قائمة الروابط

المبحث الأول:- تعريف الأجير الخاص.

        قسّم الفقهاء الأجير إلى قسمين:-

        أجير خاص             وأجير مشترك.

تعريف الأجير الخاص:-

        اختلفت ألفاظ الفقهاء في تعريف الأجير الخاص، ولم يكن هذا الاختلاف قاصراً على المذاهب، بل إن الخلاف قد يوجد في المذهب الواحد.

1-    الأجير الخاص : فقد وردت عن الحنفية عدة تعريفات للأجير الخاص وهي كالتالي: "الذي يستحق الأجرة بتسليم نفسه في المدة وإن لم يعمل، كمن استؤجر شهراً للخدمة أو لرعي الغنم"(1).

2-    "الأجير الخاص من استحق الأجر بالوقت دون العمل"(2).

3-    "من يعمل لواحد"(3)، "أو يتقبل العمل من الواحد"(4).

4-    "من يعمل لواحدٍ عملاً مؤقتاً بالتخصيص، ويستحق الأجرة بتسليم نفسه في المدة وإن لم يعمل"(5).

        وهذا التعريف جمع ما تفرق في التعريفات السابقة.

 

________________________

(1)      المرغيناني، الهداية، ج9، ص 128. الجرجاني، التعريفات، ص 10. الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 134.

(2)      الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 134. الشلبي، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق، ج5، ص 134.

(3)      داماد أفندي، مجمع الأنهر، ج2، ص 393.

(4)      الشلبي، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق، ج5، ص 134.

(5)      الحصكفي، الدر المختار، ج9، ص 95.

        فقولهم: "من يعمل لواحد" أخرج من يعمل لأكثر من واحد، ولا يكون عمله لمستأجره خاصة.

        وخرج بقوله "مؤقتاً". من يعمل لواحد من غير توقيت كالخياط إذا عمل لواحد ولم يذكر مدة.

        وخرج بقوله "بالتخصيص" نحو الراعي إذا عمل لواحد عملاً مؤقتاً من غير أن يشرط عليه عدم العمل لغيره.

        وقيل: لعل المراد من قوله "بالتخصيص" أن لايذكر عموماً سواء ذكر التخصيص أم أهمله، فإن الخاص يصير مشتركاً بالتعميم.

        وقوله "وإن لم يعمل" أي إذ تمكن من العمل، فلو سلم نفسه ولم يتمكن من العمل لعذر كمطر ونحوه لا أجر له(1).

        أما المالكية فقد قالوا: إن الأجــير الخـاص هـو الذي لم ينصـب نفسه للنـاس(2)، وعمل في منزل المستأجر(3).

        أما الشافعية فقد اختلفت عباراتهم في تعريف الأجير الخاص، فمنهم من كان تعريفه له قريباً من تعريف المالكية ولكن بلفظ أدق، فقالوا: إن الأجير الخاص "الذي يكون عمله في يد المستأجر"(4).

        ثم بيَّنوا معنى ذلك فقالوا: "كرجل دعا صانعاً إلى منزله ليصوغ له حلياً أو
يخيط له ثوباً، أو يخبز له خبزاً، أو يبيطر له فرساً، أو يختن له عبداً، فيفرد الأجير بعمله

 

________________________

 

(1)      انظر: ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، ج9، ص 95. "بتصرف يسير".

(2)      ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 220. ابن رشد، بداية المجتهد، ج2، ص 175.

(3)      ابن رشد، بداية المجتهد، ج2، ص 175.

(4)      الماوردي، الحاوي، ج9، ص 252.

وهو حاضر ويده على ماله، فهذا أجير منفرد، وسواء كان في دكانه عمل لغيره أو لم يكن، فهذان النوعان على السواء في حكم الأجير المنفرد"(1).

        ومنهم من عرّف الأجير الخاص كتعريف الحنفية فقال: "إنه الذي يعمل للمستأجر ولا يعمل لغيره"(2).

        وأضاف بعضهم قيد المدة حيث قالوا: إن الأجير الخاص "هو الذي أجّر نفسه مدة مقدره لعمل، فلا يمكنه تقبل مثل ذلك العمل لغيره في تلك المدة"(3).

        أما الحنابلة فقد ورد عنهم تعريفان للأجير الخاص فعلى الصحيح من المذهب: أن الأجير الخاص هو الذي يؤجر نفسه مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها سواء سلَّم نفسه إلى المستأجر أم لا.

        وقيل: هو الذي يسلِّم نفسه إلى المستأجر(4).

        وقد رجَّح صاحب الإنصاف أنه ليس هناك قولان لتعريف الأجير الخاص وإنما هو قول واحد والعذر لمن قال: هو الذي يسلم نفسه إلى المستأجر: أنه الواقع في الغالب فأناط الحكم بالغالب، لا أن الذي يؤجر نفسه مدة ولم يسلمها إلى المستأجر لايسمى أجيراً خاصاً. فإن المعنى الذي سمى يشمله(5).

________________________

(1)      الماوردي، الحاوي، ج9، ص 252.

(2)      الشيرازي، المهذب، ج1، ص 414.

(3)      النووي، روضة الطالبين، ج4، ص 299.

(4)      المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 70. وانظر: ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 108. "وقد ذكر التعريف الثاني". البهوتي، الروض المربع "المطبوع مع الحاشية"، ج5، ص 336.

(5)      انظر: المرداوي، ج6، ص 71.


التعريف المختار:-

        من خلال أقوال الفقهاء في تعريف الأجير الخاص، فإني أرى أن أجمع تعريف يقال فيه "أنه من أجَّر نفسه مدة معلومة لجهة معلومة".

شرح التعريف:

        أجّر: جنس في التعريف يشمل تأجير النفس والدور وغيرها.

        نفسه:- أخرج تأجير الدور والحوانيت وغيرها.

        مدة معلومة:- أخرج من يعمل دون تحديد مدة.

        لجهة معلومة:- أي يسلّم نفسه لهذه الجهة ليختص عمله بها سواء كانت هذه الجهة شخصاً حقيقياً أم اعتبارياً، فرداً أم جماعة، فقولنا "مدة معلومة لجهة معلومة" يخرج الأجير المشترك.

        ولهذا ينبغي أن لا يضاف إلى تعريف الأجير الخاص كونه يستحق الأجرة بتسليم نفسه، أو أنه ليس له أن يتقبل من العامة؛ لأن منافعه صارت مستحقة للمستأجر، والأجر مقابل بالمنافع؛ لأن مثل هذا يؤول إلى الدور، لأن هذا حكم لايعرفه إلا من يعرف الأجير الخاص(1).

        والأولى في التعريف أن يكون قاصراً على بيان حقيقة وماهية المعرّف، ومن ثم يتبين الحكم؛ لأن الحكم على الشئ فرع عن تصوره.

إطلاقات الفقهاء على الأجير الخاص:-

        أطلق فقهاء الحنفية على الأجير الخاص لفظ أجير الواحد(2) - بفتحتين -، وأطلق عليه المالكية لفظ الصانع غير المشترك(3)، وأطلق عليه الشافعية لفظ

 

________________________

(1)      انظر: الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 134.

(2)      المرغيناني، الهداية، ج9، ص 129. الشلبي، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق، ج5، ص 134.

(3)      ابن الرحال، كشف القناع عن تضمين الصناع، ص110، 111.

الأجير المنفرد(1).

أمثلة على الأجير الخاص:-

        يتضح لنا من خلال التعريف المختار للأجير الخاص بعض الأمثلة عليه، فالخادم الذي يعمل في منزل المستأجر يعتبر أجيراً خاصاً، والراعي الذي يرعى غنم لمستأجر واحد دون غيره أو لجماعة معينة دون غيرها ولمدة معلومة يعتبر أجيراً خاصاً، وكذا الطبيب الذي يسلّم نفسه ويعالج المريض في منزله يعتبر أجيراً خاصاً، وكذا السائق، والعامل الذي يعمل في شركة معينة ولايعمل لغيرها يعتبر أجيراً خاصاً.

        ويدخل في معنى الأجير الخاص من يعمل في محله كالخباز إذا استأجره شخص ليخبز له مدة معلومة ولا يخبز لغيره، وكذا طحان يطحن للمستأجر وحده ولمدة شهر هكذا وإن كان يطحن في مطحنته.

        وقد ذكر الفقهاء ضابطاً يعرف به الأجير الخاص، فقالوا: "إنما يكون الأجير أجيراً خاصاً إذا شرط عليه المستأجر أن لايعمل لغيره كما لو شرط عليه أن لا يرعى غنماً لغيره، أو ذكر المدة أولاً، فإنه جعله خاصاً بأول كلامه حيث ذكر المدة أولاً"(2).

        وقال ابن عابدين في تعليقه على ضابط المدة: "سره أنه أوقع الكلام على المدة في أوله فتكون منافعه للمستأجر في تلك المدة فيمتنع أن تكون لغيره فيها أيضاً"(3)ا.هـ.

 

 

 

________________________

(1)      الماوردي، الحاوي، ج9، ص 252. النووي، روضة الطالبين، ج4، ص 299.

(2)      الطوري، تكملة البحر الرائق، ج8، ص 34. وانظر: الدردير، الشرح الكبير، ج4، ص 281. الشربيني، مغني المحتاج، ج2، ص 352. بهاء الدين المقدسي، العدة شرح العمدة، ص 267.

(3)      رد المحتار على الدر المختار، ج9، ص 96.


المبحث الثاني:- ضمان الأجير الخاص

        اتفق فقهاء الحنفية(1) والمالكية(2) والشافعية على المذهب(3) والحنابلة على الصحيح من المذهب(4)، أنه لا ضمان على الأجير الخاص إلا إذا تعدى أو فرّط.

        وقد استدل أصحاب هذا القول على عدم تضمين الأجير الخاص فيما يتلف تحت يده، "كما لو انكسرت منه الجرة التي يستقي بها، أو الآلة التي يحرث بها، أو المكيل الذي يكيل به، أو نحوه"(5).

        أن الأجير الخاص تسلّم المال بإذن المالك فلم يضمن ما تلف منه بدون تعدٍ كسراية القصاص والحد(6).

        ولأنه نائب عن المالك في صرف منافع المأجور إلى ما أمر به فلم يضمن من غير تعدٍ، كالوكيل والمضارب(7)(8).

        ولأن الغالب في الأجير الخاص أنه يسلّم نفسه إلى المستأجر، ولا يتسلم منه المال فلا يمكنه الخيانة(9).

________________________

(1)      السرخسي، المبسوط، ج8، ص 15. الكاساني، البدائع، ج4، ص 211.

(2)      ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 220. القيرواني، الفواكه الدواني، ج2، ص 127.

(3)      الشيرازي، المهذب، ج1، ص 114. النووي، روضة الطالبين، ج4، ص 299.

(4)      ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 109. المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 71.

(5)      البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج2، ص 269.

(6)      انظر: ابن قدامة، المغني، ج6، ص 121. البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج2، ص 269.

(7)      المضاربة: مفاعلة من الضرب، وهو السير في الأرض، وفي الشرع: عقد شركة في الربح بمال من رجل وعمل من آخر، وهي إيداع أولاً، وتوكيل عند عمله، وشركة إن ربح، وغصب إن خالف، وبضاعة إن شرط كل الربح للمالك، وقرض إن شرط للمضارب.

          الجرجاني، التعريفات، ص 218.

(8)      انظر: ابن قدامة، المغني، ج6، ص 122. "بتصرف يسير".

(9)      انظر: الكاساني، البدائع، ج4، ص 211. "بتصرف يسير".                             =

        وذهب بعض الشافعية إلى تضّمين الأجير الخاص ذلك أن الشافعي رحمه اللـه قال: "والأجراء كلهم سواء"(1) بمعنى أنه لا فرق بين الأجير الخاص والمشترك من حيث الضمان، فإن قلنا بضمان الأجير المشترك، فكذلك يجب أن نقول بضمان الأجير الخاص.

        وهذا قول عند الحنابلة اختاره ابن أبي موسى(2)، وحكى فيه عن الإمام أحمد رواية بتضمّينه ما تلف بأمر خفي لايعلم إلا من جهته(3).

        واستدلوا بما روي عن خلاس(4) أن علياً(5) كان

 

________________________

=        وقد ذكر الزرقاني معلقاً على عدم تضمين الأجير الخاص: "ثم عدم الضمان في هذه المسائل لاينافي قولهم الخطأ والعمد في أموال الناس سواء؛ لأن الأجير هنا لم يخطئ في الفعل، وإنما نشأ عن حمله أو حمل دابته، وإن فرض جعله كالمتسبب فلا يرد؛ لأن قولهم مقيد بما إذا لم يكن المخطئ أميناً وهو هنا أمين" ا.هـ.

          شرح الزرقاني على مختصر خليل، ج7، ص 27.

(1)      الأم، الشافعي، ج4، ص 38. الشيرازي، المهذب، ج1، ص 414.

(2)      محمد بن أحمد بن أبي موسى، أبوعلى الهاشمي القاضي:عالي القدر، سامي الذكر، له القدم العالي، والحظ الوافي عند الإمامين: القادر باللـه، والقائم بأمر اللـه. ولد سنة خمس وأربعين وثلاثمائة.

          سمع من محمد بن المظفر، وأبي الحسين بن سمعون. كان يدرّس ويفتي في جامع المنصور ببغداد. صنف الإرشاد في المذهب، وشرح على الخرقي. توفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.

          انظر ترجمته: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج1، ص 354. ابن أبي يعلى، طبقات الحنابلة، ج2، ص 156.

(3)      انظر: ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 109. المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 71. بتصرف يسير.

(4)      خلاس بن عمرو الهجري البصري، بصري، تابعي، ثقة. كان أبوه صحابياً. روى عن عدد من الصحابة منهم علي وعمار بن ياسر، وعائشة وابن عباس. وكان يحيى بن سعيد يتوقى أن يحدِّث عن خلاس عن علي خاصة. وكانوا يخشون أن يكون خلاس يحدِّث عن صحيفة الحارث الأعور. وقال عنه الأزدي "خلاس تكلموا فيه يقال كان صحفياً". مات خلاس قبيل المائة.

          انظر ترجمته: ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج3، ص 152.

(5)      علي بن أبي طالب الهاشمي، ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبوالحسن. أول الناس إسلاماً في قول كثير من أهل العلم. ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح. وتربى في حجر النبي صلى اللـه عليه وسلم ولم يفارقه، وشهد معه المشاهد كلها إلا غزوة تبـــــــوك.=

يضمّن الأجير(1).

        فدل هذا الأثر على أن علياً رضي اللـه عنه كان يضمّن جميع الأجراء الخاص منهم والمشترك.

        كما و"أن الأجير الخاص لايعتبر أميناً إذ أن الأمين هو من دفعت إليه راضياً بأمانته لا معطي أجراً على شئ مما دفعت إليه وإعطائي هذا الأجر تفريق بينه وبين الأمين الذي أخذ ما استؤمن عليه بلا جعل"(2). كما "وأنه انفرد باليد فأشبه الأجير المشترك"(3).

        وقد نوقش الاستدلال بما رواه خلاس بن عمرو عن علي رضي اللـه عنه: بأن هذا الأثر مرسل فهو ضعيف والصحيح فيه: أنه كان يضمّن الصباغ والصواغ. فيحمل القول بالضمان على الأجير المشترك لامطلق الأجير جمعاً بين الأدلة(4).

        كما نوقش دليلهم العقلي أن المتعدي هو الذي يضمن بأن يأخذ ماليس له أو يأخذ الشي على منفعة له فيه إما بتسلط على إتلافه كمايأخذ سلفاً فيكون مالاً من ماله فيكون إن شاء ينفقه ويرد مثله، وإما مستعيراً سلط على الانتفاع بماأعير له فيضمن لأنه أخذ ذلك لمنفعة نفسه لا لمنفعة صاحبه فيه، وهذان معاً نقص على المسلف والمعير أو
________________________

=        وزوجه بنته فاطمة.وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد، مناقبه كثيرة حتى قال الإمام أحمد: لم ينقل لأحد من الصحابة مانقل لعلي. وكان أحد أهل الشورى الذين نص عليهم عمر، تولى الخلافة بعد عثمان رضي اللـه عنهما، قتل في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة.

          انظر ترجمته: ابن كثير، البداية والنهاية، ج7، ص343. ابن حجر، الإصابة ، ج4، ص464.

(1)      البيهقي، السنن الكبرى، ج6، ص 122. ابن حزم، المحلى، ج7، ص 30.

          ثم قال البيهقي بعد ذكره لحديث خلاس عن علي: "وأهل العلم بالحديث يضعّفون أحاديث خلاس عن علي" ا.هـ.

          السنن الكبرى، ج6، ص 122.

(2)      الشافعي، الأم، ج4، ص 37، 38.

(3)      الشيرازي، المهذب، ج1، ص 414.

(4)      انظر: البهوتي، شرح منتهى الارادات، ج2، ص 269.

غير زيادة له، والصانع والأجير من كان ليس في هذا المعنى فلا يضمن بحال إلا ما جنت يده كما يضمن المودع ما جنت يده(1).

الترجيح :

        من خلال ماسبق يتبين لنا رجحان قول من ذهب إلى عدم تضمين الأجير الخاص إذا لم يتعد.

ضمان الأجير الخاص إن تعدى:-

        إن تعدى الأجير أو فرّط ضمن؛ ذلك لأن اللـه تعالى قال: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ}(2).

        والصانع أو الأجير حرام عليه أكل مال غيره فإن اعتدى على مال غيره لزمه حينئذ أن يُعتدى عليه بمثل عدوانه بأن يضمن قيمة هذا المال، إذ أنه ملزم بحفظ ما استعمل عليه بأجر كان ذلك أو بغير أجر(3).

        كما استدلوا على تضمين الأجير الخاص إذا تعدى أو فرّط بما رواه المغيرة بن شعبة(4) قال: سمعتُ النبيّ صلى اللـه عليه وسلم يقول: "إِنَّ اللـه كَرِهَ لكم ثلاثاً: قِيلَ وقال، وإِضاعةَ المالِ، وكثرةَ السُّؤالِ"(5).

        والاعتداء على أموال الغير، أو التفريط في حفظها إضاعة للمال.

        ولأن المال تلف بتعدي الأجير فوجب عليه الضمان كالغاصب(6).

________________________

(1)      انظر: الشافعي، الأم، ج4، ص 38.

(2)      سورة البقرة، آية 188.

(3)      انظر: ابن حزم، المحلى، ج7، ص 29.

(4)      المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي. يكنى أبا عبد اللـه. أسلم قبل عمرة الحديبية وشهدها وبيعة الرضوان. كان من دهاة العرب، ولاه عمر البصرة ثم عزله، ثم ولاه الكوفة فأقره عثمان ثم عزله. مات سنة خمسين عند الأكثر.

          انظرترجمته:الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج1، ص91. ابن حجر، الإصابة، ج6، ص156.

(5)      البخاري، صحيح البخاري "المطبوع مع الفتح"، ج4، ص 104. كتاب الزكاة (24)، باب قول اللـه تعالى: {لايَسألونَ الناسَ إِلحافاً} (53)، رقم الحديث 1477.

(6)      انظر: ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 109.

صور لتعدي الأجير الخاص وتفريطه.

        جاء في المادة (608) من شرح المجلة: "تعدي الأجير هو أن يعمل عملاً أو يتحرك حركة مخالفتين لأمر الآجر صراحة أو دلالة. مثلاً بعد قول المستأجر للراعي الذي هو أجير خاص: أرع هذه الدواب في المحل الفلاني ولا تذهب بها إلى محل آخر، فإن لم يرعها الراعي في ذلك المحل وذهب بها إلى محل آخر ورعاها يكون متعدياً فإن عطبت الدواب عند رعيها هناك يلزم الضمان على الراعي"(1)ا.هـ.

        كما جاء في شرح المجلة: "تقصير الأجير هو قصوره في المحافظة على المستأجر فيه بلا عذر.

        مثلاً إذا فرّ من القطيع رأس غنم لعدم لحاق الراعي له تكاسلاً وإهمالاً فضاع لذلك رأس الغنم فيضمن الراعي لتقصيره. أما إذا كان عدم لحاقه له ناشئاً عن غلبة احتمال ضياع الغنم الباقية لايلزمه ضمان؛ لأنه معذور"(2)ا.هـ.

        فالذي يغير يد الأجير الخاص من يد أمانة إلى يد ضمان هو أحد أمرين(3):-

1 -   ترك الحفظ - التقصير -؛ لأن الأجير لما قبض المستأجر فيه فقد التزم حفظه وترك الحفظ الملتزم سبب لوجوب الضمان كالمودع إذا ترك حفظ الوديعة حتى ضاعت.

2 -   الإتلاف والإفساد فإن الأجير يكون متعدياً إذا تعمده. مثل الخباز الذي يسرف في الوقود أو يلزقه قبل وقته، أو يتركه بعد وقته حتى يحترق.

 

 

________________________

(1)      علي حيدر، ج1، ص 600.

(2)      المرجع السابق، ص 603.

(3)      انظر: الكاساني، البدائع، ج4، ص 211.

(4)      ومن أمثلة ذلك في الوقت الحاضر مالو فرطت الخادمة التي تعمل في البيت فتركت الطعام على النار حتى احترق، أو رفعت حرارة المكواة حتى احترقت الملابس من جراء ذلك .