صدر عن مركز بحوث اللغة العربية بمعهد البحث العلمي بحثي الموسوم بـ (مسائل التركيب والإعراب بين الزمخشريّ وابن مالك)

وهنا أقدم تلخيصا له والخاتمة والنتائج:

هذا بحث عني بمسائل التركيب والإعراب بين الزمخشري وابن مالك وقد أرتنا المسائل المبحوثة الأمور التالية:

أولًا: في الضمائر جاءت المسائل الآتية:

1-الضمير المفسر بخبره:

وفيها يستجيد ابن مالك مذهب الزمخشريّ في جعله الضمير في قوله تعالى {إن هي إلاّ حياتُنا الدنيا} مفسّرًا بخبره وهو (حياتنا) ولكنه ضعّف تنظيره لهذه الآية بقولهم: هي النفس تحمل ما حملت، و: هي العرب تقول ما شاءت؛ لأن هذه العبارات تحتمل البدلية بخلاف الآية.

2-مفسّر الضمير في قوله (كبرت كلمة):

وفيها يذكر ابن مالك في مفسّر الضمير رأيين محتملين: أحدهما لابن بَرْهان الذي يرى المفسّر هو (كلمة) الآتية بعد الضمير، والثاني للزمخشريّ الذي يرى المفسّر قوله (اتخذ الله ولدًا)، وهذان الرأيان يختلفان في تحديد موضع المفسّر وتقديره، وهما مقبولان عند ابن مالك ولم يقدم أحدهما على الآخر مع أن رأي الزمخشريّ يخلو من ادعاء تأخّر المفسّر.

3-انفصال الضمير لحصره بإنّما:

يغرّ الزمخشريّ أنْ يذكر سيبويه قول الشاعر: (إنما نقتل إيّانا) في باب ما يجوز في الشعر من (إيّا) ولا يجوز في الكلام، فيفهم من ذلك أنّ الضرورة هي إحلال الضمير المنفصل محل المتصل، ولكن الحقيقة التي يراها ابن مالك أن فصل الضمير هنا إنّما كان بسبب ما في (إنّما) من معنى الحصر وهو مطرد، والضرورة في إحلال الضمير المنفصل محل كلمة (أنفسنا) المستحقة لهذا الموضع.

        ثانيًا: في خبر المبتدأ ترد مسألة واحدة:

1-عن متعلق الخبر الظرف والجار والمجرور؛ إذْ اختلف العلماء في ذلك، وقد لا يكون هذا الخلاف مفيدًا، ولكنه جزء مهم من كلام النحاة، وهاهو ابن مالك يتبنّى أن المتعلق مفرد، لا جملة محاولًا قراءة نصّ سيبويه قراءة تسند ما جعله الأَوْلى عنده وعند سيبويه، وهو خلاف ما ذهب إليه الزمخشريّ من أنّ المتعلّق جملة.

        ثالثًا: في النواسخ وردت ثلاث مسائل:

1-تقديم خبر ليس عليها:

القول بجواز تقديم خبر ليس عليها مذهبُ عدد من الأئمة من لدن سيبويه مرورًا بالزمخشريّ، ولكن ابن مالك يخالف في ذلك، ويناقش هذه المسألة مناقشة عجيبة مانعًا التقدم لحجج شتَّى ذكرها، راكنًا إلى عدم ورود دليل صريح من السماع.

2-دخول الباء على خبر (ما) الحجازية:

الحجازيون يعملون (ما) عمل ليس، والتميميون يهملونها، وهذا فرق ما بين القبيلين، ولكنّ فرقًا آخر يلوح في كلام بعض النحاة عندما قالوا باختصاص لغة الحجاز بدخول الباء في الخبر بعد (ما)، ومن هؤلاءِ الزمخشريّ تبعًا للفارسي، وقد أورد ابن مالك من الوجوه ما يكفي لردّ هذه الدعوى، كما اتفق أنّ ابن يعيش لا يرى فرقًا بين الحجازيين والتميميين في ذلك.

3-حذف الخبر بعد (لا) النافية للجنس:

يجزم الزمخشريّ بأن تميم لا تثبت خبر (لا) النافية للجنس في كلامها أصلا، وكذلك فعل الجزوليّ إلاّ أنّه استثنى الظرف، ولم يرتض ابن مالك ما قالاه، ووصفه بعدم الصحة؛ لأن حذف الخبر الذي لا دليل عليه يلزم منه عدم الفائدة، ولذا يلزم ذكره، أمّا إن دلّ عليه دليل فيجوز ذكره وحذفه عند الحجازيين، ويجب حذفه عند التميميين، وهذا موضع الخلاف بين اللغتين حسب رأي ابن مالك.

        رابعًا: في نائب الفاعل: جاءت مسألة واحدة:

1-تسمية نائب الفاعل:

صنيع الزمخشريّ في عدّة المرفوعات مع عدم ذكره نائب الفاعل قد ينبئ أنه يعدّ نائب الفاعل فاعلا، ثم يأتي في القسم الخاص بالأفعال ليذكر الفعل المبني للمفعول، وهذه التسمية تجزم بأنه يرى أن نائب الفاعل مفعولٌ وليس فاعلا وأن تسميته عنده هي (مفعول ما لم يسمّ فاعله)، ولكنه لم يصرّح بأنه فاعل مرّة ثم يعود عن ذلك؛ ليسميه مفعولا فيما ظهر لي .  

        خامسًا: في المفاعيل ورد الآتي:

1-الاقتصار على المفعول:

يسوّى الزمخشريّ بين (انتهوا خيرًا لكم) وانته أمرًا قاصدًا في لزوم حذف الفعل والاقتصار على المفعول على الرغم من الفرق بينهما في أنَّ (انتهوا خيرًا) أكثر استعمالا من انته أمرًا قاصدًا، ولذا رأى ابن مالك أنّ حذف الفعل في الأوّل لازم، والحذف في الثاني جائز، ونبه إلى أن هذا مذهب سيبويه الذي فرق بين العبارتين، وأن الزمخشري غفل عن هذه التفرقة.

2-في المفعول له:

اتحاد العامل والمصدر في الفاعل: في قوله تعالى {يريكم البرق خوفًا وطمعًا} يرى الزمخشريّ أن خوفًا وطمعًا منصوبين على الحال، ولا يكونان مفعولين له، لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلّل إلاّ على تقدير حذف مضاف أو على معنى: إخافة وإطماعا.

وذهب ابن مالك إلى أنهما مفعولان لأجله؛ لأن معنى (يريكم): يجعلكم ترون، ففاعل الرؤية هو فاعل الخوف والطمع في التقدير، واتحاد الفاعل في التقدير مقبول، أمّا أبو حيان فقد أشار إلى أن اشتراط اتحاد الفاعل ليس مجمعًا عليه، وأن ابن خروف ممن لا يشترطونه.

        سادسًا: في الحال وردت أربع مسائل:

1-الحال المقدّرة:

استجاد ابن مالك كلام الزمخشريّ عند قوله تعالى {وتنحتون الجبال بيوتًا}، إِذ جعل (بيوتًا) حالا مقدّرة، وكونها مقدرة؛ لأنّ حصول مضمونها متأخر عن حصول مضمون عاملها؛ فالجبل لا يكون بيتًا في حال النحت، وهو ما قال الزمخشريّ.

2-ندرة (كلمته فوه إلى فيّ):

زعم الزمخشريّ ندرة مثل هذه العبارة وهي ما جاء فيها الحال جملة اسمية مستغنى فيها بالضمير رابطًا عن الواو، ولم يقبل ابن مالك الحكم بالندرة حاشدًا شواهد من القرآن والشعر واصفًا صنيع الزمخشريّ بأنه انحراف عن الصواب مما يعجّز ناصره عن الجواب.

3-وقوع الماضي حالًا بدون (قد):

زعم الزمخشريّ أن وقوع الفعل الماضي لفظًا ومعنى حالا جائز لكن بشرط تقدم (قد) عليه ظاهرة أو مقدّرة، وقد أبى ذلك ابن مالك لعدم الحجة فالأصل عدم التقدير، ولأنّ وجود (قد) مع الفعل الماضي لا يزيد معنى على ما يفهم به إذا لم توجد، وأنه لو كان الماضي معنى لا يقع حالا إلاّ وقبله (قد) مقدّرة لامتنع وقوع المنفي بلم حالا، ولكان المنفي بلمّا أولى منه بذلك، لأن (لم) تنفي (فعل) و(لمّا) تنفي (قد فعل).

4-تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف، واستعمال (كافّة):

يذهب الزمخشريّ إلى أن تقديم الحال على صاحبها المجرور بمنزلة تقديم المجرور على الجار، وأنّ (كافّة) في قوله تعالى {وما أرسلناك إلاّ كافةً للناس} صفة لموصوف محذوف تقديره :إرسالة، ويعنى ابن مالك بالردّ على من قال بأن الحال لا تتقدم على صاحبها المجرور وهؤلاءِ هم أكثر النحويين وقال عن تعليلاتهم بأنها شبه وتخيلات لا تستميل إلا نفس من لا تثبت له؛ لأن التقدم ثبت سماعًا ولضعف دليل المنع.

أمّا الزمخشريّ فقد أخذ عليه ابن مالك أيضًا تخريجه للآية حين زعم أنّ (كافّة) ليست حالا بل صفة، وأظهر أن الزمخشريّ لا يعرف الاستعمال الصحيح لكلمة (كافة) وبين أخطاءه في ذلك عندما أعرب الآية، وعندما استعملها في مُقدِّمة المُفصّل.

سابعًا: في التمييز وردت مسألة واحدة:

1-تمييز الأعداد من 11-99:

يذهب الزمخشريّ في قوله تعالى {وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطًا}إلى أن (أسباطًا) تمييز، وأنّه وضع موضع (قبيلة) وكل قبيلة أسباط، وقد رأى ابن مالك أنه لا بأس برأي الزمخشريّ لو ساعده استعمال.

        ثامنًا: في الاستثناء:

1-اتصال الاستثناء أو انقطاعه في آية الحجر 42 {إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ إلاّ من اتبعك من الغاوين}:

إذ يقول النحاة بانقطاع الاستثناء واتصاله، والاتصال رأي الزمخشريّ، وقد ذكر ابن مالك الرأيين مقدمًا القول بالانقطاع ولعله بذلك يرجحه، ولكنه لم يصرح برأي في الذي ذهب إليه الزمخشريّ.

2-انقطاع الاستثناء في آية النمل 65 {لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلاّ اللهُ} بالرفع:

إذ يزعم الزمخشريّ أن الاستثناء منقطع، وأنّ لفظ الجلالة مرفوع على لغة تميم، وإنما كان الاستثناء منقطعًا؛ لأن الله مقدس عن الكون في مكان بخلاف غيره، ولا يصح حمل اللفظ في حال واحد على الحقيقة والمجاز.

        وقد خالف ابن مالك في ذلك وجعل الاستثناء متصلا ويكون لفظ الجلالة بدلا أو صفة وأَنَّ (في) في الآية ليست متعلقة باستقر بل بـ(ذكر) أو (يذكر) مقدرًا، والذكر في السموات والأرض مما ينسب إلى الله وغيره، ثم ذكر ابن مالك أنَّ هذا التوجيه يحتاج إليه على تسليم امتناع إرادة الحقيقة والمجاز في حالة واحدة، قال: وليس ممتنعًا مستدلا من القرآن والحديث وكلام العرب.

        تاسعًا: في المجرورات مسألتان:

1-مجرور (حتى) آخر جزءٍ أو ملاقي آخرِ جزء:

يلتزم الزمخشريّ كون مجرور حتّى آخر جزء أو ملاقي آخر جزءٍ، ويرى ابن مالك أنّ ذلك غير لازم، وذهب ابن هشام إلى أن هذا الشرط لا يلزم إلاّ في حالة أن تسبق حتّى بذي أجزاء مذكورًا، وهذا تفصيل لم يشر إليه ابن مالك، ولعلّ من مراده أنه لمّا أمكن أن تسبق (حتى) بذي أجزاء وبغيره فإنّ اشتراط الزمخشريّ يرتب عليه أن تسبق حتى دائمًا بذي أجزاء، وهذا غير لازم في نظره.

2-الضمير المتصل بالوصف المقترن بأل:

يذهب سيبويه وأكثر المحققين إلى أنّ الضمير المتصل بالوصف المقترن بأل في الإضافة اللفظية يحكم له بما يحكم للظاهر الواقع موقعه، في حين جعله الزمخشريّ في موضع جرٍّ مع أنّه يمنع جرّ الظاهر الواقع موقعة، وقد صحح ابن مالك رأي سيبويه، لأن الظاهر أصل، والمضمر نائب عنه، ولا ينسب إلى النائب مالا ينسب إلى المنوب عنه؛ ولذلك كان مذهب الزمخشريّ ضعيفًا.

        عاشرًا: في عمل المصدر جاءت مسألة واحدة:

1-الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي:

المصدر العامل لا يحال بينه ومعموله بأجنبي فإنْ وقع ما يوهم خلاف ذلك تُلُطِّف له فيما يؤمن معه الخطأ ويثبت به الصواب، كذا قال ابن مالك، وعليه فقد رأى أنَّ الوجه الجيد في إعراب (يوم) من (إنّه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر) أَنْ يقدر ناصب كأنّه قيل: يرجعه يوم تبلى السرائر، مقدِّمًا هذا الوجه على ما ذهب إليه الزمخشريّ من تعليق الظرف بالمصدر (رَجْع) غير مبالٍ بالفاصل الأجنبي (لقادر) وهو خبر إنَّ.

        حادي عشر: في التعجب وردت مسألتان:

1-(أَفْعِل) في التعجب وفاعلها:

القول بأن (أَكْرِم) في (أكرم بزيدٍ) أصله: أَكْرَمَ زيدٌ أي: صار ذا كرم، وأنه أخرج على لفظ الأمر ما معناه الخبر يراه الزمخشريّ ضربًا من التعسف، وأَنَّ الأسهل مأخذًا أن يقال: بأنه أمر لكل أحد أن يجعل زيدًا كريمًا، أي: بأَنْ يصفه بالكرم، والباء مزيدة أو للتعدية، ثم جرى مجرى المثل فلم يغيّر عن لفظ الواحد. وعلى هذا فزيد موضعه النصب على المفعولية.

ووصف ابن يعيش رأي الزمخشريّ بالبعد عن الصواب، وصحح ابن مالك أنّ (أَفْعِل) في اللفظ أمر، وفي المعنى خبر إنشائي مسند إلى المتعجب منه المجرور بالباء، وإنما صحح هذا لسلامته مما يرد من إشكالات على ما استحسنه الزمخشريّ.

ولابن مالك في هذه المسألة كلام قيمّ في التفريق بين فاعلي (أَفْعِل) و(كفى)، كما ذكر نظائر لما جاء فيه الأمر مرادًا به الخبر في غير التعجب، وبما ذكر لم يبق للزمخشريّ حجّة تسنده فيما استحسن.

2-الفصل بين فعل التعجب والمتعجب منه:

يمنع الزمخشريّ الفصل بين فعل التعجب والمتعجب منه بالظرف والجار والمجرور، ولكنه يذكر رأي من يجيز الفصل ثم ينصر هذا الرأي، وينبه على بعض حججه، في حين أن منعه الفصل ليس عليه دليل، وقد اهتبل ابن مالك هذه الفرصة ليظهر عجبه من اعتراف الزمخشري بنصر مجيزي الفصل ومن تنبيهه على بعض حججهم بعد أَنْ خالفهم بلا دليل يسنده في هذه المخالفة، ويظهر أن الحق في جواز الفصل بما ذكره العلماء لوجود أدلة من السماع.

        ثاني عشرَ: في التوابع مسائل: مسألتان في النعت، ومسألتان في التوكيد، ومسألتان في عطف النسق، ومسألتان في عطف البيان.

        ففي النعت:

1-تقديم معمول النعت على المنعوت:

يذكر الزمخشريّ رأيين في متعلق قوله تعالى {في أنفسهم} من قوله {وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغًا} النساء:63 أحدهما: أنه متعلق بـ(بليغًا)، وهذا معناه أنه يمكن أن يتقدم معمول النعت على المنعوت، وهو ما لا يقول به النحاة عدا الكوفيين، ووافقهم الزمخشريّ.

ورأى ابن مالك أن تعليق الجار والمجرور بقل أولى؛ إذ لا يرتب عليه تقديم معمول التابع على المتبوع وعلى كلا الرأيين لا فساد للمعنى.

2-الفصل بين الموصوف والصفة بإلاّ أو الواو:

أجاز الزمخشريّ الفصل بين الصفة والموصوف بـ(إلاّ) وكذلك اعتبر جملة (إلاّ ولها كتاب معلوم) صفة لقرية من قوله تعالى {وما أهلكنا من قرية إلاّ ولها كتاب معلوم}، وعلى الرغم من أنه يرى أن القياس ألا تتوسط الواو بين الصفة والموصوف إلاّ إنه جعل توسطها في الآية لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما في الحال.

ويأبى ابن مالك الأمرين ويفسد توسط الواو بخمسة وجوه، وهنا يقسو ابن مالك على الزمخشريّ إذ يصف رأيه في توسط الواو بأنّه من آرائه الواهية وزعماته المتلاشية.

        وفي التوكيد:

1-توكيد الحرف بالحرف من غير حروف الجواب:

أشار الزمخشريّ إلى توكيد الحرف الذي ليس من حروف الجواب بإعادته وحده نحو: إنّ إنّ زيدًا منطلق ورأى ابن مالك أَنَّ هذا الرأي مردود لعدم إمام يسند إليه وسماع يُعَوَّل عليه، وهي عبارة تؤكد موقف ابن مالك من الزمخشريّ مما يذكر في كتب التراجم من اعتباره إياه نحويًا صغيرًا فليس بالإمام الذي يعتد به ويسند إليه.

2-إخلاء (كلّ) من الضمير في التوكيد:

لفظ (كلّ) من ألفاظ التوكيد المعنوي التي لابد من إضافتها إلى ضمير مطابق للمؤكد وعائد عليه -وهذا مجمع عليه حسب قول ابن مالك- ولكن الزمخشريّ جعل (كلاًّ) توكيدًا في قوله تعالى {إنّا كُلاًّ فيها} على الرغم من خلوها من ذلك الضمير.

وهذا لم يرق لابن مالك فكان أن جعلها حالًا من الضمير المرفوع المنوي في (فيها)، و(فيها) هو العامل، وقد قدمت الحال عليه مع عدم تصرفه كما قدّمت في قراءة {والسموات مطوياتٍ بيمينه}، واختار أبو حيان أن تكون بدلًا، وأَنَّ إعرابها حالًا في غاية الشذوذ.

        وفي عطف النسق:

1-العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار:

يصحح ابن مالك العطف على الضمير المجرور دون إعادة العامل بناء على شواهد من السماع الصحيح، ويمنع ذلك الزمخشريّ بحجة واهية وهي أن شدّة الاتصال بين الجار والمجرور والضمير المتصل جعلهما كشيء واحد؛ فلما اشتد الاتصال أشبه العطفُ هنا العطفَ على بعض كلمة، وهذا لا يجوز، فوجب تكرير العامل، ثم يقع الزمخشريّ في محظور ردّ قراءة حمزة مما جعل أبا حيان يصف جسارة ابن عطية عندما ردّ هذه القراءة بأنها: جسارة قبيحة لا تليق بحاله ولا بطهارة لسانه ويقول: "وجسارته هذه لا تليق إلاّ بالمعتزلة كالزمخشريّ فإنّه كثيرًا ما يطعن في نقل القرّاء وقراءاتهم إلخ... ما قال، وقد خالف الزمخشريّ مذهبه في آية البقرة 200 {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدَّ ذِكْرًا} فرأى عطف (أشد) على الضمير المجرور في (كذكركم) وصحح ابن مالك مذهبه هذا.

2-حذف المعطوف عليه:

يلجأ ابن مالك إلى تعزيز رأيه بما يرد عند الزمخشريّ فها هو يجيز في أحد كتبه حذف المعطوف عليه (المتبوع) ويورد شواهد ذلك، ويستأنس بما قاله الزمخشريّ.

ولكنه في كتاب آخر يجعل قول الزمخشريّ بحذف المعطوف عليه في بعض الآيات من مثل {أفلم تكن آياتي تتلى عليكم} إنما كان غفلة منه عن اختصاص همزة الاستفهام بتقديمها على العاطف تنبيهًا على أنها أصل أدوات الاستفهام، ووصف صنيع الزمخشريّ بالتكلف ومخالفة الأصول، وذكر أن ادعاء حذف المعطوف عليه لا يصح باعتبار أن المدَّعي حذف شيء يصح المعنى بدونه لا تصح دعواه حتى يكون موضع ادعاء الحذف صالحًا للثبوت، ويكون الثبوت مع ذلك أكثر من الحذف، وهكذا لم يستقر ابن مالك على رأي في هذه المسألة، ولن يظهر رأيه الأخير إلاّ بمعرفة أيهما آخر ما كتب هل هو شرح الكافية الشافية أو شواهد التوضيح.

        وفي عطف البيان:

1-زيادة تخصيص المعطوف على تخصص متبوعه، ولزوم التعريف فيهما:

يشترط الزمخشريّ متابعًا للجرجاني في المعطوف في عطف البيان زيادة تخصص على متبوعه، ولا يرتضي ابن مالك ذلك لأن المعطوف عطف البيان في الجوامد كالنعت في المشتقات للتوضيح أو التخصيص، وكما لا يشترط زيادة تخصص الثاني في النعت، فكذلك لا يشترط في العطف.

وأوهم كلام الزمخشريّ في المفصل لزوم تعريف التابع والمتبوع في عطف البيان، ولكنه في الكشاف جعل (صديدٍ) من قوله تعالى {مِنْ ماءٍ صديدٍ} من عطف البيان فأفهم ذلك أنه لا يلتزم فيهما التعريف كما قال ابن مالك، وهو ما صححه لأن الحاجة داعية له في المعرفتين فهي في النكرتين أشدّ للزومها الإبهام".

2-مخالفة عطف البيان متبوعه تعريفًا وتنكيرًا:

يجعل الزمخشريّ (مقام إبراهيم) معطوفًا عطف بيان على (آيات) وهو بذا يغفل عن الإجماع -كما قال ابن مالك- على أنّ تخالف المعطوفين تعريفًا وتنكيرًا غير جائز، كما لايجوز نعت المعرفة بنكرة والعكس، ويلاحظ أيضًا عدم تطابق المعطوف والمعطوف عليه إفرادًا أو جمعًا وقد أجاب الزمخشريّ عن هذا، ولكنه لم يهتم بالتخالف تعريفًا وتنكيرًا.

        وفي البدل جاءت ثلاث مسائل:

1-(الأبواب) من قوله (مفتحةً لهم الأبواب) بدل أو نائب فاعل:

تصلح هذه المسألة في أحد ثلاثة مواضع ففيها نيابة أل عن الضمير، وفيها إعراب (الأبواب) نائبًا للفاعل، وفيها إعرابها بدلًا، واخترت الموضع الأخير؛ لأنَّ رأي الزمخشريّ وكلامه كان في إعراب الأبواب بدلا ولأن ابن مالك عُني بردّ هذا ذاكرًا رأي الأئمة في الإعراب وموجهًا له بجواز نيابة أل عن الضمير، وإليك تلخيص المسألة:

يجعل الزمخشريّ (الأبواب) بدلا من الضمير المستتر في (مفتحة) وانصرف عن إعراب الجمهور، وهو أنها نائب فاعل، ولعل السبب عند الزمخشريّ هو السبب الذي ذكره أبو علي -قبل- من أنّ جعل الأبواب نائب فاعل يخلي الصفة أو الحال (مفتحة) من الضمير، في حين يرى ابن مالك أن (أل) نابت مناب الضمير المطلوب في الصفة والحال، ووصف رأي أبي علي والزمخشريّ بالتكلف لأسباب ذكرها، وعلى كل حال فرأي ابن مالك رأي الأئمة من قبله وهو الأولى بالاتباع.

2-البدل يعطي من المعنى -بما اتصل به- مالا يعطي المبدل منه:

ولذا يخالف ابن مالك الزمخشريّ فيما رآه من إبدال الضمير من الضمير؛ لأنّ المبدل لا يعطي من المعنى ما ليس في المبدل منه مستدلًا برأي ابن جني في قوله تعالى {وترى كلَّ أمّةٍ جاثيةً كلَّ أمّةٍ تدعى} ولعل ما ذهب إليه صواب وتفريق بين ما يكون تابعًا غير ذلك عند الاشتباه.

3-إبدال الجملة من المفرد في {وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلاّ بشر مثلكم...}الأنبياء 3:

يذهب ابن مالك إلى ما ذهب إليه الزمخشريّ في جعل قوله تعالى {هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون} بدلًا من المفرد وهو قوله تعالى {النجوى}.

        ثالث عشر: في (لو) الشرطية مسألة واحدة:

1-إضمار فعل بين (لو) و(أَنَّ):

يذهب الزمخشريّ إلى أنّ بين (لو) و(أنّ) المفتوحة الهمزة فعل مقدر هو ثبت، وقال ابن مالك إن هذا خلاف ما ذهب إليه سيبويه، وأن (لو) لما لم تكن عاملة لم يسلك بها سبيل (إِنْ) في الاختصاص بالفعل أبدًا، وبيّن أنّ ادّعاء الزمخشريّ هذا حمله على التزام كون خبر (أنّ) فعلا ليفسر المحذوف، ومنع كونه اسمًا ولو كان بمعنى الفعل، وإذا كان ادّعاء الزمخشريّ الأول يعيبه مخالفته سيبويه وكثير من العلماء، فإنّ ادعاءه الثاني يخالف السماع فقد جاء اسمًا جامدًا ومشتقًا في القرآن والشعر وهو مما لم ينتبه إليه الزمخشريّ، ونبه ابن مالك إلى شيء منه.

        رابع عشر: في الجملة المعترضة مسألة واحدة:

1-الاعتراض بجملة أو أكثر:

يوافق ابن مالك الزمخشريّ في جواز الاعتراض بأكثر من جملة، ويرفض ما ذهب إليه أبو علي من أنّ الاعتراض لا يكون إلاّ بجملة واحدة، وهذا من المواضع التي يؤيد فيها ابن مالك رأيه بما يقوله الزمخشريّ.

قراءة في موقف ابن مالك من الزمخشريّ:

ما سبق قبل قليل نتائج تتعلق بالمسائل النحوية بين الزمخشريّ وابن مالك وهي بيت القصيد من هذا البحث، ولكن لا بأس أن نتبع ذلك بقراءة في موقف ابن مالك من الزمخشريّ وذلك على النحو التالي:

أولًا: ظهر في بحث سابق عن موقف ابن مالك من الزمخشريّ في الألفاظ عدّة أمور أذكرها هنا لتمكن المقارنة بين الموقفين في مسائل الألفاظ ثم في مسائل التركيب والإعراب ولتكتمل صورة الموقف العام.

1-كان موقفه مخالفة الزمخشريّ غالبًا معتضدًا حججًا قوية من السماع والقياس وأدلةٍ أخر.

2-كانت له هنات؛ إذ يحمل أحيانًا عبارات الزمخشريّ بعض الفهم الذي غيره أولى منه، أو أن يغلطه مع احتمال السهو، أو أن يلزمه مالا يلزم، أو ألا يكون دقيقًا في نسبة بعض الآراء، وقد عارضه في رأي في أحد كتبه ثم وافقه عليه في آخر.

3-كان له موقف انفعالي تمثل في أنه وصف معرفة الزمخشريّ بكتاب سيبويه بأنها ممّا يعرف بتصفح وانتقاء لا بتدبر واستقصاء وقال: "فما أوفر تبجحه وأيسر ترجحه عفا الله عنا وعنه"، وأنه غير قادر على تأمل نصوص سيبويه فتغرّه عبارات توقعه في فهم لا يصح لها، ويقول مرّة عنه "وكلامه في هذا سديد أدّاه إليه تركه التقليد" "وأنه يتكلف في التخريج مالا حاجة إليه ولا دلالة عليه"، وأنه يدعي دلالة لكلمة لا تصح فيها لإسناد مذهب عقدي باطل. كما ذكر وقوع الغلط منه.

ثانيًا: بالنسبة لبحثنا هذا، ظهرت موافقة ابن مالك في موضوعاته في سبع مسائل على النحو التالي:

أ-كان مستجيدًا لما ذهب إليه الزمخشريّ من جعله الضمير مفسّرًا بخبره في قوله تعالى {إن هي إلاّ حياتنا الدنيا}، ولما ذهب إليه من إعراب (بيوتًا) حالًا مقدرة في قوله تعالى {وتنحتون الجبال بيوتًا}.

ب-قد يقبل رأيه مع رأي آخر كما فعل في مفسر الضمير في قوله تعالى (كَبُرَتْ كلمةً) هل هو (كلمةً) المتأخرة أم (اتخذ الله ولدًا) المتقدمة، والأخير رأي الزمخشريّ.

وكما فعل في اتصال الاستثناء وهو رأي الزمخشريّ وانقطاعه وهو رأي غيره في قوله تعالى {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتبعك من الغاوين}.

وقد يذهب مذهبه متابعًا له كما فعل في قبول إبدال الجملة من المفرد في قوله تعالى {وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلاّ بشرٌ...}.

وكذلك في جواز الاعتراض بأكثر من جملة كما في آيات الأعراف من 95-97.

وقد يعزّز رأيه بما يقوله الزمخشريّ كما فعل في مسألة حذف المعطوف عليه، وإن كان في كتاب آخر قد وصف ما قاله الزمخشري بالتكلف ومخالفة الأصول واتهمه بالغفلة ولعله رجع عن ذلك.

وفي مسألة ثامنة وهي إعرابه (أسباطًا) تمييزًا من قوله تعالى {وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطًا} قال: إن رأي الزمخشريّ لا بأس به لو ساعده استعمال.

ثالثًا: مخالفات ابن مالك للزمخشريّ كثيرة بالنسبة لموافقاته وكانت في سبع وعشرين مسألة، وقد زادت عدد المخالفات على عدد هذه المسائل لوجود أكثر من مناسبة للمخالفة -أحيانًا- في كلام الزمخشريّ في المسألة الواحدة، وعلى كل حال ففي حين أن بعض المخالفات لا يصحبه تخطئة أو عبارات تأخذ على الزمخشريّ شيئًا أو تمس مكانته العلمية فإنّ بعضها قد أُسِّسَ على أمور هي مآخذ على الزمخشريّ ومنها:

1-عدم فهم الزمخشريّ لموقف سيبويه وكلامه، أو غفلته عن بعض ما قال، أو مخالفته، ومن ذلك حكمه بأنّ الضرورة هي فصل الضمير في قول الشاعر *إنما نقتل إيّانا* وغرّه في ذلك ذكر سيبويه هذا البيت في باب ما يجوز في الشعر من (إيّا) ولا يجوز في الكلام، كذلك غفل عن تفريق سيبويه بين (انتهوا خيرًا لكم) وانته أمرًا قاصدًا، وخالفه في إعراب الضمير المتصل بأل في الإضافة اللفظية، وخالفه بادعاء فعل بين (لو) و(أنّ).

2-أنّ مذهبه أحيانًا لا يجد ما يسانده من السماع، أو أنه مردود بالسماع أو أنه مخالف لقياس صحيح.

3-ظهر عند الزمخشريّ اضطراب المصطلح كما في تسمية نائب الفاعل، والقول برأي لا دليل عليه ثم يعمد إلى مناصرة ما يخالفه، وهذا تردد منه كما في الفصل بين فعل التعجب والمتعجب منه.

4-بعض أحكامه في السماع لا تصح مما جعل ابن مالك يصف زعمه ندرة (كلمته فوه إلى فيّ) بأنه انحراف عن الصواب مما يعجّز ناصره عن الجواب.

5-أن الزمخشريّ وبعض النحاة الذين يتابعهم قد يقيمون رأيهم على شبه وتخيلات لا تستميل إلاّ نفس من لا تثبت له، ومن ذلك منعهم تقديم الحال على صاحبها المجرور.

6-عدم معرفة الزمخشريّ بالاستعمال الصحيح لكلمات مثل (كافّة).

7-أنه قد يبني رأيه على مالا يسلم كما فعل عندما زعم أنّ الاستثناء منقطع في آية النمل 65 بحجة عدم صحة حمل اللفظ في حال واحد على الحقيقة والمجاز.

8-أنه قد يشترط شروطًا يأتي السماع بدونها كما في مجرور حتّى.

9-مخالفة حكم الأصل في الفرع عندما جعل للمضمر حكمًا لا يكون للظاهر مع أنه الأصل.

10-أن ما قد يستحسنه غيره أولى منه لسلامته ولوجود نظائر له كما في مسألة: أَفْعِلْ به.

11-للزمخشريّ آراءٌ واهية وزعمات متلاشية كرأيه في أنّ توسط الواو بين الصفة والموصوف يؤكد لصوق الصفة بالموصوف كما في الحال.

12-أحد آراء الزمخشريّ لم يقل به إمام يسند إليه ولا يستند إلى سماع يعول عليه، وهو زعمه توكيد الحرف من غير حروف الجواب بإعادته وحده.

13-قد يردّ القراءة الصحيحة بالقاعدة النحوية، ثم يخالف موقفه في موضع آخر كما فعل في منع العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ.

14-الغفلة عن الإجماع كما في جعله المعرفة معطوفةً على النكرة في قوله تعالى {فيه آيات بيّنات مقام إبراهيم}.

15-مخالفة رأي الجمهور كما في إعراب (الأبواب) بدلًا في قوله تعالى {مفتحةً لهم الأبواب}.

16-عدم انتباهه للسماع المخالف لبعض أحكامه النحوية مثل ادعائه أن خبر (أنّ) بعد (لو) يلزم أن يكون فعلًا مع وجود خلاف ذلك في السماع.

والحمد لله أوّلا وأخرًا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.