية،وهي مساعدات أصلا ضعيفة، وبالتالي سينتقل تأثير الركود الذي حدث في الدول الصناعية إلى الدول النامية سواء الاقتصاديات الناشئة أو الدول النامية منخفضة الدخل.

ورغم أن الأزمة بدأت على ما يبدو أولا في القطاع المالي إلا أن آثارها انتقلت إلى القطاع الحقيقي من خلال نقص حجم التمويل المتاح لمؤسسات قطاع الأعمال غير المالي ، ومن ثم وجدت تلك المؤسسات أنها غير قادرة على المحافظة على مستوي الإنتاج ومستوي التركيم الرأسمالي ، فخفضت مستوى الإنتاج ومستوى العمالة لديها ، وبذلك أصبحت مؤسسات القطاع الحقيقي هي الأخرى في أزمة، كما خفض إفراد القطاع العائلي مستوي إنفاقهم على السلع الاستهلاكية ولاسيما السلع المعمرة وكذلك انخفض مستوى الطلب على الإسكان لعدم توافر التمويل اللازم للبناء أو شراء المساكن ، وانتظارا لمعرفة ماذا سيكون عليه وضعهم ، فهل ستظل وظائفهم ، أم سيتحولون إلى طابور البطالة، وأصبح هناك ما يشبه حلقة الأزمة المالية – الحقيقية الخبيثة ،فأزمة القطاع المالي تنعكس على القطاع الحقيقية ، والأزمة المنعكسة على القطاع الحقيقة ترتد أثارها على القطاع المالي، وأصبح الاقتصاديون في حيرة ، من أين تنكسر تلك الحلقة، وما هي الحلول؟ وما هي فاعليتها؟ وهل محاولات الحل كافية؟ هل نقف نحن متفرجين أم لنا دور إيجابي في الحد من أثار الأزمة على بلادنا؟      

والملاحظ أن محاولات الإنقاذ  التي تقوم بها الدول المتقدمة(لنظامها المالي ولمؤسساتها المالية وشركات التامين لديها) رصدت مبالغ تصل إلى تريليونات الدولارات وهي مبالغ خيالية كونتها الدول المتقدمة من النشاط الإنتاجي الداخلي ومن المكاسب التي  تحققها من تجارتها مع الدول النامية (حيث تستورد الدول المتقدمة المواد الخام الأولية  والمواد الخام المعدنية والنفط  وغيرها بأسعار رخيصة من الدول النامية حيث تعكس تلك الأسعار الأجور الرخيصة والمواد الخام الرخيصة،  وتبيع منتجاتها المصنعة للدول النامية بأسعار مرتفعة تعكس ارتفاع الأجور في الدول المتقدمة وارتفاع أسعار المكونات من السلع الوسيطة وقطع الغيار المصنعة في الدول المتقدمة) ، وتلك هي الحقيقية التي يجب أن يدركها قادة العالم النامي أن جزءا كبيرا من غنى الدول المتقدمة يتحقق على حساب الدول النامية، وأننا السبب بتخلفنا في بيع أسعار منتجاتنا رخيصة لهم، لأن تخلفنا يجعل قوتنا التفاوضية عند تحديد الأسعار ضعيفة .

 

و نحن  تقريبا نعرف أننا خارج لعبة تحديد أسعار منتجاتنا ، بمعنى أننا لا نملك تحديد أسعار السلع التي نبيعها ، وليس لنا اختيار في تحديد أسعار ما نشتريه ، وغير مسموح لنا  بأن نتصرف إلا في الإطار الذي يحددونه لنا والحل يحتاج لإرادة سياسية قوية منا للتخلص من تلك التبعية الاقتصادية ويتحقق ذلك كما قررت نظرية التنمية الاقتصادية بمزيد من الاستثمار البشري في التعليم عالي الجودة والاستثمار في الصحة البشرية، وتخفيض الإنفاق الاستهلاكي ولاسيما الترفي  .

والأمر المرير هو أن مؤسساتنا المالية بدلا من أن تستثمر  في الداخل ذهبت للاستثمار هناك في مجال الإقراض العقاري والسندات والمشتقات المالية، وعندما وقعت الكارثة المالية هناك ، وقعت في نفس الوقت على مؤسساتنا المالية هنا في داخل بلادنا. فمثلا  بنك الخليج الكويتي خسر أكثر من مليار دولار والصناديق السيادية لدول الخليج يقال أنها خسرت حوالي 400 مليار ، وربما يكون مبلغ الخسارة مبالغا فيه ، ولكنه حتي لو كان ربع هذا المبلغ فهي خسارة ضخمة لا نستطيع تعويضها في ظل الظروف الحالية.

 

 

وتسير خطة الدراسة على النحو التالي:

جدول المحتويات

الفصل

المحتوي

صفحة

الفصل الأول

التعريف بالأزمة المالية الحالية والأزمات  المالية التي حدثت في الدول المختلفة في القرن الماضي

4

الفصل الثاني

الهيكل التمويلي وعلاقته بالأزمة المالية

14

الفصل الثالث

أعراض الأزمة المالية

17

الفصل الرابع

أسباب الأزمة المالية

47

الفصل الخامس

دور المصرف المركزي في محاولات الإنقاذ والمحاولات الأخرى

64

الفصل السادس

الرقابة والإجراءات التنظيمية التي تنظم عمل المؤسسات والأسواق المالية

 

68

المراجع

 

72

 

 

الأزمة المالية العالمية

GLOBAL FIANCIAL CRISIS

 

الفصل الأول

التعريف بالأزمة المالية

أولا:التعريف:

 

هي الوضع الذي تتدهور في ظله كفاءة النظام المالي والمصرفي  في أداء وظيفته الأساسية في تحويل الأرصدة المالية من الوحدات الاقتصادية التي لديها فائض مالي (مدخرات مثلا) إلى الوحدات الاقتصادية التي تحتاج إلى تلك الأرصدة، ويقترن هذا التدهور بانتشار حالات الذعر المالي (الذي يسبب تدهور أسعار الأصول المالية ، ولاسيما الأسهم) والذعر المصرفي( والذي يسبب سحب واسع النطاق للودائع من البنوك) وإفلاس كثير من المؤسسات الاقتصادية (بسبب ارتفاع حجم القروض المعدومة) ، مع تدهور قدرة المؤسسات المالية ولاسيما المصارف وشركات الاستثمار وشركات الأوراق المالية على الوفاء بالتزاماتها، فتنتشر حالات الفشل والإفلاس المصرفي والمالي على نطاق كبير، وهذا يسبب انخفاض حجم التمويل المتاح للاستثمار الحقيقي ، فينخفض حجم النشاط الاقتصادي ، ويزداد معدل البطالة..

 

1-      الأزمات المالية الأميركية ليست حديثة ولكنها قديمة:

 

(أ‌)    اكبر أزمة عالمية معروفة على نطاق كبير هي أزمة الكساد العالمي الكبير (1933-1929)م وأهم أعراض هذه الأزمة في الولايات المتحدة: 

1-    وصول أسعار السهم قمتها عام 1928م وانهياره التام 1929م ، واستمرار هذا التدهور حتى عام 1932م. 

2-    إفلاس مصرفي على نطاق واسع ،  حيث أفلس حوالي ثلث المصارف الأمريكية

3-    انخفاض حجم القروض المصرفية التجارية بنسبة 50%في الفترة من 1929م حتى عام 1933م. 

4-    وانخفاض مستوي الإنفاق الاستثماري بنسبة 90% من مستواه عام 1929م  ، 

5-     وارتفاع معدل البطالة إلى 25% من القوة العاملة. 

6-    انخفاض مستوي الأسعار بنسبة 25% في الفترة (1930-1933)م . 

 

(ب‌)من الأزمات المالية الحديثة أيضا انهيار سوق الأسهم يوم الاثنين (الأسود) 19 أكتوبر 1987م، حيث انخفض مؤشر Jones Dow بأكثر من 500 نقطة في يوم واحد. 

              (ج)  مرت الولايات المتحدة بأزمات أخري كثيرة في تاريخها (1891، 1837،1857،1873،1884،1893 ، 1907، 1929-1933، 1987، 2007، 2008)، والجدول التالي يوضح عدد البنوك التي كانت تفلس في الولايات المتحدة في الفترة 1933- 2000 م.

 

 

 

جدول (1) عدد البنوك التي أفلست في الولايات المتحدة في الفترة من

(1920-2000)م 

السنة

عدد البنوك

السنة

عددا لبنوك

السنة

عدد البنوك

السنة

عدد البنوك

20-1929

600

1953

 

1970

3

1989

210

1934

60

1952

9

1971

4

1990

160

1935

30

1953

10

1972

6

1991

120

1936

70

1954

7

1973

5

1992

115

1937

85

1955

6

1974

10

1993

50

1938

80

1956

5

1975

15

1994

10

1939

73

1957

4

1976

8

1995

7

1940

48

1958

3

1977

10

1996

5

1941

20

1959

4

1978

9

1997

5

1942

23

1960

5

1979

10

1998

4

1943

8

1961

7

1980

11

1999

3

1944

5

1962

8

1981

10

2000

2

1945

2

1963

10

1982

50

 

 

1946

6

1964

12

1983

55

 

 

1947

7

1965

18

1984

80

 

 

1948

4

1966

15

1985

100

 

 

1949

3

1967

8

1986

140

 

 

1950

2

1968

9

1987

175

 

 

1951

8

1969

10

1988

200

 

 

 

 

والملاحظ أن عدد البنوك التي أفلست بلغ سنويا في المتوسط في السنوات ( 1920-1933) كان 600 بنك، والعدد أنخفض بعد إنشاء مؤسسة التأمين على الودائع عام 1934م، ولكن عدد البنوك التي أفلست أرتفع ابتدءا من عام 1982م حتى عام 1993م ، ثم انخفض بداية من عام 1995م ، حتى حدثت الأزمة المالية الحالية من عام 2006 م تقريبا. 

 

2-   الكوارث المصرفية عالمية في كل الدول ومكلفة:

 

الكوارث المصرفية حدثت في كل الدول تقريبا في فترات مختلفة ، ولاسيما في فترات التحول الاقتصادي من نظام اقتصادي تسيطر علية الدولة إلى نظام يأخذ بمزيد من الحرية الاقتصادية ، ويتجه نحو مزيد من التحرير الاقتصادي والمالي ، ومزيد من تقليص دور القطاع العام (من خلال بيع وحداته المالية والاقتصادية للقطاع الخاص بطريقة لا تتميز بالتدرج بل بالاندفاع مع إهمال اعتبارات التكاليف والمنافع الاقتصادية من وجهة نظر المجتمع) ، وفي إعقاب التحول من النظام الاشتراكي إلى اقتصاد السوق الحر.

وهذه الكوارث المصرفية تكلف المجتمع تكلفة عالية قد تصل إلى نصف الناتج المحلى الإجمالي كما يوضح الجدول رقم (2)

 

جدول (2)الكوارث المصرفية حول العالم وتكلفة إنقاذ البنوك في عدة دول كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي

التاريخ

الدولة

التكلفة كنسبة من gdp

1980-1982

الأرجنتين

55%

1997-مستمر

اندونيسيا

50-55%

1981-1983

تشيلي

41%

1997-مستمر

تايلاند

33%

1997-مستمر

كوريا الجنوبية

27%

1997-مستمر

ماليزيا

21%

1997-مستمر

فنزويلا

20%

1995

المكسيك

20%

التسعينات

اليابان

12%

1989-مستمر

جمهورية التشيك

12%

1991-1994

فنلندا

11%

1991-1995

المجر

10%

1994-1995

البرازيل

5-10%

1987-1993

النرويج

8%

1998

روسيا

5-7%

1991-1994

السويد

4%

1984-1991

الولايات المتحدة

3%

Source: Gerard Caprio and Daniela Klingebid" Episodes of Systematic and Borderline Financial Crises '' memo, World Bank, October 1999.

 

ويرجع سبب معظم الكوارث المصرفية إلى التحرير المالي ، فمعظم دول العالم كانت تلزم البنوك بإجراءات تنظيمية وقيود صارمة ، ولذلك كانت المصارف تقرض إلى مقترضين مأمونين، ولم تجهز كوادر للتعامل مع تقييم الجدارة الائتمانية لمقترضين أصحاب مخاطر ائتمانية عالية ، وعندما تم التحرير المالي ، أقرضت على نطاق واسع لمقترضين أصحاب مخاطر عالية ، وارتفعت مخاطر عدم السداد ، وتم التوسع في القروض العقارية، ولاسيما مع ارتفاع أسعار العقارات، ومع زيادة تعثر المقترضين وانهيار أسعار العقارات ، زاد حجم القروض غير المسددة والمعدومة، وزاد تعثر البنوك ، وفشلها وربما إفلاسها في النهاية.

 

وطبقا للجدول فإن تكلفة الكوارث المصرفية مرتفعة وإنقاذ البنوك ، كانت في معظم دول أمريكا اللاتينية 20% من الناتج المحلى الإجمالي، وفي دول جنوب أسيا كانت مابين55%-35%.

وفيما يلي نعرض للأزمات المصرفية في دول العالم المختلفة في الفترات السابقة على الأزمة الحالية.

 

 

أولا : الأزمات المصرفية في الدول الاسكندينافية:Scandinavia

كما كان الحال في الولايات المتحدة ، ودول العالم المختلفة، فإن العامل الهام في الأزمات المصرفية في النرويج والسويد وفنلندا كان التحرير المالي financial liberalization، الذي حدث في ثمانينات القرن الماضي فقبل عام  1980 م، كانت البنوك في الدول الاسكندينافية خاضعة لإجراءات تنظيمية وقيود صارمة على أسعار الفائدة التي تدفعها للمودعين وأسعار الفائدة الأخرى التي تتقاضاها على مختلف القروض التي تقدمها . وفي ظل تلك البيئة غير التنافسية وفي ظل أسعار فائدة منخفضة بطريقة مصطنعة على كل من الودائع والقروض ، فإن تلك البنوك أقرضت فقط إلى أحسن المقترضين جدارة ائتمانية best credit risks ، وكان كل من المصارف والمنظمين الذين وضعوا الإجراءات التنظيمية والرقابية المصرفية لديهم حاجة ضئيلة لتطوير الخبرة والخبراء expertise  في فرز screening ومراقبة monitoring  المقترضين.ومع إرخاء القيود التنظيمية deregulation   في البيئة المصرفية، حدث رواج إقراضي   lending boom ، ولاسيما الإقراض لقطاع العقارات  real estate sector ، وفي ظل نقص الخبراء والخبرة في الصناعة المصرفية، ونقص مقدرة سلطات الرقابة والإشراف في مراقبة تحمل المخاطر ، فإن البنوك دخلت في مجالات الإقراض عالي المخاطر.

وعندما انهارت أسعار العقارات في نهاية الثمانينات من القرن الماضي ، حدثت خسائر قروض على نطاق كاسح massive loan losses.

ونتيجة هذه العملية كانت مشابهة لما حدث لمؤسسات الادخار والإقراض في الولايات المتحدة ، واضطرت الحكومة في تلك الدول أن تتدخل لإنقاذ النظام المصرفي كله تقريبا في تلك البلاد في نهاية الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي ، وبحجم كان ضخما حتي بالقياس مع الناتج المحلي الإجمالي GDP  .

             

ثانيا : الأزمات المصرفية في دول أمريكا اللاتينية:

أوضح نمط الكارثة المصرفية في دول أمريكا اللاتينية نمطا مماثلا لما حدث في الولايات المتحدة والدول الاسكندينافية. فقبل الثمانينات فإن البنوك في كثير من دول أمريكا اللاتينية كانت مملوكة للدولة وللحكومات بالتحديد، وكانت خاضعة لقيود على أسعار الفائدة على النحو الذي كان سائدا في الدول الاسكندينافية. وكان إقراض تلك البنوك مقصورا على الحكومة والمقترضين الآخرين الذين لهم مخاطرائتمانية منخفضة . ومع إرخاء القيود الرقابية والتنظيمية التي حدثت تقريبا في إنحاء العالم كله ، فإن كثير من تلك الدول حررت أسواق الائتمان وحولت بنوكها للملكية الخاصة. ولذلك حدث ما حدث في الدول الاسكندينافية والولايات المتحدة الأمريكية، فقد حدث رواج إقراضي كاسح massive lending boom ، في مقابل عدم توافر خبراء وخبرة لتقييم الجدارة الائتمانية سواء من قبل المنظمين الرقابيين على المصارف أو من قبل المصارف نفسها، والنتيجة أيضا خسائر إقراضيه كاسحة massive loan losses، وكان التدخل الحكومي حتميا للإنقاذ.  ولكن ما كان ظاهرة صارخة بالنسبة لدول أمريكا اللاتينية هو أن تكلفة الإنقاذ كانت كبيرة فمثلا في الأزمات المصرفية الحديثة في المكسيك وفنزويلا كانت خطة الإنقاذ الحكومي تكلف دافع الضرائب حوالي 20% من GDP.

 

 

 

 

ثالثا : الأزمات المصرفية في روسيا وشرق أوروبا:

قبل أن تنتهي الحرب الباردة ، كانت البنوك في الاتحاد السوفيتي ودول شرق أوروبا مملوكة للدولة ، وعندما حدث انهيار للشيوعية والنظام الاشتراكي، كانت البنوك في تلك الدول لديها خبرة ضئيلة وأجهزة رقابة مصرفية ضعيفة  لا تستطيع فرز أو الرقابة على القروض بالمعني الذي يقتضيه التشغيل الحر والكفء للنظام المصرفي . بالإضافة إلى ذلك فإن البنوك وجهاز الرقابة على المصارف كانت لا تستطيع كبح جماح البنوك من تحمل مخاطر زائدة ، لأن ذّلك يتطلب خبرات لم تكن موجودة في المصارف ، ومن ثم فقد اندفعت المصارف في الإقراض بدون تقييم لطبيعة المخاطر المرتبطة بكل قرض، وبالتالي حدثت خسائر قروض ضخمة للبنوك ونتج عنها فشل الحكومة في إنقاذ كثير من البنوك. فمثلا في النصف الثاني من عام 1993 م ، فإن ثمانية بنوك في المجر والتي تمتلك 25% من أصول النظام المالي أصبحت معسرة  insolvent ، وفي بلغاريا عام 1995م، فإن 75% من القروض في النظام المصرفي قدرت بأنها لا تستوفي المعايير المصرفية substandard السليمة. 

وفي 24 أغسطس 1995م، تطلبت الأزمة المصرفية bank panic  تدخل الحكومة ، عندما ارتفعت القروض بين المصارف وتوقفت البنوك عن العمل بسبب القلق من إعسار  كثير من البنوك الجديدة ، وهذا لم يكن نهاية أزمة النظام المصرفي الروسي . وفي 17 أغسطس 1998م ، أعلنت الحكومة الروسية أنها ستفرض التوقف عن دفع moratorium الديون الخارجية بسبب إعسار النظام المصرفي ،وفي نوفمبر ، أعلن البنك المركزي الروسي أن ما يقارب من نصف المصارف التجارية في البلد وهي 1500 مصرف على وشك الانهيار وأنها تحتاج إلى جهود إنقاذ عاجلة، وكانت تكلفة الإنقاذ ما يزيد عن 15 مليار دولار.

 

رابعا:الأزمة المصرفية في البابان:

اليابان هي الدولة التي دخلت أخيرا في الأزمات المصرفية. فقبل عام 1990م، بدا أن الاقتصاد الياباني يسير في مسار يبدو انه لن يتوقف ، ولكن لسوء الحظ ، فإنه ذاق من نفس الكأس كالاقتصاديات الأخرى ، فقبل ثمانينات القرن الماضي، كانت السواق المالية اليابانية هي أكثر الأسواق خضوعا للإجراءات التنظيمية والرقابية في العالم ، مع قيود صارمة على إصدار الأوراق المالية  وقيود صارمة على أسعار الفائدة ، ولكن إرخاء القيود التنظيمية المالية والتجديد المالي financial innovation   خلق بيئة أكثر تنافسية ، وأفضى إلى رواج إقراضي شديد lending boom ، مع قيام البنوك بالإقراض بشرهه للقطاع العقاري real estate sector .

وكما هو الحال في الدول الأخرى ، فإن عدم الإفصاح المالي  financial disclosure  ، وقصور الرقابة من قبل  وكالة الرقابة الحكومية والمنظمينregulators    ، لم يتمكنوا من مسايرة البيئة المالية الجديدة. والنتيجة هي اندفاع البنوك في تحمل مخاطر زائدة excessive risks، وعندما انهارت أسعار وقيم الممتلكات والعقارات في أوائل التسعينات من القرن الماضي ، فإن البنوك وجدت نفسها تعاني مقادير ضخمة من القروض الرديئة أو المعدومةbad loans ، فعلى سبيل المثال: قررت البنوك اليابانية الدخول في مجال  سوق قروض الرهن العقاري من خلال إنشاء ما يسمى jusen ، وهي شركات إقراض للمساكن والتي تحصل على الأرصدة التي تجمعها من الاقتراض من البنوك ، وتقرض تلك الأرصدة إلى أفراد القطاع المنزلي . ولقد أعسر سبع من تلك المؤسسات، وتركت للبنوك حوالي 60 بليون دولار من القروض الرديئة أو المعدومة.

وكنتيجة لذلك عانت البابان من أول فشل مصرفي منذ الحرب العالمية الثانية. ففي يوليو 1995م، فإن Tokyo-based Cosmo CREDIT Corporation ، وهى خامس اكبر مؤسسة ائتمانية قد فشلت ، وفي 30 أغسطس أعلنت سلطات Osakaعن قرب إغلاق Kisu Credit Corporation  ، وهي ثاني اكبر مؤسسة ائتمانية، وهي تماثل S&L  في الولايات المتحدة وبلغ حجم الودائع لديها 12 بليون دولار عام 1995م ، والقروض العقارية التي قدمتها كانت تنمو بمعدلات كبيرة جدا ، وعندما انهارت السوق العقارية فإن مؤسسةKisu  أوشكت على الانهيار هي الأخرى، وفي نفس اليوم أعلنت وزارة المالية أنها صفت بنك Hyogo Bank ، وهو بنك متوسط الحجم وأول بنك تجاري يفشل مصرفيا.ولقد وقعت بنوك كبرى أخرى في نفس المصير. ففي 1996م ، تمت تصفية Hanwa Bank، وهو بنك إقليمي أكبر، وتبعه في 1997م، مساعدة الحكومة في إعادة هيكلة the Nippon Credit Bank وهو أكبر سابع بنك ياباني. وفي نوفمبر 1997م ، أجبر Hokkaido Takushoku Bank على الخروج من نطاق العمل ، مما جعله أول بنك تجاري يغلق أثناء الأزمة .

ويسير اليابانيون في طريق يقاومون الأزمات المصرفية، ولقد جعل المنظمين الرقابيين في اليابان البنوك تستوفي معايير معينة لرأس المال وأن تستمر في التشغيل بالسماح لهافي أن تضخم بطريقة مصطنعة قيمة أصولها، فمثلا فقد سمح لهم بان يقيموا حيازاتهم الكبيرة من حقوق الملكية بالقيمة التاريخية بدلا من القيمة السوقية، والتي كانت أقل كثيرا، وخصصت كميات غير كافية لإعادة رسملة النظام المصرفي ، وكان هناك تقدير منخفض لنطاق المشكلة من قبل المسؤلين الحكوميين ، حتى أغلاف Hokkaido Takushoku Bankفإن واضعي الإجراءات التنظيمية والرقابية في وزارة المالية كانوا غير راغبين في إغلاق البنوك التجارية وفرض أية خسائر على حاملي السهم وعلى الدائنين غير المكفولين.

وبحلول منتصف 1998م ، تولدت الرغبة لدى الحكومة اليابانية لمهاجمة كل تلك المشاكل ، وأن تتخذ خطوات في هذا الاتجاه. ففي يونيو فإن سلطة رقابية على المؤسسات المالية تم انشائها وفصلها عن وزارة المالية وحولت إلى وكالة رقابية مالية (FSA) وترفع تقاريرها مباشرة إلى وزير المالية . وفي أكتوبر مرر البرلمان حزمة إنقاذ بمقدار 500 بليون دولار(60 تريليون ين ياباني). ولكن رد تلك المبالغ كان يعتمد على تعاون البنوك. فالقانون لا يتطلب من  البنوك المعسرة ماليا أن تغلق أو أن تقبل أرصدة ، طالما أنها معسرة . ومن الطبيعي أن البنك الذي يقبل الإنقاذ عليه أن يفتح دفاتره للفحص ، ويعيد هيكلة عملياته من خلال تخفيض القوة العاملة به وإغلاق بعض الفروع غير المربحة. ولكن ليس من الواضح ما إذا كانت تلك الخطة للإنقاذ ستعمل ، بالرغم من أنه في مارس 1999م ، فإن 15 من البنوك الكبرى حصلت على 7تريليون من هذه الخطة،علاوة على ذلك فإنه بعد أن تمت الموافقة على القانون  في أكتوبر 1998م، فإن أحد البنوك التجارية التي كانت معتلة وهو Long-Term Credit Bank  of Japan قد استحوذت عليه الحكومة وأعلن انه معسر insolvent ، وتم فيما بعد بيعه إلى اتحاد مالي consortium  مكون من مستثمرين أمريكيين. وفي ديسمبر 1998م ، تم إغلاق Nippon Credit Bank ، وتلك الإغلاقات تدل على جدية اليابانيين في تنظيف القطاع المالي من كل عوامل المرض والاعتلال في النظام المصرفي.

 

خامسا :الأزمة المالية في اقتصاديات السوق الناشئة :

Financial crises in emerging market economies

المكسيك (1994-1995)م، وشرق آسيا (1997-1998)م:

تعرضت كثير من بلدان اقتصاديات السوق الناشئة لأزمات مالية ، واشد هذه الأزمات كان في المكسيك، وبدأ في ديسمبر 1994م، والأزمة في شرق آسيا بدأت في يوليو 1997م. وأحد الألغاز الكبيرة هي كيف ينتقل بلد من مسار يحقق فيه معدلا عاليا من النمو قبل الأزمة المالية إلى انخفاض حاد في النشاط الاقتصادي كما حدث في المكسيك وكما حدث في دول شرق آسيا: تايلاند ، ماليزيا ، اندونيسيا ، الفلبين ، كوريا الجنوبية.

 

ونظرا لاختلاف الملامح المؤسسية لأسواق الائتمان في بلدان السواق الناشئة ، فإن تتابع أحداث الأزمة المالية اختلف بين المكسيك ودول شرق أسيا عما كان عليه الحال في دولة مثل الولايات المتحدة.

واحد العوامل الهامة التي أفضت إلى الكارثة المالية هو تدهور ميزانيات البنوك نتيجة زيادة الخسائر في القروض. فعندما بدأت تلك الدول في إرخاء الإجراءات التنظيمية والرقابية في أوائل التسعينات من القرن الماضي، حدث رواج إقراضي lending boom ، حيث تسارعت وتيرة الائتمان الممنوح لمؤسسات القطاع الخاص غير المالية  private nonfinancial sector ، ونظرا لضعف الإجراءات الرقابية والتنظيمية من قبل المنظمين الرقابيين المصرفيين ونقص الخبرة اللازمة لفرز ومراقبة المقترضين من المؤسسات المصرفية ، بدأت الخسائر من وراء القروض تتراكم، مما سبب تأكل صافي حقوق الملكية  للبنوك ومن ثم تآكل رأس المال . وكنتيجة لهذا التآكل فإن البنوك وجدت لديها قليل من الموارد الممكن إقراضها، وهذا النقص في الإقراض أدى في النهاية إلى انكماش النشاط الاقتصادي.

وأحد العوامل التي أدت إلى الأزمة في المكسيك وليس في دول جنوب أسيا، كان سعر الفائدة في الخارج، فبداية من عام 1994م، فإن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع سعر الفائدة في سوق الأرصدة المركزية federal funds rate ، لكي يحد من التضخم ، ورغم أن هذه السياسة كانت ناجحة في الحد من التضخم في الولايات المتحدة ، فإنها وضعت ضغوطا على البنك المركزي المكسيكي لكي يرفع الفائدة لكي يخفف الضغط ويحمي العملة وهى البيسو peso ، في سوق الصرف الأجنبي، ولقد أدى  رفع سعر الفائدة إلى زيادة الاختيار العكسي في الأسواق  المالية المكسيكية لأنه جعل الأطراف الأكثر سعيا للبحث عن القروض هم الراغبين في تحمل أكبر قدر من المخاطر.

ولقد أنخفض سوق  السهم ، كما زادت درجة عدم اليقين ، مما زاد من حدة الأزمة، في المكسيك وتايلاند وكوريا الجنوبية ، وكان الانخفاض في سوق الأسهم في ماليزيا واندونيسيا والفلبين  قد حدث معاصرا لبداية الأزمة. كما أصيب الاقتصاد المكسيكي بالمشاكل السياسية التي زادت من درجة عدم اليقين ، وبالتحديد اغتيال Donaldo Colosio ، وهو مرشح الرئاسة للحزب الحاكم ، وحدوث انتفاضة في الجزء الجنوبي من ولاية Chipas  ، وبحلول منتصف ديسمبر 1994م ، انخفضت أسعار الأسهم بحوالي 20% من القمة التي كانت قد بلغتها في سبتمبر 1994م. وفي يناير 1997م في كوريا الجنوبية ،فإن احد الشركات الكبرى للصلب Hanbo Steel  ، انهارت، وبعد ذلك بفترة قصيرة أعلن إفلاس Sammi Steel و Kia Motors . وفي تايلاند فإن مؤسسة التطوير العقاريSamprosong Land توقفت عن دفع قروضها الخارجية (بالعملة الأجنبية)  في أوائل فبراير 1997م، كما أن المؤسسات المالية التي اقترضت بكثافة من سوق العقارات بدأت تعاني من صعوبات خطيرة وطلبت أكثر من 8 بليون دولار من البنك المركزي التايلاندي لكي تسدد تلك القروض. وأخيرا في يونيو ، فإن فشل شركة التمويل والاستثمار التايلندية الرئيسية ، Finance One ، قد فرض خسائر كبيرة على كل من الدائنين المحليين والأجانب.

 تلك الأحداث زادت من درجة عدم اليقين في أسواق المال في كل من تايلاند وكوريا الجنوبية، وكلا منهما قد عانى انخفاضا كبيرا في سوق الأوراق المالية، من القمة التي وصل اليها في أوائل 1996م ، حيث انخفض سوق كوريا بحوالي 25%، واسهم تايلاند بمقدار 50%.

ولقد ترتب علي زيادة عدم اليقين وانخفاض صافي حقوق الملكية، الناجم عن تدهور سوق الأسهم ، أن أصبح من الصعب  فرز المقترض الجيد من الردئ ، والانخفاض في صافي حقوق الملكية خفض قيمة الضمان لدى المؤسسات ، وزاد الحوافز لديها للقيام باستثمارات عالية المخاطر، لأن حقوق الملكية التي ستخسرها ستكون صغيرة إذا كان الاستثمار غير ناجح.

وكان لهجمات المضاربة دورا كبيرا في تعميق الأزمة ، فمع المشاكل السياسية والاضطرابات التي تعرضت لها المكسيك ، زادت الضغوط على البيسو ، مما اجبر البنك المركزي المكسيكي  إلى التدخل في سوق الصرف الأجنبي ورفع الفائدة على ودائع البيسو بدرجة كبيرة، ولكن مع ذلك لم يكن قادر على أن يصد الهجمات المضاربية  ، واضطر إلى تخفيض قيمة البيسو ، في 20ديسمبر 1994م.

وفي تايلاند ، فإن العجز الكبير في الحساب الجاري، والضعف الشديد في النظام المالي، وفشل مؤسسة التمويل (البنك الكبير )Finance One، أفضى إلى نجاح الهجمات المضاربية، واجبر البنك المركزي التايلاندي على التدخل ليسمح بتعويم العملة baht في الاتجاه النزولي.

ولقد أفضت الهجمات المضاربية ضد العملات الأخرى في المنطقة إلى انهيار البيسو الفلبيني، والروبية الاندونيسية ، والرنجت ringgit  الماليزي، والوون won   الكوري.

ولقد تفاعل الهيكل المؤسسي لأسواق الدين في المكسيك وشرق آسيا مع تخفيضات العملة بحيث دفع الاقتصاد إلى الغرق في الكارثة المالية بالمعني الكامل للكلمة. ونظرا لأن كثير من المؤسسات كان لديها ديون مقومة بالعملات الأجنبية كالين الياباني والدولار الأمريكي، فإن انخفاض قيمة عملات تلك البلاد ترتب علية زيادة مديونياتها مقومة بالعملة المحلية ، بالرغم من أن قيمة أصولها لم تتغير. فعندما فقد البيسو 50% من قيمتة بحلول مارس 1995م ، فإن عملات تايلاند وماليزيا وكوريا فقدوا مابين ثلث ونصف  قيمتهامع بداية 1998م ، مما تسبب في أثار سالبة عميقة على ميزانيات الشركات ،وكانت الصدمة السالبة اقوى بالنسبة لأندونيسيا ، حيث فقدت عملتها حوالي 80% من قيمتها، مع تسبب في إعسار كثير من الشركات لأن معظم مديونياتها كانت مقومة بالعملات الأحنبية.

ولقد ترتب على إنهيار قيمة العملات أرتفاع التضخم الفعلى والمتوقع في تلك البلاد، وارتفعت أسعار الفائدة إلى مستويات خيالية ، في المكسيك مثلاارتفعت إلى مايزيد عن 100%، ولقد ترتب على زيادة مدفوعات الفائدة انخفاض التدفقات النقدية لكل من الشركات وأفراد القطاع العائلي، مما أدي إلى مزيد من التدهور في ميزانياتهم balance sheet ، وأحد الخصائص الهامة لأسواق الدين في دول السوق الناشئة مثل المكسيك  وجنوب آسيا هي أن عقود الدين  كانت قصيرةالأجل جدا، فقد كانت مدة العقود غالبا اقل من شهر، ولهذا فإن ارتفاع أسعار الفائدة قصيرة الأجل في تلك البلاد يكون شديد التأثير على التدفقات النقدية للأفراد والشركات ومن ثم يؤثر بشدة على ميزانياتهم، وهذا التدهور في ميزانيات القطاع العائلي والشركات يزيد الاختيار العكسي adverse selectionويفضي إلى مزيد من مشاكل المخاطر المعنوية moral hazard في أسواق الائتمان ، ومن ثم يجعل المقرضين أقل رغبة في الإقراض.

بالاضافة إلى ذلك فإنه نتيجة لأزمة العملات حدث أنهيار في أسواق الأسهم ، فلقد انخفض سوق الأسهم في المكسيك بمقدار50% من القمة التي وصل إليها، وكانت الانخفاضات في أسواق تايلاند والفلبين وماليزياواندونيسيا وكوريا الجنوبية ما بين 50% إلى 80%.

ولقد ترتب علي تلك االأحداث مشاكل للمقرضين الأجانب الذين اصبح من الصعب عليهم الحصول على معلومات عن تلك الاقتصاديات. وكان المقرضين الأجانب راغبين في سحب أرصدتهم من المكسيك ودول شرق آسيا ، وهذا مافعلوه. فمحافظ الاستثمار الأجنبي في المكسيك كانت حوالي 20 بليون دولار عام 1993م ، انقلبت إلى تدفقات للخارج تزيد عن 10 بليون دولار في السنة بحلول الربع الرابع من عام 1994م، وبالمثل في دول شرق آسيا ، فإن تدفقات رأس المال لتايلاند وماليزيا والفلبين وأندونيسيا وكوريا الجنوبية التي كانت تقترب من تدفقات داخلة بحوالي 100 بليون دولار في 1996م، انقلبت إلى تدفقات خارجة تزيد عن 10 بليون دولار عام 1997م، وهذا يتناسق مع نظرية الأزمات المالية من أن الانخفاض الحاد في الاقراض يفضي إلى انهيار في النشاط الاقتصادي، مما يسبب انخفاض حاد في نموالناتج المحلي الإجمالي.

والتدهور الشديد في الاقتصاد بسبب الانهيار في النشاط الاقتصادي والتدهور في التدفق النقدي وفي الميزانيات لكل من القطاع العائلي والشركات ساهم مساهمة كبيرة في الأزمة المصرفية. فمشاكل القطاع العائلي والشركات تعني أنهم غير قادرين على دفع ديونهم للبنوك، مما سبب خسائر كبيرة للبنوك. ومما يزيد الطين بلة هو أن كثير من الالتزامات قصير الأجل للبنوك كانت مقومة بالعملات الأجنبية ، والزيادة الكبيرة في قيمة تلك الالتزامات بعد تدهور قيمة العملات وانخفاض قيمتها ، أفضى إلى مزيد من التدهور في ميزانيات البنوك. وفي ظل تلك الظروف ، كان لابد من انهيار النظام المصرفي في غياب شبكة أمان حكومي government safty net ، ولكن بمساعدة صندوق النقد الدولي فإن تلك الدول تمكنت من حماية المودعين وتجنب كارثة مصرفية. ولكن مع خسارة البنوك الضخمة لرأسمالها والحاجة للتدخل الحكومي لمساعدة البنوك ، فإن مقدرة البنوك على الاقراض قد انكمشت بشكل خطير . والكارثة المصرفية بهذا الشكل ، مع وجود مشاكل كبير في سوق المال عموما ، جعل البنوك غير قادرة على أن تقوم بدورها التقليدي في الوساطة المالية ، وانخفض عرض الموارد اللازمة لتمويل النشاط الاقتصادي ، مماادي إلى انهيار النشاط الاقتصادي عقب تلك الأزمة.

وبعد تلك الأزمات بدأت المكسيك في التعافي في عام 1996م ، بينما بدا انقشاع الأزمة في دول شرق آسيا وبدات ملامح الشفاء من الأزمة في عام 1999م ، وفي كل نلك البلدان ، فإن الضيق والمشقة الاقتصادية التي ترتبت على الأزمة المالية والمصرفية كانت ضخمة ، فلقد ارتفعت البطالة إلى مستويات عالية ، وازدادت مستويات ودرجات الفقر ، كم أن النسيج الاجتماعي للمجتمع اتسع وزاد ضعفا، فمثلا في عاصمة المكسيك ، مكسيكو سيتي ، اصبحت من أكثر بلدان العالم في الجريمة ، بينما عانت اندونيسيا من موجات العنف الطائفي ethnic violence .

 

وفي دول شرق آسيا : تايلاند، ماليزيا، الفلبين، جنوب كوريا، فإن قصور الأشراف والرقابة على النظام المصرفي، افضى إلى رواج إقراضي شديد  بعد التحرير المالي ، وهو ماترتب عليه خسائر قروض ضخمة  تحملتها البنوك، ولقد أصبحت هذه الخسائر ضخمة بدرجة أكبر بعد إنهيار العملات الذي حدث في صيف 1997م، والتقديرات مابين 15%إلى 35% من القروض أصبحت معدومة في تايلاند ، وماليزيا واندونيسيا وكوريا الجنوبية ، وقدرت تكلفة الانقاذ بما يعادل 20% من الناتج المحلي الاجمالي في تلك البلاد، وما يزيد عن 50% من الناج المحلي الإجمالي في اندونيسيا  ، أما الفلبين  فكانت افضل نوعا ما إذ أن التكلفة كانت تحت 15% من الناتج المحلي الإجمالي.

 

خلاصة:

عندما ننظر إلى الأزمات المالية التي حصلت في الدول المختلفة ، فإننا نلاجظ وكأن التاريخ يكرر نفسة ، أو أن الاحداث تكون متقاربة في التماثل ، فالتوازي في فترات حدوث الأزمات المصرفية يكاد يكون متماثلا في كل الدول.

وبالرغم من أن التحرير المالي يعتبر شئيا جيدا بكونة يفضي إلى مزيد من المنافسة ويساهم في جعل النظام المالي أكثر كفاءة، كما راينا في الدول التي تعرضنا لها ، إلا انه يمكن أن يفضي إلى مزيد من المخاطر المعنوية moral hazard ، مع ميل البنوك إلى تحمل مزيد من المخاطر إذا ما تم إرخاء الاجراءات التنظيمية والرقابية على البنوك ، والنتيجة هي حدوث الأزمات المصرفية.

ولكن يلاحظ في كل تلك التجارب التي تعرضنا لها أن مؤسسة التامين على الودائع لم تكن تلعب دورا مهما ، كما هو الحال في الولايات المتحدة ، فمثلا مؤسسة التأمين على الودائع في اليابان لم تكن تلعب دورا بارزا، واستنفدت مواردها تقريبا بعد فشل أول بنك في البابان. هذا يعني أن اللوم لايجب أن يقع على مؤسسة التامين على الودائع في حدوث الكوارث المصرفية.

ولكن ايضا ما هو مشترك بين كل الدول التي تعرضنا لها هو وجود شبكة أمان حكومي government safty net ، حيث كانت الحكومة تقف مستعدة دائما للإنقاذ، سواء كانت مؤسسة التأمين على الودائع هامة في البيئة التنظيمية للنظام المصرفي او غيرهامة ، ولهذا فيمكن القول أن شبكة الأمان الحكومي وليس التأمين على الودائع هو من يقف خلف زيادة حوافز المخاطر المعنوية التي تفسرإقدام البنوك على تحمل مستوي عالى وزائد من المخاطر.

الفصل الثاني

الهيكل التمويلي المعاصر لقطاع الأعمال والقطاع العائلي

 

الهيكل التمويلي Financial structure

 ملامحه وعلاقته بالأزمة: 

 

الأشكال الأساسية للتمويل المقدم لقطاع الأعمال والقطاع العائلي:

 

يقدم سوق المال التمويل لقطاع الإعمال و للقطاع العائلي، في الصور التالية:

1-    القروض المصرفية  banking loans: وهي القروض التي تمنحها المصارف لعملائها سواء من أفراد القطاع العائلي أو من مؤسسات قطاع الأعمال .

2-             الاقتراض بإصدار سندات  ، فتصدرها الشركات أو الحكومة سواء حكومة محلية أو مركزية  ويشتريها المقترض، ويصدرها المقترض في صورة وحدات لها فئات وسعر اسمي وسعر فائدة قد يكون محدد أو معوم (متغير) مع سعر الفائدة السوقي، وعندما يكون سعر السند الأسمى (المكتوب على السند)  وسعر الفائدة الأسمى ثابتين أسميا، فإن سعر السند السوقي يتغير عكسيا مع تغير سعر الفائدة السوقي.

     وغالبا تباع تلك السندات إلى البنوك والمؤسسات المالية مثل شركات التامين  وصناديق الاستثمار ، وتسمى السندات أدوات الدين القابلة للبيع في السوق أو القابلة للتسويق Marketable debt (instrument) securities .

3-                  اصدرا أسهم عادية  common stock ولا يصدرها سوي مؤسسات الأعمال التي تتخذ شكل شركات مساهمة سواء في القطاع المالي أو القطاع الحقيقي (الذي ينتج سلعا أو خدمات)، ويتغير سعر السهم السوقي طرديا مع تغير نتيجة أعمال المؤسسة( واهم العوامل  التي تغير سعر السهم السوقي هي : حجم مبيعاتها ، نصيبها في السوق واتجاه تغير هذا النصيب، وحجم أرباحها ، والتغيرات المتوقعة في هذه الأرباح، والتغيرات في حجم رأس المال العيني والتوسعات في أعمالها، والتغيرات المتوقعة في النشاط الاقتصادي ككل ).

والصورة الثانية والثالثة ، تسمى بالتمويل المباشر direct finance، لأن وحدات العجز المالي تحصل على التمويل مباشرة من وحدات الفائض المالي من خلال السوق الأولي للسندات أو الأسهم ، بينما القروض المصرفية هي صورة للتمويل غير المباشر لأنها تتم من خلال وسيط مالي هو المصارف.

  ويشتمل التمويل بالدين debt finance على التمويل بالقروض والسندات أما التمويل بالأسهم فيسمى التمويل من خلال حقوق الملكية equity finance.

والتركيبة التي يتألف منها التمويل بنسبه المختلفة تسمى بالهيكل التمويلي.

والهيكل التمويلي المعاصر له علاقة بالأزمة المالية الحالية، لأنه:

" كلما كان الطابع الغالب على الهيكل التمويلي هو التمويل بالدين debt finance  ، كلما كان هناك احتمال اكبر لوقوع أزمة مالية، لأن تعثر المدين يؤدي في نفس الوقت إلى تعثر الدائن معه".

والشكل التالي يوضح مساهمة كل مصدر في تمويل قطاع الأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة (1970-1985)م ، ومنة يتضح أن :

التمويل بالدين = التمويل بالقروض المصرفية + التمويل بالسندات= 61.9%+ $%29.8= 91.7%

 

 

Source: Colin Mayer " Financial System, Corporate Finance and Economic Development" in Asymmetric Information , Corporate Finance , and Investment, ed., R. Glenn Hubbard ( Chicago: Chicago University Press: 1990) p. 312

 

ويلاحظ أن الأسهم لا تمول إلا حوالي  2.1 % من التمويل المقدم إلى قطاع الأعمال، ولقد تسبب التمويل بالدين في الأزمة المالية  الحالية إلى حد كبير.

 

والهيكل التمويلي  financial structure كما ذكرنا هو النسب المختلفة للتمويل من المصادر المختلفة التي يمكن منها الحصول على هذا التمويل، والهيكل التمويلي  له علاقة بالأزمة المالية لأن :

الطابع الغالب على الهيكل التمويلي هو التمويل بالدين .

 

وملامح الهيكل التمويلي المعاصر تتمثل في :

1-التمويل بالأسهم ليس هو المصدر المهم للتمويل الخارجي لمؤسسات الأعمال، فالأسهم لا تمول سوي 2.1% في الولايات المتحدة ، ولا يختلف الوضع عنها في بقية الدول المتقدمة اقتصاديا.

2-القروض المصرفية هي المصدر الرئيسي لتمويل قطاع الأعمال،  فالتمويل بالدين هو الغالب على الهيكل التمويلي ويشتمل على التمويل بالقروض المصرفية وبإصدار سندات ، ويمثل في الولايات المتحدة حوالي 92%.

3-الضمان  Collateralهو السمة السائدة في عقود الدين الممنوحة للقطاع العائلي وقطاع الأعمال، ولهذا كانت الرهون العقارية المرهونة بالوحدات السكنية هي أفضل أنواع التمويل الذي تقدمه المؤسسات التمويلية.

4-الشركات الكبيرة صاحبة السمعة هي التي تستطيع الحصول على التمويل من سوق الأوراق المالية، لأنها تستطيع إصدار أسهم أو سندات ، ولا تستطيع الشركات الصغيرة.

5-النظام المالي والمؤسسات المالية هي أكثر القطاعات خضوعا للإجراءات التنظيمية، لأن انضباط عملية التمويل يساهم في التشغيل الناعم السلس للاقتصاد القومي ،و يضفي على عمل المؤسسات المالية مزيدا من الثقة، ولكن خضوع النظام المالي والمؤسسات المالية لصور التحايل المحاسبي وإخفاء المعلومات وعدم تماثلها بين إطراف العقد المالي ، يفضي إلى أزمة مالية وفقد الثقة وإلى الفشل والإفلاس المالي والمصرفي واسع النطاق ، وهذا يخفض حجم التمويل المتاح للاستثمار، فينخفض الاستثمار والنشاط الاقتصادي.

 

وهذه الملامح هي بالضبط من يقف وراء الأزمة المالية، التي تجسدت في أزمة التمويل بالدين للقروض العقارية برهن عقاري ، ثم توريق تلك الدون في صورة سندات ، ودفع تلك السندات إلى طرف ثالث ،وانتشار صور التحايل في تسجيل البيانات في الدفاتر المحاسبية، بالإضافة إلى صور النصب والتحايل التي لم تستطع هيئات الرقابة على السواق المالية والمؤسسات المالية اكتشافها،  ومن ثم فحدوث الأزمة بدأ من تدهور الجدارة الائتمانية للمقترض قروضا عقارية، فزاد حجم القروض المعدومة ، وأصبحت السندات المغطاة برهون عقارية قيمتها =صفر ، مما أدى إلى شطب تلك الديون من ميزانيات كثير من المؤسسات المالية التي استثمرت  أرصدتها المالية في تلك  القروض المعاد بيعها في صورة سندات (عن طريق التوريق).

 

الفصل الثالث

 أعراض الأزمة

للأزمة المالية أعراض كثيرة تختلط في معظم الأحيان بأسباب الأزمة وسنحاول قدر ما نستطيع تسليط الضوء على أهم أعرض الأزمة فيما يلي:

 

أولا:الجوانب النفسية التي تسود أسواق المال أثناء الأزمة:

1- الذعر المصرفي:bank panics

2- أزمة سيولة لدي المصارف :liquidity crisis 

3-امتناع المصارف عن الإقراض خوفا على ضياع تلك القروض 

4- الذعر المالي:financial panics

 

ثانيا: انهيار أسعار الأسهم:the crash of the stock market 

 

ثالثا: الفشل المالي والمصرفي والخسائر المصرفية:   

and bank losses   Financial and bank failure

رابعا: ارتفاع خسائر شركات التأمين 

خامسا: : خسائر الصناديق السيادية وصناديق الاستثمار

سادسا: أزمة الرهن العقاري: The crisis of mortgage loans 

سابعا::شركات التطوير العقاري في منطقة الخليج

ثامنا: تفاقم مشاكل صناعة السيارات والمساعي لإنقاذها 

 

 

 

 

 

 

 

 

                أولا:الجوانب النفسية التي تسود أسواق المال أثناء الأزمة

(أ)الذعر المصرفي:bank panics

وهي الحالة التي تنتاب الجمهور غير المصرفي non-bank public عندما يعلم أو يشعر أو تصل إليه معلومات بأن أحد البنوك أو بعضها- ولاسيما أحد البنوك الكبرى- يعاني مشاكل مالية أو يعاني أزمة سيولة، نتيجة تحمله قروض معدومة بحجم كبير أو خسارة تكبدها نتيجة تعامله في تجارة أصول عالية المخاطر ، فيسارع الجمهور إلى سحب ودائعه من المصارف ، سواء السليمة أو المصابة ، فتنخفض الاحتياطيات لدى تلك المصارف ، وتعاني أزمة سيولة شديدة ، وقد تؤدي إلى فشلها في الوفاء بالتزاماتها، وإذ لم يتم إنقاذها ، يتم إفلاسها. 

 

(ب)أزمة سيولة لدي المصارف :liquidity crisis  

وتحدث نتيجة ارتفاع حجم القروض المعدومة  وغير المسددة ، ومسارعة المودعين بسحب ودائعهم من المصارف ، مما يخفض حجم الأصول المتاحة للمصرف ، ولاسيما القابلة للبيع العاجل في السوق المالي ويصبح البنك على وشك الإفلاس . 

 

(ج)امتناع المصارف عن الإقراض خوفا على ضياع تلك القروض :

ففي أوقات الأزمات المالية تخشي المصارف على قروضها ألا يتم سدادها ، فتصبح قروض معرضة لمخاطر عدم السداد default risk، وبالتالي تمسك البنوك عن الإقراض ، فيقل حجم التمويل المتاح للاستثمار (أي لبناء طاقة إنتاجية جديدة أو للمحافظة على الطاقة الإنتاجية القائمة)، ولتمويل العمليات الجارية واحتياجات رأس المال العامل،   ، وترتفع تكلفته التمويل إن وجد، ولهذا ينخفض كل من الإنفاق الاستثماري ، وحجم النشاط لدى مؤسسات الأعمال ، وتبدأ موجة الركود الاقتصادي وترتفع معدلات البطالة.

     (د) الذعر المالي:financial panics

يصف الذعر  المالي الحالة التي تنتاب حاملي الأسهم في سوق الأوراق المالية ، ولاسيما حملة الأسهم العادية  عندما يشعرون أن هناك أزمة مالية وأن  المتوقع هو انخفاض أسعار الأسهم ، وإذا حدث هذا التوقع ستحل بهم خسارة رأسمالية، نتيجة انخفاض الأسعار السوقية للأسهم، فيسارعون إلى عرض أسهمهم للبيع ، وحيث أن الجميع يرغب في البيع في وقت واحد، فيصبح هنالك عرض ضخم من الأسهم ، مع انخفاض الطلب عليها ، حيث لا يوجد تقريبا من يرغب في الشراء، فتتحول الأسهم إلى أصول مالية غير سائلة (غير قابلة للبيع إلا بخسارة كبيرة) ، ونتيجة لذلك يحث انهيار في الأسعار السوقية للأسهم crash in securities market ، ويصاب البائعون بخسارة لجزء من ثرواتهم التي استثمرت في الأسهم.

 

كما تجد شركات الأوراق المالية وشركات السمسرة وتجار الأوراق المالية صعوبة في ممارسة نشاطهم لعدم توافر السيولة لديهم ، نتيجة امتناع البنوك عن إقراضهم.

ثانيا: انهيار أسعار الأسهم:the crash of the stock market

 وهي الحالة التي ينخفض فيها الرقم القياسي لأسعار الأسهم ، مثل انخفاض Dow Jones في بورصة نيويورك أو Nikkei في طوكيو ) انخفاضا كبيرا دفعة واحدة، ومع توالي الأزمة المالية تتكرر الانخفاضات الكبيرة، مثلما حدث  يوم الاثنين الأسود  19 أكتوبر 1987 حيث انخفض الرقم القياسي لأسعار الأسهم Jones Dowبمقدار فاق 500 نقطة مرة واحدة ، مما أدى لتوقف سوق الأوراق المالية في Wall Street ، في مدينة نيويورك عن العمل، حتى قال Felix Rohatyn وهو أكثر الرجال البارزين  في Wall Street" أن يوم الثلاثاء هو أخطر يوم مر علينا منذ 50 عاما" ، والآن في ظل الأزمة المالية الحالية ماذا عساه أن يقول  ، ولاسيما أن الانخفاضات التي تحدث في معظم أيام الأزمة تفوق  500  نقطة .

وفي ظل انهيار سوق الأسهم  في أكتوبر عام 1987، امتنعت البنوك في نيويورك عن تقديم القروض إلى شركات السمسرة وشركات الأوراق المالية والوسطاء والمتخصصين العاملين في سوق الأوراق المالية ، في وقت كانوا في أشد الحاجة إلى أرصدة لتمويل أنشطتهم، وبدا أن هناك كارثة تلوح في الأفق حتى أعلن  احد رؤساء شركات الأوراق المالية في Wall Street في يوم الاثنين " من الساعة 2 بعد الظهر كان هناك إحباط ويأس despair فمجتمع الاستثمار فر fled من السوق وتركنا وحدنا".

 

مبادرة الإنقاذ:

وبمجرد أن عرف كلا من Allan Greenspan ، رئيس مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي the chairman of the Federal Reserve Board ، و E. Gerald Corrigan رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، قررا عدم ترك صناعة الأوراق المالية تنهار، فتم الإعلان عن استعداد الاحتياطي الفيدرالي لتقديم السيولة اللازمة والقروض المخصومة  discounted loans إلى شركات الأوراق المالية والوسطاء والمتخصصين في سوق الأوراق المالية حتى يتم إنقاذ تلك السوق، وبذلك كانت رسالة الاحتياطي الفيدرالي the Fed هي we are here , whatever you need we will give you""

وهذا التصرف الرائع من قبل الاحتياطي الفيدرالي the Fed أدى إلى تفادي الكارثة المالية، وبدأت السوق تعمل في اليوم التالي، وصعد الرقم القياسي لأسعار الأسهم حوالي 100 نقطة، وعاود رحلته نحو الصعود.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثالثا: الفشل المالي والمصرفي والخسائر المصرفية:

and bank losses   Financial and bank failure

 

تقترن الأزمة المالية بالفشل المالي والمصرفي ، والذي يوصف بأنه الوضع الذي تصبح عنده  "القيمة السوقية لأصول المؤسسة المالية اقل من القيمة السوقية لالتزاماته" .

 

ويحدث ذلك الفشل نتيجة الاندفاع في الإقراض عالي المخاطر ، والاستثمار في أصول متقلبة في قيمتها السوقية، وارتفاع حجم القروض المعدومة ، واندفاع الجمهور لسحب ودائعه، وفي الأزمة الحالية  كان السبب الرئيسي هو الاستثمار في الرهون العقارية  ، حدث ذلك للبنوك في الولايات المتحدة ، واليابان ، ودول شرق أسيا ، ودول أمريكا اللاتينية ، ودول أوربا الشرقية التي تحولت إلى اقتصاد السوق الحر.

كما تقترن الأزمة المالية بالخسائر المصرفية أي التي تتكبدها المصارف.

وسنذكر بعض أمثلة الفشل المصرفي التي حدثت في فترات سابقة في النصف الثاني من القرن الماضي، وكذلك الخسائر المصرفية التي تكبدتها مصارف شهيرة وكبيرة في الأزمة الحالية:

المثال الأول: بنك Franklin National Bank واختصارا بنك FNB:

وهو من أضخم 20 بنك في الولايات المتحدة الأمريكية ، وكانت ودائعه في ذلك الحين تقترب من 3 بليون دولار، وفي مايو عام 1974م ، عرف الجمهور أن البنك عاني خسائر كبيرة من وراء معاملات في الصرف الأجنبي في سوق الصرف الأجنبي ، وتكبد حجم ضخم من الديون المعدومة.

ونتيجة لذلك بادر كبار المودعين في البنك والذين تزيد ودائعهم عن 100000دولار وهو الحد الأقصى للتأمين على الودائع من قبل مؤسسة التامين على الودائع الاتحادية الأمريكية  Federal Deposit Insurance Corporation  واختصارا FDIC، إلى سحب ودائعهم من البنك، وأصبح البنك على وشك الإفلاس، بسبب:

1-             الخسائر الناجمة عن تدهور قيمة أصول البنك نتيجة القروض المعدومة، والخسارة من تجارة الصرف الأجنبي (وهو ما يسمي في نظرية الاقتصاد المالي نشاط خارج الميزانية Off-balance sheet activities).

2-    انخفاض حجم السيولة لديه نتيجة سحب الجمهور ودائعه من البنك.

ولكن نظرا لأن فشل بنك كبير مثل FNB فشلا سريعا وعاجلا سيفضي إلى انعكاسات خطيرة على البنوك الأخرى ، ولاسيما الصغيرة والضعيفة منها فإن الاحتياطي الفيدرالي The Fed أعلن انه سيقدم قروضا مخصومة discounted loans   إلى FNB ، بحيث لن يخسر أي مودع ولاسيما كبار المودعين أي سنت من ودائعهم، مما يعطي الأمان والاطمئنان للمودعين جميعا ، وقدم إلى FNB حوالي 1.5 بليون دولار – كان مبلغا ضخما في هذا الزمن- وهذا المبلغ كان يمثل 5% من الاحتياطيات الكلية في النظام المصرفي، وذلك لإنقاذ بنك FNB  ، وكان تصرف الاحتياطي الاتحادي ناجحا في منع الفشل المصرفي من الامتداد إلى أي مصرف أخر، وتم تجنب الذعر المالي، علما بأن الاحتياطي الفيدرالي كان يتبنى سياسة أن البنك الكبير لا يجب أن يفشل  Too Big To Fail.

 

المثال الثاني: بنك Continental Illinois National Bank ، واختصارا CINB ، فلقد تكبد بنك CINB،في عام 1984م خسائر ضخمة نتيجة القروض المعدومة التي قدمها بصفة أساسية للشركات المتخصصة في مجال الطاقة ومن التجارة في العملات الأجنبية في سوق الصرف الأجنبي، ومن المعلوم أن التخصص في تقديم ائتمان لأحد القطاعات يعرض المصرف لمخاطر عالية ، إذا تعرض هذا القطاع لركود أو كساد ، ولذلك تقرر نظرية الاقتصاد المالي Financial Economics  ، أن المصارف عليها أن تنوع في هيكل مكونات محفظة قروضها ، لكي تدنى مخاطر الائتمان.

وعندما انتشرت الشائعات بان مصرف CINB في أزمة مالية في أوائل مايو 1984م ، اندفع كبار المودعين إلى سحب ما يقارب 10 بليون دولار من البنك.

ولكن مؤسسة التامين على الودائعFDIC رتبت جهود الإنقاذ في يوليو 1984م، وقدمت إلى البنك 4.5 بليون دولار لإنقاذ البنك ، وقدم الاحتياطي الفيدرالي 5بليون دولار ، وأسفرت جهود الإنقاذ التي قام بها كل من The Fed &FDIC  ، عن تجنب الذعر المصرفي الذي كان سيمتد إلى بنوك أخرى.

 

المثال الثالث : في عام 1995م، وقع بنك Barings، في أزمة وأفلس على أثرها، وهذا البنك هو أكبر البنوك البريطانية، وعمرة كان يزيد عن مائة عام، وسبب الإفلاس هو أن موظف في فرع البنك في سنغافورة كان يراهن ويقامر بأموال البنك على مؤشر Nikkei ، ويخسر في المراهنات ، ويخفي الخسائر في دفاتر سرية جانبية (نشاط خارج الميزانية) حتى وصلت خسائر البنك 1.3 بليون دولار ، مما أدى في النهاية إلى إفلاس البنك.

 

(ز)تتابع الإفلاسات المصرفية وخسائر البنوك:

فلقد تتابعت حالات الإفلاس المصرفي في الولايات المتحدة الأمريكية ، ومن الأمثلة على ذلك:

1-    إفلاس بنك بيرستيرنز في مارس 2008م ، والذي أشتراه بنك جي بي مورجان في صفقة أشرف عليها الاتحادي الفيدرالي.

2-أعلن مصرف إن دي ماك ومركزه في كاليفورنيا في 11 يوليو 2008م إفلاسه ، ويعتبر إفلاس هذا  البنك حدثا كبيرا في التاريخ المصرفي الأمريكي ،لأن أصول هذا البنك بلغت 32 مليار دولار.

3-وفي شهر يوليو 2008 م ،أغلقت سلطات مراقبة المصارف الأمريكية بنك فيرست ناشيونال أوف نيفادا بفروعه الخمسة والعشرين وأغلقت أيضا بنك فيرست هيرتيج بفروعه الثلاثة. وتم بيع أصول البنكين المملوكين لشركة فيرست ناشيونال القابضة إلى فروع بنك أوماها، وبلغت أصول المصرفين 3.6 مليار دولار بنهاية يونيو 2008 م ، وكانت في يناير 2008م قيمتها 4.1 مليار دولار.

3-    إفلاس بنك Lehman Brothers:

كان بنك (LB) رابع اكبر بنك استثماري في الولايات المتحدة، وقد أسسه ثلاث مهاجرون ألمان كانوا يتاجرون بالقطن عام 1850م، وكان يعمل به 25935موظفا في شتى أنحاء العالم.

ولقد واجه البنك صعوبات نتيجة أزمة الرهن العقاري، وواجه البنك إسقاط أصول بقيمة 5.6 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2007م، ووصلت خسائره3.9مليار دولار في الربع الثاني من عام 2008م.

وخسر سهم LB أكثر من 92% من قيمته، وكان قد وصل 67.73 دولار للسهم في نوفمبر 2007هـ ، وتفاقمت الأزمة حتى أشهر إفلاسه في 15/9/2008م، عقب فشل جهود إنقاذه.

ويعتبر إفلاس ليمان براذر  أشهر حالة إفلاس في WALL STREET ، منذ انهيار مؤسسة دركسل برنام لامبرت المتخصصة في السندات عالية المخاطر عام 1990 ، وتسبب إفلاس هذا البنك في آثار سلبية على الأسواق المالية العالمية، فتراجعت الأسواق المالية الرئيسية في العالم.   

 

 

 

5-تدافع عملاء بنك نورذرن روك البريطاني لسحب ودائعهم:

 

 

 

 

 

تدافع العديد من عملاء بنك نورذرن روك البريطاني للتمويل العقاري لليوم الثاني لسحب أموالهم بعد إعلان حصول المصرف على قرض طارئ من بنك إنجلترا المركزي. ونقلت بي بي سي عن مصادر مصرفية أنه تم سحب نحو 1.45 مليار يورو (ملياري دولار) من إيداعات البنك الذي تتجاوز قيمة أصوله مائتي مليار دولار. ويشكل هذا المبلغ نحو 4% إلى 5% من مجموع الودائع في البنك العائدة لمليون ونصف المليون زبون. وجاء هذا التدافع لآلاف الزبائن إلى فروع المصرف على الرغم من الدعوات إلى الهدوء التي أطلقتها السلطات والمسئولون عن ثامن بنك في بريطانيا.

 

ونشرت الصحافة البريطانية على صدر صفحاتها الأولى اليوم صورا لمدخرين قلقين ينتظرون أمام فروع البنك. وكتبت صحيفة ذي إندبندنت أن "الذعر في شوارع بريطانيا"،  في حين تساءلت صحف أخرى عن المسئولين عن هذه الأزمة.

 

ويعد نورذرن روك -خامس مؤسسة مصرفية بريطانية في قطاع التسليف المتعلق بالرهون العقارية- هو أول مؤسسة في البلاد تتعرض إلى هذا الحد من الضرر بسبب تداعيات أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة.

 

انخفتناقص أرباح أو زيادة خسائر المصارف التي تتخذ شكل شركات الاستثمار المالي

انخفاض أرباح بنك CITIGROUP (أكبر مؤسسة مصرفية أمريكية) :

أعلن بنك CITIGROUP  أن أرباحه السنوية انخفضت  بنسبة60% في الربع الثالث من  عام2008م ، نتيجة التقلبات في سوق الائتمان وأزمة القروض العقارية عالية المخاطر في الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك ضعف أداء سوق الائتمان لأدوات الدخل الثابت، وارتفاع تكلفة الائتمان الاستهلاكي.

وكانت مجموعة CITIGROUP قد تحملت خسائر بمقدار 5.11مليار دولار أي ما يعادل 1.02 دولار للسهم مع تراجع الإيرادات بمقدار 48%، أي بحوالي 13.22  مليار دولار ، في الربع الأول من 2008م ، كما تم   شطب أصولا بمقدار 15 مليار .

وقررت أنها ستلغي 9000 وظيفة لخفض التكاليف، ونتجت الخسائر عن شطب أصول وتكاليف ائتمانية متعلقة بأزمة الرهون العقارية عالية المخاطر بمقدار 6 مليار دولار ، وشطب قروض بقيمة 1.3 مليار دولار ، وزيادة في تكاليف الائتمان الممنوح للمستهلكين.

ولقد تضررت CITIGROUP من الظروف غير المسبوقة وغير المواتية والبيئة الائتمانية غير الموافقة في السوق المالي.

 

 

مجموعة سيتي جروب الأمريكية العملاقة

 

 

 

 

 

‏20‏ مليار دولار لإنقاذ بنك CITIGROUP الأمريكي من الانهيار( الثلاثاء 25/11/2008م)

‏  ولقد سارعت الإدارة الأمريكية بالإعلان عن ثاني حزمة إنقاذ لمجموعة CITIGROUP المالية تبلغ تكلفتها‏20‏ مليار دولار‏,‏ لتجنب انهيارها مما يهدد النظام المالي الأمريكي بالخراب‏،وأوضح بيان مشترك لوزارة الخزانة‏,‏ ومجلس الاحتياطي الفيدرالي‏,‏ وهيئة تأمين الودائع‏,‏ أن الخطة تشمل توفير ضمانات لأصول وقروض لمجموعة CITIGROUP المقدرة بنحو‏306‏ مليارات دولار‏.‏ وكانت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية قد أشارت إلي أن حجم الأصول المهددة التي تعامل بها البنك خارج ميزانيته تصل إلي‏1,23‏ تريليون دولار‏.‏ وهذه المجموعة من أكبر المؤسسات المصرفية ويمتد نشاطها إلي مائة دولة حول العالم‏ ( 25 نوفمبر 2008.(الأهرام المصرية )

 

 

 

4-    خسائر مؤسسة ميري لنش Marl Lynch:

أعلنت مؤسسة Marl Lynchالاستثمارية الأمريكية أنها أصيبت بخسائر مقدارها    2.3  مليار دولار في الربع الثالث 2007م ، وذلك بسبب شطب ديون متعثرة مقدارها 7.9مليار دولار بسبب أزمة القروض العقارية في الولايات المتحدة  الأمريكية ، وتعد هذه الخسارة أول خسارة  تسجلها المؤسسة في ست سنوات، وهي المؤسسة التي تعد اكبر المؤسسات في مجال السمسرة بالولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الخسارة = 2.85 للسهم الواحد.

ولقد هبطت أسهمMarl Lynch بمقدار 4% قبل إعلان تلك النتائج ، مع توقع بشطب مزيد من تلك الديون وبمقدار يفوق ما أفصحت عنة المؤسسة في وقت سابق على أكتوبر 2007م.

وكانت   Marl Lynchقد أعلنت عن خسائر بقيمة  14.1 مليار دولا في الربع الأخير من 2007م نتيجة الاستثمار في الرهون العقارية عالية المخاطر أو السندات المغطاة برهون عقارية بالإضافة إلى مصروفات دفعتها لبيع جزء منها إلى مستثمرين أجانب للحصول على سيولة لازمة.

وكان المحللون قد توقعوا أن تشطب المؤسسة أصول بين 10 إلى 15 مليار دولار.

 وكانت خسائر Marl Lynchالمرتبطة بالرهون العقارية عام 2007م كاملا نحو 23 مليار دولار، وكانت الشركة قد أعلنت أن خسائرها الصافية هي 9.8 مليار  دولار وهي تعادل خسارة للسهم الواحد =  12.01دولار وذلك في الربع الأخير من عام 2007م، وهي أكبر خسارة في تاريخ الشركة.

كما واجهت الشركة خسائر بقيمة 2.3 مليار دولار وشطبت أصولا قيمتها 8.4 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2007م. 

وكانت إرباح  Marl Lynch في الربع الأخير من عام 2006م حوالي 2.3 مليار دولار ، بما يعادل 2.41 دولار للسهم الواحد.

وأعتبر الرئيس التنفيذي للشركة جون تين أن تلك النتائج غير المقبولة دفعت الشركة إلى تعزيز رأسمالها بمقدار 1.3 مليار دولار من مستثمرين من آسيا والولايات المتحدة، كما أن هذا الرئيس نفسه قد زار دول الخليج العربي في نوفمبر2008 م للغرض نفسه. 

وكانت المؤسسة قد توقعت في وقت سابق من شهر أكتوبر 2008م ، أن يترتيب على الاضطرابات في أسواق المال (ولاسيما سوق القروض العقارية في الولايات المتحدة الأمريكية) أن تلحق بها خسائر حوالي 5.5 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2008م.

   وتلك الخسائر التي لحقت بمؤسسةLynch Marl هي امتداد   للخسائر التي لحقت   بمؤسسات أخرى كبرى في العالم مثل CITIGROUP  وبنك يو بي أس وكريدي سويس  السويسريان.

 

5-    خسائر بنك يو بي أس السويسري :

 وهو من أكبر بنوك العالم في إدارة الثروات الخاصة ،ويصنف على أنه الثالث أوربيا.

ولقد أعلن عن خسائر3.4مليار دولار نتيجة الائتمان الناتجة عن  أزمة القروض العقارية عالية المخاطر، ليكون هذا البنك هو اكبر المتضررين على مستوى العالم من تلك الأزمة.

 وسيقوم البنك بشطب حوالي 3.43 مليار دولار من الإيرادات لتغطية خسائر محفظة استثمارات  الدخل الثابت، وقطاعات أخرى وهو ما يفضي إلى خسائر ربع سنوية ما بين ستمائة إلى ثمانمائة مليون فرنك سويسري في أول خسارة فصلية يتكبدها البنك في تسع سنوات.

كما شطب 40 مليار دولار من أصولة في أكبر خسارة يتعرض لها مصرف سويسري، وانخفض سعر سهم البنك في السوق بنسبة 44%، وانخفضت إرباح البنك بنسبة 35%

ونتيجة لذلك قرر البنك إجراء تغيير على مستوى المدراء والاستغناء عن 1500 موظف ، وقد دفعت هذه الأنباء إلى هبوط السعر السوقي لسهم البنك نتيجة بيعه من قبل المستثمرين الذين حاولوا تفادي الأزمة التي تعرض لها البنك.

ونشر المصرف السويسري في ابريل 2008م الأسباب الحقيقية التي أدت إلى قيامه بشطب 40 مليار دولار من أصوله ، إذ يقرر أن:

1-سوء تقدير درجات المخاطر المرتبطة بالرهن العقاري هي أهم السباب ، حيث أن القائمين على هذا القطاع سيطرت عليهم الرغبة في تحقيق اكبر ربح ممكن من وراء الاستثمار العقاري.

2-رغم دراية مجموعة العمل المتخصصة في إدارة الاستثمار العقاري بطبيعة المخاطر المحيطة بالاستثمار في سوق العقارات الأمريكي ، ولكنهم لم يقوموا بتقويم أثر تلك المخاطر على معاملاتهم ، ولم يضعوا  حدا أقصى  لحجم الاستثمار في الرهن العقاري.

3-وتعود الجذور الحقيقية للمشكلة إلى عام 2005م ، عندما نصحت مجموعة من الخبراء من خارج البنك بأن يتعامل في سندات الرهن العقاري الأميركي ، فانساق البنك وراء تلك النصيحة واندفع بقوة للاستثمار في هذا النوع من الرهون ، وتكوين محافظ استثمارية رفعت مكانة البنك في السواق العالمية ، بعد بيعها إلى المستثمرين.

4-الشفافية المفقودة : من أسباب تفاقم الخسائر أن المصرف اندفع بقوة للاستثمار في صناديق التحوط حتى إغلاقها على خسائر كبيرة ، ليكتشف خبراء البنك أن تعاملات تلك الصناديق لم تتمتع بالشفافية الكاملة ، ولم يقم الخبراء بدراسة نسبة المخاطر المحتملة من وراء الاستثمار في تلك الصناديق.

ومن الجدير بالذكر أن احدد الشخصيات البارزة التي تم الكشف عنها في WALL STREET ، والذي كان يشرف على صناديق التحوط وشركات استثمار مالي واسمه برنارد مادوف قد تسبب في خسائر لسوق المال في WALL STREET بمقدار 50 مليار دولار، نتيجة عمليات احتيال وخداع قام بها على من تعامل معه من إفراد وبنوك ومؤسسات مالية ، وكان هذا الشخص من الخبراء القدامى والمشهورين في WALL STREET، ويبدو أن البنك السويسري كان يتعامل مع صندوق التحوط الذي كان يشرف عليه هذا الشخص.

و يعترف المصرف السويسري بان المسئولية الكاملة تقع على عاتق المحللين في مجال الاستثمار العقاري الذين تهاونوا في تقييم وتقدير نسي المخاطر.

وكان اتحاد المساهمين قد طالب المصرف بضرورة أن يكشف عن الأسباب الحقيقية وراء تلك الخسائر والالتزام بالشفافية الكاملة أمام المساهمين ، وإلا  لجأ إلى القضاء حتى يتم الكشف عن الحقائق.

ولقد ترتب على تلك الخسائر انخفاض سعر السهم في السوق بنسبة 44% من قيمته ليصل إلى 35 دولار للسهم ، وانخفضت أرباح السهم بنسبة 35%. 

 

وفي دراسة لخسائر البنوك  قام بها البنك التجاري الألماني من وراء أزمة الرهن العقاري، فإن البنوك السويسرية خسرت 40% من قيمة أصولها في المتوسط  ، يليها البنوك الأمريكية ،والمؤسسات المالية الألمانية خسرت 15% من قيمة أصولها، والبنوك البريطانية 5%.

 

6-    بنك وتشوفيا الأمريكي WACHOVIA ، وهو رابع اكبر بنك في الولايات المتحدة ، وقد لحقت به خسائر 8.86 مليار دولار في الربع الثاني من 2008، وخفض توزيعاته بنسبة 87% واستغنى عن 10700 وظيفة عقب تفاقم خسائره نتيجة أزمة الرهون العقارية، وخسر سهم البنك 4.20 دولار لكل سهم.

 

ولكن البنك أمامه عدة طرق لكي يزيد رأسماله بمقدار 5 مليار دولار ، حتى يتجنب بيع أصوله بأسعار رخيصة في السوق ، ولذلك سجل سهمه ارتفاع بمقدار 3.61 دولار ليصل إلى 16.79 دولار.

وكان بنك وتشوفيا الأمريكي أكثر البنوك تضررا من أزمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد قيامه بشراء شركة جولدن وست فاينانشيال كورب للرهن العقاري في كاليفورنيا بقيمة 24.2 مليار دولار في أكتوبر 2006م ، وبلغت خسائره 4.20 دولار /للسهم الواحد ، وهو مبلغ يتجاوز متوسط الخسارة المتوقعة في WALL STREET  لسهمه وقدرت بحوالي 78 سنتا.

 

7- خسارة بنك جولدمان ساكس: Goldman Sax

كشف بنك جولد مان ساكس  16/12/2008م عن أول خسائره ربع سنوية له منذ عام 1999 حيث فقد 2.29 مليار دولار خلال الفصل الأخير من سنته المالية نتيجة الأزمة المالية، وتثبت هذه الخسارة أن الاضطراب في أسواق المال قد أصاب أفضل المؤسسات المالية  من ناحية الإدارة.

ويعتبر جولدمان ساكس أول بنك استثماري في wall street وكان ينظر إليه خلال الفصول الأخيرة على أنه أقوى بنك وسط اهتياج أسواق المال،وخسر البنك مبلغ 4.97 دولارات لكل سهم فيه خلال ربع السنة المنتهي في 30 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مقارنة مع عائدات خلال الفترة نفسها من السنة المالية الماضية بلغت 3.17 مليارات دولار أو 7.01 دولارات لكل سهم فيها،وبناء على نتائج مسح لرويترز فقد توقع المحللون في المتوسط خسارة البنك 3.732 دولارات للسهم.

ويشكل هذا التراجع أول خسارة للمجموعة منذ الربع الأخير من عام 1998م عندما واجهت الأسواق عاصفة أزمة الديون الآسيوية. وسجل البنك عائدات صافية في العام المالي الماضي بلغت 10.7 مليارات دولار،وصعدت أسهم جولدمان ساكس بنسبة 4.1% خلال تعاملات ما قبل فتح السوق الأميركية الاثنين 15/12/2008م،ووجه المحللون تحذيرات خلال الأسابيع الأخيرة من أن يؤدي هبوط أسعار الأسهم والسندات والاستثمارات الأخرى إلى شطب أصول تبلغ نحو تسعة مليارات دولار في جولدمان ،وشهدت أسهم جولدمان ساكس انخفاضا بنسبة 70% في العام الجاري ونحو الثلثين منذ سبتمبر/أيلول الماضي وسط تبدد ثقة المستثمرين في دور السمسرة في wall street، وقد هبطت أرباح البنك بنسبة 70% من وراء الأزمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رابعا: ارتفاع خسائر شركات التأمين

 

 

  ارتفعت تلك الخسائر نتيجة حالات الإفلاس ودفع التعويضات ، واستثمارها لجزء من أرصدتها في أسهم انهارت قيمتها ، وانهيار سوق الرهون العقارية الذي يعتبر الاستثمار في أصوله جذابا لشركات التامين، وكذلك نتيجة قيام شركات التأمين بالاستثمار واسع النطاق في الأوراق المالية المغطاة برهون عقارية securities backed mortgage .

ومن أشهر شركات التأمين التي تأثرت في الأزمة الحالية هي شركة مجموعة التامين الدولية الأمريكيةThe American International Group والمعروفة اختصار باسم (AIG)، وهي مجموعة التأمين الأمريكية ، ومقرها نيويورك ، وهي أكبر مؤسسة تامين أمريكية ، وتحتل المركز الثامن عشر بين اكبر شركات التامين في العالم، ورأسمالها في السوق حوالي 7.23 مليار دولار في 8 سبتمبر 2008م ، وعائداتها 110.064 مليار دولار عام 2007 م ، وقيمة أصولها 1.050 تريليون دولار ،و عدد موظفيها 116 ألف موظف ، ويمتد نشاطها على أسواق التأمين على امتداد العالم .

 

 

 

شركة التامين الأمريكية العملاقة AIG

 

ولقد تعرضت الشركة في عام 2001م إلى تحقيقات بسبب اتهامات بالاحتيال ، وتم توجيه اتهامات إلى مسئوليها، وتم تغريمها 1.6 مليار دولار،  كما اتهم مدرائها بالإنفاق التبذيري غير المسئول  تجاوز 10 مليون دولار.

وفي 16 سبتمبر 2008م ، عانت AIG  من أزمة سيولة ، وتدني تصنيفها المالي ، وفقدت 95% من قيمة أسهمها في سوق الأوراق المالية ، حيث انخفض سعر السهم في السوق من 70.13 دولار إلى 1.75 دولار ، وعانت الشركة من خسائر في الشهور الستة الأولى من عام 2008م ، بلغت 13.2 مليار دولار .

 

خطة إنقاذ الشركة:

سارع الاحتياطي الفيدرالي  The Fed ، بناءا على طلبها إلى إنقاذها ، فقدم لها 85 مليار دولار على شكل قروض مقابل تملكه حصة فيها مقدارها 79.9%.

ولقد استحوذت الحكومة الأمريكية على مجموعة AIG للتامين بنسبة 80% من أسهم الشركة لإنقاذها من الإفلاس بتكلفة 12.3 مليار دولار ، ولكن هذا المبلغ لم يكفي لإنقاذها ، فتمت زيادته بمقدار 27 مليار دولار ، ليصل إلى 150 مليار دولار ، حتى يمكن وقف نزيف خسائرها، ولكن هذا العرض الجديد ربما يعرض الحكومة الاتحادية لخسائر كبيرة بمليارات الدولارات ، ولاسيما وان الشركة أعلنت عن خسائر فصلية في الربع الثالث وصلت إلى 24.47 مليار دولار ، وهي أكبر الخسائر على مدار عمر الشركة الذي يمتد نحو 89 عاما.

وترجع تلك الخسائر في معظمها إلى التخلف عن سداد القروض ، حيث وصلت تلك الخسائر إلى 18 مليار دولار في الفصول الثلاثة السابقة من العام، بينما وصلت خسائر الشركة عن عام كامل 43 مليار دولار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خامسا: خسائر الصناديق السيادية وصناديق الاستثمار

 

 

الصناديق السيادية: هي صناديق استثمار تمتلكها حكومات ،وأهم الدول التي تمتلك تلك الصناديق هي دول الخليج ( أبو ظبي، والكويت والسعودية وقطر) والنرويج والصين وسنغافورة وروسيا ونيجيريا والبرازيل وكازاخستان وانجولا.

وطبقا لتقديرات المحللين الماليين في بنك Morgan Stanly، فإن الأصول الإجمالية لتلك الصناديق هي 2.3 تريليون دولار في نهاية أكتوبر 2008م ، وتذهب التقديرات إلى أن أصول تلك الصناديق من المتوقع أن تصل إلى 10 تريليون دولار عام 2015م  ولكن المتوقع انخفاض نمو أصول تلك الصناديق نتيجة ثلاث عوامل  :

(أ) انخفاض أسعار النفط  من مستواه القياسي 140 دولار للبرميل في يوليو 2007م إلى 45 دولار في نوفمبر 2008م.

(ب)انخفاض معدل نمو صادرات الدول صاحبة الصناديق ، نتيجة الركود في اقتصاديات الدول الصناعية الكبرى.

(ج)استنزاف الاحتياطيات الرسمية للدول  مع انخفاض حصيلة صادراتها ، وتزايد الاحتياجات الدخلية.

وأكبر الصناديق السيادية في العالم هو صندوق أبو ظبي ، وتقدر أرصدته بنحو 875 مليار دولار ، يليه صندوق سنغافورة بنحو 330 مليار ، ثم الصندوق السعودي بنحو 300 مليار دولار، ولكن هذه التقديرات ربما تكون غير مؤكدة، لأن الدول غالبا لا تفصح عن أرصدة تلك الصناديق ، كما أن عدم الشفافية المحيطة بتلك الصناديق تمنع التقدير الدقيق لحجم أصولها ومجالات استثمارها، وطبيعة عملها.

والمصدر الأساسي لأموال تلك الصناديق هي عائدات النفط والاحتياطيات الرسمية للبلد بالعملات الأجنبية.

وتقدر مؤسسة ستيت جلوبال ادفايزرز أن الصناديق السيادية استثمرت في الصناعة المصرفية 80 مليار دولار بين أول 2007م وأبريل 2008م ، ولكن مع هبوط أسعار الأسهم عالميا ، انخفضت مشتريات الصناديق من السهم ، وتجمدت عمليات الإقراض التي تقوم بها . 

ولقد نتجت خسائر تلك الصناديق من استثمارها في مؤسسات مالية كبرى تعرضت لأزمات، فلقد ضخت تلك الصناديق مليارات الدولارات في مؤسسات أمريكية أثرت عليها الأزمة بشدة مثل ميريل لنش Meryl Lynch ، وسيتي جروب CITIGROUP ، ولكن حدة الأزمة حد من ضخ المزيد من الصناديق السيادية إلى المؤسسات المالية التي تدهورت قيمة أصولها.

وقد أورد بنك كريدي سويس السويسري أنه حصل على 8.75 مليار دولار كرأسمال جديد معظمه من الصندوق السيادي القطري.

ويتوقع بنك Morgan Stanly أن تكون خسائر الصناديق السيادية حوالي 25% من قيمة استثماراتها بسبب الأزمة المالية ، ولاسيما أن تلك الصناديق استثمرت جزء من أصولها في سوق الرهون العقارية والأوراق المغطاة برهون عقاريه ، ولقد ترتب على ارتفاع  مخاطر عدم  سداد القروض والأصول المرتبطة بها إلى خسائر كبيرة لتلك الصناديق، وتشير بعض الأرقام أن خسائر الصناديق السيادية لدول الخليج ربما تصل إلى 400 مليار دولار ، ولكن هذا الرقم ربما يكون مبالغا فيه، ولاسيما وأن تقديرات أرصدة تلك الصناديق وحجم استثماراتها غير دقيقة لعدم الشفافية المقترنة بتلك الصناديق.

 

 

خسائر صناديق الاستثمار الوطنية :

 

صناديق الاستثمار Mutual Funds هي مؤسسات مالية هدفها تجميع الأرصدة المالية من ألأفراد الذين يرغبون في استثمار أرصدتهم في الأصول المالية لسوق الأوراق المالية، ولكن لا تتوافر لديهم الخبرة بعملية شراء أو الاستثمار في الأوراق المالية، فيقوم صندوق الاستثمار ببيع أسهم يصدرها بنفسه لتجميع الأرصدة وبيعها لهؤلاء الأفراد الذين لا خبرة لهم بالاستثمار في الأوراق المالية، ويستخدم الأرصدة التي جمعها من بيع أسهمه ويشتري بها أسهم أو سندات متنوعة تصدرها شركات الأعمال ، ونظرا لأن المحفظة التي يشتريها بالأرصدة تحتوي على أوراق مالية متنوعة ، وكذلك نظرا لأن الصندوق يديره أفراد خبراء بعملية الاستثمار المالي في الأوراق المالية ، فإن محفظة الصندوق تكون ذات مخاطر منخفضة غالبا.

 

وتكون محفظة الصندوق متنوعة لتدنيه المخاطر ولكن إذا كانت معظم الأوراق المالية تهبط قيمتها فإن هذه الصناديق تصاب بخسائر كبيرة، وهذا ما حدث في الأزمة المالية الحالية، ولذلك قام الاحتياطي الفيدرالي في أمريكا بمساعدة تلك الصناديق بشراء ما قيمته540 مليار دولار من الديون قصيرة الأجل من صناديق الاستثمار عندما لم تستطيع بيع أوراقها وأصولها لسداد ديونها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سادسا: أزمة الرهن العقاري: The crisis of mortgage loans

 

 

أزمة الرهن والقروض العقارية هي سبب وعرض للأزمة المالية في نفس الوقت.

 

القروض العقارية أو الرهون العقارية: هي القروض التي تمنح لشراء مساكن أو أرض أو هياكل إنتاج حقيقية، حيث يكون المسكن أو الأرض .. هي الضمان collateral للقرض.وفي الولايات المتحدة الأمريكية ، يعتبر سوق القروض العقارية هو أكبر أسواق الدين ، وأكبر المقرضين فيه مؤسسات الادخار والإقراض    and loan associations  saving   وبنوك الادخار المشتركة (أو التعاونية) mutual saving banks ، ودخلت البنوك التجارية بشراهة بعد ذلك، بعد ظهور الأوراق المالية المغطاة برهون عقارية mortgage –backed securities نتيجة توريق securitization  الرهون العقارية، وتلعب المؤسسات شبه الحكومية دورا رئيسيا في سوق القروض العقارية، وتلك المؤسسات هي:

1-               مؤسسة الرهن العقاري الوطنية الاتحادية  Association The federal National Mortgage ،واختصارا (FNMA) وتعرف باسم  فاني مي( Fannie Mae)، وأنشأت لتكون جمعية(مؤسسة) اتحادية للرهن العقاري الوطني بغرض شراء الرهون العقارية من المصارف كما كانت تفعل الشركات الخاصة وكان الشراء يتم بدولارات دافعي الضرائب، وكان لهذه المؤسسة ميزة وهي أنها تستطيع الاقتراض من الحكومة الاتحادية بشكل أرخص من المؤسسات الخاصة البحتة، وبالتالي أصبحت قادرة على احتكار سوق الرهن العقاري الثانوي المرتبطة بالبنوك.

 

2-          مؤسسة قروض الرهن العقاري السكني الاتحادية The Federal Home Loan Mortgage Association واختصارا (FHLMC) والمعروفة باسم فريدي ماك (Freddie Mac)، ولقد أنشأت عام 1970 لتكون منافسة لمؤسسة     Fannie Mae وبلغت قيمة أصولها حتى نهاية مارس 2008م أكثر من 800 مليار دولار ، وديونها 460 مليار دولار وانخفض رأسمالها من 22 مليار دولار إلى 3.3 مليار دولار نهاية 2007م.

3-               مؤسسة الرهن العقاري الوطني الحكومية Government National Mortgage Association واختصارا (GNMA) ويطق عليها أسم  جيني ماي(Ginnie Mae).

 

 

 

مؤسسة فاني ماي الأمريكية للرهن العقاري شبة الحكومية

 

وتجمع تلك المؤسسات الأرصدة التمويلية من خلال بيع سندات في السوق المالي إلى الجمهور والبنوك وتستخدم الأرصدة المجمعة في :

1-    شراء الرهون العقارية.

2-    تقديم أرصدة إلى سوق الرهون العقارية.

وتلك المؤسسات تجعل الحكومة تلعب دورا في سوق القروض العقارية، وتجمع مواردها من بيع سندات إلى الجمهور والبنوك وتستخدم الأرصدة في شراء الرهون العقارية وتقديم أرصدة إلى سوق القروض العقارية.

 

التوريق Securitization:

ولقد أدخلت (GNMA) التوريق إلى سوق الرهون العقارية في بداية عام 1970، من خلال برنامج أوجد أداة مالية جديدة (مشتقة) هي الأوراق(السندات) المغطاة برهون عقارية mortgage-backed securities ، بغرض تحويل الرهون العقارية من أصول مالية غير سائلة إلى أصول مالية سائلة(قابلة للبيع marketable)، ويتم ذلك من خلال تجميع قروض الرهون العقارية المتماثلة من حيث الأجل وسعر الفائدة والشروط الأخرى في حزم bundles، بحيث كل حزمة يتم بها إصدار سند جديد يتم بيعه لطرف ثالث يقبل شرائها ، ثم بعد ذلك تمرر مدفوعات القرض (الأصل والفوائد) إلى حامل السند مقابل عمولة ، تحصل عليها المؤسسة.ولقد راجت الرهون العقارية المضمونة من GMNA كورقة مالية ، وتوسعت حتى أصبحت 1223'> الرهون العقارية مورقة وزادت قيمتها عن 1.5 تريليون دولار من الرهون العقارية المورقة.

ولقد استحوذت مؤسستي Freddie Mac و Fannie Mae  على نصف الرهون العقارية في الولايات المتحدة بحجم تعاملات بلغ 6 تريليون  دولار من أصل 12 تريليون دولار هو حجم القروض العقارية في الولايات المتحدة، والشركتان غير حكوميتان ، ولكنهما تعملان بموجب قوانين اتحادية ، فتعتبر شركة Fannie Mae، شركة مساهمة مختصة بتمويل الإسكان ، وتختص Freddie Mac بتوفير السيولة للجهات الممولة للمساكن ، وينظر المستثمرون إلى هاتين الشركتين على أنهما تحظيان بدعم حكومي ضمني ، ولاسيما الحكومة الاتحادية، ولذلك يعتبرونهما الملاذ الأخير لسوق الإسكان الأمريكية،في ظل أزمة مالية تعتبر الأسوأ منذ الكساد العالمي الكبير (1929-1933) م.

 

 

 

ولقد توسعت الرهون العقارية المورقة التي أصدرتها مؤسسات مالية مسنودة من الحكومة الأمريكية بدرجة ضخمة لتزيد قيمتها عن أكثر من 6 تريليون دولار ، وقامت بها المؤسسات الخاصة والبنوك التجارية،ودخلت الأوراق المالية المغطاة بالرهون العقارية ضمن محافظ كثير من المؤسسات المالية ومنها الصناديق السيادية وصناديق الاستثمار وشركات الاستثمار وبنوك الاستثمار مثل سيتي جروب CITI GROUP وميري لنش marl Lynch  وبنك ليما براذر Lehman Brothers   وشركات عقارية خاصة مثل Country wide وبنك وتشوفيا وبنك يو بي أس السويسري.

 

 

ونظرا لتوسع القروض العقارية وامتدادها إلى أفراد جدارتهم الائتمانية ضعيفة وتوقف عدد ضخم منهم عن السداد ، وانهيار سوق المساكن، لجأ المقرضون إلى وضع يدهم على المساكن وعرضها للبيع ، فزاد عرض المساكن القابلة للبيع ، في وقت لا يوجد طلب عليها ، فانهارت أسعار المساكن ، وأصبحت معظم القروض العقارية قروضا معدومة ، وانهارت أسعار الأوراق المغطاة برهون عقارية، مما تسبب في خسائر ضخمة لكل من :

أ‌.        المؤسسات المالية التي دخلت تلك الأوراق المالية المغطاة برهون عقارية ضمن محافظ أصولها.

ب‌.  مؤسسات الرهن العقاري ولاسيما Fannie Mae ومؤسسة Freddie Mac

ولقد أعلنت Fannie Mae ، أنها تكبدت خسائر بلغت 2.3 مليار دولار  في أغسطس 2008م ، وكانت رابع خسارة فصلية على التوالي بسبب أزمة الرهن العقاري، كما عانت الشركتان فاني ماي وفريدي ماك خسائر تقدر بحوالي 14 مليار دولار خلال عام 2007م ، مع عدم انخفاض ثقة المستثمرين في مقدرة الشركتين على تدبير الأرصدة اللازمة لاستمرار نشاطهما. 

ومن آثار أزمة الرهن العقاري الأمريكي :

1-    كثرة العقارات الشاغرة في الولايات المتحدة وصعوبة بيعها.

2-    امتداد الأزمة إلى سوق القروض التجارية وقروض السيارات وقروض بطاقات الائتمان.

3-    فقد أكثر من مليون أمريكي منازلهم المرهونة بقروض عقارية.

ولقد عانت فاني ماي خسائر عام 2007م بمقدار 14 مليار دولار ، وفي أغسطس 2008خسائر 2.3 مليار دولار.

 

 

 

 

 

آلاف الأميركيين حصلوا على قروض للمساكن ولا يستطيعون تسديدها (رويترز-أرشيف

 

 

 

خطة الإنقاذ:

ولقد قدم هنري بولسون(في أكتوبر 2008) خطة إنقاذ لكل من Fannie Mae   و Freddie Mac  ، لأنهما تضمنان وتمتلكان نصف القروض العقارية البالغة 12 تريليون دولار،ورفض تأميمهما،لأن المؤسستين تلعبان دورا هاما في التمويل العقاري  في الولايات المتحدة، واستمرار شكلهما الحالي يحافظ على الثقة واستمرار النظام المالي والأسواق المالية الأمريكية،  و طبقا للخطة تقوم وزارة الخزانة وبشكل مؤقت :

1-    زيادة الاعتمادات التي تحتاجها المؤسستان لتغطية أي نقص في السيولة تواجههما.

2-    يحصل وزير الخزانة علي صلاحية شراء أسهم الشركتين إذا كان ذلك ضروريا.

3-    يمنح بنك الاتحادي الفيدرالي دورا استشاريا للشركتين في إطار تنظيمي محدد.

وخطة الحكومة الأمريكية تهدف إلى مساعدة آلاف الأمريكيين على تفادي مصادرة مساكنهم ومساعدة شركات إعادة الرهن العقاري.

واسهم الشركتين حاليا في البورصة ضعيفة جدا، ولقد  أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن بإمكان الشركتين الحصول على السيولة اللازمة من الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وبسعر فائدة أعلى قليلا من السعر السائد في الأوقات العادية.

ولقد استحوذت الحكومة الأمريكية على الشركتين ووضعتهما تحت الحجز الفيدرالي لمساعدة النظام المالي الأميركي على الصمود في وجه الخسائر المالية الضخمة التي لحقت بقطاع القروض العقارية.

 

وفي بداية الأزمة(في بداية2007م) كان يبدو أن هناك تداعيات لأزمة القروض العقارية الأميركية العالية المخاطر على اقتصاد الولايات المتحدة وعلى أسواق العالم، وكانت المخاوف لا تزال بادية لدى المراقبين والمستثمرين لأن آثار الأزمة لم تكن قد عرفت أبعادها بعد.

ودفع ذلك وزير الخزانة الأميركي السابق لاري سامرز إلى التأكيد أنه من المبكر جدا الإعلان عن انتهاء الأزمة المالية المتعلقة بالقروض العقارية، مشيرا إلى احتمالات تراجع اقتصادي حاد في الولايات المتحدة.ولم يستبعد سامرز في تصريح لشبكة التلفزيون الأميركية "أي بي سي" الأحد خطر حدوث انكماش سيكون الأعلى منذ المرحلة التي تلت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001م رغم تدخل الاحتياطي الفدرالي الأميركي عدة مرات للتعويض عن ضغط عمليات البيع الكبيرة إثر انهيار سوق الرهن العقاري.

ورغم التحسن النسبي في الأسواق والعودة الجزئية إلى الوضع الطبيعي (نوفمبر 2007)، فإن الوزير الأميركي السابق أعرب عن اعتقاده بأنه من المبكر جدا القول إن الأزمة انتهت، فلا تزال مفاجآت جديدة أخرى في القطاع المالي –بحسب سامرز- متوقعة، إضافة إلى أنه لم يتح الوقت الكافي لتقويم التأثير الحقيقي الذي سينجم على الاقتصاد بسبب غياب المعرفة بحجم أزمة القروض وعملية توفير فرص عمل في الاقتصاد الأميركي.

 

واتسق هذا التشخيص مع آراء المحللين الاقتصاديين، إذ رأى ديف شيلوك في فايننشال تايمز أن هناك إشارات جديدة إلى عودة الشعور بالخطر إلى الأسواق المالية مجددا، وهو ما انعكس على سلوك مستثمرين باتوا يفضلون العمل في أصول واضحة ويتخذون مواقف جديدة بشأن أوضاعهم بالبورصات.

 

وذكرت إيكونومست- منذ عام تقريبا_ أنه رغم حجم الإغاثة التي نفذتها البنوك المركزية في العالم بضخ مليارات الدولارات في الأسواق لتوفير السيولة بعد الأزمة إضافة إلى تدخل الاحتياطي الفدرالي الأميركي، فإنه لم يعرف بعد حجم الخسائر التي أصابت الأصول، الأمر الذي لا يزال يجعل المستثمرين محجمين عن استعادة نشاطهم السابق .ولقد أسفرت الأزمة عن خروج عدد كبير من الشركات لأميركية التي كانت تعمل في القروض العقارية من قطاع الأعمال، في حين تراجعت أسهم عدد كبير بمقدار النصف أو يزيد. كما انعكست الأزمة سلبا على آلاف الأميركيين الذين حصلوا على قروض ولا يستطيعون تسديدها بما يهدد بفقدهم منازلهم. 

 

أزمة قروض العقارات تهدد مساكن ملايين الأميركيين:

يواجه ما بين مليون وثلاثة ملايين أميركي خطر فقدان مساكنهم بسبب ارتفاع الأقساط الشهرية لقروضهم العقارية التي منحت رغم مخاطر الائتمان وبمعدلات فائدة متغيرة وفق ما ذكره السناتور الديمقراطي عن ولاية كونيكتيكوت كريستوفر دود. ورأى دود إثر لقاء مع رئيس البنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي بين برنا نكي ووزير الخزانة هنري بولسون أن تغيير معدلات الفائدة لبعض أنواع القروض الممنوحة بين 2004-2006م يمكن أن يرفع الأقساط الشهرية من 400 دولار إلى أكثر من 1500 دولار. ودعا عضو مجلس الشيوخ السلطات الأميركية إلى الامتناع عن اتخاذ إجراءات إضافية تنتج عنها مصادرة عقارات المقترضين.  وقال دود في مؤتمر صحفي في واشنطن إن الولايات المتحدة تشهد أعلى معدل لمصادرة المنازل منذ 37 عاماً، وأدنى مستوى لبناء مساكن منذ عشر سنوات. وحذر من احتمال فقد 1-3 ملايين فرد مساكنهم ليس لأنهم فقدوا وظائفهم ولا لتراجع الاقتصاد بل بسبب الشروط السيئة لقروضهم العقارية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                            القروض العقارية تهدد أميركيين بمصادرة منازلهم لعدم تسديدها (الفرنسية-أرشيف)



إفلاس وفشل كثير من شركات الرهن العقاري:

 

شركة Wide Country وهي أكبر شركات الإقراض العقاري في الولايات المتحدة وقد واجهت هذه الشركة خسائر تمثلت فيما يلي:

(أ)خسائر بلغت 1.2 مليار دولار خلال الربع الثالث من عام 2008م نتيجة تأثرها سلبا بانخفاض قيمة بعض أصولها نتيجة التدهور في سوق الإسكان في الولايات المتحدة ، وارتفاع خسائر الائتمان ، وتكاليف إعادة الهيكلة التي ترتب عليها الاستغناء عن عشرة آلاف وظيفة حتى يمكن تخفيض التكاليف.

(ب)خسارة في الربع الثالث تقدر بحوالي 2.85 دولار للسهم الواحد، وكان توقع المحللين أن تكون تلك الخسارة في المتوسط 1.65 للسهم.

(ج) أغلق سهم كنتري وايد على 13.07 دولار ، لتبلغ خسائرها منذ بداية عام 2008م حوالي 69% ، وتراجعت إلى 40% بعد حصولها على سيولة مؤقتة .

(د) تراجع حجم كنتري وايد من 118 مليار دولار إلى 96 مليار دولار .

ولذلك بدأت الشركة في تحويل نشاطها من القروض العقارية إلى القروض التقليدية.

 

 

سابعا: شركات التطوير العقاري في منطقة الخليج:

 

 

 شركة داماك  DAMAC(شركة للتطوير العقاري في الإمارات) وهي شركة قابضة تتخذ من دبي مركزا ومقرا لها.

وتطور داماك عقارات قيمتها 30 مليار دولار في الشرق الوسط وشمال إفريقيا ، وتريد الشركة أن يكون حجم العمالة متناسب مع الأوضاع السائدة في السوق الجيدة والرديئة على حد سواء ، ولذلك تقوم بمراجعة مستويات العمالة وحاجتها من الموظفين نتيجة الأزمة المالية العالمية. 

 ولقد أعلنت عزمها على إلغاء 2.5% من العمالة فيها (200وظيفة) ، نتيجة أثار أزمة الائتمان  العالمية علي القطاع العقاري في منطقة الخليج، ولقد تباطأ  الائتمان المقدم للنشاط العقاري في الإمارات وفي منطقة الخليج عموما،وان تقليص الوظائف سيكون في إدارة المبيعات والتسويق والتوظيف.

ولقد أثرت الأزمة المالية العالمية على تباطؤ نمو القروض المقدمة للنشاط العقاري في الإمارات ، وربما يكون نمو قطاع العقارات متناقص دليلا على اقترابه من المعدل الأقصى لنموه ، وأن هناك ، في المستقبل اتجاها هبوطيا مدعما بأثر الأزمة المالية.

ومن المتوقع أن تعاني داماك من مزيدا من إلغاء الوظائف في إدارة المبيعات وسمسرة العقارات لتراجع حجم المبادلات في القطاع العقاري نتيجة الأزمة المالية.

ويتوقع رئيس مجلس إدارة شركة إعمار العقارية تباطؤ نمو قطاع العقارات في إمارة دبي من 13% إلى 9% ، نتيجة التباطؤ العالمي في منح الائتمان، مما قد يتطلب تشكيل لجنة تستهدف تعزيز الثقة في سوق العقار.

ولقد واجهت الشركات العقارية في الإمارات خسائر في سوق السهم ، فمثلا هبطت أسعار أسهم شركة إعمار بنسبة 10% يوم 10/11/ 2008م ، ليسجل أقل مستوى له في 47 شهر،  وانخفض سهم الديار والاتحاد العقارية وصروح العقارية بأكثر من 9% كما حدث اندماج بين بعض الشركات الأخرى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثامنا: تفاقم مشاكل صناعة السيارات والمساعي لإنقاذها

 

1-الوزن النسبي لشركات صناعة السيارات الرئيسية في العالم:

حجم إنتاج كبرى شركات السيارات بالعالم:

 

نعرض فيما يلي حجم إنتاج كبرى الشركات العالمية عام 2007 مع بيان جنسية كل منها مرتبة حسب عدد السيارات المنتجة:

1- تويوتا – اليابان: 7.8 ملايين سيارة.

-2 جنرال موتورز - الولايات المتحدة: 7.4 ملايين سيارة.

 -3فورد - الولايات المتحدة: 5.7 ملايين سيارة.

-4 فولكس فاجن – ألمانيا: 4.8 ملايين سيارة.

-5 هوندا – اليابان: 3.1 ملايين سيارة.

 -6هيونداي - كوريا الجنوبية: 2.8 مليون سيارة.

7-  نيسان – اليابان: 2.8 مليون سيارة.

-8بيجو ستروين – فرنسا: 2.7 مليون سيارة.

9- كريزلر - الولايات المتحدة: 2.7 مليون سيارة.

10--  فيات – إيطاليا: 2.492 مليون سيارة

ولقد كشفت بيانات 1/12/2008م عن مواجهة صناعة السيارات العالمية المزيد من الأنباء السيئة حيث أظهرت تراجع مبيعات السيارات السويدية واليابانية والكورية الجنوبية في نوفمبر بينما تصدر أرقام فرنسا وإسبانيا وإيطاليا لاحقا، ولجأت شركات صناعة السيارات إلى خفض إنتاجها وطلب مساعدات حكومية بينما تتعرض لخسائر نتيجة الأزمة المالية العالمية وتراجع الاقتصاد وثقة المستهلك، وانخفض عدد السيارات الجديدة المرخصة في السويد -وفيها مقر شركتي صناعة السيارات فولفو وساب- بنسبة 36% إلى 17 ألفا و616 وحدة الشهر الماضي مسجلة أكبر هبوط شهري منذ عام 1993.

وأفاد بيرتل مولدن الرئيس التنفيذي لجهاز صناعة السيارات السويدي )بيل سويدن) في بيان أن سوق السيارات يواجه ضربة قوية جراء الأزمة المالية وضعف الاقتصاد ، ونشرت صحيفة فايننشال تايمز اليوم تقريرا تضمن مفاتحة شركتي جنرال موتورز وفورد الأميركيتين الحكومة السويدية بمساعدة ساب و فولفو على الترتيب قبيل بيع محتمل للوحدتين.

وقالت شركات صناعة سيارات أوروبية من بينها بيجو ستروين ورينو الفرنسيتان إنها ستخفض الإنتاج وتمدد إغلاق مصانع في الربع الأخير من العام، وذلك بينما تكافح لتصريف مخزون السيارات غير المباعة بنهاية هذا العام.

وأظهرت بيانات رابطة صناعة السيارات انخفاض مبيعات السيارات الأوروبية بنسبة 5.4% في الأشهر العشرة الأولى من العام الحالي.

وأما في كوريا الجنوبية فقد انخفضت مبيعات شركات صناعة السيارات بما في ذلك هوندا موتور بنسبة 8.6% الشهر الماضي.

ورجح تشو سو هونغ محلل سوق السيارات في هيونداي للأوراق المالية مواجهة صناع السيارات وضعا سيئا في الربع الأخير من هذا العام، متوقعا تعمق المشكلة في عام 2009 نتيجة تأثير ضعف الطلب وأزمة الائتمان، وأفادت بيانات أيضا هبوط إجمالي مبيعات السيارات اليابانية الشهر الماضي بنسبة 18.2% على أساس سنوي، وكانت مبيعات هيونداي موتور وشركات صناعة السيارات الكورية الجنوبية الأربع الأخرى كيا موتورز وجي إم دايو ورينو سامسونغ وسانغ يونغ موتور بلغت 445 ألفا و111 وحدة الشهر الفائت، مقابل 486 ألفا و762 وحدة قبل عام و506 آلاف و597 وحدة في أكتوبر الماضي.

كما كشفت بيانات في أوروبا عن تعمق الركود الاقتصادي في القارة وتحذيرات من الاستغناء عن عدد كبير من العاملين في صناعة السيارات ،وانخفضت الأسهم في لندن بنسبة تجاوزت 2% وسط توتر المستثمرين قبل صدور بيانات عن الصناعة الأميركية في وقت لاحق تظهر المزيد من التراجع في أكبر اقتصاد عالمي.

وفي الوقت الذي يترنح فيه قطاع صناعة السيارات الأميركي سيلتقي كبار مسئولي شركات جنرال موتورز وفورد كرايسلر بالكونغرس الأربعاء والجمعة لمناشدته تمرير خطة إنقاذ مالي بقيمة 25 مليار دولار لدعم هذه الصناعة.

ويقضي مشروع القانون بمنح أكبر ثلاث شركات لتصنيع السيارات قروضا بحوالي 14 مليار دولار لمنع انهيارها، وتفادي ضربة جديدة يمكن أن يتلقاها الاقتصاد الأميركي في حال أعلنت هذه الشركات إفلاسها بعد تراجع الطلب بسبب الأزمة المالية العالمية، ويتضمن المشروع أيضا إجراءات لحماية دافعي الضرائب مثل تعيين وصي حكومي يشرف على تنفيذ خطة الإنقاذ، وإخضاع الشركات للرقابة المحاسبية من قبل مكتب المحاسبة الحكومي، ومنح الحكومة حق الفيتو للاعتراض على أية عمليات تزيد على مائة مليون دولار، كما يقضي بمنع الشركات من دفع أسهم ربح لمالكي الأسهم أو مكافآت للمسئولين حتى يتم تسديد القروض الحكومية، كما يطلب من المسئولين بيع طائراتهم التابعة للشركات، وتطبيق متطلبات إجراءات توفير الطاقة في السيارات بشروط محددة.

وإضافة إلى هيكلة شركات صناعة السيارات وحماية استثمارات دافعي الضرائب تشمل الشروط المحتملة إيجاد منصب حكومي للإشراف على خطة إنقاذ الصناعة وتنازلات إضافية من قبل اتحاد عمال صناعة السيارات ومن رؤساء الشركات، وأفادت صحيفة نيويورك تايمز بأن الديمقراطيين يبحثون أن يترأس مسئول قطاع السيارات الجديد مجلسا إشرافيا من خمسة وزراء ورئيس وكالة حماية البيئة. ويسعى المفاوضون إلى صياغة مشروع قانون لتقديم مبلغ لا يقل عن 15 مليار دولار إلى جنرال موتورز كرايسلر وفورد موتور على شكل قروض قصيرة الأجل، وكانت الشركات الثلاث قد طلبت من الكونغرس مبلغ 34 مليار دولار، ولكن محللون من أن صناعة السيارات بحاجة لمبلغ 125 مليار دولار لضمان استمرارها.

 
 

50 مليون وظيفة مهددة إذا انهارت صناعة السيارات في الشركات الرئيسية في العالم :

هذا التحذير صدر في13 /12/2008م، حذرت كبريات شركات صناعة السيارات العالمية من أداء سيئ خلال العام المقبل مع تزايد المؤشرات على أن الأزمة العميقة التي تواجه القطاع تتجاوز بمراحل الأزمة التي تمر بها الصناعة في الولايات المتحدة، ونبه رئيسا رينو ونيسان وفيات إلى أن سوق السيارات ستتراجع بدرجة أكبر العام القادم بعدما دفع انخفاض حاد لمبيعات الشركات الثلاث العملاقة في الولايات المتحدة (جنرال موتورز كرايسلر وفورد) إلى طلب تدخل الدولة لإنقاذها وهو ما عرقله الكونغرس الخميس الماضي ، وأفادت وسائل إعلام يابانية أن شركة تويوتا موتور -وهي أكبر شركة منتجة للسيارات في العالم- بصدد الإعلان عن خسائر بنحو 100 مليار ين (1.11 مليار دولار) للفترة من أكتوبر 2008 إلى مارس 2009 ومن المتوقع أن تخفض توقعات أرباحها ثانية.

وتجهز شركة بي أم دبليو الألمانية -كبرى شركات صناعة السيارات الفاخرة في العالم- مساعدة مالية لشبكة موزعيها في ألمانيا بما لا يقل عن 100 مليون يورو (132.7 مليون دولار). وتنتج الشركة سيارات ميني الصغيرة وسيارات رولز رويس الفاخرة.

وتأثرت صناعة السيارات سلبا بمزيج من ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، فضلا عن تزعزع ثقة المستهلكين من جراء الأزمة المالية ، وإذا تفاقمت أزمة هذه الصناعة فسيتأثر بها 50 مليون شخص يعملون بشكل مباشر أو غير مباشر عبر العالم في هذا القطاع.

الخوف من المستقبل وعدم التفاؤل:

 أعرب الرئيس التنفيذي لشركة صناعة السيارات الفرنسية رينو وحليفتها اليابانية نيسان عن مخاوفه إزاء مستقبل الصناعة. وقال كارلوس غصن لا أرى حلا سريعا للأزمة واعتبر غصن أن الأزمة مالية في المقام الأول وأن القطاع اعتمد كثيرا على الائتمان، وأضاف إذا ما استمرت أسواق المال على حالها فسنواجه الكثير من المشاكل، موضحا أن صناع السيارات يحتاجون في العام المقبل إلى تمويل بأسعار فائدة "معقولة" من 4% إلى 5% لأجل عامين أو ثلاثة أعوام، من جهته توقع رئيس شركة فيات الإيطالية سرجيو مارشيوني أن يكون عام 2009 أصعب عام يشهده عالم السيارات على الإطلاق، وفي تصريحات سابقة رجح مارشيوني بقاء ست شركات لصناعة السيارات بالعالم كله في الأجل الطويل بدلا من 50 شركة حاليا، معتبرا أن استمرار الأزمة سيلزم العديد من الشركات بأن تندمج معا لمواجهتها.

وأضاف أن من شأن تقديم مساعدة عامة لبعض الشركات -دون أن يشير بشكل مباشر لاحتمال تقديم الحكومة الأميركية مساعدات لصناعة السيارات- أن يتسبب في فوارق هائلة في المنافسة العالمية، وكان البيت الأبيض قد أعلن أمس إمكانية استخدام جزء من أموال خطة الإنقاذ المالي البالغة 700 مليار دولار لدعم صناعة السيارات الأميركية التي تواجه خطر الانهيار، وذلك بعد أن فشل مجلس الشيوخ الخميس في إقرار خطة لإنقاذها.

وقبل إعلان الإدارة الأميركية أعربت شركات السيارات الأميركية عن قلقها على مستقبل القطاع وأعلنت أنها تدرس الخيارات المستقبلية بعد فشل إقرار خطة لإنقاذها من الانهيار جراء تأثيرات الأزمة المالية العالمية ومن بينها إشهار الإفلاس.

انخفاض مبيعات السيارات اليابانية بسبب الأزمة العالمية :في 27/11/2008م

انخفضت المبيعات العالمية لمعظم شركات السيارات اليابانية الكبرى الشهر الماضي بسبب الأزمة المالية العالمية، وقالت تويوتا إن مبيعاتها العالمية انخفضت إلى 791665 سيارة الشهر الماضي, ما يمثل هبوطا بنسبة 12.6% بالمقارنة مع نفس الشهر في العام الماضي ، وكان هذا الهبوط هو الأخير في ثلاثة أشهر على التوالي وجاء بعد انخفاض بنسبة 1.3% في سبتمبر ، وقالت شركة نيسان إن إنتاجها انخفض أيضا الشهر الماضي بنسبة 18.3% إلى 278581 سيارة، وانخفضت مبيعات نيسان في الولايات المتحدة 43.9% بسبب ضعف الطلب، كما ذكرت شركة هوندا أيضا أن إنتاجها في العالم انخفض الشهر الماضي بنسبة سنوية بلغت 0.2% لكنه زاد إلى أعلى مستوى شهري على الإطلاق ليصل إلى 368245 سيارة، أما شركة مازدا فقالت إن إنتاجها في العالم زاد 1.5% إلى 120529 الشهر الماضي مدفوعا بزيادة المبيعات في اليابان.

الشركات الألمانية (7/11/2008م):

وقد جاء الإعلان عن انخفاض إنتاج معظم شركات السيارات اليابانية بعد يوم من الإعلان في ألمانيا عن انخفاض إنتاج عدة شركات ألمانية بسبب أزمة المال العالمية، وقالت شركة بورش التي تحقق أكبر عائدات من بين الشركات الألمانية الأخرى إنها اضطرت إلى وقف إنتاجها ليوم واحد الأسبوع الماضي وتخطط لوقف لمدة سبعة أيام في مصانعها في الأشهر القادمة، انخفضت مبيعات شركتي السيارات الألمانيتين ديملر وبي إم دبليو الشهر الماضي بسبب الركود الاقتصادي في العالم، وقالت شركة ديملر إن مبيعاتها انخفضت بنسبة 18.1% إلى 93 ألف سيارة في أكتوبر الماضي بالمقارنة مع نفس الشهر من العام الماضي.

وأضافت أن مبيعاتها من سيارات مرسيدس بنز انخفضت أكثر من 20% إلى ثمانين ألفا و250 سيارة بينما ارتفعت المبيعات من طراز سمارت بنسبة 11.3% إلى 11 ألفا وثلاثمائة سيارة.

 

وأشارت ديملر إلى أكبر انخفاض كان في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، أما شركة بي إم دبليو فقد أعلنت أن مبيعاتها انخفضت الشهر الماضي بنسبة 8.3% إلى 113 ألفا بالمقارنة مع نفس الشهر من العام الماضي، وأضافت أنها باعت 1.22 مليون سيارة في التسعة أشهر الأولى من العام الحالي بزيادة طفيفة عن نفس الفترة من العام الماضي 2007، وكانت بي إم دبليو أشارت مؤخرا إلى أنها لن تحقق أهدافها ببيع أكثر من 1.5 مليون سيارة خلال العام الجاري.

 

من ناحية أخرى قالت شركة فورد الأميركية إن خسائرها التشغيلية في الربع الثالث من العام الحالي وصلت إلى 2.98 مليار دولار بسبب أزمة القروض الحالية، وأضافت أنها تعتزم خفض تكاليف المرتبات بمقدار 10% أخرى بعد تنفيذ برنامج في 2008 م لخفضها بمقدار 15% ، وقد أقفل سعر سهم فورد في السوق الخميس عند 1.98 دولار. وانخفض سعر السهم أكثر من 70% في 2008 ووصل إلى أدنى مستوى له الشهر الماضي.

 
 

تراجع مبيعات السيارات يدفع لاندماج بين الشركات العالمية:  7/12/2008

ولقد توقع الرئيس التنفيذي لشركة فيات أن تتقلص شركات السيارات بالعالم لتصبح ستة لاعبين كبارا فقط. وقال "سوف تجد كبرى شركات السيارات نفسها مضطرة للاندماج من أجل البقاء والتغلب على آثار الأزمة المالية العالمية ".وأضاف سيرغيو مارشيوني أن السبيل الوحيد أمام الشركات للبقاء هو إنتاج أكثر من 5.5 ملايين سيارة سنويا.

وأوضح أن الحال قد تنتهي بقيام عدة تكتلات متوقعا قيام تكتل أميركي، وآخر ألماني وثالث صيني، وآخر فرنسي ياباني قد تكون له امتدادات بالولايات المتحدة الأميركية.

ولم يوضح مارشيوني أسماء بعينها، لكن الشركات التي وصل إنتاجها إلى ذلك الرقم تشمل تويوتا موتورز كورب اليابانية وجنرال موتورز الأميركية وفولكس فاجن الألمانية وفورد موتورز الأميركية ورينو الفرنسية ونيسان اليابانية.

وتعد فيات أصغر من هذه الشركات حيث بلغت مبيعاتها من السيارات والمركبات التجارية الخفيفة الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري نحو 1.7 مليون وحدة.

وفي الولايات المتحدة  أكد البيت الأبيض أن الحكومة لن تقدم أموالا لمساعدة شركات السيارات ما لم يكن هناك احتمال قوي لإمكان ردها. وأكد أن السبيل الوحيد للبقاء يتمثل في إنتاج 5.5 ملايين  سيارة سنويا، وهو مالا يمكن تحقيقه بغير الاندماجات.

يُشار إلى أن الشركات الأميركية الرئيسية الثلاث جنرال موتورز كرايسلر وفورد تعاني أزمة سيولة حادة طلبت من الدولة دعمها بـ34 مليار دولار على شكل قروض لكي تستطيع التغلب على صعوبات تواجهها بسبب الأزمة المالية.

جنرال موتورز تلوح بإعلان الإفلاس :

أعلنت شركة جنرال موتورز -وهي أكبر مصنع للسيارات في الولايات المتحدة الأميركية- أن مجلس إدارتها بحث مستقبلها بما في ذلك إعلان إفلاسها، مؤكدة أن هذا الخيار ليس مطروحا حاليا لكنه وارد مستقبلا.

خطر الإفلاس
ومن شأن إعلان إفلاس كبريات شركات السيارات الأميركية أن يخلف ملايين من العاطلين عن العمل في الولايات المتحدة الأميركية، وكذا في كثير من دول العالم التي ترتبط قطاعات صناعية فيها بنشاط هذه الشركات الأميركية.

وتقول بعض التقديرات إن إعلان واحدة فقط من شركات السيارات الأميركية إفلاسها قد يفقد حوالي ثلاثة ملايين شخص وظائفهم في أميركا العام المقبل.

وكان مجلس الشيوخ الأميركي قد رفض الخميس خطة لإنقاذ ثلاث أكبر شركات لصناعة السيارات في أميركا اقترحها نواب ديمقراطيون وتنص على منح هذه الشركات قروضا تصل إلى 14 مليار دولار لتفادي انهيارها الذي قد يكبد الاقتصاد الأميركي خسارة كبيرة.

ويتضمن المشروع أيضا إجراءات لحماية دافعي الضرائب مثل تعيين وصي حكومي يشرف على تنفيذ خطة الإنقاذ، وإخضاع الشركات للرقابة المحاسبية من قبل مكتب المحاسبة الحكومي، ومنح الحكومة حق الفيتو للاعتراض على أي عمليات تزيد على مائة مليون دولار.

كما يقضي بمنع الشركات من دفع أسهم ربح لمالكي الأسهم أو مكافآت للمسئولين حتى يتم تسديد القروض الحكومية، كما يطلب من المسئولين بيع طائراتهم التابعة للشركات، وتطبيق متطلبات إجراءات توفير الطاقة في السيارات بشروط محددة ، ولقد رفضت نقابة عمال السيارات المتحدة مطالب الجمهوريين بشأن خفض الأجور وتقليص تكاليف العمالة إلى مستوى الشركات اليابانية المنافسة العاملة في السوق الأميركية.

 سعر التكلفة :وفي الأرجنتين قال مسئولون حكوميون إن صناع السيارات سيبيعون الطرز الرئيسية بسعر التكلفة من خلال قروض مدعومة من الحكومة، في خطة ترمي لحماية الوظائف في ثالث أكبر اقتصاد بأميركا اللاتينية من آثار تباطؤ الاقتصادي العالمي،  وأوضح المسئولون أن المصانع المحلية لرينو وجنرال موتورز  و بيجو وفورد موتورز وغيرها من صناع السيارات، ستشارك في خطة الحكومة لحماية 150 ألف وظيفة بصناعة السيارات ولمنع هبوط الإنتاج بشدة العام المقبل، وصرح وزير الصناعة فرناندو فراجيو في مؤتمر صحفي بأنه تم الاتفاق مع المصانع على أن تعرض هذه السيارات دون إضافة هامش ربح للسعر، وأن تخفض معارض التوزيع أيضا هامش أرباحها.

ويُعد برنامج الحكومة لقروض السيارات الذي يبلغ 890 مليون دولار جزءا من خطة لحفز الاقتصاد تتكلف 3.8 مليارات دولار أعلنت عنها الرئيسة كريستينا فرنانديز الخميس الماضي .

انخفاض المبيعات

وفي ألمانيا انخفضت المبيعات العالمية لشركة مرسيدس وبي إم دبليو بنحو الربع الشهر الماضي، فقالت بي إم دبليو إن مبيعاتها انخفضت 25.4% في نوفمبر الماضي إلى 96570 وحدة, بينما أعلنت ديملر مرسيدس بنز أن مبيعاتها هبطت الشهر نفسه بنسبة 25.2% إلى 84500 وحدة. وانخفضت مبيعاتها من طراز مرسيدس بنز 27.6% إلى 74400 وحدة، وقد انخفضت قيمة أسهم بي إم دبليو في فرانكفورت الجمعة بنسبة 2.6% بينما تراجعت أسهم ديملر 4.2.%.

وفي اليابان عزت هوندا ثاني أكبر شركة سيارات وطنية انسحابها من سباق الفور ميلا وان بسبب تراجع الأرباح لقلة المبيعات جراء الأزمة المالية.

وقال رئيس الاتحاد الدولي للسيارات ماكس موسلي إن قرار هوندا قد يكون له أثر الدومينو إلا إذا انخفضت تكلفة الفور مولا.

خفض كبير متوقع بإنتاج تويوتا بسبب انخفاض الطلب في 11/12/2008م:

ذكرت تقارير صحفية أن مجموعة تويوتا اليابانية تعتزم خفض مبيعاتها المستهدفة للعام المقبل بشكل كبير يبلغ مليون سيارة لتصل جملة مبيعاتها إلى أقل من 8.5 ملايين وحدة وذلك بسبب تداعيات الأزمة المالية العالمية.

 

وأوضحت صحيفة نيكي الاقتصادية اليابانية أن تويوتا - أكبر منتج سيارات في اليابان-  تتوقع تراجع الطلب على السيارات في أوروبا والولايات المتحدة خلال العام المقبل في حين ستستقر المبيعات في السوق اليابانية عند مستوى مبيعات العام الحالي.

 

يشار إلى أن مبيعات تويوتا في الولايات المتحدة في الشهر الماضي قد تراجعت بنسبة 34% عن الشهر نفسه من العام الماضي، وأشارت نيكي إلى أنه في حين بلغت مبيعات مجموعة تويوتا العام الماضي 9.37 ملايين سيارة فإن مبيعات العام الحالي تراجعت إلى حوالي تسعة ملايين سيارة ، وكانت مجموعة تويوتا -التي تضم أيضا شركتي دايهاتسو موتورز وهينو موتورز- قد خفضت مبيعاتها المستهدفة للعام المقبل في أغسطس الماضي إلى 9.7 ملايين سيارة. وتضع التقديرات الجديدة مبيعات تويوتا في أقل مستوى لها منذ 2005 عندما باعت الشركة 8.12 ملايين سيارة، وكانت الشركة تتوقع وصول مبيعاتها العام المقبل إلى 10.4 ملايين سيارة بعد الطفرة الكبيرة التي حققتها عام 2007 قبل أن تقلص التوقعات في أغسطس الماضي.

وقد أعلنت شركة كريزلر (الأربعاء 18/12/2008م ) عن وقف  الإنتاج لمدة شهر ابتدءا من مطلع الأسبوع القادم، أي من يوم الأحد 22/12/2008م    نظرا لانخفاض الطلب على السيارات بسبب نقص القروض التي تمنح  لتمويل شراء السيارات حتى ينتعش الطلب عل السيارات، وقررت الحكومة الأمريكية منح كريزلر 4 مليار دولار، وجنرال موتورز 13 مليار دولار كمساعدة عاجلة ، لكي تستمرا في التشغيل.

الفصل الرابع

 أسباب الأزمة

هناك أسباب عديد  للأزمة أهمها:

1-    أسباب ناجمة عن أزمة الرهون العقارية والسندات المغطاة برهون عقارية ، وقد عرضناها بالتفصيل عند عرض أعراض الأزمة ، ولن نكرر ما سبق عرضة هنا.

2-    عدم تماثل المعرفة asymmetric information بين أطراف التعامل المالي والذي يفضي إلى منح قروض لأفراد ومؤسسات جدارتهم الائتمانية منخفضة، لعدم القدرة على فرز المقترض الجيد من الرديء، ويؤدي إلى الاستثمار في أصول عالية المخاطر.

3-    قيام المصارف بأنشطة عالية المخاطر خارج نطاق الميزانية off-balance sheet activities  .

4-    الزيادة في درجة عدم اليقين uncertainty : وله نفس أثر عدم تماثل المعرفة ويعمل بنفس الآلية.

5-    ارتفاع أسعار الفائدة يؤدي إلى خروج المقترضين أصحاب المخاطر الائتمانية الجيدة ويبقى في السوق المقترضين أصحاب المخاطر الائتمانية الرديئة الذين يرغبون في الاقتراض ومستعدين  أن يدفعوا أسعار فائدة مرتفعة وهذا يعرض المؤسسات المالية لمخاطر مرتفعة لأنها ستمول مقترضين أصحاب مخاطر ائتمانية عالية   .

6-    إتباع سياسة أن البنك كبير بحيث لا يجب أن يفشل  Too Big to fail، جعل المؤسسات المالية الكبيرة تتمادى في الاستثمار في أصول عالية المخاطر وهي تضمن أنه في حالة تعثرها ستحصل على المساعدة من قبل مؤسسة التأمين على الودائع ، والاتحادي الفيدرالي.

7-    أثار سوق الأصول على المركز المالية (ميزانيات) الشركات.

8-    مشاكل في القطاع المصرفي.

9-    إرخاء القيود التي تحد من الأصول التي تقتنيها المصارف والأنشطة التي تدخل فيها.

ا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السبب الثاني: عدم تماثل المعرفة:  asymmetric information

 

يعرف عدم تماثل المعرفة بأنه المعرفة غير المتساوية unequal والمتعلقة بالصفقة محل التداول والتي يمتلكها أحد أطراف التعامل أو التداول  مقارنة بمقدار التي المعرفة يمتلكها الطرف الأخر عن تلك الصفقة.

فمثلا المقترض الذي يأخذ قرضا عادة ما يكون على معرفة أفضل بالعوائد المحتملة والمخاطر المقترنة بعوائد المشروع الاستثماري الذي سيضع فيه تلك الأرصدة مقارنة بالمقرض والذي تنقصه تلك المعرفة.

ويخلق نقص المعرفة وعدم تماثلها مشكلة في النظام المالي من ناحيتين: الأولى قبل إتمام التعامل والثانية بعد إتمام التعامل، وهاتين المشكلتين هما:

الاختيار العكسي: adverse selection

تسمى المشكلة التي تخلق قبل إتمام التبادل المالي بسبب عدم تماثل المعرفة باسم الاختيار أو الانتقاء العكسي ، ويحدث الاختيار العكسي في الأسواق المالية عندما يكون المقترض المحتمل والذي من المحتمل أن ينتج أو يجلب  نتيجة غير إيجابية (عكسية adverse) متمثلة في مخاطر ائتمانية رديئة bad credit risks ، هو الأكثر نشاطا وبحثا عن القرض ، والأكثر احتمالا أن يتم اختياره للحصول على القرض.

ونظرا إلى أن الاختيار العكسي يجعل من الأكثر احتمالا منح القرض إلى مقترض ذات مخاطر ائتمانية رديئة ، فقد يفضل المقرض عدم تقديم أي قروض، رغم وجود مقترضين ذات مخاطر ائتمانية جيدة في نطاق السوق المالي ، يبحثون عن الائتمان ، ولكن لا يستطيع المقرض معرفتهم.

والنتيجة الاقتصادية هي:

انكماش عرض الائتمان المتاح للفرص الاستثمارية الحقيقية الجيدة، ومن ثم انخفاض حجم الاستثمار الحقيقي،وانخفاض حجم النشاط الاقتصادي

 

المخاطر المعنوية: moral hazard

هي المشكلة التي يخلقها عدم تماثل المعرفة بعد إتمام التبادل المالي.

والمخاطر المعنوية في أسواق المال هي المخاطر (hazard) التي تتعلق بالمقترض الذي يقدم على الاستثمار في أنشطة غير مرغوبة (immoral) من وجهة نظر المقرض مما يخلق ظروفا تجعل من غير المحتمل أن يعاد سداد القرض مرة أخرى.

ونظرا لأن المخاطر المعنوية تخفض احتمال أن يعاد سداد القرض إلى المقرض ، فقد يقرر المقرض عدم عقد القرض.

ويترتب على المخاطر المعنوية عدم تحويل الموارد التمويلية من وحدات الفائض المالي إلى وحدات العجز المالي، ويحدث بالتالي نقص مصطنع في الموارد التمويلية اللازمة أمام فرص  الاستثمار الحقيقي ، فينخفض حجم الاستثمار ، وبالتالي ينخفض حجم النشاط الاقتصادي الحقيقي.

إذا المشاكل التي يخلفها كل من الاختيار العكسي والمخاطر المعنوية هي عوائق تقف في وجه التشغيل والأداء الكفء لوظائف السوق المالي، وقد يترتب على عدم تماثل المعرفة انهيار عمل البنوك وانتشار الفشل المصرفي bank failure ، وهي الحالة التي تعني أن:

" البنك غير قادر على أن  يقابل ويستوفي التزاماته obligations ، ويدفع إلى المودعين ودائعهم وإلى الدائنين الآخرين  حقوقهم، ومن ثم فإن على البنك أن يخرج من نطاق العمل المصرفي"

 

ويمكن إرجاع عدم تماثل المعرفة كسبب للانهيار والفشل المصرفي  في الولايات المتحدة إلى سببين:

السبب الأول: قبل عام 1934م، وهو عام إنشاء وبدء عمل مؤسسة التأمين على الودائع الاتحادية Corporation Federal Deposit Insurance واختصارا FDIC ، فإن الفشل المصرفي الناشئ  عن عدم تماثل المعرفة بين البنك والمودعين كان يعني أن على المودعين الانتظار فترة طويلة حتى يحصلوا على أرصدة ودائعهم ، حتى يتم تصفية وتسييل Liquidating البنك (أي تحويل أصول البنك إلى نقد)فحتى يحين هذا الوقت فلن يحصلوا إلا على نسبة أو كسر من قيمة ودائعهم.

وحيث أن المودعين غير قادرين على أن يعرفوا ما إذا كان مدير البنك قد انهمك في أنشطة تحتمل قدرا كبيرا من المخاطر، أو أن تصرفاته يمكن أن تعرض البنك إلى الانهيار أم لا ، فإن المودعين إما إنهم سيترددون في وضع نقودهم في هذا البنك، أو أنهم سيقومن بسحب ودائعهم من البنك مما يجعل البنك والمؤسسات المصرفية غير قابلة للحياة والنمو أو يعرضها للانهيار.

السبب الثاني: أن قصور المعرفة لدي المودعين يمكن أن يكون له نتائج ضارة وخطيرة على الاقتصاد القومي، ولكي نرى ذلك افترض الحالة التالية:

افترض انه لا يوجد تامين على الودائع ، وأنه قد حدثت صدمة سالبة للاقتصاد القومي، وأن 5% من البنوك ، حدثت لها خسائر مالية ضخمة في القروض بسبب تلك الصدمة التي قدمتها ، بحيث أنها أصبحت في حالة عسر مالي insolvent (أي أصبح لدى تلك البنوك صافي حقوق ملكية سالبا negative net worth )، ومن ثم أصبحت تلك البنوك مفلسة عمليا).

ونتيجة قصور المعرفة وعدم تماثلها ، فإن المودعين سيكونون غير قادرين على أن يقرروا بين ما إذا كان البنك الذي يتعاملون معه هو من ضمن أل 5% من البنوك المعسرة أو من غيرها من البنوك الجيدة، فالموقف بالنسبة لهم سيكون غير واضح، والمودعين في البنوك الجيدة والرديئة على حد سواء سيدركون أنهم غير قادرين على استرداد ودائعهم كاملة ، وأنهم على الأكثر سيستردون فقط جزءا من تلك الودائع، أو نسبة منها، وفي هذه الحالة سيسارع المودعون إلى سحب ودائعهم من البنوك.

وحيث أن البنوك تعمل في ظل قيد الخدمة المتتابعة sequential service constraint ،بمعنى أن من يأتي أولا سيخدم أولا، فإن كل المودعين سيكون لديهم نفس الحافز والدوافع في أن يتسابقوا لكي يكونوا أمام البنك أولا، لأنهم إن ذهبوا إلى البنك وكانوا في أخر الصف ، فربما تنفد الأرصدة من البنك قبل أن يستردوا ودائعهم أو شيء منها.

وإذ لم تتخذ إجراءات لإدخال الثقة في نفوس المودعين في البنوك، فإن الذعر المصرفي banking panics سيحدث و يتتابع بدرجة كبيرة.

والذعر المصرفي والمالي هو أحد حقائق الأسواق المصرفية والمالية، وكان يميز الولايات المتحدة في القرن 19 م وأوائل القرن العشرين، وكما هو الحال في أوائل القرن 21م ، ولذلك كانت الحكومات الأمريكية تتدخل عن طريق ما يسمي  شبكة الأمان الحكومي government safety net لإدخال الطمأنينة في قلوب المودعين، مما يفضي إلى تقصير دائرة الفشل المصرفي والحد منها والتخفيف من شدتها، من خلال تقديم الحماية للمودعين ، ومن ثم تقضي على التردد في نفوس المودعين ، وتحفزهم على إيداع أرصدتهم في البنوك.

وكانت أحد أهم مصادر شبكة الأمان الحكومي هي التأمين على الودائع deposit insurance ،ويتخذ هذا التأمين شكل ضمان بحيث أن شركة التأمين على الودائع الاتحادية Federal Deposit Insurance Corporation  واختصارا FDIC ، تدفع بالكامل قيمة الوديعة حتى 100000 دولار(زيد هذا الحد في نوفمير2008م إلى 250000دولار) وفي هذه الحالة يضمن المودعون التامين على ودائعهم حتى هذا الحد، فيطمئنون ولا يسارعون إلى البنوك لسحب ودائعهم حتى لو أصابهم القلق على صحة النظام المصرفي ، لأن كل الودائع سترد دولار مقابل دولار حتى 100000دولار(أي حتى الحد الأقصى للتأمين على الودائع)، ونتيجة لذلك فإن عدد البنوك التي أفلست قبل إنشاء المؤسسة مباشرة في السنوات 1930-1933م فإن ثلث البنوك في الولايات المتحدة خرج من نطاق العمل ، ثم انخفض هذا العدد بعد إنشاء المؤسسة(عام 1934م) إلى 15 بنك  في المتوسط سنويا حتى عام 1981م، قفز العدد إلى 50 بنكا، وجدول (1) في المبحث الأول يقدم تطور عدد البنوك التي كانت تفلس في الولايات المتحدة قبل وبعد إنشاء مؤسسة التأمين على الودائع ، كشبكة أمان حكومي.

وتستخدم مؤسسة التأمين على الودائع طريقتين في دفع قيمة الودائع:

الطريقة الأولى: تسمى طريقة الدفع الكامل Payoff method :

حيث تسمح مؤسسة التأمين على الودائع للبنك بأن يفشل ثم تدفع للمودعين حتى 100000دولار ، وهو الحد الأقصى للتأمين على الودائع، عن طريق أرصدة من الأقساط التي تدفعها البنوك المشتركة في نظام التأمين على الودائع  مع FDIC.

وبعد أن يتم بيع البنك (أو تسييله) فإن مؤسسة التأمين على الودائع تقف في طابور دائني البنك لتحصل على نصيبها مع بقية الدائنين،لكي تحصل على نصيبها من متحصلات تسييل  أصول البنك وعندما تعمل وفقا لتلك الطريقة فإن المودعين الذين لهم ودائع تزيد عن 100000 دولار يحصلون على أقل من دولار مقابل كل دولار يزيد عن الحد الأقصى، وهذا بالطبع قد يستغرق سنوات طويلة.

 

الطريقة الثانية : تسمى طريقة الشراء والافتراض:

Purchase and assumption method

 

وطبقا لهذه الطريقة تحاول شركة التأمين على الودائع إيجاد شريك يرغب في الاندماج مع البنك الفاشل مصرفيا، وفي هذه الحالة سيسطر  هذا الشريك على كل ودائع البنك الفاشل مصرفيا، ومن ثم لن يخسر المودعون أي مبلغ من ودائعهم مهما كان صغيرا أو كبيرا، وتستخدم شركة التامين على الودائع أساليب لأغراء البنك الشريك الذي يقبل السيطرة على البنك الفاشل مصرفيا قبل الاندماج ، بإعطائه قروضا بأسعار فائدة معانة أو رمزية، أو بأن تشتري بعضا من القروض الضعيفة للبنك الفاشل مصرفيا، وفي هذه الحالة تضمن FDIC للمودعين كل الودائع وليس فقط حتى الحد الأقصى ، وهذه الطريقة هي الأكثر شيوعا في التعامل مع البنوك الفاشلة مصرفيا قبل صدور القانون المصرفي عام 1991م.

 

 ومن أثار عدم تماثل المعرفة في الأسواق المالية انتشار طرق احتيالية ، نتيجة قصور عمليات الأشراف والرقابة من الهيئات الرقابية والتنظيمية كما كشفت عنه أخيرا أكبر عملية احتيال  في Wall Street  في 13/12/2008م: فضيحة احتيال مالي متعددة الضحايا تهز وول ستريت حيث كشف اتهام القطب البارز في وول ستريت برنارد مادوف Bernard Maddof بالاحتيال عبر إدارة خطة استثمار وهمية قيمتها خمسين مليار دولار عن ضحايا جدد من البنوك الدولية وصناديق تحوط ومستثمرين جراء استثماراتهم مع مادوف.

وقالت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية في تقرير نشرته إن مالك مؤسسة نيويورك متس فريد ويلبون ورئيس مجلس إدارة شركة "جي إم أي سي" جيه إزرا مركين ومالك شركة "فيلادليفا إيجلز لخدمات التمويل" السابق نورمان برامان من بين عشرات المستثمرين الذين شاركوا بالاستثمار في الخطة مما يبرز خسائر بعشرات مليارات الدولارات.

وقال مطلعون على مسألة الاحتيال إن البنك الفرنسي الضخم بي إن بي باريباس وشركة "نومورا هولدنجز" القابضة في طوكيو وبنك "نيو برايفت" في زيوريخ كلها معرضة لخسائر جراء الاحتيال

وأشارت وول ستريت جورنال إلى أن ما لا يقل عن ثلاثة صناديق تحوط هامة قد تكون خسرت أموالا كثيرة في هذه العملية.

واستثمرت مجموعة "فيرفيلد جرينتش" وشركة "ترمونت كابيتال مانجمنت أوف نيويورك" مئات ملايين الدولارات في صناديق يشرف عليها مادوف ، وأعلنت شركة "ماكسام كابيتال مانجمنت" أمس خسائر بقيمة 280 مليون دولار في أموال استثمرتها مع مادوف، حيث قالت مؤسسة الشركة ورئيسة مجلس إدارتها ساندرا مانزك "لقد دمرت تماما ".

وتولى مادوف البالغ من العمر سبعين عاما منصب رئيس سوق ناسداك Nazdaq للأسهم وأسس شركة برنارد أل مادوف إنفستمنت سكيوريتيز عام 1960 وأدار أيضا صندوقي تحوط.

وأفادت صحيفة فايننشال تايمز أيضا أنه أفرج عن مادوف بكفالة قيمتها عشرة ملايين دولار بعد اعتقاله سابقا لاتهامه بالاحتيال ، وقال مدعون إن مادوف أخبر كبار الموظفين لديه وأولاده أن أعماله كلها "مجرد كذبة كبيرة". وأضافوا أن المتهم قدر قيمة خسائره بمبلغ خمسين مليار دولار لكن التقديرات لم تظهر كلها  بعد.

وأظهرت الشكوى الجزائية أن مادوف  قال لكبار موظفيه الشهر الجاري إنه يكافح من أجل توفير مبلغ سبعة مليارات دولار مطلوبة من قبل زبائن ، وقال دان هورويتز الخميس محامي مادوف إن موكله رجل عريق في صناعة الخدمات المالية وسيحارب للخروج من هذه الأحداث.

اتهامات بالتلاعب:

وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن مدعين أميركيين اتهموا مادوف بإخفاء الخسائر ودفع أموال للمستثمرين باستخدام رؤوس أموال من مستثمرين آخرين، وينبغي على المدعين والسلطات الرقابية تحديد مبلغ الخسائر التي تكبدتها مؤسسات مالية بإشراف مادوف أو حجم الأموال التي ما زال يملكها المتهم حتى الآن.، وقال مادوف في شكاوى جزائية ومدنية إن الخسائر التي واجهها قد تصل خمسين مليار دولار.

وهكذا فإن فضيحة كبيرة جديدة تهز وول ستريت بعد اعتقال القطب المالي ومستشار الاستثمار مادوف لاتهامه بالاحتيال على مستثمرين

   

 

السبب الثالث الأنشطة  خارج الميزانية Off-balance sheet activities

 

في ظل ارتفاع درجة المنافسة في البيئة المصرفية أصبحت البنوك تبحث عن أنشطة جديدة وفرصا جديدة  تحقق لها مزيدا من الأرباح، ورغم أن إدارة أصول والتزامات المصرف هو أهم ما يشغل إدارة المصرف ، فإن تطلع تلك الإدارة بشراهة إلى البحث عن أنشطة تحقق لها أرباحا من خلال الانهماك في أنشطة لا يظهر لها تأثير على عناصر ميزانية المصرف ، وتسمى الأنشطة خارج الميزانية، رغم أن هذه الأنشطة تقترن بدرجة عالية من المخاطر.

والأنشطة خارج الميزانية تشتمل على :

1-    تداول وتبادل أدوات مالية معينة والمتاجرة فيها.

2-    توليد الدخل من العمولات fees.

3-    بيع القروض

ولقد نمت تلك الأنشطة نموا كبيرا وأصبحت  هامة في نشاط البنوك ، وتضاعف الدخل المتولد منها للمصارف، ونتناول الأنشطة خارج الميزانية كسبب لأزمات المصارف فيما يلي:

بيع القروض: loan sales

يعتبر بيع القروض أحد الأنشطة التي نمت في الأهمية في السنوات الأخيرة ، وهي تشتمل على الدخل الناتج من بيع القروض ، وبيع القروض يسمى أيضا المشاركة في القرض الثانوي secondary loan participation، وينطوي بيع القروض على:

" بيع كل أو جزء من التيار النقدي من قرض معين"

 

والمصارف تكتسب أرباحا من بيع القروض بأسعار فائدة تزيد قليلا عن أسعار الفائدة على القرض الأصلي، ونظرا لارتفاع سعر الفائدة على عملية بيع القروض ، فإنها أصبحت جذابة، والمؤسسات التي ترغب في شراء القروض ، رغم ارتفاع أسعارها، تعرف أنها ستكسب سعر فائدة منخفض قليلا عن سعر الفائدة على القرض الأصلي في حدود 0.15% نقطة مئوية.

توليد الدخل من العمولات :generation of fee income

هذا النشاط خارج الميزانية المصرفية ينطوي على توليد الدخل من الرسوم (أو الجعل )الذي يستلمه المصرف مقابل تقديم خدمات منخفضة لعملائه مثل القيام بتجارة العملة (تداول الصرف الأجنبي) نيابة عن (أو بناءا)على طلب العملاء.

 

اعتمادات الائتمان Credit line

من هذه الأنشطة خدمة الأوراق المالية المغطاة برهون عقارية مثل تحصيل الفوائد والأصل ودفعهم للمستفيد، وضمان الأوراق المالية للديون مثل القبولات المصرفية ، والاستعداد لتقديم أشكال وخطوط بديلة للائتمان lines of credit،ومنها أيضا الالتزام بقرض the loan commitment وبمقتضاه يوافق المصرف ، مقابل عمولة ، على تقديم قرض بناءا على طلب العميل حتى مقدار معين وبعملة معينة وفي خلال فترة زمنية محددة.

وتشتمل اعتمادات الائتمان  ما يتيحه المصرف للمودعين في المصرف من ميزة السحب على المكشوف ، حيث يسمح للعميل بأن يكتب شيكات تزيد عن أرصدة ودائعه لدى المصرف ، ومن ثم يسمح للعملاء بأن يكتبوا على أنفسهم قروضا يتم تحصيل قيمتها من المصرف.

ومن اعتمادات الائتمان التي يحصل المصرف من ورائها على عمولة خطابات ضمان الائتمان لمساندة إصدار أوراق تجارية وأوراق مالية أخرى.

والمشكلة في الأنشطة خارج الميزانية :

أنها تنطوي على ضمان لأوراق مالية وضمان المصرف لاعتماد ائتمان مما:يزيد المخاطر التي يواجهها المصرف، فحتى رغم أن الأوراق المالية والائتمان المعتمد من المصرف أو ضمنه المصرف لا يظهر في الميزانية ، فإنها تعرض المصرف لمخاطر عدم السداد ، إذا ما توقف مصدر الورقة أو من صدر لصالحة الاعتماد الائتماني عن الدفع ، في هذه الحالة يتحمل المصرف ويدفع لمالك الورقة أو الدائن .

كما أن الاعتماد المكفول أو المضمون  line back-up credit ينطوي على مخاطر  ، لأن المصرف عليه أن يقدم القرض إذا كان من ضمنه أو كفله المصرف ليس لديه سيولة كافية، وفي وقت قد لا يكون لدي المصرف أيضا سيولة كافية أو عندما يكون المقترض لديه مخاطر ائتمانية سيئة جدا.

 

أنشطة تجارية وأساليب إدارة المخاطر:

Trading activities and risk management techniques  

من الأنشطة خارج الميزانية ، إدارة مخاطر سعر الفائدة، لأنها تفضي إلى قيام البنك بالتعامل مع المستقبليات المالية : financial futures وحيازات أدوات دين ومبادلات أسعار الفائدة interest rate swaps وكلها أنشطة تتعلق بالتقلبات المستقبلة لأسعار الأصول المالية وأسعار الفائدة ، وتتميز بدرج عالية من عدم التأكد ، وتقترن بدرجة عالية من المخاطر ، وقد تسبب خسائر مالية كبيرة للبنك.

وتدخل المصارف أيضا في الصيرفة الدولية : فتمارس معاملات في الصرف الأجنبي ، وكل تلك المعاملات في الأسواق العاجلة والآجلة (المستقبلة) هي أنشطة خارج الميزانية ، لأنها  لا تؤثر مباشرة على عناصر الميزانية، وبالتالي يصعب مراقبتها أو السيطرة عليها من قبل هيئات الرقابة المصرفية والتنظيمية للمصارف.

ورغم أن تجارة المصرف في تلك الأسواق يتجه غالبا إلى محاولة تخفيض المخاطر أو تسهيل أعمال  أخرى لمصرف أخر ، فإن المصارف تحاول أن تخمن أو أن تتوقع بطريقة صحيحة التصرفات الموجودة في الأسواق أو أن تدخل في مضاربات على أسعار الأصول والعملات ، وهذه المضاربات قد تكون خطيرة جدا ، وقد تؤدي إلى أن يصبح المصرف عاجزا عن الدفع insolvencies، والتطور الدراماتيكي هو الفشل المصرفي مثلما حدث لمصرف Barings  البريطاني عام 1995م.

والأنشطة التجارية Trading activities، رغم أنها مربحة جدا فهي خطيرة جدا ، لأنها تجعل من السهل على المؤسسات المالية ومستخدميها أن يقوموا بحجم ضخم جدا من المراهنات huge bets  وبسرعة، والمشكلة الخاصة بإدارة الأنشطة التجارية تكمن فيما يعرف بمشكلة الوكيل/ الأصيل  principal /agent problem ن وهي مشكلة حادة وخطيرة (تقترن بمخاطر ضخمة) للمصارف.

ففي ظل المقدرة على القيام بحجم كبير من المراهنات large bets، فإن التاجر الوكيل agent سواء أكان يتاجر في سوق الأسهم أو في سوق الصرف الأجنبي أو في المشتقات المالية ، لديه الحافز على أن يقوم ويغامر بمخاطر زائدة، ولو ترتب على استراتيجيات تجارته أرباحا كبيره فسوف يحصل على مرتبا مرتفعا ومكافآت كبيرة من المصرف ، ولكن إذا وقع في خسائر كبيرة ، فإن المؤسسة المالية (الأصيل)principal  ، سوف يقوم بتغطية تلك الخسائر ، كما حدث لمصرف Barings  الانجليزي الذي أفلس عام 1995م ،حيث أفضت مشكلة الوكيل/الأصيل على دفع مؤسسة مالية كبيرة في كامل قوتها مثل مصرف Barings على الإفلاس بسرعة شديدة.

ولتخفيض مشكلة الوكيل/الأصيل، فإن المؤسسة المالية يجب أن تبني نظاما للرقابة الداخلية لمنع هذه الكوارث المصرفية، كتلك التي حدثت لمصرف Barings، وتشتمل الرقابة الداخلية على عزل كامل (فصل كامل) بين الأفراد الذين يقومون و يكلفون بالأنشطة التجارية عن هؤلاء المكلفين بحفظ وتسجيل المعاملات في الدفاتر المحاسبية للمؤسسة المالية، بالإضافة إلى ذلك يجب أن يضع المديرون سقفا لحجم المبادلات في الأنشطة التجارية التي تعرض المصرف للمخاطر الشديدة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السبب الرابع:اثر تغير أسواق الأصول على الميزانيات (المراكز المالية)

Asset market effects on the balance sheet activities

 

ترتبط ميزانيات (المراكز المالية) للشركات ارتباطا وثيقا بمشكلة عدم تماثل المعرفة في النظام المالي، فالانخفاض الحاد في أسعار السهم في أسواق الأسهم  هو واحد من الأسباب  التي تؤدي على تدهور خطير في المراكز المالية (ميزانيات ) الشركات ، وقد يفضي إلى كارثة مالية.

فالانخفاض الحاد في أسعار الأسهم يعني انخفاضا في  صافي حقوق الملكية net worth للشركات ، لأن أسعار الأسهم السوقية هي التعبير عن التقييم السوقي لصافي حقوق الملكية للشركات ، وانخفاض صافي حقوق الملكية ، كنتيجة لانخفاض أسعار الأسهم في سوق السهم ، يجعل المقترضين (ولاسيما المصارف) أقل رغبة في الإقراض للشركات التي انخفضت الأسعار السوقية لأسهمها ، لأن صافي حقوق الملكية تلعب دور مثل دور الضمان collateral وعندما ينخفض الضمان فإنه يقدم حماية ضعيفة للمقرضين، فيخفضون إقراضهم ويترتب على ذلك :

1-    انخفاض دخل المقرض (المصارف بصفة أساسية)، وهذا قد يخفض الطلب على الأصول التي تصدرها تلك المصارف.

2-    انخفاض حجم الاستثمار وانخفاض حجم النشاط الاقتصادي الكلي.

 وبالإضافة إلى ذلك ، فإن الانخفاض في صافي حقوق الملكية للشركات ، كنتيجة لانخفاض أسعار الأسهم السوقية يزيد المخاطر المعنوية moral hazard ، بتقديم دوافع للشركات التي انخفضت أسعار أسهمها بأن تدخل في استثمارات عالية المخاطر ، لأنها ستخسر قليلا إذا ما فشلت تلك الاستثمارات، ومن ثم تحمل المصارف مخاطر عالية ، فزيادة المخاطر  المعنوية سيجعل الإقراض اقل جاذبية.

وفي الاقتصاديات التي تعاني تضخما معتدلا مثل الدول الصناعية ، فإن عقود الدين غالبا ما تكون طويلة الأجل ، مع أسعار فائدة ثابتة واجل استحقاق طويل، في ظل تلك البيئة المؤسسية ، فإن الانخفاض المتوقع في مستوى الأسعار يخفض صافي حقوق الملكية للشركات ، لأن مدفوعات الدين ثابتة تعاقديا، وبقيمة أسمية ثابتة، ومن ثم فإن انخفاض المستوى المتوقع للأسعار يرفع القيمة الحقيقية لالتزامات المؤسسة ، مما يزيد عبء الدين ، ولكن أصول المؤسسة بقيم حقيقية لا ترتفع، والنتيجة هي أن:

" صافي حقوق الملكية بقيم حقيقية ينخفض ، أي ينخفض الفرق بين الأصول الحقيقية والالتزامات الحقيقية، كما قد تنخفض القيم السوقية لأصول المؤسسة مع الانخفاض المتوقع في الأسعار، فيزداد الوضع سوءا"     

 

إذا الانخفاض الحاد في مستوي الأسعار، يسبب انخفاضا كبيرا في القيمة الحقيقية لصافي حقوق الملكية ويزيد كل من مشاكل المخاطر المعنوية والاختيار العكسي، الذي يواجه المقرضين (سواء كانوا مصارف أو مودعين) ، ومن ثم فإن انخفاض المستوى العام للأسعار يفضي إلى انخفاض في الإقراض وانخفاض في مستوى النشاط الاقتصادي نتيجة انخفاض حجم نشاط المصارف.

ومن ناحية أخري فإن عدم التأكد من القيمة المستقبلة للعملة المحلية ولاسيما في الدول النامية ( وفي بعض الدول الصناعية) يدفع كثير من الشركات غير المالية والمصارف والحكومات أن تصدر الدين بالعملات الأجنبية مستقرة القيمة، وهذا قد يفضي إلى كارثة مالية مشابهة لما قد يحدث نتيجة الانخفاض غير المتوقع في مستوى الأسعار.

فحيث أن عقود الدين  تكون مقومة بعملة أجنبية ، فإن حدوث انخفاض أو تخفيض غير متوقع للعملة  المحلية، يؤدي إلى زيادة عبء الدين على الشركات مقوما بالعملة المحلية، وحيث أن الأصول تقوم تقليديا بالعملة المحلية ، فإن انخفاض قيمة العملة المحلية يخفض قيمة الأصول في مواجهة التزامات الدين المقومة بالعملة الأجنبية مرتفعة القيمة ، وينتج عن ذلك تدهور في ميزانية الشركات ، وانخفاض صافي حقوق الملكية والذي يزيد من تأثير المخاطر المعنوية والاختيار العكسي.

ولهذا فإن مشاكل المخاطر الناجمة عن المعلومات غير المتماثلة تفضي إلى تدهور حوافز الإقراض والإيداع وتفضي إلى كوارث مالية تخفض حجم الاستثمار الحقيقي ومن ثم حجم النشاط الاقتصادي الحقيقي.

     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السبب الخامس: الزيادة في أسعار الفائدة

من المعلوم أن الأفراد والشركات الذين ينهمكون في مشروعات استثمارية عالية المخاطر هم غالبا الأشد رغبة في دفع أسعار فائدة مرتفعة، ومن ثم فهم الأكثر إلحاحا في الاقتراض.

فإذا ارتفع سعر الفائدة السوقي بدرجة كافية ينخفض الطلب على الائتمان، ويخرج من نطاق السوق المقترضين أصحاب المخاطر الائتمانية الجيدة ، ويبقى في نطاق السوق المقترضين أصحاب المخاطر الائتمانية الرديئة مدفوعين بأثر الاختيار العكسي Adverse selection .

ولذلك تتعرض المؤسسات المالية لدرجة مخاطر مرتفعة، لأنها أصبحت تقرض مقترضين أصحاب مخاطر ائتمانية مرتفعة، ومخاطر عدم سداد كبيرة، كما أن خروج المقترضين أصحاب المخاطر الائتمانية الجيدة ، يفضي إلى انخفاض شديد في الاقتراض وانخفاض في الاستثمار ومن ثم انخفاض في النشاط الاقتصادي.

كما تلعب الزيادات في أسعار الفائدة دورا فعالا في دفع الأزمات المالية من خلال تأثيرها على ميزانيات إفراد القطاع العائلي وشركات قطاع الأعمال غير المصرفية.

فارتفاع أسعار الفائدة ، يزيد مدفوعات الفائدة على الديون التي حصل عليها أفراد القطاع العائلي والشركات، مما يخفض التدفقات النقدية لكليهما (الفرق بين المتحصلات النقدية والمدفوعات النقدية) ، والانخفاض في التدفقات النقدية ، يسبب تدهورا في ميزانيات أفراد القطاع العائلي  ومؤسسات الأعمال،لأنه يخفض السيولة المتاحة للأفراد ومؤسسات الأعمال ، ويجعل من الصعب على المقرضين (وبالتحديد المصارف) أن يعرفوا ما إذا كانت الشركات و أفراد القطاع العائلي قادرين على دفع فواتير ديونهم في مواعيدها، ومن ثم تصبح مشاكل عدم تماثل المعرفة المتمثلة في أثر الاختيار العكسي والمخاطر المعنوية أكثر حدة للمقرضين المحتملين (الذين يقدمون قروضا لكل من الأفراد وشركات قطاع الأعمال) ، مما يخفض الإقراض من قبل البنوك ، ومن ثم ينخفض الاستثمار وينخفض حجم التبادل التجاري وبالتالي ينخفض حجم النشاط الاقتصادي، وهذا هو سبب جوهري لكون ارتفاع سعر الفائدة هو سبب مهم من أسباب الكوارث المالية، فلا عجب في الأزمة الحالية أن نجد جميع البنوك المركزية في العالم قد خفضت أسعار الفائدة إلى درجة أن الاحتياطي الاتحادي الأمريكي خفض سعر الفائدة إلى ما بين صفر%، 0.25%، كوسيلة لتخفيض تكلفة الائتمان وزيادة عرضة في خطة الإنقاذ المالي ، ولعل هذا يساعد في الانتعاش الاقتصادي والحد من الركود في الاقتصاد الأميركي.

 

 

 

 

 

السبب السادس: مشاكل في القطاع المصرفي

Problems in the banking sector

 

تلعب المصارف دورا جوهريا في الأسواق المالية والنظام المالي ، ولولا وجودها لما كان هناك نظام مالي ، وهي في مركز يمكنها من إنتاج المعلومات information producing activities ، وهي المعلومات التي تسهل عملية توجيه التمويل إلى الاستثمار الإنتاجي، ولحالة ميزانية المصرف أثر هام على الإقراض المصرفي.

فإذا كانت المصارف تعاني من تدهور في ميزانيتها، وتعاني انكماشا في حجم عملياتها ونشاطها، وتدهور في حجم رأسمالها، فإن حجم الموارد المالية المتاحة لها وللإقراض سيكون ضئيلا، ومن ثم ينخفض حجم الإقراض المصرفي، وانكماش حجم الإقراض يفضي إلى انخفاض الإنفاق الاستثماري الإنتاجي ، والذي يفضي بدوره إلى انكماش حجم النشاط الاقتصادي.

وإذا كان التدهور في ميزانيات المصارف حادا بدرجة كبيرة، فإن المصارف ستفشل ، وينتشر الخوف من مصرف إلى أخر، مما يتسبب في إلحاق الضرر حتى بالمصارف السليمة، وينتج عن ذلك فشل مصرفي مضاعفmultiple banking failure ، وينتج عن ذلك ما يسمى الذعر المصرفي bank panics ومصدر العدوى مرة أخري سيكون المعلومات غير المتماثلة.

ففي الأزمات المصرفية ، فإن المودعين وخوفا على ودائعهم ، وفي غياب التأمين على الودائع ، لا يعرفون نوعية محفظة المصرف ولا مكوناتها ولا درجة المخاطر التي تقترن بها تلك المحفظة، ومن ثم يقومون بسحب ودائعهم إلى الحد الذي يفشل معه المصرف ، وفشل عدد كبير من المصارف في فترة قصيرة ، سيعني أنه سيوجد قصور حاد في إنتاج المعلومات في الأسواق المالية، وهذا يعني خسائر مباشرة في عملية الوساطة المالية التي يقوم بها القطاع المصرفي، ويترتب على نقص عرض الإقراض المصرفي أثناء الكوارث المالية إلى نقص عرض الأرصدة أمام المقترضين ، فترتفع أسعار الفائدة السوقية، وما يترتب عليها من أثار سبق الإشارة إليها في النقطة الخاصة بآثار ارتفاع أسعار الفائدة ، وهي آثار تفضي إلى انخفاض الإنفاق على الاستثمار الإنتاجي ومن ثم انكماش حجم النشاط الاقتصادي.

 

 

 

 

 

 

السبب السابع: إرخاء القيود التي تحد من الأصول

التي يقتنيها المصرف والأنشطة التي يدخل فيها

Deregulation and restrictions on assets and bank activities

 

من الطبيعي أن تكون هناك قيودا على ما يمكن للوسيط المالي ولاسيما المصارف أن تحوزه من أصول وما يمكن أن تمارسه من أنشطة،فالفرد أو المؤسسة قبل أن يضع أرصدته في أي مصرف يريد أن يتأكد أو يعرف أن أرصدته ستستخدم في أنشطة مأمونة، وأن البنك أو المؤسسة المالية ستكون قادرة على أن تفي بالتزاماتها في مواعيدها، واحد الطرق التي تدخل الأمان في نفوس المودعين هو تقييد دخول الوسيط المالي أو المصرف في أنشطة معينة ذات مخاطر عالية وتقييد حجم الأصول عالية المخاطر التي يمكن أن تدخل في محفظة أصول المصرف ، ولقد تمت صياغة القوانين لتنفيذ ذلك في جميع دول العالم تقريبا، فمثلا في الولايات المتحدة الأمريكية تمت إجازة قانون عام 1931م ، يفصل ويعزل بين المصارف التجارية وبين أنشطة صناعة الأوراق المالية securities industries ، بحيث لا يمكنها الدخول في مشروعات ذات مخاطر عالية risky ventures  مرتبطة بتلك الصناعة.

 

وأحد الطرق لتقييد الوسطاء الماليين (ولاسيما المصارف)من حيازة أصول ذات مخاطر عالية معينة ، هو تقييد تلك الحيازة بحيث لا تزيد عن نسبة معينة أكثر مما تقتضيه ظروف الحذر والحيطة.

فعلى سبيل المثال: فإن المصارف التجارية ومؤسسات الإيداع الأخرى لا يسمح لها بحيازة الأسهم العادية common stocks لأن أسعار الأسهم متقلبة وتعاني تقلبات كبيرة ، ولكن يسمح لشركات التأمين  بأن تستثمر جزء من موارد ها في حيازة الأسهم ، ولكن لا يمكن أن تزيد حيازاتها عن نسبة معينة من إجمال أصولها.

 

وكذلك صدر تشريع في الولايات المتحدة عام 1991م،يقيد ويحصر نشاط المصارف ويحدد نسبة ما تحوزه من الأصول الخطرة في محافظ أصولها، ويحظر عليها الدخول في سوق الأسهم ، ولكن هذا القانون الغي عام 1999م، ونفس الأمر حدث في معظم دول العالم، بعد انتشار التحرير المالي financial liberalization   ، وموجات العولمة globalization  ، وتبني معظم دول العالم لآلية السوق الحرة في إدارة الاقتصاد  ، وبالتالي دخلت المصارف كافة المجالات التي تتميز بدرجة مخاطر عالية دون حذر وبدأت تتنافس فيا بينها في جذب ودائع الأفراد والمؤسسات  غير المصرفية من الداخل والخارج على حد سواء ، وزاد انتشار المصارف والمؤسسات  المالية متعددة الجنسيات ولم تعد المصارف تقتنع بأساليب العمل القديمة، فدخلت في حيازة الأسهم ، وابتكرت أدوات مالية جديدة نتيجة التجديد المالي، وانتشرت ظاهرة المصارف الشاملةuniversal banks ، والتي تقوم بجميع الأنشطة المالية وتجميع الأرصدة المالية من جميع المصادر، وتمارس أنشطه تقترن بدرجة عالية من المخاطر،وزاد حجم ما تمارسه من أنشطة خارج الميزانية ولا تؤثر على عناصر الميزانية تأثيرا مباشر ، وأصبح من الصعب على هيئات الرقابة والإجراءات التنظيمية مراقبة تلك الأنشطة الخفية للمصارف والمصارف الشاملة، فلا عجب أن ينتشر الاحتيال والمقامرة والمراهنات والمضاربات وعمليات التوريق ، والممارسات المحاسبية في معالجة عناصر الإيرادات والتكاليف ومن ثم الأرباح بالصورة التي تخدم تحقيق أهداف رفع مكانة المديرين وطبقة الإدارة العليا، ورفع مكافأتها وعلاواتها، بغض النظر عن أهداف تعظيم ثروة الملاك وحاملي السهم ، وبغض النظر عن الأهداف القانونية التي تسعى المؤسسة المالية إلى تحقيقها، ولهذا فإن هيئات الرقابة على المؤسسات المالية وأسواق الأوراق المالية وجدت نفسها غير قادرة على اكتشاف كثير من أسليب الغش والخداع والأساليب المحاسبية في تسجيل الإيرادات والتكاليف ومستويات الأرباح غير الحقيقية ، إلا بعد أن وقعت الأزمة المالية لتكتشف مثلا أن برنارد مادوف قد سرق بالغش والخداع من الأفراد والمصارف مبلغ 50 مليار دولار فيا يسمي أكبر حادث نصب واحتيال وسرقة في التاريخ الاقتصادي لأسواق المال.    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السبب الثامن: الزيادة في درجة عدم اليقينincreases in uncertainty

 

يترتب على ارتفاع درجة عدم التأكد ودرجة عدم اليقين في الأسواق المالية حدوث فشل مالي كبير، لأنه في ظل عدم اليقين يصبح من الصعب على البنوك والمقرضين والمودعين فرز المخاطر الائتمانية الجيدة من المخاطر الائتمانية الرديئة ، مما قد يؤدي إلى توجيه الائتمان إلى مقترضين ذات مخاطر ائتمانية عالية، ومن ثم تتعرض المؤسسات المالية إلى درجة مرتفعة من المخاطر الائتمانية ، وبالتالي تتعرض إلى درجة مرتفعة من مخاطر عدم السداد default risk ، وهي سبب رئيسي للفشل المصرفي والمالي، وإذا حدث ذلك على نطاق كبير فقد تحدث أزمة مالية .

وهذا ما حدث في أزمة  قروض الرهن العقاري ، حيث ترتب على زيادة عدم اليقين أن  منحت المؤسسات المالية القروض العقارية إلى أفراد يتميزون بدرجة متدنية من الجدارة الائتمانية ومرتفعة من مخاطر عدم السداد، حيث لا يتوافر لدى غالبية المقترضين الضمان collateral الذي يمكن أن يغطي القرض أو جزءا منه في حالة توقف المدين عن السداد، ليس هذا فقط بل أن مؤسسات الرهن العقاري عندما قامت بتوريق القروض العقارية وبيع سندات التوريق إلى مؤسسات أخري فإنها ساهمت في نقل زيادة عدم اليقين منها إلى المؤسسات التي أشترت السندات المغطاة برهون عقارية ، مما ساهم في انتشار التأثير السلبي لزيادة عدم اليقين ، فمثلا بنك يو بي أس السويسري وهو أكبر بنك لإدارة الثروات الشخصية على مستوى العالم وثالث أكبر بنوك أوروبا أستثمر في تلك السندات بناءا على نصيحة قدمت له بدون تدقيق في درجة التأكد واليقين المرتبطة بهذا الاستثمار، والنتيجة انه عندما توقف مقترضي قروض الرهن العقاري الأمريكي عن السداد ، تبعت هذا التوقف سلسلة ضخمة من الخسائر لمختلف المؤسسات المالية العملاقة التي أقرضت في السوق الأولي لقروض الرهن العقاري أو التي أشترت سندات تلك القروض من السوق الثانوي ، واشتملت القائمة مؤسسات مالية كبري مثل CITIGROUOP و Meryl Lynch  و يو بى أس السويسري والصناديق السيادية للاستثمار وصناديق الاستثمار الوطنية، وغيرها على نحو ما ذكرنا في أعراض الأزمة فيما سبق.

كما أن زيادة درجة عدم اليقين تقترن بزيادة عدد الأنشطة المضاربية والرهان والمقامرة والاحتيال وامكانية الغش في الأساليب المحاسبية التي تتبع في معالجة مختلف عناصر الإيرادات والتكاليف ، بحيث يمكن معالجة الأرباح مرة بتضخيم حجم الأرباح لتدعيم مكانة الهيئة الإدارية وزيادة مكافآتها ومرتباتها ، وبعث إشارات خاطئة لأسواق الأسهم التي تتداول فيها أسهم المؤسسات ، ومرة بإظهار قوائم مالية تحتوي على أرباح أقل للأغراض الضريبية، كل ذلك يتم تحت اسم أنيق يسمى الهندسة المالية financial engineering ، وساعد على ذلك أن التطور التكنولوجي للكمبيوتر جعل من الممكن إمكانية تفصيل القوائم المحاسبية وفقا لتفضيلات ورغبات متخذي قرارات المؤسسة وأهدافهم، ولا مانع بعد ذلك من الإفصاح والشفافية في ظل هذه المعلومات والبيانات الخاطئة، والتي هي بيانات أنيقة المظهر والشكل خبيثة الهدف، وهي تظهر تحت مظهر براق وهو الإفصاح والشفافية ، فتبدو رغم قبحها الحقيقي جميلة المنظر والمظهر ، كما هو الحال في وصف مقاومة المحتل بالإرهاب،فمقاومة المحتل هدف مشروع في كل القوانين والشرائع، ولكن يطلق عليه أسم خبيث للتنفير منه وهو الإرهاب ، ثم في ظل عدم اليقين والتضليل المتعمد ونقص المعرفة والمعلومات والاستخدام المكثف لوسائل التضليل(الإعلام) والخداع المزورة يتم إدانته من الدول المختلفة وقطع المسعدات عن ضحية التزوير والخداع .

فلا عجب في ظل تلك البيئة التي تسود الدول المتقدمة ، والتي يسودها عدم اليقين المقترن بتوافر نية الغش والخداع والتضليل المحاسبي المنطوي تحت الهندسة المالية أن يتم استثمار مبالغ مالية ضخمة من قبل الدول صاحبة الفائض المالي والصناديق السيادية (الصين وسنغافورة والأرجنتين ودول الخليج ومؤسسات مالية من سويسرا والمانيا وغيرها)، وتتحمل تلك المؤسسات خسائر  مالية ضخمة نتيجة التزييف الخادع المتعمد والمخفي تحت ستار التحرير المالي والهندسة المالية والعولمة المالية ولاسيما عولمة أسواق المال وحرية رؤوس الأموال للتنقل بحرية ولكن إلى الأسوق الأمريكية بصفة أساسية وأسواق الدول المتقدمة إلى حد ما ولكن ليس إلى أسواق الدول النامية سوي للبحث عن النفط والمواد الخام رخيصة الثمن وسوي للاستثمار قصير الأجل ولدافع الربح قصير الأجل الناجم المضاربة على أسعار العملات الوطنية وأسعار الأسهم ،فيقوم المستثمر الأجنبي بالشراء ويترتب على دخوله موجات صعودية للأسعار حتى إذا ما ارتفعت الأسعار فعلا قام بالبيع وجني الأرباح، ويصفي استثماراته بسرعة بالبيع، ويحول رأس المال والأرباح إلى الخارج ، ويخلق درجة مرتفعة من عدم اليقين بدخوله وخروجه من السوق مستغلا المناخ الذي يتيح له الدخول والخروج  بحرية وفي كل مرة يجني الأرباح ويهرب بها، دون أن يستفيد منه الاقتصاد المحلى سوي الخسارة من وراء تحويل تلك الأرباح الضخمة إلى الخارج وسوي زيادة درجة عدم اليقين ، ونشر صورة من صور عدم الاستقرار الاقتصادي لتقلب أسعار العملات وأسعار الأسهم في أسواق الأوراق المالية الوطنية دون أسباب اقتصادية حقيقية ، وكل ذلك يتم باسم الحرية الاقتصادية وحرية السوق والاقتصاد الحر والتحرير المالي، مع أن كل تلك المسميات لها ضوابط وقيود بأن تعمل وفقا لمصلح المجتمع التي تقدم على المصلحة الفردية   .       

 

 

 

 

 

 

 

 

السبب التاسع :البنك كبير بحيث لا يجب أن يفشل  Big To Fail Too

الاعتقاد الأساسي هو أن:

"فشل مصرف كبير يترتب عليه حدوث دمار مالي واسع النطاق ، وينقل العدوي إلى المصارف الصغرى"

ولهذا يجب منع انهيار أو فشل مصرف كبير، ولذلك فإن واضعي الإجراءات التنظيمية المصرفية والتي تنظم عمل المصارف يترددون في السماح لمصرف كبير في أن يفشل، وأن يسبب خسائر كبيرة للمودعين، فمثلا مصرف Continental Illinois  ، وهو أحد أضخم عشر مصارف في الولايات المتحدة أصبح معسرا ماليا في مايو 1984م فقامت مؤسسة التامين على الودائع بما يلي:

1-    ضمنت الودائع حتى 100000دولار بالكامل.

2-    ضمنت الحسابات التي تزيد عن 100000 دولار ومنعت الخسائر عن حاملي سندات البنك.

وذلك حتى لا يفشل بنك كبير مثل   Continental Illinois  ، كما تم إنقاذ Franklin National Bank ، وهو من أضخم 20 بنك في الولايات المتحدة، وقد سبق عرض حالة البنكين في أعراض الأزمة ، ولن نكرر ما سبق عرضة عن البنكين، ولكن تصرف الاحتياطي الفيدرالي ومؤسسة التأمين على الودائع كانا ناجحين في منع الفشل المصرفي من أن يمتد إلى أي بنك أخر، وتم تجنب الذعر المالي.

ولكن بعد فترة قصيرة فإن لجنة رقابة العملةthe Comptroller of the currency، وهي اللجنة التي تراقب البنوك الوطنية، استجوبت مؤسسة التامين على الودائع بخصوص سياستها المتعلقة بالبنوك الكبيرة وهي سياسة Too Big To Fail، بحيث أنها تتكفل بتلك المصارف الكبيرة بحيث لا المودع ولا دائني البنك الآخرين يتحملون شيئا من الخسارة التي يتكبدها المصرف الكبير، مما قد يعطي أشارت خاطئة للمصرف الكبير بأن يدخل في أنشطة عالية المخاطر مما قد يعرضه لمخاطر الفشل مرات أخرى ويساهم بالتالي في حدوث الأزمات المالية بدلا من المساعدة في حلها  .

ولكن المشكلة هي أن سياسة Too Big To Fail قد امتدت إلى مصارف أخرى لا تعد كبيرة ، ولا يمكن تصنيفها صمن المصارف الكبيرة.

ويلاحظ أن سياسة Too Big To Fail   ، مضللة نوعا ما ، لأن البنك عندما يتم إنقاذه ويندمج مع بنك أخر أو يغلق ، فإن المديرين يفصلون عادة ، ويخسر حاملي الأسهم معظم استثماراتهم ، ولهذا فإن تلك السياسة هي من أسباب الأزمة الحالية، لأن المصارف الكبيرة مثلCITIGROUP أو Meryl Lynch أوGoldman Sachs يبدو أنها اعتمدت  على كبر حجمها ووجود يد ستمتد إليها تنقذها ، ودخلت في أنشطة عالية المخاطر ومنها الاستثمار في سندات الرهن العقاري الأمريكي ، مما أدى إلى تكبدها خسائر ضخمة وتناقص كبير في أرباحها، ووجدنا الرئيس التنفيذي لمؤسسة Meryl Lynch يتجه إلى دول الخليج يكيل المديح لها وأنها منطقة واعدة ، والغرض من هذا المديح هو الحصول على موافقة تلك الدول لتدعيم رأسمال المؤسسة ، ويبدو أن بعض تلك المؤسسات تحصل على أرصدة تمويلية من فوائض البترول العربية لتدعيم رأسمالها، لأن الكارثة المالية لم تدع لمؤسسة التأمين على الودائع ولم تدع للاحتياطي الفيدرالي أي أرصدة زائدة للمساعدة، لأن الكل يغرق في الأزمة، فيمكن مساعدة مصرف واحد يغرق ، أما إن جميع  المصارف الكبيرة تغرق في الأزمة نتيجة أن الجميع سواء في إتباع أساليب الاحتيال والغش والخداع وإخفاء الحقائق وعدم الشفافية واستخدام أساليب محاسبية غير صادقة،  والتخفي وراء أناقة الهندسة المالية ،وابتكار المشتقات المالية المستقبلية futures derivatives التي هي عبارة عن أدوات مالية ولكن في الخداع والغش بدون ثروة حقيقية تستند إليها  ، فالاحتياطي الفيدرالي باللغة الدراجة سيقول بينه وبين نفسه " أأساعد من أو من إذا كنت أنا نفسي احتاج إلى من يساعدني"

الفصل الخامس

 دور المصرف المركزي أثناء الأزمة والحلول الأخرى المقترحة

يعتبر المصرف المركزي في أي نظام نقدي لأي دولة هو الملجأ الأخير للإقراض the lender of the last resort أثناء الأزمات المالية ، وذلك من خلال تقديم قروض مخصومة إلى البنوك والمؤسسات المالية الأخرى العاملة سوق المال وسوق الأوراق المالية لتجنب الذعر المالي financial panics أثناء الأزمات المالية.

والقروض المخصومة هي قروض تقدم بحيث تكون قيمة القرض المقدم أقل من قيمته الاسمية ، والفرق بين قيمة القرض الفعلي والقيمة الاسمية هو قيمة الفائدة على تلك القروض.

ففي الولايات المتحدة ، عندما أنشئ الاتحادي الفيدرالي(البنك المركزي الأمريكي) كانت أهم وظائفه هو القيام بدور الملجأ الأخير للإقراض، وذلك لمنع وقوع الفشل المصرفي bank frailer،ومحاولة ومنع الأزمات المالية من الخروج عن نطاق السيطرة ، ويتم ذلك بأن يقدم البنك المركزي قروضا إلى البنوك، تلك القروض تمثل احتياطيات إضافية لتلك البنوك عندما لا توجد مؤسسات مالية أخري تقوم بتقديم تلك الاحتياطيات ،مما يمنع الذعر المالي.

وتعتبر عملية تقديم قروض مخصومة فعالة في تقديم احتياطيات إلى وحدات الجهاز المصرفي ، بالتحديد البنوك ، أثناء الكوارث المصرفيةbank crises ، لأن تلك الاحتياطيات تضخ مباشرة إلى المصارف التي تكون في أشد الحاجة إليها.

كما أن استخدام تقديم قروض مخصومة لتجنب الذعر المالي تعتبر من أكثر الأمور حيوية في صياغة السياسة النقدية السليمة لأي بلد ، ففي فترة الأزمة العالمية الكبرى (1930-1933)م، كان السبب الرئيسي للانخفاض الحاد في العرض النقدي،هو الذعر المالي والمصرفي ، حيث حدث أكبر انخفاض في العرض النقدي في التاريخ الأمريكي ، والذي يرى كثير من الاقتصاديين ، أن النقص في العرض النقدي كان القوة المحركة التي وقفت خلف الانهيار الاقتصادي الذي حدث أثناء الكساد العالمي الكبير، فالذعر المالي يمكن أن يدمر الاقتصاد بدرجة شديدة الخطورة ، كما هو الحال في الأزمة المالية الحالية، لأن الذعر المالي يتداخل في عمل الوسطاء الماليين (البنوك وشركات التأمين وشركات الاستثمار والوساطة والسمسرة..........الخ)، وكذلك عمل الأسواق المالية (أسواق النقد وأسواق رأس المال سواء الأسواق الأولية أو الأسواق الثانوية ) ، ليس هذا فقط بل ويلغي دور هذه الأسواق والمؤسسات في تحريك وتحويل الأرصدة المالية من الأفراد والمؤسسات التي لديها الفائض المالي إلى الأفراد والمؤسسات الذين لديهم عجز مالي ، وإلى الذين لديهم فرص للاستثمار الحقيقي.

ولسوء الحظ لم تستخدم نافذة الخصم من قبل البنك المركزي أثناء الكساد العالمي الكبير لمنع الذعر المالي والتي أدت إلى حالات الإفلاس الكاسحة والفشل المصرفي واسع النطاق ، ومن هنا فإن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يبدو أنه تعلم من أخطائه السابقة عن تلك الفترة ، ويقوم بدور الملجأ الأخير للإقراض في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية، وقد سبق أن أشرنا إلى مثالين لاستخدام سلاح الخصم في تقديم قروض مخصومة لمنع الفشل المصرفي كما حدث مع مصرف Franklin National Bank وكذلك إلى مصرف Illinois Continental ، واستخدام تلك القروض المخصومة لمنع الكارثة المالية كما حدث في كارثة يوم الاثنين الأسود لمنع انهيار سوق السهم (19 أكتوبر 1987م) ، حيث اتفق كلا من Allan Greenspan رئيس الاحتياطي الفيدرالي و Gerald Corrigan رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك عن استعدادهم لتقديم السيولة المطلوبة لتدعيم النظام المالي وإلى صناعة الأوراق المالية ، ونتيجة هذا التصرف السريع من الاتحادي الفيدرالي تم تجنب الكارثة المالية ، وصعد الرقم القياسي Dew Jones في اليوم التالي أكثر من 100 نقطة.

وقد يقال أن وجود الشركة الاتحادية للتأمين على الودائع FDIC والتي تضمن للمودعين في المصارف المشتركة في نظام التأمين على الودائع حتى حد أقصى 100000دولار لكل حساب،مما يحد من دور الاحتياطي الفيدرالي كملجأ أخير للإقراض، ولكن هذا الزعم غير صحيح لسببين:

السبب الأول: أن التأمين على الودائع لا يغطي سوى 1% من مقدار الودائع التي تصدرها المصارف ، فإذا فشل عدد كبير من البنوك ، فإن مؤسسة التأمين على الودائع لن تكون قادرة على تغطية خسائر كل المودعين ، وهذا صحيح إذ أن فشل عدد كبير من المصارف في ثمانينات القرن الماضي وأوائل التسعينات أفضى إلى خسائر كبيرة لمؤسسة التأمين على الودائع، وترتب عليه نقص ضخم في أرصدتها التأمينية المتاحة ، ومن ثم انخفضت قدرتها على تغطية خسائر المودعين ، وهذه الحقيقة لم تضعف ثقة المودعين في النظام المصرفي لأن الاحتياطي الفيدرالي كان يقف خلف مؤسسة التامين على الودائع وخلف المصارف مستعدا لتقديم أية احتياطيات مطلوبة لمنع الكوارث والذعر المصرفي.

السبب الثاني: أن ما يزيد عن 500 بليون من الودائع من الفئات الكبيرة في النظام المصرفي ليست مغطاة تأمينيا من مؤسسة التامين على الودائع، لأن كل وديعة تزيد منها  تزيد عن 100000 دولار وبالطبع زاد الحد الأقصى للتأمين على الودائع حاليا إلى 250000دولار، وفقد الثقة في النظام المالي والمصرفي يمكن أن يفضي إلى استنفاد الودائع الكبيرة من المصارف، نتيجة الذعر المصرفي ، ومن ثم يحدث الذعر المالي رغم وجود مؤسسة التامين على الودائع، مما يزيد من أهمية دور البنك المركزي كملجأ أخير للإقراض اليوم بسبب العدد الكبير من البنوك التي تفشل وتتعرض للإفلاس.

كما أن البنك المركزي يلعب دور الملجأ الأخير للإقراض لمنع الكوارث المالية غير المرتبطة بالفشل المصرفي، كما حدث أثناء يوم الاثنين الأسود 19 أكتوبر 1987م حيث حدث انهيار سوق الأسهم فقام البنك المركزي بتقديم السيولة لشركات الأوراق المالية وشركات السمسرة وغيرها من مؤسسات سوق الأوراق المالية، مما جعل تلك المؤسسات تستمر في عملها.

وفي الأزمة الحالية عندما عانت مجموعة التامين الأمريكية العملاقة The American International Group والتي تعرف اختصارا باسم AIG، من أزمة سيولة وتدنى تصنيفها المالي، وفقدت 95% من قيمة أسهمها بحيث انخفض سعر السهم من 70.13 دولار إلى 1.75 دولار، وتكبدت خسائر ضخمة أشرنا إليها عند عرض أعراض الأزمة، سارع الاحتياطي الفيدرالي فقدم لها 85 مليار دولار على شكل قروض مقابل تملك حصة فيها تبلغ 79.9% ومع استمرار خسائر الشركة وصل ما قدمه الاحتياطي الفيدرالي إلى 150 مليار دولار ، حيث استحوذت عليها الحكومة الأمريكية بنسبة 80%.

كما قام الاحتياطي الفيدرالي بمساعدة صناديق الاستثمار الأمريكية من خلال شراء ما قيمته 540 مليار دولار من الديون قصيرة الأجل لتلك الصناديق عندما واجهت صعوبات في بيع أصولها في السوق حتى يمكن أن توفي بالتزاماتها وتسدد ديونها.

كما قام الاحتياطي الفيدرالي ، ضمن خطة وزير الخزانة هنري بولسون بتقديم دعم لمؤسستي الرهن العقاري العملاقتان وهما Freddie Mac و Fannie Mae حتى تتمكنان من إعادة تمويل قروض الرهن العقاري واستمرار شكلهما الحالي ، وبما يحافظ على أكبر درجة من استقرار السوق المالي، وقد عرضنا لهذه الخطة في الجزء الخاص بالرهن العقاري في الفصل الخاص بأعراض الأزمة.

ويشرف البنك المركزي على عملية تصفية وإفلاس المصارف ، ففي أثناء الأزمة المالية الحالية ، عندما أفلس مصرف بيرستيرنز في مارس 2008م، أشرف الاحتياطي الأمريكي على صفقة شراء المصرف من قبل مصرف جي بي مورجان.

كما أن البنك المركزي له سلطات مراقبة هيئات الأشراف  التي تراقب عمل المصارف وتقوم بإغلاق المصارف التي توشك على الإفلاس نتيجة قيامها بالاستثمار في أصول عالية المخاطر ، ففي شهر يوليو 2008م أغلقت سلطات مراقبة المصارف الأمريكية بنك فيرست أوف نيفادا بفروعه الخمس والعشرين وأغلقت أيضا بنك فيرست هيرتيج بفروعه الثلاثة ،وتم بيع أصول المصرفين تحت إشراف الاحتياطي الفيدرالي إلى بنك أوماها ، وبلغت قيمة أصولهما  3.6 مليار دولار بنهاية يونيو 2008م، وكانت قيمتها قبل ذلك بستة أشهر(في بداية العام) حوالي 4.1 مليار دولار.

تلك بعض الأمثلة للدور الذي لعبه الاحتياطي الفيدرالي أثناء الأزمة المالية الحالية.    

 

 

 

 

 

 

 

محاذير مرتبطة بدور البنك المركزي كملجأ أخير لإقراض:

بالرغم من أن دور البنك المركزي كملجأ أخير للإقراض نافع في منع أو الحد من شدة الأزمات المصرفية ، إلا أن هذا الدور له تكلفة ، فإذا كانت البنوك تتوقع أن البنك المركزي سينقذها ويقدم لها قروضا مخصومة كما حدث في بعض الحالات أثناء الأزمة الحالية، وكما حدث مع Franklin National Bank  ومع Illinois Continental في الولايات المتحدة ، فقد تزيد رغبتها في القيام بأنشطة تقترن بدرجة عالية من المخاطر ، بكونها تعلم أنها لوقعت في أزمة سيأتي البنك المركزي لينقذها ، ولهذا فإن دور البنك المركزي كملجأ أخير للإقراض سيرسل إلى البنوك اشارات خطأ ، وسيخلق مشكلة المخاطر المعنوية، مماثلة لتلك التي يخلقها التأمين على الودائع ، فالمصارف تتحمل مخاطر عالية وتعرف أن مؤسسة التأمين على الودائع ستدفع الحد الأقصى على الودائع إذا وقعت في أزمة ، وبالتالي يتحمل دافعي الضرائب (أو ميزانية الدولة)مزيد من الخسائر.

ومشكلة المخاطر المعنوية تعتبر أشد بالنسبة للبنوك الكبيرة، والتي تعتقد أن كلا من البنك المركزي ومؤسسة التأمين على الودائع، ينظران إليها باعتبارها بنوكا كبيرة، أي هي من الكبر بحيث لا يجب أن تفشل Too Big To Fail  ، بمعنى أن حصولها على قروض من المصرف المركزي يكاد يكون مضمونا ، لتجنب إفلاسها ، وما يترتب على هذا لإفلاس من انتشار العدوى إلى البنوك الأصغر ، وهو ما يساهم في انتشار الفشل المصرفي واسع النطاق، ويزيد لهيب الأزمة المالية.

وبنفس المنطق فإن تصرف المصرف المركزي لمنع الكارثة المالية ن كما حدث بعد الانهيار الكبير لسوق السهم يوم الاثنين 19 أكتوبر 1987م ، قد يشجع المؤسسات المالية غير المصرفية (التي لا تتخذ شكل البنوك) على تحمل مزيدا من المخاطر والدخول في استثمارات عالية المخاطر ، متوقعة أن ينقذها المصرف المركزي من خلال تقديم قروض مخصومة إذا وقعت في أزمة، وذلك إذا كانت نافذة الخصم مفتوحة وتستخدم لمنع الكوارث المالية.

ولهذا فإن المصرف المركزي عندما يستخدم نافذة القروض المخصومة لمنع الكوارث المالية والمصرفية، عليه أن يقوم بعملية موازنة Trade offبين تكلفة المخاطر المعنوية الناجمة عن دوره كملجأ أخير للإقراض  وبين المنافع الناجمة عن منع الكوارث المالية ، وتلك الموازنة تفسر لماذا يجب أن يكون المصرف المركزي متيقظا وشديد الحرص والحذر بحيث لا يؤدي دوره كملجأ أخير للإقراض مرارا وتكرارا ، ولا يستخدم هذا الدور إلا مرت قليلة ، حتى لا تتعود على ذلك الوحدات المالية المصرفية وغير المصرفية، فتتمادى وتدخل في أنشطة تقترن بدرجة عالية من المخاطر. 

إنشاء صناديق للحد من أزمة الائتمان:

اتفقت عدة بنوك وعلى رأسها CITIGROUP  فيما بينها على أن تنشئ صندوق يبلغ رأسماله 80 مليون دولار بغرض شراء الأوراق المالية المتعثرة والمضمونة برهون عقارية ، ولشراء أصول أخرى قد تكون متعثرة ن وذلك للحد من تأثير أثار أزمة الائتمان . 

وقد رتب ممثلون من وزارة الخزانة الأمريكية محادثات بين البنوك الكبرى مع تزايد القلق بين المؤسسات المالية من أن إنشاء نوعا من الصناديق (صناديق استثمار) مرتبطة بالمصارف قد يترتب عليه أضرار منها مثلا قيام تلك الصناديق بإلقاء قروض رديئة معاد ترتيبها (بعد أن كانت شبه معدومة ) في الأسواق المالية.

ويمكن أن يترتب على بيع القروض بأسعار سوقية رخيصة أن يرفع تكاليف الاقتراض(فمن المعلوم وجود علاقة عكسية بين أسعار السندات السوقية وأسعار الفائدة السوقية)، وهذا قد يترتب عليه خسائر كبيرة للمستثمرين ، ويجبر المصارف على شطب المزيد من أصولها من موازنتها ، إذا استثمرت في تلك القروض الرديئة، كما يمكن أن تسبب خسائر كبيرة للبنوك ، لأنها ستزيد عرض الأصول ، مما يخفض أسعارها.

وهذا الصندوق المقترح هو احد محاولات حل أزمة الائتمان العالمية ، بعد أن مرت ثلاث أعوام من الائتمان السهل (سهل الشروط) والذي ترتب عليه حدوث عمليات إقراض عقاري كبير في الولايات المتحدة وإلى مقترضين جدارتهم الائتمانية منخفضة ، كما تسبب هذا الائتمان السهل الشروط في عقد صفقات غير مسبوقة للشراء بأموال مقترضة.

وتشارك في المناقشات مع وزارة الخزانة مصارف مثل سيتي جروب CITIGROUP وجي بي مورجان  GB Morganوتشيس أندكو وبنك أوف أميركا BANK OF AMERICA مع وزارة الخزانة الأمريكية ، ولكن وزارة الخزانة لا تنوي استخدام أموال دافعي الضرائب في هذا النوع من الصناديق.

 

المبحث السادس : التنظيم والرقابة الحكومية على الأسواق والمؤسسات المالية

يعتبر النظام المالي من أكثر القطاعات الاقتصادية في المجتمع خضوعا للإجراءات التنظيمية regulations وكذلك خضوعا للرقابة الحكومية ،  ويرجع ذلك إلى أن تلك الرقابة لها ثلاثة أهداف :

الهدف الأول : زيادة المعلومات والمعرفة المتاحة للمستثمرين الماليين:

عرفنا أنه يترتب على المعلومات غير المتماثلة في الأسواق المالية تعرض المستثمرين الماليين لنوعين من المخاطر : أثر الاختيار العكسي وأثر المخاطر المعنوية، ولن نعيد ما سبق ذكره ،ولكن  ما نضيفه هنا أن هذه المخاطر تعوق الأداء الكفء للأسواق المالية فالمؤسسات التي تتميز بالمخاطر العالية تتميز أيضا بالاحتيال  الكامل outright crooks وهي الأكثر شغفا وميلا لبيع أوراق مالية إلى المستثمرين الذين ينقصهم الوعي المالي، في نفس الوقت فإن اثر الاختيار العكسي قد يبقي على مستثمرين خارج الأسواق المالية ، وبمجرد أن يشتري مستثمر ورقة مالية معينة فإنة يقرض نقوده إلى الشركة مصدرة هذه الورقة، فالمقترض لديه حافز في أن يدخل في أنشطة خطرة أو يرتكب تصرفا ينطوي على غش متعمد، ولهذا فإن المخاطر المعنوية قد تبقي المستثمر الجاد بعيدا عن الأسواق المالية.

وهدف التنظيم والرقابة الحكومية هو تخفيض المشاكل المترتبة على أثار الاختيار العكسي والمخاطر المعنوية في الأسواق المالية ، وزيادة كفاءتها، من خلال زيادة كميات المعلومات التي تتدفق وتتاح إلى المستثمرين.

ولقد كشف انهيار أسواق الأوراق المالية عام 1929م عن انتشار النصب والاحتيال بعد حدوث الصدمة ، فزادت المطالبة بفرض الرقابة والتنظيم الحكومي ، ووصلت ذروتها وتجسدت في قانون الأوراق المالية وفي إنشاء لجنة البورصة والأوراق المالية Securities and Exchange Commission واختصارا SEC ، والتي تطلب من الشركات المصدرة للأوراق المالية إباحة ونشر معلومات معينة عن مبيعاتها وحجم أصولها وإيراداتها للجمهور وتقييد تداول الأسهم من قبل حائزي الأسهم الكبار والمعروفين باسم التجار الداخليين Insider في الشركة، والذي قد يعمل على التأثير على أسعار الأسهم في الاتجاه الذي يرغب فيه ، أو يستفيد من تقلب الأسعار من خلال معرفته لمعلومات غير متاحة للآخرين، فمن خلال الضوابط التي تضعها لجنة البورصة يصبح المستثمر المالي في وضع أفضل معلوماتيا، ويتم حمايته من بعض أشكال الحيل والخداع التي تحدث في الأسواق المالية والتي حدثت قبل عام 1933م ، ومما يؤسف له تقاعس لجنة البورصة في اكتشاف حيل Bernard Maddof  ، الذي مارس النصب والخداع على مصارف كبري ومؤسسات خيرية وأفراد أثرياء وبلغ ما حصله 50 مليار دولار، وكان يقوم بتوزيع عائد للمستثمرين القدامى من المبالغ الجديدة التي يتلقاها من المستثمرين الجدد، ولم تكتشفه لجنة الرقابة والإشراف على البورصة رغم تلقيها تحذيرات عام 1991م بأن عمل مادوف ينطوي على الخداع والنصب من قبل منافسين له ، إلا أن لجنة البورصة كانت تقرر انه لم تثبت عليه دلائل اتهام، حتى وقعت الأزمة الحالية  فطالبه المستثمرين القدامى بأرصدتهم ، وتم اكتشاف الحقيقية المرة وهي أنه كان يأخذ من المستثمر الجديد ليوزع العائد على القديم ، وأنه ليس لدية أية أرصدة ، فتم القبض عليه وأعترف بالنصب والاحتيال وقدم للمحاكمة، ومن ضحاياه مصرف سانتاندير الأسباني الذي قرر أن خسائره المحتملة من وراء نصب مادوف هي 2.23 مليار دولار وبنك فورتس الهولندي الذي قد تصل خسائره إلى مليار يورو وبنك اتش اس بي سي قد تصل خسائره إلى مليار دولار وغيرها كثير من المؤسسات ، وقد بدأت تصفية مؤسسة مادوف. وقد ألقى مدير عام صندوق النقد الدولي دومنيك ستروس اللوم على سلطات الرقابة والإشراف الأمريكية قائلا أن وجود اللصوص لا يشكل مفاجأة ولكن السؤال ماذا تفعل الشرطة؟ ويقصد سلطات الإشراف والرقابة على الأسواق المالية الأمريكية.

وفي نفس السياق ، ولمكافحة الاحتيال في نشاط شركات التأمين والمهن الحرة، أوردت صحيفة الاقتصادية السعودية (20/12/2008م)، أن مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي السعودي)ستبدأ اعتبارا من 6من المحرم 1430هـ في تطبيق لائحة المتطلبات  الرقابية والإشرافية لمكافحة الاحتيال في شركات التامين وشركات المهن الحرة في المملكة العربية السعودي’ وتشتمل تلك اللائحة على المبادئ العامة والحد الأدنى من المعايير التي تلتزم بها شركات التأمين وإعادة التأمين بما فيها فروع الشركات الأجنبية وشركات المهن الحرة بهدف منع  الاحتيال ، وأوجبت المؤسسة على الشركات تبادل المعلومات التي تملكها عن عمليات الاحتيال ،وتصميم خطط مكافحة الاحتيال.

هذا يوضح لنا أهمية عمل مؤسسات التنظيم والرقابة المالية بكفاءة وحياد ونزاهة.      

الهدف الثاني: كفالة متانة وقوة الوسطاء الماليين:

قد تفضي المعلومات غير المتماثلة إلى انهيار واسع النطاق للوسطاء الماليين ، وهو ما يعرف بالذعر المالي، ونظرا لأن مقدمي الأرصدة المالية إلى الوسطاء الماليين قد لا يكونون في مركز يمكنهم من فرز المؤسسات المالية السليمة من الرديئة  فقد يقررون عدم وضع أرصدتهم سواء في المؤسسات السليمة والرديئة على حد سواء ، مما يسبب خسائر ضخمة لكل من الجمهور والوسطاء الماليين وللاقتصاد ككل، ولكي يتم حماية الجمهور والاقتصاد من الأزمات المالية ، فإن سلطات الإشراف والرقابة على الأسواق المالية تضع  عدة قيود على عمل الوسطاء الماليين تتمثل في :

النوع الأول : قيود على الدخول:

فاللجان المصرفية والتامين تضع قيودا صارمة وتنظيمات محكمة  على من يسمح له ببناء مؤسسة مالية وسيطة، مثل البنك أو شركة تأمين ، فيجب أن يحصل على ترخيص من الحكومة سواء حكومة محلية أو مركزية، وألا يكون من الذين ارتكبوا جريمة مخلة بالشرف، وأن يتميز بالصدق والاستقامة .

 

 

النوع الثاني: الشفافية والإفصاح:

هناك متطلبات معينة يحب توافرها في التقارير المالية والمحاسبية التي يجب أن يتبعها الوسطاء الماليون في رصد البيانات في دفاترهم ، وتخضع الدفاتر للفحص الدوري، ويجب على الوسطاء الماليين جعل معلومات معينة متاحة للجمهور.

النوع الثالث: قيود على الأصول والأنشطة :

هناك قيود على ما يسمح للوسطاء الماليين بعملة وقيود على الأصول الممكن حيازتها، لأن الفرد قبل أن يضع أرصدته في بنك أي مؤسسة مالية أخرى يريد أن يتأكد أن أرصدته ستكون آمنة وأن البنك سيكون قادرا على أن يفي بالتزاماته إليه ، واحد طرق تحقيقي ذلك هو تقييد دخول الوسيط المالي في أنشطة تقترن بدرجة عالية من المخاطر، ولقد تم إصدار تشريع في الولايات المتحدة عام 1933م  (الغي عام 1999م) يعزل ويفصل المصارف عن صناعة الأوراق المالية ، بحيث لا يمكنها الدخول في مشروعات خطرة مرتبطة بهذا الصناعة.

وكذلك عدم السماح للوسطاء الماليين بحيازة سوى نسبة صغيرة من الأصول الخطرة أكثر مما تقتضيه اعتبارات الحذر والحيطة، فلا يسمح لمؤسسات الإيداع جميعا بحيازة الأسهم العادية ، لأن أسعار الأسهم تقاسي تقلبات عنيفة، ولكن يسمح لشركات التامين بحيازة نسبة معينة من إجمالي أصولها في الأسهم.

النوع الرابع: قيود على المنافسة :

يعلن السياسيون أن المنافسة الشديدة بين الوسطاء الماليين تدفع إلى أنواع عديدة من الفشل الذي يضر بالجمهور غير المصرفي، ولكن الدليل على هذا الزعم ضعيف، ولكن هذا لم يوقف الحكومات من فرض قيود رقابية شديدة على  فتح فروع جديدة .

النوع الخامس من القيود: قيود على سعر الفائدة:

يتم منع المنافسة من خلال تنظيم رقابي يفرض قيودا على أسعار الفائدة التي يمكن أن تدفع على الودائع،  ولفترات طويلة كانت البنوك ممنوعة من دفع فوائد على الحسابات الشيكية(الجارية أو الودائع تحت الطلب)، بالإضافة إلى ذلك كان هناك حد أقصي على معدل الفوائد التي يمكن أن تدفع على الودائع الادخارية، تلك القيود فرضت اعتقادا أن المنافسة على دفع أسعار فائدة بين البنوك وأسعار الفائدة غير المقيدة تفضي إلى الفشل المصرفي وأدت على الفشل المصرفي أثناء الكساد العالمي الكبير، ولكن الأدلة التي تم التوصل إليها مؤخرا لا تؤيد هذا الاعتقاد ، ولهذا فإن بعض الدول ومن بينها الولايات المتحدة ألغت القيود على أسعار الفائدة ، وقامت دول كثيرة بتحرير أسعار الفائدة من القيود ، ولكن من الواضح مستويات أسعار الفائدة مازال البنك المركزي هو الذي يحدد مستوياتها بحيث تتحرك أسعار الفائدة داخل نطاقات معينة.

 

الهدف الثاني : تحسين الرقابة على السياسة النقدية:

من المعلوم أن البنوك تلعب دورا هاما في تحديد العرض النقدي، والذي يؤثر على كل مجالات النشاط الاقتصادي، ولذلك فإن كثير من الإجراءات التنظيمية يقصد من ورائها تحسين الرقابة على العرض النقدي.

وأحد الأمثلة على ذلك هو متطلبات الاحتياطي القانوني، حيث تلتزم كل مؤسسة إيداع بالاحتفاظ بنسبة معينة من ودائعها في حسابات يحتفظ بها البنك المركزي، وكذلك كنقد في خزينة المصرف ، وتساعد الاحتياطيات القانونية البنك المركزي في ممارسة السياسة النقدية والرقابة على العرض النقدي.

ويلعب التأمين على الودائع نفس الدور فهو يعطي المودعين الثقة في النظام المصرفي ويمنع الفشل المصرفي ، ومن ثم يحد من التقلبات العنيفة والتي لا يمكن السيطرة عليها في العرض النقدي

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع

1-    د. أحمد مهدي بلوافي "أزمة عقار.. أم أزمة نظام؟"محاضرة ألقيت في مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي ،جامعة الملك عبد العزيز، جدة : 2008

2-     د. سامي سويلم " الموقف الشرعي من الأزمة المالية" محاضرة ألقيت  في ملتقي المشايخ والدعاة بمكة المكرمة ، الجمعة 23/11/1429هـ.

3-    د. محمد حسن الزهراني  " الأزمة المالية وأثارها على اقتصاد المملكة وسوق الأسهم" محاضرة ألقيت في الغرفة التجارية بمدينة الطائف  11/11/1429هـ

4-Colin Mayer, " Financial system ,Corporate Finance, and Economic Development" in Asymmetric Information , Corporate Finance, and Investment, ed., R. Hubbard( Chicago : Chicago University Press: 1990) pp. 307-332.

5-Frederic Mishkin" The Economics of Money, Banking, and Financial Markets" 6th., edit., ( New York: Addison Wesley :2003)PP.202-209

6- Mark Gertler , " Financial Structure and Aggregate economic activity: An overview,"  Journal of money credit  

7- Bruce Geeenwald, Joseph E.  Stiglitz, and Andrew Weiss, " Information Imperfections in the Capital Market and Macroeconomic Fluctuations ,"American Economic Review 74( 1984) PP.194-199.

-8 موقع قناة الجزيرة : الاقتصاد والأعمال

www.aljazerra.net