قائمة الروابط

حنان أحمد عبدالحميد - جدة
باحثة وكاتبة واختصاصية في تقنيات التعليم . :

«أكثر ما يجذبني في الكتاب المدرسي الصور».
«أميل لتصفح الكتب المدرسية التي تحوي ألوانًا زاهية».
«الخطوط الكبيرة والملونة تجذبني لقراءة الكتاب».
«أفضل تصفح كتاب الاقتصاد المنزلي عن غيره من الكتب لما فيه من صور كثيرة».
«أحب كتاب القواعد، صوره جميلة، وأسئلته مثيرة لتفكيري».
هذه آراء خبراء الكتاب المدرسي والمستهلكين الأصليين له فيما يخص عوامل الجذب في الكتاب المدرسي، يظهر لنا من خلالها وعي هذا الطالب الراشد واستيعابه لأهمية التصميم الفني للكتاب المدرسي، والدور الذي يؤديه في بناء علاقة وطيدة مع صفحات الكتاب.



الكتاب المدرسي في حد ذاته ليس قضية يجب معالجتها، أو ظاهرة علينا تناولها، وإنما القضية الحقيقية تكمن في موقع هذا الكتاب في عصرنا المعرفي وإيقاعاته الفنية المتجددة، وما يفرض - على الكتاب- من واجبات إلزامية عليه أداؤها وظواهر عصرية عليه مجاراتها وإلا كان الرسوب مصيرًا محتومًا له.
هذه الواجبات تنقسم لنوعين: نوع تربوي، ونوع فني، أما الأول فيشمل جميع المعارف والمهارات والاتجاهات التي يبثها الكتاب في ثناياه في سياق جديد معاصر يشجع الطالب على التفكير وينمي مواهبه ويرعى إبداعه وخياله ويكسبه المهارات الأساسية ويعرض له الاتجاهات المتنوعة، ويؤهله ليس فقط لمواكبة العصر بل تشكيله أيضًا، وأما النوع الفني، وهو محور حديثنا، فيركز على القالب الشكلي الذي توضع فيه هذه المعلومات والمهارات والاتجاهات، وهو يساوي أهمية النوع الأول إذ إنه يدعمه ويكمله ويجمله ويحدد مدى إقبال المتعلم «الرقمي» عليه.
فرص وتحديات
أتاح لنا عصرنا المعرفي بوسائله الحديثة فرصًا كثيرة يسرت حياتنا وأعطتنا مجالًا أوسع للتحكم في ما حولنا، فنجد أن الكمبيوتر والإنترنت ولدا أجيالًا قادرة ليس فقط على الوصول للمعرفة بسهولة وسرعة بل حتى التحكم في طريقة عرضها، فهذا الشاب يغير خلفية جهاز حاسوبه الشخصي ويختار ألوانًا خاصة تلائم ذوقه لإطارات النوافذ، يتحكم في الخطوط وأحجامها وألوانها، يتحكم في إظهار الصور أو إخفائها، وفي طريقة عرض المعلومة نصية أو سمعية أو حركية.. ليعرض في نهاية الأمر الموضوع بشكل تفضله نفسه وترتاح له عينه.
فرص أخرى تتيحها التقنيات الحديثة في الطباعة والنشر، من حيث تقدم البرامج التي تستخدم في التصميم الفني للمطبوعات وتنوعها، وتطور أجهزة الطباعة أيضًا وأدواتها، وسهولة استخدامها من قبل عامة الناس، وتفعيلها في الصف الدراسي في صورة ملازم وملخصات منظمة وجذابة تعطى للطلاب، ومطويات توعوية للتوزيع، ومجلات مدرسية خفيفة وغيرها، ومع هذه الفرص وُجدت تحديات متنوعة لمجاراة التقنية ذاتها على صعد الوسائط المعرفية، فنجد على الساحة التربوية فكرًا يدعو لإعادة تصميم البيئة التعليمية بمجملها لمعاصرة الفكر التقني المعاصر، وتغير دور المعلم هنا من مجرد ملقن للمعرفة إلى مصمم لهذه البيئة التعليمية التعلمية، وأصبح الكتاب المدرسي إحدى وسائل المعرفة فيها بجانب رفقاء جدد متميزين من حاسب وإنترنت في تعددية مشروعة فرضت عليه ضرورة جمال الروح وتميز المظهر.
«محتوى الكتاب المدرسي»
هذه التعددية هي التي جعلت مؤسسة لجتشر «Lagiture» الأمريكية للأبحاث والتطوير، المتخصصة في تصميم الأدوات والمواد التعليمية، تغير المفهوم السائد عن «محتوى الكتاب المدرسي»، فبعد أن كان يعني فصول المقرر الدراسي وأبوابه ودروسه ونحو ذلك، لا غير ذلك، أصبح الآن يضم المحتوى الفني/ الشكلي للكتاب المدرسي يدًا بيد مع المحتوى النصي (التربوي والتعليمي)، في محاولة فريدة وناجحة لطرح فكر أكثر إبداعًا وجرأة وجمالًا وشمولًا ومعاصرة، ويرى باحثو هذه المؤسسة أن المحتوى الفني للكتاب المدرسي جزء أساسي لا يتجزأ ولا ينفصل عن المحتوى التربوي بل يدعمه ويكمله، فأدخلوا مفهوم التصميم الفني في شراكة حقيقية وليست مجرد شكلية مع التصميم التعليمي للكتاب المدرسي ليكونا معًا متنًا متينًا جذابًا قادرًا على مواكبة عصر الإغراق البصري الذي نحياه.
عندما تزوج النص من الصورة
بدأ العمل منذ أواخر الثمانينيات، وقامت مؤسسة لجتشر بهدم الحواجز بين مؤلفي الكتاب المدرسي والمصممين الفنيين له والمحررين، وتشاركت مع دار نشر أمريكية شهيرة هي هوجتن آند مفلين (Houghton & Mifflin)، فشكلت فرق عمل تضمهم جميعًا لوضع الهيكلة الأساسية للكتاب المدرسي وما يضمه من فصول ووحدات ودروس ومصورات تعليمية وفقًا لمعايير الدولة والأهداف التربوية والتعليمية للمواد الاجتماعية، حيث إنها تعمل على تطوير برامج العلوم الاجتماعية من صفوف الروضة إلى المتوسطة، هذا العمل تتطلب جهدًا مبدئيًا في إقناع العاملين في فكرة المؤسسة القائمة على الجمع بين المحتويين النصي والفني لتشكيل الكتاب المدرسي، أيضًا تتطلب مشاركة المعلمين القائمين على تدريس هذه المواد، إذ إنهم أولًا وأخيرًا من يقرر تفضيل هذا الكتاب على غيره في السوق التربوية هناك، وتم اختيار التصميم الفني الملائم لصفحات الكتاب، فتلحظ أنها مشابهة لتصميم المجلات في سرد القصص والنصوص بشكل عمودي ثنائي، وذلك إيمانًا من المؤسسة بأن هذا التخطيط هو الأنسب لعرض النصوص مع الصور والأقرب لنفوس الأطفال الذين تعودوا تصفح المجلات، وتمت دراسة الألوان المناسبة وأحجام وأنواع الخطوط الملائمة للفئات العمرية المختلفة، إضافة لذلك عني المنهج الجديد بتعليم الطالب مهارات القراءة البصرية، وتعني مهارة قراءة الصور والرسومات التعليمية على اختلاف أنواعها من خرائط وجداول ورسوم بيانية وغيرها، واجتهد العاملون في عملية البحث والاختيار للصور والرسوم المناسبة والحديثة، ودُعمت بالعناوين والشروح النصية الموجزة التي تنقل الطالب من المقعد الدراسي إلى المكان الجغرافي ليعيش في قلب الحدث التاريخي أو الاجتماعي.
لـحـظة في عصـر مضـى
(A Moment In Time) إحدى مميزات كتب مؤسسة لجتشر تُعرض في هذه الصفحة صورة معينة مرتبطة بموضوع الدرس وأهداف الفصل، ويحدد فيها وقت الحدث بالدقيقة ومكانه، وتشرح للطالب نصيًا ما لا تستطيع الصورة إيصاله، فالنص والصورة يكملان بعضهما البعض، ويثار من خلالها جميع حواس الطالب الذهنية والخيالية والبصرية والسمعية والحسية الأخرى، وتجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل. فمثلًا في كتاب الصف الأول المتوسط «Across the Centuries» أو «عبر العصور» تم وضع صورة للمحارب الصليبي كتب في أعلاها الساعة الثالثة ظهرًا و32 دقيقة، في اليوم 20 من شهر أكتوبر عام 1192 م، في حقل خارج تميتز من دولة أستريا الأوروبية، يظهر هذا المحارب مرتديًا لباس الحرب في صورة توحي بالحركة؛ إذ إنه يبدو وكأنه يسدد ضربة بسيفه، وتصف النصوص الموجزة درعه المصنوع من حديد، ولباسه المعدني الثقيل الحار والمبطن الذي لم ينزع أو يغسل لأكثر من ثمانية شهور، وبعض أنواع التوابل التي يحملها لأهله لعدم توفرها في بلدته، وجرح في ساقه وضع عليه ضماد ومرهم مصنوع من قبل طبيب مسلم، ورسالة يوصلها لملك ألماني، وبعض الأحجار القيمة من كنيسة في أرض المقدس يحملها لتجلب له الحظ والتوفيق حسب معتقداته الدينية.
كل هذه المواصفات الدقيقة المدعمة بالنص والصورة تنمي الخيال التاريخي للطالب الذي سيستحضر أجواء المعركة التي خرج منها هذا المحارب بجرح في ساقه، والرسالة التي عليه إيصالها للملك الألماني، وأمله في لقاء الأهل والأصدقاء لإعطائهم الهدايا التي جلبها لهم (التوابل)، سيشعر بثقل الدرع الذي يحمله، ورائحة لباسه المتسخ، والتعب الذي يشعر به... وما إلى ذلك
مشهد من العصر
في تجربة أخرى فريدة ولكنها هنا عربية المنشأ، نجد إنتاجًا مميزًا قدمته (دار الإبداع الفكري)، وإن لم يكن هذا الكتاب مدرسيًا، ولكنه تعليمي في محتواه، إبداعي في حلته الفنية، يصلح لأن يدرس لطلاب المرحلة المتوسطة (الإعدادية)، هذا المنتج العربي الفريد هو «فلسطـين.. التاريخ المصـور» للدكتور طارق السويدان، وضع في أول الكتاب فهرسًا تفصيليًا للخمسة أبواب التي شملته في لون مخصص لكل باب مع صور مميزة تخص موضوعه. أما محتواه فقد اعتمد على السرد الزمني التاريخي للأحداث على أرض فلسطين مبتدئًا من عصور ما قبل الميلاد وحتى عصرنا الحالي، وتم تنظيم صفحاته على أساس ذلك، فنرى التاريخ وعنوان الحدث في الجانب الأيمن من الصفحة وبجانبه شرح موجز له مع صورة ملائمة معنونة تصف وتدعم هذا السرد، ولقد تم انتقاء مجموعة صورية ورسومات توضيحية وجداول وخرائط نادرة ورائعة لخدمة أهداف الكتاب التعليمية والفنية، كل هذا داخل إطار يضم كلا المحتويين النصي والصوري ويساعد على تركيز انتباه القارئ. والجميل في هذا الكتاب أنك تستطيع أن تفتح الباب أو الحقبة الزمنية التي تريد من خلال النظر إلى جانب الكتاب الأيسر أو الأعلى حيث تبرز لون صفحاته المميزة، والأطفال أيضًا يستمتعون بتصفح هذا الكتاب وقراءة عناوينه المبسطة وبعض الشروحات القصيرة من غير أن يفرض عليهم، وهذا يعزى إلى الجاذبية الفنية التي يتمتع بها.
تجربة لجتشر و«فلسطين.. التاريخ المصور» تؤكد لنا أن التصميم الفني للكتاب المدرسي يتعدى إطار الصورة أو الرسم التوضيحي؛ ليضم أبعادًا متنوعة في قالبه من تصميم لغلاف الكتاب وفواصل الأبواب، واختيار أحجام وأنواع الخطوط والألوان المستخدمة، ووضع الإطارات وتقرير مساحات الفراغ، وانتقاء لنوعية وملمس ووزن الورق المستخدم، إضافة لما يحويه الكتاب من صور ورسومات ثابتة وشبه متحركة. كل هذا في علاقة وثيقة ومساندة ومكملة لمحتوى المادة الدراسية وأهدافها وليس فقط إضافة شكلية جاذبة.
أهمية التصميم الفني
عند محاولة البحث في أثر التصميم الفني على التعلم من الكتاب المدرسي، نلاحظ قلة الأبحاث العلمية التي تناولت هذا الجانب بأبعاده المتنوعة على الصعيدين العربي والأجنبي، إذ إن أكثر الأبحاث في هذا السياق تركز على الصور والرسوم فقط وأثرها التعليمي، والأبحاث التي تناولت التصميم الفني بمجمل عناصره تؤكد أهمية التصميم الفني في زيادة التعلم والفهم والتذكر علاوة على زيادة جاذبية الكتاب وتربية الحس الجمالي للقارئ. وتشير الدراسات إلى أن النصوص المصممة فنيًا تُقرأ أكثر من النصوص الخالية من العوامل الفنية وتستغرق وقتًا أقل منها، كما أن تفاعل القارئ مع الأولى يكون أكثر إيجابية، فيلاحظ العناوين الكبيرة والعناوين الفرعية، التي تكون بحجم أكبر من حجم النص المكتوب وبتأثيرات أقوى، كما تزيد الألوان من رغبته في القراءة بنسبة 80%، ونسبة فهمه بنسبة 73%، وترفع نسبة التعلم والتذكر إلى ما بين 55 و78%، وفي هذا السياق ينصح باستخدام اللون الأحمر في النصوص بحذر؛ إذ إن الأشخاص المصابين بعمى الألوان يرونه بنيًا أو رماديًا فاتحًا، في حين أن الألوان الأخرى مثل الأزرق المخضر والأخضر والبنفسجي والأسود والأزرق ترى بطريقة أسهل من قبل القراء، ويفضل التربويون استخدام اللون الأسود للنصوص التعليمية على خلفية صفراء فاتحة.
بعد الزواج
الصورة لا تستغني عن «كلمة»
تؤكد الأبحاث أيضًا أهمية المصورات التعليمية في دعم عملية التعلم وزيادة الفهم والتذكر، فقد أثبتت نظرية الترميز المزدوج (Dual Coding Theory) أن الدعم الصوري للنص الكتابي يساهم في استقبال المعلومات من قناتين لفظية (الكلمة) وغير لفظية (الصورة)، وفي تقديم شرح صوري للنص وإظهار ما لا يظهره أو ما يصعب فهمه من المادة المقروءة، وهذا من شأنه أن يزيد من نسبة التعلم والفهم، فمثلًا تمثيل أن عملية نبضات القلب تشبه عمل مضخة للدم في رسم توضيحي سيسهل من عملية استيعاب الطلاب لهذه العملية، أيضًا يقلل استخدام المصورات التعليمية من وقت المذاكرة، ففي دراسة للباحث وين (1991م) وجد أن الطلاب الذي استخدموا الرسوم التوضيحية (diagrams) قضوا وقتًا أقل من زملائهم الذين اعتمدوا على النصوص فقط في حل المشكلات المعروضة، فهذه الرسوم تساعد في انطباع الصورة في الذهن وحفظ المعلومات في الذاكرة واستخدامها بشكل أكثر فاعلية، وأثبتت دراسات بحثية أخرى (2006م) تفوق النص المدعوم بالرسم أو الصورة المرتبطة بالمعنى في استيعاب وفهم أفضل للمحتوى على النصوص الخالية من الدعم الصوري.
النص لا يستغني عن الصورة، والصورة هنا تعلن بتواضع أنها لا تستغني عن الكلمة، فلا غنى لأحدهما عن الآخر، وارتباط الصورة والنص معًا ضرورة تعليمية، فالصورة عليها أن تكون قريبة من النص الذي يشرحها، فكلاهما يجب أن يكونا في نفس الصفحة، والنص يجب أن يشير إلى الصورة أو الرسم الذي يحوي عنوانًا مناسبًا. وتشير دراسة بحثية في اليونان (2006م) إلى أن معظم الصور والرسوم في كتب العلوم للمرحلة الابتدائية لا تؤدي الغرض التعليمي منها لأنها غير معنونة وغير مرتبطة بالنص (فالنص الذي يشرحها لا يحوي عبارة انظر للشكل رقم...)، مما أدى إلى صعوبة تفسيرها لدى الطلاب، أيضًا ينبغي العناية باختيار المصورات المناسبة والحديثة، ففي دراسة بحثية أخرى استهدفت آراء 44 طالبًا وطالبة في المرحلة الثانوية في الولايات المتحدة (1998م)، طالب أكثر من 50% منهم بتغييرات في الصور والرسوم المعروضة لتكون أكثر حداثة ومعاصرة وألوانًا ودعمًا للنص، وأشاروا إلى أن الصور القديمة تقلل من قيمة النص المقروء.
التربية البصرية
إضافة إلى ذلك، أكدت كثير من الأبحاث أهمية التربية البصرية للطلاب، وهو مفهوم حديث نوعًا ما ويعني إنشاء جيل قادر على القراءة البصرية والإنتاج الصوري، ويضم في أبعاده المتنوعة قراءة معنى المصورات التعليمية (من رسوم توضيحية وخرائط وجداول ومخططات بيانية وصور فوتوغرافية وكاريكاتيرية...) وملاحظة التفاصيل فيها بشكل أكثر فاعلية، والقدرة على استخراج أهم نقاط المادة النصية من خلال القراءة السريعة لها وملاحظة التغييرات الفنية فيها، وإنتاج هذه المصورات التي تساعد على فهم كيفية الترميز الصوري، وعمل المعينات البصرية التي تلخص المحتوى النصي وتعين على حفظه.
وكثير من المعلمين يعتقدون أن الطلاب قادرون على فهم مدلولات الصور والرسوم بسهولة، ظنًا منهم أن «الصورة تغني عن ألف كلمة»، وهذا اعتقاد غير سليم، فالكثير من الطلاب يعانون في سبيل فهمها، إذ إن الرسومات في المواد العلمية غالبًا ما تكون مركبة ومعقدة، وكذلك هو الحال مع الخرائط التاريخية والجغرافية، وعلى الرغم من أن لائحة الأهداف المنهجية التعليمية في الولايات المتحدة تضمنت أهدافًا لتنمية مهارات التعلم البصري إلا أن تطبيق هذه الأهداف على أرض الواقع يتم بشكل سطحي كما أعربت مؤسسة لجتشر.
وقد وجدت هذه المؤسسة أن جزءًا من هذه التربية البصرية يقع على عاتق الكتاب المدرسي، فحوت مناهجها على أنشطة تعليمية خاصة بالتعريف بمهارات التعلم البصري وتنميتها إضافة للتصميم الفني للصفحات الذي يربي هذه المهارة، فترى في افتتاحية كل وحدة صورة كبيرة تمثل العصر المناقش في الوحدة وخط زمن يحدد موقع الحقبة التاريخية، وعناوين الفصول تحت عنوان الوحدة، وكل فصل يعطي نظرة عامة للدروس التي يتناولها ويربط بينها، كذلك ترى في كل درس رسمًا بيانيًا لتلخيصه، وأنشطة متنوعة لتنمية التعلم البصري، كأن يطلب من الطالب وضع عنوان مناسب للصورة أو الرسم، أو يقارن بين صورتين لنفس المكان في زمنين تاريخيين مختلفين وهكذا.
إضافة لذلك، فإن تدريس هذه المهارات يجب أن يبدأ مع مراحل التعلم الأولى، عن طريق عرض صور وأشياء مألوفة للأطفال وجعلهم يرسمونها من الأعلى أو من الجانب حسبما يتطلبه الموقف التعليمي، وتعرب هلن شاندرا (Helen Chandra) أحد أعضاء فريق العمل في مشروع لجتشر، عن أهمية تدريب الطلاب على مهارة رسم التوضيحات والصور من أجل تعلم فن قراءتها. ويضيف الباحث آرنيم بعدًا مهمًا للتربية البصرية (Arnheim, 1969) وهو ضرورة العناية بتربية المعلمين ويقول: «إن ما نحتاجه هو تدريب منظم للحساسية البصرية كجزء لا يستغنى عنه في إعداد المعلمين»، كل هذا في سبيل تنشئة جيل قادر على معالجة الرسائل البصرية التي يتلقاها كل لحظة من وسائل العصر الحديث حوله من كمبيوتر وإنترنت وتلفزيون وهاتف نقال... وتحليلها ونقدها، وإنتاج الرسالة البصرية القيمة والمؤثرة.
لمسات فنية
كتاب له إحساس وآخر معطر
من التجديدات الفنية التي من شأنها تطوير الكتاب المدرسي عنصر الفكاهة، الذي يضم في أبعاده الرسوم الكاريكاتيرية، فالأبحاث تثبت أهمية الفكاهة في الدرس التعليمي، فهي تسهم في خلق أجواء حيوية داخل الصف وتشد انتباه الطلاب، والرسوم الكاريكاتيرية أيضًا ثبتت فعاليتها في تشكيل رأي عام وفي إرسال رسائل متنوعة الأهداف بطريقة ساخرة ومضحكة، وإضافة إلى ما توجده من جو فكاهي فهي تساهم في تنمية مهارات التفكير النقدي والتأملي لدى الطلاب إذا تمت معالجتها صفيًا معهم وإثارة تساؤلات في أذهانهم بخصوصها، ولكننا في الواقع لا نرى تطبيقات لهذه الرسوم في كتبنا التعليمية والسبب قد يعود إلى قلة الوعي بأهميتها وقلة الأبحاث التربوية التي تناولت أبعادها في الكتاب المدرسي.
أمر آخر جدير بالعناية هو وسائل الدعم الفني الملحقة بالكتاب من أشرطة فيديو وأقراص مضغوطة ونحو ذلك، هذه البرامج الإلكترونية المدعمة للكتاب متوفرة مع الكتب الأجنبية بشكل واسع، ونرى تطبيقات عربية لها ما زالت في طور البدايات، وينبغي أن يراعى في هذه الوسائل - لتحقق الفائدة المرجوة منها - عرضها المحتوى التعليمي في سياق جديد ومميز، فتستخدم عروض الوسائط المتعددة ذات الألوان والحركات المتنوعة، وتستخدم المؤثرات الصوتية ومشاهد الفيديو التي تدعم المحتوى الدراسي للمنهج التعليمي، وتعطي الطالب فرصة ممارسة بعض الأنشطة والألعاب التعليمية، وقد تعرض المحتوى إلكترونيًا وتتيح للقارئ سبل البحث والانتقال من فكرة لأخرى بما تحويه من وصلات نشيطة (hypertext)، ولعلنا نرى في المستقبل القريب كتابًا ورقيًا إلكترونيًا يجمع بين مميزات كل من الكتاب الورقي والإلكتروني، يستشعر القارئ معه الإحساس بالورق بين يديه ويعرض الكتاب أمامه ليتنقل إلكترونيًا كيف يشاء بين دفتيه.
كذلك نرى أهمية الدور الذي يؤديه الملمس في إقبال النفس البشرية على تصفح الكتاب المطبوع، وإن لم نجد العناية به إلا على صعيد بعض المجلات وكتب الأطفال، ففي دول العالم المتقدم توجد تطبيقات لتغيير نوع الملمس الورقي إلى آخر نسيجي في قصص الأطفال في سن ما قبل المدرسة، لكننا لا نرى - حتى الآن - كتابًا مدرسيًا ذا صفحات بملامس متنوعة، تترك انطباعات مميزة ومختلفة في النفس البشرية، فهذه الصفحة من ورق، وأخرى من حرير، وهذه مخملية، تبعًا لسياق الموضوع والمادة الدراسية والمرحلة العمرية، ولم نجد أيضًا دراسات علمية تناولت هذا الجانب الفني في الكتاب المدرسي.
عنصر الرائحة تم تجاهله أيضًا على حد سواء في كل الكتب العربية والأجنبية. وعلى الرغم من دراسات علم النفس التي تثبت أن مواقف معينة تثار في ذاكرة الإنسان عندما يشم روائح معينة مرتبطة بهذه المواقف، مثل أن يشم إنسان رائحة فل فيتذكر شخصًا عزيزًا كان يستخدم هذه الرائحة، أو يسترجع أحداثًا معينة مرتبطة بهذه الرائحة، فإننا لا نرى أي تطبيقات لذلك في الكتب، كتخصيص روائح الفانيليا لكتب الاقتصاد المنزلي مثلًا، أو رائحة الصابون لكتب الكيمياء، أو رائحة الياسمين لكتب الأدب،وإن كنا نشم تطبيقات لذلك في بعض الإنتاجات المطبوعة لتسويق العطور.
لنبعث فيك روح التألق
بتنا نلحظ في الآونة الأخيرة مبادرات قوية لتطوير محتوى الكتاب المدرسي وحلته الفنية، مثل مطبوعات مشروع تطوير مناهج الرياضيات والعلوم الطبيعية، القائم حاليًا بالشراكة مع عدد من وزارات دول الخليج العربي ومكتب التربية العربي لدول الخليج وشركة العبيكان للأبحاث والتطوير وغيرها.
وهذه التجديدات وسابقتها تسعى إلى التطوير من قلب وقالب الكتاب ليظل بين يدي المتعلم الرقمي، وليطور معارفه ومهاراته بشكل يؤهله لمواكبة العصر.
وسائط المعرفة الحديثة بما أتاحت من سهولة للوصول إلى المعرفة ورسمت من جاذبية ساحرة لها لن تغني عن المرجعية التعليمية للكتاب المدرسي، فجميعها وسائل تكمل بعضها بعضًا، ولكن علينا أن نبعث في الكتاب المدرسي روح التجدد والتألق، وما تنويع ملامس الصفحات واستخدام الروائح الفواحة إلا بعض التجديدات التي تزيد من جاذبية هذا الكتاب. ويبقى المجال مفتوحًا للخيال التربوي والبحث العلمي الذي من شأنه أن ينهض بالكتاب المدرسي ويبقيه منافسًا قوياً للوسائل المعرفية الحديثة.

أنواع المصورات التعليمية
في الكتب المدرسية

تتنوع المصورات التعليمية وفقًا للأغراض التي تخدمها والشكل النهائي لها، وهي على ثمانية أنواع أساسية:
الرسوم التوضيحية: (Diagrams)
هي الرسومات التي تمثل الأجزاء والتركيبات أو العمليات والمراحل لمفاهيم ملموسة عادة، مثل رسم يوضح أجزاء الدراجة، أو رسم يوضح دورة الماء في الطبيعة. تستخدم غالبًا في المواد العلمية مثل الأحياء والفيزياء ونحوهما.
الرسوم البيانية: (Charts)
هي رسومات تمثل العلاقة بين مفاهيم متنوعة وأحداث متسلسلة من خلال نصوص مبسطة، وتستخدم عادة مع المفاهيم المجردة، مثل الرسم البياني الشجري، والرسم البياني الشبكي، وتوجد عادة في المواد العلمية أو الاجتماعية أو اللغوية.
الخرائط: (Maps)
هي رسومات لعرض سطح الكرة الأرضية أو جزء منها باستخدام مقاييس ورموز خاصة يطلق عليها مفتاح الخريطة، وتمثل أماكن أو مواقع جغرافية أو أحداث تاريخية، مثل خرائط التضاريس أو المناخ، وغالبًا ما توجد في المواد الاجتماعية من تاريخ وجغرافيا.
الجداول والمخططات البيانية: (Tables & Graphs)
هي مخططات تمثل معلومات إحصائية/ عددية، تسمح للقارئ بإجراء مقارنات بين المتغيرات، مثل المخططات العمودية أو الدائرية أو المنحنيات، تستخدم عادة في مواد الرياضيات والإحصاء والاقتصاد والجغرافيا وغيرها.
الرسوم المسلسلة: (Serial Illustration)
هي رسومات تستخدم لتمثيل أبطال وأحداث قصة ما، وغالبًا ما تظهر في مواد اللغة والقصص.
الرسوم الكاريكاتيرية: (Caricature)
وهي رسوم تعبر عن المعنى بشكل ساخر أو مضحك، وتظهر عادة في الصحف.
الرسوم الكروكية:
هي رسوم تخطيطية مبسطة تستخدم لتوضيح مفهوم أو تبسيط واقع، قد يرسمها المعلم لتيسير فهم موضوع معين، وقد يقوم الطالب برسمها بعد قراءته للنص لتساعده على الفهم والتذكر والحفظ، وتطلق عادة على رسوم المخططات السكنية.
الصور الفوتوغرافية: (Photos)
هي صور تلتقط بالكاميرا تستخدم للتعريف بالأشياء أو الشخصيات أو الأماكن أو الظواهر، كما تدعم الأفكار والمفاهيم النصية، وتستخدم في كتب العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلمية وغيرها.

المراجع..
ــ Carney, R. & Levin, J. (2002). Pictorial Illustration still improves students> learning from text. Educational Psychology Review 14(1).
ــ Koulaidis, V. & Dimopoulos, K. (2006). The Co-deployment of visual representations and written language as resources for meaning making in Greek primary school science Textbooks. International Journal of Learning 12(10).
ـ Laspina, J. (1998). The visual turn and the transformation of the textbook. NJ: Lawrence Erlbaum Associates, Inc.
ـ Lester, J. & Cheek Jr., E. (1998). The `real> experts address textbook issues. Journal of Adolescent & Adult Literacy 41(4).
ــ Vekiri, I. (2002). What is the value of graphical displays in learning? Educational Psychology Review 14(3).