الإشـاعة

( أثرها على المجتمع ، وموقف الإسلام منها )

الإشاعة سلوك تعبيري إنساني لها جانبيها الاجتماعي والنفسي ، وهي تقولات يتناقلها الناس بشـكل عـادي ، وفي غـالب الأحـيان لا يُعرف مصدرها ، والإشـاعة بمعناهـا العلمي ( تقرير غير مُتحقق منه عن حادث تتناقله الأفواه وكأنها حدث حقيقي ) وخاصة في المجتمعات الفقيرة ثقافيا والتي تنتشر فيها الأمية ، ومن ثم فإن موقف الناس من الإشاعة يتوقف على المستوى العلمي والثقافي للمجتمع ، ففي المجتمعات ذات المستوى العلمي والثقافي المنخفض والتي تنتشر فيها الأمية نجد أن الإشاعة تتناقل وكأنها حدث حقيقي ، أو تقرير حقيقي ، أما في المجتمعات ذات المستوي العلمي والثقافي المرتفع قد يتناقلها بعض الناس على أساس أنها تقرير غير متحقق من صحته أي يُحتمل صدقه كما يُحتمل كذبه .

 

     وقد يقتصر تناقل الإشاعة على بعض الأفراد ، وقد تسري بين المئات والآلاف ، بل وقد تنتشر  في مجتمع بأكمله ، ويتوقف هذا أيضا على المستوى العلمي والثقافي السائد في المجتمع وأهمية موضوع الإشاعة بالنسبة لمن يتناقلها  ، وتكون للإشاعة أهمية عند مصدر الإشاعة وبعض من يتناقلونها ، وقد يتناقلها الكثير من الناس عن غير قصد وبدون هدف ، وهناك من الإشاعات ما يلقى رواجا ومنها ما لا يلقى رواجا ، ويتوقف هذا على مدى أهمية الحدث الخاص بالإشاعة في حياة الناس .

 

وتكثر الإشاعة وقت الحروب والأزمات أكثر من أي وقت آخر ، وللإشاعة آثارها النفسية  الاجتماعية السالبة فمن الآثار النفسية الخوف والقلق والتوتر ، ومن الآثار الاجتماعية احتكار السلع الغذائية وخاصة في وقت الحروب ، والصراع بين أفراد المجتمع إذا كانت الإشاعة تتعلق بأفراد معينين ، وإذا اتسع مجال الإشاعة في مجتمع من المجتمعات أدى ذلك إلى انهيار المجتمع نظرا لما يترتب عليها من الآثار النفسية والاجتماعية السيئة ، ومن ثم فإن الإشاعة تعتبر من الآفات التي غالبا ما تتسبب في انهيار المجتمع وعدم استقراره

 

وجراثيم الإشاعة تبقى حية دائما في الكيان الاجتماعي ، أي أن المجتمع يكون في حالة تهيؤ   مستمر لسريان الإشاعة فيه وخاصة في المجتمعات ذات المستوى العلمي والثقافي المنخفض .

موقف الإسلام من الإشاعة :

لقد حرم الإسلام الإشاعة أو السـماع لها لأنها كما سبق وأن ذكرنا مغرضة غير مُتحقق من صحتها ، ومنها ما قد يتعلق بأمن واستقرار المجتمع ، كالتي تسري أثناء الحروب ، أو أثناء الأزمات الاقتصادية ، الأمر الذي يجعل الناس في خوف وقلق وتوتر ، فتزداد على ضوئه الاضطرابات النفسية  وهذا بدوره يؤثر سلبيا على خط الإنتاج ، ومنها ما قد يتعلق بأفراد ، الأمر الذي يؤدي إلى الصراعات بين أفراد المجتمع ، ولهذا ينبغي على أفراد المجتمع المسلم عدم الانسياق وراء الإشاعات  وعدم ترديد أي أحاديث أو تقارير غير مُتأكد من صحتها ، حيث إن من يقوم بترديد وترويج الإشاعات يعتبر آثما ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع)

 

كما ينبـغي على المسـلم أن يتأكد ويتثبت من صحة كل ما يسمعه ، أو يُنقل إليه لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين …. )(1) ، كما ينبغي على المسلم أيضا ألا يُسلم بصحة أي تقرير يسمعه ، ولا يتخذ قرارا ، او يسلك سلوكا تجاهه إلا بعد أن يتأكد من صحة ما سمعه  كما فعل سيدنا سليمان عليه السلام مع الهدهد عندما أخـبره بخبر بلقيس ملكة سبأ ، قال تعالى على لسان سـيدنا سليمان عليه السلام:( قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين …)(2)

 

ونظرا لأن فقهاء الأمة صنفوا الناس إلى ثلاثة أصناف ( مُجتهد ، طالب علم ، مُقلد ) ، والغالبية العظمى منا يندرج تحت الصنف الثالث وهو المقلد ، ينبغي علينا عندما نجهل مسألة فقهية أو عقائدية لابد أن ننتقي من علماء الأمة من هو ثقة ، ومشهود له بالصدق حتى نسأله ، ونأخذ بفتواه ونحن مطمئنون لهذه الفتوى ، وخاصة إذا كان السائل أمي ، ولا يستطيع أن يرجع إلى كتب التراث حتى يتأكد من صحة ما سمع ، وخاصة أننا في عصر فتنة حذرنا منه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حيث قال فيما معناه : ( يأتي على أمتي وقت كقطع الليل المظلم يصبح فيه الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا باع دينه بعرض من الدنيـا قليل ) ، ونعوذ بالله أن نكون منهم أو ممن يسألهم ويسترشد بهم ؛ وهكذا يكون خلق الإسلام يحافظ على الفرد والمجتمع من الآفات الاجتماعية والنفسية التي قد تصيبهما ، فالإسلام يريد فردا ومجتمعا مسـلما سويا لا يعاني من أي اضطرابات نفسية أو اجتماعية ، فهل هناك أعظم من نعمة الإسلام ؟ ، الحمد لله الذي جعلنا مسلمين وفضلنا على سائر الأمم ؛ ومن ثم ينبـغي على المؤسسات التربوية المؤثرة في تنشئة الأفراد من ( أسرة ، ومدرسة ،  ووسائل إعلام …. إلخ ) أن تقوم بدورها على خير وجه ، حتى تُكسب الفرد المهارات العقلية والاجتماعية والنفسية التي تُحصنه من هذه الآفات ، فينبغي علينا من خلال نظمنا التربوية أن نركز على إكساب أبنائنا وبناتنا – أمهات المستقبل – مهارات التفكير فهي المضادات الحيوية التي تعطي للفرد مناعة ضد هذه الآفات فلا ينساق وراءها ، ولا يسلك سلوكا تجاهها إلا بعد أن يتأكد من صحتها سواء كان هذا السلوك بالقبول أو الرفض ، فهل من أذن صاغية .