قائمة الروابط

مكة المكرمة في ضوء القرآن الكريم


إعـــداد:

الدكتور عبد الله مقبل القرني

الأستاذ المساعد بقسم الكتاب والسنة جامعة أم القرى

الباحث المتعاون بالهيئة العالمية للإعجاز العلمي

و

الشيخ إسماعيل القريشي الشريف

الباحث الشرعي بالهيئة العالمية للإعجاز العلمي

رابطة العالم الإسلامي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


المقــدمـــــــة

 

 الحمد لله الذي أكرمنا بالإسلام، ورحمنا بالقرآن، وشرفنا بسكنى البلد الحرام، وأنعم علينا ببعثة خير الأنام محمد عليه الصلاة السلام

أما بعد فإن الحديث عن  مكة المكرمة في ضوء  القرآن الكريم حديث عن أفضل البقاع ، عن الأرض المباركة الطيبة عن البلدة التي ابتدأ فيها نزول القرآن الكريم واستمر تنـزله بها ثلاثة عشر عاماً ، حديث عن ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها...حديث عن  أحب البلاد إلى  الله كما عبر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم   حين أخرج منها : (وَاللّهِ إِنّك لَخَيْرُ أَرْضِ اللّهِ، وَأَحَبّ أَرْضِ اللّهِ إِلَى اللّهِ. وَلَوْلاَ أَنّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)([1])

مكة المكرمة تنوعت فضائلها، وتعددت أسماؤها وهذا دليل  شرفها وفضلها ، ولذا كثرت  المؤلفات عنها لبيان حدودها ،ومعالمها، وسكانها، ومشاعرها.

ولما كانت مكة عاصمة الثقافة للعام [ 1426هـ   ] وجاءت الدعوة الكريمة للمشاركة من رحاب أم القرى ومن صرحها العلمي الشامخ جامعة أم القرى أحببنا أن يكون لنا شرف المشاركة ببحث تحت عنوان : (مكة المكرمة في ضوء القرآن الكريم) نتناول فيه ما صرحت به الآيات أو تضمنته أو أشارت إليه رغبة في إبراز  عظمة المكان  وشرفه ومنـزلته دينيا وتاريخياً من خلال آي القرآن الكريم أعظم مصدر وأوثقه.


ملخص البحث

يتناول هذا البحث الآيات القرآنية التي ورد فيها  ذكر لمكة أو تنويه بها   في مقدمة، يعقبها فصلان :

الفصل الأول: مكة المكرمة مكانها ومكانتها في القرآن الكريم في ثلاثة مباحث:

المبحث الأول : التعريف بمكة المكرمة من حيث الموقع والمناخ والسكان

المبحث الثاني : أسماء مكة المكرمة  وصفاتها في القرآن الكريم .

المبحث الثالث: أهم مواضع مكة في القرآن الكريم الكعبة والمسجد الحرام والمقام والصفا والمروة .

المبحث الرابع: مكة المكرمة مركز الأرض ووسطها كما أثبتت الدراسات الهندسية، وبيان سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى ذلك .

الفصل الثاني : فضل مكة وتحريمها في أربعة  مباحث وخاتمة:

المبحث الأول : دعوات إبراهيم – عليه السلام- لمكة المكرمة وأهلها التي لازال الناس ينعمون بآثارها من أمن ، ورزق ، وأعظمها بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

المبحث الثاني : فضل مكة وخصائصها من مضاعفة للصلاة بها وتحريم لصيدها وشجرها وخلاها.

المبحث الثالث: الأمن في البلد الحرام

المبحث الرابع : واجبات ساكني البلد الحرام وقاصديه .ثم الخاتمة.

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول :مكة مكانها ومكانتها في القرآن الكريم
المبحث  الأول : التعريف بمكة المكرمة .

مكة بلدة عظيمة ذات شعاب واسعة ولها حدود ومعالم واضحة على مر التأريخ حيث قيل: إنها موضوعة من زمن إبراهيم الخليل عليه السلام أي منذ أن سكنها إسماعيل عليه السلام وأمه ،ثم بنيت بها الكعبة المشرفة فكانت مكة المكرمة هي البلدة المقدسة, شرفها الله عز وجل بالبيت الحرام, وجعلها قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم.

لها مكانة تجارية بما يجلب إليها من الثمار وأنواع التجارة وبما كان يصدر عنها من التجارة إلى مختلف بقاع الأرض وخاصة ما يحمله التجار ([2]).

موقعها الجغرافي : تقع مكة شرقي البحر الأحمر ، في إقليم الحجاز،ومركزها  في وادي إبراهيم عليه السلام  الذي تحيط به الجبال الشاهقة   وترتفع عن سطح البحر300مترتقريباً

ويتأثر  مناخها بمناخ البحر المتوسط والمناخ الموسمي ، كما يؤثر فيها موقعها من جبال السروات والبحر الأحمر، ويبلغ معدل حرارتها السنوي 35 وتصل في شدة الحر إلى 48ثم تنخفض  إلى أن تصل إلى 18.

أما أمطارها فغـيـر منتظمة في أوقاتها أو في كثرتها، ويتراوح معدلها السنوي من 80ملم إلى 125ملم وأهم فصولها الممطرة هو فصل الشتاء([3]) .

السكان : مكة مصدر تجمع المسلمين، فهي تقع في غرب الجزيرة العربية في وسط إقليم الحجاز وفي الوسط بين الشام واليمن ويستوطنها كل الأجناس من عرب وعجم ومن جميع الجهات منذ القدم وإلى اليوم،وبذلك غدت رمزا من رموز وحدة المسلمين الدينية والثقافية والبشرية ، ويبلغ عدد سكانها حسب إحصاء عام 1425هـ  مليون وثلاثمائة ألف نسمه([4]). وصدق الله القائل :)رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(([5])

 )وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ( ([6]) .

 


 

المبحث الثاني

أسماء مكة المكرمة في القرآن الكريم

أم القرى مكة المكرمة  كثرت أسماؤها في كتاب الله وتضمنت  كتب التفسير([7]) و التأريخ([8]) عدداً كبيراً من أسمائها، وكثرة الأسماء دليل على شرف المسمى والمتدبر في آيات القرآن الكريم يجد أن مكة المكرمة  ورد ذكرها بأسمائها وصفاتها في مواضع عديدة  و  سيكون الحديث  موجزاً عن أسمائها في كتاب الله فمن ذلك:

1- مـكـة:سميت  مكة ، لأنها تجذب إليها خيرات الدينا .  أو لأنها  تمك الفاجر عنها، قال تعالى:) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ(([9])" وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة مكة وبكة والبيت العتيق والبيت الحرام والبلد الأمين والمأمون وأم رحم وأم القرى وصلاح والعرش على وزن بدر والقادس لأنها تطهر من الذنوب والمقدسة والناسة بالنون وبالباء أيضا الناسة والحاطمة والرأس وكوثاء والبلدة والبنية والكعبة" ([10]).

2- بـكـة: وسميت بذلك لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة بمعنى أنهم يذلون بها، ويخضعون عندها، وقيل لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون " و بكة بمعنى مكة والعرب تبدل الميم باء،كما في لازم ولازب، قال تعالى: ) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ)([11]).

3- أم القرى : أي أصل القرى لأنها أقدم القرى وأشهرها  كما في قوله تعالى)وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا (([12]).وقوله )وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا(([13]) يقول القرطبي معللاً تسميتها بأم القرى : وبه سميت مكة أم القرى لأنها أول الأرض ومنها دحيت"([14]).

4-  البلد الأمين :كما في قوله تعالى  ) وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ *وَطُورِ سِينِينَ* وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ (([15]).

5- البلد : وهو من أول أسمائها كما في  قول الله تعالى: )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ(([16])  وهذا دعاء لمكة بعد أن سكنها إسماعيل بعد أن دعا أن تكون بلداً صالحا للسكنى في قوله تعالى)وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً(([17]) .

 وتأكد ذلك في قسم الله بها لما حل بها رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام فقال تعالى :) لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَد)([18]).

 6-- البلدة ومنها قوله تعالى: )إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا (([19]) البلدة, مكة التي حَرَّمها  أن يسفكوا فيها دمًا حرامًا, أو يظلموا فيها أحدًا, أو يصيدوا صيدها, أو يقطعوا شجرها.

7 -  الكعبة من أسماء مكة : لقوله تعالى :) هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ(([20]) أي واصلا إلى الكعبة والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك ويفرق لحمه على مساكين الحرم.كقوله : ) ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ(([21])  مع أن المنحر الأكبر منى([22]).عن أبي هريرة ذكر النبي  صلى الله عليه وسلم  فيه قال وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون وكل عرفة موقف وكل منى منحر كل فجاج مكة منحر وكل جمع موقف([23]).

8- القرية : ورد لفظ القرية في القرآن مراداً به  البلدة المسكونة سواء كانت صغيرة أو كبيرة كما في قوله تعالى:  )وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ(([24]) المراد بالقرية مكة كما قال ابن كثير .

 9- مـعـاد  )إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(([25])نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في الجحفة في طريقه إلى المدينة للهجرة تسلية له على مفارقة بلده.ووعداً له بالعودة إليها.

10- الحرم الآمن ) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(([26]) )أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ( ([27]).فالثمرات تجبى لمكة شرفها الله من كل مكان في حاضر الزمان وغابره.

11- الوادي )رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(([28])ومكة هي الوادي المبارك المذكور في هذه الآية.

12ـ المسجد الحرام  : اسم من أسماء مكة ، وله عدة إطلاقات   فهو اسم لمكة واسم لمسجد الكعبة وقد يمتد إلى حدود الحرم ، وقد تكرر ورود لفظ المسجد الحرام في القرآن الكريم في ثلاثة عشر موضعاً ، منها قوله تعالى : ) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ(([29])وقوله تعالى)َوَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(([30])  وقوله تعالى:)سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ( ([31]) كما في قوله تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(([32]) وقوله تعالى:)هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا َ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ (([33]) والمسجد الحرام في هذه الآيات يراد به مسجد الصلاة وما هو أكبر من ذلك لدخول مكة وجميع الحرم فيه، ومن هنا اختلف العلماء في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ) ([34]) ،وما المراد به ؟ وهل مضاعفة الصلاة لكل من صلى في مكة أم هو خاص بمن صلى في مسجد الكعبة؟.فرأى الجمهور أن ذلك خاص بالصلاة في المسجد المعروف بجوار الكعبة،قال الطبري : ويتأيد بقوله ( مسجدي هذا ) لأن الإشارة فيه إلى مسجد الجماعة - يعني مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم- فينبغي أن يكون المستثنى كذلك ، ويستدل له برواية مسلم والنسائي ( إلا مسجد الكعبة)([35]). وذهب ابن عباس وعطاء وبعض أهل العلم –رحمهم الله- إلى أن ذلك عام في كل من صلى في الحرم ولو كان ذلك في أطراف مكة لعموم تلك النصوص ،قيل لعطاء : هذا الفضل في المسجد وحده أو في الحرم ؟ قال بل في الحرم لأنه كله مسجد([36]).

ولعل هذا هو الراجح لما يأتي :

1) ما ورد في رواية مسلم والنسائي يمكن أن يجاب عنه بأن الكعبة وردت في القرآن مرادا بها المسجد الحرام كما في قوله تعالى : ( هديا بالغ الكعبة ) ومعلوم أن محل الهدي هو مكة كلها بما في ذلك منى ، ولا أحد يقول بذبحه عند الكعبة!

2)   لعموم الآيات الوارد فيها لفظ المسجد الحرام مرادا بها الحرم كله.

ويرجح ذلك ما رواه  البخاري من أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل في حجة الوداع بالبطحاء([37])وهو الموضع المعروف بالأبطح وهو مكان لا يبعد عن مسجد الكعبة  كثيرا فلو لم تكن الصلاة في ذلك بمائة ألف لما صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.


المبحث الثالث

 أهم مواضع مكة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم

    لا يخفى أن فضل مكة بين من خلال كثرة ما ورد عنها في كتاب الله، ومعلوم أن القرآن نزل أول ما نزل في هذا البلد الأمين على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم  الذي ولد وعاش في هذه الربوع المباركة ، وكل ذلك فضل يحسب ويذكر لمكة زادها الله شرفا وفضلا، قال تعالى : )وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ(([38])وقال تعالى: )إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ(([39]).

وضمت مكة المكرمة مع الكعبة المشرفة آيات بينات ومشاعر معظمة  ورد ذكرها في القرآن الكريم منها:

1-المسجد الحرام ) سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(([40]). ينـزه تعالى نفسه المقدسة ويعظمها لأن له الأفعال العظيمة والمنن الجسيمة التي من جملتها أنه   أسرى بعبده   ورسوله محمد  صلى الله عليه وسلم    ليلا من المسجد الحرام   الذي هو أجل المساجد على الإطلاق   إلى المسجد الأقصى   الذي هو من المساجد الفاضلة وهو محل الأنبياء فأسري به في ليلة واحدة إلى مسافة بعيدة جدا ورجع في ليلته وأراه الله من آياته ما ازداد به هدى وبصيرة وثباتا وفرقانا وهذا من اعتنائه تعالى به ولطفه حيث يسره لليسرى في جميع أموره وخوله نعما فاق بها الأولين والآخرين ([41]) وظاهر الآية أن الإسراء كان في أول الليل وأنه من نفس المسجد الحرام لكن ثبت في الصحيح أنه أسري به من بيت أم هانىء فعلى هذا تكون الفضيلة في المسجد الحرام لسائر الحرم فكله تضاعف فيه العبادة كتضاعفها في نفس المسجد كما يرى بعض السلف وأن الإسراء بروحه وجسده معا وإلا لم يكن في ذلك آية كبرى ومنقبة عظيمة وقد تكاثرت الأحاديث الثابتة عن النبي  صلى الله عليه وسلم  في الإسراء ،وثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول قال المسجد الحرام قلت ثم أي قال بيت المقدس قلت كم بينهما قال أربعون سنة الحديث([42]).

2-مقام إبراهيم كما قال تعالى)وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً ِ( ([43]) أي واتخِذوا من مقام إبراهيم مكانًا للصلاة فيه,ولذا تشرع صلاة ركعتين خلفه والقراءة في الأولى بسورة قل يا أيها الكافرون وفي الثانية بسورة قل هو الله أحد  وقال تعالى:)فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً(([44]) وفي هذا البيت دلالات ظاهرات أنه من بناء إبراهيم, وأن الله عظَّمه وشرَّفه, منها: مقام إبراهيم عليه السلام, وهو الحَجَر الذي كان يقف عليه حين كان يرفع القواعد من البيت هو وابنه إسماعيل([45])عليهما السلام.

3- الصفا والمروة  قال تعالى )إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ(([46]) أما الصفا فهو الموضع المرتفع الذي يبدأ الحاج السعي منه  والمروة الموضع الذي ينتهي السعي فيه – وهما في الأصل  جبلان صغيران قرب الكعبة من جهة الشرق- وهما  من معالم دين الله الظاهرة التي تعبَّد الله عباده بالسعي بينهما. فمَن قصد الكعبة حاجًّا أو معتمرًا, فعليه أن يسعى بينهما.

4-عرفات و المشعر الحرام في قوله تعالى)لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ(([47]).أي إذا دفعتم بعد غروب الشمس راجعين من "عرفات" -وهي المكان الذي يقف فيه الحجاج يوم التاسع من ذي الحجة- فاذكروا الله بالتسبيح والتلبية والدعاء عند المشعر الحرام -"المزدلفة"-, واذكروا الله على الوجه الصحيح الذي هداكم إليه, ولقد كنتم من قبل هذا الهدى في ضلال لا تعرفون معه الحق ([48]).

5- منى : قال تعالى : )وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(([49]).واذكروا الله تسبيحًا وتكبيرًا في أيام قلائل, وهي أيام منى ،أيام التشريق: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة. فمن أراد التعجل وخرج من "مِنى" قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر فلا حرج عليه ومن تأخر بأن بات بـ "مِنى" حتى يرمي الجمار في اليوم الثالث عشر واتقى الله في حجه. فهو أفضل; لأنه تزوُّد في العبادة واقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

6- غار جبل ثور  وهو الغار الذي اختبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق قبل خروجهما من مكة المكرمة مهاجرين  إلى المدينة المنورة كما في قوله تعالى:) إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( ([50]) وغار ثور هو المراد  في الآية وأما غار حراء فلم يرد له ذكر في كتاب الله مع ثبوته بالأحاديث الصحيحة.

 


 

المبحث الرابع: مكة المكرمة مركز الأرض ووسطها

خص الله  مكة المكرمة وشرفها بكونها وسط الأرض ومركزها.كما امتن  تبارك وتعالى على هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطاً في قوله تبارك وتعالى  )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً(([51]) أي جعلناكم خياراً عدولاً ، والوسط في كل شيء محمود ،ودين الإسلام وسط بين الأديان،  فهو وسط في تشريعاته وعباداته وتكاليفه بين الغلو والجفاء ، والإفراط والتفريط ، وبين التشدد والتساهل وبين القسوة واللين ، وكل ما كان التوسط كان صاحبه أقرب إلى الحق ،  ولعل في الآية امتناناً بجعل هذه الأمة في أوسط مكان في الأرض وأن الله خص مكة وشرفها  بكونها وسط الأرض ومركزها.خاصة وأن الآية تضمنت  ذكر القبلة - بعد الإخبار عن وسطية الأمة في قوله )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) ([52]).

ويؤيد الفهم المتقدم ماتضمنه  قوله تعالى : )وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ(([53])فقد جعل نزول الوحي بالقرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم معللا بإنذار مكة المكرمة ومن  حولها من القرى  إشارة إلى توسط هذه البلدة بين مستقبليها ، وخاصة أن النذارة عامة لكل القرى وليست لقرى  الحجاز وحدها ولا قرى الجزيرة عامة  بدليل قوله  جل وعلا: )قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(([54]).  وقوله تعالى:)وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ(([55])وهذا يرجح أن يكون ما حولها : يراد به جميع القرى والله.ويؤيد هذا ما توصل إليه الباحث الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين أحمد إبراهيم –رحمه الله([56]). وقد أثبتته بالدراسة العلمية الهندسية، وهو ما توصل إليه كذلك الباحث  د. سعد المرصفي  إلى أن (مكة المكرمة ) هي مركز لدائرة تمر بأطراف جميع القارات، بمعنى أن سطح الكرة الأرضية موزع حول مكة المكرمة توزيعاً منتظماً، وأن هذه المدينة المقدسة تعتبر مركزا للأرض اليابسة"([57]).

    وقد راعت تلك الدراسة  خطوط الطول والعرض  لتحديد الأماكن على الكرة الأرضية ،كما راعى في الإسقاطات الهندسية صحة الاتجاهات  وصحة المسافات بين مكة المكرمة وباقي المدن على اليابسة لتسهيل معرفة القبلة .

    وبدأ الباحث بتقاطع خطوط الطول مع خطوط العرض لكل عشر درجات ثم يحسب الأبعاد والانحرافات عن المدينة المقدسة ثم يصل بعد ذلك بين نقاط خطوط الطول المتساوية في المقادير مع بعضها ، وبذلك يحصل على خطوط الطول في الإسقاط المطلوب، وبالمثل نصل بين نقاط خطوط العرض المتساوية في المقادير مع بعضها ، فنحصل على خطوط العرض المطلوبة في هذا الإسقاط أيضاً.وبذلك نحصل على إسقاط خطوط الطول والعرض الأرضية بالنسبة إلى مكة المكرمة، ثم  نرسم حدود القارات ، مع مراعاة ضرورة تصغير الأمكنة إلى خمس درجات بدلا من عشر، بل في بعضها يمكن أن تصغر إلى درجة واحدة حتى يتم التحديد بدقة .


ويتأكد لنا توسط مكة  عند النظر في الصور الجوية للكرة الأرضية كما في الشكل التالي:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وصد ق الله القائل )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً(([58]). وهنا توافق لطيف وهو أن هذه الآية من سورة البقرة برقم( 143)  فإذا علمنا أن عدد آي السورة كاملة (286) آية وأن هذه الآية وسطها وفيها ذكر الأمة الوسط أدركنا أن الأمة  وسط في منهجها ومكانها ومكانتها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني :فضـــل مكة وتحريمها.

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول : دعوات إبراهيم ـ عليه السلام ـ لمكة المكرمة وأهلها

تضمن القرآن الكريم آيات عديدة تخبرنا عن عناية إبراهيم عليه السلام بهذا البلد واهتمامه به ودعائه له  ولأهله وقد خصه بدعوات مباركات كما يلي:

أولاً:أن يجعله بلداً ثم يجعله آمناً قال تعالى: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً(([59]) دعاء من أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام للوادي الذي لازرع فيه ولا أنيس أن يجعله الله بلداً آمنا ً، ثم دعا له بعد أن صار بلداً مأهولاً بالأمن كذلك  )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ([60]).

ثانياً: أن يرزق الله أهله من الثمرات ) وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(([61]) يقول ابن عباس رضي الله عنهما : دعا إبراهيم عليه السلام لمن آمن دون الناس خاصة فأعلم الله عز وجل أنه يرزق من كفر كما يرزق من آمن([62]) . )وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) ([63]). وبدأ إبراهيم عليه السلام دعواته بالأمن قبل الرزق لأنه إذا انعدم الأمن لم يهنأ الناس بطعام ولا شراب .

ثالثاً: دعاؤه عند بناء البيت وسؤال  الله أن يتقبل منه وأن يهدي ذريته للإسلام  ) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّآ إِنّكَ أَنتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ *  رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيّتِنَآ أُمّةً مّسْلِمَةً لّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنّكَ أَنتَ التّوّابُ الرّحِيمُ(([64]).

رابعاً: أن يجعل في قلوب بعض خلقه ميلاً إليهم فيسعدوا بجوارهم )رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ(([65])  وفي قوله  ) عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ( يؤدوا الصلاة بأركانها وواجباتها.

خامساً: أن يبعث الله فيهم رسولاً  منهم) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( ([66]) فاستجاب الله دعاءه فبعث فينا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم  ففي المستدرك (أن أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ورضي الله عنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك فقال دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى)([67]).

سادساً : أن يجنبه وذريته عبادة الأصنام )وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ  رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(([68]) .

 

المبحث الثاني :  فضل مكة وخصائصها

يختص الله سبحانه وتعالى بالفضل والتفضيل فيجعله حيث شاء ،فقد فاضل بين الأشخاص كما قال تعالى : )تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ(([69]) وقال سبحانه:)انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً(([70])وفاضل بين  الأزمنة ، فقال تعالى :) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(([71]).  وفضل يوم الجمعة ويوم عرفة ، كما فضل من الأماكن مكة المكرمة على سائر الأرض فهي القبلة في الصلاة, ويقصدها العباد  لأداء الحج والعمرة, وحث على تعظيمها في قوله ) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(([72]).وجعله موضعاً لأداء مناسك الحج .وأوجب على العباد الحج إليه فقال )   وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (([73]) .ودل على فضلها وتفضيلها على ما سواها  نصوص كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة نكتفي منها بما ورد في كتاب الله :

1) أن الله أقسم بمكة المكرمة في مواضع من كتابه و قسم الله بها تشريف لها وتعظيم لها قال تعالى ) وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ *وَطُورِ سِينِينَ* وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ (([74])  قال ابن كثير :"هذه محال ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبياً مرسلاً من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار [ فالأول ] محلة التين والزيتون وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى بن مريم عليه السلام [ والثاني ] طور سينين وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران [ والثالث ] مكة وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمناً وهو الذي أرسل فيه محمداً صلى الله عليه وسلم .وأقسم بها في قوله تعالى: ) لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ( واللام النافية قبل القسم للتأكيد أي أقسم بهذا البلد، وهذا قسم من الله تبارك وتعالى بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حالاً لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها([75]) أو قسم بها حال كون النبي صلى الله عليه وسلم حالاً بها .

 

2) الامتنان على أهله بأمنه قال تعالى : )أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ( ([76]) )وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(  ([77])،وقال تعالى: )فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ *  الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(([78]) .

3) تعهد الله برزق أهله استجابة لدعاء إبراهيم عليه السلام  ) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(([79]) ) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(([80])  وفي هذه الآية إشارة إلى جعل الله ثمار الأرض كلها تجبى إليه فقال تعالى : (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(([81]).

جذبه لقلوب العباد حيث تشتاق إليه النفوس وتهوي إليه الأفئدة وتنجذب نحوه القلوب قال تعالى )وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً(([82]) قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يقضون منه وطراً يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه([83]).  وذلك استجابة لدعاء إبراهيم عليه السلام.) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ( ([84])

 قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيره لو قال أفئدة الناس لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم ولكن قال ( من الناس) فاختص به المسلمون([85]). وجاء لفظ الأفئدة لإرادة أن يكون مسير الناس إليهم عن شوق ومحبة حتى كأن المسرع هو الفؤاد لا الجسد. والمعنى: فاجعل أناسا يقصدونهم بحبات قلوبهم.

4)  خص الله هذه البلدة بالبيت المعظم بالكعبة المشرفة ،قال تعالى: )وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(([86])  ) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّآ إِنّكَ أَنتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ(([87]).وأضاف الله تعالى  البيت لنفسه )بيتي (تشريفا وتكريما وتعظيما وإجلالا.في قوله : )وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ( ([88]).)وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ( ([89]) .

5) الأمر بتطهير البيت وحمايته من الشرك،قال تعالى :) وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(([90])، وقال تعالى : ) وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ( ([91]). أمر الله تعالى نبيه إبراهيم  أن يبني  البيت  ويطهره  لمن يعبد الله وحده لا شريك له إما بطواف أو صلاة وقيام وركوع وسجود يقول ابن كثير : "وفي الآية رد على من لا يحج إلى البيت من أهل الكتابين اليهود والنصارى لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وإسماعيل ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك وللاعتكاف والصلاة عنده وهم لا يفعلون شيئا من ذلك فكيف يكونون مقتدين بالخليل وهم لا يفعلون ما شرع الله له وقد حج إلى بيت الله الحرام  موسى بن عمران وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام([92]).

6)     خصت مكة المكرمة بأنها قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ويعتبر استقبال الكعبة من أهم عوامل وحدة المسلمين، وقد ادخره الله للمسلمين آية على أن الإسلام هو القائم على أساس الحنيفية، وفيه تذكير بشعائر الله بمكة، قال تعالى : )قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ(([93]). )سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(([94]) وفي هذا تبكيت لأهل الكتاب لطعنهم على تحويل القبلة، وأن العناية بتزكية النفوس أجدر من العناية باستقبال الجهات )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ( ([95]))َقدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)([96]). )وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(([97]).

6) )وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ([98]).

     وجعل أجر الصلاة في هذه البقعة الطاهرة  بمائة ألف صلاة ، يقول  النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد من حديث جابر رضي الله عنه :-قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة  فيما سواه)([99]).وذهب بعض أهل العلم إلى أن العمل الصالح كله يضاعف في هذا البلد الحرام .

7) مشروعية سوق  الهدي إلى مكة المكرمة: قال تعالى: (...وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) ([100]).  وقال تعالى:  ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ([101]) قال تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً(([102]) قال مجاهد الصفا والمروة والهدي والبدن من شعائر الله،وقيل )شَعَائِرَ اللَّهِ ( محارمه أي لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى وقوله تعالى ) وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ ( ([103]) يعني لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام فإن فيه تعظيم شعائر الله ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، ولهذا لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم بات بذي الحليفة وهو وادي العقيق   أشعر هديه وقلده وأهل للحج والعمرة وكان هديه إبلا كثيرة تنيف على الستين من أحسن الأشكال والألوان كما قال تعالى :)ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ(([104]) . ويقول تعالى :) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(([105])وقال بعض السلف إعظامها استحسانها واستسمانها.

 

8) حرمة مكة وتحريم صيدها وشجرها وخلاها ، قال تعالى : )إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ(([106]) ، لقد حرم الله مكة المكرمة فهي حرام بحرمة الله منذ أن خلق الله الخلق كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة :(إِنّ هَذَا الْبَلَدَ حَرّمهُ اللّهُ يَوْمَ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللّهِ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَإِنّهُ لَمْ يَحِلّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي. وَلَمْ يَحِلّ لِي إِلاّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللّهِ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ. وَلاَ يُنَفّرُ صَيْدُهُ. وَلاَ يَلْتَقِطُ إِلاّ مَنْ عَرّفَهَا. وَلاَ يُخْتَلَىَ خَلاَهَا" فَقَالَ الْعَبّاسُ: يَا رَسُولَ اللّهِ إِلاّ الإِذْخِرَ. فَإِنّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ. فَقَالَ: "إِلاّ الإِذْخِرَ) ([107]) .

9) الأمر بتأمين من قصد الحرم قال تعالى :  )وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً(([108])، أي أمنوا من دخله([109])،وقال سبحانه )وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً(([110]) ويقول الله تعالى :) وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً(([111]) أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام الذي من دخله كان آمنا وكذا من قصده طالبا فضل الله وراغبا في رضوانه فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه وقال ابن جرير:إن هذه الآية نزلت في الحطم بن هند البكري كان قد أغار على سرح المدينة فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا عليه في طريقه إلى البيت فأنزل الله عز وجل ) وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً(([112]) .

10)      تحريم الإلحاد والظلم في البلد الحرام،قال تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(([113])أي  ومن يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار عامداً قاصداً أنه ظلم ليس بمتأول .  عن ابن عباس )بظلم( هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك من إساءة أو قتل فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم وقال مجاهد:)بظلم( يعمل فيه عملاً سيئاً وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقب البادي فيه بالشر إذا كان عازما عليه وإن لم يوقعه  عن عبد الله بن مسعود في قوله ) وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ(قال:(لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه الله من العذاب الأليم ) ([114]).

11)      تحريم القتال في البلد الحرام  قال تعالى : ( .. وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ( ([115])ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدأوكم بالقتال فيه فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعا للصائل كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ ثم كف الله القتال بينهم فقال: )وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً(([116]) . ومنع القتال فيه مما خص به البلد الحرام.

12)     تحريم دخول المشركين والكفار مكة المكرمة : قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ([117]).

أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينا وذاتاً بنفي المشركين الذين هم نجس دينا عن المسجد الحرام وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها في سنة تسع ولهذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا صحبة أبي بكر رضي الله عنهما عامئذ وأمره أن ينادي في المشركين أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فأتم الله ذلك وحكم به شرعا وقدراً، وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم) ([118])  وقال تعالى : (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)([119]).

وقد حمى  الله البيت الحرام ممن أراد به السوء كما قال تعالى :  )أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ*أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ *وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ(([120]). يقول ابن كثير : هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود فأبادهم الله وأرغم أنوفهم وخيب سعيهم وأضل عملهم وردهم بشر خيبة .وهذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ولد في ذلك العام على أشهر الأقوال ولسان حال القدر يقول لم ننصركم يامعشر قريش على الحبشة لخيرتكم عليهم ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء ([121]).


 

المبحث الثالث: الأمن في البلد الحرام

استجاب الله دعوة خليله إبراهيم عليه السلام فجعل مكة المكرمة بلداً آمنا كما قال تعالى: ) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمّ أَضْطَرّهُ إِلَىَ عَذَابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ( ([122])فجعل الله أم القرى  مكة المكرمة  بلداً آمنا  من الظلم والإغارات الواقعة على غيره ، فكان الرجل يلقى قاتل أبيه فيه فلا يهيجه. ويكرر إبراهيم طلب الأمن بعد أن استقر اسماعيل وأمه فيه )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ( ([123]). ثم جاء خطاب الله لنبيه محمد صلى الله عليه سلم بقوله  )إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ( ([124]) أي قل -أيها الرسول- للناس: إنما أُمرت أن أعبد رب هذه البلدة, وهي "مكة", الذي حَرَّمها على خلقه أن يسفكوا فيها دمًا حرامًا, أو يظلموا فيها أحدًا, أو يصيدوا صيدها, أو يقطعوا شجرها، وله سبحانه كل شيء, وأُمرت أن أعبده وحده دون مَن سواه, وأُمرت أن أكون من المنقادين لأمره, المبادرين  إلى طاعته.ويذكر الله أهل مكة بأمنها ويمتن به عليهم )وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُون( ([125]) أي وقال كفار "مكة": إن نتبع الحق الذي جئتنا به, ونتبرأ من الأولياء والآلهة, نُتَخَطَّفْ من أرضنا بالقتل والأسر ونهب الأموال, فقال :أولم نجعلهم متمكنين في بلد آمن, حرَّمنا على الناس سفك الدماء فيه, يُجلب إليه ثمرات كل شيء رزقًا مِن لدنا؟ ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون قَدْر هذه النعم عليهم, فيشكروا مَن أنعم عليهم بها ويطيعوه. يقول القرطبي : قال يحيى  بن سلام يقول: كنتم آمنين في حرمي، تأكلون رزقي، وتعبدون غيري، أفتخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي ([126])أي أن يتخطفكم الناس . وفي موضع آخر يقرر أهل مكة بنعمة الأمن بقوله  ) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ(([127]) بمعنى  أولم يشاهد كفار "مكة" أن الله جعل "مكة" لهم حَرَمًا آمنًا يأمن فيه أهله على أنفسهم وأموالهم, والناسُ مِن حولهم خارج الحرم, يُتَخَطَّفون غير آمنين؟ أفبالشرك يؤمنون, وبنعمة الله التي خصَّهم بها يكفرون, فلا يعبدونه وحده دون سواه؟ ([128])ثم يمتن سبحانه على المؤمنين وعلى ساكني البلد الأمين في كف أيديهم عن القتال يوم الفتح فقال:)  وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً( ([129]) .أي أن الله كفَّ أيدي المشركين عنكم, وأيديكم عنهم ببطن "مكة" من بعد ما قَدَرْتم عليهم, فصاروا تحت سلطانكم (وهؤلاء المشركون هم الذين خرجوا على عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ"الحديبية", فأمسكهم المسلمون ثم تركوهم ولم يقتلوهم, وكانوا نحو ثمانين رجلا) وكان الله بأعمالكم بصيرًا, لا تخفى عليه خافية.ثم بين موقف المشركين ومنعهم المؤمنين من دخول الحرم يوم "الحديبية" ومنعوا الهدي, وحبسوه أن يبلغ محل نحره, وهو الحرم وأن الله لم ينزل بهم العذاب رحمة بعباده المؤمنين فقال:) هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً( ([130]) أي ولولا رجال مؤمنون مستضعفون ونساء مؤمنات بين أظهر هؤلاء الكافرين بـ "مكة", يكتمون إيمانهم خيفة على أنفسهم لم تعرفوهم؛ خشية أن تطؤوهم بجيشكم فتقتلوهم, فيصيبكم بذلك القتل إثم وعيب وغرامة بغير علم, لكنَّا سلَّطناكم عليهم؛ ليدخل الله في رحمته من يشاء فيَمُنَّ عليهم بالإيمان بعد الكفر, لو تميَّز هؤلاء المؤمنون والمؤمنات عن مشركي "مكة" وخرجوا من بينهم, لعذَّبنا الذين كفروا وكذَّبوا منهم عذابًا مؤلمًا موجعًا.) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً(([131]) إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم أنَفَة الجاهلية؛ لئلا يقروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك امتناعهم أن يكتبوا في صلح "الحديبية" "بسم الله الرحمن الرحيم" وأبوا أن يكتبوا "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله", فأنزل الله الطمأنينة على رسوله وعلى المؤمنين معه, وألزمهم قول "لا إله إلا الله" التي هي رأس كل تقوى. ورأى رسول الله أنه يدخل هو وأصحابه مكة آمنين فأنزل سبحانه  )لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً(([132]) أي لقد صدق الله رسوله محمدًا رؤياه التي أراها إياه بالحق أنه يدخل هو وأصحابه بيت الله الحرام آمنين, لا تخافون أهل الشرك, محلِّقين رؤوسكم ومقصِّرين, فعلم الله من الخير والمصلحة (في صرفكم عن "مكة" عامكم ذلك ودخولكم إليها فيما بعد) ما لم تعلموا أنتم, فجعل مِن دون دخولكم "مكة" الذي وعدتم به, فتحًا قريبًا, وهو هدنة "الحديبية" وفتح "خيبر".

وأنزل الله سورة كاملة تذكر بنعم الله الجليلة على أهل مكة حيث كانت لهم رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة في الصيف إلى الشام من أجل التجارة ، وقد أكرم الله تعالى قريشاً بنعمتين عظيمتين من نعمه الكثيرة هما: نعمة الأمن والاستقرار ونعمة الغنى واليسر وفي الحديث " إن الله فضَّل قريشا بسبع خصال لم يعطها قبلهم أحدا ولا يعطيها أحدا بعدهم : ـ إن الخلافة فيهم والحجابة فيهم وإن السقاية فيهم وإن النبوة فيهم ونُصِرُوا على الفيل وعبدوا الله سبع سنين لم يعبده أحد غيرهم ونزل فيهم سورة لم يذكر فيها أحد غيرهم لايلاف قريش قال تعالى :) لإِيلافِ قُرَيْشٍ *إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ*فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(([133]). اعْجَبوا لإلف قريش, وأمنهم, واستقامة مصالحهم, وانتظام رحلتيهم في الشتاء إلى "اليمن", وفي الصيف إلى "الشام"، وتيسير ذلك; لجلب ما يحتاجون إليه  )فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ(([134])فليشكروا, وليعبدوا رب هذا البيت -وهو الكعبة- الذي شرفوا به, وليوحدوه ويخلصوا له العبادة.) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (([135]) الذي أطعمهم من جوع شديد, وآمنهم من فزع وخوف عظيم([136]).


المبحث الرابع:واجبات ساكني البلد الحرام وقاصديه

جعل الله الكعبة البيت الحرام مثابة للناس ،و لهذه المنـزلة العظيمة وجب على من حباهم الله بهذا المقام العظيم وشرفهم به أن يدركوا هذه المنزلة العظيمة فيعظموا شعائر الله ، قال تعالى:) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(([137]) هذه البلدة يستوي فيها أهلها والوافدون إليها  قال تعالى : )إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(([138]) فقد جعله الله دار سكنى لكل مسلم وسوى فيه بين الحاضر والباد، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه والمدينة المنورة حصن واق بإذن الله من فتنة المسيح الدجال .

 وتذكر آيات القرآن بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة في قوله تعالى )كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ(([139]) مع شغفه بها كما في قول عَبْدِ اللّهِ بنِ عَدِيّ بنِ حَمْرَاءَ الزهري قَالَ: "رَأَيْتُ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَاقِفاً عَلَى الْحَزْورَةِ، فَقَالَ: (وَاللّهِ إِنّك لَخَيْرُ أَرْضِ اللّهِ، وَأَحَبّ أَرْضِ اللّهِ إِلَى اللّهِ. وَلَوْلاَ أَنّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)([140]) ووعده بأن يرده إليه في قوله تعالى : ) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ( ([141]) .ولما اجتمع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة وفتحت مكة وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة أنزل تبارك وتعالى )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً (([142]).

ولما حج النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بأصحابه في حجة الوداع أنزل الله عليه بمكة ) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( ([143])  ونبهت آيات الكتاب إلى ضرورة الاهتمام بالأعمال الصالحة ، وعدم الاغترار بأعمال الظاهرة فقال تعالى : )أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( ([144]).

 

 

 

 

 

 

الخاتمـــة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات نحمده في البدء والختام ونصلي على نبينا محمد وآله وصحبه الكرام ، ونسأله  أن نكون قد وفقنا في هذا البحث للتعريف بهذا البلد العظيم كما ورد في القرآن الكريم   الذي تناول مكانة مكة المكرمة،  وفضلها، وحرمتها، وحرمة من دخلها وما بها من إنسان وصيد وأشجار والتعريف بها، وذكر بعض أسمائها ، وأهم ما يتعلق بها من أحكام كالصلاة والحج والعمرة والطواف وأهم ما بها من شعائر وأماكن مقدسة ، والحديث عن وسطية البيت معنى وحساً وإثبات ذلك وبيانه من الناحية الهندسية لما يمثله من أهمية للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لتعلقه بالصلاة التي هي من أهم أركان الدين الإسلامي، وما أجمل وأجل حديث القرآن عن هذه البلدة التي تنـزل بين جبالها ووهادها   .

وفقنا الله لما يحبه ويرضاه وجعل أعمالنا خالصة صوابا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه .

 

 

 

 

 

المراجع

1- أحكام الحرم المكي الشرعية وحدوده تأليف عبد العزيزبن محمد الحويطان  الطبعة الأولى بمطابع الحميضي 1425هـ.

2-أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه محمد بن إسحاق الفاكهي دراسة وتحقيق د. عبد الملك بن دهيش .طبع دار خضر بيروت الطبعة الثانية 1414هـ 1994م.3

3- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ط.الأمير أحمد .1403هـ

4-التحرير والتنوير طبع الدار التونسيه عام 1984م

5-تفسير ابن جريرالطبري  جامع البيان عن تأويل القرآن  تحقيق الدكتور عبد الله التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات  بدار هجر  طبع دار هجر  القاهرة  الطبعة الأولى (1422هـ.

6- تفسير ابن كثيرط دار الباز1406 ، طبع مؤسسة الريان بيروت الثانية 1420هـ

6-تفسير الجلالين

7-تفسير الكريم المنان للسعدي

8-التفسير الميسر طبع مجمع الملك فهد

9-الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.صورة للطبعة المصرية. دار إحياء التراث العربي بيروت

10- سنن أبي داود طبع دار الحديث سوريا.

11- سنن الترمذي الجامع الصحيح لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي  بتحقيق أحمد شاكر تصوير المكتبة الفصيلية مكة المكرمة.

12-صحيح البخاري المكتبة السلفية 1400هـ

13-صحيح مسلم للإمام مسلم بن الحجاج تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي صورة لطبعة دار إحياء الكتب العربية مصر.

14-فتح الباري شرح صحيح البخاري  طبع دار المعرفة بيروت.

15-في ظلال القرآن دار الشروق بيروت 1406هـ

16-القرى لقاصد أم القرى . أحمد بن عبد الله محب الدين الطبري ثم المكي تحقيق مصطفى القا طبع دار الفكر الثالثة 1403هـ 1983م.

17-الكعبة مركز العالم  للدكتور سعد المرصفي ص155-181ط: مؤسسة الريان الطبعة الأولى عام 1418هـ.

18- المستدرك على الصحيحين  دار الفكر بيروت 1398هـ.

19- مسند الإمام أحمد .

20- منائح الكرم في أخبار مكة وولاة الحرم تأليف علي بن تاج الدين بن تقي الدين السنجاري (ت 1075). دراسة وتحقيق د. جميل عبد الله المصري وآخرون .   طبع جامعة أم القرى بتمويل منصور أبو رياش .

www.geocities.com


الفهــــرس

الموضوع

الصفحة

المقدمة

3

ملخص البحث

4

الفصل الأول : مكة المكرمة مكانها ومكانتها في القرآن الكريم

5

المبحث الأول : التعريف بمكة المكرمة

6

المبحث الثاني : أسماء مكة المكرمة في القرآن الكريم

8

المبحث الثالث: أهم مواضع مكة في القرآن الكريم

14

المبحث الرابع: مكة المكرمة مركز الأرض ووسطها

18

الفصل الثاني : فضل مكة وتحريمها

21

المبحث الأول : دعوات إبراهيم –عليه السلام- لمكة المكرمة وأهلها

22

المبحث الثاني : فضل مكة وخصائصها

24

المبحث الثالث: الأمن في البلد الحرام

35

المبحث الرابع : واجبات ساكني البلد الحرام وقاصديه

39

الخاتمة

41

المراجع

42

الفهرس

44

 

 


([1])الجامع الصحيح للترمذي (5/679)كتاب المناقب باب في فضل مكة برقم (3925) وقال هذا حديث حسن غريب صحيح..

([2]) ينظر منائح الكرم في أخبار مكة وولاة الحرم(1/205-206)  التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم  (1/33).

([3]) ينظر تأريخ مكة أحمد السباعي (1/15)ط7.  وملامح من تأريخ مكة هانئ ماجد فيروزي (ص50،51) ط1 ، 1419هـ

([4]) ينظر موقع مكة على الانترنت www.makkah.development.gov.sa

([5]) سورة ابراهيم:37.

([6])سورة الحج:27.

 

([7])  ينظر تفسير ابن كثير (1/573).

([8])  أخبار مكة للفاكهي (2/280) منائح الكرم (1/213).

([9])  سورة الفتح : 24.

([10])  ينظر تفسير ابن كثير (1/573).

([11])  سورة آل عمران:96.وينظر تفسير ابن كثير (1/573).

([12])  سورة الأنعام:92.

([13])  سورة الشورى:7.

([14]) ينظر  ( التحرير والتنوير  للطاهر بن عاشور(4/12-13) وفيها " وإنما سميت مكة أم القرى لأنها أقدم القرى وأشهرها وما تقرت القرى في بلاد العرب إلا بعدها، فسماها العرب أم القرى، وكان عرب الحجاز قبلها سكان خيام. وهي القرية العظيمة منها وكانت مكة أعظم بلاد العرب شهرة وأذكرها بينهم وأكثرها مارة وزوارا لمكان الكعبة فيها والحج لها.

([15])  سورة التين:1-3.

([16])  سورة إبراهيم:35.

([17])  سورة إبراهيم :126.

([18])  سورة البلد:2،1.

([19]) سورة النمل :91.

([20])  سورة المائدة :95.

([21])  سورة الحج:33.

  ([22])  أضواء البيان 1/444.

 ([23]) سنن أبي داود (2/297) كتاب الصوم ، إذا أخطأ القوم الهلال (2324).

([24])سورة  محمد : 13./ كما قال ابن كثير في تفسيره ( 4/177).

([25])  سورة (القصص:85)  وهي مكية في قول جمهور التابعين.

([26])  سورة القصص:57.

([27])  سورة العنكبوت 67.

([28])  سورة إبراهيم:37.

([29]) سورة البقرة: 144.

([30]) سورة  المائدة:2.

([31]) سورة الإسراء:1.

([32]) سورة الحج:25.

([33]) سورة الفتح:25.

([34])  صحيح  مسلم   (2/1014)كتب الحج باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة  برقم (1396).

([35])  سنن النسائي(2/33) كتاب المساجد فضل الصلاة في المسجد الحرام  .

([36])  ينظر فتح الباري 3/64ط: دار المعرفة – بيروت ..

([37])  كما في حديث أبي جحيفة عند الشيخين   ، ومسلم في كتاب الصلاة – باب سترة المصلي فتح الباري 3/452،453 وفيه سمى الموضع خيف بني كنانة.

([38])  سورة الأنعام:92.

([39])  سورة الدخان:3.

([40])  سورة الاسراء:1.

([41])ينظر تفسير السعدي ج1/453.

([42])تفسير ابن كثير ج1/186 تفسير السعدي ج1/ص453 فتح الباري (6/407)

([43])  سورة البقرة : 125.

([44])  سورة آل عمران :97.

([45])  التفسير الميسر(62).

([46])  سورة البقرة:158.

([47])  سورة البقرة:198.

([48])  التفسير الميسر(31)

([49])  سورة البقرة:203.

([50])  سورة التوبة :40.

([51])  سورة البقرة: 143.

([52])  سورة البقرة: 143.

([53])  سورة الشورى :7.

([54])  سورة الأعراف:158.

([55])  سورة الأنعام :19.

([56]ينظر مجلة العربي عدد(237) عام 1978م ‍.

([57])  الكعبة مركز العالم للدكتور سعد المرصفي ص 148ط  مكتبة المنار الإسلامية ط1 عام 1918م.

([58])  سورة البقرة: 143.

([59])  سورة البقرة 126.

([60])  سورة إبراهيم: 36،37.

([61])  سورة البقرة 126.

([62])  الجامع لأحكام القرآن (2/119)..

([63])  سورة إبراهيم:37.

([64])  سورة البقرة 127-128.

([65])  سورة إبراهيم:37.

([66])  سورة البقرة:129.

([67])   المستدرك على الصحيحين ج2/ص600. وقال صحيح الإسناد.

([68])  سورة إبراهيم: 36،37.

([69])  سورة البقرة: 253.

([70])  سورة الإسراء: 21.

([71])  سورة القدر :1-3.

([72]) سورة الحج:32 .

([73]) سورة آل عمران:97.

([74])  سورة التين :1-3.

([75]تفسير ابن كثير 4/808.

([76])  سورة القصص:57.

([77])  سورة العنكبوت: 67.

([78])  سورة البقرة:126.

([79])  سورة التين :1-2.

([80])  سورة القصص:57.

([81])  سورة القصص:57.

([82])  سورة البقرة : 125.

([83])  تفسير ابن جرير  جامع البيان (2/518).

([84])  سورة  إبراهيم:37.

([85])  تفسير ابن كثير (2/837).

([86])  سورة الحج :26.

([87])  سورة البقرة 127-128.

([88])  سورة البقرة : 125.

([89])  سورة الحج:26.

([90])  سورة الحج :26.

([91])  سورة البقرة : 125.

([92]) ينظر ابن كثير1/ 256-257.

([93])  سورة البقرة: 144.

([94])  سورة البقرة : 142.

([95])  سورة البقرة : 143.

([96])  سورة البقرة : 144.

([97])  سورة البقرة :149.

([98])  سورة البقرة :150.

([99]) مسند الإمام أحمد (3/343).

([100])  سورة البقرة:196.

([101])  سورة المائدة:95

([102])  سورة المائدة:2.

([103])  سورة المائدة:2.

([104])  سورة الحج:30.

([105])  سورة الحج:32. وينظر تفسير ابن كثير 2/8.

([106])  سورة النمل :91.

([107])  صحيح مسلم-كتاب الحج- باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها، إلا لمنشد، على الدوام برقم (2353).

([108])  سورة آل عمران :97.

([109])  الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4/141.

([110])  سورة آل عمران : 97.

([111])  سورة  المائدة :2.

([112])  سورة  المائدة :2.

([113]سورة الحج:25.

([114]) تفسير ابن كثير3/286-287في تفسير سورة الحج، وقال ابن كثير هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري ووقفه أشبه من رفعه.

([115])  سورة البقرة :191.

([116])  سورة الفتح :24.

([117])  سورة التوبة :28.

([118])  ينظر تفسير ابن كثير(2/455-456).تفسير سورة التوبة  والحديث كما قال ابن كثير تفرد به الإمام أحمد والموقوف أصح.

([119])  سورة الحج:26.

([120])  سورة الفيل  :1-5.

([121])  تفسير ابن كثير 4/711-712.

([122])  سورة البقرة:126.

([123])  سورة إبراهيم :35.

([124])  سورة النمل: 91 .

([125])  سورة القصص:57.

([126])  الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (13/300)

([127])  سورة العنكبوت:67.

([128])  التفسير الميسر(404)

([129])  سورة الفتح:24.

([130])  سورة الفتح:25.

([131])  سورة الفتح:24.

([132])  سورة الفتح:24.

([133])  سورة قريش الآيتان 3، 4.

([134])  سورة قريش:3.

([135])  سورة قريش:4.

([136])  التفسير الميسر(602).

([137])  سورة الحج :32.

([138])  سورة الحج:25 .

([139])  سورة الأنفال:5.

([140])الجامع الصحيح للترمذي (5/679)كتاب المناقب باب في فضل مكة برقم (3925) وقال حديث حسن غريب صحيح..

([141])  سورة القصص:85.

([142])  سورة النساء:58 .

([143])  سورة المائدة:3.

([144])  سورة التوبة:19.