قائمة الروابط

المبحث الأول: تعريف الأجير المشترك

        وردت عدة تعريفات للأجير المشترك، ومن هذه التعريفات:-

1 -   أن الأجير المشترك:- من لايستحق الأجرة حتى يعمل(1).

        وهذا التعريف يرد عليه: أنه يؤول إلى الدور؛ لأن هذا حكم لايعرفه إلا من يعرف الأجير المشترك(2).

        كما يرد مثل هذا الاعتراض على من قال: إن الأجير المشترك: "هو من يعمل لا لواحد، أو يعمل له غير مؤقت أو مؤقتاً بلا تخصيص"(3).

        إذ أن هذا حكم الأجير المشترك، وليس هو بيان لماهية الأجير المشترك وحقيقته. جاء في حاشية ابن عابدين: "وحكمهما: أي المشترك، والخاص أن المشترك له أن يتقبل العمل من أشخاص؛ لأن المعقود عليه في حقه هو العمل أو أثره، فكان له أن يتقبل من العامة؛ لأن منافعه لم تصر مستحقة لواحد، فمن هذا الوجه سمي مشتركاً(4) ا.هـ ومنهم من عرّف الأجير المشترك: بأنه الذي نصب نفسه للناس(5).

        ولعل أولى التعاريف التي قيلت في الأجير المشترك، وذكره كثير من الفقهاء

 

________________________

(1)      المرغيناني، الهداية، ج9، ص 121.

(2)      انظر: داماد أفندي، مجمع الأنهر، ج2، ص 391. الطوري، تكملة البحر الرائق، ج8، ص 30.

(3)      الحصكفي، الدر المختار، ج9، ص 88. وانظر مثله: داماد أفندي، مجمع الأنهر، ج2، ص 391. الشيرازي، المهذب، ج1، ص 414.

(4)      رد المحتار، ج9، ص 88، وهو بخلاف الخاص الذي لايمكنه أن يعمل لغير المستأجر؛ لأن منافعه في المدة صارت مستحقة للمستأجر .

(5)      ابن الرحال، كشف القناع عن تضمين الصناع، ص 75.


هو: "أن الأجير المشترك هو من يكون عقده وارداً على عمل معلوم ببيان محله"(1).

        فالأجير المشترك من يرد عقده على عمل كخياطة ثوب، أو بناء حائط، أو حمل شئ إلى مكان معين، أو على أي عمل في مدة لا يستحق المستأجر نفعه في جميعها بحيث يمكنه أن يتقبل أعمالاً لغير المستأجر، ولذلك سمي مشتركاً(2).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

________________________

(1)      الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 133. داماد أفندي، مجمع الأنهر، ج2، ص 391. وانظر نحوه: النووي، روضة الطالبين، ج4، ص 299. الشربيني، مغني المحتاج، ج2، ص 352. ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 109. البهوتي، كشاف القناع، ج4، ص 33.

(2)      انظر: ابن عابدين، رد المحتار، ج9، ص 88. ابن الرحال، كشف القناع عن تضمين الصناع، ص 79. النووي، روضة الطالبين، ج4، ص 299. البهوتي، كشاف القناع، ج4، ص 33.

المبحث الثاني: ضمان الأجير المشترك

        اتفق الفقهاء على تضمين الأجير المشترك إذا تعدى أو فرّط(1).

        إلا أنهم اختلفوا في ضمانه إذا لم يحصل منه تعدٍ أو تفريط، وفيما يلي نستعرض أقوال الفقهاء في المسألة وأدلتهم، وما ورد عليها من مناقشة.

        المذهب الأول:- وهو قول الإمام أبي حنيفة النعمان(2)، والحنابلة على الصحيح من المذهب(3)، حيث ذهبوا إلى عدم تضمين الأجير المشترك، إلا إذا حصل التلف بفعله فإنه يضمن..

        جاء في ملتقى الأبحر: "ويضمن ما تلف بعمله اتفاقاً(4) - كتخريق الثوب من دقه، وزلق الحمال، وانقطاع الحبل الذي يشد به المكاري، وغرق السفينة من مدها"(5)ا.هـ.

        وسواء جاوز فعله المعتاد أم لا(6).

        كما جاء في المغني: "وهو ضامن لما جنت يده فالحائك إذا أفسد حياكته فهو ضامن لما أفسد نص أحمد على هذه المسألة في رواية ابن منصور(7)، والقصار ضامن لما

 

________________________

(1)      وقد تقدمت الاشارة إلى أدلة تضمين الأجير إذا تعدى في مبحث "ضمان الأجير الخاص" فيدخل فيه الأجير المشترك إذا تعدى، لوجود علة الحكم.

(2)      الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 135.

(3)      المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 72.

(4)      أي باتفاق فقهاء المذهب.

(5)      الحصكفي، ج2، ص 392.

(6)      داماد أفندي، مجمع الأنهر، ج2، ص 392.

(7)      إسحاق بن منصور بن بهرام، أبويعقوب الكوسج المروزي، ولد بمرو. سمع من سفيان بن عيينة، ويحي القطان، وغيرهم. روى عنه البخاري ومسلم في الصحيحين، وأبوعيسى الترمذي كان عالماً فقيهاً، وهو الذي دوّن مسائل الإمام أحمد، وقال عنه النسائي: ثقة. مات سنة إحدى وخمسين ومائتين.

          انظر ترجمته: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج6، ص 362. أبويعلى، طبقات الحنابلة، ج1، ص 106. الآتاباكي، النجوم الزاهرة، ج2، ص 333.

يتخرق من دقه أو مده أو عصره أو بسطه، والطباخ ضامن لما أفسد من طبيخه، والخباز ضامن لما أفسد من خبزه، والحمال يضمن مايسقط من حمله عن رأسه أو تلف من عثرته 000"(1)اهـ.

        ويستوي في ذلك ما لو كان المستأجر مع الأجير أو لا. قال ابن قدامة: "ظاهر كلام الخرقي أنه لافرق بين كونه في ملك نفسه، أو ملك مستأجره، أو كان صاحب العمل حاضراً عنده أو غائباً عنه، أو كونه مع الملاح أو الحمال أو لا، وكذلك قال ابن عقيل: ما تلف بجناية الملاح بجذفه(2)، أو بجناية المكاري بشده المتاع ونحوه فهو مضمون عليه سواء كان صاحب المتاع معه أم لم يكن معه"(3)ا.هـ.

        فأصحاب هذا القول يقولون: إنه لا ضمان على الأجير المشترك إذا لم يكن الهلاك حاصلاً بفعله سواء كان الهلاك مما يمكن الاحتراز عنه كالسرقة، أم مما لايمكن الاحتراز عنه كالحريق الغالب(4). وهذا مقيد بما إذا لم يحصل منه تعدٍ أو تفريط.

الأدلة:-

        استدل أصحاب هذا القول على عدم تضمين الأجير المشترك ما يتلف بغير فعله بما يلي:-

1 -   قوله تعالى: {فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ}(5).

        وجه الاستدلال: "أن الأصل أن لايجب الضمان إلا على المتعدي، ولم يوجد التعدي من الأجير؛ لأنه مأذون له في القبض. والهلاك ليس من صنعه فلا يجب الضمان عليه، ولهذا لايجب الضمان على المودَع"(6).

________________________

(1)      ابن قدامة، المغني، ج6، ص 118. ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 109.

(2)      المجذاف: مجذاف السفينة أو مجدافها، والجمع مجاديف. يقال جدف الملاح السفينة، وبالسفينة: دفعها بالمجداف، والمجداف : خشبة في رأسها لوح عريض تُدفع به السفينة.

          انظر: إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، ج1، ص111، مادة جدف، ص113، مادة جذف.

(3)      ابن قدامة، المغني، ج6، ص 120. وانظر ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 109.

(4)      انظر: الكاساني، البدائع، ج4، ص 210. الطوري، تكملة البحر الرائق، ج8، ص 31. ابن قدامة، المغني، ج6، ص 128، 129. المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 73.

(5)      سورة البقرة، آية 193.

(6)      الكاساني، البدائع، ج4، ص 210.

2 -   إن العين أمانة في يد الأجير المشترك؛ لأن القبض حصل بإذن المالك ولهذا لو هلكت في يده بسبب لايمكن التحرز عنه لم يضمنه، ولو كانت العين في يده مضمونة لضمنها حتى لو كان التلف بسبب لايمكن التحرز عنه كالمغصوبة(1)

وأما تضمينه مايتلف بسبب عمله، فقد استدلوا بما يلي:-

1 -   ماروي أن عمر بن الخطاب(2) ضمّن الصباغ الذي يعمل بيده(3).

2 -   ماروي عن خلاس أن علياً كان يضمّن الأجير(4).

3 -   ماروي عن جعفر بن محمد(5) عن أبيه عن علي أنه كان يضمّن الصباغ والصائغ، وقال: "لايصلح للناس إلا ذاك"(6).

        فحملوا هذه الآثار على تضمين الأجير المشترك مايتلف بفعله؛ لأن وجوب الضمان لجناية يده.

________________________

(1)      انظر: البابرتي، العناية على الهداية، ج9، ص 122.

(2)      أبوحفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح. أسلم سنة ست من النبوة. قال أهل العلم: لما أسلم عمر عزّ الإسلام بإسلامه. هاجر جهراً وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها، وهو أول خليفة دعي بأمير المؤمنين، مناقبه كثيرة.

          مات شهيداً وعمره بضع وستون سنة.

          انظر ترجمته: ابن الجوزي، صفة الصفوة، ج1، ص111. ابن حجر، الإصابة، ج4، ص484.

(3)      عبد الرزاق، المصنف، ج8، ص 217، باب ضمان الأجير الذي يعمل بيده، رقم الأثر 4949 "واللفظ له". البيهقي، السنن الكبرى، ج6، ص 122، كتاب الإجارة، باب ماجاء في تضمين الاجراء. ابن حزم، المحلى، ج7، ص 30.

(4)      سبق تخريجه، ص 262، 263.

(5)      جعفر بن محمد بن علي الشهيد أبي عبد اللـه الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد مناف، القرشي الهاشمي العلوي. ولد سنة ثمانين، ورأى بعض الصحابة. قال عنه الشافعي: ثقة. وقال عنه يحيى بن معين: جعفر بن محمد ثقة مأمون. مات سنة ثمان وأربعين ومائة، وعمره ثمان وستين سنة رحمه اللـه.

          انظر ترجمته: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج6، ص 255.

(6)      البيهقي، السنن الكبرى، ج6، ص 122، كتاب الإجارة، باب ماجاء في تضمين الأجراء. "واللفظ له". عبد الرزاق، المصنف، ج8، ص 217، باب ضمان الأجير الذي يعمل بيده، رقم الأثر 14948.

          وقد قال البيهقي في تخريج هذا الأثر: "حديث جعفر عن أبيه عن علي مرسل". ج6، ص 122. =

        وقد نوقش استدلالهم بهذه الآثار بأنه لم يصح عند أهل الحديث شئ منها.

        قال الشافعي: "وليس في هذا سنة أعلمها ولا أثر يصح عند أهل الحديث عن أحد من أصحاب النبي صلى اللـه عليه وسلم. وقد روي عن عمر وعلي، وليس يثبت عند أهل الحديث عنهما، ولو ثبت عنهما لزم من يثبته أن يضمّن الأجراء من كانوا، فيضمن أجير الرجل وحده، والأجير المشترك، والأجير على الحفظ والرعي وحمل المتاع، والأجير على الشئ يصنعه؛ لأن عمر إن كان ضمن الصناع فليس في تضمينه لهم معنى إلا أن يكون ضمّنهم بأنهم أخذوا أجراً على ماضمنوا، فكل من كان أخذ أجراً فهو في معناهم، وإن كان علي رضي اللـه عنه ضمّن القصار، والصائغ، فكذلك كل صانع وكل من أخذ أجرة.

        وقد يقال للراعي صناعته الرعية، وللحمال صناعته الحمل للناس، ولكنه ثابت عن بعض التابعين ماقلت أولاً من التضمين، أو ترك التضمين"(1) ا.هـ.

4 -   كما استدل أصحاب هذا القول على تضمين الأجير المشترك ما يتلف بفعله: "بأن عمل الأجير المشترك مضمون عليه، فما تولد منه يجب أن يكون مضموناً أيضاً، كالعدوان بقطع عضو بخلاف الأجير الخاص. والدليل على أن عمل الأجير المشترك مضمون عليه: أنه لايستحق العوض إلا بالعمل، وأن الثوب لو تلف في حرزه بعد عمله لم يكن له أجر فيما عمل فيه، وكان ذهاب عمله من ضمانه. بخلاف الخاص فإنه إذا أمكن المستأجر من استعماله استحق العوض بمضي المدة وإن لم يعمل، وما عمل فيه من شئ فتلف من حرزه لم يسقط أجره بتلفه"(2).

________________________

=        وقد ضعفه الألباني في الإرواء، انظر: ج5، ص 319.

(1)      الشافعي، الأم، ج4، ص 39.

(2)      ابن قدامة، المغني، ج6، ص 119.


5 -   كما استدلوا ايضاً على تضمين الأجير المشترك ما تلف بفعله، أن التلف حصل بعمل غير مأذون فيه فيكون مضموناً. وهذا لأن الداخل تحت الإذن هو الداخل تحت العقد وهو العمل المصلح؛ لأن الإذن ثبت فيه، لأن مطلق عقد المعاوضة يقتضي سلامة المعقود عليه من العيوب، فإذا تلف كان التلف حاصلاً بما ليس بمأذون فيه، فصار كما لو وصف له نوعاً من العمل فأتى بنوع آخر(1).

        المذهب الثاني: وهو قول أبي يوسف ومحمد من الحنفية(2)، ورواية عن الإمام أحمد(3)، أن الأجير المشترك ضامن لكل مايمكن التحرز عنه كالغصب والسرقة، بخلاف مالايمكن التحرز عنه كالموت والحريق الغالب والعدو المكابر.

        قال الكاساني: "وقال أبويوسف ومحمد هو مضمون عليه، إلا حرق غالب أو غرق غالب أو لصوص مكابرين. ولو احترق بيت الأجير المشترك بسراج يضمن الأجير كذا روي عن محمد"(4)ا.هـ.

            ضابط مالا يمكن التحرز منه عند الصاحبين:-

        ضابط مالايمكن الاحتراز عنه عند الصاحبين: "هو كل أمر لايقدر الأجير على استدراكه لو علم به"(5).

        حيث يقول الكاساني في علة تضمين الأجير المشترك لما يحترق بالسرج: "لأن هذا ليس بحريق غالب وهو الذي يقدر على استدراكه لو علم به؛ لأنه لو علم به لأطفأه فلم يكن موضع لعذر"(6)ا.هـ.

________________________

(1)      انظر: الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 135.

(2)      الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 134. الطوري، تكملة البحر الرائق، ج8، ص 31.

(3)      ابن قدامة، المغني، ج6، ص 129. المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 73.

(4)      البدائع، ج4، ص 210.

(5)      عبد اللـه الغطيمل، أحكام تلف الأموال، ج1، ص 408.

(6)      البدائع، ج4، ص 210.

        وأما بالنسبة لرواية الإمام أحمد فقد قال ابن قدامة: "وروي عن الإمام أحمد إنه قال: إن كان هلاكه بما استطاع ضمن، وإن كان غرقاً أو عدواً غالباً فلا ضمان"(1)ا.هـ.

        إلا أن ابن قدامة قال إن هذه الرواية "تحتمل أنه إنما يجب عليه الضمان إذا تلف من بين متاعه خاصة؛ لأنه يُتهم. ولهذا قال في الوديعة في رواية أنها تضمن إذا ذهبت من بين ماله، فأما غير ذلك فلا ضمان عليه؛ لأن تخصيصه التضمين بما إذا تلف من بين متاعه يدل على أنه لايضمن إذا تلف مع متاعه، ولأنه إذا لم يكن منه تفريط ولا عدوان فلا يجب عليه الضمان كما لو تلفت بأمر غالب"(2)ا.هـ.

        والقول بالضمان عند الصاحبين مقيد بما لو انفرد الأجير بالمأجور.

        قال الكاساني: "ثم عندهما إنما يجب الضمان على الأجير إذا هلك في يده؛ لأن العين إنما تدخل في الضمان عندهما بالقبض كالعين المغصوبة، فلما لم يوجد القبض لايجب الضمان حتى لو كان صاحب المتاع معه راكباً في السفينة، أو راكباً على الدابة التي عليها الحمل فعطب الحمل من غير صنع الأجير لا ضمان عليه؛ لأن المتاع في يد صاحبه. وكذلك إذا كان صاحب المتاع والمكاري راكبين على الدابة أو سائقين أو قائدين؛ لأن المتاع في أيديهما فلم ينفرد الأجير باليد فلا يلزمه ضمان اليد"(3)ا.هـ.

        وبهذا قال الحنابلة، جاء في المبدع: "ومحل الروايات إذا لم تكن يد المالك عليها، فإن كانت، فلا ضمان بحال"(4)ا.هـ.

        ومن خلال ماسبق يتبين لنا الفرق بين قول الإمام أبي حنيفة وصاحبيه في ضمان

 

________________________

(1)      المغني، ج6، ص 129.

(2)      المرجع السابق.

(3)      البدائع، ج4، ص 210. وانظر: الشلبي، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق، ج5، ص 134.

(4)      ابن مفلح، ج5، ص 110.

 

الأجير المشترك. فالإمام أبوحنيفة يرى أنه لاضمان على الأجير المشترك، إلا لما حصل بفعله ولو كان معتاداً، وأما ما حصل بغير فعله فإنه لايضمنه سواء كان مما يمكن الاحتراز عنه أم لا.

        أما الصاحبان فإنهما يضمنان الأجير مطلقاً، إلا إن كان التلف حاصلاً من أمر غالب ولم ينفرد الأجير باليد.

        ووجه الاختلاف بينهم هو أن أبا حنيفة يقول إن الأجرة إنما هي في مقابل العمل فقط وليست في مقابل العمل والحفظ معاً، أما الصاحبان فيقولان إن الأجرة في مقابل العمل مع الحفظ(1).

الأدلة:-

1 -   استدلوا على تضمين الأجير المشترك، إلا فيما لايمكن التحرز عنه بما روي عن النبي صلى اللـه عليه وسلم قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤدي"(2).

        وجه الاستدلال من الحديث: أن الأجير المشترك عجز عن رد العين بالهلاك فيجب رد مثلها أو قيمتها(3).

        ونوقش استدلالهم بالحديث "بأنه لايتناول الإجارة؛ لأن الرد في باب الإجارة لايجب على المستأجر فكان المراد منه الإعارة والغصب"(4).

2 -   كما استدلوا بالآثار الواردة عن عمر وعلي رضي اللـه عنهما في تضمين الأجير(5).

        ووجه الاستدلال من هذه الآثار: "أن عمر وعلياً رضي اللـه عنهما كانا يقولان

 

________________________

(1)      انظر: على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج1، ص 599، المادة 607.

(2)      سبق تخريجه، ص 20، 21 .

(3)      انظر: الكاساني، البدائع، ج4، ص 210، بتصرف يسير.

(4)      المرجع السابق.

(5)      وقد سبق تخريجها.

        بتضمين الأجير المشترك احتياطاً لأموال الناس، وهو المعنى في المسألة وهو أن هؤلاء الاجراء الذين يسلّم المال إليهم من غير شهود تخاف الخيانة منهم فلو علموا أنهم لايضمنون لهلكت أموال الناس؛ لأنهم لا يعجزون عن دعوى الهلاك. وهذا المعنى لايوجد في الحرق الغالب، والسرقة الغالبة"(1).

        وقد نوقش هذا الاستدلال: بأن فعل عمر وعلي رضي اللـه عنهما يحتمل أنه كان في بعض الأجراء وهو المتهم بالخيانة(2).

        كما استدلوا من المعقول بالأدلة التالية.

3 -   أن الحفظ مستحق على الأجير المشترك إذ لايمكن العمل إلا به، حيث أن الأجير لايتمكن من إيفاء العمل إلا بالحفظ، وما لا يتم الواجب إلا به فإنه واجب كوجوبه، فكان العقد وارداً عليه. فإذا هلك المتاع بسبب يمكن الاحتراز عنه كالغصب والسرقة، فإن هذا يعني أن الأجير قد ترك المستحق عليه، وهو الحفظ فعُدّ هذا تقصيراً من جهته، فيجب عليه الضمان كالوديعة إذا كانت بأجر.

        فالصاحبان يقولان: إنما تصور المسألة في حافظ الأمتعة بأجر، فإذا هلكت الأمتعة فإنه يضمن وإن كانت العين عنده أمانة بخلاف ما إذا كان التلف حاصلاً بما لايمكن الاحتراز عنه كالموت حتف أنفه، والحريق الغالب وغير ذلك؛ لأنه لا تقصير من جهة الأجير(3).

        ونوقش هذا الاستدلال: "بأن عقد الأجير المشترك واردٌ على العمل لا على الحفظ، وإنما كان الحفظ تبعاً لا مقصوداً. فالحفظ ليس بمقصود أصلي بل لإقامة العمل فكان تبعاً؛ ولهذا لايقابله الأجر. وإذا كان تبعاً ثبت ضرورة إقامة العمل ولم يتعد إلى إيجاب الضمان، بخلاف المودع بأجر؛ لأن الحفظ مستحق عليه

 

 

________________________

(1)    الكاساني، البدائع، ج4، ص 210.

(2)      المرجع السابق.

(3)      انظر: البابرتي، العناية على الهداية، ج9، ص 122. الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 135.

        مقصود حتى يقابله الأجر"(1).

4 -   كما استدلوا على تضمين الأجير المشترك بقولهم: إننا إنما قلنا بتضمين الأجير المشترك "صيانة لأموال الناس؛ لأن الأجير يتقبل الأعمال من خلق كثير رغبة في كثرة الأجر وقد يعجز عن القيام بها فيقعد عنده طويلاً فيجب عليه الضمان إذا هلكت بما يمكن الاحتراز عنه حتى لايتوانى في حفظها"(2).

        وقد اختلف الحنفية على أي القولين يُفتى به، فذهب الزيلعي(3) إلى القول بأن الفتوى على قولهما حيث قال: "وبقولهما يفتى اليوم لتغير أحوال الناس، وبه تحصل صيانة أموالهم"(4)ا.هـ.

        وجاء في حاشية ابن عابدين أن "الفتوى على قوله"(5).

        وهذا ما قدمه في الملتقى(6) واختارته المجلة(7).

        وأفتى المتأخرون من الحنفية بالصلح على نصف القيمة، بمعنى أن الأجير المشترك إذا تلفت السلعة بغير فعله بسبب يمكن الاحتراز عنه ولم يكن منه تعدٍ أو تفريط أن عليه نصف القيمة فيدفع الأجير المشترك نصف القيمة ويحط عنه

________________________

(1)      البابرتي، العناية على الهداية، ج9، ص 122.

(2)      الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 138.

(3)      عثمان بن علي بن محجن، أبومحمد فخر الدين الزيلعي كان مشهوراً بمعرفة الفقه والنحو والفرائض. قدم القاهرة، ودرّس وأفتى وقرر وأنتقد ونشر الفقه ووضع شرحاً على كنز الدقائق سماه تبيين الحقائق. وذكر صاحب الكشف أن له شرحاً على الجامع الكبير. توفي سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.

          انظر ترجمته: اللكنوي الهندي، الفوائد البهية في تراجم الحنفية، ص 115.

(4)      الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 135. سعدي جلبي، حاشية سعدي جلبي، ج9، ص 122.

(5)      رد المحتار، ج9، ص 89.

(6)      داماد أفندي، مجمع الأنهر، ج2، ص 391.

(7)      على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج1، ص 606، المادة 611.

النصف الآخر، لاختلاف الصحابة والأئمة(1).

المذهب الثالث:-

        وهو قول المالكية(2) والشافعية في أصح القولين(3) وقول عند الحنابلة خرجه أبو الخطاب(4) ومذهب الظاهرية(5)، وقالوا: إنه لاضمان على الأجير المشترك إلا إذا تعدى أو فرّط.

        جاء في الكافي في فقه أهل المدينة: "ولا ضمان على أجير إلا ما جنت يداه أو ضيّع أو تعدى كسائر الأمناء"(6) ا.هـ.

        وجاء في المهذب: "لاضمان عليه - أي الأجير المشترك - وهو قول المزني(7)،

________________________

(1)      انظر: داماد أفندي، مجمع الأنهر، ج2، ص 392. البغدادي، مجمع الضمانات، ص 27. عبداللـه الغطيمل، أحكام تلف الأموال، ص 408.

(2)      ابن الرحال، كشف القناع عن تضمين الصناع، ص 73. المواق، التاج والإكليل، ج5، ص 427.

(3)      الماوردي، الحاوي، ج9، ص 254. الشرقاوي، حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب، ج2، ص 89.

          وقد ذكر الإمام النووي في الروضة أن هذا أظهر الأقوال، حيث قال: "أما المشترك، فهل يضمن ماتلف في يده بلا تعد ولا تقصير؟ فيه طريقان. أصحهما: قولان. أحدهما: يضمن كالمستعير والمستام. وأظهرهما: لايضمن كعامل القراض. والثاني: لايضمن قطعاً". ا.هـ.

          ج4، ص 299.

(4)      ابن قدامة، المغني، ج6، ص 118. المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 72.

(5)      ابن حزم، المحلى، ج7، ص 30.

(6)      ابن عبد البر، ص 375.

(7)      إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق، أبوإبراهيم، المزني، المصري، الفقيه. ولد سنة خمس وسبعين ومائة.أخذ عن الإمام الشافعي وكان يقول:"أنا خلق من أخلاق الشافعي" وكان=


وهو الصحيح"(1) ا.هـ.

        وكان الإمام الشافعي لايفتى به لفساد الناس(2).

الأدلة:

1 -   استدلوا بما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم قال: "لاضمان على مؤتمن"(3).

 

________________________

=        أول أصحاب الإمام الشافعي. كان زاهداً، عالماً، مجتهداً، مناظراً، مجاب الدعوة. قال عنه الشافعي: "المزني ناصر مذهبي". صنف كتباً كثيرة منها: "الجامع الكبير"، و "الجامع الصغير"، و "مختصر المزني". توفي سنة أربع وستين ومائتين.

          انظر ترجمته: ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، ج1، ص 58. الأتابكي، النجوم الزاهرة، ج3، ص 39.

(1)      الشيرازي، ج1، ص 414.

(2)      انظر المرجع السابق.

(3)      البيهقي، السنن الكبرى، ج6، ص 289، كتاب الوديعة، باب لاضمان على مؤتمن.

          وهذا الحديث ضعفه ابن حجر في تلخيص الحبير. وجاء في فيض القدير: "ثم قال أعني البيهقي: حديث ضعيف. ورواه الدارقطني عن ابن عمرو من هذا الوجه، وقال عمرو بن عبدالجبار، وعبيدة ضعيفان 000 وقال الذهبي في التنقيح كأصله لايصح، وفي المهذب إنه صحيح".

          وقال الألباني في الإرواء بعد أن ساق طرق الحديث: "فهذه ثلاث طرق عن عمرو بن شعيب وهي وإن كانت ضعيفة فمجموعها مما يجعل القلب يشهد بأن الحديث قد حدّث به عمرو بن شعيب وهو حسن الحديث لاسيما وقد روى معناه عن جماعة من الصحابة ساق البيهقي أسانيدهم" ا.هـ.

          انظر: ابن حجر، تلخيص الحبير، ج3، ص 97، كتاب الوديعة (41)، حديث 1382. المناوي، فيض القدير، ج6، ص 432. الألباني، إرواء الغليل، ج5، ص 386، باب الوديعة، حديث 1547.


        فقد اسقط الضمان على الأمناء، والأجير أمين فيدخل في عموم الحديث(1).

2 -   "إن الأصول موضوعة على أن من أخذ مال غيره لمنفعة نفسه ضمنه كالمقترض، والمستعير. ومن أخذه لمنفعة مالكه لم يضمنه كالمودع. ومن أخذه لمنفعة مشتركة بينه وبين مالكه كالمضارب والمرتهن فلا يضمن إلا بالتعدي. كذلك الأجير أخذ المال لمنفعة نفسه ومنفعة مالكه فإنه لايضمن"(2) إلا بالتعدي.

        وقد نوقش هذا الاستدلال بأن الأجير أخذ المال لمنفعة نفسه ليأخذ الأجرة فوجب أن يضمن كالقرض. أما المقارض(3) فإنه لو ضمن المال مع أن المال بصدد الذهاب والخسارة في الأسفار لامتنع الناس منه فتتعطل مصلحته، بخلاف السلع عند الأجراء(4).

3 -   كا استدلوا على عدم تضمين الأجير المشترك إلا إذا تعدى "بأن عقد الإجارة لما جعل يد المستأجر يد أمانة وجب أن يجعل يد الأجير المشترك مؤتمناً"(5).

        واستثنى المالكية من الاجراء الصناع والأكرياء على حمل الطعام والشراب والإدام خاصة جاء في التاج والاكليل: "القضاء أن الأكرياء والأجراء فيما أسلم إليهم كالأمناء عليه لايضمنون، إلا الصناع والأكرياء على حمل الطعام أو الشراب والإدام خاصة إذ لا غنى عنه فضمنا لصلاح العامة إلا أن تقوم بينة بهلاكه بغير سببهم أو يكون معهم أربابه لم يسلموه إليهم فلا يضمنون"(6)ا.هـ.

 

________________________

(1)      انظر: ابن الرحال، كشف القناع، ص 74.

(2)      الماوردي، الحاوي، ج9، ص 254، 255. وانظر مثله: الشيرازي، المهذب، ج1، ص 414.

(3)      يقال "قارضه من المال قِراضاً من باب قاتل، وهو المضاربة". الفيومي، المصباح المنير، ص 190. "مادة قرض".

(4)      انظر: القرافي، الذخيرة، ج5، ص 503.

(5)      الماوردي، الحاوي، ج9، ص 255.

(6)      المواق، ج5، ص 427.

        فضمان الصناع عند المالكية ضمان تهمة لا ضمان أصالة ينتفي بإقامة البينة(1)؛ لأن الصانع "أجير ثبت هلاك مادفع إليه من غير تفريط فأشبه الخاص، ولأن التهمة زائلة مع قيام البينة"2). وهذا قول مالك وتابعه عليه جميع أصحابه، إلا أشهب فإنه قال بضمانهم وإن قامت البينة. وحجته في ذلك أنه كما وجب أن يضمنوا للمصلحة العامة لم يسقط الضمان عنهم بالبينة حسماً للذريعة؛ لأن ما طريقه المصالح وقطع الذرائع لايخصص في موضع من المواضع، أصل ذلك شهادة الابن لأبيه؛ ولأن من ضمن بلا بينة ضمن وإن قامت البينة أصله الغاصب، ولأن من قبض لمنفعة نفسه فضمن بلا بينة ضمن وإن قامت البينة أصله القرض. وقول مالك أصح(3).

        وعلى هذا فإن المالكية يشترطون لضمان الصناع شروطاً، متى توفرت حكمنا بضمان الأجير، وإن إختل شرط منها لم يضمن الصانع إلا بالتعدي والتقصير وفيما يلي الشروط :-

1 -   أن ينصب الصانع نفسه(4) للصنعة لعامة الناس، فلا ضمان على الصانع الخاص بفرد أو جماعة.

2 -   أن يغيب ربها عن الذات المصنوعة. فإن صنعها الصانع ببيت ربها ولو بغير حضرته أو بحضرته ولو في محل الصانع فلا ضمان.

3 -   أن لايكون في الصنعة تغرير كثقب اللؤلؤة، ونقش الفصوص، وتقويم السيوف، واحتراق الخبز عند الفران، والثوب عند الصباغ، فلا ضمان عليه فيها، إلا أن

 

________________________

(1)      الصاوي، بلغة السالك، ج2، ص 258. بتصرف يسير.

(2)      عبد الوهاب البغدادي، المعونة، ج2، ص 1111، 1112. وانظر: ابن الرحال، كشف القناع، ص 75.

(3)      انظر: المواق، التاج والاكليل، ج5، ص 430. بتصرف يسير.

(4)      الصانع المنتصب: من أقام نفسه لعمل الصنعة التي استعمل فيها بسوقها أو داره، وغير المنتصب من لم يقم نفسه لها، ولا منها معاشه.

          الرصاع، شرح حدود ابن عرفة، ج2، ص527. الحطاب، مواهب الجليل، ج5، ص 431.

        يعلم أنه تعدى فيها أو أخذها على غير وجه مأخذها.

4 -   أن يكون المصنوع مما يغاب عليه بأن يكون ثوباً أو حلياً. فلا ضمان على معلم الأطفال أو البيطار إذا ادعى الأول هروب الولد، والثاني هروب أو تلف الدابة.

5 -   أن لا تقوم بينة على ما ادعاه من تلف أو ضياع، فإن قامت فلا ضمان. كما هو مذهب مالك وسائر أصحابه باستثناء أشهب كما ذكرناه سابقاً(1)، وهذا مما يؤكد أن الضمان عندهم ضمان تهمة ينتفي بإقامة البينة(2).

6 -   أن لايكون الصانع أحضره لربه مصنوعاً على الصفة المطلوبة ويتركه ربه اختياراً فيضيع، وإلا فلا ضمان.

        حيث كان إحضاره بعد دفع الأجرة يصّير ماعنده كالوديعة، بخلاف ما لو أحضره على غير الصفة أو دعاه لأخذه من غير إحضار، أو أبقاه عنده حتى يقبض الأجرة ثم يدعي ضياعه بعد ذلك فإنه يضمن(3).

        فالمالكية يقولون بتضمين الصناع؛ "لأن في ذلك مصلحة ونظراً للصناع وأرباب السلع، وفي تركه ذريعة إلى إتلاف الأموال وذلك أن بالناس ضرورة إلى الصناع إذ ليس كل أحد يحسن أن يخيط ثوبه أو يقصره أو يطرزه، فلو قبلنا قولهم في الإتلاف مع علمهم بضرورة الناس إليهم لتسرعوا إلى ادعائه، ولأُجبروا(4) على الناس وللحق أرباب السلع أشد ضرر، فكان الحظ للجميع دفعها على التضمين، ولأنه قبض العين لنفع نفسه من غير استحقاق للأجر بعقد متقدم فلم يقبل قوله في تلفها كالمقترض والمستعير.

________________________

(1)      انظر: النفراوي، الفواكه الدواني، ج2، ص 127، 128. الصاوي، بلغة السالك، ج2، ص 258. الحطاب، مواهب الجليل، ج5، ص 430، عبداللـه الغطيمل، أحكام تلف الأموال، ص410.

(2)      انظر: عبداللـه الغطيمل، أحكام تلف الأموال، ص 410.

(3)      انظر: المراجع السابقة.

(4)      ولعل الصواب [وتجبروا].

        وإنما شرطنا في ذلك أن يتسلموه ويغيبوا عليه؛ لأنهم إنما يضمنون بالقبض فإذا لم يسلم إليهم وكانوا في منازل أرباب السلع أو كان أرباب السلع معهم فلم ينفردوا بقبض يتهمون فيه بادعاء التلف فلا وجه للتضمين مع عدم موجبه"(1)

        كما ذكر الشاطبي(2) وجه المصلحة في تضمين الصناع، فقال: "ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم؛ لأفضى ذلك إلى أحد أمرين:-

        إما ترك الاستصناع بالكلية وذلك شاقٌ على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة فكانت المصلحة التضمين. وهذا معنى قول علي رضي اللـه عنه: "لايصلح الناس إلا ذاك"(3)ا.هـ.

        وقد أجاب الشاطبي على الاعتراضات التي قد ترد على قول المالكية فقال: "ولا يقال: إن هذا نوع من الفساد، وهو تضمين البرئ، إذ لعله ما أفسد ولا فرط، فالتضمين مع ذلك كان نوعاً من الفساد.

        لأنا نقول: إذا تقابلت المصلحة والمضرة فشأن العقلاء النظر إلى التفاوت،

 

___________________________

(1)      عبد الوهاب البغدادي، المعونة، ج2، ص 1111.

(2)      أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الغرناطي، الشهير بالشاطبي. أحد العلماء الأثبات وأكابر الأئمة الثقات الفقيه الأصولي المفسر المحدث، له استنباطات جليلة وفوائد لطيفة وأبحاث شريفة مع الصلاح والعفة والورع واتباع السنة واجتناب البدع. أخذ عن أئمة منهم: أبوالقاسم الشريف السبتي، وأبوعبد اللـه الشريف التلمساني، والإمام المقري. وله تآليف نفيسة منها: الموافقات، والاعتصام، والمجالس، توفي سنة تسعين وسبعمائة.

          انظر ترجمته: محمد مخلوف، شجرة النور الزكية، ج1، ص 231. الزركلي، الأعلام، ج1، ص 75.

(3)      الاعتصام، ج2، ص 616.

ووقوع التلف من الصناع من غير تسبب ولا تفريط بعيد، والغالب الفوت؛ فوت الأموال، وأنها لا تستند إلى التلف السماوي، بل ترجع إلى صنع العباد على المباشرة والتفريط، وفي الحديث: "لاضرر ولا ضرار"(1)، وتشهد له الأصول من حيث الجملة؛ فإن النبي صلى اللـه عليه وسلم نهى أن يبيع حاضر لباد، وقال: "دَعُو النَّاسَ يَرْزِقُ اللـه بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ"(2). وقال: "لا تلقوا الركبان بالبيع حتى يهبط بالسلع إلى الأسواق"(3) وهو من باب ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، فتضمين الصناع من ذلك القبيل"(4)ا.هـ.

        فهذا هو "ما استثناه المالكية من الأجير المشترك فليس كل أجير مشترك ضامن عندهم إلا أن بعض متأخري المالكية قد استحسن تضمين بعض الأجراء للمصلحة أيضاً واحتياطاً لأموال الناس"(5).

        جاء في حاشية الدسوقي: "واعلم أن أصل المذهب عدم تضمين الخفراء(6)

 

___________________________

(1)      سبق تخريجه، ص 21.

(2)      مسلم، صحيح مسلم "المطبوع مع شرح النووي"، ج10، ص 165، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الحاضر للبادي.

(3)      البخاري، صحيح البخاري "المطبوع مع الفتح"، ج5، ص 113، كتاب البيوع (34)، باب النهي عن تلقي الركبان، وأن بيعه مردود (71)، رقم الحديث 2165. ولفظه: "لايَبيعُ بعضُكم على بَيعِ بعضٍ ولا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حتى يُهبَطَ بها إلى السوق".

          مسلم، صحيح مسلم "المطبوع مع شرح النووي"، ج10، ص 162، كتاب البيوع، باب تحريم تلقي الجلب ولفظ مسلم: "أَنَّ رَسُولَ اللـه صَلَّى اللـه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَهَى أَنْ تُتَلَقَّى السِّلَعُ حَتَّى تَبْلُغَ الأَسْوَاقَ".

(4)      الاعتصام، ج2، ص 616، 617.

(5)      عبد اللـه الغطيمل، أحكام تلف الأموال، ص 411.

(6)      خفر: الخاء والفاء والراء أصلان: أحدهما: الحياء، والآخر المحافظة أو ضدها 000 فيقال خَفَرْتُ الرّجل خُفْرةً إذا أجَرتَه وكنت له خفيراً، وتَخَفَّرتُ بفلان، إذا استَجَرْتُ به" و "تخفرت به إذا احتميت به".

          انظر: ابن فارس، المقاييس في اللغة، ص 324، 325، مادة "خفر". الفيومي، المصباح المنير، ص 67، مادة "خفر".

والحراس والرعاة واستحسن بعض المتأخرين تضمينهم نظراً لكونه من المصالح العامة"(1).

        فقول بعض فقهاء المالكية بتضمين الأجير المشترك غير الصانع وحامل الطعام، إنما هو من باب مراعاة المصلحة التي هي من أصول مذهب الإمام مالك.

        فاختلافهم إذن في ضمان الراعي المشترك والحراس وغيرهما من الأجراء إنما هو اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان(2).

            المذهب الرابع:

        وهو قول عند الشافعية في مقابل الأظهر(3)، وذكره القاضي من الحنابلة(4): أن الأجير المشترك يضمن طالما أنه انفرد باليد.

        قال النووي: "ولوتلف المال في يد أجير بلا تعدٍ كثوب استؤجر لخياطته أو صبغه لم يضمن إن لم ينفرد باليد، بأن قعد المستأجر معه أو أحضره منزله، وكذا إن انفرد في أظهر الأقوال"(5)ا.هـ.

        فقوله: "وكذا إن انفرد في أظهر الأقوال" يدل على أن ما يقابل الأظهر أنه يضمن إذا انفرد فقط. فإن لم ينفرد فلا خلاف بين فقهاء الشافعية في عدم ضمانه.

        وقال ابن قدامة: "ذكر القاضي أن الأجير المشترك إنما يضمن إذا كان يعمل في ملك نفسه مثل الخباز يخبز في تنوره وملكه، والقصار والخياط في دكانيهما. قال: ولو

 

___________________________

(1)      الدسوقي، ج4، ص 26. وانظر: ابن الرحال، كشف القناع عن تضمين الصناع، ص 108، 112، 114.

(2)      انظر: عبد اللـه الغطيمل، أحكام تلف الأموال، ص 412.

(3)      النووي، روضة الطالبين، ج4، ص 299. الشربيني، مغني المحتاج، ج2، ص 353.

(4)      ابن قدامة، المغني، ج6، ص 121.

(5)      النووي، المنهاج ، ج2، ص 353.

دعا الرجل خبازاً فخبز له في داره أو خياطاً، أو قصاراً ليقصر ويخيط عنده لا ضمان عليه فيما أتلف مالم يفرّط؛ لأنه سلم نفسه إلى المستأجر فيصير كالأجير الخاص"(1)ا.هـ.

الأدلة:-

1 -   استدلوا بما رواه أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب رضي اللـه عنهما غرَّمه بضاعة كانت معه فسرقت أو ضاعت فغرمها إياه عمر بن الخطاب رضي اللـه عنه"(2).

        قلت: والذي يظهر أن أصحاب هذا القول يرون أن عمر بن الخطاب رضي اللـه عنه غرّم أنس بن مالك رضي اللـه عنه؛ لأنه انفرد باليد.

2 -   قاسوا الأجير المشترك على المستعير، فقالوا: "إن الأجير تصرف في ملك غيره لمنفعة نفسه فوجب أن يكون من ضمانه كالمستعير؛ لأن الأجرة ترجع إليه فوجب أن يكون الضمان عليه كالمؤجِّر المستحق لأجرتها. كذلك الأجير يجب أن يكون عليه ضمان المال؛ لأن الأجرة صائرة إليه فعلى هذا يكون كالعارية"(3).

        وقد نوقش هذا الاستدلال بأن العين مقبوضة بعقد الإجارة، والأجير لم يتلفها بفعله فلم يضمنها كالعين المستأجرة؛ ولأنه قبضها بإذن مالكها لنفع يعود إليهما فلم يضمنها كالمضارب والشريك والمستأجر، وكما لو تلفت بأمر غالب. ويخالف العارية فإن مستعيرها ينفرد بنفعها(4).

___________________________

(1)      ابن قدامة، المغني، ج6، ص 121. وانظر: ابن مفلح، الفروع، ج4، ص 450.

(2)      البيهقي، السنن الكبرى، ج6، ص 289، 290. كتاب الوديعة، باب: "لاضمان على مؤتمن". وانظر: عبد الرازاق، المصنف، ج8، ص 182، باب الوديعة، رقم الأثر 14799.

          وقال عنه الألباني: إسناده جيد.

          إرواء الغليل، ج5، ص 387، رقم الأثر 1548.

(3)      الماوردي، الحاوي، ج9، ص 254، 255. وانظر: الشيرازي، المهذب، ج1، ص 414.

(4)      انظر: ابن قدامة، المغني، ج6، ص 129. بتصرف يسير.

4 -   وأما دليلهم على عدم ضمانه إذا كان معه المستأجر؛ فلإنه لم ينفرد باليد فكان كالأجير الخاص(1).

        ونوقش هذا الدليل: بأنه لافرق بين كون الأجير انفرد باليد أو لم ينفرد؛ "لأن وجوب الضمان عليه لجناية يده فلا فرق بين حضور المالك وغيبته كالعدوان، ولأن جناية الجمال والملاح إذا كان صاحب المتاع راكباً معه يعم المتاع وصاحبه، وتفريطه يعمهما فلم يسقط ذلك الضمان كما لو رمى إنساناً متترساً فكسر ترسه وقتله، ولأن الطبيب والختان إذا جنت يداهما ضمنا مع حضور المطبب والمختون"(2).

الترجيح:

        من خلال أقوال الفقهاء في المسألة وأدلتهم وما ورد عليها من مناقشات يترجح لي قول المالكية والذي يقضي أن الأصل في الأجير المشترك أنه أمين كسائر الأمناء فلا يضمن إلا في حالة التعدي أو التفريط؛ ذلك أن عقد الإجارة اقتضى أن واضع اليد على المأجور أمين سواء كان مستأجراً أم أجيراً.

        ولكن نظراً لفساد الزمان، وخفة الديانة، وقلة الأمانة، والحرص على المال والطمع فيه عند كثير من الأجراء، فإن المصلحة العامة تقتضي تضمينهم، ولحفظ حقوق الناس وأموالهم. إذ أن الأجير المشترك إذا علم أنه لايضمن فإن هذا سيؤدي به إلى التهاون وقلة الاحتراز في حفظ أموال الناس، أما إذا علم أنه يضمن المأجور إن حصل به تلف أو عيب فإنه سيكون حريصاً على أموال الناس.

        وعلى هذا فإن ضمان الأجير المشترك ضمان تهمة لا ضمان أصالة ينتفي بإقامة البينة علىعدم تعدي الأجير أو تفريطه، أو على أن التلف حصل بأمر لايمكن الاحتراز عنه كالحريق الغالب، والعدو المكابر. واللـه تعالى أعلم.

___________________________

(1)      انظر: ابن قدامة، المغني، ج6، ص 121.

(2)      المرجع السابق، ص 120.

المبحث الثالث: مسائل متعلقة بضمان الأجير المشترك

مسألة: - ضمان الأجير إذا حبس العين لاستيفاء الأجرة فتلفت.

        اختلف الفقهاء في جواز حبس الأجير للعين ليستوفي الأجرة على قولين:-

        القول الأول:- وهو للحنفية حيث قالوا: إذا أراد الأجير حبس العين بعد الفراغ من العمل لاستيفاء الأجرة، ينظر إن كان لعمله أثر ظاهر في العين كالخياط والقصار والصباغ والإسكاف(1) له ذلك؛ لأن ذلك الأثر هو المعقود عليه وهو صيرورة الثوب مخيطاً مقصوراً وإنما العمل يحصل ذلك الأثر عادة، والبدل يقابل ذلك الأثر فكان كالمبيع فكان له أن يحبسه لاستيفاء الأجرة كالمبيع قبل القبض أنه يُحبس لاستيفاء الثمن إذا لم يكن الثمن مؤجلاً"(2).

        وهذا هو أحد الوجهين عند الشافعية، حيث قالوا: "إذا استأجر صانعاً على عمل من خياطة أو صباغة، فعمل. فهل له أن يحبس العين على الأجرة؟.

        فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن عمله ملكه فجاز له حبسه على العوض كالمبيع في يد البائع"(3) ا.هـ.

        وبهذا قال فقهاء الحنابلة فيما إذا أفلس المستأجر، وجاء يطلب العين من الصانع أن له الحبس.

        وكذا إذا كان صبغ الثوب من الأجير على قول(4).                

        فإن حبس العين فضاعت "فلا ضمان ولا أجرة؛ لأن العين أمانة في يده000

 

___________________________

(1)      الإسكاف: صانع الأحذية ومصلحها، والجمع أساكِفة.

          إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، ج 1، ص 439، مادة "سُكَف".

(2)      الكاساني، البدائع، ج4، ص 204. وانظر: الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 111. البغدادي، مجمع الضمانات، ص 29.

(3)      الشيرازي، المهذب، ج1، ص 416. والذي يظهر من هذا الوجه عند الشافعية أنهم لم يفصلوا كما فعل الحنفية.

(4)      انظر: ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 112. المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 77.

وله أن يحبسها بالأجرة شرعاً فلا يكون به متعدياً فلا يجب عليه الضمان به ولايجب له الأجر؛ لأن المعقود عليه هلك قبل التسليم وذلك يوجب سقوط البدل كالمبيع إذا هلك قبل القبض. وهذا عند أبي حنيفة رحمه اللّه. وعندهما(1) يضمن العين؛ لأنها كانت مضمونة عليه قبل الحبس عندهما فلا يسقط ذلك بالحبس، ثم لصاحب العين الخيار إن شاء ضمنه قيمة العين غير معمولة ولا أجر له؛ لأن العمل لم يصر مسلماً إليه، وإن شاء ضمنه قيمتها معمولة وعليه الأجر؛ لأن المبيع وهو العمل صار مسلماً إليه بتسليم بدله إليه"(2).

        فإن لم يكن لعمله أثر "كالحمال والملاح لايحبس الأجر؛ لأن المعقود عليه نفس العمل وهو عرض يفنى ولا يُتصور بقاؤه، ولا له أثر يقوم مقامه فلا يتصور حبسه"(3).

        القول الثاني:- وهو للمالكية(4)، وأحد الوجهين عند الشافعية(5) والمذهب عند الحنابلة(6) وزفر من الحنفية(7)، وقالوا: إنه ليس للمستأجر أن يحبس العين ليستوفي الأجرة.

        "لأن المعقود عليه صار مسلماً إلى صاحب العين باتصاله بملكه فسقط حق

 

___________________________

(1)      أي عند الصاحبين.

(2)      الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 111. وانظر: الكاساني، البدائع، ج4، ص 204.

(3)      الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 111. وانظر: الكاساني، البدائع، ج4، ص 204.

(4)      النفراوي، الفواكه الدواني، ج2، ص 128. وقال الدردير: "أو يحضره الصانع لربه مصنوعاً على الصفة المشترطة فتركه عنده فادعى ضياعه فلا ضمان عليه؛ لأنه خرج حينئذ إلى حكم الايداع. وهذا مالم يتركه عنده رهناً في نظير الأجرة وإلا كان حكمه حكم الرهن" الشرح الصغير، ج2، ص 258.

          وقال الصاوي في معنى الكلام السابق: "أي يضمنه ضمان الرهان ولا تسقط الأجرة" ج2، ص 258.

(5)      الشيرازي، المهذب، ج1، ص 416.

(6)      المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 77. وانظر: ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 111، 112.

(7)      قال زفر رحمه اللّه: "ليس له أن يحبس العين فيما لعمله أثر" فدل ذلك على أنه يقول إنه لايجوز حبس العين فيما لا أثر لعمله من باب الأولى. الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 111.

الحبس به؛ لأن الاتصال بملكه بإذنه فصار كالقبض بيده ألا ترى أنه لو أمر شخصاً بأن يزرع له أرضه حنطة من عنده قرضاً فزرعها المأمور صار قابضاً باتصاله بملكه وصار كما إذا صبغ في بيت المستأجر"(1).

        وبناء على هذا القول فإن الأجير يكون ضامناً للعين إذا تلفت كما نص على ذلك فقهاء المالكية(2) والحنابلة(3)؛ لأن الأجير متعد بإمساك العين إذ أنها ليست رهناً ولا عوضاً عن الأجرة(4).

        وقد نوقش دليلهم على عدم جواز حبس العين: أن "اتصال العمل بالمحل ضرورة إقامة العمل فلم يكن راضياً بهذا الاتصال من حيث إنه تسليم بل رضاه في تحقيق عمل الصبغ ونحوه من الأثر في المحل إذ لاوجود للعمل إلا به فكان مضطراً إليه والرضا لايثبت مع الاضطرار كصاحب العلو إذا بنى السفل لايكون متبرعاً راضياً به؛ لأنه مضطر إليه، وليس هذا كصبغه في بيت المستأجر؛ لأن العين فيه في يد المستأجر لقيام يده على المنزل ويمكن العامل أن يتحرز عنه بأن يعمل في منزل نفسه فلم يكن مضطراً إليه فيكون راضياً بالتسليم مع إمكان التحرز عنه فيبطل حقه في الحبس"(5).

الترجيح:

        الراجح في هذه المسألة - واللّه أعلم - هو القول بأن للأجير أن يحبس العين ليستوفي الأجرة، وهو أحد الوجهين عند الشافعية.

        لأن جانبه أضعف في الغالب ذلك أن المستأجر قد يأخذ عينه ثم يختفي عنه ولايعطيه أجره فيضيع حقه.

___________________________

(1)      الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 111.

(2)      النفراوي، الفواكه الدواني، ج2، ص 128.

(3)      ابن قدامة، الكافي، ج2، ص 329. ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 111، 112.

(4)      انظر: ابن قدامة، الكافي، ج2، ص 329. بتصرف يسير.

(5)      الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 111.

        فلا مانع إذاً من حبس الأجير للعين إذا غلب على ظنه أنه لايتوصل إلى حقه إلا بهذه الطريقة، خاصة في زماننا هذا الذي كثر فيه الناس والمال وكثر احتياجهم للأجراء والصناع حتى إن الأجير قد يأتيه في اليوم الواحد العشرات، ولا يعرف أكثرهم وقد يكون بعضهم ممن خفّ الوازع الديني عندهم فلا يتورعون عن أخذ أعيانهم دون دفع الأجرة إلى من صنعها فيكون ذلك طريقاً لضياع أموال الأجراء.

        أما بالنسبة للضمان، فحكم ضمان الأجير المشترك بعد الحبس كحكمه قبل الحبس، بمعنى أن الأصل في الأجير أنه أمين ولكن تضمينه للمصلحة كما رجحنا، إلا إذا قامت البينة على عدم تعديه وتفريطه فإنه لايضمن.


مسألة:- اختلاف الأجير والمستأجر.

        مسألة اختلاف الأجير والمستأجر تحدث الفقهاء عنها من جوانب عديدة، ونحن هنا لسنا بصدد الكلام عن كل جانب من هذه الجوانب، بل سنكتفي بالحديث عن بعض حالات اختلاف الأجير والمستأجر والتي قد يترتب على الخلاف فيها ضمان.

        أولاً : اختلاف الأجير والمستأجر في التعدي أو التفريط.

        إذا تلفت العين المستأجرة بيد الأجير المشترك، فقال المالك تعديت عليها، وقال الأجير لم أتعد.

        فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على مذهبين:-

        الأول:- وهو قول الإمام أبي حنيفة النعمان، أن القول قول الأجير مع يمينه؛ لأن يده يد أمانة.

        جاء في مجمع الضمانات: "لو قال الأجير سُرق أو هلك صُدَّق مع حلفه عنده؛ لأن يده يد أمانة"(1) ا.هـ.

        وبهذا قال الشافعية إذا لم يوجد عدلان من أهل الخبرة. قال النووي: "ومتى اختلفا في التعدي ومجاوزة الحد عملنا بقول عدلين من أهل الخبرة، فإن لم نجدهما فالقول قول الأجير"(2)ا.هـ.

        المذهب الثاني:- وهو قول الصاحبين من الحنفية(3)، والمالكية(4)، إن الأجير ضامن لما تلف عنده فلا يؤخذ بقوله في عدم التعدي أو التفريط، إلا أن تقوم له بينة أن تلف العين إنما هو بأمر غالب لابسبب فعله.

 

___________________________

(1)      البغدادي، مجمع الضمانات، ص 28. وانظر: الطوري، تكملة البحر الرائق، ج8، ص 34.

(2)      روضة الطالبين، ج4، ص 300. وانظر: الشربيني، مغني المحتاج، ج2، ص 352.

(3)      البغدادي، مجمع الضمانات، ص 28. الطوري، تكملة البحر الرائق، ج8، ص 34.

(4)      ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج2، ص 231، 232.

        جاء في مجمع الضمانات: "لو قال الأجير سرق أو هلك 000 عندهما يضمن؛ لأن يده يد ضمان عندهم فلا يصدّق بلا برهان. قلت: إنما ينفع البرهان عندهما فيما
لايمكن الاحتراز عنه"(1).ا.هـ.

        وجاء في الكافي "وأما الصناع فضامنون لكل ماضاع عندهم فيما يغيبون عليه ولايقبل قولهم في هلاك شئ مما قبضوه، واُستعملوا فيه إذا انفردوا به، ولم يكن في منزل صاحبه ويضمنون ما أصابه من خرق أو فساد كما يضمنون الذهاب إلا أن تقوم لهم بينة على مصيبة تنزل بهم من غير أسبابهم ولا فعلهم، ولا تضييعهم فلا يضمنون"(2) ا.هـ.

        كما جاء في تبصرة الحكام: "وما أصاب الثياب عند القصار أو الصباغ أو الخياط من قرض الفأر أو لحس السوس فعرف ذلك وتبين للناظر إليه فلا ضمان عليهم فيه وإذا ادعى صاحب الثياب أن الصانع أضاع الثوب وفرّط حتى أصابه ذلك، وزعم الصناع أنهم لم يفرطوا ولم يضيعوا فالقول قولهم وعلى أصحاب الثياب البينة أنهم ضيعوا؛ لأن قرض الفأر ولحس السوس أمر غالب ولايلزم أحد دعوى التعدي إلا ببينة تشهد عليه(3) 000 وإن أشكل أنه قرض فأر فالصانع ضامن حتى تقوم البينة أنه قرض فأر أو لحس سوس"(4).ا.هـ.

        واستثنى المالكية من ذلك الراعي إذ أن "قول مالك أن الراعي مصدق فيما زعم أنه مات من الغنم أوغاب أو سرق أو عدا عليه السبع، وأن شأن الرعاء في رعيهم على غير التضييع والتفريط حتى يظهر ذلك عليهم"(5)ا.هـ.

___________________________

(1)      البغدادي، مجمع الضمانات، ص 28.

(2)      ابن عبد البر، الكافي، ص 376.

(3)      في الوقت الحاضر لا يُسمح بفتح أي محل للخياطة أو الصباغة إلا بعد أن يوفر فاتحه وسائل السلامة اللازمة من وجود طفايات حريق، وغسل ورش بالمبيدات الحشرية، فإن لم يتخذ صاحب المحل هذه الإجراءات فإنه يكون مقصراً، وبالتالي فإن عليه الضمان لوجود موجبات الضمان فلا يعذر، والله تعالى أعلم.

(4)      انظر: ابن فرحون، ج2، ص 231، 233.

(5)      المرجع السابق، ج2، ص 235، 236.

        قلت: وعلى هذا فإن من قال إن القول قول الأجير في نفي التعدي أو التفريط فإنه لايضمنه؛ ذلك أن الأجير أمين فيصدق كسائر الأمناء.

        ومن قال بأن القول قول المستأجر في إثبات التعدي أو التفريط، فإنه يضمن الأجير إلا أن تقوم بينة تنفي عنه التعدي.

        وهذا الذي أراه راجحاً؛ لأن فيه حفظ أموال الناس خاصة وقد خفت الديانة وقلت الأمانة لدى كثير من الأجراء، إلا من رحم اللّه. وهذا مذهب المالكية والصاحبين من الحنفية. واللّه أعلم.

ثانياً: إختلاف الأجير والمستأجر في صفة العمل.

        إذا اختلف الأجير والمستأجر في صفة العمل، وذلك كما لو اختلفا في صفة خياطة الثوب أو صبغه أو في بناء الحائط أو غير ذلك. فإن أتى أحدهما ببينة تشهد له فالقول قوله(1). وإن لم يكن ثم بينة فقد اختلف الفقهاء في ذلك على مذاهب:-

        المذهب الأول:- وهو للحنفية(2) والأظهر عند الشافعية(3) وقول عند الحنابلة وقواه ابن قدامة(4) أن القول قول المالك مع يمينه.

            وحجتهم في ذلك:

        أولاً: " أنه اختلاف في ملك أحدهما فكان القول فيه قول المالك. كما لو قال المالك دفعته إليك وديعة، وقال صاحب اليد: بل دفعته إلي رهناً فالقول فيه قول المالك

 

___________________________

(1)      ذكر الشافعية أن القول لمن تشهد له البينة، وأغفله بقية الفقهاء لوضوحه؛ لأن من أتى بالبينة قبل قوله.

          انظر: الماوردي، الحاوي، ج9، ص 268.

(2)      الكاساني، البدائع، ج4، ص 219. الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 142، 143.

(3)      الشيرازي، المهذب، ج1، ص 416. الماوردي، الحاوي، ج9، ص 268. جلال الدين المحلى، شرح المحلي على منهاج الطالبين، ج3، ص 83.

(4)      ابن قدامة، المغني، ج6، ص 127. المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 79.

كذلك هذا"(1).

        ثانياً:- أن الإذن مستفاد من قبل المالك فكان القول في صفة الإذن قوله.

        وبهذا لو وقع الخلاف في أصل الإذن كان القول في ذلك قول المالك وكذا إذا وقع في صفته(2). "فكل من قبل قوله في الإذن قبل قوله في صفة ذلك الإذن كالوكيل إذا ادّعى على موكله الإذن في بيع دار فأنكر، فالقول قول الموكل"(3).

        وعلى هذا فالمالك في هذه الحالة يحلف باللّه تعالى أنه ما أمر الأجير أن يفعل مافعله في السلعة. فلو كان الأجير خياطاً مثلاً فإن المستأجر يحلف باللّه تعالى أنه ما أمره أن يخيط الثوب قباء(4)(5)، وحينئذ يكون الضمان على الخياط.

        وقد اختلف أصحاب هذا القول في كيفية تضمين الخياط:

        فقال الحنفية: إن رب الثوب بالخيار إن شاء أخذ قيمة الثوب؛ لأن صاحب الثوب لما حلف على دعوى الخياط فقد صار الخياط بقطعه الثوب لا على الصفة المأذون فيها متصرفاً في ملك غيره بغير إذنه فصار متلفاً الثوب عليه فيضمن قيمته.

        وإن شاء رب الثوب أخذ الثوب وأعطاه أجرة مثله؛ وذلك لأن الأجير أتى بأصل المعقود عليه مع تغير الصفة فكان لصاحب الثوب الرضا به وإعطاؤه أجر المثل لا

___________________________

(1)      الماوردي، الحاوي، ج9، ص 268.

(2)      انظر: الكاساني، البدائع، ج4، ص 219. الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 143.

(3)      الماوردي، الحاوي، ج9، ص 268.

(4)      القباء: واحد الأقبية وهو ثوب يُلبَس فوق الثياب.

          انظر: الرازي، مختار الصحاح، ص 520، مادة "قبا"، المنجد في اللغة والأعلام، ص 607 مادة "قَبَا".

(5)      الشافعية يقولون: "إن رب الثوب إذا حلف يجب أن تكون يمينه نافية لما ادعاه الخياط، ولا يحلف لإثبات ما ادعاه من الإذن في القميص، بخلاف الخياط الذي يكون يمينه لإثبات ما ادعاه من الإذن في القباء؛ لأن كل واحد منهما يحلف على مايطالب به، فالخياط يطالب بالأجرة، فيحلف على ما ادعى من الإذن في القباء وتبعه سقوط الضمان، ورب الثوب يطالب بما جناه الخياط وينكر الأجرة فيحلف على ما يطالب به من جناية الخياط" ا.هـ.

          الماوردي، الحاوي، ج9، ص 270.


المسمى؛ لأنه لم يأت بالمأمور على الوصف الذي أمر به(1).

        أما الشافعية(2) والحنابلة(3) فإنهم قالوا: إنه لا أجرة للخياط لتعديه في الخياطة، وله استرجاع(4) الخيوط إن كانت له، وليس له استرجاعها إن كانت لرب الثوب.

        ثم ذكر الشافعية أن على الخياط الضمان، وفيما يضمنه ثلاثة أقاويل:-

        أحدها: - يضمن مابين قيمته قباء وقميصاً(5)؛ لأن قطع القميص مأذون فيه. فعلى هذا إن كانت قيمته قباء مثل قيمته قميصاً أو أكثر فلا غرم عليه.

        القول الثاني:- أنه يغرم مابين قيمته ثوباً صحيحاً، وما بين قيمته قباء؛ لأنه بالعدول عن القميص متعدٍ في ثوب صحيح.

        القول الثالث:- أن ماصلح من القباء للقميص لم يضمنه، وما لم يصلح للقميص ضمن مابين قيمته صحيحاً ومقطوعاً لاختصاص ذلك بالتعدي(6).

        هذا هو المذهب الأول في المسألة، وطريقة التضمين عند من قاله.

 

___________________________

(1)      انظر: الكاساني، البدائع، ج4، ص 220. الطوري، تكملة البحر الرائق، ج8، ص 39.

          ثم ذكر الطوري أن "ظاهر العبارة أنه لا فرق بين كون رب الثوب معروفاً بلبس مانفاه أو لا، والذي يقتضيه النظر إن كان معروفاً بلبس مانفاه أن يكون القول قول الخياط، وإن لم يكن معروفاً أو جهل الحال يكون القول قول رب الثوب". تكملة البحر الرائق، ج8، ص 39.

(2)      الماوردي، الحاوي، ج9، ص 271.

(3)      المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 79.

(4)      أي الأجير.

(5)      القميص: "جمعه قمصان، وقُمُص بضمتين وقمصته قميصاً بالتشديد البسته فتقمصه". الفيومي، المصباح المنير، ص 197، مادة "قمص".

(6)      الماوردي، الحاوي، ج9، ص 271. وانظر جلال الدين المحلي، شرح المحلي على منهاج الطالبين، ج3، ص 83.

        أما المذهب الثاني:- وهو للمالكية(1) وقول عند الشافعية(2) والمذهب عند الحنابلة(3)، إن القول قول الأجير مع يمينه.

            وحجتهم في ذلك :

        أولاً : أن العادة جارية بأن الأجير يعمل في السلعة ما أذن له فيه ولا يقصد خلافه وإن جرى غير ذلك فنادر، فصارت العادة مصدقة لقول الأجير دون المستأجر(4).

        ثانياً:- أن الأجير والمستأجر اتفقا في الإذن واختلفا في صفته فكان القول قول المأذون له كالمضارب إذا قال: إذنت لي في البيع نساء(5). ولأنهما اتفقا في ملك الأجير للعمل والظاهر أنه فعل ما ملكه واختلفا في لزوم الغرم عليه والأصل عدمه(6).

        واستثنى المالكية(7)، وهو رواية عن الإمام أحمد(8)، مما سبق ما لو أتى الأجير بأمر لا يشبه كما لو كان الثوب المصبوغ لا يُصبغ عادةً إلا بأسود فصبغه بالأحمر، وكما لو كان المستأجر لايلبس عادةً الأقبية فخاطه قباء.

        وذلك لأن قرينة حال رب المال تدل على صدقه فترجح صدقه فيما ادعاه.كما

 

___________________________

(1)      مالك بن أنس، المدونة، ج3، ص 405. ابن رشد، البيان والتحصيل، ج4، ص 244.

(2)      الشيرازي، المهذب، ج1، ص 416. جلال الدين المحلي، شرح المحلي على منهاج الطالبين، ج3، ص 83.

(3)      ابن قدامة، المغني، ج6، ص 125. المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 79.

(4)      الماوردي، الحاوي، ج9، ص 269.

(5)      النسئ: مهموز على فعيل ويجوز الإدغام لأنه زائد وهو التأخير، والنسيئة على فعيلة مثله، وهما اسمان من نسأ اللّه أجله 000 إذا أخره 000 ونسأته البيع وأنسأته فيه أيضاً وأنسأته الدين أخّرته.

          انظر: الفيومي، المصباح المنير، ص 231، مادة "نسو".

(6)      ابن قدامة، المغني، ج6، ص 125، 126. وانظر نحوه: ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 113.

(7)      مالك بن أنس، المدونة، ج3، ص 405.

(8)      ابن قدامة، المغني، ج6، ص 126. المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 79.

لو اختلفا في حائط لأحدهما عليه عقد أو أزج(1) فإننا نرجح دعواه بذلك. وكذا إن اختلف الزوجان في متاع البيت رجحنا دعوى كل واحد منهما فيما يصلح له. ولو اختلف صانعان في الآلة التي في دكانهما رجحنا قول كل واحد منهما في آلة صناعته(2).

        جاء في الشرح الكبير: "القول للصانع مع يمينه إذا اختلف مع رب السلعة في صفة الصنعة إن أشبه فإن لم يشبه حلف ربه وثبت له الخيار في أخذه ودفع أجرة المثل، وتركه وأخذ قيمته غير مصبوغ. فإن نكل(3) اشتركا هذا بقيمة ثوبه مثلاً غير مصبوغ وهذا بقيمة صبغه"(4)ا.هـ.

        وعلى هذا فأصحاب هذا القول يقولون: إن الأجير يحلف باللّه تعالى أن المالك

 

___________________________

(1)      الأزج: بيت يبنى طولاً وأزجته تأزيجاً إذا بنيته 000 ويقال الأزج السقف. والجمع آزاج.

          انظر: الفيومي، المصباح المنير، ص 5، مادة "أزج".

(2)      ابن قدامة، المغني، ج6، ص 126.

(3)      نكل عن اليمين امتنع منها.

          الفيومي، المصباح المنير، ص 239، مادة "نكل".

(4)      الدردير، ج4، ص 56.

          واستثنى المالكية من الأجراء البناء حيث "قال ابن القاسم عن مالك إنه قال في رجل قاطع رجلاً يبني له بيتاً عشرة أذرع في عشرة أذرع، فبنى له خمساً في خمس، وزعم أنه أمره بذلك وأنكر ذلك صاحب البناء، وليست لهما بينة، قال: يتحالفان ويتفاسخان إلا أن يشاء البناء أن يبني له عشرة في عشرة فإن حلف ألزمه صاحب البنيان، فإن أبى ونكل عن اليمين أحلف الآخر وكان على البناء أن يبني له عشرة في عشرة. فإن حلف البناء ونكل صاحب البنيان عن اليمين أجبر على أخذ مابنى له البناء، وإن حلفا جميعاً تفاسخا وقيل للبناء: أقلع نقضك إلا أن يشاء صاحب البنيان أن يدفع إليه قيمة بنيانه منقوضاً مطروحاً بالأرض.

          قال ابن القاسم: وقال مالك في رجل استأجر حائكاً ودفع إليه غزلاً ينسجه له ثوباً سبعاً في أربع فنسجه ستاً في ثلاث، وزعم أنه أمره بذلك، قال مالك: القول قول الحائك ويحلف.

          وإنما فرق بين الحائك والبناء؛ لأن الحائك صانع من الصناع يضمن مادفع إليه ويكون أولى بما دفع إليه من الغرماء إن فُلِّس صاحب الثوب حتى يستوفي أجرته".

          ابن رشد، البيان والتحصيل، ج4، ص 243، 244.

أذن له في العمل الذي عمله كما لو كان الأجير خياطاً أو صباغاً، فإنه يحلف باللّه تعالى لقد أذن لي المالك في قطعة قباء أو صبغه أحمر، فيسقط الغرم عنه. وهل تجب له الأجرة؟ في المسألة خلاف.

        فذهب الشافعية في أحد الوجهين: إلى القول بأنه لا أجرة للأجير؛ لأنه إنما قُبل قوله في سقوط الغرم، لأنه منكر ولم يقبل قوله في الأجرة، لأنه مدع(1).

        والوجه الثاني عند الشافعية(2) وهو قول الحنابلة(3)، أن للأجير أجرة مثله.

        لأنه ثبت وجود فعله المأذون فيه بعوض، ولا يستحق المسمى؛ لأن المسمى ثبت بقوله ودعواه فلا يحنث بيمينه.

        ولأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بَدعْوَاهُمْ لاَدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى اْلمُدَّعَى عَلَيْهِ"(4).

        فأما المسمى في العقد فإنما يعترف رب الثوب بتسميته أجراً أو قطعة قميصاً أو صبغه أسوداً(5).

        أما الوجه الثاني وقاله بعض الشافعية: إن للأجير المسمى من الأجرة، بتحقيق ماحكم به من قبول قوله(6).

        فإن جاء الأجير بشئ لايشبه حلف رب الثوب، كما ذكرنا سابقاً.

___________________________

(1)      انظر: الشيرازي، المهذب، ج1، ص 416. الماوردي، الحاوي، ج9، ص 270.

(2)      المرجعين السابقين.

(3)      ابن قدامة، المغني، ج6، ص 26.

(4)      البخاري، صحيح البخاري "المطبوع مع الفتح" ، ج9، ص 76، كتاب التفسير (65)، باب "إن الذين يشترون بعهد اللّه وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم" (3)، رقم الحديث 4552. مسلم، صحيح مسلم "المطبوع مع شرح النووي"، ج12، ص 2، كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه. واللفظ له.

(5)      ابن قدامة، المغني، ج6، ص 126.

(6)      انظر: الشيرازي، المهذب، ج1، ص 416. الماوردي، الحاوي، ج9، ص 270.

        المذهب الثالث:- وهو الصحيح من المذهب عند الشافعية(1) وقول عند الحنابلة(2)، ويقول بالتحالف، أي يحلف الأجير والمستأجر.

        ووجه هذا القول:- "أن كل واحد منهما مدِّع ومدَّعى عليه؛ لأن صاحب الثوب يدعي الأرش والخياط ينكره، والخياط يدعي الأجرة وصاحب الثوب ينكره فتحالفا كالمتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن"(3).

        وبناء على هذا القول يحلف كل واحد منهما على النفي والإثبات. فإن تحالفا لم تجب الأجرة؛ لأن التحالف يوجب رفع العقد، والخياطة من غير عقد لا توجب الأجرة. وهل يجب أرش القطع؟ فيه قولان:-

        أحدهما: لايجب؛ لأن كل واحد منهما حلف على ما ادعاه ونفي ما اُدعى عليه فبرئا كالمتبايعين.

        والثاني: أنه يجب أرش النقص؛ لأنا حكمنا بارتفاع العقد بالتحالف فإذا ارتفع العقد حصل القطع من غير عقد فلزمه أرشه(4).

        "فإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضي للحالف سهماً على الناكل، فإن كان الحالف هو الخياط قُضي له بالأجرة وسقوط الغرم، وإن كان الحالف هو رب الثوب قُضي له بالغرم على ما مضى وسقوط الأجرة"(5).

        وقد نوقش هذا القول: "بأن التحالف وضع للفسخ، ولايمكن الفسخ هاهنا فلا يثبت التحالف؛ لأن صاحبه يدعي على الخياط الغصب، والخياط يدعي الأجرة. وذلك

 

___________________________

(1)      انظر: الشيرازي، المهذب، ج1، ص 416. الماوردي، الحاوي، ج9، ص 270. وانظر: عميرة، حاشية عميرة على شرح المحلى، ج3، ص 83.

(2)      ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 114.

(3)      الشيرازي، المهذب، ج1، ص 416.

(4)      انظر: الشيرازي، المهذب، ج1، ص 416. الماوردي، الحاوي، ج9، ص 271.

(5)      الماوردي، الحاوي، ج9، ص 271.

مما لا يثبت فيه التحالف"(1).

الترجيح:-

        الراجح في هذه المسألة هو قول المالكية والمذهب عند الحنابلة أن القول قول الأجير مع يمينه إن عدمت البينة.

        لأن الأصل في الأجير أنه أمين فيقبل قوله، وكما وأنه في غالب الأحيان يفعل ما أُذن له ولا يخالف؛ لأن في ذلك حفاظاً على سمعته وإتقانه لعمله بين الناس.

        وبالتالي لايغرم شيئاً وتجب له أجرة عمله المتفق عليها.

        فإن جاء بشئ لايشبه فالقول قول المالك مع يمينه لوجود قرينة(2) تدل على صدق المالك وكذب الأجير، والشرع يجوَّز الحكم بالقرائن. وذلك مستند إلى قوله تعالى: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ}(3). واللّه تعالى أعلم.

 

 

 

 

 

 

___________________________

(1)      الكاساني، البدائع، ج4، ص 220.

(2)      القرينة في الاصطلاح: أمر يشير إلى المطلوب.

          الجرجاني، التعريفات، ص 147.

(3)      سورة يوسف: آية 26.

          وانظر في هذا المعنى: ابن قيم الجوزية، الطرق الحكمية، ص 3 وما بعدها.


مسألة:- كيفية تضمين الأجير المشترك

        اختلف الفقهاء في كيفية تضمين الأجير المشترك إذا أفسد المعقود عليه، على ثلاثة مذاهب:-

        المذهب الأول:- وهو للحنفية(1) والحنابلة(2)، حيث قالو: إن المستأجر بالخيار بين أن يضمّن الأجير المأجور غير معمول ولا أجر له، وبين أنه يضمنه معمولاً وله الأجر.

        جاء في تكملة البحر الرائق: "وإن انكسر دن في الطريق، ضمن الحمال قيمته في محل حمله ولا أجر أو في موضع الانكسار وأجره بحسابه.      

        أما الضمان فلأنه تلف بفعله؛ لأن الداخل تحت العقد عمل غير مفسد، والمفسد غير داخل فيضمن على مابينا،وأما الخيار فلأنه إذا انكسر في الطريق شئ واحد تبين أنه وقع تعدياً من الابتداء من هذا الوجه.

        وله وجه آخر وهو أن ابتداء الحمل حصل بأمره فلم يكن متعدياً وإنما صار
تعدياً عند الكسر فيميل إلى أي الجهتين شاء. فإن مال إلى كونه متعدياً من الابتداء ضمنه قيمته ولا أجر له، وإن مال إلى كونه مأذوناً فيه في الابتداء وإنما حصل التعدي عند الكسر ضمنه قيمته في موضع الكسر وأعطاه الأجر بحسابه 000 هذا إذا انكسر بصنعه بأن زلق وعثر. فإن عثر بغير صنعه بأن زحمه الناس لايضمن عند الإمام ولا أجر له، وعندهما يضمن قيمته في موضع ما انكسر ولا يخير؛ لأن العين مضمونة عندهما على مابينا 000.

        هذا إذا انكسر الدن بجناية يده أما إذا حصل لا بجناية، يده فإن كان بأمر لايمكن التحرز عنه لاضمان عليه بالإجماع، وإن هلك بأمر يمكن التحرز عنه فكذلك

_______________________

(1)      الحصكفي، الدر المختار، ج9، ص 93. الطوري، تكملة البحر الرائق، ج8، ص 31. ابن عابدين، رد المحتار، ج9، ص 91.

(2)      المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 77. البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج2، ص 272.

 

عند الإمام وعندهما يجب الضمان وللمالك الخيار"(1)ا.هـ.

        جاء في المبدع: "وإن تلف الثوب بعد عمله(2) خير المالك؛ لأن الجناية على ماله فكانت الخيرة إليه دون غيره، بين تضمينه إياه غير معمول ولا أجرة له؛ لأن الأجرة إنما تجب بالتسليم ولم يوجد، وبين تضمينه إياه معمولاً ويدفع إليه أجرته؛ لأنه لو لم يدفع إليه الأجرة لاجتمع على الأجير فوات الأجرة وضمان ما يقابلها. ولأن المالك إذا ضمنه ذلك معمولاً يكون في معنى تسليم ذلك معمولاً، فيجب أن يدفع إليه الأجرة لحصول التسليم الحكمي"(3)ا.هـ.

        وبهذا قال المالكية فيما لو كان الصانع صباغاً، وصبغ الثوب بغير المتفق عليه.

        جاء في التبصرة: "وإذا أخطأ الصباغ فصبغ الثوب غير الصبغ الذي سمي له صاحبه وأقر بذلك الصباغ فصاحب الثوب مخير إن شاء أعطاه قيمة الصبغ وأخذ ثوبه وإن شاء ضمنه قيمة ثوبه يوم دفعه إليه. وإن أبى فلا شئ له؛ لأنه قد أمكن من إحراز صبغه الذي أخطأ به"(4)ا.هـ.

        المذهب الثاني: وهو للمالكية، وقالوا إن الأجير إذا أفسد ما دُفع إليه كما لو أفسد القصار الثوب فإنه يضمن قيمته يوم القبض، وكذا الراعي إذ أفسد الماشية ضمن قيمتها يوم التلف.

        جاء في الشرح الصغير: "إذا ضمن الراعي فيضمن قيمة الماشية يوم التلف لا يوم التعدي ولا يوم الحكم.

___________________________

(1)      انظر: الطوري، ج8، ص 33. وانظر: المرغيناني، الهداية، ج9، ص 127. داماد افندي، مجمع الأنهر، ج2، ص 381.

(2)      جاء في تكملة البحر الرائق: وإذا ضمن عندهما إن كان الهلاك قبل العمل ضمن قيمته غير معمول ولا أجر عليه وإن كان بعد العمل فرب الثوب بالخيار".

          انظر: الطوري، ج8، ص 31.

(3)      ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 112.

(4)      ابن فرحون، ج2، ص 239. وانظر: مالك بن أنس، المدونة، ج4، ص 401.

        وكذا الصانع يضمن القيمة يوم الدفع إليه لا يوم التلف ولا يوم الحكم، إلا أن يرى المصنوع عند الصانع بعده، أي بعد يوم الدفع فإن رآه بعده فبآخر رؤية. وإذا كانت القيمة تعتبر يوم الدفع فلا أجرة للصانع، وكذا إذا اعتبرت بآخر رؤية ولم يكن مصنوعاً فإن كان مصنوعاً ضمن قيمته مصنوعاً وعلى ربه الأجرة"(1)ا.هـ.

        والحكم السابق إنما هو في الفساد الكثير فإن كان الفساد يسيراً فقد قال مالك إن عليه قيمة ما أفسد بعد رفوه(2)، وإن كان كثيراً ضمن القيمة ولا أجرة له(3).

        فلو أراد ربه أن يدفع له الأجرة ويأخذ منه قيمته معمولاً لم يجب لذلك، إلا إذا أقر الصانع أنه تلف بعد العمل(4).

        وقال ابن القاسم: "وإذا أفسد الحائك الثوب وكان الغزل يوجد مثله فعليه مثله وينسجه ثانية بالأجرة الأولى، وإن لم يوجد مثله فعليه قيمته وانفسخت الإجارة.

        وقال أصبغ(5): يأخذ قيمته ويأتيه بمثله فيعمله له ولا تنفسخ الإجارة"(6).

___________________________

(1)      الدردير، ج2، ص 157، 158. وانظر: مالك بن أنس، المدونة، ج4، ص 400. ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج2، ص 227، 228.

(2)      رفوت الثوب رفواً من باب قتل ورفيته رفياً من باب رمى 000 إذا أصلحته.

          انظر: الفيومي، المصباح المنير، ص 89، مادة "رفف".

(3)      انظر: مالك بن أنس، المدونة، ج4، ص 400. ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج2، ص 228.

(4)      انظر: الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج4، ص 28.

(5)      أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع. مولى عبد العزيز بن مروان. يكنى أبا عبدالله. ولد بعد الخمسين والمائة وكان قد رحل إلى المدينة ليسمع عن مالك فدخلها يوم مات، وصحب ابن القاسم وأشهب وتفقه بهم. تفقه عليه ابن المواز، وابن حبيب وغيرهم. وكان أعلم الناس بمذهب مالك. له تآليف حسان منها "كتاب الأصول" و "تفسير غريب الموطأ" و "آداب القضاة" توفي سنة خمس وعشرين ومائتين.

          انظر ترجمته: ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج1، ص 315. ابن فرحون، الديباج المذهب، ص 158.

(6)      ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج2، ص 229.


        المذهب الثالث:- وهو للشافعية حيث إنهم اختلفوا في كيفية تضمين الأجير المشترك بناء على اختلافهم في تضمينه.

        جاء في المهذب: "فإن قلنا أنه أمين فتعدى فيه ثم تلف ضمنه بقيمته أكثر ماكانت من حين تعدى إلى أن تلف؛ لأنه ضمن بالتعدي فصار كالغاصب.

        وإن قلنا إنه ضامن لزمه قيمته أكثر ماكانت من حين القبض إلى حين التلف كالغاصب.

        ومن أصحابنا من قال يلزمه قيمته وقت التلف كالمستعير وليس بشئ"(1)ا.هـ.

الترجيح:

        الذي يترجح عندي من الأقوال السابقة هو قول الحنفية والحنابلة أن المستأجر بالخيار لأنه المالك؛ ولأن التلف حصل في ملكه فله تضمين الأجير المخالف بما يراه مناسباً وموافقاً لمصلحته. واللّه تعالى أعلم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

___________________________

(1)      الشيرازي، ج1، ص 414. وانظر الماوردي، الحاوي، ج9، ص 254. قليوبي، حاشية قليوبي على شرح المحلي، ج3، ص 81.


مسألة: ضمان تابع الأجير.

        اتفق فقهاء الحنفية(1) والمالكية(2) والحنابلة(3) على أنه إذا استأجر المشترك أجيراً خاصاً كخياط أو صباغ يستأجر أجيراً مدة معلومة يستعمله فيها فيتلف ما تحت يده بدون تعدى منه أو تفريط، فإنه لا ضمان على الأجير الخاص "تابع الأجير" ويكون الضمان على الأجير المشترك.

        جاء في الدر المختار: "فعل الأجير في كل الصنائع يضاف لأستاذه، فما أتلفه يضمنه أستاذه مالم يتعد فيضمنه هو"(4)ا.هـ.

        لأن عمل الأجير كان بإذن أستاذه فلا يضمن، ولأنه أجير خاص لأستاذه يستحق الأجر بتسليم نفسه في المدة(5).

        وجاء في مواهب الجليل: "الأجير الذي يعمل عند الصانع لاضمان عليه، والضمان على الصانع.

        قال في المدونة في أول كتاب تضمين الصناع ويضمن القصار ما أفسد أجيره ولاشئ على الأجير إلا أن يتعدى أو يفرط(6).ا.هـ.

        وجاء في شرح منتهى الإرادات: "وإن استأجر مشترك خاصاً كخياط أو صباغ يستأجر أجيراً مدة معلومة يستعمله فيها فلكل منهما حكم نفسه فما تقبله صاحب الدكان ودفعه إلى أجيره فتلف في يده بلا تعدٍ ولا تفريط لم يضمنه؛ لأنه أجير خاص

___________________________

(1)      ابن عابدين، رد المحتار، ج9، ص 103. الشلبي، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق، ج5، ص 138.

(2)      مالك بن أنس، المدونة، ج3، ص 401. المواق، التاج والاكليل، ج5، ص 429.

(3)      ابن قدامة، المغني، ج6، ص 122. ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 110.

(4)      الحصكفي، ج9، ص 103.

(5)      انظر: ابن عابدين، رد المحتار، ج9، ص 103.

(6)      الحطاب، ج5، ص 429.

 

وضمنه صاحب الدكان لأنه مشترك"(1).

        وعلى هذا فإن الضرر الحاصل من فعل تابع الأجير سواء كان خياطاً أم قصاراً أم نجاراً أم حداداً ينظر إليه، إن كان فعل الأجير في العين في حدود المأمور به أو المأذون فيه صراحة أو ضمناً، فالضمان على الأستاذ، وإن لم يكن كذلك فهو على الأجير، لتعديه.

        جاء في تكملة البحر الرائق: "لو تلف من أجير القصار لا متعمداً فالضمان على القصار لا على الأجير؛ لأن التلف حصل من عمل القصارة، ولو وطئ الثوب فتخرق ينظر إن كان يوطأ مثله لا ضمان عليه؛ لأنه مأذون دلالة، وإن كان لا يوطأ بأن كان رقيقاً ضمن. ولو وقع من يده سراج فأحرق ثوباً من القصارة، أو حمل شيئاً فوقع على ثوب القصارة فتخرق فالضمان على الأستاذ"(2).

        واستثنى المالكية من ذلك ما لو أخذ الأجير السلعة إلى بيته وغاب بها عن حانوت أستاذه فإنه يكون ضامناً.

        قال ابن رشد: "وسُئل عن الغسال يكثر عليه المتاع فيستأجر الأجراء يبعثهم إلى البحر بالثياب فيزعمون أنه ضاع منهم بعض ذلك؟ قال: يضمنون، قيل له: أيضمن الأجراء؟ قال: نعم؛ لأنهم أجراء في صناعة، فكل أحد في صناعته فهو ضامن.

        وقيل له: وكذلك الخياط يستأجر الأجراء عنده فيدفع إليهم بعض الأمتعة ينقلبون بها يعملون بها فيدّعون أنها ضاعت، قال: نعم، الصناع والخياط واحد"(3). ا.هـ.

        ثم قال ابن رشد معلقاً على هذه المسألة: "قول ابن القاسم: إنه لا ضمان على أجير القصار فيما أتى على يديه مما استأجره القصار عليه إلا أن يكون ضيع أو فـرط أو

___________________________

(1)      البهوتي، ج2، ص 272.

(2)      الطوري، ج8، ص 31، 32.

(3)      البيان والتحصيل، ج4، ص 215.

تعدى وضمان ذلك على القصار لرب الثوب، وليس ذلك بخلاف لقوله في هذه الرواية لأن المعنى في قوله في المدونة إنه لا ضمان على أجيره فيما أتى على يديه مما عنده في حانوته أو في داره، والمعنى في هذه الرواية أنه يضمن ما قاطعه عليه من الثياب فانقلب بها لعملها وغاب عليها فادعى تلفها أو أفسدها؛ لأنهم أجراء في الصناعة، فإذا نصبوا أنفسهم للعمل فهم كالصناع في الحكم فسواء أخذوا العمل من التجار أو أخذوه من صناع مثلهم هم في ضمان الصناع كمن استأجرهم من الصناع"(1).ا.هـ.

        فتابع الأجير لو أخذ السلعة من أستاذه وغاب بها، فإنه يكون ضامناً كما لو أخذها من سائر الناس. واللّه أعلم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

___________________________

(1)      البيان والتحصيل، ج4، ص 215.

 

مسألة: ضمان الطبيب:

تمهيـــد:-

        "يعتبر علم الطب من العلوم المهمة في حياة البشرية، وبتطبيقه تتحقق كثير من المصالح العظيمة والمنافع الجليلة، والتي منها حفظ الصحة، ودفع ضرر الأسقام والأمراض على بدن الإنسان، فيتقوى المسلم بذلك على طاعة ربه تعالى ومرضاته.

        ولعظيم مافيه من المصالح والمنافع أباحت الشريعة الإسلامية تعلمه وتعليمه، وتطبيقه"(1) بل إن فقهاء الإسلام نصوا على أن تعلم الطب وتعليمه فرضاً كفائياً على المسلمين إذا قام به بعضهم سقط الإثم عن الباقين، ويأثم كلهم إذا تركوه(2).

        لذلك فقد اهتم الفقهاء ببيان أحكام الطب وتعاطيه، وتكلموا عن الأخطاء التي قد تترتب عن عمل الطبيب، ومتى يكون ضامناً لها، وذلك في ثنايا حديثهم عن ضمان الأجير؛ لأن الطبيب أجيرٌ من الأجراء.

        ووضعوا ضوابط لضمان الطبيب، وفيما يلي نذكر مسألة ضمان الطبيب بشئ من التفصيل.

        أولاً : الطب في اللغة:- جاء في كتاب "المقاييس في اللغة" في مادة "طبّ": الطاء والباء أصلان صحيحان:

        أحدهما يدل على علم بالشئ ومهارةٍ فيه، والآخر على امتدادٍ في الشئ واستطالة.

        فالأول الطب، وهو العلم بالشئ، يقال رجلٌ طبُّ وطبيب، أي عالم حاذق"(3).

___________________________

(1)      محمد الشنقيطي، أحكام الجراحة الطبية، ص 77.

(2)      انظر: السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 415. محمد الشنقيطي، أحكام الجراحة الطبية، ص 80. محمد الأحمد، نظرية الخطأ في الفقه الإسلامي، ص 317.

(3)      ابن فارس، ص 617.

        وجاء في الصحاح: "وكل حاذقٍ طبيبٌ عند العرب. وفلان يستطب لوجعه، أي يستوصف الدواء أيه يصلح لدائه"(1).

        ولفظ الطبيب يتناول من يطب بوصفه، وقوله: وهو الذي يُخصُّ باسم الطبائعي، وهو الكحال، وبمبضعه(2) ومراهمه وهو الجرائحي، وبموسه وهو الخاتن(3)، وبريشته وهو الفاصد(4)، وبمحاجمه ومشرطه وهو الحجام(5)، وبخلعه ووصله ورباطه وهو المجبر، وبمكواته وناره وهو الكواء، وبقربته وهو الحاقن، وسواء كان طبه لحيوان بهيم أم إنسان فاسم الطبيب يطلق لغة على هؤلاء كلهم(6).

أقوال العلماء في ضمان الطبيب:-

        اتفق فقهاء الحنفية(7) والمالكية(8) والشافعية(9) والحنابلة(10) على أنه لا ضمان على الطبيب إذا توافرت فيه شروط عدم تضمينه والتي سيأتي ذكرها.

        "ذلك أن الطبيب إذا كان حاذقاً أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده فتولد من فعله

___________________________

(1)      الجوهري، ج1، ص 107، مادة "طبّ".

(2)      "بضعت الغصن أبضعه، أي قطعته". و" بضعت اللحم بضعاً من باب نفع شققته".

          ابن فارس، المقاييس في اللغة، ص 137، مادة "بضع". الفيومي، المصباح المنير، ص 20، مادة "بضع".

(3)      الخِتان: موضع القطع من الذكر.

          ابن فارس، المقاييس في اللغة، ص 342، مادة "ختن".

(4)      فصد: (الفصد) قطع العرق.

          الرازي، مختار الصحاح، ص 504، مادة "فصد".

(5)      حجم الحاجم حجماً من باب قتل شرطه وهو حجام 000 والقارورة محجمة.

          انظر: الفيومي، المصباح المنير، ص 47، مادة "حجم".

(6)      انظر: ابن قيم الجوزية، زاد المعاد، ج4، ص 142.

(7)      الحصكفي، الدر المختار، ج9، ص 94. الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 137.

(8)      الصاوي، بلغة السالك، ج2، ص 258. ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج2، ص 231.

(9)      النووي، روضة الطالبين، ج4، ص 300. ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج2، ص 231.

(10)    ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 110. البهوتي، شرح منتهى الارادات، ج2، ص 270.

المأذون فيه من جهة الشارع، ومن جهة من يطبه تلف العضو أو النفس، أو ذهاب صفة، فهذا لا ضمان عليه اتفاقاً، فإنها سراية مأذون فيه، وهذا كما إذا ختن الصبي في وقته، وسنه قابل للختان وأعطى الصنعة حقها فتلف العضو أو الصبي، لم يضمن.

        وكذلك إذا بط(1) من عاقل أو غيره ماينبغي بطه في وقته على الوجه الذي ينبغي فتلف به، لم يضمن. وهكذا سراية كل مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببها، كسراية الحد بالاتفاق"(2).

        "ولأن هذا فعل واجب والفعل الواجب لايجامعه الضمان"(3). كما وأن عدم السراية ينبني على قوة الطباع وضعفها في تحمل الألم، وماهو كذلك مجهول والاحتراز عن المجهول غير متصور فلم يمكن التقييد بالمصلح من العمل لئلا يتقاعد الناس عنه مع مسيس الحاجة إليه(4).

        فالفقهاء متفقون على أنه لاضمان على الطبيب إذا نشأ عن فعله تلف؛ لأن فعله مأذون فيه إلا أنهم يشترطون في هذا الطبيب شروطاً:-

        الشرط الأول:- أن يكون الطبيب عالماً وحاذقاً بصنعته.

        جاء في حاشية الشلبي على تبيين الحقائق أن الطبيب إذا جاوز المعتاد فإنه يكون ضامناً "لأنه ظهر منه التقصير، وذلك بأن يوضع ثلاثة أوراق ويقال للحجام اضرب بمشرطك على هذه الأوراق وأنفذه من الأثنين دون الثالث فإن فعل ذلك فهو حاذق لايضمن وإلا ضمن"(5). ا.هـ.

___________________________

(1)      البطُّ: الشق. يقال بطَّ الجُرْحَ يُبطّهُ بَطّاً، أي شقه.

          ابن فارس، المقاييس في اللغة، ص 109، مادة "بط".

(2)      ابن قيم الجوزية، زاد المعاد، ج4، ص 139.

(3)      الطوري، تكملة البحر الرائق، ج8، ص 33.

(4)      انظر: البابرتي، العناية على الهداية، ج9، ص 128.

(5)      ج5، ص 137.

 

        وجاء في التبصرة: "وإن كان الخاتن غير معروف بالختن والإصابة فيه وعرض نفسه فهو ضامن لجميع ما وصفناه في ماله، ولا تحمل العاقلة من ذلك شئ وعليه من الإمام العدل العقوبة الموجعة بضرب ظهره وإطالة سجنه، والطبيب والحجام والبيطار فيما أتى على أيديهم بسبيل ما وصفنا في الخاتن"(1) ا.هـ.

        فقوله غير معروف بالختن والإصابة فيه: أي أنه يجهله.

        وجاء في حاشية قليوبي على شرح المحلي: "شرط الطبيب أن يكون ماهراً بمعنى أن يكون خطؤه نادراً وإن لم يكن ماهراً في العلم فيما يظهر فتكفي التجربة، وإن لم يكن كذلك لم يصح العقد ويضمن"(2) ا.هـ.

        فاشتراط المهارة أو التجربة في الطبيب تدل على وجوب كونه عالماً خبيراً بمهنته وإلا ضمن.

        وجاء في المبدع: "واقتضى ذلك أنهم إذا لم يكن لهم حذق في الصنعة أنهم يضمنون؛ لأنه لا تحل لهم مباشرة القطع، فإذا قطع فقد فعل محرماً، فيضمن سرايته"(3)ا.هـ.

        والأصل في هذا الشرط قوله عليه الصلاة والسلام: " مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَم مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ"(4).

        قال ابن القيم في معرض تعليقه على الحديث: "وأما الأمر الشرعي فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل، فإذا تعاطى علم الطب وعمله ولم يتقدم له به معرفة فقـد

___________________________

(1)      ابن فرحون، ج2، ص 231.

(2)      ج3، ص 78.

(3)      ابن مفلح، ج5، ص 110.

(4)      ابوداود، سنن أبي داود، ج4، ص 194، كتاب الديات، باب فيمن تطبب بغير علم [فأعنت]، رقم الحديث 4586. النسائي، سنن النسائي، ج8، ص 46، كتاب القسامة، باب صفة شبه العمد، وعلى من دية الأجنة. ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج2، ص 1148، كتاب الطب (31)، باب من تطبب ولم يُعلم منه طب (16)، رقم الحديث 3466. واللفظ للنسائي وابن ماجه.

هجم بجهله على إتلاف الأنفس، وأقدم بالتهور على مالم يعلمه فيكون قد غرر بالعليل فيلزمه الضمان لذلك"(1)ا.هـ.

        كما نقل ابن القيم الإجماع على ذلك(2). وقال الخطابي(3): "لا أعلم خلافاً في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامناً. والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه متعدٍ فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط القود عنه؛ لأنه لايستبد بذلك دون إذن المريض"(4).

        وهذا الشرط الذي قاله الفقهاء موافق لما تقتضيه أصول الشريعة والعقول السليمة وذلك محافظة على أرواح الناس وأجسادهم، حتى لا تكون حقل تجارب للعابثين المستهترين، ذلك أن مثل هؤلاء يدعون العلم بالطب وهم بعيدون عنه، فلو علموا أنهم سيضمنون التلف الناشئ عن فعلهم لو كشف أمرهم، فلا شك أنهم سينزجرون وينكفون عن التطبيب(5).

        واستثنى ابن القيم من ذلك مالو علم المريض بجهل الطبيب ومع ذلك سلمه نفسه. حيث قال: "القسم الثاني: متطبب جاهل باشرت يده من يطبه فتلف به، فهذا إن علم المجني عليه أنه جاهل لا علم له، وإذِنَ له في طبه لم يضمن، ولا تخالف هذه الصورة ظاهر الحديث فإن السياق وقوة الكلام يدل على أنه غرّ العليل وأوهمه أنه طبيب، وليس كذلك، وإن ظن المريض أنه طبيب وأذن له في طبه لأجل معرفته، ضَمِنَ الطبيب ما جنت يده. وكذلك إن وصف له دواء يستعمله والعليل يظن أنه وصفه

___________________________

(1)      زاد المعاد، ج4، ص 139.

(2)      المرجع السابق.

(3)      أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، أبوسليمان: فقيه محدث، من نسل زيد بن الخطاب. ولد سنة تسع عشرة وثلاثمائة. له "معالم السنن" في شرح سنن أبي داود و"بيان إعجاز القرآن". توفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.

          انظر ترجمته: الزركلي، الأعلام، ج2، ص 273.

(4)      زاد المعاد، ج4، ص 139. العظيم آبادي، عون المعبود، ج12، ص 215.

(5)      انظر: محمد الشنقيطي، أحكام الجراحة الطبية ، ص 524.

لمعرفته وحذقه فتلف به ضمنه، والحديث ظاهر فيه"(1)ا.هـ.

        "ويُعرف حذق الطبيب وعدمه بقول طبيبين عدلين غير عدوين له، ولا خصمين ولا مجاملين لقرابة قريبة. فإن قال طبيبان: إنه ليس بأهل، وهذا من خرق فعله. وقال آخران هو أهل فلا ضمان. ون كان في جانب الطبيب واحد وفي جانب الآخر اثنان ضمن الطبيب"(2).

        الشرط الثاني:- أن يتقيد الطبيب بأصول المهنة وذلك بأن لايتجاوز الحد عند أهل الإختصاص ولا يقصر في أداء الواجب، فإن لم يتقيد الطبيب بذلك عن عمد أو خطأ كان ضامناً(3).

        ومن أمثلة مجاوزة الطبيب للحد كما لو تجاوز في الختان فقطع جزء من الحشفة، أو قصّر في أداء الواجب كما لو قطع بآلة كالة أو قطع في وقت لايصلح فيه القطع.

        جاء في الدر المختار: "ولا يضمن حجام أو فصاد أو بزاغ(4) لم يجاوز الموضع المعتاد فإن جاوز المعتاد ضمن الزيادة"(5).

        وجاء في التاج والإكليل: "إذا أخطأ مثل أن يسقي الطبيب المريض مالايوافق مرضه أو تزل يد الخاتن أو القاطع فيتجاوز في القطع، أو الكاوي فيتجاوز في الكي، أو يد الحجام فيقلع غير الضرس التي أمر بها، فإن كان من أهل المعرفة ولم يفرط من نفسه فذلك خطأ على العاقلة(6) إلا أن يكون أقل من الثلث فيكون في ماله وإن كان ممن

___________________________

(1)      زاد المعاد، ج4، ص 140.

(2)      محمد الأحمد، نظرية الخطأ في الفقه الإسلامي، ص 318. وانظر: الطوري، تكملة البحر الرائق، ج8، ص 33.

(3)      انظر: محمد الشنقيطي، أحكام الجراحة الطبية، ص 525.

(4)      البزغ: الشق، يقال: بَزَغَتِ السِّنُّ بزغاً وبزوغاً: شقت اللحم فخرجت، وبزغ الطبيب الجلدَ بزغاً: شرطه فأسال دمه. والمِبْزَغُ: المِشْرَط.

          انظر: إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، ج 1 ص 54، مادة بَزَغَتِ.

(5)      الحصكفي، ج9، ص 94.

(6)      عاقلة الإنسان: ذكور عصباته كلهم من النسب والولاء قريبهم وبعيدهم، حاضرهم وغائبهم.

          انظر: ابن عبد البر، الكافي، ص 594. البهوتي، الروض المربع، ج 7، ص 297.

لايحسن وغرّ من نفسه فعليه العقوبة000"(1).

        كما جاء في الحاوي: "الحجام يحجم أو يختن، فإن ظهرت منه جناية عن عمد أو خطأ فهو ضامن لما حدث بجنايته"(2)ا.هـ.

        وجاء في شرح منتهى الإرادات: "ولا ضمان على حجام أو بيطار أو طبيب خاصاً كان أو مشتركاً بشرط 00 أن لا يتجاوز بفعله مالاينبغي تجاوزه بأن لم تجن يده فإن تجاوز بالختان إلى الحشفة أو بقطع السلعة(3) أو نحوها محل القطع أو قطع في وقت لا يصلح فيه القطع أو بآلة كالة ونحوها ضمن"(4).

        الشرط الثالث:- إذن المريض إن كان مكلفاً، أو إذن وليه إن كان غير مكلف.

        وقد اختلف الفقهاء في هذا الشرط.

        فذهب الحنفية(5) والمالكية(6) وقول عند الشافعية(7) والصحيح من المذهب عند

___________________________

(1)      المواق، ج5، ص 431

(2)      الماوردي، ج9، ص 255.

(3)      السَّلْعُةٌ: الشَّجَّةُ في الرأس كائنة ما كانت والجمع سِلاَعٌ. والسَّلْعُ: الشق في القدم.

          انظر: الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ص 942، مادة "سَّلْعُ". إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، ج 1، ص 443، مادة "سَلَعَ"

(4)      البهوتي، ج2، ص 270.

          وقد ذكر محمد الشنقيطي أن الحالة الثالثة من حالات تضمين الطبيب: أن يكون عالماً بالمهمة ويتقيد بأصولها ولكن تزل يده خطأ أثناء العمل، كما لو تحركت يد الطبيب الجراح بلا شعور منه فيقطع شرياناً أو يجرح موضعاً فيتضرر المريض من ذلك؛ لأن هذا الفعل ليس من الأفعال المتعلقة بالمهمة. انظر: أحكام الجراحة الطبيبة، ص 528، 529.

          قلت: والذي أراه أن هذا يدخل في الكلام السابق؛ لأن تجاوز الحد سواء كان عمداً أم خطأً يوجب الضمان وليس هو من جنس العمل الطبي. واللّه أعلم.

(5)      البابرتي، العناية على الهداية، ج9، ص 127. ابن عابدين، رد المحتار، ج9، ص 94.

(6)      ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج2، ص 243. ابن سلمون الكناني، العقد المنظم للحكام، ج2، ص 80.

(7)      الماوردي، الحاوي، ج9، ص 255. النووي، روضة الطالبين، ج4، ص 300.

          حيث قال الماوردي: "فإن حجم أو ختن حراً فلا ضمان عليه. سواء كان الحجام منفرداً أو مشتركاً. لأن الحر في يد نفسه وليست عليه يد، فصار المنفرد والمشترك معه على سواء.     =

الحنابلة(1) أن الطبيب يضمن إذا أقدم على العلاج بدون إذن المريض أو وليه، ونتج عن ذلك ضرر.

            واستدلوا على ذلك:-

        بما روي أن عمر "قضى في طفلة ماتت من الختان بديتها على عاقلة خاتنتها"(2).

        فحملوا فعل عمر على أن الخاتنة لم يأذن لها أولياء المختونة، فضمنت(3).

        ولأن الفعل لما كان غير مأذون فيه فإن سرايته تضمن(4) إعمالاً للأصل وهو وجوب الضمان(5).

        المذهب الثاني:- وهو المذهب عند الشافعية(6) وقول عند الحنابلة(7) وقول ابن حزم(8) إنه لاضمان على الطبيب إذا أقدم على علاج المريض بدون إذنه أو إذن وليه.

___________________________

=        وإن حجم عبداً، فإن كان مع سيده أو في منزل سيده، فلا ضمان على الحجام؛ لأن يد سيده لم تزل عنه، فلم يضمن إلا بالجناية. وإن لم يكن مع سيده ولا هو في منزله، ففي وجوب الضمان قولان؛ لأن الحجام أجير مشترك".

(1)      البهوتي، كشاف القناع، ج4، ص 35. المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 75.

(2)      لم أقف على تخريجه، وقد ذكره الألباني في الإرواء وسكت عنه. انظر: ج5، ص 320، رقم الأثر 1497. ولفظ الأثر مأخوذ من: الضويان، منار السبيل، ج1، ص 391.

(3)      انظر: البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج2، ص 270. الضويان، منار السبيل، ج1، ص 391.

(4)      انظر: ابن قدامة، المغني، ج6، ص 134.

(5)      محمد الشنقيطي، أحكام الجراحة الطبية، ص 531.

(6)      قال النووي: "قال الأصحاب: إذا حجمه أو ختنه فتلف، إن كان المحجوم أو المختون حراً فلا ضمان؛ لأنه لاتثبت اليد عليه. وإن كان عبداً نظر في انفراد الحاجم باليد وعدم انفراده، وأنه أجير مشترك أم لا؟ وحكمه ماسبق. والمذهب: أنه لا ضمان مطلقاً إذا لم يفرط. وكذا البيطار إذا بزغ الدابة فتلفت" ا.هـ. روضة الطالبين، ج4، ص 300.

          قلت: "قوله" والمذهب أنه لا ضمان مطلقاً إذا لم يفرط" يدل على أن النظر في الضمان إلى التفريط لا إلى الإذن.

(7)      المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 75.

(8)      المحلى، ج11، ص 68.

            وقد استدلوا لمذهبهم بما يلي:-

        أولاً :- قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ والعُدْوَانِ}(1).

        وجه الاستدلال من الآية:- أن الطبيب إذا أقدم على علاج المريض فقد أحسن إليه وداواه وخفف عنه الألم(2).

        ثانياً:- قوله تعالى: {مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ}(3).

        وجه الاستدلال:- "أن من داوى أخاه المسلم كما أمر اللّه تعالى على لسان نبيه فقد أحسن"(4)، فلا سبيل عليه بإيجاب الضمان.

        ثالثاً : - ما رواه أسامة بن شريك(5) قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "تَدَاوَوْا، عِبَادَ اللّه فَإِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً إَلاَّ الهْرَمَ"(6).

 

___________________________

(1)      سورة المائدة، آية 2.

(2)      انظر: ابن حزم، المحلى، ج11، ص 69.

(3)      سورة التوبة، آية 91.

(4)      ابن حزم، المحلى، ج11، ص 69.

(5)      أسامة بن شريك الثعلبي. أحد بني ثعلبة له صحبة. روى حديثه أصحاب السنن، وأحمد وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. وروى أسامة بن شريك أيضاً عن أبي موسى الأشعري.

          انظر ترجمته: ابن حجر، الإصابة، ج1، ص 203.

(6)      أبوداود، سنن أبي داود، ج4، ص 3، كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى، رقم الحديث 3855. الترمذي، جامع الترمذي "المطبوع مع تحفة الأحوذي"، ج6، ص 159، أبواب الطب، باب ماجاء في الدواء والحث عليه (2)، رقم الحديث 2109. وقال هذا حديث حسن صحيح. ابن ماجه، سنن ابن ماجه، ج2، ص 1137، كتاب الطب (31)، باب ما أنزل اللّه داء إلا أنزل له شفاء (1)، رقم الحديث 3436 واللفظ له. ابن حزم، المحلى، ج11، ص 69.


        "فالطبيب ممتثل لأمر الشرع بمداواته للغير ولو بغير إذنه"(1).

        "وأيضاً فإن الطبيب إن كان متعدياً، فلا أثر لإذن الولي في إسقاط الضمان، وإن لم يكن متعدياً فلا وجه لضمانه.

        فإن قلت: هو متعد عند عدم الإذن، غير متعد عند الإذن، قلت: العدوان وعدمه إنما يرجع إلى فعله، فلا أثر للإذن وعدمه فيه"(2).

        واستثنى ابن حزم من الحكم السابق ما لو كان المرض يرجى بروءه، أو كان الألم يتوقف أحياناً، أو لايشغل المريض عن صلاته ومصالح أموره، فإن كان الأمر كذلك وداوى الطبيب المريض بدون إذنه أو إذن وليه فإن عليه القود؛ لأنه حينئذ متعدٍ، وقد أمر اللّه تعالى بالقصاص في القود(3).

الترجيح:

        الذي يترجح في نظري والعلم عند اللّه هو تضمين الطبيب إذا أقدم على علاج المريض بدون إذنه أو إذن وليه.

        لأن فعل الطبيب وإن كان فيه تعاوناً على البر والتقوى وإحسان إلا أن فيه اعتداء على حق المريض وإيلاماً لجسده بغير رضاً منه أو إذن، فالطبيب متعدٍ من هذه الجهة.

        "ثم لو قلنا بجواز فعل الأطباء للجراحة بدون إذن المريض بناء على أنهم قاصدون للبر للزم منه أن يقال بجواز أخذ التجار "الذين يحسنون صنعة التجارة" لأموال الناس ولو بغير رضاهم ليتاجروا بها، وينفعونهم بتلك المتاجرة، وإذا خسروا لاضمان عليهم إذا لم يتعدوا، وهذا لم يقل به أحد، فإذا انتفى اعتبار ذلك في الأموال فمن باب

___________________________

(1)      محمد الشنقيطي، أحكام الجراحة الطبية، ص 532.

(2)      ابن قيم الجوزية، زاد المعاد، ج4، ص 141.

(3)      انظر: المحلى، ج11، ص 69.

أولى أن ينتفي اعتباره في الأبدان التي هي أعظم حرمة عند اللّه تعالى وتلفها لايمكن تعويضه بخلاف المال"(1).

        ويستثنى من ذلك ما لو كانت حالة المريض خطيرة يترتب على تركه بدون علاج إتلاف عضو أو هلاك نفس، كما في حوادث السير والتي قد يكون المصاب فيها في حالة غيبوبة بحيث لايتمكن من إعطاء الإذن للطبيب، أو يكون صغيراً وليس معه وليه وقت حصول الحادث ففي هذه الحالة يجب على الطبيب المداواة وإن لم يأذن له المريض ولا يضمن.

        كما لو رأى إنساناً يغرق وهو قادرٌ على إنقاذه فتركه حتى مات فإنه يأثم بتركه، فكذا هاهنا. واللّه تعالى أعلم.

كيفية تضمين الطبيب:-

        تحدث الفقهاء عن كيفية تضمين الطبيب إذا أخطأ وتجاوز الحد، جاء في تبيين الحقائق: "وإن هلك يضمن نصف دية النفس؛ لأنه هلك بمأذن وغير مأذون فيضمن بحسابه، حتى لو كان الختان قطع الحشفة وهو عضو كامل يجب عليه الدية كاملة، وإن مات وجب نصف الدية وهي من أندر المسائل وأغربها حيث يجب الأكثر بالبرء وبالهلاك الأقل.

        وفي شرح الطحاوي: لو قطع الحشفة فعليه القصاص، ولو قطع بعض الحشفة فلا قصاص عليه، ولم يذكر مايجب عليه وفي الصغرى تجب حكومة عدل"(2)ا.هـ.

 

___________________________

(1)      محمد الشنقيطي، أحكام الجراحة الطبية، ص 533.

          يُحمل كلام الدكتور محمد الشنقيطي على ما لو كانت حالة المريض غير خطيرة بحيث لا يترتب على تركه بدون علاج فقد عضواً أو هلاك نفس، لأنه إن كانت حالة المريض خطرة فإن الطبيب المسلم يأثم بتركه دون علاج، كما أو ضحنا في الاستثناء من الحكم السابق.

(2)      الزيلعي، ج5، ص 137. وانظر: الطوري، تكملة البحر الرائق، ج8، ص 33.

        وقال المالكية: "إن كان الطبيب معروفاً بالعلم والإصابة فيه وأخطأت يده كما لو قطع مالا يقطع مثل أن يقطع من الحشفة شئ، فإن مات المختون من ذلك فديته على عاقلة الخاتن، وإن عاش نظر فإن كان قطعها كلها ففيه الدية كاملة على العاقلة لأنه يعد خطأ من الخاتن، وإن كان أقل من ذلك فبحسابه، وما كان أقل من الثلث ففي ماله.

        أما إن كان الطبيب جاهلاً فهو ضامن لجميع ماوصفنا في ماله ولا تحمل العاقلة من ذلك شئ وعليه من الإمام العدل العقوبة الموجعة بضرب ظهره وإطالة سجنه"(1)ا.هـ.

        وقال الحنابلة إن كان الطبيب جاهلاً فإنه يضمن من ماله أما إن كان عالماً أعطى الصنعة حقها ولكن أخطأت يده فإن كانت الثلث فما زاد فهو على عاقلته فإن لم تكن عاقلة فاختلفت الروايات عن الإمام أحمد فمنها مايقول إن الدية تكون في ماله، ومنها مايقول إن الدية تكون على بيت المال.

        وقيل: إن كان الطبيب ذمياً ففي ماله، وإن كان مسلماً، ففيه الروايتان، فإن لم يكن بيت مال، أو تعذر تحميله، فهل تسقط الدية، أو تجب في مال الجاني؟ فيه وجهان أشهرهما: سقوطها(2).

 

 

 

 

 

 

___________________________

(1)      ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج2، ص 230.

(2)      انظر: ابن قيم الجوزية، زاد المعاد، ج4، ص 140، 141.