يعتبر سعر الصرف من أهم المتغيرات الاقتصادية، وتعكس تحركات سعر الصرف في معظم الحالات، مدى جودة الأداء الاقتصادي الداخلي والخارجي معاً. وتحدد نظم أسعار الصرف الإطار والكيفية التي ستتم بها تحركات أسعار الصرف. ويمكن تصور أن نظم أسعار بالصرف تبدأ من نظام أسعار الصرف الثابتة، وتنتهي عند نظام أسعار الصرف المرنة. وفيما بين هذين الحدين يمكن أن تتدرج نظم عديدة تحمل خصائص أسعار الصرف الثابتة والمرنة بدرجات متفاوتة.

       وتستهدف هذه الدراسة إلى القاء الضوء على أهم ما ورد في الأدبيات عن السياسة النقدية في ظل نظم أسعار الصرف المختلفة. فمن أهم الدراسات الرائدة، دراسات Prof. Mundell، الذي حدد في أحد دراساته (1962) المباديء التي تحكم الإستخدام الملائم للسياسة النقدية في ظل نظام أسعار الصرف الثابتة، وأثبت أنه في نظام للسياسة الاقتصادية، وحيث تقتصر سياسات العمالة وميزان المدفوعات على السياسة النقدية والمالية، فإن السياسة النقدية تستبقى لبلوغ المستوى المرغوب لميزان المدفوعات، والسياسة المالية للمحافظة على الإستقرار الداخلي، ويعتبر النظام في هذه الحالة مستقراً، وتفسيره لذلك يعود إلى ما أسماه مبدأ تقسيم السوق الفعال ومضمونه أن السياسات يجب أن تتزاوج مع الأهداف التي لها أكبر الأثر في تحقيقها، وقدم هذا المبدأ في دراسة (1961). وستعرض مباديء إستخدام السياسة النقدية في ظل نظم أسعار الصرف في المبحث الأول.

ولقد حلل Mundell في دراسة (1963) العلاقة بين حركية رأس المال وفاعلية السياسة النقدية في ظل نظام أسعار الصرف الثابتة والمرنة، ولقد قدم آخرون تحليلاً لفاعلية السياسة النقدية في ظل ثلاث نظم للصرف هي نظام الذهب ونظام بريتون وودز ونظام الصرف الحر، في ظل حالات مختلفة لحركية رأس المال، ولقد قدمت دراسات مختلفة تطويراً في إتجاهات مختلفة لفروض Mundell، وسيتم عرض هذه الجوانب في المبحث الثاني.

       ولقد تناول المبحث الثالث ما ورد في الأدبيات عن بعض أنواع غير تقليدية للسياسة النقدية في ظل نظم الصرف، وهي سياسات تمثل مزيجاً من السياسات النقدية والمالية والصرف الأجنبي وبذلك تكون السياسة النقدية مصاحبة لسياسات أخرى كسياسات تمويل عجز الميزانية في ظل نظام سعر الصرف الثابت، وأشار إليها Mundell (1963) وآخرون، والسياسات النقدية التعقيمية التي تتم لإلغاء آثار معينه لسياسات الصرف الأجنبي على العرض النقدي في ظل ثبات أسعار الصرف. ولقد ناقشت أدبيات كثيرة مدى إمكانية هذا التعقيم منها Obstfeld (1982)، وناقش آخرون مدى القيام بالتعقيم في ظل نظم أسعار الصرف المدارة والمعومة.

       بالإضافة إلى ذلك يعرض المبحث الثالث نمطاً غير تقليدي للسياسة النقدية في ظل أسعار الصرف المدارة، وهو نمط يتبناه النموذج النقدي لسعر الصرف، ويركز على وضع أسقف على الإئتمان المحلي بغرض تحسين عجز ميزان المدفوعات، ولقد وضع Johnson (1977) وآخرون اللبنه الأولى لهذا النمط من السياسات النقدية وتطور وبعد ذلك تطوراً كبير في الدراسات اللاحقة.

       ويعتبر التفاعل بين السياسات النقدية وسعر الصرف كمتغير في نظام أسعار الصرف المرنة من الدراسات التي حظيت باهتمام كبير في دراسات سعر الصرف، ويعتبر نموذج الإندفاع السريع لسعر الصرف الذي قدمه Dornbusch (1976)، البداية الحقيقية لدراسات كثيرة هدفها تحليل أثر السياسة النقدية التوسعية على سلوك سعر الصرف في الأجل القصير والطويل في ظل نظام أسعار الصرف المرنة، وتركز الدليل التجريبي على ما إذا كان هناك اندفاع لسعر الصرف، وهل يحدث مباشرة بعد التوسع النقدي أم بعد إبطاء، وهل الإبطاء قصير أم طويل؟ هذا ما تجيب عليه النقطة الرابعة في المبحث الثالث.

       ولقد حظيت السياسة النقدية الواجب اتباعها في ظل عدم الاستقرار المالي وفي ظل نظام أسعار الصرف المربوطة في دول جنوب شرق آسيا باهتمام كبير، واتجه خبراء صندوق النقد الدولي إلى ضرورة أن تتبع دول عدم الاستقرار المالي إلى إتباع سياسة نقدية تقييدية لإنقاذ عملاتها من السقوط، وهذه السياسة النقدية التقييدية تعرضت للنقد على نحو ما ستعرض له النقطة الخامسة في المبحث الثالث.

       وتعرض النقطة السادسة في المبحث الثالث بعض الاعتبارات الواجب عدم إغفالها عند تحليل فاعلية السياسة النقدية في ظل نظم الصرف المختلفة وهي تتعلق بافتراضات النماذج المستخدمة، وهي افتراضات تفترض انطباق شرط مارشال – ليرنر وثبات المستوى العام للأسعار وأن التدفقات الرأسمالية حساسة لسعر الفائدة، والمقدار الذي تنفذ به السياسة النقدية وغيرها من الافتراضات التي إذا تم التخلي عنها تتغير فاعلية السياسة النقدية.

       وفي المبحث الرابع سيتم تحليل السياسة النقدية في ظل نظم أسعار الصرف الثابتة والمتغيرة في ظل نموذج التوقعات الرشيدة.

       ولقد انشغل الاقتصاديون بمسألة تنسيق السياسة النقدية في ظل أسعار الثابتة واستقلالها في ظل أسعار الصرف المرنة. واهتمت الدراسات بعناصر التنسيق الفعال للسياسة النقدية، وما هي عناصر التنسيق التي  لم تتوافر في نظام بريتون وودز.ومن ناحية آخر أعتبر استقلال السلطات النقدية في إدارة السياسة النقدية أحد أهم مميزان نظام أسعار الصرف المرنة، ولكن هذه الميزة تعرضت للتفنيد على أساس أنها تفترض أن عملات الدول في محافظ الإفراد مستقلة عن بعضها، وبالتالي فإن الاحلال النقدي وتقلب أسعار الصرف والمخاطر المرتبطة بهذا التقلب تضعف درجة الاستقلال.

ومن أهم نتائج الدراسة:

الإعتبارات التي يجب أخذها في الاعتبار عند تحليل آثار السياسة النقدية في ظل نظم الصرف المختلفة، تلك الاعتبارات تتمثل فيما يلي :

أولاً:  في الفترة القصيرة، ولتكن عدة شهور، فإن شرط مارشال – ليرنرلن يعمل. ومن ثم فإن التوسع النقدي في ظل نظام أسعار الصرف المرنة سيفضي إلى إنخفاض سعر الصرف، ولكن هذا التخفيض لن يصحح العجز في الحساب الجاري، ولكن سيزيده، وهذا العجز الكبير سيحتاج إلى تعويض بواسطة تدفق رأسمالي من الخارج، والذي قد يكون وشيكاً إذا كان التخفيض كافياً لحفز التوقعات بإعادة تقييم العملة. في هذه الحالة سيحدث عجز كبير في الحساب الجاري في الفترة القصيرة، والسياسة النقدية ستكون أقل قوة في ظل نظام أسعار الصرف المرنه عنه في ظل نظام التثبيت المدار لصندوق النقد الدولي، أو نظام أسعار الصرف المربوطة.

ثانياً: لم يتم إدخال آثار تغير المستوى العام للأسعار (سواء آثار مباشرة أو آثار ناجمة عن التعديلات المتتابعة للأجور) الناجمة عن تغيرات سعر الصرف، جزئياً لأنه يتم تكميش الأرصدة النقدية بواسطة رقم قياسي للأسعار المحلية، بدلاً من رقم قياس شامل للأسعار، وجزئياً لأننا نفترض أن سوق العمل يتعدل ببطء.

وعندما يتم إدخال آثار الأسعار في آلية تأثير السياسة النقدية، فإن التخفيض سيفضي إلى زيادة في الأسعار، وهي زيادة تغيب في ظل أسعار الصرف الثابته، ولهذا فإن بعضاً من التوسع النقدي سيتم امتصاصه عن طريق زيادة الأسعار، مما يضعف الآثار الحقيقية للسياسة النقدية في ظل أسعار الصرف المرنة.

ثالثاً: لقد تم إفتراض أن تدفقات رؤوس الأموال تتأثر بأسعار الفائدة النسبية، ولكنها أيضاً قد تتأثر إيجابياً بمستويات الدخل، حيث أنه كلما زاد الدخل كلما حفز تدفقات رأس المال إلى الداخل لتستفيد من مزايا إرتفاع النشاط الاقتصادي والربحية المتوقعة. وإذا كانت آثار الدخل قوية بما يكفي فقد تفضي إلى تحسين ميزان المدفوعات الكلي، بمعنى أن تدفق رأس المال إلى الداخل قد يكون لها أثر تعويضي يتغلب على التدهور، نتيجة للأثر المجمع لكل من سعر الفائدة (على تدفق رأس المال إلى الداخل) ومستويات الدخل الأعلى (على الحساب الجاري). ويترتب على إعادة التقييم أن يجبر المجتمع على مستوى أقل للإنتاج في ظل نظام سعر الصرف المرن عنها في ظل نظام سعر صرف صندوق النقد الدولي.

رابعاً: أن آثار السياسات النقدية أقل قابلية للتنبؤ في ظل نظام أسعار الصرف المرنه عنه في ظل نظام أسعار الصرف المدارة، بسبب عدم التأكد الإضافي المرتبط بمرونة سعر الصرف والمرتبط أيضاً بآثار التغير في سعر الصرف على النشاط الاقتصادي، وهذا قد يعني أن الميزة المرتبطة بأسعار الصرف المرنه قد تلغي جزئياً أو كلياً نتيجة زيادة عدم التأكد الناجم عن الآثار قصيرة الأجل لتقلب سعر الصرف.

خامساً: إذا سلمنا بأن السياسة النقدية لها بعض الفعالية في ظل نظام صرف معين، فإن نفس الفاعلية يمكن الحصول عليها إذا تم تطبيق السياسة النقدة بمقدار وتركيز أكبر في ظل نظام لسعر الصرف تكون السياسة النقدية في ظله لها أثر ضعيف. فمثلاً إذا كانت السياسة النقدية لها أثر ضعيف على الإنتاج في ظل أسعار الصرف الثابته عنها في ظل نظام أسعار الصرف المرنه، فإن نفس النتيجة يمكن تحقيقها في ظل أسعار الصرف الثابتة ببساطة بزيادة مقدار كمية النقود بمعدل أكبر. ولكن في هذه الحالة هناك تكاليف مرتبطة بإستخدام السياسة بمقدار أكبر لزيادة العرض النقدي. وتلك التكاليف تأخذ أشكال عديدة مثل تقلب أكبر لأسعار الفائدة، تقلب أكبر في الاحتياطيات، تقلب أكبر في أرباح البنوك وآخيراً الزيادة المحتملة في زيادة درجة عدم التأكد المرتبط بالتغيرات الأكبر في عرض النقود.

سادساً: الزعم بأن أسعار الصرف المرنه تضمن الاستقلال النقدي إذا كانت حركات رأس المال مرتفعة نسبياً لم تتولد كلياً من التجربة القريبة مع أسعار الصرف المرنه. فلكي نضمن هذا الاستقلال، لابد وأن تجهز السلطات نفسها لتقلبات كبيرة في أسعار الصرف عبرة فترة قصيرة نسبياً، ما يعنيه هذا هو أنه حيث أن القيد المفروض على استقلال السياسة النقدية في ظل أسعار الصرف الثابته مرتبط بحركة الاحتياطيات، فإن هذا القيد في ظل أسعار الصرف المرنة مرتبط بتقلب سعر الصرف. ولهذا ففي ظل أسعار الصرف الثابتة ودرجة مرتفعة لتحرك رأس المال تفقد السلطات النقدية السيطرة على كمية النقود، على عكس الحال مع أسعار الصرف المرنه فإنه يكون لها السيطرة، ولكن لا ترغب في ممارستها بالكامل.

سابعاً: إذا كنا نستنتج أن السياسة النقدية يصعب تنفيذها في ظل أسعار الصرف الثابتة إذا كانت حركية رأس المال مرتفعة، ولكن هذا الزعم لا يعني بالضرورة أنه في صالح أسعار الصرف المرنة، فهو زعم يتطلب ضمناً ضرورة تخفيض درجة قابلية رأس المال للتحرك، مثلاً بالرقابة والتحكم في حركات رأس المال بما يكفي لجعل السياسة النقدية أكثر فعالية. وهي نقطة سبق التعرض لها في المبحث الثاني في النقطة (و).