قائمة الروابط


الموضوع الثاني: منهج القرآن في إثبات عقيدة البعث بعد الموت.

ملخص الموضوعات
سلك القرآن في ذلك عدة مسالك تجمع بين الجوانب الفطرية والعقلية والحسية كما يلي:
1- الاستدلال على البعث بالنشأة الأولى: الحج: 5-7، يس: 78، 79، الإسراء: 49-51، الروم: 27، مريم: 66، 67.
2- الاستدلال بخلق السموات والأرض وما فيهما: الإسراء: 98، 99، يس: 81، الأحقاف: 33.
3- الاستدلال بخروج النبات من الأرض: الأعراف: 57، فاطر: 9، فصلت: 39.
4- الاستدلال بوقائع حصل فيها الإحياء بعد الموت:
أ- صاحب القرية: البقرة: 259.
ب- إحياء الطيور لإبراهيم عليه السلام: البقرة: 260.
ج- الملأ من بني إسرائيل: البقرة: 243.
د- قو م موسى عليه السلام السبعون الذين اختارهم: البقرة: 55، 56.
هـ- القتيل الذي ضرب بعضو من أعضاء البقرة: 72، 73.
5- الاستدلال بإخراج النار من الشجر الأخضر: يس: 80.
6- الاستدلال بحصول اليقظة بعد النوم: الأنعام: 60-62، الزمر: 42.
7- الاستدلال بأن حكمة الله وعدله يقتضيان البعث والجزاء: المؤمنون: 115، القيامة: 36.

 

منهـج القـرآن الـكريم

في إثبات عقيدة البعث بعـد الموت

(تفسير موضوعي)

 

تأليف

د. منظور بن محمد محمد رمضان *

قسم الدراسات القرآنية

الكلية الجامعية

 جامعة أم القرى مكة المكرمة

 

___________________________

* درّس القرآن الكريم في الحرم الشريف بعد حصـوله على إجازة في تدريس القرآن الكريم وتجـويده من معهد دار الأرقم بن أبي الأرقم عام 1392 هـ، حصـل على الماجستير تخصص كتاب وسنة عام 1406 هـ، دكتوراه تخصص كتاب وسـنة عام 1415 هـ جامعة أم القرى، حاليا عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين جامعة أم القرى مكة المكرمة.

ملخص البحث:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:

إن السعيد من صرف همته إلى القرآن الكريم تدبرا وفهما، ولقد دعانا القرآن الكريم إلى التدبر والاعتبار والتحصن به فهو مصدر فلاح العبد وفوزه في كل المجالات لأنه ينير لنا الطريق ويهدينا إلى أقوم طريق وأهدى سبيل، وإن البحث والتفكر فيما يدعونا إليه القرآن الكريم مما فيه سعادتنا الأبدية يعد من التذكر والتدبر، لا سيما في عصر السرعة التي تشابكت فيه الأقطار وتقلصت فيه المسافات وتسربت الحضارات والتبس الحق بالباطل، وانتشرت فيه الدعوات إلى المذاهب الباطلة والأفكار الهدامة، وظهرت في المجتمعات أمورا لا سابقة لها، فكان لا بد لعلماء الإسلام من وقفة صادقة جادة في وجه هذه الأفكار والمذاهب لمقاومتها وإيجاد الحلول المناسبة بصورة عاجلة ومختصرة .

وإن بحث: (منهج القرآن في إثبات عقيدة البعث بعد الموت) تفسير موضوعي، وهـو فن مبتكر جديد- وما أحوجنا إلى بحوث مؤصلة بالكتاب والسنة- تطرق لأمر هام يعد من أبرز موضوعات الساحة على حين أنه لم يبق دليل أو آية إلا وأخبرتنا على صدق موعود الله حسا وعقلا، ولعل منكري الأوائل لم تتضح لهم صورة إمكان البعث بعد الموت بمثل ما اتضحت في العصر الحديث مما يُشاهد عيانا في الكون من الآيات والدلائل التي تدعو إلى الإيمان بالبعث بعد الموت ضرورة ووجوبا، ولأجل هذا محاولة من الباحثين في استخراج مكنونات الكتاب العزيز فقد حصر البحث جهده في ذكر الأدلة النقلية والعقلية على إثبات البعث بعد الموت بأسلوب مبتكر يلائم روح العصر، وانصبت الأفكار على الرد على منكريه عقلا ونقلا، عل ذلك يدعـوهم إلى الإيمان بالله وبالبعث بعد الموت.

كما أنه يُذكّر المسلم بهذا اليوم الذي يحاسب الله فيه العباد على كل صغـيرة وكبيرة، عل ذلك يدعوه على الاستقامة على الطريقة

فمن هذه الزاوية فهو يعد بحثا أصيلا من حيث الجمع والتنسيق والشرح والبيان، عدا أنه يستمد معارفه من البحر الرباني القرآن الكريم. وبالله التوفيق والسداد.


 

 

مـقـدمـة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:

إن أول ما دعى إليه الأنبياء والرسل هو توحيد الله تعالى، ومن أوائل ما اجتهدوا في إحكامه وتشييده هي العقيدة، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} (النحل 36).لأنها الأساس الذي ترتكز عليه دعائم التشريعات الإلهية وميزان الأعمال قبـولا وردا، فإذا رسخت العقيدة في نفس المسلم تلاها الإيمان بمبدأ البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال الذي هو أحد أركان الإيمان وقوام عقيدة المؤمن.

وإنّ الإيمان بمبدأ البعث بعد الموت تمهيد لبناء مجتمع يلتزم في حياته شرع الله في كل شؤون حياته، قال الله U {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله…..} (التوبة 18). فقد حصر الله تعالى هذه الأعمال فيمن آمن بالله وباليوم الآخر.

ولقد كان من أوائل التكاليف الإلهية في القرآن الكريم هو الإيمان بالبعث، يقول الله تعالى في مطلع أول سور القرآن الكريم: {مالك يوم الدين ..} (الفاتحة) وفي ثاني سور القرآن الكريم: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون}.(البقرة 3، 4).

ويقول أبو هريرة t: كان النبي e بارزا يوما للناس، فأتاه رجل فقال: (ما الإيمان؟، قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث...) [1].

لذا فقد اتفقت جميع الرسالات السماوية على الإيمان بالبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، ومِن ثَم فإنّ هذه القضية كانت من أولى اهتمامات القرآن الكريم، واعتنى بها عناية بالغة في آيات كثيرة.

 

أهمية البحث:

تظهر أهمية البحث وثمـرته من حيث استمداده وموضوعه ومنهجه، ومن حيث صلته بالمجتمع وحاجتهم إليه ومدى تحقيقه للأهداف والنتائج والغايات المرجوة من ورائـه.

وإنّ موضوع (منهـج القرآن الكريم في إثبات عقيدة البعث بعد الموت) من أهم الموضوعات؛ لكونه يتصل بكتاب الله تعالى الذي أنزله الله هدى ورحمة للعالمين ولسعادة البشر في الدارين، ثم هو أيضا سبب موصل لفهم كلام الله لما في شرح وبيان مثل هذا الموضوع مِن حث وتدبر على فهم كلام الله والإيمان به وربط الناس بواقع حياتهم العلمية والعملية.

كما أنّ هذا الموضوع الذي أعالجه جمعا ودراسة وشرحا وبيانا يشكل قاعدة أساسية لتقويم الإنسان في هذه الحياة لارتباط مصيره به، ونحن في أمس الحاجة إلى مثل هذه الموضوعات، لا سيما في زمن فسد فيه معتقد كـثير من الناس وتبلبلت أفكارهم حول قضية البعث بعد الموت، بل لم يقتصر الإنكار على البشر فحسب بل عم هذا الشعور الجن كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: {وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا} (الجن 7).

 

(عوامل إنكار البعث بعد الموت)

إن قضية المعاد والبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال قضية حساسة وفي بالغ الخطورة لأنها تحدد مصير الإنسان في دنياه قبل آخرته ويتوقف عليها إما سعادة أبدية أو شقاوة أبدية.

ولأهمية ذلك فإن الله تعالى- لطفا بعباده ورحمة بهم- وضحها في كتابه العزيز غاية الوضوح وبينها بيانا شافيا كافيا بأدلة نقلية وعقلية فيها مَقنَع لذي حِجر، ولكن مع ذلك لا يزال في الناس- إما جهلا أو جحودا ومكابرة- من يلتبس عليه الأمر فيحتاج إلى التوضيح والبيان.

 

وإن من خلال التتبع والقراءة العميقة والتدبر يتضح أن إنكار البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال ينصب على معنيين:

أولا: بمـعـنى التغافل عنه وذلك بعدم استحضار الإيقان به أو استهتارا بشأنه بعدم مراقبة الله المطلع على سرائر عباده وضمائرهم، كحال بعض المسلمين أو المنتسبين إلى الإسلام ممن لا يعرفون للإسلام حدا أو للأوامر والنواهي معنى.

فما حصل أو يحصل من التعديات في النفس والمال والعرض وهضـم للحقوق وإهمال للواجبات إلا من جراء تغافل الناس عن مبدأ البعث بعد الموت إن لم يكن تكذيبا به وإنكارا، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا في سورة كاملة مبينا آثار التكذيب بيوم الدين فقال تعالى:  {أرأيت الذي يُكذب بالدين، فذلك الذي يَدُعُّ اليتيم، ولا يحُض على طعام المسكين، فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يُرآؤن ويمنعون الماعون}.(الماعون).وقال تعالى: O {ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسِرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين} (المطففين ). ومؤدى كل هذه العوامل هو عدم الاستعداد بالعمل لهذا اليوم العظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين.

 

ثانــيا: بمعنى بإنكاره كليا وعدم الإيمان أو الإيقان بوجود يوم يحاسب الله تعالى فيه العباد ويجازي كلاً بما قدم من الأعمال، وذلك كحال المجتمعات الوثنية الكافرة على مختلف مِلَلِها ونِحَلِها، وهو ما نحن بصدد ذكره وبيانه في هذا البحث.

وإن مما يعجب له في هذا الموضع أن إبليس- على كفره وتكبر- أقر بالبعث وأتباعه من الكفرة أنكروه، قال تعالى حكاية عنه: {قال أنظرني إلى يوم يُبعثون} (الأعراف 14) وقال تعالى: {قال رب فأنظرني إلى يوم يُبعثون} (الحجر 36)

 

ولهذا النوع من إنكار البعث بعد الموت عوامل وأسباب عديدة أحاول تلخيص بعض هذه الأسباب والعوامل وشرحها وبيانها:

 

فمن عوامل إنكار البعث بعد الموت وأسبابه:

الترف والبطر والغرق في الشهوات حتى تنقلب الموازين وتنعكس المقاييس فتُنسّي الحِكَم الإلهية والإرادات الربانية في هذا الكون كما حكى الله تعالى عن أصحاب الجنة: {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعـة قائمـة ولئن رددت إلى ربي لأجـدن خـيرا منـها منقلبا} الكـهف (35، 36).وكما قال تعالى: {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إنّ لي عنده للحسنى فلننبأن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ} (فصلت 50) وقال تعالى: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل مِن يَحْمُوم لا بارد ولا كريم إنهم كانوا فبل ذلك مُتْرَفين وكانوا يُصِرّون على الحنث العظيم وكانوا يقولون أإذ متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون} (الواقعة 41- 48).

 

وقال تعالى عن مترفي الأمم السالفة عندما توالت عليهم نعم الله فاغتروا بها فكانت مدعاة للتكذيب برسل الله وبالبعث بعد الموت قال تعالى: {وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين} (المؤمنون 33- 38).

 

وإن من أسباب إنكار البعث بعد الموت: الكـبر والغرور وهو من مساوي النفس وأخلاقها الذميمة حيث يعمي البصر والبصير فيدفع بصاحبه إلى الإعجاب بالنفس وبطر الحق والكفر بالله تعالى وبنعمه، وقد حرمه الإسلام أشد تحريم؛ لأنه من أعظم أسباب الهلاك في الحال والمآل، ومن أكـبر العوائق عن طلب الكمال والبحث عن الحقائق والبينات، وحجاب مانع لوصول الهداية لكنه يجلب مقت الله، فكم من نعمة انقلبت نقمة وكم من عز وكرامة وقوة صـيراه ذلا وضعفا وهوانا، قال تعـالى: {كذلك يطـبع الله على كل قلبِ متكبر جبار} (غافر 35) وقال U: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} (الأعراف 146).وقال تعالى: {وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين، وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين} (العنكبوت 38، 39). وقال تعالى: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يُرجعون} (القصص 39)

وبسبب الكبر طرد إبليس من رحمة الله، قال تعال: {فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك مـن الصاغـرين} (الأعـراف 13).وقال U: {إلا إبليـس اسكتـبر وكان من الكافـرين} (ص 74).ومستقر الكافرين المتكبرين النار قال تعالى: {أليـس في جهنم مثوى للمتكبرين} (الزمر 60)

 

وإن من أسباب إنكار البعث بعد الموت: النفاق مع أن المنافق قد يظهر لـه شيء من الحق والحقيقة لكونه يخالط المسلمين ويسمع ويرى منهم ما يكون سببا للتصديق لكنه مع ذلك يصر على التكذيب فهو مِن هنا أشد مؤاخذة من الكافر الذي قد يجهل الأمر، قال تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين، يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} (البقرة 8)

وما أكثر النفاق والمنافقين اليوم على اختلاف أشكالهم وألوانهم وما أشد ضررهم على الإسلام والمسلمين، وما يُرى ويُشاهد من بعضهم من تشويه صورة الإسلام قولا أو فعلا أو توجيه الألقاب النابية إليه وإلى المسلمين، أو المؤامرات والتجسس لهدمه، إنما هو لأجل التشويش والتلبيس على الناس في معرفة حقيقة البعث بعد الموت، تنفيذا لما طبعوا عليه من الشر والفساد، قال تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} (البقرة 13)

 

وإن من أسباب إنكار البعث بعد الموت: الجهل والتقليد الأعمى دون بصيرة أو علم وتثبت رغم فشو العلم وتعدد وسائله وسهولة الوصول إليها وظهور الآيات الدالة على صدق نبوة النبي r ورسالته وبصدق ما جاء به من عند الله، قال تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} (البقرة 170) وقال تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} (لقمان 21) وقال تعالى: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا، وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكُبراءنا فأضلونا السبيلا} (الأحزاب 66) وقال تعالى: {وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين، قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين، وقا الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونَجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} (سبأ 31)

مع أن الله تعالى- بلطفه وكرمه- قد منح الإنسان وسائل الفهم والإدراك والاستبصار وجعله أهلا للتمـييز بين الحق والباطل والخير والشر والخطأ من الصـواب، قال تعالى: {ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها} (الشمس 7) وقال تعالى: {وهـديناه النجـدين} (البلد 10) وقال تعالى: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سمعيا بصيرا، إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} (الدهر 2) وقال U: {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} (القيامة 14، 15).وقال U: {والذي قدر فهدى} (الأعلى 3). وقال تعالى: {ولقد جاءهم من ربهم الهدى، أم للإنسان ما تمنى} (النجم 23، 24).

 

ولكن لما عُطّلت أدوات الفهم والاستبصار واستُخدمت في غير ما أمر الله تعالى وقعوا فيما وقعوا فيه، قال تعالى حكاية عن أهل النار: {قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير، وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} (الملك 9)

وقد عم هذا البلاء جميع أهل الكفر حتى أهل الكتاب رغم بقايا ما عندهم من علم لانحراف علمائهم مؤاثرة لشهواتهم وأغراضهم النفسية واستعبادا لشعوبهم وأممهم بإضلالهم حتى رسخوا في أذهان شعوبهم أن رجال الدين - على حد تعبيرهم- يتكفلون لهم المغفرة والجنة ويتحملون عنهم أعباء الآخرة، فساقهم ذلك إلى القول بأن الحياة حركة لا هدف لها وغايـة لا حكمة من ورائها وللبِيَع أناس والبارات ودور البغاء أناس، إنما هي أرحام تدفع وقبور تبلع، وبين هاتين لهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد.

 

وإن من أسباب إنكار البعث بعد الموت: ظهور عبّاد المادة وتعدد الملل وانتشار الملحدين في المجتمعات البشرية ممن يزعمون العلم والفهم وهم في الحقيقة معاول لهدم الإنسانية لطمسهم في الناس معالم الحق رغم تطور العلم وظهور الآيات التي أثبتت وجوب البعث بعد الموت بما يشاهد يوما بعد يوم من الآيات والدلائل الدالة على وجـوبه، كما قال تعالى: {سـنريهم آياتِنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتـبين لهم أنهُ الحق…} (فصلت 53).

فلم ترفع كثير من الأمم رأسها لهذا الحق، بما ينادى من أن التوجه إلى الذات الإلهية يكون إما لجلب مصلحة أو لدفع ضر، وقد أغـنى العلم الحديث والتطور البشري في أكثر المجالات عن الإله وعن العقيدة والتدين، وأن الإنسان في عصر الذرة وغزو الفضاء فلم يصبح في حاجة إلى مدبر ومسير لأمر الكون، وأن الإنسان قد أصبح بالتقدم العلمي والحضاري والإحكام الصناعي كفيل نفسه، فأخذوا ينادون باستغناء الإنسان عن الرسل والرسالات وعن العقــيدة فضـلا عن الإيمان باليوم الآخــر: {والذين يسعون في آيتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون} (سبأ 38).

 

وإن من أسباب إنكار البعث بعد الموت: نِسبة تأثير الطبيعة في الكون، فقد ظهر على مختلف العصور والأزمان طبيعيون ينسبون الحوادث إلى الطبيعة، أو يقولون بتأثير الطبيعة في هذا الكون، وفي نظرهم أن كلما يحدث حادث أو انقلاب في الكون فإنه من تأثير الطبيعة، إنما هو كون ونظام مُسَيَّرٌ دون مسَيرٍِّ ووقت مؤقت ينتهي إليه فإذا كان الأمر كذلك فلا بعث ولا نشور ولا حساب ولا عقاب ولا جزاء على الأعمال إذا.

وهذا القول مشابه لقول الاشتراكيين اللا دينيين بينهم عموم وخصوص، قال تعالى حكاية عنهم: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الـدنيا نمـوت ونحـيا وما يُهلكنا إلا الدهــر ومالهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} (الجاثية 23)

ولعل الطبيعيين أو الدهريين الأوائل قالوه عن شيء من الجهل وعدم الإيقان أو بضرب من التخمين والحدس، غير أن طبيعي هذا الزمان قالوه عن عمد وقصد عنادا واستكبارا- فقد كُشِف الأمر وزال شيء من الحجاب وكشفت بعض المُغَيبات- لغرض صرف الناس عن الحقائق وزعزعة أفكارهم وإيقاعهم في دوّامة الشكوك والرِيَب لئلا يرفعوا رأسا للبحث عن طريق الحق، وهذا حال كثير من الغربيين فإنهم مع وقوفهم على كثير من حقائق الكون وأسراره وإيقانهم ببطلان تأثير الطبيعة فيه من خلال التجارب والنظريات التي تحتم عليهم الاعتراف بالحق والنطق بالصدق، فلا يزالون يتصورون هذا التصور الزائف الذي يستهجنه عقل عادي فضلا عن عقل عقيل.

 

ويلزم هؤلاء القائلين: تحديد ماهية الطبيعة في نظرهم ؟ .

ثم هل الطبيعة قوة قاهرة أم مقهورة ؟.

وأيهما أقوى الطبيعة أم المطبوع ؟.

وقد قيل: إن الطبع يغلب التطبع فإن كانت الطبيعة لها تأثير فلماذا يحصل في مكان دون آخر مع توفر الأسباب والظروف ؟.

فإن قضت الطبيعة أن الفرخ من البيضة فلماذا تفسد البيضة ؟ وإذا قضت الطبيعة أن تراكم الغيوم ووجود الرعد والبرق مُؤْذِنٌ بالغيث فلم يتخلّف بعض ذلك وغير ذلك مما هو معلوم في هذا الكون من الخروج عن المألوف والنظام !.

وما ذاك إلا ليعرف الناس ويوقنوا أن هذا الكون مِلْكٌ لله تعالى ملكا وتصرفا فهو يتصرف فيه كيف يشاء ويُخضع الكائنات لنظام الكون تارة ويأمرها أخرى بالخروج عنه، وصدق الله حيث يقول عن نفسه: {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغـير حساب} (آل عمران 27)

فإذا كانت الطبيعة- في نظرهم- قوة قاهرة فكيف للمقهور أن يخرج عن هذه السيطرة ؟.

 

فإذاً وجب القول بضعف الطبيعة وبخضوع هذا الكون لحكم الله مِلكا ومُلكا وتصرفا وبطل القول بتأثير الطبيعة فيه ووجب تكفير من يقول به إن كان عامدا، ومع الأسف فقد وجد في المسلمين أو المنتسبين إلى الإسلام من يقول بهذا القول.

فإما بسبب ما لُقّن في مراحل التعليم من هذه الكلمات النابية.

أو جهلا منه بفساد هذا الرأي وفظاعة هذا القول أو أنه التقليد والعمى دون بصيرة وبرهان.

 

وإن من أسباب إنكار البعث بعد الموت: الإغراق في الاغتفال والالتهاء، بحيث ينشغل الإنسان بسفاسف الأمور وزائفها ويعطيها حظا وافرا من الأهمية حتى يجعلها من أوليات همومه وأمانيه، ويقدمها إلى أن تبقى هي محط نظره وفكره ومحور حياته، مع أن ظاهر الحياة محدود صغير مهما بدا للناس واسعا شاملا يستغرق جهودهم بعضه ولا يستقصونه في حياتهم المحدود، فإن لم يتصل قلب المرء بحقيقة وجوده فإنه كما يقول سيد قطب: يظل ينظر وكأنه لا يرى ويبصر الشكل الظاهر والحركة الدائر ولكنه لا يدرك حكمته وأكثر الناس كذلك.

ولا شك أن الغفلة عن الآخرة تجعل كل مقاييس الغافلين تختل وتؤرجح في أكفهم ميزان القيم، فلا يملكون تصور الحياة وأحداثها وقيمها تصورا صحيحا، قال تعالى: {أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون} (الروم 8) دعوة إلى إدراك حقيقة هذه الحياة وروابطها على مدار الزمان وحقيقة هذه الإنساية الموحدة المنشأ والمصير على مدار القرون كي لا ينعزل جيل من الناس بنفسه وحياته وقيمه وتصوراته ويغفل عن الصلة الوثيقة بين أجيال البشر جميعا وعن وِحدة السنة التي تحكم هذه الأجيال جميعا ووِحدة القيم الثابتة في حياة الأجيال جميعا، …والقرآن الكريم يدعو المكذبين أن يتدبروا العواقب وأن يدركوا أن سنة الله واحدة [2] .

وإن من أسباب إنكار البعث بعد الموت: العناد والاستهانة مما يجعل الإنسان يتطاول فيطلب أمورا إما خارجة عن طوق البشر أو لا علاقة لها بالحال والواقع أو يبتغي قياسا بمقيس يعد في نظر المعتاد قاصرا أو فاسدا كالطعام والشراب واللباس.

وهذا إنما هو نابع إما عن جهل بالحقائق أو عن قصر بصيرة أو استدبار لعواقب الأمور أو إغترار بالفاني من الزاد والمتاع، قال تعالى: {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لو لا أنزل إليه ملكٌ فيكونَ معه نذيرا، أو يلقى إليه كنز أو تكونُ لـه جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} (الفرقان 7)

تغافلوا عن الأهم إلى ما لا قيمة له أصلا لذا قال الله تعالى عقب ذلك مضربا عن توبيخهم وزجرهم عما حكاه من الكلام الذي خرج عن دائرة العقل ولا يصدر عن العقلاء فقال: {بل كذبوا بالساعة } (الفرقان 11) ليس الأمر كما زعموا بل الحامل لهم على هذا الاعتراض والاستكبار إنما هو التكذيب بالساعة ولهذا فهم لا ينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها.

وأكد سبحانه وتعالى مقالتهم الشنيعة هذه بقوله: {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عُتوّا كبيرا…} (الفرقان 21) أي: تجاوزوا الحد في الكبر والطغيان إلى أقصى غاياته.

قال الألوسي: وفي طلب إنزال الملائكة للتصديق دون إنزال ملك إشارة إلى أنهم بلغوا في التكذيب مبلغا لا ينفع معه تصديق ملك واحد [3]

وقال الشوكاني: لقد بلغ هؤلاء الرذالة بأنفسهم مبلغا هي أحقر وأقل وأرذل من أن تكون من أهله أو تعد من المستعدّين له، وهكذا من جهل قدر نفسه ولم يقف عند حده، ومن جهلت نفسه قدره رأى غيره منه ما لا يرى [4] ولا زال هذا شأن الأمم المتعاقبة بعد أمة الأوثان يطلبون من سقط المتاع ويقيسون بمقياسهم وعليه يبنون نظرياتهم وإليها يرجعون ويحتكمون وحولها يحومون ويدندنون [5].

لذا كان لهـذا الموضوع أهميـته وحاجته الملحة [6].


 

الهدف من البحث:

إن التفسير الموضوعي يختلف عن التفسير التحليلي أو الإجمالي، فمن حيث المراجع العلمية فإنه يعتمد بصورة كبيرة على الاستنباط والتلخيص لما في الآيات من المعاني والإرشادات والإشارات والأسرار القرآنية الدقيقة بعد الرجوع إلى التفسير بالمأثور والمعقول، كما يقول الزركشي: (أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر والتفكر، واعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقة، ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة وفي قلبه بدعة أو إصرار على ذنب، أو في قلبه كِبر أو هوى أو حب الدنيا أو يكون غير متحقق الإيمان أو ضعيف التحقيق أو معتمدا على قول مفسر ليس عنده إلا علم بظاهر، أو يكون راجعا إلى معقوله، وهذه كلها حُجُب وموانع وبعضها آكد من بعض) [7]

 

ومن حيث المنهج فإنه يعتمد على الموضوعات القرآنية فحسب.

ومن حيث التحرير والأسلوب فإن المفسر يحتاج إلى تدبر آيات القـرآن الكريم وإلى تعمق فكري لمعاني الذكر الحكيم وتذوق للبيان والأسلوب القرآني الرصين، وإلقاء نظرة عامة على جميع الآيات المجمعة من حيث تأليفها وترتيبها واستنباط العلاقة بينها وربط عناصر الموضوع بعضه ببعض، ثم سبك هذه المعاني في قالب من الحقائق مترابطة متصلة مثل سلسلة الذهب للخروج بنظرية قرآنية جديدة.

وهذا يتأتى "إذا كان العبد مُصْغِيا إلى كلام ربـه ملقى السمـع وهـو شهيد القلب لمعاني صـفات مخاطبه ناظرا إلى قدرته تاركا للمعهود من علمه ومعقوله" [8] فإنه يفتح الله عليه أبواب معرفته بحيث يقف على أسرار عظمة كتاب الله تعالى.

 

ويمكن تلخيص بعض أهداف هذه الدراسة في النقاط التالية:

1-    تحقيق مبدأ النصيحة التي يقوم عليها أساس جلب الخير ودفع الشر عن البشر، والتواصي بالحق وبالصبر امتثالا لقول الله تعالى: بسم االله الررحمن االرحيم {والعصر إن الإنسان لفي خُسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} (العصر).ولقول النبي r: (الدين النصيحة) قال الصحابة: لمن يا رسول الله ؟، قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) [9].

2-  جمع ما يتعلق من الآيات بموضوع البحث في مكان واحد، ثم البحث والنظر فيها من زاوية قرآنية محددة، ثم دراسـتها دراسة موضوعية وافية مركزة منحصرة فيما يتعلق بالموضوع شاملة لجوانبه، من حيث بيان ما يتعلق بموضوع: (منهج القرآن الكريم في إثبات عقيدة البعث بعد الموت) ومن حيث بيان ضرورته وبيان منهج الآيات في عرض الموضوع، دراسـة موضوعية على نمط يغاير نمط الموضوعات العامة، بعيدا عن الإطالة المملة، ثم تفسير الآيات تفسيرا موضوعيا من كتب التفسير بالرواية والدراية، ثم من كتب السنة على أساس وحدة واحدة مترابطة.

3-    تأصيل البحث بالقرآن الكريم وبالسنة الصحيحة ثم بأقوال صحابة رسول لله r ومن خلال الاستدلال بوقائع حصل فيها الإحياء بعد الموت.

4-    إخراج هذا الموضوع- الذي لم يسبق أن كتب فيه حسب علمي- بمنهج التفسير الموضوعي، بأسلوب سهل ميسر، يجمع بـين المنقول والمعقول من الأدلة وبـين العلم الحديث وواقع الناس، وإيصاله إلى مسامعهم بوضوح تام ليسهل عليهم فهمه وإدراكه ثم السير على نهجه دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وإرشادا ونصحا بالتي هي أحسن.

5-    معذرة إلى الله بإقامة حججه ونصـب براهـينه على منكري البعث بعد الموت لا سيما الماديين الملحدين منهم وإيقاظهم وتنوير بصائرهم وإقناعهم بتبسيط القضية ببيان الأدلة النقلية والعقلية ومن خلال الانفتاح العلمي وآثاره، وتنبيههم من غفلتهم عن الحقائق الثابتة التي لا مجال لإنكارها نقلا كان أو عقلا وحسا، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

 

(الأهداف التربوية في تقرير مبدأ البعث والجزاء)

إن قضية التربية قضية حساسة وفي بالغ الخطورة؛ لأنها تحدد مصير الإنسان في دنياه قبل آخرته ويتوقف عليها إما سعادة أبدية أو شقاوة أبدية، قال تعالى: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} (الأنفال 42). وقال تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} (التوبة 115).

ومن ثم جـدير بنا أن نعطي لمحة عن مثل هذا الموضوع لكي نقدم للأمة ما هي في أمس الحاجة إليه، لا سيما في مثل هذه الظروف الحرجة التي تحيط بالأمة الإسلامية بل البشرية عامة حيث تشكوا حاجتها الماسة إلى تربية يتكون منها فرد صالح، بعد أن جربت جميع المناهج الأرضية وأدركت فشلها في إيجاد الفرد الصالح الذي يتكون منه مجتمع وأمة صالحة.

كما أنها الأساس واللبنة الأولى إلى التقدم والرقي في شتى المجالات، والمعيار الذي به توزن أفكار الأمم ومواهبها ويعرف رقي الشعوب من انحطاطها وتقدمها من تأخرها وإن اختلفت أنظار الأمم في مدلولها.

ولقد ارتفعت في عصرنا الحاضر أعلام التربية واكتسى عنوانها ثوب البهرجة والتزويق معنىً ومفهوما حتى تجاوز حده ونادى المفكرون مكرسين جهودهم على تحقيق مفهوم التربية وانصبت جهود كبيرة على مستوى الدول على تحقيق هذا الهدف حسب المفاهيم والاتجاهات، وتبع ذلك بناء صروح شامخة وخصصت لها ميزانية ضخمة تتولى العناية بها، فأصبحت التربية حديث الساعة والشغل الشاغل للمجتمعات البشرية

إلا أنه اختلفت أنظار المربين وتباينت أفكارهم في تحديد معنى ومفهوم التربية ثم اختيار مورد ومصدر التربية الذي يحقق هذا الغرض النبيل تبعا لمعتقدها ومبادئها.

فالذين ينادون بالتربية المجردة عن تعاليم القرآن الكريم قد جانبوا الحقائق وضل سهمهم عن إصابة الهدف، فمنهم من تقمص بمباديء الغرب وعض عليها بالنواجذ، ومنهم من التحف برداء الأوروبيين واختبأ تحت أجنحتهم متأثرا بأفكارهم الفارغة وبآرائهم السقيمة وبتجارب ونظريات قدمائهم الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، {وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا} (يونس 36). {وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة} (يونس 6).. فهيهات هيهات.

وآخرون وهم جيل القرآن الكريم اتخذوا كتاب الله وسنة نبيه r طريقا وسراجا منيرا تربية وسلوكا، لم يعرفوا أي فلسفة أو نظرية أو تجربة تربوية بالرغم من ذلك كله سادوا العالم قيادة ومنهجا فأصابوا الهدف، فأصبحوا بذلك على تباين كبير في تحديد معنى التربية ومفهومها وحقائقها ومصادرها.

ولو استعرضنا تاريخ المجتمعات منذ فجر الإسلام لوجدنا أنه لم تتشرف الدنيا ولم تسعد الأرض بل لم تكتحل العين بمجتمع مثل عصر صحابة رسول الله r ذلك المجتمع الفذ الفريد من نوعه وما ذاك إلا بفضل التربية المحمدية التي أشاد القرآن الكريم بفضلها: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صـراط الله الذي له ما في السـموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} (شورى 52، 53).

لقد تربى هذا المجتمع على كتاب الله وكتاب الله له مكانة في نفوس المؤمنين وهذه المكانة ليست لأي كتاب آخـر على الإطلاق، كما أنّ له تأثيراً مباشراً فى القلوب في إعداد الفرد الصالح، فهو يأخذ هذا الإنسان بكامله بجسمه وروحه وعقله، فينفذ إليه من جميع منافذه ويربيه تربية عامة شاملة، ثم يسايره في جميع أحواله وظروفه المختلفة.حتى يجعله يمشي على هذه الأرض بجسمه وهو متوجه إلى السماء بروحه، ليتلقى تعاليمه من لدن حكيم عليم وليتخرج في المنهج الإسلامي.

إذا التربية حقيقة توقيفية لا تقبل الاجتهادات الإنسانية ولا الخيالات البشرية، رسمها وخطها الشارع الحكيم، لأنه أدرى بحال الناس من الناس، قال تعالى: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} (النجم 32).

 

ونظرا لذلك فإن أولي الأحلام والنُهى والصلاح ينظرون إليها في كل الأحوال مِن خلال نافذة شرع الله ويضبطونها بضابط شرع الله ومن منظور المنطق والقِيم السليمة السامية، لا سيما بعد أن جربت الإنسانية جميع المناهج الأرضية فأدركت فشلها في إيجاد الفرد الصالح الذي يتكون منه المجتمع الصالح والأمة الصالحة، ولو اجتمع أهل الأرض على أن يأتوا بمثل القرآن الكريم مبدأ ومنتهى منهجا وسلوكا لما استطاعوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وصدق الله حيث يقول: {إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} (الإسراء 9). وقال: بسم الله الرحمن الرحيم {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا} (الكهف 1، 2).

 

فهو فريد في منهجه وأسلوبه وتربيتـه يهدف إلى تكوين الإنسان الصالح في شتى المجالات، بينما المناهج الأخرى تهدف إلى تكوين المواطن الصالح لبلده ومجتمعه فحسب، وتكوين الإنسان الصالح أدق وأشمل وأعمق من إعداد المواطن الصالح، لأن المواطن الصالح هو ذلك الإنسان المقيد بالأرض بل بقطعة منها لا يصلح لغيرها، وإن علما ما إذا لم يكن له نصيب في توجيه الأمة توجيها شاملا فلا خير فيه البتة.

وإن من أوائل ما حرص عليه القرآن الكريم في تربيته هو إقامة موازين العدل لتتعمق جذور مبدأ البعث والجزاء بعد الموت، فإن موازين العدل خير معيار لترغيب العبد في الجزاء على الأعمال، كما قال تعال: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} (الأنبياء 47).

وهذه العناية القرآنية والتربية المحمدية إنما جاءت لتقيم الإنسان في هذه الحياة وتشعره بأنّ الإيمان باليوم الآخر وبالبعث بعد الموت وتصور الثواب والعقاب على الأعمال، أمر يحرك في النفس أسمى طرائق الخير ويحول بينها وبين الشر، ويملؤها بالفضائل ويحجبها عن الرذائل، فتستقيم الأمور في المجتمع ويسوده النظام.

وبالعكس حين يعدم الإنسان الإيمان باليوم الآخر ويعدم تصور الثواب والعقاب على الأعمال، فيعم التسابق في الشر والانهماك في الشهوات والانغماس في لذائذ الدنيا، والانطلاق وراء أهواء النفس الجامحة دون رقيب أو وازع، ومن ثَم تختل موازين الحياة ويستحوذ الشر على النفوس، ويبقى الأمر والنهي منقادا لهوى النفس والمصالح الشخصية، والأنفس البشرية مهما علت وسمت فإنها بطبيعتها قاصرة عن إرساء قواعد الفضيلة وتأصيل أصول الخير.

ولا أدل على ذلك من الأمم المادية التي آمنت بالمادة مبدأ ونهاية، وصاغت بأهوائها ومن واقع تجاربها ونظرياتها المادية قوانين تحكم حياتها وتنظم شئونها فكانت مَدْعاة لمفاسد كثيرة تأباها الإنسانية، هذه الأمم وإن كانت قد نجحت في بعض الأمور إلا أنها قد غرقت في شهواتها إلى أبعد الحدود، وانعكست آثارها على العالم بالشر المستطير.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا في عدة مواضع مبينا آثار التكذيب بيوم الدين، فقال U: O {ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسِرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين…} (المطففين). فالتطفيف الذي حصـل في الكيل والخُسرُ في الميزان سببه التكذيب بيوم الدين.

وقال تعالى: { أرأيت الذي يُكذب بالدين، فذلك الذي يَدُعّ اليتيم، ولا يحُض على طعام المسكين، فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يُراؤن ويمنعون الماعون}.(الماعون).

فالأذى الذي حاق باليتيم، وعدم معاونة المسكين، والغفلة عن الصلاة، والرياء وعدم الإخلاص، ومنع أسباب الخير كأذية الجار وإهانة الضيف وإطلاق اللسان في أنواع الشر من جراء التكذيب بيوم الدين، كما قال r: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) وفي راوية مسلم: (فليحسن إلى جاره) [10].

وقال: (والـذي نفسي بيـده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره- أو لأخيه- ما يحب لنفسه) [11].

ومِن ثَمّ عمد القرآن الكريم في تربيـته للنفوس إلى التذكـير باليوم الآخر ترغيبا في مختلف مجالات الخير وزجرا عن الشر، ومِن ثَم كانت الحاجة ماسةً إلى الإيمان باليوم الآخر، وصولا إلى عالم أفضل وحياة أكرم، وإنسانية أكمل [12].

 

فكان مِن فضل هذه التربية المحمدية أن نشأ هذا المجتمع الإسلامي منذ البداية على الإحسان في السر والعلن، فلم يغب فكره وقلبه لحظة من مراقبة الله، روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t كان يعس بالليل فسمع امرأة تقول لابنتها: "اخلطي شيئا من الماء في اللبن فإن أمير المؤمنين لا يرانا" فأجابتها الطفلة البريئة: "ولكن يا أماه إن رب أمير المؤمنين يرانا" [13].

لأن مبدأ الجزاء قد أصبح فيهم بمثابة المرآة كلما تسول النفس بالشر أو يحصل منها تباطؤ في الخير يتذكرون الجزاء فيدفعهم إلى إحسان العمل ويقيهم من الزلل، بل ويأخذون أنفسهم بتطبيقه حتى ولو كان فيه إزهاق لروح أحدهم كما في قصة ماعز بن مالك والغامدية رضي الله عنهما كأنهما استشعرا قـوله تعالى: {وكلهم آتيـه يوم القيامة فردا} (مريم 95) وقوله تعالى: {إنّ إلينا إيابهم، ثم إنّ علينا حسابهم} (الغاشية 26) فأصرا على رسول الله r أن يطهرهما بالحد [14].

 

وفي قصة تحريم الخمر حيث كانت الكؤوس مترعة في أيدي بعضهم فلما قرأ عليهم المخبر قوله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} (المائدة 91).فاستشعروا قول النبي r: (كل مسكر حرام إنّ على الله عز وجل عهدا لِمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال) قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال ؟، قال: (عرق أهل النار أو عصارة أهل النار) [15] فقالوا بلسان واحد: انتهينا ربنا انتهينا [16]

فإذا تواصى به المسلمون وأيقظوا في نفوسهم الشعور الدائم بيوم الجزاء وتضافرت الجهود على قمع كل نزعة تشكك فيه، وحمل كل رجل ومعلم على عاتقه تعليم من يقع تحت مسئوليته في ترسيخ عقيدة البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد فلقنوها الأطفال منذ الصـبا لتكون ركيزة في نفوسهم وعقيدة راسخة في قلوبهم لا يضلون ولا ينحرفون عنها ويجعلوها نصـب أعينهم وهَمّ عمرهم ويأخذوهم بتطبيقه قولا وعملا، فإذا ما تربى مجتمع على مثل ما تربى عليه أصحاب محمدr  واستحكم فيه هذا الاعتقاد السليم فإنهم بإذن الله سيتحقق فيهم قول الله تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} (الأنبياء 73).

 

بهذه التربية القرآنية كان يربي النبي r أصحابه في كل شئون الحياة وهكذا كانت مدارسهم وهكذا كان لها الأثر الطيب في استقامة الأمة، ترى لو أخذ الخلف ببعض ما عني به السلف من التربية وقام كل مسئول على من استرعاه الله أمره وقامت المدارس والمعاهد والجامعات وقام المدرسون بهذا الواجب في مختلف الحقول العلمية والعملية صغيرها وكبيرها منذ أول دخول الطفل مدرسته كما كان يفعل المصطفى r روى سالم عن أبيه أن رسول الله r قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلِمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) [17] وعن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: (أتدرون ما المفلِسُ ؟) قالوا: المفلس فينا من لا درهم لـه ولا متاع. قال: (إنّ المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) وعنه t أن رسول الله r قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) [18]

فما أجدر وأليق بنا معشر الأمة الإسلامية أن نهتم بهذه القضية المصيرية، ونقدرها حق قدرها.

 


 

منهج الآيات في عرض الموضوع:

كما سبق أن الآيات التي تناولت قضية البعث بعد الموت، آيات مكية وآيات مدنية، إلا أن الآيات المكية تشكل المحاور الأساسية للقضية تبعا لحال المرحلة وخطورته، وتمتاز بزيادة في التأكيد والتحذير والتنبيه من الآيات المدنية، ذلك لأن إنكار المشركين كان منصبا بصورة شديدة على إنكار البعث والجزاء أكثر من غيره من أركان الإيمان، لذا فقد اتجـه التشريع المكي باديء ذي بدء بإصلاح العقيدة وتعميق جذورها لتكون طريقا إلى الإيمان بالبعث بعد الموت الذي هو مفتاح لِتقبّل التكاليف الشرعية بكل انقياد وطاعة وخضوع، طمعا في ثواب الله وجزائه في استسلام واستكانة.

وعلى هذا فإنّ منهج الآيات بمجموعها حسب تناولها للموضوع تنقسم إلى قسمين رئيسين.

القسم الأول من الآيات تكلمت عن وجوب وقوع البعث بعد الموت، بذكر الأدلة النقلية والعقلية على ذلك، مع تحرير النفس من قيود العصبيات والانتماءات الفرقية والحزبية والتقليد الأعمى، وإلى إعمال العقل والفكر في فهم القضية بنفس سليمة صادقة، وتحكيم المنطق السديد للبحث عن الحق، حتى لا تكون المكابرة والتعنت وركوب الهوى مانعا من الوصول إلى الحق

 

والقسم الثاني منها تكلمت عن إبطال شـبه الجاحدين ودحض حجج المنكرين للبعث والجزاء، متبعة في ذلك مبدأ ضرب الأمثال لإمكان الإعادة من مادته الأولى، ومن غير مادته، ومن ما يضاده، ومن واقع حال الناس في دنياهم، بذكر أحوال السالفين منهم، لتقريب القضية إلى فهم السامعين، لتكون أقرب للقبول وأدعى للاستجابة، بعيدا عن التعسفات اللفظية والفلسفات المنطقية والإلتواءات الفكرية، بأسلوب سهل مبسـط مقنـع.

 

منهج البحث في عرض الموضوع:

أما منهج البحث في عرض الموضوع فإنني قد تناولته من ناحيتين:

أولا: من ناحية ذكر الأدلة النقلية والعقلية الدالة على وجوب وقوع البعث والنشور والجزاء على الأعمال من الكتاب والسنة ومن أقوال السلف، وتفسير ما يحتاج منها إلى تفسيره.

 

ثانيــا: من ناحية الرد على تلك الأفكار التي تنكر هذا المبدأ الحتمي عقلا ونقـلا، وذكرت لذلك أمثلـة مـن مصـادر التشريع التي فيـها المقـنع للناس إن شاء الله [19].


 

عناصر البحث

وقد اشتمل البحث على: مقدمة، وتمهيد، وفصلين، وثلاثون مسلكا وخاتمة.

المقدمة وفيها: بيان أهمية البحث، عوامل إنكار البعث، الهدف من البحث، الأهداف التربوية في تقرير مبدأ البعث والجزاء، منهج الآيات في عرض الموضوع، منهج البحث في عرض الموضوع.

 

التمهيد: ويشتمل على سبعة مسالك: الأول: تعريف البعث، الثاني: اهتمام القرآن الكريم بهذا المعتقد، الثالث: النظريات المجردة لا توصل إلى الله، الرابع: أهمية إعمال العقل البشري في إقرار البعث، الخامس: حتمية البعـث عقلا، السادس: وجوب البعث بدليل فناء العالم، السابع: مذاهب الأمم والطوائف في كيفية البعث، الآيات الواردة في البحث المكية والمدنية.

 

(مسالك القرآن الكريم في إثبات عقيدة البعث)

وهي تنقسم إلى قسمين: أدلة نقلية وأدلة عقلية، وتشتمل على فصلين:

الفصل الأول: الأدلة النقلية على إمكان وقوع البعث بعد الموت.وتحته توطئة وسبعة عشر مسلكا: الأول: (التواتر) الثاني: (الاستدلال على البعث بالنشأة الأولى) الثـالث: (الاستدلال بخروج النبات من الأرض) الرابع: (الاستدلال بوقائع حصل فيها الإحياء بعد الموت) الخامس: (الاستدلال بحصول اليقظة بعد النوم) السادس: (الاستدلال بإخراج النار من الشجر الأخضر) السابع: (الاستدلال بخلق السموات والأرض وما فيهما) الثامن: (الاستدلال بتعاقب الليل والنهار) التاسع: (أسلوب المنازلة والتحـدي) العاشر: (قياس المحاســبة) الحادي عشر: (الاستدلال بالعدم على الوجود) الثاني عشر (مسلك المحاورة) الثالث عشر (مسلك المشاهدة) الرابع عشر (الاعتبار والاستبصار) الخامس عشر: (مسلك التقصي والاستقراء) السادس عشر: (مسلك الاستدلال بالنماء والازدياد والتطور) السابع عشر: (مسلك المقابلة).

 

الفصل الثاني: (الأدلة العقليـــة) وتحته توطئة وسـتة مسالك: الأول: (الاستدلال بأن حكـمة الله وعدله يقتضيان البعث والجزاء) الثـاني: (الاستدلال بالتكاليف الشرعية).الثـالـث: (الاستدلال باختلاف سلوك الناس في هذه الحياة).الرابــع: (شعور الإنسان وإحساسه بوجود حياة ثانية).الخامس: (اختلاف الناس لا ينتـهي إلا بالبعث والمعاد) السادس: (ما يراه النائم في المنام).

 

ثم الخاتمــة: فيها أهـم الاستنباطات، والمراجع والفهارس.


 

(تمهـيد)

ويشتمل على سـبعة مسالك

المسلك الأول: تعريف البعث:

قال ابن فارس: (الباء والعين والثاء) أصل واحد، وهو الإثارة [20]

وقال الراغب: هو إثارة الشـيء وتوجيــهه، يقال: بَعـثْتـُه فانبعث.

ويختلف البعث بحسب اختلاف ما عُلّق به، قال U: {والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون} (الأنعام 36). وقال U: {يوم يبعثهم الله جميعا…} (المجادلة 6). وقال تعالى: {زعـم الذين كـفروا أن لن يُبعـثوا قل بلى وربي لتبعثن…} (التغابن 7). أي: يخرجهم ويسيرهم إلى القيامة.

 

والبعث ضربان: إلهي وبشري- ويهمنا في هذا الموضوع هو البعث الإلهي- والبعث الإلهي ضربان:

أحدهما: إيجاد الأعيان والأجناس والأنواع عن لَيس، وذلك يختص به الباري تعالى ولم يقدر عليه أحد.

 

والثاني: إحياء الموتى وقد خـص بذلك بعض أوليائه كعيسى u وأمثاله، ومنه قـوله تعالى: {فهذا يوم البعث} (الروم 56). يعني يوم الحشر، وقال تعالى: {ثم بعـثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا} (الكهف 12). وذلك إثارة بلا توجيه إلى مكان [21].

 

وفي معنى البعث: النَّشْر، يقال: نَشِرَ الميت نُشُورا، قال تعالى: {وإليه النشور} (الملك 15).وقال تعالى: {بل كانوا لا يرجون نشورا} (الفرقان 40) وقال تعالى: {إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين} (الدخان 35) إلا أنه مستعار من نشر الثوب والصحيفة، قال تعالى: {وإذا الصحف نشرت} (التكوير 10).[22]

 

فالإيمان بالبعث إذاً هـو: التصـديق الجازم الحتـمي بانتهاء الحياة الدنيا بكاملها، والإحـياء بعـد المـوت والخـروج من القـبور وقيام الناس لرب العالمين صغـيرهم وكبيرهم بعد النفـخة الثانية للحساب والجزاء [23].


 

المسلك الثاني: اهتمام القرآن الكريم بهذا المعتقد:

ولأهمية هذا المعتقد في حياة الإنسان وآثاره الكبرى فى استقامة الفرد وصلاحه، قد عني القرآن الكريم بـه عنايـة لا تقل عن الإيمان بالله سبحانه وتوحيده، فقد ذكره في مواضع كثيرة متعددة في سور القرآن الكريم، تارة بوصفه والحديث عنه، وتارة بتقريره وتأكيد مجيئه، وتارة بتعليق الاستقامة على الإيمان به، وتارة بإثبات الهداية والفلاح للموقنين به.

 

فمن مظاهر اهتمام القرآن الكريم بهذا المعتقد:

أولا-: ذِكْره مقرونا بالتفخيم والتعظيم في أول سورة من القرآن الكريم بقوله: {مالك يوم الدين} (الفاتحة)، وفي ثاني سورة منه مقرونا بأركان الإيمان بالله تعالى، وبفلاح المؤمن في الآخرة، قال الله U {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل مـن قبلك وبالآخـرة هـم يوقنـون أولئك علـى هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون}.(البقرة 3، 4).

 

ثانيا-: ذكره مقرونا بالإيمان وبأعظم أركان الإسلام وبأعظم صفة يحبها الله، قال الله U {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله.....} (التوبة 18).

 

ثالثا-: ذكره مقرونا بالإيمان وبركن من أركان العقيـدة ومقتضياته، قال الله U {يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهـون عن المنكر ويسارعون في الخـيرات وأولئك من الصالحين} (آل عمران 114).

رابعا: ذكره مقرونا مع مصدر الهداية والتربية القرآن الكريم، قال تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدقُ الذي بين يديه ولِِتُنذر أم القرى ومَن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهو على صلاتهم يحافظون} (الأنعام 92)

 

خامسا: ذكره مقرونا مع عظمة الله تعالى في خلقه وإيجاده وإعادته، قال تعالى: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخَلّقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يُتَوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور} (الحج 5)

 

سادساً: ذكره مقرونا بفضلية العلم والإيمان، قال تعالى: {وقال الذين أتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم لا تعلمون} (الروم 56)

 

سابعاً: ذكره مقرونا بكمال عدل الله في خلقه حسابا وجزاء، قال تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القـيامة فلا تظلم نفـس شـيئا وإن كان مثقال حبة مـن خـردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} (الأنبياء 47)

 

ثامـناً: استشهاد الله تعالى بأصدق خلقه وهم أنبياؤه ورسله- وإن كان الله تعالى حقا صادقا مصدوقا- لكن لتقريب القضية إلى فهم السامعين أو المنكرين للبعث، فقال تعالى عن عيسى u وهو يقر بالبعث ليكون دليلا على وجوبه ووقوعه: {والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} (مريم 33).

 

تاسـعاً: تخصيص ذكره في سياق الابتلاء والامتحان ليتمير مَن يؤمن ومَن لا يؤمن، قال تعالى: {ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين، وما كان لـه عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ} (سبأ 20) وقال تعالى: {ولقد فتنا الذين مِن قبلهم فَلَيَعلَمن الله الذين صدقوا ولَيَعلمن الكاذبين} (العنكبوت 3)

 

عاشـراً: ذكره في سياق بيان مدى قصور فهم الجاحدين وتبلد ذهنهم باغترارهم بزهرة الدنيا الفانية وتكبرهم على الحق الباقي، قال تعالى: {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا، بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا} (الفرقان 10) وقال تعالى: {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا} (الفرقان 21)

 

فدلت هذه العناية القرآنية به على أهميته وعلى ضرورته في استقامة المرء في هذه الحياة، وأن بانعدامه انعدام أصول الخير وينابيع الفضيلة والكمال البشري ويصبح المرء من شر البرية.


 

المسلك الثالث: النظريات المجردة  لا توصل إلى الله:

قال U: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} (الروم 6، 7). وقال U: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون، إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون، إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} (يونس 5- 8).

لقد اهتم القرآن الكريم بهذا الجانب اهتماما كبيرا، فركز على الجمع بين العلم والتطبيق، ويتبين لنا هذا بوضوح في قول الله تعالى في حق نبيه ومصطفاه e بأن يجمع لأصحابه بين العلم والحكمة والتزكية فقال: {هو الذي بعث في الأمين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} (الجمعة 2). والمقصود من تعليم الكتاب: التدبر والفهم لمعاني الكتاب العزيز واستنباط الأحكام والفوائد من النصوص القرآنية، فكان e يضم إلى العلم والحكمة التزكية والتربيـة والتهذيب النفسي العملي كما هو معروف في سيرته r.

 

بل قد ثبت أن العلم المجرد من أصالة الحق أو النظريات التي مبناها ومنبعها التجارب تكون وَبَالاً على صاحبها وسببا في غوايته، حين يخضع لهواه المتقلب ويجعله متصرفا في علمـه ومصدر تصوراته وأحكامه ومشاعره وتحركاته، قال U {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصـره غِشـاوة فمـن يهديـه من بعد الله أفلا تذكرون، وقالوا ما هي إلا حياتنا الـدنيا نمـوت ونحـيا وما يُهلكنا إلا الدهــر ومالهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} (الجاثية 22، 23)

وأقرب مثال لذلك هؤلاء الغربيون والشيوعيون وما توصلوا إليه من الحضارة المادية والتفوق في الاختراعات المذهلة، فلو كانت النظريات أو التقدم العلمي وحده يكفي، لبادر هؤلاء إلى الإيمان بالله لِمَا يشاهدون في هذه المخترعات من آيات الله الدالة على ألوهيته وربوبيته المطلقتين، كما قال تعالى: {سـنريهم آياتِنا في الآفاق وفي أنفسهم حـتى يتـبين لهم أنهُ الحق…} (فصلت 53). بل قادهم ذلك إلى إنكار الخالق سبحانه وتعالى، والقول بتأثير الطبيعة وربط هذه الأنظمة الإلهية بالأحداث والنظريات المادية وتجريدها من الإرادة الإلهية المحضة، فانطبق الجهل عليهم [24].

 

المسلك الرابع: أهمية إعمال العقل في إقرار البعث:

لقد جعل المشركون قضية البعث بعد الموت- قديما وحديثا- أمرا بعيد التصور ومشكلة عسـيرة الحل والعجيب أن إبليس أقر بالبعث وأتباعه من الكفرة والملحدين أنكروا البعث كما قال الله عنه: {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} (ص 79) وقد كان فيهم الدهريون ومنكرو الكتب المنزلة على الرسل، إلا أنه انصب جهدهم واشتد استغرابهم واحتدم جدالهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير بصفة خاصة حول قضية البعث بعد الموت، وفي قوله تعالى: {وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا ترابا أءنا لفي خلق جديد…} (الرعد 5). إشارة إلى أن العجب يكون من إنكارهم لا من البعث، ومعناه: إن كان لك عجب من شيء فمن إنكارهم البعث فاعجب، لأن العجب ما نَدَرَ وجوده وخفي سببه وليس البعث مما نَدَرَ، وَهُمْ يشاهدون إحياء الأرض بعد موتها واختلاف الليل والنهار وإخراج الحي من الميت والميت من الحي ولا مما خفي سببه فإن الله تعالى هو الفاعل لذلك، وما النشأة الثانية بأعجب من الأولى [25]

فدعاهم القرآن الكريم إلى إعمال الفكر والنظر في ملكوت الله، قال U: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون، قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} (يونس 100، 101). وقال U {أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإنّ كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكفرون} (الروم 8).ثم قال عقب ذلك مباشرة: {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} (الروم 9).

 

وقال عن نوح u وهو يدعو قومـه إلى إعمال الفكر في أمر البعث من خلال التفكر في آلاء الله: {يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا مالكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطـوارا ألم تروا كيف خلـق الله سـبع سموات طباقا وجعـل القمر فيهن نورا وجعـل الشمس سـراجا والله أنبتـكم مـن الأرض نباتا ثم يعيـدكم فيها ويخركم إخراجا} (نوح11- 18).

ولكن الشيطان كبير الحرص على إتلاف عقل الإنسان الذي تَمـيّزَبه عن سائر الخلق لِـيُردُوهم وليَلْبِسُوا عليهم دينهم، فقصروا عن إدراك حقائق هذا الكون العظيم، {وإنّ كثيرا لَيُضِلّون بأهوائهم بغـير علم..} (الأنعام 119). أمثال (فرويد ولينين وستالين) وغيرهم من رءوس الإلحاد والضلال والمذهب الاشتراكي اللاديــني، الذين مهدوا للناس بآرائهم الفاسدة طريق الضلال والإلحاد، ليعدموا بذلك لدى الإنسان مبدأ شعوره بالإيمان بالله تعالى وبمبدأ التكليف والمباديء لتكون طريقا إلى انعدام الشعور بمبدأ البعث والجزاء والحساب: {إنّ الذين يُلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يُلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير} (فصلت 40).[26].

 

ولقد حذر القرآن الكريم أشد تحذير من أمثال هؤلاء، وبين أنهم لا يحملون عقلا ولا بصيرة، فقال تعالى: {ولا تطـع مـن أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فُرُطا} (الكهف 28).أي: إسرافا وتضييعا [27].

وبين أنهم تكبروا عن فهم آيات الله ورغبوا عنها إلى الغواية فصرفهم الله عن الحق، فقال: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنون بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين، والذين كذبوا بآيتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يُجزون إلا ما كانوا يعملون} (الأعراف 146، 147).

وبين أن سبب جدال هؤلاء في أمر البعث بعد الموت ناشيء عن تعطيل العقل فقال: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقـلون إنهـم إلا كالأنعـام بل هم أضل سبيلا} (الفرقان 44).وقال تعالى: {أولئك كالأنعام بل هم أضل وأولئك هـم الغافلون} (الأعراف 179).

 

المسلك الخامس: حتمية البعـث عقلا:

لقد استخلف الله تعالى الإنسان في الأرض على مقتضى إرادته ومشيئته فقال تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك…} (البقرة 30).

وهذا الاستخلاف مقتضاه القيام بالتكاليف ومعلوم عقلا أن الاستخلاف يعقبه المحاسبة ثم الجـزاء بإحدى المقرين، قال تعالى: {انا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا انا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} (الدهر 1، 2). وقال تعالى: {ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} (الأعراف 129).وقال تعالى: {إنا إلينا إيابهم ثم إنّ علينا حسابهم} (الغاشية 25، 26). وقال تعالى: {انا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} (الكهف 7) .

قال r: (إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون. فاتقوا الدنيا واتقوا النساء….) [28]

كل هذا دال على محاسبة الإنسان على ما استخلف عليه وما يقدمه من خير أو شر، وإلا لكان الخلق عبثا وهو على الله محال، قال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ؟ فتعالى الله الملك الحق} (المؤمنون 115، 116)

 

وإنّ من مقتضى هذا الاستخلاف الابتلاء بأنواع من الغرائز والمتناقضات التي أودعا الله في البشر كرغبة في الخلود بما فيه من معكرات وصراع، والتملك والاعتلاء الاعتداءات، وبالأمر والنهي والخير والشر والشهوات والرغبات والحق والباطل: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} (الانشقاق 6). مع ما منح من ملكات عقلية فائقة، وطاقات نفسـية هائلة ليواجـه تلك المتناقضات ويميز بين طريق الخير من طريق الشر: {وهديناه النجدين} (البلد 10).

فقد يسمو هذا الإنسان في ظل التوفيق الإلهي إلى معالي الملكوت لتصفو له الحياة، لكن الابتلاء والموت الذي ينتظره يعكر عليه ذلك.

وقد يسقط لانحرافه عن الجادة إلى أسفل السافلين فيفقد الراحة والطمأنينة.

وفي كل الأحوال فهو يتطلع إلى حياة ينشد في ظلها البقاء والاستقرار والراحة والطمأنينة ويجـد فيها العدالة والإنصاف اللذين فقدهما في الحياة الدنيوية، وهذه الحياة هي التي وعد الله بها في كتبه على لسان أنبيائه ورسله بقوله: {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون} (العنكبوت 64).

 

غـير أن المصير في هذه الحياة مرهون بما يقدمه الإنسان لنفسه، قال U: {كل نفس بما كسبت رهينة.} (المدثر 38).[29] وقال تعالى: {كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة}.(آل عمران 185).وقال U: {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط}.(يونس 4).وقال تعالى: {أم لم ينبـأ بما في صحف موسى، وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخـرى، وأن ليس للإنسـان إلا ما سعى وأنّ سعيه سـوف يُرى ثم يجـزاه الجزاء الأوفى} (النجم 36- 42). وقال تعالى: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب الحسنى فسنيسره للعسرى}.(الليل 4- 10).

 

المسلك السادس: وجوب البعث بدليل فناء العالم:

وإنّ مما دل على وجوب البعث بعد الموت عقلا، عالَمِيّة ما سوى الله تعالى وحدوثه وتغيره {الحمد لله رب العالمين} (الفاتحة)

والعقلاء متفقون على أن ما لم يكن أزليا فهو حادث والفناء من صفاته اللازمة له، فثبت حتما عقلا ونقلا فناء الدنيا بكل ما فيها وإقبال الآخرة بكل ما تحتمله من معاني وأسرار.

 

كما أن تصور إعادة الحياة بعد فنائها كما كانت أو أفضل مما كانت لا يوجب تناقضا، وإذا انتفى التناقض وجب القول بوجوب وقوع البعث بعد الموت، وإلا عُدّ الإنكار شذوذا وسفها ومروقا عن الصواب.

ولذا كان لإعمال العقل البشري في إقرار البعث أهمية عظمى وحاجة ملحة [30].

 

المسلك السابع: مذاهب الأمم والطوائف في كيفية البعث:

لقد انقسم الناس في أمر البعث بعد الموت من حيث وقوعه من عدمه ومن حيث كيفية وقوعه إلى قسمين:

فمنهم من أنكر البعث كبعض طوائف المشركين والوثنـيين ومن تابعهم.

ومنهم من أقر بالبعث أو تكاد أكثر الأمم والطوائف تقر بالبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال إلا أنه اختلفت أنظارهم وأفكارهم وتصورهم في كيفيته، فضل من ضل في ذلك

فذهبت الفلاسفة إلى إنكار البعث بالأجساد ورد الأرواح إلى الأبدان ووجود جنة ونار جسمانيين وزعموا أن تلك أمثلة ضربت لعوام الناس ليفهموا الصواب والعقاب الروحانيين.

كما زعموا أن النفس تبقى بعد الموت بقاء سرمديا أبدا إما في لذة لا توصف أو ألم لا يوصف.

وفساد هذا المذهب في مضمون تقريره فإن إقرارهم ببقاء النفس بعد الموت بقاء سرمديا يلزم بقاء المنفوس، لأن النفس في مقياس الناس وفي واقع علمهم أمر معنوي وحقيقته إلى علم الله {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} (الإسراء 85)

أما المنفوس فأمر حسي وهو ما دار حوله الجدال نفيا وإثباتا وجودا وعدما [31]

وقوم قالوا بالتناسخ وأن أرواح أهل الخير إذا خرجت دخلت في أبدان خيّرة فاستراحت، وأرواح أهل الشر إذا خرجت تدخل في أبدان شريرة فتتحمل المشاق إلى أن تنعكس فتصبح حشائش تأكلها البهائم فتصير الروح في بهيمة ثم تنسخ من بهيمة في أخرى عند موت تلك البهيمة فلا يزال منسوخا مترددا، ويعود كل ألف سنة إلى صورة الإنس، فإن أحسن في صورة الإنس لحق بالمحسنين [32]

 

وقال بعض الغربيين: إن الدين ومكارم الأخلاق هما شيء واحد، لا يقبلان الانفصال، وأن الأخلاق من غير دين عبث، ولا وجـود للأخلاق بدون ثلاثة أشياء: وجود الإله، وخلود الروح، والحساب بعد الموت. [33].

فهذه الأحاسيس والأفكار دالة على وجود حياة ثانية يتم فيها الجزاء والحساب.

 


 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

 

(مسالك القرآن الكريم في إثبات عقيدة البعث)

دراسة الأدلة النقلية على إمكان وقوع البعث بعد الموت

 


 

الآيات الواردة في هذا البحث:

أولا: -لآيات المكـية:

قال U: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليُقضَى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون، وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة، حتى إذا جاء أحدكم الموت توقته رسلنا وهم لا يفرطون، ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق، ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين}.(الأنعام 60- 62). وقال U: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته، حتى إذا أقَلّتْ سحابا ثِقالا سُقناهُ لِبلد ميت، فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات، كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون}.(الأعراف 57).وقال U {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط}.(يونـس 4). وقال U: {ونزعنا ما في صدورهم من غِلّ..} (الحجر 47). وقال U: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت، بلى وعداً عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ليُبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين}.( النحل 38، 39). وقال تعالى: {وقالوا أءِذا كنا عظاما ورفاتا أءِنا لمبعوثون خلقا جديدا، قل كونوا حجارة أو حديدا، أو خلقا مما يكبر في صدوركم، فيسقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة، فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا}.( الإسراء 49- 51). وقال تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه، فأبى الظالمون إلا كفورا} (الإسراء 99). وقال U {فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا، ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا..} (الكهف 11، 12). وقال U {وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها…} (الكهف 21). وقال U : {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون}.( المؤمنون 115). وقال U {أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحـق وأجـل مسمى وإنّ كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون} (الروم 8). وقال تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبه، يخلق ما يشاء وهو العليم القدير}.( الروم 54). وقال U: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة}.( لقمان 28). وقال الله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}.(الأحزاب 72).وقال U: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور }.(فاطر 9)  وقال U: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها}.(.يــسين 33) وقال تعالى: {ومن نعمره ننكسه في الخلق} (يــسين 68). وقال تعالى: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا، فإذا أنتم منه توقدون، أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم} (يســـين 78- 81). وقال تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار، أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} (ص 27، 28). وقال U: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى….} (الزمر 42). وقال تعالى: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (غافر 57). وقال تعالى: {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشـعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير }.(فصلت 39). وقال تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى}.(الأحقاف 33). وقال تعالى: {أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد، قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ..} (ق (3،4). وقال U: {ولقد جاءهم من ربهم الهدى، أم للإنسان ما تمنى…} (النجم 23، 24) وقال U: {أم لم ينـأ بما في صحف موسى، وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأنّ سعيه سوف يُرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأنّ إلى ربك المنتهى} (.النجم 36- 42).وقال تعالى: {فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين} (الواقعة 86، 87). وقال U:  {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة لِيبلُوكم أيكم أحسن عملا…} (الملك.) وقال U : {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} (القلم 35، 36). وقال U: {كل نفس بما كسبت رهينة….} (المدثر 38). وقال: {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه} (القيامة 3، 4) وقال U: {بل الإنسان على نفسه بصيره ولو ألقى معاذيره} (.القيامة 14، 15).وقال U {أيحسب الإنسان أن يترك سُدى} (القيامة 36). وقال تعالى: {يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر…} (الطارق 7، 8)  وقال U {إنّ سعيكم لشتى، فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وأما مـن بخل واستـغنى وكـذب بالحسـنى فسنيسره للعسـرى}.(.الليل 4- 10).


 

ثانيا:- الآيات المدنـية:

قال U {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون، ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون}.(البقرة 55، 56). وقال U {وإذ قتلتم نفسا فادّارَءْتُمْ فيها، والله مخرج ما كنتم تكتمون، فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون…} (البقرة 72، 73). وقال U: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهـم الله موتـوا ثم أحـياهم إن الله لذو فضـل على الناس ولكن أكـثر الناس لا يشـكرون }.(البقرة 243). وقال U {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم، قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يَتَسَنَّه، وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما، فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير، وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيى الموتى، قال أو لم تؤمن، قال بلى ولكن ليطمئن قلبي، قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم ادعهن يأتينك سعيا، واعلم أن الله عزيز حكيم }.( البقرة 259، 260) وقال U {ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكونُ طيرا بإذن الله، وأبريء الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله...} (.آل عمران 49) وقال U: {كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زُحزِح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}.(.آل عمران 185). وقال U: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة من مضغة ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى ومنكم من يُرَدّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا، وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحى الموتى وأنه على كل شيء قدير، وأن الساعة ءاتيــة لا ريب فيها، وأن الله يبعث من فى القبور}.(الحج 5- 7). وقال تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يُبعثوا، قل بلى وربي لتُبعثُن ثم لتُنبؤُن بما عملتم وذلك على الله يسير}.( التغابن 7).


 

(مسالك القرآن الكريم في إثبات عقيدة البعث)

وهي تنقسم إلى قسمين: أدلة نقلية وأدلة عقلية، وتشتمل على فصلين:

الفصل الأول:  الأدلة النقلية على إمكان وقوع البعث بعد الموت. وتحته خمسة عشر مسلكا.

توطئة:

قبل أن نشرع في بيان مسالك الاستدلال على البعث والمعاد نتساءل: هل البعث ممكن في ذاته أم أنه خرج عن حدود الإمكان العقلي حتى تَرِدَ عليه هذه الشُّبَه ؟.

لا شك أن عالمنا موجود وحاصل بالفعل، وبديهي أن الوقوع فرع الإمكان، وإذا كان هذا العالم ممكنا فإيجاد عالم مماثل له ممكن بالضرورة، لأن وجود أحد المتماثلين يدل على إمكان وجود المماثل الآخر، فلو سألنا إنسانا: هل يستطيع باني الدار أن يبـني مثلها ؟، لاستغرب هذا السؤال، لأنه جوابه معه ويدل عليه بنفسه.

لقد استدل القرآن الكريم على إثبات عقيدة البعث بعد الموت بأدلة تجمع بين ما تقرره الفطرة ويصدقه النقل ويقبله العقل، واشتملت هذه الأدلة على عدة مسالك، هي في مجموعها غاية في الوضـوح والجلاء للمسترشد المهتدي إلى الحق، فتارة بتحكيم الطبيعة ومرة بضرب الأمثال بالموجودات، وبالاستدلال بأكـبر الأشياء على أصـغرها، ومـرة بخلق الأشياء من مادتها ومن غير مادتها [34].

 


 

وفي مطلع هذه الأدلة والمسالك:

المسلك الأول: (التواتر)

التواتر كما قال السيد الجرجاني: هو الخبر الثابت على ألسنة قوم لا يتصور تواطؤهم على الكذب [35] لاسيما إذا كان هذا التواتر ثابتا على ألسنة المعصومين الأنبياء والرسل فإنه لا سبيل إلى إنكاره وتكذيبه البتة، فإن من الأخبار ما لا يمكن ردها أو رفضها لثبوتها ثبوتا قطعيا ومنها الأخبار الثابتة ثبوتا قطعيا في أمر المعاد والبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال.

قال ابن تيمية: أخبر الله عن جميع الأشقياء أن الرسل أنذرتهم باليوم الآخر كما قال تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} (الملك 8) فأخبر أن الرسل أنذرتهم وأنهم كذبوا بالرسالة.

وقال تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زُمرا، حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا، قالوا بلى} الآية (الزمر 71) فأخبر عن أهل النار أنهم قد جاءتهم الرسالة وأنذروا باليوم الآخر.

 

وقال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجّلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله، إن ربك حكيم عليم، وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون، يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} (الأعراف 128) فأخبر عن جميع الجن والإنس أن الرسل بلغتهم رسالة الله وهي آياته وأنهم انذروهم اليوم الآخر.

 

وكذلك قال: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعا أولئك الذين كفروا بىيات ربهم ولقائه} (الكهف 103) فأخبر أنهم كفروا بآياته وهي رسالته وبلقائه وهو اليوم الآخر [36]

 

وقال تعالى عن نوح u وهو يدعو قومه إلى الإيمان بالله تعالى و إلى معرفة أمر البعث: {والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا} (نوح 17، 18).

وقال عن عيسى u وهو يقر بالبعث ليكون دليلا على وجوبه ووقوعه: {والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} (مريم 33).

فكون جميع الأنبياء والرسل من لدن آدم u إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد r أخبروا بالبعث بعد الموت، وكون أممهم على مختلف أفرادها تلقت هذا النبأ العظيم من رسلها سواء آمنوا أو لم يؤمنوا وبهذا التواتر القطعي الذي يعطي علما يقينيا بوجوب وجود البعث بعد الموت لم يترك مجالا للريب أو الشك في تحقيق وقوعه.

 


 

المسلك الثاني: (الاستدلال على البعث بالنشأة الأولى)

لقد كانت قضية البعث بعد الموت مثار جدل للمشركين مع النبي e، فقالوا - وهم يتناجون لما سمعوا القرآن وسمعوا أمر البعث مستبعدين - كيف يمكن للإنسان وهو ضعيف المادة إذا مات ودقت عظامه وبليت وصارت ترابا واختلطت بعناصر أخرى، وتناثر رفاته في العالم، كيف يُعْقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها، ثم عود الحياة فيها بأعيانها مرة أخرى: {يقولون أئنا لمردودون في الحافرة أإذا كنا عظاما نخرة ؟} النازعات 9، 10) فلو لم يكن - أي: النبي e - مسحورا مخدوعا ؟.: {قالوا تلك إذا كرة خاسرة} (النازعات 11).

فيخبر الله تعالى عنهم استبعاد البعث على صيغة الاستفهام الإنكاري والجحود المطلق: {وقالوا أءِذا كنا عظاما ورفاتا أءِنا لمبعوثون خلقا جديدا، قل كونوا حجارة أو حديدا، أو خلقا مما يكبر في صدوركم، فيسقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة، فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا}.(الإسراء (49- 51).

وكان هذا غاية الإنكار منهم، كما قال الألوسي: "فيه من الدلالة على غلوّهم في الكفر وتماديهم في الضلال ما لا مزيد عليه".[37].

لكن عقول القوم قد فسدت لسجودهم للحجارة فغاب عنهم قول الله تعالى: {هـل أتى على الإنسان حـين مـن الدهر لم يكن شيئا مذكورا} (الإنسان 1). أو أصبح ترابا فكانت إعادته أيسر وأهـون.

فجاء هم الجواب من الله ردا على هذا التعجب على جهة التعجيز لما استبعدوه: {قل كونوا حجارة أو حديدا، أو خلقا مما يكبر في صدوركم} (الإسراء 50، 51).في الشدة أو الضخامة والصلابة في نظركم من الحجارة والحديد، ويصعب في نظركم قبول الحياة فيها أو التصرف فيها إعداما وإنشاء، فكيف بالعظام والرفات فإن فيها رائحة البشرية وفيها ذكرى الحياة؛ والحديد والحجارة أبعد عن الحياة.

ذكر الفخر الرازي: إنّ المنافاة بين الحجرية والحديدية وبين قبول الحياة أشد من المنافاة بين العظمية وبين قبول الحياة، فالعظم قد كان جزءا من بدن الحـي، أما الحجارة والحديد فما كانا البتة موصوفين بالحياة، فلو صارت أبدان الناس حجارة أو حديدا بعد الموت، فإن الله يعيد الحياة إليها ويجعلها حيا عاقلا كما كان [38].

ولكن لا زال الشك يجول أذهان المنكرين للبعث كما ذكر الله عنهم بقوله: {فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة، فسينغضون [39] إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا}.(الإسراء 51).[40]

فجاءت آيات سورة "يـسين" لتزيل الشك وتوضح الصورة وتبين الحقيقة وترفع هذا اللبس الذي علق بأذهان المنكرين للبعث، قال U: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يَخِصّمون [41] فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ونفخ في الصور فإذاهم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون إن كانت إلا صيحة واحدة فإذاهم جميع لدينا محضرون} (يسين 48- 53).

وقال U: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحى العظام وهي رميم} (يسين 78).فإن النطفة التي خلق منها الإنسان لا تزيد حيوية أو قدرا وقدرة على العظم الرميم البالي المفتت حتى يضرب بها هذا الكافر المثل.

أم أنه لم يخلق منها ؟.قال تعالى: {أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون} (الطور 35، 36)..

أم أن هذه ليست نشأة أولى ؟ .

أم أنه قياس للقدرة الإلهية الشاملة على قدرة نفسه الضعيفة، فتكون الإجابـة في كل الأحـوال واحـدة: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } (يسين 79). فالله يعلم مذهب العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها وتفرقها وتمزقها، ويعلم مم يعيد خلق الإنسان كما بدأه من أصغر جزء فى الإنسان وهو: عجب الذنب.

بل بين الله في آية أخرى أن قدرته ليست قاصرة على إعادة أعضاء الإنسان التي كانت موضع استغراب المشركين فحسب، بل هو قادر على تسوية البناء وجمع الدقيق اللطيف من الأعضاء وإعادة البصمات الأولى للإنسان، فقال: {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه} (القيامة 3، 4).

وقد رد الله على هذه الشبهة في موضع آخر من القرآن الكريم بأن الله يعلم من يموت منهم ومن يبقى، وأن هذه الأجزاء متميزة في علمه الله أشد التمايز، وأن الله أحاط علمه بكل شيء حتى انتهى إلى علم ما يذهب من أجساد الموتى في القبور، فقال: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ..} (ق 4). وهذه الآية سبقت قول الكفار: {أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد} (ق3).

وبين الله تعالى شمول علمه وسعة إدراكه فهو: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور، وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقالُ ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ إلا في كتاب مبـين} (سبأ 2، 3). وهـذا إنما يـكون بعـد التسليم بقدرة الله وعلمه، ولكن قال الكافرون: إنّ هذا لشيئ عجاب.

وبين الله في آية أخرى أن هذا لا يدعو إلى الاستغراب، بل الأعجب منه قدرة الله تعالى على أن يعيد هذا الإنسان الكامل الشديد في خلقه - على أحد الأقوال - مَنياً كما كان، ثم يعيده إلى إحليل أبيه: {يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر...} (الطارق 7، 8).[42]

 

ذكر الفخر الرازي عن بعض العلماء قوله: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار لما قدروا عليها، إذ لاشك أن الإعادة ثانيا أهون من الإيجاد أولاً.[43].

 

وفي هذا المقام يقول الزمخشري [44]: قبح الله عز وجل إنكارهم للبعث تقبيحا لا ترى أعجب منه وأبلغ، وأدل على تمادي كفر الإنسان وإفراطه في جحود النعم وعقوق الأيادي، وتوغله في الخسة وتغلغله في القحة - من الوقاحة وهو قلة الحياء- حيث قرره بأن عنصره الذي خلقه منه هو أخس شيء وأمهنه وهي النطفة المذرة الخارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة، ثم عجب من حاله بأن يتصدى مثله على مهانة أصله ودناءة أوله لمخاصمة الجبار... ويقول: من يقدر على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه، ثم يكون خصامه في ألزم وصف له وألصقه به، وهو كونه منشأه من موات، وهو ينكر إنشاءه من موات، وهي المكابرة التي لا مطمح وراءها.

روي أن جماعة من كفار قريش منهم أبيّ بن خلف وأبو جهل والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة تكلموا في ذلك، فقال لهم أبيّ: ألا ترون إلى ما يقول محمد، إن الله يبعث الأموات، ثم قال: واللات والعزى لأصيرن إليه ولأخاصمنه، فأخذ عظما باليا فجعل يفته بيده وهو يقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم ؟، قال e: (نعم ويبعثك ويدخلك جهنم)، وفي رواية: (نعـم يميتـك الله ثم يبعثك ثم يحشـرك إلى النار) [45].

وعن بشر بن جحاش t قال: إنّ رسول الله e بصق يوما في كفه، فوضع عليها إصبعه، ثم قال رسول الله e: (قال الله تعالى: يا بني آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقى قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقة ؟) [46].

 

وعن عقبة بن عمرو قال لحذيفة رضى الله عنهما: ألا تحدثنا ما سمعته من رسول الله e فقال: سمعته e يقول: (إنّ رجلا حضره الموت، فلما يئس من الحياة أو صى أهله إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبا كثيرا جزلا، ثم أو قدوا فيه نارا، حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت، فخذوها فدقوها فذروها في اليم…) وفي رواية: يسحقوه ثم يذروا نصفه في البر ونصفه فى البحر في يوم رائح- أي: كثير الهواء- ففعلوا ذلك، فأمر الله تعالى البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له:كن، فإذا هو رجل قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت ؟، قال: مخافتك وأنت أعلم؛ فما تلافاه أن غفر له).[47].

ثم قرب القرآن الكريم الصورة للأذهان وزادها وضوحا وبيانا أكثر بقياس: (إعادة الشيء من مادته الأولى) .

فإنّه قد تقرر لديهم وفي نظامهم أن إعادة الشيء من مادته الأولى أيسر عليهم من إيجادها ابتدأ، ذلك أن البدء أو النشأة الأولى فيه تدرج من طور إلى طور في إيجاد الأجزاء وتأليفها، أما الإعادة فليس فيها إلا تأليفها فحسب، قال الله U {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى فى السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم}.(الروم 27).

وهذا كما ذكر القرطبي مَثَلٌ ضربه الله تعالى لعباده؛ يقول: إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه؛ فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء وإلا فكل الممكنات بالنسبة إلى قدرة الله سواء.[48].

 

ولقد وجه الله تعالى الأنظار إلى هذا الأمر في سورة مكية تعالج بكاملها قضية النشأة الآخرة ردا على قول الشاكين في أمرها قال تعالى: {وكانوا يقولون أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} (الواقعة 47- 50).

 

فابتدأ سبحانه وتعالى الحديث بما يقع تحت حس البشر في حدود المشاهدات:

فيعرض أولا نشأتهم الأولى من منيّ يُمنى ثم ينقطع عمل الإنسان وتبدأ القدرة الإلهية وحدها فيقول U: {نحن خلقناكم فلولا تصدقون أفرأيتم ما تمنون أءنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون} (الواقعة 57- 62).

ثم يدلل على ذلك بعرض صورة من واقع أمرهم وهو بالحرث والزرع بحيث يبذر الإنسان البذور ثم ينتهي دوره وتأخذ القدرة الإلهية وحدها فيقول: {أفرأيتم ما تحرثون أءنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون} (الواقعة 63- 65).فإذا كان الحرث والزرع يتم بقدرة الله فمن باب أولى خلق الإنسان.

 

ثم بعرض صورة مصدر نشأة الحياة كلها وهو الماء العذب الذي هز نفوس البشر أجمعين وخَلّدَتهُ قصائدهم وأشعارهم، فيقول: {أفرأيتم الماء الذي تشربون أءنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون} (الواقعة 68- 70).فلو شاء الله لجعله مالحا لا ينشيء الحياة.

 

ثم بعرض صورة النار ومنشأ وقودها الذي يكمن فيه النار ويحتاج إليها البشر في كل وقت وينظرون فيها قدرة الله تعالى في كل لحظة ولمحة، فيقول: {أفرأيتم النار التي تورون أءنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون} (الواقعة 71، 72).

وأخيرا ينتهي السياق بالتحدي والمقارعة فيقول: {فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منـكم ولكـن لا تبصـرون فلولا إن كنتم غـير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين} (الواقعة 83- 87).

ومما جاء في السنة توضيحا لذلك قولُ النبي e: (يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن لـه أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق أهون علي من آخره، وأما أذاه إياي فقوله: إنّ لي ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد).[49]

 

لم يقتنعوا بهذا الدليل ولا زال الشك يجول في أذهانهم، فتدرج القرآن الكريم بعلاج هذا التكذيب والتعنت بقاعدة منطقية لا سبيل إلى إنكارها أو تكذيبها، وهو بـ(قاعدة التلازم) فإن العدم دليل الإيجاد وملازم لـه، قال تعالى: {ويقول الإنسان أءِذا ما مت لسوف أخرج حيا أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا}.(مريم 66، 67). فمن ضئالة النطفة وهي لا تُرى بالعين المجردة كأن لم يكن لها وجـود في الخارج.

ولكي يتحقق الإنسان من هـذا الأمر فليتدبر قوله تعالى: {فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب، إنه على رجعه لقادر}.(الطارق 5- 8).

 

ثم يتدرج القرآن الكريم في إثبات القضية بعد أن أثار القوم وأيقظهم من غفلتهم ووجههم إلى البحث والنظر بشيء من البسط والتفصيل بعد الإيجاز، بقضية ألصق ما تكون بحال أنفسهم وبواقع حياتهم، ليستدلوا من خلالها على كيفية البعث وهو: بمبدأ خلق الإنسان ومراحل تطـور خلقه، قال تعالى: {وقد خلقكم أطوارا} (نوح 14). بما يقابله من كيفية إحياء الأرض الميتة وازدهارها بالحياة، مستدلا بذلك على قدرة الله المحضة في نظامه، وبرغم مرور الإنسان والنبات بهذه التطورات ومراحل الإيجاد التي جعلها الله سببا للوجود، فإنه قد يتم وجوده وقد لا يتم، ليكون ذلك دلالة ظاهرة على كمال قدرة الله في المعاد.

قال الله تعالى: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث…} (الحج 5).ينادى الله تعالى أولئك الذين فقدوا مقومات الإنسانية، يحملون عقولا ولا يعقلون، إلى إعمال الفكر حتى يعرفوا أسرار الله في هذا الكون، كيف أن مراحل خلق الإنسان وتطورها المذكورة سبقها انعدام لا حياة لها ثم وجدت بقدرة الله، فهذه النطفة الصغيرة العالقة بجدار الرحم، التي تكمن فيها خصائص الإنسان المقبل الخِلْقية والخُلُقية، وصفاته العقلية والنفسية من: غرائز ونزعات واتجاهات وانحرافات، ثم مرورها بهذه الأطوار الدقيقة الضئيلة المنتظمة التي لا يتصور فيها الحياة، فإذا به إنسان قائم معتدل الخلق، دلالة على أن الإنسان كله خلق من عدم، فهذا غاية في إيضاح الأدلة: {فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة…}  (الحج 5).من أشياء لا حياة لها، وهي قطعة من الدم جامدة متكونة من المني، تحولت هذه العالقة فأصبـح خلقكم {من مضغة…}  (الحج 5).أي: قطعة من اللحم متكونة من العلقة بقدر ما تمضغ [50].{مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى…} (الحج 5).

ثم تدب فيه الحياة حيث أعطاه الله القوة شيئا فشيئا، ولطف به فجعله في حنان وعناية الوالدين آناء الليل وأطراف النهار، حتى تزايد قواه وتكامل ووصـل إلى عنفوان الشباب وحسن المنظر ويبدأ حينئذ دور التكليف والمحاسبة والجزاء: {ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى ومنكم من يُرَدّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا..} (الحج 5) ثم يصبح ضعيفا في بدنه وسمعه وبصره وحواسه وبطشه وعقله، لينتقل إلى عالم آخر يتم فيه محاسبته ومجازاته على ما قدم، قال تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبه، يخلق ما يشاء وهو العليم القدير}.(الروم 54).

 

فمن كان يتصور أو يصدق - لولا البيان الإلهي - أن هذا الإنسان بلحمه ودمه وعظمه وعصبه وشعره وعقله وفهمه وإدراكه وإرادته وتمييزه ونطقه، كله كان كَامِناً في تلك النطفة العالقة ؟، وأن هذه النقطة الصغيرة الضئيلة هي هذا الإنسان السوي الممشوق القامة، الذي يختلف كل فرد من جنسه عن الآخر.

فهذه المراقبة الدقيقة، والعناية الإلهية الفائفة الشاملة بالقدرة الباهرة والحكمة البالغة، من حين مبدأ خلقه وولادته وبلوغه الأشد إلى ما شاء الله، دلالة على وجوب بعثه ثم محاسبته ومجازاته على ما قدم

 

ثم يوجه القرآن الكريم الأنظار بذكر صورة مطابقة لكيفية خلق الإنسان ومراحل تطوره من واقع حياة الناس، لاستخلاص العبرة على أمر المعاد عن طريق المماثلة والمشابهة، بحال الأرض الميتة اليابسة الجرداء التي سلبت خاصة النماء بفقدان الماء بسبب المحل والجدب والقحط، ثم يبعث الله فيها الروح بسقيها الماء، قال الله U {وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} (الحج 5) فكيف بالإنسان الذي يعـد الحياة أصلا من أصوله، وجزءا من أجزائه {ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحى الموتى} (الحج 6) فأحيى النطفة والأرض الميـتة مرة بعد مرة، وأقام الأدلة والبراهين على تحقق وقوع البعث من خلال خلق الإنسان ومروره على أطوار مختلفة، وإحياء الأرض بعد موتها وغير ذلك، ومن آثار قدرته أنه أوجد هذه الموجودات الفائتة الحصر التي من جملتها ما ذكر، كل هذا يثبت ألوهية الله المطلقة، وإنكار ذلك محض مكابرة وعناد يقود الإنسان إلى الخسارة المتحققة [51].

 

ويقرب النبي r هذا المعنى فيقول فيما رواه عنه أبو رزين العقيلي t قال: أتيت رسول الله e فقلت يا رسول الله كيف يحى الله الموتى ؟، قال: (أمررت بأرض من أرض قومك مجدبة، ثم مررت بها مخصبة ؟) قال: نعم قال: (وكذلك النشور).

وفي رواية عنه قلت يا رسول الله كيف يحى الله الموتى، وما آية ذلك في خلقه ؟، قال: (أما مررت بوادي أهلك مَحْلا ؟) قال: بلى، قال: (ثم مررت به يهتز خضراً) قال: قلت بلى، قال: (ثم مررت به محلا ؟) قال: بلى قال: (فكذلك يحى الله الموتى وذلك آيته في خلقه).[52].

{وأنه على كل شيء قدير} (الحج 6).فمن آثار قدرته أنه أحـيى الأرض وأخرج منها النبات بعد أن عادت إليها الحياة كأحسن ما كانت نماء وازدهارا ألوانا وأشكالا من كل زوج بهيج من كل صنف ولون حسن المنظر طيب الرائحة.

فلو كان أمر المعاد مستحيلا كما تصوره هؤلاء المنكرون لما عادت الحياة إلى الأرض الميتة، ولما خرج منها النبات.

{وأن الساعة ءاتيــة لا ريب فيها، وأن الله يبعث من فى القبور}.(الحج 7). عند إذٍ يتبدد الظلام وينكشف الغطاء وتتضح الأمور على حقيقتها، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

 

المسلك الثـالث: (الاستدلال بخروج النبات من الأرض):

إن حقيقة الحياة في حد ذاتها ذات طبيعة ونوع واحد، ولكنها تختلف في أشكالها وألوانها حسب ملابساتها، ولقد دعى القرآن الكريم إلى استخلاص ذلك من واقع أمر البشر، كما حكى الله تعالى عن نوح u وهو يدعو قومه إلى معرفة أمر البعث فيقول: {والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا} (نوح 17، 18).

وفي آية سورة عبس يذكر الله تعالى هذا التشابه مفصلا فيقول: {فلينظر الإنسان إلى طعامه أننا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا..} (عبس 24- 31).

 

ثم ربط القرآن الكريم حقيقة الحياة الدنيوية لبعض مخلوقات الله وبين النشأة الأخرى موضحا ذلك على طريقة الناس في معرفتهم لنشأة هذه الحياة.

فيصور كيفية انبعاث الحياة في الأبدان المودعة في القبور، بحال انبعاث الحياة في النبات المودعة في الأرض، بما يطرأ عليهما من أحوال مختلفة من حياة وموت بطريقة متعاقبة، فقال U: {والله الذي أرسـل الرياح فتـثير سحابا فسـقناه إلى بلـد ميت فأحيينا به الأرض بعـد موتها كـذلك النشور }.(فاطر 9). فخروج النبات يكون من بذرة مودعة في الأرض بعد سقيها الماء.

والموتى من العصعص أو عجب الذنب المودع في الأرض بعد نفخ الروح فيهم.

 

ويؤكد الله تعالى هذه الحقيقة مشيرا بقولـه: {ومن ءا ياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحى الموتى إنه على كل شيء قدير }.(فصلت 39) وقال تعالى: {وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم لـه بخازنين، وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون} (الحجر 72)

 

فلو يستحيل في نظر المنكرين إعادة الحياة إلى الإنسان لاستحال إعادة الحياة إلى النبات، لأن المشابهة في إعادة الحياتين واحدة كما يبين الله تعالى ذلك بقوله: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته، حتى إذا أقَلّتْ سحابا ثِقالا سُقناهُ لِبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات، كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون}.(الأعراف 57).

روي عن أبي هريرة وابن عباس ومجاهد رضى الله عنهم أن الناس إذا ماتوا مع النفخة الأولى، أمطر عليهم ماء من تحت العرش يُدعى (ماء الحياة) أربعين سنة، فينبتون كما ينبت الزرع من الماء حتى تشقق عنهم الأرض ثم يرسل سبحانه الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها، وفي رواية: أربعين يوما فينبتون في قبورهم نبات الزرع، حتى إذا استكملت أجسادهم، ينفخ فيهم الروح، ثم يلقى عليهم النوم فينامون في قبورهم، فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية عاشوا، ثم يحشرون من قبورهم ويجدون طعم النوم في رؤسهم وأعينهم، كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه، فعند ذلك يقولون: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} (يسين 52) فيناديهم المنادي: {هـذا ما وعـد الرحمـن وصـدق المرسلون} (يسين 52).[53].

 

فمن آثار صدق الرسل ما أجرى الله تعالى على أيديهم من خوارق العادات من إحياء الموتى، ليري الناس عيانا قدرته على الخلق والإعادة وستأتي سائر مخلوقاته يوم القيامة مقرة بذلك.

 


 

المسلك الرابع: (الاستدلال بوقائع حصل فيها الإحياء بعد الموت):

لقد ذكر القرآن الكريم عدة وقائع وقصص في مختلف الأشكال، من مختلف الأجناس والأنواع ليدلل على صدق ما أخـبر به الرسل من أمر المعاد، حتـى يراه الناس حقيقة عيانا لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

وهذه الوقائع هي : قصة صاحب القرية، وإحياء الطيور لإبراهيم u ، وقصة الملأ من بني إسرائيل، وقصة قوم موسى السبعون، وقصة القتيل الذي ضرب بعضو البقرة المذبوحة.[54].

 

أ-: قصة صاحب القرية:

ذكر القرطبي وغيره: أن هذه القرية هي بيت المقدس، خربها الملك الجبار: "بختنصر" وقتل أهلها فمر عليها "عزير" u فإذا بالقرية خَرِبة مدمرة، قد اختلطت معالمها البارزة بترابها، وتطامنت شواهقها وارتطمت بأسفلها، وسقطت سقوفها على عرصاتها، فوقف "عزير" u متفكرا فيما آل أمر هذه القرية إليه بعد العمارة، مستعظما قدرة الله ومعترفا بالعجز عن معرفة طريق الإحياء قائلا: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} (البقرة 259).فأرا الله ذلك في عالم الواقع ليكون ذلك أبلغ في المعرفة، لأن أحاسيس الإنسان ومشاعره أحيانا لا تقبل مجرد دليل، فأخبر الله U عن هذه القصة بقوله:

{أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم، قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يَتَسَنَّه، وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما، فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير}. (البقرة 259).

فأراه الله أبعد الأمرين في نفسه على أبلغ وجه، حيث أماته فاختلط لحمه وعظمه وشعره بالتراب ثم أحياه، ثم في غيره حيث أحيا له الحمار وحفظ طعامه من الفساد، ليكون ذلك آية على قدرة الله على البعث والإعادة ودرسا لغيره، {فأماته الله مائة عام ثم بعثه}  (البقرة 259).

ذكر الألوسي: أن كلمة البعث في قوله تعالى: {ثم بعثه}  (البقرة 259).توحي على أنه قام حياً على وجه السرعة والسهولة كهيئته يوم مات، عاقلا فاهما، مستعدا للنظر والاستدلال.[55].فوجد البلدة قد عمرت، وتكامل ساكِنُوها، حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه.

ثم سأله على وجه الإلزام، لِيُظهِر له عجز العبد عن الإحاطة بشئون الله: {كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم، قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يَتَسَنَّه، وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما، فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير}  (البقرة 259).

لكن القدرة الإلهية لا تحيطها عقول البشر الضعيفة، فكيف يستبعدوا ما هو ممكن من أمر البعث.[56].

ب-: قصة إحياء الطيور لإبراهيم u:

أعجوبة أخرى كسابقتها يسردها القرآن الكريم توضح ما استشكله الكفار واستبعدوه من أمر البعث، فتؤكد أمر الخلق والمعاد والبعث في صورة تطبيقية، من خلال اتحاد في الجنس واختلاف في النوع، ليطابق ذلك حال الناس وقد اختلطت أجزاؤهم وتحللت بعناصر مختلفة:

فقال U: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيى الموتى، قال أو لم تؤمن، قال بلى ولكن ليطمئن قلبي، قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم ادعهن يأتينك سعيا، واعلم أن الله عزيز حكيم }.(البقرة 260).

 

إنّ النفوس بطبيعتها تستشرف إلى حب الاستطلاع إلى رؤية ما أُخْبِرت به عيانا؛ لأن للعيان لطيف معنى وللاستبصار عميق انطباع، ولهذا جاء في الخبر (ليس الخبر كالمعاينة).[57] وفي الأمثال: (ليس العيان كالبيان).

لا شك في إيقان إبراهيم u وفي إيمانه الكاملين، ولكن كما قال الخطابي: هذا على سبيل التواضع وهضم النفس، وزيادة العلم والاستفادة من معرفـة كيفية الإحياء التي فيها الطـمأنينة بعلم الكيفية [58]، ليمتع نظره وقلبه وقالبه وروحه وعصبه ودمه ولحمه وعظمه وشعره، برؤية هذا المنظر الجليل الدال على القدرة الربانية المحضة التي تغيب حقيقتها عن أنظار البشر، وليـترقى بهذه المشاهدة من علم اليقين إلى عين اليقين، لأن المؤمن بطبيعته إذا عاين حدثا إلهيا فإنه يزداد إجلالا وإكبارا لربه.

وقوله e: (نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: {ربي أرني كيف تحيى الموتى…}.(البقرة 260) [59] أي: شك محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام في إجابتهما إلى سؤالهما، ولم يشكا في أن الله قادر على إحياء الموتى، كما قال الخطابي المعنى: إذا لم أشك أنا ولم أرْتَبْ في قدرة الله تعالى على إحياء الموت، فإبراهيم أولى بأن لا يَشُكَّ فيه وأن لا يرتاب [60].

 

إضافة إلى أنه u أراد توضيح أمر المعاد لمن يرتاب فيه أو ينكره، فيكون هذا الحدث التطبيقي درسا وعبرة لمن يداخله شيء من الشك في أمر البعث، وإلا فالأنبياء على يقين كامل بربهم.

 

رأى إبراهيم u هذا السر بين يديه طيور فارقتها الحياة وتفرقت أوصالها في أماكن متعددة، ثم تدب فيها الحياة مرة أخرى، بحيث تجمعت أوصالها الممزقة وريشها المتناثر، كما قال تعالى: {فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم ادعهن يأتينك سعيا، واعلم أن الله عزيز حكيم } .(البقرة 260).

 

ذكر ابن كثير عـن ابن عباس رضي الله عنهما: أن إبراهيـم u أخذ رءوسهن بيده ثم دعاهنّ كما أمره الله عز وجل، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم واللحم إلى اللحم والأجزاء من كل طائفة يتصل ويلتئم بعضها إلى بعض، تأبى التلاحم إلا مع عنصرها حتى قام كل طائر على حِدَتِه، وأتيـنه يمشين سعيا بحول الله وقوته [61]

 

هذه الحادثة أجراها الله لإبراهيم u حقيقة، وذكرها لنا رواية، وتلاها علينا حكاية، ولكنها سيقت مساق التطبيق الفعلي والمشاهدة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ج-: قصة (الملأ من بني إسرائيل):

يذكر الله تعالى لنا قصة أناس فروا خوفا من قدر الله المتحقق في الموت سواء كان وباءً أو جهادا، فابتلاهم الله به، فلحقهم أمر الله إلى مضاجعهم، مبينا لهم ولغـيرهم أن الإحياء والإماتة خاضعان دون تكلف أو مشقة لأمر {كن.فيكون}.(آل عمران 59).

فأخبر الله U عن هؤلاء بقوله: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} (البقرة 243).روي أن هؤلاء مر على موتهم دهر تمزقت لحومهم وتفرقت شعورهم وتفتت عظامهم وطارت كل مطار، فمر نبي من الأنبياء فسأل الله أن يحييهم، فأحياهم بعد رقدة طويلة فقاموا أحياءً ينظرون، وهم يقولون: سبحانك لا إله إلا أنت.

{إن الله لذوا فضل على الناس} (البقرة 243).ومن فضله ولطفه بعباده أنه يريهم من آياته عيانا مشاهدة لتدعوهم إلى الإيمان بالبعث والجزاء  {ولكن أكثر الناس لا يشكرون } (البقرة 243) فيصدر منهم التكذيب على حين لا عذر لهم في ذلك [62].

 

ومثل هذه الحادثة، قصة قوم موسى السبعين الذين اختارهم الله، فأماتهم الله بسبب تجاوزهم حدود المطالب، وتعنتهم وعصيانهم لرسل الله، كما أخبر الله U عن ذلك بقوله: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون، ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون}. (البقرة 55، 56)

أماتهم حتى تمزقوا وتناثروا ثم أحياهم بقدرته، فقاموا وعاشوا رجلا رجلا، ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون !.

فإن كان لا مقنع لمنكري البعث فيما ذكر، فليباشروا بأيديهم وينظروا بأعينهم إلى أسرار الخلق والإيجاد والبعث.[63].

 

د -: قصة (القتيل الذي ضرب بعضو من أعضاء البقرة):

لقد عرض القرآن الكريم قضية الإحياء والمعاد في هذه الحادثـة في أبسط صُـوَرِه وهي رؤيا العـين لينتفي الريب والشك تماما، فقال U {وإذ قتلتم نفسا فادّارأتمْ فيها، والله مخرج ما كنتم تكتمون، فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحـيى الله الموتى ويريكم آياته..} (البقرة 72).

لم يكن الغرض من هذه الحادثة إحياء هذا الميت ليكشف لهم عن قاتله فحسب، بل ليكشف الله للقوم بأنه جعل ذبح البقرة وسيلة ظاهرة تكشف لهم عن قدرة الله في إحياء الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل، حتى يبلغوا مَـن بَعدَهم قدرة الله على الإيجاد والمعاد [64].

 

وفي هذه الحادثة أمران عجيبان:

أولهما: أن الله أحيا هذا الميت بضرب جزء ميت فقام بأمر الله.

ثانيهما: أنه أوكل إلى القوم اتخاذ السبب في إحياء الميت، فبأيديهم باشروا إحياء الميت، ليجعل الله تبارك وتعالى هذا الصنيع حجة لهم وحجة على غـيرهم على وقوع المعاد {كذلك يحـيى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون}.(البقرة 73).

 

وإن مما أرانا الله تعالى من آياته في عجائب خلقه في أمر المعاد والجزاء، ما أجرى الله تعالى على يد عيسى ابن مريم u من إحياء الموتى ليبقى دليلا على صدق البعث إلى الأبد، قال تعالى: {ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكونُ طيرا بإذن الله، وأبري الأكمه والأبرص وأحـيى الموتى بإذن الله…} (آل عمران 49).

 

وإن مما أرانا الله تعالى من آياته في عجائب خلقه في أمر المعاد والجزاء، ما أخبر الله عن قصة أصحاب الكهف، إذ لبثوا وهم رقود في كهفهم مدة طويلة ثم بعثهم، قال U: {فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا، ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا..} (الكهف 11، 12).

 

قال الرازي: اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعا.

وقال آخرون: الروح تبعث أما الجسد فتأكله الأرض، ثم إن الملك كان يتضرع إلى الله أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في هذه المسألة، فأطلعه الله على أمر أصحاب أهل الكهف فاستدل ذلك الملك بواقعتهم على صحة البعث للأجساد لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث [65].

ولذا قال U عقب ذلك: {وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم….} (الكهف 19).

 

قال الشوكاني: إن مَن شاهد حال أهل الكهف علم صحة ما وعد الله به من البعث، كما قال تعالى: {وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها...} (الكهف 21).[66].

 

فإن ما ذكر في هذه الحوادث لا سيما قصة أصحاب الكهف لعبرة وعظة لمنكري البعث وتبصرة وذكرى لكل عبد منيب استبان الحق واستوضح الحقيقة في أمر البعث والمعاد، فإنها في قدرة الله مثل اليقظة والنوم الذي يعتري العباد.

المسلك الخامس: (الاستدلال بحصول اليقظة بعد النوم):

يقول عمر t: النوم أخو الموت [67]  وهو الموت الأصغر، ومقابله يُعَـد الاستيقاظ حياة مصغرة، قال U: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} (الزمر 42)..

قال ابن كثير: ذكر الله في الآية الوفاتين الصغرى ثم الكبرى، في هذه الآية ذكر حكم الكبرى ثم الصغرى [68].

ويقرب e هذه الحقيقة بقولـه: (كما تنامون فكذلك تموتون، وكما توقظون فكذلك تبعثون).[69].وبقوله e: (مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ويرده إليه، فإن أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا رد إليه، فذلك قوله {وهو الذي يتوافاكم بالليل} ).[70].

 

فإذا كان النوم واليقظة على بساطتهما يتمّان بقضاء الله وقدره، فما كان أعظم وأكبر منهما مثل البعث والمعاد أولى بذلك، قال U: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار [71] ثم يبعثكم فيه ليُقضَى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون، وهو القاهر فـوق عباده ويرسل عليكم حفظة، حتى إذا جاء أحدكم الموت تَوَفّته رسلنا وهم لا يفرطون، ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق، ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين}.(الأنعام 60- 62).

ذكر الطبري: أن هذا الآيات وإن كانت خبرا من الله تعالى عن قدرته وعلمه، فإنّ فيها احتجاجا على المشركين به الذين كانوا ينكرون قدرته على إحيائهم بعد مماتهم، وبعثهم بعد فنائهم.[72].

 

فدل ذلك على إمكان البعث والحشر، لأن النشأة الثانية منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقطة بعد النوم في أن مَن قَدَرَ على أحدهما فهـو قادر على الأخرى، فناسب تذييل الآية بقوله: {إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } (الزمر 42). أي: في معرفة حقيقة ما بين الموت والحياة واليقظة والنوم من المناسبة، فإذا جهلنا حقيقة النوم وكيفية حصوله رغم بساطته ورغم تعاقبه والتصاقه بحالنا، فمن باب أولى ألا ندرك سر الإحياء وحقيقته، فكم في الكون أشياء لا يدرك العبد- على بساطتها- حقائقها لما أودع الله فيها من الأسرار والكَوامِن ما يقف الإنسان عندها مستسلما مستضعِفا نفسه مستصغرا تفكيره مؤمنا موقنا، مع ما في ذلك من منافاة الإيمان بالغيب [73].

 

المسلك السادس: (الاستدلال بإخراج النار من الشجر الأخضر):

قال الله U: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا، فإذا أنتم منه توقدون…} (يسين 80).هذه الآية جاءت رداً على المشركين الذين قالوا: {مَن يحيى العظام وهي رميم} (يسـين 78).

فلم يثبت القرآن الكريم كيفية خلق العظام أو بعث الروح فيها، لأن الموت والحياة متـجاوران في الوجود.

وإنما لفت أنظارهم إلى أن اجتماع الضدين مثل النار مع الماء أمر بعيد التصور، ومع هـذا فهم يشاهدونه بأعينهم في الشجر الأخضر الذي يجمع بين الماء والنار.

 

فربط القرآن الكريم أمر البعث بإخراج النار من الشجر الأخضر الريان بالماء، الذي يستحيل فيه وجود النار، ليفحم المعاندين على خلق الأشياء من ضدها ومن غير مادتها: فقال U {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا، فإذا أنتم منه توقدون…} (يسين 80).

فمن بدائع خلق الله انقداح النار من الشجر المعروف بالمرخ والشجر المعروف بالعفار فإذا قطع منهما مثل سواكين، فإذا احتكا انقدحت منهما نارٌ- بإذن الله- وهما يقطران ماءً ثم يصير هو وقود النار وهي زنادة العرب.

قيل: المرخ هو الذكر، والعفار هي الأنثى، ويسمى الأول: الزند، والثانية: الزندة ، وفي الأمثال: (المرخ والعفار لا يلدان غير النار)، وقيل: في كل شجر نار إلا العناب فإنه ليس فيه نار.

 

فإحياء العظام البالية ليس بأعجب من إخراج النار مما يضاده من الشجر الأخضر الذي يحمل الماء، ومن إخراج النبات من الأرض الهامدة، فمن قدر على جمع الضدين مع استحالة جمعهما، قادر على إعادة الحياة ثانـية في اللحوم المتمزقة والعظام البالية {أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم}  (يسين 81).[74].


 

المسلك السابع: (الاستدلال بخلق السموات والأرض وما فيهما).

قال U على لسان نوح u وهو يوجه قومه إلى الاستدلال بخلق السموات والأرض وما فيهما على وجـوب البعث بعد الموت: {مالكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخركم إخراجا} (نوح 15- 18).

 

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا في موضع آخر أكثر بيانا وتفصيلا فقال: {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون، وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزع ونخيل صِنوان وغير صِنوان يسقى بماء واحد ونُفضِل بعضها على بعض في الأُكُل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون، وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا ترابا أءنا لفي خلق جديد…} (الرعد 2- 5).

 

وفي سورة "المؤمنون" بعد أن ذكر الله تعالى خلق الإنسان ومراحل أطواره، عقبه بعد ذلك بخلق السموات وما ينزل منها ليستدل به على وجوب بالبعث بعد الموت فقال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون، ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غالفين وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون} (المؤمنون 12- 18).

 

وفي موضع آخر من السورة يذكر الله تعالى بعض آلائه الكبرى وتصرفه المطلق فيها فيقول: {وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون بل قالوا مثل ما قال الأولون قالوا أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون لقد وُعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يُجير ولا يُجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تُسحرون بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون} (المؤمنون 79-89)

فمن قدر على خلق هذه الكائنات العظيمة التي لا يُعَد الإنسان بجانبها شيئا وله التصـرف المطلق فيها خلقا وإيجادا وفناء، له البعث بعد الموت وهو مالك يوم الدين.

 

وهذا من باب الاستدلال بالأعلى على الأدنى وبالأكـبر على الأصغر، فإن نسبة البشر إلى السموات والأرض لا يساوي شيئا، كما قال تعالى: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (غافر 57).

 

وفي مقابل ذلك ذكر الله تعالى منوها بغاية ضعف الناس ورخاوتهم في أصل خلقتهم: {فاستفهم أهم أشد خلقا أمن خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب} (الصافات11).[75]

فإن الرب الذي خلق أعظم الكائنات وأقواها، من مادتها ومن غير مادتها بل ومن ضدها، كما جاء في قوله U: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا، فإذا أنتم منه توقدون، أو ليس الذي خلق السـموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم} (يسين 80، 81). من باب أولى قادر ابتداء وإعادة على خلق أضعف الأشياء وأصغرها لا سيما من مادتها الأولى ومن جملة ذلك البشر الذين خلقوا من مادة لا توصف بالصلابة ولا القوة، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخـلق مثلهم….} (الإسراء 99).[76].

 

وفي موضع آخر يبـين الله تعالى مدى قوته وقدرته بعد تحقق ذلك في علم البـشر بدليل العقل بأن الله تعالى خلق الأشياء العظيمة وهو لم يحتج إلى عُـدّة أو عتاد أو معونة ولم تسبب له تعبا أو إعياءً، فكيف بأصغرها، ومن جملتها أمثالهم من الإنس، قال تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحى الموتى}.(الأحقاف 33)

لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن، كما قال تعالى: {أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها ….} (النازعات 27).

 

المسلك الثامن: (الاستدلال بتعاقب الليل والنهار)

يذكر الله تعالى في هذا الاستدلال أمرا أحوج ما يكون البشر إليه في حياتهم ويشاهدونه على الدوام ويعتبرون به على دقة نظام الله في تصريفه وتسييره لا سيما في أمر معاشهم وضروريات حياتهم، ليكون ذلك شاهدا يحملهم على الإيمان بالبعث، قال تعالى: {يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} (النور 44).وقال تعالى: {وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون بل قالوا مثل ما قال الأولون قالوا أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون لقد وُعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين} (المؤمنون 79-83).

فبدأ سبحانه ببيان ربوبيته التي من أجلها عُبِد وحُمِد وما لأجله يرجع العباد إليه، فقال U: {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون}.(القصص 70).

 

ثم ساق الأدلة على ذلك كله بقدرته المحضة على تعاقب الحدثين وما وراءهما من الأسرار، وقدم تذكيرهم بالبعث ليلفت أنظار العباد أولا إلى الاعتبار من استدامة الليل لأن النوم فيه شبيه المـوت، ثم لفت أنظار العباد إلى الاعتبار باستدامة النهار الذي هو شبيه بالحياة، فقال: {وإليه ترجعون، قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون} .(القصص 71، 72).

ثم وبخ العباد على ترك التأمل والاعتبار بمخلوقاته، فقال: {أفلا تسمعون … أفلا تبصرون}..(القصص 71، 72).

 

وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله: {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون، وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزع ونخيل صِنوان وغير صِنوان يسقى بماء واحد ونُفضِل بعضها على بعض في الأُكُل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} (0الرعد 2- 4).

 

بل الذين كفروا في عزة وشقاق إصرار على العناد والمكابرة والتمادي في الباطل: {فأبى الظالمون إلا كفورا} (الإسراء 99).[77].

 

المسلك التاسع: ( المنازلة والتحـدي)

إن الحياة بحكمة الله تعالى صراع بين الحق والباطل {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق…} (الأنبياء 18). فلابد من إثبات الحق وإعلائه ولابد من إبطال الباطل ودحضه وإلزام الخصم وإفحامه، فإذا ما وقف العناد والمكابرة في وجـه الأدلة والبراهين الواضحة فلا بد من تنحيته وإزالته ليأخذ الحق طريقه.

فيذكر الله تعالى صورة حية لحال إنسان مكذب وهو يحتضر وقد عاين الحساب والجزاء: {فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولا لكن لا تبصرون…} (الواقعة 83- 85).ثم يتوعد المعاندين المكذبين على هذا التكذيب والمكابرة بقوله: {فلولا إن كنتم غير مدينـين ترجعونها إن كنتم صادقين}  (الواقعة 86، 87). فلو كان الأمر كما زعمتم أنه لا حساب ولا جزاء فأنتم إذا طلقاء غير مدينين ولا محاسبين فدونكم إذا فلترجعوها وقد بلغت الحلقوم، لتردوها عما هي ذاهبة إليه من حساب وجزاء وأنتم حولها تنظرون وهي ماضية إلى الدينونة الكبرى وأنتم ساكنون عاجزون، ولكن هيهات ذلك بل: {فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون} (يسين 50).

 

المسلك العاشر: (قياس المحاســبة)

قال U: {ولقد كرمنا بـني آدم وحملناهم في الـبر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (الإسراء 70).

لم يكن الله ليخلق الإنسان والحيوان من مادة واحدة وبكيفية واحدة، ثم يفترق الطريق بالإنسان دون حكمة أو حكم، وما كان الله ليذر الإنسان على ما هو عليه دون محاسبة حتى يمـيز المؤمن من المنكر والخبيث من الطيب، قال تعال: {ولا نكلف نفسا إلا وُسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون} (المؤمنون 62) وقال تعالى: {إنا نحـن نحيى المـوتى ونكـتب ما قـدمـوا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} (يسين 12).

يوجه الله الأنظار والقلوب والعقول إلى وجود كتاب لأعمال العباد يحصي فيه الملكان كل أعمال البشر حسنها وسيئها، ثم يحاسب الله العباد على كل ما عملوا كما قال: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء} (آل عمران 30).فوجود كتاب الأعمال يشعر العبد بالمحاسبة، كما قال U: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه…} (الحاقة 19، 20).[78]

قال ابن عطية: لأنه كان مؤمنا بالبعث [79]

وقال الشوكاني: أي علمت وأيقنت في الدنيا أني أحاسب في الآخرة [80].

والمحاسبة تشعره بيوم يتم فيه الجزاء، كما قال U: {ثم يجزاه الجزاء الأوفى} (النجم 41).[81]

 

المسلك الحادي عشر: (الاستدلال بالعدم على الوجود)

قال U: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} (مريم 9). فإن الوجود دليل على العدم إذ لولا ذلك لما كان للشيء وجود في الخارج، وكون الإنسان مبدأ خلقه من تراب أو من طين لازب أو من صلصال من حمأ مسنون أو من سلالة من طين، ثم تناسل من ذلك الحيوان المنوي الذي لا يرى بالعين كأنه لا وجود لـه، وأن الله سبحانه وتعالى خلقه ابتداء وأوجده من العدم المحض، ولا فرق بين إيجاد الإنسان بطريق التوالد المعتاد وإعادته للحياة مرة أخرى بعد الموت لأن كلاهما سبقه العدم الذي هو طريق الإعادة ولذا كان نسبة قياس الوجـود على العـدم لا شـيء، قال تعالى: {إنـه على رجعه لقادر} (الطارق 8).[82]

 

إن خلق جميع الخلق - على كثرتهم وبعثهم بعد موتهم بعد تفرقهم في لمحة واحدة- كخلق نفس واحدة، {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة}.(لقمان 28). فلا وجه لاستبعاد البعث والنشور والجزاء على الأعمال، إلا الجهل بعظمة الله وقوته وقدرته.

 

المسلك الثاني عشر: (مسلك المحاورة)

المحاورة من الحوار وهو كما قال الراغب: المُرادّة في الكلام ومنه التحاور قال تعالى: {والله يسمع تحاوُرَكما} (المجادلة 1).[83]

والحوار كما هو معلوم يكون بين أطراف وكل طرف يحاول إظهار ما في باطنه من معلومات ويطرح ما لديه من أفكار واتجاهات للوصول بقناعة إلى الحق والصواب.

ويختلف عن الجدال في كونه يتسم بسمة الهدوء والسكون والطمأنينة والصدق في القول والطرح، بينما الجدال غالبا يأخذ طابع المراء واللجاجة والتشفي ولأجل هذا جاء النهي عنه.

والغرض من المحاورة أو الحوار هو إبراز الحق والحقيقة التي من أجلها ثار الخلاف وتباينت الأفكار والآراء في صورة مطابقة للحال تحكي الواقع، والهدف منه الوصول إلى النتيجة الحتمية التي لا مفر منها ولا محيد عنها وهي قريبة من المناظرة.

 

ولقد ذكر الله تعالى درسا رائعا في صورة محاوَرَة أو مشهد محسوس تتجدد مع ذكره العظة والاعتبار، ويقرر فيه الحقيقة والقيم الباقية وأخرى قيما زائلة فانية زائفة.

فيرسم نموذجين واضحين للنفس المغترة بزينة الحياة الدنيا غرتها الأماني بربها الذي خلقها فسواها فخلدت إلى لذائذ الدنيا ظنا منها أنها تظل محفوظـة لـه حتى في الملأ الأعلى واتبعت هواها وابطرتها نعم الله فأنستها قوة الله تعالى الكبرى وأنستها البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، فظنت أن هذه الجنات لن تبيد وأن الساعة لن تقوم أبدا، فإذا بها تجد على خلاف ظنها، فتندم على إشراكها بربها وتعترف الآن بربوبيته ووحدانيته وتنتهي بالاعتراف لربها سبحانه وتعالى.

قال الزمخشري: وهو أفحش الظلم إخباره عن نفسه بالشك في بيدودة جنته لطول أمله واستيلاء الحرص عليه وتمادي غفلته واغتراره بالمهلة وإطراحه النظر في عواقب أمثاله، وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه [84]

 

وأخرى نفس معـتزة بالله تعالى ومعـتزة بإيمانه الذاكرة لربها لم تعـتز لا بمال ولا بجنة ولا بجاه، ولكن بالباقيات الصالحات راجية ما عند الله تعالى من الخـير والرحمة والرضوان فيقول الله تعالى: {واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أُكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا وكان لـه ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا قال لـه صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك ويرسل عليها حُسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع لـه طلبا وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أننفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا} (الكهف 32- 44).

فدلت الآيات الكريمات بأن متع الدنيا ولذائذها لم تكن يوما دليلا على السعادة في الآخرة، وأن الاعتزاز والافتخار بها طريق إلى الجحود والنكران.

وما أشبه حال مَن ذُكِر في الآيات السابقات بحال الأمم الكافرة اليوم التي آمنت بالمادة مبدأ ومنتهى ونادت بالاستغناء عن الرسل والرسلات والعقيدة وأن الإنسان قد أصبح في عصر السرعة والذرة وغزو الفضاء ويمتلك عابرات القارات ووسائل النقل النفاثة التي تقرب المسافات بأفصى سرعة ممكنة والآلات الحاسبة التي تضبط كل حركاته وسكناته سواء كانت حسية أو معنوية وهي تدير حياته وتدبر شؤونه، فأصبح بذلك كفيل نفسه لا يحتاج إلى إله يسير حياته أو يدبر أموره، ونسوا: {يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن} (الرحمن 29). إنها المكابرة العمياء التي تقود إلى مهلكة محققة.

 

وفي مشهد آخر يذكر الله تعالى محاورة مع إنسان خدعته نفسه بتوالي نعم الله تعالى عليه فأخرجته إلى ساحة الترف والبطر والتكذيب لرسل الله وبالبعث بعد الموت قال تعالى: {وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما أكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثَلَكم إِنكم إذا لخاسرون أيعدكم أَنكم إذا مِتّم وكنتم ترابا وعظاما أَنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتناالدنيا نموت ونحتا وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين} (المؤمنون 33- 38)

 

وفي محاورة أخرى يصور القرآن الكريم للبشر عظيم ضرر قرين السوء على خاتمة الإنسان وكبير شؤم الغفلة والإعراض عن طلب الحقائق والبحث والتفتيش عن المسالك المؤدية إلى الآخرة، قال تعالى: {قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أءنك لمن المصدقين أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرأه في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتُردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} (الصافات 50- 59)

وهذا هو الحال والشأن فإن كثيرا من الأمم قد شاهدت من الآيات في هذا الكون ووقفت على جملة من الحقائق في ضروب حياتها {وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم} (الذاريات 37) لكنها مع ذلك لا يهمها- سواء مِن تَعلُمِ العلمِ أو طلب المعرفة- إلا الماديات العاجلة، لم تعتبر بالحوادث وتقلبات الأيام ولم يكن منها استبصار للمستقبل: {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنّا دمرناهم وقومَهم أجمعين فتلك بيوتُهم خاويةً بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون} (النمل 51) وقال تعالى: {كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية، وجاء فرعون ومَن قبله والمؤتفكات بالخاطئة فصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة الرابية} (الحاقة 7) وإذا ما وُعظ أو نوقش اشمأز قلبه ونفر نفور الحمر.

ولقد قص الله تعالى على الناس قصة عاد وبين أن هؤلاء وُعظوا لكنهم لم يعتبروا وكانوا أهل بصر لكنهم لم يستبصروا لمستقبلهم: فقال تعالى: {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النُذرُ من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قالوا أجئتنا لتأفكنا عن ءالهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين ولقد مكناهم فيما إنّ مكنكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون} (21- 26)

وقال في موضع آخر: {وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين، وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين} (العنكبوت 38، 39). ولا زالت آثارهم باقية شاهدة تنطق بالحق.

المسلك الثالث عشر: (مسلك المشاهدة)

إن الحادثة المرتبطة بالأسباب والنتائج يهفو إليها السمع، فإذا تخللتها مواطن العبرة في أخبار الماضين كان حب الاستطلاع لمعرفتها من أقوى العوامل على رسوخ عبرتها في النفس.

والموعظة الخطابية التي تسرد سردا قد لا يجمع العقل أطرافها ولا يعي جميع ما يلقى فيها، ولكنها حين تأخذ صورة من واقع الحياة في أحداثها تتضح أهدافها ويصغي إليها المرء بشوق ولهفة ويتأثر بما فيها من عـبر وعظات.

لم يترك القرآن سبيلا لإثبات البعث بعد الموت إلا سلكه ولم يترك دليلا سواء أكان نقليا أم عقليا إلا ووضحه بأحسن توضيح وبأبلغ بيان، وإنّ مما سلكه القرآن الكريم في إثبات البعث بعد الموت مسلك المشاهدة والاستحضار لأنها طريق إلى الاعتبار ودليل قاطع وواضح على الواقع الذي لا سبيل إلى تكذيبه أو إنكاره.

لأن الإنسان بطبعه لا يكاد يمر بالأطلال والديار وبقايا الآثار إلا ويذكر عهودا قضاها فيها أناس من بـني جنسه قبله، ثم لأسباب تركوا وترحلوا عنها فتهيجه الذكرى، إما لذكرى واعتبار أو لمفارقة وترحال.

وقد ذكر عن النبي e أنه لما مرّ على ديار ثمود قال لأصحابه: (لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم مثل ما أصابهم) [85] .

ولهذا جاء في الخبر: (ليس الخبر كالمعاينة).[86] وفي الأمثال: (ليس العيان كالبيان).قال تعالى: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} (الأنعام 11). وقال تعالى: {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} (آل عمران 137) وقال تعالى: {أولم يروا كيف يبديء الله الخلق ثم يعيده إنّ ذلك على الله يسير، قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشيء النشأة الآخرة إن لله على كل شيء قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تُقلبون وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير، والذي كفروا بآيات الله ولقائه أؤلئك يئسوا من رحمتي وأؤلئك لهم عذاب أليم} (العنكبوت 19- 23).

وذلك أن السالف يترك دروسا وعبرا للخالف، كما حصل لقوم لوط حيث قال الله عنهم: {ثم دمرنا الآخرين} (الصافات 136)

ثم خاطب عقب ذلك مباشرة  كفار قريش حيث كانوا يمرون على ديارهم وديار غيرهم من الأمم البائدة: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون} (الصافات 137، 138)

 

ثم بين ما اشتمل عليه مساكنهم من العظات والعبر فقال تعالى: {ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون} (العنكبوت 35) وقال تعالى: {وعادا وثمود وقد تبـين لكم من مساكنهم} (العنكبوت 38)

ثم أمر الناس بتلقي الدروس من تلك العواقب والمصاير، وقد قيل: العاقل من اعتبر بغيره فقال: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعلمون} (يونس 14).

 

ثم وبخ الله تعالى المكذبين المعاندين بعدم اعتبارهم ونفعهم بما سلف فقال: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} (يوسف 109) وقال تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها} (محمد e 10)

 

فإذا لم تكن هناك يقظة واعتبار دل ذلك إما على المكابرة والعناد المذموم أو الغفلة الممقوتة عند ئذ تأتي الصفعة المؤلمة وأنى له الذكـرى قال تعالى: {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا مـن قبلهم قل فانتظروا إني معكم من النتظرين} (يونس 102) وقال تعالى: {انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} (المائدة 75).

 

المسلك الرابع عشر: (مسلك الاعتبار والاستبصار)

لقد توالت آيات الكتاب العزيز على الاعتبار بكل ما في هذا الكون، فقال تعالى: {والله أنزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض بعد موتها إنّ في ذلك لآية لقوم يسمعون، وإنّ لكم في الأنعام لعبرة نُسقيكم مما في بطونه من بين فَرْثٍ ودمٍ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين} (النحل 65، 66) وقال تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون} (المؤمنون 21)  وقال تعالى: {يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} (النور 44) وقال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {والذاريات ذروا فالحاملات وِقرا فالجاريات يُسرا فالمقسمات أمرا إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع والسماء ذات الحُبُك إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أُفك قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون يسألون أيّان يوم الدين يوم هم على النار يُفتنون ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون} (الذاريات 1- 14).وقال تعالى: {وفي الأرض آيات للموقنين} (الذاريات 20).

لا سيما الاعتبار والاستبصار بحال الإنسان نفسه ليصل إلى الاعتراف بوجوب البعث بعد الموت كما قال تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} (الذاريات 21)

والاستبصار في النفس هو بمعنى نظر الإنسان في حال نفسه، قال تعالى: {فلينظر الإنسان مما خلق} (الطارق) وقال تعالى: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} (عبس) وقال U: {واتقوا يوما تُرجعون فيه إلى الله ثم تُوفى كل نفس ما كسبت وهو لا يُظلمون}(البقرة 281).

 

وقد دلت الآيات أن لكل إنسان في هذه الحياة أهـدافاً ثلاثة، فمِن ثَم وجه الله تعالى تساؤلات لهذا الإنسان ليستبصر في مستقبل حياته ومصيره ومقره الأخـير:

 

1- قال تعالى: {فلينظر الإنسان مما خلق} (الطارق)

يقول سيد قطب: فهذه نشأة الإنسان الأولى تدل على هذه الحقيقة وتوحي بأن الإنسان ليس متروكا سدى ولا هملا ضياعا، لقد كان هذا سرا مكنونا في علم الله لا يعلمه البشر حتى كان نصف القرن الأخير حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة بطريقته، وعلى المسافة الهائلة بين المنشأ والمصير، هذه المسافة الهائلة التي يعبرها الماء الدافق إلى الإنسان الناطق توحي بأن هنالك يدا خارج ذات الإنسان هي التي تدفع بهذا الشيء المائع الذي لا قِوام لـه ولا إرادة ولا قدرة، وهناك حافظ من أمر الله يحفظ ويرعى هذه النطفة المجردة من الشكل والعقل ومن الإرادة والقدرة، وهي تحتوي من العجائب أضعاف ما يعرض للإنسان من العجائب مِن مولده إلى مماته.

هذه الخلية الواحدة الملقحة لا تكاد ترى بالمجهر تبدأ في الحال بمجرد استقرارها في الرحم في عملية بحث عن الغذاء حيث تزودها اليد الحافظة بخاصة أكالة تحوّل بها جدار الرحم حولها إلى بِركة من الدم السائل المعَد للغذاء.

وبمجرد اطمئنانها على غذائها تبدأ في عملية جديدة عملية انقسام مستمرة تنشأ عنها خلايا وتعرف هذه الخلية "الساذجة" التي لا قوام لها ولا تعرف ماذا هي فاعلة وماذا هي تريد حيث تُزوّدها اليد الحافظة بالهدى والمعرفة والقدرة والإرادة التي تعرف بها الطريق ؟، وإذا بهذه الخلايا تعرف وظيفتها وطريقها فينطلق كل مجموعة منها بوظيفة يخصها لبناء هذا الإنسان دون أن تخطيء طريقها في هذه المتاهة الهائلة.

فمن ترى قال لها: إن هذا الجهاز يحتاج إلى عين في هذا المكان دون سواه ؟ إنه الحافظ الأعلى الذي يرعاها ويوجهها ويهديها إلى طريقها في المتاهة التي لا هادي لها إلا الله.

وكل خلية تعمل في نطاق ترسمه لها مجموعة معينة هي وحدات الوراثة الحافظة لخصائص نوع الإنسان فحسب دون غيره كذلك خصائص الأجداد.

فمن ذا الذي أودعها هذه القدرة وعلمها ذلك التعليم ؟ وهي الخلية الساذجة لا عقل ولا إدراك ولا إرادة لها إنه الله علمها ما يعجز الإنسان كله عن تصميمه لو وكِل إليه تصميم عين أو جزء من عين، بينما خلية واحدة منه أو عدة خلايا ساذجة تقوم بهذا العمل العظيم.

وراء هذه اللمحة الخاطفة عن صور الرحلة الطويلة العجيبة بين الماء الدافق والإنسان الناطق حشود لا تحصى من العجائب في خصائص الأجهزة والأعضاء تشهد كلها بالتقدير والتدبير وباليد الحافظة الهادية، وتؤكد الحقيقة الأولى التي أقسم الله عليها بالسماء والطارق، كما تمهد للحقيقة التالية حقيقة النشأة الآخرة التي لا يصدقها المشركون.

{إنه على رَجعِه لقادر} (الطارق 8).تشهد النشأة الأولى بقدرته كما تشهد بتقديره وتدبيره، فهذه النشأة البالغة الدقة والحكمة تذهب كلها عبثاً إذا لم تكن هناك رجعة لتختبر السرائر وتجزي جزاءها العادل، وتتكشف وتظهر كما ينفذ الطارق من خلال الظلام الساتر، كذلك تبلى السرائر ويضاعف شدة الموقف يوم يتجرد الإنسان من كل قوة ومن كل ناصر [87].

وبعد تقرير تلك الحقيقة الكبيرة يعجب السياق في مقطع آخر من أمر هذا الإنسان الذي يعرض عن الهدى ويستغني عن الإيمان ويستعلي على الدعوة إلى ربه، يعجب من أمره وكفره وهو لا يذكر مصدر وجوده وأصل نشأته ولا يرى عناية الله على كل مرحلة من مراحل نشأته في الأولى والآخرة {قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره...} (عبس 17- 21) فليس متروكا سدى ولا ذاهبا بلا حساب ولا جزاء، فهل مثل هذه الموعظة البليغة القارعة تهيئه وتعده لهذا الأمر ؟ [88].

فتلك هي حقيقة نشأة هذا الإنسان، وإذا أراد زيادة التحقيق والاستبصار، فهلا نظر إلى أقرب شيء إليه إلى طعامه وطعام أنعامه في هذه الرحلة وهي شيء واحـد من أشياء يسرها له خالقه: {فلينظر الإنسان إلى طعامه أننا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غُلبا وفاكهة وأبّا متاعا لكم ولأنعامكم} (عبس 24- 32).

فمن الذي شق الأرض الصلبة بعد سقيها بالماء لهذا النبت الضعيف الضئيل، بل لا يزعم أحد أنه أنشأ هذا الماء في أي صورة من صوره ولا أنه صبه على الأرض صبا، ثم بها تنبت أصنافا وأنواعا من النبات وكلها تسقى بماء واحد ثم يتفاضل بعضها على بعض في الأُكل: {وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزع ونخيل صِنوان وغير صِنوان يسقى بماء واحد ونُفضِل بعضها على بعض في الأُكُل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون، وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا ترابا أءنا لفي خلق جديد…} (الرعد 2) فهل لهذا العبد الضعيف مِن يَـدٍ فيها أو تدبـير لأمرها ؟ وهي معجـزة كمعجـزة خلقـه ونشأته وكل خطـوة من خطواتها بيد القـدرة التي أبدعته [89].

 

2- قال  U: {قال كم لبثتم في الأرض عـدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسئل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ؟ فتعالى الله الملك الحق} (المؤمنون 112- 116). وقال تعالى: {ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} (الأعراف 129). وقال تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} (الكهف 7).

في الآيات الكريمات بيان واضح ما لأجله خلق الإنسان، كأن الله تعالى يسأل هذا الإنسان: لماذا خلقت أيها الإنسان ؟ ما هي الحكمة من خلقك ومن وجودك ؟.

فجاءت الإجابة من الله تعالى واضحة على هذا التساؤل في آية أخرى وهو في قوله تعال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} (الذرايات 56- 58).

يقول سيد قطب: إنّ هذا النص ليحتوي حقيقة ضخمة هائلة من أضخم الحقائق الكونية التي لا تستقيم حياة البشر في الأرض بدون إدراكها واستيقانها سواء كانت حياة فرد أم جماعة أم حياة الإنسان كلها في جميع أدوارها وأعصارها، وهذا النص ليفتح جوانب متعددة من المعاني والمقاصد تندرج كلها تحت هذه الحقيقة الضخمة التي تُعد حجر الأساس الذي تقوم عليه الحياة:

وأول جانب من جوانب هذه الحقيقة أن هنا غاية معينة لوجود الجن والإنس تتمثل في وظيفة من قام بها وأداها فقد حقق غاية وجوده، ومن قصر فيها أو نكل عنها فقد أبطل غاية وجوده وأصبح بلا وظيفة وباتت حياته فارغة من القصد الذي تستمد منه قيمتها الأولى وحاد عن حكمة وجوده وانتهى إلى الضياع المطلق.

وهذه الوظيفة المعينة التي تربط الجن والإنس بحكمة الوجود ولتستقيم حياة العبد كلها على أساس هذا الاعتبار هي:

أن يكون هناك رب يُعبَد عبد يَعْبُد، ومِن ثَم يتجلى غاية الوجود الإنساني أو الوظيفة الإنسانية الأولى.

وهذه الحقيقة تتمثل في أمرين رئيسين:

الأول: هو استقرار معنى العبودية لله في النفس استقرارا يشعر بأن هناك عبد يَعبُد ورب يُعبَد وأن ليس وراء ذلك شيء وأن ليس في هذا الوجود إلا رب واحد والكل عبيد له.

 

الثاني: هو التوجه إلى الله توجها خالصا بكل حركة في الضمير وبكل حركة في الجوارح وبكل حركة في الحياة والتجرد من كل شعور آخر، وبهذا يتحقق معنى العبادة والعبودية، وعندئذ يعيش الإنسان في هذه الأرض وهو يشعر بأن هناك رباً كلفه بوظيفة يجب القيام بها.

وإذا كانت البشرية لا تدرك هذه المشاعر ولا تتذوقها، دل على أنها لم تعش كما عاش جيل محمد e ولم تستقم كما استقام جيل القرآن ولم تستمد قواعد حياتها من ذلك الدستور العظيم ويتكرر السؤال والإجابة عليه { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ؟ } [90]. وقال تعالى: {إنا إلينا إيابهم ثم إنّ علينا حسابهم} (الغاشية 25، 26).

 

3- قال U: {واتقوا يوما تُرجعون فيه إلى الله ثم تُوفى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون} (البقرة 281).

في الآية بيان المقر الأخير الذي من أجله خلق الإنسان بل خلقت الدنيا كما يقول سيد قطب: إنه التصفية الكبرى للماضي جميعه بكل مافيه [91] وهذا أمر متفق عليه لدى البشر أن الابتلاء أو الامتحان يعقبه جزاء وإلا لكان الخلق والتكليف والابتلاء عبثا وهو محال على الله تعالى.

 

المسلك الخامس عشر: (مسلك  التقصي  والاستقراء)

التقصي هو: تتبع الأثر.

والاستقراء كما قال السيد الجرجاني: هو الحكم على كلي لوجوده في أكثر جزئياته، وإنما قال في أكثر جزئياته لأن الحكم لو كان في جميع جزئياته لم يكن استقراءً بل قياسا مقسما ويسمى هذا استقراء، لأن مقدماته لا تحصل إلا بتتبع الجزئيات كقولنا: كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ، لأن الإنسان والبهائم والسباع كذلك، وهو استقراء ناقص لا يفيد اليقين لجواز وجود جزئي لم يستقرأ ويكون حكمه مخالفا لما استقريء كالتمساح فإنه يحرك فكه الأعلى عند المضغ [92]

فإذا امتنع حصول القناعة بالنقل، أو عجز العقل عن الوصول إلى الغاية، فطريق التتبع والاستقراء فسيح مفتوح مبسط وهو من الوسائل الموصلة إلى الواقع والحقائق التي لا محيد عنها.

ولقد وجه الله تعالى المعرضين إلى الاستبصار والاستنتاج فقال تعالى: {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال} (إبراهيم 45) وقال تعالى: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} (الأنعام 11). وقال تعالى: {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} (آل عمران 137) وقال تعالى: {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} (الأعراف 86) وقال تعالى: {أولم يروا كيف يبديء الله الخلق ثم يعيده إنّ ذلك على الله يسير، قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشيء النشأة الآخرة إن لله على كل شيء قدير} (العنكبوت 19- 23)

دلت الآيات على الأمر بتتبع الآثار فإن للحوادث آثار ومعالم وهي لا تخلو من نتائج قال تعالى: {ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون} (العنكبوت 35) وقال تعالى: {وعادا وثمود وقد تبـين لكم من مساكنهم} (العنكبوت 38) .

والعاقل من يتبصر ثم يستنتج العبر والعظات من أسباب الهلاك والدمار على مختلف أشكاله وألوانه وأن وراء هذا يكمن سر في هذا الكون، وإن لنا في دنيانا هذه عبرا وعظات فإن الجرائم قد تكون في نوعيتها وماهيتها وذاتها متحدة أو متقاربة متشابهة لكن العقاب عليها يتفاوت من شخص لآخر.

فكون الهلاك وقع لأمم كثيرة وعلى أحوال وأوجه متغايرة يدل على نفي القول بالطبيعة وبالتالي يدل على وجود أمر هام خلف المعاقبة الإلهية الواسعة، وأن الهلاك سببه المخالفة الإلهية الناتجة عن إنكار البعث الناتج عن الكفر بالله تعالى، وأن هلاك الأمم ودمارها على أحوال وأوجه متغايرة ليرفع الإنسان رأسه لمعرفة أسباب ذلك، وفي هذا يقول الله تعالى: {وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من اغرقنا} (العنكبوت 39) وقال تعالى: {فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية} (الحاقة 5) وقال عن قـوم لوط u: {فلما جـاء أمـرنا جعلنا عاليها سافلـها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضـود} (هود 82) [93]

 

 

المسلك السادس عشر: (مسلك الاستدلال بالنماء والازدياد والتطور)

قال تعالى: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباتُه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} (الحديد 20)

اقتضت حكمة الله أن خلق الأرض جرداء قفراء فأول ما أسكن عليها من البشر آدم u وأمره بعمارتها ثم ضم إليه زوجه حواء عليها السلام، ثم قدر بينهما بالتناسل زوجين من ذكر وأنثى، ثم أمرهما الله بتزويج الذكر بالأنثى لنشر الجنس البشري، قال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا} (النساء 1).

وبين في موضع آخر السر والسبب من هذا النماء فقال تعالى: {قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تُحشرون} (الملك 24) وقال تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار لعلكم تشكرون} (النحل 78).

وهكذا بحكمة الله تعالى أخذت الأرض زخرفها وازينت تعمر وتزدهر، والحياة في النماء والازدياد والتكاثر.

وجرت سنة الله في الكون إذا طال الأمد على الناس قست قلوبهم كذبوا رسل الله وزاغوا عن الحق وانحرفوا عن الجادة فيحق القول عليهم بالهلاك والدمار، ثم يعقب الدمار والهلاك بناء وعمار وازدهار ونماء وهكذا، وصدق الله إذ يقول: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفص الآيات لقوم يتفكرون} (يونس 24)

وقال على لسان هود u يذكّر قومه بعاقبة قوم نوح:{واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطه} (الأعراف 69)

ويذكّر صالح u قومه بعاقبة قوم هود: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكورا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين} (الأعراف 74)

ويذكّر شعيب u قومه بعاقبة مَن سبقهم من الأمم ليعتبروا: {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} (الأعراف 86)

وقال تعالى في حق بني إسرائيل: {فإذا جاء وعد أولهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا، ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا} (الإسراء 5، 6).

هذا التواتر القطعي على ألسنة الأنبياء والرسل فيه دلالة قطعية على أن وراء هذا الكون سر ألا وهو ما جاء في قوله تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض ومابينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} (ص 27) وقال تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون، إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين} (الدخان 38)

ليستدل الإنسان بحوادث ما حوله على حدوث هذا العالم وتغيره وعلى قدرة الله تعالى في تصرفه المطلق مِلكا ومُلكا في هذا الكون

ومن جملة ذلك بعث الناس أحياء بعد الموت كما كانوا لتتحقق الحكمة الإلهية من خلق هذا الكون، وما من إنسان على وجه هذه الأرض إلا ويشاهد هذا الأمر بعينيه، ولو رجع قليلا إلى الوراء ليقارن العالم والأمم على محتلف مراحلها بما بعد ذلك ليجد أن الفرق كبير والبون شاسع.

 

يقول سيد قطب: خاطب الله تعالى كل منكرٍ لله ولقائه خطابٌ دليله هذا الكون ومجاله السماء والأرض، ومشاهد هذا الكون وظواهره حاضرة أبدا، إنهم يرون كيف يبديء الله الخلق في النبتة النامية وفي البيضة والجنين وفي كل مالم يكن ثم يكون، صنع الله يبديء الخلق تحت أعين الناس وإدراكهم وهم يرون ولا يملكون الإنكار، فإن كانوا يرون إنشاء الخلق بأعينهم فالذي أنشأ يعيده، قال تعالى: {أولم يروا كيف يبديء الله الخلق ثم يعيده إنّ ذلك على الله يسير، قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشيء النشأة الآخرة إن لله على كل شيء قدير} (العنكبوت 19- 23)

وتتبع صنع الله وآياته في الخلق والإنشاء في الجامد والحي سواء والسير في الأرض يفتح العين والقلب على المشاهد الجديدة التي لم تألفها العين ولم يملها القلب وهي لفتة عميقة إلى حقيقة دقيقة، وإن الإنسان ليعيش في المكان الذي ألفه فلا يكاد ينتبه إلى شيء من مشاهده أو عجائبه حتى إذا سافر وتنقل وساح واستيقظ حسه وقلبه إلى كل مشهد وإلى كل مظهر، مما كان يمر على مثله أو أروع منه في موطنه دون التفات ولا انتباه، وربما عاد إلى موطنه بحس جديد وروح جديد ليبحث ويتأمل ويعجب ما لم يكن يهتم به قبل سفره.

إن التعـبير بلفظ الماضي {كيف بدأ الخلق} بعد الأمر بالسير في الأرض لينظر في الأرض ما يدل على نشأة الحياة الأولى وكيف بدء الخليقة فيها، كالحفريات التي يتتبعها العلماء اليوم ليعرفوا منها خط الحياة كيف نشأت وكيف انتشرت وكيف ارتقت ؟ ويكون ذلك توجيها من الله للبحث عن النشأة الأولى والاستدلال به عند معرفتها على النشأة الآخرة [94]

 

والعجيب أن الأمم الغربية والشرقية ومن كان على شاكلتها قد اهتمت بجانب تطور الأمم عددا وعُدةً وحضارة وعمرانا واقتصادا، وأنشأة جامعات ومعاهد ومراكز تعكف على رصد التغيرات والحوادث بحثا ودراسة وتحليلا وتعليلا، لكنها لم تقف لحظة لمعرفة السر في ذلك أو تحاول الاهتداء والوصول إلى حقيقة قول الله تعالى: {حتى يتـبين لهم أنه الحق} (فصلت 53)..

 

المسلك السابع عشر: (مسلك المقابلة)

المقابلة كما قال الرزكشي: هي ذكر الشيء مع ما يوازية في بعض صفاته ويخالفه في بعضها، وهي من باب المفاعلة كالمقابلة والمضاربة، وهي قريبة من الطباق [95]

والقصد من المقابلة هو معرفة مدى تأثير أحدهما الأجناس في الآخر في عمل معين، وإذا ثبت أن التأثير لواحد منهما كان لـه فضل التقديم على غيره، ولذا عرف الراغب المقابلة هو: معرفة قدر الشيء [96]

وكانت المقابلة من الاستدلال القرآنية في إثبات عقيدة اللبعث بعد الموت لأن المشركين كانوا يعبدون أحجارا يصنعونها أو مخلوقات لله تعالى خلقها وكانوا يعتقدون أن لها تأثيرا في الإيجاد أو في الشر يمنع أو الخير يجلب فكانت المقابلة بين الذات العلية وبين ما ابتدعوا من عبادة الأوثان مسلكا للإستدلال على بطلان ما زعموا

فمن المقابلات القرآنية التي دلت على البعث وكان فيها رد على أوهام للكافرين في قوله تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير، ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}.(الأحقاف 33).

والمقابة هنا بيين إنشاء اجياء ابتداء واخق والتكوين من غير سابق وأن القدرة فيه كانت ولم يعى بخلقهن، وبين الإعادة للأجسام التي خلقت ثم صارت رميما وأنه إذا كانت قد وجدت فالثانية قد تجيء، وهي تجيء إذا أخبر بها الله تعالى.

وأنه بهذه المقابلة بين الإنشاء والإعادة وبين الخلق من غير أصل سابق، والإعادة ينتهي به ذو العقل الرشيد إلى الحكم بأن البعث ممكن في ذاته وأنه واجب الاعتقاد لأن الله تعالى أخبر به {وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد} (الرعد 5)

ومن الآيات الدالة على أن الله خالق كل شيء وأعتمدت الدلالة فيها على المقابلة قوله تعالى: {نحن خلقناكم فلولا تصدقون،أفرأيتم ما تمنون،أءنتم تخلقونه أم نحن الخالقون،نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين،على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون،ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون، أفرأيتم ما تحرثون،أءنتم تزرعونه أم نحن الزارعون،لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون، إنا لمغرمون، بل نحن محرومون، أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم  أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون، لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون، أفرأيتم النار التي تورون، أءنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون، نحن جعلناها تذكرة وماع للمقوين، فسبح باسم ربك العظيم} (الواقعة 57- 74).

ونجد من هذه المقابلة بين إنشاء الخالق وعجز الإنسان ما يدل على أنه هو الذي خلق وأنه العليم بما خلق.

 

هذه جملة من مسالك القرآن الكريم في إثبات البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال.

 

ثم ينتقل البحث إلى إقناع الإنسان في أمر البعث بعد الموت بذكر شيء من الأدلة العقلية، وهي تعد بمثابة إتمام لما سبق وإلا ما سبق ذكره فيه الكفاية والمقنع.

 

 


 

 

 

 

 

الفصل الثاني

 

الأدلة العقليـــة

 


 

الفصل الثاني:                                     الأدلة العقليـــة   وتحته ستة مسالك.

توطئة:

إن الناظر في حال منكري البعث لا سيما اليوم على مختلف مللهم ونحلهم وطبقاتهم فكريا واجتماعيا وثقافيا ليجد أنهم قد عطلوا العقل الذي جعله الله تعالى أداة وسيلة للوصول إلى معرفته، يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة، وذلك لغرقهم في الماديات وَوَلعهم بالحضارة الحديثة وصب جهودهم حول إكمال كماليات متع الدنيا ولذائذها على أنها هي الحياة فحسب، وإيمانهم بنظرياتهم إيمان مبدأً ومنتـهى فحسب، حتى جعلهم يفقدون معها مقـومات العقل السليم الذي يقبل أحكامه التي يصدرها على الأشياء نفيا أو إثباتا وجودا وعدما، قال U: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون، إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون، إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} (يونس 5- 8).[97]

يقول ابن سعدي: أظهروا من العجائب الذرية والكهربائية والمراكب البرية والبحرية والهوائية ما فاقوا به وبرزوا وأعجبوا عقولهم ورأوا غيرهم عاجزا عما أقدرهم الله عليه، فنظروا إليهم بعين الاحتقار والازدراء، وهم مع ذلك أبلد الناس في أمر دينهم وأشدهم غفلة عن آخرتهم وأقلهم معرفـة بالعواقب، ولو نظروا إلى ما أعطاهم الله وأقدرهم عليه من الأفكار الدقيقة في الدنيا وظاهرها وما حرموا من العقل العالي، لعرفوا أن الأمر لله وإن هو إلا توفيقه أو خذلانه، وهذه الأمور لو قارنوها الإيمان وبنيت عليه لأثمرت الرقي العالي والحياة الطيبة ولكنها لما بني كثير منها على الإلحاد لم تثمر إلا هبوط الأخلاق [98].وصدق الله حيث يقول: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق  الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون، أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، ثم كان عاقبة الذين أساءوا السُوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون، الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون} (الروم 6- 11).

فحصل لديهم تخلف ظاهر عن معرفة الكتب السماوية، بل بعضهم على علمه وتوسطه أو تربعه ميادين النظريات التربوية الحديثة- على حد زعمه- ينكر أن تكون هناك مجازاة على الأعمال: {بل ادّراك علمهم في الآخـرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون} (النمل 66).

فمن ثم لا تجدي أو تنفع مع أمثال هؤلاء أدلة نقلية، ذلك لأنهم لا يقرون بالقرآن ولا بمن أنزل ولا بمن أُنزل عليه، {أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين} (الزخرف 5) لا بل لا بد من تقديم أدلة عقلية مستنبطة من القرآن الكريم تؤيد واقعهم الذي هم يعيشون فيه، لتثبت لهم وجود يوم يتم فيه الجزاء الكامل على ما عمل الإنسان في الدنيا.

ولقد ساق القرآن الكريم شيئا كثيرا من الأدلة العقلية لإثبات البعث بعد الموت، وخاطب العقل لمعرفة أسرار هذا الكون وسبب وجود الإنسان ومستقره، ليصل آخر المطاف إلى الإيمان بالبعث والتصديق بالمعاد.

 

فمن هذه الأدلة العقلية على إمكان وقوع البعث والمعاد:

المسلك الأول: (الاستدلال بأن حكمة الله وعدله يقتضيان البعث والجزاء):

لقد اقتضت حكمة الله أن يخلق الإنسان متميزا في خَلْقِه وخُلُقِه وتكوينه، لغاية أسمى ورسالة أرسى يقوم بها في الدنيا، ومن أجل ذلك تمت إرادة الله من خلق هذه الدنيا لتكون دار عمل واختبار للإنسان، ثم ليجزاه الجزاء الأوفى على ما قدم في دار الجزاء العادل.

وقد عُلِم بالضرورة أنّ الناس يعيشون في هذه الدنيا متفاوتين تفاوتا كبيرا في أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم سعادة وشقاءً، كما قال تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سِخريا ورحمت ربك خـير مما يجمعون} (الزخرف 32). فمنهم الصحيح السليم ومنهم السقيم المريض، ومنهم الغـني المترف ومنهم الفقير المعدم، ومنهم العزيز ومنهم الذليل، وفيهم سُذّج منعمون وأخيار معذبون، وكلهم راحلون عن الدنيا، فلو أنهم يفنون بانقضاء آجالهم ولا يبعثون لكان ذلك منافيا للحكـمة مجانبا للعـدل والرحمة.وكان خلقا عبثا وهـو محال على الله، كما قال U : {أفحسبتم أنما خلـقناكم عبثا وأنـكم إلينا لا ترجعـون}.(المؤمنون 115). وقال U: { .تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة لِيبلُوكم أيكم أحسن عملا…} (الملك)

وإنّ أصحاب الفطر السليمة والعقول السديدة فضلا عن المؤمنة الموقنة، لَيُوقِنون بأنه إذا تحقق الامتحان الموعود والابتلاء المطلوب فلا بد من الجزاء على ذلك، ومِن أجل ذلك بعث الله تعالى الرسل مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق، لِيبعث الخلائق بعد موتهم وفنائهم أحياء كما كانوا يوم بدأ الله خلقهم، لمجازاة المكلفين منهم بما قدموا من الأعمال.

وقد دلت على الجزاء وجوبا آيات كثيرة منها:

قول الله U {أيحسب الإنسان أن يترك سُدى ؟ }.(القيامة 36). وقوله U: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت، بلى وعداً عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ليُبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين}.(النحل 38، 39).[99].

ثم بين الله تعالى مقر هذا الجزاء على الأعمال ووقته فقال: {وإنما توفون أجوركم يوم القيامة}.(آل عمران 185).

ومِن هنا قضى الله بالبعث والجزاء وحكم بهما، فَهُمَا كائنان لا محالة، فقد أمر الله رسوله e أن يقسم للمنكرين- الأشقياء- عليهما في قوله تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يُبعثوا، قل بلى وربي لتُبعثُن ثم لتُنبئون بما عملتم وذلك على الله يسير}.(التغابن 7).

المسلك الثـاني: (الاستدلال بالتكاليف الشرعية).

لقد كانت الحياة في نظر المنكرين للبعث بعد الموت حركة لا هدف لها وغايـة لا حكمة من ورائها، إنما هي أرحام تدفع وقبور تبلع، وبين هاتين لهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد.

وهذا مخالف عقلا ونقلا لحكمة الله وعدله، ويدل على ذلك خلق الإنسان في أحسن تقويم وشعوره بخصال تمـيزه عن سائر المخلوقات التي فقدت هذا الشعور، قال U: {ولقد كرمنا بـني آدم وحملناهم في الـبر والبحـر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (الإسراء 70).

إذ لو كان الغرض كما في نظر القوم، لَما كان لخلق الإنسان بهذه الكيفية المتميزة معنى وحاجة، وصدق الله إذ يقول: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك كلا بل تكذبون بالدين…} (الانفطار). ويقول : U{ P والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه اسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين} (التين).ويقـول الله تعالى: {أيحسـب الإنسان أن يتـرك سـدى}.(القيامة 36).ويقول U : {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون}.(المؤمنون 115).

كما أن هذا مخالف لِما تعارف عليه البشر قاطبة قديما وحديثا مِن وضع الحدود لتمنع المعتدين من التعدي والطغيان، وإقامة سلطان يقتص من الظالمين، وهذه الحدود من جملة الأوامر والنواهي والتكاليف الشرعية التي شرعها الحكيم الخبـير بأحوال الناس وإن اختلفت مفاهيمهم في ذلك.

بل قد حكم الله على مبتغي الفوضى والفساد بالتخلف البشري واعتبره سبحانه عملا جاهليا ممقوتا منبوذا، كما قال تعالى: {أفحـكم الجاهلية يبغـون ومـن أحسـن مـن الله حكـما لقوم يوقنون} (المائدة 50).

ولقد حَكَم الله تعالى على من لا يقـيم هذه الحدود سواء كان من أهل الكتاب أو من المسلمين بالكفر والظلم والفسق فقال: {انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استُحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون، وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين} (المائدة 44- 46).

وأمر أهل الكتاب بإقامة هذه الحدود فقال تعالى: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم ببما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} (المائدة 47).

وأمر خاتم الأنبياء والمرسلين محمد r مِن بعدهم بمواصلة هذا التنفيذ فقال: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شِرعة ومنهاجا..} (المائدة 48).وقال: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} (المائدة49).

ومن أجل ذلك- أقر من أقر وأنكر من أنكر- رسم الله الحدود، وأوجب القصاص والقطع والرجم والجلد وغير ذلك.

فلو لم يترتب الجزاء على اختلاف سلوك الناس في هذه الحياة، أولم يتوفر جزاء كافٍ عليها في الآخرة، لكان القيام بها عبثا وهذا محال على الله، وخُلْفٌ لميعاده، والله لا يخلف الميعاد.[100].

المسلك الثـالـث: (الاستدلال باختلاف سلوك الناس في هذه الحياة).

قال الله U {إنّ سعيكم لشتى، فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب الحسنى فسنيسره للعسرى}.(الليل (4- 10).وقال تعالى: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} آل عمران 152).وقال تعالى: {ها أنتم هؤلاء تُدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه..} (محمد r 38).

إنّ الناس يعيشون في هذه الدنيا متفاوتين في سلوكهم فيما بينهم، فمنهم الظالم الغشوم، ومنهم المظلوم المهضوم، ومنهم المحسن ومنهم المسيء إلى غير ذلك من التفاوت، وإنّ الغرض من بعث الناس بعد موتهم هو إقامة العدل بينهم ومجازاتهم على أعمالهم، لعدم استكمال المجازاة في حياة الدنيا، كما قال الله U {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم}.(يونس 4).

فإن لم يكن هناك دار يقتص فيها للمظلوم ويجازى المحسن بإحسانه والمسيء على إساءته، لكان ذلك طعنا في الحكمة الإلهية في خلق هذا العالم لا سيما خلق مقرونا بالحق وبمنتهى هذه الدقة والإتقان فكل في فلك يسبحون، قال تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار، أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} (ص 27، 28). ويقول U: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} (القلم 35، 36).

كما أن الله تعالى يذكر عن هذه الدنيا بأنها دار غرور ولهو ولعب واحتيال وخداع للبشر بعضهم لبعض، فلا بد من أن ينال كل جزاءه بحسب أعماله، فقال U: {كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زُحزِح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}.(آل عمران 158).[101].

 

المسلك الرابــع: (شعور الإنسان وإحساسه بوجود حياة ثانية).

لم يثبت قـط أن البشر أجمعوا على مختلف العصور والأزمنة والأمكنة بمختلف أفكارهم ومعتقداتهم على إنكار البعث والمعاد قطعا، بل يحسون ويشعرون في قرارة أنفسهم بوجود حياة ثانية- وإن اختلفت أنظارهم ومعتقداتهم في ذلك- يلقى الإنسان فيها الجزاء على ما قدم من عمل، كما قال U: {كل نفس بما كسبت رهينة.} (المدثر 38).[102].فعدم الإجماع وهذا الشعور العام الذي ينازع النفس ويخالجها دال على وجود حياة ثانية، حتى وإن غالط الإنسان نفسه وتصور تصورا باطلا، كما قال الله U: {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} (القيامة 14، 15).

إذ لا يمكن أن يعم أفراد البشر شعور ولا يكون لـه حقيقة في الخارج كشعور الإنسان بالطعام والشراب، كالطفل حين يولد يبحث عن الثدي وحين بعد الفطام يطلب الغذاء على حين أنه لم ير ولم يُخـبر عن الغذاء ولم يتحقق من وجوده، فهذا الشعور دال على وجود طعام وشراب في الخارج لسد جوعه وإرواء ظمئه، قال U: {والذي قدر فهدى} (الأعلى 3). وقال تعالى: {ولقد جاءهم من ربهم الهدى، أم للإنسان ما تمنى} (النجم 23، 24).

فقد وُجد فى الكفرة من يقر بالبعث والجزاء ويعترف بوجود حياة أخـروية، ومصداق هذا قول الله U: {أم لم ينـأ بما في صحف موسى، وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأنّ سعيه سوف يُرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأنّ إلى ربك المنتهى} (النجم 36- 42).

قال أحدهم: إن الدين ومكارم الأخلاق هما شيء واحد، لا يقبلان الانفصال، وأن الأخلاق من غير دين عبث، ولا وجـود للأخلاق بدون ثلاثة أشياء: وجود الإله، وخلود الروح، والحساب بعد الموت. [103]

 

المسلك الخامس: (اختلاف الناس لا ينتـهي إلا بالبعث والمعاد)

إنّ الناس في الدنيا أبدا مختلفون واختلافهم لا يوجب انقلاب الحق في نفسه، فلا بد من يوم ينتهي فيه الخلاف ويُحسم فيه النزاع بين يدي الله سبحانه وتعالى، قال U {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله مَن يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ليبين لهم الذي يختلفون فيه ولِيعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} (النحل 38، 39).

تقرير ذلك ما ذكر الزركشي في البرهان عن ابن السيد قوله: إنّ اختلاف المختلفين في الحق لا يوجب انقلاب الحق في نفسه، وإنما تختلف الطرق الموصلة إليه، والحق في نفسه واحد، فلما ثبت أن هاهنا حقيقة موجودة لا محالة، وكان لا سبيل لنا في حياتنا هذه إلى الوقوف عليها وقوفا يوجب الائتلاف، ويرفع عنا الاختلاف، إذ كان الاختلاف مركوزا في فِطَرِنا، وكان لا يمكن ارتفاعه وزواله إلا بارتفاع هذه الجِبلّة ونقلها إلى جِبلّة غيرها، صح ضرورة أن لنا حياة أخرى غير هذه الحياة، فيها يرتفع الخلاف والعناد، وهذه هي الحالة التي وعد الله بالمصير إليها، فقال: {ونزعنا ما في صدورهم من غِلّ..} (الحجر 47).[104] .

فقد صار الخلاف الموجود كما ترى أوضح دليل على كون البعث الذي ينكره المنكرون [105]

 


 

المسلك السادس: (ما يراه النائم في المنام).

إنّ الرؤيا في المنام جزء من أجزاء النبوة قال r: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة ) وقال: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) قالوا: والمبشرات ؟، قال: (الرؤيا الصالحة) [106]

وهي من عالم البرزخ وعالم البرزخ غير عالم الدنيا، وإنّ رؤية الناس في المنام للأموات في كل زمان ومكان والتحدث معهم في مختلف الأمور، ورؤية بعضهم على أحسن حال وبعضهم على أردئــه، ومعرفة أحوالهم وسؤالهم، وإعطائهم أو الأخذ منهم، وإخبار الأمواتِ الرائيَ عن أمور غيبية تكون طبق ما أخبر به، حتى إن بعضهم ليخيل إليه في النوم أنه قد مات أو أن فلانا لم يمت أو أن فلانا قد مات، أو شعور الرائي أنه دخل الجنة أو النار، وشعور بعضهم بالسعادة أو بالشقاوة، كل هذا دال على وجود حياة ثانية غير حياة الدنيا.

 

وأخــيرا: لا شك في أن الإيمان بالله عز وجل وبرسوله e هو العامل الأساسي على الإيقان بالبعث والنشور، وأنّ الشك في أخبار الله وأخبار رسوله e نوع من الوساوس الشيطانية، ونوع من المرض النفسي والهبوط الشخصي والاختلال العقلي الذي يؤدي إلى إنكار البعث والمعاد نسأل الله العصمة الوقاية من ذلك.


 

(خــاتمـة)

من خلال عرضنا لموضوع: (منهج القرآن الكريم في إثبات عقيدة البعث) نستنبط ما يلي:

1-               لا شك في وجوب وجود حياة ثانية حياة أبدية، يتم فيها الحساب والجزاء على الأعمال.

2-               إنّ هذه الحياة الدنيوية إنما هي بمثابة مزرعة وتمهيد للحياة الأخرى الحياة الحقيقية.

3-      يتفق النقل والعقل على وجوب وجود حياة أخرى، وقد قالت العرب قديما: البعرة تدل على البعير ، والأثر يدل على المسير، ووجود الإنسان بعد أن لم يكن شيئا يدل على مُوجِدٍ له.

4-               إنّ الفطرة الإنسانية السليمة تشعر بأن وراء الإنسان حياة أخرى ينتظرها ليحاسب فيها.

5-               إنّ إنكار البعث دليل على فساد العقل وانعدام الفهم، وفقدان لمقومات الإنسانية ومخالفة للفطرة السليمة.

6-      إن وجود الخير والشر دليل على وجود البعث والجزاء، وقد وجدا ضرورة، فإنكار البعث إنكار للخير والشر وهذا ما لا سبيل إليه البتة.

7-      يسلم العقل وجوبا أن من قدر على العظيم والجليل، فهو من باب أولى قادر على ما دونه، فمن قدر على حمل القنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا، ولو قال قائل - ولله المثل الأعلى-: أنه قادر على إعادة صنع بعض ما أتلفه لَصَدَق وصُدِّق، ولَرُمِيَ على معارضه بالجنون والخرافة وقلة العقل، فتعين الإيمان بالبعث وجوبا.

8-      إنّ الإيمان بالبعث والنشور والحساب ليس واجبا فحسب، بل هو جزء مكمل لعقيدة المؤمن وركن من أركان الإيمان، فلا يكمل إيمان العبد ولا يصح اعتقاده إلا بالإيمان بالعبث والجزاء.

9-               لقد ثبت بالواقع أن غالب أسباب الانتحار يقع في المجتمعات التي لا تؤمن بالبعث والمعاد.

10-          إن تربية الناشئة على الإيمان بالجزاء على الأعمال في الآخرة من الله تعالى دون مراقبة الناس، يربي فيهم الصدق والإخلاص.

 

هذا وقد صدق الإمام مسلم t حين قال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم) [107] فإنني قد بذلت جهدا كبيرا في جمع وترتيب وتنسيق مادة هذا البحث القيم المبارك، ولا أدعي العصمة والكمال، ولا عدمت أخا كريما فاضلا نصوحا ستر الزلة وأســدى النصيحة، وأسأل الله العفو والعافية والإخلاص والمثوبة والنفع، وأن يجعله في ميزان حسنات والدي إنه سميع قريب مجيب الدعوات رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


 

(المراجع والمصادر)

 

1-     القرآن الكريم.

2-     الأعلام للزركلي دار العلم للملايين بيروت لبنان ط 12 1997 م.

3-     أعلام الحديث شرح صحيح البخاري للخطاي ط 1 1409هـ تحقيق د محمد بن سعد آل سعود.

1-     البرّهان في علوم القرآن لبدر الدين الزركشي ط2 تحقيق محمد أبو الفضل نشر دار المعرفة بيروت.

2-     تربية الأولاد فى الإسلام لعبد الله علوان ط 3 1401 هـ دار السلام.

3-     التعريفات للشريف علي بن محمد الجرجاني مطبعة مصطفى الحلبي 1357 هـ

4-     تفسير الكشاف للزمخشري ط 1 1415 هـ ترتيب محمد عبد السلام شاهين دار الكتب العلمية  بيروت.

5-     تفسير القرآن العظيم لابن كثير نسخة مصححة على نسخة دار الكتب المصرية دار إحياء التراث العربي بيروت 1388 .

6-     تفسير الفخر الرازي مفاتيح الغيب ط 1 1401 هـ دار الفكر.

7-     تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر ، دار الفكر العربي، ط 1/ عن مطبعة دائرة المعارف النظامية حيدر آباد الدكن هند.

4-     تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لابن سعدي ط 5 1417 هـ مؤسسة الرسالة.

8-     الجامع لأحكام القرآن لمحمد بن أحمد القرطبي وزارة الثقافة نشر دار الكاتب العربي للطباعة القاهرة 1387 هـ.

9-      جامع البيان لابن جرير الطبري ط 2 1373 هـ مصطفى البابي

10-روح المعاني لمحمود الألوسي دار الفكر بيروت 1398 هـ.

11-رياض الصالحين لأبي زكريا النووي ط 20 1413 هـ مؤسسة الرسالة تعليق مجموعة محي الدين مستو.

12-سنن ابن ماجه ، محمد مصطفى الأعظمي، ط 1/1403، طبع شركة الطباعة العربية السعودية الرياض.

13-سنن أبي داود مراجعة وضبط محمد محي الدين عبد الحميد دار الفكر

14-السيرة النبوية لابن هشام تقديم طه سعد، ناشر مكتبة الكليات الأزهرية.

15-سورة الإسراء والأهداف التي ترمي إليها د- السيد محمد النمر ط 1 1408 هـ دار المطبوعات الحديثة جدة.

16-شعب الإيمان للبيهقي تحقيق د- عبد العلي حامد ط 1 1406 هـ الدار السلفية.

17-الصحاح للجوهري تحقيق احمد عبد الغفور عطار ط 2 1399 هـ القاهرة.

18-صحيح البخاري ضبط محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب المكتبة السلفية دار الفكر.

19-صحيح الجامع الصغير للألباني المكتب الإسلامي تحقيق زهير الشاويش ط 3 1410 هـ.

20-صحيح مسلم ضبط محمد فؤاد عبد الباقي مطبعة دار احياء الكتب العربية.

21-العقيدة الطحاوية للإمام الطحاوي تحقيق الألباني المكتب الإسلامي زهير الشاويش ط 1400 هـ

22-العلمانية د- سفر الحوالي دار مكة ط 1 1402 هـ طبعة جامعة أم الرى.

23-فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر المكتبة السلفية دار الفكر.

24-فتح القدير للشوكاني دار الفكر ط 3 / 1393 هـ.

25-في ظلال القرآن لسيد قطب دار الشروق القاهرة

26-الكتاب المنشور يوم القيامة تفسير موضوعي د محب الدين.نشر مجلة: دراسات عربية وإسلامية الجزء 13 1418 هـ إشراف وإصدار د- حامد طاهر.

27-مجموع الفتاوى لابن تيمية ط 1/ طبعة الملك فهد حفظه الله.

28-المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لأبي محمد عبد الحق ابن عطية الغرناطي تحقيق السيد عبد العال إبراهيم ط 1 1412 هـ طبعة أمير قطر الشيخ خليفة آل ثاني.

29-مختصر سنن أبي داود للمنذري تحقيق محمد حامد فقي طبعة الملك خالد رحمه الله.

30-مسند أحمد ترتيب رياض عبد الله عبد الهادي ط 2 1414 هـ دار أحياء التراث العربي.

31-معاني القرآن للنحاس طبعة جامعة أم القرى.

32-المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي

33-المعجم الوسيط لإبراهيم أنيس ورفاقه ط 2

34-معجم مقاييس اللغة لابن فارس ط 1 1420 هـ دار الكتب العلمية بيروت.

35-مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لأبي الفرج ابن الجوزي تحقيق د- زينب القاروط دار الكتب العلمية.

36-مفردات ألفاظ القرآن للراغب تحقيق صفوان عدنان داوودي ط 2 1418 هـ دار القلم دمشق.

37-النهاية في غريب الحديث لابن الأثـير تحقيق الزاوي والطناحي دار الفكر.


 

(فهرسة الموضوعات)

مقدمة                                                                                2

أهمية البحث                                                                         3

عوامل إنكار البعث بعد الموت                                                      3

الهدف من البحث                                                                   11

الأهداف التربوية في تقرير مبدأ البعث والجزاء                                     12

منهج الآيات في عرض الموضوع                                                    18

منهج البحث في عرض الموضوع                                                    18

تمهيد المسلك الأول تعريف البعث                                                  20

المسلك الثاني اهتمام القرآن بهذا المعتقد                                             21

المسلك الثالث النظريات المجردة لا توصل إلى الله                                   23

المسلك الرابع أهمية إعمال العقل في إقرار البعث                                   24

المسلك الخامس حتمية البعث عقلا                                                 25

المسلك السادس وجوب البعث بدليل فناء العالم                                    27

المسلك السابع مذاهب الأمم والطوائف في كيفية البعث                           27

الفصل الأول مسالك القرآن الكريم في إثبات عقيدة العبث                       33

المبحث الأول الأدلة النقلية على امكان وقوع البعث

المسلك الأول: (التواتر)                                                             33

المسللك الثاني: (الاستدلال على البعث بالنشأة الأولى)                            34

المسلك الثالث:(الاستدلال بخروج النبات من الأرض)                             42

المسلك الرابع:(الاستدلال بوقائع حصل فيها الاحياء بعد الموت):                 45

قصة صاحب القرية                                                                

قصة إحياء الطيور لإبراهيم u                                                  

قصة الملأ من بني إسرائيل                                                           

قصة القتيل الذي ضرب بعضو من أعضاء البقرة                                  

المسلك الخامس الاستدلال بحصول اليقظة بعد النوم                                50

المسلك السادس الاستدلال بإخراج النار من الشجر الأخضر                      51

المسلك السابع الاستدلال بخلق السموات والأرض وما فيهما                      52

المسلك الثامن الاستدلال بتعاقب الليل والنهار                                      53

المسلك التاسع المنازلة والتحدي                                                     55

المسلك العاشر قياس المحاسية                                                         55

المسلك الحادي عشر الاستدلال بالعدم على الوجود                               56

المسلك الثاني عشر مسلك المحاورة                                                   56

المسلك الثالث عشر المشاهدة                                                       59

المسلك الرابع عشر الاعتبار والاستبصار                                            61

المسلك الخامس عشرالتقصي والاستقراء                                            65

المسلك السادس عشر الاستدلال بالنماء والازدياد والتطور                        66

المسلك السابع عشر مسلك المقابلة                              107

الفصل الثااني:  الأدلةالعقلية                                                        70

المسلك الأول الاستدلال بأن حكمة الله وعدله يقتضيان البعث والجزاء 71

المسلك الثاني الاستدلال بالتكاليف الشرعية                                        72

المسلك الثالث الاستدلال باختلاف سلوك الناس في هذه الحياة          74

المسلك الرابع شعور الإنسان وإحساسه بوجود حياة ثانية                          74

المسلك الخامس اختلاف الناس لا ينتهي إلا بالبعث والمعاد                        75

المسلك السادس ما يراه النائم في المنام                                               76

الخاتمة                                                                                77

المراجع                                                                               78

 


 

 


 

 



[1]  أخرجه البخاري في صحيحه جـ1/114.

[2] انظر في ظلال القرآن لسيد قطب جـ5/2759، 2760.

[3] تفسير روح المعاني للألوسي جـ7/2.

[4] تفسير فتح القدير للشوكاني جـ4/69.

[5] انظر تفسير روح المعاني للألوسي جـ6/237، جـ7/2، فتح القدير للشوكاني جـ4/63، 69.

[6] انظر العلمانية د- سفر الحوالي (302).

[7] البرهان في علوم القرآن للرزكشي جـ2/180.

[8] البرهان في علوم القرآن للرزكشي جـ2/181.

[9] صحيح مسلم جـ1/74.

[10] صحيح البخاري جـ10/445.ومسلم جـ1/69.

[11] صحيح مسلم جـ1/68.

[12] انظر سورة الإسراء والأهداف التي ترمي إليها د محمد النمر (225).

[13].مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لابن الجوزي (84).

[14] صحيح البخاري جـ12/129، 135، وصحيح مسلم جـ3/1321، 1322.

[15] صحيح مسلم جـ3/1587.

[16] جامع البيان للطبري جـ 7/33، صحيح البخاري جـ8/277، 278.

[17]  صحيح مسلم جـ4/1996.

[18]  صحيح مسلم جـ4/1997.

[19] انظر مادة هـذا البحث ومفرداته في: البرهان في علوم القرآن للزركشي جـ2/26، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي جـ2/135.

[20] معجم مقاييس اللغة لابن فارس (بعث).وابن فارس: أبو الحسين أحمد القزويني من أئمة اللغة والأدب ت (395) هـ الأعلام جـ1/193.

[21] مفردات ألفاظ القـرآن للراغب الأصفـهاني (132) وانظر المعجم الوسـيط لإبراهيم أنيس ورفاقه (62).

[22] مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (805) ومعجم مقاييس اللغة (ن ش ر)

[23] انظر شعب الإيمان للبيهقي جـ1/239.

[24] تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي (586).

[25] انظر مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (547)، تفسير الكشاف للزمخشري  جـ2/493، تفسير الفخر الرازي جـ19/9، أحكام القرآن للقرطبي جـ9/284.

[26] وقد أمرنا القرآن الكريم بالتدبر، فقال تعالى: {إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب..} آل عمـران ( 190) الآية قال e: (ويل لمن قـرأ هـذه الآيات ثم لم يتفكر فيها) ذكره  ابن كثير في تفسيره جـ1/440، 441.

[27] مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (632).

[28] صحيح مسلم جـ4/2098.

[29] أي: كل نفس رهن بكسبها مأخوذة بعملها ومرتهنة به غير مفكوكة، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ5/332.

[30] انظر البرهان في علوم القرآن للزركشي جـ2/25.

[31] انظر تلبيس إبليس لابن الجوزي (45).

[32] انظر تلبيس إبليس لابن الجوزي (73).التناسخ هو: عبارة عن تعلق الروح بالبدن بعد المفارقة من بدن آخر من غـير تخلل زمان بين التعلقين للتعشق الذاتي بـين الروح والجسد. التعـريفات لعليّ الجرجاني (61).

[33] عن: تربية الأولاد فى الإسلام جـ1/170.

[34]  شرح العقيدة الطحاوية (456) عقيدة المؤمن للجزائري (321).

[35] التعريفات لعليّ الجرجاني (63).

[36] فتاوى ابن تيمية جـ9/30.

[37]  تفسير روح المعاني للألوسي جـ5/91.

[38] مفاتيح الغيب للفخر الرازي جـ20/226.

[39]  يقال: نَغَض رأسه يَنْغُض نَغْضاً ونُغُوضا؛ أي: تحرك، وأنغض رأسه أي: حركه كالمتعجب من الشيء، وكم  مَنْ أُخبر بشيء فحرك رأسه إنكارا له. أحكام القرآن للقرطبي جـ10/274، تفسير روح المعاني للألوسي جـ5/92، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ3/234.

[40] مفاتـيح الغيب للفخـر الرازي جـ20/228، وأنظر العقيدة الطحاوية ص (456، 459)، تلبيس إبليس لابن الجوزي (71) تفسير روح المعاني للألوسي جـ5/90، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ 4/2233.

[41] أي: مشتغلين بخصوماتهم ومشاجراتهم في متاجرهم وسائر معاملاتهم، أو تأخذهم وهم عند أنفسهم يخصمون في الحجة في أنهم لا يبعثون.تفسير الكشاف للزمخشري جـ4/19.

[42] تفسير الكشاف للزمخشري  جـ4/723،  تفسير ابن كثير جـ 4/498، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ5/420.

[43] تفسير الفخر الرازي جـ21/242.

[44] هو: أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري جار الله من أئمة التفسير والأصول واللغة والأدب ت (538) هـ الأعلام لخير الدين الزركلي جـ7/178.

[45] تفسير الكشاف للزمخشري  جـ4/29، وانظر: جامع البيان للطبري جـ 23/30، فتاوى ابن تيمية جـ3/299، تفسير ابن كثير جـ 3/581، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ4/384.

[46]  أخرجه أحمد في مسنده جـ4/210، وابن ماجه جـ2/116 وإسناده: صحيح، وذكره  ابن كثير في تفسيره جـ3/581، والوئيد: الصوت الشديد الصحاح للجوهري جـ2/546.

[47]  أخرجه: البخاري جـ6/514، وأحمد في مسنده جـ5/395.

والجزل: ما عظـم من الحطب ويبس، امتحش: أحرق بالنار حرقا، الصحاح جـ3/1018، جـ4/1655، وانظر جامع البيان للطبري جـ23/30، أحكام القرآن للقرطبي جـ15/58،  تفسير  ابن كثير جـ 3/581، 582، تفسير روح المعاني للألوسي جـ8/54، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ5/2977.

[48] أحكام القرآن للقرطبي جـ14/21، وانظر جامع البيان للطبري جـ21/35، تفسير ابن كثير 3/430، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ4/221، تفسير روح المعاني للألوسي جـ7/36، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ جـ5/2766.

[49]  أخرجه البخاري جـ6/287، 8/739. وانظر تفسير ابن كثير جـ 3/131، 430.

[50] وفي الحديث (ألا وإنّ في الجسد مضغة).صحيح البخاري جـ1/126.

[51] ومن أسرار الكتاب العزيز، أن الله تعالى خص إحياء الموتى بالذكر في الآية مع كونه من جملة الأشياء المقدور عليها، ذلك لأنه فيه وقع النزاع والجدال.

[52] الحديث أخرج طـرفا منه أبو داود جـ4/234، وأحمـد في مسنده جـ4/11، 12، وذكره ابن كـثير في تفسيره جـ3/208.

(محلا) أي: انقطع عنه المطر فأصبح جدبا النهاية في غريب الحديث لابن الأثير جـ4/304.

وانظر جامع البيان للطبري جـ17/116، تفسير الفخر الرازي جـ21/8، أحكام القرآن للقرطبي جـ12/6،  تفسير  ابن كثير جـ 3/206، تفسير روح المعاني للألوسي جـ6/115،، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ3/436، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ جـ4/2409.

[53] صحيح مسلم جـ4/2259، أحكام القرآن للقرطبي جـ7/228،230، فتاوى ابن تيمية جـ17/248، تفسير ابن كثير جـ 2/222، 4/472، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ2/214، 215، تفسير روح المعاني للألوسي جـ3/144، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ3/1298.

[54] فتاوى ابن تيمية جـ9/224.

[55]  تفسير روح المعاني للألوسي جـ1/21.

[56] جامع البيان للطبري جـ3/28 ، وأحكام القرآن للقرطبي جـ3/288،  تفسير  ابن كثير جـ 1/314، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ1/279، تفسير روح المعاني للألوسي جـ1/21، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ1/299.

[57]  أخرجه أحمـد في مسنده جـ1/215، 271، وقال الألباني: صحيح. صحيح الجامـع الصغير جـ5/87.

[58] أعلام الحديث شرح البخاري للخطاني جـ3/1545.

[59] صحيح البخاري جـ6/410.

[60] أعلام الحديث شرح البخاري للخطابي جـ3/1546.وانظر فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر جـ6/411.

[61] تفسير ابن كثير جـ 1/315.وانظر جامع البيان للطبري جـ3/47، أحكام القرآن للقرطبي جـ3/297، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ1/281، تفسير روح المعاني للألوسي جـ1/26، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ1/301.

[62]  أحكام القرآن للفرطبي جـ3/230، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ1/261، تفسير روح المعاني للألوسي جـ1/160، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ1/263.

[63]  أحكام القرآن للقرطبي جـ1/403،  تفسير ابن كثير جـ 1/93، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ1/87، تفسير روح المعاني للألوسي جـ1/261.

[64]  راجـع أحكام القرآن للقرطبي جـ1/455، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ1/100، تفسير روح المعاني للألوسي جـ1/293، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ1/79.

[65].مفاتيح الغيب للفخر الرازي جـ21/106.

[66] تفسير فتح القدير للشوكاني جـ3/277.

[67] أحكام القرآن للقرطبي جـ15/261.

[68] تتفسير ابن كثير جـ 2/138، جـ4/55.

[69] ذكره القرطبي في كتابه أحكام القرآن جـ15/261

[70]  ذكره  ابن كثير عن ابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنهما جـ2/138، وانظر فتح القدير للشوكاني جـ2/125.

[71]  أي: ما عملتم وكسبتم من الأعمال سواء باليد أو بالرجل أو بالفم جامع البيان للطبري جـ 7/214.

[72]  تفسيره جـ7/214، وانظر أحكام القرآن للقرطبي جـ7/5، 15/260، فتح القديرجـ4/465، تفسير روح المعاني للألوسي جـ3/173، 8/7.

[73] قد حاول العلم الحديث معرفة سر النوم فلم يصل إلا إلى ضرب من التخمينات والتخيلات ولم يصلوا إلى حقيقة قاطعة.

[74] جامع البيان للطبري جـ 23/32، أحكام القرآن للقرطبي جـ15/59، فتاوى ابن تيمية جـ3/300، تفسير  ابن كثير جـ 3/582، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ4/383، تفسير روح المعاني للألوسي جـ8/55، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ5/2977.

[75] الطين اللازب هو: اللاصق أحكام القرآن للقرطبي جـ15/68.

[76] جامع البيان للطبري جـ 23/32، أحكام القرآن للقرطبي جـ15/60،  تفسير  ابن كثير جـ 3/582، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ4/384، تفسير روح المعاني للألوسي جـ8/56، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ5/2978.

[77]  جامع البيان للطبري جـ 15/167، أحكام القرآن للقرطبي جـ334،  تفسير  ابن كثير جـ 3/65، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ3/261، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ جـ4/2252.

[78] { هاؤم اقرءوا كتابيه} أي: خذوا واقرءوا كتابي.تفسير الكشاف للزمخشري  جـ4/590.

[79] المحرر الوجيز تفسير ابن عطية جـ15/72، 73.

[80] تفسير فتح القدير للشوكاني جـ5/284.

[81] انظر مجلة: دراسات عربية وإسلامية للدكتور- حامد طاهر : الكتاب المنشور يوم القيامة. د محب الدين.

[82] سورة الطارق (8). وتوضيح ذلك: أن الوجود لما كان دليل العدم فالإعادة بعد الموت لم يكن أمرا زائد على الأصل.

[83]  مفردات ألفاظ القرآن للراغب (262).

[84]  تفسير الكشاف للزمخشري  جـ2/694.

[85]  سيرة ابن هشام جـ4/122.

[86]  أخرجه أحمد في مسنده جـ1/215، 271، وقال الألباني: صحيح. صحيح الجامع الصغير جـ5/87.

[87]  في ظلال القرآن لسيد قطب جـ6/3878.

[88]  في ظلال القرآن لسيد قطب جـ6/3831.

[89]  انظر في ظلال القرآن لسيد قطب جـ6/3831.

[90]  انظر في ظلال القرآن لسيد قطب جـ6/3386.

[91]  في ظلال القرآن لسيد قطب جـ1/333.

[92]  التعريفات لعليّ الجرجاني (13).وانظر مفردات ألفاظ القرآن للراغب (671).

[93] انظر في ظلال القرآن لسيد قطب جـ5/2760.

[94]  انظر في ظلال القرآن لسيد قطب جـ5/2729.

[95] البرهان في علوم القرآن للزركشي جـ3/458.

[96] مفردات ألفاظ القرآن للراغب (868).

[97]  تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لابن سعدي ص (315).

[98] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لابن سعدي ص (586).

وابن سعدي هو: عبد الرحمن بن ناصر التميمي النجدي مفسر من علماء الحنابلة ت (1376) هـ الأعلام جـ3/340.

[99]  جامع البيان للطبري جـ 18/63، أحكام القرآن للقرطبي جـ12/ 156،  تفسير  ابن كثير جـ 3/259، 4/452، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ3/500، تفسير روح المعاني للألوسي جـ6،71، عقيدة المؤمن للجزائري ص (329).

[100] تفسير ابن كثير 4/452، تفسير روح المعاني للألوسي جـ6/71، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ6/3773، تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي (194)

[101]  جامع البيان للطبري جـ 30/218، 219، أحكام القرآن للقرطـبي جـ8/308،  تفسير  ابن كثير جـ 2/407، جـ4/518، تفسير روح المعاني للألوسي جـ4/66، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ3/1764، جـ6/3922.

[102]  أي: كل نفس رهن بكسبها مأخوذة بعملها ومرتهنة به غير مفكوكة، تفسير فتح القدير للشوكاني جـ5/332.

[103] عن: تربية الأولاد فى الإسلام لعلوان جـ1/170.

[104] الزركشي: هو بدر الدين أبو عبد الله محمد ابن بهادر، مفسر محدث فقيه تركي الأصل مصري المولد ت (794). الأعلام جـ6/60.

وابن السيد: هو عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي الأندلسي، أديب لغوي، توفي سنة: (521) الأعلام لخير الدين الزركلي جـ4/123.

[105] البرهان في علوم القرآن للزركشي جـ2/27، وانظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي جـ2/136، سورة الإسراء والأهداف التي ترمي إليها د- النمر ص (218).

[106] صحيح البخاري جـ12/373، 375.

[107] صحيح مسلم جـ1/428.