المبحث الأول: تعريف الضمان

الضمان لغة:-

        جاء في كتاب المقاييس في اللغة : "ضَمَن: الضاد والميم والنون أصل صحيح، وهو جعل الشئ في شيء يحويه. من ذلك قولهم: ضمنَّت الشيء إذا جعلتهُ في وعائه، والكَفَالة تسمىَّ ضَماناً من هذا؛ لأنَّه كأنَّه إذا ضَمِنَه فقد استوعبَ ذمَّته"([1])أ.هـ.

        وفي لسان العرب: "الضَّمينُ: الكفيلُ. ضَمِنَ الشيءَ وبه ضَمنْاً وضَمَاناً: كفل به. وضَمنَّه إياه: كَفَّلَه 000 وضَمَّنتُه الشيءَ تَضْميناً فَتَضمنَّهُ عني: مثل غَرَّمْتُه"([2])ا.هـ.

        وجاء في القاموس المحيط : "ضمَنَ الشْيءَ وبه كَعِلَم ضَماناً ، وضَمْناً فهو ضامنٌ، وضَمين كَفَلَهُ وضَمَّنْتُهُ الشيءَ تَضْمينَّاً فَتَضمَّنهُ عَنْي غَرمْتُهُ فالَتَزَمْه، وما جَعَلْتَهُ في وعاء فقد ضَمَّنْتهُ إياه"([3])ا.هـ.

        فالضمان في اللغة أصله الإحتواء على الشيء، ويرد على معانٍ أخرى كالكفالة، والغرامة وهو المعنى المراد هنا.

الضمان في الاصطلاح:-

        أطلق الفقهاء لفظ الضمان على معنيين: وهما الكفالة، وغرامة التالف بمثله أو قيمته، وهو الذي يهمنا.

        وقد وردت عن الفقهاء تعريفات للضمان بالمعنى الثاني، وهي وإن كانت تختلف من حيث اللفظ، إلا أنها تدل في مجموعها على أن الضمان هو "موجب الغرم مطلقاً"([4]).

ومن هذه التعريفات:

        ماقالـــه الحموي([5]): إن الضمان هو "رد مثـل الهالك
 أو قيمته"(1).

        وعرَّفه الشوكاني(2) بأنه عبارة عن "غرامة التالف"(3).

        وعرفته مجلة الأحكام العدلية بأنه: "إعطاء مثل الشيء إن كان من المثليات، وقيمته إن كان من القيميات"(4).

        كما وردت تعريفات للضمان عند بعض المعاصرين منها:

1 -   "التزام بتعويض مالي عن ضرر للغير"(5).

2 -   "الالتزام بتعويض الغير عما لحقه من تلف المال، أو ضياع المنافع، أو عن الضرر الجزئي أو الكلي الحادث بالنفس الإنسانية"(6).

3 -   "شغل  ذمة بحق،أو بتعويض عن ضرر"(7).

4 -   "لزوم إعطاء مثل الشيء أو قيمته"(8).

.

________________________

=        الحنفية. حموي الأصل مصري. كان مدرساً بالمدرسة السليمانية بالقاهرة. وتولى إفتاء الحنفية. وصنف كتباً كثيرة منها: "غمز عيون البصائر - شرح الأشباه والنظائر" و "فضائل سلاطين آل عثمان" توفي سنة ألف وثمان وتسعين.

          انظر ترجمته : الزركلي، الأعلام، ج 1، ص 239.

(1)      غمز عيون البصائر، ج 2 ص 210.

(2)      محمد بن علي بن محمد بن عبد اللّه الشوكاني ثم الصنعاني. ولد سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف. نشأ بصنعاء. تفقه على يد العلامة أحمد بن محمد بن الحرازي، ومن شيوخه عبد اللّه بن إسماعيل النهمي، والحسن بن إسماعيل المغربي. بلغ عدد دروسه في اليوم والليلة نحو ثلاثة عشر درساً. انتهت إليه الفتيا في عصره. من كتبه: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" و "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول" و "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير. توفي سنة مائتين وخمسين وألف.

          انظر ترجمته: الشوكاني، البدر الطالع، ج 2، ص 214. الزركلي، الأعلام، ج 6، ص 298.

(3)      نيل الأوطار، ج 6، ص 41.

(4)      على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج 1، ص 378، المادة 416.

(5)      مصطفى الزرقا، المدخل الفقهي العام، ج 2، ص 1032، ف 648.

(6)      وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 15.

(7)      محمد فوزي، نظرية الضمان، ص 14.

(8)      القاري، مجلة الأحكام الشرعية، ص 114، المادة 218.

 

        وبالنظر إلى التعريفات السابقة نجد أن بعضها أورد لفظ، الالتزام، أو اللزوم، والبعض الآخر أغفل هذا اللفظ مع أهميته؛ ذلك حتى لا يظن أحدٌ أن الضمان ليس بملزم لمن تعاطى سببه.

        كما نلاحظ أن بعض التعريفات أغفلت ذكر الضرر، وهذا يعد قصوراً في التعريف؛ ذلك لأن الضرر هو أساس الضمان وموجبه.

        هذا وإننا نجد في بعض التعريفات السابقة تطويلاً لاداعي له كمن عرّف الضمان بأنه "الالتزام بتعويض الغير عما لحقه من تلف المال 000 الخ" فإن هذا التعريف ذكر ألفاظاً كثيرة كان بالإمكان اختصارها في كلمة الضرر إذ أنها تدل عليها، فالأصل في التعويض أن يكون ناتجاً عن ضرر أصاب الغير سواء كان ذلك الضرر تلف مال، أو ضياع منفعة.

        وكلما كان التعريف أقصر عبارة وأوفى بالغرض كان أولى. وأما من عرف الضمان بمعناه الشامل فقال "إنه شغل ذمة بحق، أو بتعويض عن ضرر". فقد أقحم فيه الكفالة، وضمان الديات، وضمان قيمة الصيد، وضمان كفارة اليمين، وكفارة الظهار، والإفطار عمداً في رمضان(1).

        وليس هذا المراد هنا؛ لأننا نريد أن نعرّف الضمان على أساس معنى جبر الضرر الواقع على المال؛ وذلك حتى تبقى نظرية الضمان في إطارها الفقهي كنظرية للتعويض. وعلى هذا فإنه لايجوز التوسع فيها بإدخال بعض الأمور التي ألزم بها الشارع الحكيم مالم يتعلق الأمر فيها بالتعويض(2). ولعل من ذكـر هذا التعريف أراد بالضمان معناه العام الشامل لكل ماذُكر.

 

________________________

(1)      انظر: محمد فوزي، نظرية الضمان، ص 14.

(2)      انظر: محمد بن محمد شتا أبو اسعد، تعريف المسؤولية المدنية بوصفها جانباً من الضمان في الفقه الإسلامي (بحث منشور في مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد السادس، عام 1413هـ) ص 192.

        ولعل أشمل تعريف يقال في الضمان إنه: إلزام الشرع من ضر غيره بالتعويض.

شرح التعريف

        إلزام:- بمعنى أن الضمان واجب عند حدوث الضرر.

        الشرع:- قيد في التعريف ليخرج الإلزام الوضعي، كمن كسر آلات الملاهي المحرمة فإنه يضمن في القانون الوضعي، ولكن لا يضمن عند الشارع.

        كما وأن هذا القيد يبين أن أساس الضمان هو إلزام الشارع، فيدخل فيه ما التزمه الإنسان من عقود؛ لأن الشريعة أمرت بتطبيق الالتزامات الناشئة عن العقد، وذلك في قوله تعالي : {يَاأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوفُواْ بِالعُقُودِ}(1).

        والأمر للوجوب. قال الحسن(2) في تفسير هذه الآية: "يعني بذلك عقود الدين وهي ماعقده الإنسان على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير، وغير ذلك من الأمور ماكان غير خارج عن الشريعة"(3) ا.هـ.

        ولاشك أن عدم الوفاء بالتزامات العقد قد يؤدي إلى الضرر فيوجب الضمان.

        كما يدخل فيه الضمان الناتج عن الفعل الضار كمن "غصب مالاً، أو أتلف

 

________________________

(1)      سورة المائدة، آية (1).

(2)      هو الحسن بن يسار البصري. أبوسعيد مولى الأنصار، وأمه خيرة مولاة أم سلمة. قال سعد ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر. كان فصيحاً. رأى علياً وطلحة وعائشة، وكان سيد التابعين في زمانه بالبصرة. قال عنه قتادة: ماجالست فقيها قط إلا رأيت فضل الحسن عليه. وقال أيوب: ما رأت عيناي رجلاً قط كان أفقه من الحسن. توفي عام مائة وعشر، وكان عمره ثمان وثمانين سنة.

          انظر: ترجمته: ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 2، ص 231. الذهبي، ميزان الإعتدال، ج 1، ص 527، ابن كثير، البداية والنهاية، ج 9، ص 280.

(3)      القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 6، ص 32.

شيئاً متمولا أوحال دون وجه حق بينه وبين صاحبه فهلك، أو تعدى على عقار غيره"(1). والشريعة نهت عن الإضرار بالغير.

        من ضّر:- الضرر هو إلحاق مفسدة بالآخرين(2)، وهو يشمل الضرر المالي، والنفسي، ويشمل المثلي والقيمي والجزئي والكلي. وهذا القيد يخرج به النفقات، فالنفقة قد تلزم الإنسان مع أنه لم يلحق الضرر بغيره.

        غيره: قيد في التعريف؛ لأن من أتلف حاجة نفسه فإنه لايُلزم بضمانها لعدم الفائدة. وإن كان الشرع يمنعه من إتلاف ماله متعمداً، صيانة للأموال كما وأن هذا القيد يخرج جميع الكفارات لأنها لم تترتب على ضرر بالغير غالباً.

        بالتعويض:- وهو البدل المالي الذي يدفعه الضار لمن ضره(3).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

________________________

(1)      محمد بن محمد شتا، تعريف المسؤولية المدنية، ص 197.

(2)      انظر: المناوي، فيض القدير، ج 6، ص 431.

(3)      انظر: محمد بن محمد شتا، تعريف المسؤولية المدنية، ص 199.


المبحث الثاني : مشروعية الضمان

        "قررت الشريعة الإسلامية مبدأ التضمين للحفاظ على حرمة أموال الآخرين"(1) وأدلة الضمان في الشريعة الغراء متعددة في الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

        فالقرآن الكريم، والسنة المطهرة يقرران حرمة الأموال ويحرمان الاعتداء عليها ويلزمان برد الأموال المقبوضة(2).

أولاً: - من الكتاب:

        قوله تعالى: {فَمنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيهِ بِمِثْلِ مَااعْتَدَى عَلَيْكُمْ}(3). وهذا عموم في كل اعتداء(4).

        وقال تعالى: {وَإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَاعُوقِبتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}(5).

ثانياً:- من السنة:

        كما دلت السنة المطهرة على حرمة الأموال وحرمة الاعتداء عليها ووجوب الضمان بالاعتداء فعن أنس(6) قال: كان النَّبِيُ صلى اللّه عليه وسلم عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدى أُمُهاتِ المْؤْمِنينَ بِصَحْفَةٍ فيها طَعامٌ، فَضَربتِ التي النَّبيُّ صلى اللّه عليه وسلم في بْيتِها يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطتْ الصَّحْفَة فانْفَلقَت، فَجَمَع النَّبِي صلى اللّه عليه وسلـم

________________________

(1)      وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 16.

(2)      انظر: محمد محمد شتا، تعريف المسؤولية المدنية، ص 192.

(3)      سورة البقرة، آية 194.

(4)      انظر : القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن، ج2، ص 357.

(5)      سورة النحل، آية 126.

(6)      أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم رضي اللّه عنه. أمه أم سليم بنت ملحان. ذهبت به أمه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين قدم المدينة فكان يخدمه، وكان له يومئذ تسع سنين.

          دعا له النبي صلى اللّه عليه وسلم حيث قال: "اللهم أكثر ماله وولده وأطل عمره وأغفر ذنبه"

          كان آخر الصحابة وفاة، حيث مات سنة اثنتين وتسعين، وهو ابن تسع وتسعين.

          انظر ترجمته: الذهبي، صفة الصفوة، ج1، ص 319. ابن حجر، الإصابة، ج 1، ص 276.

فِلَقَ الصَّحْفَةِ ثُمّ جَعَلَ يَجْمَعُ فيها الطَّعامَ الَّذي كان في الصَّحَفَةِ وَيَقُولُ: "غارَتْ أُمُّكُمْ" ثُمَّ حَبَسَ الخادِمَ حَتَّى أُتيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتي هُوَ في بيْتِها، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحيحَةَ إِلىَ الَّتي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا وَأمْسَكَ الْمَكسُورَةَ في بَيْتِ الَّتي كُسِرَتْ فيهِ"(1).

        وفي لفظ للترمذي(2) عن أَنَس قالَ: "أهْدَتْ بَعْضُ أَزْوَاجِ النبيِّ صلى اللّه عليه وسلم إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم طَعَاماً في قَصْعَةٍ. فَضَرَبَتْ عَائِشَةُ(3) الْقَصْعَةَ بِيَدِهَا فأَلْقَتْ مَافِيها، فقَالَ النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم: " طَعَامٌ بِطعامٍ، وَإِنَاءُ بِإناءٍ"(4).

        "والحديث دليل على أن من استهلك على غيره شيئاً كان مضموناً بمثله"(5).

        ماروي عن الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ(6) قال كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ(7). فَدَخَلَتْ
________________________

(1)      البخاري، صحيح البخاري "المطبوع مع الفتح" ، ج 10، ص 400، كتاب النكاح (67)، باب الغيرة (108)، رقم الحديث 5225.

(2)      محمد بن عيسى بن سورة بن موسى الضحاك السلمي. أبوعيسى الترمذي. أحد الأئمة. طاف البلاد وسمع خلقاً من الخراسانيين، والعراقيين، والحجازيين. قال الإدريسي: كان الترمذي أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنف الجامع والتواريخ والعلل تصنيف رجل عالم متقن. قال له محمد بن إسماعيل البخاري: "ما انتفعت بك أكثر مما انتفعت بي". عمي في آخر عمره. مات سنة تسع وتسعين ومائتين.

          انظر ترجمته: ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 9، ص 344.

(3)      عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهما. زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم، تزوجها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل الهجرة بسنتين، وهي بنت ست سنين، وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع سنين ولم يتزوج بكراً غيرها. وكانت غزيرة العلم. عاشت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم تسع سنين. توفيت رضي اللّه عنها سنة سبع وخمسين، وهي ابنة ست وستين سنة.

          انظر ترجمتها: ابن الجوزي، صفة الصفوة، ج 2، ص 7. ابن حجر، الإصابة، ج 8، ص 231.

(4)      الترمذي، جامع الترمذي "المطبوع مع تحفة الأحوذي"، ج 4، ص 494، 495، أبواب الأحكام، باب ماجاء فيمن يُكسر له شيء (23)، رقم الحديث 1370.

(5)      الصنعاني، سبل السلام، ج 3، ص 136.

(6)      البراء بن عازب بن الحارث الخزرجي، أبوعمارة. قائد صحابي من أصحاب الفتوح، أسلم صغيراً وغزا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خمس عشرة غزوة، كان أميراً على الري في عهد عثمان. عاش إلى أيام مصعب بن الزبير. سكن الكوفة وتوفي سنة إحدى وسبعين.

          انظر ترجمته: ابن حجر، الإصابة، ج1، ص 411.

(7)      الضَّارِيةُ: المُعْتادةُ لرَعْي زُرُوع الناسِ.

          ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، ج3، ص 86.

حَائِطاً(1) فأَفْسَدَتْ فِيهِ فَكُلِّمَ رَسُولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فِيهَا فَقَضَى أَنّ حِفْظَ الْحَوائِطِ بالنَّهارِ عَلَى أَهْلِهَا، وأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيةِ باللّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ ما أَصَابَتْ ماشِيَتُهُمْ باللَّيْلِ"(2).

        فالحديث السابق يدل على أن "ما أفسدت الماشية بالنهار من مال الغير فلا ضمان على أهلها، وما أفسدت بالليل ضمنها مالكها"(3).

        وهذا يقرر مشروعية الضمان.

        ومن الأحاديث التي تقرر مبدأ الضمان، واعادة المقبوض على الحالة التي أُخذ بها ما رواه الْحَسَن عَنْ سَمْرة(4) عَنِ النبيِّ صلى اللّه عليه وسلم قالَ: "عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ"(5).

_______________________

(1)      الحائط: هو البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار.

          ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، ج 1، ص 462.

(2)      مالك بن أنس، الموطأ، ج2، ص 573، كتاب الأقضية (36)، باب القضاء في الضواري والحريسة (28)، رقم الحديث 37. الساعاتي، الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد، ج15، ص 150، كتاب الغصب، باب ماجاء في جناية البهائم. أبوداود، سنن أبي داود، ج3، ص 296، كتاب البيوع باب المواشي تفسد الزرع، رقم الحديث 3570. "واللفظ له". ابن ماجه، سنن ابن ماجه، ج2، ص 781، كتاب الأحكام (13)، باب الحكم فيما أفسدت المواشي (13)، رقم الحديث 2332.

          وقال ابن عبد البر: "هذا الحديث وإن كان مرسلاً فهو حديث مشهور أرسله الأئمة وحدّث به الثقات واستعمله فقهاء الحجاز، وتلقوه بالقبول وجرى في المدينة به العمل".

          ابن عبد البر، التمهيد، ج 11، ص 82.

          قلت: كيف وقد أخرجه أبوداود موصولاً.

(3)      العظيم آبادي، عون المعبود، ج 9 ص 350.

(4)      سمرة بن جندب بن هلال بن جريج الفزاري. أبوسعيد، كان حليف الأنصار، سكن البصرة وكان زياد يستخلفه عليها فلما مات زياد أقره معاوية عاماً أو نحوه ثم عزله. قال عنه ابن سيرين كان عظيم الأمانة صدوق الحديث يحب الإسلام وأهله. مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين حيث سقط في قدر مملؤة ماء حاراً.

          انظر ترجمته: ابن حجر، الإصابة ، ج 3، ص 150. تهذيب التهذيب، ج 4، ص 207.

(5)      الساعاتي، "الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد "، ج 15، ص 129، كتاب الوديعة والعارية، باب ماجاء في ضمان الوديعة والعارية. أبوداود، سنن أبي داود، ج 3، =

        "فالحديث دليل على أنه يجب على الإنسان رد ما أخذته يده من مال غيره بإعارة أو إجارة أو غيرهما حتى يرده إلى مالكه"(1)

        وعلى هذا فإنه إن رد المال على غير الصورة التي كان عليها فإنه يضمنه؛ لأنه تعاطى أسباب ضمانه.

        كما وأن حديث عُبَادَة بْنِ الصَّامِتِ(2)، أَنَّ رَسُول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قَضَى أَنْ " لاَضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ"(3).

_______________________

=        ص 294، كتـاب البيوع، باب في تضمين العارية، رقم الحديث 3561. الترمذي، جامع الترمذي "المطبوع مع تحفة الأحوذي"، ج 4، ص 402، أبواب البيوع، باب فيما جاء أن العارية مؤداة (39). رقم الحديث 1284. واللفظ لهما. ابن ماجه، سنن ابن ماجه، ج 2، ص 802، كتاب الصدقات (15)، باب العارية (6)، رقم الحديث 2400.

          فالحديث رواه الأربعة إلا النسائي، وصححه الحاكم وأقره الذهبي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

          انظر: البنا، بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، ج 15، ص 129.

(1)      العظيم آبادي، عون المعبود، ج 9، ص 344.

(2)      عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن الخزرج الأنصاري. أبوالوليد المدني. أحد النقباء ليلة العقبة شهد بدراً فما بعدها. كان أحد من جمع القرآن في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم. أرسله عمر إلى فلسطين ليعلم أهلها القرآن وكان أول من ولي القضاء بفلسطين وأقام بها إلى أن مات سنة أربع وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.

          انظر ترجمته: ابن حجر، الإصابة، ج 3، ص 505.

(3)      مالك بن أنس، الموطأ، ج 2، ص 615، كتاب المكاتب (39)، باب مالايجوز من عتق المكاتب (11)، رقم الحديث 13. ابن ماجه، سنن ابن ماجه، ج 2، ص 784، كتاب الأحكام (13)، باب من بنى في حقه مايضر بجاره (17)، رقم الحديث 2340. كما رواه عن ابن عباس رقم الحديث 2341. ورواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس أيضاً، انظر: الساعاتي "الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد"، ج 15، ص 110، كتاب الصلح وأحكام الجوار، باب ماجاء في الطريق إذا اختلفوا فيه.

          وقال المناوي عن الحديث: "قال الهيثمي رجاله ثقات، وقال النووي في الأذكار هو حسن 000 فالحديث حسنه النووي في الأربعين. قال: ورواه مالك مرسلاً ، وله طرق يقوي بعضها بعضاً. وقال العلائي: للحديث شواهد ينتهي مجموعها إلى درجة الصحة، أو الحسن المحتج به" ا.هـ.

          انظر : فيض القدير ، ج 6، ص 432.

        يدل على وجوب الضمان عموماً، بل يعتبر قاعدة أساسية في هذا الشأن(1)؛ لأن الضرر هو أساس الضمان "وقد تعذر نفي الضرر من حيث الصورة فيجب نفيه من حيث المعنى بالضمان ليقوم الضمان مقام المتلف فينتفي الضرر بالقدر الممكن"(2).

        كما أجمع الفقهاء على مشروعية الضمان(3).

        ولأن من "أتلف ملك غيره من غير استحقاق عليه لزمه بدل ما أتلف؛ لأن الأبدال في المتلفات كالقصاص في النفوس، وقال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}(4) معناه أن القاتل أو الجارح إذا علم أنه يُفعل به مثل ما فعل ارتدع عن أن يفعل ذلك وانزجر خيفة أن يُقتص منه فكأن في ذلك حياة للنفوس، وإلا اجترأ الناس بعضهم على بعض كذلك الجناية على المال لو لم يجب فيها البدل لاجترأ الناس بعضهم على أموال بعض إذ لابدل يلزمهم"(5).

 

 

 

 

 

 

 

________________________

(1)      انظر: وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 17.

(2)      الكاساني، البدائع، ج 7، ص 165.

(3)      انظر: محمد فوزي، نظرية الضمان، ص 16.

(4)      سورة البقرة، الآية 179.

(5)      عبد الوهاب البغدادي، المعونة، ج 2، ص 1211، 1212.

 

المبحث الثالث: موجبات الضمان

        أشار الكاساني([6]) إلى موجبات الضمان حيث قال: "وأما مسائل الإتلاف فالكلام فيها لايخلو إما أن ورد على بني آدم، وإما أن ورد على غيرهم من البهائم والجمادات. فإن ورد على بني آدم فحكمه في النفس وما دونها نذكره في كتاب الجنايات إن شاء الله تعالى. وإن ورد على غير بني آدم فإنه يوجب الضمان إذا استجمع شرائط الوجوب فيقع الكلام فيه في ثلاثة مواضع:

        في بيان كونه سبباً لوجوب الضمان، وفي بيان شروط وجوب الضمان، وفي بيان ماهية الضمان الواجب.

        (أما) الأول: فلا شك أن الإتلاف سبب لوجوب الضمان عند استجماع شرائط الوجوب؛ لأن إتلاف الشيء إخراجه من أن يكون منتفعاً به منفعة مطلوبة منه عادة. وهذا اعتداء وإضرار، وقد قال الله سبحانه وتعالى: {فَمنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيهِ بِمِثْل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}([7]). وقال عليه الصلاة والسلام: "لا ضرر ولا إضرار في الإسلام"([8]). وقد تعذر نفي الضرر من حيث الصورة فيجب نفيه من حيث المعنى بالضمان ليقوم مقام المتلف فينتفي الضرر بالقدر الممكن، ولهذا وجب الضمان بالغصب فبالإتلاف أولى، سواء وقع إتلافاً له صورة ومعنى بإخراجه عن كونه صالحاً للإنتفاع، أو معنى بإحداث معنى فيه يمنع من الانتفاع به مع قيامه في نفسه حقيقة. لأن كل ذلك اعتداء وإضرار. وسواء كان الإتلاف مباشرة بإيصال الآلة بمحل التلف، أو تسبباً بالفعل في محل يفضي إلى تلف غيره عادة لأن كل واحد منهما يقع اعتداء وإضراراً فيوجب الضمان"(1) ا.هـ.

        فمن خلال هذا النص للكاساني نستطيع أن نستخلص موجبات الضمان وهي كالتالي:-

        1 - التعدي.          2 - الضرر.

        3 - إمكانية نسبة الفعل الموجب للضمان إلى من يراد تضمينه، وهذا الموجب يشمل الفعل سواء كان مباشرة أو تسبباً.

الموجب الأول: التعدي:-

        جاء في كتاب المقاييس في اللغة: "العين والدال والحرف المعتل أصلٌ يرجع إليه الفروع كلها، وهو يدل على تجاوزٍ في الشيء وتقدُّمٍ لما ينبغي أن يقتصر عليه 000 فالتعدي تجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه"(2) ا.هـ.

        وقد وردت تعريفات للتعدي عند الفقهاء منها ماورد في مجلة الأحكام العدلية بأن التعدي: "الاستهلاك وجناية اليد، أو التقصير في الحفظ"(3).

_______________________

(1)      البدائع، ج 7، ص 165. واعتبار التعدي والضرر، وإمكانية نسبة الفعل الموجب للضمان لمن يراد تضمينه موجبات للضمان، أولى مما ذكره بعض المعاصرين أن هذه أركان الضمان، لأن الركن جزء من الماهية والتعدي والضرر والواسطة بينهما ليست جزءاً من ماهية الضمان وإنما هي موجبات للضمان كما أشار إلى ذلك الكاساني. ولو قلنا إن التعدي والضرر والواسطة بينهما من أركان الضمان لصح أن نقول إن الحدث ركن من أركان الطهارة مع أنه موجب من موجبات الطهارة، فهنا التعدي والضرر مثل الحدث.

          ويمكن أن يقال إن أركان الضمان هي: ضامن ومضمون له، وحق مضمون. كما يقال في أركان البيع العاقدان والصيغة. وممن ذكر أن أركان الضمان هي التعدي والضرر والإفضاء من المعاصرين. د. وهبة الزحيلي في كتابه نظرية الضمان، ص 18، ود. محمد فوزي فيض الله في كتابه نظرية الضمان، ص 88.

(2)      انظر ابن فارس، ص 746 "مادة عدى".

(3)      انظر على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج 1، ص 600، المادة 608. بتصرف يسير.


        كما جاء في شرح حدود ابن عرفة(1): "أن التعدي الانتفاع بملك الغير بغير حق دون قصد تملك الرقبة(2)، أو إتلافه أو بعضه دون قصد تملكه"(3) ا.هـ.

        "فقوله: "بملك الغير" يخرج الانتفاع بملك نفسه.

        وقوله: "بغير حق" يخرج الانتفاع بحق كنحو الإجارة والعارية وغيرهما"(4).

        قوله: "دون قصد تملكه" أخرج به الغصب.

        قوله: "أو إتلافه" هذا قسم من أقسام التعدي، والضمير يعود على الملك وهو عطف على الانتفاع.

        قوله: "أو بعضه" ليدخل فيه إهلاك بعض الشئ - أي الهلاك الجزئي -

        وقوله: "دون قصد التملك" يخرج به الغصب أيضاً(5).

ومن تعريفات المعاصرين للتعدي:-

1 -   أنه العمل الضار بدون حق ولا جواز شرعي(6).

2 -   أنه مجاوزة ماينبغي أن يقتصر عليه شرعاً، أو عرفاً، أو عادة(7).

        فالفقهاء يقولون بوجوب الضمان إذا وجد التعدي(8) وتحققت بقية موجبـــات

________________________

(1)      محمد بن محمد بن عرفة الورغمي، أبو عبدالله: إمام تونس وعالمها وخطيبها في عصره. ولد بها سنة ست عشرة وسبعمائة، وتوفي بها سنة ثلاث وثمانمائة. من كتبه: "المختصر الكبير في فقه المالكية" و"المبسوط في الفقه" و "الحدود" في التعاريف الفقهية.

          انظر ترجمته: الزركلي، الأعلام، ج 7، ص 43. محمد مخلوف، شجرة النور الزكية، ج1،ص 227.

(2)      يفرق المالكية بين الغصب والتعدي، فيطلقون الغصب على من أخذ ذات العين بقصد الاستيلاء عليها وتملكها. ويطلقون التعدي على من قصد غصب المنافع بغية الانتفاع دون قصد أخذ الذات.

          انظر الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج 3، ص 443.

(3)      الرصاع، شرح حدود ابن عرفة، ج 2، ص 468.

          هذا ولم أقف فيما اطلعت عليه من كتب على تعريف للتعدي عند كل من الشافعية والحنابلة ولعل سبب ذلك أنهم يطلقون التعدي في الاصطلاح على نفس إطلاقه في اللغة.

(4)      الرصاع، شرح حدود ابن عرفة، ج2، ص 468.

(5)      انظر: شرح حدود ابن عرفة، ج 2، ص 468 بتصرف يسير.

(6)      وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 18.

(7)      محمد فوزي، نظرية الضمان، ص 92.

(8)      انظر: الفروق، القرافي، ج 4، ص 32. الزركشي، المنثور في القواعد، ج 2، ص 326، 327.

الضمان التي سيأتي الحديث عنها؛ لذلك نجدهم يقولون بضمان المشتري للمبيع قبل قبضه إذا تلف وكان سبب تلفه تعدي المشتري عليه، مع أن المبيع قبل القبض من ضمان البائع عند جمهور الفقهاء(1). ولكن نظراً لوجود التعدي من المشتري انتقل الضمان إليه بتقرر الثمن عليه.

        وكذلك الوديعة فعلى الرغم من أنها أمانة في يد المودع إلا أنه يضمنها إذا تعدى عليها(2).

المعيار الذي يُعرف به التعدي:-

        المعيار الذي يُعرف به التعدي إما أن يكون بمخالفة ما اتفق عليه المتعاقدان في العقد(3). ذلك أن الشريعة الإسلامية قد أكدت على أهمية التقيد بما اتفق عليه المتعاقدان، جاء في المجلة: "يلزم مراعاة الشرط بقدر الإمكان"(4). ودليل هذه القاعدة قوله عليه الصلاة والسلام: "الـمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ"(5).

________________________

 (1)     قصدت بالجمهور فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة. أما المالكية فقد قالوا بضمان المشتري للمبيع بمجرد العقد ولم يشترطوا القبض إلا في بعض المسائل.

          انظر: الكاساني، البدائع، ج 5، ص 238. الشيرازي، المهذب، ج 1، ص 295. ابن قدامة، المغني، ج4، ص 237. ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 164.

(2)      انظر: المرغيناني، الهداية، ج8، ص 489. الدردير، الشرح الكبير، ج 3، ص 420. النووي، روضة الطالبين، ج5، ص 297. ابن مفلح، المبدع، ج 5، ص 234.

(3)      انظر: مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، مسائل في الفقه، العدد الثامن عشر، ص 214، 216.

(4)      على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج1، ص 74، المادة 83.

(5)      جزء من حديث رواه: أبوداود، سنن أبي داود، ج3، ص 303، كتاب الأقضية، باب الصلح، رقم الحديث 3594، "وقد رواه عن أبي هريرة". الترمذي، جامع الترمذي "المطبوع مع تحفة الأحوذي"، ج4، ص 487، أبواب الأحكام (13)، باب ماذُكر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الصلح بين الناس (17)، رقم الحديث 1364، "وقد رواه عن عبدالله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده. وقال عن الحديث: "هذا حديث حسن صحيح".

          وقال ابن حجر في تعليقه على حديث الترمذي: "وأنكروا عليه؛ لأن راويه كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف ضعيف، وكأنه اعتبره بكثرة طرقه. وقد صححه ابن حبان من حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه". ا.هـ.

          بلوغ المرام، ص 183، 184.

          كما قال الشوكاني بعد أن ساق طرق الحديث: "لايخفى أن الأحاديث المذكورة والطرق يشهد بعضها لبعض فأقل أحوالها أن يكون المتن الذي اجتمعت عليه حسناً" ا.هـ.

          نيل الأوطار، ج 5، ص 379.

        أما المعيار الثاني الذي يُعرف به التعدي فهو العرف والعادة(1). فلو خالف أحد المتعاقدين العرف والعادة فإنه يكون ضامناً(2). "والمنظور إليه في مخالفة المعتاد مخالفة سلوك الرجل العادي أو الإنسان العادي، لا الإنسان الحاذق النبيه"(3).

        والفقهاء يؤكدون على أهمية العرف والعادة والاستدلال بهما، وذلك يتضح من خلال كثير من قواعد الشريعة والتي منها: "العادة محكمة"(4) و"استعمال الناس حجة يجب العمل بها"(5) و"المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً"(6) و"التعيين بالعرف كالتعيين بالنص"(7) و"كل ماورد به الشرع مطلقاً، ولا ضابط له فيه، ولا في اللغة، يرجع فيه إلى العرف"(8).

        ويشهد لهذه القواعد قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}(9). أي "المعروف"(10).

        ويشهد لها أيضاً قوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الذي روته عائِشة رضي اللّه عنها أَنَّ هِنْداً بِنْتَ عُتْبَة(11) قالَتْ: يارَسُولَ اللّه، إِنَّ

________________________

(1)      العرف: "ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول 000 والعادة ما استمر الناس عليه على حكم العقول وعادوا إليه مرة بعد أخرى".

          انظر: الجرجاني، التعريفات، ص 149.

(2)      انظر: محمد فوزي، نظرية الضمان، ص 93. مجلة البحوث الفقهية، مسائل في الفقه، العدد الثامن عشر، ص 214، 215، 216.

(3)      محمد فوزي، نظرية الضمان، ص 93. وانظر: وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 18.

(4)      السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 89. ابن نجيم، الأشباه والنظائر ، ص 93. على حيدر، درر الحكام، ج 1، ص 40، المادة 36.

(5)      على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج1، ص 41، المادة 37.

(6)      انظر: ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص 99.

(7)      على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج1، ص 46، المادة 45.

(8)      السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 98. وانظر في اعتبار العرف والعادة عند المالكية والحنابلة: الشاطبي، الموافقات ج2، ص571 وما بعدها. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 26 ص 114.

(9)      سورة الأعراف، آية 199.

(10)    القرطبي، الحامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 346.

(11)    هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية، والدة معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنهم. أخبارها قبل الإسلام مشهورة. شهدت أحد مع الكفار وفعلت ما فعلت بحمزة رضي

أَبا سُفْيانَ(1) رَجُلٌ شَحيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطيني مايَكْفيني وَوَلَدي إلاَّ ما أَخَذْتُ مِنْهُ وَهْوُ لا يَعْلَمُ. فَقالَ: "خُذي ما يَكْفيك وَوَلدَكِ بِالَمَعرْوفِ"(2).

                قال ابن حجر(3): "والمراد بالمعروف القدر الذي عُرف بالعادة أنه الكفاية"(4) ا.هـ.

        فدل الحديث على اعتبار العرف والعادة بين الناس.

الموجب الثاني: - الضرر.

        لا يتحقق الضمان إلا إذا وجد التعدي الذي ينتج ضرراً، فمتى ما وجد التعدي دون الضرر فلا ضمان كمن حفر بئراً في الطريق متعدياً ولم يسقط فيه أحد فلا ضمان.

        أو وجد الضرر بدون تعدٍ كمن تعثرَّ بحجر فانكسر دون تعدٍ من أحد. أو صدم سيارته بجبل فلا ضمان على أحد.

        فلابد من تعدٍ ينتج ضرراً ليتحقق الضمان.

 

________________________

=        اللّه عنه. أسلمت مع زوجها أبي سفيان يوم الفتح. قيل إنها ماتت في خلافة عمر، وقيل في خلافة عثمان عام أربعة عشر.

          انظر ترجمتها: ابن حجر، الإصابة، ج 8، ص 346. الزركلي، الأعلام، ج 8، ص98 .

(1)      صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبوسفيان القرشي الأموي. كان أسن من النبي صلى اللّه عليه وسلم بعشر سنين. أسلم عام الفتح، وشهد حنيناً والطائف، وجّهه النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى مناة فهدمها. مات سنة أربع وثلاثين، وعاش ثلاثاً وتسعين سنة رضي اللّه عنه.

          انظر ترجمته: ابن حجر، الإصابة، ج 3، ص 332.

(2)      البخاري، صحيح البخاري "المطبوع مع الفتح"، ج10، ص 636، كتاب النفقات (69)، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه000 (9)،       رقم الحديث 636.

(3)      أحمد بن علي بن محمد بن علي بن أحمد، إمام الأئمة الشهاب أبوالفضل الكناني العسقلاني المصري ثم القاهري الشافعي، ويُعرف بابن حجر. ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، ونشأ يتيماً. تفقه بالبلقيني والعز بن جماعة. وقد جد في فنون مختلفة حتى بلغ الغاية، وحبب اللّه إليه الحديث، واجتمع له من الشيوخ مالم يجتمع لأحد من أهل عصره. صنف كثيراً من الكتب من أشهرها "فتح الباري بشرح البخاري" و"لسان الميزان" و"التلخيص الحبير" توفي سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة.

          انظر ترجمته: السخاوي، الضوء اللامع، ج2، ص 36. الزركلي، الأعلام، ج1، ص 178.

(4)      فتح الباري، ج 10، ص 637.

        والضَرَر في اللغة: "خلاف النفع"(1).

        وفي الاصطلاح: "إلحاق مفسدة بالغير مطلقاً"(2).

        أو: "هو كل إيذاء يلحق الشخص سواء أكان في ماله أو جسمه أو عرضه أوعاطفته"(3).

        وعلى هذا فالضرر يشمل الضَرَر المادي بنوعيه سواء كان واقعاً على البدن: وهو كل مايصيب الإنسان في بدنه من جراح يترتب عليها تشويه فيه، أم عجز عن العمل، أم ضعف في كسبه ونحو ذلك. ومثل هذا الضرر يستوجب الأرش(4) وهو إما مقدر من الشارع، أو متروك لحكومة(5) عدل(6).

        وثاني أنواع الضرر المادي: الضرر المالي، وهو الضرر الواقع على الأموال وهو الذي يجب فيه الضمان، والتعويض بالمثل أو القيمة(7).

 

________________________

(1)      الجوهري، الصحاح، ج2، ص 719، مادة (ضرر).

(2)      المناوي، فيض القدير، ج 6، ص 431.

(3)      وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 23.

(4)      أرش الجناية لغة: ديتها. واصطلاحاً: اسم للمال الواجب لمادون النفس.

          انظر : ابن فارس، المقاييس في اللغة، ص 68، مادة "أرش". الجرجاني، التعريفات، ص 17.

(5)      حكومة العدل تكون في "الجِراحَات التي ليس فيها دِيَةٌ مقدَّرة. وذلك أن يُجْرَح في مَوْضع من بدنه جرَاحَة تشينه فَيَقِيسَ الحاكم أرْشَها بأن يقول: لو كان هذا المجروح عبداً غير مَشِينٍ بهذه الجراحة كانت قيمته مائةَ مثلاً، وقيمتُه بَعْدَ الشَّين تسعون، فقد نَقَص عُشْرُ قيمته، فيُوجبُ على الجارِحِ عُشر دية الحر؛ لأن المجروح حُرُّ".

          ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج 1، ص 420، 421.

(6)      انظر: الكاساني، البدائع، ج 7، ص 314، 323. ابن عبدالبر، الكافي، ص 599. العز بن عبدالسلام، قواعد الأحكام، ج 1، ص 156. ابن قدامة، العمدة، ص 515، 524. على الخفيف، نظرية الضمان، ص 46.

(7)      انظر: الكاساني، البدائع، ج7، ص 164، 167، 168. عبدالوهاب البغدادي، المعونة، ج2، ص 1212. العز بن عبدالسلام، قواعد الأحكام، ج 1، ص 151. البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج 2، ص 324. على الخفيف، نظرية الضمان، ص 46.

        وهناك الضرر الأدبي كالإهانة التي تمس كرامة الإنسان وتُلحق به سمعة سيئة سواء كان ذلك بالقول كالقذف والسب، أم بالفعل كالضرب بما لايحدث أثراً في الجسم وهذا النوع من الضرر إن كان قذفاً تجب فيه عقوبة جنائية وهي ثمانون جلدة.
وفيما عداه التعزير(1)(2).

        وإن كان بعض الفقهاء يوجب التعويض بسبب الضرر الأدبي في حالة الألم الجسماني(3).

        وقد يتمثل الضرر في تفويت مصلحة، كما لو امتنع الملتزم لشيء عن تنفيذه كالوديع يمتنع عن تسليم الوديعة إلى مالكها، والمستعير يمتنع عن تسليم العارية إلى المعير، والمستأجر يمتنع عن تسليم العين المستأجرة إلى مؤجرها. ويسمى هذا بالضرر المعنوي(4)، ومثل هذا الضرر يوجب التعويض؛ لأنه تفويت منافع وجمهور الفقهاء يوجبون ضمان المنافع(5).

 

________________________

(1)      التعزير: "هو تأديب دون الحد".

          الجرجاني، التعريفات، ص 62، وانظر: البهوتي، الروض المربع، ج 7، ص 345.

(2)      انظر: الكاساني، البدائع، ج7، ص 40، 63. ابن عبدالبر، الكافي في فقه أهل المدينة، ص 575، 577. الشيرازي، التنبيه، ص 243، 248. ابن قدامة، المقنع، ج 3، ص 468، 480. على الخفيف، نظرية الضمان، ص 55. وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 24.

(3)      روي عن محمد بن الحسن في الجراحات التي تندمل على وجه لا يبقى لها أثر: تجب حكومة بقدر ما لحقه من الألم. وعن أبي يوسف: يرجع على الجاني بقدر ما احتاج إليه من ثمن الدواء وأجرة الأطباء حتى اندملت.

          انظر: السرخسي، المبسوط، ج26، ص 81.

(4)      انظر: على الخفيف، نظرية الضمان، ص 55.

(5)      وسيأتي تفصيل أقوال الفقهاء في ضمان المنافع في الصفحات القادمة.


شروط محل الضرر:-

        لايكون الضرر الموجب للضمان المالي إلا فيما تتوفر فيه الشروط التالية:-

1 -   أن يكون محل الضرر مالاً ، فلا ضمان فيما ليس بمال كالميتة، وجلد الميتة، وحبتي الحنطة، والسرجين(2) النجس(3).

2 -   أن يكون المال "متقوماً فلا يجب الضمان بإتلاف الخمر والخنزير على مسلم سواء أكان المُتْلِف مسلماً أم ذمياً لسقوط تقوم الخمر والخنزير في حق المسلم"(4). وأما إتلاف الخمر على غير المسلم ففي المسألة الخلاف(5).

________________________

(1)      فصَّل شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة جواز التعزير بالعقوبات المالية، وساق الأدلة من السنة والأثر على جواز ذلك، وبيّن غلط من ادَّعى نسخ التعزير بالعقوبات المالية.

          انظر: مجموع الفتاوى، ج 28، ص 109 وما بعدها. محمد المكي، تهذيب الفروق "المطبوع مع الفروق للقرافي"، ج4، ص 207. ابن القيم، الطرق الحكمية، ص 207 وما بعدها.

(2)      السرجين: الزبل كلمة أعجمية، وأصلها سركين بالكاف فعربّت إلى الجيم.

          الفيومي، المصباح المنير، ص 104، مادة "سرج".

(3)      انظر: الكاساني، البدائع، ج7، ص 167. علاء الدين البخاري، كشف الأسرار ، ج 1، ص 371. الدردير، الشرح الصغير، ج 2، ص193، 194. عبد الوهاب البغدادي، المعونة، ج2، ص 1212. الرملي، نهاية المحتاج، ج 3، ص 396. الشيرازي، التنبيه، ص 113 ومابعدها. ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 190. البهوتي، شرح منتهى الإرادات ، ج 2، ص 324.

(4)      الكاساني، البدائع، ج7، ص 167. الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 5، ص 235.

          وهذا الشرط خاص بالحنفية حيث إنهم يفرقون بين المالية والتقوم، فالمال عندهم ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة. فلا يعتبرون إباحة الانتفاع من عناصر المالية  فأداهم ذلك إلى تقسيم المال إلى متقوم وغير متقوم. فالمتقوم: هو المال الذي يباح الانتفاع به، وغير المتقوم: المال الذي لا يباح الانتفاع به. أما جمهور الفقهاء فإنهم جعلوا من عناصر المالية إباحة الانتفاع. فالحنفية يقولون إن من شروط الضمان في محل الضرر أن يكون مالاً وأن يكون متقوماً. وهما شرطان ذكرهما الجمهور إلا أنهم أدرجوهما في شرط المالية.

          انظر فيما سبق: ابن نجيم، البحر الرائق، ج 5، ص 277. ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 388. النووي، المجموع، ج 9، ص 225. البهوتي، كشاف القناع، ج 3، ص 152.

(5)      اختلف الفقهاء في إتلاف الخمر على الذمي هل يضمن مُتلفه: على قولين: الأول: وهو للحنفية والمالكية ويقولون بوجوب الضمان على متلفه. الثاني: وهو للشافعية والحنابلة وقالوا: بعدم وجوب الضمان.                                                                          =

3 -   أن يكون المال محترماً، فلا ضمان بإتلاف ماليس بمحترم كآلة اللهو، والأصنام، والصلبان(1).

4 -   أن يكون المال "مملوكاً فلا ضمان بإتلاف المباحات التي لا يملكها أحد"(2).

5 -   أن يكون المال معصوماً، أي غير مهدر. فلا ضمان في إتلاف أموال المحاربين من أعداء المسلمين؛ لانعدام فائدة التضمين لانتفاء الولاية عليهم، وكذا لا ضمان على السلطان العادل بإتلاف مال الباغي، ولا على الباغي بإتلاف أموال الجماعة لانعدام الولاية(3).

6 -   "أن يكون المُتْلِف من أهل وجوب الضمان عليه حتى لو أتلفت مال إنسان بهيمة لاضمان على مالكها؛ لأن فعل العجماء جبار(4) فكان هدراً"(5) وهذا قول الحنفية(6).

        أما الجمهور فقد قالوا: "إنما يسقط الضمان إذا كان ذلك نهاراً، وأما الليل ________________________

=        انظر: الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 5، ص234،235. عبدالوهاب البغدادي، المعونة، ج2، ص1220. الشربيني، مغني المحتاج، ج 2، ص 285. البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج2، ص297.

(1)      انظر: الرملي، نهاية المحتاج، ج5، ص 168. ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 190.

(2)      الكاساني، البدائع، ج 7، ص 168.

(3)      انظر: الكاساني، البدائع، ج7، ص 168. ابن عبد البر، الكافي، ص 222. الشربيني، مغني المحتاج، ج 2، ص 277. ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 190.

(4)      إشارة إلى الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "العَجْماءُ جُرْحُها جُبارٌ، وَالبِئْرُ جُبارُ، وَالمَعْدِنُ جُبارٌ، وَفِي الرِّكازِ الخُمُسُ.

          صحيح البخاري "المطبوع مع الفتح، ج 14، ص 250، كتاب الديات (87)، باب المعدن جبار والبئر جبار (28)، حديث 6912.

          والعجماء هي البهيمة. وجبار: هو الهدر الذي لاشيء فيه.

          انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج 14، ص 251.

(5)      الكاساني، البدائع، ج 7، ص 168.

(6)      انظر المصدر السابق. و: الحصكفي، الدر المختار "المطبوع مع رد المحتار"، ج 10، ص 279 ولابد من الإشارة إلى أن هذا مقيد عند الحنفية بما إذا لم تكن يد أحد عليها. أما إن كان عليها يد فإن لهذه الحالة أحكاماً وتفصيلات أخرى.

          انظر: داماد أفندي، مجمع الأنهر، ج 2، ص 659 وما بعدها. ابن عابدين، رد المحتار، ج 10، ص272 وما بعدها.

        فإن عليه حفظها، فإن أتلفت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما أتلف. ودليل هذا التخصيص"(1) حديث البراء بن عازب أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم"(2).

7 -   أن يكون المال المُتْلَف للغير، فلا ضمان إذا أتلف الإنسان مال نفسه؛ لأنه لا يجب عليه ضمان ماهو له(3).

الموجب الثالث: إمكانية نسبة الفعل الموجب للضمان لمن يراد تضمينه:-

        والمقصود من هذا الموجب أن يكون الضرر ناتجاً عن التعدي (4).

        حيث يشترط الفقهاء أن توجد علاقة سببية بين التعدي والضرر الذي يلحق الغير حتى تتحقق المسؤولية ونلزم المتعدي بالضمان.

        ذلك أنه قد يوجد التعدي والضرر ولكن تنعدم الرابطة السببية بينهما فلا يكون هذا الضرر نتيجة لهذا التعدي.

        فلو أن إنساناً رمى آخر من "شاهق، فتلقاه رجل بسيف، فقدَّه نصفين، أو ضرب رقبته قبل وصوله الأرض، فالقصاص على القاد، ولا شيء على الملقي"(5).

        فهنا تعدٍ وهو الرمي من شاهق، وضرر وهو موت المصاب، ولكن لم تتحقق الرابطة السببية بينهما؛ إذ أن الموت حصل من الضرب بالسيف لا من الإلقاء من شاهق، فوجد التعدي ولكن انقطعت الرابطة السببية بالضرر فلا قصاص على الرامي.

________________________

(1)      ابن حجر، فتح الباري، ج 14، ص 255. وانظر ابن عبد البر، التمهيد، ج 11، ص 82، 83. المزني، مختصر المزني "المطبوع مع الأم"، ج 8، ص 375. ابن قدامة، المغني، ج9، ص577.

(2)      سبق تخريجه.

(3)      انظر: ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 190.

(4)      محمد فوزي، نظرية الضمان، ص 96. وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 26. عبد اللّه محمد عبد اللّه، حوادث السير "بحث منشور في مجلة المجمع الفقهي، العدد الثامن، ج 2، ص 222.

(5)      النووي، روضة الطالبين، ج 7، ص 15. وانظر ابن رجب، القواعد، ص 307.

        وكذا لو حفر بئراً في محلٍ عدواناً فجاء آخر فردى في البئر شخصاً أو بهيمةً. فلا ضمان على الحافر(1).

        فهنا تعدٍ وهو حفر البئر في محل عدوان كطريق المسلمين. وضرر وهو تردي الشخص أو البهيمة، ولكن لم تتحقق الرابطة السببية بينهما؛ إذ أن التردي حصل بفعل المردي لا الحافر.

وإمكانية نسبة الفعل الموجب للضمان لمن يراد تضمينه إما أن يكون   هذا الفعل مباشرةً، وإما أن يكون تسبباً(2).

        وفيما يلي نبين تعريف كل من المباشرة والتسبب وحكم كل منهما.

أولاً : تعريف المباشر:-

        المباشرة هي : "ايصال الآلة بمحل التلف"(3).

        وقيل المباشرة: أن يحصل التلف بفعل المتلف من غير أن يتخلل بين فعله والتلف فعل مختار(4).

        ومن أمثلة المباشرة: القتل والإحراق، وأكل الطعام(5).

        وأما حكم المباشر: فالمباشر ضامن وإن لم يتعد أو يتعمد(6).

________________________

(1)      انظر السرخسي، المبسوط، ج 27، ص 16. القرافي، الفروق، ج 4، ص 27.

(2)      انظر: وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 26. محمد فوزي، نظرية الضمان، ص 97.

(3)      الكاساني، البدائع، ج 7، ص 165.

(4)      الحموي، شرح الأشباه والنظائر، ج 1، ص 466 بتصرف يسير. وانظر نحوه في: القرافي، الفـروق، ج 4، ص 27. النووي، روضة الطالبين، ج 4، ص 94.

(5)      انظر: ابن رجب، القواعد، ص 218. وانظر: الكاساني، البدائع، ج 7، ص 164. القرافي، الفروق، ج4، ص 27. النووي، روضة الطالبين، ج4، ص 94.

(6)      انظر: على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج1، ص 82، المادة 92. الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج 3، ص 444. الشربيني، مغني المحتاج، ج 4، ص 8. ابن رجب، القواعد، ص 307.

 

ثانياً : التسبب:

        الإتلاف تسبباً هو: "الفعل في محل يفضي إلى تلف غيره عادة"(1).

        وقيل المتسبب هو: "الذي حصل التلف بفعله، وتخلل بين فعله والتلف فعل مختار"(2).

        ومن أمثلة التسبب: لو أحرق شخصٌ أعشاباً جافة في أرضه في يوم ريح عاصفة فتعدى إلى مال غيره فأتلفه، أو حفر شخصٌ بئراً في موضعٍ لم يُؤذن فيه من قبل ولي الأمر فسقط في البئر حيوان وتلف(3).

حكم ضمان المتسبب:-

        لا يضمن المتسبب إلا بالتعدي(4)، أي أن يكون فعله المسبب للضرر محظوراً في نفسه. وسواء كان المتسبب متعمداً لإحداث الضرر أم لا(5).

________________________

(1)      الكاساني، البدائع، ج 7، ص 165. وانظر نحوه في: القرافي، الفروق، ج 4، ص 27. النووي، روضة الطالبين، ج 4، ص 94.

(2)      الحموي، شرح الأشباه والنظائر، ج1، ص 466.

(3)      انظر: الكاساني، البدائع، ج 7، ص 166. على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج 1، ص 83، المادة 93. القرافي، الفروق، ج 4، ص 27. الدردير، الشرح الكبير، ج 4، ص 444. النووي، روضة الطالبين، ج 4، ص 94. الشربيني، مغني المحتاج، ج 2، ص 278. ابن مفلح، المبدع، ج 5، ص 192. ابن رجب، القواعد، ص 218.

(4)      انظر الكاساني، البدائع، ج 7، ص 166. السرخسي، المبسوط، ج 27، ص 12 وما بعدها. داماد أفندي، مجمع الأنهر، ج 2، ص 652. ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 218. ابن عبدالبر، الكافي، ص 607. الدردير، الشرح الكبير، ج 3، ص 444. النووي، روضة الطالبين، ج4، ص94. وما بعدها. الشربيني، مغني المحتاج، ج 2، ص 278. الشيرازي، المهذب، ج1، ص 388. ابن قدامة، الكافي، ج 2، ص 411، 412. ابن رجب، القواعد، ص218. البهوتي، الروض المربع "المطبوع مع الحاشية" ج 5،  ص 413 وما بعدها.

(5)      ورد في المجلة أنه "يشترط لضمان المتسبب شيئان:- 1 - أن يكون متعمداً.  2 - أن يكون متعدياً". على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج1، ص 83، المادة 93.

          وهذا خلاف ماذكره جمهور الفقهاء، فإن تعمد الإضرار ليس بشرط لتضمين المسبب،    =

        فمن شق زق(1) إنسان فيه دهن مائع فسال وهلك، فإنه يكون ضامناً لتسببه في إتلافه(2)؛ لأن الدهن "المائع سيال بطبعه بحيث لايوجد منه الاستمساك عند قيام المانع"(3) فشقه للزق يعتبر تعدياً على مال الغير نتج عنه ضرر وهو سيلان الدهن المائع وتلفه فوجب الضمان وإن لم يكن متعمداً لفعله. فإن أذن له صاحب الزق بشقه فلا ضمان عليه؛ لأن فعله ليس تعدياً لاستناده إلى إذن صاحب المال.

حكم الضمان إذا اجتمع المباشر والمتسبب:-

        الأصل في اجتماع المباشر والمتسبب أن يضاف الحكم إلى المباشر(4)، "كمن حفر بئراً لإنسان ليقع فيه فجاءه آخر فألقاه فيه، فهذا مباشر والأول متسبب فالضمان على الثاني دون الأول تقديماً للمباشرة على التسبب؛ لأن شأن الشريعة تقديم الراجح عند التعارض"(5). ذلك أن الحفر بانفراده لا يوجب التلف بحال مالم

________________________

=        ولذلك من حفر بئراً في غير ملكه، وسقط فيها رجل، فإن الحافر ضامن - إذا لم يستند حفره إلى إذن الإمام أو وليه - ولو لم يحفرها بنية أن يتردَّى فيها رجل. فالصحيح من عبارة هذه القاعدة ماذكرنا من أن المتسبب لايضمن إلا بالتعدي، ولو لم يكن متعمداً بالضرر أو التعدي.

          انظر: محمد تقي العثماني، قواعد ومسائل في حوادث السير، بحث منشور في مجلة المجمع الفقهي العدد الثامن، ج 2، ص  189 "بتصرف يسير".

(1)      الزقُّ: السقاء. الرازي، مختار الصحاح، ص 273.

(2)      انظر: الكاساني، البدائع، ج 7، ص 166. القرافي، الفروق،ج4،  ص  28. "والشافعية يعتبرون هذا إتلافاً بالمباشرة لا بالتسبب". الرملي،  نهاية المحتاج،  ج 5، ص 152. النجدي، حاشية الروض المربع، ج5، ص 413، 414.

(3)      الكاساني، البدائع، ج 7، ص 166.

(4)      انظر: البغدادي، مجمع الضمانات، ص  178. الحموي، شرح الأشباه والنظائر، ج 1، ص 466. السرخسي، المبسوط، ج27، ص 16. القرافي، الفروق، ج 4، ص 208.   الدردير،  الشرح الكبير، ج3، ص444. الخرشي، الخرشي على مختصر خليل،  ج6، ص 132. الغزالي، الوجيز "المطبوع مع المجموع"، ج11، ص 239. النووي، روضة الطالبين، ج 4، ص94. الشربيني، مغني المحتاج، ج 4، ص 8. ابن قدامة، الكافي، ج2، ص 411 وما بعدها. ابن رجب، القواعد، ص 307. البهوتي، كشاف القناع، ج 4، ص 119.

(5)      القرافي، الفروق، ج 4، ص 208. وقد ذكر المالكية  أن من حفر بئراً تعدياً ثم إن شخصاً آخر أوقع شيئاً فيها فهلك فإن المردي يقدَّم في الضمان على الحافر؛ لأنه مباشر وهو مقدم =

يوجد الدفع الذي هو المباشرة، على الرغم من أنه لولا الحفر لم يتلف بالدفع، لكن الدفع  هو الوصف الأخير فيضاف الحكم إليه(1).

        ويستثنى من هذا الأصل - وهو تضمين المباشر إذا اجتمع مع المتسبب - ما لو كانت المباشرة مغمورة والسبب غالباً، فإن الضمان في هذه الحالة يكون على المتسبب دون المباشر(2). كمن "وضع لآخرسماً في طعامه فأكله جاهلاً به فإنه مباشر لقتل نفسه، وواضع السم متسبب، والقصاص على المتسبب وحده"(3).

        ومثل ما لو شهد أشخاص على أخر بما يوجب الحد، فقتله القاضي أو جلاده، أو بما يوجب القصاص فقتله الولي أو وكيله، فالقصاص على الشهود دون القاضي والولي، ونائبهما مع أنهما مباشران للقتل والشهود متسببون "غير أن المصلحة العامة قد اقتضت عدم تضمين الحكام ما أخطأوا فيه؛ لأن الضمان لو تطرّق إليهم مع كثرة الحكومات وتردد الخصومات لزهد الأخيار في الولايات واشتدّ امتناعهم فيفسد حال

________________________

=        على المتسبب إلا أن يكون حفر البئر لشخص معين فردّاه فيهاشخص آخر فإنهما سيان في الضمان: أي الحافر والمردي. فالمالكية يعتبرون القصد فيضمّنون المتسبب مع المباشر  إذا  قصد الفعل.

          انظر:  الخرشي، الخرشي على مختصر خليل، ج6، ص 132.

(1)      انظر: الحموي، غمز عيون البصائر، ج 1، ص 466.

(2)      انظر: السرخسي، المبسوط، ج 26، ص 153. الكاساني، البدائع، ج 7، ص 239. القرافي، الفروق، ج 2، ص 208. الخرشي، الخرشي على مختصر خليل، ج 7، ص 220. النووي، روضة الطالبين، ج 7، ص 14. الشربيني، مغني المحتاج، ج 4، ص 8. ابن رجب، القواعد، ص309. البهوتي، كشاف القناع، ج 5، ص 510.

(3)      القرافي، الفروق، ج 2، ص 208. بتصرف يسير. وانظر: ابن رجب، القواعد، ص 307.

          وقد ذكر السرخسي من الحنفية: أنه لا قصاص على من سقى غيره سماً وإنما تثبت الدية على عاقلته؛ لأن الشارب مختار للشرب بنفسه. وقيل: إن هذا الحكم إذا كان السم قد يقتل وقد لا يقتل فيكون ذلك بمنزلة الخطأ. فأما إذا كان سماً ذعافاً يعلم أنه يقتله لا محالة فإنه يجب عليه القصاص عند أبي يوسف ومحمد.

          انظر: المبسوط، ج 26، ص 153.

 

الناس بعدم الحكام فكان الشاهد بالضمان أولى؛ لأنه متسبب للحاكم في الإلزام، والتنفيذ، وكما قيل الحاكم أسير الشاهد"(1) ا.هـ.

        فإن كانت المباشرة مبنية على السبب وناشئة عنه، أي كان فيها عدوان شاركت السبب في الضمان(2).

        قال ابن رجب(3): "إذا استند إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم إلى مباشرة، وسبب، تعلق الضمان بالمباشرة دون السبب، إلا إذا كانت المباشرة مبنية على السبب وناشئة عنه 000 ثم إن كانت المباشرة والحالة هذه لا عدوان فيها بالكلية استقل السبب وحده بالضمان وإن كان فيها عدوان شاركت السبب في الضمان"(4) ا.هـ.

________________________

 (1)     القرافي، الفروق، ج 2، ص 208. وانظر: النووي، روضة الطالبين، ج 7، ص 15. البهوتي، كشاف القناع، ج 5، ص 510. أما الحنفية فإنهم يقولون إنه لا قصاص على القتل تسبيباً، وإنما تجب فيه الدية؛ لأن القتل تسبيباً لايساوي القتل مباشرة، ومن شروط القصاص أن يكون مساوياً للجناية. انظر: الكاساني، البدائع، ج7، ص 239.

(2)      انظر: القرافي، الفروق، ج 2، ص 208. النووي، روضة الطالبين، ج 7، ص 16. ابن رجب، القواعد، ص 307، 310.

(3)      عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الدمشقي الحنبلي. زين الدين، أبوالفرج. الإمام العالم، الحافظ، الثقة، الحجة. حدث عن محمد بن الخبار، وإبراهيم العطار. له مصنفات مفيدة منها: "شرح جامع أبي عيسى الترمذي" وشرع في شرح البخاري فوصل إلى الجنائز وسماه "فتح الباري في شرح البخاري" و"اللطائف في الوعظ وأهوال القيامة". توفي رحمه اللّه سنة خمس وتسعين وسبعمائة.

          انظر ترجمته: ابن العماد، شذرات الذهب، ج 8، ص 578.

 (4)     انظر: القواعد، ص 307.

          وقد ضرب الفقهاء مثالاً على تضمين كل من المباشر والمتسبب إذا كانت المباشرة ناشئة عن التسبب بقتل المكرَه على القتل.

          فقد قال المالكية والشافعية في الأظهر والحنابلة في المذهب: "أنه إذا أكره مكلفٌ مكلفاً على قتل معين فقتله فالقصاص عليهما؛ لأن المكرِه تسبب إلى قتله بما يفضي إليه غالباً أشبه ما لو أنهشه حية، والمكرَه قتله ظلماً لاستبقاء نفسه أشبه ما لو قتله في المجاعة لأكله".

          محمد الأحمد، نظرية الخطأ، ص 297.

          وانظر: القرافي، الفروق، ج2، ص 208. النووي، روضة الطالبين، ج 7، ص 16. ابن رجب، القواعد، ص 310.

المبحث الرابع: أسباب الضمان

        السَّبب في اللغة: أصلٌ يدلُّ على طولٍ وامتدادٍ(1)، وهو: الحبل، وهو ما يتوصل به إلى الاستعلاء. ثم استعير لكلٍ شئ يُتوصل به إلى أمر من الأمور، فقيل هذا سبب وهذا مُسبَّب عن هذا(2).

        وفي الاصطلاح: - هو كل وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفاً لحكم شرعي(3).

        وبتعبير آخر: - هو ما يكون طريقاً للوصول إلى الحكم غير مؤثر فيه(4) كالنصاب في الزكاة(4).

أسباب الضمان:-

        ذكر الفقهاء أسباب الضمان، ولكنهم لم يتفقوا على تحديدها، فمنهم من جعل للضمان سببين هما: الإتلاف، ووضع اليد(6). ومنهم من أضاف إلى هذين السببين العقد(7). ومنهم من أضاف إلى هذه الأسباب الثلاثة الحيلولة(8).

________________________

(1)      ابن فارس، المقاييس في اللغة، ص 476، مادة "سبّ".

(2)      الفيومي، المصباح المنير، ص 100، مادة "سبب".

(3)      الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 1، ص 98. علاء الدين البخاري، كشف الأسرار، ج4، ص284، 285.

(4)      الجرجاني، التعريفات، ص 117.

(5)      الزركشي، المنثور في القواعد، ج 2، ص 190.

(6)      انظر: السرخسي، المبسوط، ج 11، ص 54. ابن رشد، بداية المجتهد، ج 2، ص 237. القرافي، الفروق، ج 2، ص 206، 207. الرافعي، فتح العزيز، ج 11، ص 241. الشربيني، مغني المحتاج، ج4، ص 9. قليوبي، حاشية قليوبي على شرح المحلى، ج 3، ص 28.

          ومن قال إن أسباب الضمان ثلاثة : يد عادية ومباشرة وسبب فإن معنى كلامه أن للضمان سببين يد وإتلاف؛ لأن الإتلاف إما أن يكون مباشرة وإما أن يكون تسبباً.

(7)      انظر: الكاساني، البدائع، ج6، ص 142. ابن رجب، القواعد، ص 218.

(8)      انظر: الزركشي، المنثور في القواعد، ج 2، ص 322. السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 362.

        وعلى هذا فإن للضمان أربعة أسباب: عقد ويد وإتلاف وحيلولة. وفيما يلي نتكلم عن كلٍ من هذه الأسباب بإيجاز.

أولاً : العقد:-

        العقد في اللغة: جاء في كتاب المقاييس في اللغة: "العين والقاف والدال أصلٌ واحدٌ يدلُّ على شدٍ وشدة وُثوق، وإليه ترجعُ فروع الباب كلها 000 وعاقدته مثل عاهدته، وهو العقد، والجمع عُقود، قال اللّه تعالى: {أَوفُواْ بِالعُقُودِ}(1)"(2).

        والعقد في الاصطلاح يطلق على معنيين، معنى خاص، ومعنى عام.

أولاً :- العقد بمعناه العام:-

        "كل التزام ينشأ عن حكم شرعي سواءٌ أكان هذا الالتزام صادراً من شخصين كما في البيع ونحوه، أو من شخص واحد كالطلاق ونحوه"(3).

ثانياً : العقد بمعناه الخاص:-

        "هو ارتباط الإيجاب بالقبول على وجه مشروع يظهر أثره في محله"(4).

        وبمقارنة بين التعريفين نجد أن التعريف الأول يعتبر أي التزام ينشأ عن حكم شرعي فإنه يكون عقداً سواء أكان ناشئاً عن إرادتين أو إرادة واحدة، فهو تعريف للعقد بمعناه العام.

        أما التعريف الثاني فإنه لايطلق اسم العقد إلا على الالتزام الناشئ عن إرادتين، وهو المراد هنا؛ لأننا أمام العقد الذي هو سبب للضمان لا كل عقد.

________________________

(1)      المائدة، من آية 1.

(2)      انظر: ابن فارس، ص 679، مادة "عقد".

(3)      محمد الأحمد، نظرية الخطأ ، ص 154. وانظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج6، ص 32. الزركشي، المنثور في القواعد، ج 2، ص 397. السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 278، 279. ابن رجب، القواعد، ص 74، 76.

(4)      البابرتي، العناية على الهداية، ج 6، ص 248. على حيدر، درر الحكام، ج 1، ص91، 92،=

أركان العقد:-

        اختلف الفقهاء في تحديد أركان العقد، فبينما يرى الحنفية أن أركان العقد هي الصيغة فقط(1). يرى جمهور الفقهاء من المالكية(2) والشافعية(3) والحنابلة(4) أن أركان العقد هي الصيغة والعاقدان والمعقود عليه.

        "والحنفية لايعتبرون العاقدين والمعقود عليه من أركان العقد ذلك أنها من لوازم الصيغة إذ أن وجود الصيغة يستلزم وجود العاقدين ضرورة، ووجودهما مرتبطين لايكون إلا إذا وجد محل يظهر فيه أثر هذا الارتباط"(5).

        وهذا خلاف لفظي لا ينبني عليه أثر؛ لأن المعنى واحد إذا قلنا إن الأركان أربعة، أو أنها ركن واحد يستلزم وجود الأربعة.

كيف يكون العقد سبباً من أسباب الضمان؟

        "يعتبر العقد سبباً من أسباب الضمان، ذلك أن العقد بطبيعته يقتضي أحكاماً خاصة كما أنه قد يكون مقترناً بشرط لأحد المتعاقدين، أولهما مصرحاً به في صيغة العقد، أو دل عليه العرف، فالإخلال بشيء مما تقتضيه طبيعة العقد أو يتطلبه الشرط المقترن به سبب من أسباب الضمان"(6).

        قال السيوطي(7): "ما يضمن ضمان عقد مطلقاً، وهو ما عين في صلب عقد

________________________

=        المادة 103، 104. الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج 3، ص 5. الجرجاني، التعريفات، ص 153. وانظر: الزركشي، المنثور في القواعد، ج 2، ص 397.

(1)      انظر: ابن الهمام، شرح فتح القدير، ج 6، ص 248. داماد أفندي، مجمع الأنهر، ج2، ص4.

(2)      الدردير، الشرح الكبير، ج 3، ص 2. أبوالحسن، كفاية الطالب الرباني "المطبوع مع حاشية العدوي"، ج 2، ص 126، 127.

(3)      النووي، المجموع، ج 9، ص 149. الشربيني، مغني المحتاج، ج 2، ص 3.

(4)      البهوتي، كشاف القناع، ج 3، ص 146. شرح منتهى الارادات، ج 2، ص 5.

(5)      أحمد فرج حسين، الملكية ونظرية العقد، ص 144.

(6)      محمد الأحمد، نظرية الخطأ، ص 308. وانظر: وهبة الزحيلي، ص 63.

(7)      عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري الأسيوطي. ولد سنة تسع =

بيع، أو سلم، أو إجارة، أو صلح"(1) ا.هـ.

        وتقسم العقود من حيث الضمان وعدمه إلى ثلاثة أقسام(2):-

        أولاً: - عقود ضمان:- وهي العقود التي يترتب عليها الضمان بالقبض ويكون القابض ضامناً للتالف سواء وجد منه تعدٍ أو تقصير، أم لا.

        ومن أمثلة عقود الضمان: البيع، إذ أن القابض للمبيع يكون عليه الضمان بمجرد قبضه له(3).

        ثانياً: عقود أمانة: وهي العقود التي يترتب عليها الضمان بالقبض ولا يكون القابض للمال ضامناً للتلف إلا في حال الاعتداء عليه، أو التقصير في حفظه.

        ومن أمثلة عقود الأمانة: الوديعة، فإنها أمانة في يد المودع فلا يضمنها إلا في حالة التعدي عليها، أو التقصير في حفظها(4).

________________________

=        وأربعين وثمانمائة. ونشأ يتيماً فحفظ القرآن والعمدة. أخذ الفقه عن علم الدين البلقيني، وشرف الدين المناوي. بلغت مؤلفاته ثلاثمائة كتاب منها: "الإتقان في علوم القرآن". و "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" و "اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة". توفي سنة إحدى عشرة وتسعمائة.

          انظر ترجمته: السيوطي، حسن المحاضرة، ج1، ص335. الزركلي، الأعلام، ج 3، ص301.

(1)      الأشباه والنظائر، ص 361.

(2)      مصطفى الزرقا، المدخل الفقهي العام، ج 1، ص 579، الفقرة 303. وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 145. محمد فوزي، نظرية الضمان، ص 25. محمد الأحمد، نظرية الخطأ، ص 309.

(3)      انظر: الكاساني، البدائع، ج 5، ص 238 وما بعدها. ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 220. النووي، روضة الطالبين، ج 3، ص 155، 160 وما بعدها. ابن رجب، القواعد، ص 56. وأما بقية عقود الضمان فهي:-

          "القسمة، والصلح عن مال بمال، والمخارجة، والقرض، وإقالة هذه العقود".

          انظر: مصطفى الزرقا، المدخل الفقهي العام، ج 1، ص 580، الفقرة 303. وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 145. محمد فوزي، نظرية الضمان، ص 25.

(4)      انظر: داماد أفندي، مجمع الأنهر، ج 2، ص 338. ابن عبد البر، الكافي، ص 403. الأنصاري، تحفة الطلاب، ج2، ص 98. ابن قدامة، المقنع، ج 2، ص 275.       =

        ثالثاً :- عقود مزدوجة الأثر:- وهي التي تكون ذات تأثير مزدوج فهي عقود ضمان من جهة، وعقود أمانة من جهة أخرى. فلا ينشأ عنها الضمان إلا في بعض الحالات والأوجه.

        ومن أمثلة العقود المزدوجة الأثر: الإجارة؛ ذلك أن الشيء المأجور يعتبر أمانة في يد المستأجر فلا يضمنه إلا بالتعدي أو التفريط(1)، لكن منافعه المعقود على استيفائها مضمونة بمجرد تمكن المستأجر من استيفائها، حتى لو ترك المستأجر المأجور دون أن ينتفع به إلى أن انقضت مدة الإجارة فإن المنافع تكون مضمونة عليه، بمعنى أنه تلزمه الأجرة التي هي قيمة تلك المنافع(2).

ضابط للتفريق بين عقود الضمان وعقود الأمانة:-

        "المبدأ الشرعي الذي يقوم على أساسه التمييز بين عقود الضمانات وعقود الأمانات بحسب مايوحي به استقراء الأحكام واستنطاق عللها الفقهية في شتى المناسبات هو أن فكرة الضمان في العقد تدور مع معنى المعاوضة فيه ولو نهاية ومآلاً. وحينئذ يكون العقد عقد ضمان في الناحية التي تتعلق بها المعاوضة، ويكون القابض ضامناً في هذه الناحية، أما فيما سوى ذلك فيعتبر العقد عقد أمانة"(3).

        وباختصار فإن "كان القصد من العقد هو المعاوضة، كان العقد عقد ضمان،

________________________

=        وأما بقية عقود الأمانة: فهي الشركة بأنواعها، والوكالة، والوصاية، والهبة.

          انظر: مصطفى الزرقا، المدخل الفقهي العام، ج1، ص 580، الفقرة 303. وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 155. محمد فوزي، نظرية الضمان، ص 25.

(1)      وسيأتي تفصيل ذلك في الأبواب القادمة.

(2)      انظر: المرغيناني، الهداية، ج 9، ص 71. ابن عبد البر، الكافي، ص 370. الماوردي، الحاوي، ج9، ص 272. ابن قدامة، الكافي، ج2، ص 312.

          أما بقية العقود المزدوجة الأثر فهي:- الرهن، والصلح عن مال بمنفعة.

          وانظر: مصطفى الزرقا، المدخل الفقهي العام، ج1، ص 580، الفقرة 303. وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 163. محمد فوزي، نظرية الضمان، ص 25.

(3)      مصطفى الزرقا، المدخل الفقهي العام، ج1، ص 581، 582، فقرة 303/2.

وإذا لم يكن القصد من العقد هو المعاوضة، فالعقد عقد أمانة"(1).

السبب الثاني: اليد:-

        اتفق الفقهاء على اعتبار اليد سبباً من أسباب الضمان(2)، إلا أن بعضهم عبّر عن وضع اليد بلفظ الغصب(3).

        والتعبير بلفظ اليد أولى؛ لأنه يدخل جميع الأيدي غير المؤتمنة، سواء أكان وضع اليد بدون إذن المالك كأيدي السراق والغصاب، أم كان وضع اليد بإذن المالك كيد البائع على المبيع قبل القبض فإنه يكون من ضمانه، وبعد القبض من ضمان المشتري، وكيد العواري والرهون، وكقبض الأعيان التي تقترض فإن المقترض يضمنها. كما تدخل تحت لفظ اليد جميع الأيدي المؤتمنة إذا تغيرت صفتها من الأمانة إلى الضمان وذلك بحصول التعدي أو التفريط منها. وسواء أكانت هذه الأيدي قبضت المال بإذن المالك كيد الوديع على الوديعة، أم بغير إذن المالك ولكن استندت إلى إذن الشارع كيد الملتقط على اللقطة، أم استند الإذن إلى إذن عرفي كالمنقذ لمال غيره من التلف ونحوه(4).

        وعلى هذا فإن الأيدي تقسم من حيث الضمان وعدمه إلى قسمين:-

        أولاً:- يد ضمان "وهي يد الحائز الذي حاز الشيء بقصد تملكه، أو لمصلحة نفسه كيد المشتري على المبيع بعد القبض، ويد الغاصب"(5).

________________________

(1)      وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 145.

(2)      انظر: السرخسي، المبسوط، ج11، ص 54. ابن رشد، بداية المجتهد، ج2، ص 237. الرافعي، فتح العزيز، ج 11، ص 241. ابن رجب، القواعد، ص 218.

(3)      انظر: السرخسي، المبسوط، ج 11، ص 54. الكاساني، البدائع، ج 6، ص 142.

(4)      انظر: القرافي، الفروق، ج 2، ص 207، 208. الزركشي، المنثور في القواعد، ج 2، ص 323. ابن رجب، القواعد، ص 56، 220، 221. وهبه الزحيلي، نظرية الضمان، ص 65.

(5)      وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 175. وانظر المراجع السابقة.

 

        وحكم يد الضمان: أن واضع اليد على الشيء يضمنه مطلقاً سواء أحصل من صاحب اليد تعدٍ وتقصير أم لا. وسواء تلف بسبب من واضع اليد أم بسبب خارج عنه كالآفة السماوية(1).

        ثانياً: يد الأمانة: وهي يد الحائز الذي حاز الشيء لا بقصد تملكه بل باعتباره نائباً عن المالك، كالوديع والمستأجر والوكيل والشريك وناظر الوقف والوصي على أموال اليتامى(2).

حكم يد الأمانة: - لاضمان على صاحبها إذا تلف المال تحت يده(3).

متى تتغير اليد من الأمانة إلى الضمان.

        إذا تعدى الأمين أو قصر في الحفظ، فإن يده تتحول من يد أمانة إلى يد ضمان؛ لأنه صار متعدياً أتلف مال غيره بدون وجه حق(4).

ثالثاً : الإتلاف:-

        اتفق الفقهاء على اعتبار الإتلاف سبباً من أسباب الضمان.

        والإتلاف: "هو إخراج الشيء من أن يكون منتفعاً به منفعة مطلوبة منه عادة"(5).

        والإتلاف يوجب الضمان "سواء وقع الإتلاف له صورة ومعنى بإخراج المتلف

________________________

(1)      انظر: القرافي، الفروق، ج2، ص 207، 208. الزركشي، المنثور في القواعد، ج2، ص 323. السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 362. ابن رجب، القواعد، ص 56، 220، 221. محمد الأحمد، نظرية الخطأ، ص 322. وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 65.

(2)      انظر: وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 174. "بتصرف يسير". وانظر: الكاساني، البدائع، ج6، ص 142، وانظر المراجع السابقة.

(3)      انظر: الكاساني، البدائع، ج4، ص 211، ج 6، ص 211، 217. القرافي، الذخيرة، ج5، ص 507، ج8، ص 15. الزركشي، المنثور في القواعد، ج2، ص 323. ابن قدامة، المغني، ج6، ص 130، ج7، ص 280. محمد الأحمد، نظرية الخطأ، ص 320.

(4)      انظر المراجع السابقة.

(5)      الكاساني، البدائع، ج7، ص 164.

عن كونه صالحاً للانتفاع، أو معنى بإحداث معنى فيه يمنع من الانتفاع به مع قيامه في نفسه حقيقة"(1). فالأول: كإحراق السيارة وهدم الدار، والثاني: كخياطة القماش ثوباً، ونجارة الخشب باباً وأصرح من ذلك عتق العبد.

        والإتلاف إما أن يكون مباشرة، وإما أن يكون تسبباً(2).

رابعاً : الحيلولة:-

        قال الزركشي(3): "الحيلولة بين المستحق وحقه ضربان: قولية، وفعلية. فالفعلية توجب الضمان قطعاً وفي القولية قولان: أصحهما نعم"(4).

        ثم ذكر مثالاً على الحيلولة القولية: بما لو قال شخص هذه الدار لزيد بل لعمرو، فإنا نحكم بكونها لزيد ويغرم لعمرو قيمتها، في الأصح عند الشافعية(5)، وهو ماذهب إليه الحنفية(6) والمالكية(7) والصحيح من المذهب عند الحنابلة(8).

        وأما الحيلولة الفعلية فإنها توجب الضمان؛ لأنها كالغصب.

________________________

(1)      الكاساني، البدائع، ج 7، ص 165.

(2)      انظر: المرجع السابق. و: القرافي، الفروق، ج 2، ص 206. الغزالي، الوجيز، ج 11، ص 239. ابن رجب، القواعد، ص 218. وقد سبق الحديث عن المباشرة والتسبب وحكم كل منهما.

(3)      محمد بن بهادر بن عبدالله. الزركشى أبوعبد اللّه. بدر الدين. الفقيه، الأصولي الأديب، الفاضل. مولده سنة خمس وأربعين وسبعمائة. صنف "البحر في الأصول" و"خادم الشرح والروضة" و "النكت على البخاري" توفي سنة أربع وتسعين وسبعمائة.

          انظر ترجمته: ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، ج 3، ص 167. الآتابكي، النجوم الزاهرة، ج 12، ص 134. ابن العماد، شذرات الذهب، ج 8، ص 572.

(4)      المنثور في القواعد، ج 2، ص 89.

(5)      انظر: المرجع السابق.

(6)      السرخسي، المبسوط، ج 9، ص 191. حيث قال فيمن أقر بأنه سرق من فلان مائة ثم قال: بل وهمت إنما سرقت من فلان أن عليه مائة لكل واحد منهما.

(7)      الخرشي، الخرشي على مختصر خليل، ج6، ص 98. حيث ذكر فيمن قال غصبت الشئ من فلان لا بل من آخر فهو للأول ويغرم للثاني بقيمته.

(8)      المرداوي، الإنصاف، ج 12، ص 197.


        "هذا وقد يشتبه بعض صور الغصب بالحيلولة، ولكن الفرق بينهما أن الغصب يتحقق بالاستيلاء والحيلولة تتحقق به، أو بعمل يحول بين المال وصاحبه على سبيل الخطأ"(1).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

______________________

(1)      محمد الأحمد، نظرية الخطأ، ص 335.


المبحث الخامس: الواجب في الضمان: "التعويض".

        تحدثنا في المباحث السابقة عن تعريف الضمان وأركانه وأسبابه. والضمان إذا تحققت أركانه وأسبابه فقد وجب فيه التضمين، وهو التعويض عن الضرر اللاحق بالغير والتعويض(1) يطلق على صورة من صور الضمان باعتباره بدلاً مالياً لاجزاءً لفعل(2). والمقصود منه: "تغطية الضرر الواقع بالتعدي أو الخطأ"(3).

        فالتعويض "يجبر الضرر الحاصل على الأموال ويرمم آثاره ويرد مالية المعتدى عليه كما كانت قبل الاعتداء"(4).

المطلب الأول: كيفية التعويض:-

        يختلف التعويض بحسب السبب المنشئ للضمان، فالتعويض بالعقود يختلف عن التعويض بوضع اليد أو الإتلاف.

        وسأكتفي في هذا المطلب بذكر أساس التعويض في العقود، والأيدي الضامنة، دون الدخول في التفصيلات المتعلقة بكيفية التعويض فيها.

        فنقول إن الأصل في ضمان العقد أن يكون على ما تراضى عليه المتعاقدان وعلى هذا فإن نقص شيء من قيمة المعقود عليه - كالمبيع مثلاً - إذا نقص في يد البائع بفوات وصف منه قبل أن يقبضه المشتري فإن البائع لا يضمن شيئاً لنقصانــــــه

________________________

(1)      لم يذكر الفقهاء المتقدمون لفظ التعويض وإنما كان الشائع عندهم استخدام لفظ الضمان. والتعويض لفظ ذكره الفقهاء المعاصرون إلا أن محمد فوزي ذكر في كتابه "نظرية الضمان" إن ابن عابدين الفقيه الحنفي ذكر لفظ التعويض في مجموعة رسائله.

          انظر: محمد فوزي، نظرية الضمان، ص 158.

(2)      انظر: محمد محمد شتا، تعريف المسؤولية المدنية، ص 199.

(3)      وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، ص 87.

(4)      انظر: محمد فوزي، نظرية الضمان، ص 159.

حتى لايسقط شيء من الثمن عن المشتري بسبب نقصان الوصف وإن فحش النقصان، كما لو اشترى جارية بمائة مثلاً، فاعورّت في يد البائع فصارت تساوي خمسين، فإن المشتري مخيرٌ بين إمضاء البيع وفسخه، فلو اختار البيع وجب عليه تسليم تمام المائة كما شرط؛ لأنه ضمان عقد والأوصاف لا تضمن به، فالعقد يرد على الأعيان لا على الأوصاف(1).

        أما التعويض بوضع اليد والإتلاف فالأصل فيه يكون برد المال إن كان قائماً على حاله(2) فإن نقص يجبر النقص بالقيمة؛ لأن الأوصاف ليست من ذوات الأمثال(3). فإن تعذر الرد كما لو تلف المال بالكلية ففي هذه الحالة يجب رد مثله إن كان المال مثلياً. فإن لم يكن من ذوات الأمثال أو عُدم المثل وجبت فيه القيمة(4).

_______________________

(1)      انظر: البابرتي، العناية على الهداية، ج 9، ص 328 "بتصرف يسير". السرخسي، المبسوط، ج 13، ص 186. السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 362.

          وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في تفصيلات هذه المسألة حيث إنهم يفرقون بين التلف الكلي الحاصل في المبيع والتلف الجزئي، والتلف الحاصل قبل القبض وبعده، والتلف الحاصل بفعل المشتري أو بفعل البائع أو بفعل الأجنبي.

          وللاستزادة انظر: البدائع، الكاساني، ج 5، ص 238. وما بعدها. على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج1، ص 233 وما بعدها، المادة 293. النووي، روضة الطالبين، ج 3، ص 164 وما بعدها. الشيرازي، المهذب، ج1، ص 294، 295. الشربيني، مغني المحتاج، ج 2، ص 68. ابن قدامة، المغني، ج4، ص 236 وما بعدها. المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 464. ابن مفلح، المبدع، ج4، ص 118.

(2)      انظر: الكاساني، البدائع، ج7، ص 151. المرغيناني، الهداية، ج9، ص 322. ابن عبد البر، الكافي، ص 428. ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 216. العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، ج1، ص 152. الشيرازي، المهذب، ج1، ص 370. ابن قدامة، المغني، ج5، ص 375. ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 164.

(3)      انظر: العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، ج 1، ص 151.

          هذا وللفقهاء في كيفية جبر النقص الطارئ على المال تفصيل لا نستطيع أن نأتي عليه في هذا المبحث خشية الإطالة.

          وللاستزادة انظر: البابرتي، العناية على الهداية، ج9، ص 327. ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، ج 9، ص 275. عبد الوهاب البغدادي، المعونة، ج 2، ص 1215، 1216. ابن رشد، بداية المجتهد، ج2، ص 238. الشيرازي، المهذب، ج 1، ص 371، 372. ابن قدامة، المغني، ج5، ص 385 وما بعدها.

(4)      انظر: ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، ج 9، ص 270، 271. داماد أفندي، مجمع  الأنهر، ج2، ص 456،457. ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 216، 217. ابن رشد، بداية المجتهد، ج2، ص 238. النووي، المنهاج، ج 2، ص 282، 283. العز بن عبد السلام،    =

        وهذا إنما يعتبر فيما لو كان سبب الضمان وضع اليد، إذ لا يتصور أن يكون المال باقياً على حاله لم يطرأ عليه نقص إذا ورد عليه الإتلاف. وإنما قلنا بإيجاب المثل لأن هذا ضمان جبر والجبر إنما يتحقق بإيجاب المثل لقوله تعالى: {فَمَنِ اْعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اْعْتَدَى عَلَيْكُمْ}(1).

        وقد حكاه ابن عبد البر(2) إجماعاً في كل مأكول ومشروب أنه يجب على مستهلكه مثله لا قيمته؛ لأن المثل أقرب إليه من القيمة فهو مماثل له من طريق الصورة والمشاهدة والمعنى، والقيمة مماثلة له من طريق الظن والاجتهاد، والأول مقدم كالنص مع القياس(3).

تعريف المثلي والقيمي عند الفقهاء:-

أولاً :   تعريف المثلي:

        المثلي عند الحنفية: "مايوجد له مثل في الأسواق بلا تفاوت يعتد به. كالمكيل والموزون والعدديات المتقاربة مثل الجوز والبيض"(4).

________________________

=        قواعد الأحكام، ج1، ص151، 152. ابن قدامة، المغني، ج5، ص 420، 421. ابن مفلح، المبدع، ج5، ص181، 182.

(1)      سورة البقرة، من آية 194.

(2)      أبوعمر يوسف بن عبد اللّه بن محمد بن عبد البر النمري، شيخ علماء الأندلس وكبير محدثيها في وقته، وأحفظ من كان فيه لسنة مأثورة. ولد سنة ثمان وستين وثلاثمائة. من أهل قرطبة طلب بها العلم وتفقه عند أبي عمر بن المكوي. وسمع سعيد بن نصر. سمع منه عالم كثير من جلة أهل العلم كأبي العباس الدلائي وأبي محمد بن أبي قحافة. قال عنه القاضي أبو وليد الباجي: لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر بن عبد البر في الحديث. ألف في الموطأ كتباً مفيدة منها كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. ثم صنع كتاب الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من المعاني والرأي والآثار. كما ألف كتاب "الاستيعاب" وكتاب الكافي في الفقه. تولى قضاء الأشبونة. وتوفي بشاطبة سنة ثلاث وستين وأربعمائة.

          انظر ترجمته: ابن فرحون، الديباج المذهب، ص 440. محمد مخلوف، شجرة النور الزكية، ج 1، ص 119.

(3)      انظر فيما سبق: البابرتي، العناية على الهداية، ج 9، ص 318 وما بعدها. داماد أفندي، مجمع الأنهر، ج2، ص 456، 457. ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 216. النووي، روضة الطالبين، ج 4، ص 107. ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 180 وما بعدها.

(4)      ابن عابدين، رد المحتار، ج9، ص 270. داماد أفندي، مجمع الأنهر، ج 2، ص 456.   =

        أما المالكية فالمثلي عندهم: "كل مكيل أوموزون أو معدود من الطعام كله والإدام وكذلك الذهب والفضة مضروباً كان أو مسبوكاً، وكذلك كل مكيل أو موزون من غير الطعام"(1).

        وقال الشافعية(2) والحنابلة(3): "إن المثلي ماحصر بكيل أو وزن وجاز السلم(4) فيه".

        وهكذا نجد أن الفقهاء يعتبرون كل ما لا تتفاوت آحاده مثلياً سواء كان مكيلاً أم موزوناً أم معدوداً أم نحو ذلك.

        فإن لم يكن المال التالف مثلياً فتجب فيه القيمة. وعلى هذا فالقيمي كما جاء في شرح المجلة: "مالايوجد له مثل في الأسواق، أو يوجد ولكن مع التفاوت المعتد به"(5). كالعبيد والخيل والحمير والعقار(6).

        وقلنا بوجوب القيمة فيما لامثل له؛ لحديث: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ

________________________

=        على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج 1، ص 105، المادة 145.

(1)      ابن عبد البر، الكافي، ص 428.

(2)      النووي، المنهاج، ج2، ص 282. وهو أصح التعاريف التي ذكرها الشافعية في تعريف المثلي إذ صححه في المنهاج والروضة وأصلها.

          وانظر: السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 361.

(3)      ابن مفلح، المبدع، ج 5، ص 182.

(4)      لايصح السلم إلا في مال يضبط بالصفة، كالأثمان والحبوب والمائعات ومالا يضبط بالصفة كالجواهر واللؤلؤ والزبرجد لايصح السلم فيه.

          انظر: الشيرازي، التنبيه، ص 97. ابن قدامة، الكافي، ج2، ص 108، 109.

(5)      على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج1، ص 105، المادة 146. ابن عابدين، رد المحتار، ج9، ص 270. هذا ولم أقف على تعريف القيمي عند كل من المالكية والشافعية والحنابلة وقد يكون ذلك لأنهم عرفوا المثلي. والقيمي ضده، وبضدها تتميز الأشياء.

(6)      انظر: على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج1، ص105، المادة 146. ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 217. العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، ج 1، ص 153. ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 182.

فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمنَ آلْعَبْد قُوِّمَ عَلَيْه قِيمَةَ الْعَدْلِ فَأُعْطِىَ شُرَكَاؤُهُ حصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْه الْعَبْدُ، وإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَاعَتَقَ"(1).

        "فأمر عليه الصلاة والسلام بالتقويم في حصة الشريك؛ لأنها متلفة بالعتق ولم يأمر بالمثل؛ لأن هذه الأشياء لا تتساوى أجزاؤها وتختلف صفاتها، فالقيمة فيها أعدل وأقرب إليها فكانت أولى"(2).

        وتجب القيمة في الحالات التالية:-

1 -   إذا كان الشيء التالف ليس بمثلي: كالحيوانات والدور والمصوغات(3).

2 -   لو انقطع المثلي أو تعذر وجوده في أسواق البلد وحواليه وإن كان يوجد في البيوت(4).

________________________

(1)      البخاري، صحيح البخاري "المطبوع مع الفتح"، ج5، ص 452، كتاب العتق (49)، باب إذا أعتق عبد بين اثنين (4)، رقم الحديث 2522. مسلم، صحيح مسلم "المطبوع مع شرح النووي، ج 10، ص 135، كتاب العتق. واللفظ له.

(2)      ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 182.

(3)      انظر: الحصكفي، الدر المختار، ج9، ص 267. ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 217. العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، ج1، ص 153. ابن مفلح، المبدع، ج5، ص 182.

(4)      انظر: الكاساني، البدائع، ج7، ص 151. الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 223. النووي، روضة الطالبين، ج4، ص 110. الشربيني، مغني المحتاج، ج2، ص 283. ابن قدامة، المغني، ج5، ص 421. البهوتي، شرح منتهى الارادات، ج2، ص 318.

          هذا وقد اختلف فقهاء المالكية فيما لو انقطع المثلي هل تجب فيه القيمة؟

          فقال ابن القاسم: ليس عليه إلا مثله، وفسره اللخمي بأنه يريد أن يصبر حتى يوجد. وقال أشهب: يخير الطالب في الصبر أو القيمة.

          انظر: المواق، التاج والاكليل، ج5، ص 278 "بتصرف يسير". وانظر ابن عبد البر، الكافي، ص428، 429.

          هذا وقد أضاف بعض الفقهاء للحالات التي تجب فيها القيمة دون المثل مالو أراق مسلمٌ خمراً لذمي فقد نص فقهاء الحنفية والمالكية على وجوب القيمة دون المثل.

          وقال الحنفية إن على المُتْلِف قيمة التالف إذا كان خليطاً مما هو مثلي بغير جنسه كالبر والشعير.

          وقال الشافعية في أحد الاوجه: إنه لو وجد المُتْلِف الشيء التالف بأكثر من ثمن المثل أنه تجب عليه القيمة.                                                                           =

المطلب الثاني: وقت تقدير القيمة:-

        أولاً : وقت تقدير قيمة المغصوب إن كان قيمياً بالأصالة:-

        إن حصل التلف تحت يد ضامنة كيد الغاصب، ووجبت القيمة عليه لكون المغصوب قيمياً بالأصالة أو مثلياً انقطع عن الأسواق. فإن الفقهاء قد اختلفوا في اليوم الذي تقدَّر فيه قيمة المغصوب، حيث قالوا إن كان المغصوب قيمياً بالأصالة، فإن على الغاصب قيمة المغصوب يوم غصبه. وهذا ماذهب إليه الحنفية(1) والمالكية(2) ورواية عن الإمام أحمد(3)(4).

        أما الشافعية(5) وأشهب(6) وعبد الملك(7) من المالكية(8) فقد قالوا: إن علـــى

________________________

=        انظر فيما سبق: داماد أفندي، مجمع الأنهر، ج2، ص 467. الحصكفي، الدر المختار، ج9، ص267. على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج2، ص 466 وما بعدها، المادة 891. مالك بن أنس، المدونة، ج4، ص 190. النووي، روضة الطالبين، ج4، ص 115.

(1)      الكاساني، البدائع، ج7، ص 151. الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 223.

(2)      ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 217. الحطاب، مواهب الجليل، ج5، ص 281.

(3)      هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال. أبوعبد اللّه الشيباني البغدادي، ولد سنة أربع وستين ومائة. امتحن محنة عظيمة فثبت على الحق. قال عنه الشافعي: "خرجت من العراق فما تركت رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل"  من أشهر مصنفاته "المسند في الحديث" و"الناسخ والمنسوخ"  و "فضائل الصحابة".   توفي سنة إحدى وأربعين ومائتين.

          انظر ترجمته: ابن كثير، البداية والنهاية، ج10، ص 340. ابن حجر، تهذيب التهذيب،  ج1، ص 62. الزركلي، الأعلام، ج1، ص 203.

(4)      المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 194.

(5)      العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، ج1، ص 153. الشربيني، مغني المحتاج، ج2، ص 281.

(6)      أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم. أبو عمر القيسي العامري الجعدي. اسمه مسكين وأشهب لقب له. ولد سنة أربعين ومائة. روى عن مالك والليث، وروى عنه الحارث بن مسكين وسحنون. قال عنه الشافعي: "ما رأيت مثل أشهب". توفي بمصرسنة أربع  ومائتين.

          انظر  ترجمته: ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج1، ص 314. ابن فرحون، الديباج المذهب، ص162. محمد مخلوف، شجرة النور الزكية، ج1،ص 59.

(7)      عبد الملك بن عبد العزيز بن عبدالله بن أبي سلمة الماجشون. أبومروان. كان مفتي أهل المدينة  في زمانه. وكان ضرير البصر، ويقال إنه عمى آخر عمره. تفقه بمالك، وتفقه بأبيه وتفقه به خلق كثير كابن حبيب وسحنون. قال عنه إسماعيل القاضي: "ما أجزل كلامه وأعجب تفصيلاته وأقل فضوله". توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين، وهو ابن بضع وستين سنة.

          انظر ترجمته: ابن فرحون، الديباج المذهب، ص 251. محمد مخلوف، شجرة  النور الزكية، ج1، ص56.

(8)      القرافي، الفروق، ج4، ص 29. الحطاب، مواهب الجليل، ج5، ص 281.

الغاصب أعلى قيمة من حين الغصب إلى حين التلف. وبهذا قال الحنابلة فيما لو كان تغير القيمة لمعنىً في المغصوب ككبر وصغرٍ، وسمن وهزالٍ وتعلم ونسيان ونحو ذلك من المعاني التي تزيد بها القيمة وتنقص.

        فإن لم يكن هناك تفاوت في سعر المغصوب من حين الغصب إلى التلف، أو كان التفاوت لتغير الأسعار، وليس لتغير ذات المغصوب فإن المذهب عند الحنابلة إن على الغاصب قيمة المغصوب يوم تلفه(1).

        ولعل هذا هو أعدل الأقوال لأننا لا نضمن الغاصب قيمة المغصوب قبل تلفه، ذلك أن المعصوب لو كان موجوداً قبل حصول التلف، فإن كل الذي يلزم الغاصب رده بعينه، ودفع مثل أجرة الأيام التي ظل المغصوب فيها في يد الغاصب.

ثانياً: وقت تقدير قيمة المغصوب إن كان مثلياً وفقد من الأسواق.

        أما إن كان المغصوب مثلياً وفقد من الأسواق، فقد اتفق فقهاء المذاهب الأربعة من حيث الجملة على وجوب قيمة المغصوب، إلا أنهم اختلفوا في يوم تقدير قيمته.

        فقال أبوحنيفة(2) النعمان(3) ورواية عن الإمام أحمد(4)، إن على الغاصب قيمة المغصوب يوم المحاكمة.

 

________________________

(1)      انظر: ابن قدامة، المغني، ج5، ص420. الكافي، ج2، ص404. المرداوي، الإنصاف، ج6، ص194.

(2)      أبوحنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي التيمي مولاهم الكوفي. فقيه العراق، وأحد الأئمة أصحاب المذاهب الأربعة. أدرك عصر الصحابة ورأى أنس بن مالك وقيل غيره. ولد سنة ثمانين وتفقه بحماد حتى برع، في الفقه والرأي. قال عنه الإمام الشافعي: "الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة، مات في سجن بغداد سنة خمسين ومائة".

          انظر ترجمته: ابن كثير، البداية والنهاية، ج10، ص 110. الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج13، ص 323. الأتابكى، النجوم الزاهرة، ج2، ص 12.

(3)      الكاساني، البدائع، ج7، ص 151. البابرتي، العناية، ج9، ص 319.

(4)      المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 192.

        وقال أبويوسف(1) من الحنفية(2)، والمالكية(3) ورواية عن الإمام أحمد(4)، إن على الغاصب القيمة يوم الغصب.

        وقال محمد بن الحسن(5) من الحنفية(6) والمذهب عند الحنابلة(7) إن على الغاصب قيمة المغصوب يوم الانقطاع.

 

________________________

(1)      اسمه يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد. من أكابر أصحاب أبي حنيفة. ولد عام ثلاثة عشر ومائة. قال عنه أبوحنيفة "إنه أعلم أصحابي" ولي القضاء، ولقب بقاضي القضاة. وكان يقال له قاضي قضاة الدنيا. من أشهر كتبه: "الخراج" و"الآثار" و"أدب القاضي" توفي سنة ثنتين وثمانين ومائة، عن سبع وستين سنة.

          انظر ترجمته: ابن كثير، البداية والنهاية، ج10، ص 186. الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج14، ص242. الأتابكي، النجوم الزاهرة، ج2، ص107. الزركلي، الأعلام، ج8، ص193.

(2)      الكاساني، البدائع، ج7، ص 151. البابرتي، العناية، ج9، ص 319. وقال عنه ابن عابدين "وهو أعدل الأقوال" رد المحتار، ج9، ص 267.

(3)      القرافي، الفروق، ج4، ص 28. حيث أطلق القول بوجوب قيمة المغصوب يوم الغصب ولم يفرِّق بين كون المغصوب قيمياً بالأصالة أو مثلياً فُقد من الأسواق فوجبت فيه القيمة. وانظر: ابن عبد البر، الكافي، ص 429.

(4)      المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 192.

(5)      محمد بن الحسن بن فرقد. أبوعبدالله الشيباني، مولاهم. صاحب أبي حنيفة. ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائة. من أشهر كتبه: "الجامع الكبير" و "الجامع الصغير" و "الحجة على أهل المدينة". مات هو والكسائي في يوم واحد سنة تسع وثمانين ومائة. فقال الرشيد: "دفنت اليوم اللغة والفقه جميعاً".

          انظر ترجمته: ابن كثير، البداية والنهاية، ج10، ص 210. الأتابكي، النجوم الزاهرة، ج2، ص130.

(6)      الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص 223. ابن عابدين، رد المحتار، ج9، ص 267. وقال عنه "وعليه الفتوى".

(7)      ابن قدامة، المغني، ج5، ص 420. المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 191.


        وقال الشافعية في الأصح(1) ورواية عن الإمام أحمد(2)، إن على الغاصب أعلى قيمة من يوم الغصب إلى يوم الانقطاع.

        أما إذا كان المثل مفقوداً عند التلف فالأصح عند الشافعية وجوب الأكثر من زمن الغصب إلى زمن التلف(3).

        والأرجح من هذه الأقوال أن يكون على الغاصب قيمة المغصوب يوم الانقطاع؛ لأنه اليوم الذي وجبت فيه القيمة، ذلك أنه قبل ذلك كان المطلوب من الغاصب المثل لا القيمة، والله أعلم.

يوم تقدير القيمة إن كان سبب الضمان الإتلاف:-

        إذا كان سبب الضمان هو الإتلاف فقد اتفق فقهاء الحنفية(4)، والمالكية(5)، والشافعية(3) وهو مقتضى مذهب الحنابلة(6)، إن على المُتْلِف قيمة التالف يوم التلف.

 

________________________

(1)      النووي، روضة الطالبين، ج4، ص 110. الشربيني، مغني المحتاج، ج2، ص 283. وفي مقابل الأصح قولان وهما من وقت الغصب إلى التلف، والثالث إلى المطالبة.

          انظر: جلال الدين المحلى، شرح المحلي على منهاج الطالبين، ج3، ص 31، 32. إلا أن النووي ذكر في المسألة أحد عشر وجهاً، كما جاء في الروضة. انظر: ج4، ص 110، 111.

(2)      المرداوي، الإنصاف، ج6، ص 191.

(3)      النووي، روضة الطالبين، ج4، ص 110، 111. الشربيني، مغني المحتاج، ج2، ص 283. وقد ذكر أن في مقابل الأصح أحد عشر وجهاً وذكر منها: القيمة يوم المطالبة، وقيل القيمة يوم التلف، وقيل القيمة يوم فقد المثل.

(4)      البغدادي، مجمع الضمانات، ص 146.

(5)      ابن عبد البر، الكافي، ص 429. حيث قالوا "إن أتلف السلعة متلف في يد الغاصب فعليه قيمتها يوم أتلفها".

(6)      الشربيني، مغني المحتاج، ج2، ص 284. جلال الدين المحلي، شرح المحلي على منهاج الطالبين، ج3، ص 32. واستثنوا من ذلك ما لو جنى على المأخوذ بلا غصب وتلف بسراية فالواجب الأقصى من الجناية إلى التلف.

(7)      الحنابلة يقولون إن على الغاصب قيمة المغصوب يوم التلف، فمن باب أولى أن تجب قيمة التالف يوم التلف.

 

المبحث السادس: تقادم الحق في الضمان "التعويض"

        يمكن تعريف التقادم بأنه: مُضيّ زمن طويل مع سكوت مدعي الحق بلا عذر.(1)

        وقد تحدث فقهاء الحنفية والمالكية عن التقادم وأثره في إسقاط الدعوى، أما الشافعية والحنابلة فلم يرد في كتبهم كلام عن التقادم وأثره في إسقاط الدعوى حسب علمي(2). إلا ماذكره شيخ الإسلام ابن تيمية(3) وتلميذه ابن قيم الجوزية(4) في هذا الشأن.

________________________

(1)      ستر الجعيد، أحكام الأوراق النقدية، ص 477. وانظر: مصطفى الزرقا، المدخل الفقهي العام، ج2، ص 343. محمد فوزي، نظرية الضمان، ص 163.

(2)      وانظر: ستر الجعيد، أحكام الأوراق النقدية، ص 488.

(3)      الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين. ابوالعباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني الدمشقي الحنبلي. ولد بحران سنة إحدى وستين وستمائة. كان ذكياً كثير المحفوظ فصار إماماً في التفسير وما يتعلق به عارفاً بالفقه. فيقال إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها. وكان عالماً باختلاف العلماء، عالماً في الأصول والفروع والنحو واللغة وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية. أما الحديث فكان حامل رايته. توفي في سجن القلعة بدمشق سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. من أشهر مؤلفاته: "السياسة الشرعية" و درء تعارض العقل والنقل" و "الفرقان بين أولياء اللّه وأولياء الشيطان".

          انظر ترجمته: ابن كثير ، البداية والنهاية، ج14، ص 141. الاتابكي، النجوم الزاهرة، ج9، ص271. الزركلي، الأعلام، ج1، ص144.

(4)      محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي، ثم الدمشقي الفقيه الأصولي، المفسر النحوي، شمس الدين أبوعبدالله بن قيم الجوزية. ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة. تفقه في مذهب الحنابلة وبرع وأفتى ولازم شيخ الإسلام تقي الدين وأخذ عنه. قال عنه ابن كثير: "لا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه". من تصانيفه: "تهذيب سنن أبي داود" و "زاد المعاد في هدي خير العباد" و "إعلام الموقعين عن رب العالمين" توفي سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وكمل له من العمر ستون سنة رحمه اللّه.

          انظر ترجمته: ابن كثير، البداية والنهاية، ج14، ص 246. ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج2، ص 368.

 

        وقد اتفق فقهاء الحنفية(1)والمالكية(2) وشيخ الإسلام ابن تيمية(3) وتلميذه ابن القيم(4) على أن التقادم يمنع من سماع الدعوى إذا كان بغير عذر. وعلى الرغم من اتفاقهم على ذلك إلا أنهم اختلفوا في المدة التي لا تسمع بعدها الدعوى.

        فالحنفية يقولون إن الدعوى بعد مضي خمس عشرة سنة لا تُسمع فيكون القاضي معزولاً عن سماعها؛ وسبب النهي قطع الحيل والتزوير.

        واستثنى الحنفية من الدعاوى: دعوى الوقف، ومال اليتيم إذا لم يترك الدعوى بعد بلوغه هذه المدة أو لم يكن له ولي، والإرث(5)، ووجود عذر شرعي كما لو كان المدعى عليه حاكماً ظالماً أو ثابت الإعسار أو كان المدَّعي غائباً فتسمع دعواه ولو بعد مضي خمسين سنة، وكذا في باقي الأعذار أنه لا مدة لها؛ لأن بقاء العذر وإن طالت مدته يؤكد عدم التزوير. بخلاف الوقف فإنه لو طالت مدة دعواه بلا عذر ثلاثاً وثلاثين سنة فإنها لا تُسمع؛ لأن ترك الدعوى مع التمكن يدل على عدم الحق ظاهراً(6).

        وقال المتأخرون من الحنفية: "لاتسمع الدعوى بعد ست وثلاثين سنة إلا أن يكون المدِّعي غائباً أو صبياً أو مجنوناً وليس لهما ولي، أو المدَّعى عليه أميراً جائراً"(7).

________________________

(1)      ابن عابدين، رد المحتار، ج8، ص 114 ومابعدها. على حيدر، درر الحكام، ج4، ص 261، المادة 1660، 1661، 1662.

(2)      عبد الوهاب البغدادي، المعونة، ج3، ص 1582، 1583. ابن رشد، البيان والتحصيل، ج11، ص265. الحطاب، مواهب الجليل، ج6، ص 228 وما بعدها.

(3)      مجموع الفتاوى ، ج35، ص427، 428.

(4)      الطرق الحكمية، ص 67، 68.

(5)      اختلف فقهاء الحنفية في سماع دعوى الإرث بعد خمسة عشر عاماً: فقيل تسمع دعوى الإرث ولا يمنعها طول المدة، وقيل: إن المستثنى ثلاثة: مال اليتيم، والوقف، والغائب. ومقتضاه أن الإرث غير مستثنى فلا تسمع دعواه بعد هذه المدة.

          انظر: ابن عابدين، رد المحتار، ج8، ص 115.

(6)      انظر فيما سبق: ابن عابدين، رد المحتار، ج8، ص 114 وما بعدها.

(7)      المصدر السابق، ص 117.

        أما المالكية فقد تحدثوا عن التقادم وأثره في إسقاط الدعوى في ثنايا كلامهم عن الحيازة(1) والدَّين.

        وقالوا إن الحائز للعقار بعد مضي عشر سنوات من حيازته له لا تُسمع دعوى خصمه ملكية عقاره إذا تحققت في الحيازة الشروط التالية:-

1 -   ان يكون الحائز أجنبياً سواء كان شريكاً أم غير شريك(2).

2 -   أن يحصل من الأجنبي الحائز تصرف خلال العشر سنوات(3) اللازمة لحيازة الأجنبي للعقار(4).

3 -   أن يكون المدِّعي لملكية الأرض حاضراً مع الحائز في البلد حقيقة أو حكماً.

4 -   أن يكون ساكتاً ولا مانع له من التكلم مدة عشر سنين. فإن كان هناك مانع كمن كان جاهلاً بأن الشيء المحاز ملكه ولم يجد الوثيقة إلا حين الدعوى أو كان خائفاً من سطوة الحائز أو سطوة من يستند إليه الحائز، أو كان المانع من التكلم الصغر والسفه، أو غيبة المدعي مسافة جمعة فله القيام بدعواه متى قدم.

5 -   أن يدعي الحائز وقت المنازعة ملك الشيء المحاز(5).

        وأما إن كان المدِّعي شريكاً قريباً أو قريباً من غير شراكة ولم يكن هناك إرث(6)

________________________

(1)      الحيازة عند المالكية : هي وضع اليد على الشيء والاستيلاء عليه والتصرف فيه، ويكون التصرف بواحد من أمور: سكنى أو إسكان أو زرع أو غرس أو استغلال أو هبة أو صدقة أو بيع أو هدم أو بناء أو قطع شجر أو عتق أو كتابة أو وطء في رقيق.

          انظر: الدردير، الشرح الكبير ، ج4، ص 233 "بتصرف يسير".

(2)      انظر: الدردير، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه، ج4، ص 233 وما بعدها.

(3)      ذكر المالكية في المدة التي تشترط لحيازة غير العقار أنه في الدابة وأمة الخدمة لا تسمع الدعوى بعد سنتين والعبد والعَرضَ غير الثوب ثلاث سنوات وثوب اللبس سنة.

          انظر: الدردير، الشرح الكبير، ج4، ص 236.

(4)      انظر: الدردير، الشرح الكبير، وحاشية الدسوقي عليه، ج4، ص 235. والتصرف في العقار بالبيع والهبة لا يشترط في حيازته العشر سنوات.

(5)      انظر: الدردير، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه، ج4، ص 235، 236.

(6)      هذا هو المفتى به عند المالكية خلافاً لمن قال إن الإرث كالوقف لا يعتبر فيه الحيازة وتسمع=

وكان الحائز يتصرف في الشيء المحاز بالهدم والبناء أو ما يقوم مقامهما. ففي المسألة خلاف.

        فقيل يكون كالأجنبي، وقيل لا تسمع الدعوى إلا بعد أربعين سنة وهو الراجح.

        ومحل هذا الخلاف إذا لم يكن بينهم عداوة وإلا كانوا كالأجانب(1).

        أما بالنسبة لأثر تقادم الزمن في إسقاط دعوى الدين فقد اختلف فقهاء المالكية في ذلك فذهب جمهور المالكية إلى أن الدين يسقط إذا سكت عنه الدائن مدة طويلة إلا أنهم اختلفوا في تقدير المدة فقال بعضهم، إن السكوت القاطع لطلب الديون الثابتة في الوثائق والأحكام عشرون سنة، وقال آخرون: ثلاثون سنة(2).

        وقال غيرهم: "إن الأظهر في ذلك الاجتهاد بالنظر في حال الزمان وحال الناس، وحال الدين، فنحو عشر سنين تقتضي الإغضاء والترك ونحو الخمس عشرة قد لا تقتضي ذلك"(3).

        أما ابن رشد(4) فقد اختار عدم سقوط الدين بتقادم الزمن إذا كانت الوثيقة بيد

________________________

=        فيه البينات ولو طال الزمن جداً.

          انظر: الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج4، ص 235.

(1)      انظر: الدردير، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه، ج4، ص 236. ويستوي في حيازة القريب مالو كان الشيء المحاز عقاراً أو غيره من العروض كالدواب والثياب.

(2)      انظر: الحطاب، مواهب الجليل، ج6، ص 229. الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج4، ص 237.

(3)      الدردير ، الشرح الكبير، ج4، ص 237.

(4)      محمد بن أحمد بن محمد بن رشد المالكي، يكنى أبا الوليد. قرطبي زعيم فقهاء وقته بأقطار الأندلس والمغرب، المعترف له بصحة النظر وجودة التأليف ودقة الفقه. كان بصيراً بالأصول والفروع والفرائض. وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية، كثير التصانيف. ولد سنة خمس وأربعمائة وولي قضاء الجماعة بقرطبة. ألف كتاب "البيان والتحصيل" وتهذيب لكتب الطحاوي في مشكل الآثار. تفقه بأبي جعفر بن رزق وسمع الجياني، وأبا عبد اللّه بن فرج. وممن أخذ عنه القاضي الجليل أبوالفضل: عياض رحمه اللّه. توفي سنة عشرين وخمسمائة.

          انظر ترجمته: ابن فرحون، الديباج المذهب، ص373. محمد مخلوف، شجرة النور الزكية، ج1، ص129.

ربها"(1).

الترجيح:

        وهكذا نجد أن الفقهاء يقولون بمبدأ التقادم وأنه قد يؤثر على الدعوى ويسقطها إلا أنهم يحدُّون ذلك بضوابط معينة حتى لا يكون التقادم وسيلةً لضياع الحقوق.

        ومن ذلك أنهم يشترطون في الدعوى أن يكون صاحبها ساكتاً عليها زمناً طويلاً ولا عذر له في هذا السكوت، وأن يكون المدعى عليه يتصرف في الشيء المتنازع عليه تصرف الملاك كما في الحيازة. أو تكون الدعوى في شيء جبلت النفوس على حبه والشح فيه كدعاوى الديون الثابتة. كما وأننا نجد أنهم يفرقون بين الدعوى التي تُقام على الأجنبي وتلك التي تُقام على القريب؛ ذلك أن الأقرباء قد يحصل بينهم السكوت على الحقوق لما بينهم من القرابة.

        كما نلاحظ أن الفقهاء يقولون بمبدأ سقوط الدعوى بالتقادم إذا أنكرها المدعى عليه، فإن أقر المدَّعى عليه بحق المدِّعي فإن التقادم يسقط ويكون إقرار المدعى عليه ملزماً للقاضي لسماع الدعوى؛ لأن الحق لا يسقط بتقادم الزمان(2).

        وعلى هذا فإن مبدأ التقادم مبدأ صحيح اقتضت المصلحة العامة اعتباره. وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في تحديد المدة التي لا تسمع بعدها الدعوى إلا أن الراجح واللّه أعلم أن يُترك ذلك لاجتهاد القضاة والحكام ونظرهم في أحوال الناس وطبيعة القضايا. ذلك أن كل ماورد عن الفقهاء في تحديدهم للمدة التي تسقط بعدها الدعوى اجتهادات، وبناء عليه فإن في الأمر سعة فيقضي القاضي في ذلك بما يراه مناسباً.

        وعلى هذا فإن التقادم في طلب التعويض يعتبر مسقطاً للدعوى، فلو أن شخصاً كان له مال وأتلفه عليه غيره فسكت سنوات طويلة ولم يطالبه بتعويض عما أتلفه

________________________

(1)      انظر: الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج4، ص 237.

(2)      انظر: ابن عابدين، رد المحتار، ج8، ص 115. على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج4، ص 279، المادة 1674. الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج4، ص 235.

ولا مانع يمنعه من المطالبة. فإن دعواه لا تسمع؛ لأن هذه دعوى اقتضى العرف كذبها إذ أن الإنسان لا يسكت على مثل هذا عادة.

        وللقاضي في هذه الحالة أن يقدّر المدة التي لا تسمع بعدها الدعوى بحسب الشيء المتنازع عليه وحسب حالة المدِّعي والمدَّعى عليه.

        " أما أصل الحق في التعويض فإنه باقٍ في ذمة الضار ويجب عليه وفاؤه ديانة؛ حتى لو أقر به انهدم التقادم وسمعت الدعوى"(1). لأن التعويض حق ثابت في ذمة الضار مع إنكاره فلا يسقط بالتقادم ديانة. واللّه تعالى أعلم.

 

 

 

 

 

 

 



([1])      ابن فارس، ص 603، مادة "ضمن".

([2])      انظر : ابن منظور، ج 9، ص 89، 90، مادة "ضمن".

([3])      الفيروزبادي، ج4، ص 245، مادة "ضمن".

([4])      البناني، حاشية البناني على شرح الزرقاني، ج 5، ص 99.

([5])      هو أحمدبن محمد مكي، أبوالعباس شهاب الدين الحسيني الحموي.مدرس من علماء=

([6])      أبوبكر بن مسعود بن أحمد بن علاء الدين. ملك العلماء الكاساني. صاحب البدائع شرح تحفة الفقهاء أخذ العلم عن علاء الدين السمرقندي صاحب التحفة. وعن مجد الأئمة السرخكسي. وله كتاب السلطان المبين في أصول الدين. تفقه عليه ابنه محمود، وأحمد بن محمود الغزنوي. توفي في رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة.

          انظر ترجمته: اللكنوي الهندي، الفوائد البهية، ص 53. الزركلي، الأعلام، ج2، ص 70.

([7])      سورة البقرة، من آية 194.

([8])      سبق تخريجه، ص 21، بلفظ "ولا ضرار".