قائمة الروابط

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأدب المقـــارن

  مشــــــــكلات وآفـــــاق

 



 

الدكتور عبده عبّود

 

 

 

 

 

 

 

الأدب المقـــارن

مشــــــــكلات وآفـــــاق

 

 

 

 

 

من منشورات اتحاد الكتاب العرب

1999

 

 

 

 

 

 

 

 

الحقوق كافة

مـحــــفــــوظـة  

لاتـحــاد الـكـتـّاب الــعـرب

 

 

 

 

 

 

 

 

البريد الالكتروني:                                                         Email : aru@net.sy

الانتــرنيت    :                                       Enternet  :  unecriv@net.sy

 

 

 

r

 

 

 

مقــدّمــــة 

 

هذا الكتاب مجموعة من الدراسات والأبحاث التي يربط بعضها بالبعض الآخر إطار معرفي هو انتماؤها إلى ذلك الفرع من فروع الدراسات الأدبية والنقدية الذي يعرف بالأدب المقارن. ويفهم هذا الحقل المعرفي بصورة تختلف عن الصورة التي فهم بها عالمياً إلى أواسط الخمسينات، ولم تزل سائدة في الأدب المقارن العربي (جزئياً على الأقلّ)  إلى يومنا هذا. ووفقاً لذلك المفهوم يُنظر إلى الأدب المقارن بصفته علماً يدرس ظواهر التأثير والتأثر بين الآداب القومية. أما مفهوم الأدب المقارن الذي ينطلق منه المؤلف في هذا الكتاب، فهو مفهوم يرى في الأدب المقارن نوعاً من الدراسات الأدبية والنقدية تجاوز بحوث التأثير والتأثر دون أن ينعيها أويلغيها، وتفاعل مع المذاهب النقدية الحديثة والمعاصرة كالنقد الجديد والنقد الجدلي ونظرية التلقي ونظرية التناصّ.... واستخلص ما يترتب على استيعاب تلك المذاهب بالنسبة لحقله المعرفيّ.وقد كانت تلك الإشكالية المنهجية والنظرية محور الدراسات الثلاث التي يتألف منها الجزء الأول من الكتاب.

ولمفهوم الأدب المقارن الذي يتبناه المؤلف مترتبات تطبيقية أبرزها أن يتعامل الأدب المقارن مع القضايا الجوهرية الساخنة الراهنة للأدب العربي، وعلى رأسها مسألة العالمية. ففي زمن تتقدم فيه "العولمة" (Globalisation)  بخطى سريعة، وتعمّ الميادين الاقتصادية والتقنية والعلميّة والثقافية، يكون من الضروري أن يفكّر المقارنون العرب بجديّة في مستقبل الأدب العربي، وفي الفرص التي يتمتع بها هذا الأدب، إذا أريد له أن يحتلّ مكاناً مناسباً في الساحة الدوليّة. وقد مثلت تلك الإشكالية وما يتصل بها من مسائل محور القسم الثاني من هذا الكتاب. ومن أبرز الأمور المتصلة بعالمية الأدب العربي مسألة "الاستشراق"، ذلك العامل الذي يضطلع بدور مركزي في صياغة صورة الأدب العربي ومكانته في العالم.ومن هنا تتأتى ضرورة مراجعة الموقف العربي منه، والدخول في حوار موضوعي معه، وتحويله إلى قناة تسهم في تمكين الأدب العربي من ولوج دائرة العالمية. وغني عن الشرح أنّ لعالمية الأدب العربي بعداً لغوياً، ألا وهو انتشار اللغة العربية في العالم، وصمودها في التنافس اللغوي المستعر دولياً. وهذا يتوقف على عوامل كثيرة، من أهمها تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وتطوير ذلك التعليم ليكون قناة قادرة على أن تنقل الإبداعات الثقافية والأدبية العربية إلى العالم.

ومن القضايا الجوهرية، التي يرى المؤلف أنّ من الضروري أن يهتم بها المقارنون العرب قضية تلقي الآداب الأجنبية في الوطن العربي. فالعلاقات الأدبية تتم في اتجاهين: من الساحة الأدبية العربية إلى الساحات الأدبية الأجنبية، ومن تلك الساحات إلى الساحة الأدبية العربية. ويشكل تلقي الآداب الأجنبية عربياً الجزء الثالث من هذا الكتاب. ونظراً لأنّ الترجمة الأدبية تشكل الوجه الرئيس لذلك التلقي، فإنّ الدراسات التي يتكوّن منها هذا الجزء تدور حول الترجمة الأدبية، بدءاً بأصول نقدها وتقويمها، وانتهاء بدراسة حول الشاعر الألماني "هاينريش هاينه" (Heinrich Heine)  الذي تقاطعت في شعره مؤثرات إبداعية وفكرية مختلفة متعددة القوميات، وارتسم في شعره أفق عالمي.

يطمح هذا الكتاب لأن يبيّن بصورة ملموسة أنّ الأدب المقارن يستطيع أن يقدّم خدمة مهمة للأدب والثقافة العربيين، ولأن يظهر أنّ للدراسات الأدبية المقارنة دوراً جوهرياً في معالجة القضايا الراهنة للأدب العربي، لابل يمكن القول إنّ معالجة تلك القضايا لاتكون صحيحة وناجعة مالم تنطلق من الأدب المقارن ومن منظوره الرحب الذي يأخذ الأبعاد القومية والإقليمية والعالمية للآداب في الحسبان. وأخيراً وليس آخراً فإن المؤلف يأمل أن يستثير هذا الكتاب في المشهد النقدي و الأدبي العربي نقاشاً حول ما عولج فيه من مواضيع وما طرح فيه من قضايا. فالتقدم المعرفيّ في مضمار العلوم الإنسانية لا يتمّ إلاّ عبر النقاش الموضوعي الصريح الذي لا يُطمس فيه الاختلاف، ولا ينقلب إلى مهاترات شخصية عقيمة. وغني عن الشرح أن أرقى شكل للتعبير عن الاختلاف هو ممارسته بصورة علنية مكتوباً ومنشوراً. ولعلّ من المفيد التذكير بأن للاختلاف أدباً وأصولاً تجعله "لا يفسد للودّ قضية"، بل يعود على المتحاورين المختلفين وعلى الآخرين بالفائدة.

دمشق 1998

د. عبده عبود

r

 

 

 

 

 

 

 

 

1- 0-  الجزء الأول
نظرية الأدب المقارن ومنهجه

 

 

1- 1-  أهميّة الأدب المقارن

1- 2-  الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة

1- 3-  الأدب المقارن العربي: إلى أين؟

 

 

r



 

 

1- 1 أهميّة الأدب المقارن

يرى كلّ المؤلفين العرب الذين كتبوا في الأدب المقارن أنّ هذا العلم هامّ، بل خطير جدّاً. ولكن قلّ أن نجح أحد من هؤلاء في أن يقنع الناس بأهميّة هذا العلم أو خطورته. فالدكتور محمد غنيمي هلال، وهو أبرز أعلام المقارنية العربية، صاحب كتاب لم يحظَ مؤلَّف مقارني آخر بما حظي به من سعة انتشار وتأثير، يعلن في كتابه هذا أنّ الأدب المقارن قد صار "علماً من علوم الآداب الحديثة، أخطرها شأناً، وأعظمها جدوى" (1) . كما ينسب الدكتور هلال إلى الأدب المقارن رسالة "خطيرة الشأن"، تجعل من التوسّع في دراسته" حاجة ماسّة" (2) . تُرى ماهي الأهمية التي يتمتّع بها الأدب المقارن، وما كنه "الرسالة الخطيرة" التي تُنسب إليه؟ وهل هي رسالة خطيرة حقّاً، أم انساق الدكتور هلال وراء لهجة خطابية، ومارس تهويلاً له فيه مصلحة مهنيّة غير خافية على أحد؟

الطموح الكبير

في محاولة لتوضيح أهمية الأدب بالنسبة للوطن العربي يلاحظ الدكتور هلال أنّ تزايد الاهتمام بالدراسات المقارنة في الجامعات العربية منذ مطلع الستينات "يدلّ دلالة قاطعة على أننا بدأنا نستجيب إلى نداء الوعي القومي العربي الحديث الذي لم يكن أقوى مما هو عليه اليوم، وقد أخذ يبحث في شتّى ميادين الحياة العلمية والفنيّة عما يدعمه"(3) . فأهمية الأدب المقارن تنبع إذاً، في رأي الدكتور هلال بالطبع، من أنّ هذا العلم يدعم وعينا القوميّ، و "يغذي شخصيتنا القومية". ذلك هو الشق الأول من رسالة الأدب المقارن، كما يراها الدكتور هلال. أمّا الشق الثاني من تلك الرسالة فيتمثّل في "الكشف عن أصالة الروح القومية في صلتها بالروح الإنسانية العامّة، وذلك لأنّ تقويم الأدب القومي تقويماً سليماً هو أمر غير ممكن إلاّ بالنظر إليه في نسبته إلى التراث الأدب الإنساني جملة" (4) . ولكن إذا دققنا  في هذا القول نجد أنّ ما يدعوه الدكتور هلال "رسالة إنسانية" هو في واقع الأمر رسالة قومية. فالكشف "عن أصالة الروح القومية" هو غاية قومية بلا ريب، وليس غاية إنسانية، اللهمّ إلاّ إذا وضعنا علامة تساوٍ بين القوميّ والإنساني، واعتبرنا الكلمة الثانية مرادفة للأولى، وهذا ما لا يقبل به أحد، ولا الدكتور هلال نفسه. ولذا يمكننا القول إنّ الدكتور هلال ينوط بالأدب المقارن رسالة قومية بالدرجة الأولى، وأنّ الرسالة الإنسانية التي يتحدّث عنها لا تتعدى كونها وسيلة تخدم الرسالة القومية.

فكيف يؤدي الأدب المقارن رسالته في تدعيم الوعي القومي وتغذية الشخصية القومية؟ لا يقدّم الدكتور هلال إجابة موحّدة واضحة ومقنعة عن هذا السؤال. فهو يرى تارة أنّ "أقوى وسيلة لدعم نداء الوعي القومي هي أن يتصل بالتيارات الفكرية والفنية العالمية اتصالاً يغذي به أصالته ويواصل سيره في مجالات التطوير والتجديد" (5) . ولكن من الأفضل لنا أن نستبدل هنا عبارة "وعي قومي" بعبارة "أدب قومي"، لأنّ الأدب هو ما يتجدد عبر اتصاله بالتيارات الفكرية والفنية العالمية. وعلى أيّة حال فإنّ الدكتور هلال مايلبث أن يتحدّث عن أدوار قومية أخرى للأدب المقارن، مثل "إظهار مقوّمات قوميتنا في الحاضر"، وتوضيح "مدى امتداد جهودنا الفنية والفكرية في التراث الأدبيّ العالميّ" وجلاء "نواحي الأصالة في الأدب القوميّ". (6)

مما تقدّم نستنتج:

1-  أنّ الدكتور هلال يسعى لإيكال دور هامّ ورسالة خطيرة إلى الأدب المقارن.

2- أنه لم يحدّد تلك الرسالة بالدّقة المطلوبة، بل تحدّث عنها بطريقة فيها كثير من المبالغة، وذلك بغرض إثارة الاهتمام بالأدب المقارن.

3-  أنّ هذه الرسالة ذات جوهر قوميّ بالدرجة الأولى. ويبدو أنّ تحديد طبيعة تلك الرسالة على هذا الشكل يرجع إلى أسباب عديدة، من أبرزها تأثر الدكتور هلال بالمدّ القومي الذي عمّ الوطن العربيّ في أواخر الخمسينات ومطلع الستينات، أي الفترة التي أعدّ فيها الدكتور هلال الطبعتين الثانية والثالثة من كتابه "الأدب المقارن"، ورغبة المؤلف في إظهار الأدب المقارن في مظهر علم يماشي ذلك المدّ ويخدمه. فمن الملاحظ أنّ الدكتور هلال لم يؤكّد قومية رسالة الأدب القومي في مقدمة الطبعة الأولى التي ترجع إلى عام 1953، بل في مقدمة الطبعة الثالثة التي ترجع إلى عام 1962.

على أية حال فإنّ الرسالة الخطيرة التي نسبها الدكتور هلال إلى الأدب المقارن لم تمنعه من أن ينسب إلى هذا العلم رسالة ليست على هذه الدرجة من الخطورة، وإن كانت أقرب إلى طبيعته وإمكاناته الواقعية. وتتمثل هذه الرسالة في إغناء النقد الأدبي والدرسات الأدبية. فالأدب المقارن، في رأي الدكتور هلال، مهمّ في الدراسات الأدبية، وضروريّ للنقد الحديث لأنه " مكمّل لتاريخ الأدب وأساس  جديد للدراسات النقدية"، وهذا مامنحه " أهمية لاتقل عن أهمية النقد الحديث، بل أصبحت نتائج بحوثه عماد الأدب والنقد الحديث معاً.. حتى ليسمّى النقد الحديث النقد المقارن، إشارة إلى أهمية البحوث المقارنة في جلاء جوانبه واستكمالها" (7) . وهنا أيضاً يلاحظ أنّ الدكتور هلال يبالغ ويهوّل، وذلك لغرض ليس من الصعب تبيّنه.

إنّ ما يجعل الأدب المقارن "جوهرياً" لتاريخ الأدب والنقد بمعناهما الحديث، هو في رأي الدكتور هلال، أنه "يكشف عن مصادر التيارات الفنية والفكرية للأدب القوميّ"، وعن "جوانب تأثر الكتّاب في الأدب القوميّ بالآداب العالمية"(8) ، مما يعود بالفائدة على الأدب القوميّ، وذلك من نواح عدّة:

1- فالأدب المقارن يكشف عن جوانب وخصائص الأصالة في الأدب القوميّ.(9)

2-  وهو يتتبع حسن إفادة الكتاب والنقاد من الآداب العالمية في إغناء الأدب القومي.

3-  وهو يوجّه حركات التجديد في الأدب القوميّ "توجيهاً رشيداً على هدى ما تسير عليه الآداب العالمية".

قد يتساءل المرء هنا: ما الأهمية المعرفية لما يقوم به الأدب المقارن من كشف عن مصادر التيارات الفنيّة والفكريّة في الأدب القوميّ؟ وهل الوقوف على جوانب الأصالة في الأدب القوميّ مهمّ إلى هذه الدرجة؟ وهل بوسع الأدب المقارن أن يوجّه حركة التجديد في الأدب القوميّ "وجهة رشيدة"، كما يقول الدكتور هلال؟ وما هذه الوجهة؟ وما أدرانا أنها رشيدة؟ فيما يخصّ السؤال الأول فإنّ الإجابة عنه تتوقف على الأهمية التي يوليها المرء لمسألة الأصالة في الأدب. فمن النقاد، مثل الدكتور محمد مندور، من يعتبرها سمة أساسية لكلّ أدب جيّد (10) ، وهناك بالمقابل نقاد وأدباء لا يولونها كبير أهمية (11) . وهكذا فإنّ تقدير أهمية الدور الذي يقوم به الأدب المقارن على هذا الصعيد يتوقف على موقفنا من مسألة الأصالة ومفهومها الشديد الإشكالية. أمّا فيما يخصّ دور الأدب المقارن في توجيه حركة التجديد في أدبنا القومي، أو أيّ أدب قومي آخر، توجيهاً رشيداً، فإنّ أحداً لايستطيع أن يمنع المقارنين من أن يطمحوا إلى القيام بدور كهذا، ولكن ربما كان من المفيد في هذا السياق أن نذكّرهم بأنّ الطموح شيء، وتحقيق ذلك الطموح عملياً شيء آخر. وفي رأينا فإنّ الفرص المتاحة للأدب المقارن ليحقق طموحه في توجيه حركة التجديد في الأدب القوميّ ليست أكبر ولا أصغر من الفرص المتاحة للدراسات الأدبية والنقد الأدبي بوجه عامّ في توجيه حركة الإنتاج الأدبيّ. فإلى أيّ مدى يسمح الأدباء للنقاد والباحثين بأن يوجّهوهم وجهة يعتبرونها "رشيدة"؟ وهل الوجهة الرشيدة في نظر الناقد أو الباحث هي وجهة رشيدة في نظر المنتج الأدبي أيضاً؟ وفي كلّ الأحوال فإنّ طموح النقد الأدبيّ إلى توجيه الحركة الأدبية طموح مشروع، وبلا هذا الطموح يفقد النقد مسوّغاً رئيسياً من مسوّغات وجوده.(12)

مفهومات الأدب المقارن

ويرتبط التوجّه القوميّ في فهم دور الأدب المقارن ورسالته ارتباطاً وثيقاً بفهم الدكتور هلال لماهيّة هذا العلم، أي ماهو الأدب المقارن، وما هي مجالات بحوثه وميادينه. فهو يعرّف الأدب المقارن قائلاً إنه "دراسة الأدب القوميّ في علاقاته التاريخية بغيره من الآداب الخارجية عن نطاق اللغة القومية التي كُتب بها" (13) . وانطلاقاً من هذا التعريف فإنّ محور البحوث المقارنة ينبغي أن يكون "الأدب القوميّ في صلته بالآداب العالمية، وامتداده بالتأثير فيها وإغنائها أو التأثر بها والغنى بسببها". وهذا يعني أنّ الدكتور هلال ينطلق من الأدب القوميّ إلى "الآداب العالمية"، ليعود في نهاية الجولة المقارنية إلى نقطة الانطلاق، أيّ إلى الأدب القوميّ، من أجل أن يجلو نواحي الأصالة فيه. وبالمناسبة فإنّ الدكتور هلال يستخدم تعبير "الآداب العالمية" بمعنى "الآداب الأجنبية"، وهو استخدام غير سليم لهذا التعبير، وذلك لأنّ هناك أدباً عالمياً واحداً، يتكوّن من جملة الآداب القومية. وعلى أيّة حال إذا أردنا أن نعبّر عن مفهوم الدكتور هلال للأدب المقارن بكلمات أخرى نقول: إنه العلم الذي يدرس تأثر الأدب القوميّ بالآداب الأجنبية وتأثيره فيها.

وانطلاقاً من فهمه المتمركز حول الأدب القومي يحدد الدكتور هلال ما يدخل في ميدان الأدب المقارن وما لا يدخل فيه.ففيه تدخل "مواطن التلاقي بين الآداب في لغاتها المختلفة، وصلاتها الكثيرة المعقّدة، في حاضرها أو في ماضيها، وما لهذه الصلات التاريخية من تأثير أو تأثر، أيّاً كانت مظاهر التأثير والتأثر". وبعبارة أخرى فإنّ ميدان الأدب المقارن ، في رأي الدكتور هلال، هو "الصلات الدولية بين مختلف الآداب" (14) ،فنيّة كانت هذه الصلات، كانتقال الأجناس الأدبية، أم مضمونيّة، كانتقال الموضوعات الأدبية والتيارات الفكرية.

وبحصره ميدان الأدب المقارن في العلاقات الأدبية الدولية، التي تتمّ من خلال التأثير والتأثر، يخرج الدكتور هلال من دائرة هذا العلم نوعين من المقارنات الأدبية: أولهما الموازنات التي تجري داخل أدب قوميّ واحد، كالموازنات المعروفة في النقد العربيّ بين جرير والفرزدق، وبين أبي تمام والبحتري، وبين المتنبي وأبي العلاء، وبين حافظ وشوقي. إنّ مقارنات كهذه من اختصاص مؤرخي الأدب القومي ونقاده، وبالتالي فهي "ليست من الأدب المقارن في شيء"(15) . وهذه مسألة لا يختلف حولها المقارنون. فميدان الأدب المقارن، باعتراف الجميع، هي الظواهر التي تتجاوز أدباً قومياً واحداً(16) . أمّا النوع الثاني من المقارنات التي لاتعني الأدب المقارن فهي تلك الموازنات التي تعقد بين كتّاب ينتمون إلى آداب قومية مختلفة، وذلك لمجرد وجود تشابه أو تقارب بينهم، ودون مايثبت أن بينهم علاقات تأثير أو تأثر من نوع ما، كأن نقارن بين أبي العلاء المعري والشاعر الإنكليزي ميلتون، صاحب "الفردوس المفقود"، أو بين أبي العلاء وفرانز كافكا، مثلما فعل طه حسين (17) . ترى لماذا لا تدخل مقارنات كهذه في ميدان الأدب المقارن، وفقاً للدكتور هلال؟ يردّ هذا المقارن على ذلك بالقول: إنّ الأدب المقارن لايدخل في حساباته "مجرد عرض نصوص أو حقائق تتصل بالأدب ونقده... دون أن يكون بينهما صلات، نتج عنها توالد أو تفاعل من أيّ نوع كان" (18) . فالأدب المقارن معنيّ "بشرح الحقائق عن طريق تاريخيّ، وكيفية انتقالها من لغة إلى أخرى، وصلة توالدها بعضها من بعض، والصفات العامّة التي احتفظت بها حين انتقلت من أدب إلى آخر، ثم الألوان الخاصة التي فقدتها أو اكتسبتها بذلك الانتقال" (19) . وما دام الأدب المقارن "لا يقتصر على عرض الحقائق بل يشرحها شرحاً تاريخياً مدعماً بالبراهين والنصوص من الآداب التي يدرسها" (20) ، فمن الطبيعيّ أن يستبعد من ميدانه كلّ المقارنات التي يمكن أن تجري بين ظواهر لم تقم بينها صلة تاريخية، وذلك لأنّ موازنات كهذه "لا تشرح شيئاً أو تبقى غامضة لا يوضحها تاريخ". لذا فإنّ قيمتها، في رأي الدكتور هلال، لا تتجاوز من حيث ضآلتها قيمة "مجهود أستاذ في علم الأحياء ينفق وقته في شرح التقارب شكلاً ولوناً بين زهرة وحشرة"(21) .

يستند الدكتور هلال في قيامه بتضييق ميدان الأدب المقارن وتحويله إلى مجرّد نوع خاصّ جدّاً من التاريخ الأدبيّ، أيّ "تاريخ العلاقات الدولية"، إلى حجة أساسية مفادها أنّ الدراسات المقارنة ينبغي ألاّ تكتفي بعرض الحقائق، بل عليها أن تفسّرها تاريخياً. ومن الواضح أن الدكتور هلال ينطلق من فهم معيّن لما هو "تاريخي"، فهو يلحق بهذه اللفظة قوله: "مدعماً بالبراهين والنصوص من الآداب التي يدرسها"، وهذا يعني أنّ مفهوم الدكتور هلال "للتاريخي" حدا به لأن يحصره في الظواهر التي تقوم بينهما صلات سببية قابلة للإثبات بصورة ميدانية، أيّ بالوثائق والأدلّة (22) . ولكن من المفيد هنا التذكير بأنّ مفهوماً وضعياً إمبيرياً ضيّقاً للتاريخ كهذا المفهوم الذي أخذ به الدكتور هلال بصورة غير نقدية عن أساتذته الفرنسيين، ليس المفهوم الوحيد، وبالتالي فإنّ نمط المقارنات التي يدعو  إليها الدكتور هلال ليس النمط الوحيد المشروع. فبوسع المرء أن يقارن بين ظواهر ثقافية تنتمي إلى مجتمعات مختلفة، لم تقم بينها صلات تاريخية من النوع الذي يشترطه الدكتور هلال كي تكون المقارنة مشروعة في نظره، ومن الممكن أن يكون لتلك الموازنات قيمة علمية تتجاوز قيمة الموازنة بين "زهرة وحشرة". وفي هذه الحالة يكون مثل المقارن كمثل عالم الأحياء الذي يقارن أشكال ظهور الزهرة نفسها، أو الحشرة نفسها، في قارات مختلفة، مع مراعاة الفوارق الجوهرية بين الظواهر الثقافية والظواهر الطبيعية. وبالطبع إذا وُجدت صلات بين الظواهر الأدبية التي نقارن بينها فإننا لن نتجاهل تلك الصلات، بل سنوليها اهتماماً كبيراً، لكننا لن نتخلى عن المقارنة لمجرّد عدم توافر صلات كهذه. فالقسم الأكبر من المقارنين بات لا يرى في البرهنة على وجود علاقات تأثير وتأثر بين آداب قومية مختلفة هدفاً نهائياً للأدب المقارن. ولهذا فإنهم لم يعودوا مستعدين لأن يحصروا اهتمامهم ومقارناتهم في تلك العلاقات. إنّ ما يعني المقارنين هو تتبع ظاهرة أدبية معينة، فنية كانت أم مضمونية، في آداب قومية مختلفة، سواء وجدت بينها علاقات تأثير وتأثر أم لا. فدراسة ظهور جنس أو تيار أو أسلوب أدبي ما في آداب قومية متعددة، والكشف عن أوجه التشابه والاختلاف بين تلك الآداب فيما يتعلق بالظاهرة الأدبية المقارنة، مسألة مثيرة وذات قيمة معرفية كبيرة في الحالين: في حال توافر علاقة أدبية، وفي حال عدم توافرها. والأدب المقارن مطالب في كلّ الأحوال بتقديم تفسيرات مقنعة لما يثبته من أوجه تشابه واختلاف(23) .

وأخيراً فإنّ فهم الأدب المقارن على هذا الشكل هو فهم أكثر انسجاماً مع التسمية المصطلحية نفسها، أيّ "الأدب المقارن". فالمفهوم نفسه لا يحصر المقارنات في الظواهر الأدبية التي تقوم بينها صلات تأثير وتأثر، بل يترك باب المقارنة مفتوحاً أمام كلّ الموازنات التي يمكن أن تجري بين ظواهر أدبية تنتمي لأكثر من أدب قومي، شريطة أن تكون هذه الموازنات مجدية وغير اعتباطية. والموازنات المجدية هي الموازنات ذات القيمة المعرفية الكبيرة، التي تساعدنا في فهم الظواهر الأدبية المقارنة وتفسيرها بصورة أفضل. ولا نظنّ أنّ أحداً يختلف مع الدكتور هلال حول ضرورة أن يبتعد الأدب المقارن عن المقارنات "التي لا تشرح شيئاً"، ولكن كيف يمكننا أن نجزم مسبقاً بأنّ المقارنة بين ظواهر أدبية تنتمي إلى آداب قومية مختلفة هي مقارنة عديمة الفائدة، لا لشيء إلاّ لأننا لم نتمكن من البرهنة بصورة تاريخية على وجود صلات تأثير وتأثر بين تلك الظواهر؟! إنّ مقارنات كهذه، كما برهن فيكتور جيرمونسكي ومقارنون آخرون نظرياً وتطبيقياً، يمكن أن تكون لها قيمة معرفية تفوق بكثير قيمة الموزانات المحصورة في نطاق ضيّق، التي يريد الدكتور هلال أن يقصر الأدب المقارن عليها دون مسوّغات نظرية أو تطبيقية مقنعة.

وما دمنا قد جعلنا القيمة المعرفية للمقارنة مسوغاً وحيداً لمشروعية تلك المقارنة، فمن الضروري أن نسأل أنفسنا: ما الفائدة من عقد المقارنات والموازنات بين الآداب القومية المختلفة؟ هل تنتهي تلك الفائدة عند "تبيّن ما هو قوميّ وما هو دخيل، وتبيّن أهمية اللقاح الأجنبيّ في إخصاب الأدب القوميّ وتكثير ثمراته"، كما يرى الدكتور هلال؟ (24)  أم تتجاوز فوائد البحث المقارني الفائدة الآنفة الذكر، بحيث تساعدنا في فهم الظواهر الأدبية وتفسيرها بشكل أفضل، كما يرى مقارنون آخرون، من أمثال الروسيّ فيكتور جيرمونسكي والأمريكي هنري ريمارك؟ (25)  إنه سؤال لم نترك لبساً في موقفنا منه.

ماذا نقارن؟ وكيف؟

ماذا نقارن؟ وهل نقصر المقارنة على الظواهر الأدبية التي تربطها صلات تأثير وتأثر، أم نوسّع دائرة المقارنة، بحيث تشمل أيضاً كلّ الظواهر الأدبية التي نرى فائدة من المقارنة بينها؟ تلك أسئلة تطرقنا إليها آنفاً وحددنا موقفنا منها بوضوح. أمّا السؤال الذي لم نتطرق إليه بعد فهو: كيف نقارن؟ فلا يكفي أن نعرف لماذا نقارن، وماذا نقارن، بل لابدّ لنا من أن نعرف كيف نمارس المقارنة، وهذا هو الجانب التطبيقي في الأدب المقارن. من الناحية المبدئية يتحدّد الجواب عن هذا السؤال على ضوء مفهومنا للأدب المقارن. فإذا نظرنا إليه كعلم "يدرس مواطن التلاقي بين الآداب"، فإنّ جهودنا ستنصبّ بالضرورة على حالات التأثير والتأثر بين أدب قومي وآداب قومية أخرى، حيث نقوم باستقصاء سبل ذلك التأثير وأشكاله من خلال المصادر والنصوص والوثائق الأدبية المختلفة، بهدف إثباته ، وتحديد نوعه ونتائجه الفكرية والفنية. وهذا هو السبيل الذي يفضي إلى تبيّن "ما هو قوميّ وما هو دخيل" في الأدب القومي(26) . أمّا إذا رفضنا أن نحصر الأدب المقارن في دراسة العلاقات الأدبية العالمية، وتبنينا مفهوماً لا يضع قيداً على المقارنة غير قيد الجدوى المعرفية، تختلف الظواهر الأدبية التي نتناولها بالبحث المقارني، وتختلف الطريقة التي نستخدمها في المقارنة، وتختلف بالتالي النتائج التي نتوصل إليها في نهاية الأمر. ولكن في كلّ الأحوال فإنّ المقارنين العرب قلّ أن قدّموا نماذج إجرائية يمكن للمرء أن يستخدمها في ممارسته المقارنية، وقلّ أن تصدّوا لمسألة: كيف نقارن؟ ولعلّهم عدّوا هذه المسألة بدهية وغنيّة عن الشرح، متوقعين ضمنياً أن يستخدم المقارن العربي ما توفره له علوم أدبه القومي من خبرات في مجال المقارنة، مثل المقارنة التي عرفها النقد الأدبي العربي، قديمه وحديثه. أمّا على الصعيد التطبيقي فإنّ معظم ما أنجزه المقارنون العرب من دراسات حتى الآن يدخل في باب بحوث التأثير والتأثر، التي ينصبّ فيها الجهد العلمي على إظهار أوجه التشابه أو التقابل أو التناظر بين أعمال أو شخصيات أدبية عربية وأخرى أجنبية، وعلى محاولة جلاء تلك الظواهر عن طريق البحث التاريخي. وقد شكّل هذا النوع من الأبحاث نسبة عالية من الأبحاث المقدمة إلى مؤتمرات "الرابطة العربية للأدب المقارن" (27) . أمّا المواضيع المحببة في دراسات التأثير والتأثر العربية فهي: تأثر دانتي بأبي العلاء المعري، وتأثر الآداب الأوروبية بقصص ألف ليلة وليلة، وتأثير الموشح الأندلسي في شعر التروبادور الأوروبي، وتأثر الأدب العربي الحديث بالآداب الأوروبية. ومن الملاحظ أنّ دراسة علاقات التأثير والتأثر بين الأدبين العربي والفارسي قد تراجعت بصورة واضحة لصالح دراسة العلاقات الأدبية بين العرب والأوروبيين. ولقد أبدينا في مداخلات متعددة قدمناها إلى المؤتمر الثاني للرابطة العربية للأدب المقارن اعتراضاً شديداً على دراسات التأثير التي تقدّم بها الزملاء، وبيّنا أنها تقوم على أساس نظريّ هشّ لم يعد مقبولاً، خصوصاً بعد أن قدّمت نظريتا التلقي والتناصّ تفسيراً أفضل لما تطلق عليه تسمية ظواهر التأثير والتأثر. فدراسات التأثير والتأثر تقلل من أصالة الأديب المتأثر، وتظهره في مظهر من يقلّد الأدباء الأجانب، إن لم يكن في مظهر من يمارس السرقة الأدبية، وذلك رغم محاولات أنصار هذا المنحى المقارني التخفيف من ذلك الانطباع بالتأكيد على أنّ "محور التأثير في الأدب أو الإفادة من الآداب الأخرى هو الأصالة"(28) . فمما لايمكن إنكاره حقيقة أنّ بحوث التأثير تعطي الجانب المتأثر دوراً سلبياً، إذ تضعه في موقف المنفعل لا الفاعل، طامسة بذلك دوره الإيجابيّ الخلاق.

وبالمقابل فهي تعطي الطرف الأدبي المؤثر دور الفاعل الإيجابي، رغم أنّ الصحيح في الواقع عكس ذلك. فالأديب المتأثر إبداعياً هو من ينتقي العمل الأدبي الذي يتأثر به، وهو الذي يستفيد إبداعياً من ذلك العمل بالصورة التي تلبّي حاجاته.لذلك فهو الذات لا الموضوع، الفاعل لا المنفعل في عملية التأثر الإبداعي، أو بالأصحّ: التلقي الخلاق المنتج. كذلك فإنّ الجري وراء أوجه التناظر بين الطرف المتأثر وبين الطرف الأدبي المؤثر يطمس أوجه الاختلاف والتباين الموجودة بينهما، ويحجب بالتالي أوجه التجديد والأصالة، ويظهر الأدب المتلقي في مظهر أدب تابع للآداب الأجنبية. فإذا كان الأدب المتلقي هو الأدب العربي فإنّ دراسات التأثير تنتهي إلى البرهنة على تبعيته للآداب الأوروبية، وتصبّ في التحليل النهائي في مصلحة "المركزية الأوروبية". أمّا إذا كان الطرف المتأثر أدباً أوروبياً، وكان الطرف المؤثر هو الأدب العربي، كما هي الحال بالنسبة لقصص ألف ليلة وليلة والمقامة ورسالة الغفران والشعر الأندلسي، فإنّ دراسة حالات التأثير والتأثر توظّف لصالح نزعة التبجّح القومي من خلال إظهار فضل العرب على الأوروبيين، وهي نزعة واسعة الانتشار، إطارها التاريخي هو الصراع بين الثقافة العربية المعرّضة للتغلغل وبين الثقافة الغربية المهيمنة(29) . ولذا فإنّ دراسات التأثير والتأثر لا تقدّم شيئاً ذا قيمة معرفية كبيرة، ولا تقدّم خدمة هامّة للأدب العربي أو للثقافة العربية، وذلك خلافاً لما يعتقده بعض المقارنين وعلى رأسهم الدكتور غنيمي هلال. ولهذه الأسباب أيضاً دعونا لأن يستعيض الأدب المقارن العربي عن أبحاث التأثير هذه بأبحاث تستند إلى نظرية التلقي الأدبي، ولا سيما التلقي الإبداعي المنتج، لأنها تقوم على أساس نظري أحدث وأسلم، ولأنها تعود على الأدب والثقافة العربيين بفائدة أكبر (30) . إنها لمفارقة كبيرة حقاً أن يتمسك قسم كبير من المقارنين العرب بمنحى التأثير والتأثر، وأن يكرسوا جهودهم لدراسة تأثر فلان من الأدباء العرب بفلان من الأدباء الأجانب، في وقت تخلّى فيه المقارنون الأوروبيون أنفسهم عن هذا النوع من الدراسات، وذلك بعد أن ظهرت مواضع الضعف النظريّ، واتضحت الخلفيات الإيديولوجية لاتجاه التأثير والتأثر في الأدب المقارن(31) .

ومهما يكن من أمر فإنّ الأدب المقارن في الوطن العربي، وبغضّ النظر عن المنحى الذي ينحوه، مازال مفتقراً إلى نماذج مقارنية ذات أسس نظرية واضحة، ومازال المقارنون العرب مطالبين بتقديم إجابات مقنعة عن سؤال: كيف نمارس المقارنة الأدبية تطبيقياً؟ فالبحوث التطبيقية التي أنجزها المقارنون العرب حتى الآن، مثل بحث "ليلى والمجنون في الأدبين العربي والفارسي"(32) ، لا تدلّ على وعي كاف لأهمية تطوير نماذج مقارنية قائمة على أسس نظرية واضحة.

 

واقع الأدب المقارن

وأخيراً لابدّ لنا من أن نطرح على الأدب المقارن العربي سؤالاً محرجاً، ألا وهو: ماذا قدّم هذا العلم حتى الآن للنقد الأدبي والدراسات الأدبية في الوطن العربي؟ ويؤسفنا أن يكون جوابنا عن هذا السؤال إنه لم يقدّم الشيء الكثير، ولم يتمكّن من أن يؤدي أكثر من جانب يسير من رسالته التي وصفها الدكتور هلال بالهامّة والخطيرة. فهو لم يتمكن من النهوض بالنقد الأدبي العربي وتوجيهه بالصورة التي طمح إليها الدكتور عبد النبي اصطيف (33) ، ولا تمكن من توجيه الأدب العربي الحديث "وجهة رشيدة"، وهذا ما طمح إليه الدكتور محمد غنيمي هلال. وجلّ ماقدّمه الأدب المقارن للنقد والأدب العربيين حتى الآن هو إلقاء الضوء على بعض جوانب علاقة هذا الأدب ببعض الآداب الأجنبية، ولا سيما الآداب الأوروبية والأدب الفارسي. ورغم كلّ مازعمه الدكتور هلال حول خطورة الأدب المقارن وأهميته، ظلّ هذا العلم في الوطن العربي ظاهرة هامشية، وذلك لأسباب كثيرة، نذكر منها:

1-   تأخر ظهور الأفكار المقارنية في النقد الأدبي العربي، وخلوّ النقد العربي القديم من تلك الأفكار بصورة شبه تامّة. فمن المعروف أنّ عقد الموازنات بين الأدب العربي والآداب الأجنبية لم يظهر إلاّ في أواخر القرن الماضي ومطلع القرن الحالي على يد رواد عصر النهضة، ثم على يد نقاد أدبيين من أمثال روحي الخالدي وقسطاكي الحمصي(34) .

2-   تبعيّة الأدب المقارن العربي الشديدة للمدرسة الفرنسية، وانسياقه وراء دراسة العلاقات الأدبية ومسائل التأثير والتأثر، التي استنفدت حتى الآن الجزء الأعظم من الجهود التطبيقية التي بذلها المقارنون العرب.

3-   لا يدرّس الأدب المقارن في الجامعات العربية إلاّ على نطاق ضيّق، وذلك كمادّة مقررة ضمن دراسة اللغة العربية وآدابها، واللغتين الإنكليزية والفرنسية وآدابهما. ففي الجامعات السورية على سبيل المثال تدرّس مادة الأدب المقارن في السنة الدراسية الرابعة ولفصل دراسيّ واحد، حيث خُصّصت لها خمس ساعات أسبوعية، أربع منها للمحاضرة النظرية وساعة لحلقة البحث. ويدرّس مقرر الأدب المقارن، كغيره من المقررات الدراسية، بالأسلوب المدرسيّ المعروف، القائم على وجود منهاج وكتاب مقرّر ونمط معيّن من الامتحان، وهو أسلوب جعل دراسة الآداب في جامعاتنا دراسة ضئيلة المردود، تشجّع الطالب على الحفظ والاستظهار، بدلاً من أن تحفزه على ممارسة البحث العلمي بالاعتماد على النفس، وعلى التعامل الخلاق مع الأدب(35).أضف إلى ذلك ندرة الأستاذة المتخصصين فعلاً في الأدب المقارن، وإيكال تدريس هذه المادّة إلى أساتذة غير متخصصين. ومما ساهم في ضمور الأدب المقارن العربي عدم وجود دراسات عليا فيه، وعدم توافر معاهد أو أقسام خاصّة به في الجامعات العربية، على نمط ما هو شائع في جامعات الأقطار المتقدّمة (36) .

4-  ضعف التواصل العلمي مع الأدب المقارن في العالم، والتأخر في استيعاب ما يستجدّ في العالم من اتجاهات نظرية وأبحاث تطبيقية، سواء من خلال الترجمة، أم من خلال عرض الإصدارات الهامّة وتلخيصها. وجلّ ماتمّ تعريبه حتى الآن هو بعض مؤلفات الفرنسيين فان تيغم وغويار وبرونيل وباجو، والأمريكيين ريماك وويلليك وليفين، والبريطاني براور (37) . وإذا استثنينا المدرسة المقارنية الفرنسية، التي لعبت بالنسبة للأدب المقارن العربي دور القابلة، فإنّ العرب لم يستوعبوا بصورة كافية أيّاً من المدارس المقارنية الحديثة، بما في ذلك ما يعرف بالمدرسة الأمريكية. وقد كان التقصير في تمثيل البحوث المقارنة في أقطار أوروبا الشرقية "المدرسة السلافية" وألمانيا شبه تام(38) . إنه تقصير لا يُغتفر ألاّ تستوعب الأوساط المقارنية العربية بصورة مناسبة مقارناً حظي بإجلال الأوساط المقارنية في العالم بأسره، ألا وهو المقارن الروسي الكبير فيكتور جيرمونسكي (39) . كما يتجلّى ضعف التفاعل بين المقارنين العرب والمقارنية العالمية في غياب عربي شبه تامّ عن المؤتمرات والندوات المقارنية الأجنبية، قطرية كانت أم إقليمية أم دولية، وفي مقدّمتها مؤتمرات الرابطة الدولية للأدب المقارن (AILC)  التي قلّ أن يشارك فيها المقارنون العرب ويسجلوا حضوراً علمياً ملحوظاً للأدب المقارن العربي.

5-   ضعف التواصل العلمي بين المقارنين العرب أنفسهم، وذلك لعدم وجود مجلة عربية متخصصة في الأدب المقارن، وندرة الندوات العلمية التي تقيمها الجامعات العربية في هذا المجال، وتعثر مسيرة الرابطة العربية للأدب المقارن، وعدم قيام جمعيات قطرية للأدب المقارن في معظم الأقطار العربية.

سبل النهوض

أمّا سبل النهوض بالأدب المقارن العربي فهي معروفة، وتتمثل في إزالة الأسباب التي أدّت إلى تعثر هذا العلم ومنعته من أن يؤدي رسالته الممكنة. وهذه السبل هي بإيجاز :

1- الارتقاء بتدريس الأدب المقارن في الجامعات العربية، سواء من خلال تطوير مناهج دراسته ضمن دراسة الأدب العربي والآداب الأجنبية، أم بإحداث معاهد خاصّة بالأدب المقارن في بعض الجامعات أسوة بما هو قائم في جامعات الأقطار المتقدّمة.

2- تكثيف استيعاب البحوث المقارنية العالمية، وذلك بترجمة المؤلفات الهامّة، أو بنشر ملخصّات لما جاء فيها على الأقل. ومن البدهيّ أنّ الأبحاث ليست بالضرورة تلك التي نشرت في كتب، بل قد تكون منشورة في مجلات اختصاصية. وغني عن الشرح أنّ مشاركة المقارنين العرب في المؤتمرات العلمية الدولية هي وجه أساسي من أوجه استيعاب ما يستجدّ في العالم على صعيد الأدب المقارن.

3- تقوية التفاعل العلمي بين المقارنين العرب، سواء على المستوى القومي، أم داخل كلّ قطر عربي بمفرده، وذلك بإقامة مزيد من الندوات العلمية والحلقات الدراسية حول المسائل النظرية والتطبيقية للأدب المقارن. وسواء أردنا تكثيف استيعاب البحوث المقارنية العالمية، أم أردنا تعميق التفاعل العلمي بين المقارنين العرب، فإننا بحاجة إلى منبر علمي أو دورية اختصاصية، تُنشر فيها البحوث المقارنة، وتُعرض الكتب، وتغطى النشاطات العلمية، إلى آخر ذلك من مهمات الدورية العلمية المتخصصة، التي لا نستطيع أن نتصور أن ينهض الأدب المقارن العربي دونها (40)

تلك هي أهمّ الشروط التي يمكن أن يؤدي توافرها إلى نهوض الأدب المقارن في الوطن العربي، وإلى تمكّنه من أن يؤدي دوراً ذا شأن في تطوير النقد الأدبي العربي، وتجعل تطلعه إلى توجيه الأدب العربي المعاصر "وجهة رشيدة"، على حدّ قول الدكتور هلال، تطلّعاً يمكن أن يُنظر إليه بجديّة. وفي رأينا فإنّ هذه المسائل ينبغي أن تكون في رأس جدول أعمال مؤتمرات "الرابطة العربية للأدب المقارن"، والجمعيات القطرية العربية للأدب المقارن... وتلك هي الطريق التي يمكن أن ترتقي بالأدب المقارن إلى مستوى الرسالة التي يطمح لأدائها.

r

 

r الهوامش:

(1)  محمد غنيمي هلال (1987) ، ص8.

(2)  المرجع نفسه، ص4.

(3)  المرجع نفسه، ص آ.

(4)  المرجع نفسه، ص ب.

(5)  المرجع نفسه، ص آ.

(6)  المرجع نفسه، الصفحتان ب و2.

(7)  المرجع نفسه، ص18 ومايليها.

(8) المرجع نفسه، ص10.

(9) المرجع نفسه، ص5.

(10) راجع: محمد مندور، (1973) ، ص164.

(11) من هؤلاء الأدباء الشاعر والكاتب المسرحي الألماني برتولد بريخت، الذي علّق على هذه المسألة بقوله: "إنني متهاون في أمور الملكية الفكرية ". أمّا الكاتب الفرنسي أندريه جيد فينسب إليه القول: "إنّ الأسد ليس أكثر من عدّة خراف مهضومة".

(12) راجع مقالنا: لم النقد الأدبي؟ جريدة (العروبة) ، 7/3/1989. يطمح النقد الأدبي إلى ممارسة دور التوجيه حيال فئتين، أولاهما فئة منتجي الأدب من شعراء وكتّاب، والثانية فئة المتلقين.

(13) محمد غنيمي هلال (1987) ، ص6.

(14) المرجع نفسه، ص14 .

(15) لمزيد من التفصيلات حول تصور الدكتور هلال لميدان الأدب المقارن انظر المرجع نفسه، ص92- 102.

(16) المرجع نفسه، ص13.

(17)  طه حسين (1970) .

(18)  محمد غنيمي هلال، (1987) ، ص12.

(19)  المرجع نفسه، ص13.

(20) المرجع نفسه، ص8.

(21)  المرجع نفسه، ص13.

(22)  راجع بهذا الخصوص، سعيد علوش (1987) ، ص208- 212.

(23)  يرجع الفضل في تفسير أوجه التشابه بين ظواهر لا تربطها علاقات تأثير وتأثر إلى المقارن الروسي الكبير فيكتور جيرمونسكي، (راجع بهذا الخصوص:V.ZIRMUNSKI (1980)) )  ، ويشاركه ذلك التوجه أنصار "المدرسة الأمريكية" في الأدب المقارن والجيل الجديد من المقارنين الفرنسيين.

(24)  محمد غنيمي هلال (1987) ، ص18.

(25)  حسام الخطيب (1982) ، ج1، 2- 44- 47.

(26)  راجع الأبحاث المقدمة إلى المؤتمر الثاني(تموز 1986)  المنشورة في الأعداد الخاصة التالية من مجلات "المعرفة" (ع 295، أيلول 1986)  و “الموقف الأدبي" (ع1986، تشرين الأول 1986)  و "الآداب الأجنبية" (ع 51- 52، ربيع وصيف 1987) .

(28)  محمد غنيمي هلال (1987) ، ص 106.

(29)  على هذه الخلفية أمكن النجاح الكبير الذي حققه كتاب المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه "شمس العرب تسطع على الغرب" (1986) ، الذي رأى العرب أنه قد أنصف دورهم الحضاريّ.

(30)  بخصوص مفهومي التأثير والتلقي راجع كتابنا (1992) ، ص 242 وما بعدها.

(31)  بخصوص نقد بحوث التأثير والتأثر راجع: G.R.Kaiser (1980) S. 115- 155)

(32)  محمد غنيمي هلال (1980) .

(33)  عبد النبي اصطيف (1987) و (1998) .

(34)  حسام الخطيب (1982) ، ص97- 133.

(35)  راجع نقدنا لدراسة الأدب العربي الحديث في الجامعات السورية (1993) .

(36)  راجع على سبيل المثال دليل الجمعية الألمانية للأدب المقارن DGAVL.

(37)  لمزيد من المعلومات راجع الملحق البيبلوغرافي لكتاب سعيد علوش (1987) ،
ص 341- 342.

(38) بخصوص البحوث المقارنية في دول أوروبا الشرقية راجع سعيد علوش (1987) ، ص 127- 157، وكذلك:(G.R.Kaiser (Hg.)  1980) وفيما يتعلق بالدراسات المقارنية في ألمانيا راجع الفصل الخامس من القسم الأول في كتاب عز الدين المناصرة (1988) .

(39)  يعدّ الدكتوران فؤاد المرعي وغسان مرتضى من التلاميذ العرب القلائل لفكتور جيرمونسكي، راجع بهذا الخصوص بحث فؤاد المرعي (1986) ، الذي أشار فيه إلى اعتماده "في بعض أسسه النظرية" على دراسات جيرمونسكي، ومقالة غسان مرتضى (1996) . ومن الجدير بالذكر أنّ الدكتور مرتضى يعكف على ترجمة مؤلف جيرمونسكي الرئيسي (علم الأدب المقارن)  إلى العربية، وقد نشر ترجمة أحد فصوله في مجلة (الآداب الأجنبية) . راجع: فيكتور جيرمونسكي (1995).

(40)  مجلات كهذه موجودة في معظم الأقطار المتقدمة، بل هناك أقطار كالولايات المتحدة الأمريكية تصدر فيها أكثر من مجلة للأدب المقارن. لمزيد من المعلومات حول المجلات والإصدارات المقارنية في العالم راجع:

H.Dyserinck .M. Fischer (Hg).  (1985) .

 

r ثبت المراجع

- اصطيف، عبد النبي (1987) : دعوة إلى المنهج المقارن في دراسة الأدب العربي ونقده. (الآداب الأجنبية) ، ع51- 25، ربيع وصيف 1987، ص97- 116.

- نفسه، المنهج المقارن في الدراسة الأدبية. (الموقف الأدبي) ، ع321، كانون الثاني 1998، ص20- 33.

- جيرمونسكي، فيكتور (1995) : التيارات الأدبية بوصفها ظاهرة دولية. تر. غسان مرتضى. (الآداب الأجنبية) ، ع 83، صيف 1995، ص137- 174.

- الخطيب، حسام (1982) : الأدب المقارن. الجزء الأول: في النظرية والمنهج. جامعة دمشق.

- عبود، عبده (1986) : الأدب الألماني، دراسة استقبالية في الوطن العربي. (الآداب الأجنبية) ، العدد 48، السنة 13، صيف 1986، ص67- 89.

- نفسه، (1993) : دراسة الأدب العربي الحديث في جامعاتنا، أزمة عقليات أم أزمة هيكلية. (الموقف الأدبي) ، ع265، أيار 1993، ص 145- 136.

- نفسه (1992) : الأدب المقارن-  مدخل نظري ودراسات تطبيقية. حمص: منشورات جامعة البعث.

- علوش، سعيد (1987) : مدارس الأدب المقارن، دراسة منهجية. بيروت: المركز الثقافي العربي.

- المرعي، فؤاد (1986) : في نظرية الأدب المقارن. (المعرفة) ، ع 295، س25، أيلول 1986، ص 149- 176.

- المناصرة، عز الدين (1988) : مقدمة في نظرية المقارنة. عمان: دار الكرمل.

- مندور، محمد (1973) : في الميزان الجديد، القاهرة، ط3.

- مرتضى، غسان (1996) : فيكتور جيرمونسكي والنظرية التيبولوجية في الأدب المقارن. في: (الأسبوع الأدبي) ، ع527، 7/5/1996.

- هلال، محمد غنيمي (1987) : الأدب المقارن. بيروت: دار العودة.

- هلال، محمد غنيمي (1980) : ليلى والمجنون في الأدبين العربي والفارسي. بيروت: دار العودة.

- هونكه، زيغريد (1986) : شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي. بيروت: دار الآفاق الجديدة، ط8.

- Deutsche Gesellschaft fuer Allgemeine Und Vergleichende Literaturwissenschaft (DGAVL) : Mitteilungen.

- Dyserinck, Hugo /. Manfred S. Fischer (Hg.)  (1985): Internationale Bibliographie zu Geschichte und Theorie der Komparatistik, Stuttgart.

- Kaiser, Gergard R. (1980) : Einfuehrung In die Vergleichende Literaturwissenschaft, Darmstadt.

- Kaiser, Gerhard R. (Hg).  (1980(: Vergleichende Literaturforschung in Sozialistischen Laendern. Stuttgart.

- Zirmunski, Viktor (1980) : Ueber das Fach Vergleichende Literaturwissenschaft. In:G. R. Kaiser (Hg)  (1980) .

 

r

 

 

 

1- 2 - الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة

1-  تـوطــئة:

الأدب المقارن، في أبسط مفاهيمه وتعريفاته، هو ذلك النوع من الدراسات الأدبية الذي يتمثل جوهره في إجراء مقارنات بين آداب قومية مختلفة، أي بين آداب كُتبت بلغات متعددة. إنّ تجاوز حدود الأدب المكتوب بلغة واحدة هو المسألة الوحيدة التي لا خلاف حولها بين المقارنين على اختلاف اتجاهاتهم ومدارسهم، أمّا المسائل الأخرى فيمكن اعتبارها كلّها خلافية. ولكن حتى حول هذا الحدّ الأدنى فإنّ الاتفاق غير كامل. فمن المقارنين من يريد أن يحصر المقارنة في أدبين قوميين لاغير، وهناك من يريد توسيع دائرة المقارنة لتشمل آداباً قومية متعددة، وهناك أخيراً من يدعو إلى مقارنة الأدب بالفنون الأخرى من موسيقا وتصوير وغيرهما، لا بل إلى مقارنته بميادين المعرفة الإنسانية كلّها كالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع.

لقد ضيّقت الفئة الأولى ميدان الأدب المقارن، إذ حصرته في المقارنة بين أدبين قوميين فقط، كأن يقارن المرء بين الأدب الفرنسي والأدب الألماني، أو بين الأدب العربي والأدب الفارسي. وحجّتها في ذلك أنّ مقارنات كهذه تفضي إلى نتائج محددة ومفيدة، وتخدم العلاقات الأدبية الثنائية، وبذلك فهي تخدم العلاقات الثنائية بين أمّتين، كالفرنسيين والألمان، والعرب والفرس. أمّا الفئة الثانية فهي توسّع دائرة المقارنة بين الآداب القوميّة بحيث تشمل عدة آداب، كأن يدرس المرء علاقات الأدب الفرنسي بالأدب الألماني والإنكليزي والإسباني والإيطالي والروسي وغير ذلك من الآداب القومية. وحجّة هذه الفئة هي أنّ العلاقات الأدبية تتجاوز الإطار الثنائي بطبيعتها، ويندر أن تكون ثنائية. فللأدب الفرنسي مثلاً علاقات بمعظم الآداب الأوروبية وبآداب غير أوروبية، فلماذا نحصر الدرس المقارن في مقارنته بأدب قومي واحد؟ أمّا الفئة الثالثة فلم تكتفِ بالدعوة إلى المقارنة بين الآداب بصورة تتجاوز حدود اللغات والثقافات والأقاليم، دون أن تجعل من أيّ أدب قومي نقطة ارتكاز أو مركزاً، بل وسّعت دائرة الأدب المقارن توسيعاً جذرياً، بحيث يشمل المقارنة بين الأدب وبين ظواهر غير أدبية. وبذلك أصبح البون بين الأدب المقارن كما تفهمه هذه الفئة وبين المفهومين الآخرين للأدب المقارن شاسعاً جداً. ترى أما زالت هناك قواسم مشتركة بين تلك المفاهيم؟ إنّ القواسم المشتركة المتبقية قليلة جداً وتتلخص في:

أ-  تجاوز حدود الأدب القومي الواحد.

ب-  المقارنة كوسيلة معرفية.

هذان هما الأمران المتفق عليهما بين المقارنين، وهما اللذان يجمعانهم في علم واحد، أو في فرع واحد من فروع الدراسات الأدبية، له مؤسساته الأكاديمية ودورياته وروابطه التي تتخذ من "الأدب المقارن" عنواناً لها. فالأدب المقارن هو إذاً عنوان عريض فضفاض يؤوي تحت رايته دراسات أدبية متباينة ومتعارضة، لا بل متضاربة، في منطلقاتها وتوجهاتها وإجراءاتها ومناهجها وأهدافها. أمّا الوحدة التي يوحي بها مصطلح "الأدب المقارن" فهي وحدة لا وجود لها إلاّ في الحدود الدنيا. وبالمناسبة فإننا لا نعدّ ذلك أمراً سلبياً، بل دليل تطور وديناميكية. فالتقدم في العلوم الإنسانية لا يتولد عن الانسجام والاتفاق والوحدة، بل يتأتى من الاختلاف والتناقض والتباين والصراع، وما تفرزه هذه العوامل من جدل وديناميكية.

والمقارنون مختلفون أيضاً حول الغاية من دراساتهم الأدبية المقارنة. لماذا نقارن أدباً قومياً بأدب قومي آخر، أو بعدة آداب قومية؟ لماذا نقارن الأدب بالموسيقا والرسم والفلسفة؟ ما هي الأهداف التي نود التوصل إليها من المقارنة؟ هل المقارنة هدف لذاته أم وسيلة للوصول إلى أهداف معرفية وعلمية؟ من حيث المبدأ فإنّ الأدب المقارن علم، وللعلم أهداف معرفية صرف بالدرجة الأولى. فالمعرفة مسوغ كاف لوجود أيّ علم. ونظراً لأنّ الأدب المقارن علم يقارن الآداب، وأنّ الأدب موضوعه، فإنه مطالب بأن يقدّم مساهمة في معرفة موضوعه. أمّا إذا لم يقدّم مساهمة كهذه، فإنه يفقد مسوغات وجوده، ويكون مصيره التهميش ثم الزوال. فما هي الأهداف المعرفية التي يحققها الأدب المقارن على صعيد معرفة الأدب، وأين تكمن خصوصيتها التي تميز الأدب المقارن عن سواه من مناهج الدراسة الأدبية؟

لايقدّم الأدب المقارن إجابة موحدة عن هذا السؤال، بل تختلف الإجابة من مدرسة مقارنة لأخرى ومن إتجاه لآخر، وذلك طبقاً للأسس النظرية والتوجهات التطبيقية لكلّ مدرسة أو اتجاه. ومن هنا تتأتى ضرورة تفحّص الأسس والتوجهات ومراجعتها مراجعة نقدية. وهذا ما نحاول القيام به في هذه الدراسة، وإن يكن بصورة غير كاملة.

2-  دراسات التأثير والمنهج التاريخي

يرى علماء الأدب المقارن الذين يحصرون ميدان هذا العلم في دراسة العلاقة بين أدب قومي معيّن وأدب قومي أو مجموعة من الآداب القومية أنّ الهدف الذي يسعون إلى تحقيقه هو استقصاء ظواهر التأثير والتأثر بين الآداب القومية المقارنة: كأن يحدد المرء ماذا أعطى الأدب الفرنسي للأدب الألماني من مؤثرات وماذا أخذ منه. أمّا المكسب العلمي أو المعرفي الذي يحققه الأدب المقارن نتيجة لدراسة علاقات التأثير والتأثر بين الآداب فهو ذو طبيعة تاريخية. فعندما يدرس المقارنون ما تمّ بين الأدبين الفرنسي والألماني من تأثير وتأثّر، فإنهم يقدّمون بذلك مساهمة في كتابة تاريخ هذين الأدبين. إنّ الغرض من دراسة علاقات التأثير والتأثّر هو إكمال كتابة تاريخ الآداب القومية. ومن خلال تلك المساهمة يضيف الأدب المقارن إلى تاريخ الآداب جانباً كان مؤرّخو الآداب القومية قد أغفلوه. فقد كانوا يؤرّخون لكلّ أدب قومي بمعزل عن الآداب القومية الأخرى، ولكأنه تاريخ التطور الداخلي لذلك الأدب فقط. لم يعر مؤرخو الآداب القومية اهتماماً لعلاقة كلّ أدب بالآداب القومية الأخرى، إلى أن جاء الأدب المقارن في صورته المبكّرة، أي دراسات التأثير والتأثر، فسدّ تلك الثغرة في تأريخ الأدب، وبيّن أن تاريخ أيّ أدب قومي ليس مجرّد تاريخ ما يجري ضمن ذلك الأدب من تطورات، بل هو أيضاً تاريخ ما يتمّ بينه وبين الآداب القومية الأخرى من تبادل وتفاعل. وعند هذا الحدّ تنتهي مهمة الأدب المقارن، كما تصورها روّاده وتابعوهم من ممثلي "المدرسة الفرنسية القديمة" في الأدب المقارن: إنه العلم الذي يؤرخ للعلاقات الخارجية بين الآداب (1) .

ولكن ماذا عن الجوانب الجمالية والفنية والذوقية للأدب؟ ماذا عن البنى الداخلية للأعمال الأدبية؟ إنّ الأدب المقارن الذي اتخذ صورة دراسات التأثير والتأثر يكتفي بتأريخ العلاقات الخارجية للأدب، ولا يتطرق إلى الجوانب والأبعاد الجمالية الذوقية: فهو لا يحللها ولا يقيّمها، وجلّ ما يفعله بشأنها هو أن يبيّن العلاقات الخارجية والوسائط والمؤثرات المرتبطة بها (2) . أمّا الأمور الجمالية والفنية فإنّ الأدب المقارن التقليدي (دراسات التأثير)  يترك التعامل معها للنقد الأدبي، الذي يعدّه المعنيّ الأوّل والأخير بالأبعاد الداخلية للأدب، فذلك هو مجال اختصاصه. إنّ علاقة الأدب المقارن بالنقد الأدبي تبدو من هذا المنظور علاقة تقسيم عمل، فلكلّ من المنهجين مضماره المحدد الذي يعرف تخومه بدقة: فعلماء الأدب المقارن ليسوا نقاداً، والنقاد ليسوا مقارنين. وما يفصل الأدب المقارن عن النقد الأدبي لا يقتصر على حدود مضمار كلّ منهما، بل يشمل المنهجية والطريقة أيضاً. فللنقد الأدبي طرائقه في مقاربة مواضيعه، وللأدب المقارن، في صورته التقليدية، طرائقه التي تختلف جذرياً عن طرائق النقد الأدبي. فمنهجية الأدب المقارن منهجية تاريخية تجريبية، تتمثل في جمع الوثائق والأدّلة والوسائط وكلّ ما يبرهن بصورة ملموسة ويقينية على وجود علاقات تأثير وتأثر بين أدبين قوميين أو أكثر (3) .

هكذا فهم الأدب المقارن مضماره ودوره ومنهجه على امتداد فترة طويلة من تاريخه، ساد فيها ما بات يعرف "بالمدرسة الفرنسية التقليدية"، التي دامت من أوائل القرن التاسع عشر إلى أواسط القرن العشرين، عندما ظهرت في ساحة الأدب المقارن اتجاهات ومدارس جديدة، فهمت مضمار الأدب المقارن ووظيفته وأهدافه بصورة أخرى.

ولنظرة المدرسة الفرنسية التقليدية إلى دور الأدب المقارن وحقله العلمي ومنهجيته أسس وخلفيات نظرية وفلسفية، تأتي في المقدمة منها النزعة التاريخية في دراسة الأدب، تلك النزعة التي انتشرت على نطاق واسع في فرنسا وأوروبا على امتداد القرن التاسع عشر. يرى أصحاب هذه النزعة أنّ تاريخ الأدب هو، في جزء كبير منه، تاريخ مصادره (Quellen)  ومواضيعه (Themen)  وموادّه الأدبية (Stoffe)  التي تنتقل داخل الأدب القومي وبين الآداب القومية بصورة يمكن دراستها وتتبعها بالوثائق والأدلة (4) .فالدراسة المقارنة لتلك الآداب تدلّ على وجود علاقات تأثير وتأثر بينها على أساس من السببية الصارمة. إنّ انتقال مادّة أدبية من أدب إلى أدب قومي آخر ليس مسألة عشوائية، بل هو علاقة تاريخية قائمة على السببية، وهذا ما على الأدب المقارن أن يبرهن عليه بصورة لا تقبل الجدال، أي أن يبيّن مصدر التأثر وواسطته ونتائجه.

ترافق انتشار النزعة التاريخية في الدراسات الأدبية مع انتشار نزعة أخرى، هي النزعة الوضعيّة (Positivismus) ، وهي فلسفة ترى أنّ المعرفة الصحيحة هي التي تستند إلى قاعدة تجريبية أو إمبيرية قابلة للمراجعة بصورة عبر ذاتية. أمّا المعرفة التي تقوم على التخمين والحدس والتفكير والمقارنة فقط، فهي معرفة غير موثوقة ولا يعتدّ بها (5) . انتقلت هذه النزعة إلى الدراسات الأدبية أيضاً، ودعا أنصارها، وأبرزهم الناقدان الفرنسيّان سانت-  بف
(Sainte-  Beuve)  و تن(H. Tain)  إلى تحويل تلك الدراسات إلى علم موضوعي يقوم على أساس تجريبي كالعلوم الأخرى (6) . وقد عبّرت النزعة الوضعية عن نفسها في الأدب المقارن من خلال دعوة "المدرسة الفرنسية التقليدية" إلى اعتماد المنهج التجريبي في دراسات التأثير والتأثر، وذلك بعدم الاكتفاء بتخمين وجود التأثير، بل البرهنة على وجوده بالأدلة والوثائق الملموسة التي لاتدع مجالاً للشك.

شكّل هذا التواؤم بين النزعتين التاريخية والوضعية أساساً نظرياً لما يعرف بالمدرسة الفرنسية في الأدب المقارن، وهي مدرسة ترى في الأدب المقارن علماً يدرس علاقات التأثير والتأثر (أو التبادل)  بين الآداب القومية بطريقة علمية صارمة. وقد أدى هذا الأساس النظري إلى ظهور اتجاه ساد الأدب المقارن مايربو على قرن وربع القرن من الزمان، وحوّله إلى نوع من الدراسات الأدبية التي لاهمّ لها سوى تقصّي علاقات التأثير والتأثر بين الآداب القومية بهدف المساهمة في تأريخها.

في ضوء الأرضية النظرية السابقة الذكر تحددت التوجّهات التطبيقية للأدب المقارن في مايعرف بدراسات التأثير، وصدر عدد كبير من الدراسات المقارنة التي يُستقصى فيها تأثر أديب معيّن كالألماني غوته بأديب أجنبي معين كشكسبير، أو بجنس أدبي محدد، أو بأدب قومي معين كالأدب الإنكليزي، أو بمادة أدبية محددة، أو بمدرسة أدبية كالرومانسيّة، إلى آخر ذلك من مواضيع.

من المؤكّد أنّ هذا النوع من الدراسات قد سد فجوة في كتابة تاريخ الآداب القومية، تلك الثغرة التي خلفها التأريخ الذي حصر نفسه داخل حدود كلّ أدب قومي، وأغفل الامتدادات والأبعاد الخارجية التي تتجاوز الحدود اللغوية القومية للآداب. إنّ تأريخ أدب قومي ما، كالأدب الفرنسي، لا يجوز له أن يقتصر على أحقاب ذلك الأدب وأجناسه ومدارسه الفنية والفكرية وأعلامه.. الخ، فتأريخ كهذا يغفل جانباً أساسياً من جوانب الأدب الفرنسي، ألا وهو علاقاته بالآداب الأوروبية الأخرى، كالأدبين اليوناني القديم والروماني، والأدب الإنكليزي والألماني والإٍسباني والروسي، كما يغفل علاقة الأدب المؤرَّخ بالآداب غير الأُوروبية، كآداب شعوب العالم الثالث. من هذه الزاوية كان الأدب المقارن الذي مارسته المدرسة الفرنسية التقليدية في صورة دراسات التأثير مفيداً. فقد برهن على صحّة مقولة تناساها كثيرون في غمرة تحمسهم لأدبهم القومي، واندفاعهم في الذود عن "أصالته" و "تفرده" و "خصوصيته" و "عبقريته". وسواء كان ذلك مقصوداً أم لا، فإنّ دراسات التأثير والتأثر قد برهنت على بطلان مقولة "الاكتفاء الذاتي" للآداب القومية واستقلالية تلك الآداب وتفردها. فليس هناك أدب قومي لم يتأثر بالآداب القومية الأخرى بصورة من الصور. كذلك فإن لأصالة الأدب القومي وخصوصيته وتفرده حدوداً. فقد دلّت دراسات التأثير والتأثر على أنّ هذه الأمور نسبية، وأن الآداب في حالة تفاعل وتبادل، وأخذ وعطاء، واستيراد وتصدير. وبذلك شكّلت دراسات التأثير والتأثر رداً على دعاة التعصب القومي في الأدب الذين يزعمون أن أدبهم أصيل بصورة مطلقة، وخالٍ من المؤثرات الغريبة. لقد ساهمت دراسات التأثير في تجاوز ضيق الأفق القومي في الدراسات الأدبية، فأضعفت بذلك الشوفينية الأدبية. وهذا مكسب مهمّ، إذا أخذ المرء في الاعتبار حقيقة أنّ تلك الشوفينية مكوّن رئيس من مكوّنات الشوفينية السياسية، التي كانت الأساس الإيديولوجي للنازية والفاشية وغيرهما من الحركات والاتجاهات الدكتاتورية العنصرية الحديثة.

إلا أنّ حصر الدراسات المقارنة في مايمكن البرهنة عليه تجريبياً من ظواهر تأثير وتأثر، واستبعاد الجوانب الجمالية والذوقية للأدب من مضمار الدراسات المقارنة قد ضيق ذلك المضمار كثيراً، وحدّ في الوقت نفسه من جدوى تلك الدراسات ودورها العلمي والثقافي. لقد حوّل التوجّه التاريخي الوضعي عالم الأدب المقارن إلى مؤرخ بالمعنى الصارم الضيّق للكلمة، أي إلى شخص يجمع الوثائق والمصادر والمنابع والوسائط المرتبطة بالعلاقات الخارجية للآداب، ومنعه من عقد أيّ مقارنات خارج ذلك الإطار بمعزل عن علاقات التأثير والتأثر، بدعوة أنّ ليس لتلك المقارنات قيمة معرفية. فقد شبّه محمد غنيمي هلال، أبرز ممثلي مدرسة التأثير في الأدب المقارن العربي، مقارنات "عقيمة" كهذه بمن يقارن "زهرة بحشرة"، وتساءل عما إذا كانت مقارنة من هذا النوع تنطوي على أيّ فائدة علمية أو معرفية (7) .

لقد ضيّق الأدب المقارن التقليدي رقعة الدراسات المقارنة، إذ حصرها في قمقم التأثير والتأثر، كما أقام جداراً مصطنعاً بين الجوانب التاريخية وبين الجوانب الجمالية والذوقية لدراسة الأدب، أي بين تأريخ الأدب والنقد الأدبي، وهذه نقطة مقتل دراسات التأثير والتأثر. فدراسة الأدب دراسة صرف تاريخية، تتجنب الخوض في الأمور النقدية بصورة مطلقة، هي ضرب من الوهم. فليس بوسع مؤرّخ الأدب مهما كان موضوعياً، أن يتخلى بصورة تامة عن التذوق والتقييم، واضعاً ذاتيته على الرفّ، وأن يجعل دراسته التاريخية خالية تماماً من الأبعاد النقدية. فطبيعة المادة التي يتعامل معها مؤرخ الأدب طبيعة رهيفة، تخاطب العواطف والأحاسيس وتثيرها، مما يجعل مسعى علمياً كهذا ضرباً من المستحيل، اللهم إلاّ إذا اقتصر تأريخ الأدب على سرد الوقائع والمعطيات الجافة. ولكنّ تأريخاً كهذا لا يستحقّ أن تُطلق عليه تلك التسمية.

ومن ناحية أخرى فإن الزعم بأنّ مقارنة الآداب من زاوية التأثير أمر غير مجدٍ علمياً ومعرفياً هو زعم لاصحّة له، بل العكس هو الصحيح. فمقارنة ظواهر أدبية متشابهة في آداب قومية مختلفة لم تقم بينها علاقات تأثير أمر مثير معرفياً، وتحدّ معرفي كبير لعلوم الأدب. إنّ تفسير ظواهر التشابه بين الآداب التي ترجع إلى علاقات التأثير أمر سهل، وذلك بمجرد إثبات الوسائط التي تمّ من خلالها ذلك التأثير. ولكن كيف نفسّر ظواهر التشابه الملاحظة بين آداب لم تقم بينها علاقات تأثير، ولذلك لايمكن إرجاعها إلى تلك العلاقات؟ ذلك هو السؤال الذي رفض الأدب المقارن التقليدي أن يجيب عنه، وأبعده عن دائرة الاهتمام بطريقة تعسفية. إلاّ أنّ ذلك السؤال هو السؤال الذي انطلقت منه الاتجاهات والمدارس الجديدة في الأدب المقارن، كالمدرسة "السلافية" التي ركّزت على "التشابهات التيبولوجية" والمدرسة "الأمريكية" التي اهتمت بدراسات "التوازي والتقابل" بين الآداب. وبرفض الأدب المقارن التقليدي (الفرنسي)  الإجابة عن هذا السؤال، فإنه حصر الدارسات المقارنة في قمقم ضيّق، وسدّ أمامها إمكانات وآفاقاً رحبة للمقارنة. ولذلك لم يكن من الصعب ولا المستغرب أن توجّه سهام النقد إلى الأدب المقارن التقليدي (دراسات التأثير) ، وأن تعلوا الأصوات التي تنادي بتجاوزه.

أمّا من الناحية الفعلية أو العملية فإنّ التوجّه التاريخي الوضعي لدراسات التأثير لم يتمكّن من أن يمنع المقارنين الذين يمارسون هذا النوع من الدراسات من القيام بنشاط تقييمي، أي بدور نقدي. فالمفاهيم نفسها قد تخون أصحابها. إنّ فعل "أثّر" يعني لغة ترك في الآخر أثراً، أي أن المؤثّر هو بالضرورة الطرف الفاعل والإيجابي. أمّا التأثر فهو التعرض للتأثير. "تأثّر به" يعني لغة "حصل منه على أثر" أو "ظهر فيه الأثر" (8) . والتأثر هو الانفعال، أي ردّة فعل على مؤثر خارجي، وهو سلوك سلبي. فالتأثير أمر إيجابي ضمناً، خلافاً للتأثر، فهو أمر سلبي، اعترف المرء بذلك أم لم يعترف. وبالفعل فإنّ دراسات التأثير والتأثر قد تحولت عملياً إلى شكل من أشكال دراسات "السرقات الأدبية"، يقوم فيها الطرف المتأثر بدور "السارق"، بينما يقوم الطرف المؤثر بدوره "المسروق"، وبذلك يتحول الطرف المؤثر إلى الأصل أو "المنبع" أو "المصدر"، وهو لذلك الطرف الأصيل، خلافاً للطرف المتأثر، فهو التابع المقلّد الذي يفتقر إلى الأصالة. ولا عجب بعد ذلك في أنّ تورّط دراسات التأثير والتأثر في النقاش الدائر حول الأصالة، وهي قيمة نقدية (9) ، لابل أن يصبح إثبات أصالة أدبنا القومي هدفاً رئيساً لتلك الدراسات (10) . وهكذا تحولت دراسات التأثير إلى شكل من أشكال النقد الأدبي، وسقط أحد المقومات المنهجية للاتجاه التاريخي الوضعي في الأدب المقارن.

ومن حيث تدري أو لاتدري لعبت دراسات التأثير دوراً قومياً. فهي تبيّن، في رأي الدكتور محمد غنيمي هلال، أصالة الأدب القومي (11) . وبدلاً من أن تكون وسيلة لتجاوز ضيق الأفق القومي، هاهي تخدم النزعة القومية، وبدلاً من أن تبيّن أنّ الآداب ليست مكتفية ذاتياً، بل تتبادل المؤثرات، انعكست الآية، وتحوّل الأدب المقارن التقليدي إلى وسيلة لإظهار "أصالة" الأدب القومي، أي استقلاليته وتميّزه عن الآداب القومية الأخرى.

من الناحية الفعلية تحوّلت دراسات التأثير والتأثر، على حد قول أحد منتقديها اللامعين، رينيه ويليك (Rene Wellek)  إلى عملية "مسك الدفاتر" لنشاطات الاستيراد والتصدير التي تتمّ بين الآداب القومية (12) . وبموجب تلك "الدفاتر الثقافية" يمكن معرفة ما صدّره أدب قومي معيّن إلى آداب قومية أخرى، وما استورده منها. وبالطبع فإنّ التصدير أفضل من الاستيراد، في الثقافة أيضاً، والطرف المصدّر أو المرسل هو الأفضل والأقوى، وهو صاحب الفضل والأيادي البيضاء على الطرف المستورد المستقبل الآخذ المتأثر. وهكذا خدمت دراسات التأثير والتأثر نزعة التباهي والتعالي القومي والإقليمي، وصار أهل كلّ أدب حريصين على إظهار تأثير أدبهم القومي في الآداب الأخرى وفضله عليها.

وأحرز الفرنسيون قصب السبق في هذا المجال. فقد مكنتهم دراسات التأثير، التي كانوا قد ابتكروها وطوروها ورعوها، من إظهار ضخامة التأثير الذي مارسه الأدب الفرنسي على الآداب الأخرى، أوروبية كانت أم غير أوروبية (13) . أما على الصعيد الإقليمي فإنّ دراسات التأثير أظهرت أنّ تأثير الآداب الأوروبية في الآداب غير الأوروبية كبير جداً، وهو يفوق بكثير تأثر الآداب الأوروبية بآداب القارات الأخرى. في الحالة الأولى خدمت دراسات التأثير نزعة التعالي الثقافي الفرنسية، وهي نزعة قومية توسعيّة، شكّلت في الماضي مقوماً من مقوّمات الإيديولوجيا الاستعمارية الفرنسية، وهي تشكل اليوم الأساس الفكري والثقافي لما يعرف "بالفرانكوفونية". والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الحالة الثانية. فقد خدمت دراسات التأثير نزعة "المركزية الأوروبية" (Eurozentrismus)  وهي نزعة متعالية توسعيّة، شكلّت مكّوناً هامّاً من مكّونات العقلية الاستعمارية الأوروبية، ومازالت إلى اليوم تخدم مساعي الهيمنة الثقافية الأوروبية. لقد عززت دراسات التأثير نزعة المركزية والتفوق لدى الفرنسيين والأوروبيين على حدّ سواء، وكان هذا موضع نقد من جانب خصوم المدرسة التقليدية في الأدب المقارن داخل فرنسا وخارجها. وكان في مقدمة من انتقدها من الفرنسيين المقارن الكبير رينيه اتيامبل (Rene Etiemble) ، وهو مقارن ذو أفق إنساني رحب، يرى أنّ حدود الإنسانية لا تنتهي عند حدود أوروبا، وأنّ الأدب العالمي لا يتطابق مع الأدب الأوروبي ولا يقتصر عليه (14) . فقد حذّر ايتامبل من المركزية القومية والإقليمية للأدب المقارن التقليدي، ومن ابتعاده عن جوهر الأدب. وقد شكل ذلك النقد خطوة هامة نحو تجاوز الاتجاه الوضعي في الأدب المقارن.

مهما يكن من أمر فإن الأساس النظري لدراسات التأثير قد تداعى نتيجة ما وجّه إليه من نقد. فالنزعة التاريخية التي بلغت ذروتها في القرن التاسع عشر قد انحسرت، وكذلك أفل نجم الفلسفة الوضعية. وهكذا اتضح أنّ كتابة تاريخ الأدب القومي مسألة تنطوي على إشكالية كبيرة، وذلك لعدة أسباب، منها أنّ مفهوم "الأدب القومي" نفسه مفهوم إشكالي وخلافي. ما هو الأدب القومي؟ أهو مجموع ما كتب بلغة واحدة من أعمال أدبية؟ ولكن هناك كيانات قومية متعددة يكتب أبناؤها بلغة واحدة، كالإنكليزية والفرنسية. فهل تشكّل آداب كلّ من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا ونيوزيلاندا وايرلاندا أدباً قومياً واحداً؟ وهل تشكل آداب فرنسا والكانتون الناطق بالفرنسية من سويسرا ومقاطعة كوبيك الكندية وبعض الأقطار الإفريقية الناطقة بالفرنسية أدباً قومياً واحداً؟ وهل يمكن اعتبار آداب إسبانيا ومعظم أقطار أمريكا الجنوبية أدباً قومياً واحداً؟ وبالمقابل هناك كيانات قومية تسود فيها تعددية لغوية. ففي سويسرا يكتب الأدباء بثلاث لغات، هي الألمانية والفرنسية والإيطالية. فهل نتحدث عن أدب قومي أم عن آداب قومية سويسرية؟ والشيء نفسه يمكن أن يقال عن كندا والعراق والهند وأقطار كثيرة، تشكل من الناحية السياسية كيانات قومية، ولكنها تستخدم لغات متعددة في كتابة الأدب. وأخيراً لابد من التساؤل: ألا تتجاوز معظم الظواهر الأدبية حدود الأدب القومي الواحد؟ هل تقتصر الأجناس والتيارات والمدارس الأدبية على أدب قومي دون سواه؟ إذا كان الجواب بالنفي، فما معنى الحديث عن "أدب قومي"؟ وضمن أية حدود وقيود يمكن أن يستخدم هذا المفهوم؟

ومن جهة أخرى فإن علامة استفهام كبيرة قد ارتسمت على تاريخ الأدب نفسه. هل يمكن إيواء عدد كبير جداً من الأعمال الأدبية ضمن حظيرة تاريخية واحدة؟ إذا كان تاريخ الأدب هو عرض ما هو مشترك بين الأعمال الأدبية، ألا يؤدي ذلك بالضرورة إلى صرف النظر عن خصوصية كلّ عمل من تلك الأعمال، أي عن أهم ما فيها؟ وهل يتسع أي تاريخ أدب لعرض الأعمال الأدبية كلها التي تنتمي إلى ذلك الأدب؟ كذلك فإن المقاربات النقدية الحديثة تنطلق من داخل النصوص الأدبية، أي من علاقاتها وبناها ومكوناتها الداخلية، وليس من علاقاتها الخارجية. ترى ألا يؤدي ذلك بالضرورة إلى وضع حدّ لأي شكل من أشكال تأريخ الأدب؟ لقد أصبح تأريخ الأدب مسألة إشكالية، وعملاً تحوم حوله الشكوك، وتوجّه إليه الانتقادات، لابل لم يعد أمراً ممكناً في نظر الكثيرين. ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على علم يرى وظيفته في إكمال كتابة تاريخ الآداب القومية، أي على الإتجاه التاريخي الوضعي (أو المدرسة الفرنسية التقليدية)  في الأدب المقارن.

أما الفلسفة الوضعية التي مدت الأدب المقارن التقليدي بقسم من أساسه النظري، فقد تعرضت بدورها لانتقادات شديدة من جانب الاتجاهات الفلسفية الجدلية أو الديالكتيكية، مما جعل موقفها بالغ الصعوبة. ولئن كانت الوضعية قد عادت إلى الظهور حديثاً في صورة الوضعية الجديدة (Neopositivismus) ، فإنّ زمن الوضعية القديمة قد ولى وإلى غير رجعة (15) .

وأخيراً وليس آخراً فقد ظهرت اتجاهات ومناهج نقدية جديدة، كالنظرية المادية (الماركسية)  للأدب، والبنيوية، والنقد الجديد ونظرية التلقي ونظرية التناصّ، وغير ذلك من الاتجاهات التي تعارضت مواقعها الفكرية مع منطلقات الأدب المقارن التقليدي (16) . وقد سجّلت هذه الاتجاهات انتقادات جذرية وجوهرية على دراسات التأثير والتأثر، فأكملت بذلك سحب البساط النظري والمنهجي من تحتها. ونتيجة لتفاعل الأدب المقارن مع تلك الاتجاهات النقدية ظهرت مدارس مقارنية جديدة، نافست المدرسة الفرنسية القديمة وقدّمت بدائل لها.

ولكن هل يعني ذلك أنّ دراسات التأثير والتأثر قد توقفت، ولم يعد هناك من يمارسها، بعد أن تعرضّت أسسها النظرية لكل تلك الضربات؟ ثمة مايدل على أنّ دراسات التأثير في شكلها التقليدي قد تراجعت في أوروبا وفي الأقطار الغربية عموماً، لابل إنّ مفهوم "التأثير" نفسه (EINFLUSS / INFLUENCE)  قد أصبح موضع ارتياب. ومن يستعرض الدوريات المتخصصة في الأدب المقارن، والإصدارات الجامعية وغير الجامعية المعلقة بهذا المضمار، يجد أن مصطلح "التأثير" قد أصبح من مخلّفات الماضي، وقد اختفى من الدراسات الأدبية المقارنة إلى حدّ بعيد. أمّا العالم العربي فإنّ الدلائل تشير إلى أنه لم يواكب تلك التطورات. فدراسات التأثير والتأثر العربية شهدت حديثاً عصرها الذهبي، بحيث يمكن القول إنّ معظم ما أنتجه المقارنون العرب من دراسات مقارنة تطبيقية يدخل في باب دراسات التأثير (17) . ما تفسير ذلك؟ لماذا لم يتماش الأدب المقارن في العالم العربي مع التوجه العلمي إلى الإقلاع عن دراسات التأثير؟ لماذا تزدهر دراسات التأثير العربية، في الوقت الذي تكاد فيه تختفي في العالم بأسره، حتى في فرنسا، بلد المنشأ بالنسبة لهذا النوع من الدراسات؟

لهذه الظاهرة أسباب متعددة، أولها أنّ هذا النوع من الدراسات هو الأسهل منهجياً وتطبيقياً، لابل إنه أوضح المناهج المقارنة وأسهلها إطلاقاً. فهو من الناحية التطبيقية عمل توثيقي بالدرجة الأولى، يتمثل في جمع المادة التاريخية التي تدلّ وجود علاقة تأثير وتأثر بين أدب قومي ما وأدب قومي آخر أو آداب قومية أخرى. ومن جهة أخرى فإنّ دراسات التأثير يمكن أن توظّف بسهولة في النقاشات والمعارك الأدبية والنقدية الدائرة في الوطن العربي حول قضايا أدبية كقضية الأصالة والتقليد والتبعية والمثاقفة في الأدب العربي الحديث. إنّ الباحث المقارن الذي يستطيع البرهنة بصورة تجريبية مدعّمة بالوثائق على مدى تأثر مسرحي عربي كسعد اللّه ونوس بمسرح الألماني (بريشت)  (B. Brecht) ، وعلى تأثر العديد من الروائيين والقاصين العرب بأدب النمساوي فرانز كافكا (Franz Kafka) ، يستطيع أن يجعل من حجم التأثير معياراً للحكم على مدى أصالة المتأثرين. فكلما كبر التأثر قلّت الأصالة وفقاً للتصور السائد. وللأسف فإنّ النقاد العرب يستخدمون دراسات التأثير للطعن في أصالة الأدباء العرب، والحطّ من قدرهم الإبداعي، وذلك بإظهارهم  في مظهر مقلّدين للأدباء الأجانب. وهكذا حلّت دراسات التأثير عملياً محل دراسات "السرقات الأدبية". فالهدف واحد والنتيجة واحدة في الحالتين، ألا وهي التقليل من شأن الإنجازات الفنية والفكرية للأدب العربي الحديث، والنيل من أصالته، ووضعه في دائرة "التبعية الثقافية" و "الغزو الثقافي" و "الفكر المستورد". ولسوء الحظ فإنّ بعض المقارنين العرب يتصرّفون وكأنهم "شرطة الأدب" التي تسعى إلى ضبط الأدباء العرب "في الجرم المشهود"، ألا وهو جرم التأثر بالآداب الأجنبية. ترى ألا يشكّل هذا الدور الثقافي البوليسي حافزاً لإنجاز المزيد من دراسات التأثير؟

ومن جهة ثانية فإنّ استبدال دراسات التأثير بنوع آخر من الدراسات المقارنة، نوع يعتمد نظرياً على المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة، كنظرية الأدب الجدلية والنقد الجديد ونظرية التلقي ونظرية التناص.. الخ، ليس بالأمر السهل. فهو يتطلب استيعاب تلك المناهج استيعاباً وافياً من جهة، وتطوير القدرة على استخدامها تطبيقياً في الدراسات الأدبية المقارنة من جهة أخرى (18) . إلا أنّ استيعاب الفكر النقدي العالمي في الوطن العربي، وإن كانت سرعته تختلف من قطر لآخر، يتمّ ببطء شديد. فالحواجز اللغوية والثقافية بين العرب والعالم كبيرة جداً، وهي تعيق التفاعل الثقافي حتى في مضمار الأدب المقارن. كذلك فإنّ تأصيل المناهج النقدية المعاصرة، وتوظيفها تطبيقياً في الدراسات المقارنة العربية، ليس بالأمر السهل أيضاً، خصوصاً وأنّ بعضاً من تلك المناهج لم يطوّر بصورة وافية إجراءات تطبيقية خاصة بالأدب المقارن. وحتى إذا استوعب المرء الاتجاهات المقارنة الحديثة المنبثقة عن الفكر النقدي الحديث، فإنه ليس هناك مايضمن أن تستخدم تلك المناهج تطبيقياً بصورة مناسبة، وألاّ يظلّ الالتزام بها نظرياً لا تطبيقياً، بدليل أنّ بعض ممثلي المدرسة الأمريكية في الأدب المقارن العربي، قد نحوا في دراساتهم التطبيقية منحى دراسات التأثير والتأثر الفرنسية التقليدية. وأفضل مثال على ذلك هو الدكتور حسام الخطيب، الذي روّج أفكار المدرسة الأمريكية في العالم العربي، ولكنه نهج نهجاً فرنسياً تقليدياً على الصعيد التطبيقي (19) .

هناك إذن تأخّر وتقصير في استيعاب المناهج والاتجاهات الجديدة في الأدب المقارن العالمي، وذلك في سياق التقصير والتأخر الحاصلين في استيعاب الفكر النقدي العالمي بصورة عامة، وهناك قصور في استخدام تلك المناهج تطبيقياً في الدراسات المقارنة العربية (20) . وعلى أية حال فإنّ دراسات التأثير العربية تعيش حالياً فترة ازدهار. وقد ظهر على هذا الصعيد اتجاهان: اتجاه يركز على تأثير الأدب العربي (والثقافة العربية)  في الآداب الشرقية وتأثره بها، وفي مقدمة تلك الآداب الأدبان: الفارسي والتركي. أما الاتجاه الثاني فهو يركّز على تأثر الأدب العربي بالآداب الأوروبية والغربيّة. فيما يتعلق بالمحور الأول، أي علاقة الأدب العربي بالآداب الشرقية والإسلامية، فقد حظي الأدب الفارسي بالقسط الأعظم من اهتمام الباحثين وجهودهم. لقد دُرس تأثر الأدب العربي القديم بالثقافة الفارسية، وتأثر الأدب الفارسي بالأدب العربي والثقافة العربية عموماً. ومن أبرز المواضيع التي تمحورت حولها الدراسات المقارنة موضوع "ليلى والمجنون" في الأدبين العربي والفارسي (21) .

ومن المؤكد أن هذه الدراسات (بصرف النظر عن منهجيتها)  قد ساهمت في توضيح بعض من جوانب العلاقات الأدبية والثقافية بين الأمتين الجارتين العربية والفارسية، وهذا أمر جدير بالترحيب. فالحوار الثقافي بين هاتين الأمتين المرتبطتين ارتباطاً مصيرياً ضرورة ملّحة. إلاّ أنّ الدراسات المقارنة بين الأدبين العربي والفارسي، حتى وإن أخذت شكل دراسات تأثير وتأثر، غير كافية. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الدراسات المقارنة بين الأدبين العربي والتركي. فالعلاقات بين أدبي هاتين الأمتين الجارتين تستحق مزيداً من الاهتمام. أمّا السبب في قصور تلك الدراسات فهو هيكلية دراسة اللغات والآداب الأجنبية في الجامعات العربية. فهي تتمحور حول الأدبين الإنكليزي والفرنسي، وتغفل دراسة وتدريس آداب شعوب تجمعنا بها روابط التاريخ والجوار (22) .

أما المحور الثاني لدراسات التأثير والتأثر العربية فهو علاقة الأدب العربي بالآداب الأوروبية، أي تأثره بها وتأثيره فيها. وقد برزت على هذا الصعيد مواضيع استأثرت باهتمام الباحثين وجهودهم. فعلى صعيد تأثر الآداب الأوروبية بالأدب العربي وبالثقافة  الإسلامية حظي موضوع المصادر العربية والإسلامية في "الكوميديا الإلهية" لدانتي (Dante)  باهتمام كبير من جانب المقارنين العرب، وكانت "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري وقصة "الإسراء والمعراج" أهمّ المصادر التي سعى المقارنون العرب لإثبات تأثر دانتي بها. فقد صدرت عدة دراسات حول هذا الموضوع، مما جعل منه مركز استقطاب لبحوث التأثير العربية (23) . ومن المواضيع التي حظيت بقسط وافر من اهتمام المقارنين العرب تأثير حكايات "ألف ليلة وليلة" في الآداب الأوروبية. إنّ رحلة تلك الحكايات إلى أوروبا، وما مارسته هناك من تأثير، هو أمر مثير حقاً، وقد تناوله عدة باحثين، درسوا ذلك التأثير في آداب قومية أوروبية مختلفة (24) .

ولابدّ من الإشارة أخيراً إلى موضوعين آخرين استقطبا اهتمام دراسات التأثير العربية، هما: تأثر "شعر التروبادور" الأوروبي بشعر الغزل العربي، وتأثر أدب القصة والرواية الأوروبيّ بفنّ المقامة.

لاشكّ في أنّ لدراسات التأثير العربية دوافع معرفية وعلمية، ولكن من الواضح أيضاً أنّ لها دوافع إيديولوجية تتلخص في السعي لدحض فكرة التفوّق الأدبي والثقافي الأوروبي، وذلك بإظهار فضل العرب على الأوروبيين، وأنّ شمس العرب تسطع على الغرب، ليس علمياً وفلسفياً فحسب، بل أدبياً أيضاً(25)  إنّ هذه الدراسات هي ردة فعل عربية على المركزية الأوروبية وعلى مساعي الهيمنة الأوروبية الغربية، ولاشكّ في أنّ هذا الدافع مشروع، ويمكن أن يوضع في سياق الدفاع عن "الأمن الثقافي" العربي، وأن ينظر إليه في إطار المحافظة على الهوية الثقافية العربية المهددة بالتمزق نتيجة ما يمارسه الغرب من توسع وهيمنة ثقافيين.

إنّ دراسات التأثير العربية هذه هي انتفاضة طرف مهدد ثقافياً ضدّ طرف توسعيّ يمارس الهيمنة الثقافية، ويسعى لمحو الهوية الثقافية العربية والقضاء عليها، كي يستكمل سيطرته الاقتصادية والسياسية والعسكرية على المنطقة العربية، التي يعدّها منطقة "مصالح حيوية" له، ويسعى للسيطرة عليها بصورة كاملة.

ولكن رغم تفهمنا الكامل للدوافع القومية المشروعة لهذا النوع من دراسات التأثير العربية، فإننا نرى أنّ تلك الدراسات لم تنجُ من المآخذ التي أخذت على دراسات التأثير الفرنسية والأوروبية، وينطبق عليها النقد الذي وُجّه إلى تلك الدراسات. فنحن لا نستطيع أن نقيس بمكيالين، فنرفض دراسات التأثير الفرنسية والأوروبية، لأنها تخدم نزعة المركزية الفرنسية والأوروبية، ونجيز دراسات التأثير العربية التي تخدم أيضاً نزعة قومية أو مركزية. كذلك فإنّ التحفظات المنهجية والنظرية التي سُجّلت على دراسات التأثير الفرنسية والأوروبية، يجب أن تسجل أيضاً على دراسات التأثير العربية. فزمان هذا النوع من الدراسات قد ولّى.

هذا عن الدراسات المقارنة المتعلقة بتأثير الأدب العربي في الآداب الأوروبية، فماذا عن الدراسات التي تتخذ من تأثر الأدب العربي بالآداب الأوروبية موضوعاً لها؟ إنّ هذه الدراسات كثيرة، وهي في ازدياد مستمر، وذلك على خلفية أنّ تاريخ الأدب العربي الحديث هو، في جزء كبير منه، تاريخ تأثره الإبداعي بالآداب الأوروبية. فقد تمخضت المثاقفة التي نشأت بين العرب وأوروبا، ولم تزل مستمرة منذ أواسط القرن التاسع عشر، عن تحوّلات جذرية في الأدب العربي، إن لناحية أجناسه الأدبية، أم لناحية اتجاهاته الفنية والفكرية. فعلى صعيد الأجناس الأدبية ظهرت في الأدب العربي أجناس لم تكن موجودة قبل ذلك، كالمسرحية والرواية والقصة القصيرة والأقصوصة والقصة الشعرية. وعلى الصعيد الفني انتشرت في الأدب العربي تيارات أدبية أوروبية الأصل، كالرومانسية والبرناسية والواقعية والواقعية الاشتراكية والرمزية والسريالية. أما على الصعيد الفكري فقد انتقلت إلى الأدب العربي اتجاهات فكرية ذات منشأ أوروبي، كالماركسية والوجودية والليبرالية. لقد تأثر الأدب العربي تأثراً عميقاً واسع النطاق بالآداب الأوروبية وبالثقافة الأوروبية، وهذا يجعل من دراسة هذه الظاهرة أمراً مسوغاً. وبالفعل صدرت عدة أبحاث ودراسات مقارنة حول دور التأثر بالرواية الأوروبية في نشوء الرواية العربية وتطورها، وفي نشوء المسرحية العربية وتطورها، وفي تطور الشعر العربي الحديث. كما ظهرت أبحاث مقارنة حول تأثر الأدب العربي الحديث ببعض الاتجاهات الفنية والفكرية الأوروبية(26) .

لئن كان حجم تأثر الأدب العربي الحديث فنياً وفكرياً بالآداب والثقافة الأوروبية يسوّغ القيام بدراسات حول هذا الموضوع، فإنه يحقّ للمرء أن يتساءل عن المراد من دراسات التأثير هذه. هل المقصود بها هو إظهار تبعية الأدب العربي الحديث للآداب الأوربية، وضخامة تأثير تلك الآداب فيه، وذلك بغرض التصدي لتلك التبعية، والسعي للتحرر منها، وصولاً إلى أدب عربي أصيل وناضج؟ أم المقصود بهذه الدراسات هو إظهار مايدين به الأدب العربي الحديث للآداب الأوروبية والغربية اعترافاً بفضل تلك الآداب وثقافاتها، وذلك عبر الإقرار بأنه قد كان لتأثر الأدب العربي الحديث بالآداب المذكورة دور حاسم في تحديث الأدب العربي وتطويره، وهذا ينطوي على اعتراف بالتبعية وتلذذ بها(27) ؟ هل تريد دراسات التأثر أن تظهر للأوروبيين أنّ لهم الفضل في النهوض  بالأدب العربي، بغية تملق مشاعر المركزية والتفوق التي يكنّونها؟ لانريد أن نعطي إجابات تنطوي على أحكام تعميمية، لأنّ أحكاماً كهذه قد تكون تعسفية، ولكن لايسعنا إلاّ أن نشير إلى أنّ دراسات التأثر المشار إليها ترضي مشاعر المركزية الأوروبية المترسخة في نفوس قسم من الأكاديميين الأوروبيين وفي الرأي العام الغربي. إلاّ أنّ الأهمّ من ذلك هو أنّ تلك الدراسات تنتقص من أهمية الجهود الإبداعية الحديثة التي بذلها الأدباء العرب، وذلك من خلال التركيز على مايدين به الأدب العربي الحديث للآداب الأوروبية، لا على ما أنجزه ذلك الأدب جمالياً وفكرياً. وهناك حالات استخدمت فيها مسألة المؤثرات الأجنبية في الإساءة إلى بعض الأدباء العرب والحطّ من قدرهم بصورة مباشرة، وذلك بإظهار الأديب العربي في صورة مقلد أو سارق (28) .

ومهما تكن أهداف دراسات تأثر الأدب العربي الحديث بالآداب الأوروبية ونتائجها، فإن تلك الدراسات تقوم على منهج علمي عفا عليه الزمن. وهي لاتخدم تطور الأدب العربي الحديث، لأنّ نتيجتها الحتمية هي التعتيم على إنجازاته الجمالية والفكرية، وإبراز جوانب التقليد فيه على حساب جوانب التجديد والأصالة. إنها تضع الأدب العربي الحديث في موقع المتأثر المنفعل، لا في موقع الذات الفاعلة المؤثرة المتجددة. وكما انحسرت دراسات التأثير والتأثر في الأدب المقارن الفرنسي والأوروبي، رغم أنها تخدم نزعة المركزية الفرنسية والأوروبية، فإنّ دراسات التأثير والتأثر العربية، خصوصاً تلك التي تدور حول تأثر الأدب العربي الحديث بالآداب الأوروبية والغربية، ستنحسر أيضاً، وستفسح المجال لدراسات مقارنة عربية تستند إلى مناهج نقدية أحدث، وتنسجم مع الحاجات والمصالح الثقافية العربية بصورة أفضل.

3-  التشابهات التيبولوجية والمذهب المادي الجدلي

وفي مقدمة الاتجاهات النقدية ونظريات الأدب التي تتعارض مواقعها مع مواقع المدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن ومع دراسات التأثير والتأثر: الاتجاه الماركسي أو نظرية الأدب الماركسية، تلك النظرية التي تسمّى أحياناً "مادية" وأحياناً "جدلية" أو "ديالكتيكية" (29) . فمن المعروف أنّ الفلسفة الماركسية، باعتبارها فلسفة مادية ديالكتيكية تاريخية، قد انتقدت الفلسفة الوضعية ورفضتها بشدة، وعدّتها اتجاهاً فلسفياً بورجوازياً. ولا عجب في ذلك. فالماركسية هي وريثة فلسفة هيجل الجدلية، وهي فلسفة تملك نظرة شمولية إلى الكون والمجتمع والثقافة والأدب. وهي ترى أنّ التطور التاريخي ليس عشوائياً، بل هناك قوانين وقواعد تتحكم فيه وتوجهه، وعلى رأس تلك القوانين قانون الصراع الطبقي. فالتاريخ من وجهة نظر ماركسية ليس تكراراً للماضي، بل حركة موجهة، حركة تجاوز وانتقال مما هو قائم إلى مرحلة أعلى وأرقى من مراحل التطور الناجم عن قوانين الجدل أو الديالكتيك. وتقول النظرية الماركسية بوجود علاقة جدلية بين القاعدة المادية أو البناء التحتي للمجتمع، وبين البناء الفوقي الذي تشكّل الثقافة والأدب أهمّ مكوّناته. وفي نظرتها إلى العلاقة بين البناء التحتي والبناء الفوقي، أي بين المجتمع والثقافة، ترجّح النظرية الماركسية كفّة الطرف الأول، أي البناء التحتي والمجتمع، وترى فيه الطرف الرئيس في المعادلة الجدلية. فالوجود المادي يحدد الوعي الاجتماعي، والبناء التحتي يتحكم في البناء الفوقي، أي في الثقافة والأدب، ويوجّه مسارهما. صحيح أنّ البناء الفوقي يؤثر في البناء التحتي، ولكنه يتأثر به بدرجة أكبر، ويظل البناء التحتي الطرف الرئيس في العلاقة الجدلية بين البناءين (30) .

والأدب من وجهة نظر ماركسية، جزء من البناء الفوقي للمجتمع، يواكبه ويتطور بتطوره، ولذا فإن دراسة الأدب لايجوز أن تتمّ بمعزل عن دراسة المجتمع، والتطورات الفنية والفكرية التي تظهر في الأدب لايجوز أن تدرس بمعزل عن دراسة التطورات الاجتماعية. فالتطور الأدبي لايتمّ بفعل العوامل الأدبية الداخلية وحدها، بل وبفعل تفاعل الأدب مع المجتمع وتعبيره عما يجري فيه من تطورات. إنّ تفسير الظواهر الأدبية الهامة، كنشوء وتطور الأجناس والتيارات الأدبية، لايكون بإرجاعها إلى أسباب أدبية داخلية فحسب، بل بربطها بالمسببات الاجتماعية التي أحاطت بنشوئها وتطورها. أمّا الفلسفة الوضعية فهي لا تتفق مع الفلسفة الماركسية ونظرية الأدب الماركسية حول أيّ من مقولاتها، والتعارض بين الفلسفتين تعارض جذري. فما من فلسفة انتقدت الفلسفة الوضعية بالقوة التي انتقدتها بها الفلسفة الماركسية التي يعدّ نقد الوضعية جانباً رئيساً من جهودها النظرية، مما حوّل الخلاف بين الفلسفتين إلى واحد من أهمّ النقاشات في الفلسفة الحديثة (31) .

كان من الطبيعي أن يحصل تناقض جذري بين أدب أساسه النظري هو النزعة التاريخية والفلسفة الوضعية، أي المدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن، وبين نظرية الأدب الماركسية التي تقوم على الفلسفة المادية الجدلية التي ترى في الأدب شكلاً من أشكال الوعي الإنساني الذي يعكس الوجود الاجتماعي المادي للناس مثلما تعكس المرآة الأشياء (32) . فنظرتا هذين الاتجاهين إلى الأدب وقضاياه متعارضتان كلّ التعارض. صحيح أنّ الاتجاهين كليهما يقولان بتاريخية الأدب، وبإمكانية كتابة تاريخ الأدب، ولكن شتان بين تصوريهما لذلك التاريخ! فالمدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن لا تهتمّ إلاّ بما ينجم عن عوامل التأثير والتأثر من نتائج أدبية. أمّا الاتجاه الماركسي فهو يرى أنّ هناك قوانين تتحكم في حركة الأدب وتاريخه. فتطور الأدب لا يتوقّف على عوامل التأثير والتأثر، ولا ينجم عنها بقدر ماهو ضرورة حتمية يمليها تطور المجتمع، أي البناء التحتي بالدرجة الأولى، والبناء الفوقي بدرجة أقلّ. وهذه القوانين عامة، تسري على الآداب كلّها. أمّا الفروق بينها فهي ترجع إلى فروق في درجات التطور الاجتماعي، وهي لاتلغي القوانين العامة لتطور الآداب والمجتمعات. فما يبرز في أحد الآداب من ظواهر أدبية هامة، كالأجناس الأدبية والاتجاهات الفنية، في وقت مبكر، نتيجة لتقدّم المجتمع الذي يحتضن ذلك الأدب، يظهر حتماً في الآداب الأخرى، لا بفعل علاقات التأثير والتأثر فحسب، بل بالدرجة الأولى نتيجة لتوافر الشروط والمقدمات الاجتماعية في المجتمعات التي تحتضن تلك الآداب، وإن يكن بفارق زمني قد يطول أو يقصر. فمسألة التطور الأدبي مرتبطة بالتطور المجتمعي، وهي مسألة وقت فقط. إن الآداب تمر بالمراحل التاريخية نفسها، وتشهد ظهور الأشكال الأدبية الرئيسية نفسها، من أجناس وتيارات أدبية وما إلى ذلك، مما يعني أنها تمر بمراحل التطور نفسها، ولكن ليس بصورة متزامنة. فهناك قانون يحكم تطور المجتمعات والآداب على حدّ سواء، هو قانون عدم التزامن (Ungleichzeitigkeit) .

والماركسية نظرية عالمية أو أممية، ترى أنّ مقولاتها تنطبق على المجتمعات والثقافات كلّها. صحيح أنها لا تنكر الخصوصية القومية للآداب والثقافات، لأنها تعبّر عن أوضاع اجتماعية مشتركة بين المجتمعات البشرية. ولكنها لا توليها أهمية كبيرة. فالأساس هو التشابه بين الآداب والثقافات لأنها تعبّر عن أوضاع اجتماعية مشتركة بين المجتمعات البشرية. وهذه المجتمعات متشابهة رغم ما بينها من فوارق قومية. لقد ركزت الماركسية باستمرار على الجوانب الإنسانية العامة المشتركة بين الشعوب، وانتقدت النزعات القومية التي تغالي في تقييم دور الخصوصية القومية، واعتبرت تلك النزعات إيديولوجيات مضلّله تخدم مصالح طبقيّة، بورجوازية أو بورجوازية صغيرة، وتثير النزعات القومية بين الشعوب، وتغطي التناقضات الحقيقية في المجتمعات، أي التناقضات الطبقية. لذلك لا عجب في أن يدرس علماء الأدب المقارن ذوو النزعة الماركسية الأدب بصورة تتجاوز الحدود القومية الضيقة، أي حدود الآداب القومية، ومن أن تبشّر الماركسية في وقت مبكر، أي في أواسط القرن التاسع عشر، بظهور "أدب عالمي" يحلّ محلّ الآداب القومية (33) .

ومن العوامل التي أدت إلى نشوء تعارض شديد بين الأدب المقارن التقليدي وبين نظرية الأدب الماركسية حقيقة أنّ لهذه النظرية توجهات عالمية أو أممية، الأمر الذي يصعب التوفيق بينه وبين منهج دراسات أدبية ينطلق من "الأدب القومي"، ولا يطمح إلى أكثر من أن يكمل تاريخ ذلك الأدب. ولذا لا عجب في ألا تكترث نظرية الأدب الماركسية بالأدب المقارن في أول الأمر، وألاّ تظهر في وقت مبكر مدرسة ماركسية في الأدب المقارن. فالدراسات الأدبية التي تسترشد بالماركسية تتجاوز الحدود القومية للآداب بطبيعة الحال، وتنطوي ضمنياً على عنصر المقارنة، وهي ليست مستعدة للتركيز على علاقات التأثير والتأثر، لأنها لا توليها كبير أهمية، ولا ترى فيها محركاً للتاريخ الأدبي وتطور الآداب.وهي ليست مستعدة أيضاً لأن تصرف النظر عن الجوانب الجمالية والذوقية للأدب مثلما تفعل المدرسة الفرنسية التقليدية. وباختصار فإنّ نظرية الأدب الماركسية والأدب المقارن التقليدي (دراسات التأثير)  يقفان منهجياً على طرفي نقيض، ولا يجمعهما جامع. ولكن ألا تجمعهما النزعة إلى تخطي الحدود القومية للآداب؟ إنّ الأدب المقارن التقليدي يمكّن الباحث من أن يطلّ ما وراء حدود أدبه القومي، بل هناك من المقارنين التقليديين من يتسم بنزعة كوزموبوليتية (Kosmopolitisch) ، ولكنّ نقطة الارتكاز التي ينطلق منها الأدب المقارن التقليدي هي "الأدب القومي"، ومايتلقاه ويعطيه من مؤثّرات، وهذا مالا تجاريه فيه نظرية الأدب الماركسية. فهي أقرب إلى مايسمى "الأدب العام" منه إلى الأدب المقارن التقليدي (34) .

هل يجعل ذلك نظرية الأدب الماركسية قادرة على الاستغناء عن الأدب المقارن بصورة كاملة؟ والجواب عن هذا السؤال هو (نعم)  و (لا)  في الوقت نفسه. نعم، لأنّ الدراسات النقدية الماركسية مارست دراسة الأدب نقدياً بصورة تتجاوز الحدود اللغوية والقومية للآداب، وذلك بمعزل عن الأدب المقارن. فلمؤسسي الفلسفة الماركسية، كارل ماركس وفريدريك إنجلز، كتابات حول الأدب والفنّ، لا تقتصر على أدب قومي واحد، بل تتعلق بآداب قومية مختلفة(35) . وقد اتسمت الكتابات النقدية الماركسية اللاحقة بأفق أممي رحب، دون أن تغفل الخصوصية القومية لكل أدب. وأبرز مثال على ذلك الفيلسوف الماركسي المجري جورج لوكاتش (Georg Lukuacs)  الذي يعدّ بحق واحداً من كبار النقاد ومنظري الأدب في هذا القرن. لقد درس لوكاتش (الرواية)  كجنس أدبي، ووضع نظرية لها في ضوء ارتباطها بتطور المجتمع الأوروبي من مجتمع إقطاعي إلى مجتمع رأسمالي بورجوازي، وصاغ مقولته الشهيرة: "الرواية هي ملحمة العصر البورجوازي". ودرس لوكاتش "البطل الإشكالي" في روايات تنتمي إلى آداب قومية مختلفة، وليس في أدب واحد فقط (36) ، كما درس الاتجاه الواقعي في الأدب بصورة تتجاوز الحدود اللغوية والقومية: درسه في الأدب الفرنسي والروسي والألماني، ووضع نظرية "التنميط" (Typisierung)  بالنسبة للبطل الروائي الواقعي، وصاغ نظرية جديدة للواقعية تستند إلى الفلسفة الماركسية (37) . لقد قدّم لوكاتش مساهمات كثيرة في نقد الأدب والتنظير له، دون أن يحفل بمسألة التأثير والتأثر، أو أن يتطرق إليها أو يوليها أي اهتمام، علماً بأنّ الرواية جنس أدبي ظهر في عدة آداب أوروبية، وانتشر في الآداب غير الأوروبية أيضاً. إنه ظاهرة أدبية تجاوزت حدود الأدب القومي الواحد. وكذلك الواقعية كتيار أدبي. فهي غير محصورة في أدب قومي واحد. لم يدرس جورج لوكاتش هاتين الظاهرتين الأدبيتين العالميتين من زاوية التأثير والتأثر، كما يفعل المقارنون التقليديون، ولو فعل ذلك لما توصّل إلى نظرية الرواية ونظرية الواقعية، بل درسهما مغفلاً مسألة التأثير والتأثر. ألم يسمع لوكاتش بالأدب المقارن ويطلع على مؤلفاته؟ لانتصور أن يكون ذلك هو السبب. فلوكاتش كان مفكراً وناقداً معاصراً بكل ما تنطوي عليه كلمة "المعاصرة" من معانٍ، ومن المؤكد أنّ وجود دراسات التأثير لم يفته، ولكنه لم يبدِ اهتماماً بتلك الدراسات. وعلى أية حال فإنّ كتابات نظرية ونقدية بمستوى كتابات لوكاتش تجعل دراسات التأثير والتأثر، والأدب المقارن في صورته التقليدية، تبدو عقيمة وتافهة. ومما لاشكّ فيه أنّ كتابات جورج لوكاتش في النقد ونظرية الأدب تدلّ بصورة لالبس فيها على أنّ نظرية الأدب الماركسية قادرة على أن تستغني عن الأدب المقارن التقليدي، دون أن يؤثّر ذلك في تماسكها وقدرتها على الإقناع.

إلاّ أنّ ما قلناه آنفاً لايفسر بصورة كاملة حقيقة تأخّر ظهور الأدب المقارن في الاتحاد السوفيتي السابق وأقطار أوروبا الشرقية الاشتراكية سابقاً إلى أواسط الخمسينيات. فالأدب المقارن لم يظهر ولم يمارس في الجامعات الروسية طوال المرحلتين: اللينينية والستالينية، ولم يمارس بصورة علنية في تلك الجامعات إلاّ بعد سقوط الستالينية وزوال الستار الحديدي في أواسط الخمسينيات. إثر ذلك انفتحت أقطار أوروبا الشرقية على العالم ثقافياً وعلمياً، وتشكلت في تلك الأقطار جمعيات للأدب المقارن، ومورست الدراسات المقارنة، وعُقدت ندوات ومؤتمرات للأدب المقارن في جامعات تلك البلدان. كما ظهر مقارنون لامعون يتمتّعون بدرجة عالية من الكفاءة، جعلتهم يحظون بشهرة واسعة خارج أقطارهم، كالروماني مارينو (A.Marino)  والتشيكي دوريشين (D.Durisin)  والألماني فايمن (R.Weimann)  والروسي فيكتور جيرمونسكي (Viktor Zirmunski)  (38) . فقد تألق هؤلاء المقارنون في مؤتمرات الرابطة الدولية للأدب المقارن (A.I.L.C) ، وترجمت مؤلفاتهم إلى لغات أجنبية كثيرة، وتعاظم دورهم في حركة الأدب المقارن العالمية، مما حمل الرابطة الدولية للأدب المقارن على أن تجعل من مدينة بودابست مقراً لمجلتها (Neohelicon) . وهكذا برزت في ساحة الأدب المقارن مدرسة جديدة سرعان ماعرفت "بالمدرسة السلافية" تمييزاً لها عن المدرستين الفرنسية والأمريكية. وهذه تسمية خلافية. فما يجمع بين ممثلي هذه المدرسة ليس انتماؤهم إلى العرق السلافي، لأن منهم الألماني والروماني وغيرهما من غير السلافيين. إنّ القاسم المشترك بينهم هو الأسس النظرية والمنهجية التي ينطلقون منها في دراساتهم المقارنة، وهي أسس لاعلاقة لها بانتمائهم إلى العرق السلافي، ولها كلّ العلاقة بانتمائهم إلى الفلسفة الماركسية أي المادية الجدلية. ولهذا فإنّ تسمية "المدرسة السلافية" هي تسمية غير صائبة(39).

لم تبدأ المدرسة المقارنة الجديدة بصورة فعلية بعد سقوط الستالينية، أي في أواسط الخمسينيات، بل تواجد ممثلوها في الجامعات الروسية والأوروبية الشرقية، وقاموا بأبحاثهم ودراساتهم المقارنة قبل ذلك بوقت طويل. فالروسي فيكتور جيرومونسكي، وهو أبرز ممثلي هذه المدرسة، قد أجرى دراساته المقارنة حول "الملاحم البطولية الشعبية" في الثلاثينيات والأربعينيات. وهو لم ينحُ في أبحاثه منحى دراسات التأثير والتأثر الفرنسية، بل نحا منحى آخر ينسجم مع جوهر الفلسفة الماركسية ونظرية الأدب المادية الجدلية، التي تعدّ مقولة الارتباط الجدلي بين الأدب والمجتمع أبرز مقولاتها. فهو لم يرجع ظواهر التشابه بين الآداب المختلفة إلى عوامل التأثير والتأثر، وذلك لسبب بسيط، هو أنّ القسم الأعظم من تلك الظواهر لاعلاقة له بالتأثير والتأثر. فمن الملاحظ وجود تشابه بين ظواهر أدبية في آداب لم تقم بينها علاقات تأثير وتأثر، وذلك نتيجة التباعد الجغرافي والحواجز اللغوية والعزلة الثقافية وما إلى ذلك من أسباب. لم يكن ذلك الأمر غائباً عن أذهان ممثلي المدرسة التقليدية في الأدب المقارن، بل كانوا يعرفونه تماماً، ولكنهم أشاحوا وجوههم عنه، بحجة أنه لايدخل في اهتمامات الأدب المقارن، ولا مبرر لدراسته، تماماً كما ليس هناك مسوغ لأن "يقارن المرء حشرة بزهرة". أمّا فيكتور جيرمونسكي فقد استوقفته تلك الظواهر، فدرسها وحاول أن يجد تفسيراً لها. وما دامت زاوية التأثير والتأثر لا تقدم أيّ شيء على هذا الصعيد، فإنه لابدّ من البحث عن منهج أو منطلق نظري جديد لتفسيرها. ذلك المنطلق هو المقولة الرئيسة لنظرية الأدب الماركسية التي ترى أنّ هناك علاقة جدلية بين الظواهر الأدبية وبين البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع. ومن وحي تلك المقولة وضع جيرمونسكي نظرية "التشابه النمطي" أو "التيبولوجي". فهناك من التشابه بين الآداب مالا يمكن ردّه إلى عوامل التأثير والتأثر، ولكن يمكن إرجاعه إلى مستويات تطوّر المجتمعات. فالمجتمعات التي بلغت بناها الاجتماعية مستويات متشابهة من التطور تتشابه أيضاً في بناها الأدبية. أمّا المجتمعات التي تتفاوت درجات تطورها فإنّ بناها الأدبية تتفاوت أيضاً. لقد لاحظ فيكتور جيرمونسكي من دراسته للملاحم البطولية الشعبية أنّ تلك الملاحم قد ظهرت في مجتمعات مختلفة، دون أن يكون هناك مايشير إلى أنّ ذلك قد تمّ بفعل علاقات التأثير والتأثر. فقد ظهرت تلك الملاحم في مجتمعات لم تقم بينها علاقات تبادل ثقافي أو أدبي، ولكن على الرغم من ذلك فإنّ من الملاحظ وجود أوجه تشابه كبير بين تلك الملاحم. وبما أنّ هذا النوع من التشابه لايمكن أن يرد إلى علاقات التأثير والتأثر، فقد سماه جيرمونسكي "تشابهاً نمطياً أو تيبولوجياً" (40) . إن الاختلاف في توقيت ظهورها لايمكن أن يفسر إلا باختلاف درجات التطور الاجتماعي. فعندما ظهرت تلك الملاحم في الأدب اليوناني القديم، لم تكن المجتمعات الأخرى، كالمجتمع العربي مثلاً، مهيّأة لظهورها. وعندما أفل نجم هذا النوع الأدبي في الأدب الإغريقي، نشأ وازدهر في بعض الآداب الآسيوية التي لم تقم بينها وبين الأدب اليوناني أية صلات تاريخية، وهذا مامكّن جيرمونسكي من أن يُرجع هذه الظاهرة إلى كون تلك المجتمعات قد بلغت مرحلة من التطور الاجتماعي جعلت ظهور أدب الملاحم البطولية فيها أمراً ممكناً.

هل أنكر جيرمونسكي دور التأثير والتأثر والتبادل الأدبي في تطور الآداب؟ إنه لم ينكر ذلك الدور في الواقع، ولكنه وضعه في إطاره وحجمه الصحيحين. فالتأثر لا يتمّ إلا عندما تكون الثقافة المتأثرة بحاجة إلى المؤثرات الأجنبية، ومستعدة لتلقيها. فهو لم يكن السبب في ظهور الاتجاه الواقعي في آداب أوروبية وغير أوروبية مختلفة وفي أزمنة مختلفة، وإنما السبب هو أنّ الآداب التي ظهرت فيها الواقعية كانت قد بلغت درجات من التطور الاجتماعي جعلت ظهور أدب واقعي أمراً ضرورياً، وتكونت فيها بذور ذلك الأدب الواقعي. ثم جاء عامل التأثر والتأثير، أي الاستيراد الثقافي، ليسرّع ذلك التطور ويقويه. فلو لم تكن الحاجة قائمة في الأدب المتأثر، لما أثمرت عمليات التأثير والتأثر البتة. إنّ الأساس في تلك العمليات هو حاجة الثقافة المستقبلة، لاحاجة الثقافة المرسلة. وعلميات الاستيراد الثقافي تخضع لحاجات الطرف المستقبل، وليس العكس. وبذلك تمكّن جيرمونسكي من استيعاب قضية التأثير والتأثر، ومن وضعها في إطار أكبر، هو دور المؤثرات الخارجية في تطور الأدب. فللتأثير دور في ذلك التطور، ولكنّ ذلك الدور ليس بدئياً ولا أساسياً. أما الدور الأساسي فهو للتطور الداخلي للأدب، ذلك التطور الذي يواكب تطور المجتمع. فعندما يتطور المجتمع، فإنّ تطوره يخلق الحاجة إلى تطور أدبي يواكبه، كظهور تيار أدبي، وتأخذ بذور هذا التطور بالظهور داخل الأدب. وإذا أضيفت إلى ذلك مؤثرات خارجية، فإنها تسرّع ذلك التطور، وتكون كبذرة سقطت في أرض ملائمة خصبة. أمّا إذا لم يتوافر الشرطان: الاجتماعي والأدبي اللذان يولدان الحاجة إلى المؤثرات الأدبية الخارجية، فإنّ عمليات التأثير والتأثر لاتجدي نفعاً، وتبقى ظاهرة معزولة لاجذور لها. وبذلك قدّم فيكتور جيرمونسكي مساهمة قيّمة في تفسير ظاهرة التطور والتبادل الأدبيين. لقد وضع الأمور في نصابها، منسجماً في ذلك مع المقولة الماركسية التي ترى أنّ الدور الحاسم في التطور الأدبي يكون للعوامل الداخلية، أمّا العوامل الخارجية فهي عوامل ثانوية وغير حاسمة، تتوقف فاعليتها على توافر الشروط الداخلية للأدب. وبذلك خيّب جيرمونسكي آمال دعاة الهيمنة والتوسع الثقافيين، الذين يريدون نشر ثقافاتهم في العالم، وفرضها على الشعوب بأيّ ثمن، دون مراعاة مستويات التطور الاجتماعي والحاجات الثقافية لتلك الشعوب. إنّ فرص الإمبريالية الثقافية محدودة لأنّها تصطدم بعقبة لاسبيل إلى تذليلها، ألا وهي عدم وجود حاجة إلى ماتسعى الإمبريالية لأن تصدّره إلى العالم العربي مثلاً من سلع ثقافية. وفي الوقت نفسه خيّب جيرمونسكي آمال دعاة الجمود والانعزال الثقافي. فالتطور الاجتماعي حتمي ولايمكن إيقافه والحيلولة دون حدوثه، مما يخلق حاجة إلى التطور الثقافي والأدبي، الذي يخلق بدوره حاجة إلى التفاعل مع الثقافات الأجنبية وتلقي مؤثرات منها. فالمجتمع يتطور بالضرورة، مما يستدعي تطوير الثقافة والتفاعل مع الثقافات الأجنبية خدمة لذلك التطوير.

وبذلك يكون المقارن الروسي فيكتور جيرمونسكي قد قدّم مساهمة قيّمة في نظرية التطور الثقافي الذي يشكّل التطور الأدبي أحد وجوهه. لقد استفاد جيرمونسكي من الفلسفة ونظرية الأدب الماركسيتين في إرساء أسس مدرسة جديدة في الأدب المقارن، مدرسة أصبحت تعرف بالمدرسة "السلافية"، ونرى أن الأصح هو أن تسمى المدرسة المادية أو الجدلية.

4-  "المدرسة الأمريكية" والنقد الجديد:

ومن الاتجاهات النقدية التي تعارضت مواقعها النظرية والتطبيقية تعارضاً شديداً مع الاتجاه التاريخي في الأدب المقارن ذلك الاتجاه النقدي الذي يُعرف "بالنقد الجديد" (New Criticism) . فقد حمل رينيه ويليك، وهو أبرز ممثلي هذا الاتجاه على دراسات التأثير وأسسها الفلسفية والنظرية وتطبيقاتها ودورها، وذلك في محاضرة تاريخية ألقاها عام 1958 في المؤتمر الثاني للرابطة الدولية للأدب المقارن الذي انعقد في جامعة "تشابل- هيل" الأمريكية. لقد وجّه ويليك إلى دراسات التأثير وإلى المدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن نقداً لامثيل له في حدتّه، ونسف أسس تلك المدرسة ومرتكزاتها (41) . فقد أخذ عليها أنها من الناحية النظرية مثقلة بأعباء فلسفات القرن التاسع عشر، كالنزعتين التاريخية والوضعية، وأنها تتعامل مع النصوص الأدبية بصورة خارجية، وفي منأى عن أدبيتها، ولا تتعامل مع الأبعاد الداخلية لتلك النصوص، أي مع جوهرها الفنّي والجمالي. وبهذه المناسبة ذكّر ويليك زملاءه الفرنسيين التقليديين بأنّ العمل الأدبي "بنية ذات طبقات من الرموز والمعاني المستقلة تمام الاستقلال عن العمليات التي تدور في ذهن الكاتب أثناء التأليف، ولذا فهي مستقلة أيضاً عن المؤثرات التي قد تكون شكّلت ذهنه" (42) .

إنّ العمل الأدبي يفقد أدبيته بمجرد أن يجرد من تلك البنية، وهذا هو ما تفعله دراسات التأثير التي تقفز فوق جوهر الأعمال الأدبية، أي فوق أدبيتها وجماليتها، وتتعامل معها كمجموعة من المؤثرات والوسائط الخارجية، مما حوّل تلك الدراسات إلى عمليات مسك دفاتر ثقافية تبيّن ما صدّره أدب قومي إلى الآداب الأخرى وما استورده منها من مؤثّرات (43) .

إنّ الخلفية الحقيقة لذلك الصدام الذي جرى بين الاتجاه التاريخي (الفرنسي)  في الأدب المقارن وبين "النقد الجديد" الذي مثّله رينيه ويليك، ترجع في حقيقة الأمر إلى ذلك التحول الجذري في الأنموذج (Paradigmawechsel)  الذي شهده النقد الأدبي والدراسات الأدبية في أوائل هذا القرن، ألا وهو التحول في مقاربة النصوص الأدبية من المقاربات الخارجية إلى المقاربات الداخلية. إنه التحول الذي بدأه "الشكلانيون الروس" وواصله "النقد الجديد" والبنيوية والاتجاهات مابعد البنيوية، وهو تحوّل شكّل منعطفاً حاداً في تاريخ الفكر النقدي في العالم (44) . فقد نقل مركز ثقل الدرس النقدي من العلاقات الخارجية للعمل الأدبي (أي علاقاته بشخصية الأديب وسيرته، وعلاقته بالبيئة الاجتماعية والثقافية..)  إلى العلاقات الداخلية للعمل الأدبي، أي إلى بنيته الفنية والفكرية والجمالية. لقد جعل ذلك التحول في الأنموذج تاريخ الأدب في صورته القديمة أمراً غير ممكن. وكان النقد الجديد أحد التيارات النقدية الحديثة التي تبنّت ذلك الأنموذج الجديد وساهمت في صياغته. إنه أنموذج لايولي العلاقات الخارجية للأدب كبير اهتمام، ويولي جلّ اهتمامه لأدبية الأدب، أيّ لتلك الخصائص التي تجعل منه أدباً.فأهمية أيّ مقاربة للأعمال الأدبية تكمن في مدى قدرتها على جعلنا نفهم الجوهر الأدبي لتلك الأعمال، أي قيمتها وبنيتها الأدبية، بصورة أفضل. أمّا دراسات التأثير والتأثر فهي لا تقرّبنا من فهم جوهر النصوص الأدبية، بقدر ما تبعدنا عنه، وتدخلنا في متاهات المؤثرات والوسائط والعلاقات الخارجية. وبناء عليه رفض رينيه ويليك المنهج الفرنسي التقليدي في الأدب المقارن، ودعا إلى منهج يتعامل مع جوهر الأدب، أي إلى منهج نقدي في الأدب المقارن. إنه منهج بات يعرف "بالمدرسة الأمريكية" أو "المدرسة النقدية"، وهو منهج يدرس الظواهر الأدبية بصورة تتجاوز الحدود القومية لتلك الظواهر. فالظواهر الأدبية الرئيسة، من أجناس وتيارات أدبية، لم تكن في يوم من الأيام محصورة في أدب قومي واحد أو مقتصرة عليه، بل تتعداه إلى آداب قومية مختلفة، وكثيراً ما تكون عالمية. وعندما يدرسها المرء دراسة مقارنة فإنه لا يتصنّع شيئاً بل يدرسها في إطارها الطبيعي الصحيح.

إلا أنّ المدرسة الأمريكية لم تكتفِ بنقل اهتمام الأدب المقارن من العلاقات الخارجية إلى العلاقات الداخلية للأدب، بل تخطّت ذلك إلى المطالبة بأن تنفتح الدراسات المقارنة على نوع آخر من المقارنات، ألا وهو مقارنة الأدب بالفنون والعلوم وحقول المعرفة والوعي الإنساني الأخرى. فالفنون كالموسيقا والتصدير، هي ظاهرة جمالية تنطوي على أوجه تشابه كثيرة مع الأدب. ولذا فإنّ دراستها يمكن أن تقرّبنا من فهم الأعمال الأدبية، ويمكن أن تؤدي مقارنتها بالأدب إلى الكشف عن جوهره. أليس المثل الأعلى للوحدة الفنية في العمل الأدبي مستمداً من الوحدة الفنية في الموسيقا والتصوير؟ (45) . ويمكن أن يقال عن علاقة الأدب بالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والعلوم الإنسانية الأخرى شيء مشابه. فهي علوم يمكن أن تقدّم مساعدة كبيرة في فهم الأعمال الأدبية (46) . وباختصار فإنّ جوهر الدراسة المقارنة للآداب من وجهة نظر "أمريكية"، يكمن في تقريبنا من فهم البنى الداخلية، أي الجمالية للأعمال الأدبية، لافي حصر ما تنطوي عليه تلك الأعمال من مؤثرات أجنبية، وما مارسته على الأعمال الأدبية الأجنبية من تأثير.

ترى ألا يؤدي ذلك إلى إذابة الأدب المقارن في النقد الأدبي وتمييع مضماره وتخومه كفرع من فروع الدراسة الأدبية، وإلى إفقاده خصوصيته كمنهج؟ إنّ رينيه ويليك لايخشى اعتراضاً كهذا. فالنقد الأدبي يجب أن يكون مقارناً، يتجاوز الحدود اللغوية والقومية للآداب، والأدب المقارن يجب أن يكون نقدياً يقارب النصوص الأدبية كبنى جمالية، لاكمؤثرات ووسائط. عندئذ يصبح الأدب المقارن نقداً، ويصبح النقد أدباً مقارناً، وتزول تلك الحواجز المصطنعة التي أقيمت بين الأدب المقارن والنقد الأدبيّ. فالأدب يتجاوز بطبيعة الحال حدود اللغات، ولذلك لا يجوز أن يدرس إلا بصورة مقارنة. وهو بنى وقيم جمالية، ولذلك لايجوز أن يقارب إلا بصورة نقدية. إنّ الأدب المقارن الحقّ هو في جوهره نقد أدبي، والنقد الأدبي الحقّ هو في جوهره أدب مقارن. وهكذا أعاد رينيه ويليك اللحمة إلى علاقة الأدب المقارن بالنقد الأدبي، ووصل ماقُطع بصورة تعسفية.

كان النقد الجذري الذي وجهه رينيه ويليك إلى دراسات التأثير والتأثر وإلى مايعرف بالمدرسة الفرنسية في الأدب المقارن إيذاناً بولادة مدرسة مقارنة جديدة، باتت تعرف بالمدرسة "الأمريكية". وفي الحقيقة فإنّ الحديث عن مدرسة "أمريكية" وأخرى "فرنسية" وثالثة "سلافية"، هو حديث غير صائب ومنافٍ للحقيقة. فالمدرسة الفرنسية هي في جوهرها وفلسفتها مدرسة تقوم على تاريخ الأدب، أي أنها مدرسة تاريخية أدبية، ولذلك من الأصحّ أن تسمى "مدرسة تاريخية". وما يعرف بالمدرسة السلافية هي اتجاه مقارن يستند إلى نظرية الأدب الماركسية، أي إلى المادية الجدلية، ولذا فمن الأصحّ أن تدعى "مدرسة مادية جدلية" أو ماركسية. أما المدرسة الأمريكية فهي تستمد أسسها من النقد الجديد، ومن الأنسب أن تسمى "مدرسة نقدية". كما لابد من الإشارة إلى أنّ المنهج التاريخي ليس محصوراً في فرنسا، ولا المنهج النقدي في أمريكا ولا المنهج الماركسي في أوروبا الشرقية. فدراسات التأثير تمارس في كثير من الأقطار، خارج فرنسا، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية وأقطار أوروبا الشرقية. ومن الملاحظ أنّ ذلك النوع من الدراسات قد انحسر في فرنسا، وذلك بعد ظهور جيل جديد من المقارنين الفرنسيين الذين نأوا بأنفسهم عنه، حتى قبل أن تظهر المدرسة "الأمريكية" في الأدب المقارن. ومن أبرز هؤلاء "المنشقّين" الفرنسيين رينيه إيتامبل (Rene Etieèmble)  الذي سبق أن تطرقنا إليه، والمقارنون: برونيل/ بيشوا/ روسو (P. Brunel/ Gl. Pichois/ A.M. Rousseau)  الذين وضعوا كتاباً حول الأدب المقارن ابتعدوا فيه عن مواقع "المدرسة التقليدية الفرنسية" وسعوا للتوفيق بين الاتجاهين التاريخي والنقدي. وقد حظي ذلك الكتاب باهتمام عالمي، واعتبر نقطة علاّم في تاريخ الدراسات الأدبية المقارنة في فرنسا (47) . وهناك بالمقابل العديد من المقارنين الأمريكيين الذين يواصلون ممارسة دراسات التأثير بالطريقة "الفرنسية" التقليدية، متجاهلين أنهم في بلد تُنسب إليه المدرسة الأمريكية في الأدب المقارن.والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الأدب المقارن في أقطار أوروبا الشرقية "السلافية"، الاشتراكية سابقاً. فمنذ البداية لم ينحُ المقارنون الأوروبيون الشرقيون كلّهم منحى ماركسياً أو مادياً جدلياً، وبعد أن انهار النظام الاشتراكي في أقطارهم، لم يعد لديهم أيّ مسّوغ لمسايرة الاتجاه الماركسي ومجاراته. واليوم يضمّ الأدب المقارن في أروربا الشرقية كلّ الاتجاهات والمناهج المقارنة، "فرنسية" و "أمريكية" و "ماركسية" وغيرها.

5-  الأدب المقارن ونظرية التلقي

في أواخر الستينيات من هذا القرن حدث "تحول أنموذج" آخر في النقد الأدبي، أسفر عن اتجاه جديد يعرف "بنظرية التلقي" أو "جمالية التلقي" (Rezeptionsaesthetik) . لقد قام هذا الاتجاه النقدي بنقل مركز الاهتمام من إنتاج الأعمال الأدبية وجماليته (Produktionsaesthetik)  إلى تلقي الأعمال الأدبية وجماليته. كان اهتمام النقد الأدبي منصباً قبل ذلك على الجوانب الإنتاجية للعمل الأدبي، سيرية كانت أم نفسية أم بيئية، وعلى البنية الفنية للنصّ الأدبي، وذلك انطلاقاً من قناعة ضمنية مفادها أنّ النصوص الأدبية يمكن أن تدرس بصورة "موضوعية" أو "علمية"، بمعزل عن الدور الذي تضطلع به شخصية الدارس. صحيح أنّ إتجاهاً ذوقياً تأثرياً انطباعياً قد كان واسع الانتشار في صفوف النقاد، ولكنّ الدراسات الأدبية كانت قائمة في الأساس على "جمالية الإنتاج". كذلك فإنّ المنحى الذوقي التأثري في النقد كان يعدّ منحى غير علمي، ولا يؤخذ على محمل الجدّ. ولم يقم أنصار هذا الاتجاه بمحاولات جادّة لعلمنته ووضع أسس منهجية له، وكان سقف ما توصّلوا إليه بهذا الشأن هو الحديث عن "ذوق معلل"(48) .وهذا راجع إلى حقيقة أنّ النقد الذوقي بطبيعته غير قابل للتقعيد والمنهجة والعلمنة، بل هو نقد ذاتي صرف، قواعده وقيمه "غير مكتوبة في الأرض ولا في السماء"، يقوم على حدس الناقد أو "ملكته" أو "غريزية" أو "قوة تمييز فطرية" (49) .

إنّ نقداً كهذا يفقد "ذوقيته" بمجرد تقعيده وإخضاعه لأسس منهجية، لذلك لم يُتخذ النقد الذوقي الانطباعي منطلقاً لدراسة مسائل التلقي، ولم يفضِ إلى هذا النوع من الدراسات. لقد كان التلقي معروفاً، ولكنه لم يكن موضع اهتمام النقاد الذين كانوا يعلمون أنّ العمل الأدبي يُقرأ، وأنّ انتشاره يتوقف على أذواق القراء؛ إلا أنّ النقاد كانوا يرون في الذوق مسألة اجتماعية لاتدخل في اختصاصهم بل في اختصاص علم الاجتماع أو "سوسيولوجيا الأدب". وعندما يأخذ الناقد المتلقي في الحسبان، فإنه يطمح لأن يهديه إلى الآثار الأدبية الجيدة ليقبل عليها، ولأن يحذره من الأعمال السيئة الرديئة ليتجنبها (50) . لقد كان النقد يطمح إلى "الإرتقاء" بأذواق القراء، ولكنه لم يولِ اهتماماً لعملية القراءة أو التلقي نفسها، ولم يعِ ما تنطوي عليه تلك العملية من أبعاد. كما لم تغب عن الأذهان حقيقة أنّ تفسير العمل الأدبي يختلف من ناقد لآخر، وأنّ هناك تفسيرات متعددة لعمل أدبي واحد. إلاّ أنّ مسائل كهذه لم تستوقف النقاد الذين كان اهتمامهم منصباً على "إنتاج" العمل الأدبي ومايرتبط به من قضايا.

في أواخر الستينيات ظهرت في مدينة كونستانس الألمانية مجموعة من النقاد الذين استوقفتهم الإشكالية الكبيرة التي ينطوي عليها تأريخ الأدب، وقد شكّل أولئك النقاد حلقة عمل حول موضوع "علم التأويل والشعرية"
(Poetik und Hermeneutik) . إنّ علم التأويل ليس جديداً، وهو أحد مكونات الفلسفة. وقد ازدهر هذا العلم في الفلسفة الألمانية على يد الفيلسوف "شلايرماخر"
(F. Sechleiermacher)  ولكنّ تطبيقاته لم تتمحور حول مسائل فهم الأعمال الأدبية وتفسيرها بل حول فهم أنواع أخرى من النصوص، وفي مقدمتها النصوص الدينية. ثم جاء الفيلسوف الألماني المعاصر "غادامر"
(H. G. Gadamer) ، فأحيا علم التأويل وحدّثه وطبقه على قضايا ثقافية معاصرة (51) . وقد انطلقت "جماعة كونستانس" من علم التأويل الحديث هذا، وعملت على الاستفادة منه وتطبيقه في تفسير النصوص الأدبية. وقد تمخض عمل تلك الجماعة عن نتائج مهمة، تعدّ فتحاً أو "تحول أنموذج" في نظرية الأدب والنقد الأدبي، بات يعرف بنظرية التلقي أو "جمالية التلقي" (Rezeptionsaesthetik)(52) .لقد توقفت حلقة عمل "الشعرية وعلم التأويل" طويلاً أمام إشكالية التلقي، فعمقتها ووضعتها في سياقها الصحيح وفي المكان المناسب من سيرورة العمل الأدبي، تلك السيرورة التي لاتبدأ بإنتاج العمل الأدبي، بل تبدأ قبل ذلك بعمليات تلقٍ إبداعي منتج، وتنتقل بعد إنتاجه أو كتابته إلى أطراف أخرى ليس للكاتب أو المبدع أية إمكانية للتأثير أو لفرض "قصديته" عليها. إنّ من يؤوّل النصّ الأدبي ويحدد مدلولاته في هذه المرحلة هو المتلقي، ليس في ضوء النصّ وحده، بل في ضوء "أفق توقعاته". وهكذا فإنّ إنتاج النصّ الأدبي ليس أكثر من حلقة في سيرورته، وكلّ عملية من عمليات التلقي تشكّل تجسيداً لما ينطوي عليه النصّ من معانٍ كامنةً(53) . وباختصار شديد: في عملية التلقي يحدث انصهار بين "أفق النص" و "أفق توقعات" المتلقي، وينجم عن انصهار هذين الأفقين توسيع أفق المتلقي وإغناؤه.فالتلقي ليس عملية موضوعية صرفاً يحددها النصّ الأدبي وحده، بل هو عملية لها أبعاد ذاتية تختلف من متلقٍ لآخر. في ضوء هذه النظرة ينتقل مركز الثقل في سيرورة العمل الأدبي من المنتج إلى المتلقي، مما يستدعي أن ينتقل مركز اهتمام النقد من إنتاج النصّ إلى تلقيه.

تعدّ "نظرية التلقي الأدبي" تطبيقاً للمقولة الرئيسة لعلم التأويل التي تذهب إلى أنه لا يكفي لفهم النصّ أن ينظر المرء إلى النصّ وحده، بل لابدّ من أن يُفهم الفاهم أيضاً. ففهم النصّ لا يتوقف على ما ينطوي عليه ذلك النصّ من دلالات، بل يتوقف أيضاً على مايدور في الذات الفاهمة. فإذا لم نأخذ هذه الحقيقة في الحسبان فإننا لا نستطيع أن نفسّر ذلك التعدد والتنوع والإختلاف في فهم النصوص، ولماذا كانت هذه التفسيرات الكثيرة للنصّ الواحد. إنّ الاختلاف في فهم النصّ عينه هو أمر لايمكن تفسيره إلاّ بإرجاعه إلى اختلاف آفاق توقعات المتلقين.

انطلقت نظرية التلقي الأدبي التي يعدّ الناقدان الألمانيان هانس روبرت ياوس (H. R. Jauss)  وفولفغانغ إيزر (W. Iser)  أبرز ممثليها، من علم التأويل الحديث لتطور "علم تأويل أدبي" (Literarische Hermeneutik)  يتجاوز "نظريات القراءة" التي انتشرت في النقد الأدبي الأنجلو أمريكي، بل ليتجاوز كلّ ماقيل إلى الآن حول مسألة التلقي الأدبي (54) . سرعان ماانتشرت "نظرية التلقي الأدبي" التي طورها ياوس وايزر خارج ألمانيا، وذلك بعد أن ترجمت مؤلفاتهما إلى اللغات الأجنبية الرئيسة، فتحولت تلك النظرية إلى تيار نقدي عالمي، له أنصار وتابعون في مختلف البلدان (55) . لقد غيّر ذلك الاتجاه النقدي الكثير من المفاهيم والتصورات المتعلقة بالأدب، وأثّر تأثيراً عميقاً في الدراسات الأدبية كلها. ومن الدراسات التي تأثرت به وتفاعلت معه بعمق الأدب المقارن. فما طبيعة ذلك التأثر وما نتائجه؟

إنّ أوّل جانب من جوانب الأدب المقارن التي تأثرت بنظرية التلقي هو مفهوم التأثير ودراساته. فالتأثير لابدّ أن يسبقه تلقٍّ، وإلاّ فإنّ ذلك التأأثير لايتمّ. والتلقي عملية إيجابية تتمّ وفقاً لحاجات المتلقي وبمبادرة منه وفي ضوء أفق توقعاته. أمّا مفهوم التأثير الذي لايرتبط بالتلقي بل يُسقِط دوره فهو يحوّل الطرف المتأثر إلى طرف سلبي، وينسب العناصر الإيجابية كلها إلى الطرف المؤثّر، ناهيك عن استحالة حدوث تأثير وتأثر بمعزل عن حدوث التلقي (56) . فالتلقي حلقة سابقة للتأثير والتأثر، وهي ليست حلقة ثانوية بل حلقة أساسية يكون فيها المتلقي طرفاً فاعلاً وإيجابياً وديناميكياً. ولعل المقتل النظري لمفهوم "التأثر" القديم، الذي اعتمدته المدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن، يكمن في أنّ ذلك المفهوم قد أغفل التلقي وما ينطوي عليه من أبعاد جوهرية، فتحوّل الطرف المتأثر إلى طرف سلبي يتعرّض للتأثير، وكأنّ لاحول له ولا قوة. أمّا نظرية التلقي فقد ربطت التأثير بالتلقي، وجعلت من التلقي شرطاً لأيّ تأثير. صحيح أنها لم تستغنِ عن مفهوم "التأثير"، ولكنها وضعته في سياق جديد وأعادت صياغته بصورة جذرية.

ميزت نظرية التلقي بين أشكال مختلفة من التلقي. فمن التلقي ما هو قرّائي، يمارسه القارئ العادي الذي يتلقى العمل الأدبي، فيتفاعل معه ويستمتع به جمالياً، ويتسع أفقه نتيجة للتلقي الذي قام به، وتنتهي الأمور عند هذا الحدّ. إنّ هذا النوع من التلقي لا يعني الأدب المقارن كثيراً، بقدر ما يعني دراسات التلقي الميدانية (Empirische Rezeption)  التي تستقصي انتشار الكتب الأدبية وأذواق الجمهور واتجاهات القراء. أمّا النوع الثاني من التلقي، وهو النوع الأهمّ بالنسبة للأدب المقارن، فهو التلقي المنتج أو الإبداعي، الذي يمارسه الأدباء. فهم لا يتلقون الأعمال الأدبية لمجرد أن يستمتعوا بها ويقوموا بتجاربهم الجمالية، بل يتلقونها للإستفادة منها إبداعياً وإنتاجياً، إن لناحية الشكل أو لناحية المضمون. إنّ تلقياً كهذا يؤدي إلى تطوير الإبداع الأدبي وتجديده، وهو النوع الذي كان الأدب المقارن التقليدي يسميه تأثيراً. أكلّ ما في الأمر إذن هو استبدال مصطلح قديم هو مصطلح "التأثير"، بمصطلح جديد هو "التلقي المنتج الإبداعي"؟

من المؤكد أنّ المسألة ليست مسألة استبدال مصطلح بآخر، فالفرق بين المفهومين فرق جوهري. إنّ مفهوم "التلقي الإبداعي" يعني أنّ المتلقي هو محور هذا النشاط وذاته، وهو يتلقى  إبداعياً بمبادرة منه، ووفقاً لحاجاته ومتطلباته وأفقه. أمّا مفهوم "التأثير" فهو ينطوي على معانٍ ومضامين مغايرة تماماً لمعاني التلقي الإبداعي ومضامينه. فهو يجعل من الطرف المتأثر طرفاً سلبياً منفعلاً، وينسب الدور الإيجابي كلّه إلى الطرف المؤثّر. ولذا فإنّ مفهوم "التلقي الإبداعي" هو المفهوم النظري الأكثر ملائمة للتعبير عما كان يسمى "تأثيراً"، وهو المفهوم الذي سدّ كل الثغرات النظرية التي ينطوي عليها مفهوم "التأثير". لذلك سارع كثير من علماء الأدب المقارن إلى تبنيه، وقاموا انطلاقاً منه بتطوير منهجية مناسبة لدراسة تلقي الآداب إبداعياً خارج حدودها ولغاتها القومية (57) . لقد كثرت في الفترة الأخيرة الدراسات المقارنة التي تتناول تلقي عمل أدبي أو أعمال أديب ما، أو تيار أدبي، أو اتجاه فكري، في الآداب والثقافات الأجنبية، بعيداً عن الحساسيات والسلبيات التي تنطوي عليها دراسات التأثير والتأثر التقليدية. وهكذا تحولت دراسات "التلقي الإبداعي" إلى ميدان خصب من ميادين الدراسات الأدبية المقارنة.

ومن أشكال التلقي التي أثارت اهتمام المقارنين "التلقي النقدي"، والمقصود به ما يمارسه النقّاد من نشاطات تفسيرية وتأويلية للأعمال الأدبية الأجنبية. فالناقد كالمبدع والمتلقي العادي، متلقٍ، ولكنه متلقٍ من نوع خاصّ. إنه لا يتلقى العمل الأدبي بغرض الاستمتاع به، ولا بغرض الاستفادة منه إنتاجياً، بل يتلقاه ليقوم بعد ذلك بشرحه وتفسيره وتقديمه لمتلقين آخرين. إنّ نشاطه هو في نهاية المطاف نشاط توسيطي، يتمثل في استيعاب العمل الأدبي وشرحه وتفسيره. ولا يقتصر هذا النوع من النشاط النقدي على أعمال من الأدب القومي، بل يتعداها إلى توسيط أعمال أدبية أجنبية بصور مختلفة. ولذلك كان هذا النوع من التلقي موضع اهتمام الأدب المقارن (58) . فمن المهمّ أن يعرف المرء كيف يُستقبل العمل الأدبي نقدياً خارج مجتمعه وثقافته الأصليين. وعند دراسة هذه المسألة فإنه يفاجأ بالفرق الكبير بين تلقي العمل الأدبي نقدياً، أي شرحه وتفسيره، داخل ثقافته الأصلية وبين تلقيه نقدياً، أي فهمه، خارج تلك الثقافة. تقدم نظرية التلقي تفسيراً مقنعاً لهذه الظاهرة. فتلقي العمل الأدبي خارج مجتمعه وثقافته الأصليين يخضع لعوامل واعتبارات نابعة من الطرف المتلقي وأفق توقعاته، وهو أفق يختلف كثيراً عن أفق التوقعات السائد في المجتمع الذي ينتمي إليه العمل الأدبي في الأصل. ولعل أوضح مثال على ذلك هو النقاش الذي شهده النقد الأدبي العربي حول الأديب التشيكي/ الألماني فرانز كافكا (Franz Kafka) . فهو نقاش لايمكن أن يفهم إلاّ إذا رُبط بأفق التوقعات السائد في المجتمع العربي المعاصر(59) . إنّ دراسات التلقي النقدي هي ميدان خصب من ميادين الأدب المقارن، ونوع من الدراسات المقارنة التي ظهرت وتطورت نتيجة التفاعل المنتج الذي تمّ بين الأدب المقارن وبين "نظرية التلقي الأدبي". وعموماً فإنّ ذلك التفاعل كان مثمراً جداً، فقد أغنى الأدب المقارن وفتح له آفاقاً ومجالات جديدة، وزوّده بأدوات نظرية معاصرة، وخلّصه من ثغرات نظرية كبيرة، وحرره من عبء مفاهيم بالية، وفي مقدمتها مفهوم "التأثير" ودراساته. ولذا لاعجب من أن تحلّ دراسات التلقي المنتج والنقدي محلّ دراسات التأثير التقليدية، وأن تتحول تلك الدراسات إلى ميدان رئيس من ميادين الأدب المقارن المعاصر.

6-  الاتجاهات النقدية الأخرى:

هل اقتصر تفاعل الأدب المقارن مع الاتجاهات والمناهج النقدية على ماتطرقنا إليه من اتجاهات ومناهج؟ ألم يتفاعل مع المناهج والاتجاهات الحديثة والمعاصرة الأخرى، كالبنيوية والسيميائية والتفكيكية ونظرية التناصّ..؟

لاشك في أن ساحة الأدب المقارن كانت مفتوحة على الاتجاهات النقدية كلها، وأنها تفاعلت معها بصورة مستمرة، ولكن ليس بالدرجة نفسها، وليس بدرجات تؤدي إلى انعطافات حادة وإلى نشوء مدارس جديدة في الأدب المقارن. فنظرية التناصّ (Intertextualitaet)  على سبيل المثال يمكن أن تكون مفيدة بالنسبة للدراسات المقارنة، وذلك لأنّ علاقات التناصّ لا تنشأ بين أعمال أدبية تنتمي إلى أدب قومي واحد، بل تتخطى ذلك إلى آداب وثقافات متعددة. ولذا من الممكن إجراء دراسات مقارنة انطلاقاً من نظرية التناص حول ظواهر التناص التي تنتمي إلى آداب مختلفة، وأن تشكل تلك الدراسات ميداناً جديداً من ميادين الأدب المقارن. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن علاقة الأدب المقارن بالسيميائية (Semiotik) ، إذ ليس هناك من الناحية النظرية ما يمنع من القيام بدراسات أدبية مقارنة انطلاقاً من هذا المنهج. وهذا ينطبق أيضاً على الاتجاهات والمناهج النقدية المعاصرة الأخرى. أما تطبيقياً فإنّ ذلك ينطوي على تحدّ كبير للمقارنين. إلاّ أنه تحدّ حيوي ومنتج، يتوقف عليه مستقبل الأدب المقارن. فهذا العلم مطالب باستيعاب المناهج والاتجاهات النقدية الجديدة ومعرفة تبعاتها وانعكاساتها على حقله المعرفي، وما إذا كان باستطاعته أن يستفيد منها نظرياً وتطبيقياً. أما الخطر الذي يمكن أن يحدق بالأدب المقارن، فهو يكمن في احتمال أن ينغلق هذا العلم على نفسه، وأن يتجاهل ما يستجدّ في الساحة النقدية من تطورات. عندئذ يحرم الأدب المقارن نفسه من فرص التجدد والتطور، وتعتري الدراسات المقارنة حالة من الجمود.

وليس خافياً على أحد أنّ العصر الذي نعيش فيه هو عصر التحولات السريعة، ليس في الصناعة والتقنية والعلوم الطبيعية والتطبيقية فحسب، بل في العلوم الإنسانية أيضاً، ومنها علوم الأدب.والأدب المقارن بصفته واحداً من تلك العلوم، مطالب أيضاً بأن يتطور بسرعة مناسبة لإيقاع هذا العصر. ولا يجوز أن يقتصر التطور المطلوب على الجوانب النظرية، بل من الضروري أن يشمل الجوانب التطبيقية أيضاً. لم يعد مقبولاً أن يعلن مقارنون انفتاحهم على اتجاهات جديدة في الأدب المقارن وتبنيهم لها، كالمدرسة الأمريكية (النقدية)  من جهة، وأن يواصلوا على الصعيد التطبيقي ممارسة دراسات التأثير والتأثر كما فعل بعض المقارنين العرب (60) . إنّ البطء في استيعاب مستجدات الفكر النقدي، وعدم انسجام التطبيق مع التنظير، هما عاملان يفقدان الأدب المقارن الكثير من ديناميكيته، ويهمشان دوره في الدراسات الأدبية. وهذا، في رأينا، مصدر ماهو حاصل حالياً في مضمار الأدب المقارن من ركود، وهو أمر يؤسف له أشدّ الأسف. فالعلاقات الأدبية الدولية لم تكن في يوم من الأيام أكثف مما هي اليوم، وتفاعل الآداب وتداخلها لم يكونا يوماً أكبر مما هما اليوم.ولذا فإنّ الحاجة إلى الأدب المقارن لم تكن في يوم من الأيام أكبر، وآفاق هذا العلم لم تكن أرحب مما هي عليه اليوم. إلاّ أنّ الاستفادة من الفرص المهيأة للأدب المقارن تتوقف على المقارنين أنفسهم.فبيدهم أن يستفيدوا منها بشكل جيد، وأن يضمنوا للأدب المقارن مكاناً مركزياً في الدراسات الأدبية، وبيدهم أيضاً أن يفوّتوا الفرص المتاحة، فيكون مصير الأدب المقارن مزيد من الجمود والركود والتهميش. فكل علم من العلوم الإنسانية لا يواكب العصر ولا يقدّم إجابات عن أسئلته المستجدة يكون مصيره الزوال. فأيّ مصير سيختار المقارنون لعلمهم، ذلك العلم الذي أثار آمالاً وتوقعات معرفية كبيرة؟

 

r

 

 

r الهوامش والإحالات:

(1) راجع بهذا الخصوص: محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن. بيروت، دار العودة، ط13، 1987، ص 18.

(2)  المرجع نفسه، ص12 وما يتبعها. إن الدكتور محمد غنيمي هلال هو أبرز ممثلي هذا الاتجاه في الأدب المقارن العربي. راجع بهذا الشأن الكتاب التذكاري: محمد غنيمي هلال ناقداً ورائداً في دراسة الأدب المقارن. القاهرة، دار الفكر العربي، 1996.

(3)  محمد غنيم هلال: الأدب المقارن، ص18. لمزيد من المعلومات راجع أيضاً: أحمد شوقي رضوان: مدخل إلى الدرس الأدبي المقارن. بيروت: دار العلوم العربية، 1990، ص25، وما يتبعها؛ أحمد درويش: الأدب المقارن-  النظرية والتطبيق، القاهرة، دار الثقافة العربية، ط2، 1992، ص19؛ غسان السيّد: الحرية الوجودية بين الفكر والواقع - دراسة في الأدب المقارن. دمشق، مطبعة زيد بن ثابت، 1994، ص 13- 19.

(4) Gero V. Wilpert: Sachwoerterbuch der Literatur. Stuttgrat, 6. Auflage, 1979. S. 464 Ff

       حول مشكلات تأريخ الأدب راجع: حسين الواد: في تأريخ الأدب - مفاهيم ومناهج. بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط2، 1993.

(5) راجع المعجم الفلسفي المختصر: ترجمة توفيق سلوم. موسكو، دار التقدم، 1986، ص54.

(6) راجع أحمد درويش: الأدب المقارن، ص17 وما يتبعها. لمزيد من المعلومات حول دراسات التأثير وأشكالها راجع: أحمد شوقي رضوان: مدخل إلى الدرس الأدبي المقارن، ص 33-40.

(7) محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، ص13.

(8) جبران مسعود: الرائد-  معجم لغوي عصري. ج1، بيروت، دار العلم للملايين، ط4، 1987، ص37 و 348.

(9) محمد مندور: في الميزان الجديد، القاهرة، دار النهضة مصر، د.ت، ص 165 وما يتبعها.

(10) محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، ص (ب) .

(11) المرجع نفسه والصفحة نفسها.

(12) رينيه ويليك: مفاهيم نقدية. ترجمة د. محمد عصفور. الكويت، سلسلة عالم المعرفة (ع110)  1987، ص 368.

(13) أحمد درويش: الأدب المقارن، ص 23.

(14) المرجع نفسه: ص 24. انظر أيضاً: عز الدين المناصرة: المثاقفة والنقد المقارن. منظور إشكالي. بيروت، المؤسسة العربية للدراسات، 1995، ص 12.

(15) راجع: المعجم الفلسفي المختصر، ص540 ومايليها.

(16) حول الاتجاهات الحديثة في نظرية الأدب راجع: آن جفرسون وديفيد روبي: النظرية الأدبية الحديثة - تقديم مقارن. تر. سمير مسعود. دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1992؛ تيري ايغلتون: نظرية الأدب، ترجمة ثائر ديب، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1995.

(17)  كان جلّ ما قُدّم إلى المؤتمر الثاني للرابطة العربية للأدب المقارن الذي انعقد في دمشق عام 1986 في نطاق دراسات التأثير والتأثر. راجع بهذا الخصوص كتابنا: الأدب المقارن-  مدخل نظري ودراسات تطبيقية. حمص، منشورات جامعة البعث، 1992، ص455 ومايليها.

(18) حول تفاعل النقد الأدبي العربي مع الفكر النقدي العالمي راجع كتابنا: هجرة النصوص - دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1995، ص219- 252.

(19) راجع حسام الخطيب: آفاق الأدب المقارن عربياً وعالمياً دمشق، دار الفكر، 1992، ص33- 55، نفسه: سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية، ط2، دمشق، المكتب العربي لتنسيق الترجمة، 1980، نفسه: الأدب المقارن: الجزء الأول: في النظرية والمنهج: والجزء الثاني: تطبيقات في الأدب العربي المقارن. دمشق: منشورات جامعة دمشق 1982.

(20) حول هذه المسألة راجع بحثنا المشار إليه في الهامش(18) .

(21) من أوائل المقارنين العرب الذين اهتموا بعلاقات الثأثير والتأثر بين الأدبين العربي والفارسي الدكتور محمد غنيمي هلال، الذي خصّ موضوع "ليلى والمجنون" بدراسة مقارنة متكاملة: ليلى والمجنون في الأدبين العربي والفارسي، بيروت، دار العودة 1980. راجع أيضاً عرض الدكتور رجاء جبر للرسالة التي تقدم بها محمد غنيمي هلال لنيل شهادة الدكتوراه: تأثير النثر العربي على النثر الفارسي في القرنين الخامس والسادس للهجرة، في الكتاب التذكاري المشار إليه في الهامش (2) ، ص69- 93. ومن هؤلاء المقارنين الدكتور عبد السلام كفافي: في الأدب المقارن-  دراسات في نظرية الأدب والقصص الشعبية. بيروت، دار النهضة العربية 1972، ص261- 555، والدكتور محمد زكي العشماوي: دراسات في النقد المسرحي والأدب المقارن. بيروت/ القاهرة، دار الشروق 1994، ص254- 267، والدكتور حسين مجيب المصري: بين الأدب العربي والفارسي والتركي. القاهرة، مكتبة الأنجلو مصرية 1985، والدكتور عيسى العاكوب: تأثير الحكم الفارسية في الأدب العربي في العصر العباسي الأول. دمشق، دار طلاس 1989، والدكتور محمد بديع جمعة: دراسات في الأدب المقارن. بيروت، دار النهضة العربية، ط2، 1980، ص291- 354، والدكتور محمد سعيد جمال الدين: الأدب المقارن-  دراسات تطبيقية في الأدبين العربي والفارسي. القاهرة، دار ثابت 1989، ص209- 274. ومن المؤكد أنّ هناك دراسات أخرى حول العلاقات الأدبية بين العرب والفرس والأتراك، ولم نرمِ هنا إلى حصر تلك الدراسات كلها.

(22) لمزيد من المعلومات حول هذه المسألة راجع مقالنا: تعليم اللغات الأجنبية في العالم العربي. نظرة على الأبعاد الاجتماعية والحضارية. في مجلة (العربي) ، الكويت، العدد 352، مارس 1988، ص26- 30.

(23) راجع بهذا الخصوص: صلاح فضل: تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي. بيروت: دار الآفاق الجديدة، ط2، 1985، الياس أسعد غالي: رسالة الغفران والكوميديا الإلهية في لمحة تاريخية. دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1988؛ رضوان أحمد شوقي: مدخل إلى الدرس الأدبي المقارن. ص93- 117.

(24) راجع بهذا الخصوص: جاسم محسن الموسوي: الوقوع في دائرة السحر. بيروت، منشورات مركز الإنماء القومي، ط2، 1986؛ أحمد درويش: الأدب المقارن، ص 151- 190؛ كاتارينا مومسن: غوته وألف ليلة وليلة، ترجمة أحمد الحمو. دمشق: وزارة التعليم العالي، 1980. إنّ تعريب هذا الكتاب دليل على الاهتمام بتأثر غوته "بالليالي العربية".

(25) "شمس العرب تسطع على الغرب" هو عنوان كتاب مشهور للمستشرقة الألمانية زيغريد هونكه، أبرزت فيه مساهمات العرب والمسلمين في تطور الحضارة الإنسانية (ترجمة فاروق بيضون وكمال الدسوقي. بيروت: دار الآفاق، ط8، 1986)  وقد حظي هذا الكتاب باحتفاء عربي كبير واعتبر من أهمّ الكتب التي أنصفت العرب.

(26) نكتفي هنا بالإحالة إلى بعض من تلك الأبحاث لمن يودّ الاستزادة من المعلومات المتعلقة بهذه المواضيع: حسام الخطيب: سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية؛ أحمد درويش: الأدب المقارن.. ص190- 205، ص191- 205 (في هذا الفصل يستقصي المؤلف تأثير الأدب الفرنسي في نشأة الرواية العربية) ؛ محبه حاج معتوق: أثر الرواية الواقعية الغربية في الرواية العربية. بيروت، دار الفكر اللبناني، 1994؛ فخري صالح (تحرير) : المؤثرات الأجنبية في الشعر العربي المعاصر. بيروت، المؤسسة العربية للدراسات، 1994؛ تسعديت آيت حمودي: أثر الرمزية الغربية في مسرح توفيق الحكيم. بيروت، دار الحداثة، 1986؛ الرشيد بوشعير: أثر برتولد بريخت في مسرح الشرق العربي: دمشق، دار الأهالي، 1996، غسان السيّد: الحرية الوجودية بين الفكر والواقع.

(27) عز الدين المناصرة: المثاقفة والنقد المقارن. ص38 ومايتبعها.

(28) من تلك الحالات محاولة بعض المقارنيين العرب التشكيك في أصالة مسرحية سعد اللّه ونوس "الملك هو الملك" من خلال الإشارة إلى تأثرها بمسرحية "الرجل هو الرجل" لبرتولد بريخت، المسرحي الألماني الشهير. راجع بهذا الخصوص الرشيد بوشعير: أثر بوتولد بريخت في مسرح الشرق العربي، ص34 ومايليها. ومن أحدث تلك المحاولات محاولة التشكيك في أصالة شعر نزار قباني، وذلك بالزعم أنّ قصيدته "مع الجريدة" مسروقة من قصيدة للشاعر الفرنسي جاك بريفير. راجع بهذا الخصوص: جريدة (عكاظ) ، جدة، العدد 10932، 18/يوليو/1996.

(29)  راجع بهذا الخصوص: آن جفرسون وديفيد روبي: النظرية الأدبية الحديثة
ص242- 307.

(30)  راجع بهذا الشأن: المعجم الفلسفي المختصر، ص369 ومابعدها.

(31) المرجع نفسه، ص540 ومايتبعها.

(32) حول نظرية الانعكاس راجع: شكري عزيز الماضي: في نظرية الأدب. بيروت دار الحداثة، 1986، ص84 ومايتبعها.

(33) حول " مفهوم الأدب العالمي" وتطوره راجع كتابنا: الأدب المقارن-  مدخل نظري ودراسات تطبيقية. ص335- 348.

(34) حول مفهوم "الأدب العام" راجع: أحمد شوقي رضوان: مدخل إلى الدرس الأدبي المقارن. ص28 ومايليها؛ حسام الخطيب: آفاق الأدب المقارن عربياً وعالمياً. ص27 ومايليها.

(35) راجع: كارل ماركس: الأدب والفن في الاشتراكية. تر. عبد المنعم الحفني القاهرة: مكتبة مدبولي، 1977.

(36) جورج لوكاتش: الرواية كملحمة بورجوازية. ترجمة جورج طرابيشي، بيروت: دار الطليعة، 1971.

(37) نفسه: دراسات في الواقعية. ترجمة نايف بلوز. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1970؛ نفسه: معنى الواقعية المعاصرة. ترجمة أمين العيوطي. القاهرة، دار المعارف، 1971.

(38) حول الأدب المقارن في البلدان الاشتراكية سابقاً (الأوروبية الشرقية)  راجع:

G.Kaiser (Hg): Vergleichende Literaturfiorschung In

sozialistischen Laendern. Stuttgart 1980.

(39) قام المقارن المغربي الدكتور سعيد علوش بترويج هذه التسمية عربياً في كتابه: مدارس الأدب المقارن-  دراسة منهجية. بيروت، المركز الثقافي العربي، 1987.

(40)  راجع بهذا الشأن: غسان مرتضى: فيكتور جيرمونسكي والنظرية التيبولوجية في الأدب المقارن. الأسبوع الأدبي، دمشق، العدد 527، 7/5/96. ملف (الأدب المقارن)، وراجع أيضاً: فيكتور جيرمونسكي: التيارات الأدبية بوصفها ظاهرة دولية، ترجمة غسان مرتضى. الآداب الأجنبية، دمشق، العدد 83، صيف 1995، ص137- 147.

Peter V.Zima: Komparatistik. Tuebingen 1992, S. 42- 47.

(41) رينيه ويليك: مفاهيم نقدية، 362- 375.

(42) المرجع نفسه، ص372.

(43) المرجع نفسه، ص368.

(44) راجع: آن جفرسون وديفيد روبي: النظرية الأدبية الحديثة، ص10 ومايليها.

(45) راجع بهذا الخصوص: محمد كامل الخطيب (تحرير) : نظرية الشعر-  كتب مدرسة الديوان. دمشق، وزارة الثقافة، 1996، ص287 ومايتبعها.

(46) راجع بهذا الشأن: رينيه ويليك وأوستن وارن: نظرية الأدب. ترجمة محي الدين صبحي. بيروت، المؤسسة العربية للدراسات، ط2، 1982.

(47) راجع: كلود بيشوا وأندريه-  ميشيل روسو: الأدب المقارن اليوم وتطوره. ترجمة وتعليق رجاء جبر. الكويت: مكتبة دار العروبة، 1980. راجع أيضاً: بيير برونيل/ كلود بيشوا/ أندريه ميشيل روسو: ماالأدب المقارن؟ ترجمة د.غسان السيد. دمشق، دار علاء الدين، 1996.

P. Brumel. Cl. Pichois, A.- M. Rousseau: Qu-  est-  Ce Que La Literature Comparee?

(48) محمد مندور: في الميزان الجديد، ص156 ومايتبعها.

(49) ميخائيل نعيمة: الغربال. بيروت، مؤسسة نوفل، ط14، 1988.

(50) محمد مندور: في الميزان الجديد. ص9 ومايليها.

51-  H-  G. Gadamer: Wahrheit und Methode. Tuebingen 1960

52-  P.V. Zima: Literarische Aesthetik. Tuebingen 1991. S. 215- 263.

53-  H.R. Jauss. Aesthetische Erfahrung und literarische  Hermeneutik. Muenchen . 1977.

         R. Warning: Rezeptionsaesthetik. Stuttgart, 1988, S. 84- 92.

(54) راجع بهذا الخصوص كتابنا: هجرة النصوص، ص 232.

(55) المرجع نفسه، ص219- 252.

(56) راجع اولريش فايرشتاين: التأثير والتقليد، في كتابنا: الأدب المقارن، ص 252- 275.

(57)  راجع مقالنا: الأدب المقارن ومفهوم التلقي. الأسبوع الأدبي، دمشق، العدد 513، 23أيار 1996.

(58) حول دراسات التوسيط النقدي في الأدب المقارن راجع كتابنا: الأدب المقارن. ص185-  193.

(59) راجع تفاصيل ذلك النقاش في كتابنا: الرواية الألمانية الحديثة-  دراسة مقارنة. دمشق. منشورات وزارة الثقافة، 1993، ص176- 199.

(60)  راجع الهامش (19) .

 

r مصادر البحث ومراجعه:

- إيغلتون، تيري: نظرية الأدب. ترجمة ثائر ديب. دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1995

- بوشعير، الرشيد: أثر برتولد بريخت في مسرح الشرق العربي. دمشق، دار الأهالي، 1996.

- بيشوا، كلود / روسو، أندريه-  ميشيل: الأدب المقارن. ترجمة وتعليق رجاء جبر. الكويت: مكتبة دار العروبة، 1980.

- بيشوا، كلود / روسو، أندريه/ برونيل، بيير: ما الأدب المقارن؟ ترجمة غسان السيد، دمشق، دار علاء الدين 1996.

- جفرسون، آن/ روبي، ديفيد: النظرية الأدبية الحديثة، تقديم مقارن. ترجمة سمير مسعود، دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1992.

- جمال الدين، محمد السعيد: الأدب المقارن، دراسات تطبيقية في الأدبين العربي والفارسي. القاهرة: دار ثابت، 1989.

- جمعة، بديع محمد: دراسات في الأدب المقارن، بيروت: دار النهضة العربية، ط2، 1980.

- جمعة، بديع محمد: دراسات في الأدب المقارن-  بيروت: دار النهضة العربية، ط2، 1980.

- جيرمونسكي، فيكتور: التيارات الأدبية بوصفها ظاهرة دولية. ترجمة غسان مرتضى. في مجلة الآداب الأجنبية)  العدد 83، صيف 1995، ص 137- 174.

- حاج معتوق، محبه: أثر الرواية الواقعية الغربية في الرواية العربية. بيروت: دار الفكر اللبناني، 1994.

- حمودي، تسعديت آيت، أثر الرمزية الغربية في مسرح توفيق الحكيم. بيروت: دار الحداثة، 1986.

- الخطيب، حسام: سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية. دمشق: المكتب العربي لتنسيق الترجمة، 1980.

- نفسه: الأدب المقارن. الجزء الأول: في النظرية والمنهج، الجزء الثاني: تطبيقات في الأدب العربي المقارن. دمشق: جامعة دمشق، 1982.

- نفسه: آفاق الأدب المقارن عربياً ودولياً. دمشق/ بيروت: دار الفكر/ دار الفكر المعاصر، 1992.

- درويش، أحمد: الأدب المقارن-  النظرية والتطبيق. القاهرة: دار الثقافة العربية، ط2، 1992.

- رضوان، أحمد شوقي: مدخل إلى الدرس الأدبي المقارن. بيروت: دار العلوم العربية، 1990.

- السيد، غسان: الحرية والوجودية بين الفكر والواقع-  دراسة في الأدب المقارن. دمشق: مطبعة زيد بن ثابت، 1994.

- صالح، فخري (تحرير) : المؤثرات الأجنبية في الشعر العربي المعاصر. بيروت المؤسسة العربية للدراسات، 1994.

- العاكوب، عيسى: تأثير الحكم الفارسية في الأدب العربي في العصر العباسي الأول. دراسة تطبيقية في الأدب المقارن. دمشق: دار طلاس، 1989.

- عبود، عبده، الأدب المقارن-  مدخل نظري ودراسات تطبيقية. حمص: جامعة البعث، 1992.

- نفسه: هجرة النصوص-  دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي. دمشق منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1995.

- نفسه: تعليم اللغات الأجنبية في العالم العربي. نظرة على الأبعاد الإجتماعية والثقافية. مجلة (العربي) ، الكويت، العدد 352، مارس 1998، ص 26- 30.

 

- نفسه: الأدب المقارن ومفهوم التلقي. جريدة (الأسبوع الأدبي) . دمشق، العدد 513، 23 أيار 1996، ص6و14.

- نفسه: الرواية الألمانية الحديثة-  دراسة نقدية مقارنة. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1993.

- العقاد، عباس محمود/المازني، عبد القادر: الديوان-  كتاب في النقد الأدبي. في: محمد كامل الخطيب (تحرير) : نظرية الشعر-  كتب مدرسة الديوان، دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1996.

- العشماوي، محمد زكي: دراسات في النقد المسرحي والأدب المقارن. بيروت: دار الشروق، 1994.

- علوش، سعيد: مدارس الأدب المقارن-  دراسة منهجية. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1987.

- غالي، الياس سعد: رسالة الغفران والكوميديا الإلهية في لمحات تاريخية. دمشق: منشوارت اتحاد الكتاب العرب، 1988.

- فضل، صلاح: تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي. القاهرة 1980، بيروت: دار الآفاق الجديدة، ط2، 1985.

- كفافي، محمد عبد السلام: في الأدب المقارن-  دراسات في نظرية الأدب والقصص الشعبي. بيروت: دار النهضة العربية، 1972.

- لوكاتش، جورج: دراسات في الواقعية. ترجمة نايف يلوز، دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1970.

- نفسه: معنى الواقعية المعاصرة. ترجمة أمين العيوطي، القاهرة: دار المعارف 1971.

- نفسه: دراسات في الواقعية الأوروبية. ترجمة أمير اسكندر، القاهرة، 1972.

- نفسه: الرواية كملحمة بروجوازية. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة، 1971.

- ماركس، كارل: الأدب والفن في الاشتراكية. ترجمة عبد المنعم الحفني. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1977.

- الماضي، شكري عزيز: في نظرية الأدب. بيروت: دار الحداثة، 1986.

- مرتضى، غسان: فيكتور جيرمونسكي والنظرية التيبولوجية في الأدب المقارن. في: (الأسبوع الأدبي)  دمشق، العدد 527، 7/5/1996.

- مسعود، جبران: الرائد-  معجم لغوي عصري. بيروت: دار العلم للملايين، ط4، 1981.

- المصري، حسين مجيب: بين الأدب العربي والفارسي والتركي. دراسات في الأدب الإسلامي المقارن. القاهرة. مكتبة الأنجلو مصرية، 1985.

- المعجم الفلسفي المختصر. ترجمة توفيق سلوم. موسكو: دار التقدم، 1986.

- المناصرة، عز الدين: المثاقفة والنقد المقارن-  منظور إشكالي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات. 1995.

- مندور، محمد: في الميزان الجديد، القاهرة: دار نهضة مصر. ط3، 1983.

- الموسوي، جاسم محسن: ألف ليلة وليلة في نظرية الأدب الإنكليزي: الوقوع في دائرة السحر. بيروت: مركز الإنماء القومي، ط2، 1983.

- مومسن، كاتارينا: غوته وألف ليلة وليلة. ترجمة أحمد حمو، دمشق: وزارة التعليم العالي، 1980.

- نعيمة، ميخائيل: الغربال. بيروت: مؤسسة نوفل، ط14، 1988.

- هلال، محمد غنيمي: ليلى والمجنون في الأدبين العربي والفارسي. بيروت: دار العودة، 1980.

- نفسه، الأدب المقارن. بيروت: دار العودة، ط3. 1987.

- محمد غنيمي هلال ناقداً ورائداً في دراسة الأدب المقارن. كتاب تذكاري. القاهرة: دار الفكر العربي، 1996.

- هونكه، زيغريد: شمس العرب تسطع على الغرب. ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي. بيروت: دار آفاق، ط8، 1986.

- الواد، حسين: في تأريخ الأدب-  مفاهيم ومناهج. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، 1993.

- ويليك، رينيه: مفاهيم نقدية. ترجمة محمد عصفور. الكويت: وزارة الإعلام، سلسلة
(عالم المعرفة) ، العدد (110) ، 1987.

- نفسه: نظرية الأدب. ترجمة محي الدين صبحي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات، ط2، 1987.

--       Brunel, P./ Pichois,  Cl./ Rousseau, A- M.: Qu’ est-  Ce que La Litterature Comparee? Paris. A. Colin, 1983.

- Gadamer, Hans-  Georg: Warhrheit und Methode-  Grundzuege einer philosophischen Hermeneutik. Tuebingen, 1960.

- Jauss, Hans-  Robert: Aesthetische Erfahrung und literarische Hermeneutik. Muenchen, 1977.

- Kaiser, Gerhard R. (Hg): Vergleichende Literaturforschung in sozialistischen Laendern. Stuttgart, 1980.

- Warning, Rainer (Hg): Rezeptionsaestetik. Theorie Und Praxis. Stuttgart, 1988.

- Wilpert, Gero V. :Sachwoerterbuch der Literatur. Stuttgart, 1979.

- Zima, Peter V.: Literarische Aesthetik  Methoden und Modelle. der Literaturwissenschaft. Tuebingen. 1991.

- Ders.: Komparatistik. Tuebingen, 1992

 

r

 

 

 

1- 3- الأدب المقارن العربيّ: إلى أين؟

1-  من الاندفاع إلى الركود

لماذا نكتب عن الأدب المقارن العربيّ تحديداً؟ هل من جديد حقيقيّ في هذا المجال، مما يستدعي أن نعرضه؟ أم انتهى هذا العلم وطويت صفحته، مما يوجب أن ننعيه ونؤبنه؟ أم تراجع إلى درجة تستدعي أن نلفت الانتباه إليه وندعو إلى وقف انهياره؟ وماذا يمكن أن يقول المرء في مقالة كهذه أكثر من عموميّات وبديهيّات؟ من الملاحظ أنّ الدراسات الأدبية المقارنة في الوطن العربيّ قد شهدت إبّان الأعوام العشرة الأخيرة ركوداً شديداً على الصعيدين الإنتاجيّ والتنظيميّ. فمن الناحية الإنتاجية لم يحقق الأدب المقارن العربيّ، بعد مرحلة الاندفاع التي عاشها في أوائل الثمانينيات وأواسطها، النقلة النوعيّة المرتقبة، لا نظريّاً ولا تطبيقياً، وقد اقتصر ما أنجزه المقارنون العرب على إعادة إصدار كتبهم القديمة في طبعات موسّعة وبعناوين جديدة (1) ، وعلى تأليف أبحاث صدرت في هذه الدورية أوتلك، وعلى ترجمة المؤلفات النظرية التي يفترض أن تكون قد ترجمت إلى العربية قبل وقت طويل. (2)  أمّا على الصعيد التنظيميّ فقد استمرّت أزمة "الرابطة العربية للأدب المقارن"، تلك الأزمة المتمثلة في ربط الأمانة العامّة بالمقرّ الدائم، وفي عجزها عن أن توفق بين طابعها القوميّ وبين الواقع القطريّ للعالم العربيّ. لقد كان آخر مؤتمر عقدته الرابطة في عام 1989، أي قبل سبعة أعوام، ولم تنشأ جمعيات قطريّة للأدب المقارن إلاّ في بلد عربيّ واحد وهو مصر، ولم تتمكن الرابطة من تحقيق أي من طموحاتها العلمية وعلى رأسها إصدار مجلة عربية للدراسات الأدبية المقارنة. وباختصار فإنّ حركة الأدب المقارن العربي تبدو في التسعينيات واهنة كأنها في النزع الأخير. لماذا، ياترى؟ ألقلة عدد المقارنين في الجامعات العربية؟ لا نظنّ ذلك، فعددهم هو اليوم أكبر مما كان عليه في أيّ وقت مضى. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإنّ كلية الآداب في جامعة حمص، وهي أصغر الجامعات السوريّة وأحدثها، تضمّ في صفوف هيئتها التدريسية سبعة متخصصين في الأدب المقارن. (3)  ومن المؤكد أن هذه الجامعة لا تشكّل حالة استثنائية. فأساتذة الأدب المقارن أصبحوا متواجدين بأعداد وفيرة في الجامعات العربية كلّها. ولذلك لا يمكن إرجاع ما يشهده الأدب المقارن العربي من ركود إلى قلة عدد المقارنين. فهل يرجع ذلك الركود إلى أنّ هذا النوع من الدراسات الأدبية قد أفلس، ولم يعد لديه ما يقدّمه للأدب العربيّ والثقافة العربية؟ هل فقد الأدب المقارن أهميته المعرفية والعلميّة، وفقد بذلك جدواه، ولم نعد بحاجة إليه؟

2- حاجتنا إلى الأدب المقارن

إنّ جوابنا عن تساؤلات كهذه هو أنّ عكس ذلك صحيح. فالثقافة العربية لم تكن في يوم من الأيام أحوج إلى الأدب المقارن ودراساته ومقارباته من حاجتها إليه في هذه الأيام. لماذا؟

إنّ أبسط تعريف للأدب المقارن هو أنه ذلك النوع من الدراسات الأدبية الذي يتجاوز في تناول الظواهر الأدبية الحدود اللغوية والقومية والثقافية للآداب. وهذا التجاوز أو تلك الإطلالة إلى ماوراء الحدود القومية للآداب قد أمست في أيامنا هذه أمراً لاغنى عنه لدارسي الأدب. فالآداب قد أصبحت متداخلة ومتشابكة بصورة لا مثيل لها في تاريخ البشرية، مما جعل من دراسة الظواهر الأدبية داخل الحدود القومية للآداب وبمعزل عن الامتدادات والتفاعلات الخارجية أمراً غير ممكن. هل يستطيع أحد أن يدرس الشعر العربي المعاصر دون أن يأخذ تفاعلاته الفنيّة والفكريّة مع الآداب الأجنبية في الحسبان؟ (4)  وإذا كانت تلك حال الشعر العربي، وهي مسألة لاتقلّل من أهميته وإنجازاته، فما بالك بأدب الرواية والقصّة والمسرحية؟! إنها تنطوي على تأثر بالآداب الأجنبية متعدد الأشكال، وهذا لايضيرها أيضاً، بل يدلّ على حيويتها. فنحن نعيش في زمن غدا فيه الاكتفاء الذاتي للآداب ضرباً من الوهم. لقد مدّت الترجمة وتعلّم اللغات الأجنبية ودراسة الآداب الأجنبية والاطلاع عليها جسوراً بين الآداب لا سبيل إلى نسفها ولا إلى تجاهلها. وما دام الأمر كذلك فإنّ المنهج المقارن هو المنهج الأصحّ لدراسة الأدب في عالم اليوم. وهذا لا ينطبق على اتجاه مقارنيّ بعينه. بل ينطبق على الاتجاهات المقارنة كلها، بدءاً بالمدرسة التاريخية المعروفة بالمدرسة الفرنسية وانتهاء بالمدرسة التناصيّة، مروراً بالمدرسة النقديّة أو الأمريكية وبالمدرسة الماديّة الجدلية أو الماركسيّة.فإذا نظرنا إلى الأدب المقارن باعتباره العلم الذي يدرس "العلاقات الروحيّة الدولية" على حدّ تعبير المقارن الفرنسيّ غويار (5) ، نجد أنّ لنا  مصلحة ثقافية كبيرة في أن نعرف ما يستقبله أدبنا من مؤثرات أدبية وفكرية أجنبيّة، ومايرسله إلى الآداب الأجنبية من مؤثرات أدبية وفكرية. إنّ مصلحتنا الثقافية تقتضي أن تكون علاقاتنا الأدبية بالعالم الخارجيّ علاقات متوازنة. بعيدة عن الانعزالية والتبعية. فاستقبال الآداب الأجنبية من قبلنا يعرّفنا بتلك الآداب وبشعوبها، وهذا مكسب ثقافيّ لنا. كذلك فإنّ استقبال أدبنا العربيّ في العالم من خلال الترجمة إلى اللغات الأجنبية يعرّف الأمم الأجنبية بثقافتنا ومجتمعنا وقضايانا ويبرز الوجه الحضاريّ لأمتنا. (6)  وهذا أمر بالغ الأهمية. فأعداء الأمة العربية حريصون كلّ الحرص على إخفاء منجزاتها الحضاريّة والتعتيم على ثقافتها، وهم يسعون لتقديم العرب للعالم في صورة شعب همجيّ ليس له حضارة. وعندما يتعرّف العالم الخارجيّ إلى أدبنا مترجماً إلى اللغات الأجنبية، يصبح أكثر تفهمّاً لقضايانا وتعاطفاً معنا. إننا نعيش في عصر تحققت فيه نبوءة غوته المتعلقة بالأدب العالميّ. (7)  فهذا العصر عصر "عولمة الثقافة". وفي هذا العصر تقدّم كلّ أمّة نفسها للعالم عبر أفضل ما لديها من إنجازات ثقافيّة. وعلى تلك الخلفية تحوّل التبادل الأدبي إلى شكل هامّ من أشكال التعارف بين الشعوب. وإذا نظرنا إلى الأدب المقارن باعتباره "علم العلاقات الأدبية الدولية" نرى أن هذا العالم يستطيع أن يقدّم لنا الشيء الكثير، وأن يساعدنا في صياغة علاقات أدبية متوازنة، تأخذ من الآداب الأجنبية أفضل وأجمل مافيها، وتقدّم للعالم الخارجيّ أجمل وأفضل ما في أدبنا من أعمال. لقد تحوّل التبادل الأدبيّ إلى مقوّم رئيس من مقوّمات حوار الثقافات. والأدب المقارن يساعدنا في أن نشارك في ذلك الحوار بنجاح.

وإذا أخذنا الأدب المقارن بمفهومه النقدي الذي يعرف بالمدرسة الأمريكية، ذلك المفهوم الذي يدرس الأدب المقارن بموجبه الظواهر الأدبية في جوهرها الجماليّ بصورة تتجاوز الحدود اللغوية والقومية للآداب من جهة، ويقارن الأدب بالفنون ومجالات الوعي الإنساني الأخرى من جهة ثانية، فإنّ استخدام هذا المنهج المقارن في دراسة الأدب العربي أمر عظيم الفائدة. فالعديد من ظواهر الأدب العربي لا يفهم بصورة سليمة إلاّ إذا استخدم المرء ذلك المنهج. هل يمكن أن تفهم أجناس رئيسة في الأدب العربي، كالمسرحية والرواية والقصّة القصيرة والأقصوصة، مالم تؤخذ أبعادها الخارجية والعالميّة في الحسبان؟ وهل يمكن أن تفهم المدارس والاتجاهات الأدبية، الفنيّة والفكرية، في الأدب العربي الحديث بمعزل عن تلك الأبعاد؟ من يستطيع أن يفهم الرومانسيّة في الأدب العربي بمعزل عن تأثرها بالرومانسيّة في الآداب الأوروبية؟‌! ألم يتفاعل الأدب العربي، قديمه وحديثه، مع الاتجاهات الفكريّة الأجنبيّة، بدءاً بتفاعله مع الفلسفة اليونانية القديمة والحكم الهنديّة والفارسيّة، وانتهاء بتفاعله مع الفلسفتين الأوروبيتين الحديثتين الوجودية والماركسية؟ (8)  وماذا عن علاقة الأدب العربي بالفنون التشكيلية وبالموسيقى والغناء؟ أليس من المثير معرفيّاً أن تدرس تلك العلاقة وأن يظهر الباحثون أوجه التشابه والاختلاف بين تطوّر تلك الفنون وبين تطوّر الأدب العربي؟ وماذا عن عالميّة الأدب العربي؟ إنّ مفهوم "الأدب العالمي" هو أحد المفاهيم الرئيسة في الأدب المقارن، ونحن معنيّون بأن يتجاوز الأدب العربي حدود المحليّة، وأن يُعترف به كأحد الآداب الكبرى في العالم. وهذا لا يمكن أن يتمّ ما لم يترجم أفضل أعماله إلى اللغات الأجنبية، ويقدّم نقديّاً بصورة مناسبة، ويستقبله المتلقون في العالم على نطاق واسع. أمّا العلم الذي يرصد مدى نجاح الأدب العربي في بلوغ العالميّة إنتاجاً وترجمة وتوسيطاً واستقبالاً فهو الأدب المقارن، الذي يمكن أن يكون دليل الأدب العربي إلى العالميّة.

وهناك اتجاه رئيس آخر في الأدب المقارن يرى فيه علماً يدرس التشابهات التيبولوجية أو النمطيّة بين الآداب. فالتشابه بين أدب قوميّ وأدب قوميّ آخر أو مجموعة من الآداب القوميّة الأخرى لا يرجع إلى عامل التأثير والتأثر فقط، بل هناك من التشابهات بين الآداب ماليس له بالضرورة علاقة بذلك العامل. إنها التشابهات التي أطلق عليها المقارن الروسيّ الشهير فيكتور جيرمونسكي (VIKTOR ZIRMUNSKY)  تسمية "التشابهات التيبولوجية أو النمطية" (9) . ودراسة هذه التشابهات بين الأدب العربي وبين الآداب الأخرى، قريبة كانت كالأدبين الفارسيّ والتركيّ، أم نائية كآداب الصين واليابان وفيتنام والفلبين وأمريكا الجنوبية، يمكن أن تساعدنا في فهم كثير من جوانب أدبنا، كخصوصيّة الأجناس الأدبية فيه، أو خصوصية التيارات والمدارس الأدبية وتوقيت ظهورها. إن دراسة التشابهات التيبولوجية تظهر لنا ما هو عامّ ومشترك بين أدبنا وبين الآداب الأخرى، وما هو قوميّ وخاصّ بذلك الأدب، وهذا مكسب معرفيّ كبير لنا.

وفي الأعوام الأخيرة ازدهر في الدراسات المقارنة ذلك النوع من الدراسات الذي يتخذ من نظرية التناصّ أساساً له. وشيئاً فشيئاً يحلّ هذا النوع من الدراسات محلّ التأثير والتأثر التي يقدّم نفسه بديلاً لها. إن دراسة علاقات التناصّ بين أعمال من الأدب العربيّ وأعمال من الآداب والثقافات الأجنبية هي مكمّل جيّد لدراسات التلقي الإبداعيّ. فهذا يؤدي بالضرورة إلى ظواهر تناصّ بين الأدب العربي والآداب الأجنبية. إنّ الدراسات المقارنة التي تستند إلى نظريتي التناصّ والتلقي الإبداعيّ المنتج كفيلة بتصحيح النظرة إلى علاقة أدبنا بالآداب الأجنبية، وبأن تضع حدّاً لكلّ ذلك الجدال حول "السرقات الأدبية" وحول خضوع الأدب العربي الحديث لمؤثرات أجنبية أفقدته أصالته. فالنصّ الأدبي العظيم، المتطوّر فنيّاً وفكريّاً، هو بالضرورة نصّ ينطوي على درجة عالية من التناصّ والتأثر والتلقي الإبداعيّ. لقد وضعت نظرية التناصّ ودراساتها مسألة الأصالة في سياقها الصحيح، وأظهرت أنّ النصوص الأدبية متشابكة ومترابطة فيما بينها بصورة لا تنفصم، وأنه ما من نصّ إلاّ ويحمل في طياته علاقات وثيقة مع عدد كبير من النصوص الأخرى، وكلّما كانت درجة التناصّ أعلى كان العمل الأدبيّ أعظم وأكمل (10) . إنّ دراسة علاقات التناصّ بين أعمال من الأدب العربي وبين الآداب والثقافات الأجنبية هو أمر ينطوي على فائدة معرفية كبرى. وهذه الدراسة لا تقلل من أهمية الإنجازات الفنيّة والفكريّة التي حققها الأدب العربي الحديث، بل تضع حدّاً لمحاولات الانتقاص من تلك الإنجازات عبر "الكشف" عن مؤثرات أجنبية فيه. فليس العيب أن يتضمّن الأدب العربي الحديث مؤثرات كهذه، بل العيب كلّ العيب هو أن يخلو من تلك المؤثرات. فهي دليل على أن الأدب العربي الحديث أدب حيّ، يتفاعل مع الآداب والثقافات الأجنبية مستقبلاً ومرسِلاً.

3- قضايا مستجدّة

إلاّ أنّ الأدب المقارن ليس مطالباً بأن يساهم في فهم الأدب العربي وعلاقاته وامتداداته الفكرية والفنيّة الخارجية فحسب، بل هو مطالب أيضاً بأن يساهم في تقديم إجابات عن القضايا والأسئلة الثقافية الرئيسة للمجتمع العربي في هذه المرحلة من تطورّه. فكلّ علم من العلوم الإنسانيّة لا يساهم في تقديم تلك الإجابات يصبح علماً هامشياً ويكون مصيره الزوال. وفي مقدمته القضايا التي ينبغي للأدب المقارن أن يساهم في معالجتها قضيّة حوار الثقافات. إنّ قسماً كبيراً من ذلك الحوار الذي بات أكثر إلحاحاً مما كان عليه في أيّ وقت مضى يمكن أن يتمّ من خلال التبادل الأدبيّ ترجمة وتوسيطاً نقدياً. وإذا كان حوار الثقافات يعني، من بين ما يعنيه، أن يتعرّف أهل كلّ ثقافة إلى ثقافة الشعب الآخر بصورة أفضل، وأن تزال حالات سوء الفهم والتحاملات والصور المشوّهة والأحكام المسبقة التاريخية والمعاصرة.. فإنّ باستطاعة الأدب المقارن أن يؤدّي دوراً كبيراً على هذا الصعيد. فهو يساعد في تسهيل التبادل الأدبي وتفعيله، وفي التقريب بين الشعوب وإبراز العناصر المشتركة بينها، وذلك من خلال مقارنة آدابها وثقافاتها، بعضها بالبعض الآخر. وهذا دور ثقافي حيوي في زمن تصاعدت فيه حدّة الصراعات الثقافية في العالم، مما حمل بعض المنظّرين على الاعتقاد بأنّ "حرب الثقافات" ستحلّ محلّ حرب الإيديولوجيات وصراع الطبقات. (11)  إنّ التبادل الأدبي والثقافيّ هو خير وسيلة لإحلال حوار الثقافات وتعايشها محل الصراع والتناحر الثقافيين، وإحلال التسامح الثقافيّ محلّ التعصّب الثقافي.

والعصر الحاليّ لم يعد عصر الثقافة المقروءة بالدرجة الأولى، بل عصر الثقافة المسموعة والمرئية والمحوسبة، ومن أبرز سمات الثقافة في هذه المرحلة بروز تلك الأنواع والأشكال الثقافية المرتبطة بالبث التلفزيوني والفيديو والكومبيوتر. لقد كان لتعاظم الدور الثقافي للتلفزيون والفيديو والحاسوب تأثير كبير على تلقي الأدب، تمثل في تراجع استقبال الأعمال الأدبية المكتوبة من جهة، وصعود أشكال من الإنتاج الثقافيّ، وعلى رأسها الدراما التلفزيونية من جهة أخرى ترى هل يتجاوب الأدب المقارن مع تلك التطوّرات الثقافية الهائلة، فيواكبها ويتعامل معها بصورة إيجابية، ويتناول نتاجاتها وموادّها وأشكالها بالدرس المقارن، أم يتجاهلها، ويعتصم في برجه العاجيّ ويتصرّف كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال؟ في الحالة الأولى هناك من يتخوّف من أن يتحوّل الأدب المقارن إلى "نقد تلفزيوني" مقارن أو إلى نقد ثقافي مقارن. إنّ اعتراضات واحتمالات كهذه لا يجوز أن تخيف المقارنين. فالمهم في الأمر هو أن يواكب الأدب المقارن ما تشهده الساحة الأدبية والثقافية من تطوّرات، وأن يقارن نتاجات أدبية وثقافية معاصرة تنتمي إلى مجتمعات وثقافات ولغات مختلفة. وأن يساهم في تطوير الثقافة العربية. وليس خافياً على أحد أنّ الانتقال من الأدب المقروء والثقافة المقروءة إلى الأدب والثقافة المسموعين-  المرئيين يحمل في طياته أخطاراً كبيرة، وفي مقدّمتها خطر سيطرة الثقافة المعلّبة التي تبثّ قيماً لا إنسانية تُنشر بوساطة أساليب الإثارة المنحطّة، كالعنف والجنس. وهذا خطر كبير يحدق بالبشرية، وهو يقتضي أن يكون الأدب المقارن انتقادياً، يكشف ويفضح ما يمارس عبر وسائل الاتصال الجماهيري من تزييف للوعي الإنسانيّ وتلاعب به. إلاّ أن تلك الوسائل تنطوي أيضاً على فرصة إيصال المادّة الأدبية والثقافية الجيّدة إلى جمهور واسع من المتلقين، ولذا من الخطأ الدعوة إلى مقاطعة تلك الوسائل وتجاهلها ورفض كلّ ما تنقله. فليس هناك ما هو أخطر على الثقافة الجيّدة من التقوقع والنخبوية والابتعاد عن الجماهير. ومن الضروري أن ينتبه الأدب المقارن إلى مخاطر تلك النزعة.

ولئن كان العالم المعاصر يخطو بسرعة مذهلة نحو "عولمة الثقافة"، فإنّ تلك العولمة العشوائية تفرز في مناطق كثيرة نزعات انعزالية وأصولية لها تعبيرات فكريّة وأدبية وثقافية متشابهة، على ما بينها من اختلاف. إنّ باستطاعة الأدب المقارن أن يقدّم لنا الشيء الكثير، وذلك بدراسة النتاجات الأدبية والثقافية لتلك النزعات دراسة مقارنة، تظهر ماهو مشترك بينها.

والشيء نفسه يمكن أن يقال فيما يتعلق بقضايا رئيسة معاصرة، كقضيّة الغربة وفقدان الشعور بالطمأنينة في الوطن وبين الأهل. فالغربة ظاهرة عالمية لها  تعبيرات أدبية وثقافية لا حصر لها في آداب وثقافات كثيرة، وبوسع الأدب المقارن أن يقدّم لنا الكثير إذا قام بدراسة تلك النتاجات الأدبية والثقافية دراسة مقارنة. ومن القضايا الرئيسة لهذا العصر قضية الحركات والأنظمة الشموليّة، التي تنتهك حقوق الإنسان وحرياته الديمقراطية الأساسية، وترتكب جرائم الإبادة الجماعية وجرائم ضدّ الإنسانية، وهذه ظاهرة عالميّة تشكّل خطراً على الإنسانية والحضارة. من الخطأ الاعتقاد أن هذه الظاهرة قد اختفت من العالم باندحار النازيّة والفاشيّة وبسقوط الشيوعيّة الستالينية. والدراسة المقارنة للظاهرة المذكورة وتجليّاتها الفكريّة والأدبية والثقافية يمكن أن تساعد كثيراً في فهمها والتصدّي لها. وقضية المرأة وما تتعرض لها من تمييز وظلم وقمع وتضليل هي بدورها موضوع عالميّ ذو تعبيرات أدبية وثقافية كثيرة من الضروري أن تدرس دراسة مقارنة. وما قلناه عن هذه القضية يمكن أن يقال عن قضايا كثيرة أخرى كموضوع الشبيبة، والهوية الوطنية في زمن العولمة، وغير ذلك من القضايا الثقافية والاجتماعية الراهنة في مجتمعنا العربي ومجتمعات كثيرة أخرى. إنها قضايا جوهريّة يستطيع الأدب المقارن أن يقدّم مساهمة كبيرة في فهمها والتعامل معها. وعندما يقوم الأدب المقارن بذلك فإنه يقاوم التهميش ويضع نفسه في صلب المعركة الثقافية المعاصرة التي يخوضها مجتمعنا على مشارف القرن الحادي والعشرين.

 

4- سبل التجديد

إلاّ أنّ قيام الأدب المقارن بذلك الدور يتطلّب منه:

1- أن يراجع أسسه وأدواته النظرية وأن يطوّرها باستمرار، وأن يستوعب لهذا الغرض كلّ ما يستجدّ في العلوم الإنسانية وعلوم الثقافة من مناهج واتجاهات وفكر ونتائج، خصوصاً في علوم المجتمع وعلم النفس والأنتربولوجيا والفلسفة وعلوم اللغة وغير ذلك من العلوم. فهذا التفاعل هو الضمانة الحقيقية لئلا يتخلف الأدب المقارن نظرياً وألا يصاب بالجمود.

2- ألا يقع الأدب المقارن في مطبّ النخبوية الأكاديمية، التي تحصره في برج عاجيّ، وتمنعه من التعامل مع القضايا الثقافية الساخنة، وتحكم عليه بالتهميش.

3- أن يحافظ المقارنون على منابر ومؤسسات التواصل العلميّ الاختصاصيّ العائدة إليهم وأن يطوّروها ويفعلوها، وأبرزها الكونفدرالية الدولية للأدب المقارن (AILC)  والرابطة العربية والجمعيات القطرية للأدب المقارن وما تصدره تلك المؤسسات من دوريات ومنشورات

إن هذه الأمور تضمن أن يتمكن الأدب المقارن من أن يؤدي الدور الثقافي المعول عليه، وهو دور لا نبالغ إذا قلنا إن الثقافة العربية المعاصرة في أمس الحاجة إليه. ترى ألا يسوغ ذلك أن نجدد الدعوة إلى الأدب المقارن؟

 

r

r الهوامش والإحالات:

 

(1)  هذا ما فعله المقارنان المعروفان الدكتور حسام الخطيب والدكتور عز الدين المناصرة. فقد أعاد الأول طباعة كتابه: الأدب المقارن (جامعة دمشق، 1982)  ووضع له عنواناً جديداً هو: آفاق الأدب المقارن عربياً وعالمياً (دمشق: دار الفكر، 1992) ، أمّا الثاني فقد أصدر طبعة جديدة معدّلة من كتابه: مقدّمة في نظرية المقارنة (عمّان: دار الكرمل، 1988)  بعنوان جديد هو: المثاقفة والنقد المقارن (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات 1996) .

(2)  إنّ أحدث تلك الترجمات هو كتاب المقارنين الفرنسيين بيير برونيل/ كلودا بشوا/ أندريه روسو: ما الأدب المقارن؟ ترجمة د.غسان السيد. دمشق: منشورات علاء الدين، 1996.

(3)  راجع دليل جامعة البعث. حمص 1995.

(4)  راجع بهذا الشأن: فخري صالح (تحرير) : المؤثرات الأجنبية في الشعر العربي المعاصر، بيروت المؤسسة العربية للدراسات، 1995.

(5)  ماريوس فرانسوا غويار: الأدب المقارن. تر. هنري زغيب، بيروت، منشورات عويدات 1988، مقدمة الكتاب.

(6)  حول دور الترجمة الأدبية في تشكيل صورة العرب في العالم راجع كتابنا: هجرة النصوص-  دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي. دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1995، ص55- 87.

(7)  حول مفهوم "الأدب العالمي" عند غوته وفي الأدب المقارن راجع كتابنا: الأدب المقارن-  مدخل نظري ودراسات تطبيقية، ص235- 248.

(8)  راجع بهذا الخصوص: إحسان عباس: ملامح يونانية في الأدب العربي، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، ط2، 193؛ عيسى العاكوب: تأثير الحكم الفارسية في الأدب العربي، دمشق، دار طلاس، 1989، حسام الخطيب: سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية، دمشق، المكتب العربي، 1980.

(9)  راجع: فيكتور جيرمونسكي: التيارات الأدبية بوصفها ظاهرة دولية. تر. غسان مرتضى. في: الآداب الأجنبية، ع 83، صيف 1995، ص137- 174.

(10)  راجع بهذا الخصوص: شربل داغر: التناصّ سبيلاً إلى دراسة النصّ الشعري. في: السفير الثقافي، 13/12/1996.

(11)  إنّ أبرز هؤلاء المنظرين هو الأمريكي صموئيل هانتينغتون: الإسلام والغرب - آفاق الصدام. تر. مجدي شرشر. القاهرة، مكتبة مدبولي، 1995.

 

r

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2- 0- الجزء الثاني:
عالمية الأدب العربي

 

2- 1-  عالمية الأدب العربي الحديث

2- 2-  الاستشراق وحوار الثقافات

2- 3- حول مؤتمر "اللغة العربية وآدابها في جهود المستشرقين"

2- 4-  تعليم العربية للأجانب ومكانتها الدولية.

 

 

r



 

 

2- 1- عالمية الأدب العربي الحديث

 

1- لماذا هذا الموضوع؟

ثمة سؤال يشغل النقاد والأدباء والرأي العام الثقافي في الوطن العربي بشدّة منذ بضعة عقود من الزمان، ألا وهو: هل بلغ الأدب العربي الحديث درجة العالمية؟ وهل أصبح باستطاعتنا القول إنّ ذلك الأدب قد ارتقى من حيث النضج الفنّي والعمق المضموني إلى مصاف تلك الآداب الأجنبية التي توسم بالعالمية؟ إنه سؤال تطرحه الصحافة الأدبية والثقافية العربية بإلحاح منذ وقت غير قصير وفي مناسبات مختلفة، أبرزها تلك المناسبة التي تتكرر سنوياً، ألا وهي منح جائزة نوبل للآداب. ففي كل عام تقوم الأوساط الأدبية والثقافية العربية بترشيح بعض الأدباء العرب لنيل تلك الجائزة العالمية (1) ، ولكنّ الجائزة المشتهاة لم تمنح قبل عام 1988 لأيّ من الأدباء العرب الذين رشحوا لنيلها، مما كان يصيب الأوساط المذكورة بالإحباط، فتتعالى الأصوات المنددة بالجائزة والقائمين عليها، الذين تنسب إليهم نوايا خبيثة، ويتهمون بالضلوع في مؤامرة صهيونية إمبريالية معادية للعرب(2). لقد تكونت لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الثقافي العربي قناعة مفادها أنّ الأدب العربي الحديث قد بلغ درجة من التطور والنضج والجودة تسوّغ أن يحصل أحد أعلامه على جائزة نوبل، ومن ثمّ فإنّ حجبها عن الأدباء العرب لا يتم لأسباب واعتبارات أدبية، بل لأسباب واعتبارات غير أدبية، أي سياسيّة تتعلق بالصراع العربي الصهيوني وبالمواجهة السياسية والحضارية بين العرب والغرب(3). إلا أن ّحجب جائزة نوبل عن الأدب العربيّ الحديث قد شكلّ مناسبة سنوية للتفكير في مسألة عالمية ذلك الأدب، ولمقارنة مستوى التطور الفني والفكري الذي بلغه بالمستويات التي بلغتها الآداب الأجنبية الحديثة. وكانت جائزة نوبل تعيد مسألة عالمية الأدب العربي الحديث إلى جدول أعمال النقد الأدبي العربي الذي ينتظر منه الرأي العام العربي أن يقدم إجابة شافية عن سؤال: ألم يصبح الأدب العربي الحديث بعد أدباً عالمياً؟ وهل هو حقاً متأخر عن تلك الآداب الأجنبية التي اعترف العالم بعالميتها؟ ولئن كان الأدب العربي الحديث لم يرتق بعد إلى مصاف تلك الآداب، فلماذا لا يقوم الأدباء العرب بتطوير إبداعاتهم والارتقاء بها إلى المستويات العالمية؟ إلاّ أن جائزة نوبل قد منحت عام 1988 للأديب العربيّ المصري نجيب محفوظ وهلّل الرأي العام العربي فرحاً لذلك الحدث الثقافي،وعدّه اعترافاً متأخراً بعالميّة الأدب العربي الحديث، وتكريماً لا لنجيب محفوظ وحده بل للأدب العربي بأكمله، ولكنّ ذلك لم يحل دون أن ترتفع في الوطن العربي بعض الأصوات التي تشكك في النوايا الكامنة وراء منح الجائزة لهذا الأديب، وتزعم أنّ ذلك قد تم مكافأة له على مواقفه السياسية المؤيدة للسلام المنفرد الذي عقده الرئيس المصري الراحل أنور السادات مع الحكومة الإسرائيلية(4) . ورغم ما ظهر في الرأي العام العربي من انقسام حول تلك المسألة فإنّ منح جائزة نوبل للأديب العربي نجيب محفوظ قد شكل حافزاً إلى مزيد من التفكير والتعمق في مسألة عالمية الأديب العربي الحديث انطلاقاً من حالة نجيب محفوظ الذي اعترف العالم بعالميته. وفي ذلك السياق أثيرت قضايا مهمّة، كقضية العلاقة بين المحلية والعالمية، أي هل يتنافى الطابع المحلي الذي يتسم به الأدب مع عالميته أم يشكّل ذلك الطابع شرطاً من شروط العالمية. ومن تلك القضايا قضية الترجمة الأدبية ودورها في التعريف بالإبداعات الأدبية العربية وفي صنع عالمية الأدب العربي(5) .

إلاّ أنّ منح جائزة نوبل للآداب لم يكن المناسبة الوحيدة لإثارة مسألة عالمية الأدب العربي الحديث، بل ثمة مناسبات كثيرة أخرى لإثارة هذه المسألة. ومن تلك المناسبات قيام محفل ثقافي أجنبي بتكريم أديب عربيّ معاصر، عبر منحه جائزة أدبية وإقامة احتفال أو ندوة بهذه المناسبة، كتكريم الشاعر العربي الفلسطيني محمود درويش سنة 1997 في فرنسا من قبل (اليونسكو) ، وتكريم الكاتب المغربي طاهر بن جلون بمنحه جائزة (غونكور)  الفرنسية، وتكريم القاصّ السوري رفيق شامي في ألمانيا بمنحه جائزة (كاسيمو)  وغير ذلك من أعمال التكريم. فقد كان الرأي العامّ العربيّ يسعد بها ويرى فيها اعترافاً بعالمية الأدب العربيّ الحديث. ومن المناسبات التي يكثر فيها الحديث عن تلك العالميّة وفاة أديب عربي كبير كالكاتب المسرحيّ السوريّ سعد الله ونوس. فقد اتسم ما كتب وقيل بتلك المناسبة الأليمة بالتركيز على أنّ الفقيد لم يكن مجرد كاتب مسرحيّ سوريّ أو عربيّ بل كان كاتباً مسرحيّاً عالمياً(6) . وثمة مناسبة أخرى للحديث عن عالمية الأدب العربي الحديث، ألا وهي صدور ترجمات لأعمال أدبية إلى لغات أجنبيّة، إذ تقوم الصحافة الثقافية العربية بتلقف أخبار صدور تلك الترجمات وتبرزها كأنها فتوح ثقافية خارجية ودليل ملموس على أن الأدب العربي قد دخل مرحلة العالمية. لقد أظهر الرأي العامّ العربيّ بهذه المناسبات كلها أنه مهتمّ جدّاً بمسألة عالمية الأدب العربي الحديث، وأن هذه المسألة تمثل قضية ثقافية عربية ذات أهمية كبيرة. ومن المرجح أن يزداد الاهتمام العربي بهذه القضية، وذلك في ضوء تنامي ظاهرة العولمة الثقافية وما يرافقها من تصاعد للنقاش العربي حول ما تنطوي عليه تلك الظاهرة من مخاطر وفرص بالنسبة للثقافة العربية(7) .

ترى ماذا يكمن وراء هذا الاهتمام العربي الكبير بمسألة عالمية الأدب العربي الحديث؟ أهو التعويض عن عقدة نقص ثقافية جمعيّة تجاه الآداب الأجنبية؟ أم هي الرغبة في التفوق وإحراز البطولة بغرض التباهي الوطني والقومي، مثلما يحدث في المباريات الرياضية؟ أم هو الشعور بالظلم والإحباط لأن العالم الخارجي لا يبدي اهتماماً كافياً بالأدب العربي بل يتجاهل ما فيه من إنجازات؟ من المرجَح أنّ وراء التعطش العربي للاعتراف بعالمية الأدب العربي الحديث دوافع ومشاعر وطنية أو قوميّة. فالعرب أمّة لها تاريخ طويل من الاعتداد بلغتها (لسانها)  التي اختيرت لغة للقرآن الكريم. وهي أمّة شديدة الاعتداد بفصاحتها وبلاغة أدبها وبيانه، إلى درجة أنها كانت ردحاً طويلاً من الزمن غير قادرة على أن تتصور أن لدى الأمم الأخرى (الأعاجم)  فصاحة في اللسان وبلاغة في الأدب. إنّ أمّة معتدة لغوياً وأدبياً إلى هذا الحدّ مستعدة لأن تعترف بتأخرها في مجالات كثيرة، كالاقتصاد والعلم والتقنية وغير ذلك من المجالات، ولكن يصعب عليها أن تعترف بتقصيرها في مضمار تعتقد أنها قد أحرزت فيه تفوقاً مطلقاً ألا وهو الأدب، وبأنّ الشعوب الأجنبية (الأعاجم)  قد سبقتها في هذا المضمار(8) . ولذا فإنّ الاعتراف الدولي بعالمية الأدب العربي الحديث هو بالنسبة للعرب مسألة كرامة قومية. وها هو ذا أحد النقاد العرب المعروفين يعبّر عن تلك الحقيقة بأن يدعو العرب لأن يجعلوا من الأدب مضماراً "يثبتون فيه وجودهم على المستوى العالميّ المعاصر"، ويعوّضون فيه تأخرهم في الميادين الأخرى(9) . ويبدو أن الرأي العام العربي يشاطر هذا الناقد رأيه، ويرى معه في عالمية الأدب العربي الحديث مسألة "إثبات وجود قومي على الصعيد العالميّ". ومن أحدث تجليات الاهتمام العربي بمسألة عالمية الأدب العربي الحديث إعلان الملتقى الثالث للروائيين العرب في قابس سنة 1997 أنّ "عالمية الرواية العربية" ستكون موضوع دورته القادمة (10) ، ولا ندري بعد ما إذا كان ذلك بعيداً عن الدافع الفكري القومي السالف الذكر.

2- 0-  "الأدب العالميّ" ما هذا؟

من الواضح أنّ الوعي العربي لأهمية مسألة عالمية الأدب العربي الحديث قد تنامى إبان الأعوام الأخيرة. ولكن هل استند ذلك الوعي إلى فهم عميق ودقيق لعالمية الأدب؟ وهل أدّى ذلك الوعي إلى وضع دراسات وبحوث نظرية وتطبيقية جادّة حول عالمية الأدب العربي الحديث؟ وهل أفضى ذلك الوعي إلى بلورة تصوّرات عملية لما يمكن عمله من أجل تمكين الأدب العربي الحديث من توسيع الرقعة التي يشغلها على خريطة الأدب العالمي؟ إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب من  المرء أن يعرف بصورة دقيقة ما "الأدب العالمي" وما "عالمية الأدب"، فامتلاك مفهوم واضح ومتماسك لتلك العالمية هو مقدمة نظرية لا بدّ من توافرها قبل الدخول في أيّ حديث عن عالمية الأدب العربي الحديث.

2- 1- تأسيس المفهوم :غوته

يرجع الفضل في صياغة مفهوم "الأدب العالمي" إلى الأديب الألماني الكبير يوهان فولفغانغ فون غوته (Johann Wolfgang on Goethe)  الذي صاغ هذا المفهوم وبشر به في الأعوام الأخيرة من حياته، أي منذ أواخر العشرينيات إلى أواسط الثلاثينيات من القرن التاسع عشر. ففي رسائله وأحاديثه الشهيرة مع سكرتيره "أكرمان" رأى غوته أنّ عصر الآداب القومية قد ولّى، وأنّ عصر أدب جديد قد بدأ، ألا وهو عصر "الأدب العالمي" (Weltliteratur). عندما صاغ غوته هذا المفهوم الجريء انطلق من أنّ الثورة الصناعية، وما رافقها من تطوّر في وسائل النقل والاتصال والطباعة والنشر، ومن نمو في المبادلات التجارية بين الشعوب، ستكون لها بالضرورة مترتبات ثقافية وأدبية، وستؤدي بالضرورة إلى تخطّي الحدود القوميّة الضيقة للّغات والآداب(11) . من الطبيعي ألا يتمكن غوته في ذلك الوقت من أن يطرح تصوراً دقيقاً ومتكاملاً للأدب العالمي الذي بشّر به، وأن يكون مفهومه لذلك الأدب رؤيوياً وتقريبياً. إلاّ أن الزمن قد أثبت أنّ ذلك المفهوم صحيح من حيث المبدأ. وانطلاقاً من رؤيته المستقبلية هذه دعا غوته الأدباء عموماً، والأدباء الألمان على وجه الخصوص، لأن يعو حقائق العصر، وأن يستخلصوا ما يترتب عليها بالنسبة لإبداعاتهم الأدبية. وتتلخص تلك المترتبات في أن يتخلّوا عن مواضيعهم وأساليبهم الأدبية الوطنيّة الصرف، وأن يكتبوا وفي أذهانهم تلك المنافسة الأدبية العالمية التي لا يصمد فيها إلاّ من يطوّر إبداعه الأدبيّ شكلاً وموضوعاً بحيث يرتقي إلى المستوى العالميّ. إن المنافسة التي سيتعرض لها الأدب الوطني من جانب الآداب الأجنبية ستجعل ذلك الأدب في وضع حرج، ولكنّ عصر "الأدب العالمي" سيوفر للأعمال الأدبية فرصاً لم تكن موجودة في الماضي، ألا وهي فرص أن تنتشر خارج مجتمعاتها ولغاتها على الصعيد العالمي.

لم يؤخذ حديث غوته عن "الأدب العالمي" في حينه على محمل الجدّ من قبل معاصريه، رغم ما كانوا يكنونه لهذا الأديب من إجلال وتقدير. فالعصر الذي بشّر فيه غوته بالأدب العالمي كان من الناحية السياسية عصر حروب التحرير القومية ضد الاحتلال النابليوني، ومن الطبيعي أن تطغى النزعة القومية في مرحلة كهذه على سواها، خصوصاً وأنّ العالمية التي دعا إليها غوته واستشرفها كانت منسجمة مع النزعة العالمية لفرنسا نابليون أكثر مما تنسجم مع المناخ السياسي والاجتماعي والثقافي القومي الانعزالي الرجعي الذي كان سائداً في ألمانيا. إنّ عبقرية غوته تكمن في أنه بشر بالأدب العالمي واستشرفه في ذلك الوقت بالذات، وفي أنه لم يسمح للنزعة القومية الانعزالية المقيتة التي عمّت بلاده بأن تحجب عن نظره الثاقب ملامح عصر جديد لاح في الأفق وإن يكن لم يتضح بعد.

2- 2- موقف المدرسة التاريخية

في الوقت الذي بلور فيه غوته مفهوم "الأدب العالمي" كان عالم الأدب الفرنسي آبل فيليمان (Apel Villeman)  يلقي محاضراته حول علاقة الأدب الفرنسي بالآداب الأوربية الأخرى، مدشناً بذلك نوعاً جديداً من الدراسات الأدبية أصبح يعرف بـ (الأدب المقارن) . لقد انطوى هذا النوع من الدراسات على إطلال إلى ما وراء حدود الآداب القومية، وذلك عبر استقصاء تفاعل تلك الآداب فيما بينها وتأثر بعضها بالبعض الآخر. إلاّ أنّ الأدب المقارن لم ير أيّ إمكانية لتجاوز الآداب القومية وصولاً إلى (أدب عالمي) ، بل انطلق من أنّ الآداب القومية معطيات ثابتة لا مجال لتجاوزها، وسعى لاستكمال تاريخ كلّ من تلك الآداب عبر دراسة علاقته بالآداب الأخرى، أي ما أخذه منها وما أعطاها من مؤثرات(12) . وقد مثّل ذلك تقدماً علمياً هاماً، وتوسيعاً للأفق بالمقارنة مع (الفيلولوجيات القومية)  التي كانت تدرس كلّ أدب داخل حدوده اللغوية فقط، ولا تعير أيّ اهتمام لعلاقته بالآداب الأخرى وتفاعله معها. إلاّ أنّ الأدب المقارن تمسك بأنّ الآداب القومية هي الأساس، وندب نفسه لاستكمال تاريخها.

من الطبيعي ألا يعير أدب مقارن ذاك شأنه "الأدب العالمي" الذي تحدّث عنه غوته كبير اهتمام، وألا يرى أيّ فائدة لذلك المفهوم. فما يهمه هو استكمال تاريخ الآداب القومية عبر دراسة علاقات التأثير والتأثر الفعلية الموثقة التي نشأت بين تلك الآداب. إنّ المقارنين الفرنسيين الذين أسسوا الأدب المقارن، ومن سار على نهجهم التأريخي، لم يكونوا مستعدين للتعامل مع أية مسألة أدبية من منظور فوق - قومي، إلاّ إذا كان لتلك المسألة علاقة بظاهرة التأثير والتأثر، وكانت دراستها مجدية من الناحية التأريخية. إلاّ أنّ لمساعي ممثلي الاتجاه التأريخي في الأدب المقارن جانباً يعني المهتم بمسألة عالمية الأدب، هو دراسة نجاح الكتّاب وتأثيرهم في بلاد أجنبية. فهذا النوع من التأثير يتطابق مع ما نسميه اليوم استقبال الأعمال الأدبية خارج حدود آدابها القومية. لقد تناول ممثلو المدرسة التأريخية في الأدب المقارن هذه الظاهرة بالبحث، ودرسوا السبل التي يتحقق عبرها ذلك النوع من التأثير الذي يتم بعضه من خلال الترجمة، ويتم البعض الآخر من دون وسطاء. وقد توصّل المقارنون التأريخيون إلى معلومات قيّمة فيما يتعلق بدور الوسطاء الأدبيين، من مترجمين ونقاد، في نشوء هذا النوع من "الكوزموبوليتية" أو "العالمية”(13). صحيح أننا أصبحنا اليوم ننظر إلى ظاهرة التأثير الأدبي بصورة مختلفة عن الصورة التي نظر بها ممثلو الأدب المقارن التأريخي إلى تلك الظاهرة، ولكن ذلك لا يلغي حقيقة أن تأثر أدب قومي بالآداب الأجنبية وتأثيره فيها هما مسألة وثيقة الارتباط بعالمية الأدب(14) . فالترجمات الأدبية والكتابات النقدية حول الآداب الأجنبية تشكل مكوّنين هامين من مكونات تلك العالمية.

2- 3- موقف المدرسة الماركسية

بعد مرور عقدين على طرح مفهوم "الأدب العالمي" من قبل غوته قام مثقفان ألمانيان هنا كارل ماركس وفريدريش إنجلز بنشر وثيقة سياسية اجتماعية ثقافية شاملة أطلقا عليها تسمية "البيان الشيوعي"، وبشّرا فيها بأنّ أدباً عالمياً سيحل مكان الآداب القومية. فوجود هذه الآداب مرتبط بوجود المجتمعات الرأسمالية البورجوازية ذات الدول والثقافات والآداب القومية. أمّا المجتمع الجديد الذي دعا إليه ماركس وانجلز فهو مجتمع تسيطر عليه طبقة البروليتاريا، وهي طبقة أممية أو عالمية(15) ، ولذا فإنّ الأدب سيكون في ظل سيطرتها أدباً عالمياً أو أممياً. إلاّ أن ماركس وانجلز كانا غير قادرين على تحديد أيّ سمات جمالية أو فكرية لذلك الأدب العالمي.

في مرحلة لاحقة تبلورت نظرية أدب ماركسية، أي مادية تاريخية جدلية، وظهر في الأدب المقارن اتجاه يستند إلى تلك النظرية. إن أبرز أعلام ذلك الاتجاه هو المقارن الروسي فيكتور جيرمونسكي (Viktor Zirmunski)  الذي أنجز دراسات مهمّة حول التشابهات النمطية أو التيبولوجية بين الآداب(16) . نظر الأدب المقارن الماركسي إلى الأدب من منظور أممي، أي عالمي، دون أن ينكر خصوصية كل أدب من الآداب القومية. إلاّ أنه رأى أن الآداب تمر بمراحل التطور نفسها، وذلك تبعاً لتطور البنى الاقتصادية والاجتماعية (البنى التحتية)  التي تعكسها. ومع إقرارنا بأهمية المنطلق العالمي للأدب المقارن الماركسي، فإننا نرى أنّ مقولته الرئيسة هذه لا تساعد كثيراً في فهم إشكالية عالمية الأدب والبنى المتناقضة للعلاقات الأدبية الدولية. فتركيزه على دور "البناء التحتي" يقلل من قدرتنا على تفسير ظاهرة ازدهار آداب مجتمعات متأخرة، كآداب أمريكا الجنوبية، التي تمكنت من احتلال موقع متميز على خريطة الأدب العالمي المعاصر، رغم تخلف مستويات التطور الاقتصادي والاجتماعي  للمجتمعات التي "تعكسها". أمّا ما يساعدنا في فهم إشكالية الأدب العالمي والعلاقات الدولية فهي مقولة جيرمونسكي التي ترى أن عمليات الاستيراد الثقافي والأدبي، التي أطلق عليها المقارنون التقليديون الفرنسيون تسمية ظواهر التأثير والتأثر، تخضع لحاجات الطرف المستورد أكثر مما تخضع لحاجات الطرف المصدّر. إنّ هذه المقولة، التي تنسجم مع نظرية التلقي الأدبي المعاصرة، تصلح لتفسير كثير من الظواهر المتناقضة التي تحفل بها العلاقات الأدبية الدولية، وتضع حدّاً لأوهام الهيمنة الأدبية والغزو الثقافيّ(17) .

2- 4- موقف المدرسة النقديّة

تشترك المدرسة النقدية، المسماة بالأمريكية، في الأدب المقارن مع المدرسة الماركسية في أنها لا تولي ظواهر التأثير والتأثر كبير اهتمام، بل تدعو لدراسة الأدب دراسة نقدية دون التقيد بالحدود اللغوية والثقافية للآداب(18) ، وهي تنطلق في ذلك من حقيقة أن الظواهر الأدبية الكبرى، كالأجناس والتيارات الأدبية، لا تنحصر في أدب قومي واحد، بل تتعداه إلى آداب مختلفة، وقد تكون عالمية الامتداد. ومع أنّ لهذا التوجّه الذي يراعي البعدين الجمالي وفوق القومي للظواهر الأدبية ما يسوّغه، فإنه ينطوي على إشكالية تتمثل في أنه يقفز من فوق الطابع القومي للآداب، وهذا يحمل في طياته خطر القفز من فوق التناقضات السائدة في العلاقات الأدبية الدولية. فهو بذلك يمكن أن يخدم، وإن بصورة غير مقصودة، سعي بعض المجتمعات لبسط سيطرتها الثقافية والأدبية على العالم، مستفيدة في ذلك من عالمية لغاتها، ومن قوتها الاقتصادية والتكنولوجية والعلميّة(19). ولئن كانت المدرسة النقدية أو الأمريكية في الأدب المقارن قد حددت الفروق بين مفهومي "الأدب العام" و"الأدب العالميّ"(20) ، فإنها لم تتحرر من المركزية الأوروبية-  الأمريكية التي صبغت مفهوم الأدب العالمي الذي تبنته هذه المدرسة. فالمشكلة لا تكمن في ترسيم الحدود بين المفهومات، بقدر ما تكمن في صياغة مفهوم "أدب عالمي" يكون عالمياً بالفعل، وليس ستاراً تمارس خلفه مركزية أوروبية وغربية بعيدة كل البعد عن العالمية الحقة. فالحديث عن "الأدب العالمي"، إذا ما أريد له أن يكتسب مصداقية، يجب أن ينطلق من واقع العلاقات الأدبية الدولية وبناها المتناقضة التي تتسم بهيمنة الآداب الأوروبية والغربية على التبادل الأدبي الدولي من جهة، وبضآلة دور آداب شعوب العالم الثالث في ذلك التبادل من جهة أخرى(21) . أما الأدب العالمي الذي يستحق هذه التسمية فهو أدب تساهم فيه آداب العالم بصورة متوازنة ومتكافئة بلا هيمنة ولا تبعية. وهذا لا يتمّ إلاّ إذا توافرت للآداب كلها فرص تجاوز حدودها اللغوية والثقافية من خلال الترجمة والتوسيط النقدي، فهما أبرز مؤشرين لعالمية الآثار الأدبية. إلا أن المعطيات المتوافرة تدلّ بصورة لا لبس فيها على أن العلاقات الأدبية الدولية المعاصرة علاقات غير متوازنة، وهي مختلة لصالح الآداب الأوروبية والغربية ولغير صالح آداب شعوب العالم الثالث، التي لا يزيد نصيبها من التبادل الأدبي الدولي عن نصيبها من الاقتصاد العالمي والتجارة العالمية(22) . وهنا تكمن المعضلة الراهنة الحقيقية للأدب العالمي وعالمية الأدب.

2- 5- رينيه اتيامبل

أثارت نزعة المركزية الأوروبية والغربية التي اصطبغت بها الدراسات المقارنة، ولا سيما دراسات التأثير والتأثر التقليدية، انتقادات وردت من أولئك المقارنين الذين يعرفون حقّ المعرفة أنّ لدى شعوب غير أوروبية، كالعرب والفرس والصينيين والهنود.. ثقافات عريقة وكنوزاً أدبية ثمينة لا يجوز تجاهلها. ومن أشهر المقارنين الذين انتقدوا نزعة المركزية الأوروبية، ودعوا إلى انفتاح الأدب المقارن على الآداب غير الأوروبية، المقارن الفرنسي الكبير رينيه اتيامبل (Rene Etiemble) ، الذي حضّ المقارنين على تعلّم اللغات الشرقية والإطلاع على آدابها بغية توسيع آفاقهم الأدبية، وأيد إحياء مفهوم (الأدب العالمي)  الذي جاء به غوته، وطالب بإجراء مقارنات أدبية على المستوى العالمي، لا بهدف تتبع علاقات التأثير والتأثر واستكمال تاريخ الآداب القومية، وإنما بغرض التوصل إلى "شعرية مقارنة"(23) . لقد وعى رينيه اتيامبل، الذي كان في أول الأمر معزولاً يغرد خارج السرب، ضرورة تحرير الأدب المقارن من المركزية الأوروبية، وأن تنطلق الدراسة الأدبية المقارنة لا من عدد محدود من الآداب، بل من الأدب العالمي، ففتح بذلك للأدب المقارن آفاقاً رحبة.

2- 6- فان تيغم

نبّه المقارن الفرنسي المعروف فان تيغم (Ph. Van Tieghem)  المقارنين إلى إشكالية يمكن أن يقعوا فيها عندما يتصدّون لقضية عالمية الأدب، ألا وهي الإشكالية النابعة عن حقيقة أنّ بعض الأدباء يصيبون خارج بلادهم" نجاحاً لا يستحقونه". كما نبّه هذا المقارن إلى أن لكبار الكتاب في الأدب العالمي "قيماً نسبيّة تختلف عن القيم التي يستحقونها في آدابهم، لأن الدور الذي لعبه كل منهم على المسرح العالمي الواسع يتفاوت تفاوتاً عظيماً"(24) . فقد لاحظ فان تيغم أن بعض كتّاب الدرجة الثانية قد لعبوا في عصرهم دوراً كبيراً، وكان لهم تأثير لا يقلّ عن تأثير غيرهم من الناحية العالمية. وهذه ملاحظة بالغة الأهمية، ترسم علامة استفهام على مفهوم الأدب العالمي الذي ينطلق من أنّ الأدب العالمي هو مجموع الروائع الأدبية التي تنتمي إلى آداب قوميّة مختلفة. ومن الأمور الهامة التي لاحظها هذا المقارن الكبير حقيقة وجود آداب "ذات إشعاع محدود" لا تلقى العناية التي تستحقها. فقد تكون هذه الآداب متطورة من النواحي الفنية والفكرية، ولكنّ أسباباً غير أدبية تؤدي إلى حجب الاهتمام عنها وعدم تقدير إنجازاتها. ولفان تيغم في السياق نفسه ملاحظة هامة أخرى، ألا وهي أنّ انتشار الأعمال الأدبية الأجنبية بدون وسيط يكون نادراً في البلدان التي تكون معرفة اللغات الأجنبية فيها" وقفاً على عدد قليل من الناس"(25) .

 

يستخلص مما قاله فان تيغم بخصوص عالمية الأدب أنّ النجاح والشهرة اللذين يحظى بهما الأدباء خارج أوطانهم لا يمكن أن يعدّا معياراً وحيداً لعالميتهم. فالشهرة العالمية قد لا تقترن بالجودة، وهناك من الأدباء من يحققون نجاحاً عالمياً مؤقتاً، ولكن ذلك لا يسوّغ أن يصنّفوا مع الأدباء العالميين. ومن الأمور الهامة التي انتبه إليها فان تيغم دور تعليم اللغات الأجنبية في انتشار الأعمال الأدبية خارج بلدانها. لقد حصر فان تيغم ذلك الدور في انتشار تلك الأعمال "بدون وسيط"، إلاّ أن لتعليم اللغات الأجنبية وتحوّل بعض تلك اللغات إلى لغات عالمية دوراً يفوق الدور الذي نسبه إليه المقارن المذكور فيما يتعلق بعالمية الأدب. فهذا الدور لا يقتصر على تحديد فرص انتشار الأعمال الأدبية في الخارج بدون وسيط، بل بوسيط أيضاً، أي بالتوسيط الترجميّ والنقديّ. ومن الملاحظ أيضاً أنّ فان تيغم لم يفصل مسألة "الآداب ذاتها الإشعاع المحدود". فهل ترجع قلّة الإشعاع هذه إلى أن تلك الآداب هي آداب لغات صغيرة ليس لها عدد كبير من المتكلمين، أم إلى أنها آداب غير متطورة، ليس فيها روائع أدبية تستحق أن تترجم إلى اللغات الأجنبية وأن تحظى بشيء من العالمية، أم إلى أنها آداب شعوب تتعرّض للهيمنة اللغوية والثقافية الخارجية، وتقوم الأطراف المهيمنة بالتعتيم عليها وحرمانها من الإشعاع؟(26)

2- 7- برونيل /بيشوا/ روسو

ومن المقارنين الذين تنبهوا إلى ما تنطوي عليه عالمية الأدب من إشكالية المقارنون الفرنسيون برونيل /بيشوا/ روسو (P.Brunel CL.Pichois/ A.M.Rousseau) . فهم يرون أنّ الأدب العالمي يتألف من "أعمال متميزة عبر الشهرة العالمية التي حققتها والنوعية الخالدة التي تقدّمها"(27). إلاّ أن هؤلاء المقارنين لاحظوا أيضاً أنّ "الاتصال الوثيق بين أدب وحضارة سائدة يشجّع على إيصال هذا الأدب إلى مستوى الأدب العالمي(28) . إنها فكرة بالغة الأهمية، ولكن المؤلفين لم يحددوا ماهية "الحضارة السائدة"، ولم يتطرقوا إلى الآداب التي دخلت دائرة العالمية نتيجة ارتباطها بتلك الحضارة. ولاحظ برونيل /بشوا/ روسو/ بالمقابل أنّ انتماء أدب ما إلى "أقليّة لغوية" يعيق انتشاره لغوياً، وهذه فكرة هامة أيضاً، ولكنها لم تعط حقها من التعميق والتفصيل. إنها تعني ضمناً أنّ انتماء الأعمال الأدبية إلى "أكثرية لغوية"، أي إلى لغات كبيرة واسعة الانتشار، يسهّل انتقالها إلى دائرة العالمية، حتى إذا كانت تلك الأعمال غير "متميزة" فنياً وموضوعاتياً.

2- 8- الوضع الراهن

على أية حال فإنّ مفهوم (الأدب العالمي)  الذي صاغه الأديب الألماني غوته في ثلاثينيات القرن التاسع عشر قد لقي في أول الأمر إعراضاً ورفضاً من جانب علماء الأدب المقارن أكثر مما حظي به من قبول واستحسان. إلاّ ان الاهتمام بهذا المفهوم ما لبث أن تجدّد منذ أواسط القرن العشرين، إن على الصعيد العلمي الأكاديمي، أم على الصعيد الثقافي العامّ. وأكثر من ذلك: لقد ظهر في المرحلة الأخيرة ما يشبه التضخّم في استخدام عبارة (الأدب العالمي) . فبالإضافة إلى " معاجم الأدب العالمي"، و"سلاسل الأدب العالمي" و"مكتبات الأدب العالمي" تحوّلت صفة "عالمي" إلى صفة بالغة الإيجابية، يُنعت بها كثير من الأدباء والأعمال الأدبية بغرض الدعاية والترويج التجاري. لقد حقق مفهوم "الأدب العالمي" في النصف الثاني من القرن العشرين انتصاراً كبيراً، بعد أن مرّ بسيرورة ما كانت ستخطر لواضعه غوته على بال، ولكن هل استقر هذا المفهوم أخيراً وحصل إجماع على مضمونه؟

إنّ النجاح الذي أحرزه مفهوم "الأدب العالمي" لم يُزل ما ينطوي عليه هذا المفهوم من إشكالية وخلافية. فهناك خلاف شديد بين من يرى في "الأدب العالمي" مجموع الأعمال الأدبية الرائعة المتميزة التي تنتمي إلى آداب قومية مختلفة، جاعلاً بذلك من الجودة الفنية مقياساً لعالمية الأدب، وبين من يرى أن الأدب العالمي هو تلك الآثار الأدبية التي تمكنت من أن تتخطى حدودها اللغوية والثقافية القومية، وأن تحظى بانتشار عالمي، إن بدون وسيط أم بوسيط ترجمي ونقدي. فأساس هذا المفهوم هو الانتشار العالمي، سواء ترافق مع جودة فنية وفكرية أم لم يترافق. وهناك أخيراً من يرى أنّ "الأدب العالمي" هو مجموع الآداب القومية الموجودة في العالم، بصرف النظر عن المستويات الفنية والانتشار العالمي لأعمالها. وهذا يعني أنّ هناك ثلاثة مفهومات للأدب العالمي، لكلّ منها حججه ومترتباته وأنصاره، وإذا كان التوفيق بين المفهومين الأول والثاني ممكناً إلى حدّ كبير، وذلك لأنّ الروائع الأدبية كثيراً ما تحظى بانتشار عالمي، فإنّ التوفيق بين هذين المفهومين وبين المفهوم الثالث أمر بالغ الصعوبة. فأنصار هذا المفهوم يأخذون على المفهومين الأخيرين مركزيتهما الأوروبية والغربية، لأن جلّ الأعمال الأدبية الرائعة والمنتشرة عالمياً تنتمي فعلياً إلى الآداب الأوروبية والغربية، مما يعني أن تصوّريهما للأدب العالمي ينطويان على إجحاف بحق الآداب القومية الأخرى، وبآداب شعوب العالم الثالث على وجه التحديد. ولذا يطالب أنصار المفهوم الثالث بتبني مفهوم التكافؤ والمساواة بين الآداب. أمّا أنصار المفهومين الأول والثاني فهما يريان بالمقابل أنّ "الأدب العالمي" ليس هيئة عامة للأمم المتحدة"، يتساوى فيها صوت دولة متطورة عظمى مع صوت دولة متأخرة فقيرة صغيرة(29) . فالمساواة بين الآداب فيما يتعلق بالعالمية أمر غير ممكن، لأن الآداب تختلف عن بعضها البعض في تطورها وغناها ومستوياتها الفنيّة والفكريّة. وهكذا فإنّ مفهوم "الأدب العالمي" يعكس ما هو قائم في الساحة الثقافية الدولية من تناقضات.

3- 0- مفهومات العالمية في الأدب المقارن العربي

كان المقارنون العرب في مقدمة المهتمين بمسألة عالمية الأدب العربي الحديث. وهذا أمر غير مستغرب، فالموضوع يدخل في صميم اهتمامات الأدب المقارن وحقله المعرفي باعتباره ذلك النوع من الدراسات النقدية الذي يتناول الظواهر الأدبية التي تتجاوز الحدود اللغوية والثقافية للآداب. وبالفعل فإنّ عدداً كبيراً من المقارنين العرب قد تعرضوا لهذه المسألة وناقشوها، ولكنّ كلاً منهم اقترب منها انطلاقاً من موقعه الفكري ومن المدرسة المقارنة التي ينتمي إليها. فكيف نظر المقارنون العرب إلى "الأدب العالمي" و"عالمية الأدب" بصفة عامّة، وإلى عالمية الأدب العربي الحديث على وجه الخصوص؟

3- 1- محمد غنيمي هلال

كان الدكتور محمد غنيمي هلال، الذي يعدّ بحقّ مؤسس الأدب المقارن الأكاديمي العربي، أوّل من تطرّق إلى هذه المسألة بصورة تفصيلية منهجية. فقد أفرد فصلاً من كتابه الشهير "الأدب المقارن" لموضوع "عالمية الأدب وعواملها"، رفض فيه مفهوم "الأدب العالمي" بحجة أنّ فكرة الأدب العالمي "مستحيلة التحقيق لأن الأدب استجابة للحاجات الفكرية والاجتماعية للوطن والقوميّة.. وأنّ الآداب وطنية وقوميّة أولاً"(30) . وقد بنى المؤلف ذلك الرفض على أمرين، أولهما اعتقاده بأن الأدب العالمي الذي بشّر به غوته ينفي وطنية الآداب، ويعني بصورة حرفية أن تزول الآداب القومية ليحل محلّها في العالم بأسره أدب واحد، وهذا ما لم يخطر لواضع مفهوم الأدب العالمي على بال. أمّا الأمر الثاني فهو اعتقاد الدكتور هلال بوجود تناقض بين ما هو وطني وما هو عالمي، بين الخاصّ والعامّ، وكأنّ استجابة الأدب لحاجات فكرية واجتماعية وطنية وقومية تتنافى مع استجابته لحاجات عالمية وإنسانية. وهذه نظرة خاطئة إلى علاقة الخاصّ بالعامّ، والوطني بالعالمي والإنساني. فالتناقض الذي افترض الدكتور هلال وجوده لا ينطبق سوى على القوميات الشوفينية، كالفاشيّة، التي تريد أن تخضع ما هو إنساني وعالمي لما هو قومي. ومن المعروف أنّ القومية العربية بالذات ليست من النوع الشوفيني، بل هي حركة ذات مضمون إنساني، نشأت في غمرة نضال العرب ضدّ الاستعمار والتجزئة القومية، وهي ترى في تحرر العرب وتقدمهم مساهمة في تقدّم الإنسانية(31) .

إلاّ أنّ الدكتور محمد غنيمي هلال الذي رفض مفهوم "الأدب العالمي" قد احتفى بظاهرة أدبية أخرى هي "عالمية الأدب"، وكأنها شيء مختلف عن الأدب العالمي كلّ الاختلاف. فكيف فهم الدكتور هلال تلك العالمية؟ يقول الدكتور هلال عن عالمية الأدب إنّ معناها هو "خروجه من نطاق اللغة التي كتب بها إلى أدب لغة أو أدب لغات أخرى.. إما للتأثير في الآداب الأخرى.. وإما نشداناً لما يغني ويكمل ويساير الركب العالمي ". ثم يتابع الدكتور هلال شرح هذه الفكرة قائلاً: "عالمية الأدب هي خروج الآداب من حدودها القومية طلباً لكل ما هو جديد مفيد تهضمه وتتغذى به واستجابة لضرورة التعاون الفكري"(32) . وبعبارة أخرى فإنّ عالمية الأدب هي، في رأي الدكتور هلال، تأثر أدب قومي بأدب قومي أو بآداب قومية أخرى. ترى هل يسوّغ هذا المفهوم أن نطلق على تلك الظاهرة تسمية "عالمية الأدب"؟ فعندما يتمّ التأثير بين أدبين قوميين فإنه يكون ثنائياً، لا عالمياً، وإذا ما تمّ بين أدب قومي معيّن وعدّة آداب قومية فإنّ ذلك التأثير لا يتحوّل بالضرورة إلى ظاهرة عالمية. وللعالمية التي يتحدث عنها الدكتور هلال "أسس"، أهمها أنّ الأدب المتأثر "يختار من الآداب الأخرى على حسب حاجته، ولا يتحوّل الأدب المتأثر إلى تابع أو مقلّد للأدب المؤثر، ففي عملية التأثر يحافظ الأدب المتأثر على أصالته، إن على مستوى الأديب أو على مستوى الأدب القوميّ برمّته"(33) . إنّ في ما يقوله هلال تكراراً لمقولة أنّ التأثر يتمّ ضمن إطار الأصالة وعلى قاعدتها، علماً بأن التأثر الأدبي قد يبلغ درجة التبعية والتقليد، فماذا يمنع الطرف المتأثر من أن يقلد الطرف المؤثر إلى ذلك الحدّ(34) .

ماذا يترتب على مفهوم "عالمية الأدب" الذي أخذ به الدكتور هلال بالنسبة للأدب العربي الحديث؟ إنّ جوابه عن هذا السؤال هو: "عالمية الأدب تجعلنا ننظر إلى أدبنا القومي نظرة أعمق، إذ نعدّه بين الآداب العالمية المختلفة الأخرى، يغنى بصلاته بها، وينتهج المفيد من مناهجها، فالآثار الأدبية العالمية تؤلف وحدة يقاس الإنتاج الأدبي الحديث بنسبته إليها، وأدبنا الحديث لبنة في ذلك البناء العالمي الشامخ"(35) . ما معنى هذا الكلام الذي تطغى عليه نبرة إنشائية خطابيّة؟

من الملاحظ أنّ الدكتور هلال يتحدث هنا عن "آداب عالمية"، وذلك بالرغم من إصراره على أن الآداب لا يمكن أن تكون إلاّ قومية، وبالرغم من أنه يرفض مفهوم "الأدب العالمي". فكيف ينسجم ذلك الرفض مع تحدثه عن "آداب عالميّة"؟ وما المقصود بتلك الآداب؟ يبدو أنّ المقصود بها هي الآداب الأجنبية أو الآداب الموجودة في العالم. وما تلك "الآثار الأدبية العالمية" التي يقاس بها الإنتاج الأدبي الحديث؟ هذا ما لا يشرحه الدكتور هلال، ولو دخل في تفاصيله لاضطر لتبني صورة من صور مفهوم "الأدب العالمي". أما الأدب العربي الحديث فقد وصفه الدكتور هلال بأنه "لبنة في البناء العالمي الشامخ". ترى ما هذا "البناء العالمي"؟ أهو "الأدب العالمي" الذي يرفض الدكتور هلال مفهومه؟ وما معنى أن يكون الأدب العربي الحديث "لبنة في ذلك البناء الشامخ"؟ هل المقصود بذلك أنّ الأدب العربي الحديث هو أحد الآداب الحديثة الموجودة في العالم؟ أم المقصود به هو أنّ ذلك الأدب يتمتع بالمكانة العالمية ذاتها التي تتمتع بها الآداب الحديثة الأخرى، وأنه لا يقل شأناً عن تلك الآداب؟ إنّ الدكتور هلال يرسم صورة شديدة الانسجام لعلاقة الأدب العربي الحديث بالآداب الأخرى، صورة علاقة لا تشوبها شائبة ولا تعكرها تناقضات، وهذه صورة غير واقعية، لا تساعد في فهم ما يتعرض له الأدب العربي في الساحة الدولية من تحديات.

وعموماً يمكن القول إنّ الدكتور هلال قد حصر مسألة "عالمية الأدب" في تأثر الأدب القومي بالآداب الأخرى، ولم يتطرق إلى مسألة تأثيره في تلك الآداب، مما حوّل "عالمية الأدب" التي يتحدث عنها إلى ظاهرة أحادية الجانب. ومع أننا نشارك الدكتور هلال وجهة النظر القائلة بأنّ التأثر يغني الأدب القومي ويساهم في تطويره، بدليل التطور العظيم الذي شهده الأدب العربي الحديث منذ أن انفتح على الآداب الأوروبية والأجنبية في أواسط القرن التاسع عشر، فإننا لا نرى أيّ مسوّغ لحصر "عالمية الأدب" في تأثر أدب قومي بالآداب الأخرى، ولأن يغفل تأثير ذلك الأدب في تلك الآداب، فالحديث عن تأثر أدب قومي بآداب أخرى ينطوي ضمنياً على إقرار بوجود آداب فاعلة ومؤثرة. فلماذا لا ندرس العوامل التي تجعل أدباً قوميّاً ما أدباً مؤثراً في الآداب الأخرى؟ إن هذه المسألة تهمّنا اليوم بشدّة. فمشكلتنا لا تكمن في تأثر أدبائنا بالآداب الأجنبية، بقدر ما تكمن في عدم تمكّننا من إيصال صوتنا الأدبي إلى العالم، ومن أن نضمن للأدب العربي الحديث تأثيراً عالمياً مناسباً. تلك هي المشكلة التي تواجه اليوم أدبنا الحديث، وهي مشكلة قفز الدكتور هلال من فوقها عبر جمل خطابية فضفاضة، كقوله عن الأدب العربي الحديث إنه "أدب بين الآداب العالمية المختلفة الأخرى"، أو إنّ ذلك الأدب "لبنة في البناء العالمي الشامخ".

3- 2- فؤاد المرعي

ومن المقارنين العرب الذين تصدوا لمسألة عالمية الأدب الدكتور فؤاد المرعي، وذلك في بحث قدّمه عام 1986 إلى المؤتمر الثاني للرابطة العربية للأدب المقارن. فقد انطلق الدكتور المرعي في بحثه المذكور من مقولات نظرية الأدب الماركسية المعروفة، كارتباط تطور الأدب بتطور المجتمع، ومرحليّة ذلك التطور وعدم تزامنه، ووحدة قوانين العملية الأدبية" بوصفها جزءاً من العملية الاجتماعية التاريخية العالميّة"(36) . أمّا فيما يتعلق بمفهوم الأدب العالمي فإن الدكتور المرعي ينتقد بمرارة صبغة المركزية الأوروبية التي أضفاها عليه المقارنون الأوروبيون، ويرى أن تبني مفهوم كهذا قد يعيق دور الأدب المقارن في إظهار عالمية الأدب العربي، خلافاً للمفهوم الماركسي الذي يساعد في ذلك. فالأدب العالمي، وفقاً للدكتور فؤاد المرعي، ليس مجموع الأعمال الرائعة، بل هو "مجموع الآداب في العالم"، وعليه فإن دور الأدب المقارن لا يتمثل في إبراز علاقات التأثير والتأثر، بل "في بناء تاريخ الأدب العالمي على أساس علميّ يستند إلى وحدة تاريخ تطوّر البشرية"(37) . ولئن كان بعض الآداب، ومنها الأدب العربي، يتأثر بآداب الشعوب الأكثر تقدماً في ميدان التطوّر الاجتماعي، فإنّ مردّ ذلك هو "عدم انتظام التطوّر في المجتمع الطبقي"(38) ، ناهيك عن أنّ ذلك التأثير لا يحدث إلاّ عندما تنشأ في مجتمع الأدب المتأثر حاجة إلى هذا الاستيراد الثقافي.

يتلخص ما جاء به الدكتور فؤاد المرعي حول الأدب العالمي، متكئاً بصورة مباشرة وصريحة على أفكار المقارن الروسي فيكتور جيرمونسكي ومقولاته، في الدعوة إلى تبني مفهوم إنساني شامل للأدب العالمي، وفي التركيز على علاقة تطوّر الأدب بتطوّر المجتمع. ترى ماذا تفيدنا هذه الدعوة في معالجة قضية عالمية الأدب العربي الحديث؟

إننا نتفق مع الدكتور المرعي على رفض أي مفهوم للأدب العالمي يحصر ذلك الأدب في الآداب الأوروبية والأمريكية ويسدّ أمام الآداب الأخرى أبواب العالمية. إلاّ أنّ أي موقف نتخذه من مفهوم الأدب العالمي لا يغير شيئاً من حقيقة أنّ الآداب الأوروبية والغربية هي في الواقع الآداب الأكثر عالمية في هذا العصر، إن لناحية الترجمة إلى اللغات الأجنبية، أو لناحية التوسيط النقدي والتفسيري، أو لناحية التأثير الإبداعي الذي تمارسه في الآداب الأخرى. إنّ هذا الواقع الأدبي الدولي لا يتغير بمجرد أن يقف منه المرء موقفاً رافضاً. فالأدب العالمي لا يصنعه علماء الأدب المقارن الذين يدعوهم الدكتور المرعي إلى تبني مفهوم آخر للأدب العالمي، بل تصنعه عوامل أدبية وغير أدبية، مكنت الآداب الأوروبية والغربية من أن تشكّل "الأدب العالمي" الفعليّ، إذا انطلقنا من أنّ الأدب العالمي هو مجموع الأعمال الأدبية التي تستقبل خارج لغاتها بتوسيط ترجمي أو بلا توسيط. أما القول إنّ الأدب العالمي هو "مجموع الآداب في العالم" فهو قول يصطدم بحقيقة أنّ القسم الأعظم من الأعمال الأدبية التي تنتمي إلى آداب غير أوروبية وغربية لا يحظى بكثير من العالمية، ويبقى حبيس لغاته الوطنية، ومن ثمّ لا يمكن أن يوصف بالعالميّ. فللعالمية معاييرها، وأبسطها أن يترجم العمل الأدبي من لغته الأصلية إلى لغات أجنبية، وأن يؤثر خارج أدبه القومي.

أما فيما يتعلق بمقولة ارتباط التطور الأدبي بالتطور المجتمعي فثمة ما يشبه الإجماع على أنّ الأدب ليس ظاهرة ثقافية معلقة في الهواء، بل هو ظاهرة ثقافية مرتبطة بالمجتمع، تعبّر عنه وتتفاعل معه وتتأثر به وتؤثر فيه. ولكن هل يعني ذلك أنّ المجتمع المتخلف اقتصادياً واجتماعياً وتقنياً ينجب بالضرورة أدباً متخلفاً، وأنّ دور آداب المجتمعات المتأخرة يقتصر على التأثر بآداب المجتمعات المتطورة؟ تلك هي النتيجة المنطقية لمقولة ارتباط التطور الأدبي بالتطور الاجتماعي، إذا ما فُهمت تلك المقولة بصورة جامدة غير جدلية. أما الفهم الجدلي السليم للمقولة المذكورة فيرى أن الأدب يتطور بصورة مستقلة نسبياً عن تطور المجتمع، وذلك وفقاً للديناميكية الداخلية الخاصة بالنظام الأدبي. فالأدب في المجتمع المتخلف ليس متخلفاً بالضرورة، وكثيراً ما يكون عكس ذلك هو الصحيح. فها هو الأدب الأمريكي الجنوبي يحظى اليوم بدرجة عالية من العالمية، وذلك برغم تخلف الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لشعوب أمريكا الجنوبية. وكثيراً ما يكون ازدهار الأدب استجابة ثقافية لتدهور الحياة الاجتماعية وانحطاطها، فيتحوّل إلى حافز لتجاوز ذلك الانحطاط. إنّ هذه المقولة تسري على الآداب الأمريكية الجنوبية وعلى بعض آداب شعوب العالم الثالث التي تتصدى للتخلف والتبعية بالإبداع الأدبي المتطور. إلاّ أنّ هذه المقولة غير قابلة للتعميم. فالتخلف والتبعية كثيراً ما يلازمهما طغيان سياسي واجتماعي يخنق حرية التعبير والإبداع الأدبيين ويؤدي إلى تخلف الحياة الأدبية. وفي مطلق الأحوال فإنّ مقولة الترابط بين الأدب والمجتمع لا يجوز أن تدفعنا للتوصل إلى استنتاجات خاطئة، كأن نستنتج مثلاً أنّ الأدب العربي الحديث لا يمكن أن يتطور ما دام المجتمع العربي متخلفاً، وأنّ علينا أن ننتظر حتى يبلغ مجتمعنا درجة عالية من التطور قبل أن يتمكن أدبنا من بلوغ درجة متقدمة من العالمية، أو أن نقول إنّ أدبنا سيرتقي إلى مستويات عالية بمجرد أن يتقدّم المجتمع العربي، وبما أن تطور المجتمع أمر حتمي فإنّ تطوّر الأدب أمر حتمي أيضاً. إنّ فهماً كهذا لعلاقة الأدب بالمجتمع هو فهم خاطئ وميكانيكي لا يجوز أن نتبنّاه. وهو فهم لا يخدم تقدمنا الأدبي والاجتماعي.

3- 3- سعيد علوش

ومن المقارنين العرب الذين انتقدوا النزعة المركزية الأوروبية في التعامل مع قضايا الأدب العالمي المقارن المغربي الدكتور سعيد علوش. فقد أخذ على الأدب العالمي الذي يمارس في الغرب نزوعه "إلى اختزالية تعتمد انتقائية المركزية الأورربية للأعمال الكبرى في التراث الغربي، حيث لا تمنح المجاميع والأنتولوجيات وخزانات الأدب العالمي مكاناً لأدب القارات المنسية: الافريقية والآسيوية والأمريكية اللاتينية"(39) . ويمضي الدكتور علوش في نقده لتاريخ الأدب العالمي في الغرب، فيأخذ على ذلك التاريخ أنه "بقي حبيس أدب القيمة، وهو أدب يشدد على التأويل الانتقائي الذي يتجاهل الثقافات الأخرى"، مما حوّل مصطلح الأدب العالمي إلى مصطلح دعائي. أما البديل الذي يقترحه الدكتور علوش لمفهوم الأدب العالميّ المشوّه المستخدم في الغرب فهو العودة إلى مفهوم الأدب العالمي بالشكل الذي بشر به غوته، لأنه مفهوم "يعتبر خصوصية الأمم، مدمجاً مفهوم الغيرية في مفهوم الأدب العالمي"(40) . فالاعتراف بالآخر والتعرف إليه يصلحان "مفتاحاً لفهم الأدب العالمي عند جوته". وعندما يفهم الأدب العالمي على هذا الشكل فإنه يكتسب بعداً تأويلياً يلعب فيه فنّ التأويل والتفسير والترجمة دوراً خاصاً". وبالاتكاء على جيل جديد من المقارنين الفرنسيين الذين خلّفوا وراءهم دراسات التأثير والتأثر التقليدية، من أمثال بشوا وروسو، يدعو الدكتور سعيد علوش إلى "سوسيولوجيا للأدب العالمي"، فهي قادرة على أن تفسّر لنا حقيقة أنّ انتساب أدب إلى "حضارة مهيمنة يساعد في اقتحام هذا الأدب المستوى العالمي". أما الوجه الآخر لتلك السوسيولوجيا فهو أن نبحث في الأدب العالمي "عن الأعمال التي تستحق انتشاراً عالمياً ولم تبلغه بعد"(41) . ولهذا السبب يتفق الدكتور علوش مع المقارن الفرنسي باجو على ضرورة تحقيق "مبدأ الحوارية" بين الآداب، دونما تمييز بين الآداب الكبرى والصغرى، والآداب المهيمنة والآداب المتجاهلة التي تأخرت نهضاتها"(42) .

يرجع إلى الدكتور سعيد علوش الفضل في إبراز مفهوم "الغيرية" عند غوته، وربطه بمفهوم "الأدب العالمي"، علماً بأن مقارناً مغربياً آخر هو الدكتور فوزي بوبيا قد سبقه إلى هذه المسألة(43) . فالعالمية عند غوته لا تلغي الغيرية، أي تميّز الآخر واختلاف ماهيته وخصوصيته. كذلك فإن الدكتور علوش قد ربط مفهومي "الأدب العالمي" و"الغيرية" بمبدأ الحوارية الذي بلوره الناقد الروسي جورج باختين وجعل منه أساساً لخطاب نقدي جديد يتعامل مع الآخر ليس من موقع السيطرة بل من موقع الندية. وانطلاقاً من فكرتي الغيرية والحوارية دعا الدكتور علوش إلى صياغة مفهوم للأدب العالمي لا يميز بين أدب كبير وآخر صغير وبين أدب مهيمن وآخر متجاهل.

من المؤكد أنّ مفهوم (الأدب العالمي)  الذي يدعو إليه الدكتور علوش مفهوم جدير بالترحيب، لأنه يعيد إلى الأدب العالمي عالميته ووجهه الإنساني. إلاّ أن هذا المفهوم بعيد عن الواقع الميداني للعلاقات الأدبية والثقافية المعاصرة، حيث الآداب منقسمة إلى آداب كبرى وآداب صغرى، وإلى آداب مهيمنة وأخرى متجاهلة أو منسية. إنه لمن المفيد أن يتبنى المرء مفهوماً انتقادياً للأدب العالمي، ولكن من الضروري أيضاً أن ينطلق المرء من الواقع الأدبي الدولي القائم، أي أن يضع بالفعل "سوسيولوجيا الأدب العالمي" بكل ما يحفل به ذلك الواقع من تناقضات. فدراسة البنى المتناقضة للعلاقات الأدبية الدولية يمكن أن ترشدنا إلى تصور واقعي وميداني لما يمكن أن نفعله بغية تمكين أدبنا العربي من أن يحظى بقدر أكبر من العالمية. فالتصدي لتشويه مفهوم "الأدب العالمي" من قبل المركزية الأوروبية والغربية لا يكون بطرح البدائل المفهومية فحسب، وإنما بتلمس السبل والإمكانات الواقعية لتجاوز الواقع الأدبي الدولي القائم، الذي جعل العالمية وقفاً على بعض الآداب، وحرم منها آداباً أخرى، من بينها الأدب العربي.

3- 4- عز الدين المناصرة

ينظر المقارن والشاعر الفلسطيني الدكتور عز الدين المناصرة إلى عالمية الأدب ضمن إطار آخر، هو عملية المثاقفة التي تشكل في رأيه "أساس عالمية التحديث الأدبي". وقد اتخذ الدكتور المناصرة في حديثه عن المثاقفة موقفاً انتقادياً متحفظاً منها، "لأنها تحمل في داخلها مخاطر التغريب وفرض النمط الواحد والرأي الواحد"(44) . فعملية المثاقفة ليست تبادلاً ثقافياً حراً يتصرف فيه كل طرف وفقاً لحاجاته الثقافية، بل هي نتاج عملية إخضاع "تفرض في سياقها البنى الأيديولوجية المسيطرة وجهة نظرها بقوّتها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية" أما المثال الملموس الذي يضربه الدكتور المناصرة فهي الفرانكوفونية باعتبارها "حالة تاريخية ولغويّة وأدبيّة واحتلاليّة مستمرّة". ففي الوقت الذي يستعر فيه داخل فرنسا حقد شديد "ضدّ كلّ ما هو عربي وإسلامي"، حقد يجرد العرب من كلّ قيمة ثقافية وإنسانيّة، تسعى فرنسا من خلال الحركة الفرانكوفونية لتكريس سيطرتها اللغوية، ومن ثمّ الأدبية بحيث يصبح الأدب الفرنسي نموذجاً(45) . فالمثاقفة السائدة في علاقة الأدب العربي بالغرب هي مثاقفة تعمل "لصالح طرف واحد هو المركزية الأورو - أمريكية، الأدبية والفكرية". إنّ الشكل السائد للمثاقفة يعني، في رأي الدكتور المناصرة "بقاء المراكز صاحبة القرار وبقاء التخوم المنفية تخوماً تابعة وخادمة"(46) . ولا يولي الدكتور المناصرة كبير اهتمام للأصوات الأوروبية التي تنادي بانفتاح حقيقي على الثقافات الأخرى، وذلك لأن دعوتها هذه دعوة نظرية فقط، وهي ترمي إلى "تجميل العالميّة" السائدة. فهذه العالمية تنطوي في حقيقة الأمر على هيمنة طرف واحد هو طرف المراكز الأوروبية - الأمريكية على الأطراف أو الهوامش، وهي علاقة هيمنة وتبعية تكرست على امتداد القرون الأربعة الأخيرة" منذ أن انطلقت الرأسمالية الغربية لإخضاع أقسام العائلة الإنسانية لحاجاتها". وهكذا فإن عالمية هذا شأنها ليست سوى" قناع أيديولوجي للنهب الاستعماري"(47) . ففي إطار تلك العالمية يتم التعامل مع النصوص الأورو-  أمريكية على أنها "روائع أدبية عالمية"، بينما لا ينظر إلى النصوص القادمة من المجتمعات الطرفية بنفس المنظور. أمّا ما يقوم به "التيار التحديثي" أو "التقني" في الأدب العربي، الذي يرى أن المسألة مسألة شكل، فهو مجرد "ترجمة حرفية للنموذج الأورو-  أمريكي"(48) . فهذا النموذج من المثقف العربي الذي أفرزته علاقة المثاقفة الأحادية الجانب، وهو نموذج يدعوه الدكتور المناصرة "بالبنيوي الحداثوي التجريدي"، يقوم بتكريس التبعية" من حيث تقليده للنموذج الذي تصدّره مراكز القلب الرأسمالي"(49) . واستناداً إلى مقولات غرامشي ولوسيان غولدمان وسمير أمين وفيصل درّاج وغيرهم من المنظرين الماركسيين الجدد يرى الدكتور المناصرة "أن حدود العالم اتسعت لتشمل الشعوب كلها والآداب كلها"، وأن القرن العشرين قد شهد نمواً واضحاً للعالمية بسبب وسائل الاتصال الحديثة. ولكن بدلاً من أن يؤدي ذلك إلى ظهور "أدب عالمي إنساني"، فإن هذه العالمية الحداثوية" أعطت امتيازات جديدة لتكريس التبعية، لأن آداب الأطراف "لا تستفيد من ذلك التحسن". كذلك فإن الانتكاسات العسكرية والسياسية التي شهدها العالم العربي في المرحلة الأخيرة قد أدّت إلى "تصاعد التبعية الثقافية والأدبية" بدلاً من أن تؤدي إلى تعميق الفهم العربي لتلك التبعية والتصدي لها.

لقد وجه الدكتور المناصرة في سياق حديثه عن عالمية الأدب نقداً حاداً لما يجري في إطار علاقة المثاقفة السائدة بين الأدب العربي بصفته أدب مجتمع متأخر طرفي وبين "أدب المراكز الغربية". وكانت شوكة نقده موجهة في المقام الأول إلى "المثقف الحداثوي" الذي يعيد إنتاج النموذج الثقافي الغربي (الأورو-  أمريكي) . إلاّ أنّ الدكتور المناصرة لم يتطرق من قريب أو بعيد إلى نموذج آخر من المثقفين العرب أفرزته المثاقفة الأحادية الجانب والهزائم العسكرية والسياسية، ألا وهو المثقف السلفي أو الأصولي الذي يرفض ثقافة الغرب بقضّها وقضيضها، ويريد أن يدير عجلة التاريخ إلى الوراء، إلى عهود ازدهار الثقافة العربية الإسلامية، إلى حقبة تاريخية سبقت الهيمنة الغربية على العرب والمسلمين، أي إلى حقبة ما قبل حداثية. لا نعرف لماذا غابت هذه المسألة عن ذهن الدكتور المناصرة، علماً بأنها الظاهرة الأكثر خطورة في التاريخ العربي المعاصر. فهي تنطوي على خطر إلغاء كلّ ما أنجزته الثقافة العربية والأدب العربي إبان القرنين الأخيرين من إنجازات تحديثية. إنّ المثقف السلفي أو الأصولي هو البديل الواقعي الوحيد للمثقف "الحداثوي" الذي يوجّه الدكتور المناصرة إليه حربة نقده وينكر عليه ما أنجزه على صعيد تحديث الثقافة العربية ونقل الأدب العربي من أدب انحطاط وركود إلى أدب حديث. أما البديل الذي يدعو إليه الدكتور المناصرة، ضاماً في ذلك صوته إلى صوت الدكتور فيصل دراج، فهو "مواجهة التبعية بإعادة إنتاج الثقافة الشعبية الديمقراطية والاعتماد على الذات ومعرفة حدود الهوية الوطنية، إضافة لاختيار النموذج الديمقراطي والتحالف معه"(50) . إنّ هذا البديل المقترح هو بديل وهمي لا وجود له على أرض الواقع. فالأدب العربي يقف اليوم على مفترق طرق. فإمّا أن يواصل تحديث نفسه وتطويرها بحيث يرتقي إلى مصاف الآداب الحديثة، وإما أن يتراجع عن التحديث والحداثة، ويبدأ مسيرة العودة إلى "عصر ذهبي" انقضى ولن يعود. وفي رأينا فإنّ الدكتور المناصرة قد أخطأ الهدف عندما وجه سهامه إلى المثقف الحداثوي وإلى المثاقفة المعاصرة. فعلى الرغم من كلّ ما يؤخذ على تلك المثاقفة، ومن كلّ ما يقال عما تنطوي عليه من تبعية للنموذج الغربي، فإنّ تلك المثاقفة قد أسفرت عن إنجازات ضخمة على صعيد تطوير الأدب العربي في أجناسه وأغراضه وأساليبه، أي في شكله ومضمونه، لا في شكله فقط، وسارت به أشواطاً كبيرة على طريق العالمية. ويكفي أن يقارن المرء الأدب العربي في أواخر القرن العشرين بالأدب العربي في أواخر القرن الثامن عشر، ليدرك حجم ما حققه الأدب العربي من إنجازات تحديثية، لا نصدّق أنّ الدكتور المناصرة، وهو نفسه مثقف حديث، يريد التراجع عنها في غمار نقمته على "المثقف الحداثوي". إننا لا ننكر على الدكتور المناصرة حقه في نقد التبعية الثقافية، ولكن من حقنا أن نطالبه بأن يكون نقده دقيقاً من جهة، وأن تكون لذلك النقد أهداف واضحة، تخدم تطوير الثقافة العربيّة وتحديثها من جهة أخرى. أما نقد المثاقفة و"المثقف الحداثوي" الذي يمارسه الدكتور المناصرة فهو نقد غير دقيق، يرى سلبيات المثاقفة ولا يرى الإيجابيات التي نجمت عنها، وهو نقد يضعف الطرف التحديثي في الأدب العربي المعاصر، ويضعف بالتالي قدرة هذا الأدب على التطور وتجاوز التبعية الذي لا يتمّ بالإعراض عن النموذج الأدبي الأوروبي - الأمريكي، لأنه النموذج الأكثر تقدماً، وإنما باستيعاب ذلك النموذج استيعاباً خلاقاً منتجاً، وتأصيله ليصبح جزءاً من تراثنا الثقافي ومن أصالتنا(51) . إن تجاوز التبعية الثقافية في ميدان الأدب يكون بأن نواصل إحياء تراثنا واستيعابه، وأن ننتج أدباً يعبّر عن تجربتنا الإنسانية بأشكال أدبية متطورة وحديثة، هضمت الثقافة العالمية، غربية كانت أم شرقية، والتراث العربي الإسلامي على حدّ سواء، في هذه الحالة فقط نستطيع أن نبدع أدباً يجمع العالمية إلى المحلية ويوفق بين القومي والإنساني. وهذا ما تسعى النخبة الأدبية العربية المعاصرة لتحقيقه. ومن المؤكد أن تلك المساعي الجادة لا تدخل في باب "التلذذ بالتبعية". أما عالمية الأدب العربي الحديث فإن نقد المثاقفة والتبعية الأحادي الجانب الذي قدّمه الدكتور المناصرة لا يساهم في توضيح مشكلاتها التي تحتاج لأن تُدرس وتحلل بدقة وعمق. إنّ الأدب العربي الحديث لن يبلغ العالمية إذا كان مجرد صدى للآداب الغربية وغيرها من الآداب الأجنبية، ولكن في الوقت نفسه لن يبلغ العالمية ما لم يستوعب الآداب الأجنبية المتطورة وما تنطوي عليه من إنجازات فنيّة وجمالية. من المؤكد أن وعي التبعية والهيمنة أمر ضروري ولا خلاف حوله، ومن الضروري التحلّي بذلك الوعي كي نجعل أدبنا أدباً يتسم بالأصالة دون أن يتخلف عن ركب العالمية. وهذه مسألة انتبه إليها معظم النقاد والمقارنين العرب، بدءاً بالدكتور محمد مندور، ومروراً بالدكتور محمد غنيمي هلال، الذي أصرّ على أن يتمّ التأثر والتأثير في إطار الأصالة، وانتهاء بالنقاد العرب المعاصرين. لقد غدا واضحاً للجميع أنّ الأدب العربي لن يرقى إلى مصاف العالمية ما لم ينجح في تحقيق تلك المعادلة الصعبة الدقيقة، التي تجعل العمل الأدبي المرشح للعالمية "عملاً محلياً جداً وعالمياً جداً "في وقت واحد، على حدّ قول المقارن الدكتور حسام الخطيب(52)  أما الاكتفاء بنقد التبعية الثقافية واتهام "المثقف الحداثوي" بالتلذذ بتلك التبعية، فهو لا يعود على الأدب العربي بالفائدة، ولا يقرّب ذلك الأدب قيد أنملة من العالمية.

 

3- 5- نبيل راغب

خصّ الناقد المصري الدكتور نبيل راغب موضوع عالمية الأدب بكتاب مستقل عنوانه: "معالم الأدب العالمي المعاصر"(53) . إنّ أول ما يلفت الانتباه في هذا العنوان هو أنّ المؤلف يتحدث عن أدب عالمي يتصف بالمعاصرة، رغم أن العالمية تحتاج إلى وقت. فالعمل الأدبي لا ينتشر عالمياً بمجرد صدوره، بل لا بدّ من مرور بعض الوقت كي يترجم إلى اللغات الأجنبية وينشر ويتناوله النقاد الأجانب بالتوسيط(54) . فالحديث عن "عالمية" و"معاصرة" في آن واحد هو حديث إشكالي، ولكنّ تلك الإشكالية تزول إذا تفحصنا ما يعنيه المؤلف بالعالميّة. فالأدب العالمي المعاصر الذي يعنيه الدكتور راغب هو الأدب المعاصر في ثمانية آداب أجنبية كبرى كلها أوروبية وغربية. ومن الملاحظ أنّ المؤلف قد أغفل العديد من الآداب الأوروبية، الغربية والشرقية، وأغفل بالكامل آداب آسيا وافريقيا وأمريكا الجنوبية، فأخرجها من دائرة الأدب العالمي الذي يعنيه.

لا يعلل المؤلف مفهوم الأدب العالمي الذي يستخدمه، ولا يخضعه للمناقشة، فمن الواضح أنه مقتنع بهذا المفهوم ولا يجد فيه أية إشكالية. إلاّ أنّ المؤلف يورد بصورة ضمنية بعض الاعتبارات التي دعته لأن يحصر مفهوم الأدب العالمي في الآداب الأوروبية والغربية السالفة الذكر، وفي مقدمة تلك الاعتبارات حقيقة أنّ الأدب العربي المعاصر يتأثر بها، "سواء بطريقة مباشرة تعتمد على التقليد والتبعية، أو بطريقة غير مباشرة تنهض على الهضم والاستيعاب والإضافة والأصالة"(55) . ومن تلك الاعتبارات أنّ ممثلي تلك الآداب قد أنتجوا "معظم الأدب العظيم الذي يتميز به القرن العشرون أساساً"، وأحدثوا "ثورة في نظرة الناس إلى المجتمع المعاصر، وفي الوقت نفسه بحثوا عن الأشكال الأدبية الجديدة التي تتمشى مع طبيعة المضامين الثورية"(56). أما الشبه بين هؤلاء الكتّاب وبين الكتّاب الذين خلدهم الأدب على مرّ العصور فيكمن في أن الأدباء المعاصرين "يبلورون موقف الإنسان المعاصر من الكون وهمومه الناتجة عن هذا الموقف". ومع أنّ هؤلاء الأدباء قد أحدثوا ثورة في الأساليب وأشكال التعبير الأدبي، فإنّ الأدب الحديث في عالمنا المعاصر ظلّ امتداداً حيّاً للفترة التي سبقته، وهو " الإضافة الجديدة للتقاليد الأدبية العالمية التي تعود إلى الوراء حتى هوميروس"(57) .

ويسلّط الدكتور راغب في كتابه الضوء على العوامل التي ساعدت الأدب العالمي على الاحتفاظ بحيويته "في بلاد العالم المتحضّر"(!)  وذلك كي نستخلص "الدروس والمناهج التي تساعد الأدب العربي المعاصر على اكتساب نفس الحيوية والمعاصرة مع الحفاظ على أصالته وتقاليده النابعة من تراثه"(58) ، وهذا يعني أن المؤلف يرمي من وراء عرض الأدب العالمي المعاصر إلى "خدمة أدبنا العربي المعاصر"، وذلك بأن يدلّه إلى عوامل القوة في الأدب العالمي ليستفيد منها. فالأدب الإنساني يشكّل "كياناً عضوياً متكاملاً يعتمد على عنصري التأثير والتأثر "بصرف النظر عن اختلاف الثقافات والحضارات، والدكتور راغب لا يريد للأدب العربي المعاصر" أن يحكم على نفسه بالعزلة عن منابع الحيوية، اللازمة لاستمراره وتجديده". فهو يمكن أن يضيف إلى كيانه من التقاليد" ما يوسع الرقعة التي يحتلها على خريطة الأدب العالمي" وذلك من خلال تشرب تلك المنابع واستيعابها. إلاّ أنّ المؤلف لا يريد للأدب العربي أن يقع "في محظور التقليد الذي يجعل منه مجرد صورة باهتة أو نسخة مكرورة للإبداع الأدبي للآخرين"، بل يريد للأدب العربي المعاصر أن يجمع التأثر إلى الأصالة.

من الملاحظ أن الدكتور راغب يعلن بكلّ بساطة أن الأدب الإنساني كله يشكل "كياناً عضوياً متكاملاً"، ويتحدث في هذا السياق عن "أدب إنساني" وليس عن "أدب عالمي"، وهو يرجع تلك الوحدة العضوية إلى عنصري التأثير والتأثر، وقد غاب عن ذهنه أن القسم الأكبر من التشابهات الأدبية لا يرجع إلى هذا العامل، بل إلى عوامل أخرى، أبرزها تشابه الظروف والتجارب الإنسانية التي تؤدي إلى "تشابهات نمطية" أو تيبولوجية بين آداب لم تقم بينها علاقات تأثير وتأثر. فدور تلك العلاقات في تطور الآداب ووحدتها ليس كبيراً بالدرجة التي يعتقدها الدكتور راغب الذي بالغ كثيراً في تقدير ذلك الدور.

وينطلق المؤلف بصورة ضمنية من أن الأدب العالمي المعاصر يتكوّن من مجموعة الآداب الأوروبية والغربية الكبرى، وبالتالي فإن الأدب العربي ليس من العالمية في شيء، ولذا فإن دوره يكمن في أن يتشرب الأدب العالمي بالمعنى السالف الذكر ويستوعبه، أي يتأثر به، دون أن يقع في محظور التقليد، وهذا ما يمكن أن يؤدي مستقبلاً إلى ظهور تقاليد أدبية في الأدب العربي "توسّع الرقعة التي يحتلها على خريطة الأدب العالمي". أما في الوقت الحاضر فإن تلك الخريطة مشغولة بصورة كاملة من قبل الآداب الأوروبية والغربية الثمانية التي عرضها المؤلف في كتابه. إننا في حالة الدكتور راغب أمام ناقد عربي يتبنى بصورة لا واعية وغير انتقادية مفهوماً لعالمية الأدب يتصف بمركزية أوروبية متطرفة. إنه مفهوم يرى في الأدب المعاصر معادلاً للآداب الأوروبية والأمريكية الرئيسة، ويستبعد من ساحة الأدب العالمي كلّ آداب شعوب العالم الثالث. كذلك فإن الدكتور راغب يرى أن لا سبيل للأدب العربي المعاصر إلى العالمية إلاّ من خلال التأثر "بالأدب العالمي" المذكور وتشربه واستيعابه. وأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الدعوة هو أنها دعوة تغريبية، يمكن أن تجرّ الأدب العربي المعاصر إلى حقل التبعية الثقافية، وأن تجعل العلاقات الأدبية بين العرب والعالم مقتصرة على الأخذ من الآداب الغربية، أي على الاستيراد الأدبي، دون إعطائها شيئاً، وأن تحصرها في تلك الآداب، وكأنه لا يوجد في العالم آداب أجنبية أخرى تستحق أن يتفاعل الأدب العربي المعاصر معها. وهذا رأي غير سديد. فالأدب العالمي المعاصر أوسع بكثير من ذلك العدد القليل من الآداب الأوروبية والغربية التي يدعو الدكتور راغب إلى تشربها واستيعابها.

إلاّ أنّ استخدام مصطلح "الأدب العالمي" على طريقة الدكتور نبيل راغب، أي كمرادف للآداب الأوروبية والغربية، هو أمر واسع الانتشار في الدراسات الأدبية والنقدية العربية المعاصرة. فعندما تستخدم عبارة "أدب عالمي" يكون المقصود بذلك "أدب أجنبي" غربي في الغالب. وكثيراً ما يتحدث النقاد والدارسون العرب عن "آداب عالمية"، وهم يعنون بذلك الآداب الأجنبية الكبرى. وغني عن الشرح أن استخدام مصطلح "الأدب العالمي" على هذا الشكل هو استخدام خاطئ، ولكنه شائع حتى في أوساط المقارنين الذين يتوقع المرء أن يكونوا دقيقين في استخدامه. ومن أحدث الأمثلة على ذلك الاستخدام مجلة "نوافذ" السعودية التي تعرّف نفسها بأنها "دورية تعنى بترجمة الأدب العالمي"، علماً بأن المقصود بذلك هو ترجمة الآداب الأجنبية إلى العربية(59) . وها هو المقارن الدكتور حلمي بدير قد ضمّن كتابه "بحوث تجريبية في الأدب المقارن" بحثاً عنوانه: "صلاح عبد الصبور والأدب العالمي"، علماً بأنّ المؤلف لا يعني بالأدب العالمي سوى الأعمال الأدبية الأجنبية التي تأثر بها هذا الشاعر فنياً وفكرياً.(60) .

3- 6- حسام الخطيب

كان الدكتور حسام الخطيب أحد النقاد والمقارنين العرب الذين شغلتهم قضية عالمية الأدب عموماً، وعالمية الأدب العربي على وجه التحديد، مما حمله على أن يخصص لها بحثاً قدمه عام 1986 إلى المؤتمر الثاني للرابطة العربية للأدب المقارن. وقد عبّر الدكتور الخطيب في ذلك البحث عن فهم متطور لعالمية الأدب التي نظر إليها باعتبارها "ارتقاء أدب ما، كلياً أو جزئياً، إلى مستوى الاعتراف العالمي العامّ بعظمته وفائدته خارج حدود لغته أو منطقته، والإقبال على ترجمته وتعرفه ودراسته، بحيث يصبح عاملاً فاعلاً في تشكيل المناخ الأدبي العالمي لمرحلة من المراحل أو على مدى العصور"(61) . إنه تعريف جامع ينطوي على كل العناصر التي تصنع عالمية الأدب، وهو تعريف ينطلق من فهم مختلف جذرياً عن فهم الدكتور محمد غنيمي هلال لتلك العالمية. فبينما غلب على فهم الدكتور هلال لعالمية الأدب تأثر الأدب القومي بالآداب الأجنبية، غلب على فهم الدكتور الخطيب لتلك العالمية تأثير الأدب القومي في الآداب الأجنبية لا تأثره بها. ويرى الدكتور الخطيب أنّ العالمية لا تتحقق بصورة تلقائية، بل عبر مرور الأعمال الأدبية بما سماه "مراكز البث والتصنيع العالمية الكبرى" التي تضمن لها انتشاراً عالمياً. فعندما يترجم العمل الأدبي إلى لغات تلك العواصم، وعلى رأسها الانكليزية، وينشر فيها ويوسط نقدياً من قبل صحافتها ومجلاتها ووسائل إعلامها، فإنه يكتسب شهرة عالمية. إنّ العمل الأدبي لا يدخل دائرة العالمية بمجرد توافر مواصفات إبداعية فيه، وإنما لا بدّ له من أن يدخل في "سلسلة الأقنية النوعية" السابقة الذكر، أي وسائل الاتصال الثقافي من ترجمة وتوسيط نقدي وجوائز أدبية وطنية وإقليمية ودولية تكرس شهرة الأديب والأدب القومي الذي ينتمي إليه. وهذه الوسائل التي تشكل "الأقنية الطبيعية لبلوغ العالمية" متمركزة في "عواصم كوزموبوليتية" معروفة، كباريس ولندن وطوكيو ونيويورك، تشكل الذوق الأدبي في العالم. إن عالمية الأدب تتوقف في رأي الدكتور الخطيب على توافر شرطين هما: شرط فني يتمثل في جودة الأعمال الأدبية، وشرط توسيطي، هوتوصيل تلك الأعمال إلى العالم عبر قنوات التواصل الثقافي. ويرى الدكتور الخطيب أنّ هناك شروطاً خاصة تؤهل العمل الأدبي للعالمية، يذكر منها: الموقف الإيديولوجي والنكهة المحلية الخاصة، والغرائبية، والإتقان الفني. فالتوفيق بين قطبي المحلية والعالمية، وتحقيق التوازن الدقيق بينهما "هو الشرط الأساسي للعالمية"(62) . إلاّ أنّه لا يخفى على الدكتور الخطيب أن عالمية الأدب ترتبط أيضاً بشروط غير أدبية، مثل قوة الأمة التي ينتمي إليها الأدب المرشح للعالمية.

تلك هي، في رأي الدكتور حسام الخطيب، العوامل والشروط التي تتحدد في ضوئها عالمية عمل أدبي أو أدب ما. ويبدو أن الدكتور الخطيب غير مقتنع بأنها محددات نهائية لعالمية الأدب، ولذا نجده يضيف إلى كلّ ما سبق أنّ مبدأ العالمية يخضع "لنسبة كبيرة من الحظّ والمصادفة". فالأعمال الأدبية التي تقيّض لها شهرة عالمية "ليست بالضرورة أفضل ما أنتجه الجنس البشري من إبداع"(63) .

أورد الدكتور الخطيب في حديثه عن عالمية الأدب كثيراً من الأفكار القيمة، وذلك انطلاقاً من موقف براغماتي يستند إلى إطلاع على الكثير من الخبرات المتعلقة بعالمية الأعمال الأدبية. وخلص المؤلف إلى العديد من النتائج العملية بخصوص عالمية الأدب العربي. إنها نتائج لو أخذ العرب بها لتغيرت صورة عالمية أدبهم جذرياً. فقد انطلق الدكتور الخطيب في شروحه المتعلقة بعالمية الأدب العربي من أن تلك العالمية "موضوع قومي/ حضاري يتصل بموقفنا من أنفسنا وموقفنا من العالم،، وبتطلعنا إلى إثبات وجودنا على المستوى الحضاري المعاصر"(64) . فعالمية الأدب العربي هي مسألة للعرب فيها مصلحة ثقافية قومية غنية عن الشرح. إنها باختصار مسألة "إثبات وجود على المستوى الحضاري المعاصر".

ويرى الدكتور الخطيب أن الأدب العربي الحديث يتمتع بفرص جيدة لبلوغ العالمية. "فغنى التجربة الأدبية العربية المعاصرة وانفتاحها على مختلف الآداب العالمية، وقوة دافعها الإنساني والاجتماعي وجرأتها في التجربة الفنية - كل هذه العوامل ترشحها لأن تحتل مكانة عالمية". ولكنّ ذلك مشروط بأن تتوافر لها "الأسباب التقنية الناجحة ووسائل الاتصال الثقافي اللازمة لبلوغ ساحة العالمية"(65) . إلاّ أن الدكتور الخطيب ما يلبث أن يخفف من تقديره المتفائل لفرص العالمية التي يتمتع بها الأدب العربي الحديث، فيقول عن هذا الأدب إنه يتمتع من الناحية النظرية فقط بفرص جيّدة باتجاه العالمية(66) . ويسوغ المؤلف هذا التراجع بالقول إن الأدب العربي الحديث يعاني مما دعاه "أزمة الاختيارات الموقفية والإيديولوجية"، ومن أنّ المعادلة الدقيقة التي تجعل من أي عمل مرشح للعالمية "عملاً محلياً جداً وعالمياً جداً في وقت واحد، ما زالت تشكو من عدم الاستواء في النتاج الأدبي العربي الحديث". وباختصار فإن سوية الإبداع" ما زالت غير مقنعة"(67) . لقد قدّم الدكتور الخطيب تقديرات متضاربة للمستوى الفني الذي بلغته النتاجات الأدبية العربية الحديثة. فهو يتحدث عن "غنى التجربة الأدبية العربية المعاصرة"، ولكنه ما يلبث أن يتراجع عن هذا التقدير ليقول: "إن سوية الإبداع ما زالت غير مقنعة، ثمّ يعود إلى التفاؤل من جديد فيقول: "ثمة عوامل ستؤدي إلى تنوع خصب في تجربة الإنتاج الأدبي وإلى بروز نماذج أدبية مثيرة من شأنها أن تحصل في المستقبل على بعض سمات الإغواء العالمي". وتنعكس هذه التقديرات المتباينة لفرص العالمية التي يتمتع بها الأدب العربي الحديث في التقدير النهائي الذي يقدمه الدكتور الخطيب لتلك الفرص إذ يقول: "إن الفرص الخارجية والنظرية العالمية الأدب العربي الحديث ليست غير قوية، ومن المتوقع أن يكون لأدبنا العربي الحديث دور عالمي طيب في قابل من الأيام"(67) . فمن الملاحظ أن الدكتور الخطيب لم يصف تلك الفرص بالقوية ولا بالضعيفة، بل اختار عبارة "ليست غير قوية". وهذا أمر له دلالته. ومن الملاحظ أيضاً أنّ المؤلف يتحدث عن "فرص خارجية ونظرية"، والمقصود بذلك هو أن الرأي العامّ العالمي يهتم بالأدب العربي الحديث لأسباب "غير أدبية" تتلخص في أن العالم العربي" "بؤرة صراع ويستقطب اهتمام الإعلام ولكلّ ما يحدث فيه بعد عالمي"(68) . لا يفصّل المؤلف هذه المسألة، بل يكتفي بالإشارة إليها. ولكن من المعروف أن الصراع الدائر في المنطقة العربية هو صراع بين الأمة العربية الطامحة إلى التخلص من التخلف والتجزئة والاستبداد والاحتلال الأجنبي من جهة، وبين الكيان الصهيوني المتحالف مع الإمبريالية الأمريكية التي تسعى للهيمنة على الوطن العربي بثرواته وموقعه الجغرافي وأسواقه من جهة أخرى. إنّ هذا التحالف الصهيوني-  الإمبريالي يضرب على الأمة العربية حصاراً إعلامياً وثقافياً وأدبياً، ويبذل كلّ ما في وسعه للتعمتيم على العرب ثقافياً وأدبياً، ولتشويه صورتهم في العالم. وهذا هو جوهر العوامل "اللاأدبية" التي تؤثر على عالمية الأدب العربي الحديث وتعيقها. يقول الدكتور الخطيب: "هناك عشرات العوامل اللاأدبية التي تتحكم في الموقف العالمي من الأدب العربي، ومع ذلك لا يصح إلقاء اللوم كله على الآخرين"، وهذا صحيح، إلاّ أن أبرز تلك "العوامل اللاأدبية" هو ذلك الحصار الثقافي الذي تفرضه الصهيونية والأوساط الغربية المتحالفة معها على الأدب العربي وسعيها الشرس لمنع انتشاره في العالم. وبالمقابل هناك عوامل يمكن أن تساعد في عالمية الأدب العربي الحديث، كانتماء الوطن العربي إلى العالم الإسلامي، والتعاطف المتزايد مع القضية الفلسطينية في العالم وفي الغرب نفسه، ولكن الدكتور الخطيب لم يتطرق إلى تلك "العوامل اللاأدبية" الهامّة.

يورد الدكتور الخطيب في سياق حديثه عن عالمية الأدب العربي فكرة مهمّة تتعارض مع ما هو سائد في الوطن العربي من قناعات، ألا وهي الفكرة المتعلقة بدور الاستشراق في إيصال الأدب العربي إلى دائرة العالمية. فقد شهدت الثقافة العربية على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين نقاشاً واسعاً ومستمراً حول الاستشراق، ومالت أغلبية المشاركين في ذلك النقاش إلى نقد الاستشراق ورفضه واعتباره ظاهرة مشبوهة مرتبطة بالاستعمار والتبشير والتنصير ومحاربة الإسلام والعروبة وخدمة الصهيونية(69) . ومن الطبيعي أن تؤدي الاتهامات التي وجهها الباحثون والمثقفون العرب إلى الاستشراق إلى توتير العلاقة بينهم وبين المستشرقين، وإلى القضاء على فرص التعاون المثمر معهم. أما الدكتور الخطيب فله رأي آخر فيما يخص الاستشراق. فقد نوّه بدور المستشرقين في إحياء التراث العربي، ودعا إلى إنشاء قناة فعالة للتعاون معهم في بلدان العالم، "فبدونهم يصعب أن نقدم الخدمة العالمية المرجوة لتراثنا"(70) . وهذه دعوة بالغة الأهمية، تشكل منعطفاً في تعامل العرب مع الاستشراق. فدور المستشرقين لا يقتصر على إحياء التراث الثقافي العربي، بل يتجاوز ذلك إلى التعريف بالأدب العربي الحديث ونشره عالمياً. فالمستشرقون هم الذي يترجمون أعمالاً من الأدب العربي الحديث إلى اللغات الأجنبية، وهم الذي يعرّفون بذلك الأدب من خلال دراساتهم وكتاباتهم النقدية، وهم الذين يعلمون العربية للأجانب في بلادهم، وبالتالي فإنهم الذين يوصلون الأدب العربي إلى دائرة العالمية. وقد أصاب الدكتور الخطيب عندما أنكر على العرب الحق في فرض وصايتهم الفكرية على المستشرقين: "ليس من حقنا ولا من الطبيعي أن نفترض تطابق رؤيتهم مع رؤيتنا وأن نكيل لهم التهم حين يخالفوننا الرأي أو يقدمون اجتهاداً". وهذا ما يحدث في الواقع. فالعرب ينطلقون في تعاملهم مع المستشرقين من مقولة أنّ "أهل مكة أدرى بشعابها"، وأن العرب أدرى بثقافتهم من الأجانب، ولذا فإنّ العرب يرفضون أيّ وجهة نظر خارجية تختلف عن وجهة نظرهم في كلّ ما يتعلق بشؤونهم الثقافية. وقد أدى هذا الموقف الخاطئ من الاستشراق إلى تعطيل قنوات الحوار والتعاون مع المستشرقين، مما ألحق الضرر بالمساعي الهادفة إلى ضمان قدر أكبر من العالمية للأدب العربي. فبدون المستشرقين "يصعب أن نقدم لتراثنا الخدمة العالمية المنشودة"، كما يقول الدكتور حسام الخطيب. وهذا ينطبق على الأدب العربي الحديث. فما لم نتعامل مع المستشرقين بصورة سليمة، ونفتح قنوات فعالة للتعاون معهم، سيكون من الصعب تماماً أن ننقل الأدب العربي الحديث إلى دائرة العالمية.

وعموماً فإن الدكتور حسام الخطيب قد قام في بحثه "الأدب العربي وامتحان العالمية" بواحدة من أكثر المحاولات العربية جدّية وعملية في معالجة مسألة عالمية الأدب العربي. إلاّ أن تلك المعالجة لا تخلو من ثغرات منهجية أدت إلى إعطاء تقديرات متناقضة لفرص العالمية التي يتمتع بها الأدب العربي الحديث. والسبب في ذلك هو أن الدكتور الخطيب قد تعامل مع المسألة المطروحة بطريقة براغماتية، انطلاقاً من خبراته ومن متابعته الشخصية لها، ولم ينطلق من مفهوم ذي أساس نظري متماسك ومتكامل لعالمية الأدب. فقد وضع إصبعه على أبرز الشروط والعوامل التي تصنع العالمية، ولكنه لم يتمكن من دمج تلك العناصر، لتشكّل نظرية متكاملة ومتماسكة لعالمية الأدب العربي.

 

3- 7- استنتاجات

ماذا يستطيع المرء أن يستخلص مما كتبه المقارنون العرب حول عالمية الأدب بصفة عامة وحول عالمية الأدب العربي على وجه الخصوص؟ إن من يتفحص تلك الكتابات يتوصل إلى الاستنتاجات الآتية:

ليس هناك مفهوم واحد متفق عليه لعالمية الأدب وللأدب العالمي. فكل مقارن يفهم تلك المسألة بصورة مختلفة عن فهم الآخرين لها، وذلك تبعاً للمدرسة الفكرية التي ينتمي إليها. فإذا كان المقارن من أنصار المدرسة الفرنسية التقليدية مدرسة التأثير والتأثر، كالدكتور محمد غنيمي هلال، فإنه ينظر إلى عالمية الأدب من زاوية مركزية عامل التأثير والتأثر. أما إذا كان من أنصار المدرسة الماركسية، كالدكتور فؤاد المرعي، فإنه ينظر إلى عالمية الأدب من منظور وحدة التطور الأدبي للبشرية أو من منطلق التشابهات التيبولوجية. ويفعل أنصار نظرية التأويل الأدبي والمثاقفة الشيء نفسه، حيث ينظر كل منهم إلى مسألة الأدب العالمي وعالمية الأدب من الزاوية التي تمليها نظريته. ومن الملاحظ خلو الساحة المقارنة العربية من مساع جدية لتأسيس مفهوم عالمية الأدب وإرسائه على أسس نظرية ومنهجية واضحة. فمعظم المقارنين العرب الذين كتبوا حول مسألة عالمية الأدب قد انطلقوا من أن تلك العالمية مفهوم واضح لا خلاف عليه، وإذا كان هناك ما يأخذونه عليها فهو صبغة المركزية الأوروبية والغربية التي اتصفت بها. إلاّ أن تضارب مفاهيم العالمية في كتابات المقارنين العرب يضطر المرء لأن يتساءل: ما هي "عالمية الأدب"؟ أهي الانتشار الذي تحظى به بعض الأعمال الأدبية خارج حدودها اللغوية القومية؟ أم هي المؤثرات الأجنبية التي تخضع لها الأعمال الأدبية؟ أم هي اقتراب الأعمال الأدبية من حيث الشكل الفني من النماذج الأدبية الغربية؟ أم العالمية هيمنة أدب قومي على الآداب القومية الأخرى في سياق مثاقفة غير متوازنة؟ ومن الملاحظ أخيراً أن المقارنين العرب قل أن توصلوا فيما كتبوه حول "عالمية الأدب" وحول "الأدب العالمي" إلى تصور مشترك فيما يخص عالمية الأدب العربي الحديث والاستراتيجية التي ينبغي اتباعها لتمكين ذلك الأدب من بلوغ قدر أكبر من العالمية. وكان الدكتور حسام الخطيب المقارن العربي الوحيد الذي قدم أفكاراً واقعية وعملية حول هذه المسألة. إلاّ أنه لا بدّ من إضافة أن وعياً متنامياً للإشكالية التي تنطوي عليها علاقة الأدب العربي بالعالميّة قد أخذ بالظهور في أوساط المقارنين العرب. ومن المؤكّد أن وعي تلك الإشكالية سيحفز أولئك المقارنين إلى بذل مزيد من الجهود العلميّة والفكرية في هذا المضمار. فالعولمة المتسارعة الوتائر تقتضي أن توضع مسألة عالمية الأدب بشكل عامّ، وعالمية الأدب العربي بشكل خاص، في رأس قائمة أولويات الأدب المقارن العربي واهتماماته.

4- 0- نحو مفهوم متكامل لعالميّة الأدب

إنّ التضارب وعدم الوضوح الملاحظين في مفهومات المقارنين العرب لعالمية الأدب يجعلان من الضروري صياغة مفهوم مستند إلى أساس نظري ومنهجي واضح لتلك العالمية، وذلك بغية التعامل مع مشكلات عالمية الأدب العربي الحديث تعاملاً سليماً. فما هي الأسس النظرية لذلك المفهوم؟

من حيث المبدأ ينطبق على سيرورة الأعمال الأدبية العالمية ما ينطبق على سيرورة غيرها من الأعمال الأدبية. فهي تتكون من ثلاثة مقومات أو ثلاث حلقات هي: الحلقة الانتاجية أو الإبداعية وحلقة التوسيط وحلقة التلقي. فلنتناول كلاً من هذه الحلقات بشيء من التفصيل.

4- 1- البعد الفني

إنّ العمل الأدبي العالمي هو أولاً وقبل أي شيء آخر عمل متطور أو متقدم في شكله الفني. فالجودة الفنية للعمل الأدبي تجعله أكثر قدرة على اجتياز حدوده اللغوية والثقافية القومية، وعلى دخول دائرة العالمية، وذلك خلافاً للعمل الأدبي المتخلف في شكله الفني. إنّ االجودة الفنية هي الشرط الأول والأهم لبلوغ العالمية. ومع أنّ هناك إجماعاً واسعاً على هذه المقولة، فإنّ هناك من يعترض عليها، ويدعم معارضته بحجج وأمثلة من الواقع الأدبي العالمي. وأهم حجة تورد في هذا السياق هي ما يعرف "بالأدب التافه" (Trivialliteratur)  بأشكاله وأنواعه المختلفة، كالرواية البوليسية، ورواية رعاة البقر، وروايات الحبّ العاطفية المبتذلة، والروايات والقصص الجنسية (Pornoliteratur)  . فهذه الأعمال الأدبية التافهة المبتذلة كثيراً ما تحظى بنجاح عالمي يفوق النجاح الذي تحرزه أعمال أدبية ذات جودة فنية عالية. إنّ روايات (أجاتاكريستي)  البوليسية، على سبيل المثال، قد حققت نجاحاً عالمياً تفوق على النجاح الذي حظيت به روائع الأعمال الأدبية. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن روايات بوليسية أخرى وعن بعض روايات الجاسوسية وروايات الإثارة الجنسية. فقد ترجمت تلك الأعمال من لغاتها الأصلية إلى العديد من اللغات الأجنبية، وبلغت طبعاتها أرقاماً فلكية. فهل ننكر عالميتها لمجرد أنها تنتمي إلى الأدب التافه؟ لئن كانت العالمية تعني أن يتخطى النص الأدبي حدوده اللغوية والثقافية القومية إلى لغات وثقافات أخرى، فلن يكون هناك مناص من الاعتراف بعالمية الكثير من الأعمال الأدبية التافهة، بل لا بدّ من التحدث عن "أدب تافه عالمي". إنه نوع من الأدب يلبي حاجات ثقافية ونفسية متوافرة لدى متلقين كثر موجودين في كل المجتمعات. ومن الطريف أن تلك الأعمال التي تعدّ مبتذلة ومحتقرة بالمعايير الأدبية والأخلاقية الرسمية، مما يحمل السلطة الرقابية على منع تداولها في كثير من البلدان، كالقصص الجنسية المثيرة أو البورنوغرافية، تشق طريقها إلى العالمية رغم كلّ الحواجز، وتحقق انتشاراً عالمياً تحسدها عليه أرقى الأعمال الأدبية.

ويسوق معارضو نظرية "الجودة الفنية" حجة أخرى، ألا وهي أنّ تاريخ الأدب العالمي قد شهد تمكّن أعمال أدبية ليست عالية الجودة فنياً من أن تدخل دائرة العالمية. فرواية "آلام فرتر" لغوته على سبيل المثال، تلك الرواية التي شقت طريقها إلى العالمية بسرعة كبيرة، إذ ترجمت إلى لغات أجنبية كثيرة، وأثرت تأثيراً كبيراً في متلقين ينتمون إلى ثقافات متباينة جدّاً، ليست من وجهة النظر الفنية عملاً أدبياً عالي الجودة(71) . وروايات الكاتب الأمريكي إرنست همينغواي التي ترجمت إلى مختلف اللغات، وفلمنت، وجعلت من مؤلفها أديباً ذا شهرة عالمية ضخمة، ليست من الناحية الفنية متطورة بدرجة تتناسب وعالميتها. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن روايات ستيفان زفايغ وهرمان هيسه والكثير الكثير من الأدباء الذين يعدّون عالميين. وهناك أيضاً ظاهرة الكتب الأدبية الرائجة (Bestseller)  التي تحقق طبعات وأرقام مبيعات مرتفعة. فهي سرعان ما تترجم إلى اللغات الأجنبية وتحقق رواجاً عالمياً كبيراً. وتنشر الصحافة في بعض الأقطار قائمة تلك الكتب بصورة أسبوعية، استناداً إلى معطيات تمدّها بها المكتبات. إنّ المرء قلّ أن يجد ضمن تلك الكتب الرائجة أعمالاً أدبية ذات مستوى فني رفيع. ولذا فمن المؤكد أنّ وراء رواجها العالمي سبباً غير الجودة الفنية، يمكن أن يكون تجاوبها مع أذواق شرائح واسعة من المتلقين، وتلبيتها لحاجاتهم النفسية السطحية. فهل تكفي هذه الحجج لجعلنا نتخلى عن الجودة الفنية كمعيار لعالمية الأعمال الأدبية؟ إننا لسنا مع هذا الرأي. فالأعمال الأدبية الراقية فنياً تشق طريقها إلى العالمية، وإن يكن بشيء من البطء، وتدخل دائرة العالمية في نهاية الأمر. فهي تترجم إلى اللغات الأجنبية وتستقبل من جانب المتلقين في مجتمعات مختلفة، ويتأثر بها القراء العاديون والأدباء الأجانب على حدّ سواء. إن الأعمال الأدبية ذات الجودة الفنية العالية هي أعمال إبداعية شقت لآدابها القومية دروباً إبداعية جديدة، ودشنت مراحل جديدة من التطور الفني للأدب في العالم. وهذا ينطبق على روايات الإسباني ثيربانتيس، والروسي دستويفسكي، والألماني توماس مانّ، والإنكليزي جيمس جويس، والتشيكي - النمساوي فرانز كافكا، وعلى روائيين آخرين، تماماً كما ينطبق على مسرحيات شكسبير وستريندبرغ وبريخت وبيكيت وغيرهم من كتاب المسرح الكبار، وعلى شعر اوفيد وورودسورث ومالارميه وإليوت وسيلان وريلكه وغيرهم من كبار الشعراء العالميين. إن الأعمال الأدبية العالمية التي تستحق هذا الاسم بجدارة هي أعمال مثلت منعطفات وتحولات كبيرة في تاريخ الأدب العالمي، وبدايات لمراحل ومدارس واتجاهات وأساليب جديدة من تطور الأجناس الأدبية التي تنتمي إليها، وقد كانت جودتها الفنية وراء ترجمتها إلى مختلف اللغات الأجنبية، وتلقيها في مختلف المجتمعات، واستمرار تلقيها مهما تقدّم بها الزمن.

ولكن هل يمكن التوفيق بين هذين النوعين المتضاربين من العالمية: عالمية أعمال أدبية تافهة سطحية، وعالمية أعمال أدبية راقية متميزة فنياً وجمالياً؟ هل ننكر على النوع الأول عالميته رغم ما يتمتع به فعلياً وميدانياً من عالمية؟ سيكون من السخف إنكار عالمية الأدب التافه، مهما كان رأينا فيه وموقفنا منه. فعالميته قائمة وموجودة بالفعل، والدليل على ذلك هي الترجمات إلى اللغات الأجنبية والطبعات الكثيرة والكبيرة، والتأثير الكبير الواسع الذي يمارسه هذا النوع من الأدب على جماهير المتلقين في كلّ أنحاء العالم. إن المرء يرتكب حماقة كبيرة إذا تجاهل عالمية الأدبين التافه والرائج، وتمسّك بوجهة النظر الأرستقراطية القائلة بأن الأدب العالمي يقتصر على الأعمال الأدبية الراقية المتميزة فنياً وجمالياً. ولرب قائل إن معايير الجودة الفنية تختلف من مجتمع لآخر، ومن ثقافة لأخرى، ومن زمن لآخر. وبالفعل فإن الجودة الفنية معيار إشكالي، ومن العبث إخفاء تلك الإشكالية. فتقييم جودة الأعمال الأدبية أمر خلافي، إلاّ أنّ ذلك التقييم جزء لا غنى عنه في النشاط النقدي(72) . أما تحديد معايير الجودة الفنية فهو يرجع إلى النقاد الأدبيين وعلماء الأدب ودارسيه. فهم متلقون محترفون ذوو خبرة في هذا المضمار، وهم يقومون بغربلة الأعمال الأدبية وتقييمها وفقاً لاتجاهاتهم الفكرية ومذاهبهم النقدية. وعلى الرغم مما يظهر بين النقاد من اختلاف في تقييم الأعمال الأدبية وجودتها الفنية، فإنّ هناك اتفاقاً أو اجماعاً كبيراً بينهم على تقييم كثير من الأعمال الأدبية التي لا خلاف على جودتها. وينطبق هذا على أعمال الأدب العربي القديم التي تنعت "بالكلاسيكية". أما الأدب الحديث والمعاصر فكثيراً ما تتضارب تقديرات النقاد لجودة أعماله الأدبية، ومن الصعب أن يتفق النقاد على تقييم موحد لتلك الأعمال، حتى داخل الأدب القومي الواحد، فما بالك بالأدب العالمي؟! إلاّ أن هناك أدباء محدثين يتفق النقاد جزئياً أو نسبياً على جودة أدبهم، واعتماداً على ذلك تمنح الجوائز الأدبية الوطنية والعالمية، ولكنّ إشكالية التقييم تظلّ برغم ذلك إشكالية قائمة، ومعها تظلّ إشكالية اتخاذ الجودة الفنية معياراً لعالمية الأعمال الأدبية موجودة.

إذا انطلقنا من ذلك المعيار نجد أنّ الأعمال الأدبية الراقية المتميزة فنياً هي أعمال تتصف على الصعيد المضموني بأنها أعمال ذات مضامين إنسانية، رغم أنها تعبر عن بيئات اجتماعية وثقافية وطنية ومحلية. فروائع الأدب العالمي هي أعمال محلية جدّاً وعالمية جدّاً في آن واحد، مما يكسبها القدرة على مخاطبة المتلقين في مجتمعاتها الأصلية وفي المجتمعات الأجنبية انطلاقاً من وجود مضامين إنسانية مشتركة بين الشعوب. فتعبير تلك الأعمال بصدق عن بيئاتها الوطنية والمحلية لا يحرمها من فرص التلقي خارج تلك البيئات بل يفتح لها أبواب الانتشار العالمي على مصراعيها. وبهذا الخصوص تصحّ مقولة "المحلية طريق العالمية". ومن الجدير بالذكر أيضاً أنّ الأجناس الأدبية لا تتمتع بفرص العالمية نفسها. فالأعمال الروائية والقصصية تتمتع بفرص أكبر، لأنّ تلقيها خارج لغاتها ومجتمعاتها الأصلية أسهل من تلقي الأعمال الأدبية التي تنتمي إلى الأجناس الأدبية الأخرى. إن العمل الروائي أو القصصي الذي يترجم إلى لغة أجنبية ينقل إلى المتلقين الأجانب معلومات وفيرة عن مجتمعه وبيئته، ويلبي رغبتهم في أن يكوّنوا لأنفسهم فكرة عن ذلك المجتمع وأوضاعه وقضاياه، إضافة إلى أنه يمتعهم جمالياً. ونظراً لأنّ العمل الروائي أو القصصي نص نثري فإنه لا يفقد أثناء الترجمة إلى اللغات الأجنبية كثيراً من مواصفاته الأسلوبية والجمالية والدلالية. ولا يحتاج هذا النصّ لكي يستقبل خارج لغته الأصلية، لأكثر من أن يترجم إلى اللغة الأجنبية وأن ينشر في كتاب أو في دورية، وذلك لأن تلقيه يتمّ بوساطة القراءة. أما الشعر فهو جنس أدبي عصيّ على الترجمة، وهو يفقد الكثير من خصائصه الأسلوبية والجمالية والمعنوية عندما ينقل من لغته الأصلية إلى لغة أجنبية مهما كان المترجم جيداً. وبذلك فإنه يفقد الكثير من شعريته وأدبيته وقدرته على التأثير الجمالي في المتلقين. ولذا فإن فرص الاستقبال العالمي التي تتمتع بها النصوص الشعرية المترجمة أضعف بكثير من الفرص التي تتمتع بها النصوص الروائية والقصصية. وكم من شاعر أطبقت سمعته الآفاق في وطنه، وعدّ "مالئ الدنيا وشاغل الناس"، لم يسمع به خارج بلاده أحد؟! أما النصوص الدرامية أو المسرحية فهي نصوص سهلة الترجمة نسبياً إلى اللغات الأجنبية، ويمكن أن تمثل مترجمة على خشبات المسارح الأجنبية، وأن يقرأها المتلقون الأجانب. وبالفعل فإنّ الطلب على النصوص المسرحية المترجمة كبير جدّاً، خصوصاً في الأقطار التي لم يزدهر فيها الأدب المسرحي، كالوطن العربي، حيث تلجأ مسارحها إلى عرض المسرحيات الأجنبية مترجمة أو مقتبسة أو مولّفة، وهذا ماقيّض للنصوص المسرحية الجيدة قدراً كبيراً من العالمية، ومكنّ العديد من كتاب الدراما من أن يصبحوا عالميين بالفعل. إنّ أسماء سوفوكليس وشكسبير وموليير وستريندبرغ وديرنمات وبيكيت وآرثر ميلر وغيرهم من الكتاب المسرحيين هي أسماء لا جدال في عالميتها(73) .

4- 2- 0- البعد التوسيطي

4- 2- 1- الترجمة

لا ينتقل العمل الأدبي من دائرة أدبه القومي إلى دائرة العالمية من تلقاء نفسه، بل نتيجة مروره بحلقة وسيطة. فلكي يصبح العمل الأدبي عالمياً يجب أن يترجم وينشر ليصبح في الإمكان أن يقرأ ويستقبل من جانب المتلقين في مختلف أرجاء العالم. وما لم يحدث ذلك لا يمكن الحديث عن عالميته، حتى ولو كان العمل الأدبي من الناحية الفنية رائعة أدبية. وبما أن هذه المرحلة من سيرورة العمل الأدبي تتوسط مرحلتي الإنتاج والتلقي، فإننا نسميها "مرحلة توسيطية". ولكن قبل الحديث عن هذه المرحلة لا بدّ لنا من التطرق إلى إمكانية أن يستقبل العمل الأدبي خارج لغته القومية دون توسيط، كأن تقرأ الأعمال الأدبية العربية في فرنسا أو كندا أو اليابان باللغة العربية.

إنّ هذه الإمكانية قائمة ولكن على نطاق ضيّق بالنسبة لمعظم اللغات. فإجادة اللغات الأجنبية بدرجة تمكن متعلميها من تلقي أعمال أدبية أجنبية مكتوبة دون وسيط هي ظاهرة محدودة النطاق، بالرغم من التقدم الكبير الذي أحرزه تعليم اللغات الأجنبية وتعلمها إبان العقود القليلة الأخيرة. إلاّ أنّ هذه المقولة لا تنطبق على اللغات كلها، بل تستثنى منها اللغات التي يمكن أن تسمى عالمية، وفي مقدمتها الإنكليزية، التي تحولت إلى لغة تداول عالمية وتدرّس آدابها في كل جامعات العالم. ومن الطبيعي أن يطلّع دارسو اللغة الإنكليزية على الأدب الإنكليزي وعلى الآداب الأخرى الناطقة بالإنكليزية دون وسيط، إضافة إلى أنهم يصبحون قادرين على الاطلاع على الأعمال الأدبية الأخرى المترجمة إلى الإنكليزية. ولهذا يمكن القول إنّ الآداب الناطقة بالإنكليزية والمترجمة إليها تتمتع بامتياز كبير وبفرص عالميّة لا تتمتع بها الأعمال الأدبية المكتوبة بلغات أخرى. وهذا ينطبق، وإن يكن بدرجة أقل، على الآداب الناطقة بالفرنسية وعلى الأعمال الأدبية الأجنبية المترجمة إلى هذه اللغة. وعليه فإنّ اللغتين الإنكليزية والفرنسية تتمتعان اليوم بأهمية قصوى في تكوين عالمية الأدب. ولكن إذا صرفنا النظر عن هاتين اللغتين وآدابهما، نجد أن الأعمال الأدبية لا تنتقل من النطاق القومي إلى النطاق العالمي دون وسيط هو الترجمة، التي تغادر الأعمال الأدبية بوساطتها لغاتها القومية أو الأصلية إلى لغات وثقافات ومجتمعات أخرى، حيث تستقبل وتصبح عالمية. فالترجمة هي القناة الرئيسة لعالمية الأدب، ولا يمكن أن يلج العمل الأدبي دائرة العالمية ما لم يترجم إلى أكبر عدد من اللغات الأجنبية، وإلى الانكليزية والفرنسية على وجه الخصوص. إنّ الترجمات هي أكبر وأهم مؤشر لعالمية العمل الأدبي، وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن المترجمين هم صناع الأدب العالمي. إلاّ أنّ اللغات لا تتساوى في الأهمية كلغات مترجم إليها (لغات هدف)  لا من حيث متكلميها ومتعلميها كلغة أجنبية، ولا من حيث أهميتها كلغات ذات إشعاع ثقافي. فترجمة عمل أدبي إلى لغة أجنبية صغيرة ذات إشعاع ثقافي ضئيل، لاتعادل من حيث الأهمية ترجمته إلى لغة كبيرة ذات إشعاع ثقافي كبير كالإنكليزية والفرنسية. إنّ ترجمة عمل أدبي إلى لغة عالمية كالإنكليزية، قد تتحول إلى محطة وسيطة على طريق ترجمته من تلك اللغة إلى لغات أخرى. فعن الإنكليزية ترجم إلى العربية قسم كبير مما ترجم إليها من أعمال أدبية ألمانية على سبيل المثال(74) . والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الفرنسية، التي كانت لغة وسيطة لكثير من ترجمات أعمال أدبية غير فرنسية إلى العربية. فالترجمة الأدبية إلى اللغات الأجنبية عموماً، وإلى لغة أجنبية عالمية بشكل خاص، تضمن للعمل الأدبي أكبر قدر ممكن من الانتشار والتلقي العالميين، وتمكّنه بالتالي من ولوج دائرة العالمية. أمّا الآثار الأدبية التي لا تترجم إلى لغات أجنبية، فتبقى حبيسة لغاتها القومية، مهما كانت تلك الأعمال متطورة فنياً وفكرياً.

وغني عن الشرح أنّ الأعمال المترجمة لا تؤثر في المتلقين إلاّ إذا كانت ترجمتها جيدة. فالعمل الأدبي عمل فني لغوي يعتمد تأثيره على طبيعته الجمالية. وما لم تتمكن الترجمة الأدبية من أن تحقق تعادلاً معنوياً وأسلوبياً وجمالياً مع الأصل، فإنها تفقد القدرة على التأثير الجمالي(75). إنّ الترجمات الرديئة لا تساعد في إيصال العمل الأدبي إلى دائرة العالمية بل تعيق ذلك الانتقال. ومن هنا تنبع أهمية الانتباه إلى نوعية الترجمات وجودتها، لا إلى كميتها فقط. ولكن الترجمة تظل في مطلق الأحوال القناة الرئيسة لعالمية الأدب والمؤشر الأكبر لتلك العالمية.

4- 2- 2- النشر

ومن الأمور البدهيّة أن العمل الأدبي المترجم يجب أن ينشر كي يصل إلى المتلقين. ولكن كما هناك لغات صغيرة وأخرى كبيرة، هناك دور نشر كبرى وأخرى صغيرة، ولكلّ منها قدرتها على الوصول إلى القراء. فدور النشر الصغيرة لا تطبع من الكتاب سوى عدد صغير من النسخ، مما يحصر تلقيه في دائرة ضيقة من المتلقين. أما إذا صدر العمل الأدبي عن دار نشر كبرى فمن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى توسيع دائرة متلقيه وزيادة تأثيره. وقد يصدر العمل الأدبي المترجم في كتاب جيب ذي طبعة عالية، أو في صورة سلسلة بجريدة يومية أو مجلة أسبوعية، مما يهيئ له فرص انتشار أكبر وأوسع. وفي كلّ الأحوال فإن دار النشر وعدد الطبعات، وعدد النسخ المطبوعة، هي مؤشرات هامة، تدلّ على مدى انتشار العمل الأدبي المترجم وحجم تلقيه. صحيح أنّ هذا الجانب ذو طبيعة كمية، ولكن هذا لا يقلل من شأنه. فعالمية الأدب ليست مسألة نوعية فحسب. إنّ عملاً أدبياً مترجماً قد صدر عن دار نشر كبرى، وصدرت منه عدّة طبعات كبيرة، هو عمل أدبي قد حقق بلا شكّ درجة من العالمية تفوق الدرجة التي حققها عمل صدر عن دار نشر صغيرة مغمورة في طبعة واحدة وبعدد قليل النسخ.

إلاّ أن سعة الانتشار هذه تتوقف على أمور مختلفة، أبرزها استعداد جمهور المتلقين الأجانب لاستقبال العمل الأدبي الأجنبي المترجم، وقدرة دار النشر على ترويج ذلك العمل، وقيام النقد الأدبي، ولا سيما الصحافي منه، بدوره كوسيط بين العمل الأدبي الأجنبي وبين جمهور المتلقين. فسعة انتشار العمل الأدبي المترجم هي محصلة جهود المترجم والناشر والناقد.

4- 3- التلقي الإبداعي

ومن أبرز مظاهر عالمية الأعمال الأدبية وأشكالها تأثر الآداب الأجنبية بتلك الأعمال، إن فنياً أو موضوعاتياً أو فكرياً، وبأشكال وصور مختلفة. فقد كان لمسرحيات شكسبير تأثير إبداعي واسع النطاق على أدب الدراما في العالم بأسره. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن مسرح بريخت الذي دشن مرحلة أو مدرسة جديدة في المسرح العالمي، تعرف "بالمسرح الملحمي"(76) . وكم كان التأثير الإبداعي لقصص ألف ليلة وليلة في الأدب العالمي كبيراً(77) . وهذا ينطبق أيضاً على شعر ت.س. إليوت ومالا رميه وريلكه وغيرهم من الشعراء العالميين. أما التأثير الإبداعي الذي مارسته روايات دستويفسكي وجيمس جويس وتوماس مانّ وفرانز كافكا وغيرهم من الروائيين الكبار على أدب الرواية في العالم، فهو معروف، وقد كان موضوعاً للعديد من الدراسات الأدبية المقارنة. فهؤلاء الكتاب العالميون قد شقوا بأعمالهم الأدبية دروباً جديدة للإبداع الأدبي، وشكلت أعمالهم نقاط علام في تاريخ الأدب في العالم. وهذا شأن الأعمال الأدبية العالمية: إنها تمارس تأثيراً إبداعياً كبيراً، سواء داخل آدابها أم في الآداب الأجنبية(78) . ومن المؤكد أنّ التأثير الإبداعي الذي يمارسه العمل الأدبي خارج أدبه القومي هو مؤشر هامّ آخر من مؤشرات عالميته.

4- 4-  التلقي النقدي

ومن العوامل الرئيسة التي تتوقف عليها عالمية الآثار الأدبية تلك النشاطات النقدية والتفسيرية التي تدور حولها في الثقافات الأجنبية. وكثيراً ما تبدأ تلك النشاطات قبل ترجمة العمل الأدبي إلى اللغات الأجنبية، وذلك عندما يقوم ناقد (أو نقاد)  بالتعريف بذلك العمل وكاتبه، مما يمهد لترجمته إلى اللغة أو اللغات الأجنبية. فهذه الكتابات النقدية تثير في نفوس القراء الأجانب الرغبة في الاطلاع على ذلك العمل، وتحفز المترجمين إلى ترجمته، وتخلق لدى الناشر استعداداً لنشره. إن الناقد يقوم في هذه الحالة بدور ريادي، حيث يكتشف الأعمال الأدبية الأجنبية الجديرة بالترجمة ويمهد الطريق لترجمتها. ويستمر دور النقد بعد صدور الترجمة، حيث يقوم الناقد بمراجعتها في الصحافة والدوريات، ويرشد إليها القراء والمكتبات وغير ذلك من فئات المتلقين. وبذلك يسهم النقد في ترويج العمل الأدبي المترجم وتوجيه تلقيه. وكثيراً ما يقوم النقاد بكتابة مقدمات أو خواتيم للأعمال الأدبية المترجمة، فيساهمون بذلك في تقريبها إلى أذهان القراء، ويساعدون المتلقين في فهمها. ولا يتوقف دور النقد عند هذا الحدّ. فمن النقاد من يكتب دراسات أدبية معمّقة حول الأعمال الأدبية الأجنبية المترجمة، يقوم فيها بشرح تلك الأعمال وتفسيرها وتحليلها وتأويلها، إن في صورة أبحاث تنشر في الدوريات، أو في صورة كتب حول أدب أجنبي أو أديب أجنبي أو جنس أدبي في أدب أجنبي أو أعمال أدبية أجنبية منفردة(79)  أو في شكل معاجم وموسوعات مخصصة للآداب الأجنبية وللأدب العالمي. ومن أهم أشكال هذا النشاط النقدي التفسيري الرسائل الجامعية التي تؤلّف حول الآداب الأجنبية، وهي رسائل كثيراً ما تنشر في كتب وتصبح مراجع حول تلك الآداب. إنّ نجاح الأعمال الأدبية المترجمة وشهرة أصحابها من الأدباء الأجانب، وحصولهم على الجوائز الأدبية العالمية كجائزة نوبل، هي أمور تتوقف إلى حدّ كبير على هذا النشاط النقدي التفسيري. فالنقاد شركاء رئيسيون في صناعة الأدب العالمي.

وبالطبع فإن لذلك النشاط بعداً تأويلياً خاصاً، وذلك لأن العمل الأدبي يفسّر خارج لغته وثقافته بصورة قد تختلف جذرياً عن تفسيره داخل ثقافته الأصلية. فمن حق النقاد والدارسين الأجانب أن يقرؤوا العمل الأدبي الأجنبي بالصورة التي يرونها صحيحة. فهم يقرؤون ذلك العمل انطلاقاً من "أفق توقعات" مختلف بالضرورة، قليلاً أو كثيراً، عن أفق توقعات النقاد الذين يقرؤونه ويفسرونه ضمن أدبه القومي الأصلي. وقد يكون ذلك الاختلاف التفسيري مصدر نقاش بين النقاد الأجانب وبين النقاد المنتمين إلى أدب لغة المصدر الذين قد يعتقدون أنهم أكثر قدرة على فهم أدبهم القومي وتفسيره من زملائهم الأجانب. ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما دار في النقد الأدبي العربي من نقاش حول تأويل أعمال الأديب الألماني اللغة فرانز كافكا(80) .

وخلاصة القول إنّ هذا النشاط النقدي التفسيري بأشكاله المختلفة هو مكوّن رئيس من مكوّنات عالمية الأدب ومؤشر هامّ لتلك العالمية.

4- 5- اعتبارات غير أدبية

ولا بدّ لنا من الإشارة أخيراً إلى حقيقة أنّ عالمية الأدب لا تخضع لاعتبارات أدبية فقط، بل تخضع أيضاً لاعتبارات غير أدبية، كالقوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية للدولة التي ينتمي العمل الأدبي إليها. فآداب الدول القوية تستفيد من هيبة دولها، ويكون الاستعداد الخارجي لاستقبالها أكبر من الاستعداد لتلقي آداب الدول الضعيفة والمتأخرة. كذلك فإنّ الدول القوية والغنية تكون قادرة على أن تخصص إمكانات مالية لدعم نشاطاتها الثقافية الخارجية، بما في ذلك دعم ترجمة أعمال من آدابها إلى اللغات الأجنبية(81) . وأحدث مثال على ارتباط عالمية الأدب باعتبارات وعوامل غير أدبية، هو مصير الأدب الروسي المعاصر. فقد حظي هذا الأدب إبان ازدهار الاتحاد السوفيتي وتماسك "المعسكر الاشتراكي" سابقاً باهتمام خارجي كبير، سواء في أقطار أوروبا الشرقية أم في العالم بأكمله. وقد تزامن ذلك مع تحول اللغة الروسية إلى لغة ذات مكانة إقليمية ودولية كبيرة. لقد وفرت القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية للاتحاد السوفيتي السابق شرطاً غير أدبي لدخول الأعمال الأدبية الروسية دائرة العالمية. إلاّ أنّ ذلك الوضع سرعان ما تغير بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، وما رافق ذلك من تدهور اقتصادي، حوّل روسيا من قوّة عظمى إلى دولة متلقية للمساعدات الاقتصادية الخارجية. ونتيجة لذلك تراجع الاهتمام الدولي باللغة الروسية وآدابها بصورة ملحوظة، بينما استمر الاهتمام العالمي بلغات وآداب الدول القوية اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، ألا وهي الدول الصناعية الرأسمالية الغربية. حتى أنّ اليابان، وهي دولة ذات لغة محدودة الانتشار خارجياً، قد شهدت في الفترة الأخيرة تزايد الاهتمام العالمي بأدبها ولغتها، وهذا ما تجلى في تنامي عدد ما يترجم إلى اللغات الأجنبية من أعمال أدبية يابانية، وما يكتب في الخارج عن الأدب الياباني. واليوم يمكن القول إنّ الأدب الياباني بات يتمتع بحضور عالمي مرموق، لا يرجع لأسباب أدبية فقط، بل له أسباب غير أدبية أيضاً، يمكن إجمالها في أنّ العالم يريد أن يتعرف من خلال الأدب الياباني إلى ذلك الشعب الذي صنع واحدة من أكبر المعجزات الاقتصادية في القرن العشرين(82) . أمّا الحالة المضادة فهي حالة آداب أمريكا الجنوبية، وهي آداب أقطار فقيرة متأخرة، ولكنّ ازدهارها الفني والفكري مكنّها من أن تثبت وجودها في الساحة الأدبية الدولية، ومكّن العديد من أدبائها من أن يحظوا بقسط وافر من العالمية. واليوم لا يذكر الأدب العالمي دون أن تتبادر إلى الذهن أسماء عدد من الكتاب الأمريكيين الجنوبيين، وفي مقدمتهم الروائي الكولومبي غارثيا ماركيز.

تلك هي، بإيجاز شديد، أبعاد مفهوم "عالمية الأدب" أو "الأدب العالمي" الذي ندعوا إلى تبنيه. إنه مفهوم متكامل يأخذ مختلف أبعاد السيرورة الأدبية وجوانبها في الحسبان، إبداعية وإنتاجية كانت أم توسيطية واستقبالية. وهو مفهوم لا يجد أيّ صعوبة في التعامل مع العوامل والجوانب غير الأدبية لعالمية الأدب، تلك العوامل والجوانب التي يمكن وصفها بالسوسيولوجية، والتي لا نرى أي مبرر لإخفائها أو إنكارها. ومن هذا المفهوم المتماسك الذي يستند إلى نظرية الأدب يجدر بنا أن ننطلق عندما نعالج قضايا عالمية الأدب العربي الحديث.

5- 0- الأدب العربي الحديث وأسئلة العالمية

ماذا يترتب على مفهوم عالمية الأدب الذي ندعوا إليه على صعيد عالمية الأدب العربي الحديث؟ وكيف ندرس تلك العالمية في ضوء هذا المفهوم؟ إن دراسة عالمية الأدب العربي الحديث يجب أن تشمل كل أبعاد تلك العالمية، لا أن تقتصر على بعضها. فعليها أن تتناول الأبعاد الفنية والجمالية، تماماً كما تتناول الجوانب التوسيطية والنقدية والاستقبالية القرائية والمنتجة. فإذا لم تراع تلك الأبعاد والجوانب كلها، فإن المرء لا يستطيع أن يرسم صورة صحيحة لواقع عالمية الأدب العربي الحديث، ولا أن يخلص إلى تصوّر سليم لما يجب عمله لمساعدة هذا الأدب في التوصل إلى مزيد من العالمية. إنّ دراسة عالمية الأدب العربي الحديث مطالبة بأن تقدّم إجابات عن الأسئلة الآتية:

1- هل تطوّر الأدب العربي الحديث فنياً وجمالياً وموضوعاتياً بحيث يمكن القول إنه قد ارتقى إلى مصاف الآداب المتطورة في عالم اليوم، وقدّم مساهمات قيمة في تطوّر الأدب العالمي الحديث؟

2- ما هي الفرص التي يتمتع بها الأدب العربي الحديث للانتشار خارج حدود لغته القومية دونما وساطة؟

3- وماذا عن ترجمة الأدب العربي الحديث إلى اللغات الأجنبية؟ أهي من حيث الحجم والنوعيةمتطورة، مما يمكننا من القول إنّ العالم يطلّع بصورة وافية على الأدب العربي الحديث مترجماً إلى لغاته؟

4- هل تنشر الأعمال الأدبية العربية الحديثة المترجمة إلى اللغات الأجنبية بصورة تضمن لها الانتشار والوصول إلى جمهور عريض من القراء، أم تصدر عن دور نشر صغيرة ولا تصل سوى إلى القراء المهتمين المحدودي العدد؟

5- هل حظي الأدب العربي الحديث باهتمام النقاد والدارسين الأجانب؟ وهل قام النقد الأدبي الأجنبي بدوره في تعريف المتلقين بالأدب العربي الحديث، وقدّم مساهمات قيمة في تحليله وتفسيره وتأويله؟

6- هل تأثر الأدباء الأجانب بالأدب العربي الحديث فنياً أو فكريّاً؟

إن الإجابات السليمة عن هذه الأسئلة يمكن أن تتكامل لتكوّن صورة عن عالمية الأدب العربي الحديث. وبالطبع لا يجوز أن تكون تلك الإجابات مبنية على تقديرات وآراء ذاتية أو شخصية، بل على دراسات واستقصاءات وأبحاث ميدانية موثقة. فالبحث الإمبيري يحمي المرء من الوقوع في الذاتية والاعتباطية، ومن أن يقدّم إجابات سهلة عن أسئلة صعبة. ولذا فإنّ إجاباتنا عن تلك الأسئلة هي إجابات مؤقتة وغير نهائية، تستند إلى ما توافر لنا من معلومات متعلقة بالموضوع، آملين أن نتمكن في المستقبل من استكمال هذه الإجابات، وأن يقوم باحثون آخرون بالمساهمة في استكمالها.

5- 1- 0- الشرط الإنتاجي

تتطلب الإجابة عن السؤال الأول إجراء دراسات فنية وجمالية مقارنة بين الأدب العربي الحديث وبين الآداب الأجنبية الحديثة المتطورة، وذلك بغرض تبيّن مدى ما أحرزه الأدب العربي الحديث من تقدم على صعيد تطوير نفسه فنياً وجمالياً. ومن المناسب أن يؤخذ كلّ جنس أدبي على حدة، فيدرس المرء أوضاعه ومستوى تطوره الجمالي والفني بالمقارنة مع أمثاله في الآداب الأجنبية المتطورة، علماً بأننا لا نعني بذلك الآداب الأوروبية والغربية فقط. وفي الواقع فإنّ هذه المهمة العلميّة الضخمة هي مهمة دائمة للدراسات الأدبية المقارنة في الوطن العربي، وقد تحقق على هذا الصعيد بعض الإنجازات، وذلك من خلال دراسات التأثير والتأثر التي وضعها المقارنون العرب، خصوصاً في مضمار الرواية العربية، وفي مجال المسرح والشعر بدرجة أقلّ. ويشكل تخصيص الملتقى الرابع للروائيين العرب في قابس لموضوع "عالمية الرواية العربية" خطوة هامة في هذا الاتجاه، وهي خطوة جاءت في سياق ازدهار دراسات الرواية العربية واستقطابها قسماً كبيراً من جهود الباحثين(83) . وتسمح تلك الدراسات بالقول إنّ الروائيين العرب قد بذلوا، وما زالوا يبذلون، جهوداً كبيرة بهدف تطوير الإبداع الأدبي العربي والوصول به إلى مصاف العالمية. أما مسألة ما إذا كان ذلك الإبداع قد بلغ بالفعل مستوى من التطور الفني والجمالي يجعله يضاهي أرقى ما في الإبداع الروائي العالمي من مستويات فنية وجمالية، فهي مسألة لا يمكن تقديم إجابة دقيقة وشافية عنها إلاّ من خلال دراسات فنية وجمالية مقارنة شاملة. ولكن المرء لا يستطيع أن يتجاهل المؤشرات الإيجابية التي ظهرت حديثاً بهذا الخصوص، وأبرزها منح جائزة نوبل للآداب عام 1988 للروائي العربي المصري نجيب محفوظ، والتنامي الملحوظ لعدد الأعمال الروائية العربية التي تترجم إلى اللغات الأجنبية، وازدياد الدراسات النقدية الأجنبية حول أدب الرواية العربي المعاصر. فهذه المؤشرات تدل على أن موقع الرواية العربية في الأدب العالمي الحديث آخذ بالتحسّن. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن أدب القصة القصيرة والأقصوصة.

5- 1- 1-  المسرح العربي

أما بالنسبة لأدب المسرح العربي فالأمر مختلف. فهذا الأدب حديث العهد، وقد نشأ أصلاً في غمرة المثاقفة بين الأدب العربي والآداب الأجنبية الغربية، وليس له جذور راسخة في التراث العربي. ومع أن جهوداً إبداعية ضخمة قد بذلت على امتداد القرن الأخير بهدف تأصيله وتطويره، فإن تلك الجهود جاءت متأخرة جداً، وذلك نظراً لأنّ المسرح قد تراجع في العالم بأسره، وأفسح المجال للفيلم السينمائي والتلفزيوني والدراما الإذاعية(84) . كما ظلت النصوص المسرحية العربية الأصيلة قليلة جداً، واعتمدت خشبات المسرح العربي في عروضها على النصوص المسرحية الأجنبية، مترجمة كانت أم مقتبسة ومعدّة. ولذا لا عجب في ألا يهتّم العالم بأدب مسرحي تلك أوضاعه.

إلاّ أنه لا يجوز للمرء أن ينكر أن هناك كتاباً مسرحيين عرباً بذلوا جهوداً إبداعية ضخمة، دفعت أدب المسرح العربي خطوات كبيرة إلى الأمام، وقدموا نصوصاً تضاهي من حيث الشكل الفني والعمق الفكري أرقى النصوص المسرحية العالمية. وفي مقدمة هؤلاء الكتاب المسرحيين الكاتب المسرحي العربي السوري سعد الله ونوس الذي نهض بأدب المسرح العربي المعاصر، وأبدع أعمالاً مسرحية على درجة عالية جداً من الجودة الفنية والفكرية. وقد انعكس ذلك إيجابياً على صعيد الترجمة والعروض والدراسات النقدية، داخل الوطن العربي وخارجه. فقد ترجمت مسرحيات سعد الله ونوس إلى اللغات الأجنبية الرئيسة، وعرضت على خشبات المسرح في بعض الأقطار الأوروبية والغربية، وكتبت حولها دراسات نقدية كثيرة(85) . وليس أدلّ على الاحترام الذي حظي به هذا الكاتب المسرحي من أنه قد كلف سنة 1997 بتقديم كلمة المسرحيين في يوم المسرح العالمي. ومن المؤكد أن الإنجازات الإبداعية العربية في أدب المسرح لا تقتصر على سعد الله ونوس، بل هناك مسرحيون عرب آخرون أثروا المسرح العربي بنصوص مسرحية متطورة، وساهموا في تأصيل هذا المسرح والارتقاء به. ومن الطبيعي ألا يتجاهل العالم تلك الجهود، وذلك بأن تترجم أعمال أولئك الكتاب المسرحيين إلى اللغات الأجنبية، وأن تعرض من قبل فرق مسرحية أجنبية، وأن تقدّم في المهرجانات العالمية للمسرح. رغم كلّ ذلك لا بدّ من القول إنّ ما تحقق على هذا الصعيد من تقدم ما زال متواضعاً، وما زال على المسرحيين العرب أن يبذلوا جهوداً إبداعية استثنائية، كي يعوّضوا التقصير التاريخي العربي في مضمار المسرح، ويتمكنوا من أن يرسخوا في أذهان الناس في العالم حقيقة أنه قد أصبح لدى العرب أدب مسرحي متطوّر لا يقلّ عن أمثاله في آداب الشعوب الأخرى.

5- 1- 2- الشعر العربي الحديث

من المعروف أنّ الشعر أعرق الأجناس في الأدب العربي، وأن العرب قد بنوا عليه اعتدادهم الشديد بأدبهم ولسانهم. إلاّ أنّ الشعر العربي عاش فترة طويلة من الركود والانحطاط الفني والمضموني استمرت إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث بدأ عصر النهضة، الذي شهد صراعاً مريراً بين المقلدين والمجددين(86) ، وأسفر ذلك الصراع عن نشوء حركة تحديث ضخمة، وعن انقلاب فني وموضوعاتي في الشعر العربي. فبرزت قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر إلى جانب القصيدة العامودية ذات القافية الواحدة، وحلّت الوحدة العضوية والفنية للقصيدة محلّ بلاغة البيت وتفكك القصيدة، وحلّ الغرض الواحد مكان تعدد الأغراض في القصيدة الواحدة.. وباختصار فإن الشعر العربي قد شهد على امتداد هذا القرن عملية تجديد وتحديث هائلة باتت تعرف "بحركة الحداثة الشعرية"(87) . فهل يعني ذلك بالضرورة أنّ الشعر العربي الحديث قد أصبح عالمياً؟

من المعروف أن الشعر كجنس أدبي قد تخلى عن قسم من مكانته الأدبية القديمة، "كديوان للعرب"، لأجناس أدبية أخرى، وفي طليعتها الرواية والقصة. وينظر كثير من النقاد اليوم إلى الرواية بصفتها الديوان الجديد المعاصر للعرب. ومع أن الإنتاج الشعري العربي المعاصر كبير وغزير جدّاً، فإنه لم يعد المعبّر الأول ولا الوحيد عن المجتمع العربي وما يعتمل فيه من قضايا اجتماعية وثقافية وأخلاقية وسياسية. لقد انتقلت الريادة في الأدب العربي الحديث إلى الرواية والقصة القصيرة وإلى الدراما بأشكالها المختلفة(88) . أضف إلى ذلك أن الشعر جنس أدبي عصيّ على الترجمة، كما ذكرنا في مكان سابق من هذه الدراسة. فإذا ترجم إلى لغة أجنبية، فإنه يفقد جانباً أساسياً من نوعيته الأسلوبية والجمالية، ويفقد بالتالي قدرته على التأثير في المتلقين، وهذا ما يحدّ من فرص استقباله عالمياً. إنّ هذه المقولة لا تنطبق على الشعر العربي وحده، بل على الشعر بصفة عامّة. صحيح أنّ جائزة نوبل للآداب قد منحت في الفترة الأخيرة مرّتين لمبدعين في مضمار الشعر(89) ، ولكن ذلك لا يغيّر شيئاً من حقيقة أنّ دور الشعر في العلاقات الأدبية الدولية غير رئيسي، وأن الشعر ظاهرة ثقافية وطنية بالدرجة الأولى. فالشاعر العربي السوري الكبير نزار قباني، من قبيل التمثيل، يتمتع في الوطن العربي بمكانة لا تضاهى، وبتأثير يحسده عليه أيّ شاعر أجنبي. أما خارج الوطن العربي فهو لا يتمتع بتأثير أو استقبال يستحق الذكر. وهذا ينطبق من حيث المبدأ على الشعراء العرب الآخرين، وإن كان يختلف بعض الشيء بالنسبة لمحمود درويش وأدونيس وصلاح عبد الصبور، إذ هناك اهتمام خارجي أكبر بشعرهم، وهو اهتمام تجسد في صورة ترجمات لبعض أعمالهم الشعرية وفي دراسات نقدية حول تلك الأعمال(90) . ولكن ذلك لا يغير كثيراً من حقيقة أن فرص استقبال الشعر العربي الحديث خارجياً فرص محدودة. لا جدال في أن ذلك الشعر قد تطوّر وتجدّد كثيراً، وأن مستواه الفني والجمالي لا يقلّ بحال من الأحوال عن المستويات الإبداعية لأولئك الشعراء الأجانب الذين يعدّون عالميين، ولكن فرص العالمية المتيسرة للشعر العربي الحديث ليست كبيرة، ودوره في عالمية الأدب العربي لن يكون رئيساً. فهذه العالمية قد باتت منوطة بأجناس أدبية أخرى. لقد شهد الأديب العالمي الكبير غوته أن شعراء الشرق أعظم من شعراء الغرب، وعدّ الشعر خاصية ملازمة لبيئة العربي وطبعه(91) ، ولكن ذلك الزمان قد ولى، واليوم لم تعد عالمية الأدب العربي الحديث متوقفة على الشعر بل على الرواية والقصة. إنه عصر النثر والصورة.

عموماً يمكن القول إن الأدب العربي الحديث قد تطور من حيث الشكل الفني والموضوعات، وأصبح أغنى وأكثر قدرة على أن يقدم صورة صادقة وعميقة عن المجتمع العربي وما يعتمل فيه من تطورات وقضايا، وهذا ما


Simplified Arabic Backslanted›­


-

 

û[1]ضے¼[1][1]


Wingdings“³


-û[1]ئے¼[1]²


Simplified ArabicS®


-


-


ًû[1]­ے¼[1]²


Monotype Koufi


-


ً



-


ً
û[1]ƒےگ³


علوي خيـــبر مصمت قائم عادي¼¯


-



ً


-


ً        û[1]ƒےگ³


ITC Boutros Modern Kufic?


-


ً
û[1]ئےگ²


Simplified Arabic Backslanted¤


-


ً


Traditional Arabic†


-


ً

 

û[1]خے¼[1]²ذات رصيد حضاري تاريخي ضخم كالأمة العربية. إنّ الأدب العربي الحديث يحوي العديد من الأعمال الأدبية الجيدة، ولكنه ما زال بانتظار الأعمال الممتازة والمتميزة، التي تفتح له باب العالمية على مصراعيه.

5- 2- 0- الشرط التوسيطي

5- 2- 1- الترجمة إلى اللغات الأجنبية

ولكن ماذا عن الجوانب التوسيطية لعالمية الأدب العربي الحديث؟ لا بدّ لنا من أن نتساءل أولاً عما إذا كان هذا الأدب يتمتع بفرصة أن يستقبل في العالم عن طريق لغته الأصلية لا بوساطة الترجمة. هل يوجد أجانب قادرون على أن يقرؤوا أعمالاً أدبية عربية حديثة باللغة العربية؟ إنّ هذا السؤال يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن تعليم العربية للأجانب وعن المكانة العالمية للعربية كلغة أجنبية، وهذا حديث طويل ذو شجون(92) . وما يعنينا هو ذلك الجانب من تعليم العربية لغير الناطقين بها الذي يمكّن الدارس من تلقي أعمال أدبية عربية حديثة، أي دراسة اللغة العربية وآدابها في الجامعات الأجنبية (الاستعراب) . ففي الجامعات الأوروبية والغربية لا تشغل دراسة الأدب العربي الحديث سوى جزء يسير من دراسة أعمّ ألا وهي (الاستشراق)  (Orientalistik) . ورغم أنّ الاهتمام الاستشراقي بالأدب العربي الحديث قد تنامى في المرحلة الأخيرة، وذلك ضمن تزايد اهتمام الاستشراق بالمجتمع العربي الحديث وثقافته، فإنّ الفئة المهتمة بالأدب العربي الحديث والمطلعة عليه والمتخصصة فيه من المستشرقين ما زالت صغيرة. وهذا يعني أنّ فرص تلقي الأدب في الخارج بصورة مباشرة ودون وساطة ترجمية فرص ضئيلة جداً ومحصورة في تلك الفئة الصغيرة من المستشرقين المتخصصين في الأدب العربي الحديث. أمّا الأغلبية الساحقة من متلقي هذا الأدب من الأجانب فهي غير قادرة على أن تستقبله ما لم يكن مترجماً إلى لغاتها. فما هي أوضاع حركة ترجمة الأدب العربي الحديث إلى اللغات الأجنبية عموماً، وإلى اللغتين الأجنبيتين العالميتين، الإنكليزية والفرنسية تحديداً؟

إنّ الإجابة عن هذا السؤال بصورة دقيقة تقتضي أولاً حصر ما يصدر من ترجمات لأعمال من الأدب العربي الحديث إلى كلّ لغة من اللغات الأجنبية، وهذه مهمة لم تنجز إلا بصورة جزئية، وبالنسبة لعدد قليل من اللغات الأجنبية الرئيسة(93) . وغنيّ عن الشرح أنّ إنجاز مهمة علمية كهذه يتجاوز إمكانات باحث واحد، ويتطلب وجود مركز خاص يقوم بحصر الترجمات وتوثيقها. أمّا المهمة الثانية في هذا المجال فهي دراسة حركة الترجمة لناحية نشوئها وتطورها وتوجهاتها ومشكلاتها وأعلامها وغير ذلك من الأمور المتعلقة بها. وبهذا الخصوص لا توجد دراسات كثيرة، وجلّ ما هو متوفر هي معلومات متفرقة، مصدرها الصحافة العربية والأجنبية التي تنشر من حين لآخر أنباء عن ترجمات كهذه. وليس هناك رصد منظم حتى لتلك المعلومات الصحافية. أمّا فهرس الترجمات الذي تصدره إحدى المنظمات المتخصصة لهيئة الأمم المتحدة (Index Translatorum)  فهو فهرس ملئ بالثغرات، لأنه لا يزوّد بمعطيات بيبليوغرافية دقيقة من قبل الجهات التي تمده بتلك المعطيات.

تدل المعلومات المستقاة من المصادر السابقة الذكر، وهي معلومات غير كاملة، على أنّ تحسناً ملموساً قد طرأ على حركة الترجمة الأدبية من العربية إلى اللغات الأجنبية عموماً وإلى اللغات الأوروبية على وجه الخصوص(94) . ولذلك التحسن أسباب مختلفة، منها رغبة الجمهور الأجنبي في أن يتعرف إلى المجتمع العربي وثقافته من خلال أعمال أدبية عربية معاصرة، وذلك في ضوء العلاقات الاقتصادية والسياحية والاجتماعية والثقافية المتنامية بين العرب والمجتمعات الغربية، وفي ضوء التركيز الإعلامي الغربي على المنطقة العربية ذات الأهمية الحيوية بالنسبة للغرب، وبسبب ما شهدته هذه المنطقة مؤخراً من حروب ونزاعات وأزمات. يضاف إلى ذلك ظهور عدد متزايد من المتخصصين الأجانب في اللغة العربية وآدابها ممن أبدوا استعداداً لترجمة أعمال أدبية عربية حديثة إلى لغاتهم، وبرهنوا على أنهم قادرون على ممارسة الترجمة الأدبية من العربية إلى تلك اللغات بكفاءة كبيرة. ومما شجع هؤلاء المستعربين على الإقدام على ترجمة أعمال أدبية حديثة إلى لغاتهم صدور أعمال على درجة عالية من الجودة الفنية والأهمية الفكرية، أعمال قادرة على أن تستأثر باهتمام المترجمين وأن تغري الناشرين بنشرها. كما لا يجوز للمرء أن يغفل حقيقة إنشاء مؤسسات ثقافية في بعض الأقطار الغربية، تقوم بتشجيع ورعاية ترجمة أعمال من آداب آسيا وافريقيا وأمريكا الجنوبية إلى لغات تلك الأقطار(95) ، وذلك بغية تلافي ضعف تمثيل تلك الآداب في التبادل الأدبي الدولي، وتشجيعاً لحوار الثقافات عبر الحوار الأدبي. فقد توصلت بعض الأوساط الثقافية الغربيّة إلى قناعة مفادها أنّ من الضروري أن تتعرف مجتمعاتها إلى شعوب العالم الثالث من خلال آداب هذه الشعوب، لتصبح أكثر قدرة على تفهم مشكلاتها وأزماتها(96) .

ومهما يكن من أمر فإن عدد الأعمال الأدبية العربية الحديثة المترجمة إلى اللغات الأجنبية عموماً والأوروبية والغربية خصوصاً آخذ بالتزايد. وقد تمحورت حركة الترجمة الأدبية من العربية إلى تلك اللغات حول أعمال روائية وقصصية، بينما لم تحظ الأعمال الشعرية بنفس القدر من الاهتمام. ومن الملاحظ أنّ نصيب آداب بعض الأقطار العربية من الترجمة إلى اللغات الأجنبية كان أكبر من نصيب البعض الآخر. فقد كانت للأدب العربي المصري حصّة الأسد من أعمال الترجمة، تليه آداب أقطار المغرب العربي وفلسطين ولبنان. أما آداب الأقطار العربية الأخرى، فلم تصب من الترجمة سوى النزر اليسير، وغيّب بعضها بصورة كاملة. ومن الملاحظ أيضاً أنّ حركة الترجمة قد تمحورت حول شخصيات أدبية، يأتي في مقدمتها الروائي العربي المصري نجيب محفوظ، الذي انعكس حصوله على جائزة نوبل للآداب سنة 1988 بصورة بالغة الإيجابية، لا على ترجمة أدبه فحسب، وإنما على مجمل حركة الترجمة الأدبية من العربية إلى اللغات الأجنبية(97). فهذه الجائزة الأدبية الدولية الهامّة لا ترفع شأن الأديب الذي يحصل عليها وحده، بل ترفع أيضاً مكانة الأدب القومي الذي ينتمي إليه ذلك الأديب. ومن الملاحظ أيضاً أنّ الأدب النسوي العربي قد حظي باهتمام عالميّ خاصّ. ومن الأديبات اللاتي تمحورت حولهن حركة الترجمة: نوال السعداوي وغادة السمان وإملي نصر الله وسلوى بكر وآسيا جبار وأليفة رفعت وسحر خليفة وليلى العثمان. ولهذا الاهتمام بالأدب النسوي العربي علاقة بالتضامن النسائي العالمي، وباعتقاد النساء الأجنبيات أنّ النساء العربيات يعانين من اضطهاد ذكوري شرقيّ متطرّف(98) .

لا نعرف ما إذا كانت النشاطات الترجمية قد انصبت على اتجاهات فنية معينة في الأدب العربي الحديث. فالمعطيات المتوافرة لدينا لا تسمح بوضع مقولات تتعلق بهذه المسألة. ولكن من الواضح أنّ حركة ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأجنبية عموماً والأوروبية والغربية خصوصاً، تنطلق من توقعات جمهور المتلقين الأجانب وحاجاتهم الثقافية، وتسعى لتلبية تلك الحاجات. وهذا أمر طبيعي، ولو تجاهلت حركة الترجمة تلك الحاجات لحكمت على نفسها بالفشل.

وعلى أية حال فإن تحسناً ملحوظاً قد طرأ على حركة ترجمة الأدب العربي الحديث إلى اللغات الأجنبية. إلاّ أنّ ذلك التحسن نسبيّ. فنصيب الأدب العربي من التبادل الأدبي العالمي الذي يتمّ بوساطة الترجمة ما زال محدوداً جداً إذا قيس بما يترجم إلى اللغات الأجنبية الرئيسة من أعمال أدبية. وفي هذا السياق لا بدّ من الإشارة إلى أن الجهات الرسمية العربية، من وزارات ثقافة وإعلام وخارجية واتحادات أدباء وكتاب، لم تول ترجمة الأعمال الأدبية العربية إلى اللغات الأجنبية كبير اهتمام، ولم تقدم له تشجيعاً أو دعماً فعلياً، وكأن هذا الشأن الثقافي الخارجي لا يعني الأمة العربية. إلاّ أنّ ذلك التقصير الرسمي قد حفز بعض الشخصيات غير الرسمية العربية إلى القيام بمبادرات تهدف إلى تشجيع ترجمة الأدب العربي الحديث إلى اللغات الأجنبية عموماً وإلى اللغة الانكليزية خصوصاً. ومن أهم تلك المبادرات مشروع (بروتا) (PROTA)  الذي طرحته الكاتبة العربية سلمى الخضراء - الجيوسي، وهو مشروع يتضمن ترجمة أعمال مختارة من الأدب العربي إلى الانكليزية بصفتها اللغة الأوسع انتشاراً والأكبر إشعاعاً ثقافياً في العالم(99) .

ولا بدّ أخيراً من ملاحظة أنّ ما يترجم إلى اللغات الأجنبية من أعمال أدبية حديثة قلّ أن يصدر عن دور نشر أجنبية كبيرة، بل يصدر غالباً عن دور نشر صغيرة لا تؤمن له سوى انتشار قرائي محدود. وعلى سبيل المثال فإن القسم الأعظم مما ترجم إلى اللغة الألمانية من أعمال أدبية عربية حديثة قد صدر عن ثلاث دور نشر صغيرة وبطبعات صغيرة، وهي لا تصل إلى جمهور واسع من القراء(100)، فإذا أضفنا هذا الجانب إلى الجانب السابق، أي ضعف حركة الترجمة الأدبية من العربية إلى اللغات الأجنبية، أمكننا أن نتصور ضعف الانتشار ومن ثم ضعف التأثير الذي يمارسه الأدب العربي الحديث على الصعيد العالمي.

5- 2- 2- التلقي النقدي-  التفسيري

ومن أبرز المؤشرات التي تدل على ما تتمتع به الأعمال الأدبية من عالمية ما يكتب حولها باللغات الأجنبية من مقالات ودراسات نقدية وأبحاث جامعية وغير جامعية، تعرّف بها وتحللها وتفسرها وتشكل في نهاية المطاف حلقة وسيطة بينها وبين متلقيها. فما نصيب الأدب العربي الحديث من تلك الجهود النقدية والتفسيرية؟ من الملاحظ أنّ الكتابات النقدية الأجنبية المتعلقة بالأدب العربي الحديث لم تحصر ولم توثق بيبليوغرافيا، ومن نافلة القول إنها لم تدرس وتحلل، علماً بأن قسماً منها، ألا وهو القسم المتمثل في الكتب والرسائل الجامعية المطبوعة، ليس من الصعب حصره.

فالمكتبات الوطنية الجامعية (في الأقطار المتقدمة على الأقل)  تحوي فهارس لتلك الكتب والرسائل الجامعية. أما الأمر الأصعب فهو جمع وتوثيق المواد النقدية المنشورة في الصحف والمجلات وغيرها من الدوريات، خصوصاً عندما لا توجد مؤلفات بيبليوغرافية أو كشّافات فهرسية خاصة بها. وفي كلّ الأحوال لم يقم أحد بحصر تلك المادة النقدية وجمعها، وليس هناك أيّ ثبت بيبليوغرافي، جزئي أو كليّ، بما كُتب في العالم حول الأدب العربي الحديث. وجلّ ما هو متوافر هي معلومات ومعطيات متفرقة ومتناثرة حول كتب أو رسائل جامعية صدرت هنا أو هناك، وحول دراسات نقدية صدرت في هذه الدورية الأجنبية أو تلك.

إلاّ أن المعلومات المتوافرة، وهي قليلة، تشير إلى أن تلك النشاطات النقدية في تنامٍ، إن في صورة مقالات صحافية تراجع فيها الأعمال الأدبية العربية المترجمة، أو في صورة مقالات تعرّف بالأدب العربي الحديث وأعلامه، أو في صورة أبحاث تصدر في الدوريات المتخصصة والثقافية، أو في صورة كتب ورسائل ماجستير ودكتوراه حول الأدب العربي الحديث(101). ومن الطبيعي ألا تتفق وجهات نظر النقاد والدارسين الأجانب مع وجهات نظر النقاد والدارسين العرب فيما يتعلق بالأدب العربي الحديث، بل قد تثير التحليلات والتفسيرات والتأويلات التي يأتي بها النقاد والدارسون الأجانب استغراب زملائهم العرب ودهشتهم. ولكنّ هذا الاختلاف أمر طبيعي، كما ذكرنا غير مرّة. فالناقد الأجنبي يقرأ الأعمال الأدبية العربية انطلاقاً من هوية مختلفة عن هوية الناقد العربي، ويقارب تلك الأعمال مقاربة تأويلية تختلف عن مقاربات زملائه العرب(102). إلاّ أنّ هذا الاختلاف لا يجوز أن يتحوّل إلى مصدر توتر بين الطرفين. فرؤية الآخر لأدبنا قد تكون أكثر موضوعية من رؤيتنا، وهي في مطلق الأحوال رؤية مشروعة يجب أن تحترم وتناقش بكلّ جديّة، بعيداً عن منطق المؤامرة وإلصاق التهم بالآخر. فالمهم في الأمر هو أن يستمرّ اهتمام النقاد الأجانب بالأدب العربي الحديث، وأن يواصل هؤلاء النقاد التعريف به وتقديمه وتحليله وتفسيره، لأنهم بنشاطهم النقدي هذا يثيرون اهتمام الرأي العامّ الخارجي به، ويساهمون في ولوجه دائرة العالمية.

5-3- التأثير الإبداعي

لئن كان التأثر الإبداعي بالآداب الأوروبية قد أدّى دوراً مركزياً في تحديث الأدب العربي فنياً وفكرياً، وكان محرّكاً رئيساً لذلك التطور المذهل الذي شهده الأدب العربي منذ أواسط القرن التاسع عشر، فهل أثر الأدب العربي الحديث في الآداب الأوروبية والغربية مثلما أثرت حكايات ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة والمقامات والشعر الأندلسي في تلك الآداب؟ إن مجرّد طرح هذا السؤال قد يبدو أمراً مستهجناً. فالأدب العربي الحديث لم يتطوّر إلاّ بعد أن استقبل مؤثرات إبداعية أوروبية غزيرة ومتنوعة، ورغم كلّ ما عرفه هذا الأدب من تطوّر فني وفكري فإنه ما زال بحاجة إلى استيعاب المزيد من تلك المؤثرات، وهو لم يبلغ بعد درجة من التطوّر تجعله قادراً على أن يؤثر في الآداب الأوروبية والغربية إبداعياً. إنّ الجهود الإبداعية للأدباء العرب ما زالت منصبّة على السعي للحاق بركب الآداب الأجنبية المتطوّرة التي تصنع الأدب العالمي الحديث والمعاصر، ولم ينتقل الأدب العربي الحديث بعد من التأثر بالآداب الأجنبية إلى مرحلة التأثير فيها إبداعياً. فاطلاع الأدباء الأوروبيين والغربيين على الأدب العربي الحديث محدود جدّاً، وهم يرون في الأدباء العرب المحدثين والمعاصرين تلاميذ للأدب الأوروبي، ليس في نتاجاتهم الأدبية ما يستحق أن يتأثر به إبداعياً أديب أوروبي معاصر. إلاّ أنّ الوضع آخذ بالتغير، وذلك مع تواصل التطوّر الإبداعي الذي يشهده الأدب العربي المعاصر، الذي يزداد تحرره من النماذج الأوروبية والغربية التي استوعبها، وتتكثف فيه الجهود الرامية إلى خلق نماذج إبداعية أصيلة، يمكن أن تشكّل المساهمة الإبداعية التي سيقدّمها الأدب العربي الحديث والمعاصر في الأدب العالمي. وعندما تنضج تلك النماذج، سيصبح من الممكن القول إنّ الأدب العربي الحديث قد بلغ مصاف العالمية. وهذا هدف يتقدّم الأدب العربي المعاصر نحوه بسرعة كبيرة.

6- خاتمة

وبعد، فإنّ ما قلناه في هذا البحث حول موضوع عالمية الأدب العربي الحديث يمثل وجهة نظر في هذه المسألة الثقافية الهامّة التي يجب أن يستمر الحوار بصددها إلى أن يتوصل النقاد والباحثون العرب المعنيون إلى توضيح ماهيتها وأبعادها ومترتباتها. وفي مقدمة الأمور التي من المهم التوصل إلى تصوّر مشترك حولها مفهوم عالمية الأدب، وذلك لأن فهمنا لتلك العالمية يحدد طريقة معالجتنا لقضايا عالمية الأدب العربي الحديث. وقد رأينا أن في الساحة النقدية العربية مفهومات مختلفة لعالمية الأدب، وهي مفهومات عرضناها وناقشناها، وطرحنا بديلاً لها مفهوماً متكاملاً يأخذ أبعاد السيرورة الأدبية كلها في الحسبان، ألا وهي الأبعاد الفنية أو الإنتاجية، والأبعاد التوسيطية والاستقبالية. وفي ضوء هذا المفهوم يمكن القول إنّ عالمية الأدب العربي الحديث تتحقق بقدر ما يتطور هذا الأدب فنياً وفكرياً، بحيث يضاهي الآداب الأجنبية المتطوّرة، ويقدّم للأدب العالمي مساهمة فنية خاصّة ذات شأن. وقد حقق الأدب العربي الحديث على الصعيد الفنيّ أو الإنتاجي تقدّماً كبيراً، ولكن ما زال أمام هذا الأدب الكثير مما ينبغي أن ينجز. وفي المجال التوسيطي، من ترجمة ونقد ونشر، من الملاحظ أنّ الأدب العربي الحديث قد حقق إبان الأعوام الأخيرة تقدّماً ملحوظاً، وقد ازداد إطلاع العالم على هذا الأدب واستقباله له. إلاّ أنّ هناك تقصيراً كبيراً على هذا الصعيد. فالجهود الترجمية والنقدية العربية التي بذلت لم تؤمن للأدب العربي الحديث حضوراً دولياً مناسباً. لقد خطا هذا الأدب من الناحية الإبداعية خطوات هامة، وحقق تقدماً كبيراً لا يمكن تجاهله. إلاّ أنّ إيصال هذا الأدب إلى العالم من خلال الترجمة إلى اللغات الأجنبية والتوسيط النقدي يعتريه كثير من القصور والتقصير. إنّ في أدبنا الحديث كثيراً من الأعمال التي يمكن أن تستقبل في العالم بشكل جيد، إذا قيّض لها أن تترجم وتنشر وتقدّم نقدياً بصورة مناسبة.

وباختصار فإنّ ارتقاء الأدب العربي إلى مصاف العالمية ودخوله دائرتها يتوقف على عاملين هما: استمرار تطوره الفني والفكري من جهة، وتوافر جهود ترجمية ونقدية تقدّمه للعالم وتحقق له حضوراً دولياً من جهة أخرى. وبقدر ما يتقدم الأدب العربي الحديث على هذين الصعيدين، بقدر ما يقترب من العالمية.

 

 

r

 

 

 

r الهوامش والإحالات

1- في عام 1997 رشح قسم من الصحافة الثقافية العربية الروائي السوريّ حنا مينة لنيل جائزة نوبل، بينما ذهب قسم آخر من تلك الصحافة إلى أنّ الشاعر أدونيس هو المرشح الأوفر حظاً. ومن الجدير بالذكر أن هذا الشاعر متهم باتخاذ مواقف فكرية مؤيدة للصهيونية اعتقاداً منه أنّ ذلك سيوصله إلى جائزة نوبل، وقد فصل من اتحاد الكتاب العرب بسبب مواقفه المؤيدة للتطبيع مع إسرائيل. إلاّ أن هذه الجائزة لم تمنح سنة 1997 لأديب عربي بل للأديب والمسرحيّ الإيطالي (داريو فو) .

2- من المعروف أن التفكير الذي يرجع المشكلات العربية المستعصية إلى مؤامرة خارجية هو تفكير واسع الانتشار في الوطن العربي. أمّا السبب الرئيس لشعبية نظرية المؤامرة فهو أنّ هذه النظرية تبسّط الأمور وتعفي من التفكير في الجذور العميقة للمشكلات، وتحمّل "الآخر" مسؤولية ما تتعرض له الأمة العربية من هزائم وانتكاسات مفجعة، أحدثها حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت)  وما رافقها من تدمير واسع النطاق للقطر العراقي، وما تلاها من حصار اقتصادي عانى الشعب العراقي من تبعاته بصورة مأساوية. حول نظرية المؤامرة في الفكر العربي المعاصر راجع:

 B.Tibi: Die Verschwoerung. Das Trauma arabischer Politik , 2Aufl, Hamburg 1994.

       (بسام طيبي: المؤامرة. صدمة السياسة العربية ط2، هامبورغ 1994). إلاّ أنّ رفض نظرية المؤامرة لا يعني أن نتجاهل وجود أعداء خارجيين ألداء للعرب، يخططون لإضعاف الأمّة العربية والسيطرة عليها، مستفيدين في ذلك من عوامل الضعف الداخلي الموجودة في المجتمعات العربية.

3- إننا لا نبرئ الهيئة المشرفة على جائزة نوبل للآداب من الخضوع للضغوط السياسية عند اتخاذ قراراتها، ولا نستبعد وجود نفوذ صهيوني داخل تلك الهيئة التي ظهرت الخلافات بين أعضائها بصورة علنية. ولكن من الخطأ تجريد هيئة جائزة نوبل من استقلاليتها وموضوعية قراراتها.

4- عبّر بعض الأصوات الصحافية السورية آنذاك عن هذا الموقف وتبناه، مما حمل على الاعتقاد بأنّ وراء ذلك موقفاً رسمياً. إلاّ أن برقية التهنئة التي أرسلها نائب الرئيس السوري السيد عبد الحليم خدام وضعت حداً لذلك اللغط، وساد الرأي العام العربيّ إجماع على الترحيب بفوز الأديب العربي المصري بجائزة نوبل للآداب.

5- لمزيد من المعلومات حول هذه المسألة راجع مقالنا: سبيل الأدب العربي إلى العالمية - نجيب محفوظ نموذجاً. في (الأسبوع الأدبي)  دمشق، العدد 146،22/12/1988

6- راجع بهذا الخصوص الكتاب الذي نشرته وزارة الثقافة السورية بهذه المناسبة: سعد الله ونوس-  الأصداء الأولى للرحيل. منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1998.

7- حول هذه المسألة راجع بحثنا: الثقافة العربية وتحديات العولمة. في: (الموقف الأدبي)  دمشق، العدد 317- 318، أيلول-  تشرين الأول، 1997، ص19- 34

8- من الجدير بالذكر أنّ رواد مرحلة النهضة في النقد العربي الحديث، كروحي الخالدي وأحمد فارس الشدياق وسليمان البستاني وقسطاكي الحمصي، كان عليهم أن يقنعوا الرأي العام العربي بأنّ لدى الأمم الغربية آداباً مزدهرة تستحق أن يستوعبها العرب وأن يستفيدوا منها إبداعياً في تطوير أدبهم. حول ظاهرة الاعتداد اللغوي والأدبي العربي راجع: حسام الخطيب: الأدب المقارن - في النظرية والمنهج، دمشق، مطبعة الإنشاء، 1982- ص98 وما يتبعها.

9- نفسه: حول الأدب العربي وامتحان العالمية. في: (المعرفة)  دمشق، العدد 295-  أيلول 1986- ص28

10- راجع نبيل سليمان: الملتقى الثالث للروائيين العرب والتجريب في الرواية العربية. في (ملحق الثورة الثقافي)  دمشق، العدد 64، 8/6/1997 ، ص5؛ راجع أيضاً مجلة (الآداب)  البيروتية (العدد المزدوج 5- 6- أيار-  حزيران 1997)  حيث نشرت الأبحاث والشهادات المقدّمة إلى ذلك الملتقى.

11- لمزيد من المعلومات حول مفهوم الأدب العالمي لدى غوته راجع كتابنا: الأدب المقارن -  مدخل نظري ودراسات تطبيقية. حمص منشورات جامعة البعث، 1992، ص336 وما يتبعها. راجع أيضاً:

M.Schmeling (Hg) : Weltliteratur heute , Würzburg1995.

       [م. شميلنغ (تحرير): الأدب العالمي اليوم، فورتسبورغ 1995]

12- راجع بهذا الخصوص: محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، بيروت: دار العودة، ط3- 1997- ص9 وما يتبعها.

       راجع أيضاً: فان تيغم الأدب المقارن. ترجمة سامي الدروبي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1946، ص20 وما يتبعها.

13- راجع فرانسوا ماريوس جويار: الأدب المقارن. ترجمة هنري زغيب ط، بيروت، منشورات عويدات، 1978، ص65 وما يتبعها

14- حول دراسات التأثير والتأثر راجع بحث "الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة" في هذا الكتاب.

15- راجع كارل ماركس وفريدريك إنجلز: البيان الشيوعي. ترجمة العفيف الأخضر. دار ابن خلدون بيروت 1975.

       لقد انطلق ماركس وإنجلز في حديثهما عن الأدب العالمي من أنّ كلّ تغيير في مجرى القاعدة المادية للمجتمع يؤدي بالضرورة إلى تغير في البنية الثقافية أو الفوقية التي يعدّ الأدب جزءاً منها.

16- راجع بهذا الخصوص فؤاد المرعي: في نظرية الأدب المقارن. في مجلة : "المعرفة"، دمشق، العدد 295، أيلول 1986، ص149- 176 وراجع أيضاً غسان مرتضى: فيكتور جيرمونسكي والنظرية التيبولوجية في الأدب المقارن. في: (الأسبوع الأدبي)  العدد 527، 7/2/1996 (ملف الأدب المقارن). وغنيّ عن الشرح أنّ الأدب المقارن الماركسي مدرسة لها أنصارها في صفوف المقارنين في العالم بأكمله، وليست محصورة في روسيا ودول أوروبا الشرقية السلافية.

17- راجع مقالنا: الأدب المقارن ومفهوم التلقي. في: (الأسبوع الأدبي)  العدد 513، 23/ أيار/ 1996، ص6و14

18- راجع رينيه ويليك: مفاهيم نقدية. ترجمة محمد عصفور، الكويت، سلسلة (عالم المعرفة-  العدد 110) ، 1987 ص369، وما يتبعها. راجع كذلك حسام الخطيب: آفاق الأدب المقارن عربياً وعالمياً. دمشق/ بيروت: دار الفكر/ دار الفكر المعاصر، 1992، ص33 وما يتبعها. .

19- راجع عبد المطلب صالح: الأدب المقارن كما يراه الناقد الأمريكي رينيه ويليك. في مجلة : (البيان)  الكويت، العدد 266، أيار 1988، ص122- 138. يوجه المؤلف في مقالته نقداً لاذعاً إلى المدرسة الأمريكية في الأدب المقارن، ولكنه يدافع بشدّة عن المدرسة التأريخية الفرنسية التقليدية، رغم أن هذه المدرسة تتصف بنزعة مركزية أوروبية واضحة، وتلك مفارقة كبيرة.

20- راجع حسام الخطيب: آفاق الأدب المقارن، ص41 وما يتبعها. راجع أيضاً عبد النبي اصطيف: المنهج المقارن، في مجلة (الموقف الأدبي)  دمشق، س27- ع321-  كانون الثاني 1998، ص24 وما يتبعها.

21- يكفي أن يتصفح المرء الفهرس السنوي للترجمات الذي تصدره هيئة الأمم المتحدة (Index Translatorum)  كي يتبين أنّ أقطار العالم الثالث لا تشغل سوى مكان هامشي في التبادل الأدبي الدولي.

22- راجع بهذا الشأن:

B.Tibi: Die Krise des modernen Islam. 2.Aufl, Frankfurt/ M1991-  S.3- 50.

       (بسام طيبي: أزمة الإسلام الحديث. ط2، فرانكفورت/ م، 1991، ص3- 50) .

       في هذا الفصل من كتابه يحلل المؤلف السوري الأصل ما تنطوي عليه بنى التواصل الثقافي الدولي المعاصرة من تناقضات عميقة.

23- راجع سعيد علوش: مدارس الأدب المقارن-  دراسة منهجية. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1987، ص52.

24- راجع فان تيغم: الأدب المقارن. ص177

25- نفسه، ص118

26- حول خطر الإمبريالية الثقافية الذي يمكن أن ينجم عن الهيمنة اللغوية المعاصرة راجع:

H.Christ: Fremdsprachenunterricht für das Jahr 2000 Tübingen 1991.

       (   كريست: تعليم اللغات الأجنبية لعام 2000 توبنغن 1991) .

27- راجع بيير برونيل/ كلود بيشوا/ أندريه روسو: ما الأدب المقارن؟ ترجمة غسان السيّد، منشورات علاء الدين، دمشق 1996، ص10

28- نفسه، ص84

29- هذا الرأي للمقارن الألماني المعروف هورست روديغر، الذي رفض بصراحة ضمّ كلّ الآداب الموجودة في العالم إلى الأدب العالمي، وفضل أن يحصر هذا المفهوم في الآداب الأوروبية راجع:

H. Rüdiger: Europنische Literatur - Weltliteratur, Heidelberg 1981.

       (روديغر: الأدب الأوروبي-  الأدب العالمي. هايدلبرغ 1981) .

30- راجع: محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، ص104

31- تنطبق هذه المقولة على الحركات القومية في بلدان العالم الثالث، فهي حركات تحرر وطنية، لا ترمي إلى السيطرة على شعوب أخرى بل إلى تحرير شعوبها من السيطرة الأجنبية. ولذا من الخطأ النظر إلى تلك الحركات بطريقة غير جدلية وتصنيفها مع النزعات القومية الأوروبية والغربية ذات الطابع الشوفيني أو العرقي التي تعبّر عن مصالح توسعية ورجعيّة. لقد دار حول هذه المسألة الفكرية الهامة نقاش طويل وحام في الستينيات والسبعينيات، شارك فيه كبار الماركسيين العرب من أمثال الياس مرقص وياسين الحافظ ومنير شفيق وصادق العظم وبسام طيبي وناجي علوش وغيرهم.

32- راجع محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، ص105

33- نفسه، ص107

32- حول هذه المسألة راجع اولريش فايز شتاين: التأثير والتقليد. ترجمة مصطفى ماهر. في مجلة (فصول،)  القاهرة، العدد 23- 1983، ص18- 25

35- راجع محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، ص110

36- راجع فؤاد مرعي: في نظرية الأدب المقارن. ص172

37- نفسه، ص166

38- نفسه، ص168

39- راجع سعيد علوش: مدارس الأدب المقارن. ص43

40- نفسه، ص48

41- نفسه، ص50

42- نفسه، ص53. راجع أيضاً دانييل - هنري باجو: الأدب العامّ والمقارن. ترجمة غسان السيّد. دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1997

43- راجع:

F.Boubia: Goethes Theorie der Alteritنt Und die Idee der Weltliteratur In: B.Thum (Hg) : Gegenwart Als kulturelles Erbe.München
 1995- S261- 301

       [فوزي بوبيا: نظرية الغيرية عند غوته وفكرة الأدب العالمي. في: ب. توهم (تحرير) : الحاضر كميراث ثقافي ميونيخ 1985، ص261- 301.]

44- راجع عز الدين المناصرة: المثاقفة والنقد المقارن-  منظور إشكالي-  بيروت: المؤسسة العربية للدراسات، 1995 ، ص46

45- نفسه، ص47

46- نفسه، ص56

47- نفسه، ص55

48- نفسه، ص51

49- نفسه، ص56

50- نفسه، ص57

51- كان الدكتور محمد مندور في مقدمة النقاد العرب الذين دعوا إلى استيعاب الآداب الغربية بصورة واعية، وإلى تأصيل المؤثرات الأدبية الأجنبية لتصبح جزءاً من تراثنا الأدبي. راجع بهذا الخصوص: في الميزان الجديد، ط3 القاهرة، دار نهضة مصر، 1983-  ص15 وما يتبعها.

52- راجع حسام الخطيب: حول الأدب العربي وامتحان العالمية، ص24

53- راجع نبيل راغب: معالم الأدب العالمي المعاصر. القاهرة: دار المعارف، 1978

54- راجع سعيد علوش: مدارس الأدب المقارن، ص44

55- راجع نبيل راغب: معالم الأدب العالمي المعاصر، ص14

56- نفسه، ص5

57- نفسه، ص14

58- لئن كان العالم الأوروبي الغربي هو "العالم المتحضر"، فماذا يمكن أن نسمي الشعوب التي لا تنتمي إلى ذلك العالم؟!

49- تصدر هذه المجلة عن النادي الأدبي في جدّة .

60- راجع حلمي بدير: بحوث تجريبية في الأدب المقارن. القاهرة: الدار الفنية للنشر والتوزيع، 1998، ص105- 150(61)  راجع حسام الخطيب: حول الأدب العربي وامتحان العالمية، ص20

62- نفسه، ص24

63- نفسه، ص26

64- نفسه، ص30

65- نفسه، ص35

66- نفسه، ص41

67- نفسه، ص41

68- نفسه، ص38

69- راجع مقالنا: الاستشراق-  مؤامرة أم قنارة لحوار الثقافات؟ في مجلة: (الفيصل)  الرياض، العدد 241، نوفمبر-  ديسمبر 1996، ص24- 27

70- راجع حسام الخطيب: حول الأدب العربي وامتحان العالمية، ص35

71- ترجمت هذه الرواية إلى العربية عدّة مرّات، وأشهر تلك الترجمات هي الترجمة التي قام بها الأديب المصري حسن الزيات عن الفرنسية، راجع جيته: آلام فرتر. بيروت: دار القلم، 1980. وحول استقبال هذه الرواية عربياً راجع كتابنا: الرواية الألمانية الحديثة - دراسة استقبالية مقارنة. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1993- ص28- 33

72- يرى الناقد العربي الكبير ميخائيل نعيمة في غربلة الأعمال الأدبية، أي تقييمها، جوهر النشاط النقدي. وهذا رأي يجمع عليه معظم النقاد الأدبيين في العالم. وفي كلّ الأحوال فإن التقييم هو إحدى القضايا المركزية للنقد الأدبي راجع: الغربال. بيروت: مؤسسة نوفل، ط14 ،1988،- ص13.

73- خصصت وزارة الإعلام الكويتية للمسرحيات الأجنبية المترجمة إلى العربية سلسلة كتب شهرية اسمها "من المسرح العالمي"، وقد نشرت تلك السلسلة مئات المسرحيات .

74- بهذا الخصوص راجع كتابنا: هجرة النصوص - دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1995-  ص128 وما يتبعها. عن الإنكليزية والفرنسية ترجم أيضاً عدد كبير من الأعمال الروسية، كأعمال دستويفسكي، التي ترجمها الدكتور سامي الدروبي، وإلى اليوم يترجم قسم كبير من الآثار الأدبية الأجنبية عن لغات وسيطة.

75- راجع بهذا الشأن كتاب ي. ليفي: الترجمة الأدبية - نظرية جنس فني-  فرانكفورت/ بون، 1969. وهو إلى اليوم الأفضل في بابه.

J.Levy: Die Literarische ـberselzung Theorie einr Kunstgattung, Fxankfurt /M. Bonn, 1969

       راجع كذلك: نوفل نيوف: الشعر والترجمة. مجلة المعرفة، دمشق، س32- ع 365، شباط 1994، ص136- 151 فيما يتعلق بتأثير مسرح بريشت في المسرح العربي، راجع كتاب رشيد بو شعير: أثر مسرح برتولد بريخت في مسرح الشرق العربي. دمشق: دار الأهالي، 1996

77- راجع بهذا الخصوص جاسم محسن الموسوي: الوقوع في دائرة السحر. ألف ليلة وليلة في نظرية الأدب الإنكليزي. بيروت: مركز الإنماء القومي، ط2، 1986

       راجع أيضاً: عبد السلام حمد: أثر ألف ليلة وليلة في الأدب الأمريكي. في: الأسبوع الأدبي، العدد 572- 8/12/1997.

78- حول هذه المسألة راجع كتابنا: الأدب المقارن، نص224- 251.

79- نفسه، ص185- 193.

80- فيما يتعلق بالنقاش العربي حول أدب كافكا راجع كتابنا: الرواية الألمانية الحديثة، ص175- 199

81- أحدثت الدول المتقدمة مؤسسات خاصة بالعمل الثقافي الخارجي، تقوم بتقديم الدعم الماديّ لمن يقوم بترجمة أعمال من آدابها إلى اللغات الأجنبية، لأنها ترى أنّ ذلك يحسن صورتها في العالم ويزيد التفهم لقضاياها.

82- من الملاحظ أنّ هناك اهتماماً متزايداً باليابان مجتمعاً وثقافة، وأنّ إرهاصات اهتمام كهذا آخذة بالظهور في الوطن العربي. ومن أحدث المؤشرات الدالة على ذلك هذا الصدى الكبير الذي كان لمقالات محمد حسنين هيكل حول اليابان راجع: المقالات اليابانية، بيروت-  القاهرة، دار الشروق، 1997

83- كان "مؤتمر الرواية العربية الأول" الذي انعقد في القاهرة في أواخر شباط 1998 بحضور ما يزيد على مئتي روائي وناقد دليلاً على تنامي الاهتمام الثقافي العربي بأدب الرواية. راجع بهذا الخصوص جريدة (أخبار الأدب)  القاهرية، الأعداد 241- 245، فبراير-  مارس 1998

84- لقد كان المسرحي السويسري الكبير فريدريش ديرنمات سباقاً إلى تشخيص أزمة المسرح المعاصر، إذ أعلن في أواسط الخمسينيات أنّ زمن المسرح قد ولّى وأفسح المجال للفيلم، أما ما تبقى من مسرح فلا يتعدى أن يكون متحفاً أو تجريباً مسرحياً. راجع بحثنا: ديرنمات بين الأسطورة والتنوير. مجلة (الحياة المسرحية) ، العدد 17- 18، 1981- ص20- 30.

85- نذكر على سبيل المثال ترجمة مسرحية "الاغتصاب" إلى الألمانية من قبل المستعربة فريدريكه بانيفيك التي زودّت المسرحية بتحليل مستفيض. راجع:

F.Pannewick: Der andere Blick. Eine syrische Stimme zur Palastinafrage. Klaus Schwarz Verlag, Berlin 1993

       (ف. بانفيك: النظرة الأخرى. صوت سوريّ حول القضية الفلسطينية. برلين 1993)  راجع أيضاً:

J.Ch. Buergel/St. Guth (Hg) : Gesellschaftlicher Wandel im zeitgenoessischen Drama der Islamischen Welt, Beirut 1995.

       (ي. كر. بورغيل/ ست. غوت: التحوّل الاجتماعي في الدراما المعاصرة في العالم الإسلامي. بيروت ،1995) .

86- يعد كتابا "الغربال" لميخائيل نعيمة و"الديوان "لعباس محمود العقاد وعبد القادر المازني أبرز وثيقتين نقديتين لتلك المعركة الأدبية. راجع: الديوان، كتاب في النقد والأدب، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1996.

87- الأدبيات النقدية حول هذه المسألة كثيرة واكتفي بالإشارة إلى: محمد لطفي اليوسفي: في بنية الشعر العربي المعاصر، تونس، (سراس للنشر) ، ط2- 1992؛ محمد بنيس: الشعر العربي الحديث. ط2، الدار البيضاء (دار توبقال) ، 1996.

88- إنّ أهم تلك الأشكال وأوسعها استقبالاً هي الدراما التلفزيونية.

89- هذان الشاعران هما الإيرلندي سيموس هيني (S.Heaney)  والبولونية فاسلافا زيمبروسكا (W.Szymbroska) 

90- راجع مثلاً ملف (الشعر العربي الحديث)  الذي نشرته مجلة "دي هورين" الألمانية، وهو ملف خصص معظمه لشعر أدونيس (Die Horen, Hett 2/1998, S.60 - 124)

91- راجع كاتارينا مومزن: جوته والعالم العربي. ترجمة عدنان عباس علي. الكويت (سلسلة عالم المعرفة)  1995- ص52.

92- راجع مقالنا: العمل الثقافي العربي في الخارج وتدريس العربية لغير الناطقين بها. في: (الأسبوع الأدبي)  العدد 161- 6/ نيسان 1989. راجع كذلك: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم: تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها - قضايا وتجارب-  تونس 1992.

93- من أهم تلك الجهود البيبليوغرافية الجهد الذي بذله فاروق مردم - بك في مؤلفه المتعلق بحركة الترجمة من العربية إلى الفرنسية. راجع:

F.Merdam - Bey: Catalogue Bibliographique.Paris1996.

       وبخصوص حركة الترجمة الأدبية من العربية إلى الإنكليزية راجع: صالح جواد طعمة: الشعر العربي الحديث المترجم إلى الانكليزية. طنجة: منشورات مدرسة الملك فهد العليا للترجمة، 1993.

94- هذا ما برهنا عليه بالنسبة لحركة الترجمة الأدبية من العربية إلى الألمانية، تلك الحركة التي يمكن أن تعدّ مؤشراً هاماً لأوضاع حركة الترجمة من العربية إلى اللغات الأوروبية والغربية. راجع كتابنا: هجرة النصوص، ص31- 54.

95- هناك في ألمانيا مثلاً عدة مؤسسات ومبادرات لتشجيع حركة الترجمة من اللغة العربية أبرزها "جمعية تشجيع الترجمة من آداب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية"، وهي جمعية مرتبطة باتحاد الناشرين الألمان

(Boersenvervein des Deutschen Buchhandels)

96- تعدّ الترجمة الأدبية أحد الأبعاد الثقافية الشراكة المتوسطيّة بين الأقطار العربية والاتحاد الأوروبي. وقد تجسد ذلك في مشروع "شهادات البحر المتوسط" الذي يهدف إلى تعريف المجتمعات الأوروبية بالمجتمعات العربية من خلال ترجمة سير ذاتية لشخصيات أدبية هامة إلى اللغات الأوروبية الرئيسة. وقد انطلق هذا المشروع عملياً سنة 1996، وصدرت ضمن إطاره ترجمات للسير الذاتية للأدباء: عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا وخالد زيادة والطاهر بن جلون.

97- ترجمت أعمال نجيب محفوظ الكاملة إلى اللغات الأوروبية الرئيسة، وقد انتقلت شرارة الترجمة إلى أدباء عرب آخرين من أمثال: جمال الغيطاني وصنع الله إبراهيم وعبد الرحمن منيف وإبراهيم الكوني ويوسف القعيد.. وغيرهم.

98- من هذه الناحية يمكن القول إن حركة الترجمة تثبت تصوّراً مسبقاً وسائداً في المجتمعات الغربية حول وضع المرأة في المجتمعات العربية. راجع عبد النبي اصطيف: المعذبات في الشرق، مجلة (المعرفة) ، دمشق، س32- أيار 1993- ص144- 157

99- يتألف مشروع (PROTA)  لترجمة الأدب العربي إلى الانكليزية من عدة مجلدات أهمها مجلدا "الشعر العربي الحديث" و"الدراما العربية الحديثة"، ويقع المجلد الأول الذي صدر سنة 1987 في 500 صفحة، وهو يغطي الشعر العربي الحديث بصورة ممتازة، وحبذا لو وجدت مختارات كهذه باللغة العربية. كذلك فإن مجلد "الدراما العربية الحديثة" الذي حررته السيدة الجيوسي بالتعاون مع المستشرق المعروف روجر ألن جدير بالإعجاب، ولا يوجد بالعربية في هذا الباب كتاب بهذا المستوى. راجع:

Salma Khadra Jayyusi (Edit) : Modern Arabic Poetry - An Anthology. Columbia - University - Press, New York, 1987 / Ders. /R. Allen (Edit) : Modern Arabic Drama. Indiana University Press, Bloomington /Indianapolis, 1995

       وفي ألمانيا قام بعض الأدباء العرب المقيمين هناك، وأبرزهم ناجي نجيب وخالد المعالي وتوفيق سليمان بدور شبيه بالدور الذي قامت به الأديبة سلمى الخضراء - الجيوسي على صعيد التعريف بالأدب العربي الحديث عبر الترجمة والتوسيط النقدي. وفي فرنسا يقوم الشاعر والمترجم المغربي الأصل عبد اللطيف اللعبي بهذا الدور. إن الأدباء العرب المغتربين الذين يجيدون اللغات الأجنبية ويحيطون بالآداب الأجنبية دون التخلي عن صلاتهم باللغة والأدب العربيين يستطيعون القيام بدور متميز في التعريف بالأدب العربي الحديث في العالم.

100- هذه الدور هي (Lenos)  و(Unionsverlag)  في سويسرا، و(Edition Orient)  في ألمانيا.

101- راجع على سبيل المثال العدد الخاص بنجيب محفوظ الذي أصدرته مجلة "نص ونقد" الألمانية، وهذا أمر لا سابقة له بالنسبة للأدب العربي:
H.Fنhndrich: Nagib Mahfus, Text +Kritik1991

102- تمثل الأبحاث المقدمة إلى ندوة "الأساطير والنماذج البدئية التاريخية والشخوص الرمزية في الأدب العربي "التي أقامها" المعهد الألماني للدراسات الشرقية "في بيروت من 25 إلى 30 حزيران 1996 نماذج للدراسات الاستشراقية الحديثة المتعلقة بالأدب العربي (راجع مجلة  (الآداب)  ع9- 10و 11- 12، 1997)  راجع كذلك مقالنا: هل توصل الاستشراق إلى مقاربة جديدة للأدب العربي. في (الأسبوع الأدبي)  العدد 522، 1/8/1996، ص5.

r

 

 

r فهرس المصادر والمراجع

 

- اصطيف، عبد النبي د. المعذبات في الشرق. مجلة (المعرفة)  دمشق، س32-  ع356، أيار 1993- ص144- 157

- نفسه: المنهج المقارن في دراسة الأدب. مجلة (الموقف الأدبي) ، دمشق، ص27- ع321- كانون الثاني 1998- ص21- 33

- باجو، دانييل-  هنري: الأدب العامّ والمقارن. ترجمة د. غسّان السيد. دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب 1997-  بدير، حلمي د. بحوث تجريبية في الأدب المقارن. القاهرة: الدار الفنيّة، 1988

- برونيل، بيير/ بيشوا، كلود/ روسو، أندريه-  ميشيل: ما الأدب المقارن؟ ترجمة د. غسان السيّد. دمشق: منشورات علاء الدين 1996.

- بنيس، محمد د: الشعر العربي الحديث، مج 3(الشعر المعاصر) ، الدار البيضاء: دار توبقال، ط2- 1996

- بو شعير، الرشيد د: أثر برتولد بريخت في مسرح الشرق العربي. دمشق: دار الأهالي 1996

- تيغم، بول فان: الأدب المقارن. القاهرة: دار الفكر العربي. د.ت.

- جويار، ماريوس-  فرانسوا: الأدب المقارن. ترجمة محمد غلاب. القاهرة: لجنة البيان العربي، 1956

- نفسه: الأدب المقارن. ترجمة هنري زغيب. ط2- بيروت: منشورات عويدات، 1988

- جيته:آلام فارتر. ترجمة أحمد حسن الزيات. بيروت: دار القلم، 1980

- حمد، عبد السلام د: أثر ألف ليلة وليلة في الأدب الأمريكي، جريدة (الإسبوع الأدبي) ، دمشق، ع572- 1997- ص13

- الخطيب، حسام د: الأدب المقارن، الجزء الأول: في النظرية والمنهج. دمشق، منشورات جامعة دمشق ، 1982

- نفسه: حول الأدب العربي وامتحان العالمية. مجلة (المعرفة) ، دمشق، س25- ع295-  أيلول 1986- ص16- 42

- نفسه: آفاق الأدب المقارن عربياً وعالمياً. بيروت - دمشق: دار الفكر المعاصر/ دار الفكر، 1992

- راغب، نبيل د: معالم الأدب العالمي المعاصر. القاهرة: دار المعارف، 1978

- سليمان، نبيل: الملتقى الثالث للروائيين العرب والتجريب في الرواية العربية.
(ملحق الثورة الثقافي) ، دمشق، ع64،  8/6/1997، ص5.

- صالح، عبد المطلب: الأدب المقارن كما يراه الناقد الأمريكي رينيه ويليك، مجلة
(البيان)، الكويت، ع266- أيار 1988- ص122- 138

- الطعمة، صالح جواد د: الشعر العربي الحديث المترجم إلى الإنكليزية. مقدمة وبيبليوغرافيا، طنجة: منشورات مدرسة الملك فهد العليا للترجمة، 1993.

- عبود، عبده د: دورنمات بين الأسطورة والتنوير. مجلة (الحياة المسرحية) ، دمشق، ع17- 18، 1981- ،20- 30.

- نفسه: سبيل الأدب العربي إلى العالمية-  نجيب محفوظ نموذجاً، جريدة (الإسبوع الأدبي)  ع146، 22/12/1998 ، ص4.

- نفسه: الأدب المقارن-  مدخل نظري ودراسات تطبيقية، حمص: منشورات جامعة البعث، 1992.

- نفسه: الرواية الألمانية الحديثة - دراسة استقبالية مقارنة. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1992.

- نفسه: هجرة النصوص - دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1995.

- نفسه، تعليم العربية للأجانب ومستقبلها في صراع اللغات، مجلة (الفيصل) ، ع230، ديسمبر 1995-  يناير 1996، ص30- 34.

- نفسه: الاستشراق-  مؤامرة أم قناة لحوار الثقافات؟ مجلة (الفيصل)  الرياض، ع241، نوفمبر - ديسمبر 1996، ص24- 27.

- نفسه: هل توصل الاستشراق إلى مقاربة جديدة للأدب العربي؟ جريدة (الأسبوع الأدبي)  دمشق، ع5221/1/8/1996، ص5.

- نفسه: الأدب المقارن ومفهوم التلقي. جريدة (الأسبوع الأدبي) ، دمشق،
ع513-  23/3/1996، ص6- 14.

- نفسه: الثقافة العربية وتحديات العولمة. مجلة (الموقف الأدبي) ، دمشق، ع317- 318، أيلول-  ت2-  1997، ص19- 34.

- العقاد، عباس محمود: الديوان - كتاب في النقد والأدب. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1996.

- علوش، سعيد د. مدارس الأدب المقارن-  دراسة منهجية. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1987.

- ماركس، كارل/ إنجلز، فريدريك: البيان الشيوعي، ترجمة العفيف الأخضر، بيروت: دار ابن خلدون 1975

- مرتضى، غسّان د: فيكتور جيرمونسكي والنظرية التيبولوجية في الأدب المقارن. جريدة (الأسبوع الأدبي) ، دمشق، ع527، 7/9/1997 (ملف الأدب المقارن) .

- المرعي، فؤاد، د.: في نظرية الأدب المقارن. مجلة (المعرفة) ، دمشق، ع295، أيلول 1986، ص149- 176

- المناصرة، عز الدين د: المثاقفة والنقد المقارن-  منظور إشكالي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات، 1995.

- الموسوي، جاسم محسن د: ألف ليلة وليلة في نظرية الأدب الإنكليزي. بيروت: مركز الإنماء العربي، ط2- 1986.

- المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم: تعليم العربية لغير الناطقين بها - قضايا وتجارب. تونس، 1992.

- مومزن، كاتارينا: جوته والعالم العربي. ترجمة د. عدنان عباس علي. مراجعة د. عبد الغفار مكاوي، الكويت: وزارة الإعلام، 1995.

- نعيمة، ميخائيل: الغربال، بيروت: مؤسسة نوفل، ط14،1988.

- نيوف، نوفل د: الشعر والترجمة، مجلة (المعرفة)  دمشق، ع365، شباط 1994، ص136- 151.

- هلال، محمد غنيمي د: الأدب المقارن. بيروت: دار العودة، 1987.

- هيكل، محمد حسنين: المقالات اليابانية. بيروت-  القاهرة: دار الشروق، 1997.

- ونوس، سعد الله: الأصداء الأولى للرحيل، دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1998.

- ويليك، رينيه: مفاهيم نقدية، ترجمة د. محمد عصفور. الكويت: وزارة الإعلام 1987.

- اليوسفي، محمد لطفي: في بنية الشعر العربي المعاصر. تونس: سراس للنشر، ط2، 1992.

r اعداد خاصة من مجلات:

- الآداب، العدد المزدوج 5- 6- أيار - حزيران 1997 (أبحاث وشهادات في الرواية العربية) .

- نفسها: العددان المزدوجان 9- 10و11- 12- 1997 (أبحاث ندوة المعهد الألماني للدراسات الشرقية: أساطير ونماذج بدئية وشخوص رمزية في الأدب العربي)

r مراجع بلغة أجنبية:

- Boubia, Fawzi: Goethes Theorie der Altertنt und die Idee der Weltiteratur, In: Bernd Thum (Hg)  : Gegenwart als kalturlles Erbe München 1985 ,S.269- 301

- Buergel, Johann Christioph/ Guth Stephan (Hg) : Gesellschaftlicher Umbruch im Zeitge  nِssischen Drama der islamischen Welt. Beirut 1995.

- Christ, Herbert (1991) : Fremdsprachenunterricht für das Jahr 2000,

         Tübingen: Narr, 1991- 1845

- Die Horen: Heft 2/1998,S.60- 124

- Jayyusi, Salma Khadra/ Roger Allen (Edit) : Modern Arabic Drama.

 A PROTA Book, Indiana University Press, Bloomington and Indianapolis, 1995.

- Jayyusi,S.Kh.(Ed) : Modern Arabic Poetry. An Anthology, New York: Columbia - University-  Press, 1987

- Levy , Jiri : Die literarische ـbersetzung, Theorie Einer Kunstgattung, Frankfurt - Bonn 1969

- Merdam-  Bey, Forouk : Ecrivans Arabes d, Hier et D Anjowd. hui, Catalogue Bibliographique .Paris, 1996

- Pannewick Friedrike: Der andere Blick. Eine syrische Stimme zur Palastinafrage ,Klaus Schwarz Verlag Berlin 1993

- Rüdiger, Horst: Europنische Literatur - Weltliteratur, Heidelberg, 1981

- Schmeling, Manfred (Hg) : Weltliteratur heute, Würzburg, 1995

- Tibi, Bassam : die Krise des Modernen Islams, Frankfurt/ M.1991

- Ders: Die Verschwِrung, Das Trauma arabischer Politik. 2. Erweit. Aufl. Hamburg, 1994.

 

r

 

 

 

2- 2 - الاستشراق وحوار الثقافات

 

ما أكثر ما كتبه العرب وقالوه إبّان العقود القليلة الأخيرة في نقد الاستشراق! عشرات الكتب، مئات الأبحاث والمقالات، وعدد لا حصر له من الندوات والمحاضرات! فلو شاء المرء أن يضع فهرساً (بيبلوغرافياً)  خاصّاً بهذه المسألة لخرج بمجلّد كبير. ما الأمر؟ هل تحوّل الاستشراق إلى تحدّ رئيس تواجهه الأمة العربية، وأصبح يشكّل خطراً جدياً يحدق بالثقافة العربية؟ أم أنّ المعركة التي تخاض عربياً ضدّ الاستشراق ليست في حقيقة الأمر سوى واحدة من تلك المعارك الخاسرة، والمبارزات الدونكيشوتية، التي خاض العرب الكثير منها في تاريخهم الحديث؟ أم إنها معركة تخاض ضدّ طرف ليس للعرب أيّة مصلحة في أن يدخلوا في صراع معه، ولهم كلّ المصلحة في تحويله إلى حليف لهم وجسر يربطهم بالمجتمعات الغربيّة وثقافتها في زمن كثر فيه الحديث عن حرب الثقافات؟

الحملة المناهضة للاستشراق

بادئ ذي بدء لا بدّ من الإشارة إلى أنّ للحملة العربية الموجّهة ضد الاستشراق دوافع فكريّة وعقائدية ومصالح معرفيّة مختلفة ومتنوّعة. فمن العرب من يناهض الاستشراق لأسباب ودوافع دينيّة، ومنهم من يهاجمه لاعتبارات سياسيّة، قوميّة في الغالب. فالفئة الأولى ترى في الاستشراق نشاطاً علمياً وثقافياً يهدف إلى تقويض الدين الإسلامي، والتشكيك في العقيدة الإسلامية. أما الفئة الثانية فترى أن الاستشراق يرمي إلى زرع بذور الشك في الهوية القومية العربية، وصولاً إلى تفتيت الأمة العربية ونسف تطلعاتها الوحدوية. ولكن مهما تكن تلك الخلفيات والدوافع والمصالح الكامنة وراء نقد الاستشراق، فإنّ نقاد الاستشراق من العرب متفقون على أنّ الاستشراق نشاط علمي وفكريّ معاد للعرب والمسلمين، نشاط يرمي للإساءة إلى ثقافتهم ومجتمعاتهم. ولا يتردد قسم كبير من هؤلاء النقاد في أن يعد الاستشراق حلقة من حلقات "المؤامرة" الغربية الصهيونية الهادفة إلى تقويض الأسس الفكريّة للإسلام والعروبة. إنّ الربط بين الاستشراق من جهة، والاستعمار الغربي والصهيوني من جهة أخرى هو نغمة تتردد بلا انقطاع في كلّ أدبيات الحملة العربية المناهضة للاستشراق(1)  . وما دام الأمر كذلك فمن الطبيعي ألا يرى المشاركون في تلك الحملة في الجهود العلميّة والثقافيّة الاستشراقية أيّة عناصر إيجابيّة يمكن أن تعود بالفائدة على العرب والمسلمين. فكيف يمكن أن ينطوي الاستشراق، في رأي هؤلاء، على ما هو إيجابي، وهو في الأصل تعبير عن مصالح وأهداف ونوايا استعمارية غربيّة وصهيونية خبيثة، لا تريد للعرب والمسلمين إلاّ الأذى والشرّ؟! إنّ الاستشراق - من وجهة نظر هؤلاء النقاد - نشاط علميّ وثقافي يصدر عن جهة معادية، ولا يمكن بالتالي إلاّ أن يكون خبيثاً وضاراً. إلاّ أنّ نقاد الاستشراق من العرب لم يتمكّنوا من تجاهل جهود استشراقية أنصف أصحابها العرب والمسلمين وقدّروا دورهم الحضاريّ التاريخي حقّ قدره، وأولوه ما يستحق من احترام. أمّا أشهر تلك الحالات فهي حالة المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه (Sigrid Hunke)  صاحبة الكتاب الشهير: "شمس العرب تسطع على الغرب"(2)،. وهو كتاب ترجم إلى العربية وحظي باهتمام عربيّ واسع النطاق. إلاّ أن مناهضي الاستشراق من العرب عدّوا حالات كهذه حالات استثنائية اعترفوا بفضلها، دون أن يدفعهم ذلك إلى إعادة النظر بصورة جذريّة في موقفهم من الاستشراق ودوره. إنّ الحالات التي أنصف فيها المستشرقون العرب والمسلمين هي - والكلام لنقاد الاستشراق-  حالات استثنائية قليلة. أمّا القاعدة فهي أنّ الاستشراق، في جوهره، نشاط مُعادٍ للإسلام والعروبة، وجزء من المؤامرة الغربيّة الصهيونية الهادفة إلى تخريب الثقافة العربية وهدم أسسها، وفي المقدمة منها الإسلام. وإذا كان ذلك هو شأن الاستشراق، فمن الطبيعيّ، لا بل من الضروريّ، أن تشنّ ضدّه الحملات، وأن تؤلف الكتب والمقالات، وأن تقام المؤتمرات والندوات، للتحذير منه، وكشف النوايا الخبيثة الكامنة وراءه ودرء خطره. وهذا ما حدث فعلاً على امتداد العقود الأخيرة، حيث شهد الوطن العربي معركة حامية الوطيس حول الاستشراق، معركة استقطبت جهوداً علميّة وفكرية ضخمة، شاركت فيها جهات عربية وإسلامية كثيرة، وندب لها عدد كبير من الباحثين والمفكّرين أنفسهم، وذلك بغرض درء خطر الاستشراق وحماية الإسلام والعروبة من شروره المفترضة.

وجهة نظر مختلفة

ومع احترامنا الشديد لكلّ من شارك في الحملة العربية المناهضة للاستشراق، فإنّ لنا في هذه المسألة وجهة نظر تختلف جذريّاً عن وجهة نظرهم. فنحن نرى أنّ خصوم الاستشراق يغفلون عن حقيقة جوهريّة، ألا وهي أنّ المستشرقين ليسوا عرباً ولا مسلمين، بل هم علماء وباحثون غربيون، ينتمون قوميّاً إلى الأمم الغربية، وينتمون دينياً إلى المسيحية أو اليهودية، وقد يكونون بلا انتماء ديني محدّد. وعندما يدرسون الثقافة والمجتمع العربيين فإنهم يفعلون ذلك انطلاقاً من أفق يختلف جذرياً عن أفق باحث عربيّ ومسلم. إنهم يمارسون جهودهم الاستشراقية مدفوعين باهتمامات ومصالح معرفيّة ومناهج وأرضيات ثقافيّة أخرى تختلف من مستشرق لآخر، ومن جامعة لأخرى، ومن بلد لآخر، ومن جيل لآخر، ومن مرحلة لأخرى. فالاستشراق الألماني، على سبيل المثال، يختلف اختلافاً جذريّاً عن الاستشراق البريطاني والفرنسي والأمريكي والإيطالي والروسي. وضمن الاستشراق الألماني نفسه، على سبيل المثال هناك اختلافات لا يمكن تجاهلها بين المستشرقين(3) . ولذا فإنّ كلّ حكم تعميميّ على المستشرقين ينطوي بالضرورة على تجاهل لتلك الاختلافات، ويجافي الحقيقة بالضرورة. فالمستشرقون علماء وباحثون، لكلّ منهم اهتماماته وعقليته ومنهجه ومقارباته. صحيح أنّ هناك اهتمامات وتوجّهات مشتركة بين أجيال أو مدارس أو مجموعات من المستشرقين. ولكنّ ذلك لا يعني البتة أن الاستشراق كتلة واحدة، تتحرك ضمن "مخطّط" استعماري أو صهيوني معادٍ للعرب والمسلمين. فلو كان الأمر كذلك لما كانت تلك الفروق الكبيرة بين البحوث الاستشراقية. أمّا حقيقة أنّ الحكومات الغربيّة قد استفادت وما زالت تستفيد من الدراسات الاستشراقية في وضع سياساتها المتعلّقة بالعالمين العربيّ والإسلاميّ وتدبّر شؤونهما، فتلك مسألة أخرى، لا يجوز أن يُستنتج منها أنّ المستشرقين يتحمّلون مسؤولية تلك السياسات. فالمستشرقون علماء وباحثون تحركهم في الغالب دوافع ومصالح واهتمامات علميّة صرف. أمّا عاطفيّاً فإنّ القسم الأعظم منهم يهتم بالشرق لأنه يحبه ويقف منه موقف المحبّ المتفهم، حسب تعبير المستشرقة الألمانية أنا ماري شيمّل (Annemarie Schimmel) (4) . ولولا ولعهم بالشرق لما وقف هؤلاء الأشخاص حيواتهم على دراسته والاشتغال عليه. صحيح أنّ بين المستشرقين من يحمل في صدره عداءً وحقداً، مما ينعكس في أبحاثه ونشاطاته العلميّة، وسيكون من السذاجة أن نتجاهل وجود أشخاص كهؤلاء وألا نتصدى لهم علميّاً. ولكنّ مستشرقين كهؤلاء قلّة، ولا يمثلون بأية حال السواد الأعظم من المستشرقين الذين يحركهم حبّ الشرق والولع به. ولا نبالغ البتة إذا قلنا إنّ بعض المستشرقين مولع بالشرق إلى درجة الهيام إنهم عشاق الشرق ومجانينه.

إنجازات المستشرقين

خلافاً لخصوم الاستشراق من العرب نرى أنّ المستشرقين قد حققوا إنجازات علميّة ومعرفيّة وثقافية هي بصورة عامّة لصالح العرب والمسلمين. فالمستشرقون هم الذين عرّفوا بالثقافة العربية الإسلامية وقدّموها إلى المجتمعات الغربيّة والعالم، مما رفع مكانة العرب والمسلمين، إذ أخذ العالم ينظر إليهم كأمّة ذات حضارة عريقة. لقد أسهمت جهود المستشرقين بصورة جوهرية في تحسين صورة الشرق، وذلك بتقديمه إلى الرأي العام الغربي والعالميّ كموطن لشعوب ذات حضارة راقية، لا كشعوب همجية بربرية، مثلما تدعي الأوساط الاستعمارية والصهيونية. وبهذا الخصوص كان هناك تعارض صارخ بين جهود المستشرقين التي أبرزت منجزات الحضارة العربية الإسلامية وبين المساعي الاستعمارية والصهيونية التي صوّرت العرب والمسلمين كهمج متوحشين، وسوّغت بذلك قيامها باستباحة بلادهم واحتلالها ونهبها. ولا أظنّ أنّ أحداً يجهل ما قاله مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل بخصوص الدولة اليهودية، التي ادعى أنها ستكون قلعة للحضارة والديمقراطية وسط بحر من الهمجية والبربرية السائدتين في الشرق. إنه لمن الجهل والجحود ألا نقدّر أولئك الدارسين الأجانب الذين يبرزون الإنجازات الحضارية لأمتنا، ويقدّمون لها بذلك خدمة لا تقدّر بثمن. ولئن كنا غير قادرين، لهذا السبب أو ذاك، على القيام بتلك المهمة الثقافية والإعلامية الجليلة بأنفسنا، فإنّ أبسط ما يمكن أن نفعله هو ألا نعاقب أولئك الذين يقومون بها نيابة عنا، لمجرد أنهم يفعلون ذلك على طريقتهم.

أمّا أبرز الإنجازات الاستشراقية التي جاءت لصالح العرب والمسلمين فهي:

1- دراسة التراث العلمي والأدبي والثقافي العربي الإسلامي وصيانته وحفظه من الضياع والتلف، وذلك بفهرسة المخطوطات العربية وتحقيقها ونشرها والتعريف بها، مما نبّه الرأي العامّ الغربي والعالميّ إلى أنّ هذه الأمّة التي تتعرض للاستعمار والاحتلال والتمزيق هي أمّة ذات حضارة عريقة تستحق الإعجاب والتقدير.

2- ترجمة روائع الأدب العربيّ، قديمه وحديثه، إلى اللغات الأوروبية، وتقديم العرب والمسلمين للرأي العامّ في الغرب من خلال آدابهم، مما كان له أكبر الأثر في تحسين صورتهم، وهذا ما شكّل مقدمة لتفهم قضاياهم والتعاطف معهم. فالأدب خير رسول ينقل صورة أمّة من الأمم إلى العالم. ولولا جهود المستشرقين لما نقل شيء من أدبنا إلى اللغات الأجنبية، ولما عرف العالم شيئاً عن ذلك الأدب وعن الأمة التي أبدعته. وفيما يتعلق بهذه المسألة الجوهرية بالتحديد فإنّ للمستشرقين دوراً لا يمكن تجاوزه. فالمترجمون الذين ينقلون الأعمال الأدبية العربية إلى اللغات الأجنبية هم بالضرورة من المستشرقين الذين درسوا اللغة العربية وآدابها وأحاطوا بالثقافة العربية، وأصبحوا قادرين على ممارسة الترجمة الأدبية عن العربية. إنّ الأمم الراقية المتطورة تقدّم الدعم والتشجيع للذين يترجمون أعمالاً من آدابها إلى اللغات الأجنبية، لأن لها في ذلك مصلحة ثقافية خارجية كبيرة. أمّا العرب فلا يكتفون بعدم تقديم أي دعم أو تشجيع لأولئك الأشخاص الأجانب الذين يندبون أنفسهم لترجمة الأعمال الأدبية إلى اللغات الأجنبية، بل لا يتوقفون عن توجيه النقد إليهم.

3- تعليم اللغة العربية لغير أبنائها والناطقين بها، مما شكّل قناة إضافية هامّة للتعرّف إلى الثقافة العربية وفهمها. فالمستشرقون هم الذين يعلّمون العربية في جامعات بلادهم ومعاهدها ومدارسها، ويطوّرون أساليب التدريس، والمواد والتقنيات التعليمية اللازمة لذلك. وهم بذلك يسدون خدمة ثمينة للغة العربية، ويساعدونها في اجتياز حدودها القومية، والصمود في المنافسة الدولية بين اللغات(6) ، وهذا عمل يستحق القائمون عليه الاحترام والعرفان. فهل يمكن أن يكون تعليم العربية للأجانب ونشرها في العالم جزءاً من مؤامرة معادية للعرب والمسلمين؟ لقد أدركت الأمم المتقدمة كلها في هذه الأثناء ضرورة بذل كلّ جهد ممكن بغية تعليم لغاتها للأجانب، وأحدثت مؤسسات خاصة لهذا الغرض، مثل "المجلس البريطاني" و"المركز الثقافي الفرنسي" و"معهد غوته - المركز الثقافي الألماني" و"معهد ثيربانتيس الإسباني"، وهي مؤسسات تنفق عليها الحكومات المعنية مبالغ طائلة. فماذا فعلنا لدعم الوضع الدولي للغتنا القومية؟ إنّ الجهود التي بذلناها على هذا الصعيد أقلّ بكثير من المطلوب. وعندما تقوم المؤسسات الاستشراقية بتعليم اللغة العربية للأجانب، فإنّ الأمر المنطقي هو أن ندعمها ونتعاون معها في خدمة لغتنا ونشرها. فتعليم أيّ لغة للناطقين بغيرها هو مكوّن رئيس من مكوّنات النشاط الثقافي الخارجي المعاصر.

4- وضع الدراسات والأبحاث حول مختلف جوانب المجتمع العربيّ والإسلامي: التاريخية والاجتماعية واللغوية والدينية والحقوقية.. الخ، مما وفّر للمجتمعات الغربية معلومات غزيرة حول العالمين العربي والإسلاميّ، وأوجد فهماً وتفهمّاً لهما، وشكّل مساهمة كبيرة في معرفة الحضارة العربية والإسلامية. قد نختلف مع المستشرقين كلياً أو جزئياً حول ما يتوصّلون إليه في أبحاثهم، وهذا من حقنا، ولكن ليس باستطاعة أحد أن ينكر دور الاستشراق في معرفة حضارتنا، ولا أن يتجاهل أنّ وجود تلك البحوث هو لصالحنا في نهاية الأمر. فهي تعبير عن الاهتمام بنا، والالتفات إلينا، وهي تثير نقاشاً مفيداً حول قضايانا إذا أحسنا التعامل مع البحوث المذكورة. فهي رأي (الآخر)  فينا، وهو رأي من الضروري أن نعرفه. وغني عن البيان أنّ رأياً كهذا قد يكون أكثر عمقاً وموضوعية من رأينا، لأنه خال من تأثير النرجسيّة القوميّة التي تجعل المرء ينظر إلى واقعه نظرة ذاتية مفتقرة إلى الواقعية. إن الاستيعاب الانتقادي للمعرفة الاستشراقية يمكن أن يشكّل باعثاً قوياً من بواعث نهضتنا الفكرية والثقافية والاجتماعية. وفي مطلق الأحوال فإنّ أسوأ ما يمكن أن يحصل لنا هو أن يتجاهلنا العالم ويهملنا، وأن تنجح الأوساط المعادين في التعتيم عينا وحجب الأضواء عنا ثقافيّاً وعلميّاً، لأنها إذا نجحت في تنفيذ مخططها التعتيميّ فإنها تستطيع أن ترتكب ضدّنا أبشع الجرائم السياسية والعسكرية، دون أن ينتصر لنا أو أن يتضامن معنا أحد.

"المؤامرة" الحقيقية

ولأولئك الذين يقولون بوجود "مؤامرة" غربية تهدف إلى تشويه الحضارة العربية وتقويض أسسها نقول: إنّ "المؤامرة الحقيقية"، إنْ وجدت "مؤامرة" كهذه،(7)  لا تكمن في الاستشراق، بل في الصمت والتعتيم الثقافي على العالمين العربيّ والإسلاميّ، وفي إبعادهما عن مركز الاهتمام الثقافي وتعريضهما للنسيان ثقافيّاً. تلك هي الاستراتيجية الثقافية والإعلامية التي تتبعها الصهيونية في التعامل مع العرب والمسلمين. فهي تنسب إلى نفسها قسماً كبيراً من الإنجازات الثقافية العربية والإسلامية، وتبخس من أهمية القسم الآخر. وعلى هذا الشكل فإنها تجرّد العرب من رصيدهم الحضاري الضخم، وتنسب لنفسها القيادة الثقافية للعالم. تلك هي "المؤامرة الحقيقية". أمّا الجهة التي اخترقت تلك "المؤامرة" وأفشلتها جزئياً فتتمثل في المستشرقين الذين أعادوا الثقافة العربية الإسلامية إلى دائرة الضوء، ولفتوا أنظار شعوبهم إلى ما للعرب من إنجازات ثقافية.

إنّ أحدث مثال يمكن أن نوضّح تلك الحقيقة من خلاله هي المعركة الإعلامية والثقافية التي رافقت منح (جائزة السلام للناشرين الألمان)  للمستشرقة الألمانية الكبيرة أنا - ماري شيمّل (Annamarie Schimmel)  عام 1995. فقد بذلت الأوساط المعادية للعرب والمسلمين جهوداً لا يتصوّر المرء قوّتها وشراستها وخبثها وتنوّعها بغرض حجب تلك الجائزة عن المستشرقة المذكورة التي وقفت حياتها على دراسة الثقافة الإسلامية وإظهار غناها وتنوعها، مركزة على جوانبها وأبعادها المهملة وفي مقدمتها التصوّف(8). لم تتمكن تلك الأوساط المعادية من أن تنال من أنا-  ماري شيمّل علمّياً، لأنها جاهلة بالحقل العلمي الذي اشتغلت عليه هذه المستشرقة أشدّ الجهل، وهي غير قادرة على مواجهتها في تلك الساحة. ولذا عمدت الأوساط المذكورة إلى استدراجها إلى ساحة جانبية هي الساحة السياسية، حيث أملت أن تتمكن من أن "تزحلقها" وتسدد لها هناك الضربة القاضية(9)  لماذا عارضت تلك الأوساط منح "جائزة السلام" الألمانية لهذه المستشرقة المشهود بإنجازاتها العلميّة؟ لقد زعمت تلك الأوساط أنّ السيدة شيمل مؤيدة لفتوى الإمام الخميني التي هدرت دم الكاتب البريطاني الهندي الأصل سلمان رشدي، مؤلف رواية "الآيات الشيطانية"، وأنها زارت إيران وباكستان، وأبدت تعاطفاً مع الأصولية ومع أنظمة الحكم الاستبدادية في العالم الإسلاميّ، إلى آخر ذلك من الادعاءات التي نفتها السيدة شيمل جملة وتفصيلاً. ولكنّ تجمع الأوساط الموالية للصهيونية، التي تتستر وراء شعارات مختلفة، ومعظمها يساري وليبرالي، لم يقتنع بكلّ ما قالته المستشرقة، وأصرّ على إدانتها والمطالبة بسحب "جائزة السلام" الألمانية منها. لقد عارضت تلك الأوساط تكريم السيّدة شيمّل بكلّ شراسة لسبب رئيس هو أنها مستشرقة تهتمّ بالعالم الإسلامي وتحبّه وتتفهم أوضاعه وقضاياه. لقد أرادوا معاقبتها لأنها قامت بتسليط الأضواء على الحضارة الإسلامية ومنجزاتها، وهم يريدون أن تحجب الأضواء على تلك الحضارة، وأن تحتكر من قبل جهة تسعى لأن تجيّر لنفسها كلّ الإنجازات الحضارية الكبرى للإنسانية. ولئن كانت معركة "جائزة السلام" الألمانية قد حُسِمت في نهاية الأمر لصالح المستشرقة السيدة شيمّل بعد صراع إعلامي شرس، قلّ أن شهد الرأي العامّ الألماني مثيلاً له، فإنّ ذلك النجاح قد تمّ بالدرجة الأولى بفضل تضامن المستشرقين الألمان مع زميلتهم، ودفاعهم عنها بصورة فعّالة. لقد كانت معركة ثقافية كبرى، خاضها المستشرقون نيابة عن العرب والمسلمين الغافلين عن مصالحهم الثقافية الخارجية، الذين تصرّفوا وكأنّ تلك المعركة لا تعنيهم، لا بل واصل بعضهم حملته المناهضة للاستشراق بعناد وجهل.

صراع الثقافات

وازدادت الحملة العربية المناهضة للاستشراق خطورة في المرحلة التي أعقبت انهيار العدوّ التقليدي للغرب، أي الشيوعية والمعسكر الاشتراكي، إذ أخذت الأوساط الغربية المسيطرة تتلفت ذات اليمين وذات الشمال بحثاً عن عدو جديد يسوغ ذلك التسلح الهائل الذي تمارسه، ويساعد المجتمعات الغربية في كبت تناقضاتها الداخلية ورصّ صفوفها بحجة وجود عدوّ خارجي يتهددها. ولم تكن تلك الأوساط بحاجة لأن تطيل البحث، إذ سرعان ما عثرت على ذلك العدوّ، ألا وهو "الإسلام"، الذي أعلن أنه العدوّ الجديد للغرب، استناداً إلى التناقض الأساسي القائم بين قيمه الاجتماعية والسياسية وبين القيم التي تشكّل أساساً للحضارة الغربيّة. وهكذا برزت في الغرب دعوة قويّة لإحلال "صراع الثقافات" محل صراع الإيديولوجيات والطبقات، ولجعل "الإسلام" العدوّ الأكبر للغرب في هذا النمط الجديد من الصراع. وكالنار في الهشيم انتشرت في العالم نظرية "صدام الحضارات" التي بلورها عالم الاجتماع الأمريكي صموئيل هانتينغتون، الذي تحوّل بين عشية وضحاها إلى نجم من نجوم الفكر الإجتماعي والسياسي في العالم(10) . ومما سهّل على الدوائر الغربية المعادية للعرب والمسلمين مهمتها تلك الممارسات الإرهابية التي ترتكبها المنظّمات والجماعات السياسية المتطرفة في العالمين العربي والإسلامي، ولا سيّما في الجزائر، باسم الإسلام. لقد كانت تلك الممارسات والنشاطات الإرهابية البشعة هديّة مجانية قدمت للدوائر الغربية السالفة الذكر، حيث ساعدتها في إقناع الرأي العام الغربي بأنّ (الإسلام)  يشكّل مصدر خطر عليه. وبعد ذلك كان من السهل أن توجّه الجهود الإعلامية والسياسية والاستخباراتية للغرب إلى محاربة هذا العدو الجديد. وهذا ما يحدث حاليّاً على امتداد العالمين العربي والإسلامي وفي الغرب نفسه، وهو وضع شديد الخطورة على العرب والمسلمين. فصورتهم في العالم مشوّهة أشدّ التشويه، والعالم غير مستعدّ لأن يتفهم قضاياهم أو لأن يتضامن معهم حتى عندما يتعرضون لأشكال بشعة من العدوان. لقد وقف الرأي العامّ العالميّ موقفاً اتسمّ بقدر كبير من اللامبالاة عندما شنت إسرائيل في نيسان 1996 حرباً جويّة وبحريّة ضدّ لبنان، وهي الحرب التي أطلقت عليها تسمية (عناقيد الغضب) ، وحتى عندما ارتكب الجيش الإسرائيلي مجزرة (قانا)  الشهيرة، فإنّ التضامن العالمي كان دون الحدّ الأدنى. ويتعرض عشرون مليون عراقي للتجويع والمرض نتيجة الحصار الاقتصادي الذي يفرضه "المجتمع الدولي" على العراق بعد أن غزا الكويت، وكأنّ أطفال العراق وشيوخه ونساءه مسؤولون عن ذلك الغزو، أو عن عدم الانتهاء من القضاء على أسلحة الدمار الشامل العراقية. ولكنّ الأوساط التي تدّعي التقدمية والليبرالية والإنسانية في الغرب وقفت موقف اللامبالي من محنة الشعب العراقي، لمجرد أنه شعب عربي مسلم، بينما قامت الدنيا ولم تقعد، وتداعى زعماء العالم بأقصى السرعة إلى قمة "شرم الشيخ" في أعقاب العمليات التي قامت بها حركة "حماس" داخل "إسرائيل". ولئن دلّ ذلك على شيء فإنه يدل على مدى العزلة التي يعاني منها العرب والمسلمون في عالم اليوم، نتيجة تشويه صورتهم وتعبئة الرأيّ العامّ العالميّ ضدّهم.

إنّ هذا الوضع البالغ الخطورة يتطلّب من العرب والمسلمين أن يراجعوا حساباتهم، وأن يقفوا وقفة متأنية من أنفسهم أوّلاً، بعيداً عن المزايدات والعنتريات والخطابيّات والديماغوجية. وعليهم أن يفكروا في السبل التي يمكن أن تؤدّي إلى رفع حبل المشنقة الدوليّ عن أعناقهم، وإلى الخروج من هذا الطوق الثقافي والإعلاميّ القاتل الذي يُفرض على ثقافتهم وقضاياهم، بتخطيط من الدوائر المعادية، وبتسهيل من الجماعات المتعصبّة المتطرّفة داخل المجتمعات العربية الإسلامية نفسها. ولن يكون الخروج من ذلك الحصار الثقافيّ والإعلاميّ ممكناً إلاّ إذا تبنينا في العالمين العربي والإسلاميّ نهجاً جديداً في سلوكنا الاجتماعيّ والسياسيّ والدينيّ، بحيث نستبعد من ذلك السلوك كلّ ما يمكن أن تستغله الأوساط المعادية وتوظفه في تشويه صورتنا وتأليب الرأي العام العالميّ ضدّنا. إننا نعيش في عالم تحوّل إلى "قرية كونية"، مما يترتب عليه أن نتصرّف نحوالداخل والخارج بصورة مقبولة من جانب شركائنا في هذه القرية، وأن نقلع عن كلّ أشكال السلوك المرفوضة من قبلهم. لقد آن لنا، في العالمين العربي والإسلاميّ، أن نتخلى عن الاستهتار بالرأي العامّ العالميّ، وأن نتصرف بطريقة لبقة تقبلها الشعوب الأخرى، تلك الشعوب التي يجب علينا أن نسعى لكسب تفهّمها وتعاطفها وتضامنها واحترامها. وهذا يتطلّب مراجعة نقديّة شاملة لمجمل سلوكنا وتصرّفاتنا كأفراد وجماعات ومؤسسات ومنظّمات وحكومات ودول، وهي عمليّة صعبة ينبغي أن تشارك فيها النخب الثقافية والاجتماعية والسياسية للأمّة. فجهاد النفس أصعب أنواع الجهاد.

حاجتنا إلى حلفاء

إنّ معركتنا الثقافية الإعلاميّة المعاصرة هي معركة من نوع جديد، هي معركة تتطلّب منا أن نتصرف بذكاء وحساسيّة وحذر، وأن نتحلّى بنفس طويل ورؤية استراتيجية. فالجهود التي نبذلها في هذه المعركة لا تؤتي ثمارها إلاّ على المدى الطويل، ولكنها في كلّ الأحوال جهود من الحيويّ أن تبذل لأنها استثمار لصالح أجيالنا القادمة. وفي معركة ثقافية شاملة كهذه نحن بأمسّ الحاجة إلى حلفاء ثقافيين، أي إلى جهات ثقافية خارجية، تهتمّ بنا وتفهم أوضاعنا وتتفهم مشكلاتنا وتساعدنا في تصحيح صورتنا في العالم. وفي مقدّمة تلك الأطراف تأتي المؤسسات والشخصيات العلمية الأجنبية التي درست لغتنا وثقافتنا، ألا وهم المستشرقون. فهم الجهة الأجنبية التي يمكن أن نتحاور ونتفاهم معها قبل أيّ جهة أجنبية أخرى. وإذا لم نكن قادرين على التفاهم مع هذه الجهة، فكيف نتفاهم مع جهات وأوساط أجنبية أخرى؟ إن المستشرقين يمكن أن يشكّلوا همزة وصل بين الثقافة العربية الإسلاميّة وبين الثقافة الغربية، وبين المجتمعات العربية والإسلامية وبين المجتمعات الغربية، لأنهم مؤهلون لهذا الدور علميّاً وثقافيّاً. ولكن من أجل أن يتمكّنوا من أداء دورهم بصورة ناجعة لا بدّ لنا من أن نساعدهم في ذلك، بأن نكثف اتصالنا بهم وتواصلنا معهم، فنطلعهم باستمرار على ما يستجد في ثقافتنا ومجتمعنا، ونتحاور معهم حول قضايانا، ونبدي التشجيع والتقدير لجهودهم العلميّة والثقافية الإيجابية، ونقدّم لهم الدعم الماديّ الممكن. وفي حوارنا مع المستشرقين علينا أن نحترم آراءهم ووجهات نظرهم عندما تختلف عن آرائنا ووجهات نظرنا وتقييماتنا، لا أن نسعى لفرض وجهات نظرنا عليهم بحجّة أننا أدرى بثقافتنا ومجتمعنا. فالتطابق في وجهات النظر بيننا وبين المستشرقين أمر غير ممكن لأسباب كثيرة، وهو غير ضروريّ أيضاً. يكفينا أن يفهم المستشرقون ثقافتنا وواقعنا وقضايانا بصورة دقيقة وموضوعيّة، وأن ينقلوا ما فهموه إلى مجتمعاتهم وثقافاتهم. فإذا تعاملنا مع المستشرقين على هذا الأساس فإننا سنكفّ عن مؤاخذتهم على اختلافهم معنا في وجهات النظر، وتصبح كلّ تلك الحملة التي تشنها بعض الأوساط العربية ضدّ الاستشراق حملة ليس لها أيّ موضوع أو مسوّغ، لا بل عملاً ضارّاً بالمصلحة الثقافية العربية والإسلامية. إنّ تعاملنا السليم مع الاستشراق سيساعده في أن يؤدي دوره كجسر بين الثقافات العربية والإسلامية وبين الثقافة الغربية، وأن يكون عاملاً رئيساً من عوالم درء "صراع الثقافات"، وتحويله إلى "حوار الثقافات" يقوم على احترام كلّ طرف لثقافة الطرف الآخر والسعي لفهمها. فحوار الثقافات هو الطريق الوحيدة التي تؤدي إلى المحافظة على التعايش الثقافي في العالم، وتجنب البشرية أخطار صراع جديد يتخذ من الاختلاف الثقافي ذريعة لتأجيجه. إنه صراع ليس للأمتين العربية والإسلامية أيّة مصلحة فيه. فنحن لسنا بحاجة لأن نكون طرفاً في حرب باردة (أو ساخنة)  جديدة، بل لأن نكرّس جهودنا كلّها للتنمية الاقتصادية والإجتماعية والثقافية، كي نتجاوز ذلك التخلف الذي ألمّ بمجتمعاتنا إبّان عصور الانحطاط الطويلة، ونرتقي إلى مصاف الأمم والمجتمعات المتقدّمة التي نتعامل معها من موقع التكافؤ والنديّة، لا من موقع الضعف والتخلّف والتبعيّة. إننا بحاجة لأن نعيش في هذا العالم أمّة متقدّمة حرّة، تتعايش مع الأمم الأخرى وتبادلها الاحترام الذي لا يلغي الاختلاف وخصوصيّة الهويّة الثقافية. وفي سعينا إلى ذلك الهدف فإننا نحتاج بالضرورة إلى المستشرقين، باعتبارهم الجسر الذي يصل بين ثقافتنا ومجتمعنا وبين الثقافة والمجتمع الغربيين، ويساعدنا في إحلال حوار الثقافات محلّ صراعها. فلماذا يحاول بعضنا أن ينسف ذلك الجسر الذي تقتضي مصلحتنا الثقافية والمجتمعية أن نوسّعه وندعمه؟ إنها دعوة لإعادة النظر في موقفنا من الاستشراق على ضوء المعطيات السياسية والثقافية التي استجدت منذ أوائل التسعينيات. فالمعطيات المستجدّة تتطلب إعادة النظر في المواقف القديمة.

 

 

r

 

 

 

 

 

r هوامش وإحالات

1- راجع من قبيل المثال لا الحصر أحمد عبد الحميد: رؤية إسلامية للاستشراق، لندن: المنتدى الإسلامي ط2-  1411هـ، فؤاد كاظم المقدادي: الإسلام وشبهات المستشرقين، قمّ: المجتمع العالمي لأهل البيت، 1416هـ .

قدّم كتاب إدوارد سعيد: الاستشراق، المعرفة - السلطة-  الإنشاء (ترجمة كمال أبو ديب، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، ط5، 1995)  دعماً قويّاً لوجهة النظر هذه وذلك على الرغم من أن هذا الكتاب يحوي نقداً عميقاً وذكيّاً للأسس المعرفية للاستشراق، وأنه يختلف جذرياً عن تلك الأدبيات السطحية الفجة التي يحركها دافع التصدي "للمؤامرة" الاستشراقية على الإسلام والعروبة. إلاّ أنّ ذلك لم يحل دون أن يوظف كتاب إدوارد سعيد من قبل أطراف عربية لا يجمعها بمؤلّفه أيّ جامع. راجع أيضاً: إدوارد سعيد: تعقيبات على الاستشراق. ترجمة وتحرير صبحي سعيد، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996، هاشم صالح (تحرير): الاستشراق بين أنصاره ومعارضيه، بيروت: دار الساقي، 1996.

2- ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي، ط8، بيروت 1986.

     وللسيدة هونكه كتاب آخر مترجم إلى العربية، تدحض فيه الأحكام المسبقة المنتشرة في الغرب حول العرب. أمّا عنوان ذلك الكتاب فهو: الله ليس كما يزعم الغرب - تفنيد ألف حكم وحكم منحاز ضدّ العرب. ترجمة نوال حنبلي. دمشق: دار قتيبة، 1993.

3- راجع بهذا الخصوص يوهان فوك: تاريخ حركة الاستشراق. تعريب عمر لطفي العالم. دمشق: دار قتيبة 1996. راجع أيضاً:

B. Tibi: Anmerkungen zur Orientalimusdebatte In: Neue Politische Literatur, 24. Jg., 1984, Heft3.

4- راجع:

Annemarie Schimmel: Im Geiste des liebevollen Verstehen. In: FAZ, 16. OKT. 1995.

5- لمزيد من المعلومات حول هذه المسألة راجع بحثنا: دور الترجمة الأدبية في تشكيل صورة العرب في العالم. في: هجرة النصوص، دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1995، ص55- 85.

6- حول هذه المسألة راجع مقالنا: تعليم العربية للأجانب ومستقبلها في صراع اللغات. مجلة (الفيصل) ، الرياض، ع230-  ديسمبر 1995، ص30- 34.

7- حول دور نظرية (المؤامرة)  في الفكر العربي المعاصر راجع:

B. Tibi:Die Verschwoerung. Das Trauma arabischer Politik. Hamburg 1994.

 

8- إنّ الإنجاز العلميّ الأهمّ للسيدة شيمل هو كتابها "الأبعاد الصوفية للإسلام":

A.Schimmel: Die mysthischen Dimensionen des Islam 

9- لمزيد من المعلومات حول تلك المعركة راجع مقالنا: معركة في حرب الثقافات؟ في (الأسبوع الأدبي)  العدد 485-  26/10/1995

10- حول ما بات يعرف بصراع الثقافات أو الحضارات راجع: صموئيل هانتينغتون: الإسلام والغرب - آفاق الصدام، ترجمة مجدي شرشر، القاهرة 1995.

 

 

 

r

 

 

 

 

 

2- 3-  حول مؤتمر
"اللغة العربية وآدابها في جهود المستشرقين"

 

لقد تقاطروا من مختلف أرجاء الوطن العربي إلى عاصمة الشمال الأردني"إربد"، حيث التقوا في رحاب جامعة اليرموك، وقدّموا على امتداد ثلاثة أيام أبحاثاً ومداخلات في إطار موضوع هامّ هو"الاستشراق"، أو كما هو محدَد في الصياغة الرسمية: "اللغة العربية وآدابها في دراسات المستشرقين". إنه"مؤتمر النقد الأدبي الرابع"، الذي انعقد ما بين 6- 8/7/1992 بدعوة من قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك، وبمشاركة ما يربو على خمسين باحثاً ينتمون إلى أكثر من عشرين جامعة عربية. وفي إطار ذلك المؤتمر قُدِّم عدد كبير من البحوث التي عالجت جهود المستشرقين في مختلف الميادين المتعلقة باللغة العربية وآدابها، وبالتراث الحضاري العربي بصفة عامة، وأبرز تلك الميادين: تحقيق مخطوطات التراث العربي القديم، وكتابة تاريخ الأدب العربي، ودراسة الأدب العربي القديم وتفسيره، ودراسة التراث النقدي العربي القديم، ودراسة تاريخ اللغة العربية ومشكلات تطوّرها، وتأليف قواميس اللغة العربية، وترجمة الآثار العربية إلى اللغات الأجنبية.

محاور البحوث

من الملاحظ أنّ جهود المستشرقين المتعلقة بالأدب العربي القديم، تحقيقاً وتأريخاً وتفسيراً وترجمة، قد استحوذت على قسم كبير من أبحاث المؤتمر، وشكّلت المحور الأهّم لتلك الأبحاث. ففي هذا الإطار تندرج أبحاث الدكاترة: إحسان عبّاس(مناهج استشراقية في نقد النصوص العربية وتحقيقها) ، وهادي نهر(المستعربون وتحقيق التراث العربي) ، وعناد غزوان(المعلقات وجهود الاستشراق البريطاني) ، وحسين بيوض(دراسة المستشرق الألماني إيفالد فاغنر للشاعر أبي نواس) ، ومي أحمد يوسف(الجاحظ في كتابات المستشرقين) ، ومنجد مصطفى بهجت(صورة الشعر الأندلسي في أبحاث بالنتيا وغومس) ، ومحمود العلي(روكرت والمقامات) ، وفاضل تامر(الشعر الجاهلي في المنظور الاستشراقي لنظرية النظام اللغوي) ، وخليل عودة(جهود مكارثي في تحقيق ديوان ذي الرّمة) ، ومحمد إبراهيم حور(تحقيق نقائض جرير والفرزدق للمستشرق بيغان) ، ومجاهد مصطفى بهجت(شارل بلا وشعر الرياشي) ، وتركي المغيض(المعلقات العشر والمستشرقون الألمان) ، وبإمكان المرء أن يُلحق بهذا المحور تلك الأبحاث التي تدور حول جهود المستشرقين المتعلقة بالنقد العربي القديم ومكانته في تاريخ الأفكار النقدية في العالم. وفي هذا الإطار تدخل أبحاث الأساتذة: زياد الزعبي(الفلاسفة المسلمون وفنّ الشعر الأرسطي في دراسات المستشرقين الألمان) ، ونوري حمودي القيسي (الجرح والتعديل بداية لظهور النقد الأدبي عند العرب) ، وجميل نصيف التكريتي(الشعر والشعراء لابن قتيبة بين قراءتين) ، ووليام ستوتسر(نظرية وايل في العروض بين براعة الإبداع والتحيّز الخاطئ) ، وعبد الإله النبهان(غوستاف غروبناوم وآراؤه الأدبية) ، ومحمود درابسة(قضّيتان من النقد العربي القديم في دراسات المستشرقين الألمان) ، وإسماعيل عمايرة(مع المستشرقين في قراءة النصّ) .

أما المحور الثاني(أو الثالث)  للأبحاث المقدّمة إلى المؤتمر فيتعلق بجهود المستشرقين في ميدان اللغة العربية، وتاريخها، وقاموسها، وبلاغتها، ومشكلاتها التطّورية، وعلى رأسها قضية الفصحى والعاميات، وفي هذا المجال قدمت أبحاث للدكاترة: أحمد مطلوب(منهج دروزي في المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب) ، وفيصل صفا(آراء استشراقية في خصائص العربية الفصحى) ، وحاتم صالح الضامن(جهود المستشرقين في تحقيق كتب اللغة والنحو والصرف) ، وأحمد قدور(مفهوم العربية المولدة عند يوهان فكّ) ، وغازي طليمات(ومضات وشبهات في دراسات المستشرقين اللغوية) .

ومن الممكن أخيراً أن يتبيّن المرء في أبحاث المؤتمر محوراً إضافياً يتمثل في الأبحاث التي تدور حول مسألة استقبال الأدب العربي الحديث في الأقطار الأوربية والغربية من خلال الترجمة الأدبية والتقديم النقدي. إلاّ أنّ هذا المحور قد اقتصر على بحثين هما: (دور الاستشراق الألماني في استقبال الأدب العربي الحديث في ألمانيا)  لكاتب هذه السطور، و(تحليل المنهج النقدي في كتاب الرواية العربية لروجر آلن)  للدكتور عيسى أبو شمسيه.

 

الاستشراق التقليدي

إنّ من يستعرض عناوين الأبحاث المقدمة إلى مؤتمر النقد الأدبي الرابع يجد نفسه مضطراً لأن يتساءل: لم كل هذا التركيز على جهود المستشرقين المتعلقة بالتراث العربي القديم، أدبياً كان أم نقدياً أم لغوياً؟ أليس للمستشرقين جهود تتعلق بالأدب العربي الحديث، وباللغة العربية الحديثة، وبالنقد العربي الحديث؟ أم لهم جهود، ولكنّ تلك الجهود تعرّضت للتجاهل والإهمال من قبل الباحثين المشاركين في المؤتمر؟ إنّ الإجابة عن أسئلة كهذه تتطلب توضيح بعض الجوانب الإشكالية للاستشراق وتاريخه.

فمن المعروف أنّ القسم الأعظم من جهود المستشرقين قد انصبّت إلى وقت قريب على إخراج التراث الأدبي واللغوي والعلمي العربي إلى دائرة الضوء، وذلك من خلال تحقيق المخطوطات العربية القديمة ونشرها . ومما ساعد في ذلك حقيقة أن عدداً ضخماً من تلك المخطوطات موجودة في المكتبات والأرشيفات الغربية، مما جعلها في متناول المستشرقين أكثر مما هي في متناول الباحثين والمحققين العرب. وقد ترافق انصراف المستشرقين إلى التراث العربي القديم مع موقف فكري يتمثل في أن السواد الأعظم من المستشرقين كان يعتبر العرب أمّة أنجبت حضارة قديمة مزدهرة، ولكنها لم تنجب حضارة حديثة تنطوي على إنجازات تستحق الاهتمام. لقد كان التعامل الاستشراقي مع التراث العربي تعاملاً مع تراث ميّت، لا مع تراث أبدعته أمّة لم تزل حيّة، لها حاضر مليء بالتحديات، تتطّلع إلى مستقبل كريم.أضف إلى ذلك حقيقة أنّ المستشرقين، كسائر الناس، أشخاص لهم مصالحهم ومواقفهم الفكرية وميولهم الأيديولوجية التي لا يمكن أن يدرسوا التراث العربي بمعزل عنها، ولا يجوز لأحد أن يوهم نفسه أنّ ذلك ممكن أصلاً. ولذا كان من الطبيعي أن تختلف رؤية المستشرقين للتراث العربي عن رؤية الباحثين العرب لهذا التراث. وقد شكلت هذه الأمور مصدر شكّ وتوجس واتهام وغير ذلك من المواقف السلبية التي طبعت علاقة المستشرقين بزملائهم العرب، الذين انبرى عدد كبير منهم للتنديد بالاستشراق وتوجيه إصبع الاتهام إليه، واعتباره طابوراً خامساً، أو جيش احتلال رديفاً يعمل لصالح الدوائر الاستعمارية والصهيونية. وقد أدّى هذا الموقف الاستشراقي المشدود إلى الماضي إلى إعراض هذا الاستشراق عن الثقافة العربية الحديثة وتجاهلها عن قصد أو دون قصد، وبالتالي إلى التقصير في استيعابها وتقديمها للرأي العام الغربي، الذي انتشرت فيه صورة مشوّهة عن العرب. كما كان من نتائج هذه الحال ترك الباب مفتوحاً أمام المغرضين والمتطفلين ليتلاعبوا بالرأي العام الغربي والعالمي لغير صالح العرب. وخير مثال على ذلك الصحفيّان الألمانيّان(بيتر شولاتور)  و(جيرهارد كونتسلمان) ، اللذان قاما، من خلال كتبهما الرائجة، وبرامجهما التلفزيونية المضلّلة، بدور خطير في نشر صورة مليئة بالدسّ والتشويه والقوالب الجاهزة. فلو لم يكن الاستشراق الألماني مقصّراً في دراسة المجتمع والثقافة العربيين والتعريف بهما، لما تمكّن أشخاص مشبوهون كالصحافيين السابقي الذكر من أداء أدوار مؤذية كهذه.(1)

إلاّ أن هذا النقد الذي نوجّهه إلى الاستشراق لا يعفي الطرف العربي من تحمّل مسؤولية ما جرى في الساحة الاستشراقية. فإحياء التراث العربي، وتعريف العالم بالثقافة العربية، ونشر اللغة العربية في صفوف الأجانب، وكتابة تاريخ الأدب العربي، ودراسة اللغة العربية وتشخيص مشكلاتها، هي أمور تقع مسؤوليتها على عاتق الطرف العربي في المقام الأول، لا على عاتق المستشرقين. ولذا فإنّ اللوم على كل تقصير يقع في هذه المجالات، والتقصير كبير جداً، ينبغي أن يوجّه إلى الجانب العربي مُمثلاً بعلماء اللغة والأدب والتاريخ، ولا يجوز أن يتحوّل الاستشراق إلى مشجب نعلق عليه ذلك الجانب من مشكلاتنا، وإلى كبش فداء ننحره تكفيراً عن خطايانا، وذريعة نبرر بها تقصيرنا بحق ثقافتنا ومجتمعنا. أمّا المستشرقون فيجب أن يشكر لهم أولاً اهتمامهم بالثقافة العربية، ويشكرون شكراً مضاعفاً إن هم أدّوا خدمة لتلك الثقافة. أمّا إذا قصّروا أو أخطؤوا فإنهم لا يلامون على ذلك، لأنّ المهمة التي ندبوا أنفسهم لها هي في الأصل مهمة عربية.

الاستشراق المعاصر

وفي كل الأحوال فإنّ النقد الموجّه إلى الاستشراق قد فقد في المرحلة الأخيرة القسم الأكبر من موضوعه ومسوغاته. فقد ظهر في هذه الأثناء جيل جديد من المستشرقين الذين سئموا التعامل مع الثقافة العربية كثقافة قديمة ميتة، واتجهوا نحو الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، وأخذوا يتعاملون مع التراث العربي بمناهج حديثة. وقد حدد هذا الجيل لنشاطاته وجهوده أولويات تختلف بصورة جذرية عن أولويات الاستشراق القديم. أمّا مراكز ثقل الجهد الاستشراقي الجديد فأبرزها:

1-  الترجمة الأدبية: فقد ترجم هؤلاء المستشرقون الشباب عدداً لا يستهان به من الأعمال الأدبية العربية الحديثة إلى لغاتهم، وكانت لهم على هذا الصعيد إنجازات تستحق التقدير والإعجاب. ومن باب التمثيل لا الحصر نذكر أنّ المستشرقة الألمانية الدكتورة دوريس كيلياس(Doris Kilias)  قد نقلت إلى الألمانية عشرين عملاً أدبياً حديثاً، من بينها ثلاثية نجيب محفوظ بأجزائها الثلاثة. وترجم المستشرق الألماني الشابّ الدكتور هارتموت فهندريش(Hartmut Fahndrich)  عدداً كبيراً من الأعمال الروائية والقصصية العربية الحديثة إلى الألمانية، وضرب بذلك رقماً قياسياً، لا في كمية الترجمات الأدبية فحسب، بل في جودتها أيضاً. إنّ هذه الترجمات الأدبية تعرّف العالم الخارجي بأدبنا الحديث، وبصورة غير مباشرة بواقعنا الاجتماعي والثقافي والسياسي، وتساهم في تشكيل صورة العرب في الرأي العامّ العالميّ، وتؤمّن للأدب العربي مكانة عالمية. فما من أدب، مهما كان متطوراً من النواحي الجمالية والفكرية، يستطيع أن يدخل دائرة العالمية ما لم يترجم إلى اللغات الأجنبية، وما لم يستقبل خارج حدود بلاده. ومن الأمور المؤكدة أنّ الاعتراف العالمي الذي حظي به الأدب العربي الحديث في الأعوام الأخيرة، وهو اعتراف عبّر عنه منح جائزة نوبل للآداب عام 1988 للأديب العربي المصري نجيب محفوظ، ما كان ليتمّ لولا الجهود الترجمية الدؤوبة التي بذلها هذا الجيل الشاب من المستشرقين. ولا جدال في أنّ أي تجاهل لما قام به هؤلاء المستشرقون على صعيد ترجمة الأعمال الأدبية العربية إلى اللغات الأجنبية هو جحود كبير أو تعبير عن جهل بالمصلحة الثقافية العربية.

2-  أمّا المحور الثاني للجهد الاستشراقي الحديث فهو التعريف بالأدب العربي من خلال الدراسات النقدية والتفسيرية والتاريخية. وعلى هذا الصعيد أيضاً أنجز الجيل الجديد من المستشرقين الشيء الكثير. وقد عرض الدكتور عيسى أبو شمسية واحداً من تلك الجهود في بحثه المتعلق بكتاب روجر ألن"الرواية العربية". ومن الدراسات النقدية الأجنبية الهامة حول الأدب العربي الحديث دراسة"صورة الأوروبيين في الأدب القصصي والمسرحي العربي الحديث"للمستشرقة الألمانية روتراود فيلا ندت(Rotraud Wielandt) ، وهي دراسة رائدة، تستحق أن تترجم إلى العربية. إنّ هذا النوع من الجهود الاستشراقية بالغ الأهمية. فهو يثير اهتمام الرأي العام الأجنبي بالأدب العربي، ويساعد في تقوية مكانته العالمية، ناهيك عن أنه يساهم في توضيح القضايا الفنية والفكرية والتاريخية لهذا الأدب. وفي هذا الإطار لابدَ من التنويه بالجهود النقدية الصحفية التي بذلها بعض المستشرقين، وتتمثل في كتابة مراجعات للصحافة والإذاعة حول الإصدارات الجديدة المتعلقة بالأدب العربي. "علينا أن نعوّد القارئ العادي على أن يلاحظ الأسماء العربية، علينا أن نسعى للتوصل إلى تأثير أوسع."، كما تقول المترجمة والناقدة الألمانية دوريس كيلياس في رسالة موجهة إلى كاتب هذه السطور بتاريخ 3/7/1992. ولذلك ما انفكت هذه المستشرقة تكتب في الصحافة وفي الدوريات عن الأدب العربي الحديث. وهذا ما يفعله عدد من زملائها، ولا سيما هارتموت فيهندريش، الذي يعد برامج إذاعية وتلفزيونية عن كبار الأدباء العرب المعاصرين، إلى جانب ممارسته للترجمة الأدبية عن العربية.

3-  وأخيراً فإن هذا الجيل الجديد من المستشرقين يبذل جهوداً علمية وتعليمية جديرة بالاهتمام في الميادين المتعلقة باللغة العربية الحديثة، حيث يقومون بتأليف الكتب والمراجع التعليمية التي تعرض قواعد هذه اللغة وقاموسها لدارسيها ومتعلميها من طلاب الدراسات الشرقية وغيرهم من المتعلمين(2) ، كما يؤلفون القواميس الثنائية اللغة وكتب النصوص والمختارات. وقد شهدت حركة تأليف كتب تعليم العربية للأجانب وغيرها من المواد التعليمية التي يضعها المستشرقون تطوراً كبيراً خلال الأعوام الأخيرة، وتأسست في كثير من الأقطار الغربية جمعيات لمدرسي اللغة العربية، تسعى لتطوير طرائق تدريسها للأجانب. إن الجهود الكبيرة التي يبذلها المستشرقون الشباب في هذا المجال، تساهم في نشر اللغة العربية في الخارج، وفي تعزيز المكانة الدولية لهذه اللغة. ولذا يجب أن تكون تلك الجهود موضع ترحيب ورعاية عربيين.

موقفان من الاستشراق

إلا أن جهود الجيل الجديد من المستشرقين لم تحظ باهتمام مناسب في الأبحاث المقدمة إلى مؤتمر النقد الأدبي الرابع، التي انصب القسم الأعظم منها على عرض جهود المستشرقين القدماء ونقدها. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، أهمها عدم إجادة اللغة الأجنبية من قبل بعض الباحثين، مما جعلهم غير قادرين على متابعة ما يستجد في الساحة الاستشراقية. فمتابعة الجهود الاستشراقية تتطلب من الباحث العربي إجادة لغة أجنبية واحدة على الأقل، هي لغة الاستشراق الذي يكتب عنه. فكيف يستطيع المرء أن يقوم جهود مستشرق ألماني إذا كان لا يجيد اللغة الألمانية، ولا يستطيع الرجوع إلى مؤلفاته بلغتها الأصلية؟ وبالطبع فإن إجادة اللغة الأجنبية لا تكفي وحدها لمتابعة جهود المستشرقين في قطر ما، بل من الضروري أن يكون الباحث العربي قادراً على الوصول إلى المراجع والمصادر الاستشراقية التي تصدر في ذلك القطر، من كتب ودوريات. ولقد أظهرت البحوث المقدمة إلى مؤتمر النقد الأدبي الرابع قصوراً كبيراً على صعيد متابعة الجهود الاستشراقية، ولا سيما الحديث منها، مما جعل تغطية تلك الجهود مبعثرة وجزئية، لا تقدم صورة وافية ودقيقة عن الاستشراق وأوضاعه واتجاهاته ومشكلاته.

إلا أن الأهم من ذلك هو المواقف الفكرية والنفسية(الأيديولوجية)  من الاستشراق التي تنطوي عليها البحوث المقدمة إلى المؤتمر. وبهذا الخصوص يستطيع المرء أن يتبين موقفين رئيسين هما:

1-  موقف معاد للاستشراق وكل ما يصدر عنه ويأتي به. إن ممثلي هذا الموقف ينسبون إلى المستشرقين مصالح وأهدافاً ونوايا خبيثة مشبوهة معادية للعرب والمسلمين، ويرون أن الهدف الحقيقي للاستشراق هو تقويض الهوية الثقافية العربية الإسلامية، وتشويه الحضارة العربية الإسلامية، خدمة للاستعمار والصهيونية ومؤامراتهما المستمرة على العالمين العربي والإسلامي. إنّ هذا الموقف يدفع أصحابه إلى تسقط أخطاء المستشرقين وعثراتهم، وإلى تفسيرها بصورة تخدم الموقف المسبق. ويتجاهل أصحاب هذا الموقف إنجازات المستشرقين والخدمة التي أدّوها للثقافة العربية في ميادين إحياء التراث العربي عبر تحقيقه ونشره، وتعريف العالم بالعرب وحضارتهم.ومن الملاحظ أنّ أشدّ الباحثين العرب معاداة للاستشراق هم أولئك الذين لا يعرفون الاستشراق عن كثب، بسبب عدم إجادتهم لغات أجنبية، وبالتالي عدم قدرتهم على الرجوع إلى مؤلفات المستشرقين ودراستها في لغاتها الأصلية.ولتعويض هذا النقص فإنهم يلجؤون إلى مؤلَّف استشراقي مترجَم إلى العربية، فيقرؤونه بطريقة تنسجم مع موقفهم المعادي للاستشراق، ويجدون فيه ما يعرفونه مسبقاً من توجّهات استعمارية أو شعوبية خبيثة ، وقلّ أن نجد بين ممثلي هذا الاتجاه من اطلع على إحدى الثقافات الأجنبية. ولذا نجدهم غير قادرين على معرفة الدور الذي يمارسه المستشرقون داخل مجتمعاتهم على صعيد التعريف بالثقافة العربية عبر الترجمة الأدبية والدراسات النقدية وتعليم العربية للأجانب. وباختصار فإنّ الاستشراق في نظر أصحاب هذا الموقف شرّ كلّه، ولا مجال لأن يرى المرء فيه أيّ جوانب أو عناصر إيجابية.

          ومن الناحية العملية فإنّ هذا الموقف المعادي للاستشراق يُلحق بالمصلحة الثقافية العربية ضرراً فادحاً. فهو يعادي فئة من الباحثين والمترجمين والمحققين والنقاد الأجانب، الذين يمثلون في الواقع جسراً بين الأمة العربية وبين الأمم الأخرى، وبين الثقافة العربية والثقافات الأجنبية. إنّ هذه النزعة الانعزالية قد ظهرت واستمرّت في زمن باتت فيه الأمة العربية بأمسّ الحاجة إلى التواصل الثقافي المتوازن مع العالم. كما لا يمكننا أن نتجاهل حقيقة أنّ التيار المستند إلى الموقف الآنف الذكر هو تيار متعصّب، والتعصّب ينطوي بالضرورة على نزعة تسلطية، لا تحاور الآخر بطريقة موضوعية، ولا تستوعب مواقعه الفكرية، بل ترفضها سلفاً، وتهاجمها وتصفها بأنها"متهافتة" و"فاسدة" و"مشبوهة" و"خبيثة" و"شعوبية" إلى آخر تلك النعوت العدوانية. ولذا لابدّ من اعتبار هذا التيار تياراً غير ديمقراطي، يمارس الإرهاب الفكريّ بدلاً من أن يمارس الحوار والتواصل الفكري السليم الذي يقوم على احترام الرأي الآخر واستيعابه والتعامل معه بموضوعية.

2-  ولحسن الحظّ فإنّ ممثلي التيار الانعزالي السلفي المعادي للاستشراق كانوا، على كثرتهم، أقليّة في مؤتمر النقد الأدبي الرابع. أما أغلبية الباحثين المشاركين في المؤتمر فقد تكوّنت من باحثين مجيدين للغات الأجنبية، منفتحين على الثقافات الأجنبية، إلى جانب إجادتهم للغتهم الأمّ وإحاطتهم بعلومها وآدابها. إنهم أشخاص درسوا في الجامعات العربية والأجنبية، وتعرّفوا إلى الجهود الاستشراقية بصورة مباشرة عبر لغاتها الأصلية، فأصبحوا مؤهلين لاستيعابها وتقييمها بموضوعية. ونظراً لأنهم قد عايشوا المجتمعات الأجنبية فترات طويلة، فإنهم باتوا قادرين على أن يدركوا أهمية الدور الذي يضطلع به المستشرقون في التعريف بالعرب وثقافتهم ولغتهم. إلاّ أنّ ذلك لم يدفع هؤلاء الباحثين إلى الانبهار بالجهود الاستشراقية، وتبني مواقف المستشرقين من الثقافة العربية بقضها وقضيضها، وإغفال عثرات هؤلاء وانحرافات بعضهم. وهم يرفضون أن يؤخذ الصالح من المسشرقين بجريرة الطالح منهم، وأن تعمَّم بعض الحالات الاستشراقية على الاستشراق برّمته. فـ(سبيتا)  و(غولد تسيهر)  و(غروبنام)  ليسوا الاستشراق. وإلى جانب هذه الأسماء ثمّة أسماء أخرى لمستشرقين قدّموا للأمّة العربية خدمة ثقافية لا تقدّر بثمن مثل: كاتارينا مومسن، وزيغريد هونكه، وأنيماري شيميل، ومكسيم رودونسون، وشتيفان فيلد، وهارتموت فهندريش وأنجيليكا نويفيرت، ودوريس كيلياس، وغيرهم. إنّ تجاهل ما أنجزه هؤلاء الأصدقاء الأوفياء ينطوي على تنكّر جاهل وغبيّ لأصدقاء الثقافة العربية ومحبّيها. ويرفض التيار المنفتح المتنور من الباحثين العرب أن يتعامى عن التطورات الجارية داخل الساحة الاستشراقية، وهي تطوّرات تأخذ شكل صراع بين جيل قديم من المستشرقين، يمارس العمل الاستشراقي بالصورة التقليدية، مديراً ظهره للثقافة العربية الحديثة، وبين جيل المستشرقين الشباب المهتمّين بتلك الثقافة العاملين على إدخال المناهج والاتجاهات الحديثة في العلوم الإنسانية إلى الدراسات الاستشراقية. ويعي ممثلو تيار الانفتاح حقيقة أنّ العرب بحاجة ماسّة إلى أصدقاء وحلفاء داخل المجتمعات الغربية، أي إلى أشخاص يحيطون بالثقافة العربية ويقدّمونها لأبناء قومهم من خلال الترجمة والدراسات والإعلام وتدريس العربية، وتلك مهمّات لا يمكن الاستغناء في إنجازها عن جهود المستشرقين. فبدون تلك الجهود لا يمكن أن يعرف العالم شيئاً عن لغة العرب وأدبهم وحضارتهم.

لقد أظهر مؤتمر النقد الأدبي الرابع تنامي تيار الانفتاح على العالم والتواصل معه ثقافياً من موقع الكفاية والندية، بعيداً عن مركبات النقص الجماعية القديمة، وعن نظرية"المؤامرة" الشهيرة الواسعة الانتشار، التي تنسب كل ما تعانيه المجتمعات العربية من تخلف وهزائم وفشل إلى مؤامرة خارجية، وتتجاهل عوامل الضعف والانحطاط الموجودة داخل تلك المجتمعات. ومن المؤكد أن تنامي تيار الانفتاح والتواصل، وانحسار تيار الانعزال والتقوقع، أمر إيجابي. فنحن نعيش على عتبة القرن الحادي والعشرين في عالم حولته العلاقات الدولية الكثيفة إلى"قرية كونية"، ولابد لنا من أن نتعامل بجدارة وكفاية مع هذا الواقع، وأن نضمن لثقاتنا مكاناً لائقاً ضمن الثقافة العالمية المعاصرة، ولأدبنا مكاناً لائقاً ضمن الأدب العالمي المعاصر. وهذا لا يتم إلا عبر التواصل مع الآخر والتفاعل معه. أما الانعزالية فتنطوي على خطر مميت يتهدد الطرف الانعزالي نفسه، وهذا مصير لا نرضاه لأمتنا.

وبعد

فقد كان مؤتمر النقد الأدبي الرابع مسرحاً لصراع فكري حاد بين التيارين السالفي الذكر، وهو صراع لم يحسم، وليس المهم أن يحسم، بل أن يمارس بصورة متحضرة، وهذا ما تم. وإذا كان الفضل في ذلك يرجع إلى النضج الفكري الذي أبداه المشاركون في المؤتمر، فإنه يرجع أيضاً إلى الجهة التي نظمت هذا المؤتمر ووفرت له فرص النجاح. لقد شكل هذا المؤتمر مناسبة لإعادة النظر في موقف تجاوزته التطورات والمعطيات الجديدة، وجعلت إعادة النظر فيه ضرورة ملحة، ألا وهو الموقف العربي من الاستشراق. والمهم الآن أن تستمر هذه المراجعة، لتفتح الطريق إلى حوار هادئ وموضوعي بين العرب والاستشراق، يكون مقدمة لإزالة الترسبات القديمة، وفتح آفاق جديدة من التفاهم والتعاون بين الطرفين.

 

r

rهوامش وإحالات

(1)  راجع بهذ الخصوص:

Gernot Rotter: Allahs Plagiator. Die publizistischen  Raubzüge des “Nahostexpeten” Gerherd Konzelmann. Heidelberg: Palmyra, 1992.

       في هذا الكتاب فضح المستشرق الألماني المعروف جيرنوت روتر"حملات النهب" الفكري التي مارسها"خبير الشرق الأوسط" المزعوم جيرهاردكونتسلمان، الذي عمل مراسلاً للتلفزيون الألماني في الشرق الأوسط فترة طويلة، وكتب عدة كتب رائجة عن العالم العربي، وشكل صورة العرب في الرأي العام الألماني أكثر من أي شخص آخر. إلا أن كونتسلمان كان جاهلاً في الشؤون العربية، ولا يعرف اللغة العربية، ولم يدرس التاريخ العربي، ولذا فإن كلّ ما جاء في كتبه عن العالم العربي كان مسروقاً بصورة حرفية في كثير من الحالات. وقد أحدث كتاب الأستاذ الدكتور روتر هزة قوية في الرأي العام الألماني، مما اضطر"خبير الشرق الأوسط" المزيف إلى الاستقالة من منصبه في التلفزيون الألماني وإلى دفع تعويض مالي كبير للمستشرق الذي سطا على مؤلفاته العلمية.

(2)  من أشهر مراجع تعليم العربية في الأقطار الناطقة بالألمانية:

-  Wolf -Dietrich Fischer / Otto Jastrow: Lehrbuch der modernen arabischen Schriftsprache.

-  Gunther Krahl / Wolfgang Reuschel / Eberhard Schulz: Lehrbuch des modernen Arabisch. LeipzIg / München, 1995

 

       وهناك كتب تعليمية كثيرة أخرى، جامعية وغير جامعية. كذلك فإن عدد القواميس الثنائية اللغة(عربي-  ألماني وألماني-  عربي)  قد تطور خلال الأعوام الأخيرة بشكل سريع، مما يسر لمتعلمي اللغة العربية من الناطقين بالألمانية وسائل معينة جديدة لتعلم العربية. ولا نظن أن الوضع في الأقطار الأوروبية والغربية الأخرى مختلف كثيراً عن الوضع في ألمانيا. وغنيّ عن الشرح أن هذا التقدم ما كان ليحصل لولا جهود الجيل الجديد من المستشرقين.

 

r

 

 

 

 

2-4- تعليم العربية للأجانب
ومكانتها الدولية

 

1-  مقدمة

هل يستحق تعليم العربية للأجانب أن نتخذ منه موضوعاً لمقالة أو لبحث أو حتى لحديث؟ ماذا تعنينا هذه المسألة؟ ماذا يعنينا أن يتعلم الأجانب اللغة العربية أو ألا يتعلموها؟ أليست هذه مسألة تخصّ الأجانب وحدهم، إن شاؤوا تعلّموا العربية وإن شاؤوا أعرضوا عن تعلّمها؟ لا جدال في أنّ تعلّم أية لغة أجنبية هو من حيث المبدأ شأن يعني المتعلم نفسه أكثر مما يعني أيّ طرف آخر. فهو الذي يقرر أن يتعلم تلك اللغة، وهو الذي يقوم بالتعلّم، وهو المستفيد من تلك العملية وصاحب المصلحة فيها. إلاّ أنّ ذلك لا يعني أنّ المتعلّم هو الطرف الوحيد ذو المصلحة. فهناك طرف آخر تعنيه هذه المسألة وله مصلحة فيها، ألا وهو الأمّة صاحبة اللغة المتعلَّمة. لماذا؟ لأن تعلّم أية لغة أجنبية يؤدي بالضرورة إلى انفتاح المتعلّم على ثقافة الأمة صاحبة تلك اللغة. فاللغة وعاء للثقافة، واكتساب اللغة هو بالضرورة اكتساب للثقافة واستيعاب لها. ومن يستوعب لغة أمّة وثقافتها يصبح قادراً على فهم الواقع الاجتماعي والثقافي لتلك الأمّة وعلى تفهّم قضاياها ومشكلاتها. إنّ الإنسان ليس عدواً لما يجهل فحسب، بل هو صديق لما يعرف، ومن يتعلم لغة قوم يأمن شرهم ويفهم قضاياهم، وذلك لأنّ التفهم مشتق من الفهم وناجم عنه، ليس في اللغة وحدها وإنما في الواقع أيضاً. واللغة التي يتعلمها الأجانب هي لغة أمّة يطّلع العالم الخارجي على ثقافتها، مما يوفر مقدمة لفهم قضاياها وتفهمها. وبصريح العبارة فإن تعليم اللغة للأجانب هو عملية ذات أبعاد ثقافية وإعلامية، هو نوع من الإعلام الثقافي الهادئ المتغلغل الذي يتمّ بعيداً عن ذلك الصخب الذي يرافق الإعلام السياسي. إنه إعلام يغزو العقول والقلوب معاً، ويرتكز إلى قاعدة اجتماعية واسعة، لأنه لا يستهدف نخبة قليلة العدد، بل أكبر عدد ممكن من الناس. إنّ الإعلام الثقافي الذي يمارس من خلال تعليم اللغة للأجانب هو أكثر أشكال الإعلام فاعلية وأعمقها تأثيراً. ولكن أهمية تعليم العربية للأجانب لا تقتصر على النواحي الإعلامية الخارجية، بل لهذا التعليم أبعاد ثقافية وأدبية. فهو يؤهل الأجانب لغوياً لأن يطلعوا على أدبنا بصورة مباشرة، دونما ترجمة، ومن بين هؤلاء الأجانب الذين يكتسبون اللغة العربية يظهر مترجمون ينقلون أعمالاً أدبية عربية إلى اللغات الأجنبية، ونقاد يعرّفون بالأدب العربي ويشرحونه ويوسطونه. فتعليم العربية للأجانب مسألة وثيقة الصلة بتلقي الأدب العربي في العالم وبالمكانة الدولية لهذا الأدب. ولذا فإنّ هذه المسألة لا تهمّ الأوساط التربوية والتعليمية والإعلامية وحدها،  بل تهمّ المقارنين ودارسي العلاقات الأدبية على حدّ سواء. إنّ تعليم العربية للأجانب نقطة تتقاطع فيها علوم مختلفة.

2-  الدول المتطورة ترعى لغانها

وقد وعت المجتمعات المتطورة في عصرنا أهمية تعليم لغاتها للأجانب، ونشطت بقوة في هذا المجال، فرصدت ميزانيات مالية كبيرة لهذا الغرض، وطوّرت مؤسسات وأجهزة تعليمية مناسبة، وحدّثت طرائق التدريس ومواده وتقنياته بصورة جذرية، منطلقة في ذلك من أن تعليم لغاتها للأجانب هو لبّ نشاطها الثقافي الخارجي وركيزة من ركائز سياستها الخارجية. إن من يرجع إلى ميزانيات التربية والتعليم العالي والخارجية والثقافة لدول غربية كبرى كفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا يجد أنّ مبالغ معتبرة من تلك الميزانيات قد خصصت لدعم تعليم لغات الدول المذكورة في الخارج.(1)  وقد أحدثت مؤسسات تمارس ذلك التعليم وترعاه تربوياً، كالمراكز الثقافية بفروعها الكثيرة المنتشرة في مختلف أرجاء العالم، والإدارات الخاصة في وزارات التربية والتعليم العالي والثقافة، والدوائر الخاصة في الجامعات. وتقوم المراكز الثقافية وأقسام تعليم اللغة التي تحتوي عليها بدور مركزي في تنشيط تعليم العربية للأجانب ودعمه، سواء من خلال الدورات التي تقيمها، أم من خلال تقديم العون التربوي والمادي للمؤسسات المحلية التي تدرّس تلك اللغة، وذلك بتدريب المدرسين وتطوير المناهج والكتب والمواد التعليمية وما شابه ذلك من أعمال"الارتباط التربوي".. ولكي تتمكن تلك المراكز من أداء دورها على الوجه الأكمل فإنها تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية، ولا تتدخل الجهات الحكومية التي تقدّم لها الدعم الماليّ في شؤونها بصورة مباشرة، بل تفسح لها المجال لأن تعمل وتنشط بالشكل الذي تراه مناسباً. ومن المؤكد أنّ هذه العلاقة المرنة التي تجمع الدعم إلى الاستقلالية عامل رئيسي من عوامل نجاحها. وللجامعات في الأقطار المتقدمة دور كبير في مضمار تعليم اللغة لغير الناطقين بها، ويتمثل ذلك الدور في تأهيل الكوادر التعليمية والعلمية، وممارسة البحث العلمي، وإقامة الدورات والنشاطات التعليمية. وقد ذهب بعض تلك الجامعات إلى حدّ إحداث أقسام خاصّة باللغة كلغة أجنبية، يدرس فيها الطالب دراسة جامعية نظامية تستمّر بضع سنوات، تنتهي بالحصول على شهادة جامعية كالإجازة أو الماجستير أو الدكتوراه، ويؤهل الطالب خلال تلك الدراسة لأن يكون مدرّساً للغة كلغة أجنبية أو باحثاً في هذا المجال(2) . ومن الأمور المألوفة بل البديهية أن تقيم الجامعات في الأقطار المتقدمة دورات لتعليم اللغة كلغة أجنبية للطلاب الأجانب الذين يدرسون فيها، وأن تنظم"دورات صيفية" للطلاب والمدرّسين الأجانب لقاء رسوم رمزية، وهي دورات ترمي إلى إكسابهم اللغة وتعريفهم على البلاد في آن واحد.وللمدارس والمعاهد الخاصة دور كبير في تعليم اللغة القومية للأجانب، بل إنّ لتلك المؤسسات التعليمية الدور الأكبر في تعليم هذه اللغة داخل البلاد نفسها، كتعليم الألمانية في ألمانيا أو الفرنسية في فرنسا، ويندر أن تخلوا برامج المعاهد والمدارس الخاصة من دورات لتعليم اللغة لغير الناطقين بها. وهي تفعل ذلك بتشجيع من الحكومات التي تقدّم لها التسهيلات والدعم المالي(3) . نتيجة ذلك ازدهر تعليم اللغة للأجانب ازدهاراً كبيراً في الأقطار المتقدمة، وتحوّل إلى مضمار يوفر فرص العمل لعدد كبير من الناس. وواكب ذلك ازدهار لحركة التأليف والنشر المتعلقة بهذا المجال، فأخذت دور النشر تتنافس على إصدار الكتب التعليمية والمواد الصوتية والبصرية والحاسوبية التابعة لها، وصدر العديد من الدوريات الاختصاصية بحيث بات من الصعب على المرء أن يتابع كلّ ما ينتشر من أبحاث ومقالات، وتأسست روابط وجمعيات اختصاصية علمية للأساتذة والباحثين الذين يعملون في حقل تعليم اللغة للأجانب(4) . نتيجة لذلك كله شهدت طرائق تدريس اللغة القومية للأجانب والكتب والموادّ والتقنيات التعليمية المتعلقة به قفزات هائلة إبّان العقود الثلاثة الأخيرة، بحيث يمكن القول إنّ ثورة حقيقية قد تمت في هذا المجال، ثورة وُظّفت فيها العلوم الإنسانية المختلفة، وفي مقدمتها علم النفس وعلم اللغة الحديث وعلم الاجتماع، واستخدمت أحدث التقنيات كالفيديو والحاسوب والبث التلفزيوني. ومن الطبيعي أن تجني المجتمعات التي تطور تعليم لغاتها للأجانب الثمرات الثقافية والإعلامية لذلك التعليم.

3-  التنافس على المكانة الدوليّة

من الواضح أنّ هناك تنافساً، بل صراعاً محموماً بين الأقطار المتقدمة في مجال تعليم لغاتها للأجانب. إنه تنافس يسعى فيه كلّ طرف لأن يعلّم لغته بصورة أفضل، وأن يقدمها للعالم الخارجي بشكل أكثر جاذبية، وأن يضمن لها مزيداً من الانتشار والمكانة إقليمياً ودولياً. وفي الحقيقة فإنّ التنافس العالمي بين اللغات هو تنافس سيتوقف على نتائجه مصير كلّ لغة من اللغات الحية، وبالتالي المستقبل اللغوي للعالم، وهذا ما دعا حكومات ودول الأمم الواعية لأن تلقي بثقلها المالي والبشري والثقافي والتكنولوجي في هذه المعركة. ويظهر هذا الصراع بصورة خفية في بعض المجالات، وبصورة واضحة ومعلنة في مجالات أخرى. ومن أهمّ المحافل التي ظهر فيها التنافس علناً منظمة الأمم المتحدة(UNO)  ومؤسساتها الإقليمية والفرعية، وأبرزها اليونسكو(UNESCO) ، والاتحاد الأوروبي(EU)  ومؤسساته، حيث تحاول كل دولة أن تنتزع للغتها القومية مكانة لغة رسمية أو لغة عمل على الأقل(5) . ومن الجليّ أنّ الصراع اللغوي في العالم قد حسم جزئياً لصالح اللغة الإنكليزية، التي تكّرست كلغة رسمية في المنظمات والهيئات الدولية والإقليمية، وكلغة تعامل وتداول عالمية، وكاللغة الأكثر تعلماً وتعليماً بصفتها لغة أجنبية. ولكنّ هذه الحقيقة لا تعني نهاية الصراع اللغوي.فهناك أمم لم تسلّم بهذا الوضع، وهي مستمرة في بذل ما تملكه من جهود بغية تحسين مكانتها اللغوية في العالم، والحد من الضرر الذي ألحقه الوضع الراهن بمكانة لغاتها في الخارج. وعلى رأس تلك الأمم نجد أمماً ذات رصيد حضاري كبير، وإمكانات مادية جيّدة، كفرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيران. فهي تقاوم الهيمنة اللغوية الأنجلو-  أمريكية باعتبارها شكلاً خطيراً من أشكال الإمبريالية الثقافية التي تهدد بإلغاء التعددية اللغوية والتنوع الثقافي في العالم(6) . وتأتي فرنسا في طليعة الدول التي تنافح عن المكانة العالمية للغتها، وتزجّ بإمكاناتها المادية والثقافية والسياسية في سبيل الإبقاء على الفرنسية لغة عالمية، وإيقاف التراجع الذي شهده تعلّمها وتعليمها في الخارج إبّان العقدين الأخيرين.(7)

للوهلة الأولى يبدو أنّ تلك الأمم تخوض صراعاً باهظ التكاليف، خاسراً من المنظور الاقتصادي، ولكن المعنيين بهذه المسألة يرون أنّ الصمود في الساحة الثقافية يتمم الصمود في الساحتين الاقتصادية والسياسيّة. وكما لا يجوز لأمّة أن تسمح بأن يهيمن عليها اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، لا يجوز لها أن تسلّم بالهيمنة اللغوية والثقافية. فالهيمنة والتبعية وجهان لنظام واحد لا يتجزأ. وقد حاول الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان أن يبسط الأمور ليفهمها رجل الشارع الفرنسي، فأطلق جملته الشهيرة: "من يتكلم لغتنا يشتر بضائعنا". إلاّ أنّ العلاقات التجارية الدولية تحوي أمثلة كافية للتقليل من صحّة هذه المقولة. وتقف اليابان على رأس الدول التي راجت بضائعها ومنتجاتها بسبب جودتها وأسعارها المناسبة، لا بسبب انتشار اللغة اليابانية في العالم، بل إنّ المعجزة الاقتصادية اليابانية هي التي أثارت الاهتمام باللغة اليابانية ودفعت كثيراً من الأجانب لتعلّمها. ولكنّ المثال الياباني لم ينقض مقولة ديستان بصورة كاملة، وبقيت حقيقة الترابط بين الأمور اللغوية والأمور الاقتصادية.(8)  فالتعامل التجاري مع طرف يعرف المرء لغته وثقافته أسهل بكثير من التعامل مع طرف يجهل المرء لغته وثقافته. وفوق هذا وذاك فإنّ الناس لا يتعلمون اللغات الأجنبية لأسباب اقتصادية فقط، بل هناك أسباب ودوافع كثيرة لتعلّم تلك اللغات.

 ومهما تكن النتائج التي سيسفر عنها الصراع الدولي حول اللغات، فمن المؤكد أنّ الشعوب ستواصل في المستقبل التمسك بلغاتها الوطنية، وذلك برغم الاتجاه المتنامي إلى العولمة(Globalisierung)  في العالم المعاصر الذي حوّله التقدم التقني إلى"قرية كونية". فاللغة مكوّن رئيس من مكونات الهوية القومية التي لا يتخلّى عنها أي شعب مهما تعرّض للضغط والإغراء. وأحدث مثال على ذلك هو ما شهدته الساحة الأوروبية الشرقية على الصعيد اللغوي في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي. فقد هبّت الشعوب، حتى الصغير منها، مطالبة بحقها في هوية ودولة قوميّتين، وأحيت لغاتها القومية، مما أدخلها في صراع دامٍ مع شعوب كانت مهيمنة سياسياً ولغوياً، كالروس والصرب.

من الصعب أن يرسم المرء صورة دقيقة للوضع اللغوي العالمي في المستقبل البعيد، ولكن من المرجح أن تستمر التوجهات الحالية لذلك الوضع في المستقبل المنظور عل الأقل، وأهم تلك التوجهات:

1-  استمرار تكريس الإنكليزية لغة تداول وتعامل وتواصل عالمية، ولا يُتوقع أن تتمكن أية لغة أخرى من منازعتها هذا الدور، أو من دحرها والحلول محلّها. أمّا الفرنسية، التي تشكّل المنافس الجدي الوحيد للإنكليزية على المكانة العالمية، فمن المتوقع أن يستمر تراجع مكانتها الدولية رغم كلّ ما تبذله الدولة الفرنسية من جهود بغية وضع حدّ لذلك التراجع. إنّ الصراع بين الإنكليزية والفرنسية حول مسألة أيهما ستكون اللغة العالمية الأولى قد حُسم بصورة قد تكون نهائية. ولكنّ الفرنسية ستظلّ لغة ذات أهمية إقليمية ودولية.

2-  كانت الروسية اللغة المهيمنة في المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي، وبانهيار ذلك المعسكر انهارت مكانة اللغة الروسية لصالح لغات أجنبية أخرى، كالألمانية والفرنسية والإنكليزية. ومن المرجح أن يستمر هذا التوجه مستقبلاً مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والثقافية في جمهورية روسيا الاتحادية. ومن المستبعد تماماً أن تتمكن الروسية من أن تستردّ المكانة التي تمتعت بها قبل انهيار الاتحاد السوفييتي.

3-  تعزيز المكانة الإقليمية والدولية لبعض اللغات، وعلى رأسها الألمانية، لغة أكبر جماعة بشرية داخل الاتحاد الأوروبي ولغة ثالث قوة اقتصادية في العالم(9) ، واللغة الإسبانية، التي ليست لغة إسبانيا وحدها، بل لغة القسم الأكبر من أقطار أمريكا الجنوبية، واللغة التركية، لغة العديد من شعوب آسيا الوسطى التي كانت خاضعة للهيمنة الروسية، واللغة العربية لأسباب نفصّلها لاحقاً.

4-  سيكون لكلّ شعب من شعوب الأرض لغته الوطنية الخاصّة به، مهما كان ذلك  الشعب صغيراً، ولن تتمكن أيّة قوة من أن تحرمه منها أو تمنعه من ممارستها.

4- 0-  العربية في صراع اللغات

تلك هي المعالم الرئيسية للوضع اللغوي العالمي على مشارف القرن الحادي والعشرين. فأين تقف العربية من ذلك الوضع، وما مستقبلها في ضوء الصراع الدولي بين اللغات؟ تتمتع اللغة العربية من حيث المبدأ بفرص طيبة لأن تكون في المستقبل لغة ذات مكانة إقليمية ودولية مرموقة. فهي اللغة القومية لجماعة بشرية يربو عددها على(200)  مليون نسمة، يعيشون في واحدة من أهمّ مناطق العالم استراتيجياً واقتصادياً. والعربية هي الوعاء اللغوي لإحدى الحضارات العريقة الكبرى، ألا وهي الحضارة الإسلامية، وهي لغة مهمّة في مجالات الاقتصاد والسياسة وتاريخ العلوم والثقافة. إن العربية لغة لاغنى عن تعلمها لكلّ مهتمّ بتاريخ الأديان والتاريخ الحضاري والسياسي لمنطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلاميّ بأكمله. وهي لغة يحسن بكلّ أجنبي يتعامل مع الأقطار العربية اقتصادياً أو حكومياً أو دينياً بصفتها لغة الإسلام ونصوصه المقدسة أن يتعلّمها.

من الناحية النظرية فإن العربية ، لغة تتمتع بفرصة كبيرة لأن تكون في المستقبل إحدى اللغات الحية الرئيسة في العالم. هذا من الناحية النظرية، فماذا عن الناحية العملية؟ من الناحية العملية فإنّ تلك الفرص لا تتحقق من تلقاء نفسها، بل يتوقف تحققها على الجهود التي يبذلها أصحابها للاستفادة منها. والتاريخ العربي حافل بالفرص الضائعة، بدءاً بالأندلس وانتهاء بفلسطين. فهل سيكون العرب في المضمار اللغوي أيضاً أمّة لا تحسن الاستفادة من الفرص المتاحة لتحسين المكانة الدولية للغتها؟ إنّ مستقبل المكانة اللغوية للعربية سيتحدد في ضوء عدّة عوامل، منها ما هو لغوي ومنها ما هو غير لغويّ. ومن أهمّ تلك العوامل ما يبذله العرب من جهود على صعيد تعليم لغتهم لغير الناطقين بها، أي للأجانب. فهل ترقى تلك الجهود في وضعها ومستواها الراهنين إلى مستوى الفرص التي تتمتع بها العربية؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال تقتضي منا التطرق إلى القضايا والمشكلات الرئيسة لتعليم العربية للأجانب، وأبرزها:

4- 1-  الوعي اللغوي:

إلى أيّ مدى يعي العرب أهمية لغتهم وضرورة تعزيز مكانتها العالمية؟ صحيح أنهم لا يكفّون عن التغني بجمال تلك اللغة، وعن وصفها بأنها أمّ اللغات، وعن التباهي بحقيقة أنّ القرآن الكريم قد نزّل"بلسان عربي مبين"، ولكنّ ذلك الوعي اللغوي المتضخم الذي يصل لدى البعض إلى درجة الشوفينية اللغوية، يعرقل ظهور موقف واقعي وموضوعي من اللغة العربية، موقف يجعل العرب يعون مشكلات تلك اللغة وضرورة العمل الجدّي على حلّ تلك المشكلات. ويؤدي هذا الوعي الزائف إلى نوع من القدريّة اللغوية القائلة بأنّ اللّه سبحانه وتعالى قد نزّل الذكر، أيّ القرآن الكريم، بالعربية، وبحفظه لذلك الذكر فإنه سيحفظ اللغة التي نزّله بها، سواء فعل العرب شيئاً على صعيد خدمة لغتهم أم لم يفعلوا.أضف إلى ذلك أن العربية ستكون لغة أهل الجنة، وهذا سبب كافٍ لجعل الأجانب يقبلون على تعلّمها. وجنباً إلى جنب مع تلك الوثوقية المريحة، يسود لدى قسم كبير من الرأي العامّ العربي الاعتقاد بأنّ العربية لغة بالغة الصعوبة، ومن شبه المستحيل أن يتعلمها الأجنبي، مما يعني أنّ كلّ جهد يُبذل في مضمار تعليم العربية للأجانب جهد ضائع. وبدلاً من أن يشجَّع الأجنبي على تعلم العربية فإنه يحذر من صعوبتها وينصح بألاّ يضيع وقته في تعلّمها.

فالوعي اللغوي العربي وعي متناقض مشوّش، لا يخدم قضية تعليم العربية للناطقين بغيرها. والعاملون في هذا الميدان هم أكثر الناس معاناة من النتائج السلبية لذلك الوعي. فهم يواجهون بسلوك المواطن العربي العاديّ تجاه الأجنبي الذي يريد التواصل معه بالعربية. إنه يقابل محاولات من هذا النوع بمزيج من الرثاء لحال ذلك الأجنبي، ومن الاستغراب والريبة، وقلّ أن يقابلها بالتفهم والتشجيع. فالأجنبي الذي يتعلم العربية ويتكلمها هو، في نظر المواطن العربيّ العاديّ، إمّا شخص مخدوع لا يقدّر صعوبة تلك اللغة، وهو بالتالي يستحق الرثاء، أو هو من ذوي الأغراض والنوايا الخبيثة، الذين تدفعهم نواياهم لأن يتجشموا عناء تعلّم هذه اللغة الصعبة، كالعملاء والجواسيس، الذين يتعلمون العربية ليس حباً بها وبأهلها، بل ليصبحوا أكثر قدرة على تحقيق أغراضهم المشبوهة. وفي معظم الحالات يتجنب المواطن العربي العادي التواصل مع الأجنبي بالعربية، ويجرّه إلى استخدام لغة أجنبية يعرفها، كالإنكليزية أو الفرنسية، مما ينمّ عن سلوك أنانيّ بعيد عن روح المسؤولية القومية. وهكذا يجد الأجنبي الذي يتعلم العربية نفسه في موقف صعب، يتمثل في أنّ أبناء الأمة التي يتعلم لغتها يرفضون التواصل معه باللغة العربية. وغني عن الشرح أنّ هذا السلوك يصيب متعلمي العربية من الأجانب بالإحباط، وكثيراً ما يدفعهم إلى التخلي عن تعلم هذه اللغة.

4- 2-  الدعم الماليّ:

يتطلب نشر اللغة العربية ودعم موقفها التنافسي في العالم تخصيص إمكانات مادية مناسبة، تنفق على إعداد المدرّسين والإداريين، وتأمين التجهيزات والمواد والوسائل التعليمية، وإجراء البحوث التربوية وما إلى ذلك من أمور تحتاج إلى تمويل. فما هي الموازنات المالية التي ترصدها الدول العربية لدعم تعليم العربية للأجانب؟ لا نعرف أنّ أياً من الحكومات العربية ترصد ميزانيات كهذه، وجلّ ما يفعله بعض تلك الحكومات هو تمويل معاهد ومراكز تعليم العربية للأجانب الملحقة بالجامعات أو بوزارات التربية في أقطارها. ومن هذه الناحية يمكن تقسيم الدول العربية إلى قسمين: قسم لا يولي تعليم العربية لغير الناطقين بها أي اهتمام، ولا يبذل أي جهد، ولا يمتلك أية برامج على هذا الصعيد. وقسم بذل جهوداً في هذا المضمار تجلّت بالدرجة الأولى في إحداث المعاهد والمراكز السابقة الذكر والمحافظة عليها وتطويرها(10) . وفي الحالتين فإن تعليم العربية للأجانب لا يتبوّأ مكاناً مناسباً لأهميّته في سلّم الأولويات التعليمية والثقافية والسياسية للحكومات العربية. أمّا على الصعيد القومي فإن جامعة الدول العربية قد أبدت بعض الاهتمام بهذه المسألة، وترجمت ذلك بصورة عملية من خلال إحداث"معهد الخرطوم الدوليّ لتعليم العربية لغير الناطقين بها"، وقيام المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بإصدار"الكتاب الأساسيّ في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها"(11) . ولكن ما قامت به (الأليكسو)  كان أقلّ بكثير مما هو ضروري وممكن على هذا الصعيد، ولم يؤدّ إلى إحداث القفزة النوعية المطلوبة في تعليم العربية للأجانب. وأخيراً فإنّ"المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم"(ايسيسكو)  قد أبدت اهتماماً ملحوظاً بتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، فنشرت كتباً حول هذه المسألة وكتاباً لتعليم اللغة العربية بطريقة ذاتية(12) . ومع أن الجهود التي تبذلها الدول العربية في مضمار تعليم العربية للأجانب قد تقدّمت في الأعوام الأخيرة بصورة ملحوظة، وأنّ اهتمام الجهات الرسمية العربية بهذا التعليم قد تنامى، فإنه لا يحظى بدعم ماليّ مناسب يقترب، ولو نسبياً، من الدعم الذي توفره الأقطار المتقدمة لدعم تعليم لغاتها ونشرها في العالم.

4- 3-  التنسيق والتعاون:

ومما يقلل من فاعلية الجهود العربية في مضمار تعليم اللغة العربية للأجانب عدم وجود الحدّ الأدنى من التعاون والتنسيق بين المعاهد والمراكز العربية التي تعمل في هذا المجال. فالمعاهد القطرية يعمل كلّ منها بمعزل عن الآخر، وليس هناك تبادل منظم للمعلومات والخبرات والمواد التعليمية، ناهيك عن تبادل المدرّبين والخبراء، مما يحول دون استفادة كلّ معهد أو مركز من خبرات المعاهد والمراكز الأخرى. ولقد كان من الممكن أن يقوم"معهد الخرطوم الدولي" بذلك الدور الهامّ، إلاّ أنّ شيئاً من ذلك لم يتحقق بالدرجة المطلوبة.

4- 4-  البحث العلمي:

لقد بات في حكم المسلّم به أنّ هذا العصر عصر تحوّل فيه البحث العلميّ إلى قوّة منتجة رئيسة وإلى وسيلة أساسية لتطوير الممارسات العملية والارتقاء بها إلى درجات أعلى من الفاعلية والنجاعة. وتنطبق هذه المقولة على تعليم العربية للأجانب. فالبحث العلمي يمكن أن يرسي هذا التعليم على أسس سليمة وأن يطوّره ويحل مشكلاته. ولكن من الملاحظ عدم وجود بحث علميّ يستحق الذكر في هذا المجال. وكلّ ما أنجز على هذا الصعيد هو عدد محدود جدّاً من الرسائل الجامعية وبعض الأبحاث الميدانية التي أجراها عاملون في"معهد الخرطوم الدوليّ" ونشرت في مجلته.(13)  ولكنّ تلك الأبحاث، على أهميتها، لا تفي بالغرض، ولا تشكّل انطلاقة في مضمار تعليم العربية لغير الناطقين بها. وما دام البحث العلمي الجديّ شبه غائب فإنّ هذا المجال لن يتطوّر إلاّ ببطئ شديد، وسيظلّ مرتعاً للمتطفلين الذين لا يفرق بعضهم بين تعليم العربية لأبنائها وبين تعليمها للناطقين بغيرها.

4- 5-  الكتب والمواد التعليمية:

ومن المسائل المركزية لتعليم العربية للأجانب(وتعليم اللغات الأجنبية بصفة عامّة)  مسألة الكتب التعليمية، فهي الترجمة العملية للأهداف التعليمية، وفيها تتجلى التوجهات البيداغوجية لواضعيها. ومن الملاحظ أنّ تراكماً كمياً لا يستهان به قد تمّ على هذا الصعيد خلال العقدين الأخيرين. فقد صدر عدد كبير نسبياً من الكتب التعليمية لمختلف المستويات، أبرزها"الكتاب الأساسي في تعليم العربية لغير الناطقين بها"بأجزائه الثلاثة. ولكن رغم التقدم النسبي الذي تمّ، فإنّ كتب تعليم العربية للأجانب مازالت بعيدة عن مواكبة المستويات التي بلغتها الكتب التعليمية  التي تدرّس بها لغات حديثة كالإنكليزية والفرنسية والألمانية، بل إنّ بعض كتب تعليم العربية للأجانب لا يستند البتة إلى أسس تعليم اللغات الأجنبية، وهو وليد جهود فردية موسمية، صدرت عن أشخاص لا يربطهم رابط بتعليم اللغات الأجنبية، ناهيك عن أنهم لم يستوعبوا الأسس العلمية التي يرتكز إليها ذلك التعليم، كاللسانيات التطبيقية ونظريات اكتساب اللغة الأجنبية، وعلوم التربية والسيكولوجيا، والاتجاهات المعاصرة في تدريس اللغات الأجنبية وعلى رأسها الاتجاه التواصلي(14) . ولئن كان البعض الآخر من مؤلفي كتب تعليم العربية للأجانب يمتلك شيئاً من الخبرة العملية في التدريس، فمن المؤكد أنه غير مؤهل علمياً لوضع كتب تعليمية متطوّرة.

ومن الملاحظ أيضاً أنّ التراكم الذي تمّ على صعيد تأليف الكتب التعليمية ونشرها لم يواكبه تراكم موازٍ أو مناسب على صعيد المواد التعليمية السمعية والبصرية والحاسوبية. وخير دليل على ذلك هو"الكتاب الأساسي"، الذي بُذل جهد كبير في تأليفه، ولكن إلى اليوم لم تنتج مادّة صوتية مسجّلة إلاّ للجزء الأول منه. أمّا الكتب التعليمية الأخرى فقلّ أن  توضع لها مواد صوتية وبصرية من شفافيات وسلايدات وما شابه ذلك، ناهيك عن المواد السمعية البصرية، كأفلام الفيديو والسينما التعليمية والأقراص الكمبيوترية، فليس لها دور مناسب في تعليم العربية للأجانب. وقد أدّى ذلك إلى جعل هذا التعليم يُكسب المتعلمين كفاءة لغوية على صعيد القواعد والقراءة والكتابة، ولكنه لا ينمي لديهم مهارات لغوية رئيسة كفهم المسموع والتعبير الشفهي. أمّا القدرة على المحادثة فهي عقبة كأداء تعترض طريق تعليم العربية للأجانب، وهي معضلة لم يتوصل أحد بعد إلى حلّ مناسب لها. وأساس هذه المشكلة هو انقسام العربية المعاصرة إلى فصحى تُستخدم بالدرجة الأولى في الكتابة ولا تستخدم في التواصل اليوميّ، وإلى عدد هائل من العاميات القطرية والمحلية التي تستخدم في الحياة اليومية ولكنها لا تكتب.

4- 6-  دعم الجهات الأجنبية التي تعلم العربية:

من المعروف أن هناك جهات ومؤسسات أجنبية كثيرة تقوم بتعليم اللغة العربية، نذكر منها معاهد الاستشراق والدراسات الإسلامية والشرق أوسطية ومراكز اللغات في الجامعات الأوروبية والغربية، والمدارس والجامعات في عدد كبير من أقطار العالم الإسلاميّ، حيث تدرّس العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم والسنة النبوية. وهناك مؤشرات كثيرة تدلّ على أنّ الطلب على تعليم اللغة العربية قد تنامى خلال الأعوام القليلة الأخيرة بصورة ملحوظة، إن في العالم الإسلامي، ولا سيما في الدول الإسلامية الآسيوية التي استقلت حديثاً عن روسيا، أو في المجتمعات الأوروبية والغربية، أو في العالم بصورة عامّة. وقد ازداد بشكل ملحوظ أيضاً عدد الأجانب الذين يقصدون الأقطار العربية لتعلم اللغة العربية والتعرّف إلى المجتمع والثقافة العربيين. وهذا تطوّر يبشّر بمستقبل جيد للغة العربية ومكانتها العالمية. وتقتضي المصلحة الثقافية العربية منا أن ندعم المؤسسات التعليمية الأجنبية التي تعلّم العربية، غربية كانت تلك المؤسسات أم إسلامية، رسمية أم خاصة، في مجالات إعداد المدّرسين والكتب والمواد التعليمية والإشراف التربويّ والكادر التدريسي.ولكنّ الدول العربية لا تقدّم للجهات الأجنبية التي تعلّم العربية مساعدة تستحق الذكر، وتقتصر تلك المساعدة على المساهمة في إعداد المدرّسين وعلى تقديم بعض المنح للدراسة في معاهد تعليم العربية للأجانب. وقد أدّى التقصير في هذا المجال إلى تخلف تعليم العربية في الخارج عن تعليم اللغات الأجنبية الحيّة الأخرى كالإنكليزية والفرنسية والألمانية، وإلى انتكاسات كبيرة طالت تعليم العربية بأكمله، مثلما حدث في باكستان، تلك الدولة الإسلامية التي فرضت فيها الحكومة تدريس العربية في المدارس، ولكنّ الدول العربية لم تدعم تلك الخطوة مما أدى إلى إخفاقها. إنّ دعم تعليم العربية في الخارج هو مسؤولية ثقافية قومية عربية، تقع على عاتق وزارات التربية والتعليم العالي والثقافة والخارجية والشؤون الإسلامية وجامعة الدول العربية، وهذه الجهات كلها لا يمكن أن تعفى من مسؤولية التقصير الكبير الحاصل في مجال رعاية تعليم العربية في الخارج. لا نقول هذا رغبة في التشهير بأحد، وإنما تحديداً للجهات المسؤولة عن تقصير كبير بحقّ لغتنا ومستقبلها، وبحقّ المصلحة الثقافية العربية العليا. إنه لأمر يدعو للأسى أن تتمتع اللغة العربية بفرصة جيدة لأن تكون إحدى اللغات الحية الرئيسة في عالم اليوم، ولكن تلك الفرصة تضيع نتيجة التقاعس العربي.

4- 7-  دور الجاليات العربية:

من المعروف أن في الأقطار الأجنبية ولا سيما الغربية منها، جاليات عربية يعدّ أفرادها بالملايين، ويمكن أن يكون لتلك الجاليات دور كبير في تعليم العربية ونشرها في العالم. ولهذه المسألة شقان، أولهما تعليم العربية لأبناء الجاليات العربية بغية ربطهم لغوياً وثقافياً بوطنهم الأمّ، ومنع انسلاخهم قومياً والذوبان في المجتمعات الأجنبية التي يعيشون فيها. أمّا الشقّ الثاني فهو الاستفادة من تلك الجاليات في تعليم العربية وتعزيز مكانتها في بلدان المهجر. ومع أن تحقيق هذين الهدفين أمر ممكن، فإنّ الدول العربية لم تحقق إنجازات كبيرة على هذا الصعيد، ولم تتمكن من توظيف الجاليات العربية الكثيرة العدد العالية التأهيل لخدمة هدف ثقافيّ قوميّ كتعليم العربية للناطقين بغيرها، وجلّ ما تمّ في هذا المجال هو إقامة عدد قليل مما يعرف بـ"المدارس العربية" في الخارج، وهي مدارس ذات انتماء قطريّ، ويكاد الانتساب إليها يقتصر على أبناء الدبلوماسيين العرب. وفي كلّ الأحوال فإنّ هذه الخطوة، على أهميتها وإيجابيتها، هي أقلّ بكثير مما هو مطلوب على صعيد التعامل اللغوي والثقافي في الجاليات العربية. فالمطلوب هو وضع برامج لغوية وثقافية مناسبة، تربط تلك الجاليات بلغتها وثقافتها الأصليتين، وتؤهلها لأن تقوم بدور ناقل للغة والثقافة العربيتين إلى العالم، وهذا هدف مازال بعيد المنال.

4- 8-  دور التعليم الخاصّ:

من الملاحظ أن المعاهد والمدارس الخاصة العربية غائبة عن تعليم العربية للأجانب غياباً يكاد يكون كاملاً، وأن ذلك التعليم مقتصر بصورة شبه كاملة على المعاهد والمراكز الحكومية التابعة للجامعات ووزارات التربية العربية. وهذه ظاهرة يمكن ردّها إلى سببين: الأول هو اعتقاد القائمين على المعاهد والمدارس الخاصّة بأنّ تعليم العربية للأجانب لايعود عليهم بربح مجزٍ. أمّا السبب الثاني فيتمثل في انعدام التشجيع وكثرة المعيقات والعراقيل البيروقراطية التي تضعها الجهات الحكومية في بعض الأقطار العربية بغرض إبعاد المدارس الخاصّة عن ممارسة تعليم العربية للأجانب، وذلك لاعتبارات أمنية أو اقتصادية أو إيديولوجية. ولكن مهما تكن الأسباب فإنّ تعطيل دور التعليم الخاصّ في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها هو أمر له عواقب وخيمة على ذلك التعليم. أليس من المستغرب أن يُسمح لمؤسسات تعليمية أجنبية، كالجامعة الأمريكية في القاهرة والمراكز الثقافية الأجنبية في بعض العواصم العربية، بأن تمارس تعليم العربية للناطقين بغيرها، وألاّ يُسمح للقطاع الخاصّ التعليميّ العربي بممارسة ذلك التعليم، أولا يشجع على ذلك؟ إنّ تجارب تعليم اللغات الأجنبية في العالم تدلّ بكلّ وضوح على أنّ المعاهد والمدارس الخاصة ليست أقلّ نجاحاً في هذا المجال من المؤسسات التعليمية الحكومية، وهي أكثر قدرة من الأخيرة على التجاوب مع رغبات المتعلمين وظروفهم، وذلك نتيجة المرونة التي تتمتع بها بسبب تحررها من القيود البيروقراطية من جهة، ولأنّ المنافسة تفرض عليها أن تطوّر نفسها بصورة مستمرّة كي تصمد في تلك المنافسة.

4-  9-  استيعاب التجارب الأجنبية المتقّدمة:

وثمة أخيراً مسألة على درجة كبيرة من الأهمية، ألا وهي استيعاب الخبرات والتجارب الأجنبية المتقدّمة في حقل تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها بغية الاستفادة منها في تطوير تعليم العربية للأجانب. فهناك أمم سبقت العرب في هذا المضمار وراكمت خبرات قيّمة يجدر بهم أن يدرسوها ويقيّموها، لا بهدف تقليدها بكلّ حذافيرها، بل بغرض الأخذ بما هو مفيد منها في تعليم العربية، كأصول التدريس وطرائقه وأنماط التمارين والتقنيات التعليمية والتنظيم وغير ذلك.ومما لاشكّ فيه أنّ نوعاً من انتقال الطرائق(Methodentransfer)  بين تعليم اللغات الأجنبية في العالم وبين تعليم العربية للناطقين بغيرها يتمّ فعلاً، ولكنه يتمّ ببطء وبصورة تفتقر إلى المنهجية والشمول. ولو كان هناك بالفعل استيعاب جدّي للخبرات الأجنبية المتطوّرة في حقل تعليم اللغة القومية كلغة أجنبية لقدّم ذلك دفعاً تطويرياً هائلاً لتعليم العربية للأجانب، ولأدّى إلى الارتقاء بذلك التعليم إلى المستوى الذي بلغه تعليم اللغات الأجنبية في الأقطار العربية المتقدمة.وبالطبع فإنّ تلك المهمة ليست سهلة ولا مؤقتة، بل هي مهمة شاملة تتطلب رصداً منظماً ومنهجياً لما يستجدّ في مضمار تعليم اللغات الأجنبية في العالم من تطوّرات. وهذه المهمة مناطة بالجامعات العربية ووزارات التربية وغير ذلك من جهات مسؤولة عن التربية والتعليم والبحث العلميّ في الوطن العربيّ.

5-  وماذا عن الحلول؟

تلك هي في رأينا أهمّ المشكلات الراهنة لتعليم العربية للأجانب، فما هي الحلول؟ لقد انطوى عرضنا للمشكلات على الحلول بشكل أو بآخر. ومع ذلك لابأس من بلورة ما هو مطلوب وضروري للنهوض بتعليم العربية للأجانب، لتتعزز مكانتها الدولية والإقليمية في المستقبل. وتتلخص تلك المترتبات في:

1-  أن يعي الرأي العامّ العربيّ، رسمياً كان أم شعبياً، ما لتعليم العربية للأجانب من أهمية إعلامية وثقافية واقتصادية وسياسية، فتعليم العربية للأجانب يجب أن يكون حجز الزاوية في النشاط الثقافي العربي في الخارج.

2-  أن ترصد الحكومات العربية وجامعة الدول العربية ميزانيات مناسبة لدعم تعليم العربية للأجانب، فللمحافظة على المكانة العالمية للغة العربية تكاليفه من جهد ومال.

3-  أن تتعاون المؤسسات التعليمية العربية العاملة في مضمار تعليم العربية للأجانب فيما بينها، فتتبادل المعلومات والخبرات وتنسّق الجهود.

4-  تطوير تدريس العربية كلغة أجنبية من حيث طرائقه ومواده التعليمية ووسائله وتقنياته، ليرقى إلى مصاف تدريس اللغات الأجنبية في الأقطار المتقدمة، وهذا يتطلب إعداد مدرسّي العربية للأجانب إعداداً تربوياً وعلمياً يختلف جذرياً عن إعداد مدرسي العربية للناطقين بها.

5-  دعم الجهات الأجنبية التي تعلّم العربية، وذلك بمساعدتها في إعداد المدرسين، ومدّها بالمواد والوسائل التعليمية والخبرات التربوية.

6-  تكثيف البحث العلمي في ميدان تعليم العربية للناطقين بغيرها، وذلك بإحداث أقسام خاصّة به في الجامعات العربية، وتشجيع كتابة رسائل الماجستير والدكتوراه فيه، وإقامة الندوات والمؤتمرات العلمية حول قضاياه.

7-  تشجيع القطاع الخاصّ التعليمي العربي على الاضطلاع بدور أكبر في تعليم العربية للأجانب، وذلك  بإزالة المعيقات الإدارية التي تمنعه من ذلك وتقديم الحوافز المادية له.

8-  استيعاب التجارب والخبرات الأجنبية المتطورّة في مضمار تعليم اللغات الأجنبية بصورة منظمة وسريعة، والاستفادة منها في تطوير تعليم العربية للأجانب.

9-  تأسيس جمعية علمية عربية متخصصة في تعليم العربية كلغة أجنبية، توجّه ذلك التعليم وتشرف عليه وترسم استراتيجيته وتحقق تبادل المعلومات والخبرات بين العاملين والباحثين في مضماره.

أمّا الجهات التي تتوجّه إليها هذه التوصيات فهي كثيرة، ويأتي في مقدمتها أقسام اللغة العربية وآدابها وكليات التربية ومراكز اللغات الأجنبية في الجامعات العربية. ولكن الجامعات لا تحمل بمفردها مسؤولية النهوض بتعليم العربية للأجانب، فهذه العملية تتطلب أن تتضافر جهود وزارات التربية والتعليم العالي والثقافة والخارجية والإعلام وجامعة الدول العربية ومجامع اللغة العربية في إطار استراتيجية متكاملة لتعزيز المكانة الدولية للغة العربية.

6-  وبعد:

فإنّ العربية تتمتع بفرص جيدة لأن تكون في القرن المقبل إحدى اللغات الحية الرئيسة في العالم. ولكنّ كلّ شيء يتوقف على ما ستبذله الأمة العربية من جهود للاستفادة من تلك الفرص وتحويلها إلى واقع عملي. فإذا وعت الجهات التعليمية والثقافية هذه المسألة وقامت بما يلزم القيام به، فإنّ اللغة العربية ستتحوّل إلى لغة ذات مكانة إقليمية ودولية مرموقة.أمّا إذا تقاعست تلك الجهات، فإنّ تقاعسها سيؤدي إلى ضياع الفرص مهما كانت كبيرة، وإلى تراجع المكانة الدولية والإقليمية للعربية وانضمامها إلى قائمة اللغات التي ليس لها أكثر من أهمية محليّة. فأي مستقبل نختار للغتنا وأدبنا وثقافتنا؟

 

 

r الهوامش

(1)  على سبيل المثال فإنّ المركز الثقافي الألماني(معهد غوته)  يتلقى من وزارة الخارجية الألمانية دعماً مالياً يربو على(300)  مليون مارك سنوياً. (راجع بهذا الخصوص:

Goethe-  Handbuch 1997. München 1998)

       ومن المؤكّد أنّ المراكز الثقافية لكلّ من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإسبانيا تتلقى من حكومات هذه الدول عوناً مالياً لا يقلّ عما يتلقاه معهد غوته، ولكن تلك الحكومات تترك لمراكزها الثقافية حيزاً من حرية التصرف والاستقلالية يمكّنها من أن تنشط بعيداً عن القيود البيروقراطية والاعتبارات السياسية الرسمية. وهذا أحد الأسباب الهامّة لنجاح تلك المراكز في أداء أدوارها. وفي مطلق الأحوال فإنّ التجارب الغربيّة في العمل الثقافي الخارجي تستحق أن ندرسها ونقوّمها وأن نستفيد منها في عملنا الثقافي الخارجي.

(2)  وعلى سبيل المثال فإنّ"تعليم اللغة الألمانية كلغة أجنبية" قد ترسخ في الأعوام القليلة الأخيرة وتحول إلى مجال رئيس من مجالات دراسة اللغة الألمانية وآدابها. راجع بهذا الشأن:

R. Ehnert/ H.Schrِder (Hg)  : Das Fach Deutsch als  Fremdsprache in den deutschsprachigen Landern . Frankfurt/ M:Lang, 1994.

(3)  في ألمانيا تتلقى المدارس الخاصة دعماً مالياً يتناسب مع عدد الأجانب الذين يتعلمون فيها اللغة الألمانية، مما يشجع تلك المدارس على إحداث شعب لتعليم الألمانية للأجانب، ويدفع كثيراً من المدرّسين الباحثين عن عمل لأن ينشطوا في هذا المجال.

(4)  مثال ذلك الرابطة الاختصاصية"الألمانية كلغة أجنبية"
(Fremdsprache -  als- Fachverband Deutsh)  التي تضم معظم المتخصصين في شؤون تعليم الألمانية لغير الناطقين بها. وتصدر عنها مجلة علمية متخصصة هي(Fremdsprache -  als - Informationen Deutsh) ، يضاف إلى ذلك"الرابطة الدولية لمدرّسي اللغة الألمانية" (Internationaler Deutschleherverband)

(5)  بخصوص الترتيبات اللغوية المعمول بها في منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والهيئات الدولية والإقليمية الأخرى راجع:

K. -  R. Bausch, H. Chtist, W. Hüllen, H. -  J. Krumm(Hg)  : Handbuch Fremdsprachenunterricht, Tübingen, 1989, S. 8

(6)  راجع بهذا الخصوص: Ebed. , S. 100- 150

(7)  تستفيد فرنسا في مسعاها هذا من منظمة الدول الفرانكفونية، وتصرّ الحكومة الفرنسية على إدراج تعليم اللغة الفرنسية في كلّ المعاهدات الثقافية الثنائية التي تعقدها مع الدول الأجنبية. ويكفي أن نذكّر بالسياسة اللغوية العدوانية التي اتبعتها فرنسا في مستعمراتها، وحاولت من خلالها اقتلاع اللغات الوطنية للشعوب المستعمرة وإحلال الفرنسية محلّها. والمثال الصارخ على ذلك هو القطر الجزائري الشقيق، الذي مازال إلى اليوم يعاني من عقابيل سياسة الفرنسة.

(8)  إنّ خدمة اللغة ورعايتها تتطلب إنفاق مبالغ مالية طائلة، ولكن اللغة تعود على المجتمع بفوائد مادية نتيجة تسويق المواد والخدمات المتعلقة بها. وهكذا يمكن التحدث عن"اقتصاديات اللغة".

(9)  حول هذه المسألة راجع:

U. Ammon: Die Internationale Stellung der deutschen Sprache. Berlin: Walter de Gruyter, 1991.

(10)  من الدول العربية التي لها حضور ملحوظ في مضمار تعليم اللغة العربية للأجانب الجمهورية التونسية(معهد الحبيب بورقيبة)  والجمهورية العربية السورية والمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية. راجع بهذا الشأن: علي أحمد مدكور: تقويم برامج إعداد معلمي اللغة العربية لغير الناطقين بها.الرباط، منشورات الإيسكو، 1985.

(11)  صدر إلى الآن ثلاثة أجزاء من هذا الكتاب، وقد تولت نشره المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم(تونس)

(12)  راجع بهذا الخصوص: كتاب الإيسيسكو للتعليم الذاتي(تعلموا العربية. إعداد مجموعة من الخبراء. الرباط 1996)

(13)  راجع بهذا الخصوص: قاسم عثمان نور: بيبليوغرافيا مشروحة لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها. المجلة العربية للدراسات اللغوية، م6، ع1- 2، شباط 1988، ص51-  104 .

(14)  لمزيد من المعلومات راجع: رشدي أحمد طعيمة: تعليم العربية لغير الناطقين بها. مناهجه وأساليبه. الرباط(إيسيسكو)  1989 .

 

 

rrr

 

 

 

 

 

 

 

3-.-  الجزء الثالث:
 الترجمة الأدبية والتلقي

 

3- 1-  نقد الترجمة الأدبية: أصوله-  إمكاناته-  حدوده

3- 2-  تلقي الآداب الأجنبية في الوطن العربي-  الأدب الألماني نموذجاً

3- 3-  حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية: واقعها وآفاقها

 

r



 

 

3- 1-  نقد الترجمة الأدبية

أصوله-  إمكاناته-  حدوده

 

ملخص

شهدت الثقافة العربية كثيراً من المعارك النقدية حول الترجمة الأدبية، إلاّ أنّ تلك المعارك كانت تدار بصورة شخصية، فتتحول إلى مساجلات بين النقاد والمترجمين. وسبب ذلك أنها كانت تمارس بصورة ذوقية انطباعية، ولاتستند إلى أصول وأسس موضوعية ومنهجيّة. ولذلك لم تؤد تلك المعارك إلى تقييم الترجمات وتقويمها بصورة مجدية مما يسهم في تطوير حركة الترجمة الأدبية في الوطن العربي. وبعد أن ظهرت نظرية الترجمة الأدبية الحديثة لم يعد مقبولاً أن يمارس نقد الترجمة الأدبية بالطريقة القديمة، بل أصبح من الضروري أن يتمَّ بصورة منهجيّة تستند إلى أسس نظرية واضحة، وأن يكون ناقد الترجمة متمتعاً بكفاءة علميّة ولغوية وثقافية مناسبة.

وفي مقدمة الأسس التي ينبغي أن يعتمد عليها نقد الترجمة الأدبية مفهوم "التعادل"، فهو محور نظريات الترجمة كلها، أدبية أم علميّة. إلاّ أن "التعادل" في الترجمة الأدبية مسألة خلافية جداً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأبعاد الأسلوبية والجمالية للترجمة. فلكلّ أدب قومي تقاليده الأسلوبية التي قد تختلف جذرياً عن التقاليد الأسلوبية للآداب الأخرى. إلاّ أنه لايجوز لتلك الإشكالية أن تدفعنا لأن نستغني عن مفهوم "التعادل"، بل علينا أن نحدد مضمونه بدقّة وأن نستخدمه بصورة ديناميكية تأخذ خصوصية النصوص الأدبية في الحسبان. ومن الأمور التي تنطوي على إشكالية خاصة مسألة نقد الترجمات التي تنجز عن لغات وسيطة. هل نقيّم تلك الترجمات في ضوء تعادلها الدلالي والأسلوبي مع الترجمات الوسيطة التي استندت إليها، أم نقيمها في ضوء تعادلها مع الأعمال الأدبية الأصلية؟ ومهما يكن من أمر فإن نقد الترجمة الأدبية وسيلة ضرورية لتقييم الترجمات وتقويمها، وصولاً إلى الارتقاء بحركة الترجمة الأدبية وإلى تفعيل دورها في العلاقات الأدبية والثقافية بين العرب والأمم الأخرى.

1-  معارك نقدية:

تشهد الحياة الثقافية العربية من حين لآخر معارك نقدية حول الترجمات الأدبية ومدى أمانتها ودقّتها ومكافأتها للأصل. وكثيراً ما تتطور تلك المعارك بصورة دراماتيكية وتتحوّل إلى مهاترات شخصيّة تبعد الأطراف المتخاصمة عن الموضوع الأصلي لمعركتهم، ألا وهو سلامة الترجمة وجودتها(1) .وفي الحقيقة فإنّ للمستوى الذي تنحدر إليه تلك المعارك أسباب متعددة أبرزها: انتشار نرجسيّة مفرطة لدى كثير من المترجمين العرب، مما يجعلهم غير مستعدّين لتقبّل النقد بروح رياضية، وغير قادرين على الاستفادة منه. فهؤلاء المترجمون الذين لم يعوّدوا أنفسهم على تقبل النقد وتلقّيه برحابة صدر، والنظر إلى جوانبه الموضوعيّة، لا يرون في النقد سوى تهجّم موّجه ضّد أشخاصهم، فينبرون للردّ عليه بكلّ نزق وعدوانية، وكأن الكرامة الشخصية لكلّ منهم في الميزان(2) .من الممكن ردّ تلك العصبيّة إلى ضعف الثقة بالنفس لدى بعض المترجمين، وإلى إدراكهم بصورة غير واعية أنّ الترجمات التي أنجزوها هزيلة، ولا يمكن الدفاع عنها بالحجج الموضوعية،فيحرفون المعركة من معركة حول شأن ثقافي هو الترجمة، إلى معارك شخصية، وكأن بين أحدهم وبين الناقد ثأراً قديماً. وفي كلّ الأحوال فإن العصبيّة والعدوانيّة اللتين يردّ بهما بعض المترجمين العرب على ما يوجّه إلى ترجماتهم من نقد هو شكل من أشكال غياب التقاليد النقدية من حياتنا العامّة، ومظهر من مظاهر السلوك اللاديمقراطي المتفشّي في مجتمعنا. إنه سلوك من لا يعرف سوى واحد من أمرين: أولهما التأييد المطلق الذي يأخذ شكل الإطراء الشديد، حتى وإن كان من الواضح أنّ ذلك الإطراء من قبيل النفاق والتملّق. أمّا الأمر الثاني فهو التهجّم الشخصيّ والعداء والافتراء. إنّ ما نفتقر إليه في حياتنا الثقافية والعملّية وغيرها هو النظر إلى الأمور الخلافيّة بروح التسامح، وأنّ نقبل النقد ونستفيد منه إذا كان صحيحاً وموضوعياً، وأنّ نفرّق بين موضوع النقد، أي الترجمات الأدبية في هذه الحالة، وبين أشخاص المترجمين التي لا يجوز أن تكون موضوع نقد(3) . إنّ سلوكاً حضارياً كهذا لم يتأصّل بعد في نفوسنا وفي مجتمعاتنا بدرجة كافية، رغم كثرة حديثنا عنه. وغياب ذلك السلوك هو أحد أعراض الأزمة العميقة التي تعاني منها الديموقراطية في العالم العربيّ(4) .

أمّا الدلالة الثانية لهذه الظاهرة فهي الجهل بأصول نقد الترجمة الأدبية وعدم إحاطة كثير من النقّاد بأسس هذا النوع من النقد وإجراءاته، وعدم معرفتهم بإمكاناته وحدوده. فنقد الترجمة الأدبية ضرب خاص من النقد، وتنبع خصوصيته من خصوصيّة موضوعه، أي الترجمة الأدبية. وأصول نقد الترجمة الأدبية غير مستوعبة بصورة كافية في العالم العربي، مما يجعل نقّاد الترجمة غير قادرين على ممارسة هذا النقد بصورة مناسبة، ويؤدي إلى تسّرع بعضهم في إطلاق أحكام تقييميّة قاسية على الترجمات، وأحياناً على المترجمين أنفسهم، فيثيرون بذلك حفيظتهم، وينجم ذلك التوتر السائد بين النقّاد والمترجمين. ولعلّ هذا يفسّر جانباً أساسيّاً من جوانب ما تتصف به المعارك النقدية العربية المتعلقة بالترجمة الأدبية من افتقار إلى الموضوعية، ومن تهجّمات شخصية ومجافاة للأهداف الثقافية والعلمية.

2-  نقد الترجمة الأدبية: لماذا؟

ما أهمية نقد الترجمة الأدبية، وما هي مسوّغاته وجدواه، وما هو الدور الذي يمكن أن يؤديه في الحياة الثقافية العربية؟

إنّ وظيفة نقد الترجمة لا تختلف من حيث المبدأ عن وظيفة النقد الأدبي. وتتلخّص تلك الوظيفة في غربلة النصوص الأدبية المترجمة، وصولاً إلى فصل الغثّ عن السمين، والجيّد عن الرديء. ومن خلال ذلك الفرز يمكن تحقيق هدفين: أولهما إرشاد المتلقّي أو القارئ إلى الترجمة الجيدة ليقوم باستقبالها، وتحذيره من الترجمة الرديئة كي يتجنبها. إن نقد الترجمة يقوم هنا بدور إرشاديّ تجاه القارئ. فهل القارئ بحاجة إلى ذلك المرشد؟ وجوابنا عن هذا السؤال هو أنّ متلقي الترجمة الأدبية بحاجة ماسّة إلى هذا النوع من الإرشاد، وذلك لأنه لا يعرف النصّ الأدبي المترجم في صورته الأصليّة(أي بلغة المصدر الأجنبيّة) ، ولا يستطيع أنّ يقدّر مدى تكافؤ الترجمة مع الأصل. لذا فإن حاجة ذلك المتلقّي إلى الدور الإرشاديّ لنقد الترجمة تفوق بكثير حاجة متلقي الأدب غير المترجم إلى النقد الأدبي.

أما الهدف الثاني الذي يحققه نقد الترجمة فهو يتعلق بالمترجم نفسه. فالنقد يهديه إلى مواضع القوّة والجودة في ترجمته ليتمسك بها ويعزّزها، ويدله على مواطن الضعف والفشل والرداءة في ترجمته ليتلافاها ويصحّحها. إنّ نقد الترجمة يقدّم للمترجم "تغذية راجعة" (Feed back)  أو ردة فعل على ترجمته، وهذا أمر بالغ الأهمية ينتظره المترجم بفارغ الصبر. فالمترجم، كأيّ مبدع أو منتج ثقافيّ، بحاجة لأن يعرف رأي المتلقّين في إبداعه وإنتاجه. إنه بحاجة لأن يقرأ أو يسمع من يقول له: لقد أجدت فيما قدّمته، أو: إنك لم توفّق في عملك، فاسعَ لإزالة أسباب الإخفاق. أما الشيء الذي لا يرضى عنه المبدع ولا المترجم، فهو أن يتجاهل المجتمع إبداعه أو إنتاجه. فالتجاهل هو أكبر مصدر لما يعاني منه المبدعون والمترجمون من إحباط وخيبة. والنقد هو أهمّ ردود الفعل التي تصدر عن المتلقّين وأبرزها، ولذلك يعيره المبدعون أهمية قصوى. وهذا هو سبب كلّ ما يعبّرون عنه من خيبة أمل، بل ونقمة، على النقد، وهذا هو مصدر رئيس من مصادر ذلك التوتر المستمّر القائم بين الإبداع والنقد. إنه وليد التناقض الذي يحكم العلاقة بين طرف يحتاج إلى"التغذية الراجعة" الإيجابية(الثناء)  وطرف يضنّ عليه بتلك"التغذية"(5) .

عند الحديث عن أهمية نقد الترجمة الأدبية ووظيفته لا يجوز أن تغيب عن أذهاننا حقيقة أن الدور الذي تضطلع به الترجمة عموماً، والترجمة الأدبية على وجه الخصوص، في العلاقات الثقافية الدولية المعاصرة يتنامى بإطراد. لقد تحوّل عالم اليوم بفضل التقدم الهائل الذي أحرزته وسائل النقل والاتصال إلى"قرية كونية"، ولكنها قرية يعيش فيها عدد هائل من الثقافات واللغات. إنها ثقافات متنوّعة ومختلفة، لا بل متضاربة في كثير من جوانبها وقيمها، ولكن حامليها يلتقون ويتعاملون ويحتكّ بعضهم بالبعض الآخر بكثافة لا مثيل لها في تاريخ البشرية، مما يشكل مصدر توتر وصراع(6) . ومن هنا تنبع أهمية"حوار الثقافات" في عالم اليوم، وهو حوار تشكّل الترجمة الأدبية أحد مقوّماته الرئيسة. فمن خلال الآثار الأدبية المترجمة تتعرّف الشعوب على بعضها البعض، وتصحّح الصور القوالبيّة المشوّهة التي كوّنها كل شعب عن الشعوب الأخرى(7) ، وتزيد من قدرتها على التفاهم والتعايش السلميّ. فللترجمة الأدبية دور مهمّ في حوار الثقافات. وبتعاظم ذلك الدور يتعاظم دور نقد الترجمة الأدبية، الذي يواكب حركة الترجمة محللاً ومقيّماً وموجّهاً.

إلا أن الترجمة الأدبية لا تؤدي دورها بنجاح إلا بقدر ما تكون جيّدة. فالترجمة الجيدة تمكن المتلقي من أن يستقبل العمل الأدبي المترجم بصورة سليمة، ومن أن يكوّن لنفسه صورة صحيحة عن أدب الشعب الأجنبي الذي ينتمي إليه ذلك العمل. أما الترجمة الرديئة فهي تشوّه العمل الأدبي وتحرم المتلقي من استيعابه بصورة سليمة، وتحدّ من إمكان استمتاع المتلقي به والتفاعل معه. وهكذا يتضاءل تأثير العمل الأدبي المترجم، وذلك التأثير الذي يتوقف أولاً وقبل أي شيء آخر على جمال ذلك العمل وفنيته وأدبيته. إن الترجمات الرديئة تقدّم للمتلقي العربيّ صورة مشوّهة عن الآداب والثقافات والمجتمعات الأجنبية التي تنتمي إليها الأعمال الأدبية المترجمة. وبذلك فإن تلك الترجمات تسيء إلى الثقافة الأجنبية المرسلة، لأنها تقدّم صورة مشوّهة عنها، وتسيء إلى الثقافة العربية المستقبلة، لأنها تنقل إليها روائع الأعمال الأدبية الأجنبية مشوّهة ومقزّمة(8) ، فتحرم المتلقّين العرب من استقبال تلك الروائع استقبالاً مناسباً، والتفاعل معها والاستفادة منها إبداعياً بطريقة التأثير الخلاّق المنتج(9) . إننا لا نبالغ البتة إذا قلنا إنّ الترجمات الأدبية الرديئة تُسيء إلى الثقافتين المرسِلة والمستقبلة، الأجنبية والعربية في آن واحد، وتشكل عائقاً أمام حوار الثقافة والتفاهم بين الشعوب. ولذا فإنّ التصدي لتلك الظاهرة، وذلك بدراستها ونقدها وتسليط الأضواء الكاشفة عليها، هو مهمّة ثقافية وعلميّة ملحة.

في ضوء ما تقدم فإنّ نقد الترجمة الأدبية ليس أمراً مشروعاً فحسب، بل هو نشاط ثقافي وعلمي حيوي، إذا أردنا أن تمارس الترجمة الأدبية في حياتنا الثقافية ذلك الدور الثقافي والعبر-  ثقافي الجوهريّ الذي ينبغي لها أن تمارسه.

3-  ناقد الترجمة:

هل بوسع أيّ ناقد كان أن يمارس نقد الترجمة الأدبية، أم يتطلّب هذا النوع من النقد أن تتوافر للناقد مؤهلات وكفاءات خاصّة؟ إنّ ممارسة نقد الترجمة الأدبية هي ممارسة لنشاط ثقافي وعلمي ينبغي لممارسه أن يكون ذا تكوين لغوي وثقافي وعلميّ خاص، يختلف عن تكوين الناقد الأدبي. وفي مقدمة المؤهلات التي لابدّ له من أن يمتلكها أن يكون محيطاً باللغة الأجنبية التي تُرجم عنها العمل الأدبي، وبالأدب والثقافة الأجنبيين اللذين ينتمي إليهما ذلك العمل. وإنّ هذه الكفاءة اللغوية والثقافية تمكّن الناقد من أن يرجع إلى العمل الأدبيّ الأصلي، وأن يقارنه بالترجمة ليتبيّن مدى جودته. أما الأشخاص الذين لا تتوافر لهم كفاءة كهذه فمن الأفضل ألاّ يتنطحوا لنقد الترجمة الأدبية، وأن يتركوا هذا العمل لأشخاص مؤهّلين لممارسته.

ثمّة من يعترض على هذا الرأي قائلاً: ليس من الضروري أن يلمّ ناقد الترجمة باللغة الأجنبية، وأن يكون قادراً على الرجوع إلى العمل الأدبي المترجّم في لغته الأصلية، بل يمكنه أن يمارس نقد الترجمة دون أن تتوافر له تلك الكفاءة. وباستطاعة الناقد أن يقرأ الترجمة ويتذوقها ويقيم سلامتها اللغوية والأسلوبية في ضوء انسجامها مع التقاليد الأسلوبية للغة الهدف، أي العربية، فيبيّن مدى خلوّها من الركاكة والعجمة والأخطاء اللغوية وما إلى ذلك من أمراض ترجميّه. ومن المؤكد أنّ نقد الترجمة ضمن هذه الحدود أمر ممكن، حتى بالنسبة لناقد لا يعرف لغة المصدر الذي تُرجم عنه العمل الأدبي، ولم يطّلع على الأدب الأجنبي الذي ينتمي إليه ذلك العمل. إنّ باستطاعة ناقد كهذا أن يمارس تلك الجوانب من نقد الترجمة التي تتعلّق بلغة الهدف: كسلامة اللغة من النواحي القواعدية، وسلاسة الأسلوب وأصالته وأدبيّته وخلوّه من العجمة، وهذه جوانب لا يستهان بها من نقد الترجمة.

فالمتلقي العاديّ غير معنيّ بأمانة الترجمة ودقّتها ومدى مكافأتها للأصل وما إلى ذلك من الأمور التي تعني المختصّين فقط، بل هو معنيّ بأن يكون النصّ الأدبيّ المترجم الذي يستقبله نصّاً سليم اللغة، جميل الأسلوب، وأن يجد القارئ متعة أدبيّة في تلّقيه. إلا أنّ نقد الترجمة الأدبية لا يجوز أن ينحصر في الجوانب التي تهمّ المتلقّي العادي وأن يقتصر عليها، بل لابد له من أن ينطلق من حقيقة أنّ العمل الأدبي المترجم هو عمل ذو أصل أجنبيّ، وهو مطالب بأن يكون متناظراً مع ذلك الأصل من حيث النصّ والمعنى والأسلوب، وهذه مسألة لا يستطيع الناقد أن يوفّيها حقّها ما لم يكن محيطاً باللغة الأجنبية وأدبها وثقافتها.

أما النوع الثاني من الكفاءة التي ينبغي أن تتوافر لناقد الترجمة الأدبية فهو القدرة على صياغة أفكاره وتحليلاته وتقييماته بصورة مناسبة، وعلى مخاطبة المتلقي وإيصال الناتج والأحكام النقدية إليه. ومن هذه الناحية لا تختلف الكفاءة اللغوية والأسلوبية لناقد الترجمة الأدبية عن كفاءة الناقد الأدبي بصورة جوهرية. فكلاهما مطالب بأن يعرض تحليلاته النقدية وآراءه وأن يصوغها بطريقة مناسبة(10) . فإذا لم يقم بذلك، كأن يحتفظ بنتائجه لنفسه، فلا يصوغها ولا ينشرها، فإنّ ذلك"النقد" لا يكون له أيّ تأثير ولا يمارس الدور المطلوب. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الحالات التي لا يعبّر فيها الناقد عن آرائه ولا يقدم النتائج التي توصل إليها بصورة مناسبة، أي بطريقة منهجية واضحة أنيقة الأسلوب، تخاطب المتلقي وتوصل إليه الرسالة التي يوّد الناقد إيصالها. أمّا إذا عبّر الناقد عن نقده بصورة مشوشة تفتقر إلى المنهجية والترتيب، أو بأسلوب موضوعيّ جاف ومعقَد، فإنه ينفّر المتلقي ولا يؤثر فيه ويخسره. إن علّمية الكتابات النقدية لا تسوّغ صياغة تلك الكتابات بطريقة تجعل المتلقين يعرضون عن قراءتها، فهي بذلك تفقد القدرة على إرشاد المتلقين والمترجمين على حدّ سواء، وتعجز عن أن تؤدي وظيفتها الثقافية التي ندبت نفسها لأدائها.

ومن الأمور التي لابدّ من أن تدخل في تكوين ناقد الترجمة الأدبية وأن يحيط بها هذا الناقد إحاطة جيّدة نظريات الترجمة وأساسيات علم الترجمة. فهي تزوّده بأدوات ومفاتيح نقدية لا غنى له عنها. إنّ الناقد لا يستطيع أن ينقد ترجمة أدبية ما لم يكن، على سبيل المثال، ملمّاً بنظريات"التناظر"(Aequivalenz)  في الترجمة وبإشكاليّة ذلك المفهوم. ومن الضروري أيضاً أن يكون ناقد الترجمة الأدبية مطلّعاً على اللسانيات التطبيقيّة، باعتبارها أكثر فروع علم اللغة الحديث اهتماماً بالترجمة، وبعلم الأسلوب والشعريّة ونظريّة الأدب وكل تلك العلوم ذات الصلة بالأدب واللغة والنقد... ناهيك عن إحاطته بأدبي لغة المصدر(اللغة الأجنبية)  ولغة الهدف(اللغة العربية) .

4-  جوهر نقد الترجمة

لئن كانت هذه أهمّ مكونات"عدّة" ناقد الترجمة الأدبية، فما هي الأدوات النظرية التي ينبغي له أن يمتلكها؟ في طليعة تلك الأدوات يأتي المفهوم السليم لطبيعة الترجمة الأدبية، وهو مفهوم تزوّده به نظرية الترجمة. ومن المعروف أنّ لبّ تلك النظرية هو مفهوم"التناظر" أو"التعادل" أو"التكافؤ"( Aequivalenz)  بين النصّ المترجم الذي صيغ بلغة الهدف وبين أصله في لغة المصدر الأجنبيّة(11) .والتناظر في الترجمة مسألة تنطوي على إشكالية كبيرة، خصوصاً في مضمار الترجمة الأدبية(12) . ففي هذا النوع من النصوص ليس المهمّ أن يحقّق المترجم تناظراً في المضمون أو المحتوى(Inhalt)  فحسب، بل أن يحقّقه على الصعيد الأسلوبي والجمالي أيضاً. وهذا ما حمل بعض علماء الترجمة ومنظريها على التمييز بين نصوص"بارزة المضمون" (Inhaltsbetont)  وأخرى بارزة الشكل(Formbetont) (13) . وذهب بعض منظّري الترجمة إلى حدّ الشك في جدوى مفهوم"التناظر" نفسه، ودعوا إلى استبداله بمفهوم"التقارب(Korrespondenz) (14) . بينما دعا آخرون إلى إعادة صياغة مفهوم"التناظر" وإلى تحديد محتواه من زاوية أخرى، هي زاوية التأثير على المتلقي. فالترجمة الصحيحة، وفقاً لذلك المفهوم، هي الترجمة التي يعادل تأثيرها في نفس المتلقي الذي يستقبلها في لغة الهدف ذلك التأثير الذي يحدثه النصّ الأصلي في نفس المتلقّي الذي يستقبله في لغة المصدر. وقد أطلقت على هذا النوع من التناظر تسمية"التناظر الديناميكي" (Dynamische Aequivalenz)  تميزاً له عن التناظر بالمعنى التقليدي(15) .

مهما يكن من أمر فإن التناظر في الترجمة مفهوم إشكالي خلافي، وليس هناك إجماع على تحديد مضمونه وجدواه. ولكن هل يُستنتج من ذلك أن نتخلّى عن هذا المفهوم، ونعفي الترجمة من مطلب تحقيقه؟ إنّ إشكالية مفهوم ما لا تعني بالضرورة أنه غير صالح، ولا يجوز أن تدفعنا إلى الاستغناء عنه. فتحقيق"التناظر" هو مطلب يجب أن تلتزم به الترجمات، علميّة كانت أم أدبية. إنه مطلب مثالي أو شبه مثالي، إذا أصرّ المرء على تحقيقه بصورة كاملة يكون كمن يطالب بالحدّ الأقصى وينشد الكمال. إلا أننا نعرف جميعاً أنّ الكمال غير ممكن التحقيق، وكذلك التناظر الكامل في الترجمة. أمّا التناظر الممكن فهو التناظر الجزئي أو النسبي، وكلما زادت تلك النسبة كانت الترجمة أفضل، والعكس صحيح. وسواء أخذنا بمفهوم التناظر أم استبدلناه واستعضنا عنه بمفهوم آخر كالتقارب، فإننا لا نستطيع أن نتخطّى حقيقة جوهرية، ألا وهي أنّ الترجمة نصّ صيغ بلغة الهدف(العربية)  وفقاً لمعطيات نصّ آخر صيغ بلغة المصدر(الأجنبية) ، وهو لهذا السبب مطالب بأن يتقيّد بمعطيات أصله الأجنبي نصّاً ومعنى وأسلوباً. وما نقد الترجمة الأدبية في جوهره إلا تفحّص الترجمة ودراستها بصورة منهجيّة، لإظهار مدى تقيّدها بمعطيات النصّ الأجنبي وانسجامها معه. فمقارنة الترجمة بالأصل أو مواجهتها به لهذه الغاية هي لبّ نقد الترجمة الأدبية وجوهرها.

5-  أصول نقد الترجمة

كيف يُجري ناقد الترجمة الأدبية تلك المقارنة أو المواجهة، وكيف يتوصّل إلى أحكام نقديّة نتيجة لذلك؟ إنّ إجراءات نقد الترجمة تتوقّف على طبيعة الكتابة النقدية. فعندما يتعلّق الأمر بمراجعة نقديّة صحفيّة لعمل أدبي مترجم، يكون الناقد مضطراً لإصدار تقييمات وأحكام إجماليّة، ولأن يكتفي بالتطرق إلى جودة الترجمة بإيجاز. فالمقالة الصحفية لا تتسع للتحليل المنهجي التفصيلي، بل إنّ ذلك ليس مطلوباً ممن يراجع كتاباً مترجماً في الصحافة الثقافية. إنّ القارئ ينتظر من الناقد في هذه الحالة أن يقدّم له حكماً نقدياً إجمالياً يتّخذ منه أساساً لقراره أن يقرأ الكاتب أو ألا يقرأه. أمّا عندما يتعلق الأمر بدراسة أو ببحث لإحدى الدوريّات الثقافية والعلمية والجامعية فإن الأمر يكون مختلفاً. إن حجم بحث كهذا يبلغ في المتوسط عشرين صفحة، مما يفسح المجال لإيراد نماذج وعيّنات من الترجمة وتحليلها من خلال مواجهتها بالنصّ الأصلي ومقارنتها به جملة بجملة، وكلمة بكلمة، وإظهار مواطن النجاح والإخفاق في الترجمة. إنّ هذا النوع من نقد الترجمة الأدبية واسع الانتشار نسبياً، وقد أنجز كاتب هذه السطور عدّة أبحاث تدخل في هذا الباب(16) . وثمة نوع ثالث من نقد الترجمة هو ذلك النوع الذي يأخذ شكل رسائل جامعيّة(الماجستير والدكتوراه)  والكتب التي تعالج ترجمات أدبيّة بصورة تطبيقية(17) . فمن الممكن أن تخصص رسالة جامعية أو كتاب بأكمله لنقد ترجمة أدبية واحدة أو عدة ترجمات أدبية، كأن يخصص الباحث كتاباً لدراسة الترجمات العربية لقصص كافكا أو مسرحيات شكسبير أو روايات دستويفسكي، أو لدراسة الترجمات العربية لمسرحية غوته((فاوست) )  مثلاً. في دراسات كهذه ثمة متّسع لاستقصاء كلّ ما ينطوي عليه العمل الأدبي المترجم من أخطاء ترجميّة على الصُعد كافة: النصيّة والدلاليّة والأسلوبية والجمالية.

آ-  الصعيد النصي

فعلى الصعيد النصي يقوم الناقد باستقصاء ما إذا كان المترجم قد لجأ إلى اختصار النص بحذف كلمات أو جمل أو مقاطع أو فصول منه، وهو أمر كثير الورود في الترجمات الأدبيّة لأسباب كثيرة. فقد يلجأ المترجم إلى اختصار العمل الأدبي المترجم بغرض تصغير حجم الكتاب نزولاً عند رغبة ناشر يريد أن يضغط نفقات الطباعة. وقد يتم الاختصار رغبة من المترجم في إنجاز الترجمة بسرعة لوقوعه تحت ضغط إنتاجي، أو بسبب حاجته إلى المال، أو ظناً منه أنّ المواضيع المحذوفة غير ذات أهمية ولا يؤثر حذفها على القيمة الجمالية والفكرية للعمل الأدبي المترجم. وكثيراً ما يتم الحذف لأسباب رقابية، فيُسقط المترجم تلك المواضيع التي يمكن أن تستغلها الرقابة لمنع الكتاب نشراً وتداولاً، لأن مضمون المواضع المذكورة يتعارض مع القواعد الرقابية المعمول بها في البلاد، وهي قواعد تستند إلى اعتبارات سياسيّة أو دينية أو أخلاقية جنسية غنية عن الشرح(18) . ومن المعروف أن ممارسات رقابية كهذه تكثر في المجتمعات التي تسود فيها أنظمة حكم دكتاتورية وشموليّة لا تحترم حقوق الإنسان وعلى رأسها حقّه في التعبير عن رأيه بحرية(19) .

إلا أنّ المترجم قد لا يحذف من النصّ المترجم شيئاً، بل يلجأ على العكس من ذلك إلى توسيعه وإطالته. فهناك من المترجمين من يظنّ أنّ من حقه أن"يطوّر" النص الأدبي وأن"يحسّنَه" وأن يتلافى ما فيه من"عيوب" وثغرات فنية أو فكريّة. إنّ مترجماً كهذا ينصّب نفسه مؤلفاً مشاركاً، ويكون دوره أقرب إلى دور المعدّ منه إلى دور المترجم، ومن الأفضل في هذه الحالة أن يقدّم نفسه معداً لا مترجماً. ومن الأسباب التي كثيراً ما تغري المترجم بأن يضيف إلى النصّ المترجم أموراً ليست واردة في النصّ الأصلي رغبته في شرح النص وتوضيحه، ظناً منه أن يقدم بذلك خدمة للمتلقي. إلاّ أن المكان المناسب لزيادات وإضافات كهذه هي الهوامش. ففيها يستطيع المترجم أن يشرح ويوضّح ما يرى ضرورة لشرحه وتوضيحه، وهذا أفضل من اللجوء إلى طريقة الترجمة الشارحة، التي يختلط فيها دور المؤلف بدور المترجم.

ب-  الصعيد الدلالي

أما المستوى الثاني للتحليل النقدي للترجمات الأدبية فهو مستوى الدلالة أو المعنى. وعلى هذا الصعيد يستطيع الناقد أن يدرس مدى تقيّد المترجم بمعاني النصّ الأجنبي وتمكّنه من نقل تلك المعاني إلى لغة الهدف بأمانة ودقّة. ولكن من المعروف أنّ الدقة والأمانة في ترجمة المعاني مسألة نسبيّة، مما يعني أن تحقيق التناظر الدلالي الكامل بين الترجمة والأصل أمر نسبي أيضاً. ومع ذلك لابدّ من التفريق بين نوعين من الانحرافات الدلالية في الترجمة: نوع طفيف أو ضئيل، وهو كثير الورود ولا يمكن أن تخلو منه ترجمة أدبية، ونوع آخر يتمثل في الانحرافات الكبيرة أو الفاحشة التي ترجع إمّا إلى خطأ في فهم النص الأصلي، أو إلى خطأ في التعبير عن المعنى بلغة الهدف. وأشكال إساءة فهم النصّ الأصلي مختلفة، فقد تتمثل في إساءة فهم مفردة أو تعبير اصطلاحي أو وحدة معجمية صغيرة أخرى، ولكنها قد تتعلق بإساءة فهم البنية النحويّة للجمل والنص. ومن أكثر أشكال إساءة فهم النصّ الأجنبي شيوعاً إساءة فهم التعابير الاصطلاحية(Phraseologie)  والعبارات التي تنطوي على استخدامات مجازيّة للغة. وقد دلّت دراسات نقدية كثيرة على أنّ إساءة فهم التعابير الاصطلاحية والمجازية يشكّل مصدراً رئيسياً من مصادر الخطأ في الترجمة الأدبيّة(20) .

ت-  الصعيد الأسلوبي

أما المستوى الثالث والأهمّ للتناظر في الترجمة الأدبيّة وبالتالي في نقد الترجمة، فهو المستوى الأسلوبي والجمالي. وهذا المستوى هو في الوقت نفسه أكثر المستويات إشكالية. إن تحقيق التناظر في الترجمة الأدبية على هذا الصعيد هو أمر يصعب تصوره، وذلك لما بين اللغات والآداب من اختلافات كبيرة في التقاليد الأسلوبية والجمالية. إلا أنّه من الممكن إيراد بعض المعايير التي ما لم تتوافر في الترجمة الأدبية، لا يمكن القول إن حدّاً مناسباً من التناظر الأسلوبي والجمالي بين الترجمة والأصل قد تحقّق. وبالطبع فإنّ مشكلات هذا النوع من التناظر تختلف باختلاف الجنس الأدبي للعمل المترجم. فمشكلات التناظر الأسلوبي والجمالي في ترجمة النصوص الشعرية الغنائية الوجدانية تتعلق بصورة رئيسة بمسائل الأوزان الشعرية وموسيقى الشعر والقافية والانزياح في اللغة الشعرية والطاقة الإيحائية والتعبيرية للمفردات والتعابير والتراكيب، وبالمجازات والصور البيانية والفنيّة... وهذه المشكلات كبيرة إلى درجة تسوّغ القول بأنّ هذا النوع من النصوص الأدبية عصيّ على الترجمة(21) . فنظام الأوزان الشعرية يختلف من أدب لآخر، ومن غير الممكن أن يتوصل المترجم إلى حلول كاملة لهذه المسألة. ويكفي أن يذكّر المرء بالمفارقات التي حدثت وتحدث عندما تترجم قصائد شعرية من الآداب الأوروبية إلى العربية، وتستخدم في ذلك بحور الشعر العربي المعهودة، أو يستخدم شكل القصيدة العامودية، فتكون النتيجة نصوصاً تصلح للتندر أكثر مما تصلح لأي شيء آخر. إنها نصوص ليست من التناظر الأسلوبي والجمالي في شيء. فهل نعفي من يترجم قصائد شعرية إلى اللغة العربية من مشقّة تحقيق التناظر بين الترجمة والأصل على صعيد الوزن الشعري وموسيقى الشعر والقافية، ونقبل بأن يترجم الشعر الأجنبي نثراً؟ إنّ المترجم مطالب في هذه الحالة بأن يحقّق تقارباً نسبياً بين الترجمة والأصل، فلا يستخدم في ترجمة قصيدة أجنبية حرة الأوزان والقوافي شكل القصيدة العمودية العربية التي يلتزم فيها الشاعر بوحدة الوزن والقافية. وعلى صعيد اللغة الشعرية ينبغي للمترجم أن يحاول استخدام مفردات وتعابير وتراكيب ذات إيحاءات تقترب على قدر المستطاع من إيحاءات المفردات والتراكيب والتعابير اللغوية الأجنبية.

وفيما يتعلق بالجوانب البلاغية والتصوير الفنّي والرموز في النصوص الشعرية، على المترجم أن يحاول أن يصوغ معادلات مناسبة بلغة الهدف، وإن كانت فرص تحقيق التعادل الأسلوبي والجمالي على هذا الصعيد ضئيلة جداً.

تبدو الفرصة لتحقيق قدر أكبر من ذلك التعادل متوافرة بالنسبة للنصوص القصصية والروائية. فهذا النوع من النصوص نوع نثريّ يعتمد على عنصري السرد والحوار. ولعل بساطتها الظاهرية هي ما يغري المترجمين بالإقدام على ترجمتها. وبالفعل فإنّ ما يترجم من نصوص قصصية وروائية يشكّل نسبة عالية من مجموع النصوص الأدبية المترجمة. إلا أنه لا يجوز أن يغيب عن أذهاننا إنّ لغة القصة والرواية هي بدورها لغة أدبية، تستخدم فيها الأساليب الأدبية المختلفة التي يتوجب على المترجم أن يوجد ما يعادلها أو يقترب منها في لغة الهدف. ففي النصوص الروائية والقصصية يرد كثير من التعابير الاصطلاحية والتشابيه والاستعارات والكنايات والرموز وأنواع المجاز المختلفة التي يجب على المترجم أن يعرف كيف يتعامل معها بصورة مناسبة. كذلك فإنّ الحوار الروائي والقصصي يطرح مشكلات ترجميّة خاصة. فقد يكون ذلك الحوار في الأصل بإحدى اللهجات العامية أو باللغة الدارجة المنطوقة التي تحمل سمات محليّة لإحدى المناطق، وهذه أمور تنطوي على تحديّات ترجمية كبيرة، وعلى المترجم أن يجد لها حلولاً مناسبة تحقق أكبر قدر ممكن من التقارب الأسلوبي بين الترجمة والأصل. وفي مطلق الأحوال لا يجوز أن يلجأ المترجم إلى نقل النصّ الروائي أو القصصي بلغة تتناقض سماتها مع سمات لغة النصّ الأصلي بشكل واضح، كأن يستخدم المترجم لغة متقعرة عويصة أو قديمة في ترجمة نص أدبي لا تتّصف لغته بهذه الصفة مهما تكن المسوّغات(22) .

وينطبق ما قلناه عن ترجمة الحوار الروائي والقصصي بصورة كليّة على ترجمة الحوار المسرحيّ، فالنصّ المسرحيّ نصّ أدبي لم يُكتب ليُقرأ فقط، بل ليُعرض ويمثل على خشبة المسرح ويُستقبل من جانب المشاهدين عبر إلقائه بأفواه الممثلين(23) .إنّه نصّ منطوق ذو بنية لغوية وأسلوبية تجعل إلقاءه أمراً ممكناً. وفي الترجمة يجب أن يحافظ النصّ المسرحي على تلك السمات الخاصّة، وهذا ليس بالأمر السهل. إنّ ترجمة النصوص المسرحية والدراميّة تبدو للوهلة الأولى أسهل أنواع الترجمة، ولكن هذا وهم كبير(24) .

ومن المشكلات العويصة في الترجمة الأدبية مشكلة ترجمة النصوص ذات الأسلوب التهكّمي والفكاهيّ والساخر. فما يثير الضحك والسخرية إذا كُتب أو قيل بلغة ما، قد لا يكون له التأثير نفسه ولا تأثير مشابه أو قريب إذا نُقل إلى لغة الهدف بطريقة"أمينة"، لأنّ ذلك التأثير يعتمد على تحريك الأبعاد التراثية واللاشعورية للغة بأسلوب يغلب عليه التلميح والتضمين اللذان يؤديّان إلى إطلاق تداعيات بعضها واعٍ والبعض الآخر غير واعٍ. ولذا فإن صياغة نصّ ساخر أو مضحك أو تهكمّي بلغة الهدف مهمّة بالغة الصعوبة، وليس لها أية حلول جاهزة. وفي حالات كهذه لابدّ من أن يستخدم المترجم قدراته الإبداعية الخلاّقة. فالترجمة الأدبية ليست مجموعة من العمليّات اللغوية فحسب، بل هي نشاط إبداعي، وإعادة إنتاج خلاّقة للنصّ الأدبي في لغة أخرى.

تلك هي أبرز أبعاد مسألة التناظر في الترجمة الأدبية التي ينبغي للناقد أن يعيها عندما يبلور إجراءاته النقدية ويضعها موضع التطبيق.

6-  الترجمة عن لغة وسيطة

ثمة حالة إشكالية خاصة من حالات نقد الترجمة، ألا وهي حالة تلك الترجمات التي لم تُنجَز عن اللغة الأصلية للعمل الأدبي الأجنبي بل عن لغة وسيطة. لسنا هنا في معرض التطرق بالتفصيل إلى الأسباب التي أدّت وتؤدي إلى ظهور مثل هذه الترجمات، ولكن لابد من الإقرار بالأهمية التي تتمتع بها على صعيد استقبال بعض الآداب الأجنبية في العالم العربي. فلولا الترجمات التي تمّت عن لغات وسيطة لكانت المكتبة العربية فقيرة جداً بالنسبة للعديد من الآداب الأجنبية، الأوربية وغير الأوربية، كالأدبين الألمانيّ والروسيّ والأدب اليابانيّ. فقد تمّ استقبال ما استقبل من تلك الآداب ليس من خلال الترجمة عن لغاتها الأصلية بل عن لغات وسيطة، وتحديداً عن الإنكليزية والفرنسية(25) . كيف ندرس هذا النوع من الترجمات دراسة نقدية؟ إنّ هذه الترجمات مطالبة، كالترجمات الأخرى، بأن تحقق التناظر أو التقارب مع الأصل، ولكن مع أيّ أصل؟ مع الأصل الوسيط، أم مع الأصل"الأصلي"؟ وهل يكتفي الناقد بأن يدرس تناظر ترجمات كهذه مع أصلها، أي مع النصّ الوسيط الذي انطلق منه المترجم، وذلك بحجّة أن المترجم لا يعرف إلاّ ذلك الأصل، أم يستقصي مدى تناظرها مع النصّ الأصلي الأول؟ هناك من يرى أنه لا يجوز أن يحاسب المترجم على دقة الترجمة وجودتها إلاّ مقارنة بالنصّ الذي انطلقت منه، أي بالترجمة الوسيطة. فالمترجم الذي نقل إحدى قصص الألماني فرانز كافكا(Franz Kafaka)  إلى العربية عن الإنكليزية يجب أن يحاسب على مدى تناظر الترجمة التي أنجزها مع"الأصل" الوسيط الإنكليزي(26) ، ومن الظلم أن نطالبه بأن تكون تلك الترجمة متناظرة مع الأصل الألماني لتلك القصة. أمّا أصحاب الرأي الآخر فيرون أنّ الترجمة الوسيطة لا تعنينا في شيء، وما يعنينا هو التناظر بين الترجمة والعمل الأدبي الأصلي. فالمتلقي العربي الذي يستقبل إحدى قصص كافكا مترجمة إلى العربية يتوقّع بصورة تلقائية أن تكون تلك الترجمة أمينة ودقيقة، وأن تكون قد أنجزت عن اللغة التي كتب بها كافكا قصصه، لا أن تكون ترجمة لترجمة وسيطة لقصة كافكا. وفي رأينا فإنّ المعيار السليم الذي ينبغي أن يعتمده الناقد في تعامله مع الترجمات الأدبية التي تتمّ عن لغة وسيطة هو تناظر تلك الترجمات مع الأعمال الأدبية الأصلية، لا مع الترجمات الوسيطة، وذلك على الرغم من أنّ الترجمات التي نحن بصدد الحديث عنها قد انطلقت من الترجمات الوسيطة، لا من النصوص الأصلية. إنّ ما يهمنا ويهمّ المتلقي العربي، هو ما إذا كانت تلك القصة المترجمة إلى العربية التي تنسب إلى كافكا متكافئة أو متقاربة من حيث النصّ والمعنى والأسلوب مع قصّة كافكا الأصليّة، لا مع أيّ ترجمة وسيطة. أمّا هذه فتهمّ ناقد الترجمة لسبب آخر، سبب علميّ، هو إظهار مصدر الأخطاء الترجميّة. هل وقعت تلك الأخطاء عند نقل العمل الأدبي من لغته الأصلية إلى اللغة الوسيطة، أم عند نقله من اللغة الوسيطة التي ترجم إليها إلى لغة الهدف الجديدة. أما التقييم النهائي للترجمة فإنّ مقياسه هو تناظرها مع العمل الأدبي الأصليّ، لا مع الترجمة الوسيطة.

ماذا يترتب على ذلك بالنسبة لإجراءات نقد الترجمة؟ من حق الناقد أن يكتفي بأن يواجه الترجمة العربية بالنص الأدبي الأجنبي الأصلي(الألماني في حالة قصة كافكا)  وأن يتوصل إلى الاستنتاجات التي تسفر عنها تلك المقارنة، أي إلى الحكم على جودة الترجمة وتناظرها مع الأصل. أما إذا كان ذلك الناقد من أولئك الذين ينزعون إلى الكمال في نقد الترجمة الأدبية، فبوسعه أن يتخذ إجراء إضافياً يتمثل في مقارنة الترجمة العربية بالترجمة الوسيطة التي اعتمدت عليها، ثم يواجه الترجمتين كلتيهما بالنص الأصلي. إلا أن هذا الإجراء النقدي الإضافي لا يجوز أن يغيّر شيئاً في مسألة أنّ لتقييم جودة الترجمة العربيّة مقياساً وحيداً، هو مدى تناظرها أو تقاربها مع النص الأصلي، لا مع النص الوسيط.

وعلى أية حال فإن ترجمة النص الأدبي عن لغة وسيطة لا عن لغته الأصلية تؤدي بالضرورة إلى مضاعفة الأغلاط الترجميّة، وإلى زيادة ابتعاد الترجمة عن النصّ الأصلي. فعندما يُنقل النصّ الأدبي من لغته الأصلية إلى اللغة الوسيطة، تقع أخطاء ترجمية تقل أو تكثر حسب جودة الترجمة. وعندما يترجم النصّ نفسه من اللغة الوسيطة إلى لغة الهدف الجديدة ينطلق المترجم من الأخطاء التي تنطوي عليها الترجمة الأولى، ويضيف إليها أخطاء ترجميّة جديدة؛ اللهم إلاّ إذا افترضنا أنّ الترجمة الوسيطة متكافئة كلّياً مع النص الأصلي، وأن الترجمة الثانية متكافئة تماماً مع الترجمة الوسيطة، وبالتالي مع النصّ الأصليّ، وهذه فرضيّة وهميّة ليس لها أيّ أساس واقعي. ففي الواقع تحوي الترجمة الوسيطة أخطاء ترجميّة، تأخذ بها الترجمة الثانية بالضرورة، وتضيف إليها، بالضرورة أيضاً، أخطاء جديدة، لأن هذه الترجمة لا تتناظر مع الترجمة الوسيطة التي اعتمدت عليها واتخذت منها أصلاً. وهكذا تتضاعف الأخطاء الترجمية، ويزداد ابتعاد الترجمة عن النص الأصلي، إلى درجة قد تبلغ حدّ تشويه العمل الأدبي المترجم دلالياً وأسلوبياً وجمالياً.

مهما يكن من أمر فإنّ الترجمة الأدبية عن لغة وسيطة ليست ظاهرة صحيّة في حركة الترجمة العربية، بل هي مؤشّر سلبيّ يدلّ على أنّ شيئاً ما في تلك الحركة ليس على ما يرام. ولئن كان لتلك الظاهرة في الماضي ما يسوّغها، كعدم توافر مترجمين عن بعض اللغات الأجنبية، فإنّ تلك المسوغات تتضاءل يوماً بعد يوم، وهي لم تعد قائمة بالنسبة لكثير من الآداب الأجنبية. فاليوم لم يعد هناك أيّ مبرر للقيام بترجمات أدبية عن لغة وسيطة بالنسبة للأدبين الروسيّ والألمانيّ، اللذين طغت الترجمة عن لغة وسيطة على استقبالهما في العالم العربي ردحاً طويلاً من الزمن. فقد ظهر من المترجمين الذين يترجمون عن الروسيّة والألمانية بصورة مباشرة ما يكفي لسدّ حاجة الثقافة العربية إلى الترجمة الأدبية عن هاتين اللغتين. والشيء نفسه يمكن أن يُقال بالنسبة للأدبيين الإسباني والتركيّ وآداب أخرى. ربما مازالت هناك مبررات للترجمة عن لغة وسيطة بالنسبة للأدب الياباني والصيني والهندي والكوري.. وغيرها من الآداب التي لا تدّرس لغاتها في الجامعات العربية(26) ، ولكنّ تلك الأسباب ستزول مع ظهور مترجمين يتقنون تلك اللغات ويترجمون عنها.

 

7-  خاتمة

تلك هي باختصار شديد أهم أسس نقد الترجمة الأدبية وقضاياه. إنه نقد تزداد أهميته بازدياد الدور الذي تقوم به الترجمة الأدبية في العلاقات الثقافية الدولية. فنقد الترجمة الأدبية هو وسيلة لتطوير حركة الترجمة الأدبية العربية والارتقاء بها لتنهض بذلك الدور على الشكل الأفضل. ويتمثل هذا النقد في غربلة الترجمات الأدبية، وفصل الغثّ عن السمين منها، بهدف إرشاد المتلقين والمترجمين على حد سواء. أما جوهر نقد الترجمة الأدبية فهو مقابلة الترجمة بالنصّ الأصلي، لمعرفة مدى التناظر بينهما، وإظهار الأخطاء التي تنطوي عليها الترجمة وتحليلها. أمّا الناقد الذي يودّ ممارسة هذا النوع من النقد فهو بحاجة إلى تكوين لغوي وثقافي وعلمي خاصّ. ولنقد الترجمة الأدبية أصول وإجراءات تمكّن الناقد الذي يتّبعها من الوصول إلى هدفه، ومن إظهار مدى التناظر النصّي والدلالي والأسلوبي والجماليّ بين الترجمة والأصل. وتختلف مشكلات التناظر باختلاف الأجناس الأدبية. ويشكل نقد الترجمات التي تتم عن لغات وسيطة حالة خلافية من حالات نقد الترجمة الأدبية.

وعلى أيّة حال فإنّ نقد الترجمة الأدبية هو، رغم ما يتميز به من خصوصية، نوع من أنواع النقد. وكغيره من ضروب النقد ينبغي أن يوجّه إلى النصوص الأدبية، أي إلى الترجمات، لا إلى المترجمين.ويجب أن يكون نقد الترجمة موضوعيّاً ومعللاً، يتقيّد بأصول وأسس منهجيّة تبعده عن التعسف والاعتباطيّة. ولا يجوز أن يكون نقد الترجمة الأدبية حاسماً وقاطعاً في أحكامه وتقييماته، إلاّ بالقدر الذي يسمح به التحليل الموضوعي للترجمات. فالترجمة الأدبية، مهما كانت دقيقة وجيّدة، هي في حقيقة الأمر اقتراح أو وجهة نظر، تعبّر عن تفسير المترجم للنصّ الأدبي الذي قام بترجمته. ونقد الترجمة الأدبية بدوره لا يمكن أن يخلو من مسحة ذاتية، مهما سعى لأن يكون منهجيّاً وموضوعيّاً. وإذا كان النقد حواراً بين الناقد والنص الأدبي، فإنّ نقد الترجمة الأدبية حوار بين الناقد والترجمة الأدبية. إنه حوار يطرح الناقد في إطاره على الترجمة أسئلة، أبرزها سؤال التناظر، أي السؤال عن علاقتها بالنصّ الأصليّ. إلاّ أنّ نقد الترجمة الأدبية لا يطرح أسئلة كيفما اتفّق، بل يطرحها وفقاً لأصول، عرضناها بإيجاز في هذا البحث.

وبعد: فإنّ حركة الترجمة الأدبيّة في العالم العربي يمكن أن تنهض بدور هامّ في التنمية الثقافية العربية(28) ، وهي مقوم أساسي من مقومات الحوار الثقافي بين العرب والعالم. وبقدر ما يكبر دور الترجمة الأدبية تكبر مسؤولية نقدها المطالب بأن يواكبها دارساً ومحللاً ومقيّماً ومرشداً، دون وصاية أو تعصب أو ادعاء. فهل نشهد قريباً انتقال نقد الترجمة الأدبية في العالم العربي من مرحلة"المعارك" التي تغلب عليها المهاترات الشخصية، إلى مرحلة الحوار الموضوعي الهادئ؟

 

r

r الهوامش والإحالات:

(1)  من أحدث هذه المعارك تلك المعركة النقدية التي دارت على صفحاتا(لأسبوع الأدبي)  السورية و(الآداب)  البيروتية حول الترجمات العربية لقصص كافكا. راجع بهذا الخصوص مقالنا: ترجمة أدبية أم تشويه للنصّ الأدبي؟ حول الترجمة العربية لقصة كافكا"في مستوطنة العقاب". (الأسبوع الأدبي)  دمشق، العدد 460، 27/4/1995، وهي المقالة التي أثارت النقاش الذي أجملناه في مقالنا"من ثقافة  التخوين والتفكير إلى ثقافة الحوار". (الأسبوع الأدبي)  العدد 501، 15/2/1996 .

(2)  في هذا السياق لا بأس من التذكير بردّة الفعل التي صدرت عن المترجم الدكتور مصطفى ماهر على كتابي الصادر بالألمانية"استقبال الرواية الألمانية الحديثة في العالم العربي"، وهو كتاب وجّهت فيه نقداً للترجمات التي أنجزها الدكتور ماهر عن الألمانية، فقد زعم في ردّ له أنّ ذلك النقد جزء من مؤامرة حاكتها الحكومة السورية ضدّ مصر لأنها عقدت سلاماً منفرداً مع إسرائيل!! أمّا تحويل الخلاف حول مسائل الترجمة الأدبية إلى خلاف شخصيّ فهو في هذه الحالة أمر غني عن الشرح. راجع بهذا الخصوص كتابنا:

 A. Abboud : Deutsche Romane im

arabischen Orient . Frankfurt / M . 1984 .

       راجع أيضاً الصيغة العربية لهذا الكتاب: الرواية الألمانية الحديثة-  دراسة نقدية مقارنة. دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1993 .

(3)  كان شيخ النقّاد العرب ميخائيل نعيمة سبّاقاً إلى الدعوة لغربلة الأعمال الأدبية لا غربلة أصحابها(الغربال. بيروت، مؤسسة نوفل، ط 14، 1988) .

(4)  شتّان بين السلوك"الجاهلي" لبعض المترجمين العرب وبين الموقف الحضاريّ الذي عبّر عنه عمر بن الخطّاب في قوله: "رحم الله امرأ أهدى إليّ عيوب نفسي".راجع: عدد من المؤلفين: أزمة الديمقراطية في الوطن العربي.مركز الدراسات الوحدة العربية، بيروت، 1984 .

(5)  إنّ الوظيفة المزدوجة لنقد الترجمة الأدبية، المتمثّلة في إرشاد المتلقي والمبدع على حدّ سواء، لا تختلف في جوهرها عن وظيفة النقد الأدبي كما حدّدها ميخائيل نعيمة في"الغربال" (م. س) .

(6)  وهذا ما حمل بعض المفكرين على الحديث عن"صدام حضارات" يرون أنه سيكون في المستقبل مصدراً رئيساً للصراع  والتوتّر في العالم، بعد أن خبا الصراع الطبقيّ وانتهى الصراع بين المعسكرين الرأسماليّ والاشتراكي. حول هذه المسألة راجع مقالنا: "معركة في حرب الثقافات" (الأسبوع الأدبي)  دمشق، العدد 485، 26/10/1995 . راجع أيضاً صموئيل هانتينغتون: الإسلام والغرب-  آفاق الصدام. ترجمة مجدي شرشر. القاهرة، مكتبة مدبولي، 1995 .

(7)  للمزيد حول هذه المسألة راجع بحثنا: "دور الترجمة الأدبية في تشكيل صورة العرب في العالم" في كتابنا: "هجرة النصوص-  دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي". دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1995 .

(8)  من أشهر حالات التشويه التي تعرّضت لها روائع الأدب العالمي، ما تعرّضت له رائعة الأديب الألماني يوهان ف. غوته"فاوست" على يد بعض المترجمين العرب، وآخرهم الدكتور عبد الرحمن بدوي(راجع: يوهان ف. جيته: فاوست. الكويت، وزارة الإعلام، 1989) . ومن الأدباء العالميين الذين تعرّضت روائعهم لتشويه شديد على يد المترجم نفسه الأديب الألماني الكبير فريدريش شيلر. حول هذه المسألة راجع بحثنا: "أهكذا يكون المسرح العالمي؟ حول الترجمات العربية لمسرحيات شيلر. في (الحياة المسرحية)  دمشق، العدد 28-  29، 1986، ص9- 18 .

(9)  حول التأثير الإبداعي المنتج راجع كتابنا: الأدب المقارن-  مدخل نظري ودراسات تطبيقية. حمص، منشورات جامعة البعث، 1992. ص 224 وما بعدها.

(10)  ميخائيل نعيمة: م. س.

(11)  بخصوص التناظر في الترجمة راجع: فوزي عطية محمد: علم الترجمة، مدخل لغويّ. القاهرة: دار الثقافة الجديد، 1986، ص201-  215، راجع أيضاً:

Jiri Levy: Die literarische Uebersetzung. Theorie einer Kunstgattung. Frankfurt M. Bonn, 1969.

Werner Koller : Einfuehrung In die Uebersetzungswissenschaft.

Heidelberg, 1983. S. 176 ff

(12)                                                                              J. Levy: a.a.O..

(13)

- u. Reiss: Moeglichkeiten Und Grenzen Der Uebersetzungskritik
Muenchen -1971.

(14)

- w. Koller : A.A.O.

(15)  راجع يوجين نايدا: نحو علم للترجمة. ترجمة ماجد النجار. بغداد. وزارة الثقافة، 1976.

(16)  كان آخر تلك الأبحاث: "روايات هرمان هيسّه وقصصه في ترجماتها العربية"، (عالم الفكر)  الكويت، المجلد الرابع والعشرون، العدد الثالث، يناير-  مارس 1996 ص277-  294؛ "قصص توماس مانّ في ترجماتها العربية". (الآداب الأجنبية)  دمشق، العدد 84، خريف 1995، ص60-  89.

(17)  يدخل في هذا الباب كتابنا: الرواية الألمانية الحديثة-  دراسة استقبالية مقارنة. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1993. فهو يحوي دراسات تطبيقية حول ما تُرجم إلى العربية من روايات توماس مانّ وهاينريش مانّ وهرمان هيسه وفرانز كافكا.

(18)  راجع بهذا الشأن: بو علي ياسين: الثالوث المحرّم. بيروت، دار الكنوز الأدبية، 1973.

(19)  الكتب المترجمة الممنوعة في العالم العربي كثيرة. وقد حُكم على أحد المترجمين العرب بالسجن عقاباً له على ما جاء في رواية ترجمها عن الإسبانية، وكأنّه مسؤول عمّا جاء فيها من أمور تتعارض مع الاعتبارات الرقابيّة التي لا تعلنها الجهات الرسميّة المسؤولة عن تطبيقها ليقوم المترجمون بمراعاتها.

(20)  حول أسباب الأخطاء الترجمة راجع: J. Levy: a.a.O.

(21)  حول مشكلات ترجمة النصوص الشعرية: Ebenda

(22)  تظهر هذه المشكلة بصورة حادّة في ترجمة قصص الأطفال واليافعين. فمن المترجمين من يلجأ إلى ترجمة تلك القصص بلغة عويصة متقعّرة، لا تمتّ إلى لغة النصّ الأصلي ولا إلى الحصيلة اللغوية للطفل بصلة. وأشهر حالة في هذا المجال ما ترجمه وأعدّه المترجم السوري سعد صائب من قصص طفليّة. راجع بحث"أدب الأطفال المترجم في سورية" ضمن كتابنا: هجرة النصوص-  دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي. دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1995، ص210 وما يليها.

(23)  راجع: فالترهينك: الدراما الحديثة في ألمانيا. تر. عبده عبود، دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1983، ص12 .

(24)  نبيل حفّار: مشكلات الترجمة المسرحية. (الموقف الأدبي)  دمشق، العدد 227-  228، آذار-  نيسان، 1990 .

(25)  إنّ القسم الأعظم من قصص كافكا مترجم إلى العربية عن لغة وسيطة. بهذا الخصوص راجع مقالنا: كافكا عربياً: بين مطرقة التسييس وسندان اللغة الوسيطة. (الآداب)  بيروت، العدد 7- 8- ، تموز-  آب 1995، ص 31-  35 .

(26)  من المؤسف أنّ آداب الشعوب الإسلامية والجارة لا تردنا إلاّ مترجمة عن لغة وسيطة، وما يردنا قليل جدّاً، ولا يكفي للتعريف بتلك الآداب، وهذا مظهر من مظاهر التبعية الثقافية التي تتحكّم في نظام تعليم اللغات والآداب الأجنبية في العالم العربي. راجع مقالنا: تعليم اللغات الأجنبية في العالم العربي-  نظرة عن الأبعاد الاجتماعية والحضاريّة. مجلة(العربي) ، الكويت، العدد 352، مارس 1988، ص26-  30 .

(27)  راجع: لمعي المعيطي(إعداد) : ندوة الترجمة والتنمية الثقافية. القاهرة: الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة، 1992؛ شحادة الخوري: دراسات في الترجمة والمصطلح والتعريب. دمشق: دار طلاس، 1989، ص79 وما بعدها.

 

r مراجع البحث:

-  أزمة الديمقراطية في العالم العربي. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1984 .

-  جيته، يوهان فولفغانغ: فاوست ترجمة وتقديم د. عبد الرحمن بدوي، الكويت، وزارة الإعلام من المسرح العالمي 432-  234، 1989 .

-  حفار، نبيل: مشكلات الترجمة المسرحية. (الموقف الأدبي)  دمشق، العدد 227-  228، آذار-  نيسان 1990  سفر جديد -  الخوري، شحادة: دراسات في الترجمة والمصطلح والتعريب. دمشق، دار طلاس، 1989.

-  الطعمة، صالح جواد: الشعر العربي الحديث مترجماً. الرياض، النادي الأدبي، 1981.

-  عبود، عبده: تعليم اللغات الأجنبية في الوطن العربي. مجلة (العربي) ، الكويت، العدد 352، مارس 1988

-  نفسه الرواية الألمانية الحديثة-  دراسة نقدية مقارنة. دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1993.

-  نفسه: روايات هرمان هيسه وقصصه في ترجماتها العربية. في هجرة النصوص-  دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي. دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1995.

-  نفسه: قصص توماس مانّ في ترجماتها العربية. في(الآداب الأجنبية) . ع 84، س21، خريف 1995.

-  نفسه: كافكا عربياً-  بين مطرقة التسييس وسندان اللغة الوسيطة. في(الآداب)  بيروت، العدد 78، تموز-  آب 1995.

-  نفسه: ترجمة أدبية أم تشويه للنص الأدبي؟ حول الترجمة العربية لقصة كافكا"في مستوطنة العقاب". في (الأسبوع الأدبي)  العدد 460، 27/4/1995 .

-  نفسه: من ثقافة التخوين والتكفير إلى ثقافة الحوار. في (الأسبوع الأدبي) ، العدد 501، 15 شباط 96.

-  عطية، فوزي: علم الترجمة-  مدخل لغوي. القاهرة، دار الثقافة الجديدة، 1986.

-  نايدا يوجين: نحو علم الترجمة. ترجمة ماجد النجار. بغداد، وزارة الثقافة 1976.

-  نعيمة ميخائيل: الغربال، بيروت، مؤسسة نوفل، ط14، 1988.

-  المعيطي، لمعي(تحرير) : الترجمة والتنمية الثقافية. القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992 .

-  هانتينغنون، صموئيل: الإسلام والغرب-  آفاق الصدام. ترجمة مجدي شرشر، القاهرة مكتبة مدبولي، 1995.

-  هينك، فالتر: الدراما الحديثة في ألمانيا. ترجمة عبده عبود، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1983.

-  ياسين بو علي: الثالوث المحرّم. بيروت، دار الكنوز الأدبية، ط6، 1996.

-  Abboud, Abdo; Deutsche Romane im Arabischen Orient. Frankfurtl M. 1984.

-  Koller, Werner: Einfuehrung In die Uebersetzungswissenschaft. 3 Aufl. Heidelberg1992.

-  Levy, Jiri: Die Literarische Uebersetzung. Frankfurt-  Bonn, 1969.

-  Reiss , Katharina: Moeglichkeiten und Grenzen der Uebersetzungskritik. Muenchen. 1971.

 

 

r

 

 

 

3- 2-  تلقي الآداب الأجنبية في الوطن العربي
الأدب الألماني نموذجاً

 

الأدب المقارن ونظرية التلقي

لئن كان الأدب المقارن، وفقاً لمفهومه أو صيغته التقليدية، هو ذلك العلم الذي يدرس علاقات التأثير والتأثر، أو عمليات التبادل الأدبي التي تنشأ بين أدب قومي وأدب قومي آخر، أو بينه وبين مجموعة من الآداب القومية، فإنّ الصيغة الأقلّ تقليدية لذلك العلم هي تلك التي ترى فيه علماً يبحث في العلاقات الاستقبالية التي تقوم بين آداب قومية مختلفة. ومن المعروف أنّ ذلك المفهوم الذي صعد بصعود نظرية التلقي الأدبي في أواخر الستينات من هذا القرن انطلاقاً من ألمانيا، (1)  قد تقادم بدوره، وأصبح في حكم التقليدي إثر ظهور اتجاهات مقارنية تعتمد على نظريات أكثر جدّة، كنظرية التناصّ(Intertextualitat)  والسيميائية(Semiotik)  والتفكيكيّة(Dekunstriuktion)  وغيرها من الاتجاهات النظرية التي برزت في ساحة الدراسات الأدبية والنقدية في المرحلة الأخيرة، وانتقلت إلى ساحة الأدب المقارن. إلاّ أننا نرتكب خطأ جسيماً إذا نظرنا إلى العلاقة بين تلك الاتجاهات على أنها علاقة نفي(Negation)، بمعنى أنّ كلّ اتجاه مقارني ينفي الاتجاهات التي سبقته، على نمط ما فعل رائد النقد الجديد(New Criticim) ، رينيه ويليك في أواسط الخمسينات في محاضرته الشهيرة"أزمة الأدب المقارن"، عندما سعى لأن يلقي بالمدرسة الفرنسية التقليدية في مزبلة تاريخ الأدب المقارن،(2)  وهذا ما لم يتحقق، لأنّ الأمور ليست بالبساطة التي نتصورها أو نتمناها. ولكنّ تاريخ الأدب المقارن وتاريخ أيّ علم آخر ليس مجرد مزبلة، ناهيك عن أنّ الاتجاهات العلمية، أي المقارنة في الحالة التي نحن بصددها، ليست مجرّد زبالة أو"خردة" نتخلص منها. فالشكل الأسلم للعلاقات بين الاتجاهات المقارنية هو أن تكون العلاقة بين الاتجاهات اللاحقة أو المحدثة وبين الاتجاهات السابقة أو التقليدية علاقة"محافظة"، حسب تعبير هيجل، لا علاقة"نفي"، أي أن تسعى الاتجاهات الجديدة للمحافظة على ما في الاتجاهات القديمة من عناصر ولحظات صحيحة وحقيقية. وما نقوله هنا ليس دعوة إلى"التوفيق" أو"التكامل"، ولا إلى"التلفيق"، بل هو دعوة إلى الاستمرارية والتراكم ، اللذين يكمن فيهما سرّ التقدم العلمي والمعرفي . ونقول ذلك ايضاً لغاية في نفس المؤلف، ألا وهي الوصول إلى أنّ المنحى الاستقبالي في الدراسات المقارنة لم يكن منحى طارئاً، او تقليعة نظرية، بل كان اتجاهاً مقارنياً أعطى تلك الدراسات الشيء الكثير، ولم يزل قادراً، إذا ما استخدم بكفاءة على أن يضيء المزيد من جوانب العلاقات الابداعية التي تنشأ بين آداب قومية مختلفة، وبين أدباء ينتمون إلى تلك الآداب(3)  وما الدراسات التي أنجزتها خلال الأعوام الأخيرة إلا مساع وخطوات في ذلك الاتجاه(4) .

لا أود أن أقدّم في هذه المساهمة ملخصاً لتلك الدراسات ولما توصلت إليه فيها من نتائج، فالأبحاث منشورة، وبوسع كل مهتم أن يرجع إليها. إلاّ أنني أودّ أن أوضح مسألة أساسية، ألا وهي أنني قد سعيت من خلال دراسة تلقي الأدب الألماني عموماً، والرواية والقصة الألمانيتين على وجه الخصوص، إلى تسليط الأضواء على جانب هامّ من جوانب حياتنا الأدبية والثقافية، وإلى إظهار العوامل والقواعد التي توجّه حركة تلقي الآداب الأجنبية عموماً، والأدب الألماني خصوصاً، في العالم العربي. فقد مثل ذلك الاستقبال على امتداد التاريخ الثقافي العربي عامل تطوّر وتجديد وازدهار للأدب العربي. وفي كلّ مرحلة كان العرب ينفتحون فيها على الآداب الأجنبية ويستقبلونها بصورة مناسبة، مثلما حدث جزئياً في العصر العباسي وفي عصر النهضة العربية الحديثة، كان ذلك الاستقبال مصدر تجديد وتطوير للأدب العربي مضمونياً وجمالياً. أمّا في تلك الفترات والمراحل من تاريخ الثقافة العربية، التي تقوقع فيها العرب على أنفسهم ثقافياً، وأحجموا عن استقبال الآداب الأجنبية والتفاعل معها لهذا السبب أو ذاك،(وهي فترات مديدة لبالغ الأسف) ، فقد كان الأدب العربي ينحدر إبّانها ويتخلّف ويصبح فقيراً في مضامينه وأشكاله الفنيّة. إنّ دراسة تاريخ الأدب العربي، قديمه وحديثه، تدلّ بما لا يدع مجالاً للشكّ على أنّ انفتاح هذا الأدب على الآداب الأجنبية، وتلقيه دفعاً فكرياً وجمالياً منها، قد شكّل مصدراً أساسياً لظهور أجناس أدبية واتجاهات فنية وفكرية جديدة فيه. إننا لا نقول ذلك من باب المبالغة في تقدير أهمية الدور الذي مارسه انفتاح الأدب العربي على الآداب الأجنبية، بل من قبيل تقرير حقيقة موضوعية بوسع كلّ دارس للأدب العربي وتاريخه أن يستخلصها. ونقول ذلك أيضاً من باب الردّ على دعوات العزلة الثقافية، التي تطفوا على سطح المجتمع العربي من حين لآخر، بحجة المحافظة على الهوية الثقافية العربية الأصيلة. فالتقوقع الثقافي والأدبي لا يحافظ على هويّة ولا أصالة، بل يؤدي إلى تدهور الثقافة المتقوقعة وانحطاطها. أمّا الثقافة الحية الأصيلة فهي الثقافة المتطوّرة المتجددة، التي لا تجد حرجاً في التفاعل مع الثقافات الأخرى،وفي تعريض نفسها للمقارنة والموازنة مع تلك الثقافات. إنّ النعامة التي تدفن رأسها تحت جناحها أو في الرمل لا تنجو من الصياد. وتلك هي أيضاً حال الثقافات والآداب. وما يقال عن تلقي الآداب الأجنبية من قبل العرب يمكن أن يقال أيضاً عن تلقي الأدب العربي من قبل الأمم الأجنبية. ألم تستفد تلك الأمم مما لدى العرب من إنجازات أدبية؟ إنّ الدراسات المقارنة تدلّ على أنّ ذلك قد تم، سواء من قبل شعوب العالم الإسلامي، أم من قبل الشعوب الأوربية والغربية. (5)  وليس هناك مجال للشكّ في أنّ تلك الأمم. شرقية كانت أم غربية، قد تفاعلت مع الأدب العربي وتأثرت به فنياً وثيماتولوجياً وفكرياً.

خصوصية مفهوم التلقي ومترتباته

وعندما نتحدث عن تلقي الآداب الأجنبية لابدّ لنا من وقفة توضيحية نقفها أمام مفهوم"التلقي الأدبي" نفسه، باعتباره المفهوم المفتاحي والأداة المعرفية المركزية التي يقوم عليها هذا النوع من الدراسات الاستقبالية. فمن المعروف أن تلقي العمل الأدبي الأجنبي يختلف اختلافاً جذرياً عن تلقي العمل الأدبي المحلي. إنّ المتلقي، عادياً كان، كالقارئ أو المشاهد، أم محترفاً، كالناقد أو الأديب، الذي يتلقى عملاً أدبياً محلياً، يتلقاه مباشرة، ودون أن يحتاج بالضرورة إلى وسيط. فالدورة التي يقوم بها العمل الأدبي المحلي تتكون من ثلاث حلقات هي:

1-  الإنتاج أو الإبداع

2-  النشر أو الإيصال

3-  التلقي أو الاستقبال بأنواعه الثلاثة: العاديّ والنقديّ والمنتج.

أمّا دورة العمل الأدبي الأجنبي فهي أكثر تعقيداً، وهي تتكون من الحلقات التالية:

1-  الإنتاج أو الإبداع بلغة المصدر، أي باللغة الأصلية للعمل الأدبي؛

2-  الإيصال أو النشر بلغة المصدر أيضاً؛

3-  الاستقبال أو التلقي بلغة المصدر من قبل المتلقين الناطقين بتلك اللغة؛

4-  الترجمة من لغة المصدر إلى لغة الهدف، أو الولادة الإبداعية الثانية للعمل الأدبي؛

5-  إيصال العمل الأدبي المترجم ونشره بلغة الهدف؛

6-  تلقي العمل الأدبي الأجنبي المترجم بلغة الهدف من قبل المتلقين الناطقين بتلك اللغة، وهو تلقٍ متعدد الصور، أي عادي ونقدي وإنتاجي.

إنّ هذه الحلقات الستّ كلها ينبغي أن تكون ماثلة في أذهاننا عندما نتحدث عن استقبال العمل الأدبي الأجنبي. فهو استقبال له خصوصيته التي تميّزه عن استقبال عمل أدبي من الأدب القومي. وتستدعي تلك الخصوصية من الباحث أن يهتمّ بمسألتين أساسيتين هما:

1-  الترجمة الأدبية، ومدى جودتها وتناظرها مع العمل الأدبي الأصلي، وما تنطوي عليه تلك الترجمة من توجّهات فكرية أو فنية-  أسلوبية، ترجع إلى تكوين المترجم وأفقه الفكري والأدبي.(6)

2-  المتلقون الجدد، الذين لم يُكتب العمل الأدبي في الأصل من أجلهم ولم يكن موجّهاً إليهم. وهؤلاء المتلقون، عاديين كانوا أم محترفين، لهم أفق واهتمامات وتكوين تجعلهم مختلفين بالضرورة عن متلقي العمل الأدبي في لغته الأصلية. ومن المؤكد أنّ ذلك الاختلاف سينعكس على تلقي العمل الأدبي الأجنبي إقبالاً أو إعراضاً، فهماً أو إساءة فهم، تأثراً إبداعياً أو عدم تأثر.(7)

إذا انطلق المرء من مفهوم التلقي الأدبي السابق الذكر يصبح من واجبه أن يقدّم إجابات عن أسئلة جديدة مثل:

1-  لماذا اختيرت أعمال أدبية بعينها لتترجم من لغة المصدر إلى لغة الهدف،ولماذا صُرف النظر عن أعمال أخرى لا تقلّ عنها، وربما فاقتها من حيث الأهمية الجمالية والفكرية؟ ما هي الاعتبارات التي تحكّمت في ذلك الاختيار أو أملته؟ أهي اعتبارات تتعلق بالثقافة المستقبلية، أم بالثقافة المرسلة، أم بالتقديرات والأمزجة الشخصية للمترجمين أو للناشرين؟ إنها أسئلة ليس من السهل على الباحث أن يقدم إجابات شافية عنها، خصوصاً وأنّ تلك الاعتبارات لا تُذكر من قبل المترجم أو الناشر إلاّ نادراً.

2-  كيف فهم المترجم العمل الأدبي الأجنبي وفسّره وحلّ رموزه وأزال تعدديته الدلالية قبل قيامه بنقل ذلك العمل من لغته الأصلية إلى لغة الهدف أو أثناءه، وكيف أعاد إنتاج ذلك النصّ الأصلي بلغة الهدف، وبصورة يفترض أنها تحقق التناظر الدلالي والأسلوبي-  الفني بينه وبين شكله الأصلي؟ فالمترجم الأدبي يقوم بدور ذي شقين: يتمثل الأول في فهم العمل الأدبي وتفسيره، وهذا أمر إشكاليّ غير سهل. ويتمثل"الشقّ" الثاني في إعادة خلق العمل الأدبي الأجنبيّ بلغة الهدف، وهذه بدورها عمليّة شديدة التعقيد، تنطوي على إشكالية كبيرة. وفي الحالتين ينعكس التكوين الثقافي للمترجم وموقفه الأسلوبيّ واتجاهه الإيدلوجي على الترجمة نصّاً ودلالة وأسلوباً.(8)  وهذا ما يدعى بالتلقي الترجميّ.

3-  كيف تلقى جمهور القراء(والمشاهدين في حالة المسرحية)  العمل الأدبي بعد أن صدر بلغة الهدف، وما نسبة ذلك التلقي إلى تلقي العمل نفسه في لغته الأصلية؟(9)

4-  كيف فهم النقاد والمفسرون العمل الأدبي الأجنبي بلغة الهدف، وهل هناك فروق كبيرة بين تفسيراتهم لذلك العمل وبين التفسيرات التي قدّمها زملاؤهم الأجانب؟(10)  وهذا هو التلقي النقدي-  التفسيري.

5-  هل تأثر الأدباء المحليون بالعمل الأدبي الأجنبي إبداعيّاً، وما طبيعة ذلك التأثر أو ماهيته، وما محصلته الإبداعية؟ وهذا هو التلقي المنتج أو الإبداعي.

إلاّ أنه لا يجوز أن تغيب عن أذهاننا حقيقة أنّ تلقي العمل الأدبي الأجنبي يتوقف أولاً وقبل أيّ شيء آخر على نقله من لغته الأصليّة إلى لغة الهدف، أيّ على الترجمة. فلولاها لما تمّ التلقي برمته. ولذلك فإنّ على الدراسات الاستقبالية أن تولي الترجمة الأدبية والتلقي الترجمي القسط الأكبر من اهتمامها وجهودها. وبهذا الخصوص تستطيع الدراسات الاستقبالية أن تستفيد من علم الترجمة، ذلك العلم الذي تطوّر في الأعوام الأخيرة بصورة مذهلة، وتستطيع أن تستفيد بصورة خاصة من نظرية الترجمة ونقد الترجمة، الذي تحوّل إلى فرع رئيس من فروع علم الترجمة، فقد تطور ذلك النقد بعد أن استفاد من علوم لغوية وأدبية واجتماعية مختلفة،كاللسانيات المقارنة، والشعرية المقارنة، وعلم التأويل، ونظرية المثاقفة وغير ذلك من العلوم. ويمكن القول إنّ تقدّماً كبيراً قد حصل على صعيد تحليل الترجمات الأدبية وتقييمها بصورة منهجية وموضوعية.(11)

تلقى الأدب الألماني عربياً

من هذا المفهوم الخاصّ للتلقي الأدبي، ومن المترتبات السابقة الذكر لذلك المفهوم انطلقت في أبحاثي المتعلقة باستقبال الأدب الألماني في الوطن العربي. إلاّ أنه في الوقت الذي أحرص فيه على وضع ذلك الاستقبال في السياق التاريخي الأدبي الصحيح، فإنني حريص على إظهار خصوصيّة ذلك الاستقبال، التي ميّزت تاريخه عن تاريخ استقبال آداب أوربية أخرى، وفي مقدمتها الأدبان الفرنسيّ والإنكليزيّ. فمن المعروف أنّ اتصال العرب أدبياً بأوروبا قد بدأ باستقبال أعمال من هذين الأدبين. وقد بدأ ذلك الاتصال بصورة جديّة في أواسط القرن التاسع عشر، وإن تكن بوادره قد سبقت ذلك بوقت طويل. أمّا استقبال الأدب الألمانيّ فلم يبدأ إلاّ في مطلع القرن العشرين. فإذا عددنا الترجمة العربية لرواية غوته(J. W. Goethe)  الشهيرة"آلام فرتر" أوّل ترجمة ذات شأن من الأدب الألماني، فإنّ تلك الترجمة قد تمتّ عام 1919، إي بتأخر لا يقلّ عن نصف قرن عن بدايات تلقي الأدبين الفرنسيّ والإنكليزي عربياً.(12)  ومن الملاحظ أيضاً أنّ التلقي الترجميّ للأدب الألماني قد بدأ بتعريب أعمال أدبية ألمانية عن لغة وسيطة، لا عن اللغة الأصلية لتلك الأعمال. فرواية غوته السابقة الذكر قد نقلها أحمد حسن الزيات عن الفرنسية.(13)  ومن اللافت أنّ تلك الرواية قد شهدت في هذه الأثناء مالا يقلّ عن ستّ ترجمات مختلفة، تمتّ واحدة منها فقط عن الألمانية. ومع أنّ نسبة الترجمات التي تُنجز عن لغة وسيطة قد تراجعت تدريجياً منذ أواخر الثلاثينات، بعد أن ظهر عدد من المترجمين الذين يتقنون الألمانية ويترجمون عنها، مثل محمد عوض محمد وعبد الرحمن بدوي ومحمود إبراهيم الدسوقي، الذين نقلوا إلى العربية عدداً من الآثار الأدبية الألمانية الهامّة، ومن بينها بعض أعمال غوته الرئيسة، فإنّ السمة الغالبة على تلقي الأدب الألماني في العالم العربي من بداياته إلى أواسط الستينات قد كانت الترجمة عن لغة وسيطة، ولم يحصل تحوّل نوعي على هذا الصّعيد إلاّ في النصف الثاني من الستينات، وذلك نتيجة إحداث أقسام للغة الألمانية وآدابها في بعض الجامعات المصرية، ولتخرّج عدد من المختصين في الأدب الألمانيّ الذي مارس قسم منهم الترجمة الأدبية.(14)  وقد تبعهم عدد لا يستهان به من المتخصصين في الأدب الألماني من سوريّة والعراق والمغرب ولبنان والأردن، بحيث أصبح بوسعنا القول إنّ شرطاً أساسياً من شروط تلقي الأدب الألماني في العالم العربي بصورة مناسبة قد توافر. إلاّ أن التحول الذي طرأ على ذلك التلقي بشكل فعلي لم يكن إلى اليوم جذرياً بالدرجة التي نتمناها.إن نسبة الأعمال الأدبية الألمانية التي تترجم عن لغة وسيطة لم تزل مرتفعة. وللبرهنة على ذلك يكفي أن نشير إلى أنّ خمسة عشر من أصل سبعة عشر كتاباً صادراً بالعربية للأديب الألماني المعروف هرمان هيسه(Hermann Hesse)  قد عُرّبت عن لغة وسيطة، وليس عن الألمانية، وذلك بالرغم من وجود هذا العدد الكبير من المتخصصين العرب في الأدب الألماني.(15)  وتترتب على هذه الظاهرة أمور كثيرة نذكر منها:

1-  أنّ تلقي الأدب الألماني عربياً ليس بالتلقي الأصيل المستقل، الذي ينطلق من حاجات المجتمع العربي واهتماماته الثقافية، بل هو تلقٍ تابع، بمعنى أنه لا يُستقبَل في العالم العربي من الآثار الأدبية الألمانية إلاّ ما سبق أن استقبل في فرنسا أو بريطانيا أو أمريكا. ومن البديهي أنّ تلقي الأدب الألماني في تلك الأقطار يخضع لظروفها واهتماماتها وحاجاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية.

2-  يؤدي نقل الأعمال الأدبية الألمانية إلى العربية عن لغة وسيطة إلى مضاعفة ابتعاد تلك الترجمات وانحرافها نصّاً ودلالة وأسلوباً عن النصوص الأصلية. ولئن كانت كلّ ترجمة تنطوي بالضرورة على"خيانة"، فإنّ الترجمة التي تتمّ عن لغة وسيطة تنطوي بالضرورة على "خيانة" مضاعفة.

3-  عند قيامنا بدراسة تلك الترجمات وتقويمها لابدّ لنا من العودة إلى الترجمة الوسيطة، لا إلى النصّ الأصليّ الألمانيّ فحسب. وهكذا يصبح علينا أن ندرس في كلّ حالة ترجمتين، لا ترجمة واحدة، من أجل أن نعرف مصدر الانحرافات النصية والدلالية والأسلوبية بين الترجمة العربية والعمل الأدبي الألماني.

وبالمناسبة فإنّ تبعية تلقي الأدب الألماني عربيّاً لاستقباله فرنسيّاً وأنجلو-  أمريكياً لم تقتصر على الجانب الترجميّ، بل تعدّت ذلك الجانبين النقديّ والمنتج. ويكفي بهذا الخصوص أن نشير إلى أنّ القسم الأكبر مما هو متوافر بالعربية حول الأدب الألمانيّ تأريخاً وأعلاماً مترجم عن الفرنسية والإنكليزية،(16)  وأن نشير إلى أنّ الروائي العربي نجيب محفوظ قد اطلع على روايات توماس مانّ في ترجمتها الإنكليزية، وأن تأثر بعض الأدباء العرب بكافكا وبريخت قد مرّ عبر البوابتين الفرنسيّة والإنكليزية.(17)

فلتلقي الأدب الألماني في الوطن العربيّ خصوصية تتمثل في تأخره زمنياً عن تلقي الأدبين الفرنسيّ والإنكليزيّ، وفي تبعيتّه على الصعد الترجمية والنقدية والإبداعية لتلقيه في فرنسا وبريطانيا وأمريكا.

تلقي الرواية الألمانية

إذا نظرنا إلى تلقي الأدب الألمانيّ عربياً نجد أنّ جنساً أدبياً معيّناً هو الرواية قد ظفر بحصّة الأسد من ذلك التلقي. وهذا أمر لا يدهش أحداً. فالخصائص النوعية الفنيّة للرواية تجعل فرص تلقيها خارج أدبها القومي أكبر من الفرص الاستقبالية التي تتمتع بها أجناس أدبية أخرى كالمسرحية والشعر. وعلى رأس تلك الخصائص تأتي حقيقة أنّ تلقي الرواية يتمّ من خلال المطالعة، وليس من خلال مشاهدة النصّ المسرحيّ معروضاً على خشبة المسرح، مثلما هي حال الدراما. ومن المؤكد أنّ إيصال عمل روائي مترجم إلى المتلقي بعد أن يصدر ذلك العمل على شكل كتاب أسهل بكثير من إيصال نصّ مسرحيّ يحتاج بعد ترجمته إلى مخرج يخرجه ومسرح يعرضه. كذلك فإنّ الرواية تملك اتساعاً ملحمياً يمكّنها من أن تقدّم للمتلقي معلومات غزيرة عن المجتمع الأجنبيّ وثقافته وأوضاعه وقضاياه، إضافة إلى ما تهيؤه له من متعة جمالية. ومن الأمور التي لا يجوز إغفالها حقيقة أنّ العمل الروائي نصّ أدبيّ نثريّ، يمكن أن يترجم من لغة إلى أخرى دون أن يفقد كثيراً من خصائصه الجمالية، خلافاً للنصوص الشعرية، التي يعتمد تأثيرها الجمالي على مقومات لغوية وفنية، كالوزن والجرس والإيحاء، وهي مقوّمات تتعرض للضياع عند نقل العمل الشعريّ من لغته الأصلية إلى لغة الهدف. وأخيراً فإنّ المقولة الواسعة الانتشار التي تذهب إلى أنّ الرواية هي الجنس الأدبي المهيمن في عصرنا لا تنطبق على الرواية المحلّية فحسب، بل تنطبق أيضاً على الرواية المترجمة. وفي كل الأحوال فقد كانت الرواية الجنس الأدبيّ الذي هيمن على تلقي الأدب الألمانيّ عربياً، وهذا ما يتضح من عدد الترجمات الروائية، وعدد الطبعات التي شهدتها تلك الترجمات.

إلاّ أن تلقي الرواية الألمانية في العالم العربي لم يخرج عن الخطوط العامّة لتلقي الأدب الألماني في هذه المنطقة. ولعلّ أبرز معالم ذلك التلقي هي:

1-  أنه متأخر زمنيّاً ومتخلف كمياً عن استقبال الرواية الفرنسية والإنكليزية والأمريكية والروسية، وحديثاً الأمريكية-  الجنوبية. فلابدّ من أن ينقضي وقت طويل قبل أن تترجّم رواية ألمانية إلى العربية، مما يحرم العالم العربي من استقبال الرواية الألمانية المعاصرة. أما عدد الأعمال الروائية الألمانية المترجمة إلى العربية فهو قليل بالمقارنة بعدد الروايات الفرنسية والإنكليزية والأمريكية والروسية والأمريكية-  الجنوبية المعربة، وهذا ما حمل كثيراً من الناس في العالم العربي على الاعتقاد أنّ الأدب الألمانيّ فقير روائياً، وأنّ ليس لدى الألمان على صعيد الرواية ما يضاهي ما في الآداب الأوروبية والغربية الأخرى.

2-  إنه تلقٍ غير مستقلّ تابع لتلقي الرواية الألمانية في فرنسا وإنكلترا وأمريكا، وهذا ما يتضح من النسبة العالية للترجمات التي تتمّ عن الفرنسية والإنكليزية.

3-  وهو تلقٍ يتصف بقدر كبير من العرضية والعشوائية في انتقاء الأعمال الروائية المترجمة. فهذا الانتقاء قلّ أن يستند إلى إحاطة كافية بالرواية الألمانية، بقدر ما ينطلق من شهرة روائي ألمانيّ في فرنسا أو إنكلترا أو أمريكا أو من مزاج شخصيّ لمترجم، أو من طموح تجاريّ لناشر. ولقد أدّت هذه السمات إلى جعل تلقي الرواية الألمانية في العالم العربي تلقياً هزيلاً مشوّهاً، لا يتفق مع واقع الرواية الألمانية ومكانتها العالمية، ولا مع الحاجة الثقافية العربية إلى تلقي تلك الرواية بصورة مناسبة والاستفادة من إنجازاتها الجمالية والفكرية.

استنتاجات:

ومن المؤكد أنّ هذه النتيجة لا تنطبق على تلقي الرواية الألمانية فحسب، بل تنطبق على تلقي الأدب الألمانيّ برمته، بحيث يمكن القول إن ذلك التلقي يقدّم صورة شديدة التشويه عن الأدب الألماني. ومن المؤكد أيضاً أن تلقي الأدب الألماني لا يشكل حالة استثنائية على صعيد تلقي الآداب الأجنبية في العالم العربي، بل يشكّل حالة نمطية تنطبق على تلقي آداب أوروبية وغير أوروبية كثيرة. فهو ينطبق إلى هذا الحدّ أو ذاك على تلقي آداب أوروبية كبيرة، كالأدب الإسبانيّ والأدب الإيطالي والأدب البرتغاليّ والأدب السويدي، وينطبق على تلقي آداب آسيوية كبرى كالأدب الصينيّ والأدب اليابانيّ والأدب الكوريّ والأدب الفيتناميّ والأدب الفيليبينيّ. وهو ينطبق أخيراً وليس آخراً على تلقي آداب شعوب تربطنا بها روابط حضارية وتاريخية وثيقة، ناهيك عن روابط الجوار الجغرافي الإقليمي، كالأدبين الفارسي والتركيّ، والأدب الأندونيسيّ، والأدب الباكستانيّ والأدب الأفغانيّ، والآداب الإفريقية. ومن المؤكد أنّ العرب هم الخاسرون ثقافياً نتيجة الأوضاع غير السّليمة التي تسود تلقي الآداب الأجنبية في العالم العربي. فهذه الأوضاع تحرم العرب من التعرّف إلى تلك الشعوب من خلال آدابها، وتحرم المتلقين العاديين العرب من الاستمتاع جمالياً وفكرياً بأروع ما في الآداب الأجنبية من آثار، وتفوّت على المبدعين الأدبيين العرب فرصة الاستفادة إبداعياً مما تحويه تلك الآداب من إنجازات فنيّة وفكرية، ومن ثمّ اللّحاق بركب الأدب العالمي الحديث. فاستيعاب الآداب الأجنبية والارتقاء إلى مستواها فنياً وفكرياً هما من الشروط التي لا بدّ من توافرها لأيّ أدب يريد أن يدخل دائرة العالمية.

وأخيراً، ولكي لا تسجّل هذه القضية ضد مجهول، فإنني أجد نفسي مضطراً لأن أحملّ المقارنين العرب أمانة استقصاء الأوضاع السائدة على صعيد استقبال الآداب الأجنبية في الوطن العربيّ، وتحليل تلك الأوضاع، وإظهار ما يعتورها من خلل. أليس الأدب المقارن وفقاً لأقدم صيغة ومفاهيمه هو العلم الذي يدرس العلاقات الأدبية الدولية؟ أليس من حقّ الأدب العربي على المقارنين العرب أن يدرسوا علاقاته بالآداب الأجنبية وأن يقوّموها؟ فإن لم يؤدّ الأدب المقارن العربي للثقافة العربية خدمة كهذه فأيّة خدمة يؤدي؟!

 

r

r إحالات وهوامش

(1)  لمزيد من المعلومات حول هذه المسألة راجع:

G. Grimm (1977) ;  R. Warning (Hg) . (1988) .

(2)  راجع: رينيه ويليك: (1987) .

(3)  حول دور الدراسات الاستقبالية في الأدب المقارن راجع:

M. Schmeling (Hg )  (1981) , S. 49-  72.

(4)  تمثلت تلك الدراسات في ثلاثة كتب هي: الرواية الألمانية-  دراسة استقبالية مقارنة(1992)، و"هجرة النصوص-  دراسات في الترجمة والتبادل الأدبي" (1995)، و"القصة الألمانية الحديثة في ضوء ترجمتها إلى العربية"(1996) .

(5)  بخصوص تأثر الآداب الأجنبية بالأدب العربي نشير من باب المثال لا الحصر إلى دراسات مفيد الشوباشي، وجاسم محسن الموسوي، وكاتارينا مومسن، ومحمد السعيد جمال الدين.

(6)  لمزيد من المعلومات حول هذه المسألة راجع كتابنا(1992) ، ص125-  135.

(7)  نفسه، ص224 وتتمتها.

(8)  راجع بهذا الخصوص كتاب: J.Levy, (1969) ، وهو أفضل كتاب يبحث في الترجمة الأدبية ومشكلاتها. ومع أنّ هذا الكتاب قد ترجم إلى لغات كثيرة، من بينها الألمانية، فإنه لم يترجم بعد إلى العربية.

(9)  من الملاحظ أنّ إقبال المتلقين الأجانب على العمل الأدبي المترجّم قد يفوق إقبال المتلقين المحليين على العمل نفسه. ومن أفضل الأمثلة على ذلك ما شهدته مؤلفات الكاتب الإنكليزي كولون ولسون في العالم العربي من إقبال بعد أن تولّت(دار الآداب)  البيروتية نشر ترجمتها العربية. فالأمر يتوقف على حاجة المجتمع المستقبل واهتماماته.

(10)  راجع كتابنا(1992) ، ص185-  193.

(11)  راجع بهذا الخصوص: W.Koller- 1992 . راجع كذلك بحثنا: (1997) .

(12)  راجع بهذا الشأن: مصطفى ماهر وفولفغانغ أوله(1979) .

(13)  جيته(1980) .

(14)  راجع بهذا الخصوص: كمال رضوان(1983) .

(15)  لمزيد من المعلومات راجع بحثنا(1996) .

(16)  كان كتاب الفرنسي جان-  فرانسو أنجيلوز(1980)  إلى وقت قريب المصدر الوحيد بالعربية حول تاريخ الأدب الألماني، إلى أن صدرت في عام(1991)  ترجمة عربية لكتاب"موجز تاريخ الأدب الألماني" لكورت روتمان. أمّا فيما يتعلق بالمسرحيّ الألمانيّ برتولت بريشت(Bertolt Brecht)  فإنّ المرجع الأساسيّ حوله بالعربية هو كتاب الإنكليزي فريدريك أوين: (1981) . كذلك فإنّ كتاب الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي"واقعية للإضعاف" هو أهمّ مرجع بالعربية فيما يتعلق بالأديب الألماني اللغة فرانز كافكا.

=====================

r أهم المصادر والمراجع بالعربية

 

- أنجيلوز، جان فرانسوا(1980): الأدب الألماني، تر. هنري زغيب، بيروت: منشورات عويدات.

- أوين، فريدريك(1981) : برتولت بريخت، حياته، فنه، عصره، تر. إبراهيم العريس، بيروت: دار ابن خلدون.

- رضوان، كمال(1983) : اللغة الألمانية في مصر، دارسوها ومدرّسوها. في:
25 عاماً معهد جوته في القاهرة. القاهرة.

- روتمان، كورت(1991) : تاريخ الأدب الألماني. تر. سليمان توفيق. بيروت:
 منشورات عويدات.

- عبود، عبده(1992) : الأدب المقارن-  مدخل نظري ودراسات تطبيقية. حمص: منشورات جامعة البعث.

- نفسه، (1993) : الرواية الألمانية-  دراسة استقبالية مقارنة. دمشق:
منشورات وزارة الثقافة.

- نفسه، (1995) : هجرة النصوص-  دراسات في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي. دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب.

- نفسه، (1996) : روايات هرمان هيسّه وقصصه في ترجماتها العربية. مجلة(عالم الفكر)، الكويت، العدد الثالث، يناير/ مارس 1996.

- نفسه، (1996) : القصة الألمانية الحديثة في ضوء ترجمتها إلى العربية. دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب.

- غارودي، روجيه(1968)  واقعية بلا ضفاف. ترجمة حليم طوسون، القاهرة: دار الكاتب العربي.

- ماهر، مصطفى وفولفانغ أوله(1979) : مؤلفات لكتّاب ألمان مترجمة إلى العربية. بون.

-  ويليك، رينيه(1987) : مفاهيم نقدية. تر. د. محمد عصفور. الكويت: وزارة الإعلام.

================

r بالألمانية:

- Grimm Gunter(1977) :Rezeptionsgeschichte. Grundlegung einer Theorie. München.

-  Koller, Werner (1983)  : Einführung In Die ـbersetzungswissenschaft. Heidelberg.

-  Schmeling, Manfred (Hg)  (1981) : Vergleichende Literaturwissenschaft. Theorie und Praxis. Wiesbaden.

-  Warning , Rainer (Hg) . (1988) : Rezeptionنsthetik . Theorie Und Praxis. 2. Auf/. Stuttgart.

-  Levy . Jiri (1969) : Die Literarische ـbersetzung; Bonn.

 

r

 

 

 

3- 3-  حركة الترجمة
من الألمانية إلى العربية: واقعها وآفاقها

 

1-  مقدمة

تستحق حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية أن نفرد لها وقفة خاصة. فالألمانية لغة تحوي كنوزاً ثقافية بالغة الأهمية في ميادين الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأدب والنقد الأدبي، وهي كنوز ترجمت إلى العديد من اللغات الأجنبية، وتبوأت مكاناً مرموقاً في الثقافة العالمية الحديثة، بحيث يصعب على المرء أن يتصور تلك الثقافة وقد خلت من مؤلفات أعلام من أمثال الفلاسفة كانت وهيجل وماركس ونيتشه وهايد يجر وأدورنو وهوركهايمر وهابر ماس، أو علماء نفس من أمثال سيغموند فرويد وألفرد آدلر وكارل غوستاف يونغ، أو أدباء كغوته وكافكا وبريخت. وللثقافة العربية مصلحة في أن تتفاعل مع الثقافة الألمانية، وأن تستوعب ما تنطوي عليه تلك الثقافة من كنوز لاشكّ في أنّ استيعابها يغني الثقافة العربية ويساهم في تطورها من جهة، ويمكّن المجتمع العربي من أن يفهم المجتمع الألماني ويتعامل معه بصورة أفضل من جهة أخرى. فالترجمة كانت في كل العصور، ولا سيما في العصر الحديث، قناة رئيسة من قنوات التواصل بين المجتمعات والثقافات، وركيزة من ركائز التفاهم والتعايش بين الشعوب، ووسيلة ناجعة من وسائل التنمية. وقد ارتبطت هذه القناة بقناة ثقافية رئيسة أخرى هي تعليم اللغات والآداب الأجنبية. فهو يؤهل من الناحيتين اللغوية والثقافية أولئك الأشخاص الذين يمارسون أعمال الترجمة. أما الترجمة فهي بدورها وسيلة وهدف من أهداف تعليم اللغات والآداب الأجنبية وتعلمها(1) . ولذا لا مناص لأي حديث عن حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية من التطرق إلى تعليم اللغة الألمانية وآدابها في الأقطار العربية وانعكاسات أوضاع ذلك التعليم على حركة الترجمة. فما أوضاع ذلك التعليم؟

2-  رافداً حركة الترجمة

إذا استعرضنا أوضاع تعليم اللغات والآداب الأجنبية في مدارسنا وجامعاتنا، نجد أنّ اللغة الألمانية لا تشغل سوى حيّز صغير جدّاً من ذلك التعليم. ففي مراحل التعليم قبل الجامعيّ لا تدرس الألمانية كلغة أجنبية رئيسة ومتساوية مع اللغات الأجنبية الأخرى إلاّ في قطر عربي واحد هو مصر. وفي مرحلة التعليم الجامعيّ يختلف الأمر بعض الشيء، فالألمانية تدرّس كلغة أجنبية في كثير من الجامعات العربية، إن في صورة مقرَّر(أو مساق)  من مقررات دراسة اللغتين الإنكليزية والفرنسية وآدابهما، (وهو ما نطلق عليه في سورية تسمية اللغة الأوروبية الثانية) ، أو في صورة دورات تقيمها مراكز اللغات الأجنبية التي قلّ أن تخلو منها جامعة من تلك الجامعات، أو في صورة قسم مستقل مخصص لدراسة اللغة الألمانية وآدابها. لقد بدئ بإحداث أقسام كهذه في مصر، وذلك في أوائل الستينات، حين أحدث في"كلية الألسن" بجامعة عين شمس قسم اللغة الألمانية وآدابها، وتبعتها في ذلك جامعتا القاهرة والأزهر وجامعات أخرى(2) .واليوم تحوي جامعات عدة أقطار عربية أقساماً للغة الألمانية وآدابها، نذكر من تلك الأقطار: دول المغرب العربي الأربع والعراق والسعودية والسودان والأردن. أمّا في سورية فإنّ تواجد اللغة الألمانية في جامعاتنا مقتصر على مقرر"اللغة الأوربية الثانية" ضمن دراسة اللغة الإنكليزية وآدابها، وعلى شعبتين للغة الألمانية في مركزي اللغات الأجنبية التابعين لجامعتي حلب وتشرين، وليس هناك قسم للغة الألمانية وآدابها في أيّ من الجامعات السورية الأربع(3) . ومن الطبيعي أن ينعكس التقدّم الذي شهده تعليم اللغة الألمانية وآدابها في بعض الأقطار العربية إيجابياً على حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية. فدراسة اللغة الألمانية وآدابها تؤهل طلابها لغوياً وثقافياً وعلمياً، وتوفر بذلك شرطاً هاماً لظهور مترجمين من بينهم، وتوفد الجامعات التي فيها دراسة كهذه معيدين إلى ألمانيا لحصول على درجة الدكتوراه في اللغة الألمانية وآدابها، ويكتسب هؤلاء الدكاترة كفاءة عالية في اللغة الألمانية والأدب الألماني والثقافة الألمانية، ويصبحون مؤهلين لممارسة النشاطات الترجمية، وخصوصاً الثقافيّ منها، أي ترجمة مؤلفات أدبية وعلمية وفكرية يتطلب تعريبها كفاءة لغوية وثقافية عالية. وعلى هذا الصعيد تمّ تقدم كبير إبّان العقود الثلاثة الأخيرة، خصوصاً في مصر. فقد خرّجت أقسام اللغة الألمانية وآدابها في الجامعات العربية عدداً كبيراً من حملة الإجازة والماجستير، وأوفدت إلى ألمانيا عدداً جيداً من المعيدين الذين حصلوا على الدكتوراه في اللغة الألمانية وآدابها. وكانت الجامعة الأردنية في عمان أحدث جامعة عربية تخرّج مجازين في اللغة الألمانية وآدابها. ومن الطبيعي أنْ يشكل خريجو أقسام اللغة الألمانية وآدابها الرافد الأهم لحركة الترجمة من الألمانية إلى العربية، خصوصاً وأنّ بعضاً من تلك الأقسام، كقسم اللغة الألمانية في كلية اللغات والترجمة بجامعة الملك سعود في الرياض، يدرّس اللغة الألمانية وآدابها بهدف إعداد مترجمين على وجه التحديد.

ولحركة الترجمة من الألمانية إلى العربية رافد آخر، يتمثل في خريجي الجامعات الألمانية الذين درسوا العلوم الإنسانية المختلفة، من فلسفة وعلم نفس وعلم اجتماع وعلوم سياسية واقتصاد.. وغيرها. وقد ازداد عدد هؤلاء الخريجين في الفترة الأخيرة، بعد أن كانت دراسة الطلاب العرب في ألمانيا شبه مقتصرة على الطبّ والهندسات. أمّا اليوم فلم يعد أمراً نادراً أن تجد بين الطلاب العرب الدارسين في الجامعات الألمانية من يدرس الأدب الألماني أو علم الاجتماع أو التربية أو السياسة أو الاقتصاد وغير ذلك من العلوم الإنسانية. وقد ظهر من بين هؤلاء الدارسين أشخاص اهتمّوا بالترجمة ومارسوها عملياً. نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الأساتذة: ميشيل كيلو وبو علي ياسين ومحمود كبيبو ونزار عبد الله وكامل اسماعيل وتوفيق سليمان من سوريا؛ وعدنان عباس وإبراهيم الحيدري من العراق. أمّا في مصر فإن هؤلاء المترجمين كثر، من أشهرهم: محمد عوض محمد، وعبد الغفار مكاوي وعبد الرحمن بدوي. إنهم مترجمون لم يدرسوا اللغة الألمانية وآدابها، بل درسوا علوماً إنسانية أخرى كالفلسفة، مما يدلّ على أن دراسة اللغة الألمانية لا تشكل شرطاً لا غنى عن توافره فيمن يودّ ممارسة الترجمة عن الألمانية.

وعلى أية حال فقد كان لإحداث أقسام اللغة الألمانية وآدابها في بعض الجامعات العربية من جهة، وازدياد عدد خريجي الجامعات الألمانية في مجالات العلوم الإنسانية من جهة أخرى، تأثير إيجابي على حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية. فإلى أواسط الستينات من هذا القرن لم يتجاوز عدد المترجمين عن الألمانية عدد أصابع اليد الواحدة، وكانوا من المصريين تحديداً. أمّا اليوم فإنّ عددهم بالعشرات، وهم ينتمون إلى أقطار عربية مختلفة، هي، إضافة إلى مصر، سوريا والعراق ولبنان والأردن والمغرب. فهل يعني ذلك أنّ حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية قد ارتقت إلى المستوى المطلوب، وأصبحت قادرة على أن تلبي حاجات المجتمع العربي إلى الترجمات الأدبية والعلميّة والفكرية عن الألمانية؟

3- الترجمة عن لغات وسيطة

من المؤسف القول إنّ تلك الحركة مازالت بعيدة عن تحقيق ذلك الهدف، وخير دليل على ذلك هو أنّ القسم الأعظم مما ترجم إلى العربية من أعمال أدبية وعلمية وفكرية ألمانية لم يترجم عن الألمانية مباشرة، بل ترجم عن لغة وسيطة وهذا بعض الأمثلة:

أولاً: لقد ظهر في الأعوام الأخيرة اهتمام عربي بذلك الاتجاه الفلسفي المعاصر الذي يعرف بـ(مدرسة فرانكفورت)  (Frankfurter Schule) 
أو بـ"النظرية النقدية"(Die Kritische Theorie) ، وهي مدرسة فلسفية ألمانية ترجع بداياتها إلى الثلاثينيات والأربعينيات من هذا القرن، ولكنها لم ترسّخ وجودها في الساحة الفكرية الألمانية والعالمية إلاّ في أواخر الستينيات، مع صعود حركة الاحتجاج الشبابي والطلابي والنسائي في الأقطار الصناعيّة الرأسمالية. أمّا أبرز أعلام هذه المدرسة فهم: تيودور أدرونو، وماكس هوركهماير، وفالتر بنيامين، ويورجين هابرماس(4) .لم يكن الاهتمام العربي بفكر مدرسة فرانكفورت وليد تلقي ذلك الفكر بصورة مباشرة، عبر الاطلاع عليه بلغته الأصلية، أي الألمانية، بل ظهر ذلك الاهتمام بعد أن انتشرت أفكار مدرسة فرانكفورت في أوربا الغربية وأمريكا وتقدّمت إلى قلب النقاش الفلسفي في العالم. عندئذ قام بعض المترجمين العرب بتعريب بعض كتابات أعلام تلك المدرسة، ولكن ليس عن الألمانية، بل عن الفرنسية. فقد ترجم محمد علي اليوسفي كتاب"بدايات فلسفة التاريخ البرجوازية" لماكس هوركهايمر عام 1981، وترجم مصطفى الناوي كتاب"النظرية التقليدية والنظرية النقدية" للفيلسوف نفسه عام 1990(5) . وفي عام 1995 صدرت في دمشق ترجمة عربية لكتاب يورغين هابرماس
(Der philosophische Diskurs der Moderne)  الذي نقلته الدكتورة فاطمة الجيوشي إلى العربية بعنوان"القول الفلسفي للحداثة"(6) . لقد تُرجمت هذه الكتب الثلاثة عن الفرنسية. كذلك فإنّ لكتاب علاء طاهر"مدرسة فرانكفورت من هوركهايمر إلى هابر ماس"، وهو كتيّب يعرّف بهذه المدرسة، مرجعية فرنسية بالكامل(7) . وهذا مثال آخر، ولكن في هذه المرّة من علم النفس: لقد ظهر في العقد الأخير، اهتمام عربي كبير بمؤلفات عالم النفس الألماني كارل غوستاف يونغ(C.G.Jung) ، مؤسس ما يعرف بعلم النفس التحليلي، وأدّى ذلك الاهتمام إلى قيام عدد من المترجمين بنقل قسم كبير من مؤلفات يونغ إلى العربية، ولكن عن أية  لغة ترجمت تلك المؤلفات؟ أعن الألمانية، وهذا هو الأمر الطبيعي؟ إنّ المرء يفاجأ بحقيقة أنه لم يترجم إلى العربية أيّ من تلك الكتب عن الألمانية، بل ترجمت كلها عن الإنكليزية والفرنسية(8) .وهذا مثال آخر أخذناه من مجال الأدب، ألا وهو الترجمات العربية لروايات وقصص الأديب الألماني المعروف
(Hermann Hesse)  الحائز على جائزة نوبل للآداب وأحد أعلام الأدب الألماني في القرن العشرين. لقد بلغ عدد ما ترجم إلى العربية من أعماله الأدبية سبعة عشر كتاباً. فكم كتاباً منها ترجم عن الألمانية؟ ثلاثة كتب فقط هي: "قصة شاب" و"لعبة الكريات الزجاجية" و"ذئب البوادي"، أمّا الكتب الأحد عشر الأخرى فقد ترجمت إلى العربية عن لغات وسيطة، كالفرنسية والإنكليزية. وهذا يعني أنّ أكثر من 80% من كتب هيسه قد ترجم عن لغة وسيطة(9) .

نكتفي بهذه الأمثلة التي أوردناها بغية توضيح مقولة واحدة، ألا وهي أنّ الترجمة عن لغة وسيطة ظاهرة تطغى على حركة ترجمة الأعمال الأدبية والعلمية والفكرية الألمانية إلى العربية. فما قلناه عن ترجمة مؤلفات مدرسة فرانكفورت وكارل غوستاف يونغ وهرمان هيسه ينطبق على ترجمة مؤلفات معظم الأدباء والفلاسفة والعلماء والمفكرين الألمان. فهو ينطبق على مؤلفات عالم النفس سيغموند فرويد تماماً كما ينطبق على مؤلفات الفلاسفة كانت وهيجل وماركس ونيتشه وهايد يجر، وعلى أعمال الأدباء غوته وشيلر وكافكا وبريخت. وجلّ ما ترجم إلى العربية من تلك المؤلفات قد ترجم عن لغة وسيطة، وليس عن الألمانية. ترى ما تفسير هذه الظاهرة الخطيرة وما دلالاتها؟

4-  دلالات الظاهرة

إنّ أول ما تدّل عليه هذه الظاهرة هو وجود حاجة ثقافية عربية إلى ترجمة ما ترجم إلى العربية من أعمال أدبية وفكرية وعلمية ألمانية. فلو لم تكن الحاجة موجودة لما لجأ المرء إلى ترجمة تلك الأعمال عن لغة وسيطة. ولا عجب في ذلك. فما من ثقافة حديثة تستطيع أن تستغني عن ترجمة مؤلفات كبار الفلاسفة وعلماء النفس وعلماء الاجتماع والأدباء الألمان إلى لغتها. والثقافة العربية الحديثة، كغيرها من الثقافات، بحاجة إلى تلك المؤلفات مترجمة إلى العربية. ونظراً لأنّ تلك الحاجة الثقافية لم تلبّ من خلال الترجمة عن الألمانية، فقد تمّت الاستعاضة عن ذلك باللجوء إلى الترجمة عن لغة وسيطة. وبعبارة أخرى: عندما لم تجد دور النشر العربية من يترجم المؤلفات الأدبية والفكرية والعلمية الألمانية المطلوبة عن الألمانية، كلّفت مترجمين بنقلها عن لغة وسيطة، أوقام أولئك المترجمون بنقلها إلى العربية من تلقاء أنفسهم. ولكن لماذا لم تجد دور النشر العربية من يترجم المؤلفات الألمانية المطلوبة عن لغتها الأصلية، أي عن الألمانية؟ ألنقص في المترجمين والقادرين على ممارسة الترجمة الأدبية والعلمية عن هذه اللغة؟ أم لتقصير هؤلاء الأشخاص وتقاعسهم عن أداء دورهم الثقافي؟ إن الحديث عن نقص في المترجمين عن الألمانية والقادرين على الترجمة عن هذه اللغة ينطبق على حركة الترجمة إلى أواخر الستينيات. ولكن منذ أوائل السبعينيات توافر في العالم العربي من خريجي اللغة الألمانية وآدابها والعلوم الإنسانية الذين درسوا في الجامعات الألمانية، أي من القادرين على الترجمة عن الألمانية، ما يجعل اللجوء إلى ترجمة الأعمال الأدبية والفكرية والعلمية الألمانية عن لغة وسيطة أمراً لا مبرر له. إلاّ أنّ أولئك الأشخاص لم يقوموا بالدور الثقافي المطلوب إلاّ بصورة جزئية لا تتناسب بأية حال وقدراتهم وإمكاناتهم. وعلى سبيل المثال هناك في سورية ما يزيد على عشرين متخصصاً في اللغة الألمانية وآدابها، يحمل خمسة منهم درجة الدكتوراه. أما عدد خريجي الجامعات الألمانية في مجالات العلوم الإنسانية القادرين على ممارسة الترجمة فهو كبير. ولكن ما نسبة الذين مارسوا الترجمة، سواء من المتخصصين في اللغة الألمانية وآدابها، أم من المنتمين إلى الفئة الأخيرة؟ إنّ تلك النسبة منخفضة جداً. لماذا؟ وكيف يبرر الأشخاص المعنيون ذلك؟ إذا سألتهم فإنّ جوابهم يتلخص في أنّ المردود الماديّ للترجمة ضعيف، وصعوبات النشر كبيرة. لا أحد يستطيع أن ينكر أنّ المردود الماديّ للترجمة، أي مكافآت المترجمين، هزيل جدّاً، ولكن لابدّ لنا من الإشارة إلى أنّ هناك في الوطن العربي مجالات نشر مجزية ماديّاً، ولكنها لا تستغلّ ولا يستفاد منها بصورة كافية من قبل المترجمين والقادرين على الترجمة عن الألمانية. ففي الكويت مثلاً تصدر مجلة فصلية مخصصة لنشر الترجمات، هي مجلة"الثقافة العالمية"، ولكن قلّ أنّ نجد بين ما تنشره هذه الدورية مواد مترجمة عن الألمانية، لا لأن القائمين عليها لا يريدون أن ينشروا تلك المواد، بل لأنه ليس هناك من يمدّهم بها. وفي الكويت أيضاً تصدر سلسلة كتب عنوانها"عالم المعرفة"، وهي سلسلة تشكل الترجمات نسبة عالية من كتبها، ولكن يندر أن يجد المرء في عداد كتب هذه السلسلة الضخمة كتباً مترجمة عن الألمانية، لا لأنّ القائمين عليها يناصبون الثقافة الألمانية العداء، وإنما لقلّة ما يقدّم إليهم من كتب مترجمة عن الألمانية. وما قلناه عن مجلة"الثقافة العالمية" وسلسلة"عالم المعرفة" ينطبق أيضاً على سلسلة كتب كويتية أخرى هي سلسلة"من المسرح العالمي"، وهي سلسلة مترجمة، وعلى مجلة(العربي)  الواسعة الانتشار. فهي تنشر في كل عدد من أعدادها قصة مترجمة واحدة على الأقلّ. إن النشر في هذه الدوريات والسلاسل مجزٍ ماديّاً ومرضٍ معنوياً، فلماذا يحجم القادرون على الترجمة عن الألمانية عن الاستفادة من هذه الإمكانية؟ وفي سورية ثمة مجالات جيدة لنشر الكتب والمواد المترجمة، سواء ضمن منشورات وزارة الثقافة، التي تشكل الترجمات الجزء الأعظم من كتبها، أو في اتحاد الكتاب العرب الذي يصدر مجلة خاصة بالترجمة هي مجلة"الآداب الآجنبية".وتشكل مجلة(نوافذ)  السعودية منبراً جديداً هاماً لنشر الترجمات الأدبية. ومع أنّ مكافآت الترجمة لم تزل غير مجزية، فإنها قد تحسنت في الأعوام الأخيرة، ولم تعد متدنية بالدرجة التي يتصورها كثير من المترجمين. ولعل من الضروري أن نذكرّ بهذه المناسبة بحقيقة أنّ الترجمة ليست مجرّد مورد رزق، بل هي في الوقت نفسه رسالة ثقافية هامة. فالمترجمون بناة جسور بين الشعوب والثقافات، وما يقومون به هو واحد"من أنبل النشاطات الإنسانية"، حسب قول الأديب الألماني غوته.

5-  التشويه المضاعف

وعلى أيّة حال ثمة إحجام من جانب القسم الأعظم من المؤهلين لممارسة الترجمة الأدبية والعلمية من الألمانية إلى العربية عن ممارسة هذا النشاط النبيل، مما أدى إلى انتشار ترجمة الأعمال الأدبية والعلمية والفكرية الألمانية عن لغات وسيطة لا عن لغتها الأصلية. ولربّ قائل: أنا لا أرى مشكلة في أن تترجم الأعمال المذكورة عن لغات وسيطة، فالمهم هو أن تترجم تلك الأعمال إلى العربية، وأن يستفيد منها المتلقون العرب، بصرف النظر عن اللغة التي ترجمت عنها.أليست المحصلة النهائية واحدة في الحالتين؟ لا جدال في أنّ ترجمة الأعمال الأدبية والفكرية والعلمية الألمانية عن لغة وسيطة أفضل بكثير من عدم ترجمتها البتة، وإن تلك الترجمات قد سدّت ثغرة كبيرة في المكتبة العربية. فلولا الترجمة عن لغة وسيطة لما عرف العرب إلاّ القليل عن الفلسفة الألمانية والتحليل النفسي وعلم النفس التحليلي والفكر الماركسي والأدب الألماني، ولخلت المكتبة العربية من مؤلفات كانت وهيجل وماركس ونيتشه وفرويد وأدلر وهايديجر وهابر ماس وهوركهماير وأدورنو ويونغ وفيبر وشيلّر وغوته وكافكا وهيسّه وغيرهم من كبار الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع والأدباء الألمان. لو انتظر العرب إلى أن يتكرّم القادرون على الترجمة عن الألمانية بتعريب كلّ تلك الأعمال والمؤلفات الفلسفية والأدبية والعلمية التي ترجمت عن لغات وسيطة لطال الانتظار كثيراً، ولكان أشبه بانتظار غودو في مسرحية بيكيت الشهيرة، ولحرمت الثقافة العربية الحديثة من استقبال مؤلفات فكرية وعلمية وأدبية بالغة الأهمية، كان لها دور كبير في تطور تلك الثقافة وفي النقاشات التي شهدتها. ولذا من الإجحاف إنكار الدور الثقافيّ الإيجابي الذي اضطلعت به ترجمة الأعمال الفكرية والعلمية والأدبية الألمانية إلى العربية عن لغة وسيطة. إلاّ أننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نتجاهل حقيقة أخرى، ألا وهي أن تلك الأعمال التي ترجمت عن لغة وسيطة، قد تعرّضت للتشويه الترجميّ مرّتين: مرّة عند نقلها من الألمانية إلى اللغة الوسيطة، ومرّة أخرى عند نقلها من اللغة الوسيطة إلى العربية. فالترجمة، كلّ ترجمة، تنطوي بالضرورة على انحراف عن الأصل عُرف بـ"خيانة المترجم". وعندما يترجم النص مرتين فمن البديهي أن تتضاعف احتمالات تلك"الخيانة"، أي الابتعاد الدلالي والأسلوبي عن الأصل(10) . إلاّ أنّ تبعات ذلك الانحراف تختلف باختلاف أنواع النصوص. فالنص الأدبي نصّ"بارز الشكل"، تكمن أدبيته في اللغة والأسلوب والجوانب الفنيّة الجمالية. وعندما ينقل نصّ كهذا من لغته الأصلية(لغة المصدر)  إلى اللغة الوسيطة فإنه يفقد بعضاً من مواصفاته الأسلوبية والمعنوية. وعندما يترجم للمرة الثانية من اللغة الوسيطة إلى لغة الهدف الجديدة، أي إلى العربية، في الحالة التي نحن بصددها، فإنّ الخسارة الأسلوبية والمعنوية تزداد، وقد تبلغ درجة تشويه النص الأدبي تشويهاً شديداً. وهكذا يمكن أن تحوّل الترجمة عملاً أدبياً رائعاً ذا مستوى عالمي إلى عمل هزيل يفتقر إلى أبسط درجات الأدبية. وإذا كان جوهر العمل الأدبي يكمن في تلك الأدبية، فإنّ نصاً مترجماً كهذا غير قادر على ممارسة أي تأثير جمالي على المتلقي. أمّا الأمثلة على ذلك من تاريخ ترجمة الأعمال الأدبية الألمانية إلى العربية عن لغات وسيطة فهي كثيرة جدّاً، نذكر منها رائعة هاينريش مانّ الروائية"الملاك الأزرق"، التي نقلت عن الإنكليزية بصورة شوهتها نصاً ودلالة وأسلوباً وحولتها إلى نص لا أدبية فيه(11) ، والترجمات العربية لقصتي فرانز كافكا"في مستوطنة العقاب" و"المسخ" التي تمت عن الإنكليزية ومسخت هاتين القصتين وقزمت مبدعهما(12) .

فالخسارة الجماليّة والدلالية التي تنجم عن ترجمة النص الأدبي عن لغة وسيطة قد تكون جسيمة جدّاً، مما يحتم علينا أن نقف موقف التحفظ الشديد من تلك الترجمة. صحيح أنّ الخسارة قد تحدث عند ترجمة النص الأدبي عن لغته الأصلية لا عن لغة وسيطة إذا قيض لذلك النص مترجم رديء، ولكن احتمالات أن تتضاعف تلك الخسارة عندما يترجم النص الأدبي عن لغة وسيطة تظلّ قائمة. فهل تنطبق هذه المقولة على ترجمة نصوص"بارزة المضمون" كالنصوص الفلسفية والفكرية العلمية؟ (13) . إنّ أهمّ ما في هذه النصوص ليس شكلها بل مضمونها، وإذا كانت الترجمة الوسيطة دقيقة وأمينة في أداء ذلك المضمون، فإنّ الترجمة التي تتم عن اللغة الوسيطة يمكن أن تكون دقيقة وسليمة أيضاً. ولكنّ ذلك لا يعني أنّ ترجمة نصّ علمي وفكري عن لغة وسيطة لا يزيد من احتمالات انحراف الترجمة مضمونياً عن الأصل. فعند ترجمة النص من لغة المصدر الأصلية إلى اللغة الوسيطة قد تقع أخطاء ترجمية يتبناها مترجم النصّ عن اللغة الوسيطة بالضرورة، وقد يضيف إليها أخطاء جديدة. لذلك قد يتضاعف ابتعاد الترجمة عن الأصل تبعاً لجودة الترجمة الوسيطة من جهة وكفاءة المترجم الذي ينقل النص انطلاقاً من تلك الترجمة إلى لغة الهدف الجديدة، أي إلى اللغة العربية من جهة أخرى. وفي مطلق الأحوال فإنّ احتمالات أن تكون الترجمة التي تتم عن لغة وسيطة أكثر ابتعاداً عن النص الأصلي من ترجمة تتم عن اللغة الأصلية لذلك النص هي احتمالات كبيرة. وبالفعل كم من نص علمي وفكري شوّه تشويهاً شديداً عند ترجمته عن لغة وسيطة! وأبرز مثال على ذلك هو مؤلفات كبار الفلاسفة الألمان من أمثال كانت وهيجل ونيتشه. فتشويه مؤلفات الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانت على يد المترجم أحمد الشيباني، وتشويه مؤلف نيتشه الشهير"هكذا تكلم زرادست" على يد المترجم فيليكس فارس أمر معروف للجميع(14) .

وعندما نتحدث عن نصوص علمية أو"بارزة المضمون"، فإنّ ذلك لا ينفي أن تكون لتلك النصوص أبعاد أسلوبية وأدبية. فهناك كتاب علميون يصوغون مؤلفاتهم بأسلوب أنيق لا يخلو من سمات أدبية. ولعل أشهر هؤلاء العلماء هو سيغموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي، الذي كان شديد الحرص على كتابة مؤلفاته بلغة واضحة جميلة، وهذا ما حمل المهتمين بوضوح المؤلفات العلمية وجمالها الأسلوبيّ على إحداث جائزة تعرف"بجائزة سيغموند فرويد للنثر العلمي". إنّ هذه الجوانب الأسلوبية والأدبية التي تتسم بها المؤلفات العلمية والفكرية تكون أكثر تعرضاً للضياع عندما تترجم تلك المؤلفات عن لغة وسيطة.

في ضوء ما تقدّم يمكن القول إنّ ما ترجم إلى العربية عن لغات وسيطة من نصوص أدبية وعلمية ألمانية يخضع لمقولة التشويه المضاعف ولا يجوز الاطمئنان إليه والوثوق به. إلاّ أنّ درجة التشويه تختلف من ترجمة لأخرى، وذلك تبعاً لجودة الترجمة الوسيطة وكفاءة المترجم الذي ينقل النص عن تلك الترجمة إلى لغة الهدف الجديدة، أي إلى العربية. أمّا التأكد من ذلك فيكون بالدراسات النقدية التي تواجه فيها الترجمة العربية بالأصلين الألماني والوسيط على حد سواء، وتقوّم انطلاقاً من تكافئها الترجميّ: الدلالي والأسلوبي والنصي مع الأصل الألماني لا مع الأصل الوسيط.(15)  فما يعنينا ليس أن تكون الترجمة العربية لنص أدبي أو علمي مترجم عن لغة وسيطة متكافئة مع الترجمة الوسيطة، فهذه لاتعنينا إلا لنعرفة ما إذا كانت مصدراً لأخطاء ترجمية، بل أن تكون الترجمة العربية متكافئة. مع الأصل الألماني الذي لابدّ من أن يكون معياراً لأيّ تكافؤ. أمّا محاولة تبرير الأخطاء الترجمية بالقول إنها ترجع إلى الترجمة الوسيطة فهي أمر غير مقبول.

6-  غياب التنسيق

إلاّ أنّ الترجمة عن لغة وسيطة ليست المشكلة الوحيدة التي تعاني منها حركة تعريب الأعمال الأدبية والعلمية الألمانية إلى العربية. فهذه الحركة تعاني من مشكلة أخرى هي افتقارها إلى الحد الأدنى من التنسيق وتبادل المعلومات. فمن الصعب أن يعرف مترجم مقيم في سورية على سبيل المثال ما صدر أو سيصدر في الكويت أو المغرب أو ليبيا أو مصر من ترجمات، وذلك لضعف النشاط البيبليوغرافي العربي واقتصاره على الإصدارات القطرية. وهذه المسألة تجعل المترجم يعيش في حالة خوف من أن يكون العمل الذي يودّ أن يترجمه إلى العربية قد سبقه إلى ترجمته زميل في بلد عربي آخر. ويشكل هذا الأمر مصدر إحباط لكثير من المترجمين. إنّ هذا التخوّف مشروع وينبغي أن يؤخذ على محمل الجدّ. فنحن لا نستطيع أن نتوقع من المترجم أن يستثمر شهوراً، لا بل أعواماً من الجهد في نقل عمل أدبي أو علمي أو فكري ألماني إلى العربية، ليتبين له بعد ذلك أنّ زميلاً له مقيماً في قطر عربي آخر قد سبقه إلى ترجمة ذلك العمل(16) .وقد انعكست هذه المسألة بصورة سلبية جداً على حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية، وكانت أحد الأسباب الرئيسة لقلة الترجمات. إنّ حلّ هذه المشكلة يكون بتطوير التنسيق وتبادل المعلومات بين المترجمين العرب الذين ينقلون عن الألمانية، وذلك بإصدار نشرة بيبليوغرافية بالترجمات التي صدرت وبمشاريع الترجمة التي قيد الإنجاز، وهذا الاقتراح موجود على جدول أعمال حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية منذ وقت طويل، وقد أوصت الندوة التي انعقدت في برلين عام 1985 حول"الترجمة بين اللغتين العربية والألمانية" بتطبيقه(17) . وعلى خلفية هذه الإشكالية قام الدكتور مصطفى ماهر وزميله الألماني فولفغانغ أوله بوضع أول بيبليوغرافيا للترجمات من الألمانية إلى العربية ومن العربية إلى الألمانية، وقد صدر ذلك المؤلف البيبليوغرافي الهامّ سنة 1968، وأعيد طبعه سنة 1979 بعد تعديله وتوسيعه(18) . إلاّ أن المؤلفين لم يقوما منذ ذلك الحين بإصدار طبعة جديدة تستوعب ما استجدّ على حركة الترجمة بين اللغتين الألمانية والعربية من معطيات، ومازالت هذه المشكلة قائمة تلقي بظلّها على حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية وتعرقل تطوّرها(19) .

7-  تخلف القاموس

ومن مشكلات حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية تخلف القواميس الثنائية اللغة. فالقاموس أداة عمل رئيسة لكلّ مترجم. هناك عدّة قواميس ألمانية-  عربية، أكبرها وأفضلها وأوسعها انتشاراً هو قاموس شريجله(G. Schregle) . ومن المؤكد أنّ هذا القاموس قد شكل في أواخر السبعينيات إنجازاً معجمياً هاماً، ولكن ذلك القاموس لم يطوّر ولم يعد النظر فيه منذ صدور طبعته الأولى الوحيدة(20) . فقد اكتفى الناشر بإعادة طبعه دون أيّ تغيير أو تعديل، رغم أنّ الثغرات التي يحويها بادية للعيان. لا نعرف لماذا لم تظهر قواميس تشكل منافسة حقيقة لقاموس شريجله، ولكن الشيء المؤكد هو أنّ هذا القاموس يتمتع بوضع شبه احتكاريّ رغم ما ينطوي عليه من ثغرات ونواقص. هذا بالنسبة للقواميس اللغويّة العامّة. أمّا بالنسبة للقواميس الاختصاصية فإنّ الوضع أسوأ من ذلك بكثير. فالقواميس العلمية المتخصصة في مجالات الطبّ والعلوم التقنية والهندسية والتطبيقية والإنسانية نادرة جدّاً ولا تستحق الذكر. وهناك على هذا الصعيد فراغ شامل. ومن الطبيعي أن يمثل عدم توافر تلك القواميس مشكلة حقيقية بالنسبة لحركة الترجمة من العربية إلى الألمانية. ولا شكّ في أنّ هذا المجال يشكّل ميداناً خصباً لنشاط اللغويين العرب المؤهلين في علم المعاجم.وبعد أن ظهرت القواميس الكومبيوترية المسجلة على اسطوانات الليزر( CD - ROM)  لم يعد من اللائق أن يستمرّ التخلف السائد في مضمار القاموس العربي-  الألماني، الذي آن له أن ينتقل إلى عصر الحاسوب.

8-  المحصلة

لئن كانت هذه أبرز مشكلات حركة الترجمة الأدبية والعلمية من الألمانية إلى العربية، فهل لبّت تلك الحركة حاجة المجتمع العربي إلى تلقي الأعمال الأدبية والعلمية والفكرية الألمانية؟ هل نقل إلى العربية كلّ أو معظم تلك الأعمال التي للمجتمع والثقافة العربيين مصلحة في تلقيها؟ وهل قدمت حركة الترجمة للرأي العام العربي صورة سليمة عن الأدب والعلوم والفكر والثقافة في ألمانيا؟ وجوابنا عن هذه الأسئلة هو أنّ حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية لا تغطّي سوى جزء يسير من الأعمال الأدبية والفكرية والعلمية الجديرة بالترجمة. فعلى صعيد الأدب لم يترجم إلى العربية إلاّ جزء صغير جداً من الآثار الأدبية الألمانية التي تتمتع بمكانة عالمية وقد ترجمت إلى العديد من اللغات الأجنبية. إنّ ما نقل إلى العربية من أعمال أدبية ألمانية محدود جداً، وأغلبه سيئ الترجمة، وهو لا يقدّم للرأي العام العربي صورة سليمة عن الأدب الألماني واتجاهاته الفنية والفكرية وغناه. ومن المؤكد أنّ القارئ العربي الذي لا يعرف الأدب الألماني إلاّ من خلال الترجمات العربية سيحكم على الأدب الألماني بأنه أدب فقير وهزيل وغير متطوّر. وما قلناه عن الأدب الألماني ينطبق على الفكر والعلوم الإنسانية في ألمانيا. فما ترجم إلى العربية قليل جدّاً، وقد ترجم عن لغات وسيطة وتعرّض لتشويه شديد. أمّا على صعيد العلوم التطبيقية فليس هناك حركة ترجمة تستحق الذكر. وباختصار فإنّ حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية لم تكن قادرة على أن تلبي حاجة المجتمع العربي إلى تلقي الأعمال الأدبية والفكرية والعلمية الألمانية إلاّ على نطاق ضيّق. وهذا أمر جدّ خطير. فالترجمة أداة فعالة من أدوات التنمية الثقافية، وتقصير حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية يعني حرمان الثقافة العربية في فرص التنمية عبر تلقي ما تحتاج إليه من أعمال أدبية وفكرية وعلمية ألمانية(21) . والترجمة قناة رئيسة من قنوات حوار الثقافات، وتقصير حركة الترجمة من الألمانية إلى العربية يعني عدم تأهيل المجتمع العربي للدخول في حوار ثقافي متكامل مع المجتمع الألماني. وبهذه المناسبة لابدّ من التذكير بأنّ ألمانيا أكبر دولة من دول الاتحاد الأوربي وأقواها اقتصاداً، وأنّ هذه الدولة قد ارتبطت"بعلاقة خاصة" مع إسرائيل لأسباب تاريخية لم يكن العرب طرفاً فيها. لقد تمكنت الصهيونية والأوساط المؤيدة لها من إقناع الرأي العام العالمي بأنّ إسرائيل "دولة الناجين من معسكرات الإبادة النازية(KZ) "، وأنّ التكفير عن الجرائم التي اقترفتها ألمانيا الهتلرية بحقّ يهود ألمانيا وأوربا لا يكون إلاّ بالتعاطف مع إسرائيل ودعمها بلا قيد أو شرط. وهذا يعني بطبيعة الحال تأييد سياسات إسرائيل مهما كانت عدوانية، وعدم إبداء تضامن مع الأمة العربية وقضاياها العادلة ونضالها ضد العدوان الصهيوني. إنّ تأييد الرأي العام الألماني لإسرائيل، انطلاقاً من"عقدة الذنب الجماعي" (Kollektive Schuld)  هو تأييد شديد، ويصعب على معظم العرب الذين مازالوا يعيشون أسطورة"الصداقة التقليدية العربية-  الألمانية" أن يفهموه. وهذا التأييد ينطوي على عداء ضمني للعرب. إنّ الساحة السياسية والإعلامية والثقافية الألمانية محتكرة بصورة شبه كاملة من قبل إسرائيل والأوساط الموالية لها، وهذا ما مكّن الأخيرة من الحصول على دعم مالي واقتصادي وعسكري تمثل في 63 مليار دولار دُفعت للحكومة الإسرائيلية كتعويضات عن ضحايا النازية من اليهود، وفي مساعدات اقتصادية وعسكرية مستمرة بلغت قيمتها عدة مليارات من الماركات(22) . إلاّ أنّ الأخطر من ذلك كله هو التحكم الصهيوني المطلق بالرأي العام الألماني، وتفنن الأوساط الموالية للصهيونية وإسرائيل في إحياء ذكرى الجرائم النازية وإذكاء مشاعر الذنب الجماعي في نفوس الأجيال الجديدة من الألمان، وتحويل ذلك إلى تعاطف مع إسرائيل وإلى عداء للعرب. وقد ظهر ذلك جليّاً في مناسبات مختلفة، كعدوان حزيران، وحرب تشرين التحريرية، وحرب الخليج الثانية. ففي مناسبات كهذه كانت الأوساط الألمانية الموالية لإسرائيل تخرج عن تحفظها وتسفر عن معاداتها للعرب أمّة وثقافة. وقد كانت المعركة الثقافية التي نشبت في الساحتين الثقافية والسياسية الألمانية بمناسبة منح"جائزة السلام" عام 1995 للمستشرقة الكبيرة أنا-  ماري شيمل (Annemarie Schimmel)  دليلاً ملموساً آخر على ما يكنه الرأي العام الألماني الموالي لإسرائيل والصهيونية من عداء كامن للثقافة العربية الإسلامية(23) . فالساحة الألمانية ساحة خارجية خطيرة وحساسة