قائمة الروابط

مما يبطل شبهة الوحي النفسي أن الروايات الصحيحة قد أثبتت أن الوحي انقطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة من الزمن ، وقد شقّ ذلك عليه ، وأحزنه حتى ظنّ أنّ الله قد قلاه ، فجاءه جبريل تعالى بسورة " الضحى" يقسم له ربه أنه ما ودعه وما قلاه . 

روى البخاري في صحيحه ([1]) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  لجبريل : ألا تزورنا أكثر مما تزورنا " قال : فنزلت : { ) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا   } ([2]).

فهذا من أبلغ الردود على دعوى هؤلاء المستشرقين أن الوحي من نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وهناك حالات تأخر فيها نزول الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  وهو في أشد الحاجة إليه وهذه الحالات هي([3]) :

1. في حادثة الإفك : حين شاع حديث الإفك وأرجف المنافقون بما اتهموا به السيدة عائشة - رضي الله عنها - ، قاصدين بذلك الطعن في رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم -  ، مر الرسول - صلى الله عليه وسلم -  بأيام بالغة العسـر ، لأن اتهامها يمس كرامته وشرفه ، وأبطأ الوحي عليه في هذه القضية ، وتحرّج الصحابة معه حتى بلغت القلوب الحناجر ، ومضى شهر بأكمله ولم يزد على أن قال لها آخر الأمر " يا عائشة أما إنه بلغني كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله " ، وظلّ - صلى الله عليه وسلم -  هكذا حتى نزول الوحي ببراءتها ، فنزل قول الله تعالى : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ([4]).

  

  1. في سؤال المشركين عن الروح دليل على أنّ هذا الوحي منفصل عن ذاته - صلى الله عليه وسلم -  .
    روى البخاري عن ابن مسعود t : أن النبي - صلى الله عليه وسلم -  سئل عن الروح فسكت حتى نزلت الآية (
    [5]) : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} ([6])

ومن الأدلّة على أن هذا القرآن ليس وحياً نفسيّاً فاضت به نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  أننا لا نجد فيه آية واحدة تثبت صدور القرآن عن نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  ، بل الحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -  في القرآن إما بضمير الغائب أو بضمير المخاطب ، كقوله تعالى : " يا أيها النبي " ، " يا أيها الرسول " فلم تأت آية واحدة تتحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  بضمير المتكلم .
وهناك  دليل آخر على انفصال شخصيته - صلى الله عليه وسلم -  عن الوحي الذي ينزل عليه ، فقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم فيها عتاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -  في غير ما يحبه ، فتخطئه في آرائه ، وتأذن له في الشيء لا يميل إليه ، فإذا تلبث فيه يسيراً تلقاه القرآن بالتعنيف الشديد ، والعتاب القاسي ، والنقد المرّ ، حتى في أقل الأشياء خطراً .

قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}  ([7]).

وقال تعالى : {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} ([8]).

وقال في شأن الإذن لجماعة المتخلفين في غزوة تبوك : {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} ([9]).

ويقف القرآن رادّاً قلب الرسول الكريم ، وعاطفته الروحية التي وسعت المنافقين على نفاقهم ، والمشركين رجاء إيمانهم من أن يستغفر لهم : قال الله تعالى : {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ   } ([10]).

ونظير ذلك ما نزل في شأن أسرى بدر قوله تعالى : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  } ([11]).

وقـال تعالى في شأن إعراضه - صلى الله عليه وسلم -  عن عبد الله بن أم مكتوم طمعاً في إيمان بعض المشركين : { ) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) } ([12]).

ويعلق محمد عبد الله درّاز ([13]) على هذه الآيات الكريمات بقوله : " أرأيت لو كانت هذه التقريعات المؤلمة صادرة عن وجدانه ، معبرة عن ندمه ، ووخز ضميره حين بدا له خلاف ما فرط في رأيه أكان يعلنها عن نفسه بهذا التهويل والتشنيع ؟ ألم يكن له في السكوت عنها ستر على نفسه ، واستبقاء لحرمة آرائه ؟ بلى إن هذا القرآن لو كان يفيض عن وجدانه لكان يستطيع عند الحاجة أن يكتم شيئاً من ذلك الوجدان ، ولو كان كاتماً شيئاً لكتم أمثال هذه الآيات ، ولكنه الوحي لا يستطيع كتمانه { وما هو على الغيب بضنين  } ([14]) "([15]).

ويقول أيضاً في موضع آخر من كتابه : " وأنت لو نظرت في هذه الذنوب ، التي وقع فيها العتاب عليها لوجدتها تنحصر في شيء واحد ، وهو أنه - صلى الله عليه وسلم -  كان إذا ترجح بين أمرين ، ولم يجد فيهما إثماً اختار أقربهما إلى رحمة أهله ، وهداية قومه ، وتأليف خصمه وأبعدهما عن الغلظة ، والجفاء وعن إثارة الشبه في دين الله ، ولم يكن بين يديه نص فخالفه كفاحاً أو جازوه خطأً ونسياناً إنما نبهه القرآن إلى ما هو أرجح في ميزان الحكمة الإلهية " ([16]) .

وها هو الحقّ يظهر جليّاً في كتابات من هداه الله تعالى للإسلام من المستشرقين حيث يقول " الكونت هنري دي كاستري " : ( والعقل يحار كيف يتأتى أن تصدر تلك الآيات عن رجلٍ أميٍّ ، وقد اعترف الشرق قاطبةً بأنّها مما يعجز فكر بني الإنسان عن الإتيان بمثلها لفظاً ومعنى ، آيات لمَّا سمعها " عقبة بن ربيعة " حار في جمالها ، وكفى رفيع عبارتها لإقناع " عمر ابن الخطاب " فآمن ، وفاضت عين نجاشي الحبشة بالدموع لمّا تلا عليه " جعفر بن أبي طالب " سورة مريم وما جاء في ولادة " يحيى " فلمّا كان اليوم التالي طلب النجاشي جعفراً ، وأشار إليه بتلاوة ما في القرآن عن المسيح ، ففعل ، واستغرب الملك لمّا سمع أنّ المسيح عبد الله ورسوله ، وروح منه ، ونزل في أمه مريم ، وأعجب أشد الإعجاب بهذه المعاني ، وحمى المسلمين ، ولم يسلمهم إلى رسل قريش ، ولم ينفهم من بلاده ) ([17]) .

وهكذا يتضح لنا من كل هذه الأدلة السابقة كذب المستشرقين في ادعائهم أن القرآن الكريم فاضت به نفس الرسول - صلى الله عليه وسلم -  بل هو كلام الله تعالى أوحاه إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -  فبلغه إلى الناس كافة .

 

 

([1]) صحيح البخاري ، 4/80 ، كتاب بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة .

([2]) سورة مريم : آية : 64 .

([3]) انظر : الوحي وإبطال الشبهات ، ص 358 - 362 .

([4]) سورة النور : آية : 4 .

([5]) صحيح البخاري ، كتاب الاعتصام ، باب ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم -  يسأل مما ينزل عليه الوحي ، 8/148 .

([6]) سورة الإسراء : بعض آية : 85 .

([7]) سورة التحريم : آية : 1 .

([8]) سورة الأحزاب : بعض آية : 37 .

([9]) سورة التوبة : آية : 43 .

([10]) سورة التوبة : آية : 113 .

([11]) سورة الأنفال : آية : 67 – 68 .

([12]) سورة عبس : آية : 5 – 10 .

([13]) محمد عبد الله درّاز : فقيه مصري أزهري ، كان من هيئة كبار العلماء بالأزهر ، وله كتب منها : الدين ، دراسة تمهيدية لتاريخ الإسلام ، توفي سنة 1377هـ . انظر : ترجمته في الأعلام ، 6/246 .

([14]) سورة التكوير : آية : 24 .

([15]) النبأ العظيم ، ص25 .

([16]) النبأ العظيم ، ص26 .

([17]) نقلاً من مقدمة د. عبد الحليم محمود لترجمته كتاب محمد رسول الله لإيتين دينيه ، ص16 .