قائمة الروابط

 

 

 

ملخص ورقة عمل بعنوان :

 

التنمية المستديمة كمصدر

 للاستخلاف بني ادم علي الأرض

 

 

 

 

مقدمة إلي :

جامعة طنطا

المنتدى البيئي الدولي الثاني

آفاق بيئية جديدة للتنمية المستديمة

 

 

 

 

إعداد :

د/ كوثر جيل سالم بلجون

أستاذ مساعد المناهج وطرق تدريس العلوم

جامعة أم القرى

كلية التربية للبنات – الأقسام الأدبية

 

 

 

 

 

 

 

الملخص : 

إن أهداف التثقيف البيئي هي جعل سكان العالم أكثر وعيا واهتماما بالبيئة وبالمشاكل المتعلقة بها ، ليمتلكوا المعرفة والمهارة والسبل والحوافز والالتزام للعمل كأفراد ،أو مجموعات من أجل إيجاد الحلول للمشاكل الآنية والحيلولة دون نشؤ مشاكل جديدة( تصريح بلغراد 1976)

والآن علينا أن نهتم بأن تبقى على الكرة الأرضية بعد مغادرتنا لها موارد كافية تستجيب لاحتياجات الأجيال القادمة ، ليس هذا فحسب ، بل يقع علينا واجب تعليم الأطفال أن يولوا التقدير و الاحترام للكنوز الطبيعية بالبيئة رغبة في حمايتها ويكون ذلك من خلال التنمية المستديمة وهى التنمية التي تعتمد استراتيجيات كفيلة بتلبية حاجيات الأجيال الحاضرة والقادمة وذلك من خلال إدماج البعدين البيئي والاجتماعي في كافة الأنشطة التنموية .

وتعرف التنمية المستديمة sustainable development على أنها تنمية تستجيب لحاجات الأجيال الراهنة دون أن تعرض للخطر قدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتها هي الأخرى .

فالتنمية المستديمة مسار معقد يعكس قابلية مجموعة من السكان على تنمية ثروتها باستمرار، وكذلك أنماطها الفكرية ومؤسساتها الاجتماعية وبالتالي فهي تمثل بعدا كميا ونوعيا .

ويقول أوليفار كودار :إن التنمية المستديمة " قضية تأويل وتداول وحكم معياري من طرف المتعاملين الاجتماعيين ، وليست فرضا تكنوقراطيا لمعايير ومؤشرات يفترض أنها نعكس معارف علم وصفي "(ورقة ويب 2008)

وتتطلب الاستدامة رؤية أكثر شمولية للتنمية الإنسانية وقراءة استشرافية لكل عناصرها لضمان حظوظ الأجيال القادمة وتعاون بين مختلف الأطراف لإيجاد الحلول المؤمة والأكثر نجاح ، وينبني مفهوم التنمية المستديمة على مبادئ ومقاربات أساسية من أبرزها التعويل على مواطن مسئول له مؤهلات ذاتية مرتفعة وإدماج البعد البيئي في كل مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتشريك الأطراف الفاعلة والمعينة في كل مراحل العمل التنموي وتحقيق المزيد بين فئات المجتمع لضمان التوازن الاجتماعي . كما تمثل التنمية المستديمة مشروعا للسلام باعتبارها قاعدة للحوار بين الدول ومصالحة بين نماذج التنمية المختلفة وتدعم التنمية المستديمة في نهاية المطاف مسؤوليات كل القوى في عملية تطوير الإنتاج وتوسيع الثروات .

  وسوف تشتمل ورقة العمل الحالية علي الجوانب التالية:

1-     التربية وال[1]تنمية:

-         مفهوم التنمية .

-         دور التربية في التنمية .

2-     التربية البيئية :

-         أهداف التربية البيئية .

-         واقع التربية البيئية في المملكة العربية السعودية .

3-     التنور البيئي :

-         خصائص التنور البيئي .

-         عناصر التنور البيئي  .

4-     التنمية المستديمة :

-         من حماية البيئة إلى  التنمية المستديمة  .

-         التنمية المستديمة المراوغة أساس للتنمية .

-         التقانة والتنمية المستديمة .

-         العلاقة بين التعليم والتنمية المستديمة .

5-     التنمية المستديمة كصور لاستخلاف بني ادم على الأرض .

6-     نماذج عالمية معاصرة اهتمت بالتنمية المستديمة .

7-     خلاصة الورقة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 أولا : التربية والتنمية :

تمثل التنمية في الوقت الراهن مطمع البلدان العربية، حكومات وشعوبا، لتجاوز تخلفها والاستفادة من العلم والتكنولوجيا لتحقيق ارتفاع المعيشة وتحسين نوعية الحياة.

ولقد اكتسبت (التنمية) دلالة الحل السحري لقضايا المجتمعات الإنسانية ومشكلاتها وبخاصة عندما وضعت أدبيات التنمية ما يسمى بالبلدان (المتقدمة ) مقابل البلدان (المتخلفة ) أو النامية وأكدت أن الفرق بين المجموعتين هو نجاح التنمية في الأولي وقصورها في الثانية ، ويكون الفرق بين البلدان المتقدمة ذاتها فرق في درجة ونوعية التنمية .

 

* مفهوم التنمية :

تعرف التنمية بأنها عملية شمولية وأنها لا تقتصر على النمو الاقتصادي (الجلال ،1999 ) كما تعرف بأنها إشباع للحاجات الأساسية لدى أفراد المجتمع بشرط أن يمتد مفهوم الحاجات الأساسية ليشمل بجانب الغذاء والسكن والصحة والتعليم والعمل ، الجوانب المعنوية التي تتلخص بالحاجة لتحقيق الذات بالإنتاج والمشاركة في تقرير المصير وحرية التعبير ، وبهذا نتفق مع التعريف التالي للتنمية والذي يلخص أبعادها كما يلي :

التنمية هي " العملية المجتمعية الواعية الموجهة نحو إيجاد تحويلات في البناء الاقتصادي الاجتماعي ، تكون قادرة على تنمية طاقة إنتاجية مدعمة ذاتيا ، تودي إلى تحقيق زيادة منتظمة في متوسط الدخل الحقيقي للفرد – على المدى المنظور- وفي نفس الوقت تكون موجهة نحو تنمية علاقات اجتماعية – سياسية ، تكفل زيادة الارتباط بين المكافأة وبين كل من الجهد والإنتاجية ، كما تستهدف توفير الحاجات الأساسية للفرد وضمان حقه في المشاركة وتعميق متطلبات أمنه واستقراره في المدى الطويل " (الكواري ،1981)

    

  * دور التربية في التنمية : 

انطلاقا من المفهوم الشامل للتنمية فان المؤسسات الاجتماعية المختلفة تلعب أدوارا محددة لكل منها في خلق (العملية المجتمعية الواعية الموجهة ) لإحداث التنمية بمؤشراتها و ومعاييرها المادية والمعنوية ، وتحظى التربية من بين تلك المؤسسات بدور متميز في أحداث التنمية وضمان استمراريتها وفوق ذلك فهي مؤشر من مؤشرات التنمية لكونها إحدى الحاجات الأساسية التي تحققها التنمية .

وفي اعتقادنا أن الدور الذي يمكن للتربية (بمفهومها النظامي المدرسي والموجه ) أن

تقوم به في تحقيق التنمية يمكن تلخيصه فـــي ثلاث نقاط (الشريف وآخرون ،1979) :

1-   إيجاد قاعدة اجتماعية عريضة متعلمة بضمان حد أدنى من التعليم لكل مواطن يمكنه من العيش في مجتمع يعتمد على القراءة والكتابة ووسائل الاتصال الجماهيري على مختلف أنواعها .

2-      المساهمة في تعديل نظام القيم والاتجاهات بما يتناسب والطموحات التنموية في المجتمع، ومن ذلك تعزيز قيمة العمل والإنتاج.

3-     تأهيل القوى البشرية وإعدادها للعمل في القطاعات المختلفة وعلى كل المستويات وذلك عن طريق :

          أ/ التزويد بالمعارف والمهارات والقيم اللازمة للعمل .

ب/ التهيئة للتعايش مع العصر التقني وتطوير وسائله وطنيا .

ج/ التوازن في تأهيل القوى العاملة حسب الاحتياجات .

 

 

ثانياً : التربية البيئية Environmental Education  :

     تشير أدبيات البحث العلمي إلى أن التربية البيئية تقوم بدور تعليمي مهم في تحقيق الوعي البيئي لدى الطلاب وتزويدهم بالمفاهيم البيئية المتنوعة وتنمية اتجاهاتهم الايجابية نحو الحفاظ على بيئة نظيفة ، ومن هنا تعتبر التربية البيئية المتنوعة نمطاً من أنماط التعليم الذي ينظم علاقة الإنسان  ببيئته الطبيعية والاجتماعية مستهدفا إكساب الأطفال والشباب خبرات تعليمية عن معارف واتجاهات وطرق تفكير وقيم خاصة بمشكلات البيئة وما يتعلق بذلك من الحقوق والواجبات البيئية التي تضبط سلوك الفرد إزاء الموارد المتاحة ، وترشيد استخدامها وصيانتها من التلف أو سوء الاستخدام ،بحيث تصبح الإيجابية والفاعلية واتخاذ القرارات البناءة إزاء حماية البيئة سمة بارزة في سلوك الأفراد ، مطاوع (1995).

     ويوضح (سليم،1991 ،ص 107) مفهوم التربية البيئية :"بأنها  هي العملية المنتظمة لتكوين القيم والاتجاهات والمهارات اللازمة لفهم العلاقات المعقدة التي تربط الإنسان وحضارته بالبيئة ،ولاتخاذ القرارات المتصلة بنوعية البيئة وحل المشكلات القائمة والعمل على منع ظهور مشكلات بيئية جديدة " ، ومن هذا يتضح أن التربية البيئية هي الوسيلة الفاعلة والناجحة لتكوين التنور البيئي لدى الفرد، حيث يتم من خلالها اكتساب الفرد المعلومات والاتجاهات البيئية والسلوك الرشيد نحو البيئة ومواردها .  

     ويرى ، السايح (1994)أن الهدف الأساسي من التربية البيئية هو إعداد أفراد لديهم تنور بيئي ، ويرى أن تجديد الاهتمام بالتربية البيئية فرصة لمزيد من الاهتمام بالعلاقات المتداخلة والمتبادلة بين التربية البيئية والتنور البيئي .

     هذا وقد ذكر جاسم (2001) أن التربية البيئية المعاصرة اهتمت بإعداد مواطنين متنورين علمياً وبيئياً لكي يستطيعوا مواجهة الحياة ،والتكيف مع كل ما يجري من حولهم من مواقف وأحداث فاعتبر التنور العلمي (ScientificLiteracy ) والتنور البيئي (Literacy Environmental) هدفاً رئيساً ومهماً ضمن أهداف تدريس العلوم ، وينبغي تضافر الجهود لتحقيقه .

 

 

* أهداف التربية البيئية :

     ترتبط التربية البيئية بالبيئة ،وحل مشكلاتها ،وتنميتها ، والانتفاع بما تتيحه هذه البيئة ، من إمكانات وموارد ، وقد انتهت الجهود الدولية ، التي تناولتها إلى العمل على تحقيق الأهداف التالية ،والتي أوضحها العديد من التربويين ومنهم (سليم ،1991؛  طعيمة،2001)وهى  :

-          تمكين الأفراد والجماعات من فهم البيئة ،بــــكـــل أبـــعادها وعــــناصرها ،وخصائصها المميزة لها .

-     استثارة الوعي لدى الأفراد والجماعات ، تجاه ما يتميز به عالمنا المعاصر ، من تكافل اقتصادي وسياسي و ايكولوجي و تعزيز لروح المسؤولية ، والتضامن بين الشعوب ، كشرط أساسي لمواجهة مشكلات البيئة الخطيرة .

-         إتاحة الفرصة للأفراد والجماعات للمشاركة النشطة وعلى كافة المستويات في العمل على حـل المشكلات البيئية .

-     تنمية المهارات اللازمة ، لفهم وتقدير العلاقات ،التي تربط بين الإنسان وثقافته ، وبيئته الطبيعية  والحيوية ، والتمرس على عملية اتخاذ القرارات البيئية .

-         معاونة الطالب على فهم موقع الإنسان ، في إطاره البيئي ،والإلمام بعناصر العلاقات المتبادلة التي تؤثر على ارتباط الإنسان ببيئته .

-     الوقوف بالطلاب على طبيعة عملية التفاعل ،بين العوامل الاجتماعية والثقافية ،والقوى الطبيعية ومعاونتهم على إدراك تصور متكامل للإنسان في إطار بيئته .

-     إيضاح دور العلم و التكنولوجيا ، في تطوير علاقة الإنسان بالبيئة ،ومساعدة الطلاب على إدراك ما يترتب على اختلال توازن العلاقات ، من نتائج قد تؤثر في حياة الإنسان . 

 

 

* واقع التربية البيئية في المملكة العربية السعودية :

     تمثل البيئة قضية محورية نالت الاهتمام الكافي من قبل المسئولين بالمملكة العربية السعودية، حيث :

أ‌-    صدر أمر ملكي بتاريخ (21/4/1401هـ ) ينص على : " إسناد مهمة حماية البيئة لمصلحة الأرصاد ، وتغير اسمها ليصبح مصلحة الأرصاد وحماية البيئة ، وتكون عضويتها علي مستوى وكلاء الوزارات ويرأسها سمو وزير الدفاع والطيران .

ب‌-  كما أصدرت لجنة تنسيق حماية البيئة  عدداً من القرارات المهمة منها قرار تشكيل لجنة دائمة من  وزارة التعليم العالي و وزارة التربية والتعليم ومصلحة الأرصاد وحماية البيئة لدراسة وسائل تعزيز وتطوير عناصر الثقافة  البيئية في مناهج التعليم  في جميع مراحله .

ج-  وعقدت الندوة الأولي لحماية البيئة في مدينة أبها عام (1405هـ)شارك في فعالياتها  مصلحة الأرصاد  البيئية و وزارة الزراعة والمياه وجامعة الملك فيصل وإمارة منطقة عسير ،نوقشت فيها  مواضيع بيئية واتخذت توصيات لحمايتها وصيانتها .

د-    تم إدخال مقرر التربية البيئية في برامج إعداد المعلمين وتدريبهم ويدرس المقرر حاليا في كليات التربية ، (مطاوع ،1995) .

 

ثالثا : التنور البيئي  Literacy Environmental :

     برغم الاهتمام المتصاعد من التربويين تجاه تحقيق هدف التنور البيئي وإعداد المواطن المتنور بيئياً ‘ إلا أن الدراسات تشير إلى أن المؤسسات التعليمية لا تقوم بدورها كما يجب نحو تحقيق هذا الهدف ، وقد يعود ذلك إلى عيوب في المناهج التقليدية التي تقدم إلى المتعلمين ،أو إلى قصور في إعداد المعلمين الذين يقومون بتنفيذ هذه المناهج ،حيث إن مستوى التنور البيئي لدى المعلم يعد عاملاً مهماً في تحقيق التنور البيئي لدى طلابه .

     كما ذكر جاسم (2001) أن كلاً من (Busch,1984;Disinger,1997) أكد علي ضرورة تقديم العلوم من خلال المدخل البيئي سواء كان التدريس داخل الفصل أم خارجه حتى يمكن الربط بين الجانب النظري والجانب التطبيقي لمادة العلوم بشكل وظيفي وأن تدريس العلوم من خلال المدخل البيئي يكسب الطلاب المعرفة الملائمة كما أنه ينمي لديهم السلوك البيئي بشكل دال إذا ما قورنوا بالطلاب الذين يدرسون مقرر العلوم الذي لا يحتوى على هذا المدخل فهو ينمي الاتجاهات والمعرفة العلمية لدى معلمي العلوم في المدرسة الثانوية .

     ومما هو جدير بالذكر أن الأمم المتحدة أعلنت عام 1990أنه عام التنور العالمي (UNESCO,1989) ومن أجل ذلك نظمت ثلاثة مؤتمرات ،كان التنور البيئي محور اهتمامها حيث اعتبرت أن التـــنــــور الــبــيـــئي لـلــجــميع هـــو الــتــربية الفاعلة لكل البشر (أي التربية الوظيفية Functional Education )والتي تمد الفرد بالمعرفة الأولية والمهارات والدوافع لمواجهة احتياجاته البيئية وللإسهام في التنمية المستديمة Sustainable Development، وفيما يلي إيضاح مفهوم التنور البيئي وخصائصه وعناصره بشي من الإيجاز .

   

*- مفهوم التنور البيئي :

            أشار جاسم (2001) نقلاً عن (Thomas,1974) إلى أن التنور البيئي مفهوماً يتضمن استخدام ما لدى الأفراد من وعي في بحث أسباب المشكلات البيئية وتتبعها واقتراح اختيارات متعددة  لحل هذه المشكلات ومحاولة إخضاعها للتجريب والاختبار ومشاركة المعلم والمتعلم في إيجاد حلول للمشكلات البيئية .

     بينما يرى عبده وأحمد( 1993)أن التنور البيئي لدى الطلاب هو التعليم البيئي من أجل المواطنة والتنمية المستديمة ،وذلك عن طريق تأكيد الجوانب النظرية المتمثلة في المعارف البيئية والتطبيقية والمتمثلة في الاتجاهات البيئية كموجهات للسلوك لحل مشكلات البيئة والحيلولة دون ظهور مشكلات جديدة .

     ويذكر جاسم (2001) أن مفهوم التنور البيئي يظهر من خلال السلوكيات التي يمكن ملاحظتها بمعنى أن الأفراد يجب أن تكون لديهم القدرة على إظهار ما قد تعلموه من معارف ومفاهيم بيئية أساسية ويتم التعبير عن ذلك بصورة يمكن ملاحظتها هذا وتوجد ثلاثة مستويات للتنور البيئي وهي:

-         المستوى الأول : تنور بيئي اسمي Nominal Literacy وهو القدرة على إدراك وتمييز المفاهيم الأساسية عن البيئة .

-         المستوى الثاني : تنور وظيفيFunctional Literacy ويعني القدرة على فهم وظيفة الأجهزة والمؤسسات البيئية .

-   المستوى الثالث : تنور بيئي إجرائي Operational Literacyوهو القدرة على أخذ المواقف والقرارات التي تساعد على الحفاظ على صحة البيئة .  

و يتضح من التعريفات السابقة لهذه المستويات أن أهم معالم التنور البيئي هي :

  • فهم المشكلات والقضايا البيئية.
  • الابتعاد عن السلوكيات غير المرغوب فيها .
  • استخدام الموارد البيئية بما يحقق استمرارية الحياة للأجيال القادمة .
  • أن يمتلك المواطن اتجاهات وسلوكيات سوية في التعامل مع البيئة .
  • اكتساب المكونات المعرفية والمهارات الوجدانية والسلوكية عن البيئة .
  • العمل الإيجابي من أجل البيئة.
  • إن المواطن المتنور بيئياً لديه فهم أساسي لمكونات البيئة وتفاعلاتها .
  • التنور البيئي مطلب أساسي لكل مواطن .

     ومن ذلك يتبين أن التنور البيئي يقصد به محصلة كل من المعارف والمفاهيم والاتجاهات الايجابية والعمليات العقلية التي تؤدى إلى قمة التصرف في السلوك الرشيد نحو البيئة .

     كما يتضح أن الفرد المتنور بيئياً يجب أن يتصف بصفات معينة أوردها الرافعي (1997) مع العديد من التربويين من خلال تعريف صاحبها بأنه :

     هو المواطن الإيجابي لديه معرفة بالبيئة و قدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة تجاه البيئة ومزود بمهارة العمل الفردي والجماعي للبيئة ولديه اهتمامات بالبيئة ودراسة مشكلاتها ومقدراً لها . 

 

* خصائص التنور البيئي :

     يورد كلُّ ُ من ،درويش ، نشوان (2001)عدة خصائص للتنور البيئي كما يلي:

  • للتنور البيئي وظيفة تنبؤية لما يصدر عن الفرد من سلوك تجاه بيئته في المستقبل .
  • التنور البيئي هو الخطوة الأولى في تكوين الاتجاهات البيئية التي تتحكم في سلوك الفرد. 
  • التنور البيئي يتكون من ثلاثة جوانب رئيسية وهى :

-     الجانب المعرفي : ويعتمد على المعارف والمفاهيم والعلاقات المتبادلة بين الفرد وبيئته والتعرف على المشكلات الناجمة عن استنزاف موارد البيئة .

-     الجانب المهاري : و تعتمد على المهارات التي يمتلكها الفرد وخاصة مهارة التفكير في الحفاظ على البيئة ومواردها المختلفة والعمل على حل بعض المشكلات البيئية ومنع ظهورها من جديد في المستقبل .

-         الجانب الوجداني : ويعتمد على الإحساس والشعور والإدراك بالبيئة ومكوناتها المحيطة بالفرد حيث تؤثر فيه ويتأثر بها .

 

*  عناصر التنور البيئي :

     لقد أثار البحث عن عناصر التنور البيئي العديد من الآراء والمناقشات الواسعة لدى  التربويين على المستويين المحلى والعالمي وقد أسفرت هذه الآراء عن إيضاح أبعاد وعناصر التنور الـــبـــيــئي ، هذا وقد أجمع كلُّ ُ من (المؤتمر العالمي للتربية للجميعUNEP,UNESCO, UNICP and World Bank,1990  ؛ عبده وأحمد ،1993؛ السايح ،1994؛1997 Hsu, ؛ الرافعي ،1997؛ فراج ، 2000) على أن عناصر التنور البيئي تنحصر في ما يلي :

  • التنور بقضايا البيئة ومشكلاتها وفهمها .
  • الإيمان بدور العلم والتكنولوجيا في حل المشكلات البيئية .
  •  الإيمان بدور الاتجاهات المكونة لدى الأفراد في حل المشكلات البيئية .
    • السلوك الشخصي المناسب نحو مشكلة البيئة .
    • تنمية المهارات البيئية اللازمة للأفراد للعمل من أجل البيئة .
    • الاهتمام ببرامج التعليم الرسمية وغير الرسمية من خلال المشاركة الفاعلة .
      • الاتجاه البيئي نحو البيئة ومواردها .
      • الاهتمام بالمعلومات البيئية الوظيفية .
      • تنمية المهارات البيئية اللازمة للأفراد للعمل من أجل البيئة .
      • تكوين الاتجاهات والقيم البيئية المنشودة .
      • الاهتمام ببرامج التعليم الرسمية وغير الرسمية من خلال المشاركة الفاعلة .

      كما حدد الرافعى (1997) عناصر التنور البيئي في سبعة مجالات ، هي :

 الإحساس البيئي والمعرفة ،المهارات ،الاتجاهات ،القيم ،الاستثمار والمسئولية الفردية ،الاندماج الفعال ،تصنيف الاتجاهات والقيم والإحساس البيئي تحت ما يعرف بالعاطفة ،بينما تصنيف المسؤولية والاستثمار الفردي والاندماج الفعال تحت ما يعرف بالسلوك .

      وفي ضوء مفهوم التنور البيئي وعناصره التي تم التوصل إليها والتي ينبغي أن يلم بها الشخص المتنور بيئياً ،يمكن تحديد جوانب التنور البيئي التي يجب أن يلتزم بها البحث الحالي فيما يلي :

  • الإلمام بالمفاهيم والمبادئ والعلاقات والقوانين التي تتعلق ببعض القضايا البيئية المهمة مثل تلوث البيئة .
  • فهم العلاقة بين العلم و التكنولوجيا والمجتمع والإيمان بدورها في حل المشكلات البيئية .
  • مهارات حل المشكلات واتخاذ القرارات البيئية المناسبة نحو حل المشكلات البيئية .
  • السلوك البشرى المتمثل في القيم البيئية الايجابية وأهميتها في تحسين نوعية الحياة بما يكفل استمراريتها للأجيال القادمة .

 

رابعاً : التنمية المستديمة :

* من حماية البيئة إلى التنمية المستديمة :

شهدت السنوات الأخيرة من القرن الماضي شيوع استخدام مصطلح التنمية المستديمة واعتبار الاستدامة شرطا أساسيا لجدوى جهد التنمية على المدى البعيد ومع أن المصطلح ما زال من دون تعريف إجرائي دقيق متفق عليه يصطلح أساسا مرشدا للاختيار بين بدائل التنمية تقع في قلب التنمية المستديمة وأيا ما كانت الاعتبارات الاجتماعية أو الاقتصادية ،أو السياسية أو التقنية الضرورية لاستدامة التنمية فإن المحددات الثلاثة الواردة تعد هي الاعتبارات البيئية التي لابد من مراعاتها في مخططات التنمية المستديمة إذا أريد أن يستمر جهد التنمية ويتواصل (الخولي ،2002) :

1-     الاستخدام الرشيد لموارد البيئة الناضبة والتوقف عن هدرها في إسراف لا مبرر له لموارد لن تعوض.

2-     الالتزام في استهلاك الموارد المتجددة (نباتا أو حيوانا) بقدرة هذه الموارد على تجديد نفسها ، حتى لا تغنى مع مرور الزمن .

3-     الالتزام بقدرة البيئة على التعامل المأمون مع ما نلقيه فيها نفايات وملوثات .

 

 

* التنمية المستديمة المراوغة شرط أساسي للتنمية الإنسانية :

لقد عرف المهتمون بشؤون البيئة ومنذ أوائل السبعينات شعارات مثل (تنمية بلا تدمير ) و(تنمية إيكولوجية )(ecodevelopment) ، تشير إلى ضرورة تحقيق الوئام بين متطلبات مشروعات التنمية ومقتضيات حماية البيئة (موارد وتلويثا ) ، وفي أواخر الثمانينات طلعت علينا لجنة برونتلاند بشعار (التنمية المستديمة ) أو (القابلة للاستدامة) كما يسميها البعض وسرعان ما التقطت الدول العربية هذا الشعار الجديد فتبنى مؤتمر وزراء البيئة العرب هذا الشعار في الاجتماع الذي عقد في القاهرة عام 1991م تمهيدا للمشاركة العربية في قمة ريو دي جانيرو ، على الرغم من الغموض الذي أحاط بمعناه على ارض الواقع ، وهو الغموض الذي ما زلنا نعانيه حتى الآن وعندما بدأ بعد مضي عقد تقريبا من الزمان في محاولات تطبيق هذا الشعار الغامض والمعقد تبين انه يتطلب معالجات أعمق وأعرض لعدد كبير من المشاكل في مجالات العمل المختلفة لم يعد الأمر الآن أمر حماية البيئة ، إذ إنه يتناول سياسات التنمية واستراتيجياتها وتفاعلاتها المعقدة مع البيئة ولم ينجح حتى يومنا هذا القدر الأكبر من محاولات النزول بمفهوم التنمية المستديمة من علياء التجريد النظري إلى أشكال وأبعاد عملية واضحة المعالم وحتى اجتماع بيلاجو (bellagio) الشهير الذي عقد 1996م لم يخرج علينا سوى بمبادئه العشرة المشهورة .

المبدأ الأول يتحدث عن رؤية للتنمية المستديمة وأهدافها الواضحة تصل بنا إلى تحقيق هذه الرؤية بشكل مفهوم لوحدات اتخاذ القرار.

المبدأ الثاني والخامس يؤكدان على الحاجة إلى الجمع بين الإحساس بالمنظومة الكلية تركيز الرؤية على القضايا ذات الأولوية ، أما العناصر الأساسية في المبدأ الثالث فيشير إلى الفقر وحقوق الإنسان جنبا إلى جنب مع استخدام الموارد والاستهلاك الترفي ،أما مداولات لجنة التنمية المستديمة التي ما زالت تجتمع منذ مؤتمر ريو فتظهر بوضوح صعوبة تحويل هذه المبادئ السامية إلى واقع على الأرض ولعل أهم ما جاء به اجتماع بيلاجيو هو إبراز أهمية المعالجة التكاملية للتنمية والبيئة من حيث المبدأ ، لو أن الأمر كان بحاجة إلى تأكيد هذه الأهمية .

كما أن هذه المحاولات لفهم هذا الشعار الجديد وتفعيله لم تجد أي صدى في الوطن العربي ، وجاءت المشاركة العربية في اجتماعات لجنة التنمية المستديمة شكلية ولا نجد سوى مناسبات نادرة حقا لإسهامات عربية ذات قيمة في أعمال اللجنة إننا اكتفينا بترديد الشعار من دون محاولات جادة لفهمه أو تفعيله ، وربما كان الأثر المهم لمؤتمر ريو في الوطن العربي هو إثارة الاهتمام بقضية إدارة شؤون البيئة ،أكثر من إثارته لقضية التنمية المستديمة .

وفي محاولة النظر في أحوال التنمية الإنسانية في الوطن العربي تصبح قضية التنمية المستديمة حتى بملامحها التي مازال يكتنفها الغموض قضية محورية تستحق أن تركز عليها الجهود في المرحلة القادمة ، انطلاقا من قناعة راسخة بأنه من دون تحقيق تنمية مستديمة فلن تكون هناك تنمية إنسانية على المدى البعيد .

إن المستقبل يتطلب البدء في العمل الجاد من أجل تحقيق هدفين جوهريين (الخولي ،2002)

1-   إيجاد كيان تنظيمي تنضوي تحت جناحيه كل خطوط المسؤولية التقليدية عند السعي لتحقيق التنمية المستديمة ، كيان يؤكد أن الأمر الآن هو أمر بقاء على المدى البعيد لا مجرد وقف التلوث الحضري أو التعامل مع المخلفات الصناعية . أن القضية الآن قضية وطنية ،ولم يعد الأمر أمر أجهزة إدارة شؤون البيئة .

2-   أما الأمر الذي يثير قلق قوى لها وزنها في المجتمع العربي عموما فهو الحاجة الماسة لتحقيق هذا الشرط الجوهري ‘ إلى رأى عام مزود بالمعرفة اللازمة لإدراك طبيعة المخاطر التي يتعرض لها وأبعادها ويعني هذا عملا جادا وعميق الجذور على كل مستويات الفئات الشعبية لإحاطة الجميع علما بما يجري وما يمكن أن يؤدى إليه من عواقب .

 

 

* التقانة *والتنمية المستديمة :

التنمية المستديمة هي اصطلاح شاع استخدامه منذ صياغته في تقرير لجنة الأمم المتحدة للبيئة والتنمية un commision for environment and development  التي رأستها جرو هارلم برونتلاند رئيسة وزراء النرويج السابقة وصاغ التقرير هذا المفهوم ببساطة قائلا :" إن التنمية المستديمة هي توفير احتياجات الأجيال الراهنة من دون حرمان الأجيال القادمة من حقها في الحصول على احتياجاتها " وربما كان التعريف الأكثر وضوحا على ضوء ما ورد آنفا هو أن التنمية المستديمة هي التنمية التي تأخذ في الاعتبار القيود الثلاثة الرئيسية التي تفرضها البيئة على جهد التنمية ألا وهي عدم التبذير في استخدام الموارد الناضبة والالتزام في استخدام الموارد المتجددة بحدود قدرتها على تجديد نفسها وعدم تجاوز قدرة البيئة على هضم ما يلقيه فيها جهد التنمية من مخلفات من حق كل مجتمع أن يحدد أهدافها التنموية وإستراتيجيته وخططه لتحقيق هذه الأهداف فإن لم يلتزم بهذه القيود الثلاثة فإن التنمية لن تكون دائمة بل ستتوقف وقد تنتهي إلى أوضاع أسوأ من تلك التي بدأ عندها جهد هذه التنمية غير المستديمة .

وعلينا الآن أن ننظر في أمر الدور الذي تلعبه التقانه في تحقيق شروط الاستدامة بشيء من التفصيل ، مبتدئين بالمعادلة البسيطة التي وردت سابقا و التي صاغها معهد موارد العالم ، وسنعرض فيما يلي خمس قضايا مرتبطة بالاستدامة هي (الخولي ،2002)

أ/ الاستدامة والإنتاج .

ب/ نزع المادة في الإنتاج .

ج/ الاستدامة والاستهلاك .

د/ الاستدامة والعمالة .

ه/ الاستدامة وإعادة الهيكلة .

      

 

* العلاقة بين التعليم والتنمية المستديمة :

قبل أن نشرع في إيضاح العلاقة بين التعليم والتنمية المستديمة نبدأ بحكمة صينية مشهورة تقول إذا أردت الاستثمار لعام واحد فازرع الحنطة وإن أردت الاستثمار لعشر سنوات فازرع شجرة ولكن إن أردت الاستثمار مدى الحياة فازرع في الناس ،ولذلك يجب أن نهتم بقضية التربية والتعليم والتدريب والتطوير حتى نحقق أهداف هذه الأمة .ففي الواقع هناك علاقة وثيقة بين التربية والتعليم من جهة والتنمية المستديمة من جهة أخري فالتنمية المستديمة هي التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية والتنمية البيئية كما سبق وان ذكرنا ، لا تستطيع هذه التنمية أن تحقق أي خطوة إلا إذا توفرت القوى البشرية المؤهلة المسلحة بسلاح التعلم لتنمية المواهب وشحذ الأفكار وخلق موارد بشرية تستطيع أن تفي باحتياجات العمالة ، إذاً عملية التعليم والتعلم .... التربية والتعليم هي أساس عملية التنمية المستديمة يجب أن تخرج الأفواج – من خلالها – الذين يستطيعون إدارة التنمية المستديمة ، فمثلا عندما نتحدث عن التنمية البيئية ، عن قضايا الفقر والبطالة أو عن قضايا الطاقة .... الطاقة البترولية تحديداً بعد أربعين سنة ستكون هناك مشكلة من أنها طاقة مؤقتة ليست طاقة دائمة فلذلك لابد من أن تأخذ الجامعات دورها في البحث العلمي وتخريج الأفواج القادرة على إدارة عملية الطاقة والتوصل إلى بدائل لهذه الطاقة لتحقيق مفهوم التنمية المستديمة .

مثال آخر ندما نتحدث ن المجتمع .... كيف نستطيع أن نوفر فرص عمل ؟ كيف نستطيع أن نقضي على البطالة ؟ التعليم هو السلاح لتنمية المواهب وشحذ الأفكار وأيضاً عمل موارد بشرية تستطيع أن تفي باحتياجات العمالة ... إيجاد العمالة المناسبة لهولا الخريجين من الجامعات والمعاهد المختلفة وهذا ما يعرف بالاقتصاد المعرفي  (keconomy).

بعد ا دخلنا الألفية الثالثة بدأ الاقتصاد ينتقل من اقتصاد الثورة الزراعية والصناعية إلى اقتصاد الثورة المعرفية ، الثورة العلمية التكنولوجية التي أساسها العقل البشري وعمل رأسمال بشري ، والرأسمال البشري هو رأس المال الحقيقي للأمة هو الذي يقودها إلى التقدم والتحضر .

ونعود لأصل الموضوع لنقول من الطبيعي أن نتكلم عن التعليم وعن التنمية المستديمة لأن واقع الحال يقول إنه كل ما كان التعليم جيدا ومواكبا من الناحية التقنية وشاملا كلما كانت الدولة متقدمة وواقع الحال يؤكد هذه العلاقة الطردية ...الدول التي نصفها بأنها دول متقدمة تتميز بأن التعليم فيها متطور ومتقدم وبالتالي هناك علاقة بين نوعية التعليم وشموله وبين شكل التنمية الموجودة في أي بلد ما ،وعندما نركز علي التعليم لابد أن نركز علي التربية ولا نهمل  هذا الجانب فهو الجانب الأساسي لتنمية المواطنة الصالحة ، لتنمية الذات ، لتنمية الهوية وأيضا لتنمية الأخلاقيات والسلوكيات لدى الطالب ،ونحن يجب أن نبدأ الاهتمام مبكراً ومنذ الطفولة المبكرة بالجوانب التربوية لتنمية الاتجاهات الإيجابية في التربية ... الاتجاهات الإيجابية في الأخلاقيات والسلوكيات والذهنيات ،الاتجاهات الإيجابية نحو الحوار واحترام الاختلاف في الرأي ، الاتجاهات الايجابية نحو الحرية والديمقراطية والمساواة ونشر العدالة ، كل هذه الأمور  يجب أن تكون أمور في التربية والتربية البيئية والتربية الصحية ، احترام الأسرة ،احترام بعض التقاليد الحية لا أقول التقاليد التي أصبحت ليس في مكانها وزمانها ولكن المجال هنا للحريات حية الإبداع والابتكار فعندما تنطلق الحرية ينطلق الإبداع والابتكار ، ينطلق التأليف ينطلق النشر وينطلق البحث العلمي وينطلق صناعة التكنولوجيا ، فالفرق بين الدول المتقدمة والدول النامية هو فرق الإبداع والابتكار ... فرق في عدد براءات الاختراع ونوعية براءات الاختراع .

وكما قال أمارت ياسن الحائز علي جائزة نوبل ... التنمية حرية ومن هذا المنطلق لكي ينطلق الإنسان ويصل إلى الحرية يصل للتنمية ... التنمية أساساها التربية  والتربية هي العمود الأساسي للتنمية كما أن التربية هي التي تصل بنا إلى الحرية فهي الأساس في التنمية .

من جميع ما سبق نجد أن التنمية المستديمة تقع عند نقطة الالتقاء بين البيئة والاقتصاد والمجتمع كما يتواجد جهاز التربية والتعليم هو الآخر ، عند هذا المفترق والنتيجة المترتبة علي ذلك هي أن علي جهاز التربية والتعليم مسؤولية لعب دور مقدمة الطليعة في قيادة التوجه العالمي نحو التنمية المستديمة والتوجه لذلك وتؤكد منظمة الأمم المتحدة أن :" التثقيف أمر أساسي جداً في تطوير التنمية المستديمة وتحسين قدرة البشر على مواجهة قضايا التطوير والبيئة "(...)

ولقد أقام برنامج الأمم المتحدة  في بداية التسعينات مؤشرا متعدد الأبعاد أطلق عليه اسم مؤشر التنمية البشرية (IDH) وهذا المؤشر مرتبط بأمل الحياة والمستوى التعليمي وتدخل المواطنين في بلد ما ، وهو يسمح بالمقارنات الدولية وبإضفاء النسبية على مستوى التنمية الذي كان يقاس بالنمو الاقتصادي ليس إلا . وتستلهم فكرة التطور البشري من الديمومة القوية فعلا وتؤكد بخاصة على ضرورة حماية وتجديد البيئة من أجل المستقبل حتى يترك للأجيال اللاحقة ذات الإمكانات التي استفادت منها الأجيال السابقة ، ويندرج ذلك ضمن إستراتيجية برنامج الأمم المتحدة الذي ينشد خيارا جديدا للتنمية أساسه الإنسان معتبرا النمو الاقتصادي وسيلة لا غاية محافظا على الأفاق الممنوحة للأجيال المستقبلية ومراعيا الأنظمة البيئية التي يتوقف عليها وود كافة الكائنات الحية .

هذا ويري مفهوم التنمية المستديمة أنه لايكفي تنفيذ المشاريع القصيرة المدى ،بل ثمة حاجة إلى عملية تثقيفية تمتد لفترة طويلة تقوم خلالها طواقم من المعلمين والطلاب وإدارات المدارس بغرس ثقافة مدرسية تقوم على مبادي بيئية يقرونها هم أنفسهم .

وتدعم وزارة جودة البيئة البرامج الهادفة إلى غرس قيم التنمية المستديمة في مؤسسات التربية والتعليم وفي المجتمع على حد سواء ، مع التأكيد علي البرامج التي تدمج بين التعليم وخلق عملية تدار فيها المدرسة بنفسها بشكل مستديم وتستغل مواردها استنادا إلى مبادئ التوفير والترشيد والإفادة القصوى للطلاب .

بقي أن نقول أن التنمية المستديمة تعد مفهوما حديثا لم يعالج قانونيا الإ في السنوات القليلة الأخيرة ، ويبقى بزوغ القانون الدولي للبيئة كاختصاص قائم بذاته بمثابة تحول حقيقي في تفعيل حماية البيئة على مستوى العالم .      

خامسا : التنمية المستديمة كصور لاستخلاف بني أدم علي   الأرض :

            من الخصائص الرئيسة لشريعة الإسلام، الإنسانية، بمعنى أنها دين الإنسان الذي هو مناط التكريم فهو أكرم المخلوقات قال الله تعالى " ولقد كرمن بني ادم وحملنهم في البر والبحر ورزقنهم من الطيبات وفضلنهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً"   ( الاسراء/ 70). ومن مظاهر التكريم الإلهي للإنسان، وتحقيق الخير له، أن سخر له ما في الكون من مخلوقات وآيات: فقد جعل له السماء سقفاً محفوظاً، وجعل الأرض بساطاً وفراشاً، وسخر الشمس تمده بالدفء والضياء، وسخر القمر له نوراً وحسباناً وجعل الليل سكناً وراحة، وسخر له النهار للسعي والعمل، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات والزرع مختلفة الطعم والأشكال والألوان، وسخر له البحر يحمل سفنه التي تنقله من مكان إلى آخر ويستخرج منه الطعام و الحلي ، وأجرى له الأنهار ؛ ليشرب منها هو والحيوان والزرع. والآيات القرآنية في هذا المعنى عديدة.

            ومن الآيات الكريمات في القرآن الكريم ، يبدو جلياً أن الله تعالى،  قد بسط وهيأ موارد الكون لمنفعة الإنسان، فلا يستعصى أي شيء منها عليه، إذا تيسرت سبله وروعيت سنن الله فيه، فمن هذا يعنى أن للإنسان حقا على تلك الموارد، وهو حق بالمعنى الواسع للفظ، يشمل سلطة البحث العلمي عن خواصها وأسرارها، وسلطة الانتفاع بها، بل وسلطة المطالبة بالحفاظ على السنن، أي النظم والقوانين الطبيعية التي أوجدتها الحكمة الإلهية لتسير عليها، وعدم تبديلها أو الخلل بها، لما في ذلك من مساس بحق . هذا فضلاً عن النهى القاطع عن الإفساد في الأرض، بما يدعم الحفاظ على الحق الإنساني في البيئة ومواردها. وهكذا قرر الإسلام وقبل أن تسمع الدنيا عما يسمى بحقوق الإنسان بأكثر من ألف وأربعمائة عام، حق الإنسان في البيئة ومواردها سليمة متوازنة كما خلقها الله تعالى. وهذا الحق ليس منحة من قانون وضعي لدولة محددة، أو منة يقررها ميثاق دولي أو معاهدة جماعية، إنما هو حق مثل باقي حقوق الإنسان في الإسلام، مقرر من قبل خالق الإنسان والكون للإنسان وهو حق ثابت دائم. ولا أدل وأعمق في الاعتراف بمثل هذا الحق البيئي من أن الله سبحانه وتعالى قد جعل صاحب هذا الحق وهو الإنسان خليفته في رعاية وصيانة “مقر” ذلك الحق، وهو الأرض والبيئة.

            اعترافاً "بحق الإنسان" في البيئة ومواردها فقد استخلفه الله تعالى في إدارتها ووصاه على أمانتها. فإذا كان المولى جلت قدرته قد خلق الكون وبيئته، فهو لم يخلقه باطلاً أو عبثاً، بل لحكمة ولغاية قدرها. ،  ثم بعد ذلك خلق الإنسان، فذلك لغاية قضت بها حكمته الإلهية. والغايتان تلتقيان: لتحقيق خلافة الإنسان في الأرض والكون.

            إن الإنسان هو خليفة الله في الأرض يعمرها ويعمل على إحيائها، واتساع عمرانها، وإظهار أسرار الله فيها، وإقرار الخير والسعادة في مناحيها، ومهمة الخلافة وتعمير الأرض والحفاظ على بيئتها منزلة لا يستهان بها فقد كــانت الملائكة ترغب في النهوض بها، بدلاً من الإنسان، غير أن الله تعالى منعهم منها، وأولاها الإنسان. وتلك الخلافة تكرس مبدأ حق الإنسان في البيئة وموارد الكون،و استخلف الإنسان في البيئة الكونية ليستفيد منها، ويدير مواردها، فيما ينفعه وينفع غيره، وسائر مخلوقات الله، هذا ما أشارت إليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة. ففي شان استخلاف آدم، أول الخلق الإنساني  وفى معنى إني جاعل في الأرض خليفة، يتفق المفسرون على أن المراد إظهار تكريم الله للإنسان وتفضيله على الملائكة في الخلافة في الأرض، وهى خلافة تعنى أن الله أمكنه منها وجعله صاحب سلطان فيها. أليس في هذا التمكين والإقرار بهذا السلطان التأكيد والاعتراف بفكرة حق الإنسان في بيئته الأرض والكون جميعاً، وفى السنة النبوية المطهرة عن ابي سعيد الخدري قال ،قال رسول الله r: (إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون)(حديث أبي سعيد الخدري كتاب الرقاق رقم 6606) .

          وبذلك يعتبر الإنسان جزءاً من الكون الذي اكتملت عناصره ، لكنه جزء متميز وله موقع خاص بين أجزاء الكون،وصلة الإنسان بالكون كما يعلمنا القرآن وترشد إليه السنة النبوية صلات شاملة  وهي:

-         صلة التأمل والتفكير والاعتبار في الكون وما فيه.

-         وصلة الاستثمار المتوازن بين الحفاظ و الانتفاع والتعمير والتسخير لمنافعه ومصالحه.

-  وصلة العناية والرعاية ؛ لأن أعمال الإنسان الصالحة غير محدودة بمصلحة الإنسان وحده بل تمتد إلى مصالح خلق الله أجمعين، فعن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال ثم بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث ويأكل الثري من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ بي فنزل البئر فملا خفه من الماء ثم امسك الخف بفيه فسقا الكلب فشكر الله فغفر له فقالوا يا رسول الله وان لنا في البهائم لأجر فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم في كل ذات كبد رطبة أجراً،(حديث أبو هريرة صحيح البخاري، ج2 ،ص:833).

          وقد قضت حكمة الله أن يستخلف الإنسان في الأرض، ولذلك فإنه بالإضافة إلى كونه منها ومن الكون، منفذ لأوامر الله الكونية فهو إذن مستخلف علي هذه الأرض  لا مالك و لا متصرف بل منتفع بها ، لأن الله وحده هو مالك السماوات والأرض وما بينهما، أما الإنسان فهو مستخلف على إدارة الأرض وفقاً لمقاصد خالقها، لاستثمارها لنفعه ولنفع غيره ولتحقيق مصالحه ومصالحهم جميعاً، وهو بذلك أمين عليها فيجب أن يتصرف فيها تصرف الأمين في حدود أمانته.

            إن جميع موارد الحياة قد خلقها الله تعالى لنا وهى أمانة في أيدنا، ولقد قدر الله تعالى الرزق في الأرض للناس كلهم وللمخلوقات جميعاً  ومن ثم فإن الانتفاع فيها يعتبر في الإسلام حقاً لجميع الناس ولكل نوع من أنواع المخلوقات لذلك يجب أن يراعى في التصرف فيها مصلحة الناس الذين لهم فيها شراكة وعلاقة كما ينبغي أن لا ينظر إلى هذا الانتفاع على انه منحصر في جيل معين دون غيره من الأجيال، بل هو انتفاع مشترك بينهم جميعاً، ينتفع بها كل جيل بحسب حاجته دون إخلال بمصالح الأجيال، كأن يسئ استثمارها أو يشوهها أو يفسدها، وذلك باعتبار أن كل جيل لا يملك سوى حق الانتفاع دون التملك المطلق.

          ورغم ذلك كله فلقد كان تعامل الإنسان مع بيئته سيئ للغاية ورغم ذلك فقد استطاعت البيئة على مدى ملايين السنين - وحتى فترة قريبة- أن تقاوم في مرونة رائعة أي اضطراب يحدث في الظروف المحيطة بها، ولكن هذه القدرة المدهشة في المحافظة على الاتزان مهما كانت هائلة فإنها تقف عند حدود معينة، وحدود وهذا هو القدرة المدهشة في المحافظة على الاتزان مهما كانت هائلة فإنها تقف عند حدود معينة، للتصدي  للاعتداءات على البيئة وهذا هو لب المشكلات البيئية.

          لم تستطع البيئة أن تقاوم حتى النهاية، وبدأت تعاني التغيير ، وبعد أن احتفظت لفترة طويلة بدرجة حرارة ثابتة، وبالتركيب الكيميائي والفيزيائي لمكوناتها المادية، فهي معرضة اليوم لنكسات كبيرة،منها على سبيل المثال ارتفاع معدل درجة الحرارة، وتغيير في التركيب الكيميائي في معظم الأنظمة وفي المحيطات والبحار والجو والتربة .......... الخ  .

وسبب هذا التدهور في الأنظمة البيئية هو تمادى الإنسان في اعتداءاته على البيئة،فهو يسيء استغلال الموارد فيدمر الغابات ويجرف الأراضي الزراعية، والناس يتركون الريف بأعداد كبيرة وينتقلون إلى الحضر وتكبر المدن دون أي تخطيط، وغالباً يكون ذلك على حساب الأراضي الزراعية وجمال الطبيعة، والأهم من ذلك كله الزيادة الهائلة في عدد السكان، وما سوف يحدث لو استمرت هذه الاتجاهات؟ زيادة استهلاك الوقود الأحفورى، والاستمرار في التجارب النووية وبناء المفاعلات، واستخدام الكيماويات دون حساب ، وزيادة عدد السكان... الخ ، سوف تتأثر دون شك كل الكائنات الحياة وتتعرض للكوارث والفناء، وما يحدث الآن للبيئة هو نتيجة حتمية لعدم إدراك الناس لعواقب الممارسات الخاطئة وآثارها السلبية على البيئة.

          وعلى الرغم من أن الإحصائيات تشير إلى وفرة الغذاء والمياه  في العالم فإن الملايين من سكان العالم لا يجدون المياه النظيفة، ولا الرعاية الصحية، ولا القدر الكافي  من الغذاء .

          وعلى مدار العشرين سنة الماضية أسرع ما يزيد عن مئَـه  بلد من البلدان النامية في تبنى إصلاحات تستهدف جعل اقتصاديات هذه البلدان أكثر فاعلية.

          كما دفعت الرغبة في الاندماج في الاقتصاد العالمي وتعويض الخسائر التي سجلت خلال الأزمات المالية العديدة في البلدان النامية إلى تكثيف استغلال مواردها الطبيعية  .

          وساهمت العولمة في تعزيز الرخاء الشامل ودعم النمو، غير أنها عززت بالمقابل الفوارق في الدخل وزادت من حدة تدهور البيئة، وسرعان ما نجد أن عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت عتبة الفقر يرتفع رغم أن نسب الفقر قد تراجعت، كما ظلت معدلات الدخل منخفضة في العديد من البلدان النامية، وفى نفس الوقت، بلغ تدهور البيئة درجة غير مسبوقة، وهناك علاقة هامة بين تدهور البيئة وارتفاع حدة الفوارق الناجمة عن العولمة ، فمع ارتفاع أعداد الفقراء يضطر العديد منهم إلى ممارسة مزيد من الضغط عن الموارد الطبيعية الهشة لتلبية احتياجاتهم.

          ويرى منتقدو العولمة أن هذه الأخيرة ساهمت في تحقيق إصلاحات اقتصادية هامة، غير أن المسئولين وأصحاب القرار أهملوا الإصلاحات الاجتماعية والبيئة الأساسية التي ستكون ضرورية لتفادى مزيد من الفوارق والفقر وتدهور البيئة.

          إن المشكلات البيئية التي يعانى منها العالم اليوم لا تكمن في استخدام خيرات السماء وبركات الأرض التي من الله بها على خلقه في سبيل التنمية والعمران، لكنها تكمن في الإسراف والطغيان والإفساد وسوء الاستغلال والفساد في الإدارة، لقد بدأ الإنسان يعانى من الآثار المباشرة وغير المباشرة لسوء استخدام الموارد الطبيعية، وفيما يلي الأمثلة على ذلك وآثارها عليه وعلى البيئة.

1- استنزاف التربة الزراعية:

          2- الرعي الجائر:

          3- الإسراف في قطع الأشجار:

سادسا :نماذج عالمية معاصرة اهتمت بالتنمية المستديمة : 

كما أوضحت مطر( 1994) أنه يوجد العديد من نماذج التدريس العالمية و المعاصرة اهتمت  بمجال التربية البيئية والتنمية المستديمة ، وفيما يلي عرض موجز لبعض هذه النماذج  :

أ- نموذج استراتيجية واكس (Waks Strategy ,1989) :

     هذه الاستراتيجية تعرف بنموذج  دائرة المسؤولية (Responsibility Cycle) وهي عبارة عن إطار عمل يهدف لمساعدة المتعلم على تحديد واختيار وتنظيم الخبرات والأنشطة التعليمية ، وهذا الإطار يدور حول قضايا الأخلاق والقيم ، وتتكون دائرة المسؤولية من خمس مراحل هي :

المرحلة الأولى :

 مرحلة فهم النفس Self-understand حيث يفهم المتعلم ذاته من كونه مواطناً له استقلاليته وحريته في العيش ومسؤولياته تجاه الآخرين وتأثيراتة في نظام البيئة المحيطة ، ويصف المتعلم في هذه المرحلة معتقداته وتصوراته للحياة التي يتمناها لنفسه و لمجتمعه ، ومن ثم يمكن للمعلم هنا أن يحفزه على المشاركة الشخصية ومناقشة الخبرات .

المرحلة الثانية :

مرحلة الدراسة و التأمل Study-Reflection وتتضمن هذه المرحلة دراسة قضايا التفاعل بين العلم والتكنولوجيا والمجتمع وتأمل العلاقات المتبادلة بينهم وهي تتضمن ست علاقات كما هو موضح بالشكل رقم ( 2  ) ، ويمكن الربط في هذه المرحلة بين عدة مناهج كالعلوم والرياضيات والهندسة والتكنولوجيا والعلوم الاجتماعية ،ويتم في هذه المرحلة اكتساب الفهم والوعي ببعض التطورات العلمية التكنولوجية وتأثيراتها الإيجابية والسلبية .

 

 شكل رقم ( 2 )

ست علاقات تبادلية بين العلم والتكنولوجيا والمجتمع في نموذج حلزون المسؤولية

 

المرحلة الثالثة :

 مرحلة صنع القرار Decision - making ينشغل فيها المتعلم بحل المشكلة وصنع القرار فيوفر الأسباب والأدلة ويستخدم أدوات تعليمية وتحليلية متنوعة ، ويتعلم في هذه المرحلة التفكير والتعبير عن آرائه بالكتابة والتحدث وأن يعد خلاصة منطقية بالأسباب و الأدلة .

 

المرحلة الرابعة :

مرحلة التصرف المسئول Responsible action ويتم فيها تحفيز المتعلمين على أن يشاركوا في أدوار اجتماعية أو شخصية بعد أن يزنوا القيم المشتقة من البدائل المطروحة ويمكن في هذه المرحلة استخدام أنشطة كالمقابلات و العمل ضمن مشروعات مثلاً كتنظيف البيئة .

المرحلة الخامسة :

مرحلة التكامل Integration يتجه فيها المتعلم لأبعد من المحتوى الدراسي المحدد إلى اعتبارات أوسع للعلم والتكنولوجيا و المجتمع تتضمن معالجات قيم و أخلاق شخصية و اجتماعية ، ويمثل الشكل رقم ( 3 ) مراحل دائرة المسؤولية وكيفية تداخلها .

      وتقوم هذه الاستراتيجية على مبدأ مؤداه أن عملية نمو المسؤولية وتنميتها الاجتماعية لدى المتعلمين تتم من خلال مراحل الدائرة وتوجيه المتعلمين لصياغة تعليقاتهم وبدائلهم حول أسلوب المعيشة وقيمهم حول القضايا التكنولوجية التي تواجه المجتمع .

 
   

 
   
 

 

 

كل رقم (  3 )

نموذج حلزون  دائرة المسؤولية

 

 

 

ب- نموذج استراتيجية الشبكة الوطنية للعلم والتكنولوجيا والمجتمع (National STS Network Strategy Model ,1989):

      تتكون هذه الاستراتيجية من ثلاث استراتيجيات نوعية لتدريس التفاعل بين[STS]  ويمثل شكل رقم (  4 ) مراحل هذه الاستراتيجية  :

 

 ج-  استراتيجية  رامسىRamsey Strategy ,1989)):

     هي إطار عمل لتعليم القضايا الاجتماعية المرتبطة بالتفاعل بين العلم والتكنولوجيا و المجتمع[STS] ، و تحدد في أربعة مستويات من الأهداف كدليل منهجي لاختيار الأنشطة التعليمية وطرق التدريس الفاعلة :

-المستوى الأساسي Foundations Levels :

يتم فيه تزويد الطالب بالمعلومات اللازمة لفهم القضية   موضع الدراسة والمعلومات التي توضح العلاقة بين العلم والتكنولوجيا والمجتمع .

- مستوى الوعي Awakens level :

يتم فيه توعية الأفراد بتفاصيل القضية وتقدير قيم أفراد المجتمع الذين يلعبون دوراً فيها وكذلك حلولها، وكذلك يتضمن هذا المستوى فهم المتعلم لحاجته للإسهام في استكشاف القضية وتقويمها وحلها .

- مستوى الاستكشاف أو التقصي والتقويم Investigation & Evaluation level:

   يتم فيه تزويد المتعلمين بما يلزم لتحليل القضية وتقديم بدائل لحلها ، كما يتضمن استخدام الطلاب لبعض عمليات جمع وتفسير البيانات .

-   مستوى المسؤولية الوطنية Citizenship Responsibility :

          وهو مستوى تدريبي وتطبيقي يزود فيه المتعلم بمهارات صنع قرارات مسئولة عن القضايا الاجتماعية و يتيح له أيضاً فرص لإعداد وتقويم خطة عمل لحل القضية .

وتتضمن استراتيجية  رامسي Ramsey Strategy صيغتين هامتين لتدريس القضية هما :

1- صيغة دراسة الحالة Case Study Format

حيث يعمل الطلاب في مجموعات صغيرة يتم فيها تزويدهم بقضية ترتبط باهتماماتهم ويختار المعلم لهم طريقة الدراسة والزمن للقضية ويوفر لهم المواد التعليمية والمصادر التي تمدهم بمعلومات رئيسية عنها ويزودهم بالمهارات اللازمة للاستقصاء عن القضية .

2- صيغة الاستقصاء Investigation skills format

وهذا الأسلوب يتيح للمتعلم العمل باستقلالية في اختيار القضية ووضع خطة العمل الملائمة لها وهو عكس الأسلوب السابق ، حيث إن المعلم هو الذي يختار القضية والتي تكون هي هدف التعلم. 

 

6-د- استراتيجية رامسي وهانجرفورد وفولك (Ramsey & Hungr ford & Volk Strategy ,1990)

     ذكرت  مطر (1994) أن استراتيجية كلُ ُمن رامسي وهانجرفورد وفولك عبارة عن طريقة لتحليل القضايا التي سُتْدرس وتيسيرها وأخذ فكرة عن مختلف المعتقدات والقيم موضع الجدل والجوانب المختلفة للقضايا الاجتماعية المرتبطة بالعلم ، وتتكون طريقة التحليل المقترحة من ثلاث مراحل متسلسلة كما في جدول رقم (4  )  :

جدول رقم ( 4 )

مراحل طريقة التحليل المتبعة في استراتيجية رامسي وهانجرفورد وفولك Ramsey & Hungr ford & Volk Strategy

مرحلة التعرف

مرحلة التدريب

مرحلة التطبيق

يتم التعرف من خلالها على عناصر القضية وهي :

- المشكلة : الظروف التي تكون فيها مسألة ما أو شخص في خطر.

- القضية : مشكلة يتصل حلها بمعتقدات وقيم مختلفة .

- لاعبو الأدوار :الأفراد والمنظمات التي لها دور في القضية .

- الأوضاع : مواقف لاعبو الأدوار المتصلين بالقضية .

المعتقدات : الأفكار المتعلقة بالقضية والمسئولين عنها سواء كانت القضية صحيحة أم خطأ .

القيم : الموجهات التي تعكس الأهمية النسبية للمعتقدات في الموقف المطروح .

الحلول : الاستراتيجيات المتنوعة المتوفرة لحل القضية.

يتم خلالها التدريب على قضية من قبل المتعلمين على أن يعمل المتعلمون في مجموعات صغيرة مستخدمين مصادر عديدة للتعلم كالمجلات وبرامج الفيديو وغيرها وبذلك يعرف الطلاب القضية ثم يشرحونها ثم يحددون الأدوار  ثم يلخصون معتقداتهم ويعرفون القيم التي كانت دافعاً  لبناء هذه المعتقدات  ، وختاما تقوم كل مجموعة بوضع تقرير تحلل فيه جوانب القضية ثم تعرضه .

تطرح قضية أكثر تعقيداً من القضية التي في مرحلة التدريب ويسير المتعلمون لحلها في نفس خطوات التدريب ويصدرون تقارير حول القضية يلحقون بها موجزاً للقضية .

 

ثم تم تحديد أوضاع القيم خلال هذه الاستراتيجية كالآتي  :

-         القيم الجمالية : ترجع لتقدير الجمال من خلال المعاني .

-         القيم البيئية  : ترجع إلى مبدأ المحافظة على تكافل النظم الطبيعية .

-         القيم الاقتصادية : ترجع إلى فكرة المقايضة على الأشياء والخدمات من أجل المال .

-         القيم التعليمية : ترجع إلى المنافع المشتقة من التعلم والتعليم .

-         القيم الثقافية : ترجع إلى هدف المحافظة على الاتجاهات وممارسة الوحدة الاجتماعية

-         القيم الترويحية : ترجع إلى هدف استخدام وقت الفراغ .

 

هـ -استراتيجية  ياجر ( Yager Strategy,1990) :

      يتخذ هذا النموذج من المجتمع ككل أو المجتمع المحلي للطلاب بداية لخمسة أبعاد تمثل أهدافاً لمدخل[STS]  وهي :

-         بعد المفهوم concept ( يتضمن إتقان المحتوى الأساسي ) .

-         بعد العملية process ( إكساب المتعلم عمليات العلم ومهاراته ) .

-         بعد التطبيق Application (استخدام المفاهيم والعمليات في مواقف جديدة).

-         بعد الابـتـــكارية Creatively ( القدرة على توليد تساؤلات وتفسيرات بطريقة ذاتية تتسم بالجودة )

-     بعد الاتجاهات Attitude ( تنمية مشاعر إيجابية تتعلق بأهمية العلم في حياتنا ، وتنمية اتجاهات إيجابية نحو دراسة العلم وامتهانه كمهنة ونحو معلم العلوم .

-         ويقوم أسلوب ياجر على أن تعليم القضية ، وعملية صنع القرار يجب أن تتضمن الأسئلة التالية :

-         ما المشكلة ؟ وهل هي مشكلة أم لا ؟

-         كيف أصبحت مشكلة ؟

-         ما البدائل والخيارات الملائمة كلها ؟

-         ما الآثار المحتملة لتطبيق بدائل الخيارات على الأفراد والمجتمع ؟

 

و-  استراتيجية أيكنهيد (Aikenhead Strategy,1992)

      يعد نموذج أيكنهيد من النماذج التي أسهمت في التنظيم المنهجي للمشكلات والقضايا التي تنجم من تأثير العلم والتقنية على المجتمع  ويتكون النموذج من خمسة

مكونات يوضحها الشكل رقم ( 5 )  :

 

المجتمع : SOCIETY

      يبدأ النموذج من المجتمع الممثل بالمربع السابق  ، فهناك سؤال أساسي أو مشكلة اجتماعية ، ويعطى أيكنهيد Aikenhead ,1992)) أمثلة لهذه المشكلات :

-         هل يجب أن تهتم بالطاقة ذات الجهد الكهربائي العالي في مجتمعنا ؟

-         كيف يمكننا تفسير الأدلة العلمية المتناقضة في مقالات الصحف ؟   

 

- التكنولوجيا : TECHNOLOGY

     يتم الانتقال من حقل المجتمع إلى حقل التكنولوجيا في النموذج الموضح بالمنطقة المظللة السوداء ، ولكي يستطيع المتعلم فهم المشكلة يجب عليه أن يفحص التقنية التي تسببها ولو بشكل مبدئي ، وتهتم التكنولوجيا بصورة أساسية بتطوير المعرفة وتصميم العمليات كاستجابة لحاجات الإنسان ، ومشاكله .

 

- العلم : SCIENCE

     إن انتقال المتعلم من حقل المجتمع إلى حقل التكنولوجيا يوجد الحاجة لمعرفة قدر من المحتوى العلمي ويذكر أيكنهيد Aikenhead,1992)) أمثلة للمحتوى العلمي :

-         كيف ينتشر الكحول الأثيلي من الدورة الدموية إلى الجهاز التنفسي ؟

-         ما هو الضوء ؟

     فالمحتوى العلمي يكون لمساعدة الطلاب على فهم التقنية بشكل كاف لاتخاذ القرارات الواعية في القضية أو المشكلة ، ويعتمد اختيار المحتوى على أساس عدة اعتبارات أشار إليها ايكنهيد وهي :

-         وضوح معنى المحتوى العلمي بالنسبة للطلاب .

-         المحتوى العلمي الذي ينشأ ويتولد منطقياً من خلال النص ، وبناءاً على ما يحتاج إليه الطالب وما يتعرض له من مواقف الحياة المختلفة .

     

- التقنية  TECHNIQUES

     بعد ذلك يعود المتعلم مرة أخرى إلى حقل التكنولوجيا  وليس من قبيل التكرار و الإعادة ولكن ليفحص الطالب المزيد من التكنولوجيا  المعقدة مستفيدا من المحتوى العلمي الذي تعلمه .

 

- المجتمع : SOCIETY

     يعد هذا المكون الأخير في النموذج حيث سينتهي السهم في حقل المجتمع وهنا يتم فحص المشكلة أو القضية التي بدأ بها مرة أخرى في ضوء ما تعلمه المتعلم في المكونات السابقة.

ويهدف هذا المكون إلى تدريب المتعلم في اتخاذ القرارات بشأن الحلول المقترحة لهذه المشكلات والقضايا ، ويذكر  Aikenhead) ) أن القرارات السديدة ناتجة عن:

-         فهم عميق للعلم الذي تتضمنه هذه القضايا والذي يشكل الأساس لها .

-         فهم عميق للتكنولوجيا  ذات الصلة بالموضوع .

      يتضح لنا بعد العرض السابق أن أهداف مدخل[STS] لا يمكن أن تحقق من خلال استراتيجيات التدريس التقليدية لكنها تحتاج لاستراتيجيات جديدة تركز على الفهم والمعنى وعلى التعاون البناء وعلى التطبيق و استخدام الخبرات و إتاحة الفرص لممارسة مهارات اتخاذ القرار وحل المشكلات .

 

المراجع : 

[1] - تصريح بلغراد ...(1976).

2- التنمية المستديمة ... بعض الفروض الأساسية ، ورقة ويب ، ص 299.

3- الجلال ،عبدالعزيز عبدالله ، تربية اليسر وتخلف التنمية ،مدخل إلى دراسة النظام التربوي في اقطار الجزيرة العربية المنتجة للنفط ،سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ،1999.

4- الكواري ،علي خليفة ،ماهية التنمية الاقتصادية الاجتماعية ، وجهة نظر حول التنمية في اقطار الجزيرة العربية المنتجة للنفط ،دراسة غير منشورة ،فبراير 1981.

5- الشريف ،محمد أحمد وآخرون ،إستراتيجية تطوير التربية العربية المنظمة العامة للتربية والثقافة والعلوم ،1979.

6- مطاوع ،عصمت إبراهيم ، التربية البيئية في الوطن العربي ،القاهرة ،دار الفكر العربي ،1995.

7-سليم ،محمد صابر، التربية والتوعية بقضايا البيئة الأعلام العربي والقضايا البيئية ، معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة ،1991.

8-السايح ،السيد محمد ، التنور البيئي لدى طلاب كلية التربية النوعية ،المؤتمر العلمي السادس (مناهج التعليم بين الايجابيات والسلبيات ،الإسماعيلية :الجمعية المصرية للمناهج وطرق التدريس ،الفترة (8-11أغسطس ) ،المجلد (2) ،1994.

9-جاسم ، صالح عبدالله ، التنور البيئي لدى معلمي العلوم بالمرحلة المتوسطة بدولة الكويت ،مجلة العلوم التربوية والنفسية ،جامعة البحرين ،المجلد (2) ،العدد(1) مارس ،2001.

10-سليم ،محمد صابر ، التربية والتوعية بقضايا البيئة الأعلام – العربي والقضايا البيئية ، معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة ، 1991.

11- مطاوع ،عصمت إبراهيم، مرجع سابق .

12-جاسم ،صالح عبدالله ،2001، مرجع سابق .

13- جاسم ،صالح عبدالله ،2001، مرجع سابق .

14-عبده ،فايز محمد وأحمد ،أبو السعود محمد ، مدى اكتساب عناصر التنور لدى طلاب المرحلة الثانوية ، مجلة دراسات في المناهج وطرق التدريس ،الجمعية المصرية للمناهج وطرق التدريس ،العدد (2) ،1993.

15- جاسم ،صالح عبدالله ،2001، مرجع سابق .

16-الرافعي ،محب محمود كامل ، التنور البيئي لدى طالبات كليات التربية للبنات بالمملكة العربية السعودية – دراسة تقويمية ،مجلة التربية المعاصرة ،السنة (14) ،العدد (45) ، 1997.

17-درويش ،عطا ونشوان ، تيسير محمود ،أثر مقرر التربية البيئية علي مستوى التنور البيئي لطلاب كلية التربية جامعة الأزهر بغزة واتجاهاتهم نحو البيئة ومشكلاتها ، المؤتمر العلمي الخامس للتربية العلمية للمواطنة ،الجمعية المصرية للتربية ،الفترة (6-10يوليو ) ،2001.

18- أجندة 21،مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية ،1992.

19-الرافعي ،محب محمود كامل،1997.

20 – أسامة الخولي ،البيئة وقضايا التنمية والتصنيع دراسات حول الواقع البيئي في الوطن العربي والدول النامية ،الكويت ، 2002.

21- أسامة الخولي ، مرجع سابق .

22- أسامة الخولي ، مرجع سابق .

23- أجندة 21،مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية ،1992.

24- مطر،وفاء محمد ، دراسة مسحية لأولويات القضايا الاجتماعية ذات الصلة بالعلم والتكنولوجيا وعلاقتها بمحتوى مناهج العلوم الموحدة لدول الخليج العربية ، رسالة ماجستير غير منشورة ،جامعة البحرين ،كلية التربية ،1994.

 

 

 

 

 
 

 

 


 

المدرسة الثانوية أساس التعليم العالي في ظل الجودة الشاملة

 

إعداد

د/ كوثر جميل سالم بلجون

أستاد مساعد  

 

 

مقدمة :

            الخطة الشاملة للنهوض بالتعليم وإصلاحه تقتضي أن يكون الإصلاح جذرياً متكاملاً مستجيباً للاحتياجات المتزايدة, ومتجاوباً مع شعورنا جميعاً بأن التعليم الذي يجده أبناؤنا في المراحل المختلفة في المستوى المطلوب, وأن الارتقاء بالتعليم هو ارتقاء بالمدرسة والمعلم والمنهج, وأن يزداد الإنفاق على التعليم من قبل الدولة ومواردها لا من إمكانات الأسرة حتى تأتي المحصلة النهائية للتعليم في شكل منتج تعليمي يتفق ومتطلبات العصر ورؤى المستقبل, وتعليم فيه توازن بين الاهتمام بالكم والكيف معاً لمواجهة متطلبات عصر جديد, أخص خصائصه ثورة المعلومات التي غيرت أساليب الإنتاج وأنماطه, فضلاً عن إعداد أجيال جديدة أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة العلمية, تحسن استيعاب علوم المستقبل تفرق باستخدام قدرات العقل البشري بين دعاوى الزيف والحقيقة.

            إن الدولة العصرية تحرص على وضع التعليم في طليعة أولوياتها وهمومها, كما أنها تسعى إلى تطوير نظم التعليم في شتى المراحل, باعتبار أن التعليم هو ركيزة التقدم, وهو الشرط الأساسي الذي لا غني عنه لملاحقة كل تطور, وهو العنصر الذي يحكم قدراتنا على مواجهة تحديات العصر, خاصة وأن المجتمع البشري يشهد تاريخه ثورة علمية وتقنية هائلة تمتد إلى شتى جوانب الحياة. وتصوغ تصورنا للمستقبل, ولذلك فإنه لابد من أخذ هذا بعين الاعتبار عند التصدي لقضية إصلاح التعليم التي تعني في الحقيقة والواقع بإعادة تشكيل الحياة في ربوع الدولة, وتوجيه قدر أكبر من الاهتمام على تنمية قدرة الطالب على استيعاب حقائق الحياة المعاصرة وتطويرها بما يخدم قضية التنمية, وبما يتواءم مع التحديات المتجددة, وربما يجعل التعليم والارتقاء به الطريق والمدخل لخريطة العالم الجديدة.

            فالتعليم هو المحور والأساس لأمننا القومي بمعناه الشامل في الاقتصاد والسياسة, وفي دورنا الحضاري الذي بدأناه قبل الأمم وعلينا مواصلته في الاستقرار الداخلي والنمو والرخاء, ذلك أن التعليم هو الطريق للمنافسة في الأسواق, أسواق الداخل وأسواق الخارج, وعليه فلابد أن يجد القدرة المالية والإمكانات المادية بغية المضي بعيداً, وتخصيص الاستثمارات التي يحتاجها هذا القطاع الحيوي للتوسع في التعليم وتطوير مناهجه وتحديثه وانتشاره جنباً إلى جنب مع برامج تدريب وتأهيل مكثفة وعلى أعلى مستوى.

           

 

 

المتغيرات العالمية المعاصرة والفكر الإداري الحديث

 

العولمة وظهور مفهوم إدارة الجودة الشاملة:

            فرضت ظاهرة العولمة نفسها على جميع دول العالم كواقع لا بد من التعامل معه بكل ما تنطوى عليه من مميزات وسلبيات، ومما يؤكد إنتشار هذه الظاهرة تزايد عدد الشركات الدولية أو متعددة الجنسيات حيث بلغ عددها عام 1990 (37500) شركة تتحكم في (207000) شركة فرعية كما بلغت قيمة مبيعات الفروع الأجنبية لهذه الشركات وحدها ما يساوى حجم التجارة العالمية في عام 1999، كما بلغ حجم التداول في البورصات العالمية 12000 مليار دولار عام 1995 بزيادة قدرها 900 مليار دولار عن عام 1990 كما أن هناك تزايد في عدد البلدان النامية ومن بينها بعض الدول العربية الساعية إلى الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، بالإضافة إلى وجودة مجموعة من المؤشرات التي تدل على إنتشار ظاهرة العولمة يوضحها الجدول التالي:

 

المصدر: عبد العزيز الشربيني، الوجه الجديد للشركات العالمية، أخبار الإدارة، نشرة فصيلة تصدر عن المنظمة العربية للتنمية الإدارية، العدد التاسع عشر، يونيه، 1997، ص 1.

            وفي ضوء بعض التغييرات المتلاحقة والتحديات المستمرة والتي تؤثر بدورها في العملية التعليمية، فإن مع هذه التغيرات وتلك التحديات، ومن أهم هذه الأساليب التي تستخدم في ضوء الفكر الإداري المعاصر ما يلي:

  1. إدارة الوقت:

            إن مسئوليات الإدارة الحديثة لم تعد قاصرة على مسئولية واحدة ولكنها تعدد وتتعاظم باستمرار، وهذا يتطلب من المدير العصري أن يلعب أكثر من دور في مؤسسته في وقت واحد، فهو مطالب أن يكون قائداً ومديراً ومخططاً ومنظماً ومصمم نظم، ومثل هذه الأدوار لم تكن تحتاجها المؤسسة في إدارتها في الماضي، ونظر لتعاظم الأدوار التي يقوم بها المدير العصري فإنه يجب عليه ترشيد استخدامه للوقت حتى يتمكن من تحقيق الإدارة الفعالة في ظل التحديات والضغوط الكثيرة ذات الطبيعة الداخلية والخارجية التي يحيط بالمنظمات المعاصرة، لذلك فإن إدارة الوقت لابد من أن تحظى باهتمام مدير المدرسة كقائد تروبي يعمل أساساً كمنظم ومخطط ومنسق للموارد المالية والبشرية المتوفرة لدية بهدف استثمار هذه الموارد من أجل تحقيق النتائج المنتظرة للمؤسسة التربوية والمتمثلة في تحسين نوعية تعليم الطلبة وتحقيق الأهداف التربوية المنشودة بأقل جهد ممكن.

            على أن هذا يقتضى بالضرورة تجزئة عملية إدارة الوقت باعتبارها منظومة مستمرة تتضمن مجموعة من العمليات، يمكن إجمالها فيما يلي:

  • التعرف على كيفية قضاء الوقت، واستخدام سجلات الوقت للحصول على معلومات دقيقة.
  • تحليل سجلات الوقت للتعرف على الأنشطة التي تأخذ الكثير من الوقت من غير أن تسهم في تحقيق النتائج المتوقعة بدرجة تتناسب مع ما أنفق عليها من وقت.
  • تحديد الأهداف والأولويات.
  • إعداد خطط عمل لتحقيق الأهداف.
  • تنفيذ خطط العمل المرسومة وفق جدول زمني محدد.
  • تبني أساليب وحلولاً ملائمة لمواجهة أفات الوقت.
  • المتابعة وإعداد التحليل بهدف التطوير.
  1. الإدارة بالأهداف Management Objectives:

            وهذا المدخل يركز على ضرورة العمل الجماعي بروح الفريق، والمشاركة الفعالة والإيجابية بين الرئيس والمرؤوس، ويحقق الرقابة الذاتية Self - control من أجل تحقيق الأهداف التعليمية، ويعتمد نجاح عملية الإدارة بالأهداف على قدرة المدير ومهارته وصنع الأهداف، وتحديد الفترة الزمنية المناسبة لإنجازها، وتحليل الإمكانات المتاحة للتأكد من إمكانية تحقيق الأهداف المرسومة على أن تكون الأهداف محددة وواضحة للعاملين، وأن تكون لديهم القدرة على تحقيقها.

  1. إدارة الجودة الشاملة Total Quality Management (TQM):

            ويعتبر مدخل إدارة الجودة الشاملة أحد أهم المداخل المستقبلية في إدارة التغيير على المستوى المدرسي، بما يلائم مجتمع المعلوماتية، وتعد تنمية الجودة في المدارس أحد أهم أدوات الربط بين المدرسة وخدمة عملائها، وجعلها قريبة جداً منهم، ولتحقيق الجودة في المدارس يتطلب الأمر إعطاء السلطة للمعلمين أنفسهم وتعزيز ملكيتهم للمدرسة.

            وهذا النوع من الإدارة قائم على أن الجميع بالمدرسة يشاركون في النجاح، والتعاون بينهم يتزايد، وينتهي صراع القوى تماماً، وهكذا يشعر كل العاملين بالمدرسة (المدير والمدرسين والتلاميذ) بالرضا وبالابتهاج.

            ويعتمد إدارة الجودة الشاملة على مشاركة التلاميذ والآباء في إدارة المدرسة، بحيث يتسع المجال أمام جميع المهتمين لحضور اجتماعات هيئة إدارة المدرسة، وأن يحظى الجميع بحق الكلام أما الهيئة، وأن يعقد في كل فصل دراسى اجتماع واحد لأهل البلدة يتاح فيه الحضور للجميع لمناقشة اهتمامات المدرسة، ففي ظل مدرسة الجودة ينبغى أن يزدهر التعليم التعاوني.

  1. القيادة التشاركية وتفويض السلطة وتحسين الأداء التعليمي:

            تعتبر القيادة التشاركية وعملية تفويض السلطة وتحسين الأداء التعليمي من وظائف الإشراف التربوي والمتمثلة في إسهام مدير المدرسة في رفع النمو للمعلم ومستوى التعليم والتعلم وتنمية هيئة التدريس، هذا بجانب دوره القيادي في زيادة مشاركة ونجاح التلاميذ في الدراسة، مع إتاحة الفرص أمام المعلمين للمشاركة في صناعة واتخاذ القرار التربوي، وتطوير المجتمعات المدرسية بصورة ديمقراطية، وهو أمر ضروري لإحداث التغيير التربوي.

  1. إدارة الصراعات Management of conflicts:

            لا ينبغي أن ننظر إلى الصراع في المدرسة على أنه شر، يجب العمل على تلاشى وتجنب نواتجه وأحياناً تجاهله، بل أن وجود في المدرسة يعتبر شيئاً طبيعياً وأحيانا يكون ضرورياً ومحركاً للإبداع والتغيير، والصراع الذي يجب رفضه هو الصراع الذي يهدف التنظيم وجموده، وإنما الصراع الذي يجب تشجيعه بل وإحداثه أحياناً هو الصراع الذي يهدف إلى تحريك المدرسة وجعلها في حالة نشاط وتفاعل بين أعضائها، بهدف المساعدة على تكوين رؤى متنوعة للبناء وإعادة البناء، وبالتالي فإن من أهم الجوانب التي يجب تدريب مدراء المدارس عليها، إدارة الصراع في المدرسة وكيفية توظيفه في خدمة أهداف التغيير وفي نفس الوقت تحقق أهداف المدرسة.

            إلا أن ما يهمنا في هذا التدريب هو أسلوب إدارة الجودة الشاملة وفيما يلي تفصيلاً لأهم محددات هذا الأسلوب.

 

 معايير  الجودة الشاملة وإدارة التعليم :

 

مفهوم الجودة الشاملة Total quality (TQ):

            تتعدد التعاريف الخاصة بمفهوم الجودة الشاملة، ومنها التعاريف الآتية:

  • يعرف جوزيف آرجابلونسكي إدارة الجودة الشاملة بأنها "شكل تعاوني لأداء الأعمال أو لإنجازها يعتمد على القرارات المشتركة لكل من الإدارة والعاملين بهدف تحسين الجودة وزيادة الإنتاجية بصفة مستمرة من خلال فرق العمل".
  • كما يعرفها جون مارس بأنها "أسلوب جديد تماماً للتمعن في المبادئ والقيم الخاصة بالإدارة والتي يمكن أن تقدم حلولاً للمشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية التي ستواجه العالم خلال الألف عام المقبلة".
  • كما يعرفها بدين مانسر ونيكولاس آر على أنها "عبارة عن فلسفة ومجموعة من المبادئ الإرشادية والممارسات العلمية التي تمثل الأساس للتحسين المستمر للمنظمة".

            ومما سبق يتضح أن مدخل إدارة الجودة الشاملة من المداخل الحديثة التي تهتم بها الإدارة في سبيل تحقيق مستوى أعلى من التحسين المستمر للسلع والخدمات التي تقدمها.

مبادئ إدارة الجودة الشاملة (TQM) Total Quality Management:

إدارة الجودة الشاملة ترتكز على العديد من المبادئ أهمها:

1.  Customer centered: التركيز على العملاء سواء الذين يتعاملون مع المنظمة في شراء منتجاتها من سلع وخدمات أو من يعملون بداخلها ويتوقف على أدائهم مستوى الجودة المطلوب.

  1. Key Result: التركيز على النتائج والعمليات معاً "فالنتائج المعيبة هي دليل على عدم الجودة في العمليات ذاتها وبالتالي لابد من معالجة أي صعوبات تطرأ وتعترض تحسين نوعية المنتجات أو الخدمات".
  2. Preventive Action: الوقاية من الأخطاء قبل وقوعها وهذا يتطلب استخدام معايير مقبولة لقياس الجودة في المنتجات والخدمات أثناء عملية الإنتاج بدلاً من استخدام مثل هذه المعايير بعد وقوع الأخطاء.
  3. Participative principle: اتخاذ القرارات استناداً إلى الحقائق بمعنى أن يتم اشتراك جميع العاملين بالمنظمة في تفهم العمل ومشكلاته وكافة المعلومات التي تتخذ على أساسها القرارات وهو ما يعني ضرورة الاعتماد على جهاز كفء للمعلومات.

الشواهد التي تدل على عدم الجودة:

  • انخفاض جودة المنتجات.
  • زيادة الوقت المقرر للعمليات.
  • زيادة عدد شكاوى العملاء.
  • زيادة معدلات دوران العاملين.

مراحل تطبيق الجودة الشاملة:

تنقسم هذه المرحلة إلى ما يلي: 

  1. مرحلة الإعداد:

            ومنها تتحدد الأهداف والمصطلحات التي يجب أن يتم الإجماع عليها.

  1. مرحلة التخطيط:

            ومنها يتم وضع الخطط التفصيلية والتصديق عليها وتوفير الموارد اللازمة.

  1. مرحلة التقديم والتقويم:

            وتشتمل على: التقويم الذاتي، التقويم التنظيمي، المسح الشامل.

  1. مرحلة التنفيذ:

            وفيها يتم اختيار المنفذين وتدريبهم.

  1. مرحلة تبادل ونشر الخبرات:

            وفيها يتم استثمار الخبرات والنجاحات التي تحققت وتدعى جميع وحدات المنظمة والعاملين بها للمشاركة في عملية التحسين وإقناعهم بالمزايا التي تعود عليهم من هذه المشاركة.

 

 

عناصر الجودة الشاملة كأبعاد لفلسفة إدارية جديدة:

            تعتبر تلك العناصر بمثابة مجموعة من التحديات المهمة التي تواجهه الإدارة وتلزمها بتبني فلسفة جديدة:

  1. قبول التغيير كحقيقة والتعامل الفعال مع المتغيرات.
  2. الاقتناع بأهمية المناخ المحيط بالإدارة وتحديد كيفية التعامل معه.
  3. الاعتراف بآليات السوق.
  4. استيعاب التكنولوجيا الجديدة والمتجددة.
  5. الاستخدام الأمثل لتكنولوجيا المعلومات واستحداث التنظيمات والأساليب الإدارية التي تتوافق معها.
  6. قبول المنافسة كواقع يعتمد في مواجهته على التميز.
  7. الاهتمام بالاستثمار الأمثل للموارد والطاقات المتاحة.
  8. الاهتمام بالوقت كمورد رئيسي.
  9. النظر إلى العالم كوحدة متكاملة يجب التعامل معه خروجاً من المحلية والإقليمية.
  10. الاهتمام بالتكامل مع الآخرين من خلال العمل على تكوين تحالفات.
  11. الاهتمام بالعميل واعتباره أساساً في الاختيارات الإدارية.
  12. الآخذ بمفاهيم العمل الجماعي.
  13. الاهتمام بالتعامل في المستقبل استناداً إلى التخطيط الاستراتيجي.
  14. إعادة تشكيل الهياكل والتنظيمات والأساليب.
  15. الإيمان والاهتمام بالعنصر البشري كقوة أساسية في إنجاح الإدارة.

مدير المدرسة الثانوية في ظل إدارة الجودة الشاملة:

            يمثل الجهاز الإداري في المدرسة عنصراً هاماً في نجاح العملية التعليمة، وهو الوسيلة الفعالة في إحداث التجديدات التربوية التي يمكن بها مواجهة أية مشكلات تربوية وتعليمية، ومن خلاله تستطيع المدرسة إنجاز مهامها بنجاح، وعلى قمة هذا الجهاز مدير المدرسة، الذي يعتبر المسئول الأول والأخير عن نجاح المدرسة، لأن دوره لم يعد محصوراً في الجوانب الإدارية للمدرسة من تخطيط جدول أو متابعة الحضور والغياب أو غيره، بل أصبح مسئولاً عن كل ما يتعلق بالهيئة التدريسية والطلاب والمقررات والامتحانات وغيرها.

            وفي ضوء ذلك تعددت التعريفات التي تناولت مدير المدرسة، فهناك من يعرف مدير المدرسة بأنه "الرئيس التنفيذي المسئول عن كافة أنشطة المدرسة في كافة المجالات التربوية والتعليمية والأنشطة المدرسية والشئون الفنية والإدارية والمالية".

            وهناك من يرى أن مدير المدرسة يعرف بشكل عام على أنه "قائد تربوي يتصف بخصائص ومهارات تتطلبها منه طبيعة الأدوار التي يتوقع منه ممارستها في إدارته لمدرسته لبلوغ أهدافها المنشودة في أجواء من الأمن والارتياح".

ويعرفه ليونارد هوايت L. White الشخص الذي ينظم ويوجه وينسق ويراقب نشاط الآخرين داخل منظمة معينة بقصد تحقيق هدف معين ويعرف أيضاً بأنه قائد فريق العمل المدرسي الذي يضم الوكلاء والمدرسين والأوائل والجهاز الإداري المعاون والعمال.

            ومما سبق من تعريفات، نجد أن مدير المدرسة في أية مرحلة من مراحل التعليم يكون حريصاً ومسئولاً عن تحقيق أهداف المدرسة في ضوء الإمكانات المادية والبشرية المتاحة بها، في جو من الأمن والارتياح والفاعلية بين كل أفرادها،  وفي ضوء فلسفة وثقافة المجتمع.

المهارات الإدارية اللازمة لرجل الإدارة المدرسية في ضوء معايير الجودة الشاملة:

            هناك عدة عوامل تساعد على النجاح في الإدارة المدرسية شأنها في ذلك شأن ميادين الإدارة الأخرى، وفي مقدمة هذه العوامل ما يتعلق منها بالمهارات الإدارية، والمقصود بالمهارة أداء العمل بسرعة ودقة وهي بهذا المعنى تختلف عن القدرة من حيث أن القدرة تعني إمكانية أداء العمل بصرف النظر عن السرعة أو الدقة في أدائه، ومعنى هذا أن المهارة قدرة فائقة متطورة والفرق بينهما إذن فرق في الدرجة لا في النوع.

            ومن هنا أصبحت حاجة المدارس ملحة إلى أن يكون أولئك الذين يتولون إدارة المدارس أكثر من مجرد ممارسين للسلطة، وعليه أصبحت مسئولية مدير المدرسة شاملة، أي أنها وظيفة إدارية وفنية، بمعنى المسئولية الكاملة عن جميع ما يتعلق بالجوانب الإدارية والفنية كالمناهج وطرق التدريس، وعلاقة المدرسة بالمجتمع والمدارس الأخرى، هذا إلى جانب تقويم عمل كل فرد في المدرسة من معلمين وإداريين وغيرهم، وأيضاً تطوير الأعمال الفنية والإشرافية.

            وحتى يستطيع مدير المدرسة القيام بهذه المهام والأدوار هناك مجموعة من السمات التي يجب أن يتسم بها، كما أن هناك مجموعة من المهارات التي يجب أن يجيدها حتى تحقق المدرسة أهدافها، وأهم هذه المهارات التي يجب توافرها في مدير المدرسة والتي أجمع على تصنيفها دارسو الإدارة وفي مقدمتهم روبرت كاتز Robert Katz وهي:

  1. المهارات الفنية Technical skills: وهي ما تتصل بالأساليب والطرائق التي يستهدفها رجل الإدارة في ممارسته لعمله ومعالجته للمواقف التي يصادفها، وعلى هذا فمدير المدرسة يجب أن يحرز نوعين من هذه المهارات، أولهما مهارات استخدام الأساليب الفنية في مجال الإدارة مثل التخطيط والتنظيم والتنسيق والرقابة والاتصال واتخاذ القرارات والتقويم، وثانيهما مهارات التعليم والتدريس والتربية مثل المهارات التي تتصل بإدارة الفصل وطرق التدريس واستخدام الوسائل المعينة والتقويم.
  2. المهارات الإنسانية Human skills: وهي تتعلق بالطريقة التي يستطيع بها رجل الإدارة المدرسية التعامل بنجاح مع الآخرين، وحسن قيادتهم، ويقتضى ذلك فهم الناس ومعرفة ما يدفعهم ويحفزهم على العمل ومضاعفة الإنتاج كأفراد وجماعات، ومدير المدرسة في حاجة إلى امتلاك المهارات الإنسانية المبنية على الفهم الصحيح والثقة بمن يعملون معه حتى يستطيع أن يقود الجماعة التي يعمل معها بفاعلية، ويؤدي ذلك إلى تعزيز الثقة ومضاعفة الإنتاج.
  3. المهارات التصويرية أو الفكرية Conceptual skills: وهي القدرة العقلية على التنسيق والتكامل بين جميع أنشطة المدرسة واهتماماتها، ويتضمن ذلك قدرة المدير على أن يرى المدرسة ككل باعتبارها مؤسسة متكاملة، وأن يفهم كيف تعتمد نظمها الفرعية بعضها على بعض أثناء العمل، وكيف أن التغيير الحادث في أي جزء منها يؤثر على بقية الأجزاء، وهذه تعتبر أهم المهارات الضرورية اللازمة لرجل الإدارة المدرسية لكنها في نفس الوقت تعتبر أصعب المهارات بالنسبة له في تعلمها واكتسابها.

 

 

 طرق إختيار مدير المدرسة التي تعمل بنظام إدارة الجودة الشاملة :

مع تطور العلوم والتقنية في مختلف نواحي الحياة، أصبح إسناد أي عمل من الأعمال القيادية، يخضع لأساليب وشروط ومتطلبات معينة ينبغي توافرها في المتقدم لهذه الوظيفة، ومع الجهود التي بذلك في هذا المجال، فقد توصل الفكر الإداري المعاصر إلى القول بأن هناك معايير تقوم على أساس قدرات وإمكانيات الشخص لمنصب قيادي محدد، وتدور هذه المعايير حول الجوانب الشخصية التي يتم تطبيقها على المرشح مثل:

  1. الانطباعات التي تركها، وكيفية تفكيره، وتأثير شخصيته، حيث يمكن استنتاج بعض المؤثرات عن الجانب السلوكي والنفسي والشخصي للمدير وانطباعه عن الوظيفة المرشح لها من خلال هذه الحقائق.
  2. الأسس الموضوعية التي يمكن من خلالها التوصل إلى تحديد كفايته الشخصية وتحديد القدرات والخصائص العامة والخاصة.

            وقد حدد جلادن Gladen طرقاً متعددة لاختيار القادة، يمكن الاسترشاد ببعضها في اختيار مديري المدرسة وهي:

‌أ.         طريقة الخبرة والدراية (الأقدمية) Seniority approach:

            يعتبر الاعتماد على الخبرة السابقة التي اكتسبها المتقدم من خلال ممارسته للمهنة لفترة أطول أمراً منطقياً وموضوعياً، لأنه لا يخضع للمحاباة الشخصية أو التجاوزات غير المبررة.

‌ب.     المقابلة الشخصية Personal interview:

            وهي من أكثر الوسائل التي تتبع لاختيار مديري المدارس رغم ما يشوبها من عيوب فيما يتعلق بعدم الموضوعية في الاختيار لقلة الأساليب الفنية للتقويم، وكذلك لتدخل العوامل الشخصية وبصفة خاصة في الدول النامية.

‌ج.      طريقة المسابقات (الامتحانات التحريرية) Written exams:

            تعتبر الامتحانات التحريرية من الوسائل الموضوعية المحايدة والفعالة لتقدير مستوى جدارة المتقدم لشغل وظيفة قيادية معينة، لكونها بعيدة عن المحاباة والتدخل الشخصي في التقدير، وبعد عقد الامتحانات يجرى للممتحنين ترتيباً تنازلياً، ويرشح الناجحون في هذا الامتحان وفقاً لهذا الترتيب.

            وفي مصر يتم اختيار مديري المدارس على أساس الجمع بين الطرق الثلاث، حيث تكون هناك شروط للترشيح للوظيفة تعتمد على توافر الخبرة والدراية (الأقدمية) بالعمل المدرسي، مع اجتياز المرشح للبرنامج التدريبي الذي يعقد لهذا الغرض بنجاح، كما يعقد للمرشح مقابلة شخصية أمام لجنة تكونها المديرية التعليمية لهذا الغرض.

أنماط القيادة في ظل إدارة الجودة الشاملة:

            تتفق التنظيمات الإدارية واللوائح والقوانين والصلاحيات والأهداف العامة في الخطوط العريضة، لكل نوع من المدارس (باختلاف مراحلها) ولكن الإدارة المدرسية وطريقة أداء العمل المدرسي تختلف باختلاف شخصية مدير المدرسة فهو قمة الجهاز الإداري، لذلك يصنف مدراء المدارس وفقاً للسلوك والأفعال الإدارية السائدة إلى ثلاثة أنماط ممثلة في الآتي:

  1. القيادة الأوتوقراطية (أو التسلطية) Autocratic (or authoritarian) leader ship:

            وفي هذا النمط القيادي يبقى اتخاذ القرار حقاً للقائد وحده، وبالتالي يحجم عن أن يفوض سلطة اتخاذ القرار إلى غيره ويركزها في يده بحيث تنتهي عنده كافة العمليات الإدارية، لذلك يجعل كل مرؤوسيه يتصرفون وفقاً لرغبته دون أن يعطيهم أي مجال للمساهمة في صنع القرار الإداري.

            وهذا النمط يقوم على فكرة (الزعامة) وغالباً ما تتعرض العلاقات بينه وبين مرؤوسيه لشتى الأضرار وتسوء علاقاته الخارجية بأفراد المجتمع.

  1. القيادة الديمقراطية Democratic leader ship:

            وهذا النمط يوفر الفرص للعاملين معه لاتخاذ القرارات السليمة في حل المشكلات نتيجة للتفكير السليم، ويعمل على تحقيق ذاتية كل فرد من العاملين معه، من خلال الترغيبات والحث وضرب المثل وليس من خلال التخويف وفرض السلطة، فالقائد هنا يستشير مرؤوسيه، ويأخذ آراءهم ويفوض كثيراً من سلطاته إليهم، ويسهم هذا النمط في رفع معنويات العاملين، وهو وسيلة عملية لتدريبهم وتنمية قدراتهم.

  1. القيادة المتساهلة (الفوضوية) Laissez - faire leader ship:

            وهذا النمط من أنماط القيادة يترك لمرؤوسيه الحبل على الغارب دون تدخل في شئونهم، ويقوم القائد عادة بتوصيل المعلومات إلى أفراد مجموعته، ويترك لهم مطلق الحرية في التصرف دون أي تدخل منه، ويتميز هذا النوع من القيادة بأنه أقل الأنواع من حيث ناتج العمل، وكثيراً ما يشعر أفرادها بالضياع وعدم القدرة على التصرف والاعتماد على أنفسهم في مواقف تتطلب المعونة أو النصح أو التوجيه من جانب القائد، وبذلك تنعدم السيطرة على المرؤوسين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهنا تنعدم القيادة وتنعدم روح العمل الجماعي المشترك مما يجعل المدرسة في حالة من التسيب.

            ومما سبق يتضح أن النمط الديمقراطي هو أفضل الأنماط السابقة لإدارة المدرسة فالمدير الذي يمارس هذا النمط نجده أقرب إلى قلوب مرؤوسيه، وكل أفراد المدرسة يسعون لتحقيق أهدافها في جو من الأمن والارتياح، عكس النمط الأتوقراطي التسلطي الذي يهدد شخصية العاملين معه ويعوق بناءها، حيث نجد أن العاملين في إطار هذا النمط مكلفون بتنفيذ التعليمات دون مناقشة مع سيطرة جو من الخوف والرعب بين العاملين، وكذلك الحال بالنسبة للنمط المتسبب الفوضوي والذي كثيراً ما يشعر أفراده بالضياع والقلق وعدم القدرة على التصرف السليم في المواقف المختلفة نظراً لانعدام القدوة الحسنة وعدم وضوح الرؤية فينعكس ذلك بصورة سلبية على العمل وعلى العاملين بالمدرسة.

المسئولية والسلطة في إدارة الجودة الشاملة:

            المسئولية Responsibility ركن من أركان النشاط البشري، وظاهرة اجتماعية لازمت الإنسان منذ أن عرف الحياة في المجتمعات المنظمة على وجه الأرض، ويعتبر الشعور بالمسئولية مصدراً أساسياً من مصادر القوى التي أسهمت في بناء المدنيات وفي إقامة الحكومات منذ القرون الأولى، كما أنها تعتبر عاملاً من عوامل تقييم الفرد والجماعة والمجتمع، وتتغلغل المسئولية في نظم وقواعد السلوك البشري، سواء أكانت نظماً سياسية أو دينية أو قواعد أخلاقية أم قانونية وتكون ركناً أساسياً من أركانها.

            والمسئولية ظاهرة لا يمكن تعريفها على وجه التحديد، فهي ظل للإنسانية لازمها منذ شرق فجرها، وسيظل معها حتى الغروب، وقد تطورت في معناها وفي مبناها مع تطور العلوم والمعارف، فهي تارة ترتبط بالأفكار والمثل والاتجاهات وبالتزامات الضمير، وتارة ترتبط بمظاهر السلوك المختلفة بالآداب وبالمجالات وتارة ترتبط بالقانون.

            ومع ذلك تعرف المسئولية بأنها الالتزام بأداء عمل معين مفروض يحاسب عليه الفرد أو هي محاسبة الفرد على القيام بواجبات محددة بحكم كونه عضواً في تنظيم ما.

            والالتزام هو أساس المسئولية، وتنشأ المسئولية من طبيعة العلاقة بين الرئيس والمرؤوس فالرئيس يملك سلطة مطالبة المرؤوس بأداء واجبات معينة ومصادر هذه السلطة العلاقة التعاقدية التي بمقتضاها يلتزم المرؤوس بأداء واجبات معينة لقاء تعويض محدد، وهو مسئول أمام رئيسه عن أدائه لهذه الواجبات.

            ولا يمكن تصور وجود المسئولية دون وجود الكفاءة أو القدرة على تحملها، وقد يستخدم اصطلاح السلطة للتعبير عن المعني المتعلق بالقدرة، فالسلطة هي قوة تخدم فكرة أو عملاً، والسلطة والمسئولية ظاهرتان لا يمكن تصور وجود إحداهما دون الأخرى، فنضوج الفكر والإدارة والقدرة على العمل من أبرز خصائص المسئولية، فلا مسئولية على من لا أهلية له.

            لذلك ترتبط السلطة بالمسئولية ارتباطاً وثيقاً بل أن المسئولية ما هي إلا وليدة السلطة، فما أن تذكر السلطة إلا وبجانبها المسئولية، لأن المسئولية لا تكون إلا بوجود سلطة، كما أنه لا تكون هناك سلطة مجردة من أية مسئولية، لأن المسئولية لا تكون إلى بوجود سلطة، كما أنه لا تكون هناك سلطة مجردة من أية مسئولية.

            وتعرف السلطة Authority في الإدارة بأنها القدرة على اتخاذ قرارات تحكم سلوك الآخرين وتصرفاتهم، أو هي إصدار الأوامر للآخرين، وتعرف عند ماكس ويبر Max Weber بأنها عملية انقياد فرد أو مجموعة عن طواعية لشخص يقرون له بأحقية في إمرتهم والإشراف عليهم.

ويميز ماكس وييبر ثلاثة أنواع رئيسية للسلطة هي:

‌أ.    السلطة التقليدية: وترتكز أساساً على السن والمكانة التقليدية التي يحملها صاحب السلطة ويقبلها أفراد الجماعة وهذا النمط غالباً ما ينتشر في المجتمعات البدائية.

‌ب.   السلطة الكاريزمية: وتعتمد على الصفات والقدرات والخصائص التقليدية والجذابة التي تتمتع بها شخصية صاحب السلطة (مثل الأنبياء وأبطال الحروب والزعماء وعظماء القادة).

‌ج.   السلطة الرشيدة: وهي السلطة القانونية القائمة على مجموعة من القواعد التي يتفق أعضاء الجماعة على مشروعيتها، وتتركز السلطة القانونية في المكتب (الوظيفة) لا فيمن يشغله.

وهناك من يرى أن السلطة على مستوى المدرسة تنقسم إلى نوعين:

أ‌.       سلطة رسمية مصدرها الوظيفة ذلك أن مدير المدرسة يتمتع بسلطات بحكم وظيفته.

ب‌.   سلطة عملية غير رسمية، وقد تساوي السلطة الرسمية وقد تقل عنها، ولا يتمتع بهذه السلطة العملية القوية سوى مدير المدرسة ذي الشخصية القوية، الناجح في ممارسة عمليه الرئاسي والقيادي بشكل يجعل مرؤوسيه يعترفون ضمناً وصراحة بقدرته على قيادتهم، ومن هنا يقال أن سلطات مدير المدرسة (العملية) ترتبط بشعور مرؤوسيه بأنهم (ملزمون) بتلبية ما يطلب منهم تنفيذه والقيام به.

            ويتسع نطاق السلطة بتصاعد مستوى التنظيم، فسلطة مدير المدرسة أكبر من سلطة الوكيل، كما أن سلطة الوكيل أكبر من سلطة المعلم، والسبب واضح وهو أن مسئوليات المدير أكبر من مسئوليات الوكيل والمعلم.

أصبح مفهوم وظيفة مدير المدرسة في الدول المتقدمة مفهوماً شاملاً، يشمل النواحي الإدارية والفنية، وما إلى ذلك فهو مسئول عن جميع النواحي الإدارية في مدرسته، وأيضاً عن جميع ما يتعلق بالمناهج وطرق التدريس والكتاب المدرسي وعلاقة مدرسته بالمجتمع المحل والمدارس الأخرى وعن تقويم كل فرد من مدرسته من إداريين ومدرسيين وطلاب وعن تطوير جميع الأعمال الإدارية والفنية والإشراف الإداري والفني بمدرسته وهذا ما سوف نتناوله بشئ من التفصيل.

 

 

 المسئوليات المجتمعية لمدير المدرسة في ضوء إدارة الجودة الشاملة :

وإذا كما تناولنا من قبل مفهوم كل من المسئولية ومدير المدرسة فإننا يمكن أن نضع تعريفاً إجرائياً - من وجهة نظر الباحث - للمسئولية المجتمعية لمدير المدرسة حيث يقصد بها تعهد مدير المدرسة والتزامه بتجنيد كل إمكانات المدرسة المادية والبشرية المتاحة في خدمة المجتمع المحلي التي هي جزء منه للنهوض به ورقية وتقدمه وتحضره، مع الاستفادة من إمكاناته المختلفة لتطوير العمل المدرسي.

            وفي ضوء هذا التعريف الإجرائي تتحدد المسئوليات المجتمعية لمدير المدرسة في علاقة المدرسة بالمجتمع المحلي:

            اتجه الفكر التربوي الحديث إلى توثيق الصلة بين الإدارة المدرسية والمجتمع المحلي، وذلك بهدف أن تعني الإدارة المدرسية بتوفير خبرات متنوعة ومتكاملة لتلاميذها، وبحيث تنمو قدراتهم وتصقل مواهبهم وتوجه ميولهم ويتعرفون على الحياة من حولهم وما تعيشه بيئاتهم ومجتمعاتهم، فيقفون على ما فيها من ظروف وأوضاع ومشكلات ويمزجون دراساتهم النظرية بالنواحي التطبيقية العملية، وتعطي المشروعات التي تقوم الإدارة المدرسية بتنفيذها في المجتمع المحلي لتلاميذها فرص تمثل القيم الاجتماعية السليمة.

            وفي إطار النظرة الحديثة لعمل المدرسة، فإن التعاون بين البيت والمدرسة من جهة وبين المدرسة والمجتمع المحلي والبيئة المحيطة من جهة أخرى أصبح يحتل موقعاً هاماً ورئيسياً بين مسئوليات وواجبات مدير المدرسة، وذلك من حيث استفادة المدرسة من إمكانيات ومصادر المجتمع المتاحة ومشاركة المجتمع في العمل المدرسي بصورة أكبر مما يستدعي أن تتضمن مسئوليات إدارة المدرسة التخطيط والاستراتيجيات المختلفة لإيجاد التعاون الأفضل من خلال السعي لفتح أبواب المدرسة على المجتمع وإقامة قنوات الاتصال بينها وبين أسرة كل تلميذ بالمدرسة.

            لذلك يعد توفير علاقة وطيدة بين المدرسة والمجتمع المحلي المحيط بها، من أبرز أهداف الاتجاهات التربوية المعاصرة، كيف لا ومحاولات زيادة مساهمات أوليات الأمور في العملية التربوية في تزايد حيث تتأثر المدرسة بالبيئة المحيطة، ومن المفروض أن تؤثر هي بدورها تأثيراً إيجابياً في هذه البيئة، فكل عمليات التقدم والازدهار التي تحدث للمجتمعات يعزوها التربويين إلى المردود التربوي للمدرسة.

            فالعلاقة وثيقة بين الاثنين ومستمرة في دائرة المدخلات والمخرجات، ويطلق العديد من التربويين على العوامل المؤثرة في عمليات التفاعل بين الاثنين بالعوامل غير المرئية أو المحسوسة، فالتلميذ هو المنتج الذي يحاول التربويين أن يكون متوائماً مع متطلبات التنمية داخل المجتمع.

            ومن هنا يصبح أو واجب رئيسي لمدير المدرسة هو القيام ببرنامج فعال لتحقيق العلاقات الناجحة بين المدرسة وبين المجتمع، ولابد أن يضع هذا البرنامج في اعتباره خصائص المجتمع الذي تخدمه المدرسة وإمكانية ومدى طموحه وتطلعاته، وإذا أراد مدير المدرسة أن ينجح في مهمته باعتباره قائداً تربوياً، فإن عليه أن يعرف المجتمع الذي يتعامل معه ويعيش فيه معرفة حقيقية مبنية على منهج علمي سليم، فيعرف الناس والقوى التي تحركهم من عادات وتقاليد ونظم ومعتقدات وفنون وتراث ومفاهيم وأسلوب حياة، لأن ذلك يعين مدير المدرسة على وضع خطته لخدمة مجتمعه وحل مشكلاته.

            وفي دراسة قام بها (الشافعي - 1997) في منطقة جازان التعليمية بالمملكة العربية السعودية عن مهام ومسئوليات مدير المدرسة في ربط المدرسة بالمجتمع المحلي والذي يمكن أن يتم من خلال النقاط التالية:

  • تنمية أفراد المجتمع الخارجي بالمدرسة والعاملين فيها.
  • المساهمة الفعلية في خدمة البيئة المحيطة بالمدرسة عن طريق:

‌أ.         المشاركة في المناسبات العامة.

‌ب.     المشاركة في الأسابيع العامة (المرور - الصحة).

‌ج.      تنظيم المحاضرات والندوات الهادفة.

  • الاهتمام باجتماع الجمعية العمومية للآباء والمعلمين (مرة على الأقل كل فصل دراسي).
  • الاستقبال الطيب لآباء وأولياء الأمور عند زيارتهم للمدرسة.
  • مساعدة الآباء وأولياء الأمور في التعرف على ما يدرسه الأبناء ومتابعة تقدمهم الدراسي.
  • توعية المجتمع المحيط بالمدرسة بأهدافها وأنشطتها.
  • الاستفادة من أصحاب الخبرة التربوية من آباء وأولياء الأمور في التغلب على بعض المشكلات التعليمية بالمدرسة.
  • دعوة الآباء وأولياء الأمور لحضور حفل تكريم المتفوقين من الطلاب في كافة المجالات والأنشطة المدرسية.
  • تعريف آباء وأولياء أمور التلاميذ بأنظمة المدرسة.
  • استدعاء آباء وأولياء أمور الطلاب المقصرين لمناقشة أسباب ذلك.
  • تزويد آباء وأولياء أمور الطلاب بتقارير وافية وصادقة عن مستويات أبنائهم التعليمية.
  • حث المدرسين والتأكيد عليهم بضرورة استخدام مذكرة متابعة الواجبات المنزلية.

            وفي دراسة قام بها قسم الاجتماع 1995 بولاية Baltimora بالولايات المتحدة الأمريكية خلصت الدراسة إلى أن مدير المدرسة يمكن أن يوثق العلاقة بين المدرسة والمجتمع المحلي من خلال القيام ببعض الأعمال التالية:

  • إقامة المعارض، حيث تستطيع المدرسة أن تقوم بعمل المعارض المتعددة التي يشعر أهالي المجتمع المحلي أنهم بحاجة إليها.
  • التعرف على المهن والحرف السائدة في المجتمع.
  • التعرف على الحالة الصحية بالمجتمع ونشر الوعي الصحي بين أفراده.
  • الوقوف على المشكلات الأخلاقية والسلوكية بالمجتمع وكيفية علاجها.
  • المشاركة في حملات النظافة.
  • المشاركة في مساعدة العائلات الفقيرة بالمجتمع.

            وأكد (Price) 1998 في دراسة قام بها في الولايات المتحدة الأمريكية تتناول في جزئ منها دور إدارة المدرسة في خدمة المجتمع المحلي ممثلاً في النقاط التالية:

  • المشاركة في حملات النظافة بالمجتمع.
  • المشاركة في المهرجانات والاحتفالات التي يقيمها المجتمع.
  • مشاركة التلاميذ في الحملات ضد المخدرات.
  • المشاركة في أعمال جمع التبرعات لمساعدة الأسرة الفقيرة.
  • المساهمة في الأعمال التطوعية مثل تنظيم المرور.
  • مشاركة جميع أبناء المجتمع لإزالة التفرقة العنصرية بين أفراد المجتمع الواحد.
  • مشاركة التلاميذ في البرامج الرياضية التي يقيمها المجتمع.
  • إقامة معارض متنوعة تتعلق بمتطلبات المجتمع وحاجاته.

            وفي دراسة أخرى قام بها (Kennedy) 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية حول العلاقة التي يجب أن تكون ما بين المدرسة والمجتمع، أكدت الدراسة أن مدير المدرسة يمكنه أن يوثق العلاقة من خلال قيامة بالمهام التالية:

  • فتح إمكانات المدرسة للمجتمع المحلي للاستفادة منها.
  • توثيق العلاقة بين أفراد المجتمع المحلي بلقائهم واجتماعهم داخل المدرسة وتوثيق العلاقات الاجتماعية فيما بينهم.
  • استفادة المجتمع المحلي من الإمكانات المتعددة مثل الصالات الرياضية، المسرح، المركز الإعلامي، غرفة الاجتماعات وغيرها.
  • عقد مجالس الآباء والتي بها توثق العلاقة ما بين الآباء والمعلمين والطلاب وإدارة المدرسة ومناقشة قضايا الطلاب المتعددة.
  • محاولة دراسة مشكلات المجتمع المحلي وإيجاد الحلول المناسبة في ضوء الإمكانات والموارد المتاحة.
  • تشجيع وتحفيز المدرسة للقيام بتنظيم محاضرات وندوات تتعلق بالقضايا المهمة في المجتمع مثل المخدرات، النظافة، الوعي الصحي، ومساعدة الطلاب الفقراء.

            وقد حدد مجلس مديري مدارس الولايات الرئيسية بواشنطن Connucil of chief state school officers أن مدير المدرسة الناجح هو ذلك القائد التربوي الذي يربط مدرسته بالمجتمع الخارجي وذلك من خلال:

  • مشاركة الآباء وأولياء الأمور في اتخاذ القرارات الخاصة بالمدرسة من خلال مجالس الآباء والمعلمين.
  • استخدام إمكانية المجتمع المتاحة في خدمة المدرسة.
  • التعاون مع مختلف المؤسسات والمنظمات داخل المجتمع المحلي للإرتقاء به.
  • توثيق العلاقات والروابط مع متخذي القرار داخل المجتمع المحلي.
  • المدرسة جزء لا يتجزأ من المجتمع الذي توجد به.
  • جمع المعلومات عن المجتمع المحلي لتقديم الخدمات التي يحتاجون إليها على أساس علمي سليم.

            وعلى مدير المدارس أن يستجيبوا للتحديات الجديدة التي تواجه المجتمع، وذلك من خلال مضاعفة جهودهم في العمل، فقد حلت المسئوليات الجديدة محل المسئوليات القديمة، ولم تعد المدرسة مكاناً مغلقاً تدار فيه العمليات التعليمية فحسب، بل أصبحت مكاناً منفتحاً على المجتمع الخارجي مستفيداً منه ومفيداً له.

            لذلك يعتمد مدراء المدارس على أحدث التقنيات للنجاح في مسئولياتهم المحددة من قبل السلطة المختصة بذلك، ومن ثم فإن الطريق الوحيد لمواجهة ما قد يتعرض له مدراء المدارس من عقبات هو البحث عن حلول قريبة من النظام التعليمي من ناحية، وبمساعدة المثقفين من أبناء المجتمع المحلي من ناحية ثانية.

            ومع مواجهة التحديات التي تواجه المجتمع، واستخدام أحدث التقنيات للنجاح في ذلك، فإن المسئولية الأخلاقية تعتبر جزء لا يتجزأ من مسئوليات مدير المدرسة، لأن عنده التزامات ومسئوليات أخلاقية تجاه المجتمع والمهنة ومجلس إدارة المدرسة وأيضاً تجاه الطلاب، هو مسئول عن اتخاذ القرارات التي من خلالها يتم الحفاظ على قيم المجتمع، باعتبار أن المدارس مؤسسات أخلاقية تهدف إلى الارتقاء بالأعراف الاجتماعية التي يؤمن بها المجتمع.

            وهكذا نجد أن مدير المدرسة الناجح هو الذي يخطط تخطيطاً سليماً لتحقيق ما يتوقعه منه مجتمعه يجعل مدرسته جزءاً لا يتجزأ من البيئة التي توجد فيها، فتقدم الكثير من خدماتها لأبناء المجتمع بإمكانياتها المادية والبشرية المختلفة، كما يسعى مدير المدرسة من خلال علاقاته الوثيقة بالمجتمع للإفادة من الإمكانات المتاحة في بيئته، وبالتالي تتوحد العلاقات ويرقى المجتمع وتتحقق أهداف المدرسة.

 

 

 

 المسئوليات الإدارية والفنية لمدير المدرسة الثانوية في ضوء إدارة الجودة الشاملة :

يمكن تعريف المسئولية الإدارية والفنية لمدير المدرسة بصورة إجرائية على أنها التعهد بكل القواعد الملزمة التي تصل إلى المدرسة لتنظيم العملية التعليمية بها تحقيقاً للأهداف المنشودة، مع منحه سلطة تنفيذ هذه القواعد ما دامت ذات صفة رسمية.

            ويضطلع مدير المدرسة باعتباره قائداً إدارياً بمهام ومسئوليات وواجبات متعددة أو جزها كل من رو Roe ودريك Drake من ناحية، وبلومبرج Blum Berg وجرينفيلد Greenfield من ناحية أخرى في دراستين مستقلتين عكستا بعدين متكاملين هما:

البعد الأول: التركيز على العمل الإداري Administrative management emphasis:

            ومن بين المسئوليات والمهام والواجبات الإدارية والمكتبية التي ينبغي على مدير المدرسة القيام بها لضمان سير العمل في مدرسته بسهولة ويسر ما يلي:

  • الإشراف على إعداد السجلات المدرسية المختلفة والمحافظة عليها.
  • إعداد الموازنة العامة للمدرسة والرقابة على أوجه الصرف فيها.
  • متابعة سير العمل ورفع التقارير للإدارة التعليمية.
  • إدارة شئون الأفراد.
  • الإشراف على حفظ النظام بين التلاميذ.
  • إعداد الجداول المدرسية.
  • إدارة المرفق المدرسية، والعمل على تزويدها بالأدوات والتجهيزات اللازمة.
  • مراقبة برامج وإجراءات التدريس المحددة من قبل الإدارة التعليمية.

البعد الثاني: التركيز على القيادة التربوية Educational leadership emphasis:

            وتتضمن كل المسئوليات والمهام المرتبطة بتغيير سلوك المنتسبين للعملية التعليمية من مدرسين وتلاميذ وأولياء أمور، وذلك بغية تحقيق الأهداف التي تسعى إلي تحقيقها المدرسية ومنها:

  • تحفيز المعلمين للعمل بأقصى جهد ممكن.
  • العمل مع المعلمين على تطوير وتنمية وتحسين الأنشطة المدرسية.
  • مشاركة المعلمين في وضع خطط تقويم وتسجيل التقدم الدراسي للتلاميذ.
  • تشجيع الدراسات المستمرة لتطوير المناهج وأساليب التدريس.
  • إتاحة الفرصة أمام النمو المهني للمعلمين بالمدرسة.
  • العمل على تأسيس مركز فني للمواد وتسهيل الاستخدام.
  • التقويم والتوجيه المستمر للمعلمين.

            كما صنف بعض الباحثين مثل ليفام Lipham وهوك Hock مهام ومسئوليات وواجبات مدير المدرسة إلى المحاور التالية:

  • تحسين البرامج التعليمية Instructional improvement وتتمثل في تحديد البرامج التي تقدمها المدرسة والتخطيط لتطويرها وتقويمها.
  • خدمات المعلمين Staff personal services وتدور حول توجيه وتقويم المعلمين بالمدرسة وإتاحة الفرصة لهم بالنمو المهني المستمر.
  • الموارد المالية Financial physical resources وتتعلق بمهام الإشراف على الموارد المالية وإدارة المرافق المدرسية وتجهيزاتها.
  • خدمات شئون الطلاب Student personal services وترتبط بالإرشاد النفسي للطلاب وتوجيههم، حيث يقوم مدير المدرسة بمهمة التوجيه والإرشاد في المدرسة بشكل عام باعتباره الأب الروحي للتلاميذ، والزميل والقدوة لمرؤوسيه.

            ويرى اللقاني (1995) أن مسئولية مدير المدرسة أكبر من مسئولية الموجه التربوي في مجال المناهج الدراسية، حيث أن الموجه يهتم بمنهج واحد فقط، أما مدير المدرسة فمطالب بالإطلاع على كل المناهج التي تدرس داخل مدرسته والتعرف على أحوال كل المعلمين العاملين معه، ولذلك يجب أن تتوافر لدية قدرة فائقة على توجيه المعلمين والتنسيق فيما بينهم.

            ويعتبر مدير المدرسة مسئولاً عن كل الأعمال الفنية والإدارية والمالية والأمنية، وهي أعمال ليست بالسهلة والبسيطة، ولكنها عمليات ديناميكية متشابكة، وكفاءة مدير المدرسة القيادية تنحصر إلى حد بعيد في مدى قدرته على إنابة من يستطيع النهوض ببعض هذه الأعمال في أسرة المدرسة، وسواء قام بهذه الأعمال أو فوض غيره للقيام بها فهو يعد مسئولاً عنها مسئولية مباشرة.

            لذلك أكدت دراسة تومسون Thomson (1993) أن المدير لكي يكون أكثر كفاءة وفعالية، فيجب عليه أن يكون على معرفة تامة بالتشريعات التربوية القومية، والقدرة على توظيف هذا في مدرسته، كما يجب عليه تحمل المسئولية القصوى المرتبطة بالتقدم الدراسي للطلاب.

            وقد أصدرت الجمعية الوطنية لمدراء المدارس الثانوية National association of secondary school principals (NAESP) بالولايات المتحدة الأمريكية عام 2001 دليلاً يوضح مسئوليات ومهام مدراء المدارس التي تمتد من تحصيل الطلاب وحتى متابعة الهيئة العامة بالمدرسة، كما وضعت مجموعة من المعايير التي يجب أن يكون مدراء المدارس على دراية بها وذلك لإرشادهم في اتخاذ القرارات التعليمية المختلفة، مثل تحسين مستوى الطلاب التعليمي والتربوي، تهيئة بيئة مهنية هادفة للعاملين بالمدرسة، تزويد المدارس بكل ما هو جديد في مجال الإدارة والسلوكيات التي يحتاجون إليها لمواجهة التحديات المختلفة التي قد يواجهونها.

ويقدم الدليل ستة معايير أساسية لمدراء مدارس اليوم تحدد مسئولياتهم ممثلة في:

  • إدارة المدرسة بطريقة تجعل تعليم الصغار والكبار هما موضع الاهتمام، مع تقديم التوجيه اللازم لكل من المعلم والمتعلم.
  • اختيار المحتوى التعليمي الجيد الذي يضمن تقدم الطالب نحو تحقيق المستويات الأكاديمية المرجوة.
  • تهيئة المناخ التعليمي المناسب داخل المدرسة والذي يربط الطالب بالتعليم والتعلم.
  • استخدام المصادر المتنوعة للبيانات والمعلومات كأداة تشخيصية لتقييم وتحسين مستوى التعليم.
  • تهيئة البيئة التعليمية من أجل تنمية المسئولية المشتركة التي تربط بين المتعلم والنجاح المدرسي.

            ويحدد مجلس مديري مدارس الولايات الرئيسية (CCSSO) بواشنطن بعضاً من المسئوليات التي يجب أن يلتزم بها مدراء المدارس منها:

  • تنفيذ التشريعات والقوانين التي تنظم العمل المدرسي مع مراعاة المساواة والعدل بين الجميع.
  • الإشراف على الجوانب الإدارية والفنية داخل المدرسة.
  • الالتزام بقواعد المهنة الأخلاقية.
  • الإلمام بأهداف التعليم في مجتمع متغير.
  • مشاركة كل أعضاء المدرسة في تحسين صورتها.
  • الاهتمام بنمو الطلاب في جميع المجالات المختلفة.
  • تصميم المناهج وتطبيقها وتقويمها.
  • جعل المدرسة بيئة تعليم وتعلم آمنة.
  • استخدام التكنولوجيا في التعليم والتدريس وإدارة المدرسة.
  • مواجهة المشكلات التي تعترض المدرسة مع اقتراح الحلول المناسبة مع إدارة المدرسة وفي الوقت المناسب.
  • استخدام استراتيجيات التغير وحل الصراع المطبقة في المؤسسات الاقتصادية والثقافية داخل المدرسة.

            ولأن المديرين قادة، فإن عليهم مسئولية مختلفة تتمثل في ممارسة السلطة بطريقة أخلاقية، ويشير Greenfield (1991) أن جزءاً كبيراً من مسئولية المدرسة خلقى.

            ويبين Rushworth Kidder (1995) المشاكل الأخلاقية التي يواجهها مدراء المدارس، ليست الاختيار بين الصح والخطأ، بل بين أمرين كلاهما صح، فمثلاً الرشوة خطأ أخلاقي واضح، أما المشكلة الأخلاقية فتكون مثلاً في تقرير ما إذا كانت الميزانية المحددة ستخصص لوضع منهج للموهوبين أو لمنع التسرب من المدرسة.

            وتنشا المشكلات (المعضلات) الأخلاقية حينما يحدث التصادم بين قيمتين مهمتين، فالمدير الذي يقرر كلاً من استقلالية المدرس وإنجاز الطلاب سيواجه معضلة أخلاقية حينما يضع المدرسون نظاماً يقلل إعطاء الدرجات للتلاميذ، ويزيد من هذا الصراع أن المسئولين في المدرسة شخصيات عامة لديهم التزامات نحو كثير من الناس ذوى القيم أو المصالح المتعارضة، ومن أمثلة ذلك هل يسمح لاتحاد الطلاب أن يدعو شخصية الحديث إذا كانت آراء هذه الشخصية قد تغضب بعض أفراد المجتمع؟ هل يجب على المدير أن يساعد مدرساً قام بإعطاء درجات غير دقيقة في أحد الامتحانات.......

            ويمكن لمدراء المدارس أن يحلوا المعضلات الأخلاقية من خلال ما اتفق عليه فلاسفة الأخلاق على أنه لا توجد وصفات جاهزة تقدم حلولاً سهلة للمعضلات المعقدة، ولكن بعض المفكرين وضعوا مجموعة من القواعد والإرشادات منها:

‌أ.     على المديرين أن يكون عندهم فهم محدد للمعايير الخلقية، وأن يكونوا مستعدين لتطبيق هذه المعايير، ويذكر Starratt أن الوعي الخلقي الكامل يجب أن يشتمل على الاهتمام (الوعي بالعلاقات ومطالبها) والعدل (كيف نحكم أنفسنا بطريقة عادلة؟) والقدرة على النقد (ما الأشياء التي لا يمكننا أن نطبق مبادئنا فيها؟).

‌ب.   يتميز القادة بقدرتهم على النظر إلى المعضلة من عدة جوانب، ويصف Kidder ثلاثة جوانب، الأول: القدرة على توقع نتائج كل اختيار وتحديد من سيتأثر به وكيف؟، والثاني: يعتمد على القواعد الأخلاقية ويفترض أن العالم سيكون أفضل إذا اتبع الناس معايير متفقاً عليها (مثل قول الصدق)، والجانب الثالث: يتمحور حول مبدأ الاهتمام الذي يمثل القاعدة الذهبية وهو كيف نحب أن يعاملنا الناس لو كنا في نفس الموقف.

‌ج.   للقادة القدرة على إعادة تشكيل القضايا الأخلاقية ويذكر Kidder أيضاً أن هناك دائماً طريقاً ثالثاً قد يمثل حلاً للمشكلة، فمثلاً إذا اعترض أحد الآباء على واجب منزلي لأسباب دينية، فإن مدير المدرسة يمكن أن يتفاوض معه على واجب منزلي آخر بحيث يحافظ على شكل المدرسة دون الاعتداء على حقوق الآباء.

            والمدرسة بحكم طبيعتها لا تشجع مناقشة المسائل الأخلاقية، حيث يقضى المدرسون معظم الوقت معزولين عن بعضهم البعض وعادة لا يوجد وقت كاف لمناقشة القضايا الأخلاقية، ويرى Betty Sichel (1993) أن إحدى الوسائل لزيادة الوعي الخلقي هي تشكيل لجنة أخلاقيات تماثل تلك الموجودة في كثير من المستشفيات، ومثل هذه اللجان لا تصدر أحكاماً رسمية ولكنها تزيد الوعي بالقضايا الأخلاقية وتضع قواعد أخلاقية وتقدم النصح للمدرسين اللذين يواجهون معضلات أخلاقية.

            وليس بإتباع بعض القواعد الأخلاقية يصبح مدير المدرسة مديراً أخلاقياً، فمسئوليات المدير معقدة وذات جوانب متعددة تتعلق بالأمانة والصدق البشري أكثر مما تتعلق بالخبرة الفنية والإدارية.

            ومن خلال تناول المسئوليات الإدارية والفنية لمدير المدرسة والتي غالباً ما تتصل بالقوانين المنظمة للمجتمع المدرسي، نجد أن هناك مسئوليات أخرى وليدة ظروف التربية الحديثة، مما يؤدي بدوره إلى ظهور اتجاه متجدد للإدارة المدرسية عما كانت عليه في الماضي، وذلك في ظل التغيرات والتطورات الحادثة نتيجة الانفجار المعرفي والانفجار السكاني وسرعة التغير والتطور في وسائل الاتصالات والتكنولوجيا المعاصرة.

            هذه التحديات وغيرها أثرت على الجوانب المختلفة في مسئوليات وواجبات مدير المدرسة الفنية والإدارية، وقد أدت هذه التحديات إلى ظهور مفاهيم واتجاهات تربوية جديدة وتعدلت مفاهيم واتجاهات قديمة سواء كانت إدارية أم فنية ومن أمثلة ذلك:

‌أ.     في الجوانب الإدارية: فإن أهم التطورات كانت فيما يلي: الاتجاه نحو الأسلوب العلمي في الإدارة، أسلوب العلاقات الإنسانية، الاتجاه نحو الإدارة الموقفية، أسلوب الإدارة بالأهداف، أسلوب تحليل النظم في الإدارة، الاتجاه نحو استخدام التكنولوجيا، والاتجاه نحو الأسلوب الديمقراطي والاتجاه نحو مركزية التخطيط ولا مركزية التنفيذ.

‌ب.    في الجوانب الفنية: ظهور مفهوم التربية الكيفية أي تكييف المواقف التعليمية لتصبح أكثر مسايرة لحاجات المتعلم وخصائصه، وظهور التفريد في التعليم بحيث يكون هناك اختيارات تسمح للمتعلم باختيار النشاط التعليمي المناسب لقدرته التحصيلية وطموحاته، وظهور مدخل النظم، بالإضافة إلى التطورات الحاصلة في الأساليب والاستراتيجيات فيما يتعلق بالمعلم والتلميذ وطرق التدريس والتقويم.

  

مرحلة التمهيد والإعداد Preparation stage:

وتلك هي مرحلة الإعداد والتجهيز لإدارة الجودة الشاملة وتشمل على الخطوات التالية:

  1. يقرر مدير المدرسة الثانوية مدى الاستفادة من التحسينات الشاملة الممكنة من وراء تطبيق إدارة الجودة الشاملة.
  2. يقوم مدير المدرسة باختيار عدد من الأفراد من جميع المستويات الإدارية على أن يكون هو واحد منهم كمجموعة أولى وأساسية للتدريب الخارجي على إدارة الجودة الشاملة وقد يكون التدريب في أحد المواقع التالية: (مركز تدريب وإعداد مديري الجودة الشاملة بالمديرية التعليمة إن وجد، أو مركز إعداد القادة، أو إحدى مراكز التدريب الخاصة)، على أن يشترك الأعضاء المختارين بالتدريب في وقت واحد حتى يمكنهم إفادة مدرستهم بفوائد الجودة الشاملة بشكل أفضل، إضافة للتفاعل بينهم أثناء التدريب، ويهدف ذلك إلى:
  3. يقوم مدير المدرسة كرئيس مجلس إدارة الجودة الشاملة بتقسيم المسئولية وتحديد العناصر الضرورية لوضع الخطة الاستراتيجية في شكلها الصحيح، وتبدأ المسئولية بتحديد الأهداف وتوضيحها وترجمتها إلى مهام محددة، ووضع أبعاد خاصة بقياس أداء الأفراد بالمدرسة ومعرفة نتائج تقدمهم.
  4. صياغة الرسالة ووضح الرؤية حيث يقوم المدير بإثارة الأفكار لدى الجميع وجذب العاملين نحو تحديد قائمة بأولويات المشروعات والأنشطة والأشياء التي يجب أن نتضمنها الرسالة، واستخدام هذه القائمة كأساس للوصول إلى اتفاق جماعي في الرأي، وبذلك تسهل وتتضح الرسالة، بحيث يمكن لأي فرد الوصول لمعناها ومعرفة دوره في تحديد النجاح.
  5. بعد تحديد وصياغة مصطلحات الرسالة الخاصة بالجودة يتم تحديد الأهداف بدقة وعلى رأسها الحفاظ على التميز الفني، وتحسين وزيادة قوة إنتاجية المدرسة، والحفاظ على القيم الخاصة بالمدرسة.
  6. يتم رسم سياسة المدرسة المتعلقة بالجودة الشاملة وتعريفها وتوصيلها بشكل دقيق إلى العاملين، ويتولى المدير والناظر تشكيل هذه السياسة وهيكلتها وتحديد ما هو هام وما هو غير هام من خلال:
  7. بعد التأكد من أن فترة الإعداد هذه قد خلقت التزاماً ورغبة كاملين لدى الأفراد ورغبتهم في التميز والتحسين والتطوير تقويم إدارة المدرسة بالآتي:
  • التدريب على تنظيم الأفكار الخاصة بإدارة الجودة الشاملة حتى يتسنى لهم تدريب وإعداد فرق خاصة للعمل داخل المدرسة بعد ذلك، وتكوين فريق التدريب الداخلي بالمدرسة.
  • تعريف وتنقيح وتوضيح المصطلحات التي تستخدم، حيث يصبح ذلك في غاية الأهمية عند البدء في تفويض وتقييم إدارة الجودة الشاملة لأسفل داخل الهيكل التنظيمي بالمدرسة.
  • تحديد نظم التحفيز والتشجيع ومكافأة المرؤوسين على الإنجاز.
  • تحديد كيفية إشباع حاجات الأفراد بما يحقق لهم الأمان الوظيفي، ويحثهم على التمسك بالنجاح في تطبيق إدارة الجودة الشاملة.
  • تحقيق سياسة اتصال فعالة تتيح للمرؤوسين الفرصة لإبداء آرائهم ومقترحاتهم بما يضمن حلقة وصل جيدة بين الإدارة وقوة العمل التنفيذية.
  • تخصص الموارد المبدئية اللازمة.
  • توفير كل المعلومات الخاصة بتطبيق إدارة الجودة الشاملة.
  • عقد اجتماع على مستوى المدرسة ككل يتم فيه الإعلان عن قرار الاتجاه نحو إدارة الجودة الشاملة.

            ومن أهم أساليب إدارة الجودة الشاملة التي تمكن استخدامها في هذه المرحلة  (أسلوب تحليل مجالات القوى - أسلوب الضعف الذهني).

  1. تحليل مجالات القوى Force Field Analysis:

            ويستخدم هذا الأسلوب كأداة لمنع الصراع للمساعدة على تحديد القوى الرئيسية المؤيدة والمناهضة للتغيير وبالتالي تعزيز وتطوير القوى الإيجابية وعزل القوي السلبية وتهيئها وتنميتها للتحول كقوى إيجابية، ويمكن تنفيذ هذا الأسلوب كالتالي:

  • تحديد جميع المشتركين بالعملية المراد تحسينها.
  • تحليل جميع القوى المؤثرة في العملية المراد تطويرها إلى مجموعتين الأولى القوى الإيجابية للتغيير والثانية لتحليل القوى السلبية المعارضة.
  • بعد تحليل القوى يتم مناقشة وتحديد الوزن النسبي لهذه القوى (5 قوى جداً - 4 قوى - 3 متوسط - 2 ضعيف - 1 ضعيف جداً).
  • فتح المناقشة للاقتراحات لتعزيز القوى الإيجابية والسيطرة على القوى السلبية.

مثال تحليل مجالات القوى

عند تطبيق المدرسة الثانوية العامة لإدارة الجودة الشاملة

 

ملحوظة طول السهم (!) يشير إلى قوة العامل.

  1. أسلوب العصف الذهني Brain storming:

            حيث يهدف هذا الأسلوب إلى محاولة الحصول على أكبر عدد من الأفكار الإبداعية، في ظل بيئة من التشجيع والتأييد، وذلك بتفويض مدير المدرسة لجميع الأعضاء بما فيهم أعضاء فريق التحسين ليتولوا تحديد الموضوعات والمشاريع والأنشطة التي يراد العمل عليها، ويتولوا أيضاً تحديد المشكلات التي يمكن أن تظهر أثناء العمل وأسبابها المحتملة ووضع الحلول الممكنة، والاستفادة من الفرص المتاحة لهم وتعظيم هذه الاستفادة.

            ثم يقوم الأعضاء بإبداء آرائهم والقيام بتسجيل هذه الآراء وتنسيقها وإزالة المتكرر منها ثم وضع أولويات لأحسن الآراء وإعداد قائمة بها.

ويقوم هذا الأسلوب على عدة مبادئ وهي:

  • عدم السماح بانتداب أفكار الآخرين.
  • كمية الأفكار أهم من نوعيتها: حيث يسمح ذلك في تلك المرحلة باقتناء وانتقاء الجيد منها.
  • محاولة تطوير أفكار الآخرين: حيث يستطيع الأعضاء تطير آراء وأفكار بعضهم البعض.

مرحلة التخطيط Planning stage:

            وفي هذه المرحلة يتم إعداد خطة التطبيق التفصيلية، بعد تحديد هيكل الدعم والموارد اللازمة من المرحلة السابقة، واتخاذ أي قرارات أخرى هامة، وتشتمل هذه المرحلة على الخطوات التالية:

  • اختيار أعضاء المجلس بمجس إدارة الجودة الشاملة، من الإدارة الوسطى والناظر والوكلاء، والأخصائي الاجتماعي الأول، وأحد أولياء الأمور وأحد رجال الأعمال كممثلين للمجتمع المحلي.
  • اختيار منسق الجودة من بين الأعضاء أنفسهم وباختيارهم ومن المهام الخاصة به:

-         تحديد قوى العمل المشاركة - وتحديد أعمال قسم التدريب.

-         دعم ومساندة مجلس إدارة الجودة في وضع برامج التدريب.

-         التنسيق لكل جوانب العمل من أجل التحسين.

  • تدريب أعضاء مجلس إدارة الجودة:

            حيث أن أعضاء المجلس لم يتم تدريبهم جميعاً في المرحلة الصفرية (مرحلة الإعداد) ويتم التدريب داخل المدرسة عن طريق الأفراد الذين تم تدريبهم في المرحلة الصفرية مع وضع خطة إضافية لتدريب المنسق تدريباً إضافياً نظراً للدور الهام الذي سيقوم به في تسهيل الاجتماعات وانتظامها، وتقديم النصح لكل المستويات التنظيمية وفرق العمل الخاصة بتنفيذ عمليات محددة، أي أن المنسق يعتبر مستشار الجودة داخل المدرسة.

  • يقوم مدير المدرسة بعقد\ الاجتماع الأول لمجلس إدارة الجودة من أجل:

-         تحديد ميثاق المجلس.

-         تقسيم المسئوليات على الأعضاء لدعم تطبيق الخطة.

-         عمل جدول أولويات المشروعات التي يجب تطويرها من خلال المقترحات التي قدمتها الأفراد.

  • يتولى مجلس إدارة الجودة بالمدرسة دراسة وتحليل الخطة قبل التطبيق التجريبي حتى لا تظهر مفاجآت تعوق العمل.
  • تحديد واختيار الأهداف والعمليات الهامة وإجراء التعديلات اللازمة فيهما وتحديد كيفية مواجهة المشكلات التي قد تتعرض لها فرق العمل بعد ذلك.
  • التجريب المبدئي:

يقوم مدير المدرسة بتشكيل فريقين تجريبيين كالآتي:  

-         الفريق الأول: يمثل هذا الفريق خليط من الإدارة العليا والوسطى وقوى العمل التنفيذية، ومهمته دراسة العمليات المراد تطويرها داخل المدرسة، ويتبع هذا التطوير من مقترحات الإدارة العليا، أو مقترحات أولياء الأمور وسلطات المجتمع المحلي، أو مشاكل مزمنة تعاني منها المدرسة، ويفضل أن تكون هذه العملية نابعة من أعضاء الفريق والعاملين بالمدرسة.

-         الفريق التجريبي الثاني: فريق الخدمات المساعدة.

            يتكون من منسق الجودة، وأحد الوكلاء، وأحد المدرسون الأوائل ورئيس مجلس إدارة الجودة (المدير) لتقديم الخدمات التالية:

  • الخدمات الاستشارية كالاستشارات القانونية، والاستشارات الروتينية وغير الروتينية بالمدرسة واللازمة لحل قضايا يتعلق بالجودة الشاملة.
  • مساعدة فريق العمل التجريبي، وفرق العمل ككل عند التطبيق الشامل على فهم واستخدام أدوات وأساليب إدارة الجودة الشاملة، وتقديم العون التدريبي عند القصور بأحد خطوات العمل.

 

والشكل التالي يوضح ديناميكية التطبيق التجريبي. 

 

شكل رقم (10)

يوضح ديناميكية التطبيق التجريب لإدارة الجودة الشاملة

ويمكن استخدام أسلوب (عوامل النجاح الحاكمة) في تلك المرحلة:

أسلوب عوالم النجاح الحاكمة Critical success factors:

            ويساعد هذا الأسلوب على تحديد عدد قليل من القضايا الحاكمة لأي نشاط يراد القيام به داخل المدرسة (توفير الوقت والجهد) ويستخدم هذا الأسلوب كالتالي:

  • إثارة الأفكار لجميع عوامل النجاح الممكنة لأي نشاط مطلوب داخل المدرسة.
  • تجميع عوامل نجاح النشاط في مجموعات متشابهة، وتسمية كل مجموعة على حدها.
  • مراجعة كل عامل من العوامل مع الهدف الرئيسي للتطوير.
  • إعداد قائمة بجميع عوامل النجاح الحاكمة وصياغتها في شكل نهائي.

ومن أمثلة عوامل النجاح الحاكمة:

  • رضاء المجتمع المحلي.
  • تنفيذ منهج ابتكاري دراسي.
  • الإدارة الفعالة.
  • جودة بيئة الطالب.
  • العلاقات الفعالة للمدرسة مع المؤسسات الأخرى.

            فإذا كانت إدارة المدرسة تهدف إلى تنمية القيم المضافة لدى الطلاب كعملية تجريبية فعوامل النجاح الحاكمة هي:

  • جودة المنهج المتبع.
  • جودة المناخ الدراسي.
  • تقبل الطلاب لقيم العمل داخل المدرسة، والسلوك الإيجابي لهم تجاه المدرسة.
  • قناعة المعلمين بالفكرة واستعدادهم لها وتدريبهم عليها.
  • التحديد الدقيق لأوجه النشاط والعمليات الأخرى المساعدة في تحقيق القيمة المضافة للطلاب.

على سبيل المثال تنمية القيم الإبداعية لدى الطلاب المدرسة الثانوية العامة:

  • ما هي تناقضات العصر الذي نعيشه كواقع في وعي الطلاب.
  • ما هي التغيرات الثقافية الجالية والتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
  • ما هي الوسائل والأساليب المتاحة أمام الطالب للإبداع، وكيف ينتقى الطالب الوسيلة الأنسب للإبداع في مجال يتوافق مع ميوله واتجاهاته.

مرحلة التقويم والتقدير Assessment stage:

تشتمل هذه المرحلة على الخطوات التالية:

  1. التقويم الذاتي Self - evaluation:

            بعد عرض نتائج عمل الفريق التجريبي يعتبر التقويم من أهم مراحل تطبيق إدارة الجودة الشاملة لمعرفة مدى النجاح الذي تحقق، ولفهم إدراكات العاملين الخاصة بإدارة الجودة الشاملة، وأنماط السلوك والطريقة التي يفكرون بها، ومدى فهم لأدوارهم، والمعوقات التي تتعرض طريق كل منهم من أجل التوصل إلى تدعيم وتعزيز عملية التدريب، أو البقاء على ما هو عليه ويمكن أن يتم التقويم عن طريق:

  • مقابلة عدد معين من أعضاء الفريق.
  • قائمة استقصاء يعدها مجلس إدارة الجودة الشاملة بالمدرسة للفريق ككل.
  1. التقدير التنظيمي Organizational assessment:

            حيث يتم التقويم للوضع الحالي للمدرسة، وذلك بالتركيز على الثقافة التنظيمية الحالية لقياس الأفكار والمعتقدات السائدة، وتحديد الفجوات بين الثقافة الحالية والثقافة المرغوبة، نظراً لأن هذه الفجوات مصدراً هاماً لإدارة المدرسة، مجلس إدارة الجودة، ومنسق الجودة في وضع وتطوير خطة المدرسة الاستراتيجية وكذا خطة التدريب.

 

 

 االتغذية المرتدة للتدريب Training feed back:

            بعد عمل تقييم لمشروع فريق العمل التجريبي، يمكن أن يكون هذا التقييم موجهاً لكيفية التحسين وإجراء التعديلات الضرورية على البرنامج التدريبي بالاستعانة بنتائج هذا التقييم ويمكن معرفة ذلك من خلال:

‌أ.         الرضا: ما هي ردود أفعال المتدربين ومدى رضاهم عن البرنامج التدريبي؟

‌ب.     الثقافة الجديدة: ما هي المهارات والحقائق والأساليب الجديدة التي اكتسبها الأفراد من التدريب؟

‌ج.      القيم الجديدة: هل غير التدريب من سلوكيات الأفراد ومعتقداتهم؟

‌د.        النتائج النهائية لمشروع العمل: هل حقق التدريب النتائج المرجوة؟

            وتعتبر النتائج النهائية أهم عنصر فعال في التغذية المرتدة لأنها تعكس مؤشرات ملموسة لمجلس إدارة الجودة الشاملة كإرجاع للأثر، وبما يوضح أن الاستثمار في التدريب كان له مردود إيجابي.

مرحلة التطبيق Implementation stage:

            بعد الإعداد، والتخطيط، والتقويم تأتي مرحلة التطبيق الذي سيتحقق منه العائد الأكبر للجودة الشاملة، داخل المدرسة الثانوية العامة، وتشتمل هذه المرحلة على الخطوات التالية:

  1. إعداد مديرين من داخل المدرسة Preparing internal facilitations:

            يقوم المدير باختيار المديرين الداخليين من جميع المستويات الإدارية بالهيكل التنظيمي على أن تتوافر لديهم المصداقية والالتزام القوى بالتطوير، هؤلاء الأفراد سيحتفظون بمواقع وظيفة واضحة داخل التنظيم كامتداد لمهام منسق الجودة، ودورهم في الاستشارة والتدريب سيفيد المدرسة كجزء من الخدمات المساعدة.

            ويتم التدريب لهؤلاء الأفراد المدربون الجدد عن طريق الأعضاء الذين تم تدريبهم خارج المدرسة في مرحلة الإعداد وعن طريق مستشار الجودة، وبعد انتهاء تدريبهم يتم تحويلهم بعيداً ليبدأ كل منهم في تحديد المجالات التي تجيد تخصصها، بحيث يتم الاستفادة من نواحي القوة والمهارات المتخصصة لدى كل منهم في إعداد مدربين جدد من أعضاء فرق العمل التي سيتم تشكيلها وهكذا هؤلاء بدورهم من أجل التطوير المتواصل.

  1. تدريب قوة العمل التنفيذية ككل بالمدرسة Work force training:

            ويتم التدريب لكل العاملين قبل تشكيلهم إلى فرق عمل متخصصة، ويكون تدريباً على المصطلحات التي ستستخدم، كجانب هام من تأكيد إعلان تطبيق فلسفة الجودة الشاملة، وضمان تشكيل الثقافات الجديدة في جميع أنحاء التنظيم، ويقترح أن يكون ذلك لمدة 45 دقيقة أسبوعياً لكل مجموعة، على مدى 3 - 4 أسابيع، ويتم تحديد مواعيد التدريب أثناء حصص الفراغ لكل مجموعة طبقاً لخطة الجدول الدراسي اليومي وتتنوع أنواع التدريب ومنها على سبيل المثال:

  • التدريب على خلق الإدراك الواعي لمفهوم الجودة الشاملة وأهميتها.
  • التدريب على التوجه نحو الأهداف المطلوب تحقيقها.
  • التدريب على تنمية مهارات العاملين والمعلمين.
  • التدريب على تنمية وتطوير الخدمات والأنشطة الطلابية داخل المدرسة.
  • التدريب على الدقة في إعداد التقارير والسجلات.
  • التدريب على أساليب القيادة الجيدة.
  • التدريب على مهارات الاتصال الفعال داخل الفريق الواحد وبين الفرق وبعضهما.

            يلي ذلك تشكيل فرق العمل المتخصصة وتدريبها كل على حده.

  1. تشكيل فرق العمل Forming teams:

يتم التشكيل في ضوء الأسس الآتية:

  • التحديد: تحديد وتخصيص المهام والأنشطة والأهداف المطلوب تحقيقها وتوضيحها للمجموعات ككل.
  • البحث: البحث الدقيق والكشف عن الميول والاتجاهات لدى الأفراد لاستثمارها في تخصص الفرق.
  • التعريف: تعريف كل فرد بدوره ومهمته وأصبحت الأدوار القديمة تابعة للأدوار الجديدة لخدمة الأهداف، بما يؤدي إلى التفاعل التام بين الأفراد، والاندماج بين المجموعات وبعضها وبين الأفراد وبعضهم ليختفى الانقسام إلى مجموعات تدريجياً ليظهر توحد أعضاء الفريق مع بعضهم بشكل تلقائي، ويأخذ كل فريق الشكل المتفرد والمتميز، تماماً كتفرد شخصيات أعضائه.
  • المعالجة: يبدأ أعضاء الفريق العمل بشكل جماعي بما يظهر فاعليتهم ويجربون أدوار جديدة مثل دور القيادة - لمساعدة المجموعة في العمل بنجاح - وتقل القيادة الرسمية نتيجة لتبادل الأعضاء لدور القيادة.
  • الانصهار وإعادة التشكيل: قد يترك بعض الأفراد العمل مع فريق معين، وقد ينضم أفراد آخرون بعد استيعاب كل فريق للأعضاء الجدد، تظهر تفاعلات جديدة وبمرور الوقت تتطور جودة أداء الأفراد لمهامهم.
  1. تدريب فريق العمل Action team training:

            بعد أن تم تشكيل فرق العمل وتثبت تخصصاتهم وتوضيح الأدوار والمهام، تعتبر عملية تدريبهم على الأنشطة والأعمال التخصصية من أكثر الإنجازات وضوحاً في التدريب على إدارة الجودة الشاملة داخل المدرسة، وتفيد بدرجة عالية في تحقيق النتائج المرجوة، وتمر عملية تدريب كل فريق عمل بخمس عمليات صغيرة متتالية، على اعتبار أن ناتج كل عملية مدخلاً للعملية التالية مباشرة وهي:

  • نظرة عامة لموضوع التدريب الخاص بالفريق.
  • جمع البيانات والمعلومات التي تتعلق بالموضوع.
  • تحليل البيانات وتفسيرها.
  • تقويم وعرض النتائج.
  • المتابعة من أجل التحسين.

            ويعتبر تتالي وتتابع هذه الأجزاء التدريبية أمراً هاماً جداً في تعظيم النتائج، وليتعلم أعضاء الفريق الأدوات الفنية وغير الفنية التي ستستخدم في حل المشكلات، والاتصالات، ومهارات القيادة، ووضع الأهداف، وديناميكية العمل.

            فبناء فريق والمحافظة على وجوده يجب أن يتدرب أعضاءه على القدرة على التحاور مع بعضهم البعض بطرق تعكس الصراحة والثقة والاحترام، والفرق الناجحة هي التي تصر على أن يشترك أعضاؤها في تبادل المعلومات حول التطورات التي تحدث داخل المدرسة.

            كما يجب أن يتدرب أعضاء الفريق على تقييم بعضهم البعض، لمعرفة ما إذا كان أداؤهم يزيد من إنجاز الفريق أم يعوقه، وتشجيع أعضاء الفريق على التعبير عن مشاعرهم خاصة إذا كانت ستوضح مفاهيم أو وجهات نظرهم حول أحد المشروعات والأنشطة، ومساعدة الأعضاء المعارضين أو الذين لا يشعرون بالرضا عن الطريقة التي يعمل بها باقي أعضاء الفريق والاهتمام بهم فقد يكون اعتراضهم لشئ لم يدركه الآخرون ولم ينتبهوا له، وبذلك يمكن فض الصراع من البداية.

            وأيضاً تدريب الأعضاء على تحليل الماضي للاستفادة منه في التوجه للمستقبل والمشاركة في حل المشكلات والبحث عن بدائل، والتوصل لقرار بالإجماع، والتركيز على التحرك الذي يقوم به الفريق تجاه الإجماع على الرأى.

  1. التحسين Improvement:

            بعد أن يقوم كل فريق بالعمل في المشروع المتخصص به وتسجل الخطوات أولاً بأول وإعداد التقارير النهائية يتم تقديمها لأعضاء مجلس الإدارة للتقييم لتحديد أوجه القصور ونقاط التقدم، ومعرفة كيفية التحسين ولا تعتمد علمية التحسين الناجحة على التطبيق الفعال للتدريب واستخدام الأدوات والأساليب فقط، بل أيضاً على العنصر الأكثر أهمية وهو الفريق الفعال ويتحقق ذلك من خلال([2]):

‌أ.         الأمان: أن يكون كل الفريق آمناً مطمئناً أثناء العمل عن طريق إعلان ووضوح جداول العمل وأدوار كل عضو والاعتراف بجهوده المتميزة، وأن يكون جو العمل غير قائم على التهديد بل قائم على المشاركة الإيجابية.

‌ب.     المعلومات: أن تكون واضحة، وصريحة، تتدفق بحرية من أعلى لأسفل والعكس وداخل مستوى الفريق، ويشترك فيها جميع الأعضاء.

‌ج.      علاقة الأعضاء: (الثقة - الاحترام - التعاون - والخلاف بينهم إيجابياً حول الموضوعات وليس الأشخاص).

كيفية التحسين How to improvement:

            تهدف جميع الأساليب المستخدمة في تطبيق إدارة الجودة الشاملة سواء في مجال الأعمال أو المؤسسات التعليمية تجنب ضياع الوقت والجهد والتحديد الدقيق واتجاهات التحسين والتي يوضحها الشكل الآتي:

 

خطوات التحسين([3]):

أولاً: حدد Define:

            وتشتمل على تحديد الأهداف، ونوع وشكل العملية المراد تحسينها، والمواد اللازمة وتحديد القائد، والأدوار المسئوليات لكل عضو، ثم تحديد الخطة الموجزة للتنفيذ.

ثانياً: حلل Analyze:

            تحليل المشاكل الحالية من خلال استخدام مقاييس رقمية أو غيرها، تحليل الأسباب الرئيسية للمشكلة من وجهة نظر أعضاء الفريق.

ثالثاً: صحح Correct:

            اقتراح خطوات التصحيح الممكنة من خلال تجارب الفريق، ثم اختيار أسلوب التصحيح الأمثل من الاقتراحات المقدمة، وإعداد خطة لكيفية تنفيذ التصحيح، يليها التطبيق ثم إبلاغ نتائج التصحيح الفعلية.

رابعاً: امنع Prevent:

            أي منع وتفادي التكرارات الخاطئة كأسلوب وقائي، وذلك من خلال اقتراح الخطوات الوقائية الممكنة، ثم اختيار الأسلوب الوقائي الأمثل، ثم التخطيط للوقاية، فالتنفيذ، وأخيراً التحقيق من الوقاية للتأكد من أن التصحيح والوقاية قد عالجا المشكلة وأنها لن تتكرر ثانية.

 

 

 المراجع:

  

  • عايدة سيد خطاب وآخرون: أصول الإدارة, مكتبة عين شمس , القاهرة, 1992 ص ص 259 , 260.
  • عمرو غنايم, على الشرقاوى: تنظيم وإدارة الأعمال – الأسس والأصول العلمية – مدخل تحليلى, دار النهضة العربية , القاهرة 1994, ص 430.
  • أمين ساعاتى:الإدارة العامة ,مطبعة نهضة مصر , القاهرة , 1993 ص ص 156, 157.
  • وكذلك أحمد زكى بدوى : معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية ,مكتبة لبنان , بيروت , د. ت , ص 100.
  • محى الدين الأزهرى : الإدارة ودور المدرين – اساسيات وسلوكيات, دار الفكر العربى, القاهرة , 1993, ص ص 148- 150.
  • إبراهيم عبد العزيز شيحا: الإدارة العامة, مؤسسة شباب الجامعة , الإسكندرية, 1992 ص ص 127- 129.
  • كمال حمدى أبو الخير: الإدارة بين النظرية و التطبيق, مكتبة عين شمس, القاهرة, 1992, ص ص 213, 214.
  • سيد هوارى وآخرون: مبادئ الإدارة, مكتبة عين شمس, القاهرة, 1993, ص 245.
  • جون مارشى: إدارة الجودة الشاملة, ترجمة عبد الفتاح النعمانى, القاهرة, مركز الخبرات لمهنية, 1996.
  • على الحبيبى: الإدارة لعامة, مكتبة عين شمس, القاهرة, 193, ص ص 264- 269.
  • محمد محمد إبراهيم وآخرون: الإدارة و التنظيم – أصول وتطبيقات عملية, مكتبة عين شمي ,القاهرة, 1994, ص ص 203-206 "بتصرف".
  • سعد الدين العشماوى: أسس الإدارة, مكتبة عين شمس القاهرة, 1993, ص ص 230-233.
  • محمد عبد الله عبد الرحيم: أساسيات الإدارة والتنظيم, دار النهضة العربية, القاهرة, 1994 , ص ص 282- 284.
  • قدرى الشرقاوى , على الحبيبى: الإدارة – الأصول و المبادئ, مكتبة التجارة والتعاون, القاهرة, 1993, ص ص 232- 238.
  • أنمار الكيلانى: "تحليل عملية اتخاذ القرار التربوى باستخدام نموذج ريفا الأول للاحتمالات" , المجلة التربوية, المجلد الرابع, العدد الخامس عشر, جامعة الكويت, كلية التربية, 1988.
  • حامد أحمد بدر: "فاعلية اتخاذ القرار بواسطة مجموعة" مجلة العلوم الاجتماعية, المجلد الثالث عشر, العدد الأول, الكويت, جامعة الكويت, 1985.
  • دلال عبد الواحد الهدهود: "واقع عملية اتخاذ القرار فى المدارس التعليم العام بدولة الكويت, دراسة ميدانية" المجلة التربوية, المجلد الحادى والأربعون, جامعة الكويت , كلية التربة, 1996.
  •  عادل عب الفتاح سلامة: "صنع القرار التربوى باستخدام أسلوب التخصصات المتداخلة". مجلة التربية المعاصرة, العدد الخامس عشر, السنة الرابعة, إبريل,1990.

 


 

 

ورقة عمل بعنوان

 

مبررات التفكير في منهج تربوي معاصر في ظل الهوية الثقافية

 

 

من د/ كوثر جميل سالم بلجون

أستاذ مساعد المناهج وطرق تدريس العلوم

كلية التربية للبنات الأقسام الأدبية – جامعة أم القرى 

 

 

المقدمة :

يبدو –للوهلة الأولى – أن الحديث عن مسئولية التربية في تأكيد هويتنا الثقافية سهل التناول بل وقد يرى البعض أن هناك متعة في معالجته، وبالفعل هو كذلك إذا توافرت المعلومات الصادقة.... والمعالجة العاقلة. وثمة سبب آخر يدعوا إلى إلقاء الضوء ولفت نظر الباحثين وغيرهم إلى البحث في مسئولية التربية ودورها في تأكيد الهوية الثقافية للأمة العربية والإسلامية وحماية مجتمعاتنا من الفكر العاصف والثقافات الغربية التي تحتاجها بقوة وتحرير هذه المجتمعات من الهزيمة النفسية التي أحدثها الانبهار بعلوم الغرب ومخترعاته ، وما لاشك فيه أن ثقافة الأمم المتقدمة - بمعطياتها النافعة وبإفرازاتها الضارة – استحوذت على عقول وسلوكيات أبنائنا وشبابنا وأطفالنا أما وإن عصر الأقمار الصناعية والبث المباشر و (كمبيوتر الاتصال)قد أظلنا فإن واقع مناهجنا المعاصرة يصبح في غاية الخطورة إذا لم نتدارك أبعاد ونتائج هذا التغلغل والغزو الثقافي وإذا لم نعمل علي رفع معدلات العطاء في مناهجنا لنمنحها القدرة علي التنافس وعلى حماية قيمنا وسلوكياتنا فلن أكون مبالغة أذا قلت أن الثقافات في عالمنا العربي تأثرت بالغرب .

وحتى تصبح التربية قادرة على تحمل مسؤولية تأكيد هويتنا الثقافية لابد من أن يسهم مفكرونا وعلماؤنا التربويون في رسم منهج لها ، ووضع إستراتيجية علمية تؤهلها أولاً للصمود أمام هذه الهجمات الوافدة وثانياً تقديم هذه الثقافة بهويتها الإسلامية إلى شعوب العالم كحضارة رائدة وكاملة وإقناعهم بها كخلاص للإنسانية من تهافتها وإغراقها في الماديات ومبالغاتها في القوة و الإعداد لها والاعتداد بها وعلى أية حال يمكن أن نعد هذا المجهود المتواضع استقراء جوانب واقع مناهجنا واغترابها مع محاولة لتصور مفاهيم تساعدها على تحمل مسؤوليتها لتأكيد هويتنا الثقافية ، وترسيخ مبادئنا وقيمنا ومثلنا التي نعتز بها أيما اعتزاز .

فإذا نظرنا إلى عدد سكان العالم خلال السنوات القادمة  نجد انه في تزايد مستمر، ورغم أن " الغالبية من سكان العالم"  تعيش في فقر مدقع ، وسوف تعاني من سوء التغذية والمسكن والملبس وسوء الصحة إلا أن "كل سكان العالم" سوف يشتركون في الضرورات الأساسية اللازمة للحياة ،والتي تتمثل في الاعتزاز بأوطاننا ، وفي التصارع مع مشكلات واحدة أو متشابهة ، وفي أداء الواجب المهيمن وهو بقاء الإنسانية ، وفي خلق ظروف مواتية للسلام والحرية والعدالة للناس في كل مكان .

باختصار يعيش العالم الآن وقتا عصيبا ، وذلك لأن القيم والمعايير القديمة تتآكل قبل أن تظهر قيم ومعايير جديدة لتحل محلها ، لذا تسود التوترات والصراعات في أجزاء كثيرة من الأرض . وفي المقابل، يعيش العالم فترة اختراعات خيالية ليست بالتأكيد إلا تمهيدا لما سيأتي، وذلك لأن طاقات العلم لا تحددها حدود. 

    وكي يواكب المنهج الملامح الأساسية لما سيكون عليه العالم في السنوات القادمة ، ينبغي أن  يتميز المنهج بالأصالة والمعاصرة معا دون أن يفقد هويته ويتطلب ذلك مراعاة بعض المرتكزات الأساسية عند بناء المنهج منها الأخذ في الاعتبار أن المنهج يعكس للمجتمع ما يعتقده الناس ، وما يشعرون ويفكرون ويمارسون ،لأن المنهج ينبثق أساسا من الجذور الثقافية للمجتمع ، عليه، فان قيمة الأهداف التربوية تكمن في أنها مستمدة من الثقافة ، ويمكن النظر إلى الثقافة على أنها (1 ):

أ‌)       هي كل ما تقوم عليه التربية من عوامل ومقومات.

ب‌)   هي جميع سبل الحياة وسلوك الأفراد الذين يواجهون بها مشكلاتهم اليومية.  

ت‌)   هي مجموع المثاليات، والأفكار، وطرق التفكير، والمهارات والاتجاهات، وجميع أوجه البيئة. 

ث‌) هي ذلك الكل المنظم المتكامل ،الذي تستخدمه جماعة من الناس وتنقله إلى أبنائهم (عبر المشاركة في الأعراف والتقاليد) الذين سيصبحون أعضاء في مجتمعهم ، وهى لا تشمل الثقافة والعلوم والأديان والفلسفات فقط بل الجهاز التكنولوجي والطرق السياسية ، وحتى العادات اليومية .

و تأسينا على ما تقدم ،فان كل تغير في أي جانب من جوانب الثقافة لابد وأن يكون له تأثيراته المباشرة على المنهج ، ويكون ذلك بمثابة دعوة ملحة للمسئولين على جميع المستويات وفي جميع المجالات (تربوية ، وغير تربوية ) ، لتغير المنهج القديم والشروع في وضع منهج جديد يتناسب والتغيرات التي حدثت في تلك الثقافة .كما تسهم المتغيرات الثقافية المستوردة من ثقافات أخرى في تمزيق الثقافة القومية ، وبخاصة إذا كانت هذه المتغيرات ذات علاقة وتأثير مباشرين بالتركيب الأساسي لمجتمع ما كتغير طرق كسب المعيشة ، أو إيجاد طرق جديدة لتنمية الطاقة .

في ضوء ما سبق ذكره ، يترتب على التغيرات التي تطرأ على المجتمع تغيرات مناظرة في مفاهيم الجماعة ، وفي نظرتها إلى حقوق الأفراد ومسئولياتهم وقيمهم فيضطر المسئولين عن المناهج إلى إعادة بنائها وذلك لتساير الواقع الاجتماعي  من جهة ، وحتى لا تتهم بالتخلف من جهة أخرى ، وبخاصة أن المنهج يلعب دور المترجم لما يحدث في المجتمع .

 

الهدف الورقة :

     تهدف الورقة الحالية إلى إيضاح مبررات التفكير في منهج تربوي معاصر في ظل الهوية الثقافية ، وإبراز دور كلا من التعلم والمناهج والتربويين والمثقف في تأكيد الهوية الثقافية . فلا نغالي مطلقا أذا قلنا أن مدارسنا تمنى بالفشل يوماً بعد يوم في وضع الخطة التعليمية الجديدة التي تصلح للتعامل مع عالمنا المعاصر أذا لا تزال المدرسة تمارس التعليم علي أسس لا تختلف كثيرا عما كانت عليه الأمور عندما عرفت المدرسة لأول مرة . انه لشيء مؤلم ومؤسف أن نرى مدارسنا واقفة مكانها لا تستطيع أن تتقدم كما ينبغي لتؤدي الدور الواجب عليها أن تؤديه كرائدة للتغير والتجديد .

وبالرغم من استخدام التكنولوجيا الآن في شتى المجالات والميادين ، إلا أن المدرسة في وضعها الراهن تبدو عاجزة غير قادرة علي مواكبة ركب التطور .

حقيقة ،لقد قدمت بعض المحاولات وبذلت بعض الجهود في مجال التجديد خلال السنوات الماضية ،إلا أن هذه الجهود وتلك المحاولات ،لم تأت بدماء جديدة لواقعنا التعليمي والتربوي أن مناهجنا ومدارسنا لم ترتقي بعد للمستوى المناسب إذا مازلنا نلاحظ أن الأنماط التقليدية الأساسية للتربية هي  كما كانت منذ عشرات السنين لم تصبها يد التغيير ومن المبررات التي تجعل التفكير في بناء منهج جديد ليناسب العصر ،ضرورة هامة وحتمية لازمة من أجل منع العملية التربوية من الانزلاق إلى هاوية الركود والتخلف ، وتتمثل أهم المبررات التي تقوم عليها الدعوة لبناء منهج جيد يناسب عالمنا المعاصر في الاتجاه الأساسي لجوانب الثقافة ، ومن هنا جاءت أهمية هذه الورقة .

 

أسئلة الورقة :

تحاول الورقة أن تناقش ما يلي :

ما مبررات التفكير في منهج تربوي معاصر في ظل الهوية الثقافية ؟

والذي يتفرع منه الأسئلة التالية :

1-     ما مسئولية التعليم في تأكيد الهوية الثقافية ؟

2-     ما مسئولية مناهجنا في تأكيد الهوية الثقافية ؟

3-     ما مسئولية التربوي في تأكيد الهوية الثقافية ؟

4-     ما مسئولية المثقف في تأكيد الهوية الثقافية ؟

 

منهج الورقة :

 انتهجت الباحثة المنهج الوصفي في وصف الظاهرة محل الدراسة .

 

 

 

حدود الورقة :

يقتصر مجال البحث على إيضاح مبررات التفكير في منهج تربوي معاصر في ظل الهوية الثقافية بالمملكة العربية السعودية  .

 

مصطلحات الورقة :

بالنظر إلى عنوان ورقة العمل نجد أنفسنا أمام مفهومين أساسيين هما مفهوم (الهوية ) ومفهوم (الثقافية)،  فتحديد المفاهيم من الوسائل الهامة ، لأن تعريف المفاهيم ينشئ اللبنة الأولى في تكوين العلاقة بين الكاتب والقارئ، فمن خلالها يتم التعاقد بينهما على الحمولات الدلالية أي معاني المفاهيم، كما أنه تعد الأساس الذي تبنى عليه الحجج والبراهين التي تدعم الآراء والأفكار المطروحة في ورقة العمل، وبالنظر إلى عنوان ورقة العمل نجد أنفسنا أمام مفهومين أساسيين هما مفهوم [الهوية ] ومفهوم [الثقافية].

1- الهوية :

لعل هناك من يتساءل عن معنى الهوية...... وإن كنت أعتقد أن الكثيرين بمعارفهم وأفكارهم وثقافتهم يعلمون ماذا تعني الهوية

الهوية العربية الإسلامية (الهوية) في الحضارة الإسلامية مأخوذة من "هُوَ .. هُوَ" بمعنى جوهر الشيء وحقيقته …. أنها كالبصمة للإنسان يتميز بها عن غيره"(2). على أية حال ينسب (الفارابي) الهوية إلى (هو) بمعني جوهر الشيء وحقيقته وأصله والحفاظ علي الهوية الثقافية مطلب عام وأساسي وحيوي لكل المجتمعات إذا أنها حجر الزاوية في تكوين الأمم باعتبارها تراكم تاريخ طويل من القيم الثابتة التي نشأت عبر عمليات اجتماعية وتاريخية تمثلت حلقاتها في صورة (تجمعات المعني والقيمة ) وهي التجمعات التي تتجسد منها المادة الأساسية للثقافة .

وتعرف "الهوية" أيضاً بمعنى "التفرد" فالهوية الثقافية تعني التفرد الثقافي بكل ما يتضمنه معنى الثقافة من  عادات وأنماط سلوك وميل وقيم ونظرة إلى الكون والحياة(3).

وتعرف "الهوية" بأنها عبارة عن "مركب من العناصر المرجعية والمادية والذاتية المصطفاة التي تسمح بتعريف خاص للفاعل الاجتماعي(4) . ويفسر "الحمد" هذا التعريف للهوية بقوله "بأن الهوية طالما أنها مركب من عناصر ، فهي بالضرورة متغيرة في الوقت ذاته تتميز فيه بثبات معين ، مثل الشخص الواحد يُولدّ ويشب ويشيخ وتتغير ملامحه وتصرفاته وأحياناً ذوقه  لكنه يبقى في الآخر هو نفس الشخص وليس شخصاً آخر"(5).

ويُعرف "عمارة" الهوية العربية الإسلامية بأنها "جوهر وحقيقة وثوابت الأمة العربية التي اصطبغت بالإسلام منذ أن دانت به غالبية هذه الأمة ، فأصبح هو "الهوية" الممثلة لأصالة ثقافتها ، فهو الذي طبع ويطبع وصبغ ويصبغ ثقافتها بطابعه وصبغته .. فعاداتها وتقاليدها وأعرافها وآدابها وفنونها وسائر علومها الإنسانية والاجتماعية ، وعلومها الطبيعية والتجريبية ، ونظرتها للكون ، وللذات ، وللآخر ، وتصوراتها لمكانة الإنسان في الكون من أين أتى ؟ وإلى أين ينتهي ؟ وحكمة هذا الوجود ونمايته ، ومعايير المقبول والمرفوض ، والحلال والحرام وهي جميعها عناصر لهويتنا(6)

    وفي ضوء ذلك يمكن تعريف الهوية العربية الإسلامية إجرائياً بأنها "تفرد الشخصية العربية الإسلامية بمجموعة من الصفات والخصائص التي تميزها عن باقي الهويات الآخرى والتي تتضمن اللغة والدين والعادات والتقاليد والقيم الأخلاقية ، والتي اصطبغت بصبغة الإسلام والعروبة منذ أزمنة بعيدة" .

كما أن تعامل الوعي الثقافي للمجتمع مشروط بتكامل فهمه لتاريخه بموضوعية وإدراك يشمل كل مجالات نشاطه في تفاعلها الدائم داخل المجتمع نفسه وبينه وبين غيره من المجتمعات أو الثقافات فالهوية الثقافية تحمل بصمات إنسانها وتتحدد بلسانه وعقيدته واستحضاره لتراثه وتاريخه وهي بهذا المعني تمثل رد الفعل ضد ( الآخر)ونزوع حلم لتأكيد (الأنا) بصورة أقوى وأرحب .(7)

2- الثقافة :

تحديداً لمصطلح " الثقافة culture من ثقف بمعنى حذق وفطن: 

     أ- فارتباط الثقافة بالحذق والفطنة - أي الذكاء - يشير إلى العلاقة القوية التي تربط الثقافة بالعقل، كما تعني الثقافة باللغة اللاتينية " الفلاحة والتهذيب " .

ب- أي أن الثقافة ليست نبتة برية يمكن أن تنبت وتنمو في أي مكان بل غرسة مروية تحتاج إلى عناية الفلاح ورعايته، تحتاج إلى الجهد الإنساني المتواصل من العطاء والإبداع والابتكار في ظروف تتميز بالحرية وتسمح بولادة الإبداعات المتنوعة في شتى العلوم والفنون الإنسانية.

كما تعني الثقافة بأوسع معانيها  البيئة المصطنعة بأكملها التي يخلفها الإنسان بتأثير عمله في العالم الخارجي لذا فهي كل ما ترسب في ذاكرة الفرد (الثقافة الفردية ) أو في الذاكرة المشتركة لإفراد المجتمع (كما يتجلى في المكتبات والمتاحف والمعاهد والأكاديميات)،وذلك نتيجة لآثار الخبرات ،والتجارب السابقة . (8)

وحيث أن الثقافة هي الراسب المتخلف في عقولنا والتربية هي العملية التي يتولاها الأفراد أو المجتمع لتحديد تكوين وأبعاد هذا الراسب.أذن فنحن أحوج ما نكون إلى منهج جديد يراعي في بنائه العناصر الأساسية للاتجاه الرئيسي البعيد المدى و المتحدد الجوانب للثقافة. 

إن مشكلة الهوية الثقافية في الوطن العربي عموماً ترتبط ببروز النموذج الغربي سياسيا واقتصاديا وثقافيا باعتباره الأداة للتقدم ومن هنا ثار السؤال عن صلاحية الإسلام للتطور باعتباره المعبر عن هوية الأمة.

وبقي الخطاب الإسلامي في حالة دفاع عن الذات الثقافية حسبما يتاح علي خريطة الساحة الثقافية وفق النخبة المثقفة في صنع القرار الثقافي ، وقد يكون حل الصراع في السعي إلى الاعتدال في تبني مواقف الفعل ورد الفعل بهدف الوصول إلى العدل الذي يظل القيمة العليا التي تسعى لتحقيقها المجتمعات الإنسانية .   

 

مسئولية التعليم في تأكيد الهوية الثقافية :

يقول العلماء إن سبب تخلف بعض الدول في العالم الثالث لا علاقة له بضعف مواردها الطبيعية،وإنما تكمن المشكلة الأساسية في ضعف الموارد الإنسانية فحيثما وجدت الأمية كان الجهل والفقر والمرض ،ولن تتخلص الشعوب من براثن التخلف مالم تأخذ بأسباب التعليم ، وخاصة في هذا العصر الذي يعد عصر العلم ، وعصر الاكتشافات العلمية فالعلم هو معيار التقدم لأي شعب من الشعوب ، ونعني التقدم المادي والتقني . فما بلغت الدول الغربية مرحلة الريادة إلا بالعلم والعلماء ، ولذا فقد شهدت نهضة اتصالية كبيرة .وإذا أرادت أمتنا العربية أن يكون لها حظ من النهضة عليها أن تبدأ بتنمية مواردها البشرية " إن أمتنا العربية كي تبني نهضة شاملة عليها أن تستهدف إعادة بناء الإنسان بتوفير أقصى درجات الرعاية لمواهبه وقدراته واستعداداته ،وإفساح المجال أمامه للخلق والإبداع والاختراع والابتكار ، وتسخير مواهبه الإبداعية في مجالات الخير دون الشر ، والنفع دون الضرر ، والبناء دون الهدم ، والسلام دون الحرب " ( 9)

وبتنمية الموارد البشرية ينمو المجتمع في مختلف قطاعاته ، فكيف ينمو المجتمع ؟ ينمو المجتمع بالتعليم، فالتعليم هو النشاط الرئيس في بناء الموارد البشرية، وهذه المهمة الكبيرة والخطيرة تتطلب وجود كوادر علي درجة عالية من الوعي والإدراك والثقافة، ومدربة تدريباً شاملاً وقادرة علي تقديم رسالتها في إطار فني جذاب.

ويقول الفيلسوف الألماني اسفيتسر " لن يتحقق شيء ذو قيمة في هذه الدنيا إلا بالحماس والتضحية ... و أنه لا سبيل لإقناع الناس بحقيقة الحياة، وبالقيم الصادقة للأخلاق إلا بنشأة العقلية الإيجابية الخلاقة التي تحوي هذه المعتقدات كمحصلة لصلة روحية باطنه بالعالم، وعندئذ تصبح هذه المعتقدات قوية وراسخة، وتكيف كل أفكار الإنسان وأفعاله ".

وعلى أية حال وعلى الرغم من هذا الواقع فإن هناك صوراً مشرقة بين الفينة والفينة في تعليمنا ، وهي تشكل أملاً في الاتجاه إلى إمكان العودة إلى منابعنا وتأكيد هويتنا ، ويرى المثقفون أن هذه الأعمال مالم تشجع وتدعم من الدولة ، ومن المؤسسات التعليمية فستصبح قطرة في محيط ، ولذلك فإن مناهجنا بحاجة إلى التربوي الجاد والنشط ، والملتزم بفكر أمته ، والحادب على ثبات الهوية وتأكيدها  . فعطاء التربوي مالم يكن مرتكزاً على عقيدته وقيم مجتمعه ، فإنه سيساعد - ربما دون أن يدري – في عمليات التغريب ، وما لم يستوعب رسالته  في الحياة ويعيها ، وينطلق في تحقيقها بعمق وإدراك فإن عطاؤه سيكون هشاً عديم القيمة والتأثير .

 

مسؤولية مناهجنا في تأكيد الهوية :

       إن تطوير التعليم في بلداننا العربية لم يعد اليوم مجرد اختيار ،وإنما أصبح ضرورة يفرضها التغير السريع والمتلاحق الذي يشكل طابع الحياة العصرية في زمن العولمة ، عولمة الاقتصاد والثقافة ومن وجهة نظرنا قد لا ينجح هذا التطوير إذا كان مفروضا من قوى خارجية ، وبأياد ملوثة.

نعم إننا في حاجة ماسة إلى تطوير التعليم معتمدين في ذلك على قيمنا الحضارية والثقافة ، بواسطة التعليم يمكن للمجتمعات العربية تنمية ثروتها البشرية ، وخروجها من براثن التبعية والتخلف من هنا فإن مسألة تطوير التعليم تعود أحد الحلول الناجحة لإخراج مجتمعنا العربي من أزمته الحالية .

ولكن لماذا الآن بالذات تطالب اليونسكو وبلدان  العالم العربي بضرورة تغيير مناهج التعليم ؟ ولماذا الربط هذه الأيام بين التعليم والتطرف ؟

هل التعليم ومناهجه هما السبب في ظهور التطرف في البلدان العربية ؟ هل الأوضاع في البلدان العربية تتطلب الآن التركيز بصفة خاصة على ثقافة السلام والاستسلام أم أنها تتطلب التركيز على ثقافة الحياة الحرة الكريمة وعلى قيم الحياة ؟(10 )       

     فلو نظرنا إلى صور "التغريب " في عالمنا العربي نجدها ليست قاصرة على مجال واحد من مجالات الحياة بل نجدها في مجالات كثيرة. فمدارسنا و مناهجنا الأدبية خارجة من قاعة غربية إذ الشعر رومانسي وكلاسيكي والقصة ملهاة و مأساة، وانتقلت ملامح الغربة إلى ألسنتنا إذا المفردة الأوربية ثقافة والعربية تخلف، ولغتنا عاجزة عن استيعاب الاكتشافات العلمية المتلاحقة.

(غربتنا) كانت عميقة وقاسية عقب فترة الاستعمار الاستيطاني الذي انتزع المجتمع العربي من ثقافته وربطه بفكره وبنشاطه ومنهجه في الحياة، والى وقت قريب كان التهاون في العبادة مدنية والممارسات المنافية للشريعة حضارة، كاد (العيب) وقتئذ يختفي من قاموس القيم والتقاليد العربية و الإسلامية النقية ،نعم لبست ثقافتنا (الجاكت)وربطة العنق ، وحتى في المعمار اختفت الطرز الإسلامية والعربية ولم يعد غريباً آنذاك أن يأنف مسلم ما عن أداء عبادته علناً أو يزهد فيها حتى لا يطعن في تقدمه ومدنيته ، ونتيجة ، لنشاط البعثات التعليمية وحركة الوفود إلى الخارج أصبحت مجتمعاتنا بكاملها متأثرة بالثقافة الغربية ومضيعة لثقافتها ،ويعرف شبابها ومثقفوها كبار المفكرين والأدباء الغربيين أكثر مما يعرفون علماء بلادهم وفقهائها وشعرائها وأدبائها ومفكريها ،واستمرت عملية (التخدير) و (التغريب) طوال عقود من الزمان حتى أوشك التدفق الثقافي أن يمحوا الشخصية المحلية ويذوب شخصيتها .

    وبدأت ملامح اليقظة في العقود الثلاثة الأخيرة ، ولكنها ومازالت محددة إن لم نقل ضعيفة جداً ، وبكل أسف لم تكن للمثقفين مبادرات ذات معنى ولم تتعدى التنبيه إلى خطورة ذوبان الهوية وضياع الشخصية ، ولم يكن التربويون بأحسن حال منهم ، فقد كانوا جميعهم أسرى لحالة (المزاج) العام ، أو أوضاع التبعية التي كانت سائدة وسعت الحكومات المستقلة حديثاً إلى تعبئة المواطنين باتجاه التنمية الوطنية ، وتحفيزهم إلى الدراسة والتعليم والتثقيف.(11)

وتتحمل التربية مسؤوليتها في تأكيد هويتنا العربية  إذا تضافرت جهود عدة جهات لتحقيق هذا الهدف ،فهي لا تستطيع الوصول إلى هذه الغاية بمعزل عن الدولة و الاكاديمين و الإعلاميين والفقهاء والعلماء وأساتذة الاجتماع والشعب نفسه أو الجمهور.

 

 مسؤولية التربوي في تأكيد الهوية الثقافية :

لا تقل مسؤولية التربوي في تأكيد هويتنا الثقافية عن مسؤولية أي فرد آخر في المجتمع فجهود جميع أفراد المجتمع لابد أن تخرج من مشكاة واحدة ، وتنتهج نهجاً واحد وتحقق غايات واحدة ، كما ينبغي أن يجمع جميع أفراد المجتمع وحدة الشعور ، ووحدة الهدف والتطلع ووحدة المصير واتساق الجهود التي تحقق الأهداف المنشودة ، واختلافها يؤدى إلى خلخلة البنية الثقافية والتربوية للمجتمع . إذن فلابد من أن تنسجم فلسفة الجميع مع بعضها ، والتربوي مطالب باستغلال ما يتاح له من مساحات مختلفة لتكملة وظيفته في المدرسة والجامعة أو أية مؤسسة تربوية أخرى ، لان مهماته لا تتوقف خارج سور المدرسة ، فالبيئة الاجتماعية لها تأثيراتها .

أن التربوي مكلف بإعداد الأطفال والشباب إعداد جيد ليصبحون ادخارا لمستقبل الأمة ، فإذا اختلت تربيتهما ونأت عن روح المجتمع وثقافته فلا مستقبل لمجتمعهما ، ويتحتم على التربوي استخدام كافة الوسائل والأساليب والطرق المتاحة كي ينجح في تأصيل القيم والمهارات والمعارف والمعلومات في مؤسسات المجتمع ومنظماته(12 ).

كما أن التربويون مطالبين بتحصين الأطفال ضد ثقافة الاستهلاك والتغريب ونحن نريد من التربوي أن يتحدث عن المسائل التربوية المهمة واللصيقة بحياة المجتمع ... كما نريد منه تقديم مادة غنية ثرية تحدث أثراً إيجابياً، وتترك صدى قوياً بنفس الصغير والتلميذ والطالب والشاب وتساعد على اكتشاف ما يملك من طاقات ومهارات ، وتشعره بأن للوطن واجباً وحقا عليه يؤديه له من خلال عمله وإنتاجه وإبداعه واختراعه (13)

إن ثقافتنا وقيمنا أقدم عهداً ،وأبلغ نبلاً من ثقافة المعلومة السريعة ، والوجبات السريعة والضحكة المقتضبة ، و الإحساس الضحل البارد ، ولاشك أن مهمات التربوي شاقة في هذا العصر الذي تداخلت فيها الثقافات ، وتراجعت فيه قيم وتقدمت أخرى ، وما لم يكن قادراً على استيعاب تراثه مع فهم لأبعاد الثقافة المعاصرة فإنه سيسهم في تشويش فكر المجتمع ، وسيعجز عن المشاركة في تأكيد الهوية لشعبه ، وإذا أردنا فهم التراث والمعاصرة لبناء ونهضة المستقبل يجب أن يكون بناء العقيدة السليمة ، واحترام التراث في الآداب والعلوم والتقاليد الاجتماعية أساسا لتربية النشء في الوطن العربي و الإسلامي ، فعلى الرغم من أن الفتى الذي تتهيأ له نشأة مبنية على أساس قوي ومتين من العلم والدين قد يعجب فيما بعد بما في الغرب من مدنية وتحضر وتقنية ،إلا أن ثقله الفكري والعقدي سيظل مع مكتسبات نشأته البيئية ، وعندما يعكف على دراسة علوم وفنون وأساليب تمدن الآخرين سيتمكن من أن يستوعب ويشارك ويقدم وينقل عن وعي وثقة ، ولا أحسب أن مثل هذا الفتى سيكون مشغولاً بإشكالية التراث والمعاصرة ،وإنما سيكون مشغولاً عنها بقضايا حقيقية كثيرة هي مشكلات تحقيق النهضة العربية الإسلامية فالتربية والتثقيف هما هدفا أي عمل يتخذ صفة العلن ، والعلن بالطبع هو الاتصال في أي من أنواعه ،إذن فإن التربية عملية ديناميكية مستمرة ،وعملية إعلامية في جوهرها ، ويتحتم وفق هذه الفرضية تدريب التربوي وتهيئته ليصبح قادر على الإسهام في تأكيد هويتنا الثقافية . 

ولن يقدم التربوي إنتاجا ذي بال إذا لم يتوافر له قدر من الحماس والجدية والرغبة الصادقة في تنمية المجتمع وترقيته ،أو في تحقيق رغبات الجماهير وترسيخ معتقداتها وقيمها ، أو في تأكيد هويتها ‘ وإذا خرج التربوي عن إرادة الشعب ، أو اصطدمت رسالته مع الطموحات العامة ، أو تناقضت معطياته مع القناعات الثقافية والفكرية لشرائح المجتمع فإنه سيكون في هذه الحالة معول هدم و وسيلة لسلخ الأمة عن هويتها قصد أم لم يقصد ، فالعمل المبدع والخلاق هو الذي يؤثر في الجمهور ، وهو الذي يبقى.

 

مسؤولية المثقف في تأكيد الهوية الثقافية :

   يقرر كثير من المثقفين العرب والمسلمين المعاصرين ليس لهم دور مميز في رسم تصور واضح يقود إلى تأصيل العمل الفكري والثقافي ، سوى محاولات ضئيلة ومتفرقة ومتباعدة ، وفي فترة من الفترات ارتفعت  صرخات لمثقفينا ومفكرينا أن أنقذوا الهوية العربية الإسلامية بالعودة إلى المنابع وحماية المضامين الاجتماعية ، ولكن هذه الصيحات لم تجد التجاوب الفاعل ، بل وقف كثير من المثقفين عند حد التمرد على الثقافات الوافدة ، ورفض المدارس الأجنبية بسماتها ومنهجياتها الغربية التي تحمل "السم" في الدسم ، ولم يتبع هذا الرفض (فعل) قوي يحد من تقدم الثقافة الاستهلاكية الوافدة ، ومن تغلغلها في مجتمعاتنا .إن التفكير في إيجاد البديل الثقافي المنافس والنابع من تراثنا ومن تركيبتنا الثقافية والاجتماعية والروحية سيعزز ذاتيتنا ، ويحدث تأثيراً كبيراً في عقليات الجمهور وأنماط سلوكهم ، وسينسحب هذا على كل أنشطة المجتمع .

  والسؤال الآن ماذا نفعل كي نتحدى ثقافة الاستهلاك ونصد مخاطرها عن شعوبنا، وكيف تتحرر ثقافتنا من القوالب الغربية وتنتقل إلى رحاب العالمية لتعلن عن هويتنا، وعن عالمية حضارتنا غير المرتبطة بزمان ولا مكان ؟ متى نخرج من عباءة "الانبهار" والتوكل كي نتغلب على الجمود والركود ؟ كيف نشجع المبادرة ثم "الفعل"؟ فمثقفونا "كي يحولوا المجتمع من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإبداع أمامهم – في رأيي – قضية أساسية واحدة ، هي قضية الجدية على مستوى الأفراد وعلى مستوى الجماعات ، الجدية في صياغة المشكلات التي تواجه مجتمعاتنا ، والجدية التخطيط لتجاوزها ، والجدية في تنفيذ الخطط المرسومة وتحقيق الأهداف ، والجدية في إعداد وتدريب الأفراد المقتدرين في كل فنون العلوم ومجالات الاهتمام والجدية في ضبط  المعايير وتقويم الأداء  وشذ الهمم واستغلال طاقات الأفراد وموارد الأرض وسعة الزمان والمكان . كما أن حشد الطاقات الثقافية والفكرية لمواجهة التحديات يقودنا في الطريق الصحيح إلى تأكيد الهوية العربية والإسلامية .

 

أصول بناء المنهج التربوي المعاصر في ظل الهوية الثقافية :

تشكل الأفكار التالية حجر الأساس لبناء المنهج التربوي المعاصر ، وذلك لأنها تقدم للطلاب ما يحتاجون إليه من المهارات والمعارف التي تساعدهم على مواجهة التحديات التي تصادفهم في مجتمع دائب التغيير قائم على التكنولوجيا :

أولا : المواطنة الصالحة على المستويين المحلى والعالمي:

أن أقصى ما يطمح فيه الفرد الآن في عصرنا الحاضر المعقد ، هو أن يكون مواطنا فعالا حقا ولعل ما يجعل تحقيق ذلك الأمر صعبا ، يعود بالدرجة الأولى إلى مشاعر الإحباط الناشئة عن إحساس الإنسان بضعفه وضآلة قيمته وذلك عندما ينظر إلى الحجم الهائل والعظيم للأجهزة الحكومية قياسا لحجمه وأيضا مما يزيد الفرد بهذا الإحساس هو الشعور بعدم الاهتمام به من جانب السلطات من ناحية وضآلة المهارات التي يسيطر عليها الفرد من ناحية أخرى . كل ذلك يؤثر –بلا جدال – على الفرد العادي فيزيد من صعوبة إمكانية إسهامه في اتخاذ القرارات التي لها تأثير حيوي في مجريات حياته الخاصة .

وإذا نظرنا إلى المواطنة كما يعرفها "نيومان" على أنها " القدرة على أن يمارس الفرد تأثيره في الشئون العامة " ، نجد أن أمرا كهذا سيتطلب في نهاية المطاف قدرا لايستهان به من المعارف والمهارات التي تتصف بالتعقيد والاتساع .

في ضوء ما تقدم، يجب أن تنال الأحداث والقضايا الراهنة قسطا وافرا من أوقات الدراسة. لذا يجب أن نفرد للقضايا المحلية مكانا بارزا في المنهج شأنها شأن قضايا الدولة والأمة والعالم بأسره ،وأن تعامل كموضوعات مدرسية هامة ، وتدرس بانتظام ولتحقيق ذلك قد نصطدم بمشكلة صعبة تتمثل في أن تعريف الطلاب بالمشكلات المعاصرة على المستوين المحلى والعالمي يحتاج بالضرورة إلى وقت طويل نسبيا ،وذلك بسبب تعدد وتعقيد هذه المشكلات ، وعليه لابد من إيجاد طرق جديدة وفعالة من أجل حل هذه المشاكل والصعوبات عن طريق المنطق والعقل أي عن طريق التفكير العلمي الذي يقوم على السبب والحقيقة ، إذ أن طريق القوة والتسلط  أصبح غير مجد،ولا يصلح في عصرنا الحالي لحل المشاكل الاجتماعية . لذا يجب أن يتصدى المنهج لهذه المشكلات فيوليها أهمية وأولوية ، من حيث شرح وتحليل الظروف التي أدت إلى ظهور هذه المشكلات وآثارها في فساد المجتمع إذا تفشت بين الأفراد، وطرق حلها على أساس علمي  فيساعد المنهج بذلك على إكساب التلاميذ مهارات المواطنة الصالحة التي تقوم على أسس ومن أهمها تكوين الخبرة الكافية من التفكير الذي يقوم على السبب والحقيقة ، وذلك من أجل مواجهة عصرنا الملي بالنزاعات والذي يتميز بالانقسامات .

أن التغييرات الاجتماعية والثقافية التي تحدث في المجتمع تشير إلى أن أهم التطورات التي يمكن أن تأخذ مكانها في المستقبل القريب تتمثل في الآتي(14):

1-  انتشار النزعة الاستقلالية وازديادها، نتيجة ازدياد التخصصات المهنية، والمسئوليات المتعددة، التي حدثت بفعل الحياة الاجتماعية.

2-  ظهور عمليات اجتماعية ذات صفة نظامية متداخلة، تقوم على التنافس والتنازع اللذين قد يوديان إلى تداخل هذه العمليات واندماجها بعضها مع بعض في نهاية الأمر وعليه فان الفرد الذي يعتمد الحظ والتواكلية لن يجد مكان تحت الشمس في وقتنا هذا.

3-  مطالبة الطبقات الدنيا في المجتمع بالعدالة والمساواة أسوة بباقي الطبقات ، وقد يؤدى ذلك إلى تناحر وتصارع الطبقات فيما بينها ،وبعامة فان الآثار التي ستترتب على مطالبة الفقراء بحقوقهم سوف تشتد أو تقل ،حسب النظام القائم في الدولة .

4-    النزوع إلى السلم لا إلى الحرب في حل النزاعات بين الدول .

5-  إعادة النظر في نظام القيم المعمول به في العالم بهدف إعادة بناءه من جديد ليساير التغييرات الاجتماعية والثقافية الجديدة التي حدثت ولا تزال تحدث نتيجة التقدم المستمر والمتتالي للعلم والتكنولوجيا.

6-  إعادة النظر في العادات والأفكار والمهارات الاجتماعية التي توارثتها الأجيال، حتى تسير جنبا إلى جنب مع الأوضاع النفسية والاجتماعية والاقتصادية الحديثة التي حدثت بسبب التحول والتغير المستمرين في شتى المجالات.

أن مراعاة الأمور أنفة الذكر عند بناء المنهج يؤدى إلى إكساب التلاميذ مهارات المواطنة الفعالة التي تؤدى بالتبعية إلى تماسك المجتمع وانتشار العدالة بين ربوعه أيضا يجب أن يبين المنهج أن تحقيق ما تقدم ينبغي أن يتم على أساس ديمقراطي وليس عبر عمليات حربية أو ثورة دموية قد تؤدى إلى نكسات بدلا من أن تحقق انطلاقات مرغوب فيها .

ومن ناحية أخرى أن المجتمع الدولي الذي يتطور في وقتنا الحاضر يتطلب أفرادا من نوعية جديدة ، أشخاصا رؤوسهم في السحاب وأقدامهم على الأرض . أنهم ، كما يقول (جيمس كونانت)مثاليون أقوياء العقول وعليه يكون من المهام العاجلة للتربية هو خلق أفراد ذوى عقلية دولية .ويعضد ذلك (بياجية piajet ) الذي يرى "أن الهدف الرئيسي للتعليم هو خلق رجال قادرين على عمل الجديد وليس فقط تكرار ما فعلته الأجيال الأخرى، رجال خلاقين مبتكرين ومستكشفين " (15)

ويمكن تحقيق ما تقدم عن طريق الآتي:

  • ·        خلق أفراد آمنين متكاملين يمكنهم أن يصلوا الخلافات بين الناس بالمودة وليس بالعداء.
  • ·        تعرف التلاميذ بالعالم كله .
  • ·        مساعدة التلاميذ على فهم أوجه التشابه وكذلك أوجه الخلاف بين شعوب العالم.
  • ·        مساعدة التلاميذ على تقدير إسهامات كافة الشعوب نحو المجتمع الدولي.
  • ·        إكساب التلاميذ اكبر قدر ممكن من الرؤية الواقعية لبعض المشكلات الدولية الرئيسية.
  • ·        مساعدة التلاميذ على الاهتمام بالشئون الجارية على المستوى المحلى والدولي .
  • ·        تنمية الفخر لدى التلاميذ بأوطانهم والتعرف علي نواحي القصور فيها .
  • ·        مساعدة التلاميذ على خلق فلسفة للحياة يمكن أن تكون عالمية.
  • ·        استخدام مجموعة متنوعة من الوسائل والمواد لتعزيز التفاهم الدولي .
  • ·        تعاون المدرسة مع وسائط المجتمع الأخرى التي يمكن الاستفادة منها لتقدير التفاهم الدولي.

ويستطيع المنهج أن يسهم في تحقيق ما تقدم عن طريق:

*الاهتمام بالتربية الدينية التي تكسب التلاميذ مقومات السلوك الأخلاقي المنشود.

*الاهتمام بالدراسات الإنسانية والاجتماعية على المستويين العالمي والمحلي.

*الاهتمام بدراسة التراث والتاريخ على جميع المستويات .

*الاهتمام بدراسة اللغات الأجنبية الحية على أساس أنها الجسر الذي بربط الثقافة المحلية بالثقافات الأخرى .

*الاهتمام بالدراسات البيئية التي يمكن من خلالها ربط مادتين أو أكثر في مجال أو ميدان معرفي واحد .

*الاهتمام بالترجمات التي تتناول الدراسات العالمية.

ومن ناحية أخرى أن التلميذ يدخل المدرسة مزودا ببعض الخلفيات الثقافية والاجتماعية، التي ترعرع فيها، لذا فانه يشعر ويفكر ويستجيب من خلال خلفيته

 الثقافية والاجتماعية التي نشأ فيها . أن قرارات الافرد وأفعاله تتأثر مباشرا بخلفيته الثقافية والاجتماعية ،لأنها جزء لا يتجزأ من جذور ثقافته الأساسية وعليه ينبغي أن تحاول المدرسة تسخير جميع إمكاناتها لوضع مرتكزات اجتماعية كافية تسهم في تعديل القرارات والأفعال التي قد يمارسها بعض التلاميذ نحو الأفضل وأن تسهم في تغذية وإثراء تلك القيم التي اعتادها الطفل في قالب تربوي جميل وبخاصة إذا كانت تلك القيم تتعارض وتضاد القيم التي يقرها المجتمع ويوافق عليها.

وتدور تلك المواطنة الصالحة حول أربعة من القيم الرئيسية هي كما أوضحها(16):

أولا: قيمة المساواة التي ينبغي أن تجسدها المبادئ الدستورية التي تنص علي حقوق متساوية وكاملة لجميع أبناء الوطن دون أي تمييز ، كما ينبغي أن تجسدها القوانين المختلفة التي ينبغي أن تعاقب علي كل فعل أو إجراء يتضمن تمييزا بين المواطنين علي إي أساس.

ثانياً:قيمة المشاركة ، فحيث أن الوطن شركة فينبغي أن يكون للمواطنين جميعا أسهم متساوية في تلك الشركة ، كما ينبغي أن تشجع القوانين والسياسات المشاركة الوطنية في مختلف شؤون الوطن عبر أنواع مختلفة من المشاركات المدنية والأهلية كتأسيس الجمعيات الأهلية والنقابات والمشاركة في مختلف أوجه العمل العام.
القيمة الثالثة :قيمة المسؤولية آذ ينبغي أن تتوزع المسؤوليات الاجتماعية كالتجنيد الإجباري مثلا علي المواطنين جميعا ، كما ينبغي أن يشعر المواطنين جميعا بحقهم في القيام بالأعباء التي تتطلبها حياتهم الاجتماعية
وتدور حول قيمة المسئولية شعور المواطنين بمسئوليتهم عن أدارة شؤون المجتمع ومراقبة مختلف مؤسساته التشريعية والتنفيذية، وغيرها من المسئوليات .

والقيمة الرابعة هي : قيمة الحرية آذ ينبغي أن يشعر المواطنون جميعا بحقهم الكامل في الحرية سوء جماعية أو فردية(17).

 

المواطنة وأبعاد التعلم الثلاثة : 

 تتضمن المواطنة أبعاد التعلم الثلاثة وهى كما أوضحها( 18  )في :

البعد القيمى أو الوجداني أو الاتجاهاتي بما يعني الانتماء للوطن والاستعداد للبذل والتضحية في سبيله والحفاوة بتاريخه وتراثه ورموزه، وتقدير الدور الذي بذله رواده وأبطاله ومفكريه ، والشعور بعمق عاطفة الأخوة الوطنية واحترام الدستور والقانون ، والإيمان بمستقبل أفضل علي أرضه.

أما البعد الثاني للمواطنة فهو البعد المعرفي :الذي ينبغي أن يتضمن معارف عن الوطن جغرافيته وأقاليمه وتركيبته السكانية والعرقية والدينية ، وتاريخه، وابرز أحداث ومنعطفات وقادة ذلك التاريخ ،كما ينبغي أن يتضمن المعرفة بالنظام السياسي واليات عمله ومؤسساته والدستور والقانون الذي يحكمها، والمعرفة بأهم القضايا والمشكلات الوطنية كالفقر وانخفاض مستوي المعيشة وحالة التعليم والبيئة، وتدني المشاركة السياسية والمجتمعية وضعف الاهتمام بالعمل العام ، ومشكلات المرأة ، والمهمشين والأحياء العشوائية وعمالة الأطفال والإدمان والبطالة والتطرف ، وغيرها ممن تخص تكوينات مختلفة من السكان ولكنها تعتبر تحديات وطنية في المقام الأول. كما ينبغي أن تتضمن المعارف المواطنية معارف حول التحديات المستقبلية ، والتحديات الخارجية ودور الوطن في الصراعات الدولية والإقليمية.

يبقي البعد الثالث للمواطنة وهو البعد المهارى أو السلوكي: إذ ينبغي أن يتدرب المواطن أو الطالب علي قراءة القانون والدستور ومناقشتهما مع الآخرين ، وعلي سماع نشرات الأخبار ومناقشة ماجاء بها من قضايا تهم الوطن ، وعلي استخراج بطاقة الانتخاب ، ومعرفة مهارات الترشح للمجالس المختلفة ومهارات التصويت ، ومهارات الاتصال مع الآخرين ، ومهارات التعبير عن الرأي والدفاع عن المواقف واحترام الآراء المخالفة تلك هي أبعاد المواطنة الثلاثة . فما هو موقف التعليم منها . هل يدعمها وينميها ، ويفسح لها المجال في نظمه وخططه ومناهجه وأنشطته ، فيزيد المواطنين تماسكا وانتماء وولاء لوطنهم .
أم انه ينبذها ولا يوليها ما تستحق من عناية واهتمام، مما يؤدي في النهاية إلي ضعف الولاء والانتماء للوطن، وعدم الثقة في المستقبل ، والبحث عن حلول فردية للمشكلات، أسهلها الهجرة إلي الخارج بحثا عن وطن أفضل استعداداً لفقد الهوية الثقافية .

 

ثانياً: الاهتمام بإنسانية الإنسان :

يشهد مجتمعنا اهتماما متزايدا واضحا نحو احترام الإنسان الفرد وتقديره لذا أقرت المملكة العربية السعودية وثيقة حقوق الإنسان ، وهى لا تتوان لحظة واحدة لتوفير الحياة الحرة الكريمة لأبنائها دون تفرقة أو تمييز ، وهى بذلك تحافظ على إنسانية الإنسان السعودي ولكن عالمنا اليوم يمتلك من أسلحة الفتك والدمار ما هو كفيل بإنهاء الحياة على الكرة الأرضية في دقائق معدودات ويمتلك  في ذات الوقت من الإمكانيات التكنولوجية العظيمة ما يمكنه من التحكم في نفسه ، إذا كان الحال كذلك ينبغي أذن النظر إلى دعوى احترام كافة أفراد الجنس البشري نظرة خاصة إذا كنا جادين بالفعل في الدعوة إلى تعايش جميع الأفراد في مختلف الأقطار حياة مزدهرة يسودها السلام والمحبة والطمأنينة والوئام ولا يعكر صفوفها الخوف من شبح الحروب والمجاعات وذلك يدعو سكان هذه المعمورة أن يتعلموا كيفية الحرص  الجاد على بعضهم البعض والمشاركة الفعالة لبعضهم البعض في السراء والضراء ،وبذا تضمن المحافظة على بقاء البشرية .

ويمكن تلخيص أهم مقومات الاهتمام بالإنسان في الاتى :

  • ·   العمل على الارتقاء بالمستوى المادي لحياة الإنسان في مختلف بقاع العالم ، كذا العمل على احترام الذات لدى الأفراد ويتحقق ذلك عن طريق تمكين الفرد من الحصول على عمل نافع مفيد وبذلك تقوى ثقة الفرد بذاته فيشعر بأنه عضو عامل له دوره الفعال في مجتمعه كما يحس دوما بالأمن والأمان .
  • ·   الإيمان بقدرة الناس على التأثير الفعال في تعديل ما يلم بهم وبغيرهم ما أمور ويعنى ذلك الإيمان بقدرة الإنسان على التأثير في مجريات الأحداث وبقدرته على التعديل في التوجيهات والأنماط الحياتية عبر تاريخه الطويل تبعا لمقتضيات الظروف التي واجهها ومازال يواجهها في كل زمان ومكان.
  • ·   الثقة في قدرة الناس على مشاركة الآخرين و التعلم منهم وهذه سمة ميز الله بها الإنسان دون سائر الكائنات الأخرى وحباه بها ، ويتطلب تحقيق ذلك الانفتاح على الآخرين والحرص على اكتشاف الحقيقة والاهتمام بالدلائل العلمية ورفض القيم الغيبية كذا المحافظة على القيم الإنسانية .

وإذا كان علينا كأفراد تشجيع مقومات الاهتمام بالإنسان التي سبق الإشارة إليها وتدعيمها بقوة فان على المدرسة مسئولات اكبر وأعظم في هذا الشأن، وهذه تتمثل في الآتي:

  • ·   إتاحة الفرص للطلاب لإثبات وجودهم وذلك بالسماح لهم بان يتولوا كلمتهم ورأيهم بشجاعة فيما يفرض عليهم من أشياء.
  • ·        رعاية الطلاب والعناية بهم وتقديم المساعدة لهم .
  • ·   الإصغاء إلى أراء الطلاب وان كانت مختلفة لأراء معلميهم وكذا عرض أراء الطلاب المختلفة وفحص أفكارهم فحصا علميا دقيقا .
  • ·   إتاحة الفرص أمام الطلاب لإجراء التجارب والسماح لهم بعرض وجهات النظر المختلفة التي تبين عنها نتائج التجارب التي يقومون بها، وكذا، إتاحة الفرص للحوار والمداولة بين الطلاب بعضهم البعض وبينهم وبين مدرسيهم .
  • ·   ينبغي أن تعمق جميع مداخل المنهج المدرسي لدى الطلاب فكرة الاهتمام بالإنسان، وبذلك ترتفع معنوياتهم ويقوى لديهم الأمل في قدرتهم على حل جميع مشكلاتهم بالتعاون والتفاهم فيما بينهم.

الهوية الثقافية والمشروع الحضاري العربي:‏

لا شك في أن الفرق شاسع بين إعادة تأسيس هوية ثقافية، وصقل معالمها، وما يندرج تحت هذه العملية من جدلية عميقة وتفاعل خصب بين مقومات الشخصية العربية في التراث الحضاري العربي, وبين استعارة هوية ثقافية جاهزة يدعو إليها مروجو النموذج الغربي للتقدم في الوطن العربي(19). في حين أنه في تراثنا العربي الإسلامي ما يؤكد أن الهوية الثقافية لا تستطيع أن تصمد تجاه محاولات المسخ والغزو الثقافي والعولمة والاحتلال والهيمنة، والسيطرة الخارجية، إلا إذا كانت حرّة مبدعة، ينبثق خَلْقُها من الداخل.‏

فالإبداع ينمو ويترعرع وينتشر في ظل الحرية،و يُقتل في ظل التقليد والقيود والأسر والاستلاب، لأن الإبداع حياة، والتقليد موت متكرر، وليس من الصدفة أن تركز القوى المعادية لأمتنا وطموحها في تحقيق مشروعها النهضوي الحضاري، على مقاومة الثقافة العربية واتهامها بالإرهاب أو التخلف، أو السلفية. لتزعزع مقومات الشخصية الثقافية القومية، ابتداءً من اللغة وتهميشها في ميادين التقدم الحساسة من علم وتقانة وفكر مستورد، وفرض لغة أجنبية في هذه الميادين بحجة كونها لغة عالمية، أو لغة الحاسوب، وأن العربية عاجزة عن مواكبة التقدم التقني والعلمي السريع جداً.‏

إن الهوية الثقافية القومية لا تستطيع أن تحافظ على مقوماتها, وأن تسهم في حوار الحضارات، والتفاعل مع الثقافات الأخرى، وتنتقل من طور التقليد والاستحياء والاستهلاك إلى طور المشاركة المبدعة، إلا ضمن مشروع حضاري نهضوي قومي، يستلهم التراث المضيء ويحرص على ذاتية الأمة ومقومات وجودها وعمقها التاريخي، ويدعو إلى الاعتزاز بعطاء حضارتها الإسلامية في القديم، دون أن تتخلى هذه الأمة عن ضرورات معطيات العلم، لكن على أن تكون فاعلة ومشاركة لا مستهلكة أو تابعة.

وفي هذا السياق نوضح مطالب التراث الثقافي :

يمكن أن تتحقق مطالب التراث الثقافي من خلال مراعاة ما يلي :

-         أن بعض الأشياء تحفظ التراث الثقافي وتزيد فيه ويجب مراعاتها.

-   الرجل الأكاديمي هو الذي يتفرغ للعناية بالمخزون من المعرفة وتحسينه بصرف النظر عما يكون له – أو لا يكون – من منفعة فردية أو اجتماعية.

-   تصميم برامج معينة للتعبير عن غرض استمرار التراث الثقافي و يمكن تبرير هذه الدراسات على أساس الحاجات الاجتماعية والفردية.

 


 
العلاقة بين الهوية والثقافة :

أن العلاقة بين الهوية والثقافة، تعني علاقة الذات بالإنتاج الثقافي، ولا شك أن أي إنتاج ثقافي لا يتم في غياب ذات مفكرة، دون الخوض في الجدال الذي يذهب إلى أسبقية الذات على موضوع الاتجاه العقلاني المثالي، أو الذي يجعل الموضوع أسبق من الذات، وإن كل ما في الذهن هو نتيجة ما تحمله الحواس وتخطه على تلك الصفحة (ذهن الإنسان) والخلاصة أن الذات المفكرة تقوم بدور كبير في إنتاج الثقافة، وتحديد نوعها وأهدافها وهويتها في كل مجتمع إنساني وفي كل عصر من العصور. وبناء على ما سبق فإنه يصعب أن نجد تعريفاً جامعاً مانعاً لمفهوم الهوية الثقافية، فالهوية الثقافية تختلف من مجتمع إلى آخر ومن عصر إلى عصر، كما تختلف باختلاف التوجهات الفكرية والأيديولوجية لمنتجي الثقافة العربية.

فالتيار الذي يحدد الثقافة داخل إطار جامد ومبادئ مطلقة غير قابلة للتغيير سيكون منظوره لمحددات الهوية الثقافية وعناصرها ثابتاً جامداً جمود الثقافة التي يحملها ، تلك الهوية صالحة لكل زمان ومكان، هوية تتعالى على أحداث التاريخ وصيرورته أي لا تتحول ولا تتبدل ولا تتطور، بعيدة عن الواقع والصراع الدائر فيه لا تلامس مشاكل الواقع الذي تعيش فيه ولا تشارك في حلها مقطوعة الصلة به لأن حلولها جاهزة مستقاة من التراث الذي يقدسه، هوية مكتفية بذاتها ليست بحاجة إلى العلوم والانفتاح على الآخر، لأنها تملك كل شيء على الصعيد الديني والأخلاقي والفكري والسياسي والاجتماعي، والبعض منها مكتف حتى على الصعيد العلمي والتطبيقي، فتراثنا العربي يزخر بالإنجازات في جميع الميادين، وما علينا إلا إحياء عناصره من أجل بناء حضارة عربية بذات عربية أصيلة.

أما التيار المضاد للتيار السابق فإنه يقف على الطرف النقيض حيث يرفض الهوية الثقافية العربية المبنية على أسس ومبادئ التراث، وينظر إليها على أنها هوية جامدة متحجرة ولا أمل في بث الحياة فيها، وبالتالي يرفضها ويتبنى هوية ثقافية عصرية تستمد أسسها من الحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة.

ونجد تياراً ثالثاً في الساحة الثقافية العربية يتميز بالروح العقلانية النقدية والواقعية العلمية ويحاول أن ينتج ثقافة متعددة المناهج منفتحة على الثقافات الأخرى، ويستفيد من نتائج العلوم التجريبية والإنسانية، ويعدها روافد مهمة تتغذى منها الثقافة وتتعامل معها بشكل نقدي، وفي نفس الوقت لا تهمل التراث العربي فهي تخضعه لمحك النقد وتستفيد مما هو صالح للحياة والنمو والتطور ومن ثم تتجاوزه، وتصبح الأصالة في منظور هذا التيار " هي تلك التي صنعها ويصنعها العرب كل يوم بل كل ساعة، فالأصل ليس كنزاً ولا ركازاً، ليست معطى خاصاً ولا قطعة في متحف، بل الأصالة سمة تطبع كل عمل فيه خصوصية وإبداع، والخصوصية والإبداع ليسا وقفاً على فترة معينة، ولا في التاريخ العربي ولا في تاريخ أي شعب من الشعوب" (20) وينظر هذا التيار العقلاني النقدي إلى الهوية في كونها هوية مرنة متجددة تتجدد عناصرها حسب التطور ومستجدات العصر، مع احتفاظها بخصوصيتها في كونها هوية عربية تستوعب ثقافة الآخر وتوظفها في بناء ثقافة منفتحة وتطرح الدين الإسلامي بصورة تتميز بالتسامح يقبل الآخر ويتعامل معه، الهوية الثقافية العربية عند التيارين الأولين تتميز بالتعصب لما هو تراثي إسلامي بالنسبة للتيار الأول، ولما هو غربي بالنسبة للتيار الثاني، أما التيار الثالث فيتبنى هوية ثقافية تتميز بالمرونة والتشكل المتجدد المستمر، فهي نتاج ذوات وموضوعات وثقافات، فالهوية الثقافية هي الانعكاس لتكوين الأنا " إن تشكل الأنا عبارة عن ولادة مستمرة ... " (21) ، أي الولادة المستمرة للأنا أو الهوية الثقافية تعني الحياة والاستمرار والنمو والتطور، هوية متجددة تستفيد من معطيات العصر في ميادينه المختلفة واستثمارها لصالح الإنسان ومتطلباته المتعددة في مختلف مناحي الحياة. هوية ثقافية تعيش داخل التاريخ لا خارجه ولا متعالية عليه.

وإذا تساءل البعض: أين تبتدئ الهوية وأين تنتهي؟ نجد أن هذا السؤال لا نملك الإجابة عنه لأنه ليس هناك حدود معينة يمكن أن نقولب فيها الهوية بشكل عام والهوية الثقافية بشكل خاص حسب التعريف الأخير. قد يعترض البعض على أن التفكير في مسألة الهوية الثقافية في الظروف العالمية الراهنة وما يسود من اختراق ثقافي للعالم العربي، يدعونا إلى التشدد في مسألة الهوية الثقافية العربية التي يحاول الغزو الثقافي الغربي ضربها في مكوناتها ومبادئها وأسسها خاصة إذا نظرنا إلى الثقافة في كونها " ذلك المركب المتجانس من الذكريات والتصورات والقيم والرموز والتعبير والإبداعات التي في إطار ما تعرفه من تطورات بفعل دينامكيتها الداخلية وقابليتها للتواصل والأخذ والعطاء " (22) فإذا كانت الثقافة العربية تمثل من هذا المنظور الخصوصية التاريخية للأمة العربية في قيمها ومبادئها ونظرتها إلى الإنسان والكون والله، ونظرتها إلى الحياة والموت، بمعنى آخر الثقافة العربية تشكل البعد الإنساني للعرب فهي التي تجذر العرب في تراثهم وتاريخهم، وهي التي تفتح آفاق المستقبل أمامهم، كما أن ارتباط الهوية الثقافية (23) بالوطن أو الأمة يجعلها تتعرض اليوم للهجوم من قبل العولمة أحد أشكال الهيمنة وأحدثها التي تحاول القضاء على الدولة الوطنية والقومية من أجل تعميم قيمها ونموذجها الحضاري والثقافي، وهذا خلق نوعاً من التعارض الحاد بين الهوية الثقافية وأهداف العولمة، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: عن أي ثقافة عربية أو هوية ثقافية عربية نتحدث؟ هل توجد بالفعل ثقافة عربية واحدة أي هوية ثقافية واحدة للعرب؟ سؤال سنناقشه في الفقرة التالية.

 

أشكال الثقافة العربية:

إذا حاولنا حصر أشكال الثقافة العربية فإنه يمكن حصرها في صنفين هما الثقافة الشعبية، والثقافة العالمة.

أولاً- الثقافة الشعبية :

(ثقافة الصمت) وهى الثقافة السائدة في العالم العربي بشكل عام ويتصف منتجوها بالخوف والجبن وعدم الثقة بالنفس " فأن توجد في (ثقافة الصمت) يعني أن تعيش وحسب، وينفذ الجسم أوامر مؤقتة، ويصبح التفكير صعباً، والتلفظ بالكلمة ممنوعاً " (24) ونلاحظ أن ثقافة الصمت لا تولد تلقائياً في المجتمع بل يفرضها النظام الحاكم داخله ، أي يفرضها الطرف المسيطر على المسيطر عليهم أي أفراد المجتمع " ذلك أن هذه الثقافة هي نتاج العلاقات البنيوية بين المسيطر عليهم والمسيطرين ... وهكذا فإن فهم ثقافة الصمت يفرض مسبقاً تحليل البنية لظاهرة علائقية تولد أشكالاً مختلفة من الوجود والتفكير والتعبير، الخاصة (بثقافة الصمت) والخاصة بالثقافة التي لها صوت" (25) يشير النص السابق إلى أن ثقافة الصمت هي نتيجة للعلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بين الحاكم والمحكوم وتولد أشكالاً محددة من أنماط التفكير وأشكال التعبير، فكلما كان هامش الحرية المعطى للشعب واسعاً نمت ثقافة (الصوت المرتفع)، والتعبير الحر عن الآراء والأفكار، وكلما نقص هامش الحرية، وضيق على حرية الرأي والتعبير داخل المجتمع نمت وترعرعت ثقافة الصمت.

وإذا عقدنا مقارنة بين ثقافة (الصوت المرتفع) و (ثقافة الصمت) نجد أنهما يقفان على طرفي نقيض، فالثقافة الأولى تعمل من أجل الحرية، أداتها أو وسيلتها هي الحوار وهدفها توعية الجمهور، بينما نجد الثقافة الثانية ترسخ التسلط وترفض الحوار وهدفها هو ترويض الجماهير والسيطرة عليها، وكذلك فإن الثقافة الأولى تطرح مشاكل الجماهير والثقافة الثانية ترفع الشعارات وتطرح الحلول النظرية، والثقافة الأولى تكشف عن الواقع وتعري الأطروحات الإيديولوجية للحكومات وتدفع باتجاه الفصل بين العلم والأيديولوجية (26) ، وتأخذ على عاتقها النقد العقلاني للأيديولوجيات السائدة في الدولة والحث على الممارسة الفعلية أي العملية، والثقافة الثانية تغرق في وهم المبادئ والشعارات الأيديولوجية، وتعمل على تلقين الجماهير نسخة أسطورية غامضة عن الواقع تتلاءم والمبادئ التي تتبناها الأطروحات التي تقدمها للجماهير، وتعمل في ذات الوقت على السيطرة على الجماهير باسم البحث عن حريتها، وأسطرة التكنولوجية عندما تقدمها للجماهير وكأنها من صنع هذه الأيدولوجيا، وليست نتاج التطور العلمي والتكنولوجي الذي يكتسح العالم.

وعندما ينتقل الوعي الجماهيري من مرحلة الوعي الساذج إلى مرحلة الوعي النقدي تعمل (ثقافة الصمت) جاهدة على الإبقاء على الوضع القائم حيث تسمح بتحولات سطحية، لا تؤدي إلى تغيير حقيقي في السلطة والمواقع، بل لتمتص اندفاع وحماس بعض المثقفين والنقاد الذين يعتقدون أنهم يشاركون في تطور مجتمعهم، وفي حقيقة الأمر يتم التحكم فيهم بدهاء وذكاء(27).

 كما أن أغلب أشكال الثقافة العربية السائدة في أغلب البلدان العربية تعد الأساس في ترسيخ التخلف الثقافي لأنها عجزت عن إيجاد الحلول للمشاكل الواقعية التي يعاني منها المواطن العربي "حيث التخلف ليس وليد حضور مادي بقدر ما هو قصور في إيجاد الحلول الموضوعية لمعضلات الإنسان " (28) ً، وهنا يحق لنا أن نطرح تساؤلاً: هل الثقافة العربية بوضعها وأسسها السابقة الذكر خليقة بأن نتمسك بها ونحافظ عليها وندافع عنها، أم علينا إعادة النظر فيها ومراجعتها ومساءلتها وخلخلة بعض ثوابتها وإعادة تجديدها ومدها بمبادئ جديدة، وتغذيتها بعناصر فاعلة، تتلاءم وتطورات ومستجدات العصر الراهن في مختلف الميادين العلمية والاقتصادية والسياسية والفكرية والاجتماعية حتى تستطيع أن تعبر عن قضايا الواقع العربي ومشاكله؟

ثانياً- الثقافة العالمة:

يصعب وضع حد فاصل بين الثقافة الشعبية والثقافة العالمة، إذ تتداخلان بشكل كبير خاصة في العلاقات التي تربطها بالسلطة، والتي تتسم بالخوف، وعدم الثقة بالنفس والخضوع للرقابة، ولكن ما يميز الثقافة العالمة هو استهلاك منتجيها لمواد معرفية من منابع متباينة تشكل مرجعيات ثقافية لهم، مما أدى إلى ظهور تيارات ثقافية وفكرية مختلفة على الساحة الثقافية العربية.

إذا نظرنا إلى الثقافة على أنها ثمرة إبداع وإنتاج المثقفين والمفكرين، فهي - في نفس الوقت - تلعب دوراً كبيراً في تكوينهم، فهم بلا شك خاضعون لآلياتها الفكرية، ومفاهيمها، وأفكارها، ونظمها المعرفية التي تكون بنية الثقافة التي ينتمون إليها، أما الثقافة التي ينفتح عليها المثقفون وينهلون من منابعها فهي تشكل حقلاً مرجعياً لهم، " إذاً فـ ( المسألة الثقافية في الوطن العربي) هي في مظهرها الأول والمباشر (مسألة) المادة المعرفية المستهلكة وطريقة استهلاكها وإعادة إنتاجها" (29). نجد في الساحة الثقافية العربية عدداً من التيارات يمكن تصنيفها على أساس الحقل المرجعي الذي تنهل منه فهناك التيار التراثي(30) ، وهو الذي يتفرع إلى عدة فروع تختلف حسب نظرة المثقفين إلى التراث، فيقعون ما بين التيار التراثي المحافظ والمتشدد والتيار التراثي المنفتح ولكن يلتقون حول ضرورة التمسك بالتراث العربي ومفاهيمه وآلياته ورؤيته، كما نجد التيار الحداثي(31) ، وهو ينقسم بدوره إلى عدة أقسام حسب درجة الانفتاح على الثقافة الأوروبية، وهذا التيار يعد الثقافة الغربية الحقل المرجعي الأساسي الذي يستند إليه ويتبنى مناهجه ومفاهيمه وآلياته، ويرفض التراث العربي ويقطع مع ماضيه، كما ظهر في العقود الأخيرة من القرن العشرين تيار نقدي(32) ، يتعامل مع التراث ومع الفكر الأوروبي من منظور نقدي فهو يدرس التراث العربي ولا يرفضه وهو في نفس الوقت منفتح على الحقل المعرفي الأوروبي يحاول استثمار إنجازاته العلمية والمنهجية في الثقافة العربية والاستفادة منها في قراءة التراث العربي. وهذا الانشطار في الثقافة العربية ازداد عمقاً بعد انتشار وسائل الإعلام الحديثة التي لا يملكها كل الناس في أغلب البلاد العربية، فزادت المسافة بين المثقف التقليدي والمثقف العصري، بين فئات الشعب الفقيرة والنخبة المثقفة.

ونجد المثقفين العرب - بغض النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية - مازال أغلبهم يؤمن بأن الثقافة العربية أحد مقومات الوحدة العربية، وربما تعد العنصر الوحيد الباقي بالرغم من اختلاف العرب في المصلحة الاقتصادية، وتبنيهم أيديولوجيات مختلفة، وأشكال حكم متباينة من الحكم الملكي إلى الحكم الجمهوري الوراثي، ويقرون بالاختلاف العرقي والطائفي، واختلاف اللهجات وتعدد الأديان ومع ذلك " فالثقافة العربية في آن واحد لغة ودين وماض مشترك ومستقبل مأمول، ومن هنا كانت وظيفتها التاريخية، ووظيفتها التوحيدية هي هويتها نفسها، لا بل ماهيتها نفسها " (33).

 والمشكلة في الثقافة العربية " أنها ليست أفكاراً (ثقافية) في الكتب بل قوانين ومحاكم، ومدارس، وأعياد، وأناشيد، وخطب وجرائد وإذاعات، وأموال طائلة تنفق علناً، وكل عام، وإذا خرجت الإدارة من يد الناس، فإن الثقافة أيضاً تخرج من يدهم، وتصبح سلاحاً رهيباً في خدمة من يدفع الثمن ... " (34) ، ما جاء في النص السابق كشف سمات الثقافة العربية من حيث المضمون، والشكل، والأدوات، والهدف، والعنصر الفاعل فيها .

الأسباب التي أدت إلى الهيمنة على الثقافة العربية:

يمكن الكشف عن أسباب الهيمنة على الثقافة العربية بالرجوع إلى الخطط الاستعمارية التعليمية في المستعمرات العربية في القرن التاسع عشر، ونذكر مثالاً على ذلك ما قام به مستشار التربية في مصر في عهد الحاكم الإنجليزي كرومر، إذ عمل على الكشف عن خصائص العقلية الشرقية وتجذيرها في البنية التعليمية " واستند (دانلوب) (35) إلى خاصية معينة من خصائص العقلية الشرقية، ألا وهي تقديسها للمكتوب، للكلمة المكتوبة للنصوص، وراح يقيم تعليماته الدورية إلى المفتشين والنظار على أساس تنمية الذاكرة، والحفظ بالذاكرة، دون كل ما من شأنه أن ينمي ملكة التفكير النقدي والإبداعي الخلاق (36) وكان الهدف من هذه الخطة وضع استراتيجية للهيمنة الثقافية على مصر، من خلال إنتاج مثقفين بلا ثقافة، لأنهم لا يمتلكون وسائل الثقافة الفعالة وهي الحوار والنقاش والجدل والنقد بل يكتفون بالحفظ والتكرار والاجترار وهذا ما يكشف عنه رأي (دانلوب) في أن الضمان الوحيد لاستعباد مصر على مر الأجيال لا يكمن في الاحتلال العسكري والاستعمار الاقتصادي بقدر ما يكمن في ضرب الفكر المصري في الصميم بحيث يصبح عاجزاً عن التطور والإبداع والخلق ويظل معتمداً على غيره ليتحرك، ورأى دانلوب أنه لكي يتحقق هذا الهدف لابد من أن تتجه سياسة التعليم كلها - في مرحلة الابتدائية والثانوية والعالية على السواء - إلى الحفظ دون المناقشة، والترتيل دون النقد، ومحاكاة المراجع والأساتذة دون تشريحها وتكوين رأي مستقل فيها، واحترام الكلمة المكتوبة دون امتحانها والتصارع فكرياً معها (37).

إن ما جاء في هذا النص يترجم حرفياً خطط التعليم ومناهجه في بلداننا العربية في جميع مراحله، حيث يقتصر دور المدرس على تلقين الطلبة دون إعطائهم فرصة للمناقشة وطرح السؤال، الذي يعد من المحرمات عند أغلب الأساتذة. وربما نلتمس العذر لهؤلاء الأساتذة لأنهم أنفسهم لا يمتلكون ملكة الحوار والجدل والمناقشة وطرح السؤال، وبالتالي كيف نطلب منهم القيام بهذه المهام، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. وإذا نظرنا إلى وضع الطلبة في أغلب الجامعات العربية فإنه لا يسمح لهم أساتذتهم بتكوين رأي مستقل لأنهم متلقون لا غير في مرحلة البكالوريوس وهذا ما نجده في مستوى التعليم العالي حيث يجاري الطالب في مرحلة الدراسات العليا وإعداد رسالة الماجستير أستاذه المشرف في جميع آرائه ولا يجرؤ على مخالفته، وقلة من الأساتذة المشرفين الذين يسمحون لطلبتهم بحرية البحث، وتكوين آراء خاصة، شرط البرهنة عليها بحجج مقنعة وفق الشروط العلمية والأكاديمية، إذ مازال الكثير من أساتذتنا وطلابنا في الجامعات العربية، واقعين تحت سيطرة النصوص خاصة التراثية منها - ونستثني من هؤلاء القلة القليلة من المثقفين الذين بدءوا قبل عقدين من الزمن يتعاملون مع النصوص التراثية من منظور نقدي(38) .

أذا ما نجده أن المراد غرس بنية تعليمية وتربوية تعتمد على أن التلميذ الممتاز هو الذي يتميز بسرعة الحفظ، أما التاريخ فهو لا يخرج عن كونه دراسة لتاريخ الملوك والأسر الحاكمة، وكثير من المعارك والانتصارات والهزائم، دون محاولة إيجاد تفسير علمي لتطور الأحداث وترابطها ودون محاولة الكشف عن الفلسفة التاريخية التي كانت وراء تلك الأحداث ونتاجاً لها، أما  في ميدان التجارب المعملية يدرسها الطالب ، دون أن يطلع على كيفية تطور هذه التجارب داخل علم ما، وكيف استطاعت نظرية ما بيان خطأ سابقتها، ولا تعطي للطلبة الطريقة الجدلية التي استطاعت بها نظرية ما تجاوز النظريات القديمة، أما في ميدان الفلسفة فتدرس للطلبة بصورة مختصرة تعطي نبذة عن أراء الفلاسفة والنظريات الفلسفية، دون البحث عن الأسباب التي دفعتهم إلى إنتاج تلك النظريات والأفكار، وفهمها في إطار عصرها، ومحاولة إخضاعها للنقد وفق مناهج عصرنا الراهن، بل تقتصر استراتيجية تعليمنا في أغلب البلدان العربية على تطبيق خطة (دانلوب) بحذافيرها وهي " الحفظ، ولا شيء إلا الحفظ والامتحان يدور كله في إطار هذه المحفوظات، إنه ترتيل وتسميع ولا شيء غير ذلك" (39) واستراتيجية (دانلوب) هذه التي أصبحت تكون البنية العميقة لأسس التعليم في البلدان العربية، وهي كامنة في لا شعور خبراء التعليم عندنا وتعمل بشكل خفي وربما بدون وعي ، وعليه فنحن في حاجة إلى دراسة علمية موسعة تتناول البنية التعليمية في كل بلد عربي ودراسة أسسها وطرقها ومناهجها وأهدافها ونتائجها، لأن هذه البنية هي التي تكون الكوادر العلمية في جميع المجالات ومنهم شريحة المثقفين، وهذه البنية العقيمة، هي السائدة في حياتنا الثقافية، التي كشفت عن عقمها في عدم إيجاد حلول للمشاكل العربية على المستوى الوطني والقومي، ونحن في حاجة إلى خلخلة ثوابتها وأسسها والكشف عن آلياتها ومناهجها وتعرية أسسها وإعادة صياغتها على أسس جديدة، تتخذ من النقد والحوار والتساؤل والسلب مرتكزات أساسية بدل الحفظ، والتذكر.

ويمكن حصر أسباب الغزو الثقافي للثقافة العربية في أربعة أسباب(40) ، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1- واقعنا المتخلف وانتماؤنا إلى قائمة المتخلفين.

2- الغزو الإعلامي السمعي والبصري عبر وسائل الإعلام التي تهدد القيم والأخلاق وتغزو العاطفة والخيال.

3- قصور العرب في تبني الحداثة، أدى إلى قصور في الفعل والتخطيط على جميع المستويات العلمية والثقافية والاقتصادية والسياسية على المستوى الوطني والقومي العربي، وهذا مؤشر إلى عدم فهمنا واستيعابنا لأسس الحضارة المعاصرة.

4- إسقاط الحاضر على المستقبل وتقديم حلول للحاضر بكل ما يحمله من نقائص وإعادة إنتاج القديم على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والفكري، أما المستوى الثقافي فهو متروك للسياسة تمارس عليه المراقبة والقمع وتسويد الصوت الواحد، وهو صوت الجهاز الرسمي.

وبناء على ما سبق فإن الهيمنة الثقافية في البلدان العربية لا تقتصر على ما تكرره الأدبيات الثقافية العربية ممثلة في الغزو الإعلامي عبر الفضائيات ووسائل الاتصالات المعاصرة (الإنترنيت) ووكالات الأنباء الصهيونية والكتب والمجلات وغيرها، التي لا نغفل دورها فهي تمثل العوامل الخارجية للهيمنة الثقافية وهي تلعب دوراً لا شك فيه، ولكن نقطة الضعف المركزية تكمن في البنية التعليمية في بلادنا العربية، لأنها الأساس الذي تتكون وتنمو وتنضج فيه الكوادر العلمية والفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية، فهي البؤرة التي يجب أن تتجه إليها جهودنا من أجل الكشف عنها وإعادة صياغة أهدافنا ووسائلنا التعليمية ومناهجنا في فضاء يتسم بالحرية، حرية الرأي والتفكير والجدل والحوار وتعدد الآراء والأفكار، وبذلك نفسح المجال أمام الطاقات الإبداعية في جميع المجالات، لتكسر سياج التسلط الداخلي، وأوجه الهيمنة الخارجية، بإبداعات في جميع الميادين، تتفاعل مع الثقافات الأخرى وتنهل منها وتنتقدها وتمدها بعناصر جديدة بذلك تتحول علاقة الهيمنة إلى علاقة مثاقفة علاقة أخذ وعطاء " فحيثما توجد ثقافة حية نامية متحركة تتعامل مع مشكلات العصر الكبرى وتحدياته المصيرية بنجاح معقول وتتفاعل مع قضاياها الوطنية والفكرية والعلمية والتقنية والفنية بصورة خلاقة ينكمش تأثير الغزو الثقافي، ويميل فعله إلى التلاشي " (41).

إذن ما الحل؟ أو كيف نتعامل مع الهيمنة الثقافية؟

 أن حل معضلة الثقافة في البلدان العربية، تفرض تحرير الثقافة من السياسة، فالثقافة العربية كانت ومازالت ضحية السياسة، فبعض الحكومات العربية أهملتها خوفاً منها، فمارست عليها رقابة شديدة، وبعضها الآخر وظفها توظيفا أيديولوجياً خدمة لمصالحه وأيديولوجيته المهيمنة، وفي نفس الوقت تغيب النقد وتضيق عليه، لأن السياسة تتبرم من أي نقد، وبذلك تخنقه في سبيل سيادة قوالب أيديولوجية جاهزة جامدة لقد سادت السياسة على الثقافة فقتلتها، وهذا ما يحصل دائما في كل زمان ومكان، فالسياسة سلطة والثقافة حرية، والسلطة تقتل الحرية وتكبلها وتغلبها (42).

إن الاحتفاظ بهوية ثقافة عربية في العالم العربي مرتبط بمقدار التحديث، وتبني أسس الحداثة في تكوينها بحيث تكون مرنة ومنفتحة مع الاحتفاظ بخصوصيتها والدفاع عنها، لان القانون الذي يحكم العالم اليوم هو قانون المنافسة عن طريق تقوية الأنا، والتعامل مع الآخر بأساليب عصرية علمية عقلانية واقعية، عن طريق تقوية المؤسسات الاقتصادية، وتحديث المعاهد العلمية والثقافية بحيث نستطيع الدخول مع الآخر في حلبة المشاركة ثم المنافسة. هذه هي الوسيلة المجدية، لا العنف الكلامي والانغلاق على الذات ومحاولة إلقاء الآخر الحاضر في شتى مناحي حياتنا رغماً عنا، هذا بالإضافة إلى غرس الروح النقدية، والجرأة العلمية بين طلابنا، التي تجعلهم يتخلون عن الآراء المسبقة، والأحكام المبنية على الحماس والعاطفة، ونظرة التقديس للتراث العربي، والخوف من السلطة في الحاضر، بذلك نواجه أوهامنا الفكرية وعظمتنا الإنسانية غير الواقعية، ونؤمن بالنسبية في قيمنا وأحكامنا، ونعيد مراجعة أسس ثقافتنا التعليمية والتربوية المبنية على نظرة التسليم وتصحيح أدواتها ومناهجها المعتمدة على التلقي، والحفظ والتذكر التي رسخها (دانلوب)، وجذرها خبراء التعليم والتربية في بلادنا العربية، وما لم نع أبعاد هذه البنية التعليمية التي تنتج مثقفين عملهم المفضل التكرار والاجترار، ما لم نخلخل ثوابت هذه البنية وأهدافها الكامنة التي تناقض أهداف التعليم والتربية والثقافة الظاهرة، وذلك باستنبات آليات ترسخ روح التفكير والنقد والصراع الفكري بالحوار والجدل، ويصبح العقل أداة فاعلة منتجة للأفكار وناقدة لها على أسس منهجية علمية واقعية، بذلك يتكون فضاء ثقافي يحترم الرأي الآخر، ويخلق صراعاً فكرياً يؤدي إلى الإبداع والابتكار في شتى المجالات، في ساحة تتمتع بهامش كبير من حرية التعبير والاستقلال السياسي، الذي يعد شرطاً ضرورياً للإبداع والابتكار، فلا إبداع مع التسلط والعنف ومصادرة الآراء والقولبة داخل قوالب محددة تضعها السلطة السياسية.

كيف نكون ثقافة جديدة؟

تكوين الثقافة في أي مجتمع لابد أن ينطلق من معالجة مشاكل المجتمع، ولابد أن يشعر كل فرد فيه بأنها تخدم مصلحته فعندما يشعر الفرد أنه يمثل لبنة مهمة  داخل مجتمعه يصبح إنساناً فعالاً، لأن هدفه هو خدمة المواطن وتحقيق سعادته، وبذلك ينخرط كل فرد في المجتمع محاولاً تغيير الواقع، (43) وعن طريق وعي الفرد بذاته، وأهداف مجتمعه، وممارسة نقد الذات والآخر، تتوحد الإرادات داخل المجتمع من أجل إيجاد رؤية مشتركة للعالم والإنسان، الذي يؤدي إلى ولادة ثقافة واحدة في مرحلة من مراحل نمو المجتمع ،  والثقافة الجديدة لا تعني فقط ابتكاراً لا سابق له من قبل أفراد معينين، وإنما تشمل نشر حقائق سابقة ولكن بشكل نقدي، ومحاولة نشرها على المستوى الاجتماعي، أي تصبح جزءاً من وعي أفراد المجتمع لكي تصبح أساساً فعالاً لتفعيله، وعنصر تنسيق بينها، وربما تشكل نظاماً فكرياً وأخلاقياً متماسكاً موحداً يوجه أفراد المجتمع نحو التفكير في واقعهم المتحرك المتغير وبذلك يشارك الإنتاج الثقافي في خلق نموذج سياسي، يعيد صياغة العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع ولأن الثقافة لا تعد دائماً مرآة تعكس صورة الشعب، بقدر ما تعبر عن ميزان القوى السياسية والصراع الدائر في محاولة مستمرة للهيمنة، وبناء على ذلك فإن أي محاولة للتغيير تتطلب تغيير العلاقات الاجتماعية " إن العلاقات الاجتماعية الأساسية تتبدل بالضرورة حتى داخل الإطار السياسي الواحد، وتبرز في قوى جديدة فعلية، تنمو وتؤثر بشكل غير مباشر، عن طريق الضغط البطيء والمستمر دون تراجع، على القوى الرسمية التي تقوم بتعديلها، دون إدراك منها بذلك " (44) يكاد يتفق جل الفلاسفة على أن التغيير داخل المجتمع لابد أن يتم بطريقة هادئة بطيئة هدفهم تنويري بالدرجة الأولى يرمون من ورائه إلى إحداث تغيير داخلي أي توعية أفراد المجتمع وإقناعهم " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " (45) هذه الآية القرآنية نرى أنها تتطابق مع قاعدة فكرية راسخة لدى أغلب الفلاسفة، وتلتقي مع أحد الثوابت في تفكيرهم، وهي رفضهم العنف بكل أشكاله المادية والمعنوية، لأنهم يطمحون إلى تغيير لا يفرض قسراً على المجتمع وإنما ينبع من قناعاتهم وحاجاتهم المادية والمعنوية.

 

المراجع :

1- ابراهيم ،مجدى عزيز.قضايا في المنهج التربوي ،مكتبة الأنجلو المصرية ،1992.

2- محمد عمارة ، (1999م) : مخاطر العولمة على الهوية الثقافية ،  ص 6

3-  محمود المنير ، (2000م) : العولمة وعالم بلا هوية ، المنصورة ، دار الكلمة ، ص 156- ص 159 .

4- اليكسي ميكشيللي ، (1993م) : الهوية ، دمشق ، دار الوسيم ص 169.

5-  تركي الحمد ، (2001م) الثقافة العربية في عصر العولمة،ط2، بيروت ، دار الساقي ، ص 18.

6- محمد عمارة ، مخاطر العولمة على الهوية  الثقافية ، مرجع سابق ، ص ص 6-7.

7-عبدالمنعم الحنفي ،المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة ،القاهرة ،مكتبة مدبولي،(2000)ص     223 .

8- نفس المرجع ،ص 225

9-عبدالرحمن العيسوي ،مجلة الفيصل ،العدد2044 ،عام1428هـ.

10- نجاح قدوره ، تطور التعليم وقيم الحياة،  ورقة انترنت.

11- جريدة الشرق الأوسط ،العدد5536،عام1428هـ .

12- الحارثي،ساعد العرابي.مسؤولية الإعلام في تأكيد الهوية الثقافية ،المجلة العربية ثقافية –اجتماعية –جامعة ،الرياض .

13- الحارثي،ساعد العرابي.مسؤولية الإعلام في تأكيد الهوية الثقافية ،المجلة العربية ثقافية –اجتماعية –جامعة ،الرياض .

14- ابراهيم ،مجدى عزيز ، مرجع سابق،1992 .

15-موريس شربل ،التطور المعرفي عند جان بياجيه،بيروت :المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1986.

16-كمال مغيث،التعليم في مصر يدق أجرا س الخطر بمناسبة بدء العام الدراسي ،ورقة انترنت.

17-نفس المرجع السابق.

18- نفس المرجع السابق .

19- سلطان الشاوي، مؤتمر التعريب بين الأصالة والمعاصرة ، 1982، ورقة انترنت.

20- محمد عابد الجابري، المسألة الثقافية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، (1994) ص 39 .

21-مجموعة من المفكرين، تساؤلات الفكر المعاصر، ترجمة محمد سبيلا ( الرباط، دار الأمان) ص 91 .

22- محمد عابد الجابري، المسألة الثقافية ، مرجع سابق ، ص 213 .

23- فريري باولو، العمل الثقافي من أجل الحرية، ترجمة خليفة العزابي ( طرابلس، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، د . ن) ص 53 .

24- نفس المرجع السابق، ص 69 .

25-المعرفة العلمية تتميز " ذلك إن نقطة الانطلاق الحقيقية الوحيدة في المعرفة العلمية للواقع هي العلاقات الجدلية بين الأنا والألم، والفهم النقدي لكيفية نشوء وتطور هذه العلاقات وكيف تكيف هذه العلاقات بدورها إدراك الإنسان للواقع الملموس " ، نفس المرجع السابق ، ص 92 .

26-  نفس المرجع السابق، ص 80 - 81 .

27-  نفس المرجع السابق، ص 7 .

28- محمد عابد الجابري، المسألة الثقافية ، مرجع سابق ، ص 19 .

29- من رواد هذا التيار : سيد قطب، حسن حنفي، محمد عمارة .

30-  من رواد هذا التيار، عبد الله العروي.

31-  يمثل هذا التيار: محمد عابد الجابري، والمدرسة العقلانية المغربية ومن روادها عبد السلام بن عبد العالي، وسالم يفوت، هشام جعيط، محمد أركون ...

32-  نفس المرجع السابق، ص 19 .

 33-  الصادق النيهوم، صوت الناس، محنة ثقافة مزورة ( لندن، مكتبة رياض الريس للكتب والنشر، 1987) ص 188 .

34- نفس المرجع السابق، ص 188 .

35- أنور عبد الملك، دراسات في الثقافة الوطنية، (بيروت، دار الطليعة،1967) ، ص 38 .

36- نفس المرجع السابق، ص 219 - 220 .

37- نذكر من هؤلاء المفكرين محمد عابد الجابري، هشام جعيط، وعلي حرب، ورجاء النقاش، ويمني العيد، محمد مفتاح.

38-نفس المرجع السابق، ص 360 - 361 .

39- محمد عابد الجابري، المسألة الثقافية، ص 45 - 46 .

40-صادق جلال العظم، ذهنية التحريم، ( قبرص، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، 1997)، ص 115 - 116 .

41-  محمد عابد الجابري، المسألة الثقافية، ص 194 .

42- صادق جلال العظم، ذهنية التحريم، مرجع سابق، ص 115 - 116 .

43-  أمينة راشد، غرامشي من الهيمنة إلى الهيمنة الأخرى، غرامشي وقضايا المجتمع، ندوة القاهرة ( القاهرة، مؤسسة عيبال للطباعة والنشر، 1991) ص 198 - 199 ، ص 200 .

44- جوزيبي فاكا، تحليل الهيمنة، غرامشي وقضايا المجتمع المدني، ندوة القاهرة، مرجع سابق، ص 116

45- القران الكريم ، سورة الرعد، آية رقم 11 .

 

 

 

 

 

 


[1] - تصريح بلغراد ...(1976)

2- التنمية المستديمة ... بعض الفروض الأساسية ، ورقة ويب ، ص 299.

([2]) تومامس كويك: "بناء فريق عمل ناجح، مكتبة جرير، الرياض، السعودية، 1999، ص ص 4 - 5.

([3])  Brain. E. Mansir & Niholas. R. Schacht “Total quality management - A Guide to Implementation”, Logistic management institute, Goldsboro road, Mary, Land, August 1989, pp 32 - 33.