الأزمة المالية العالمية Global Financial Crisis                                                        

 أ.د أحمد أبو الفتوح الناقة

 

مقدمة

الحمد لله والشكر لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم .

بداية الأزمة:

 عندما بدأت الأزمة كانت أزمة مالية حدثت في القطاع المالي الذي يشتمل على المؤسسات المالية (البنوك وشركات التأمين وبنوك الاستثمار والبنوك الشاملة وصناديق الاستثمار سواء صناديق سيادية حكومية أو صناديق خاصة  ) والأسواق المالية(وبالتحديد أسواق الأوراق المالية ولاسيما الأسواق الثانوية وبالتحديد البورصات)  ثم انعكست أثارها على القطاع الحقيقي، متمثلة في انخفاض حجم الاستثمار الإنتاجي الحقيقي ، وكان لها انعكاسات خطيرة على اقتصاديات بلادنا في صورة انخفاض أسعار النفط وخسائر مالية للبنوك وصناديق الاستثمار السيادية، وخسائر أخرى .

 كيف بدأت الأزمة؟

ولقد بدأت الأزمة – بناءا على المشاهدات – من تحرير القطاع المالي من القيود التي كانت تحدد النشاطات التي تدخلها  المؤسسات المالية ولاسيما المصارف والأصول التي تستثمر فيها أموالها، وإزالة القيود المفروضة على شركات التامين، فزاد حجم الإقراض بدون ضمانات كافيه ، واستثمرت البنوك في أنشطة وأصول كانت محرمة عليها ، وتم منح قروض إلى مقترضين جدارتهم الائتمانية ضعيفة والنتيجة هي  حدوث تعثر في سداد القروض التي كانت تمنحها المصارف – التجارية والمصارف التي أخذت شكل شركات استثمار investment companies أو المصارف الشاملة universal banks- إلى المقترضين ولاسيما قروض الرهن العقاري، وقطاع السيارات والقروض المرتبطة ببطاقات الائتمان والقروض المقدمة لتمويل سلع استهلاكية معمرة ، فزاد حجم القروض المعدومة لدي المصارف وبالتالي خسرت المصارف جزءا كبيرا من أصولها،ولما انكشفت تلك المعلومات للجمهور سارع بسحب ودائعه من المصارف المتعثرة ، فانخفض حجم السيولة لدى المصارف ، وسارع حاملي السهم إلى بيعها خوفا من انخفاض أسعارها ، فزاد عرض الأسهم وانخفضت أسعار الأسهم ، وانخفضت الأرقام القياسية لأسعار الأسهم في جميع بورصات العالم ، في وقت متقارب، وقام المستثمرون الأجانب ببيع الأسهم التي لديهم وحولوا أرصدتهم إلى الخارج ، ولما كانت قيمة أسهم أي شركة هي القيمة السوقية لأسعار أسهمها، ومعني انهيار القيمة السوقية للأسهم انخفاض القيمة السوقية للشركات صاحبة هذه الأسهم، وبالتالي انخفاض صافي حقوق الملكيةnet worth لتلك الشركات ، فلقد ترتب على ذلك انخفاض الجدارة الائتمانية لشركات الأعمال لأن صافي حقوق الملكية يمثل الضمان collateral الذي تستخدمه الشركة كضمان للقروض التي تطلبها من المصارف، وعندما تجد المصارف أن الضمان –الذي تطلبه حماية لقروضها والذي تقدمه الشركة له قيمه سوقية منخفضة ، تمتنع المصارف عن إقراض الشركات ، وهذا أوجد صعوبة أمام الشركات التي ترغب في الاقتراض لتمويل عملياتها الجارية أو تمويل استثماراتها.   

كما ترتب على تدهور المركز المالي للمصارف ونقص السيولة لديها أن أصبح هناك صعوبة أضافية أمام حصول شركات الأعمال غير المالية  nonfinancial corporationsعلى التمويل لممارسة نشاطها بالحجم المعتاد ، مما  اجبر تلك الشركات على تخفيض حجم نشاطها الاقتصادي ، وأجبرها على التخلص من بعض العمالة لديها، فزاد حجم البطالة وانخفض الطلب على السلع الأولية التي تدخل في نشاط تلك الشركات ومن بينها النفط فانخفضت أسعاره من 147 دولار في يوليو 2008م حتى وصل 36 دولار في أواخر ديسمبر 2008م ، كما انخفضت القروض من المصارف التي تمنح لشراء السيارات والسلع الاستهلاكية المعمرة فانخفض الطلب على السيارات والسلع الاستهلاكية المعمرة ، فقامت شركات السيارات بتخفيض حجم الإنتاج ، وانخفض نشاط البناء في قطاع العقارات لانخفاض حجم القروض التي تقدمها المصارف و شركات الرهن العقاري لشراء المنازل وبناء مساكن جديدة وزاد حجم الطاقة الإنتاجية العاطلة في القطاع الحقيقي .

 

إذا الأزمة بدأت مالية من القطاع المالي وانتقلت إلى القطاع الحقيقي.

كيف انتقل الأثر من الدول المتقدمة إلى الدول النامية؟

كما ترتب على انخفاض النشاط الاقتصادي في الدول الصناعية انخفاض في الطلب على السلع التي تستوردها الدول الصناعية من الدول النامية وهي السلع التي تصدرها دول مثل الصين والهند والاقتصاديات الناشئة والدول النامية عموما ، وكذلك انخفض الاستثمار الأجنبي الذي كان يتدفق من الدول المتقدمة إلى الدول النامية، رغم أن هذا الاستثمار لم  يكن مجديا اقتصاديا للدول النامية في كثير من الحالات، ومن المتوقع انخفاض حجم المساعدات التي تقدمها الدول المتقدمة إلى الدول النامية،وهي مساعدات أصلا ضعيفة، وبالتالي أنتقل تأثير الركود الذي حدث في الدول الصناعية إلى الدول النامية سواء الاقتصاديات الناشئة أو الدول النامية منخفضة الدخل.

والملاحظ أن محاولات الإنقاذ  التي تقوم بها الدول المتقدمة(لنظامها المالي ولمؤسساتها المالية وشركات التامين لديها) رصدت مبالغ تصل إلى تريليونات الدولارات وهي مبالغ خيالية كونتها الدول المتقدمة من النشاط الإنتاجي الداخلي ومن المكاسب التي  تحققها من تجارتها مع الدول النامية (حيث تستورد الدول المتقدمة المواد الخام الأولية  والمواد الخام المعدنية والنفط  وغيرها بأسعار رخيصة من الدول النامية حيث تعكس تلك الأسعار الأجور الرخيصة والمواد الخام الرخيصة،  وتبيع منتجاتها المصنعة للدول النامية بأسعار مرتفعة تعكس ارتفاع الأجور في الدول المتقدمة وارتفاع أسعار المكونات من السلع الوسيطة وقطع الغيار المصنعة في الدول المتقدمة) ، وتلك هي الحقيقية التي يجب أن يدركها قادة العالم النامي أن جزءا كبيرا من غنى الدول المتقدمة يتحقق على حساب الدول النامية، وأننا السبب بتخلفنا في بيع أسعار منتجاتنا رخيصة لهم، لأن تخلفنا يجعل قوتنا التفاوضية عند تحديد الأسعار ضعيفة ، أضف إلى هذا موقفهم الاحتكاري في تحديد الأسعار، فيقال كذبا وغشا وزورا أن البورصات في السوق الدولي  الذي تسوده المنافسة (هكذا يدعون منافسة وليس احتكار)هي التي تحدد الأسعار، وأين توجد تلك البورصات؟ هل هي في بلادنا أم عندهم؟ وهل هو فعلا سوق دولي يشملنا نحن وهم ، أم هو سوقهم وحدهم ؟ أن البورصات عندهم في بلادهم في لندن بحكم التاريخ الاحتكاري الاستعماري البريطاني، وليس عندنا ، إذا نحن خارج لعبة تحديد أسعار منتجاتنا ، بمعنى أننا لا نملك تحديد أسعار السلع التي نبيعها ، وليس لنا اختيار في تحديد أسعار ما نشتريه ، فهم يحددون أسعار سلعنا وسلعهم ، ولذلك يتحكمون بمكر شديد في حصيلة ما نبيعه ، ولا يسمحون لنا بأن نتصرف إلا في الإطار الذي يحددونه لنا والحل يحتاج لإرادة سياسية قوية منا للتخلص من تلك التبعية الاقتصادية ويتحقق ذلك كما قررت نظرية التنمية الاقتصادية بمزيد من الاستثمار البشري في التعليم عالي الجودة والاستثمار في الصحة البشرية، وتخفيض الإنفاق الاستهلاكي ولاسيما الترفي  .

والأمر المرير هو أن مؤسساتنا المالية بدلا من أن تستثمر  في الداخل ذهبت للاستثمار هناك في مجال الإقراض العقاري والسندات والمشتقات المالية، وعندما وقعت الكارثة المالية هناك ، وقعت في نفس الوقت على مؤسساتنا المالية هنا في داخل بلادنا، وأنا اسأل مديري تلك المؤسسات أيهما أفضل أن تخسر في بلدك أم تخسر خارج بلدك ، مع الفارق بين الخسائر عندنا -إن حدثت هنا(في بلادنا)-  بالملايين مثلا وهناك بالبلايين، فمثلا بنك الخليج الكويتي خسر أكثر من مليار دولار والصناديق السيادية لدول الخليج يقال أنها خسرت حوالي 400 مليار ، و ربما يكون مبلغ الخسارة مبالغا فيه ، ولكنه حتي لو كان ربع هذا المبلغ فهو خسارة ضخمة لا نستطيع تعويضها في ظل الظروف الحالية، وهكذا يخسر العالم النامي من التجارة مع الدول المتقدمة في وقت الرواج، ويخسر أيضا معها  في وقت الركود والكساد ولكني لن أثير المرارة في نفس القارئ أكثر من ذلك في المقدمة .

وهذه المحاضرة المختصرة تشتمل على النقاط التالية:

1- التعريف بالأزمة.

2- تتابع الأزمات الأمريكية على مر التاريخ الاقتصادي.

3- تكاليف الأزمات المصرفية فدول العالم المختلفة.

4- أعراض الأزمة.

5- الهيكل التمويلي وعلاقته بالأزمة.

6- أسباب الأزمة باختصار.

7- المراجع

 

1-   التعريف بالأزمة:

هي الوضع الذي تتدهور في ظله كفاءة النظام المالي والمصرفي  في أداء وظيفته الأساسية في تحويل الأرصدة المالية من الوحدات الاقتصادية التي لديها فائض مالي (مدخرات مثلا) إلى الوحدات الاقتصادية التي تحتاج إلى تلك الأرصدة، ويقترن هذا التدهور بانتشار حالات الذعر المالي (الذي يسبب تدهور أسعار الأصول المالية ، ولاسيما الأسهم) والذعر المصرفي( والذي يسبب سحب واسع النطاق للودائع من البنوك) وإفلاس كثير من المؤسسات الاقتصادية (بسبب ارتفاع حجم القروض المعدومة) ، مع تدهور قدرة المؤسسات المالية ولاسيما المصارف وشركات الاستثمار وشركات الأوراق المالية على الوفاء بالتزاماتها، فتنتشر حالات الفشل والإفلاس المصرفي والمالي على نطاق كبير، وهذا يسبب انخفاض حجم التمويل المتاح للاستثمار الحقيقي ، فينخفض حجم النشاط الاقتصادي ، ويزداد معدل البطالة..

2-      الأزمات المالية الأميركية ليست حديثة ولكنها قديمة:

(أ‌)      اكبر أزمة عالمية معروفة على نطاق كبير هي أزمة الكساد العالمي الكبير (1933-1929)م وأهم أعراض هذه الأزمة في الولايات المتحدة: 

1-      وصول أسعار الأسهم قمتها عام 1928م وانهيارها التام عام1929واستمرار هذا التدهور حتى عام 1932م. 

2-      إفلاس مصرفي على نطاق واسع ،  حيث أفلس حوالي ثلث المصارف الأمريكية تقريبا.

3-      انخفاض حجم القروض المصرفية التجارية بنسبة 50%في الفترة من 1929 حتى عام 1933.

4-      وانخفاض مستوي الإنفاق الاستثماري بنسبة 90% من مستواه عام 1929  م.

5-       وارتفاع معدل البطالة إلى 25% من القوة العاملة.

6-      انخفاض مستوي الأسعار بنسبة 25% في الفترة 1930-1933 م.

(ب‌)  ومن الأزمات المالية الحديثة أيضا انهيار سوق الأسهم يوم الاثنين (الأسود) 19 أكتوبر 1987م، حيث انخفض مؤشر Jones Dow بأكثر من 500 نقطة في هذا اليوم.

              (ج)  مرت الولايات المتحدة بأزمات أخري كثيرة في تاريخها (1891، 1837،1857،1873،1884،1893 ، 1907، 1929-1933، 1987، 2007، 2008)، والجدول التالي يوضح عدد البنوك التي كانت تفلس في الولايات المتحدة في الفترة 1933-2000م :

جدول (1) عدد البنوك التي أفلست في الولايات المتحدة في الفترة من (1920-2000)م

السنة

عدد البنوك

السنة

عددا لبنوك

السنة

عدد البنوك

السنة

عدد البنوك

20-1929

600

1953

8

1970

3

1989

210

1934

60

1952

9

1971

4

1990

160

1935

30

1953

10

1972

6

1991

120

1936

70

1954

7

1973

5

1992

115

1937

85

1955

6

1974

10

1993

50

1938

80

1956

5

1975

15

1994

10

1939

73

1957

4

1976

8

1995

7

1940

48

1958

3

1977

10

1996

5

1941

20

1959

4

1978

9

1997

5

1942

23

1960

5

1979

10

1998

4

1943

8

1961

7

1980

11

1999

3

1944

5

1962

8

1981

10

2000

2

1945

2

1963

10

1982

50

 

 

1946

6

1964

12

1983

55

 

 

1947

7

1965

18

1984

80

 

 

1948

4

1966

15

1985

100

 

 

1949

3

1967

8

1986

140

 

 

1950

2

1968

9

1987

175

 

 

1951

8

1969

10

1988

200

 

 

 

والملاحظ أن عدد البنوك التي أفلست بلغ سنويا في المتوسط في السنوات من 1920-1933 حوالي600 بنك، وانخفض العدد بعد إنشاء مؤسسة التأمين على الودائع عام 1934م، ولكن عدد البنوك التي أفلست أرتفع ابتدءا من عام 1982 حتى عام 1993م ، ثم انخفض بداية من عام 1995م ، حتى حدثت الأزمة المالية الحالية من عام 2006 م تقريبا. 

3-   الكوارث المصرفية عالمية في كل الدول ومكلفة :

الكوارث المصرفية حدثت في كل الدول تقريبا في فترات مختلفة ، ولاسيما في فترات التحول الاقتصادي من نظام اقتصادي تسيطر علية الدولة إلى نظام يأخذ بمزيد من الحرية الاقتصادية ، ويتجه نحو مزيد من التحرير الاقتصادي والمالي ، ومزيد من تقليص دور القطاع العام (من خلال بيع وحداته المالية والاقتصادية للقطاع الخاص بطريقة لا تتميز بالتدرج بل بالاندفاع مع إهمال اعتبارات التكليف والمنافع الاقتصادية من وجهة نظر المجتمع) ، وفي إعقاب التحول من النظام الاشتراكي إلى اقتصاد السوق الحر حيث  تكون البنوك في مرحلة انتقال وليس لديها الكوادر المدربة على فرز المقترض الجيد من الردئ ، وتكون قدرة مؤسسات الرقابة والإشراف على المصارف محدودة والإمكانيات التي تحت يدها من موارد بشرية ومادية ضعيفة، مما لا يمكنها من اكتشاف حالات الانحراف في سلوك المصارف بسهولة، فيزيد احتمال فشل المصارف وانهيارها ومن ثم حدوث الكوارث المصرفية.

وهذه الكوارث المصرفية تكلف المجتمع تكلفة عالية قد تصل إلى نصف الناتج المحلى الإجمالي كما يوضح الجدول رقم (2) .

جدول (2)الكوارث المصرفية حول العالم وتكلفة إنقاذ البنوك في عدة دول كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي

الدولة

التاريخ

التكلفة كنسبة من الناتج المحلى الإجمالي

الأرجنتين

1980-1982

55%

أند ونسيا

1997- مستمر

%50-55%

شيلي

1981-1983

41%

تايلاند

1997- مستمر

33%

كوريا الجنوبية

1997- مستمر

27%

ماليزيا

1997- مستمر

21%

فنزويلا

1997- مستمر

20%

المكسيك

1995

20%

اليابان

التسعينات

12%

جمهورية التشيك

1989- مستمر

12%

فنلندا

1991- 1994

11%

المجر

1991- 1995

10%

البرازيل

1994- 1995

5%-7%

النرويج

1987- 1993

8%

روسيا

1998

5%-7%

السويد

1991- 1994

4%

الولايات المتحدة الأمريكية

1984- 1991

3%

  

ويرجع سبب معظم الكوارث المصرفية إلى التحرير المالي ، فمعظم دول العالم كانت تلزم البنوك بإجراءات تنظيمية وقيود صارمة ، ولذلك كانت المصارف تقدم القروض إلى مقترضين مأمونين، ولم تجهز نفسها بكوادر للتعامل مع تقييم الجدارة الائتمانية للمقترضين أصحاب المخاطر الائتمانية العالية ، وعندما تم التحرير من القيود على الأنشطة التي تدخلها والأصول التي تستثمر فيها ، أقرضت على نطاق واسع لمقترضين أصحاب مخاطر عالية ، وارتفعت مخاطر عدم السداد ، وتم التوسع في القروض العقارية، ولاسيما مع ارتفاع أسعار العقارات،وزيادة الأرباح الناجمة عن الإقراض للقطاع العقاري، ولكن نتيجة زيادة الإقراض لمقترضين أصحاب جدارة ائتمانية ضعيفة زاد تعثر المقترضين، فتم الحجز على عقاراتهم وعرضها للبيع، فزاد عرض العقارات المطلوب بيعها فبدأت أسعاره تنخفض، مما أدي إلى انهيار أسعار العقارات ،وزاد حجم القروض غير المسددة والمعدومة إلى البنوك، مما أدى إلى تعثر البنوك ، وفشلها وربما إفلاسها في النهاية.

وطبقا للجدول فإن تكلفة الكوارث المصرفية مرتفعة وإنقاذ البنوك ، كانت في معظم دول أمريكا اللاتينية 20% من الناتج المحلى الإجمالي، وفي دول جنوب أسيا كانت مابين55%-35%.

 

 

 

4-      أعراض الأزمة وأثارها:

(أ)الذعر المصرفي: فعندما يعرف الجمهور أن أحد البنوك أو بعضها في أزمة ، يسارع بسحب ودائعه من المصارف ، سواء السليمة أو المصابة ، فتقل احتياطيات المصارف ، وتعاني من أزمة سيولة.

(ب) أزمة سيولة لدي المصارف : نتيجة ارتفاع حجم القروض المعدومة  وغير المسددة ونتيجة الذعر المالي، مما يقل حجم السيولة لدى المصارف.

) امتناع المصارف عن الإقراض:خوفا على ضياع تلك القروض ، ولعدم قدرتها على تمييز المقترض الجيد من الرديء ، وتفاقم مشكلة السيولة لديها.

(د) الذعر المالي: فحاملي الأسهم عندما يشعرون بالأزمة المالية ، يندفعون لبيع الأسهم ، خوفا من انهيار أسعارها ، فتنتشر حالات البيع، مع انخفاض الطلب على الأسهم ، فتنهار أسعارها فعلا، كما تجد شركات الأوراق المالية وشركات السمسرة وتجار الأوراق المالية صعوبة في ممارسة نشاطهم لعدم توافر السيولة لديهم ، نتيجة امتناع البنوك عن إقراضهم.

(هـ) انهيار أسعار الأسهم: حيث يحدث انخفاض ضخم في الرقم القياسي لأسعار الأسهم ، مثل انخفاض Dow Jones في بورصة نيويورك يوم الاثنين الأسود  19 أكتوبر 1987بمقدار 500 نقطة مرة واحدة ، مصحوبة بتوابع أخري من الانخفاضات وكما حدث في معظم بورصات العالم في الأزمة الحالية.

(و) الفشل المصرفي : فالمصرف يفشل عندما تكون القيمة السوقية لأصوله اقل من القيمة السوقية لالتزاماته ، ويحدث ذلك نتيجة الاندفاع في الإقراض عالي المخاطر ، والاستثمار في أصول متقلبة في قيمتها السوقية، وارتفاع حجم القروض المعدومة ، واندفاع الجمهور لسحب ودائعه، وفي الأزمة الحالية  كان السبب الرئيسي هو الاستثمار في الرهون العقارية والسندات المورقة والمغطاة بقروض الرهن العقاري ، حدث ذلك للبنوك في الولايات المتحدة ، واليابان ، ودول شرق أسيا ، ودول أمريكا اللاتينية ، ودول أوربا الشرقية التي تحولت إلى اقتصاد السوق الحر.

(ز)ارتفاع خسائر شركات التأمين: فنتيجة حالات الإفلاس ودفع التعويضات ، واستثمارها لجزء من أرصدتها في أسهم انهارت قيمتها ، وانهيار سوق الرهون العقارية الذي يعتبر الاستثمار في أصوله جذابا لشركات التامين.

) خسائر الصناديق السيادية: وهي صناديق استثمار تمتلكها حكومات ، مثل صندوق استثمار أبو ظبي أو الصندوق الصيني والروسي والقطري، ومصدر أرصدتها عائدات النفط والاحتياطيات الرسمية بالعملات الأجنبية للبلد، وتستثمر أموالها في أصول سوق المال، وقروض الرهن العقارية،والسندات المورقة المغطاة بالرهن العقاري، وانهيار أسعار تلك الأصول مع حدوث الأزمة يفضي إلى حدوث خسائر لتلك الصناديق، والتقديرات تدور حول خسائر بمقدار 25% من قيمة استثمارات تلك الصناديق.

(ط)خسائر صناديق الاستثمار الوطنية : هذه الصناديق تحصل على الأرصدة المالية من خلال بيع أسهم تصدرها بنفسها لتجميع الأرصدة ، وتستثمر تلك الأرصدة في الأوراق المالية التي تباع في سوق الأوراق المالية ولاسيما الأسهم والسندات عالية الجودة، وتكون محفظة متنوعة لتدنيه المخاطر ، ولكن إذا كانت معظم الأوراق المالية تهبط قيمتها فإن هذه الصناديق تصاب بخسائر كبيرة، ولقد قام الاحتياطي الفيدرالي في أمريكا بمساعدة تلك الصناديق بشراء ما قيمته540 مليار دولار من الديون قصيرة الأجل من صناديق الاستثمار عندما لم تستطيع بيع أوراقها وأصولها لسداد ديونها.

(ك)أزمة الرهن العقاري:

القروض العقارية هي القروض التي تمنح لشراء مساكن أو أرض أو هياكل إنتاج حقيقية، حيث يكون المسكن أو الأرض .. هو الضمان collateral للقرض.وفي الولايات المتحدة الأمريكية ، يعتبر سوق القروض العقارية هو أكبر أسواق الدين ، وأكبر المقرضين فيه مؤسسات الادخار والإقراض                and loan associations  saving   وبنوك الادخار المشتركة (أو التعاونية) mutual saving banks

ودخلت البنوك التجارية بشراهة بعد ذلك، بعد ظهور الأوراق المالية المغطاة برهون عقارية mortgage –backed securities نتيجة توريق securitization  الرهون العقارية(بيع القروض العقارية لطرف ثالث من خلال بيعها في شكل سندات)، وتلعب المؤسسات شبه الحكومية الأمريكية دورا رئيسيا في سوق القروض العقارية، وتلك المؤسسات هي:

1-      مؤسسة الرهن العقاري الوطنية الاتحادية  Association The federal National Mortgage

واختصارا (FNMA) وتعف باسم  فاني مي( Fannie Mae).

2-      مؤسسة قروض الرهن العقاري السكني الاتحادية The Federal Home Loan Mortgage Association واختصارا (FHLMC) والمعروفة باسم فريدي ماك (Freddie Mac).

3-      مؤسسة الرهن العقاري الوطني الحكومية Government National Mortgage Association

واختصارا (GNMA) ويطق عليها أسم  جيني ماي(Ginnie Mae).

وتلك المؤسسات تجعل الحكومة تلعب دورا في سوق القروض العقارية، وتجمع مواردها من بيع سندات إلى الجمهور والبنوك وتستخدم الأرصدة في شراء الرهون العقارية وتقديم أرصدة إلى سوق القروض العقارية.

ولقد أدخلت (GNMA) التوريق إلى سوق الرهون العقارية في بداية عام 1970، من خلال برنامج أوجد أداة مالية جديدة (مشتقة) هي الأوراق(السندات) المغطاة برهون عقارية ، بغرض تحويل الرهون العقارية من أصول مالية غير سائلة إلى أصول مالية سائلة(قابلة للبيع marketable)، ويتم ذلك من خلال تجميع قروض الرهون العقارية المتماثلة من حيث الأجل وسعر الفائدة والشروط الأخرى في حزم bundles، بحيث أن كل حزمة يتم بها إصدار سند جديد يتم بيعه لطرف ثالث يقبل شرائها ، ثم بعد ذلك تمرر مدفوعات القرض (الأصل والفوائد) إلى حامل السند مقابل عمولة ، تحصل عليها المؤسسة.

ولقد توسعت الرهون العقارية المورقة بدرجة ضخمة لتمثل ثلثي الرهون العقارية ، وتزيد قيمتها عن أكثر من 6 تريليون دولار ، وقامت بها المؤسسات الخاصة والبنوك التجارية ، واستثمرت فيها مؤسسات مالية  أمريكية كبري مثل ميري لنش وسيتي جروب  وبنك ليمان براذر وشركات عقارية خاصة مثل Country wide وبنك وتشوفيا وبنك يو بي أس السويسري والصناديق السيادية وصناديق الاستثمار.

ونظرا لتوسع القروض العقارية وامتدادها إلى أفراد جدارتهم الائتمانية ضعيفة ، فلقد توقف عدد ضخم منهم عن السداد ، ومع انهيار سوق المساكن، لجأ المقترضون إلى وضع يدهم على المساكن وعرضها للبيع ، فزاد عرض المساكن القابلة للبيع ، في وقت لا يوجد طلب عليها ، فانهارت أسعار المساكن ، وأصبحت معظم القروض العقارية قروضا معدومة ، وانهارت أسعار الأوراق المغطاة برهون عقارية، مما تسبب في خسائر ضخمة لكل من :

أ‌.         المؤسسات المالية التي دخلت تلك الأوراق المالية المغطاة برهون عقارية ضمن محافظ أصولها.

ب‌.     مؤسسات الرهن العقاري ولاسيما Fannie Mae ومؤسسة Freddie Mac .

      ومن آثار الأزمة :

1-      كثرة العقارات الشاغرة في الولايات المتحدة وصعوبة بيعها.

2-      امتداد الأزمة إلى سوق القروض التجارية وقروض السيارات وقروض بطاقات الائتمان.

3-      فقد أكثر من مليون أمريكي منازلهم المرهونة بقروض عقارية.

ولقد عانت فاني ماي خسائر عام 2007م بمقدار 14 مليار دولار ، وفي أغسطس 2008خسائر 2.3 مليار دولار،

ولقد قدم هنري بولسون خطة إنقاذ لكل من Fannie Mae   و Freddie Mac  ، لأنهما تضمنان وتمتلكان نصف القروض العقارية البالغة 12 تريليون دولار، حيث سيتم طبقا للخطة :

1-      زيادة الاعتماد التي تحتاجها المؤسستان لتغطية أي نقص في السيولة تواجههما.

2-      يحصل وزير الخزانة علي صلاحية شراء أسهم الشركتين.

3-      يمنح بنك الاتحادي الفيدرالي دورا استشاريا للشركتين.

 

ومن توابع أزمة الرهن العقاري خصوصا والأزمة المالية عموما :

(ل )إفلاس وفشل كثير من المؤسسات المالية وتكبدها خسائر ضخمة نذكر منها:

1-      خسارة شركة الرهن العقاري الخاصة Country  Wide  بلغت 1.2 مليار دولار في الربع الثالث من 2008م وخسائر لكل سهم من أسهمها2.85دولار وخسارة السهم 69% من قيمته،وانخفاض حجم الشركة من 118 مليار دولار إلى 96 مليار دولار ، وتحولت الشركة من القروض العقارية على القروض الخاصة.

2-      انخفاض أرباح بنك سيتي جروب(أكبر مؤسسة مصرفية أمريكية) بنسبة 60% في الربع الثالث من 2008م ، وشطبت أصول بمقدار 15 مليار ، وتراجعت الإيرادات بمقدار 13.22 مليار دولار وبنسبة48%  وقررت أنها ستلغي 62 ألف وظيفة ، وأعلنت عن خسائر بمقدار 5.11مليار دولار، وشطب قروض بمقدار 13 مليار دولار.

3-      إفلاس بنك Lehman Brothers، والذي كان يعمل به 25935 موظفا بشتى إنحاء العالم ، أسقط البنك أصول بقيمة 5.6 مليار دولار في الربع الثالث 2008م،وخسر 3.9 مليار دولار في الربع الثاني 2008م خسر البنك من قيمته 92%، فوصل سعر سهمه 3 دولار بعد أن كان 68 دولار في نوفمبر2007م، وأشهر إفلاسه 15/9/2008م.

4-      خسائر مؤسسة مبري لنش Marl Lynch(وهي شركة استثمار وبنك شامل في نفس الوقت) في الربع الثالث 2007م بمقدار2.3  مليار دولار ن وخسائر 14.1 مليار دولا رفي الربع الأخير من 2007 ، وخسائر كلية بمقدار 23 مليار دولار 2007م ، وشطب قروض متعثرة بمقدار 7.9 مليار دولار مرتبطة بالرهون العقارية.

5-      خسائر بنك يو بي أس السويسري ، وهو من أكبر بنوك العالم في إدارة الثروات الخاصة ، أعلن عن خسائر3.4مليار دولار نتيجة أزمة القروض العقارية، وشطب 3.43 مليار دولار من الإيرادات لتغطية خسائر محفظة الدخل الثابت، وشطب 40 مليار دولار من أصولة في أكبر خسارة يتعرض لها مصرف سويسري، وانخفض سعر سهم البنك في السوق بنسبة 44%، وانخفضت إرباح البنك بنسبة 35% ، وأجري تغيير على مستوى المدراء واستغني عن 1500 موظف، واتضح أن البنك اندفع نتيجة نصائح قدمت لمسئولية بالاستثمار في سندات الرهون العقارية.

وفي دراسة لخسائر البنوك  قام بها البنك التجاري الألماني من وراء أزمة الرهن العقاري، فإن البنوك السويسرية خسرت 40% من قيمة أصولها في المتوسط  ، يليها البنوك الأمريكية ،والمؤسسات المالية الألمانية خسرت 15% من قيمة أصولها، والبنوك البريطانية 5%.

6-      بنك وتشوفيا الأمريكي ، وهو رابع اكبر بنك في الولايات المتحدة ، لحقت به خسائر 8.86 مليار دولار في الربع الثاني من م2008، واستغنى عن 10700 وظيفة، نتيجة أزمة الرهون العقارية، وخسر سهم البنك 4.20 دولار لكل سهم.

7-      شركات التطوير العقاري في منطقة الخليج: أعلنت شركة داماك (شركة للتطوير العقاري في الإمارات)إلغاء 2.5% ، بعد اثر أزمة الائتمان  العالمية علي القطاع العقاري في منطقة الخليج، ولقد تباطأ  الائتمان المقدم للنشاط العقاري في الإمارات، وهبطت أسعار أسهم شركة إعمار بنسبة 10% يوم 10/11/2008، وانخفض سهم الديار والاتحاد العقارية وصروح على أكثر من 9%، وبدأت تلك الشركات في تخفيض حجم العمالة وتخفيض حجم نشاطها نتيجة إلغاء كثير من العملاء لحجز الشقق ولاسيما بعد انخفاض أسعار البترول  .

8-      انهيار أسعار البترول من 147 دولار في يوليو 2007م إلى أقل من 40 دولار مع نهاية 2008م، نتيجة انخفاض الطلب الناجم عن انخفاض النشاط الاقتصادي في الدول الصناعية الناجم عن الركود الاقتصادي، ودخول اقتصاديات تلك الدول تقريبا مرحلة الكساد.

9-      انخفاض حجم الصادرات العالمية: حيث سجلت صادرات بعض الدول انخفاضا يفوق 20% مثل الصين والهند، ومع انخفاض عدد السفن العابرة في قناة السويس ، انخفضت حصيلة المرور في القناة.

10-   انخفاض حجم المساعدات التي كانت الدول المتقدمة تقدمها إلى الدول النامية منخفضة الدخل، واقترن ذلك بانخفاض حجم الاستثمار الأجنبي المباشر الذي كان يتدفق من الدول المتقدمة إلى الدول النامية.

11-   انخفاض الطلب على السيارات لأن شراء السيارات كان يمول بقروض من البنوك ، وعندما انخفض حجم السيولة لدي البنوك ، لم تعد تقدم تلك القروض ، فوجدت شركات السيارات أنها تنتج وتعرض ولا تجد من يشتري، ولهذا حدثت خسائر ضخمة لشركات السيارات في جميع الدول المتقدمة ، وجاء في مقدمة تلك الشركات شركة جنرال موتورز وشركة كريزلر الأمريكيتان ولقد أعلنت كريزلر إفلاسها أخيرا، وشركة تويوتا، وشركة فولكس واجن ومرسيدس الألمانيتان ، وغيره ، وظهرت محاولات حكومية لإنقاذ تلك الشركات وتقديم دعم مالي لمساعدتها على إعادة هيكلة أنشطتها، والحد من الفروع الخاسرة وتخفيض العمالة بها للحد من ارتفاع تكاليف الإنتاج.

5-الهيكل التمويلي وملامحه وعلاقته بالأزمة:

يقدم سوق المال التمويل لقطاع الإعمال وللقطاع العائلي، في الصور التالية:

1-    القروض المصرفية  banking loans: وهي القروض المقدمة من المصارف .

2-      الاقتراض بإصدار سندات  ، فيصدرها المقترض ويشتريها المقرض أو المدخر .

3-      اصدرا أسهم عادية  common stock.

والهيكل التمويلي يطلق علي النسب المختلفة لمصادر تمويل قطاع الأعمال غير المالي، سواء كانت تلك المصادر خارجية(قروض مصرفية أو اقتراض بسندات أو طرح أسهم ) أو مصادر ذاتية (من رأسمال الشركة والأرباح المحتجزة)

والشكل التالي يوضح مساهمة كل مصدر  من المصادر الخارجية في التمويل الخارجي لقطاع الأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة (1970-1985)م ، ومنة يتضح أن :التمويل بالدين = التمويل بالقروض المصرفية + التمويل بالسندات= 61.9%+ $%29.8= 91.7%

 

ويلاحظ أن الأسهم لا تمول إلا حوالي  2.1 % من التمويل المقدم إلى قطاع الأعمال، ولقد تسبب التمويل بالدين في الأزمة المالية إلى حد كبير.

والهيكل التمويلي  financial structureهو النسب المختلفة للتمويل من المصادر المختلفة التي يمكن منها الحصول على هذا التمويل، والهيكل التمويلي  له علاقة بالأزمة المالية لأنه :

" كلما كان الطابع الغالب على الهيكل التمويلي هو التمويل بالدين ، كلما كان هناك احتمال لوقوع أزمة مالية كبري ، لأن تعثر المدين ، يفضي إلى تعثر الدائن معه"

وملامح الهيكل التمويلي المعاصر تتمثل في :

(أ‌)      التمويل بالأسهم ليس هو المصدر المهم للتمويل الخارجي لمؤسسات الأعمال، فالأسهم لا تمول سوي 2.1% في الولايات المتحدة ، ولا يختلف الوضع عنها في بقية الدول المتقدمة اقتصاديا.

(ب‌)  القروض المصرفية هي المصدر الرئيسي لتمويل قطاع الأعمال.

(ت‌)  التمويل بالدين هو الغالب على الهيكل التمويلي ويشتمل على التمويل بالقروض المصرفية وبإصدار سندات ، ويمثل في الولايات المتحدة حوالي 92%.

(ث‌)  الضمان  Collateralهو السمة السائدة في عقود الدين الممنوحة للقطاع العائلي وقطاع الأعمال، ولهذا كانت الرهون العقارية المرهونة بالوحدات السكنية هي أفضل أنواع التمويل الذي تقدمه المؤسسات التمويلية وهي سبب الأزمة الرئيسي.

(ج‌)   الشركات الكبيرة صاحية السمعة هي التي تستطيع الحصول على التمويل من سوق الأوراق المالية، لأنها تستطيع إصدار أسهم أو سندات ، ولا تستطيع الشركات الصغيرة.

(ح‌)   النظام المالي والمؤسسات المالية هي أكثر القطاعات خضوعا للإجراءات التنظيمية، لأن انضباط عملية التمويل يساهم في التشغيل الناعم السلس للاقتصاد القومي ، ويضفي على عمل المؤسسات المالية مزيدا من الثقة، ولكن خضوع النظام المالي والمؤسسات المالية لصور التحايل المحاسبي وإخفاء المعلومات وعدم تماثلها بين إطراف العقد المالي ، يفضي إلى أزمة مالية وفقد الثقة وإلى الفشل والإفلاس المالي والمصرفي واسع النطاق ، وهذا يخفض حجم التمويل المتاح للاستثمار، فينخفض الاستثمار والنشاط الاقتصادي.

وهذه الملامح هي بالضبط من يقف وراء الأزمة المالية، التي تجسدت في التمويل بالدين للقروض العقارية برهن عقاري ، ثم توريق تلك الديون في صورة سندات ن ودفع تلك السندات إلى طرف ثالث ، ومن ثم فحدوث الأزمة بدأ من تدهور الجدارة الائتمانية للمقترض قروضا عقارية، فزاد حجم القروض المعدومة ، وأصبحت السندات المغطاة برهون عقارية قيمتها =صفر ، مما أدى إلى شطب تلك الديون من ميزانيات كثير من المؤسسات المالية التي استثمرت  أرصدتها المالية في تلك  القروض المعاد بيعها في صورة سندات (عن طريق التوريق).

 

6-أسباب الأزمة : هناك أسباب عديد أهمها:

1-      الرهون العقارية والسندات المغطاة برهون عقارية كما رأينا.

2-      عدم تماثل المعرفة asymmetric information بين أطراف التعامل المالي، يفضي إلى منح قروض لأفراد ومؤسسات جدارتها الائتمانية منخفضة، لعدم القدرة على فرز الجيد المقترض من المقترض الرديء، وهذا يؤدي إلى الاستثمار في أصول عالية المخاطر.

3-      قيام المصارف بأنشطة عالية المخاطر خارج نطاق الميزانية off-balance sheet activities  .

4-      الزيادة في درجة عدم اليقين uncertainty : وله نفس أثر عدم تماثل المعرفة ويعمل بنفس الآلية .

5-      ارتفاع أسعار الفائدة يؤدي إلى خروج المقترضين أصحاب المخاطر الائتمانية الجيدة ويبقى في السوق المقترضين أصحاب المخاطر الائتمانية الرديئة الذين يرغبون في الاقتراض ومستعدين  أن يدفعوا أسعار فائدة مرتفعة وهذا يعرض المؤسسات المالية لمخاطر مرتفعة لأنها ستمول مقترضين أصحاب مخاطر ائتمانية عالية ، كم أن ارتفاع أسعار الفائدة خفض الأرصدة النقدية للمقترضين من أفراد القطاع العائلي وقطاع الأعمال، ورفع تكلفة التمويل ، مما خفض الجدوى الاقتصادية لكثير من المشروعات الاستثمارية التي كانت مربحة قبل ارتفاع أسعار الفائدة  .

6-      إتباع سياسة أن البنك كبير بحيث لا يجب أن يفشل  Too Big to fail،فالبنك الكبير إذا ظهرت بوادر الأزمة عليه تتدخل الحكومة لإنقاذه، خوفا من انتشار العدوى إلى البنوك الأصغر، مما  جعل المؤسسات المالية الكبيرة تتمادى في الاستثمار في أصول عالية المخاطر وهي تضمن أنه في حالة تعثرها ستحصل على المساعدة من قبل مؤسسة التأمين على الودائع ، ولاتحادي الفيدرالي الأميركي.

 

7- المراجع

1-      د. أحمد مهدي بلوافي "أزمة عقار.. أم أزمة نظام؟"محاضرة ألقيت في مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي ،جامعة الملك عبد العزيز، جدة : 2008

2-       د. سامي سويلم " الموقف الشرعي من الأزمة المالية" محاضرة ألقيت  في ملتقي المشايخ والدعاة بمكة المكرمة ، الجمعة 23/11/1429هـ.

3-      د. محمد حسن الزهراني  " الأزمة المالية وأثارها على اقتصاد المملكة وسوق الأسهم" محاضرة ألقيت في الغرفة التجارية بمدينة الطائف  11/11/1429هـ

4-Colin Mayer, " Financial system ,Corporate Finance, and Economic Development" in Asymmetric Information , Corporate Finance, and Investment, ed., R. Hubbard( Chicago : Chicago University Press: 1990) pp. 307-332.

5-Frederic Mishkin" The Economics of Money, Banking, and Financial Markets" 6th., edit., ( New York: Addison Wesley :2003)PP.202-209

6- Mark Gertler , " Financial Structure and Aggregate economic activity: An overview,"  Journal of money credit 

7- Bruce Geeenwald, Joseph E.  Stiglitz, and Andrew Weiss, " Information Imperfections in the Capital Market and Macroeconomic Fluctuations ,"American Economic Review 74( 1984) PP.194-199.

8- Scott Smart and William Megginson " Introduction to Financial Management " 2nd., edit., SOUTH-WESTERN :2009, PP.451-504.

-8 موقع قناة الجزيرة : الاقتصاد والأعمال                   www.aljazerra.net