قائمة الروابط

 

التعليم العالي

و تحديات التنمية الإجتماعية

                                          

                                                       د. سعيد عبدالله حارب

                                                 جامعة الإمارات العربية المتحدة

يشكّل مستقبل البشرية محور الاهتمام العالمي في عصرنا فقد بدأ القرن الحادي والعشرين  ـ منذ سنوات قريبة ـ حاملا معه هموم القرن الذي سبقه من مآسي وكوارث او انتصار وفرح ، إلا أن التفكير بالمستقبل يأخذ اليوم صورة جديدة تحمل من الخوف والتردد أكثر مما تحمل من البشائر والآمال ، فمازال القرن الماضي يرمي بمشكلاتة أمام القرن الجديد مشكّلا بذلك عائقا في وجه البشرية يرتفع يوما بعد يوم من خلال ما تخلفه المشكلات المحيطة بالانسان ، سواء كانت مشكلات طبيعية بيئية ، أم مشكلات تدخلت فيها يد الانسان موجهه ومؤثرة ، ولاشك أن مثل هذه المشكلات لا يمكن معالجتها الا من خلال رؤية واضحه لما يريد الانسان من مستقبله، ومدى تأثيره في هذا المستقبل وأدوات هذا التغير والتوقعات المؤمَّلة من ذلك ، آخذا بعين الاعتبار عدة ملامح آلت إليها البشرية ولعل من أبرزها :

1-              محدودية الامكانات الطبيعية التي اعتمد عليها الانسان في حياته خلال القرون الماضية إلا أن حاجة الانسان لاستهلاك هذه الموارد كانت محدودة قياسا على ماهي عليه اليوم حيث امتدت يد الانسان لتحطم كثير من هذه الموارد كالغابات والمناطق الزراعية والموارد المائية مما يوحي باضطراب في التعامل معها، و مع ازدياد حاجة الانسان للموارد الطبيعية ، يزداد تناقصها في سرعة متباعدة بين الامرين ، مما يشكل ازمة حقيقية تنتظر الانسان  .

2-              أبرز التقدم العلمي الذي وصل اليه الانسان مدى ما يمكن للبشريه ان تستفيده من المعطيات العلمية والتقنية، وسخرت له كثير من الوسائل التي وفرت حياة رغيده لنسبة كبيرة من البشر، الا أن هذا التقدم العلمي كانت له ضريبه لم يستطيع الانسان في غمرة حاجته للتقدم العلمي أن يجد لها علاجا متوازيا معها، فقد كان الانبهار بالمنجزات العلمية يشكل غبشا يحجب الرؤية عما تخلفه من اثار تجذرت مع مرور الزمن، وما تلوث البيئة .. والبطالة والامراض النفسية.. وغيرها من المشكلات الا صورة لما تخفيه هذه الصورة تحتها،  ولا يمكن لعاقل أن ينادي بوقف التقدم العلمي، لان ذلك يعني توقف الحياة،الا انه لا يمكن كذلك أن يتجاهل الاثار التي تنتج من ذلك سواء كانت آثاراً اجتماعية أم أخلاقية أم بيئية.

3-              لم تعد المشكلات التي تواجه البشرية اليوم مقتصرة على شعب دون آخر، او دولة دون اخري، فهذه المشكلات تتجاوز كل المعوقات والحدود عابرة القارات والبحار لتصل الى اقصي اطراف العالم معلنة أن مصير الانسان على هذا الكوكب هو مصير واحد لا يمكن ان يتجاهله او يغفل عنه فالانسان الذي يعيش في ادغال افريقيا او الأمزون... ولم يتعرف بعد إلى الأطباق الهوائية، ولم يسمع عن غزو الفضاء.. ولم يركب المركبات الفضائية ولم يتعرف على شبكة الإنترنت ،بات مهددا في حياته البيئية من خلال تدمير الموئل الذي يقيم فيه.. وما ينطبق على الانسان في اسيا يمكن أن نطبقه على ما يعانيه الانسان الاوروبي مع الاحتفاظ بخصوصية كل بيئة ومجتمع ، كل ذلك يشير إلى أن اي جزء من العالم لا يمكن ان يواجه مشكلاته منفردا ، بل لابد من التعاون الدولي بين بني البشر حتى يستطيعوا أن يحافظوا على حياتهم .

4-              إن الاعتماد المتبادل بين البشر يعد احدى سمات عصرنا، فعلى الرغم من سعة الانتاج وتلبية معظم احتياجات الانسان الاوروبي أو الامريكي ـ مثلا ـ  مازال محتاجا الى نفط الشرق الاوسط أو اندونيسيا او نيجيريا او فنزويلا ، ولذا فإن هذه الحاجة يجب ان تدفع البشر في مختلف بقاع الارض للعمل علي تحقيق حد ادني من التعاون بروح متساوية تجعل من الانسان عنصرها الاساسي دون ان يكون هناك ما يميزه بروح الاستعلاء او التبعية من أجل تلبية حاجاته الضرورية التي لا يمكن ان يجدها الا لدى الاخرين .

إن التفكير والعمل لأي المنطقة في ظل المتغيرات المعاصره واستشراف مستقبلها لابد وان ينطلق من محور اساسي وهو " التنمية" ، اذ من خلالها نستطيع رسم وتحديد ملامح المستقبل، فلم تعد التنمية هدفا- للترف - او هدفا تكميليا او تحسينيا كما كان ينظر اليه في السابق، بل اصبحت التنمية هدفا مصيريا تستطيع  من خلاله الدول والشعوب أن تحقق لها ـ في اقل الاحوال ـ مستوى من الحياة تستطيع من خلاله ان تساير او تلحق بركب التقدم العلمي الذي وصلت الدولة المتقدمةو لايمكن أن يتم ذلك إلإ من خلال التعليم، فالتنمية بلا تعليم كالحرث في البحر، والتعليم الذي لا يحقق التنمية انما يرسخ التخلف بصورة مستحدثه.

التنمية المقصودة :                                                                        

        إن البحث يدفعنا إلى الحديث عن مفهوم التنمية، فما نقصده هنا هو التنمية بمعــناها الاصطلاحي وليس اللغوي، كما أن مقصـودنا للتنــمية التي تعني التطــوير بمعناه الواســـع Development  وليس النمــو أو النمــاء بمعــني الزيادة Growth إذ أن التنمية والنمو مفهومان متداخلان ، فلاشك أن التنمية تشمل النمو بمعنى الزيادة ، إلا أن الفــرق بينهما هــو أن الزيادة في النمــو انمــا هي حــركة ثابتــة أو مستمرة وذات مقياس معين في جانب من جوانب الحياة اما التنمية فهي بلاشك زيادة ولكنها زيادة سريعه ومتراكمه ودائمه خلال فترة زمنية قد تطول أو تقصر وتشمل جوانب عده من الحياة، فالتنمية التعلميه - مثلا- لا تعني زيادة في اعداد المتعلمين فقط بل تتجاوز ذلك إلى زيادة في القدرات العلمية للافراد، واثر لهذه الزيادة ينعكس على المجتمع تطورا وتغيرا دافعا بحركة المجتمع نحو التقدم والتطور، إذا أن المقصود من التنمية التغير الكيفي وليس الكمي .

مفهوم التنمية الاجتماعية:

لقد تطور مفهوم التنمية في مراحل متعددة بحيث أصبح مفهوما شاملا , ثم تحول في السنوات الأخيرة ليكون مستداما ، أو مايطلق عليه " التنمية المستدامة " ، ولذا فإن مفهوم التنمية الإجتماعية أصبح جزءً من مفهوم التنمية المستدامة ، لكن ذلك لايمنع من الإشارة الي بعض الآراء في التنمية الإجتماعية ،ولعل من أقدم الآراء في ذلك تعريف المجلس الإقتصادي و الإجتماعي للأمم المتحدة ، الي برز عام 1955 و يشير إلى أن التنمية الإجتماعية " العملية المصممة لخلق ظروف التقدم الإجتماعي و الإقتصاديى ، معا عن طريق مشاركة الأهالي إيجابيا في هذه العملية " ، لكن ( روستوف ROSTOW   ) يعرف التنمية الإجتماعية بأنها " عملية تخلي المجامعات المتخلفة عن السمات التقليدية السائدة وفيها و تبني الخصائص السائدة في المجتمعات المتقدمة(1) .

مع أهمية هذا لاتعريف إلا أننا لانسلم بلإطلاقه لأن الخصائص السائدة في المجتمعات في المجتمعات المتقدمة ليست بالضرورة مناسبة للمجتمعات الأخرى كالمجتمعات النامية ومن بينها المجتمعات العربية و الإسلامية ، خاصة في مجال التنمية الإجتماعية ، إذ أنها تختلف عن بقية جوانب التنمية الأخري كالتنمية الإقتصادية و البيئية وغيرها ، فهي تدخل في نسيج المجتمع و مكونات الدينية والثقافية و السلوكية .

 لذا فالتنميةالإجتماعية باعتبارها مرتبطة بحياة الانسان وتطورها وتغيرها فهي " عبارة عن عمليات تغيير اجتماعي تلحق بالبناء الاجتماعي ووظائفه، بغرض اشباع الحاجات الاجتماعية للافراد، ولما كان هذا التغيير الاجتماعي ينصب على كل تغير يقع في التركيب السكاني للمجتمع أو في بنائه الوظيفي ، أو في نظمة الاجتماعية، أو في أنماط العلاقات الاجتماعية او القيم والمعايير التي تؤثر في سلوك الافراد والتي تحدد مكانتهم وادوارهم في مختلف التنظيمات الاجتماعية التي ينتمون اليها، فإن التنمية الاجتماعية تنصب على كل هذه الجوانب، كما تتناول مختلف المشكلات المتصلة بالتغير الاجتماعي كالفوارق الكبيرة في مستويات المعيشه بين الاغنياء والفقراء والاصلاح الزراعي والمشكلات العمالية ومشكلات الهجرة من الريف الى الحضر، ومشكلات التغير الاجتماعي السريع (2).

الإسلام و التنمية الإجتماعية :

        جاء بالاسلام من أجل سعادة الانسان وحياته الكريمه لا في الآخرة وحدها بل في الدنيا قبل ذلك، ولذا فإن مما يهدف إليه الدين هو دفع الانسان لكي يجعل من ايمانه واعتقاده منطلقا نحو سعيه في الحياة وبناءه لها وفق قواعد واسس سليمه تقوم على الفضائل والاخلاق والمساواة والعداله، بل إننا نكاد نلمس ذلك في كثير من العقائد والمباديء الانسانيه - غير الدينيه- ولذا فإن ما يسود من تصور خاطيء ـ عند بعض الباحثين ـ من أن الدين يعتبر عائقا للتنمية أو التطور، انما هو تصور خاطيء مرجعه وسببه موقف فكري أو سياسي أو عدم فهم لحقيقه الدين واهدافه أوعجز عن استيعاب ذلك بروح علمية منفتحه مسثمرة جميع العناصر والموثرات لدفع الانسان نحو التنمية، والدين أحد هذه العناصر المؤثره.

        كما جاء الإسلام بروح قوية تدفع الانسان إلى ان يتفكر فيما حوله ويستثمر ما منحه الله له من قدرات ذاتية أو من الطبيعه، وأن يجعل من فكرة التنمية والتطور فكرة ملازمة لايمان الانسان بدينه وربه، يقول تعالى : " افلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، فانها لا تعمى الابصار، ولكن تعمى القلوب التى في الصدور"(3)

        وقد دعى الاسلام إلى النظر في الكون، يقول تعالى : " قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشيء النشأة الأخرة إن الله علي كل شيء قدير "(4)

        كما دعى الى التفكر، بقوله تعالى :"وهو الذي مد الارض وجعل فيها رواسي وانهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون"(5)

بل دعى الاسلام الى تعمير الارض والاستفادة من خيراتها يقول تعالى " هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه، إن ربي قريب مجيب"(6)

        قال ابن كثير في تفسير هذه الأية  : " استعمركم فيها اي جعلكم عماراً تعمرونها وتستعنونها"(7).

        وقال القرطبي :أي جعلكم عماراً للأرض، وليس هناك أدق من مفهوم التعمير للتعبير عن التنمية في مفهومها الإسلامي، إذ ليس المقصود من ذلك هو التعمير المادي الحسي، بل التعمير بمعنى التطوير والتنمية، وقد ذهب الفقهاء إلى أن التعمير أو التنمية بالمفهوم الدقيق واجب على كل مسلم كما يشير إلى ذلك القرطبي في تفسيره لهذه الآية(8 )

        وإذا كان الإسلام يجعل من التنمية واجباً على المسلمين فإن رؤيته للتعليم لا تقل عن ذلك بل يعتبر الدين الإسلامي أحد العناصر المؤثرة في التعليم حيث اهتم الإسلام بالتعليم والتعلم وحض عليه، بل إن أول كلمة نزلت من القرآن الكريم كانت كلمة (اقرأ)، للدلالة على أهمية العلم والقراءة، ولم يكتف الإسلام بالإهتمام بالعلم عند الإشارة إليه، بل جعل العلم طريقاً للإيمان حين قال تعالى : (إنما يخشى الله من عباده العلماء) . (9)

        وتكررت الآيات التي تدعوا الإنسان إلى النظر في ملكوت الله والتفكر في مخلوقاته فنجد أن كثيراً من الآيات تختم بقوله تعالى : (أفلا تعقلون) (أفلا تتفكرون) (لقوم يعقلون) (لقوم يعلمون) .

        ولا شك أن التفكير والعقلانية والتدبر لا يمكن أن يتحقق لإنسان جاهل لا يعلم من الحياة شيئاً ، وليس المقصود من إطلاق لفظ العلم والتعلم في الإسلام مقصور على تعلم الأمور الدينية الشرعية فقط، بل المقصود بذلك – إلى جانب العلم الشرعي – كل علم يخدم الأمة والإنسانية ويحقق أهدافها في الخير والسعادة، ولقد أنكر الإمام الغزالي – رحمه الله- على أهل قرية من المسلمين توجه جمهور الناس فيها إلى تعلم الفقه ونحوه، وتركوا جوانب العلم الأخرى حتى لم يوجد في قريتهم طبيب يعالج مرضاهم إلا طبيب يهودي!! بل اهتم الإسلام بالعلم إلى أن جعله مقدم على العبادة – أحياناً – حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم"(10) .

وروى عنه حذيفة بن اليمان "فضل العلم خير من فضل العبادة"(11) .

وهكذا نجد المنزلة التي وصفها الإسلام للعلم والعلماء حين فضلهم وقدمهم على العبادات النافلة، بل رفع الرسول صلى الله عليه وسلم منزلتهم إلى أن جعل منزلتهم وفضلهم على الناس كفضل النبي صلى الله عليه وسلم على أدنى الصحابة.

وورد كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أن "العلماء ورثة الأنبياء" ، وقد سار الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون على المنهج الذي رسمه لهم الإسلام في الإهتمام بالعلم، فعن ابن مسعود قال : الدراسة صلاة، أي العلم والدراسة عبادة مثل الصلاة، وعن أبي الدرداء قال : مذاكرة العلم ساعة خير من قيام ليل .

وقال قتادة : باب من العلم يحفظه الرجل لعلاج نفسه ، وصلاح من بعده أفضل من عبادة حول أي عبادة سنة، وقال الشافعي : "طلب العلم أفضل من صلاة النافلة"(12) .

ويعتبر تعلم التخطيط والإحصاء – اللذان هما عماد الدراسات المؤسِسة للتنمية – من المعارف التي حث الإسلام على تعلمها، حيث اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بالإحصاء حين أراد التعرف على عدد المسلمين فأمر بإجراء – ما يمكن أن نسميه – تعداد سكاني – فقد روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "احصوا لي كم يلفظ الإسلام" ، وفي رواية البخاري أنه قال : اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس ، وقال حذيفة : فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل .

        أما التخطيط ، فقد كان سمة الحياة الإسلامية سواء كانت وقت السلم أم الحرب، بل هو سمة الرسالات السماوية في كل عهد، ولعل أبرز الذين اهتموا بالتخطيط من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يوسف عليه السلام حين وضع خطة لمصر لمواجهة السنوات العجاف التي كانت تواجهها ، وقد حدث القرآن عن ذلك بقوله تعالى "تزرعون سبع سنين دأباً، فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون، ثم يأتي بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون، ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون "(13) .

        وهكذا يجد المتتبع للجانب العلمي والتعليمي في الحياة الإسلامية صوراً واضحة لاهتمام الإسلام بالعلم والعلماء، مما يعد مؤثراً إيجابياً يدفع بالمسلمين إلى إعطاء العلم والتعلم جانباً كبيراً من إهتمامهم حتى يكون ذلك دافعاً لهم لتنمية أوطانهم .

إن مفهوم التنمية في الإسلام مفهوم واضح ومستقر، وقد أسهم خلال العصور الماضية في إيجاد تنمية ( تعمير ) في المجتمعات الإسلامية ، وهو قادر على الإسهام من جديد في تنمية هذه المجتمعات ، إذا أُحسن توظيف التوجتهات و المقاصد العامة في الإسلام  الداعية إلى الأخذ بأسباب التقدم و التنمية ، خاصة وأن للإسلام رؤيته المتميزة لمفهوم للتنمية ،كما يصوره الإقتصادي الباكستاني الدكتور خورشيد أحمد من خلال :

"1- المفهوم الإسلامي للتنمية له خصائص الشمولية والتوازن، بحيث يشمل الجوانب المادية والروحية معًا، ويلبي حاجة الفرد والجماعة في تناسق تام وتناغم.

2-    الجهد التنموي يهتم بالإنسان، وهذا يعني أن التنمية موجة للإنسان ولترقية حياته المادية والاجتماعية والثقافية والبيئة المحيطة به.

3-    عملية التنمية في المفهوم الإسلامي هي نشاط متعدد الأبعاد ولا يقتصر على جانب دون الآخر، والإسلام يسعى إلى إحداث التوازن في الحياة بين العوامل والقوى المختلفة.

4-    الإسلام يحاول إعادة التوازن بين المتغيرات الكمية والنوعية، وهذا ما تسعى إليه التنمية الاقتصادية في إطارها التطبيقي.

        5-    الاستخدام الأمثل للموارد، وتحقيق التوزيع المكافئ والمتساوي للعلاقات الإنسانية على أساس العدل والحق." (14)

 

 

التعليم العالي و التنمية الإجتماعية :

يحتلّ التعليم العالي مكاناً بارزاً في التنمية الإجتماعية بل التنمية الشاملة ، و قد لا نتجاوز الحقيقة حين نذكر أن التنمية حتى عند الذين يتصوّرون مفهومها تصوّراً جزئياً ـ اقتصادية أو اجتماعية ـ لا يغفلون دور التعليم بصفة عامة ، والتعليم العالي ـ بصفة خاصة ـ  و يجعلونه في مقدمة الركائز الأساسية التي تقوم عليها التنمية ، باعتبار الإنسان هو العنصر الأساس في كل مشروعات التنمية ، ولا يمكن صياغة الإنسان و إعداده إلا من خلال برامج و خطط تعليمية و تربوية تتناسب مع متطلبات التنمية علمياً و فكرياً و مهنياً بحيث يكون الإنسان مهيّئاً للقيام بالدور المطلوب منه في ذلك .

إن من نافلة القول إن التعليم العالي  يعتبر أحد المقومات الأساسية لمشاريع التنمية في مختلف جوانبها حيث تعتمد الدول في دراساتها المسبقة لمشروعات التنمية الشاملة على دراسة الواقع التعليمي ، ومدى تأثيره على هذه المشروعات سواء كانت في مجال التنمية الإقتصادية أو الإجتماعية أو التربوية أو غيرها مما يعد فروعاً للتنمية الاساسية وهي التنمية البشرية ، فالإنسان هو الهدف لكل هذه المشروعات فمنه وإليه توجه برامج التنمية المختلفة ، إذ أن الإنسان هو عنصر العمل الذي تقوم به هذ البرامج ، يقول الدكتور/ نادر الفرجاني: "المقصود بالتنمية البشرية هنا هو تنمية عنصر العمل ضمن العملية الإنتاجية، وهي لا تختلف في ذلك عن تنمية المصادر المالية ، الطبيعية ، وهي تعني بالفرد داخل المجتمع وبالمؤسسات التي تزوده بالمهارات وبالمعارف اللازمه ليصبح عنصراً فعالاً في المجتمع إبتداءً بالإدارة التي تزود النشء بالزاد المادي والمعنوي ، ومروراً بالمؤسسات التعليمية - التي تلقنه مبادئ الإستدلال المنطقي وتزوده بالمعارف والمهارات الأساسية ومكارم الأخلاق ، وبالمؤسسات الإقتصادية عبر التلمذة والتدريب المستمر – التي تجعله يواكب التطورات التقنية الحديثة وينمي انتاجيته باستمرار ، وانتهاء بالتنظيم الاجتماعي الكفء الذي بدونه تبقى القوى البشرية مجرد إمكانيات غير مستغلة "(15) .

والواقع أن التعليم العالي يؤثر في التنمية ، وخاصة التنمية الإجتماعية تاثيراً مباشراً ، حيث يستطيع الإنسان المتعلم أن يصوغ مشروعات التنمية وبرامجها وفقاً للدراسات والبحوث والمقاييس العلمية السليمة التي تجعل من هذه البرامج والمشروعات مطابقة لحاجته ولواقعه بل ولتطلعاته المستقبلية، كما يستطيع أن يستخدم الأدوات العلمية في القياس والتقويم للنتائج التي تصل إليها هذه البرامج، ويحلل هذه النتائج لقياس مدى النجاح أو الفشل في تحقيق الأهداف المرسومة للتنمية في مجتمعه، وبين وضع المشروعات والبرامج وانتهاءً بالتقويم والقياس تحتاج هذه المشروعات والبرامج إلى إنسان متعلم يستطيع أن يفهم ويطبق هذه التنمية في أحدث ما يمكن أن يستفيد منه سواء كان ذلك في ميدان النظريات والتصورات أو في ميدان استخدام الأجهزة والوسائل والمعدات التقنية الحديثة .

ولذا فإننا لا نبالغ إذا قلنا إن أي مشروع للتنمية في أي مكان من العالم لا يمكن أن يؤسس على قواعد صحيحة ويحقق أهداف إذا لم تتولاه عناصر بشرية متعلمه ، مدربه ومؤهله على تنفيذه .

و قد عُني الباحثون و الدارسون للتنمية بالتعليم العالي و أهدافه و أسسه و مخرجاته التي تقوم عليها برامج التنمية ، فبمقدار ما تتم صياغة فلسفة التعليم العام و العالي وسياساته وأهدافه وبرامجه صياغة جيدة تراعي احتياجات المستقبل من القوى العاملة المؤهّلة و المدرّبة لتحقيق برامج ، تتم الاستفادة من نتائجه بصورة إيجابية و جيدة ، أما إذا وُضعت هذه الأهداف و البرامج التعليمية دون مراعاة لحاجة المجتمع و توقعاته المستقبلية فإن ذلك يؤخّر مسيرة برامج التنمية ، بل قد يتحوّل ذلك إلى معوّقات تقف أمام تلك البرامج و تشكّل مع مرور الأيام تراكماًمن المشكلات تصعب معالجته.

        لذا نجد الباحثين قد اهتموا بتعليم الفرد و تكوينه و محاولة الكشف عن جوانب الضعف و القوة فيه من خلال تعليمه تعليماً جيداً يحقق الأهداف المطلوبة منه مؤكدين على أهمية النظرة الشمولية للإنسان باعتباره كائناً يتمتع بخصائص و مميزات نفسية و عقلية و جسدية يحتاج كل منها إلى أن يُفرد باهتمام و رعاية المخططين لسياسات التعليم و أهدافه و غاياته .

وفي ظل هذا التصور لدور التعليم في تنشئة الإنسان و تعليمه حتى يؤدي دوره في التنمية استطاعت كثير من الدول - خاصة الغربية - أن تصوغ التربية و التعليم وفق هذا التصور ، مما حقق لها خطوات واسعة في مجال التنمية الشاملة ، فماذا عن التعليم و التنمية في عالمنا العربي و الإسلامي ؟ هل استطاعت برامج التعليم و مناهجه في عالمنا العربي استيعاب ذلك ؟

لقد أثارت وثيقة اليونسكو التي أعدتها للمسؤولين العرب عن التعليم في اجتماعهم المنعقد في عمان/ الأردن قضية تخلف التعليم العالي حيث جاء في هذه الوثيقة ما يلي: "إن واقع التعليم العالي العربي، بالرغم من التطورات الكبيرة التي حدثت في العقود الثلاثة الأخيرة، إلا أنه لا يزال يعج بالسلبيات المتعددة التي تعيق مسيرته نحو المشاركة الفعالة في تحقيق التنمية الشاملة، بما يقتضي ضرورة إعادة النظر في فلسفات التعليم العالي وأهدافه وممارساته، وإدخال تعديلات جوهرية على مختلف عناصره إذ ما أريد له أن يلعب أدواراً أكثر فعالية في تحقيق التنمية العربية (16) .

هذا ما ذكرته الوثيقة، أما مكتب التربية العربي لدول الخليج، فقد كان أكثر وضوحاً وصراحة، فقد عقدت ثلاث ندوات فكرية متعلقة بالتعليم العالي، ودوره في خطط التنمية، لخصها وزيرالتربية و التعليم ـ السابق ـ بالمملكة العربية السعودية ، الدكتور/ محمد أحمد الرشيد بقوله : "إن التعليم العالي يخرج جيوشاً جرارة في تخصصات تقف على هامش التنمية في الوقت الذي يتعطش فيه الخليج إلى الفنيين والتكنولوجيين، وإن خريجي هذه الجامعات الخليجية بأغلبيتهم العظمى يتوجهون إلى سلك الخدمة المدنية، بصرف النظر عن تخصصاتهم، وهكذا يلتقي  خريج كليات الآداب والعلوم والزراعة والحقوق في غرفة واحدة، ويكادون يؤدون العمل الروتيني نفسه، بما في ذلك من ضياع وإهدار لطاقات البشرية، وترتفع الأصوات موجهة اصبع الإتهام إلى الجامعات لتركيزها على البحوث النظرية الخالصة، وإهمالها للبحوث العلمية التطبيقية التي تعالج مشكلات التربية، والصحة والإسكان، وعزوفها عن تقديم الخدمات الإستشارية بشكل منهجي إلى مؤسسات مجتمعها" (17) .

و يلخّص أحد التربويين العرب و هو الأستاذ أحمد فؤاد شريف موقف النظام التعليمي العربي من التنمية بقوله إن : " التربية في معظم الأقطار العربية رغم ضخامة أعدادها و تكاثر مؤسساتها و ارتفاع الإنفاق عليها و رغم ما تمتلئ به تقاريرها من صور مشرقة ، ما زال بينها و بين التربية التي تؤدي إلى التنمية البشرية و بالتالي إلى التنمية الشاملة بونٌ شاسع ، قد يغدو صراعاً و تعارضاً في بعض الأحيان "(18).

 

ويضيف الدكتور أسامة عبد الرحمن بقوله : " إن التربية حين تغدو حقاً في خدمة التنمية الفعلية الشاملة فإنها تؤدي الدور المرجو منها لأن هذه التنمية هي التي تحقق الكيان القوي اقتصادياً و سياسياً و إدارياً و تكنلوجياً وثقافياً واجتماعياً ، و حين يكون هناك مثل هذا الكيان فإن التصدي للتحديات بأبعادها المتعددة لن يكون بالأمر الصعب "(19).

        إن استقصاء الواقع يشير إلى أن هناك مشكلة في ربط التعليم العالي ببرامج التنمية الإجتماعية على الرغم من القول بهذا الإرتباط على المستوى الرسمي، إذ تغيب برامج التنمية الإجتماعية التي ترتبط بالتعليم في معظم المؤسسات العربية و الإسلامية ويكاد يعمل كل فريق في جزر معزولة عن الأخرى، ولا أدل على ذلك من الأعداد الهائلة التي تخرجها مؤسسات التعليم العالي أو العام دون أن تجد لها مكاناً في برامج التنمية الشاملة مما يشكل عبئاً على الدول في تعليم هؤلاء واستيعابهم في مؤسسات الدولة العامة أو الخاصة، إضافة إلى ذلك فقد أدى عدم ربط التعليم العالي ببرامج التنمية الإجتماعية إلى وجود برامج تعليمية لا تحقق أهداف التنمية على المدى القريب أو البعيد إضافة إلى سوء توزيع لمخرجات التعليم العالي، لكن المشلكة تبدوا أكبر إذا نظرنا إلى الخطط التنموية العربية إذ أن معظم الدول العربية تفتقد إلى الخطط بعيدة المدى وتفتقد معها ربط التعليم العالي بهذه الخطط، وإذا كانت كثير من دول العالم تعاني من البطالة فإن المجتمعات العربية تعاني إلى جانب ذلك بطالة في الإنتاجية التي تتدنى إلى مستويات مؤثرة في برامج التنمية المنشودة ، ولذا فإن صياغة العقلية العربية القابلة لمفهوم التنمية من خلال التخطيط وإعداد البرامج والخطط طويلة الأمد، وربط التعليم بذلك يمكن أن يحق الهدف التنموي المقصود من التعليم في البلاد العربية.

ومع هذا الدور المؤمل من الجامعات ومؤسسات التعليم العالي في الوطن العربي إلا أنها مازالت تواجه تحديات كثيرة ، لعل أبرزها هو تلبية احتياجات المجتمع من برامج التنمية المختلفة، فحداثة النشأة وسرعة مجريات الأحداث تجعل التفكير اليومي أو التفكير للسنة القادمة في خطط وبرامج التعليم العالي هو الشغل الشاغل للقائمين على هذه المؤسسات  الواقع أن نظام التعليم العالي يلبي احيتاجات التنمية الاجتماعية - الأنية – وعلى أكثر تقدير يلبي ما بعدها بسنوات قليلة، ولا يخرج هذا الدور عن توفير العناصر المتعلمة والمؤهل تأهيلاً أولياً للقيام بأدوراها المهنية أو الوظيفية، لكن ذلك لا يمس صلب التنمية الإجتماعية .

إننا عندما نتحدث عن برامج التعليم العالي العربية يقفز إلى أذهاننا القوى البشرية العاملة، باعتبارها أساس التنمية، ومع أهمية هذا الجانب، الذي أوليناه كل رؤآنا نحو التنمية إلا أن ذلك لم يحقق لنا الكفاية من العمالة الوطنية المؤهلة والمدربة لأن معظم خريجي مؤسسات التعليم العالي هم من خريجي التخصصات النظرية، ومع أهمية هذه التخصصات إلا أن الحاجة الأكبر هي للتخصصات العلمية والتطبيقية ..

تحديات أمام التنمية الإجتماعية :

 

أولا : التغير الإجتماعي :

التنمية ذات البعد اجتماعي تمتد إلي جميع جوانب المجتمع مؤثرةٍ ومغيرةً ، وتتلازم التنمية والتغير الاجتماعي تلازما مضطردا، فكلما اتجه المجتمع نحو التغيير والتطور كلما أدى ذلك الى سرعة في التنمية، والعكس صحيح ايضا، فكلما كانت برامج التنمية موثره في المجتمع كلما أدى ذلك إلي تطوره وتغييره.

فالتغير اجتماعي كما يراه (ديفيز كينجسلي Kingsleg ) هو "التحول الذي يقع في التنظيم الاجتماعي ، سواء في تركيبه وبنيانه أو في وظائفه"(20) ، بينما يذهب (أوجبورن Ogborn ) إلى أن التغير الاجتماعي هو "التحولات التي تحدث في التنظيم الاجتماعي أي التي تحدث في بناء المجتمع ، ويشير التغير الاجتماعي غالباً إلى التغير في السلوك الإنساني فيما التغير الثقافي يتعلق بإبداع الإنسان " (21) . 

وتعتبر القيم والعادات والتقاليد إحدى المقومات الأساسية للحياة الإجتماعية أي مجتمع ولا يمكن فهم سلوك الأفراد و المجتمعات –بصفة عامة- إلا بفهم البيئة التي نشأ فيها وتأثر بها فالسلوك ليست إلا نوع من التعبير الإنساني عن مكوناته الذاتية التي تأتي القيم والعادات والتقاليد كجزء منها ، كما أنه تعبير عن النشاط الإنساني الذي تحدده القيم والعادات والتقاليد وتصبغه بصبغتها والتي هي بدورها  "موجهات للاختيارات وأنماط السلوك الاجتماعي ، وإذا كانت تتحدد بالسياق البنائي والاجتماعي ، والذي يقرر ما يسمى بالعموميات والقيم المشتركة فإنها تتأثر بأنماط الوجود الاجتماعي للأفراد والمجموعات ، والتي تحدد فرصهم المجتمعية ومصالحهم وخبراتهم ، ولهذا تتباين القيم بتباين المجموعات والشرائح الطبقية ، وثمة مستوى ثالث هو مستوى فردي ، وإن تأثر بالمستويين السابقين ، البنائي والطبقي فهو يرتبط بالخبرة الفردية وبتكوينه النفسي"(22) .

إلا أن القيم والعادات والتقاليد تختلف عن بقية جوانب التغير الإجتماعي بارتباطها المباشر بالمجتمع إذ تنطلق منه محققه للإنسان فكره وتصوراته وعلاقاته بالآخرين .

كما أن القيم والعادات والتقاليد تتميزبأنها سريعة التغير والتبدل من خلال عملية التغير الاجتماعي ، والتي تبدو واضحة من خلال سلوك الإنسان وعمله وتصرفه .

ولذا فالقيم والعادات والتقاليد كثيراً ما ترتبط بالمورث التاريخي والأعراف السائدة ، كما ترتبط بالبيئة المحلية ، وهي بذلك تختلف من بيئة إلى أخرى ومن مجتمع لأخر وفقاً لمكونات هذا المجتمع وخصائصه ، فتجد أن هناك اختلافاً في العادات بين سكان الصحراء عنها لدى سكان المدن ، وسكان الريف والبادية عن سكان السواحل والأنهار ، كما تختلف قيم وعادات المجتمعات الصناعية عن مثيلاتها من المجتمعات الزراعية ، بل إن المجتمع الواحد تختلف فيه هذه القيم والعادات والتقاليد من مرحلة زمنية لأخرى وفقاً لتطور هذا المجتمع وتغيره الذي يرتبط عادة بالمستوى التعليمي والاقتصادي للمجتمع ، وهذا ما تميزت به المجتمعات العربية والإسلامية إذ أسهم النمو الاقتصادي في بعض الدول العربية و الإسلامية ـ خاصة دول النفط ـ في التغير الاجتماعي السريع وأحدث تبدلات واسعة في نمط الحياة بصفة عامة ، بل ذهب البعض إلـى "أن آثار البترول في المنطقة العربية يمكن أن تقارن بالآثار التي ترتبت على ظهور الإسلام واكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح أو شق قناة السويس ، فقد صاحب اكتشافه اهتزاز القيم التقليدية في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المنطقة ، فضلاً عن أنه أوجد نمطاً جديداً في قلبها"(23) .

وإذا كانت مثل هذه الآراء تتسم بالمبالغة إلا أن ذلك لا يمنع من القول أن الثروة النفطية والنمو الاقتصادي أنشأ تحولات سريعة ، وبدأ الناس يشعرون –بإرادتهم أو بدونها- انهم يتعرضون لتغيرات تمس قيمهم وتقاليدهم وعاداتهم التي كانت راسخة منذ قرون ولم يمسها التغيير إلا في جوانب محدودة ، فجاءت المرحلة الأخيرة لتدفع بهذه القيم إلى صورتين من التعامل مع هذه المستجدات ، إذ وقف البعض من عملية التجديد والتغيير الاجتماعي موقف الرفض ودخل في صراع بين الحداثة والآصالة والتقليدي والحضري ، والتخلف والتقدم ، وحاول مقاومة هذا التغير السريع الذي لم يترك له مجالاً للمراجعة وإنما تجاوزه ليفرض واقعاً يعيشه ولذا تراجع هذا البناء وتضاءل تأثيره مع الأيام ، أما التيار الآخر فهو الذي تعامل مع التغير الاجتماعي كـ(قدر) لا مفر منه مطالباً بالاندماج في كل مستحدث منها ، وعلى الرغم من قوة العوامل  المؤثرة إلا أنه لم يلق ترحيباً في المجتمعات العربية و الإسلامية ، نظراً لارتباطها الوثيق بهذه القيم والتقاليد خاصة تلك التي تستمد جذورها من المعتقدات والقيم الإسلامية الثابتة ، كما أن تراجع حالة (الانبهار) التي أصابت المجتمعات أوجد تياراً ثالثاً حدد موقفه من التغير الاجتماعي من خلال (الانتقائية) في التعامل مع هذا التغير .

إن الوعي بمستجدات التغير الاجتماعي وآثاره جعلت المجتمعات العربية والإسلامية ـ وخاصةالخليجية ـ تراجع موقفها من ذلك وتعمل على الحد من آثارها ، ولعل أبرز تلك المستجدات هو الهجرة الوافدة إلى المنطقة وما تحمله من تعميم وتقاليد لا تناسب في كثير منها القيم و العادات و التقاليد السائدة ي المنطقة .

ولا يقل عن تأثير القوى العاملة المهاجرة ما تعانيه من مشكلات اجتماعية من خلال التحول الاجتماعي غير المنظم، إذ لم يعد هناك خلاف في أهمية التغيير الاجتماعي وضرورته وأثره في تقدم المجتمع إلا أن ذلك كله لا يبرر الفوضى الاجتماعية ذات التأثير السلبي وشيوع روح الاستهلاك وغيرها من المشكلات التي تقرع أبواب مؤسساتنا التعليمية باحثة عن حلول لها على يد أهل الإختصاص .

إن المجتمعات العربية و الإسلامية تمر بتحولات إجتماعية واسعة وسريعة ، مما يلقي على مؤسسات التعليم العالي دورا في معالجة هذه التحولات و التعامل العلمي معها ، فما تزال مؤسسات التعليم العالي محضناً للريادة و القيادة في المجتمع ، فهي التي تقود المجتمع نحو التغيرات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و الثقافية ، و من أروقتها تنطلق عملية التطوير و التقدم ، و على الرغم من تراجع هذا الدور لمؤسسات اخرى كالمؤسسات الرسمية و مؤسسات المجتمع المدني و قوى الحراك الاجتماعي إلا أن مؤسسات التعليم العالي ما زالت هي الموئل الذي يلجأ إليه المجتمع كلما احتاج إلى حل قضية من قضاياه ، لما لهذه للمؤسسات  من تقدير و احترام و مكانة مرموقة لدى أفراد المجتمع ، و من هنا يعظم دور هذه المؤسسات تجاه مجتمعاتها في قيادته قيادة رشيدة نحو تطويره و تقدمه .

إن المجتمعات محتاجة على الدراسات و الخبرات و التجارب المتعلقة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية ، فالظواهر الإجتماعية كظاهرة المخدرات أو العنف الأسري أو التسرب الدراسي  أو ظاهر الفقر أو الاستهلاك في المجتمعات الغنية أو الهجرة الداخلية من الريف إلى المدينة أو الإرهاب والتطرف  أو غيرها، لايمكن دراستها الإمن خلال المؤسسات التعليمية العليا و نجاح المؤسسات الجامعية في هذا الجانب يتحقق من خلال نقل إنتاج البحث العلمي من الدراسات و البحوث والمختبرات و قاعات البحث ليكون ثقافة عامة يتلقاها المجتمع بقبول حسن و يعمل على دعمها من جهة و تطبيقها من جهة أخرى .

إن دور المؤسسات التعليمية العليا تجاه من يعيش خارج أسوارها ، دور لا يحظى باهتمام و دراسة كثير من تلك المؤسسات، فرسالتها في تطور المجتمع و تقدمه تتسع بقدر نشاط تلك المؤسسات و إسهامها في خدمة مجتمعها  ، فالجامعات في كثير من الدول تقود عملية الحراك الاجتماعي بما فيه من تغيير سريع أو بطيء ، فتسهم عمليات التوعية و التوجيه و رصد هذا الحراك و نقل التجارب الجيدة و رفد المجتمع بكثير من عمليات النقد و الجدال الإيجابي و هزّ القواعد المستقرة لكثير من السائد السيئ في المجتمع و إبدالها بالإيجابي و المتطور و المفيد ، و تبنّي المواقف الشجاعة و الجريئة حتى لو اصطدمت بما عاشه الناس سنين طويلة ، و القيام بعملية التنوير و عقلنة المجتمع و نقله من الفكر الأحادي الذي يفرض نفسه على الآخرين إلى فكر تتعدد فيه الآراء و تختلف دون تصادم مع الثوابت و المسلمات العقائدية و الاجتماعية أو الأخلاقية ، كل ذلك مما يجعل رسالة مؤسسة التعليم العالي أوسع من مجرد مؤسسة تعليمية عليا بل يجعل منها مشعل ريادة و قيادة في المجتمع ، و هذا يتطلب حرية فكرية و ثقافية و أكاديمية يشعر بها كل منتسب لهذه المؤسسات و تصبح منهجاً يسير عليه كل أستاذ أو باحث أو طالب.

إن رسالة المؤسسة الجامعية في قيادة عملية التغير الإجتماعي ليست فعلاً مؤقتا ، بل رسالة متجددة في المجتمع تعمل على تغييره و تطويره ، و هذه الرسالة مقدمة لإيجاد أي تغيير إيجابي في المجتمع ، و ما لم تتولى المؤسسات التعليمة قيادة عملية التغيير فإنها ستوكل إلى مؤسسات أخرى لا حظ لها من المعرفة و الحرية و الثقة مثلما لمؤسسات التعليم العالي ، و ستدفع بالمجتمع إلى أتون الاضطراب و التشتت .

 

ثانيا : مكانة المرأة :

 

مازالت الرؤية لعمل المرأة ومشاركتها في الحياة العامة من القضايا التي تستثير الباحثين والدارسين ، بل تستثير التقارير والتعليقات الاجتماعية من خلال وسائل الإعلام ، فبين محدد لدور المرأة من خلال العمل في ميادين التعليم والعلاج إلى داع للمرأة للمشاركة في الحياة العامة بصورة أوسع من الصورة السابقة ، مستندين على موقف الشريعة الإسلامية التي أعطت للمرأة حقوقاً متساوية مع الرجل في كافة شؤون الحياة إلا ما قامت الشريعة على التفريق بينهما لأسباب محدودة وفي جوانب خاصة بالرجل أو المرأة ، كما يستند هؤلاء على الواقع الذي تعيشه المرأة المعاصرة بما فيها المرأة العربية المسلمة ، إذ أن المرأة حصلت على مستويات متقدمة من التعليم والتدريب تؤهلها إلى القيام بدورها العملي بما يسهم في تنمية المجتمع ويتوافق مع احتياجاته ومتطلباته، إلا أننا نجد أن ذلك يصطدم بالتقاليد التي تمنعها من الحصول على حقها من التعليـم ـ خاصة في مناطق البدو ، أو المناطق الجبلية ـ حيث لا يسمح للفتاة أن تذهب إلى المدرسة أو لا يسمح لها بمواصلة تعليمها إلى مستويات متقدمة ويكتفى بتعليمها تعليماً تأسيسياً فقط (المرحلة الابتدائية) ، وعلى الرغم من التوسع الهائل في معدلات الإقبال على تعليم الفتاة في المجتمعات الخليجية إلا أن هناك فئات تبقى محرومة من التعليم أو من استكماله مما يحرم المجتمع من عناصر فاعله يمكن أن ستهم في تنميته وتطوره

ولا يقف حال الفتاة عند التعليم فقط ، وإنما يمتد ذلك إلى ما بعد تخرجها وحصولها على المؤهلات العلمية إذ مازالت هذه القوة العاملة معطلة في كثير من جوانبها .إذ يرى البعض أن "عمل المرأة محدد بدورها التربوي وبعض الوظائف التي تتناسب مع تكوينها الشخصي كالطب والتعليم أما غير ذلك فلا يتناسب وعمل المرأة كما يذهب إلى ذلك أستاذ الاجتماع الدكتور/ خلاف خلف إذ يرى أنه "في إطار اتجاه المجتمعات الحديثة إلى الاستفادة من جميع الطاقات البشرية المتوفرة ، راحت هذه المجتمعات توجه غايتها لكيفية الاستفادة من المرأة في التنمية ، وطرح موضوع عمل المرأة نفسه على بساط البحث والمناقشة وحاول البعض أن يجعل من هذا الموضوع قضية القضاي ، وتصور البعض أن استثمار جهود المرأة في التنمية لا يتأتى إلا من خلال خروجها إلى سوق العلم وشغلها لأدوار معينة بشكل مباشر في عملية التنمية ، ورغم أن الإسلام أفسح المجال أمام المرأة للعمل في ضوء ضوابط محددة ، فإن أنصار خروج المرأة إلى العمل قد تناسوا أن الوظيفة الطبيعية والأساسية للمرأة هي أن تكون ربة أسرة ، ومن ثم فقد تواجه صعوبة في تحقيق هذه الوظيفة إذا ما خرجت إلى العمل .

وقد أثبتت كثير من الدراسات البحثية الحديثة في هذا المجال أن هناك مشكلات عدة كالتخلف الدراسي أو الانحراف ترتبط إلى حد كبير بغياب الأم ، وانشغالها بالعمل خارج البيت حيث تقوم الأم بدور الضبط الاجتماعي (Social Control)  ، والذي يبدأ منذ الطفولة ، وتقوم على حراسة قيم المجتمع وتنميتها ، وتلك مهمة ليست بسهلة خصوصاً أن أحد مقومات الأمم يتمثل في قوة عقائدها ، وإعزازها بثروتها من القيم والمثل العليا ، فالمرأة بذلك تقوم على إعداد رأس المال البشري (Human Capital)   اللازم لأي عملية تنمية ، ومن ثم يكون لعمل المرأة في بيتها من الأهمية ما يعادل أو يزيد عن عملها خارجه ، والإسلام لم يشدد في منع خروج المرأة متى كانت هناك حاجة ملحة ، فإذا لم تكن هناك حاجة لتبق في بيتها ، فقال تعالى "وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)، وذلك حرصاً من الإسلام على مكانة المرأة تكريماً لها وتقديراً لرسالتها وصوناً من الابتذال في زحمة الحياة (24)

ويرى البعض أن دور المرأة في العمل أوسع وأكثر من الفرص المتاحة أمامها حليا ، وأن تعطيل دور المرأة في الحياة العملية إنما هو تعطيل لقوى عاملة تحتاجها عملية التنمية الإجتماعية ، كما أن حرمان المرأة من فرص العمل ، هو تضييق لحق طبيعى لها ، خاصة إذا كانت المرأة في حاجة لمثل هذا العمل ، إضافة الى أن حرمان المرأة من العمل تترتب عليه مشكلات اجتماعية كثيرة .

إن عمل المرأة مازال إحدى الإشكاليات الاجتماعية التي تلعب فيها القيم دوراً واسعاً مما يجعلها محط دراسة الباحثين والمهتمين إذ تكاد لا تخلو دراسة حول أوضاع العلم من الإشارة إلى مجموعات القيم التي تفرض على المرأة الاشتغال بمهن معينة ،  خصوصاً التدريس ، الذي تلحق به الإناث اللواتي يصرفن النظر عن تخصصاتهن العلمية والأكاديمية ، وإذا كان بعض الأقطار قد وسع هوامش عمل المرأة ، فإن ذلك كمي وليس كيفياً ، وأفضى هذا الوضع إلى تضخم وظيفي من الإناث في مجالات العمل التي لا يوجد فيها اختلاط أو تعامل مباشر مع الذكور ، والواقع أن كلا الطرفين يقف عند نقطة متباعدة عن الطرف الأخر إذ أن من يطلب من المرأة أن تمارس دوراً محدداً يتجاهل الواقع الذي تعيشه هذه المرأة خاصة مع حاجة المجتمعات إلى القوى العاملة المواطنة ، وزيادة العمالة الأجنبية بنسب تجاوزت كل التوقعات والوقائع وأصبحت مشكلة تهدد الوجود البشري لأبناء المنطقة ، ولذا فإن عدم وجود المرأة في مواقع عمل تسمح لها بممارسة دورها مع محافظتها على شخصيتها العربية الإسلامية والتزامها القيمي يحرم المجتمع من هذا الدور ويمد في عمر العمالة الأجنبية بل ويزيد من مقدارها ، هذا إلى جانب الهدر في الإمكانيات المادية والبشرية إذ أن الواقع يشير إلى تزايد في أعداد الخريجات من الجامعات ومؤسسات التعليم العالي إذ تشير الإحصائيات إلى أن نسبة الطالبات في بعض الجامعات الخليجية تجاوزت 70% من عدد الطلاب والطالبات ، وقد أنفقت الدول ملايين الدراهم والدنانير على تعليم هؤلاء الفتيات وعدم فسح المجال لهن في العمل يهدر هذه المبالغ ، ولا يكفي القول أن التعليم بذاته مطالب فلا شك أنه مطلب حيوي للإنسان في هذا العصر ، لكن التعليم إذا لم يتحول إلى عمل فإنه يصبح "مخزوناً" لا ينتفع به ، ثم إن المعارضين لدور المرأة في الحياة يذهبون بعيداً حين يفترض 
 – البعض منهم – أن خروج المرأة ومشاركتها في الحياة سيؤدي إلى "انحراف" المرأة ، وهذا عدا أنه تصور يتعارض مع المفهوم الشرعي الإسلامي الذي يفترض في المرأة المسلمة العفة والحصانة شأنها شأن الرجل ، إلا أنه يصور المجتمع بصورة الوحش الكاسر مقابل المرأة "الضعيفة" أمام رغباتها وسلوكها ، وكأن العلاقة بين المجتمع أو بصورة أخرى بين المرأة والرجل هي علاقة "شهوة" فقط ، وهو تصور يسئ إلى المجتمع بأكمله مثلما يسيء إلى المرأة خاصة وأن التاريخ الإسلامي حفل بصور ناصعة من مشاركة المرأة العربية المسلمة في الحياة ولم يشر أحد إلى أن ذلك مدعاة انحراف أو إساءة مع وجود النصوص التي تحذر من ذلك والتي يجب أن تفهم فهماً شاملاً في ظل القواعد العامة للإسلام التي تمنع التقاء الرجل بالمرأة لغير حاجة أو بصورة تفتح أبواب الانحراف والفساد ، أو في أجواء تهيئ الوقوع في ذلك ، لكن إذا تحقق للمرأة تربيتها الإسلامية التي تمنعها من الوقوع في الزلل وتهيأت لها الظروف المناسبة للمشاركة كان الحديث عن انحرافها يعد تعريضاً بالمرأة المسلمة وتقليل من شخصيتها ومثل هذا القول ينطبق على الرجل أيضاً فوجود الإنسان في بيئة (موبوءة) بالفساد والانحراف مدعاة كذلك للسقوط ، إن قصر التصور على المرأة وحدها نابع من رؤية اجتماعية بيئية محدودة وليس من نظرة شرعية حددت الظروف والشروط والمواصفات للمرأة والرجل ليكون لكل واحد منهما دوره في المشاركة والعمل من أجل البناء والتنمية في المجتمع .

ويقابل هذا التصور كذلك تلك النظرة التي ترى في المرأة –غير العاملة- تخلفاً وتأخراً خاصة إذا كان لتلك المرأة دور تمارسه في الحياة فقد ترى إحداهن أن التفرغ لتربية أبنائها تربية سلمية أولى من مشاركتها في العمل – الوظيفي- أو أن يكون لها دور اجتماعي من خلال المؤسسات الاجتماعية أوسع من مجرد الوظيفة المحدودة فينظر إليها أنها ليست – مشاركة – أو أنها غير مواكبة لحركة المجتمع ، أو غير ذلك من النعوت التي يصفها بها بعض الكتاب والباحثين – من المبالغين – في دفع المرأة للحياة العامة حتى ولو لم يكن هناك مبرر لهذا الدفع.

إن المبالغة في كلا الأمرين أضاعت حقيقة دور المرأة في الحياة ، وكأن المرأة مخلوق أخر يراد له أن يأتي من يحدد له هذا الدور ونسي كلا الطرفين إن الحياة تقوم على طرفيها المرأة والرجل ، ولا قيمة للحياة بدون إحداهما وكما أن للرجل دوره فإن للمرأة دورها ، ولا يقلل أحدهم من الآخر

إن اهتمام برامج التنمية الإجتماعية بالبرامج الموجهة للمرأة مازال محدودا ، أو قليل التأثير و لا أدل على ذلك مما تشيرإليه نتائج هذه البرامج في مجال التعليم ، إذ مايزال نصيب المرأة من ذلك محدودا فالأرقام تشير إن المعيار العالمي لمعرفة القراءة والكتابة بين البالغين من النساء والرجال قد بلغ 71.1%، أما الرجال فهو 84.3%، وقد حققت الدول الصناعية المتقدمة أعلى المستويات إذ بلغت نسبة النساء المتعلمات لديها 98.6% بينما بلغت نسبة الرجال المتعلمين 98.9% أي بفارق 0.3%، وحققت الدول النامية نسبة لا بأس بها إذ أن نسبة اللائي يحسن القراءة والكتابة 62.9% بينما بلغت النسبة بين الرجال 80% أي بفارق 17.1% لصالح الرجال، أما الدول الأقل نمواً فقد تدنت نسبة النساء القادرات على القراءة والكتابة إلى 38.1% ، أما الرجال فقد بلغت نسبتهم 58.9% أي بفارق 20.7% لصالح الرجال، فماذا عن المرأة العربية؟ إن القادرات على القراءة والكتابة من النساء العربيات لم تتجاوز46.4%، أما الرجال فقد وصلت نسبتهم إلى 70.6% أي بفارق 24.2% لصالح الرجال، وهو أعلى فارق بين الرجال والنساء على مستوى العالم، لكننا يمكن أن نلحظ أن الفارق ليس في البلاد العربية بل على مستوى العالم كان لصالح الرجل، وهذا يشير إلى أن برامج التنمية الإجتماعية مازالت دون تحقيق الهدف .

إذا كانت المرأة العربية لم تحقق تقدماً واضحاً في ميدان التعليم الذي يُعد الأساس في عملية البناء والتنمية لأي مجتمع فإن إنجازها في ميدان السياسة والمشاركة مايزال محدودا كذلك ، إذ إن المرأة العربية لا تختلف كثيراً عن معظم دول الشرق فما زالت مشاركتها محدودة أو رمزية في الأقطار التي سمحت لها بهذه المشاركة عدا أن هناك أقطاراً عدة من بينها بعض الأقطار العربية لم تسمح للمرأة بالمشاركة السياسية، ولعل التجارب التي مرت بها بعض تلك الدول في السنوات الأخيرة تشير إلى أن المرأة العربية لم تصل هناك إلى القبول بمشاركتها السياسية عدا عن وجودها في المؤسسات السياسية، ومازالت بعض المجتمعات منقسمة على نفسها بين قبول هذه المشاركة ورفضها لأسباب كثيرة ليست مجال بحثنا، لكن المرأة حتى في بعض الدول التي سُمح لها بالمشاركة السياسية لم تستطع أن تحقق موقعاً يُذكر فلم تستطع أن تصل امرأة واحدة إلى مقاعد البرلمان أو الوزارة أو المؤسسات السياسية الأخرى مما يعني عدم تقبل بعض المجتمعات العربية لفكرة مشاركة المرأة إما لأسباب يعزوها البعض إلى الدين أو التقاليد أو للمرأة ذاتها حيث يشكك البعض في قدرتها على هذه المشاركة أو عدم صلاحيتها للقيام بهذا الدور "الذكوري"؛ ولهذا فإننا نجد أن دور المرأة في العمل السياسي المؤسسي مازال ضئيلاً منذ أن سُمح للمرأة بذلك في أول بلد عربي وهو جيبوتي عام 1946م، حين تم الاعتراف لها بحق التصويت دون الترشيح الذي جاء متأخر عام 1986م، أي أنها احتاجت إلى أربعين عاماً لتكمل مشاركتها السياسية !!، ومع ذلك فإن المجتمع في جيبوتي له رأي أخر إذ لم يستطع منذ تلك الفترة أن يقبل وجود امرأة واحدة في البرلمان!! مما يشير إلى أن مشاركة المرأة السياسية لا تتوقف على صدور القرارات والأنظمة فقط وإنما هي ظروف وقناعات لدى المجتمع الذي يقرر قبول المرأة من عدمه، ولم يكن شأن المرأة اللبنانية مختلفاً كثيراً فعلى الرغم من تأخرها في الحصول على حق التصويت والترشيح أي عام 1952 ،إلا أنها انتظرت طويلاً كذلك لتوصل أول امرأة إلى البرلمان حيث كان ذلك عام 1991م، أي أنها صبرت!! تسع وثلاثون سنة للحصول على ما اكتسبته في مجال المشاركة السياسية ، وتُعد سوريا ثالث الدول العربية التي أعطت المرأة فيها حق المشاركة السياسية في مرحلة مبكرة إذ سمحت لها بذلك عام 1953 سواء كان في مجال التصويت أو الترشيح لكنها انتظرت عشرين سنة لتوصل أو امرأة إلى البرلمان أي عام 1973 وتعد مشاركتها الأكبر بين الدول العربية إذ استطاعت المرأة السورية أن تحصل على 10.4% من مقاعد البرلمان في أخر انتخابات نيابية، أما مصر فقد أعطت المرأة حقها السياسي مبكراً عام 1956م، أي رابع دولة عربية في هذا المجال، وتعد مشاركتها أسرع مشاركة للمرأة العربية إذ لم تنتظر طويلاً كشقيقاتها بل استطاعت أن تصل للبرلمان بعد سنة واحدة فقط أي عام 1957، وبذلك تكون المرأة المصرية أول امرأة عربية تشترك في البرلمانات الحديثة، لكن تلك المشاركة "المبكرة" لم تحقق نسبة كبيرة في مشاركاتها ودخولها المجالس النيابية ، ثم توالت بعد ذلك فرص مشاركة المرأة في العامل السياسي في البلاد العربية ،لكن هذه المشاركة مازالت ضئيلة و محدودة ، مما يشير إلى أهمية التوعية بهذا الحق ومعالجة موضوع مشاركة المرأة في ضوء المؤثرات الاجتماعية السائدة بين العرب، خاصة المؤثر الديني إذ يرتكز بعض المانعين لمشاركة المرأة على فهم لنصوص دينية ينقضها منهم فريق أخر ، كما أن المعوقات الاجتماعية والتصور لمشاركة المرأة العربية في الحياة السياسية وفقاً للنموذج السائد في الغرب جعل المجتمعات العربية تتردد في قبول هذه المشاركة نظراً لاختلاف المجتمعات وتقاليدها الاجتماعية ولطبيعة دور المرأة التربوي والأسري في المجتمعات العربية (25) .

ثالثا :الأمية :-

تعتبر الأمية إحدى المعوقات الرئيسية لبرامج التنمية ، خاصة في عصر ازدادت الحياة فيه إلى التعامل مع الآلة والأجهزة العلمية الدقيقة، ومن المتصور في ظل التقدم العلمي الذي وصل إليه الإنسان، أن تقل نسبة الأمية، إلا أن الواقع يشير إلى أن الأمية ماتزال تلقي بظلالها على مساحات واسعة من الأرض، فهناك أكثر من مائة مليون طفل بينهم 60مليون فتاة على الأقل محرومون من الإلتحاق بالتعليم الإبتدائي، كما أن أكثر من تسعمائة وستين مليوناً من الراشدين في العالم لا سبيل لهم إلى معرفة المطبوعة والمهارات والتقنيات الجديدة التي من شأنها أن تحسن من حيلتهم وتساعدهم على التشكل والتكيف مع الغير الاجتماعي والثقافي، كما أن أكثر من مائة مليون طفل وأعداد لا تُحصى من الراشدين يتعذر عليهم إكمال برامج التربية الأساسية، هكذا تشير الأرقام والإحصاءات (المحزنة) التي خرج بها الإعلان العالمي حول "التربية للجميع" الذي عُقد في (تايلند) عام 1990م.

ويلخص الباحثان (ر.م. آفاكوف ، وب. زاغيفكا) النظرة نحو برامج محو الأمية بقولهما : "من الحقائق الشائعة أن زوال الأمية أو الوصول إلى حالة نصف الأمية يؤثر على السكان الريفيين أكثر مما يؤثر على الحضريين ، وعلى النساء أكثر من الرجال ، وعلى الأقليات العرقية والعنصرية والدينية أكثر مما يؤثر على غيرها ، وعلى سكان المناطق الصحراوية أكثر مما يؤثر على سكان المناطق الخصبة الغنية وعلى الفقراء المستغلين والمظلومين أكثر مما يؤثر على الطبقات المحظوظة .

وبالنسبة لمعظم أقطار العالم الثالث فإن برنامجاً لمكافحة الأمية يشكل ضرورة اقتصادية وسياسية ملحة لا يمكن تجاهل أميتها في أية تنبؤات شاملة وبعيدة المدى للتنمية . ويشيرط التخطيط لحملة إزالة الأمية الوطنية وتنفيذها وجود قرار سياسي مدروس وتعبئة موارد البلاد البشرية والمادية كافة لضمان نجاح هذه الحملة. إن حملات وطنية من هذا القبيل لا تستبعد وجود برامج محدودة صُممت كحلول على المدى القصير ل إن مشكلة تواجه البشرية بهذا الحجم لا شك أن تأثيرها سيكون كبيراً ومعطلاً لبرامج التنمية في مختلف جوانب الحياة ، إذ "أن تنمية المجتمع كعملية تربوية ، إنما هي بالمعنى الواسع ، تعليم الكبار، تعليم لهم في كيف يقبلون الأفكار والممارسات الجديدة في ميدان الإنتاج والعلاقات، فالخروج من القديم إلى الجديد منها لا يكون إلا عن طريق المعرفة والإقناع ، فتنمية المجتمع منظوراً إليها من هذا الجانب هي عملية تعليم الكبار " .

وعلى الرغم من مكانة المشكلة إلا أن الجهود التي تُبذل في عالمنا العربي لا تؤتي ثمارها المطلوبة ، فكما تشير وثيقة "أوضاع الأمية في البلاد العربية" ، فإن الجهود المبذولة لمواجهة الأمية بكل ما توفر لها من إمكانات مادية وبشرية لم تستوعب إلا 2% تقريباً سنوياً من الرصيد الحالي للأميين في الوطن العربي ، والناجحون من هذه النسبة المحدودة لم تتعد نسبتهم 1% سنوياً من هذا الرصيد ، وهذا عائد غير مشجع لو قيس بأي مقياس .

وتبلغ أرقام الأميين في العالم العربي ملايين عدة و هي في تنام وازدياد على العكس مما نشهده في العالم الغربي حيث تنخفض نسبة الأمية إلى أدنى مستوى ، بل تكاد تكون معدومة في بعض البلدان ، فعلى الرغم من انخفاض النسبة ، إلا أن الأعداد في تزايد مستمر.         وعلى الرغم من الاستراتيجيات التي وضعت على المستويين العالمي والعربي للقضاء على الأمية إلا أن هذه الاستراتيجيات ، ولعل أبرزها (استراتيجية محو الأمية في البلاد العربية) ، لا تزال حبيسة القرارات والإجراءات الرسمية مما يعطل قيامها بدورها المطلوب حيث يفتقر بعضها للقرار السياسي، كما يقف البعض منها عاجزاً تماماً أمام الإمكانات المادية ، وتأتي الظروف البيئية والاجتماعية عائقاً أخر .

و تشير الأرقام إلى أن ملايين العرب مازالوا يعيشون حالة الأمية التي تزداد يوماً بعد يوم. فقد ارتفع عدد الأميين في العالم العربي، كما تشير إلى ذلك الإحصائية التالية (26) :

 الأمية لدى الكبار في الوطن العربي (15 سنة فأكثر ) :

السنة

1975

1985

1990

1995

2000

البيان

بالمليون

%

بالمليون

%

بالمليون

%

بالمليون

%

بالمليون

%

ذ+أ

49

72.7

61

56.5

63.7

51.1

66.5

45.

69

40.2

ذ

20

59.7

23

42.6

23.7

37

24.4

32.4

25

28.7

1

29

85.6

38

70.5

40

64.2

43.2

85.

44

51.9

 

ولم تتوقف مشكلة الأمية عند الجانب الكمي فقط ، بل تعدت ذلك إلى الجانب الكيفي، فمازالت برامج محو الأمية تحظى باليسير من الاهتمام، فالعاملون في ميدان محو الأمية
–مثلاً- لا يحظون بتدريب أو تأهيل خاص سواءً كانوا من الرجال أم من النساء، إذ أن معظمهم ممن تم تأهيلهم لأداء أدوار تعليمية وتدريبية للطلاب المنتظمين في المراحل التعليمية وهم في سن مبكرة، رغم ما في الأمرين من اختلاف كبير، حيث أن العاملين في تعليم الكبار يجب أن يكونوا مؤهلين ومدربين تدريباً خاصاً يراعى فيه المستوى العقلي والخبرة العلمية وإمكانية الاستجابة لدى الدارسين الكبار، وتعد هذه المشكلة من أبرز المشكلات العلمية التي تواجه المتعلمين، ومما يزيد المشلكة تعقيداً أن كثيراً من المعاملين في تعليم الكبار هم من الذين يقومون بأدوار وظيفية أخرى (مدرسين في الفترة الصباحية – موظفين) ، مما يجعلهم يأتون لأداء أدوارهم في تعلمي الكبار – في المساء- وقد أنهكهم العمل اليومي فيكون عطائهم قليلاً محدداً .

ومن المعوقات التي تعاني منها مشاريع محو الأمية أن كثيراً من البرامج المقدمة للدارسين هي برامج تعليم القراءة والكتابة فقط، وفي أحسن الأحوال ، لتخريجهم حملة للشهادات الدراسية ، علماً بأن هذه البرامج يجب أن توجه للتعليم المستمر وتكوين القدرات الذاتية لدى المتعلمين وتنميتها حتى يستطيع الدارسون أن يستمروا في تنمية قدراتهم وإمكاناتهم العلمية الذاتية بعد انقاطاعهم عن برامج محو الأمية وانتهائهم منها، وتأتي أهمية مراعاة الظروف البيئية والاجتماعية وربط حياتهم العملية بالتعليم من خلال دفع رغباتهم نحو التقدم والتطور واستثمار الرؤية الاجتماعية للتعليم نحو تطوير مهاراتهم ، وغيرها من الوسائل التي تجعل من برامج تعليم الكبار ومحو الأمية برامج علمية ناجحة . أما على مستوى الأداء فإن التوسع في برامج محو الأمية والتوعية بها، وربطها بحاجات المجتمع وبرامجه التنموية، وكذلك تحويل هذه البرامج بما يكفل لها حسن الأداء لأدوارها العلمية. كل ذلك مدعاة للنجاح في هذه البرامج .

إلا أن جهود دول عربية أخرى تقصر عن ملاحقة التزايد في أعداد الأمية وارتفاع نسبتها إذ تشير الإحصائيات إلى أن بعض الدول العربية لم تصل إلى المستويات الملطوبة للتقليل من نسبة الأمية وتشير الإحصائية التالية إلى صورة عن اقع الأمية في الدول العربية مقارنة بما هي عليه في العالم والدول الصناعية والدول النامية والدول الأقل نمواً .

 

 

 

 

 

معدلات الأمية في الدول العربية(27)

الرقم

الدولة

الرجال

%

النساء

%

معدل

1

الأردن

7.8

18.2

13

 

الإمارات

26.2

23.2

24.7

3

البحرين

10.1

19.3

14.7

4

تونس

21.9

44.2

33.05

5

الجزائر

27.3

52.3

39.8

6

جيبوتي

37.8

65

52.4

7

السعودية

19

37.2

28.1

8

السودان

34.6

58.8

46.6

9

سوريا

13.5

34.4

23.7

10

العراق

29.3

55

42.15

11

سلطنة عمان

23.1

45

34.05

12

قطر

20.4

18.8

19.6

13

الكويت

16.9

22.5

19.7

14

لبنان

8.8

21.5

15.15

15

ليبيا

11.06

37.1

24.35

16

مصر

35.3

59.5

47.55

17

المغرب

40.7

67.3

54

18

موريتانيا

50.6

72.2

61.4

19

اليمن

35.8

79

57.4

 

المستوى العالمي

15.7

28.9

22.35

 

الدول الصناعية

1.1

1.6

1.35

 

الدول النامية

20

37.1

28.55

 

الدول الأقل نمواً

41.1

61.1

51.1

 

الدول العربية

29.4

53.6

31

 

إن مستوى برامجنا لمحو الأمية لا يشير إلى مدى اهتمامنا بذلك ، فمعظم برامج محو الأمية وتعليم الكبار تأتي في آخر سلم الأولويات في العملية التعليمية من حيث المحتوى العلمي أو تأهيل المعلمين أو ربط هذه البرامج ومخرجاتها والحاجة الفردية والمجتمعية ومتابعتها لمستجدات العصر فتصورنا لمحو الأمية – في كثير من الأحيان – لا يخرج عن محو أمية القراءة والكتابة فقط في عصر يتحدث عن محو الأمية التكنولوجية .

ولايختلف الوضع في الدول الإسلامية عن ما هو عليه في الدول العربيةحيث تشير احصائيا  الأمم المتحدة إلى أن الأمية في العالم الإسلامي تصل إلى 50%. وفي العالم المسيحي 2%، ومستوى محو الأمية يختلف، ففي العالم المسيحي محو الأمية معناه أنه لم يكمل الدراسة أما الأمية في العالم الإسلامي فمعناها أنه لا يعرف الكتابة . (28)

إن أي تصور لتعليم مستقبلي لا يمكن أن يتجاوز عقبة الأمية كإحدى العقبات التي تقف في طريقنا ونحن نتطلع إلى قرن جديد ، بل نطمح أن نكون بعض رواده .

رابعا : البحث العلمي :

إن البحث العلمي هو أحد الأدوار الملقاة على عاتق للتعليم العالي للقيام بدوره في التمنية الإجتماعية  ،إذ لا يمكن تحقق تنمية في ظل تخلف علمي، فلم يعد البحث العلمي ترفاً تمارسه بعض الدول والشعوب ، بل أصبح ضرورة تفرضها الحياة من أجل التقدم والرقي ومواكبة ما وصل إليه الإنسان في مجال الاكتشافات العلمية، لقد أصبح تقدم الأمم ورقيها الحضاري يقاس بمدى ما وصلت إليه من نتائج علمية، فالدول التي يصطلح عليها باسم الدول المتقدمة، حازت هذا الإسم بتفوقها العلمي والتقني وليصبح سمة من سمات تفوقها السياسي والعسكري والاقتصادي .

وإذا كانت الدول  المتقدمة قد تحقق لها القدر الأكبر من التقدم من خلال اهتمامها بالبحث العلمي فإن الدول النامية مازالت في أول الطريق وتزداد حاجتها للبحث العلمي يوماً بعد يوم، فمشكلاتها الإجتماعية و الصناعية والصحية والزراعية لا تُحل إلا من خلال البحث العلمي الذي ينشأ في مجتمعات هذه الدول محاولاً التعامل مع الواقع الذي يعيشه دراسةً وتحليلاً وبحثاً لتحقيق النتائج المرجوة منه، إذا أثبتت التجارب أن أصالة البحث العلمي أمر أساسي في نجاح كثير من المشاريع العلمية التي لا يمكن اقتباسها أو نقلها فقط، فلكل مجتمع ضرورته وبيئته واحتياجاته وما لم تعتن الدول العربية و الإسلامية بالبحث العلمي فإن الفارق بينها وبين الدول المتقدمة ستزداد هوة واتساعاً، إذ لا يكفي أن تتوقف هذه الدول عند قدر معين من الجهد العلمي، لأن الدول الأخرى تسبقها يوماً بعد يوم، بل لا بد من بذل المزيد من الجهد والمال من أجل اللحاق بما وصلت إليه الدول المتقدمة .

إن المتتبع لواقع البحث العلمي في الدول الإسلامية ـ و العربية ـ من بينها يجد أن الجهود المبذولة في هذاا لمجال ما تزال قاصرة عن تحقيق دورها المطلوب، إذ على الرغم من التفوق العلمي للحضارة العربية الإسلامية في عهودها السابقة وسبقها في ميدان العلوم، إلا أن هذه الجهود توقفت مع توقف النبض العلمي في الحضارة العربية الإسلامية، وكأن صعود الحضارات وسقوطها مرتبط بتقدمها العلمي أو إخفاقها .

يقول (جوستاف لوبون) في كتابه (حضارة العرب) : "إن فلاسفة العرب والمسلمين هم أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين"(29)

إلا أن ذكر الماضي والإشادة به لا يمكن أن يحقق تقدماً وحضارة جديدة، بل لا بد من الأخذ بأسباب ذلك، وأولها هو البحث العلمي، فأي بحث نريد؟ ولأي مجتمع ؟

ومع اتساع مجالات البحث العلمي وتعدد ميادينه، أصبح التفكير بالبحث العلمي الفردي تفكيراً محدوداً، أو تداخلت المعارف والاختصاص بحيث تحتاج معظم البحوث العلمية إلى جهد جماعي متكامل خاصة مع التوسع في استخدام الأجهزة التقنية الحديثة، بل لم يعد الجهد الفردي ممكنا ، سواء كان على مستوى مؤسسات التعليم العالي أم الدول .

وحيث أن البحث العلمي أصبح وليد مؤسسات فإن محضنه الأول هو مؤسسات التعليم  العالي كالجامعات والكليات والمعاهد العليا ومراكز البحث التابعة لها، لأن هذه المؤسسات تضم نخبة متميزة من الباحثين والاختصاصيين، كما أنها تتوفر لديها –في الغالب – الأجهزة الإدارية التي يمكن أن تقوم بدور التخطيط والتنسيق ورسم السياسات العلمية ومتابعة تنفيذها، كما تتوفر لديها الأجهزة والأدوات اللازمة لتنفيذ البحث العلمي من مخبترات وأجهزة وورش ومواد أولية وغيرها من احتياجات البحوث، إلا أن مؤسسات التعليم العالي لا يمكن أن توجد بحثاً علمياً من فراغ، إذ أنها تعتمد في ذلك على العناصر البشرية التي تلتحق بها من التعليم –دون الجامعي- وهذا يشير إلى أهمية إعداد الفرد منذ مراحله التعليمية الأولى إعداداً علمياً وبحثياً جيداً، بحيث تتكون لديه العقلية البحثية التي يستيطع أن ينميها ويطورها من أجل الدخول إلى ميدان البحث العلمي – في مراحل التعليم العليا- وقد تهيأ عقلياً وتربوياً .

إن مؤسسات التعليم العالي في الدول الإسلامية و العربية ، مازالت مثقلة بكثير من المعوقات تقف في مقدمتها العقلية الإدارية السائدة ليس في المؤسسات وحدها بل في المجتع، إذ مازال ينظر إلى البحث العلمي كنوع من "الترف" العلمي المكمل لدور المؤسسة التعليمية ، ولذا يأتي في ذيل الإهتمامات التي توليها مؤسسات التعليم العالي رعايتها وينعكس ذلك على ميزانيات البحث العلمي ونسبتها لا من الناتج القومي، بل من ميزانيات المؤسسات التعليمية، إذ لا يحظى البحث العلمي إلا بالقليل من الأموال أما إذا نظرنا إلى جامعات الغرب فإننا نجد أنها قد تجاوزت نسبنا العربية بأرقام كبيرة فجامعة “READING”  مثلاً تخصص نسبة 9.6% من ميزانيتها للبحث العلمي، وتحقق بذلك 11.7% من إيراد ميزانيتها من البحث العلمي .

إننا أمام صورة قاتمة ومؤلمة لحال البحث العلمي في الدول العربية والإسلامية التي تواجه كثيراً من المشكلات التي تنتظر حلولها العلمية، فالتصحر وتقلص الرقعة الزراعية المحدودة في منطقتنا، وندرة الموارد المائية، واقتصاديات ما بعد النفط، وعلاقاتنا الدولية في محيط متغير، وتلوث البيئة وغيرها من المشكلات العلمية، التي تشكل تحدي لمؤسساتنا العلمية التي تعي – بلا شك- حجم هذه المشكلات، وبدأت الخطوات الأولى – أو بعضها – للسير في مجال البحث البحث العلمي، إلا أنه سير بطئ تسبقه خطوات الأخرين، ومسيرة الأحداث .

إن الواقع يشير إلى أن العرب والمسلمين مازالوا متخلفين في ميدان البحث العلمي وليس لهم إلا النزر اليسيرمنه ، فقد استطاعت الدول المتقدمة أن تقطع شوطاً كبيراً في ميدان البحث العلمي، إذ أننا نلاحظ أن ما يقرب من 90% من التقدم العلمي تحظى به كل من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية وروسيا واليابان، وهذا يفسر لنا سر تفوق هذه الدول.

أما في عالمنا العربي فنظرة سريعة تبين لنا الموقف من البحث العلمي، إذ تشير الإحصائيات المتوفرة إلى وجود 375 مركز بحثي متخصص في الوطن العربي، 20% منها مستقلة وذات كيان قائم بذاتيه، 12% منها تابعة للجامعات، 51% تابعة للوزارات، 17% ارتباطها بين جهتين أو أكثر.

أما بالنسبة إلى لغة النشر فإن 5% من البحوث تنشر باللغة العربية وبالباقي بالإنجليزية أو الفرنسية من جملة البحوث ، وهذا ما يثير إشكالية الإستفادةمنها ، لأن استمرار النشر باللغات الإجنبية يكرس الانفصام بين حاجات المجتمع ونتائج البحوث العلمية (30) .

ويُتخذ النشر العلمي في المجلات المحكمة معياراً على الإنتاج العلمي ، وبخاصة في المقارنات الدولية. ووفقاً لـ دليل النشر العلمي (Scientific Citation Index)  يتدنى نصيب البلدان العربية من النشر العلمي إلى أقل من سدس نصيبهم من سكان العالم (0.7%) هذا على حين يرتفع نصيب إسرائيل من النشر العلمي إلى عشرة أضعاف نصيبها من سكان العالم، وهنا يتعدى التفوق النسبي لإسرائيل على العرب، مقارنة بعدد السكان .

أما عن نسبة العاملين في ميدان البحث العلمي فتشير الإحصائيات إلى وجود 2.7 لكل عشرة آلاف عامل من اليد العاملة العربية، وهي نسبة ضئيلة إذا ما قوبلت بمثيلاتها في الولايات المتحدة 66 ، واليابان 58 ، وبريطانيا 36  .

ويعتبر الانفاق على البحث العلمي إحدى المعضلات أمام أمام تطور هذا البحث حيث أنه يحتاج أموالاً باهظة، لإعداد العناصر البشرية والتجهيزات كالمختبرات والحواسيب (كمبيوتر)  وشبكة معلومات، وأجهزة ومعدات البحث ، ومكتبات ، ونشر ، وأجور عاملين وشراء المواد المستخدمة في الأبحاث، وغيرها من أوجه الإنفاق ، التي تبدو كبيرة أحياناً مما يتطلب تخيص مبالغ تُنفق على البحث العلمي. وعلى الرغم من ذلك فإن العائد العلمي والمادي من هذه الأبحاث يكون –في الغالب- كبيراً أيضاً .

وقد تطور الإنفاق على البحث العلمي في الدول الصناعية تطوراً سريعاً انعكس على أداء مؤسسات البحث العلمي في الدول الغربية واليابان، وتشير الإحصائية التالية إلى نسبة ما تخصصه بعض الدول الصناعية والدول النامية من ناتجها القومي للإنفاق على البحث العلمي.

 

 

نسبة الإنفاق على البحث العلمي:

 

من الناتج القومي)(31)

الدول الصناعية

الدول النامية

البلد

%

البلد

%

ألمانيا

2.88%

كوريا

2.3%

سويسرا

2.86%

تايوان

1.1%

الولايات المتحدة

2.82%

سنغافورة

0.9%

اليابان

2.8%

الهند

0.9%

السويد

2.76%

كينيا

0.8%

فرنسا

2.34%

تركيا

0.7%

هولندا

2.25%

المكسيك

0.6%

بريطانيا

2.17%

زامبيا

0.5%

النرويج

1.85%

أندونيسيا

0.2%

فنلندا

1.80%

 

 

بلجيكا

1.64%

 

 

الدانمارك

1.53%

 

 

 

ولم تكن الحكومات وحدها التي تخصص ذلك بل يسهم القطاع الخاص في دعم البحث العلمي.

وعلى سبيل المثال هناك عشر شركات أمريكية عملاقة تنفق سنوياً ما تقرب قيمته من 10.4 مليار دولار على هذا المجال. وهذه الشركات العملاقة هي : General Motors – Ford General Electric – IBM – AT&T – Boeing – General Electric – United Technologies – Wastman Kodak – ITTExxen – بينما خصصت 744 شركة أمريكة كبيرة 28 مليار دولار خلال عام واحد للإنفاق على البحث العلمي .

كما إن هناك العشرات من المؤسسات العملاقة، والمئات أو الآلاف من الشركات الكبرى في أمريكا ، والتي ترصد ميزانيات ضخمة لصالح البحث العلمي ، والتطوير وتدريب العاملين في المجال، وكذا في تشجيع النابغين من الباحثين، ومن أمثلة ذلك وكالة أبحاث الفضاء الأمريكية NASA ومؤسسة فورد Ford Founation ، ومؤسسة كارنيجي التي شكلت خصيصاً بهدف تحسين التدريس Founation For The Advancement of Teaching  The Carnegie ، وشركة IBM وغيرها .

فإذا كان الحال كذلك فماذا عن الإنفاق على البحث العلمي في الدول العربية؟!

إن ما تنفقه الدول العربية على البحث العلمي يتراجع كثيراً عما تنفقه الدول الصناعية بل بعض الدول النامية في صورة يرسمها (أنطوان زحلان) حين يذكر أن أفضل التقديرات لما ينفق على البحوث العلمية وتطويرها في كافة البلاد العربية قد يصل إلى مائتي مليون دولار تقريباً (أي خُمس بليون دولار) ، أو بمعنى آخر بنسبة 1 : 12 مما أنفقته أمريكا في هذا الميدان خلال الستينات !!(32) ، فهل تكفي هذه الأرقام لإيجاد بحث علمي يسهم في حل كثير من المشكلات التي تعيشها البلاد العربية ؟!!

إن الإحصائية التالية تشير إلى نسبة ما تنفقه كل دولة من الدول العربية على البحث العلمي .

 

نسبة الإنفاق على البحث العلمي في الدول العربية(33)

الدولة

نسبة الإنفاق من الناتج القومي

المملكة الاردنية الهاشمية

0.31%

دولة الإمارات العربية المتحدة

0.3%

دولة البحرين

0.7%

الجمهورية التونسية

0.14%

الجمهورية الجزائرية

0.8%

جمهورية جيبوتي

*

المملكة العربية السعويدة

0.15%

جمهورية السودان

0.21%

الجمهورية العربية السورية

0.15%

جمهورية الصومال

0.7%

الجمهورية العراقية**

0.4%

سلطنة عمان

0.8%

دولة فلسطين

*

دولة قطر

0.07%

دولة الكويت

0.33%

الجمهورية اللبنانية

0.06%

الجماهيرية الليبية

0.05%

جمهورية مصر العربية

1.2%

المملكة المغربية

0.22%

الجمهورية الإسلامية الموريتانية

0.29%

الجمهورية اليمنية

0.22%

  • لا توجد معلومات

ولايختلف وضع دول العالم الإسلامي عن الدول العربية فقد أظهرت دراسات وإحصاءات للأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية أن الأمة الإسلامية أكثر الأمم تخلفاً وفقراً في التعليم والعلوم والتكنولوجيا وأكثرها فقراً في الاقتصاد وأقلها في السياسة

وأظهرت إحصاءات البنك الدولي وصندوق الأمم المتحدة للتنمية البشرية عن أحوال أتباع الأديان المسيحية والبوذية والهندوسية والديانات القبلية والإسلامية وغير المتدينين، أن المسيحيين أكثر المجتمعات تقدما في العالم في التعليم والصحة والاقتصاد، وأن المسلمين الأكثر فقراً وتخلفاً.

وجاء في دراسة نشرها الدكتور كينيت ديفيد عن معلومات من البنك الدولي والأمم المتحدة أن محو الأمية في الدول المسيحية وصلت 90%، وفي بعض البلدان 100%.

وفي العالم المسيحي 40% من الطلاب يدرسون دراسات عليا في مختلف التخصصات العلمية، وفي العالم الإسلامي 2% فقط بالإضافة إلى مستوى التعليم العالي في العالم الإسلامي أضعف كثيراً عنه في العالم المسيحي.

وكثيرمن المسلمين يتعلمون العلوم والهندسة والطب في العالم المسيحي. والتعليم مرتبط بالاقتصاد، ونصف سكان العالم الإسلامي دخل الفرد السنوي معدله 200 دولار (باستثناء دول البترول) مقابل ذلك نصف سكان العالم المسيحي دخل الفرد السنوي معدلة 7000 دولار. وقد زاد هذا الدخل كثيراً ووصل في العالم المسيحي حالياً إلى 25000 دولار.

وقد انخفض دخل الفرد في كثير من الدول بسبب الإنفاق على الحروب بين المسلمين وميزانيات التسليح، وزاد دخل الفرد في العالم المسيحي. ويقدر عدد الجيوش في البلدان الإسلامية بعدة ملايين من الجند .

وقد أنفقت الدول الإسلامية ما بين 10 و 30% من دخلها على شراء الأسلحة من الغرب بينما أنفق العالم المسيحي 10% على ذلك. ويقول الدكتور كينيت ديفيد أن أسباب تخلف وفقر المسلمين هو الأمية والجهل وأمية وجهل المرأة خاصة.

والسبب الثاني قلة المسلمين العاملين في الصناعة أو قلة انتشار الصناعة حيث يعمل 16% من المسلمين في الصناعة. وفي العالم المسيحي يعمل 60% في الصناعة. والسبب الثالث لبؤس المسلمين وتخلفهم؛ التزايد السريع في السكان الذي تضيع معه كل برامج التنمية فلا تستطيع ملاحقته. وفي إحصاءاتبرنامج التنمية البشرية للأمم المتحدة تأتي الدول الإسلامية في آخر القائمة

وأظهرت هذه الإحصاءات الجديدة التي تعود إلي بيانات عام 2002م، أن معدل دخل الفرد في إندونيسيا 850 دولاراً في العام وهي في المرتبة 112 في العالم في التنمية البشرية، وبنغلاديش 350 دولاراً في السنة في المرتبة 139.

وباكستان 500 دولار ومرتبتها 144، وأفغانستان 300 دولار، وفي نيجيريا 350 دولاراً، وفي الهند 500 دولار، وفي مصر 1200 دولار في السنة، وفي إيران 1600 دولار، وفي السودان 450 دولاراً في السنة. أما الدول الإسلامية المنتجة للبترول فمجموع سكانها 30 مليون نسمة، من 1200 مليون مسلم، ومجموع دخلها أقل من دخل اسبانيا.

أما دخل ألمانيا فهو يعادل 3 أضعاف دخل جميع دول العالم الإسلامي. ومعدل دخل الفرد السنوي في الولايات المتحدة 37 ألف دولار، وفي ألمانيا وبريطانيا والنمسا وفرنسا وكندا وهولندا وبلجيكا والسويد 25 ألف دولار. والدنمارك 31 ألف دولار وسويسرا 41 ألف دولار والنرويج 40 ألف دولار

وفي مجال التقدم العلمي تنشر سنوياً 260 ألف مقالة في البحوث العلمية منها واحد في المئة تنشر في العالم الإسلامي. وفي كل عام يحصل في العالم الإسلامي أقل من 500 شخص على درجة الدكتوراه، مقابل 3000 في بريطانيا وحدها.

وعدد العلماء والمهندسين في كل دول العالم الإسلامي أقل من عددهم في فرنسا وحدها.( 34).

 

 

خامسا:التحدي التقني و المعلوماتي:

يُشكل التحدي العلمي والتقني أبرز التحديات التي تواجه التنمية الاجتماعية إذ أن أي تقدم لا يمكن أن يتم بعيداً عن العلوم والتقنية التي أصبحت وتيرتها تزداد بسرعة، ويصعب على كثير من الدول والشعوب ملاحقتها أو ردم الهوة بينها وبين الدول المتقدمة أي أن التقدم العلمي والتقني هو "أبرز مستجدات هذه المرحلة على المسرح العالمي يتلخص في التسارع المذهل للثورة العلمية والتقنية المعلوماتية وتطبيقاتها في البلدان الصناعية في شتى مناحي الحياة وتعاظم الأهمية بأنشطة البحث العلمي، وأنظمة البحث والتطوير، وانعكاس هذا على الهياكل المهنية للقوى العاملة كما وكيفاً، وتأثيرها على معدات البطالة والتوظيف في كافة الأنشطة الاقتصادية، فضلاً عن تأثير التطورات العلمية والتقنية المتلاحقة، لا سيما في مجال الاتصالات والمعلومات، على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في جميع دول العالم. ومن الملامح الملحوظة في دول العالم النامية ـ والدول العربية والإسلامية من بينها ـ ضعف مستوى استخدامات تقنية المعلومات والاتصالات مقارنة بمستويات استخداماتها في الدول المتقدمة، والاستمرار إلى حد كبير في سياسة الاعتماد على استيراد التقنية الجاهزة، وعدم إعطاء العنصر البشري العناية الكافية فيما يتعلق بعملية بنائه العلمي وتنمية قدراته العقلية وتوجيهها للمشاركة والإسهام في توطين التقنية إن تحقيق الهدف المتعلق بالتطبيقات التقنية والمعلوماتية المتقدمة، مرهون بشكل أساسي بإدخال تقنية المعلومات في النظام التعليمي، وفي المجالين الإداري والتعليمي مما سيمثل دعامة أساسية لبناء المجتمع المتعلم القادر على مجاراة عصر التقنية والمعلومات، واستثمار جوانبها .

والعرب والمسلمون يقفون أمام منعطف مهم في حضورهم الدولي إذ تشكل تقنية المعلومات والبحث العلمي مدخلاً أساسياً للحضور العالمي، فاستخدام التقنية والبحث العلمي من المعايير الأساسية التي يُقاس عليها موقع الدول والشعوب، وعلينا أن نعترف بأن العرب مازالوا متأخرين جداً عن الأخذ بمقاييس استخدام التقنية، فالعالم الغربي اليوم يستخدم أكثر من 60% من العاملين في .

وتزداد الحاجة يوماً بعد يوم إلى نقل التقنية التكنولوجية والاستفادة منها كمرحلة أولى تنطلق الدول بعدها إلى اكتساب التقنية وتطويرها لتلبي حاجتها دون أن تكون خاضعة للدول المنشئة لهذه التقنية، وبقدر حاجة الدول المتخلفة أو النامية إلى نقل التكنولوجيا والاستفادة منها بقدر ما تتسع الهوة بين هذه الدول والدول المتقدمة

لقد دخلت المعلوماتية إلى الحياة بصورة قوية ومتساوية ، وأصبحت إحدى المؤثرات الهامة في حياة البشر ، كما أصبحت مؤشراً واضحاً على تقدم الأمم ورقيها أو تخلفها وتأخرها ، وقد استطاعت بعض الدول أن تبدأ مبكرة في التعامل مع المعلوماتية ووضعت خططها وبرامجها لاستخدام المعلومات وتطويرها ، وتعد اليابان من الدول المتقدمة التي اهتمت بالمعلوماتية إذ بدأت – كما يشير د. انطوان زحلان – منذ عام 1976 في وضع خطة تجديد شاملة لتهيئة المجتمع الياباني لعصر المعلومات في وثيقتها المشهورة "مجتمع المعلومات عام 2000" ، وقد انعكس ذلك على التعليم في الدول المتقدمة ، وأصبح الغرب يتحدث عن "الفجوة الباسيفيكية" بين نظام التعليم الأمريكي ونظام التعليم الياباني بعد أن كان يتحدث عن الفجوة الأطلسية" بين نظام التعليم الأوروبي ونظام التعليم الأمريكي ، ولم تكن اليابان وحدها التي دعت مبكراً  إلى قضية المعلوماتية وخططت لها بل إن بعض الدول المتقدمة قد عمدت منذ فترة مبكرة إلى ذلك ، إذ تعد فرنسا من الدول الأولى في إعداد خطط للمعلوماتية حيث بدأت مبكراً من خلال خطة ديجول عام 1972م المعروفة باسم Plan Calcul  ثم الولايات المتحدة الأمريكية من خلال "تقرير روكفلر" “ Rochefeller Report"  عام 1976م ، الذي وضع الأمر على المستوى القومي وجعله بيد الحكومة الفيدرالية ، وجاء بعده تقرير "سالمون" “Salmon Report" عام 1979م ليحدد موقع أمريكا وقيادتها العالمية من خلال سيطرتها على نظم المعلومات ، كما أن السوق الأوروبية المشتركة قد بدأت منذ عام 1980 بوضع خطة للمعلوماتية من خلال " تقرير دولين" “ Dullin Report"  ، وفي نفسي السنة بدت دولاً في الشرق مثل "تايوان" التي وضعت "الخطة العشرية لصناعة المعلومات" و" سنغافورة" التي بدأت وضع خطة إقامة صناعات وطنية للبرمجيات" ، وبريطانيا عام 1982 من خلال "تقرير الفي" “ Alvey Report" عام 1982 وكوريا الجنوبية عام 1982 من خلال "كونجرس تنمية التكنولوجيا المتقدمة " والبرازيل من خلال "السياسة الوطنية للكمبيوتر والاتصالات "Telecomatics وعادت فرنسا عام 1987 لتجديد خطة ديجول من خلال "تقرير نورا مينك  Nora Minc Report " أما المنظمات الدولية فإن اليونسكو باعتبارها المهتمة بالشأن الثقافي والعلمي ، فقد وضعت خطتها المسماة "برنامج نظم المعلومات الوطنية" "NATIS" وجددته في خطتها المسماة "الاستراتيجية المتوسطة الأجل 1996 – 20000) والتي اعتمدت في 10 أكتوبر 1995م ، وهكذا نجد دول العالم ومنظماته قد بدأت مبكراً في وضع خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل لتطوير نظم المعلومات واستخدامها ، وقد أدى ذلك إلى تنامي سوق البرمجيات في العالم ، ، وذلك في مجالات تجهيز البرمجيات وخدمات الحاسوب ، ويزداد النمو السنوي في سوق البرمجيات بمعدل 10% ، كما تشكل تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات 10% من صادرات السلع في العالم ومعدل نمو 22% وتأتي اليابان والولايات المتحدة الأمريكية وسنغافورة وبريطانيا في مقدمة الدول المصدرة لذلك ، ومقابل ذلك فإن الإنفاق على البحث والتطوير في المعلوماتية يزداد بنسبة 25% سنوياً ، كما يشير إلى ذلك د. محمد مراياتي في بحثه عن جهود البحث والتطوير في المعلوماتية ، فماذا عن العرب وعلاقتهم بالمعلوماتية ؟ لقد وضعت المؤسسات المتخصصة معايير لقياس حالة المعلوماتية في أي دولة أو  مجتمع من خلال أجهزة الكمبيوتر الشخصية واستخدام الإنترنت " شبكة المعلومات الدولية " وعدد من العلماء والمهندسين وعدد طلبات الحصول على براءات الاختراع ، وقد سجل العرب قصوراً واضحاً في هذا المجال ، حيث تشير الأرقام والإحصاءات والنسب القياسية إلى تراجع لمعظم الدول العربية في ذلك ، ففي مجال استخدام الحاسبات (الكمبيوتر) الشخصية ، التي تقاس من خلال تخصيص جهاز حاسوب (كمبيوتر) للشخص الواحد والتي تستمد بياناتها –عادة- من تقديرات الاتحاد الدولي للمواصلات السلكية واللاسلكية، فإن الأرقام وضعت معياراً قياسياً وهو: 43.6 جهاز لكل 1000 شخص أي جهازاً لكل 29 شخص تقريباً وقد استطاعت الدولة المتقدمة أن تحقق نسباً عالية إذ بلغ عدد الحاسبات 156.3 جهاز لكل 1000شخص أي 6.3 أشخاص لكل حاسوب  ، أما في الدول العربية فتشيرالدراسات إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة تأتي في المقدمة إذ أن هناك 65.5 جهاز حاسوب لكل 1000 شخص من السكان أي بمعدل جهاز واحد لكل 15.2 من الأشخاص ، وتأتي الكويت في المرتبة الثانية إذ تخصص 56.2جهاز لكل 1000شخص أي بمعدل 17.8 من الأشخاص تقريباً ، ثم البحرين في المرتبة الثالثة إذ تخصص 50.3جهاز لكل 1000شخص أي 20شخص تقريباً ، ثم المملكة العربية السعودية في المرتبة الرابعة فهناك 37.2جهاز حاسوب لكل 1000شخص أي جهاز واحد لكل 27 شخص تقريباً ، وفي المرتبة الخامسة تأتي لبنان إذ يخصص 34.3 جهاز حاسوب لكل 1000شخص أي جهاز واحد لكل 29 شخص تقريباً ، وفي المرتبة السادسة عمان إذ تخصص 10.9 جهاز لكل 1000 شخص أي 92شخص لكل جهاز ، ثم الأردن ، حيث يخصص 8 أجهزة لكل 1000شخص أي 125 مقابل كل جهاز ، ثم تأتي تونس في المرتبة الثامنة إذ تخصص 6.7جهاز لكل 1000شخص أي 149شخص مقابل كل جهاز ، ثم مصر في المرتبة التاسعة فهناك 5.8 أجهزة لكل 1000شخص أي 172 شخص مقابل كل جهاز واحد ، ثم الجزائر في المرتبة العاشرة إذ تخصص 3.4 جهاز لكل 1000 شخص أي 294 مقابل كل جهاز ، ويأتي المغرب في المرتبة الحادية عشرة إذ أن هناك 1.7لكل 1000شخص أي 588شخص مقابل كل جهاز، ثم سوريا في المرتبة الثانية عشرة إذ تخصص 1.4 لكل 1000شخص أي 714شخص تقريباً مقابل كل جهاز حاسوب أما بقية الدول العربية فلا توجد لدى المنظمات المختصة بيانات وافية عن حالة استخدام أجهزة في الحاسوب الشخصي!! ، وبمقارنة حالة العرب بحالة "جيرانهم" أو أمثالهم نجد الفارق الكبير بينهم فـ "إسرائيل" مثلاً تخصص 117.6 جهاز حاسوب لكل 1000شخص من السكان أي جهاز واحد لكل 8.5 من الأشخاص !!، وهي نسبة متقدمة إذا ما قورنت بالنسبة العالمية ، وهناك دول أخرى قد حققت معدلات عالية كذلك مثل ألمانيا التي تخصص 233.2 جهاز لكل 1000 شخص أي جهاز لكل 4.2 من الأشخاص ، وكذلك بلغاريا التي تخصص 295.2 جهاز لكل 1000شخص ، أي جهاز لكل 3.3من الأشخاص وكوريا التي تخصص 131.7 من الأجهزة لكل 1000 شخص أي جهاز لكل 7.5 من الأشخاص ، وسنغافورة التي تخصص 216.8 لكل 1000 شخص أي جهاز واحد لكل 4.6 من الأشخاص ، و كان هذا حال استخدام الحاسوب فماذا عن الارتباط بشبكة الإنترنت ؟ التي أصبحت اليوم ثورة علمية بذاتها حيث وفرت خدمة معرفية واسعة لم يتهيأ للبشرية مثلها من قبل، وأصبحت حالة مهمة لكثير من العمليات المعرفية كوسائل الإعلام والتعليم ، بل دخلت في مجالات عدة في التواصل الثقافي والاستخدامات الاقتصادية والصحية وغيرها ، ولم يعد استخدامها ترفاً ، بل حاجة قد ترقى إلى الضرورة في بعض الأحيان ، ويُقاس مؤشر الإنترنت من خلال عدد المرتبطين به ,فقد قطعت دول العالم المتقدم أشواطاً واسعة في استخدام شبكة الإنترنت إذ يزداد عدد المستخدمين بنسبة 2.97% شهرياً ، وتحتل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا الموقع الأول في هذا الاستخدام ، ويسندهم في ذلك انخفاض تكلفة هذه الخدمة إلى جانب سهولة الحصول عليها، وعدد السكان الكبير إلى جانب انتشار استخدام الإنترنت في مختلف جوانب الحياة، وتشكل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ما نسبته 55.91% من مستخدمي الإنترنت ، بينما يشكل المستخدمونفي القارة الأوروبية م نسبته 23.45% و القارة الأسيوية ومنطقة الباسيفيك ، ما نسبته 16.72%، وتأتي أمريكا اللاتينية في المرتبة الرابعة أي ما نسبته 2.62%، أما إفريقيا فتأتي في المرتبة الخامسة أي ما نسبته 0.86% ثم منطقة الشرق الأوسط في المرتبة الأخيرة إذ لاتتجاوز نسبة المستخدمين لشبكة الإنترنت 0.44% من المستخدمين في العالم ، وإذا كان هذا على مستوى الدول فإن اللغة تعتبر مؤثرا في عدد المستخدمين ، إذ تأتي اللغة الإنجليزية في مقدمة اللغات المستخدمة في الإنترنت لكثرة المستخدمين لها ، وتستحوذ على 53.52% مما يستخدم في شبكة الإنترنت، وتأتي بعدها اللغة اليابانية بنسبة 7.90% ثم اللغة الألمانية 5.62% ثم الأسبانية 4.69% ثم الصينية 3.97% ثم الفرنسية 3.97% وتتوزع النسبة الباقية وقدرها 20.33% على بقية اللغات، أما اللغة العربية فتأتي في المرتبة السابعة عشرة من حيث استخدامها في الإنترنت إذ أن هناك 3.81%من مستخدمي الشبكة يستخدمون الإنترنت باللغة العربية ‍‍، وتأتي "إسرائيل " في المرتبة التاسعة عشر من حيث إذ أن هناك 3.21% من يستخدم الإنترنت باللغة العبرية مع الفارق بين عدد سكان الدول العربية وعدد سكان "إسرائيل" (35) .

إن الحاجة تزداد يوماً بعد يوم إلى نقل التقنية التكنولوجية والإستفادة منها كمرحلة أولى تنطلق الدول بعدها إلى إكتساب التقنية وتطويرها لتلبي حاجتها دون أن تكون خاضعة للدول المنشئة لهذه التقنية، وبقدر حاجة الدول العربية و الإسلامية إلى نقل التكنولوجيا والإستفادة منها بقدر ما تتسع الهوة بين هذه الدول والدول المتقدمة صناعياً.

 

الهوامش :

  1. 1.    كيف تساهم المدرسة و الأسرة في تنمية المجتمع  ـ محمد عليلوش  ـ  ص 4
  2. دراسات حول التنمية في الوطن العربي ـ عادل فهمي  ـ ص103
  3. سورة الحج   ـ   الآية 46
  4. سورة العنكبوت  ـ  الآية 20
  5. سورة الرعد   ـ الآيات 3 ـ 4
  6. سورة هود  ـ الاية 61
  7. تفسير القرآن العظيم ـ ابن كثير  ج2  ـ ص450
  8. انظر : الجامع لأحكام القرآن ـ  القرطبي ج1 ـ ص65
  9. سورة طه ـ الآية 28
  10. رواه الترمذي .
  11. رواه الطبراني في الأوسط .
  12. الرسول المعلم ـ يوسف القرضاوي  ـ ص28
  13. سورة يوسف ـ الآيات 47 ـ 49
  14. التنمية من الكمّ إلى الإنسان ـ محمد بشير شريف  ص 4
  15. الإمكانيات البشرية و التقانة العربية ـ نادر فرجاني ـ مجلة المستقبل العربي ـ    العدد522 ـ ص 73
  16. مجلة التربية العربية ـ العدد 40 ص 67
  17. الجامعات و تحديات القرن الحادي و العشرين ـ محمد احمد الرشيد ـ ص293
  18. انظر : تعليم الأمة العربية ـ سعد الدين إبراهيم       ص72
  19. الحدي الاقتصادي و التكنولوجي  ـ أسامة عبدالرحمن ص6
  20. التغير الحضاري وتنمية المجتمع ـ محي الدين صابرـ ص73
  21. التغير الاجتماعي ـ سيف الإسلام مطر ـ ص 10
  22. بعض المتغيرات الاجتماعية ـ عبد الباسط عبد المعطي ـ ص 318
  23. انظر : بترول العرب ـ جمال حمدان ـ ص 493
  24. المرأة وتبعات التنمية في المجتمع الإسلامي ـ مجلة التعاون ـ العدد23    ص65
  25. انظر : العرب على مشارف القرن الحادي و العشرين ـ سعيد عبدالله حارب   ص93
  26. مجلة التربية العربية ـ عددخاص ـ العدد 245 ـ السنة الخامسة .
  27. تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ـ الإحصائية من عمل الباحث .
  28. جريدة البيان ـ الإمارات ـ 12 أغسطس 2005م .
  29. أثر المسلمين في الحضارة الأوروبية ـ أحمد علي الملا       ص117
  30. البحث العلمي ـ جورج مصري ـ مجلة مستقبل العالم الإسلامي ـ العدد12 ص119
  31. PLAN FOR ESTABLISHMENT SCIENTIFIC RESERCH DIVISION, HUSSAIN AHMED KAMAL (بحث غير منشور)
  32. العلوم و السياسة العلمية في الوطن العربي ـ أنطوان زحلان  ص28
  33. تم استخراج النسب من بحث( البحث العلمي في الأقطار العربية ـ طه تايه النعيمي)
  34. جريدة البيان ـ الإمارات ـ 12 أعسطس 2005م .
  35. انظر : العرب على مشارف القرن الحادي و العشرين ـ سعيد عبدالله حارب ص144